######OpenITI# #META# Author: الزمخشري #META# Title: الكشاف #META# Date: ت 538 ه #META# Tafsir_type: أمهات التفاسير #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # قراء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من ~~الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، ~~كما بدىء بذكرها في كل أمر ذي بال، وهو مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - ومن ~~تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما ~~على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله، ~~ولذلك يجهرون بها. وقالوا قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد ~~القرآن، ولذلك لم يثبتوا { آمين } فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها. ~~وعن ابن عباس «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله ~~تعالى». فإن قلت بم تعلقت الباء؟ قلت بمحذوف تقديره بسم الله اقرأ أو ~~أتلو لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل ~~فقال بسم الله والبركات، كان المعنى بسم الله أحل وبسم الله أرتحل وكذلك ~~الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله ب «بسم الله» كان مضمرا ما جعل التسمية ~~مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجار قوله عز وجل # في تسع آيات إلى فرعون وقومه # النمل 12، أي اذهب في تسع آيات. وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس ~~بالرفاء والبنين، وقول الأعرابي باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت. ~~ومنه قوله # فقلت إلى الطعام فقال منهم فريق نحسد الإنس ~~الطعاما # فإن قلت لم قدرت المحذوف متأخرا؟ قلت لأن الأهم من الفعل والمتعلق به ~~هو المتعلق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون باسم اللات، ~~باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل ~~بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله { إياك ~~نعبد } ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص. والدليل عليه قوله # بسم الله مجراها ومرساها # هود 41. فإن قلت فقد قال # اقرأ باسم ربك # العلق 1، فقدم الفعل. قلت هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أول سورة نزلت ~~فكان الأمر بالقراءة أهم. فإن قلت ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة؟ قلت ~~فيه ms0001 وجهان أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك كتبت بالقلم، ~~على معنى أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدا به في الشرع، ~~واقعا على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله عليه الصلاة والسلام 1 # " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " # إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم الله كما يفعل الكتب ~~بالقلم. والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله # تنبت بالدهن # المؤمنون 20 على معنى متبركا بسم الله أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس ~~بالرفاء والبنين، معناه أعرست ملتبسا بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب ~~وأحسن فإن قلت فكيف قال الله تبارك وتعالى متبركا باسم الله أقرأ؟ قلت ~~هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك ~~{ الحمد لله رب العلمين } إلى آخره، وكثير من القرآن على ~~هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ~~ويمجدونه ويعظمونه. # فإن قلت من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة ~~التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه ~~وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟ قلت أما اللام ~~فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية ~~والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا ~~نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم ~~أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ~~ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى ~~زيادة شيء. ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال سم وسم. ~~قال # باسم الذي في كل سورة سمه # وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز كيد ودم، وأصله سمو، بدليل تصريفه ~~كأسماء، وسمي، وسميت، واشتقاقه من السمو، لأن التسمية تنويه بالمسمى ~~وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز من النبز بمعنى النبر، وهو رفع الصوت. ~~والنبز قشر النخلة ms0002 الأعلى. فإن قلت فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في ~~قوله باسم ربك؟ قلت قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه ~~وضع الخط لكثرة الاستعمال، وقالوا طولت الباء تعويضا من طرح الألف. ~~وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه طول الباء وأظهر السنات ودور ~~الميم. والله أصله الإله. قال # معاذ الإله أن تكون كظبية # ونظيره الناس، أصله الأناس. قال # إن المنايا يطلع ن على الأناس الآمنينا # فحذفت الهمزة وعوض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء يا ألله ~~بالقطع، كما يقال يا إله، والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس ~~اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم ~~اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على ~~الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه. وأما الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود ~~بالحق، لم يطلق على غيره. ومن هذا الاسم اشتق تأله، وأله، واستأله. كما ~~قيل استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر. فإن قلت أاسم هو أم ~~صفة؟ قلت بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به، لا تقول شيء إله، ~~كما لا تقول شيء رجل. # وتقول إله واحد صمد، كما تقول رجل كريم خير. وأيضا فإن صفاته تعالى ~~لا بد لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على ~~اسم موصوف بها وهذا محال. فإن قلت هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت معنى ~~الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدا معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة ~~قولهم أله، إذا تحير، ومن أخواته دله، وعله، ينتظمهما معنى التحير ~~والدهشة، وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن، ولذلك ~~كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح. فإن قلت هل تفخم لأمه؟ قلت ~~نعم قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه ~~دليل أنهم ورثوه كابرا عن كابر. والرحمن فعلان من رحم، كغضبان وسكران، ~~من غضب وسكر، وكذلك الرحيم فعيل منه، ms0003 كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي ~~الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذلك قالوا رحمن الدنيا ~~والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى. ~~وقال الزجاج في الغضبان هو الممتلىء غضبا. ومما طن على أذني من ملح ~~العرب أنهم يسمون مركبا من مراكبهم بالشقدف؟ وهو مركب خفيف ليس في ثقل ~~محامل العراق، فقلت في طريق الطائف منهم لرجل ما اسم هذا المحمل؟ أردت ~~المحمل العراقي فقال أليس ذاك اسمه الشقدف؟ قلت بلى، فقال هذا اسمه ~~الشقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة ~~كالدبران، والعيوق، والصعق لم يستعمل في غير الله عز وجل، كما أن ~~الله من الأسماء الغالبة. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمان اليمامة، ~~وقول شاعرهم فيه # وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا # فباب من تعنتهم في كفرهم. فإن قلت كيف تقول الله رحمن، أتصرفه أم لا؟ ~~قلت أقيسه على أخواته من بابه، أعني نحو عطشان، وغرثان، وسكران، فلا ~~أصرفه. فإن قلت قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى واختصاصه ~~بالله يحظر أن يكون فعلان فعلى، فلم تمنعه الصرف؟ قلت كما حظر ذلك أن ~~يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة ~~كندمانة، فإذا لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض فوجب الرجوع إلى ~~الأصل قبل الاختصاص وهو القياس على نظائره. فإن قلت ما معنى وصف الله ~~تعالى بالرحمة ومعناها العطف والحنو ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها؟ ~~قلت هو مجاز عن إنعامه على عباده لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم ~~أصابهم بمعروفه وإنعامه، كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ~~ومنعهم خيره ومعروفه. فإن قلت فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو ~~دونه، والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم فلان عالم نحرير، ~~وشجاع باسل، وجواد فياض؟ قلت لما قال الرحمن فتناول جلائل النعم ~~وعظائمها وأصولها، أردفه الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ~~ولطف. ### || [1.2-3] ms0004 # الحمد والمدح أخوان، وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها. ~~تقول حمدت الرجل على إنعامه، وحمدته على حسبه وشجاعته. وأما الشكر فعلى ~~النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال # أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير ~~المحجبا # والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر، ومنه قوله عليهالصلاة و ~~السلام 2 # " الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لم يحمده " # وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها، أشيع ~~لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في ~~عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل ~~خفي ويجلي كل مشتبه. والحمد نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفران، وارتفاع ~~الحمد بالابتداء وخبره الظرف الذي هو «لله» وأصله النصب الذي هو قراءة ~~بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في ~~معنى الإخبار، كقولهم شكرا، وكفرا، وعجبا، وما أشبه ذلك، ومنها ~~سبحانك، ومعاذ الله، ينزلونها منزلة أفعالها ويسدون بها مسدها، لذلك لا ~~يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة، والعدل بها عن ~~النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره. ومنه ~~قوله تعالى # قالوا سلما قال سلم # هود 69، رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حياهم ~~بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده ~~وحدوثه. والمعنى نحمد الله حمدا، ولذلك قيل { إياك نعبد ~~وإياك نستعين } لأنه بيان لحمدهم له، كأنه قيل كيف تحمدون؟ ~~فقيل إياك نعبد. فإن قلت ما معنى التعريف فيه؟ قلت هو نحو التعريف في ~~أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من ~~أن الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال. والاستغراق الذي ~~يتوهمه كثير من الناس وهم منهم. وقرأ الحسن البصري { الحمد لله } ~~بكسر الدال لإتباعها اللام. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة { الحمد ~~لله } بضم اللام لإتباعها الدال، والذي جسرهما على ذلك والإتباع ~~إنما يكون في كلمة ms0005 واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة تنزل الكلمتين ~~منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين، وأشف القراءتين قراءة إبراهيم حيث ~~جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى، بخلاف قراءة الحسن. ~~الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبي سفيان لأن يربني رجل من قريش أحب إلي ~~من أن يربني رجل من هوازن. تقول ربه يربه فهو رب، كما تقول نم عليه ينم ~~فهو نم. ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل، ولم ~~يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وهو في غيره على التقيد بالإضافة، كقولهم ~~رب الدار، ورب الناقة، وقوله تعالى # ارجع إلى ربك # يوسف 50، # إنه ربى أحسن مثواي # يوسف 23. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما { رب العلمين } ~~بالنصب على المدح وقيل بما دل عليه الحمد لله كأنه قيل نحمد الله رب ~~العالمين. العالم اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل كل ما علم ~~به الخالق من الأجسام والأعراض. فإن قلت لم جمع؟ قلت ليشمل كل جنس مما ~~سمي به. فإن قلت هو اسم غير صفة، وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء ~~أو ما في حكمها من الأعلام. قلت ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه وهي الدلالة ~~على معنى العلم. ### || [1.4] # قرىء " ملك يوم الدين " ، ومالك وملك بتخفيف اللام. وقرأ أبو حنيفة رضي ~~الله عنه ملك يوم الدين، بلفظ الفعل ونصب اليوم، وقرأ أبو هريرة رضي ~~الله عنه مالك بالنصب. وقرأ غيره ملك، وهو نصب على المدح ومنهم من قرأ ~~مالك، بالرفع. وملك هو الاختيار، لأنه قراءة أهل الحرمين، ولقوله # لمن الملك اليوم # غافر 16، ولقوله # ملك الناس # الناس 2، ولأن الملك يعم والملك يخص. ويوم الدين يوم الجزاء. ومنه قولهم ~~3 «كما تدين تدان». وبيت الحماسة # ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا # فإن قلت ما هذه الإضافة؟ قلت هي إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق ~~الإتساع، مجرى مجرى المفعول به كقولهم يا سارق الليلة أهل الدار، ~~والمعنى على الظرفية. ومعناه مالك الأمر كله في يوم الدين، كقوله # لمن الملك اليوم ms0006 # غافر 16. فإن قلت فإضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقة فلا تكون معطية ~~معنى التعريف، فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟ قلت إنما تكون غير حقيقية إذا ~~أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، فكان في تقدير الانفصال، كقولك ~~مالك الساعة، أو غدا. فأما إذا قصد معنى الماضي، كقولك هو مالك عبده ~~أمس، أو زمان مستمر، كقولك زيد مالك العبيد، كانت الإضافة حقيقية، كقولك ~~مولى العبيد، وهذا هو المعنى في { ملك يوم الدين } ، ويجوز أن ~~يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، كقوله # ونادى أصحب الجنة # الأعراف 44، # ونادى أصحب الاعراف # الأعراف 48، والدليل عليه قراءة أبي حنيفة «ملك يوم الدين» ، وهذه ~~الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه من كونه ربا مالكا للعالمين لا ~~يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعما بالنعم كلها الظاهرة ~~والباطنة والجلائل والدقائق، و من كونه مالكا للأمر كله في العاقبة يوم ~~الثواب والعقاب بعد الدلالة على اختصاص الحمد به وأنه به حقيق في ~~قولهالحمد لله دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه ~~بالحمد والثناء عليه بما هو أهله. ### || [1.5] # «إيا» ضمير منفصل للمنصوب، واللواحق التي تلحقه من الكاف والهاء والياء ~~في قولك إياك، وإياه، وإياي، لبيان الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها ~~من الإعراب، كما لا محل للكاف في أرأيتك، وليست بأسماء مضمرة، وهو مذهب ~~الأخفش وعليه المحققون، وأما ما حكاه الخليل عن بعض العرب «إذا بلغ الرجل ~~الستين فإياه وإيا الشواب» فشيء شاذ لا يعول عليه، وتقديم المفعول لقصد ~~الاختصاص، كقوله تعالى # قل أفغير الله تأمرونى أعبد # الزمر 64، # قل أغير الله أبغى ربا # الأنعام 164. والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة. وقرىء " إياك ~~" بتخفيف الياء، وأياك بفتح الهمزة والتشديد، وهياك بقلب الهمزة هاء. قال ~~طفيل الغنوي # فهياك والأمر الذي إن تراحبت موارده ضاقت ~~عليك مصادره # والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل. ومنه ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية ~~الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه ~~مولى أعظم النعم فكان ms0007 حقيقا بأقصى غاية الخضوع. فإن قلت لم عدل عن لفظ ~~الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت هذا يسمى الالتفات في علم البيان قد يكون من ~~الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله ~~تعالى # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم # يونس 22. وقوله تعالى # والله الذى أرسل الرياح فتثير سحبا فسقناه # فاطر 9. وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات # تطاول ليلك بالأثمد ونام الخلي ولم ترقد ~~وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد وذلك ~~من نبإ جاءني وخبرته عن أبي الأسود # وذلك على عادة افتتانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأن الكلام إذا نقل من ~~أسلوب إلى أسلوب، كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء ~~إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختص مواقعه بفوائد. ومما اختص به ~~هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، ~~تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة في ~~المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل إياك يا من هذه ~~صفاته نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب ~~أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به. فإن قلت ~~لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم ~~وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته. فإن قلت فلم قدمت العبادة على ~~الاستعانة؟ قلت لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة ~~إليها. فإن قلت لم أطلقت الاستعانة؟ قلت ليتناول كل مستعان فيه، والأحسن ~~أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله { اهدنا ~~} بيانا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل كيف أعينكم؟ فقالوا اهدنا الصراط ~~المستقيم، وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض. وقرأ ابن ~~حبيش " نستعين " ، بكسر النون. ### || [1.6] # هدى أصله أن يتعدى باللام أو بإلى، كقوله تعالى # إن هذا االقرآن يهدى للتى هى أقوم # الإسراء 9، # وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم # الشورى 52، فعومل معاملة اختار في قوله ms0008 تعالى # واختار موسى قومه # الأعراف 155. ومعنى طلب الهداية وهم مهتدون طلب زيادة الهدى ~~بمنح الإلطاف، كقوله تعالى # والذين اهتدوا زادهم هدى # محمد 17، # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # العنكبوت 69. وعن علي وأبي رضي الله عنهما اهدنا ثبتنا، وصيغة الأمر ~~والدعاء واحدة، لأن كل واحد منهما طلب، وإنما يتفاوتان في الرتبة. وقرأ ~~عبد الله أرشدنا. «السراط»الجادة، من سرط الشيء إذا ابتلعه، لأنه يسترط ~~السابلة إذا سلكوه، كما سمي لقما، لأنه يلتقمهم. والصراط من قلب السين ~~صادا لأجل الطاء، كقوله «مصيطر»، في «مسيطر»، وقد تشم الصاد صوت الزاي، ~~وقرىء بهن جميعا، وفصاحهن إخلاص الصاد، وهي لغة قريش وهي الثابتة في ~~الإمام، ويجمع سرطا، نحو كتاب وكتب، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، ~~والمراد طريق الحق وهو ملة الإسلام. ### || [1.7] # { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من الصراط المستقيم، ~~وهو في حكم تكرير العامل، كأنه قيل اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط ~~الذين أنعمت عليهم، كما قال # الذين استضعفوا * لمن ءامن منهم # الأعراف 75، فإن قلت ما فائدة البدل؟ وهلا قيلاهدنا صراط الذين أنعمت ~~عليهم؟ قلت فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، والإشعار بأن ~~الطريق المستقيم بيانه وتفسيره صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط ~~المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول هل أدلك على أكرم ~~الناس وأفضلهم؟ فلان فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك هل ~~أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ثنيت ذكره مجملا أولا، ومفصلا ~~ثانيا، وأوقعت فلانا تفسيرا وإيضاحا للأكرم الأفضل فجعلته علما في ~~الكرم والفضل، فكأنك قلت من أراد رجلا جامعا للخصلتين فعليه بفلان، فهو ~~المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع. والذين أنعمت عليهم ~~هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأن من أنعم عليه بنعمة ~~الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه. وعن ابن عباس هم أصحاب ~~موسى قبل أن يغيروا، وقيل هم الأنبياء. وقرأ ابن مسعود «صراط من أنعمت ~~عليهم». { غير المغضوب عليهم } بدل من الذين أنعمت عليهم، ~~على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا ms0009 من غضب الله والضلال، أو صفة ~~على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة ~~من غضب الله والضلال. فإن قلت كيف صح أن يقع { غير } صفة للمعرفة وهو ~~لا يتعرف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت { الذين أنعمت عليهم ~~} لا توقيت فيه كقوله # ولقد أمر على اللئيم يسبني # ولأن المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في غير ~~إذا الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرف، وقرىء بالنصب على الحال وهي ~~قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، ~~وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت، وقيل المغضوب عليهم هم اليهود ~~لقوله عز وجل # من لعنه الله وغضب عليه # المائدة 60. والضالون هم النصارى لقوله تعالى # قد ضلوا من قبل # المائدة 77، فإن قلت ما معنى غضب الله؟ قلت هو إرادة الانتقام من ~~العصاة، وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من ~~تحت يده نعوذ بالله من غضبه، ونسأله رضاه ورحمته. فإن قلت أي فرق بين ~~{ عليهم } الأولى و { عليهم } الثانية؟ قلت الأولى محلها النصب ~~على المفعولية، والثانية محلها الرفع على الفاعلية. فإن قلت لم دخلت «لا» ~~في { ولا الضالين }؟ قلت لما في غير من معنى النفي، كأنه ~~قيل لا المغضوب عليهم ولا الضالين. # وتقول أنا زيدا غير ضارب. مع امتناع قولك أنا زيدا مثل ضارب، لإنه ~~بمنزلة قولك أنا زيدا لا ضارب. وعن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قرآ ~~وغير الضالين. وقرأ أيوب السختياني «ولا الضألين» بالهمزة ، كما ~~قرأ عمرو بن عبيد «ولا جأن» وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين. ~~ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم شأبة، ودأبة. آمين صوت سمي به الفعل الذي ~~هو استجب، كما أن «رويد، وحيهل، وهلم» أصوات سميت بها الأفعال التي هي ~~«أمهل، وأسرع، وأقبل». وعن ابن عباس 4 سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن معنى آمين فقال «افعل» وفيه لغتان مد ألفه، وقصرها. قال # ويرحم ms0010 الله عبدا قال آمينا # وقال # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وعن النبي صلى الله عليه وسلم 5 # " لقنني جبريل عليه السلام آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب " # وقال # " إنه كالختم على الكتاب " # وليس من القرآن بدليل أنه لم يثبت في المصاحف. وعن الحسن لا يقولها ~~الإمام لأنه الداعي. وعن أبي حنيفة رحمه الله مثله، والمشهور عنه وعن ~~أصحابه أنه يخفيها. وروى الإخفاء عبد الله بن مغفل وأنس عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وعند الشافعي يجهر بها. وعن وائل بن حجر 6 أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا قرأ ولا الضالين، قال آمين ورفع بها صوته. وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب 7 # " ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ قلت بلى ~~يا رسول الله. قال «فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي ~~أوتيته " # وعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال 8 # " إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا فيقرأ صبي من ~~صبيانهم في الكتاب { الحمد لله رب العالمين } فيسمعه الله ~~تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة ". ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # «الم» إعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء، مسمياتها الحروف ~~المبسوطة التي منها ركبت الكلم، فقولك ضاد اسم سمي به «ضه» من ~~ضرب إذا تهجيته، وكذلك را، با اسمان لقولك ره، به وقد روعيت في هذه ~~التسمية لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف ~~وحدان والأسامي عدد حروفها مرتق إلى الثلاثة، اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا ~~في التسمية على المسمى فلم يغفلوها، وجعلوا المسمى صدر كل اسم منها كما ~~ترى، إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ~~ساكنا. ومما يضاهيها في إيداع اللفظ دلالة على المعنى التهليل، ~~والحوقلة، والحيعلة، والبسملة وحكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ~~ساكنة الأعجاز موقوفة كأسماء الأعداد، فيقال ألف لام ميم، كما يقال واحد ~~اثنان ثلاثة ms0011 فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب. تقول هذه ألف، وكتبت ~~ألفا، ونظرت إلى ألف وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية ذاته فحسب، قبل أن ~~يحدث فيه بدخول العوامل شيء من تأثيراتها، فحقك أن تلفظ به موقوفا. ألا ~~ترى أنك إذا أردت أن تلقى على الحاسب أجناسا مختلفة ليرفع حسبانها، كيف ~~تصنع وكيف تلقيها أغفالا من سمة الإعراب؟ فتقول دار، غلام، جارية، ثوب، ~~بساط. ولو أعربت ركبت شططا. فإن قلت لم قضيت لهذه الألفاظ بالإسمية؟ ~~وهلا زعمت أنها حروف كما وقع في عبارات المتقدمين؟ قلت قد استوضحت ~~بالبرهان النير أنها أسماء غير حروف، فعلمت أن قولهم خليق بأن يصرف إلى ~~التسامح، وقد وجدناهم متسامحين في تسمية كثير من الأسماء التي لا يقدح ~~إشكال في اسميتها كالظروف وغيرها بالحروف، مستعملين الحرف في معنى ~~الكلمة، وذلك أن قولك «ألف» دلالته على أوسط حروف «قال، وقام» دلالة ~~«فرس» على الحيوان المخصوص، لا فضل فيما يرجع إلى التسمية بين الدلالتين. ~~ألا ترى أن الحرف ما دل على معنى في غيره، وهذا كما ترى دال على معنى ~~في نفسه ولأنها متصرف فيها بالإمالة كقولك با، تا. وبالتفخيم كقولك يا، ~~ها. وبالتعريف، والتنكير، والجمع والتصغير، والوصف، والإسناد، والإضافة، ~~وجميع ما للأسماء المتصرفة. ثم إني عثرت من جانب الخليل على نص في ذلك. ~~قال سيبويه قال الخليل يوما وسأل أصحابه كيف تقولون إذا أردتم ~~أن تلفظوا بالكاف التي في لك، والباء التي في ضرب؟ فقيل نقول باء، كاف ~~فقال إنما جئتم بالإسم، ولم تلفظوا بالحرف، وقال أقول كه، به. وذكر أبو ~~علي في كتاب الحجة في يس وإمالة يا، أنهم قالوا يا زيد، في النداء ~~فأمالوا وإن كان حرفا، قال فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يمال من الحروف ~~من أجل الياء، فلأن يميلوا الاسم الذي هو يس أجدر. # ألا ترى أن هذه الحروف أسماء لما يلفظ بها؟ فإن قلت من أي قبيل هي من ~~الأسماء، أمعربة أم مبنية؟ قلت بل هي أسماء معربة، وإنما سكنت سكون زيد ~~وعمرو ms0012 وغيرهما من الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد مقتضيه وموجبه. ~~والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذى بها حذو كيف، ~~وأين، وهؤلاء. ولم يقل ص، ق، ن مجموعا فيها بين الساكنين. فإن قلت فلم ~~لفظ المتهجي بما آخره ألف منها مقصورا، فلما أعرب مد فقال هذه باء، ~~وياء، وهاء وذلك يخيل أن وزانها وزان قولك «لا» مقصورة فإذا جعلتها إسما ~~مددت فقلت كتبت لاء؟ قلت هذا التخيل يضمحل بما لخصته من الدليل والسبب في ~~أن قصرت متهجاة، ومدت حين مسها الإعراب أن حال التهجي خليقة بالأخف ~~الأوجز، واستعمالها فيه أكثر. فإن قلت قد تبين أنها أسماء لحروف المعجم، ~~وأنها من قبيل المعربة، وأن سكون أعجازها عند الهجاء لأجل الوقف، فما وجه ~~وقوعها على هذه الصورة فواتح للسور؟ قلت فيه أوجه أحدها وعليه إطباق ~~الأكثر أنها أسماء السور. وقد ترجم صاحب الكتاب الباب الذي كسره على ~~ذكرها في حد ما لا ينصرف ب«باب أسماء السور» وهي في ذلك على ضربين ~~أحدهما ما لا يتأتى فيه إعراب، نحوكهيعص ،والمر. والثاني ما يتأتى فيه ~~الإعراب، وهو إما أن يكون اسما فردا كص، وق، ون، أو أسماء عدة مجموعها ~~على زنة مفرد ك«حم وطس ويس» فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك طسم ~~يتأتى فيها أن تفتح نونها، وتصير ميم مضمومة إلى طس فيجعلا اسما واحد ~~كدارا بحرد فالنوع الأول محكى ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه ~~الأمران الإعراب، والحكاية قال قاتل محمد بن طلحة السجاد وهو شريح بن ~~أوفى العبسي. # يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم ~~قبل التقدم # فأعرب حاميم ومنعها الصرف، وهكذا كل ما أعرب من أخواتها لاجتماع سببي ~~منع الصرف فيها، وهما العلمية، والتأنيث. والحكاية أن تجيء بالقول بعد ~~نقله على استبقاء صورته الأولى. كقولك دعني من تمرتان، وبدأت بالحمد لله، ~~وقرأت # سورة أنزلنها # النور 1 قال # وجدنا في كتاب بني تميم أحق الخيل بالركض ~~المعار # وقال ذو الرمة # سمعت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي ~~بلالا ms0013 # وقال آخر # تنادوا بالرحيل غدا وفي ترحالهم نفسي # وروى منصوبا ومجرورا. ويقول أهل الحجاز في استعلام من يقول رأيت ~~زيدا، من زيدا؟ وقال سيبويه سمعت من العرب لا من أين يا فتى. فإن قلت ~~فما وجه قراءة من قرأ ص، وق، ون مفتوحات؟ قلت الأوجه أن يقال ذاك نصب ~~وليس بفتح، وإنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف على ما ذكرت. # وانتصابها بفعل مضمر. نحو اذكر وقد أجاز سيبويه مثل ذلك في حم، وطس، ويس ~~لو قرىء به. وحكى أبو سعيد السيرافي أن بعضهم قرأ يس. ويجوز أن يقال ~~حركت لالتقاء الساكنين، كما قرأ من قرأ «ولا الضالين». فإن قلت هلا زعمت ~~أنها مقسم بها؟ وأنها نصبت قولهم نعم الله لأفعلن، وأي الله لأفعلن، على ~~حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم؟ وقال ذو الرمة # ألا رب من قلبي له لله ناصح # وقال آخر # فذاك أمانة الله الثريد # قلت إن القرآن والقلم بعد هذه الفواتح محلوف بهما، فلو زعمت ذلك لجمعت ~~بين قسمين على مقسم واحد وقد استكرهوا ذلك. قال الخليل في قوله عز وجل # واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق ~~الذكر والأنثى # الليل 1-3 الواوان الأخريان ليستا لمنزلة الأولى، ولكنهما الواوان ~~اللتان تضمان الأسماء إلى الأسماء في قولك مررت بزيد وعمرو، والأولى ~~بمنزلة الباء والتاء، قال سيبويه قلت للخليل فلم لا تكون الأخريان بمنزلة ~~الأولى؟ فقال إنما أقسم بهذه الأشياء على شيء، ولو كان انقضى قسمه ~~بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاما آخر، فيكون كقولك بالله لأفعلن، ~~بالله لأخرجن اليوم، ولا يقوى أن تقول وحقك وحق زيد لأفعلن. والواو ~~الأخيرة واو قسم لا يجوز إلا مستكرها قال وتقول وحياتي ثم حياتك لأفعلن ~~فثم ههنا بمنزلة الواو. هذا ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى أن تجعل الواو ~~للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب. فإن قلت فقدرها مجرورة بإضمار ~~الباء القسمية لا بحذفها، فقد جاء عنهم الله لأفعلن مجرورا، ونظيره ~~قولهم لاه أبوك غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها ms0014 غير مصروفة، واجعل ~~الواو للعطف حتى يستتب لك المصير إلى نحو ما أشرت إليه. قلت هذا لا يبعد ~~عن الصواب، ويعضده ما رووا عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال أقسم الله ~~بهذه الحروف. فإن قلت فما وجه قراءة بعضهم ص وق بالكسر؟ قلت وجهها ما ~~ذكرت من التحريك لالتقاء الساكنين، والذي يبسط من عذر المحرك أن الوقف ~~لما استمر بهذه الأسامي، شاكلت لذلك ما اجتمع في آخره ساكنان من ~~المبينات، فعوملت تارة معاملة «الآن» وأخرى معاملة «هؤلاء». فإن قلت هل ~~تسوغ لي في المحكية مثل ما سوغت لي في المعربة من إرادة معنى القسم؟ قلت ~~لا عليك في ذلك، وأن تقدر حرف القسم مضمرا في نحو قوله عز وجل # حم والكتاب المبين # الدخان 2، كأنه قيل أقسم بهذه السورة، وبالكتاب المبين إنا جعلناه. وأما ~~قوله صلى الله عليه وسلم 9 # " حم لا ينصرون " # فيصلح أن يقضى له بالجر والنصب جميعا على حذف الجار وإضماره. فإن قلت ~~فما معنى تسمية السور بهذه الألفاظ خاصة؟ قلت كأن المعنى في ذلك الإشعار ~~بأن الفرقان ليس إلا كلما عربية معروفة التركيب من مسميات هذه الألفاظ، ~~كما قال عز من قائل # قرآنا عربيا # يوسف 2. فإن قلت فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها، لا ~~على صور أساميها؟ قلت لأن الكلم لما كانت مركبة من ذوات الحروف، ~~واستمرت العادة متى تهجيت ومتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ ~~بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها، عمل على تلك الشاكلة المألوفة ~~في كتابة هذه الفواتح. وأيضا فإن شهرة أمرها، وإقامة ألسن الأسود ~~والأحمر لها، وأن اللافظ بها غير متهجاة لا يحلى بطائل منها ،وأن بعضها ~~مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده أمنت وقوع اللبس فيها، وقد ~~اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي بني عليها علم الخط ~~والهجاء ثم ما عاد ذلك بضير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان ~~أتباع خط المصحف سنة لا تخالف. قال عبد ms0015 الله بن درستويه في كتابه المترجم ~~بكتاب الكتاب المتمم في الخط والهجاء خطان لا يقاسان خط المصحف، لأنه ~~سنة، وخط العروض لأنه يثبت فيه ما أثبته اللفظ ويسقط عنه ما أسقطه. الوجه ~~الثاني أن يكون ورود هذه الأسماء هكذا مسرودة على نمط التعديد كالإيقاظ ~~وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن وبغرابة نظمه وكالتحريك للنظر في أن هذا ~~المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه ~~كلامهم ليؤديهم النظر إلى أن يستيقنوا أن لم تتساقط مقدرتهم دونه، ولم ~~تظهر معجزتهم عن أن يأتوا بمثله بعد المراجعات المتطاولة، وهم أمراء ~~الكلام وزعماء الحوار، وهم الحراص على التساجل في اقتضاب الخطب، ~~والمتهالكون على الافتنان في القصيد والرجز، ولم يبلغ من الجزالة وحسن ~~النظم المبالغ التي بزت بلاغة كل ناطق، وشقت غبار كل سابق، ولم يتجاوز ~~الحد الخارج من قوى الفصحاء، ولم يقع وراء مطامح أعين البصراء إلا لأنه ~~ليس بكلام البشر، وأنه كلام خالق القوى والقدر. وهذا القول من القوة ~~والخلاقة بالقبول بمنزل، ولناصره على الأول أن يقول إن القرآن إنما نزل ~~بلسان العرب مصبوبا في أساليبهم واستعمالاتهم، والعرب لم تتجاوز ما سموا ~~به مجموع اسمين، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، ~~والقول بأنها أسماء السور حقيقة يخرج إلى ما ليس في لغة العرب، ويؤدي ~~أيضا إلى صيرورة الاسم والمسمى واحدا. فإن اعترضت عليه بأنه قول مقول ~~على وجه الدهر وأنه لا سبيل إلى رده، أجابك بأن له محملا سوى ما يذهب ~~إليه، وأنه نظير قول الناس فلان يروي قفا نبك، وعفت الديار. ويقول الرجل ~~لصاحبه ما قرأت؟ فيقول { الحمد لله } و # براءة من الله ورسوله # التوبة 1 و # يوصيكم الله فى أولدكم # النساء 11 و # الله نور السموت والأرض # النور 35. وليست هذه الجمل بأسامي هذه القصائد وهذه السور والآي، وإنما ~~تعني رواية القصيدة التي ذاك استهلالها، وتلاوة السورة أو الآية التي تلك ~~فاتحتها. فلما جرى الكلام على أسلوب من يقصد التسمية، واستفيد منها ما ms0016 ~~يستفاد من التسمية، قالوا ذلك على سبيل المجاز دون الحقيقة. وللمجيب عن ~~الاعتراضين على الوجه الأول أن يقول التسمية بثلاثة أسماء فصاعدا ~~مستنكرة لعمري وخروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت إسما واحدا على ~~طريقة حضرموت، فأما غير مركبة منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار فيها ~~لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية، كما سموا بتأبط شرا، وبرق ~~نحره، وشاب قرناها. وكما لو سمي بزيد منطلق، أو بيت شعر. وناهيك بتسوية ~~سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر، وبين التسمية بطائفة من ~~أسماء حروف المعجم، دلالة قاطعة على صحة ذلك. وأما تسمية السورة كلها ~~بفاتحتها، فليست بتصيير الاسم والمسمى واحدا، لأنها تسمية مؤلف بمفرده، ~~والمؤلف غير المفرد. ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلفا منه ومن حرفين ~~مضمومين إليه، كقولهم صاد، فلم يكن من جعل الاسم والمسمى واحدا حيث كان ~~الاسم مؤلفا والمسمى مفردا. الوجه الثالث أن ترد السور مصدرة بذلك ~~ليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بوجه من الإعراب، وتقدمة من دلائل ~~الإعجاز. وذلك أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام ~~الأميون منهم وأهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامي الحروف. فإنه كان مختصا ~~بمن خط وقرأ وخالط أهل الكتاب وتعلم منهم، وكان مستغربا مستبعدا من ~~الأمي التكلم بها استبعاد الخط والتلاوة، كما قال عز وجل # وما كنت تتلو من قبله من كتب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتب المبطلون # العنكبوت 48. فكان حكم النطق بذلك مع اشتهار أنه لم يكن ممن اقتبس ~~شيئا من أهله حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش ~~ومن دان بدينها في شيء من الإحاطة بها، في أن ذلك حاصل له من جهة الوحي، ~~وشاهد بصحة نبوته، وبمنزلة أن يتكلم بالرطانة من غير أن يسمعها من أحد. ~~واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء. ~~وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء، وهي الألف، واللام، ~~والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، ~~والسين، والحاء، ms0017 والقاف، والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف ~~المعجم. ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس ~~الحروف، بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها الصاد، والكاف، والهاء، ~~والسين، والحاء. ومن المجهورة نصفها الألف، واللام، والميم، والراء، ~~والعين، والطاء، والقاف، والياء، والنون. ومن الشديدة نصفها الألف، ~~والكاف، والطاء، والقاف. ومن الرخوة نصفها اللام، والميم، والراء، ~~والصاد، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والياء، والنون. # ومن المطبقة نصفها الصاد، والطاء. ومن المنفتحة نصفها الألف، واللام، ~~والميم، والراء، والكاف، والهاء، والعين، والسين، والحاء، والقاف، ~~والياء، والنون. ومن المستعلية نصفها القاف، والصاد، والطاء. ومن ~~المنخفضة نصفها الألف، واللام، والميم، والراء، والكاف، والهاء، والياء، ~~والعين، والسين، والحاء، والنون. ومن حروف القلقلة نصفها القاف، والطاء. ~~ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من ~~هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كل شيء ~~حكمته. وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف ~~التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها ~~تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم. ~~ومما يدل على أنه تغمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب ~~الكلم، أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه ~~الفواتح مكررتين. وهي فواتح سورة البقرة، وآل عمران، والروم، والعنكبوت، ~~ولقمان، والسجدة، والأعراف، والرعد، ويونس، وإبراهيم، وهود، ويوسف، ~~والحجر. فإن قلت فهلا عددت بأجمعها في أول القرآن؟ وما لها جاءت مفرقة ~~على السور؟ قلت لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف منها لا ~~غير، وتجديده في غير موضع واحد أوصل إلى الغرض وأقر له في الأسماع ~~والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب ~~به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. فإن قلت فهلا جاءت على وتيرة واحدة؟ ~~ولم اختلفت أعداد حروفها فوردت ص و ق و ن على حرف، وطه و طس و يس ms0018 و حم ~~على حرفين، والم والر وطسم على ثلاثة أحرف، والمص والمر على أربعة أحرف، ~~وكهيعص وحم عسق على خمسة أحرف؟ قلت هذا على إعادة افتنانهم في أساليب ~~الكلام، وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوعة. وكما أن أبنية كلماتهم ~~على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك، سلك بهذه الفواتح ذلك ~~المسلك. فإن قلت فما وجه اختصاص كل سورة بالفاتحة التي اختصت بها؟ قلت ~~إذا كان الغرض هو التنبيه والمبادىء كلها في تأدية هذا الغرض سواء لا ~~مفاضلة كان تطلب وجه الاختصاص ساقطا، كما إذا سمى الرجل بعض أولاده ~~زيدا والآخر عمرا، لم يقل له لم خصصت ولدك هذا بزيد وذاك بعمرو؟ لأن ~~الغرض هو التمييز وهو حاصل أية سلك ولذلك لا يقال لم سمي هذا الجنس ~~بالرجل وذاك بالفرس؟ ولم قيل للاعتماد الضرب؟ وللانتصاب القيام؟ ولنقيضه ~~القعود؟ فإن قلت ما بالهم عدوا بعض هذه الفواتح آية دون بعض؟ قلت هذا ~~علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور. أما الم فآية حيث وقعت من ~~السور المفتتحة بها. # وهي ست. وكذلك المص آية، والمر لم تعد آية، والر ليست بآية في سورها ~~الخمس، وطسم آية في سورتيها، وطه ويس آيتان، وطس ليست بآية، وحم آية في ~~سورها كلها، و حم عسق آيتان، وكهيعص آية واحدة، وص و ق و ن ثلاثتها لم ~~تعد آية. هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم، لم يعدوا شيئا منها آية. فإن ~~قلت فكيف عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية؟ قلت كما عد الرحمن وحده ~~ومدهامتان وحدها آيتين على طريق التوقيف. فإن قلت ما حكمها في باب ~~الوقف؟ قلت يوقف على جميعها وقف التمام إذا حملت على معنى مستقل غير ~~محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور ونعق بها كما ينعق ~~بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله عز قائلا الم الله أي ~~هذه الم ثم ابتدأ فقال # الله لا إله إلا هو # آل عمران 1-2. فإن قلت هل ms0019 لهذه الفواتح محل من الإعراب؟ قلت نعم لها محل ~~فيمن جعلها أسماء للسور لأنها عنده كسائر الأسماء الأعلام. فإن قلت ما ~~محلها؟ قلت يحتمل الأوجه الثلاثة، أما الرفع فعلى الابتداء، وأما النصب ~~والجر، فلما مر من صحة القسم بها وكونها بمنزلة الله والله على ~~اللغتين. ومن لم يجعلها أسماء للسور، لم يتصور أن يكون لها محل في ~~مذهبه، كما لا محل للجمل المبتدأ وللمفردات المعددة. ### || [2.2] # فإن قلت لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟ قلت وقعت الإشارة إلى ~~الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمقضى في حكم المتباعد، وهذا في كل ~~كلام. يحدث الرجل بحديث ثم يقول وذلك ما لا شك فيه. ويحسب الحاسب ثم ~~يقول فذلك كذا وكذا. وقال الله تعالى # لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك # البقرة 68. وقال # ذلكما مما علمنى ربى # يوسف 37، ولأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه، وقع في حد البعد، ~~كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئا احتفظ بذلك. وقيل معناه ذلك الكتاب ~~الذي وعدوا به. فإن قلت لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو ~~السورة ؟ قلت لا أخلو من أن أجعل الكتاب خبره أو صفته. فإن جعلته ~~خبره، كان ذلك في معناه ومسماه مسماه، فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير، ~~كما أجرى عليه في التأنيث في قولهم من كانت أمك. وإن جعلته صفته، فإنما ~~أشير به إلى الكتاب صريحا لأن اسم الإشارة مشار به إلى الجنس الواقع ~~صفة له. تقول هند ذلك الإنسان، أو ذلك الشخص فعل كذا. وقال الذبياني # نبئت نعمى على الهجران عاتبة سقيا ورعيا لذاك ~~العاتب الزاري # فإن قلت أخبرني عن تأليف { ذلك الكتاب } مع { الم }. قلت إن جعلت ~~{ الم } اسما للسورة ففي التأليف وجوه أن يكون { الم } مبتدأ، و { ~~ذلك }. مبتدأ ثانيا، و { الكتب } خبره، والجملة خبر المبتدأ ~~الأول. ومعناه أن ذلك الكتاب هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب ~~في مقابلته ناقص، وأنه الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كما تقول هو الرجل، ms0020 ~~أي الكامل في الرجولية، الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال. ~~وكما قال # هم القوم كل القوم يا أم خالد # وأن يكون الكتاب صفة. ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون { الم } ~~خبر مبتدأ محذوف، أي هذه الم، ويكون ذلك خبرا ثانيا أو بدلا، على أن ~~الكتاب صفة، وأن يكون هذه الم جملة، وذلك الكتاب جملة أخرى. وإن جعلت ~~الم بمنزلة الصوت، كان ذلك مبتدأ خبره الكتاب، أي ذلك الكتاب المنزل هو ~~الكتاب الكامل. أو الكتاب صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف، أي ~~هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب. وقرأ عبد الله { آلم، ~~تنزيل الكتب لا ريب فيه }. وتأليف هذا ظاهر. والريب مصدر ~~رابني، إذا حصل فيك الريبة. وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها. ومنه ما ~~روى الحسن بن علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول 10 # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشك ريبة، وإن الصدق طمأنينة " # أي فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما تقلق له النفس ولا تستقر. وكونه ~~صحيحا صادقا مما تطمئن له وتسكن. ومنه ريب الزمان، وهو ما يقلق النفوس ~~ويشخص بالقلوب من نوائبه. ومنه 11 أنه مر بظبي حاقف فقال # " «لا يربه أحد بشيء ". # فإن قلت كيف نفى الريب على سبيل الاستغراق؟ وكم من مرتاب فيه؟ قلت ما ~~نفى أن أحد لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقا للريب ومظنة له لأنه ~~من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه. ألا ترى ~~إلى قوله تعالى # وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله # البقرة 23، فما أبعد وجود الريب منهم؟ وإنما عرفهم الطريق إلى مزيل ~~الريب، وهو أن يحزروا أنفسهم ويروزوا قواهم في البلاغة، هل تتم للمعارضة ~~أم تتضاءل دونها؟ فيتحققوا عند عجزهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل ~~للريبة. فإن قلت فهلا قدم الظرف على الريب، كما قدم على الغول في ~~قوله تعالى # لا فيها غول # الصافات ms0021 47؟ قلت لأن القصد في إيلاء الريب حرف النفي، نفي الريب عنه، ~~وإثبات أنه حق وصدق لا باطل وكذب، كما كان المشركون يدعونه، ولو أولى ~~الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد، وهو أن كتابا آخر فيه الريب فيه، ~~كما قصد في قوله { لا فيها غول } تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا ~~بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي، كأنه قيل ليس فيها ما في غيرها من ~~هذا العيب والنقيصة، وقرأ أبو الشعثاء { لا ريب فيه } بالرفع ~~والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه. ~~والوقف على { فيه } هو المشهور. وعن نافع وعاصم أنهما وقفا على { لا ~~ريب } ولا بد للواقف من أن ينوي خبرا. ونظيره قوله تعالى # قالوا لا ضير # الشعراء 50، وقول العرب لا بأس، وهي كثيرة في لسان أهل الحجاز. والتقدير ~~{ لا ريب فيه }. { فيه هدى } الهدى مصدر على فعل، كالسرى ~~والبكى، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، بدليل وقوع الضلالة في مقابلته. ~~قال الله تعالى # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى # البقرة 16. وقال تعالى # لعلى هدى أو فى ضلل مبين # سبأ 24. ويقال مهدي، في موضع المدح كمهتد ولأن اهتدى مطاوع هدى ولن ~~يكون المطاوع في خلاف معنى أصله ألا ترى إلى نحو غمه فاغتم، وكسره ~~فانكسر، وأشباه ذلك فإن قلت فلم قيل { هدى للمتقين } والمتقون ~~مهتدون؟ قلت هو كقولك للعزيز المكرم أعزك الله وأكرمك، تريد طلب الزيادة ~~إلى ما هو ثابت فيه واستدامته، كقوله { اهدنا الصراط ~~المستقيم }. ووجه آخر، وهو أنه سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس ~~التقوى متقين، كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم 12 # " من قتل قتيلا فله سلبه " # وعن ابن عباس 13 «إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض المريض وتضل ~~الضالة،وتكون الحاجة» فسمى المشارف للقتل والمرض والضلال قتيلا ومريضا ~~وضالا. ومنه قوله تعالى # ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا # نوح 27، أي صائرا إلى الفجور والكفر. فإن قلت فهلا قيل هدى للضالين؟ ~~قلت لأن الضالين فريقان فريق علم بقاؤهم على الضلالة وهم المطبوع على ~~قلوبهم، وفريق ms0022 علم أن مصيرهم إلى الهدى فلا يكون هدى للفريق الباقين على ~~الضلالة، فبقى أن يكون هدى لهؤلاء، فلو جيء بالعبارة المفصحة عن ذلك لقيل ~~هدى للصائرين إلى الهدى بعد الضلال، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة ~~التي ذكرنا، فقيل هدى للمتقين. وأيضا فقد جعل ذلك سلما إلى تصدير ~~السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني، بذكر أولياء ~~الله والمرتضين من عباده. والمتقي في اللغة اسم فاعل، من قولهم وقاه ~~فاتقى. والوقاية فرط الصيانة. ومنه فرس واق، وهذه الدابة تقي من وجاها، ~~إذا أصابه ضلع من غلظ الأرض ورقة الحافر، فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى ~~شيء يؤلمه. وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من ~~فعل أو ترك. واختلف في الصغائر وقيل الصحيح أنه لا يتناولها، لأنها تقع ~~مكفرة عن مجتنب الكبائر. وقيل يطلق على الرجل اسم المؤمن لظاهر الحال، ~~والمتقي لا يطلق إلا عن خبرة، كما لا يجوز إطلاق لعدل إلا على المختبر. ~~ومحل { هدى للمتقين } الرفع، لأنه خبر مبتدإ محذوف، أو خبر مع { ~~لا ريب فيه } لذلك، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبرا عنه. ~~ويجوز أن ينصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف. والذي هو ~~أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا. وأن يقال إن قوله { ~~الم } جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها. و { ذلك ~~الكتاب } جملة ثانية. و { لا ريب فيه } ثالثة. و { هدى ~~للمتقين } رابعة. وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن ~~النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية ~~آخذا بعضها بعنق بعض. فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جرا إلى ~~الثالثة والرابعة. بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ~~ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال. فكان تقريرا لجهة ~~التحدي، وشدا من أعضاده. ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان ~~شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما ms0023 للحق واليقين، ولا نقص ~~أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لبعض العلماء فيم لذتك؟ فقال في حجة ~~تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا. ثم أخبر عنه بأنه هدى ~~للمتقين، فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم لم تخل كل واحدة من الأربع، بعد أن ~~رتبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظم السري، من نكتة ذات جزالة. ففي ~~الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه. وفي الثانية ما في ~~التعريف من الفخامة. وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف. وفي ~~الرابعة الحذف. ووضع المصدر الذي هو { هدى } موضع الوصف الذي هو «هاد» ~~وإيراده منكرا. والإيجاز في ذكر المتقين. زادنا الله إطلاعا على أسرار ~~كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقا للعمل بما فيه. ### || [2.3] # { الذين يؤمنون } إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو ~~مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون. وإما ~~مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب أولئك على هدى. فإذا ~~كان موصولا، كان الوقف على المتقين حسنا غير تام. وإذا كان مقتطعا، ~~كان وقفا تاما. فإن قلت ما هذه الصفة، أواردة بيانا وكشفا للمتقين؟ ~~أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء ~~كصفات الله الجارية عليه تمجيدا؟ قلت يحتمل أن ترد على طريق البيان ~~والكشف لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك ~~السيئات. أما الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ~~ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة لأن هاتين أما العبادات البدنية ~~والمالية، وهما العيار على غيرهما. ألم تر كيف سمى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم14 # " الصلاة عماد الدين. " # 16 وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟15.وسمى الزكاةقنطرة ~~الإسلام؟ وقال الله تعالى # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة # فصلت 6 7. فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر ~~العبادات واستتباعها. ومن ثم اختصر الكلام اختصارا، بأن استغنى عن ms0024 عد ~~الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن ~~تقترن به، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين. وأما الترك ~~فكذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # العنكبوت 45؟ ويحتمل أن لا تكون بيانا للمتقين، وتكون صفة برأسها دالة ~~على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي. ويحتمل أن تكون ~~مدحا للموصوفين بالتقوى، وتخصيصا للإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة بالذكر إظهارا لإنافتها عن سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من ~~الحسنات. والإيمان إفعال من الأمن. يقال أمنته وآمنته غيري. ثم يقال آمنه ~~إذا صدقه. وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة. وأما تعديته بالباء ~~فلتضمينه معنى أقر وأعترف. وأما ما حكى أبو زيد عن العرب ما آمنت أن ~~أجد صحابة أي ما وثقت فحقيقته صرت ذا أمن به، أي ذا سكون ~~وطمأنينة، وكلا الوجهين حسن في { يؤمنون بالغيب } أي يعترفون ~~به أو يثقون بأنه حق. ويجوز أن لا يكون { بالغيب } صلة للإيمان، وأن ~~يكون في موضع الحال، أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به. وحقيقته ملتبسين ~~بالغيب، كقوله # الذين يخشون ربهم بالغيب # فاطر 18، # ليعلم أنى لم أخنه بالغيب # يوسف 52. ويعضده ما روى «أن أصحاب عبد الله ذكروا أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإيمانهم، فقال ابن مسعود إن أمر محمد كان بينا لمن ~~رآه. # والذي لا إله غيره، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية. ~~فإن قلت فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟ وإن جعلته حالا؟ قلت إن جعلته ~~صلة كان بمعنى الغائب، إما تسمية بالمصدر من قولك غاب الشيء غيبا، كما ~~سمي الشاهد بالشهادة. قال الله تعالى # علم الغيب والشهدة # الزمر 46. والعرب تسمي المطمئن من الأرض غيبا. وعن النضر بن شميل شربت ~~الإبل حتى وارت غيوب كلاها. يريد بالغيب الخمصة التي تكون في موضع ~~الكلية، إذا بطنت الدابة انتفخت. وإما أن يكون فيعلا فخفف، كما قيل وأصله ~~قيل. والمراد به الخفي الذي لا ينفذ ms0025 فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، ~~وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلا عليه. ولهذا لا يجوز ~~أن يطلق فيقال فلان يعلم الغيب. وذلك نحو الصانع وصفاته، والنبوات وما ~~يتعلق بها، والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد، وغير ذلك. وإن جعلته ~~حالا كان بمعنى الغيبة والخفاء. فإن قلت ما الإيمان الصحيح؟ قلت أن ~~يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه، ويصدقه بعمله. فمن أخل بالاعتقاد وإن ~~شهد وعمل فهو منافق. ومن أخل بالشهادة فهو كافر. ومن أخل بالعمل فهو ~~فاسق. ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها ~~وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قومه أو الدوام عليها ~~والمحافظة عليها، كما قال عز وعلا # الذين هم على صلاتهم دائمون # المعارج 23، # والذين هم على صلوتهم يحفظون # المؤمنون 9 من قامت السوق إذا نفقت، وأقامها. قال # أقامت غزالة سوق الضراب لأهل العراقين حولا ~~قميطا # لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ~~ويتنافس فيه المحصلون. وإذا عطلت وأضيعت، كانت كالشيء الكاسد الذي لا ~~يرغب فيه. أو التجلد والتشمر لأدائها. وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ~~ولا توان، من قولهم قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها. وفي ضده قعد عن ~~الأمر، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط أو أداؤها، فعبر عن الأداء ~~بالإقامة لأن القيام بعض أركانها، كما عبر عنه بالقنوت والقنوت ~~القيام وبالركوع وبالسجود، وقالوا سبح، إذا صلى لوجود التسبيح فيها. # فلولا أنه كان من المسبحين # الصافات 143. والصلاة فعلة من صلى، كالزكاة من زكى. وكتابتها بالواو على ~~لفظ المفخم. وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه ~~وسجوده. ونظيره كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه لأنه ~~ينثني على الكاذتين وهما الكافرتان. وقيل للداعي مصل، تشبيها في تخشعه ~~بالراكع والساجد. وإسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال ~~الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله، ويسمى رزقا منه. وأدخل من ~~التبعيضية صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهى عنه. وقدم مفعول ms0026 ~~الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق ~~به. وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها ~~وهي الصلاة، وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبيل الخير، لمجيئه مطلقا ~~يصلح أن يتناول كل منفق. وأنفق الشيء وأنفده أخوان. وعن يعقوب نفق الشيء، ~~ونفد واحد. وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدال على معنى الخروج ~~والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت. ### || [2.4] # فإن قلت { والذين يؤمنون } أهم غير الأولين أم هم الأولون؟ ~~وإنما وسط العاطف كما يوسط بين الصفات في قولك هو الشجاع والجواد، وفي ~~قوله # إلى الملك القرم وابن الهمم وليث الكتيبة في ~~المزدحم # وقوله # يا لهف زيابة للحارث الصابح فالغانم فالآيب # قلت يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه ~~من الذين آمنوا، فاشتمل إيمانهم على كل وحي أنزل من عند الله، وأيقنوا ~~بالآخرة إيقانا زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، واجتماعهم على ~~الإقرار بالنشأة الأخرى وإعادة الأرواح في الأجساد، ثم افتراقهم فرقتين ~~منهم من قال تجري حالهم في التلذذ بالمطاعم والمشارب والمناكح على حسب ~~مجراها في الدنيا ودفعه آخرون فزعموا أن ذلك إنما احتيج إليه في هذه ~~الدار من أجل نماء الأجسام ولمكان التوالد والتناسل، وأهل الجنة مستغنون ~~عنه فلا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيد والفرح ~~والسرور، واختلافهم في الدوام والانقطاع، فيكون المعطوف غير المعطوف ~~عليه. ويحتمل أن يراد وصف الأولين. ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون ~~بين تلك الصفات وهذه. فإن قلت فإن أريد بهؤلاء غير أولئك، فهل يدخلون في ~~جملة المتقين أم لا؟. قلت إن عطفتهم على { الذين يؤمنون ~~بالغيب } دخلوا وكانت صفة التقوى مشتملة على الزمرتين من مؤمني أهل ~~الكتاب وغيرهم. وإن عطفتهم على { المتقين } لم يدخلوا. وكأنه قيل ~~هدى للمتقين، وهدى للذين يؤمنون بما أنزل إليك. فإن قلت قوله { ~~بماأنزل إليك } إن عنى ms0027 به القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، فلم ~~يكن ذلك منزلا وقت إيمانهم، فكيف قيل أنزل بلفظ المضي؟ وإن أريد ~~المقدار الذي سبق إنزاله وقت إيمانهم فهو إيمان ببعض المنزل واشتمال ~~الإيمان على الجميع سالفه ومترقبه واجب. قلت المراد المنزل كله وإنما عبر ~~عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، ~~كما يغلب المتكلم على المخاطب، والمخاطب على الغائب فيقال أنا وأنت ~~فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ولأنه إذا كان بعضه نازلا وبعضه منتظر النزول ~~جعل كأن كله قد نزل وانتهى نزوله، ويدل عليه قوله تعالى # إنا سمعنا كتبا أنزل من بعد موسى # الأحقاف 30 ولم يسمعوا جميع الكتاب، ولا كان كله منزلا، ولكن سبيله ~~سبيل ما ذكرنا. ونظيره قولك كل ما خطب به فلان فهو فصيح، وما تكلم بشيء ~~إلا وهو نادر. ولا تريد بهذا الماضي منه فحسب دون الآتي، لكونه معقودا ~~بعضه ببعض، ومربوطا آتيه بماضيه. وقرأ يزيد بن قطيب { بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك } على لفظ ما سمي فاعله. # وفي تقديم { وبالاخرة } وبناء { يوقنون } على { هم } تعريض ~~بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأن ~~قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك. والإيقان إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه. و { ~~وبالاخرة } تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول، وهي صفة الدار بدليل ~~قوله # تلك الدار الأخرة # القصص 77 وهي من الصفات الغالبة، وكذلك الدنيا. وعن نافع أنه خففها بأن ~~حذف الهمزة وألقى حركتها على اللام، كقوله # دابة الأرض # سبأ 14 وقرأ أبو حية النميري «يؤقنون» بالهمز، جعل الضمة في جار الواو ~~كأنها فيه، فقلبها قلب واو «وجوه» و«وقتت». ونحوه # لحب المؤقدان إلي مؤسى وجعدة إذ أضاءهما ~~الوقود ### || [2.5] # { أولئك على هدى } الجملة في محل الرفع إن كان الذين يؤمنون ~~بالغيب مبتدأ وإلا فلا محل لها. ونظم الكلام على الوجهين أنك إذا نويت ~~الابتداء بالذين يؤمنون بالغيب. فقد ms0028 ذهبت به مذهب الاستئناف. وذلك أنه ~~لما قيل { هدى للمتقين } واختص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، ~~اتجه لسائل أن يسأل فيقول ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟ فوقع قوله { ~~الذين يؤمنون بالغيب } إلى ساقته كأنه جواب لهذا السؤال ~~المقدر. وجيء بصفة المتقين المنطوية تحتها خصائصهم التي استوجبوا بها من ~~الله أن يلطف بهم، ويفعل بهم ما لا يفعل بمن ليسوا على صفتهم، أي الذين ~~هؤلاء عقائدهم وأعمالهم، أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح. ونظيره ~~قولك أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار الذين قارعوا دونه، ~~وكشفوا الكرب عن وجهه، أولئك أهل للمحبة. وإن جعلته تابعا للمتقين، وقع ~~الاستئناف على أولئك كأنه قيل ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا ~~بالهدى؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين، غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس ~~بالهدى عاجلا، وبالفلاح آجلا. واعلم أن هذا النوع من الاستئناف يجيء ~~تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث، كقولك قد أحسنت إلى زيد، زيد حقيق ~~بالإحسان. وتارة بإعادة صفته، كقولك أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك ~~منك فيكون الاستئناف بإعادة الصفة أحسن وأبلغ، لانطوائها على بيان الموجب ~~وتلخيصه. فإن قلت هل يجوز أن يجري الموصول الأول على المتقين، وأن يرتفع ~~الثاني على الابتداء وأولئك خبره؟ قلت نعم على أن يجعل اختصاصهم بالهدى ~~والفلاح تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند ~~الله. وفي اسم الإشارة الذي هو { أولئك } إيذان بأن ما يرد عقيبه ~~فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، كما قال ~~حاتم ولله صعلوك ثم عدد له خصالا فاضلة، ثم عقب تعديدها بقوله # فذلك إن يهلك فحسبي ثناؤه وإن عاش لم يقعد ~~ضعيفا مذمما # ومعنى الاستعلاء في قوله على هدى مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم ~~عليه، وتمسكهم به. شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه. ونحوه هو على ~~الحق وعلى الباطل. وقد صرحوا بذلك في قولهم جعل الغواية مركبا، وامتطى ~~الجهل ms0029 واقتعد غارب الهوى. ومعنى { هدى من ربهم } أي منحوه من ~~عنده وأوتوه من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال ~~الخير، والترقي إلى الأفضل فالأفضل. ونكر { هدى } ليفيد ضربا مبهما ~~لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره كأنه قيل على أي هدى، كما تقول لو أبصرت ~~فلانا لأبصرت رجلا. # وقال الهذلي # فلا وأبي الطير المربة بالضحى على خالد لقد ~~وقعت على لحم # والنون في { من ربهم } أدغمت بغنة وبغير غنة، فالكسائي، وحمزة، ~~ويزيد، وورش في رواية والهاشمي عن ابن كثير لم يغنوها. وقد أغنها الباقون ~~إلا أبا عمرو. فقد روى عنه فيها روايتان. وفي تكرير { أولئك } ~~تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح ~~فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفردت كفت ~~مميزة على حيالها. فإن قلت لم جاء مع العاطف؟ وما الفرق بينه وبين قوله # أولئك كالانعم بل هم أضل،أولئك هم ~~الغفلون # الأعراف 179؟ قلت قد اختلف الخبران ههنا فلذلك دخل العاطف، بخلاف ~~الخبرين ثمة فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم ~~شيء واحد، فكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف ~~بمعزل. و { هم } فصل وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، ~~والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. أو هو ~~مبتدأ والمفلحون خبره، والجملة خبر أولئك. ومعنى التعريف في { ~~المفلحون } الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين عنهم بلغك أنهم ~~يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك، فاستخبرت ~~من هو؟ فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته. أو على أنهم الذين إن ~~حصلت صفة المفلحين وتحققوا ما هم، وتصوروا بصورتهم الحقيقة، فهم هم لا ~~يعدون تلك الحقيقة. كما تقول لصاحبك هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط ~~الإقدام؟ إن زيدا هو هو. فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على ~~اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى، وهي ذكر اسم ms0030 الإشارة، ~~وتكريره، وتعريف المفلحين، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك ليبصرك مراتبهم ~~ويرغبك في طلب ما طلبوا، وينشطك لتقديم ما قدموا، ويثبطك عن الطمع الفارغ ~~والرجاء الكاذب والتمني على الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته. ~~اللهم زينا بلباس التقوى، واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة. ~~والمفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه. ~~والمفلج بالجيم مثله. ومنه قولهم للمطلقة استفلحي بأمرك بالحاء ~~والجيم. والتركيب دال على معنى الشق والفتح، وكذلك أخواته في الفاء ~~والعين، نحو فلق، وفلذ، وفلى. ### || [2.6] # لما قدم ذكر أوليائه وخالصة عباده بصفاتهم التي أهلتهم لإصابة الزلفى ~~عنده، وبين أن الكتاب هدى ولطف لهم خاصة، قفى على أثره بذكر أضدادهم وهم ~~العتاة المردة من الكفار الذين لا ينفع فيهم الهدى، ولا يجدي عليهم ~~اللطف، وسواء عليهم وجود الكتاب وعدمه، وإنذار الرسول وسكوته. فإن قلت لم ~~قطعت قصة الكفار عن قصة المؤمنين ولم تعطف كنحو قوله # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # الانفطار 13- 14 وغيره من الآي الكثيرة؟ قلت ليس وزان هاتين القصتين ~~وزان ما ذكرت لأن الأولى فيما نحن فيه مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى ~~للمتقين، وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت وكيت، فبين الجملتين ~~تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف. فإن قلت هذا ~~إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين، فأما إذا ابتدأته وبنيت ~~الكلام لصفة المؤمنين، ثم عقبته بكلام آخر في صفة أضدادهم، كان مثل تلك ~~الآي المتلوة. قلت قد مر لي أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله ~~الاستئناف، وأنه مبني على تقدير سؤال، فذلك إدراج له في حكم المتقين، ~~وتابع له في المعنى وإن كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجاري عليه. ~~والتعريف في { الذين كفروا } يجوز أن يكون للعهد وأن يراد بهم ~~ناس بأعيانهم كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وأن يكون ~~للجنس متناولا كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوي بعده ms0031 وغيرهم، ودل ~~على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم، و { ~~سوآء } اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر. ومنه قوله تعالى # تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم # آل عمران 64، # فى أربعة أيام سواء للسائلين # فصلت 10 بمعنى مستوية وارتفاعه على أنه خبر لإن، و { ءأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم } في موضع المرتفع به على الفاعلية كأنه قيل إن ~~الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه. كما تقول إن زيدا مختصم أخوه ~~وابن عمه أو يكون { أأنذرتهم أم لم تنذرهم } في موضع الابتداء، { وسواء } ~~خبرا مقدما بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لإن. فإن قلت ~~الفعل أبدا خبر لا مخبر عنه فكيف صح الإخبار عنه في هذا الكلام؟ قلت هو ~~من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى، وقد وجدنا العرب ~~يميلون في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلا بينا، من ذلك قولهم لا تأكل ~~السمك وتشرب اللبن، معناه لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، وإن كان ظاهر ~~اللفظ على ما لا يصح من عطف الاسم على الفعل. والهمزة وأم مجردتان لمعنى ~~الاستواء وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا. # قال سيبويه جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء قولك ~~اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا ~~استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء. ومعنى الاستواء ~~استواؤهما في علم المستفهم عنهما لأنه قد علم أن أحد الأمرين كائن، إما ~~الإنذار وإما عدمه، ولكن لا بعينه، فكلاهما معلوم بعلم غير معين. وقرىء ~~«أأنذرتهم» بتحقيق الهمزتين، والتخفيف أعرب وأكثر، وبتخفيف الثانية بين ~~بين، وبتوسيط ألف بينهما محققتين، وبتوسيطها والثانية بين بين، وبحذف حرف ~~الاستفهام، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله، كما قرىء «قد أفلح». ~~فإن قلت ما تقول فيمن يقلب الثانية ألفا؟ قلت هو لاحن خارج عن كلام ~~العرب خروجين أحدهما الإقدام على جمع الساكنين على غير حده وحده أن ~~يكون الأول حرف لين والثاني حرفا مدغما ms0032 نحو قوله الضالين، وخويصة ~~والثاني إخطاء طريق التخفيف لأن طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما ~~قبلها أن تخرج بين بين فأما القلب ألفا فهو تخفيف الهمزة الساكنة ~~المفتوح ما قبلها كهمزة رأس. والإنذار التخويف من عقاب الله بالزجر عن ~~المعاصي. فإن قلت ما موقع { لا يؤمنون }؟ قلت إما أن يكون جملة ~~مؤكدة للجملة قبلها، أو خبرا لإن والجملة قبلها اعتراض. ### || [2.7] # الختم والكتم أخوان لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما ~~له وتغطية لئلا يتوصل إليه ولا يطلع عليه. والغشاوةالغطاء فعالة من غشاه ~~إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. فإن قلت ~~ما معنى الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟ قلت لا ختم ولا تغشية ~~ثم على الحقيقة، وإنما هو من باب المجاز، ويحتمل أن يكون من كلا نوعيه ~~وهما الاستعارة والتمثيل. أما الاستعارة فأن تجعل قلوبهم لأن الحق لا ~~ينفذ فيها ولا يخلص إلى ضمائرها من قبل إعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله ~~واعتقاده، وأسماعهم لأنها تمجه وتنبو عن الإصغاء إليه وتعاف استماعه ~~كأنها مستوثق منها بالختم، وأبصارهم لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة ~~ودلائله المنصوبة كما تجتليها أعين المعتبرين المستبصرين كأنما غطي عليها ~~وحجبت، وحيل بينها وبين الإدراك. وأما التمثيل فأن تمثل حيث لم يستنفعوا ~~بها في الأغراض الدينية التي كلفوها وخلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب ~~بينها وبين الاستنفاع بها بالختم والتغطية. وقد جعل بعض المازنيين الحبسة ~~في اللسان والعي ختما عليه فقال # ختم الإله على لسان عذافر ختما فليس على الكلام ~~بقادر وإذا أراد النطق خلت لسانه لحما ~~يحركه لصقر ناقر # فإن قلت فلم أسند الختم إلى الله تعالى وإسناده إليه يدل على المنع من ~~قبول الحق والتوصل إليه بطرقه وهو قبيح والله يتعالى عن فعل القبيح علوا ~~كبيرا لعلمه بقبحه وعلمه بغناه عنه. وقد نص على تنزيه ذاته بقوله # وما أنا بظلم للعبيد # ق 29، # وما ظلمنهم ولكن كانوا هم الظلمين # الزخرف 76، # إن الله لا يأمر بالفحشاء # الأعراف 28 ونظائر ذلك مما ms0033 نطق به التنزيل؟ قلت القصد إلى صفة القلوب ~~بأنها كالمختوم عليها. وأما إسناد الختم إلى الله عز وجل، فلينبه على أن ~~هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشيء الخلقي غير العرضي. ألا ترى ~~إلى قولهم فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه بليغ في الثبات ~~عليه. وكيف يتخيل ما خيل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة ~~صفتهم وسماجة حالهم، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم؟ ويجوز أن تضرب الجملة ~~كما هي، وهي ختم الله على قلوبهم مثلا كقولهم سال به الوادي، إذا هلك. ~~وطارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وليس للوادي ولا للعنقاء عمل في ~~هلاكه ولا في طول غيبته وإنما هو تمثيل مثلت حاله في هلاكه بحال من سال ~~به الوادي، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء فكذلك مثلت حال قلوبهم ~~فيما كانت عليه من التجافي عن الحق بحال قلوب ختم الله عليها نحو قلوب ~~الأغتام التي هي في خلوها عن الفطن كقلوب البهائم، أو بحال قلوب البهائم ~~أنفسها، أو بحال قلوب مقدر ختم الله عليها حتى لا تعي شيئا ولا تفقه، ~~وليس له عز وجل فعل في تجافيها عن الحق ونبوها عن قبوله، وهو متعال عن ~~ذلك. # ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير الله لله، فيكون الختم مسندا ~~إلى اسم الله على سبيل المجاز. وهو لغيره حقيقة. تفسير هذا أن للفعل ~~ملابسات شتى. يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب ~~له فإسناده إلى الفاعل حقيقة، وقد يسند إلى هذه الأشياء على طريق المجاز ~~المسمى استعارة وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل ~~الأسد في جراءته فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به عيشة راضية، وماء ~~دافق. وفي عكسه سيل مفعم. وفي المصدر شعر شاعر، وذيل ذائل. وفي الزمان ~~نهاره صائم. وليله قائم. وفي المكان طريق سائر، ونهر جار. وأهل مكة ~~يقولون صلى المقام. وفي المسبب بنى الأمير المدينة، وناقة صبوث وحلوب. ~~وقال # إذا رد عافي القدر من يستعيرها ms0034 # فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله سبحانه لما كان ~~هو الذي أقدره ومكنه، أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى المسبب. ووجه ~~رابع وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغنى عنهم ~~الآيات والنذر، ولا تجدى عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة إن أعطوها. ~~لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعا ~~واختيارا طريق إلى إيمانهم إلا القسر والإلجاء، وإذا لم تبق طريق ~~إلا أن يقسرهم الله ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض في ~~التكليف، عبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم، إشعارا بأنهم الذين ترامى ~~أمرهم في التصميم على الكفر والإصرار عليه إلى حد لا يتناهون عنه إلا ~~بالقسر والإلجاء، وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرائهم في ~~الضلال والبغي. ووجه خامس وهو أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولونه ~~تهكما بهم من قولهم # في قلوبنا أكنة مما تدعونا إليه وفى ءاذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب # فصلت 5 ونظيره في الحكاية والتهكم قوله تعالى # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة # البينة 1 فإن قلت اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي ~~حكم التغشية فعلى أيهما يعول؟ قلت عل دخولها في حكم الختم لقوله تعالى # وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره ~~غشوة # الجاثية 23 ولوقفهم على سمعهم دون قلوبهم. فإن قلت أي فائدة في تكرير ~~الجار في قوله «وعلى سمعهم»؟ قلت لو لم يكرر لكان انتظاما للقلوب ~~والأسماع في تعدية واحدة وحين استجد للأسماع تعدية على حدة، كان أدل على ~~شدة الختم في الموضعين. # ووحد السمع كما وحد البطن في قوله كلوا في بعض بطنكم تعفوا، يفعلون ذلك ~~إذا أمن اللبس. فإذا لم يؤمن كقولك فرسهم، وثوبهم، وأنت تريد الجمع ~~رفضوه. ولك أن تقول السمع مصدر في أصله، والمصادر لا تجمع. فلمح الأصل ~~يدل عليه جمع الأذن في قوله # وفي آذاننا وقر # فصلت 5 ms0035 وأن تقدر مضافا محذوفا أي وعلى حواس سمعهم. وقرأ ابن أبي عبلة ~~وعلى أسماعهم. فإن قلت هلا منع أبا عمرو والكسائي من إمالة أبصارهم ما ~~فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد؟ قلت لأن الراء المكسورة تغلب ~~المستعلية، لما فيه من التكرير كأن فيها كسرتين، وذلك أعون شيء على ~~الإمالة وأن يمال له ما لا يمال. والبصر نور العين، وهو ما يبصر به ~~الرائي ويدرك المرئيات. كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ~~ويتأمل. وكأنهما جوهران لطيفان خلقهما الله فيهما آلتين للإبصار ~~والاستبصار. وقرىء «غشاوة» بالكسر والنصب. وغشاة بالضم والرفع. ~~وغشاوة بالفتح والنصب. وغشوة بالكسر والرفع. وغشوة بالفتح والرفع ~~والنصب. وعشاوة بالعين غير المعجمة والرفع، من العشا. والعذاب مثل ~~النكال بناء ومعنى لأنك تقول أعذب عن الشيء، إذا أمسك عنه. كما تقول نكل ~~عنه. ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، بخلاف الملح فإنه يزيده. ويدل ~~عليه تسميتهم إياه نقاخا لأنه ينقخ العطش أي يكسره. وفراتا، لأنه يرفته ~~على القلب. ثم اتسع فيه فسمى كل ألم فادح عذابا، وإن لم يكن نكالا ~~أي عقابا يرتدع به الجاني عن المعاودة. والفرق بين العظيم والكبير، أن ~~العظم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن ~~الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا. تقول رجل عظيم ~~وكبير، تريد جثته أو خطره. ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من ~~الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله. ولهم من ~~بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله. اللهم أجرنا من ~~عذابك ولا تبلنا بسخطك يا واسع المغفرة. ### || [2.8-10] # افتتح سبحانه بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ~~ووافق سرهم علنهم وفعلهم قولهم. ثم ثنى بالذين محضوا الكفر ظاهرا ~~وباطنا قلوبا وألسنة. ثم ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ~~وأبطنوا خلاف ما أظهروا وهم الذين قال فيهم # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء # النساء 143 وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة ms0036 وأبغضهم إليه وأمقتهم ~~عنده لأنهم خلطوا بالكفر تمويها وتدليسا، وبالشرك استهزاء وخداعا. ~~ولذلك أنزل فيهم # إن المنفقين فى الدرك الاسفل من النار # النساء 145 ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث ~~عشرة آية، نعى عليهم فيها خبثهم ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم ~~واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم، وعمههم ودعاهم صما بكما ~~عميا، وضرب لهم الأمثال الشنيعة. وقصة المنافقين عن آخرها معطوفة على ~~قصة الذين كفروا كما تعطف الجملة على الجملة. وأصل «ناس» أناس، حذفت ~~همزته تخفيفا كما قيل لوقة، في ألوقة. وحذفها مع لام التعريف كاللازم لا ~~يكاد يقال الأناس. ويشهد لأصله إنسان وأناس وأناسى وإنس. وسموا لظهورهم ~~وأنهم يؤنسون أي يبصرون، كما سمي الجن لاجتنانهم. ولذلك سموا بشرا. ~~ووزن ناس فعال لأن الزنة على الأصول. ألا تراك تقول في وزن «قه» افعل، ~~وليس معك إلا العين وحدها؟ وهو من أسماء الجمع كرخال. وأما نويس فمن ~~المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل. ولام التعريف فيه للجنس. ~~ويجوز أن تكون للعهد، والإشارة إلى الذين كفروا المار ذكرهم كأنه قيل ~~ومن هؤلاء من يقول. وهم عبد الله بن أبي وأصحابه ومن كان في حالهم من ~~أهل التصميم على النفاق. ونظير موقعه موقع القوم في قولك نزلت ببني فلان ~~فلم يقروني والقوم لئام. ومن في { من يقول } موصوفة، كأنه قيل ومن ~~الناس ناس يقولون كذا، كقوله # من المؤمنين رجال # الفتح 25 إن جعلت اللام للجنس. وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله # ومنهم الذين يؤذون النبى # التوبة 61. فإن قلت كيف يجعلون بعض أولئك والمنافقون غير المختوم على ~~قلوبهم؟ قلت الكفر جمع الفريقين معا وصيرهم جنسا واحدا. وكون ~~المنافقين نوعا من نوعي هذا الجنس - مغايرا للنوع الآخر بزيادة زادوها ~~على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء - لا يخرجهم من أن يكونوا ~~بعضا من الجنس فإن الأجناس إنما تنوعت لمغايرات وقعت بين بعضها وبعض. ~~وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية. فإن قلت ~~لم اختص بالذكر الإيمان بالله والإيمان ms0037 باليوم الآخر؟ قلت اختصاصهما ~~بالذكر كشف عن إفراطهم في الخبث وتماديهم في الدعارة لأن القوم كانوا ~~يهودا، وإيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لقولهم # عزير ابن الله # التوبة 30. وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، ~~فكان قولهم { ءامنا بالله وباليوم الأخر } خبثا ~~مضاعفا وكفرا موجها، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق ~~وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان. فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة ~~للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثا ~~إلى خبث، وكفرا إلى كفر. وأيضا فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا ~~الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوله وآخره. وفي تكرير ~~الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام. فإن ~~قلت كيف طابق قوله { وما هم بمؤمنين } قولهم { ءامنا ~~بالله وباليوم الأخر } والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، ~~والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل؟ قلت القصد إلى إنكار ما ادعوه ~~ونفيه، فسلك في ذلك طريق أدى إلى الغرض المطلوب. وفيه من التوكيد ~~والمبالغة ما ليس في غيره، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من ~~طوائف المؤمنين، لما علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الإيمان. ~~وإذا شهد عليهم بأنهم في أنفسهم على هذه الصفة، فقد انطوى تحت الشهادة ~~عليهم بذلك نفى ما انتحلوا إثباته لأنفسهم على سبيل البت والقطع. ونحوه ~~قوله تعالى # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين ~~منها # المائدة 37 هو أبلغ من قولك وما يخرجون منها. فإن قلت فلم جاء الإيمان ~~مطلقا في الثاني وهو مقيد في الأول؟ قلت يحتمل أن يراد التقييد ويترك ~~لدلالة المذكور عليه، وأن يراد بالإطلاق أنهم ليسوا من الإيمان في شيء ~~قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما. فإن قلت ~~ما المراد باليوم الآخر؟ قلت يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو ~~الأبد الدائم الذي لا ينقطع، لتأخره عن الأوقات المنقضية. وأن يراد الوقت ~~المحدود ms0038 من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، لأنه ~~آخر الأوقات المحدودة الذي لا حد للوقت بعده. والخدع أن يوهم صاحبه ~~خلاف ما يريد به من المكروه. من قولهم ضب خادع وخدع، إذا أمر الحارش يده ~~على باب جحره أوهمه إقباله عليه، ثم خرج من باب آخر. فإن قلت كيف ذلك ~~ومخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا تخفى عليه خافية لا ~~يخدع، والحكيم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع، والمؤمنون وإن جاز أن يخدعوا ~~لم يجز أن يخدعوا، ألا نرى إلى قوله # واستمطروا من قريش كل منخدع # وقول ذي الرمة # إن الحليم وذا الإسلام يختلب # فقد جاء النعت بالانخداع ولم يأت بالخدع. قلت فيه وجوه. أحدها أن يقال ~~كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع ~~الخادعين. # وصورة صنع الله معهم -حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في ~~عداد شرار الكفرة وأهل الدرك الأسفل من النار - صورة صنع الخادع، وكذلك ~~صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامهم عليهم. ~~والثاني أن يكون ذلك ترجمة عن معتقدهم وظنهم أن الله ممن يصح خداعه لأن ~~من كان ادعاؤه الإيمان بالله نفاقا لم يكن عارفا بالله ولا بصفاته، ولا ~~أن لذاته تعلقا بكل معلوم، ولا أنه غني عن فعل القبائح فلم يبعد من مثله ~~تجويز أن يكون الله في زعمه مخدوعا ومصابا بالمكروه من وجه خفي، وتجويز ~~أن يدلس على عباده ويخدعهم. والثالث أن يذكر الله تعالى ويراد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لأنه خليفته في أرضه، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع ~~عباده، كما يقال قال الملك كذا ورسم كذا وإنما القائل والراسم وزيره أو ~~بعض خاصته الذين قولهم قوله ورسمهم رسمه. مصداقه قوله # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم # الفتح 10 وقوله # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80. والرابع أن يكون من قولهم أعجبني زيد وكرمه، فيكون المعنى ~~يخادعون الذين آمنوا بالله. ms0039 وفائدة هذه الطريقة قوة الاختصاص، ولما كان ~~المؤمنون من الله بمكان، سلك بهم ذلك المسلك. ومثله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62 وكذلك # إن الذين يؤذون الله ورسوله # الأحزاب 57 ونظيره في كلامهم علمت زيدا فاضلا، والغرض فيه ذكر إحاطة ~~العلم بفضل زيد لا به نفسه لأنه كان معلوما له قديما كأنه قيل علمت فضل ~~زيد ولكن ذكر زيد توطئة وتمهيد لذكر فضله. فإن قلت هل للاقتصار بخادعت ~~على واحد وجه صحيح؟ قلت وجهه أن يقال عنى به «فعلت» إلا أنه أخرج في زنة ~~«فاعلت» لأن الزنة في أصلها للمغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه ~~فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب ولا مبار لزيادة ~~قوة الداعي إليه. ويعضده قراءة من قرأ { يخدعون الله ~~والذين ءامنوا } وهو أبو حيوة. و { يخدعون } بيان ليقول. ~~ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين وما رفقهم في ~~ذلك؟ فقيل يخادعون. فإن قلت عم كانوا يخادعون؟ قلت كانوا يخادعونهم عن ~~أغراض لهم ومقاصد منها متاركتهم وإعفاؤهم عن المحاربة، وعما كانوا يطرقون ~~به من سواهم من الكفار. ومنها اصطناعهم بما يصطنعون به المؤمنين من ~~إكرامهم والإحسان إليهم وإعطائهم الحظوظ من المغانم ونحو ذلك من الفوائد، ~~ومنها اطلاعهم - لاختلاطهم بهم - على الأسرار التي كانوا حراصا على ~~إذاعتها إلى منابذيهم. فإن قلت فلو أظهر عليهم حتى لا يصلوا إلى هذه ~~الأغراض بخداعهم عنها. قلت لم يظهر عليهم لما أحاط به علما من المصالح ~~التي لو أظهر عليهم لانقلبت مفاسد واستبقاء إبليس وذريته ومتاركتهم وما ~~هم عليه من إغواء المنافقين وتلقينهم النفاق أشد من ذلك. # ولكن السبب فيه ما علمه تعالى من المصلحة. فإن قلت ما المراد بقوله { ~~وما يخادعون إلا أنفسهم }؟ قلت يجوز أن يراد وما يعاملون تلك ~~المعاملة المشبهة بمعاملة المخادعين إلا أنفسهم لأن ضررها يلحقهم، ومكرها ~~يحيق بهم، كما تقول فلان يضار فلانا وما يضار إلا نفسه، أي دائرة ~~الضرار راجعة إليه وغير متخطية إياه، وأن يراد حقيقة ms0040 المخادعة أي وهم في ~~ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به، ~~وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثهم بالأماني، وأن يراد وما يخدعون فجيء به على ~~لفظ «يفاعلون» للمبالغة. وقرىء «وما يخدعون»، ويخدعون من خدع. ويخدعون - ~~بفتح الياء - بمعنى يخدعون. ويخدعون. ويخادعون على لفظ ما لم يسم فاعله. ~~والنفس ذات الشيء وحقيقته. يقال عندي كذا نفسا. ثم قيل للقلب نفس لأن ~~النفس به. ألا ترى إلى قولهم المرء بأصغريه. وكذلك بمعنى الروح، وللدم ~~نفس لأن قوامها بالدم. وللماء نفس لفرط حاجتها إليه. قال الله تعالى # وجعلنا من الماء كل شىء حي # الأنبياء 30 وحقيقة نفس الرجل بمعنى عين أصيبت نفسه، كقولهم فلان يؤامر ~~نفسيه - إذا تردد في الأمر اتجه له رأيان وداعيان لا يدري على أيهما ~~يعرج كأنهم أرادوا داعيي النفس، وهاجسي النفس فسموهما نفسين، إما ~~لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لما كانا كالمشيرين عليه والآمرين ~~له، شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين. والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم. والمعنى ~~بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لاصق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولا يتخطاهم ~~إلى من سواهم. ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم. والشعور علم ~~الشيء علم حس من الشعار. ومشاعر الإنسان حواسه. والمعنى أن لحوق ضرر ذلك ~~بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. واستعمال المرض في ~~القلب يجوز أن يكون حقيقة ومجازا، فالحقيقة أن يراد الألم كما تقول في ~~جوفه مرض. والمجاز أن يستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغل، ~~والحسد والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الهوى، والجبن، ~~والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض كما استعيرت الصحة ~~والسلامة في نقائض ذلك. والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد ~~والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، لأن صدورهم كانت تغلى على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين غلا وحنقا ويبغضونهم البغضاء التي وصفها ~~الله تعالى في قوله # قد بدت البغضاء من أفوههم وما تخفى صدورهم ~~أكبر # آل عمران 118 ويتحرقون عليهم حسدا # إن تمسسكم حسنة تسؤهم ms0041 # آل عمران 120 وناهيك مما كان من ابن أبي وقول سعد بن عبادة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 17 «اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك ~~الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما ~~رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك». # أو يراد ما تداخل قلوبهم من الضعف والجبن والخور، لأن قلوبهم كانت قوية، ~~إما لقوة طمعهم فيما كانوا يتحدثون به أن ريح الإسلام تهب حينا ثم تسكن ~~ولواءه يخفق أياما ثم يقر، فضعفت حين ملكها اليأس عند إنزال الله على ~~رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله. وإما لجراءتهم وجسارتهم في ~~الحروب فضعفت جبنا وخورا حين قذف الله في قلوبهم الرعب وشاهدوا شوكة ~~المسلمين وإمداد الله لهم بالملائكة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~18 # " نصرت بالرعب مسيرة شهر " # ومعنى زيادة الله إياهم مرضا أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فسمعوه ~~كفروا به فازدادوا كفرا إلى كفرهم، فكأن الله هو الذي زادهم ما ازدادوه ~~إسنادا للفعل إلى المسبب له، كما أسنده إلى السورة في قوله # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125 لكونها سببا. أو كلما زاد رسوله نصرة وتبسطا في البلاد ~~ونقصا من أطراف الأرض ازدادوا حسدا وغلا وبغضا وازدادت قلوبهم ضعفا ~~وقلة طمع فيما عقدوا به رجاءهم وجبنا وخورا. ويحتمل أن يراد بزيادة ~~المرض الطبع. وقرأ أبو عمر في رواية الأصمعي مرض، ومرضا، بسكون الراء ~~يقال ألم فهو { أليم } كوجع فهو وجيع ووصف العذاب به نحو قوله # تحية بينهم ضرب وجيع # وهذا على طريقة قولهم جد جده. والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد ~~للجاد. والمراد بكذبهم قولهم آمنا بالله وباليوم الآخر. وفيه رمز إلى ~~قبح الكذب وسماجته، وتخييل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم. ~~ونحوه قوله تعالى # مما خطيئتهم أغرقوا # نوح 71 والقوم كفرة. وإنما خصت الخطيآت استعظاما لها وتنفيرا عن ~~ارتكابها. والكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به وهو قبيح كله. ~~وأما ms0042 ما يروى عن إبراهيم عليه السلام. 19 «أنه كذب ثلاث كذبات». ~~فالمراد التعريض. ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمى به. وعن أبي بكر ~~رضي الله عنه وروى مرفوعا 20 # " إياكم والكذب فإنه مجانب للإيمان " # وقرىء «يكذبون»، من كذبه الذي هو نقيض صدقه أو من كذب الذي هو مبالغة ~~في كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدق. ونظيرهما بان الشيء وبين، وقلص الثوب ~~وقلص. أو بمعنى الكثرة كقولهم موتت البهائم، وبركت الإبل، أو من قولهم ~~كذب الوحشي إذا جرى شوطا ثم وقف لينظر ما وراءه لأن المنافق متوقف ~~متردد في أمره، ولذلك قيل له مذبذب. وقال عليه السلام 21 # " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى ~~هذه مرة ". ### || [2.11-16] # «وإذا قيل لهم» معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على يقول آمنا لأنك لو ~~قلت ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأول أوجه. ~~والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، ~~وهو الحصول على الحال المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض هيج الحروب ~~والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس ~~والزروع والمنافع الدينية والدنيوية. قال الله تعالى # وإذا تولى سعى فى الارض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل # البقرة 205 # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء # البقرة 30. ومنه قيل لحرب كانت بين طيء حرب الفساد. وكان فساد المنافقين ~~في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء ~~أسرارهم إليهم وإغرائهم عليهم، وذلك مما يؤدي إلى هيج الفتن بينهم، فلما ~~كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم { لا تفسدوا } ، كما تقول ~~للرجل لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه ~~عاقبته. و { إنما } لقصر الحكم على شيء، كقولك إنما ينطق زيد، أو ~~لقصر الشيء على حكم كقولك إنما زيد كاتب. ومعنى { إنما نحن ~~مصلحون } أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها ~~من ms0043 وجه من وجوه الفساد. و { ألآ } مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، ~~لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي ~~أفاد تحقيقا كقوله # أليس ذلك بقدر # القيامة 40؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة ~~بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من ~~مقدمات اليمين وطلائعها # أما والذي لا يعلم الغيب غيره أما والذي أبكى ~~وأضحك # رد الله ما ادعوه من الانتظام في جملة المصلحين أبلغ رد وأدله على سخط ~~عظيم، والمبالغة فيه من جهة الاستئناف وما في كلتا الكلمتين ألا. وإن من ~~التأكيدين وتعريف الخبر وتوسيط الفصل. وقوله { لا يشعرون } أتوهم ~~في النصيحة من وجهين أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب وجره ~~إلى الفساد والفتنة. والثاني تبصيرهم الطريق الأسد من أتباع ذوي الأحلام، ~~ودخولهم في عدادهم فكان من جوابهم أن سفهوهم لفرط سفههم، وجهلوهم لتمادي ~~جهلهم. وفي ذلك تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. فإن قلت كيف صح أن يسند ~~«قيل» إلى «لا تفسدوا، وآمنوا» وإسناد الفعل إلى الفعل مما لا يصح؟ قلت ~~الذي لا يصح هو إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسناد له إلى لفظه، ~~كأنه قيل وإذا قيل لهم هذا القول وهذا الكلام. فهو نحو قولك «ألف» ضرب من ~~ثلاثة أحرف. # ومنه «زعموا مطية الكذب». و«ما» في «كما» يجوز أن تكون كافة مثلها في ~~ربما، ومصدرية مثلها في # بما رحبت # التوبة 25. واللام في «الناس» للعهد، أي كما آمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومن معه. أو هم ناس معهودون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم ~~من جلدتهم ومن أبناء جنسهم، أي كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس أي ~~كما آمن الكاملون في الإنسانية. أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على ~~الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل. ~~والاستفهام في { أنؤمن } في معنى الإنكار. واللام في { السفهاء ~~} مشار بها إلى الناس، كما تقول لصاحبك إن زيدا قد سعى بك، فيقول أو ms0044 قد ~~فعل السفيه. ويجوز أن تكون للجنس، وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم ~~واعتقادهم لأنهم عندهم أعرق الناس في السفه. فإن قلت لم سفهوهم واستركوا ~~عقولهم، وهم العقلاء المراجيح؟ قلت لأنهم لجهلهم وإخلالهم بالنظر وإنصاف ~~أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن ~~الباطل كان سفيها ولأنهم كانوا في رياسة وسطة في قومهم ويسار، وكان أكثر ~~المؤمنين فقراء ومنهم موال كصهيب وبلال وخباب، فدعوهم سفهاء تحقيرا ~~لشأنهم. أو أرادوا عبد الله بن سلام وأشياعه ومفارقتهم دينهم وما غاظهم ~~من إسلامهم وفت في أعضادهم. قالوا ذلك على سبيل التجلد توقيا من الشماتة ~~بهم مع علمهم أنهم من السفه بمعزل، والسفه سخافة العقل وخفة الحلم. فإن ~~قلت فلم فصلت هذه الآية ب { لا يعلمون } ، والتي قبلها ب { ~~لا يشعرون }؟ قلت لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على ~~الحق وهم على الباطل، يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر المعرفة. ~~وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر ~~دينوي مبني على العادات، معلوم عند الناس، خصوصا عند العرب في جاهليتهم ~~وما كان قائما بينهم من التغاور والتناحر والتحارب والتحازب، فهو ~~كالمحسوس المشاهد ولأنه قد ذكر السفه وهو جهل فكان ذكر العلم معه أحسن ~~طباقا له. مساق هذه الآية بخلاف ما سيقت له أول قصة المنافقين فليس ~~بتكرير، لأن تلك في بيان مذهبهم والترجمة عن نفاقهم، وهذه في بيان ما ~~كانوا يعملون عليه مع المؤمنين من التكذيب لهم والاستهزاء بهم ولقائهم ~~بوجوه المصادقين وإيهامهم أنهم معهم، فإذا فارقوهم إلى شطار دينهم صدقوهم ~~ما في قلوبهم. وروي 22 أن عبد الله بن أبي وأصحابه خرجوا ذات يوم ~~فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله ~~انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد أبي بكر فقال مرحبا ~~بالصديق سيد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل ~~نفسه وماله لرسول الله. # ثم أخذ بيد عمر ms0045 فقال مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دين الله، ~~الباذل نفسه وماله لرسول الله. ثم أخذ بيد علي فقال مرحبا بابن عم رسول ~~الله وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله. ثم افترقوا فقال لأصحابه كيف ~~رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا، فنزلت. ويقال لقيته ولاقيته إذا ~~استقبلته قريبا منه، وهو جاري ملاقي ومراوقي. وقرأ أبو حنيفة وإذا ~~لاقوا. وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه. ويجوز أن يكون من «خلا» بمعنى ~~مضى، وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك. ومنه القرون الخالية، ومن «خلوت به» ~~إذا سخرت منه. وهو من قولك خلا فلان بعرض فلان يعبث به. ومعناه وإذا ~~أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها. كما تقول أحمد إليك ~~فلانا، وأذمه إليك. وشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم. وقد ~~جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة. والدليل ~~على أصالتها قولهم تشيطن، واشتقاقه من «شطن» إذا بعد لبعده من الصلاح ~~والخير. ومن «شاط» إذا بطل إذا جعلت نونه زائدة. ومن أسمائه الباطل. { ~~إنا معكم } إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم. فإن قلت لم كانت ~~مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالإسمية محققة بأن؟ قلت ~~ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين وأوكدهما، لأنهم في ~~ادعاء حدوث الإيمان منهم ونشئه من قبلهم، لا في ادعاء أنهم أوحديون في ~~الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه، إذ ~~ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق ~~رغبة واعتقاد. وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد ~~والمبالغة. وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين ~~والأنصار الذين مثلهم في التوراة والإنجيل. ألا ترى إلى حكاية الله قول ~~المؤمنين # ربنا إننا ءامنا # آل عمران 16. وأما مخاطبة إخوانهم، فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من ~~الثبات على اليهودية والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه ~~على صدق رغبة ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه ms0046 من ذلك فهو رائج ~~عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق ومثنة للتوكيد. فإن قلت أنى تعلق ~~قوله { إنما نحن مستهزءون } بقوله { إنا معكم } قلت ~~هو توكيد له، لأن قوله { إنا معكم } معناه الثبات على اليهودية. ~~وقوله { إنما نحن مستهزءون } رد للإسلام ودفع له منهم، ~~لأن المستهزىء بالشيء المستخف به منكر له ودافع لكونه معتدا به، ودفع ~~نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر. ~~أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا لهم { إنا معكم } ، ~~فقالوا فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أهل الإسلام فقالوا إنما نحن ~~مستهزئون. # والاستهزاء السخرية والاستخفاف، وأصل الباب الخفة من الهزء وهو ~~القتل السريع وهزأ يهزأ مات على المكان. عن بعض العرب مشيت فلغبت ~~فظننت لأهزأن على مكاني. وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف. فإن قلت لا يجوز ~~الاستهزاء على الله تعالى، لأنه متعال عن القبيح، والسخرية من باب العيب ~~والجهل. ألا ترى إلى قوله # قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون ~~من الجهلين # البقرة 67، فما معنى استهزائه بهم؟ قلت معناه إنزال الهوان والحقارة ~~بهم، لأن المستهزىء غرضه الذي يرميه هو طلب الخفة والزراية ممن يهزأ به، ~~وإدخال الهوان والحقارة عليه، والاشتقاق كما ذكرنا شاهد لذلك. وقد كثر ~~التهكم في كلام الله تعالى بالكفرة. والمراد به تحقير شأنهم وازدراء ~~أمرهم، والدلالة على أن مذاهبهم حقيقة بأن يسخر منها الساخرون ويضحك ~~الضاحكون. ويجوز أن يراد به ما مر في { يخدعون } من أنه يجري ~~عليهم أحكام المسلمين في الظاهر، وهو مبطن بادخار ما يراد بهم، وقيل سمي ~~جزاء الاستهزاء باسمه كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40، # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # البقرة 194. فإن قلت كيف ابتدىء قوله { الله يستهزىء بهم } ~~ولم يعطف على الكلام قبله. قلت هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. ~~وفيه أن الله عز وجل هو الذي يستهزىء بهم الاستهزاء الأبلغ، الذي ليس ~~استهزاؤهم إليه باستهزاء ولا يؤبه له في مقابلته، لما ينزل بهم من النكال ~~ويحل بهم ms0047 من الهوان والذل. وفيه أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم ~~انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فإن ~~قلت فهلا قيل الله مستهزىء بهم ليكون طبقا لقوله { إنما نحن ~~مستهزءون } قلت لأن { يستهزىء } يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده ~~وقتا بعد وقت، وهكذا كانت نكايات الله فيهم وبلاياه النازلة بهم # أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو ~~مرتين # التوبة 126 وما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار، ~~ونزول في شأنهم واستشعار حذر من أن ينزل فيهم # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون # التوبة 64. { ويمدهم في طغينهم } من مد الجيش وأمده ~~إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره. وكذلك مد الداوة وأمدها زادها ما ~~يصلحها. ومددت السرج والأرض إذا استصلحتهما بالزيت والسماد. ومده الشيطان ~~في الغي وأمده إذا واصله بالوساوس حتى يتلاحق غيه ويزداد إنهماكا فيه. ~~فإن قلت لم زعمت أنه من المدد دون المد في العمر والإملاء والإمهال؟ قلت ~~كفاك دليلا على أنه من المدد دون المد قراءة ابن كثير وابن محيصن ~~«ويمدهم»، وقراءة نافع # وإخونهم يمدونهم # الأعراف 202 على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له. # فإن قلت فكيف جاز أن يوليهم الله مددا في الطغيان وهو فعل الشياطين؟ ~~ألا ترى إلى قوله تعالى # وإخونهم يمدونهم فى الغى # الأعراف 202 قلت إما أن يحمل على أنهم لما منعهم الله ألطافه التي ~~يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه، بقيت قلوبهم بتزايد ~~الرين والظلمة فيها، تزايد الإنشراح والنور في قلوب المؤمنين فسمى ذلك ~~التزايد مددا. وأسند إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم. ~~وإما على منع القسر والإلجاء وإما على أن يسند فعل الشيطان إلى الله لأنه ~~بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. فإن قلت فما حملهم على ~~تفسير المد في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه؟ ~~قلت استجرهم ms0048 إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى ~~الشياطين لكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته، وإلا كان منه ~~بمنزلة الأروى من النعام. ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز، ~~أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به ~~التحدي سليما من القادح، فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد ~~النظم والبلاغة على مراحل. ويعضد ما قلناه قول الحسن في تفسيره في ~~ضلالتهم يتمادون، وأن هؤلاء من أهل الطبع. والطغيان الغلو في الكفر، ~~ومجاوزة الحد في العتو. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه { في ~~طغينهم } بالكسر وهما لغتان، كلقيان ولقيان، وغنيان وغنيان. فإن ~~قلت أي نكتة في إضافته إليهم؟ قلت فيها أن الطغيان والتمادي في الضلالة ~~مما اقترفته أنفسهم واجترحته أيديهم، وأن الله برىء منه ردا لاعتقاد ~~الكفرة القائلين لو شاء الله ما أشركنا، ونفيا لو هم من عسى يتوهم عند ~~إسناد المد إلى ذاته لو لم يضف الطغيان إليهم ليميط الشبه ويقلعها ويدفع ~~في صدر من يلحد في صفاته. ومصداق ذلك أنه حين أسند المد إلى الشياطين، ~~أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله # وإخونهم يمدونهم فى الغى # الأعراف 202. والعمه مثل العمى، إلا أن العمى عام في البصر والرأي، ~~والعمه في الرأي خاصة، وهو التحير والتردد، لا يدري أين يتوجه. ومنه ~~قوله بالجاهلين العمه، أي الذين لا رأي لهم ولا دراية بالطرق. وسلك أرضا ~~عمهاء لا منار بها. ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه ~~واستبدالها به، على سبيل الاستعارة، لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ ~~آخر. ومنه # أخذت بالجمة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحات ~~الدردرا وبالطويل العمر عمرا حيدرا كما اشترى ~~المسلم إذ تنصرا # وعن وهب قال الله عز وجل فيما يعيب به بني إسرائيل «تفقهون لغير الدين، ~~وتعلمون لغير العمل، وتبتاعون الدنيا بعمل الآخرة». فإن قلت كيف اشتروا ~~الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى؟ قلت جعلوا لتمكنهم منه وإعراضه لهم ~~كأنه في أيديهم، فإذا تركوه إلى ms0049 الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به، ولأن ~~الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، فكل من ضل فهو مستبدل ~~خلاف الفطرة. # والضلالة الجور عن القصد وفقد الاهتداء. يقال ضل منزله، وضل دريص نفقه ~~فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين. والربح الفضل على رأس المال، ولذلك ~~سمي الشف، من قولك أشف بعض ولده على بعض، إذا فضله. ولهذا على هذا شف. ~~والتجارة صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح. وناقة تاجرة كأنها ~~من حسنها وسمنها تبيع نفسها. وقرأ ابن أبي عبلة «تجاراتهم». فإن قلت كيف ~~أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت هو من الإسناد المجازي، وهو ~~أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة ~~بالمشترين. فإن قلت هل يصح ربح عبدك وخسرت جاريتك، على الإسناد المجازي؟ ~~قلت نعم إذا دلت الحال. وكذلك الشرط في صحة رأيت أسدا، وأنت تريد ~~المقدام إن لم تقم حال دالة لم يصح. فإن قلت هب أن شراء الضلالة بالهدى ~~وقع مجازا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة؟ كأن ثم ~~مبايعة على الحقيقة. قلت هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة ~~العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات، إذا ~~تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا، وهو المجاز ~~المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد كأن أذني قلبه خطلا، وإن جعلوه ~~كالحمار، ثم رشحوا ذلك روما لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين، وادعوا ~~لهما الخطل، ليمثلوا البلادة تمثيلا يلحقها ببلادة الحمار مشاهدة ~~معاينة. ونحوه # ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في ~~وكريه جاش له صدري # لما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب، أتبعه ذكر التعشيش ~~والوكر. ونحوه قول بعض فتاكهم في أمه # فما أم الردين وإن أدلت بعالمة بأخلاق الكرام ~~إذا الشيطان قصع في قفاها تنفقناه بالحبل التوام # أي إذا دخل الشيطان في قفاها استخرجناه من نافقائه بالحبل المثنى ~~المحكم. يريد إذا حردت وأساءت الخلق اجتهدنا في إزالة ms0050 غضبها وإماطة ما ~~يسوء من خلقها. استعار التقصيع أولا، ثم ضم إليه التنفق، ثم الحبل ~~التوام. فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه وما يكمل ~~ويتم بانضمامه إليه، تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته. فإن قلت فما معنى ~~قوله { فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين }. قلت ~~معناه أن الذي يطلبه التجار في متصرفاتهم شيئان سلامة رأس المال، ~~والربح. وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين معا، لأن رأس مالهم كان هو الهدى، ~~فلم يبق لهم مع الضلالة. وحين لم يبق في أيديهم إلا الضلالة، لم يوصفوا ~~بإصابة الربح. وإن ظفروا بما ظفروا به من الأغراض الدنيوية لأن الضال ~~خاسر دامر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله قد ربح، وما كانوا ~~مهتدين لطرق التجارة كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ~~ويخسر. ### || [2.17-18] # لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان. ~~ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي ~~في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في ~~صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت ~~للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي، ولأمر ما أكثر الله في كتابه ~~المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكلام الأنبياء والحكماء. قال الله تعالى # وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العلمون # العنكبوت 43 ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم بمعنى ~~المثل، وهو النظير. يقال مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول ~~السائر الممثل مضربه بمورده مثل. ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا ~~للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض ~~الوجوه. ومن ثم حوفظ عليه وحمى من التغيير. فإن قلت ما معنى مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه ~~أحد المثلين بصاحبه؟ قلت قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال ~~أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن ms0051 وفيها غرابة، كأنه قيل حالهم العجيبة ~~الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله # مثل الجنة التى وعد المتقون # الرعد 35 أي وفيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في ~~بيان عجائبها. # ولله المثل الاعلى # النحل 60 أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة. # مثلهم فى التوراة # الفتح 29 أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة ~~قالوا فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت ~~كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت وضع الذي موضع الذين، كقوله # وخضتم كالذي خاضوا # التوبة 69 والذي سوغ وضع الذي موضع الذين، ولم يجز وضع القائم موضع ~~القائمين ولا نحوه من الصفات أمران أحدهما أن «الذي» لكونه وصلة إلى وصف ~~كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق ~~بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على ~~اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني أن جمعه ليس بمنزلة ~~جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة. ألا ترى أن ~~سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو ~~أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أن المنافقين وذواتهم لم ~~يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت ~~قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # الجمعة 5، وقوله # ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت # محمد 20. ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته وقل في الجبل ~~إذا صعد وعلا، والنار جوهر لطيف مضيء حار محرق. والنور ضوءها وضوء كل ~~نير، وهو نقيض الظلمة. واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة ~~واضطرابا، والنور مشتق منها. والإضاءة فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله # هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا # يونس 5، وهي في الآية متعدية. ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما ~~حوله. والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ~~ويعضده ms0052 قراءة ابن أبي عبلة «ضاءت». وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ~~ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على ~~أن ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. و { حوله } نصب على الظرف ~~وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام حول لأنه يدور. فإن قلت أين جواب ~~لما؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن جوابه { ذهب الله بنورهم }. ~~والثاني أنه محذوف كما حذف في قوله # فلما ذهبوا به # يوسف 15. وإنما جاز حذفه لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس للدال عليه، ~~وكان الحذف أولى من الإثبات لما فيه من الوجازة، مع الإعراب عن الصفة ~~التي حصل عليها المستوقد بما هو أبلغ من اللفظ في أداء المعنى، كأنه قيل ~~فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت ~~الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار. فإن قلت فإذا قدر الجواب ~~محذوفا فبم يتعلق { ذهب الله بنورهم }؟ قلت يكون كلاما ~~مستأنفا. كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد الذي طفئت ناره، اعترض ~~سائل فقال ما بالهم قد أشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له ذهب الله ~~بنورهم. أو يكون بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. فإن قلت قد رجع ~~الضمير في هذا الوجه إلى المنافقين فما مرجعه في الوجه الثاني؟ قلت مرجعه ~~الذي استوقد لأنه في معنى الجمع. وأما جمع هذا الضمير وتوحيده في { ~~حوله } ، فللحمل على اللفظ تارة، وعلى المعنى أخرى. فإن قلت فما معنى ~~إسناد الفعل إلى الله تعالى في قوله { ذهب الله بنورهم }؟ قلت ~~إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر، فقد أطفأها الله تعالى وذهب بنور ~~المستوقد. ووجه آخر، وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا ~~يرضاها الله. ثم إما أن تكون نارا مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام، ~~وتلك النار متقاصرة مدة اشتعالها قليلة البقاء. ألا ترى إلى قوله # كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله # المائدة 64، وإما نارا حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها ~~إلى بعض المعاصي، ويتهدوا بها في ms0053 طرق العبث، فأطفأها الله وخيب أمانيهم. ~~فإن قلت كيف صح في النار المجازية أن توصف بإضاءة ما حول المستوقد؟ قلت ~~هو خارج على طريقة المجاز المرشح فأحسن تدبره. # فإن قلت هلا قيل ذهب الله بضوئهم؟ لقوله { فلما أضاءت }؟ قلت ذكر ~~النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة. فلو قيل ذهب الله بضوئهم، ~~لأوهم الذهاب بالزيادة وبقاء ما يسمى نورا، والغرض إزالة النور عنهم ~~رأسا وطمسه أصلا. ألا ترى كيف ذكر عقيبه { وتركهم في ظلمت ~~} والظلمة عبارة عن عدم النور وانطماسه، وكيف جمعها، وكيف نكرها، وكيف ~~أتبعها ما يدل على أنها ظلمة مبهمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله { لا ~~يبصرون }. فإن قلت فلم وصفت بالإضاءة؟ قلت هذا على مذهب قولهم ~~للباطل صولة ثم يضمحل. ولريح الضلالة عصفة ثم تخفت، ونار العرفج مثل ~~لنزوة كل طماح. والفرق بين أذهبه وذهب به، أن معنى أذهبه أزاله وجعله ~~ذاهبا. ويقال ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه. وذهبت السلطان بماله أخذه ~~فلما ذهبوا به، # إذا لذهب كل إله بما خلق # المؤمنون 91. ومنه ذهب به الخيلاء. والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه، # وما يمسك فلا مرسل له # فاطر 2 فهو أبلغ من الإذهاب. وقرأ اليماني أذهب الله نورهم. وترك بمعنى ~~طرح وخلى، إذا علق بواحد، كقولهم تركه ترك ظبي ظله. فإذا علق بشيئين كان ~~مضمنا معنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب كقول عنترة # فتركته جزر السباع ينشنه # ومنه قوله { وتركهم في ظلمت } أصله هم في ظلمات، ثم دخل ~~ترك فنصب الجزأين. والظلمة عدم النور. وقيل عرض ينافي النور. واشتقاقها ~~من قولهم ما ظلمك أن تفعل كذا أي ما منعك وشغلك، لأنها تسد البصر وتمنع ~~الرؤية. وقرأ الحسن «ظلمات» بسكون اللام وقرأ اليماني «في ظلمة» على ~~التوحيد. والمفعول الساقط من { لا يبصرون } من قبيل المتروك ~~المطرح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوى، كأن ~~الفعل غير متعد أصلا، نحو { يعمهون } في قوله # ويذرهم فى طغينهم يعمهون # الأعراف 186. فإن قلت فيم شبهت ms0054 حالهم بحال المستوقد؟ قلت في أنهم غب ~~الإضاءة خبطوا في ظلمة وتورطوا في حيرة. فإن قلت وأين الإضاءة في حال ~~المنافق؟ وهل هو أبدا إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟ قلت المراد ما ~~استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء ~~استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله ~~وظلمة العقاب السرمد. ويجوز أن يشبه بذهاب الله بنور المستوقد اطلاع الله ~~على أسرارهم وما افتضحوا به بين المؤمنين واتسموا به من سمة النفاق. ~~والأوجه أن يراد الطبع، لقوله { صم بكم عمى }. وفي الآية تفسير ~~آخر وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا ~~التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، ~~والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه ~~إياهم في الظلمات. # وتنكير النار للتعظيم. كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن الإصاخة إلى ~~الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم ~~جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتقضت بناها التي بنيت عليها للإحساس ~~والإدراك كقوله # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء ~~عندهم أذنوا أصم عما ساءه سميعأ صم عن ~~الشيء الذي لا أريده واسمع خلق الله حين أريد ف أصممت عمرا ~~وأعميته عن الجود والفخر يوم الفخار # فإن قلت كيف طريقته عند علماء البيان؟ قلت طريقة قولهم «هم ليوث» ~~للشجعان، وبحور للأسخياء. إلا أن هذا في الصفات، وذاك في الأسماء، وقد ~~جاءت الاستعارة في الأسماء والصفات والأفعال جميعا. تقول رأيت ليوثا، ~~ولقيت صما عن الخير، ودجا الإسلام. وأضاء الحق. فإن قلت هل يسمى ما في ~~الآية استعارة؟ قلت مختلف فيه. والمحققون على تسميته تشبيها بليغا لا ~~استعارة لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون. والاستعارة إنما تطلق حيث ~~يطوى ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به ~~المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام، كقول زهير # لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره ~~لم ms0055 تقلم # ومن ثم ترى المفلقين السحرة منهم كأنهم يتناسون التشبيه ويضربون عن ~~توهمه صفحا. قال أبو تمام # ويصعد حتي يظن الجهول بأن له حاجة في السماء # وبعضهم # لا تحسبوا أن في سرباله رجلا ففيه غيث وليث ~~مسبل مشبل # وليس لقائل أن يقول طوى ذكرهم عن الجملة بحذف المبتدأ فأتسلق بذلك إلى ~~تسميته استعارة لأنه في حكم المنطوق به، نظيره قول من يخاطب الحجاج # أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من ~~صفير الصافر # ومعنى { لا يرجعون } أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو ~~عن الضلالة بعد أن اشتروها، تسجيلا عليهم بالطبع، أو أراد أنهم بمنزلة ~~المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون ~~أم يتأخرون؟ وكيف يرجعون إلى حيث ابتدءوا منه؟ ### || [2.19-20] # ثم ثنى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، ~~وإيضاحا غب إيضاح. وكما يجب على البليغ في مظان الإجمال والإيجاز أن ~~يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. ~~أنشد الجاحظ # يوحون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة ~~الرقباء # ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله # وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا ~~النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي ~~الأحيآء ولا الأموات # فاطر19-22 وألا ترى إلى ذي الرمة كيف صنع في قصيدته؟ # أذاك أم نمش بالوشي أكرعه ...................... ~~أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ...................... # فإن قلت قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارا، وإظهاره ~~الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فما ذا شبه في التمثيل ~~الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت لقائل أن يقول ~~شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما ~~يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات. وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد ~~والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام ~~بالصواعق. والمعنى أو كمثل ذوي صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على ~~هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فإن قلت هذا تشبيه أشياء بأشياء ms0056 فأين ذكر ~~المشبهات؟ وهلا صرح به كما في قوله # وما يستوى الاعمى والبصير والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت ولا المسىء # غافر 58، وفي قول امرىء القيس # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب ~~والحشف البالي؟ # قلت كما جاء ذلك صريحا فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة، كقوله ~~تعالى # وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج # فاطر 12، # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشكسون ~~ورجلا سلما لرجل # الزمر 39، والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه أن التمثيلين ~~جميعا من جملة التمثيلات المركبة دون المفرقة، لا يتكلف الواحد واحد ~~شيء يقدر شبهه به، وهو القول الفحل والمذهب الجزل، بيانه أن العرب تأخذ ~~أشياء فرادى، معزولا بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك فتشبهها ~~بنظائرها، كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن، وتشبه كيفية حاصلة من ~~مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا، بأخرى مثلها كقوله ~~تعالى # مثل الذين حملوا التوراة # الجمعة 5 الآية. الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة ~~وآياتها الباهرة، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة، وتساوي ~~الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار، لا يشعر من ~~ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب. وكقوله # واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلنه ~~من السماء # الكهف 45 المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر. فأما أن يراد ~~تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئا واحدا، فلا. ~~فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة ~~والدهشة شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد ~~إيقادها في ظلمة الليل، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد ~~وبرق وخوف من الصواعق. فإن قلت الذي كنت تقدره في المفرق من التشبيه من ~~حذف المضاف وهو قولك «أو كمثل ذوي صيب» هل تقدر مثله في المركب منه؟ قلت ~~لولا طلب الراجع في قوله تعالى { يجعلون أصبعهم ms0057 فى ~~ءاذانهم } ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره لأني أراعي الكيفية ~~المنتزعة من مجموع الكلام فلا علي أولي حرف التشبيه مفرد يتأتى ~~التشبيه به أم لم يله. ألا ترى إلى قوله # إنما مثل الحيوة الدنيا # يس 24 الآية، كيف ولي الماء الكاف، وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا ~~بمفرد آخر يتمحل لتقديره. ومما هو بين في هذا قول لبيد # وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها ~~وغدوا بلاقع # لم يشبه الناس بالديار، وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم ~~وفنائهم، بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية. ~~فإن قلت أي التمثيلين أبلغ؟ قلت الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة ~~الأمر وفظاعته، ولذلك أخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى ~~الأغلظ. فإن قلت لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك؟ قلت أو في ~~أصلها لتساوي شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في ~~غير الشك، وذلك قولك جالس الحسن أو ابن سيرين، تريد أنهما سيان في ~~استصواب أن يجالسا، ومنه قوله تعالى # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # الإنسان 24، أي الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذلك قوله { ~~أو كصيب } معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين ~~القصتين، وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل، ~~فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك. والصيب المطر ~~الذي يصوب، أي ينزل ويقع. ويقال للسحاب صيب أيضا. قال الشماخ # وأسحم دان صادق الرعد صيب # وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل. كما نكرت النار في ~~التمثيل الأول. وقرىء كصائب، والصيب أبلغ. والسماء هذه المظلة. وعن الحسن ~~أنها موج مكفوف. فإن قلت قوله { من السماء } ما الفائدة في ذكره؟ ~~والصيب لا يكون إلا من السماء. قلت الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة ~~فنفى أن يتصوب من سماء، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق، لأن كل أفق ~~من آفاقها سماء، كما أن كل طبقة من الطباق ms0058 سماء في قوله # وأوحى فى كل سماء أمرها # فصلت 12. الدليل عليه قوله # ومن بعد أرض بيننا وسماء # والمعنى أنه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء، كما جاء بصيب. وفيه مبالغات من ~~جهة التركيب والبناء والتنكير. أمد ذلك بأن جعله مطلقا. وفيه أن السحاب ~~من السماء ينحدر ومنها يأخذ ماءه، لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر. ~~ويؤيده قوله تعالى # وينزل من السماء من جبال فيها من برد # النور 43 فإن قلت بم ارتفع ظلمات؟ قلت بالظرف على الاتفاق لاعتماده على ~~موصوف. والرعد الصوت الذي يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض ~~إذا حدتها الريح فتصوت عند ذلك من الارتعاد. والبرق الذي يلمع من ~~السحاب، من برق الشيء بريقا إذا لمع. فإن قلت قد جعل الصيب مكانا ~~للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر، فأيهما أريد فما ~~ظلماته؟ قلت أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمتا سجمته وتطبيقه ~~مضمومة إليهما ظلمة الليل. وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه ~~بتتابع القطر، وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل. فإن قلت كيف يكون المطر ~~مكانا للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب؟ قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه ~~وملتبسين في الجملة فهما فيه. ألا تراك تقول فلان في البلد، وما هو منه ~~إلا في حيز يشغله جرمه. فإن قلت هلا جمع الرعد والبرق أخذا بالأبلغ كقول ~~البحتري # يا عارضا متلفعا ببروده يختال بين بروقه ~~ورعوده # وكما قيل ظلمات؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يراد العينان، ولكنهما لما ~~كانا مصدرين في الأصل يقال رعدت السماء رعدا وبرقت برقا ، روعى ~~حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع. والثاني أن يراد الحدثان ~~كأنه قيل وإرعاد وإبراق. وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات، لأن المراد ~~أنواع منها، كأنه قيل فيه ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطب. وجاز رجوع ~~الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفا قائما مقامه الصيب، ~~كما قال # أو هم قائلون # الأعراف 4. لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه. ألا ms0059 ترى إلى حسان كيف ~~عول على بقاء معناه في قوله # يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق ~~بالرحيق السلسل # حيث ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى، ولا محل لقوله { يجعلون } لكونه ~~مستأنفا، لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول، فكأن ~~قائلا قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد؟ فقيل { يجعلون ~~أصبعهم فى ءاذانهم } ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ ~~فقيل يكاد البرق يخطف أبصارهم. فإن قلت مرأيس الأصبع هو الذي يجعل في ~~الأذن فهلا قيل أناملهم؟ قلت هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد ~~الحاصر يحصرها، كقوله # فاغسلوا وجوهكم وأيديكم # المائدة 6، # فاقطعوا أيديهما # المائدة 6 أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ. وأيضا ففي ~~ذكر الأصابع من المبالغة ما ليس في ذكر الأنامل. فإن قلت فالأصبع التي ~~تسد بها الأذن أصبع خاصة، فلم ذكر الاسم العام دون الخاص؟ قلت لأن ~~السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن. ألا ترى أنهم قد ~~استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدعاءة. فإن قلت ~~فهلا ذكر بعض هذه الكنايات؟ قلت هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ~~ذلك العهد، وإنما أحدثوها بعد. وقوله { من الصوعق } متعلق ~~بيجعلون، أي من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، كقولك سقاه من ~~العيمة. والصاعقة قصفة رعد تنقض معها شقة من نار، قالوا تنقدح من السحاب ~~إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة. لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا ~~أنها مع حدتها سريعة الخمود. يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ~~ثم طفئت. ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته، فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو ~~بالإحراق. ومنه قوله تعالى # وخر موسى صعقا # الأعراف 143. وقرأ الحسن «من الصواقع» وليس بقلب للصواعق، لأن كلا ~~البنائين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله. ألا ~~تراك تقول صقعه على رأسه، وصقع الديك، وخطيب مصقع مجهر بخطبته. ونظيره ~~«جبذ» في «جذب» ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف. وبناؤها إما ms0060 أن يكون صفة ~~لقصفة الرعد، أو للرعد، والتاء مبالغة كما في الراوية، أو مصدرا ~~كالكاذبة والعافية. وقرأ ابن أبي ليلى حذار الموت، وانتصب على أنه مفعول ~~له كقوله # وأغفر عوراء الكريم ادخاره # والموت فساد بنية الحيوان. وقيل عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة. ~~وإحاطة الله بالكافرين مجاز. والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط ~~به المحيط به حقيقة. وهذه الجملة اعتراض لا محل لها. والخطف الأخذ بسرعة. ~~وقرأ مجاهد «يخطف» بكسر الطاء، والفتح أفصح وأعلى، وعن ابن مسعود يختطف. ~~وعن الحسن يخطف، بفتح الياء والخاء، وأصله يختطف. وعنه يخطف، بكسرهما على ~~إتباع الياء الخاء. وعن زيد بن علي يخطف، من خطف. وعن أبي «يتخطف»، من ~~قوله # وتخطف الناس من حولهم # العنكبوت 67. { كلما أضآء لهم } استئناف ثالث كأنه جواب لمن ~~يقول كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على ~~المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما ~~يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق خفقة، مع خوف أن يخطف أبصارهم، ~~انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا ~~واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، أو ~~في ضوء البرق فأعماهم. وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم ممشى ومسلكا ~~أخذوه والمفعول محذوف. # وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم { مشوا } في مطرح نوره وملقى ~~ضوئه. ويعضده قراءة ابن أبي عبلة كلما ضاء لهم والمشي جنس الحركة ~~المخصوصة. فإذا اشتد فهو سعي. فإذا ازداد فهو عدو. فإن قلت كيف قيل مع ~~الإضاءة كلما، ومع الإظلام إذا؟ قلت لأنهم حراص على وجود ما همهم به ~~معقود من إمكان المشي وتأتيه، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، وليس كذلك ~~التوقف والتحبس. وأظلم يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر، وأن يكون ~~متعديا منقولا من ظلم الليل. وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب أظلم، على ما ~~لم يسم فاعله. وجاء في شعر حبيب بن أوس # هما ms0061 أظلما حالي ثمت أجليا ظلاميهما عن وجه ~~أمرد أشيب # وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، ~~فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء الدليل عليه ~~بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه. ومعنى { قاموا } ~~وقفوا وثبتوا في مكانهم. ومنه قامت السوق، إذا ركدت وقام الماء جمد. ~~ومفعول { شآء } محذوف، لأن الجواب يدل عليه، والمعنى ولو شاء الله أن ~~يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، ولقد تكاثر هذا الحذف في «شاء» و«أراد» ~~لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله # فلو شئت أن أبكي دما لبكيته # وقوله تعالى # لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذنه من لدنا # الأنبياء 17 # لو أراد الله أن يتخذ ولدا # الزمر 4 . وأراد ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض ~~البرق. وقرأ ابن أبي عبلة لأذهب بأسماعهم، بزيادة الباء كقوله # ولا تلقوا بأيديكم # البقرة 195. والشيء ما صح أن يعلم ويخبر عنه. قال سيبويه في ساقة ~~الباب المترجم بباب مجاري أواخر الكلم من العربية وإنما يخرج التأنيث ~~من التذكير. ألا ترى أن الشيء يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم ~~أذكر هو أم أنثى؟، والشيء مذكر، وهو أعم العام كما أن الله أخص الخاص ~~يجري على الجسم والعرض والقديم. تقول شيء لا كالأشياء أي معلوم لا كسائر ~~المعلومات، وعلى المعدوم والمحال فإن قلت كيف قيل { على كل شىء ~~قدير } وفي الأشياء ما لا تعلق به للقادر كالمستحيل وفعل قادر آخر؟ ~~قلت مشروط في حد القادر أن لا يكون الفعل مستحيلا فالمستحيل مستثنى في ~~نفسه عند ذكر القادر على الأشياء كلها، فكأنه قيل على كل شيء مستقيم ~~قدير. ونظيره فلان أمير على الناس أي على من وراءه منهم، ولم يدخل فيهم ~~نفسه وإن كان من جملة الناس. وأما الفعل بين قادرين فمختلف فيه. فإن قلت ~~مم اشتقاق القدير؟ قلت من التقدير، لأنه يوقع فعله على مقدار قوته ~~واستطاعته وما يتميز به عن العاجز. ms0062 ### || [2.21] # لما عدد الله تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر ~~صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ~~ويشقيها، ويحظيها عند الله ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات ~~المذكور عند قوله { إياك نعبد وإياك } ، وهو فن من الكلام ~~جزل، فيه هز وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث ~~لكما إن فلانا من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت ~~بخطابك إلى الثالث فقلت يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري ~~أمورك، وتستوي على جادة السداد في مصادرك ومواردك. نبهته بالتفاتك نحوه ~~فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته بالانتقال ~~من الغيبة إلى المواجهة هازا من طبعه ما لا يجده إذا استمررت على لفظ ~~الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح ~~الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم ~~عن علقمة أن كل شيء نزل فيه يا أيها الناس فهو مكي، ويا أيها الذين ~~آمنوا فهو مدني، فقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم خطاب لمشركي مكة، و«يا» ~~حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه. وأما نداء ~~القريب فله أي والهمزة، ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب. ~~تنزيلا له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد ~~المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معني به جدا. فإن قلت فما بال الداعي ~~يقول في جؤاره يا رب، ويا ألله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به ~~وأبصر؟ قلت هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظان الزلفى وما ~~يقربه إلى رضوان الله ومنازل المقربين، هضما لنفسه وإقرارا عليها ~~بالتفريط في جنب الله، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه ~~وابتهاله، و«أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أن «ذو» ~~و«الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل. وهو اسم ~~مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ms0063 ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما ~~يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء ~~هو «أي» والاسم التابع له صفته، كقولك يا زيد الظريف إلا أن «أيا» لا ~~يستقل بنفسه استقلال «زيد» فلم ينفك من الصفة. وفي هذا التدرج من ~~الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد. وكلمة التنبيه المقحمة بين ~~الصفة وموصوفها لفائدتين معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ~~ووقوعها عوضا مما يستحقه أي من الإضافة. فإن قلت لم كثر في كتاب الله ~~النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟ قلت لاستقلاله بأوجه من ~~التأكيد وأسباب من المبالغة لأن كل ما نادى الله له عباده من أوامره ~~ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة ~~عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان ~~عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون. # فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. فإن قلت لا يخلو الأمر بالعبادة ~~من أن يكون متوجها إلى المؤمنين والكافرين جميعا، أو إلى كفار مكة ~~خاصة، على ما روي عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما ~~هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل # فلو أني فعلت كنت من تسأله وهو قائم أن يقوما # وأما الكفار فلا يعرفون الله، ولا يقرون به فكيف يعبدونه؟ قلت المراد ~~بعبادة المؤمنين ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها. وأما عبادة ~~الكفار فمشروط فيها ما لا بدلها منه وهو الإقرار، كما يشترط على المأمور ~~بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لا بد للفعل منه، فهو ~~مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه. ~~على أن مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # الزخرف 87. فإن قلت فقد جعلت قوله { اعبدوا } متناولا شيئين معا ~~الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها. قلت الازدياد من العبادة عبادة وليس ~~شيئا آخر. فإن قلت { ربكم } ما المراد به؟ ms0064 قلت كان المشركون ~~معتقدين ربوبيتين ربوبية الله، وربوبية آلهتهم. فإن خصوا بالخطاب فالمراد ~~به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أربابا ~~وكان قوله { الذى خلقكم } صفة موضحة مميزة. وإن كان الخطاب للفرق ~~جميعا، فالمراد به «ربكم» على الحقيقة. والذي خلقكم صفة جرت عليه على ~~طريق المدح والتعظيم. ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن ~~الأول أوضح وأصح. والخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء. يقال خلق النعل، ~~إذا قدره وسواها بالمقياس. وقرأ أبو عمرو { خلقكم } بالإدغام. وقرأ ~~ابن السميفع وخلق من قبلكم. وفي قراءة زيد بن علي والذين من ~~قبلكم وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال أقحم الموصول ~~الثاني بين الأول وصلته تأكيدا، كما أقحم جرير في قوله # يا تيم تيم عدي لا أبالكم # تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف ~~والمضاف إليه في لا أبالك ولعل للترجي أو الإشفاق. تقول لعل زيدا ~~يكرمني. ولعله يهينني. وقال الله تعالى # لعله يتذكر أو يخشى # طه 44، # لعل الساعة قريب # الشورى 17. ألا ترى إلى قوله # والذين ءامنوا مشفقون منها # الشورى 18. وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه ~~إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجري إطماعه ~~مجرى وعده المحتوم وفاؤه به. # قال من قال إن «لعل» بمعنى «كي»، و«لعل» لا تكون بمعنى «كي». ولكن ~~الحقيقة ما ألقيت إليك. وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ~~ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن ~~يقولوا عسى، ولعل، ونحوهما من الكلمات أو يخيلوا إخالة. أو يظفر منهم ~~بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم، ~~لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب. فعلى مثله ورد ~~كلام مالك الملوك ذي العز والكبرياء. أو يجيء على طريق الإطماع دون ~~التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله # يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة ~~نصوحا ms0065 عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئتكم # التحريم 8، فإن قلت ف«لعل» التي في الآية ما معناها وما موقعها؟ قلت ~~ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله { خلقكم } ، { لعلكم ~~تتقون } ، لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لا يجوز ~~على عالم الغيب والشهادة وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد ~~أيضا. ولكن «لعل» واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة، لأن الله عز ~~وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح ~~العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام ~~الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى. فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ~~يترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال ~~المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله عز وجل # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # هود 7، الملك 2 وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه ~~بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار. فإن قلت كما خلق المخاطبين لعلهم ~~يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك، فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟ قلت ~~لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على ~~إرادتهم جميعا. فإن قلت فهلا قيل تعبدون لأجل اعبدوا؟ أو اتقوا لمكان ~~تتقون ليتجاوب طرفا النظم. قلت ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدي ذلك ~~إلى تنافر النظم. وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده. فإذا قال { ~~اعبدوا ربكم الذى خلقكم } للاستيلاء على أقصى غايات ~~العبادة كان أبعث على العبادة، وأشد إلزاما لها، وأثبت لها في النفوس. ~~ونحوه أن تقول لعبدك احمل خريطة الكتب، فما ملكتك يميني إلا لجر ~~الأثقال. ولو قلت لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع. ### || [2.22] # قدم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين ~~أولا لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة ~~والشكر وغيرهما، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرهم الذي لا بد لهم ~~منه، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه، ثم خلق السماء التي هي ms0066 ~~كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار، ثم ما سواه عز وجل من ~~شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها. والإخراج به ~~من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا ~~لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبرا ومتسلقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد ~~والاعتراف ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق ~~أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر ~~على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لا بد لها من خالق ليس كمثلها، ~~حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما ~~هو عليه قادر. والموصول مع صلته إما أن يكون في محل النصب وصفا كالذي ~~خلقكم، أو على المدح والتعظيم. وإما أن يكون رفعا على الابتداء وفيه ما ~~في النصب من المدح، وقرأ يزيد الشامي بساطا. وقرأ طلحة مهادا. ومعنى ~~جعلها فراشا وبساطا ومهادا للناس أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون ~~كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده. فإن قلت هل فيه دليل على أن ~~الأرض مسطحة وليست بكرية؟ قلت ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما ~~يفعلون بالمفارش، وسواء كانت على شكل السطح، أو شكر الكرة، فالافتراش غير ~~مستنكر ولا مدفوع، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها. وإذا كان ~~متسهلا في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض ~~أسهل. والبناء مصدر سمي به المبنى بيتا كان أو قبة أو خباء أو ~~طرافا وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا ~~تزوجوا ضربوا عليها خباء جديدا. فإن قلت ما معنى إخراج الثمرات بالماء ~~وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟ قلت المعنى أنه جعل الماء سببا في خروجها ~~ومادة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشىء الأجناس ~~كلها بلا أسباب ولا مواد كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في ~~إنشاء الأشياء مدرجا لها من حال إلى حال، وناقلا من مرتبة إلى مرتبة ~~حكما ودواعي ms0067 يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا ~~وأفكارا صالحة، وزيادة طمأنينة، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته، ليس ~~ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب. و«من» في { من الثمرت } ~~للتبعيض بشهادة قوله # فأخرجنا به من كل الثمرت # الأعراف 57، وقوله # فأخرجنا به ثمرات # فاطر 27. ولأن المنكرين أعني ماء، ورزقا. يكتنفانه. وقد قصد بتنكيرهما ~~معنى البعضية فكأنه قيل وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض ~~الثمرات، ليكون بعض رزقكم. وهذا هو المطابق لصحة المعنى، لأنه لم ينزل من ~~السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في ~~الثمرات. ويجوز أن تكون للبيان كقولك أنفقت من الدراهم ألفا. فإن قلت ~~فيم انتصب { رزقا }؟ قلت إن كانت «من» للتبعيض. كان انتصابه بأنه ~~مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولا لأخرج. فإن قلت فالثمر المخرج ~~بماء السماء كثير جم فلم قيل الثمرات دون الثمر والثمار؟ قلت فيه وجهان، ~~أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك فلان أدركت ثمرة ~~بستانه، تريد ثماره. ونظيره قولهم كلمة الحويدرة، لقصيدته. وقولهم للقرية ~~المدرة، وإنما هي مدر متلاحق. والثاني أن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض ~~لالتقائها في الجمعية، كقوله # كم تركوا من جنت # الدخان 25 و # ثلثة قروء # البقرة 228. ويعضد الوجه الأول قراءة محمد بن السميفع من الثمرة، على ~~التوحيد. و { لكم } صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل ~~اسما للمعنى فهو مفعول به، كأنه قيل رزقا إياكم. فإن قلت بم تعلق { ~~فلا تجعلوا }؟ قلت فيه ثلاثة أوجه أن يتعلق بالأمر. أي اعبدوا ~~ربكم فلا تجعلوا له { أندادا } لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن ~~لا تجعل لله ند ولا شريك. أو بلعل، على أن ينتصب تجعلوا انتصاب، فأطلع ~~في قوله عز وجل # لعلى أبلغ الاسبب أسبب السموات فأطلع ~~إلى إله موسى # غافر 36 37 في رواية حفص عن عاصم، أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه ~~فلا تشبهوه بخلقه، أو بالذي جعل لكم، إذا رفعته على الابتداء، أي ms0068 هو الذي ~~خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا ~~تتخذوا له شركاء. والند المثل. ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوىء. قال ~~جرير # أتيما يجعلون إلي ندا وما تيم لذي حسب نديدا # وناددت الرجل خالفته ونافرته، من ند ندودا إذا نفر. ومعنى قولهم ليس ~~لله ند ولا ضد نفى ما يسده مسده، ونفى ما ينافيه. فإن قلت كانوا ~~يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون ~~أنها تخالف الله وتناويه. قلت لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة، ~~أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته ~~فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم. كما تهكم بهم بلفظ الند، شنع عليهم ~~واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط. ~~وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه # أربا واحدا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور # وقرأ محمد بن السميفع فلا تجعلوا لله ندا. فإن قلت ما معنى { وأنتم ~~تعلمون }. قلت معناه وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح ~~والفاسد، والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، ~~والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه. وهكذا كانت العرب، خصوصا ساكنو ~~الحرم من قريش وكنانة، لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن ~~الإحاطة بها. ومفعول { تعلمون } متروك كأنه قيل وأنتم من أهل العلم ~~والمعرفة. والتوبيخ فيه آكد، أي أنتم العرافون المميزون. ثم إن ما أنتم ~~عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادا، هو غاية الجهل ونهاية ~~سخافة العقل. ويجوز أن يقدر وأنتم تعلمون أنه لا يماثل. أو وأنتم تعلمون ~~ما بينه وبينها من التفاوت. أو وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله. ~~كقوله # هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء # الروم 40. ### || [2.23] # لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية ويحققها، ويبطل الإشراك ويهدمه، وعلم ~~الطريق إلى إثبات ذلك وتصحيحه، وعرفهم أن من أشرك فقد كابر عقله وغطى ~~على ما أنعم عليه ms0069 من معرفته وتمييزه عطف على ذلك ما هو الحجة على ~~إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدحض الشبهة في كون القرآن ~~معجزة، وأراهم كيف يتعرفون أهو من عند الله كما يدعي، أم هو من عند نفسه ~~كما يدعون. بإرشادهم إلى أن يحزروا أنفسهم ويذوقوا طباعهم وهم أبناء جنسه ~~وأهل جلدته. فإن قلت لم قيل { مما نزلنا } على لفظ التنزيل دون ~~الإنزال؟ قلت لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من محازه ~~لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا من عند الله مخالفا ~~لما يكون من عند الناس، لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب ~~آيات، على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة ~~والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا، وشيئا فشيئا حسب ما ~~يعن لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، لا يلقى الناظم ديوان ~~شعره دفعة، ولا يرمي الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، فلو أنزل الله ~~لأنزله خلاف هذه العادة جملة واحدة قال الله تعالى # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان ~~جملة وحدة # الفرقان 32، فقيل إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل ~~وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجما فردا من نجومه ~~سورة من أصغر السور، أو آيات شتى مفتريات. وهذه غاية التبكيت. ومنتهى ~~إزاحة العلل. وقرىء «على عبادنا» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمته. والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات. وواوها ~~إن كانت أصلا، فإما أن تسمى بسورة المدينة وهي حائطها، لأنها طائفة من ~~القرآن محدودة محوزة على حيالها، كالبلد المسور، أو لأنها محتوية على ~~فنون من العلم وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها. ~~وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة. قال النابغة # ولرهط حراب وقد سورة في المجد ليس غرابها ~~بمطار # لأحد معنيين، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارىء وهي ~~أيضا في أنفسها مترتبة طوال وأوساط وقصار، ms0070 أو لرفعة شأنها وجلالة محلها ~~في الدين. وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة، فلأنها قطعة وطائفة من القرآن، ~~كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه. فإن قلت ما فائدة تفصيل ~~القرآن وتقطيعه سورا؟ قلت ليست الفائدة في ذلك واحدة. ولأمر ما أنزل ~~الله التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا ~~المنهاج مسورة مترجمة السور. # وبوب المصنفون في كل فن كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم. ومن ~~فوائده أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن ~~وأنبل وأفخم من أن يكون بيانا واحدا. ومنها أن القارىء إذا ختم سورة أو ~~بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس ~~والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. ومثله المسافر، إذا علم أنه قطع ~~ميلا، أو طوى فرسخا، أو انتهى إلى رأس بريد نفس ذلك منه ونشطه للسير. ~~ومن ثم جزأ القراء القرآن أسباعا وأجزاء وعشورا وأخماسا. ومنها أن ~~الحافظ إذا حذفه السورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها ~~لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به،. ومنه ~~حديث أنس رضي الله عنه 23 «كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا ~~ومن ثمة كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. ومنها أن التفصيل سبب ~~تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك تتلاحظ المعاني ~~ويتجاوب النظم، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع { من مثله } متعلق ~~بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله. والضمير لما نزلنا، أو لعبدنا. ~~ويجوز أن يتعلق بقوله { فأتوا } والضمير للعبد. فإن قلت وما مثله حتى ~~يأتوا بسورة من ذلك المثل؟ قلت معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته في ~~البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم. أو فأتوا ممن هو على حاله من ~~كونه بشرا عربيا أو أميا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، ولا قصد ~~إلى مثل ونظير هنالك. ولكنه نحو قول القبعثري للحجاج وقد قال ms0071 له ~~لأحملنك على الأدهم مثل الأمير حمل على الأدهم والأشهب. أراد من كان ~~على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد. ولم يقصد أحدا يجعله ~~مثلا للحجاج. ورد الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله تعالى { فأتوا ~~بسورة من مثله }. # فأتوا بعشر سور مثله # هود11، # على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون ~~بمثله # الإسراء 88، ولأن القرآن جدير بسلامة الترتيب والوقوع على أصح الأساليب، ~~والكلام مع رد الضمير إلى المنزل أحسن ترتيبا. وذلك أن الحديث في ~~المنزل لا في المنزل عليه، وهو مسوق إليه ومربوط به، فحقه أن لا يفك عنه ~~برد الضمير إلى غيره. ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل ~~من عند الله. فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله ويجانسه. وقضية الترتيب لو ~~كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال وإن ارتبتم ~~في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. ولأنهم إذا خوطبوا ~~جميعا وهم الجم الغفير بأن بأتوا بطائفة يسيرة من جنس ما أتى به ~~واحد منهم، كان أبلغ في التحدي من أن يقال لهم ليأتي واحد آخر بنحو ما ~~أتى به هذا الواحد، ولأن هذا التفسير هو الملائم لقوله { وادعوا ~~شهداءكم } والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة. # ومعنى { دون } أدنى مكان من الشيء. ومنه الشيء الدون، وهو الدني ~~الحقير، ودون الكتب، إذا جمعها، لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض ~~وتقليل المسافة بينها. يقال هذا دون ذاك، إذا كان أحط منه قليلا. ودونك ~~هذا أصله خذه من دونك. أي من أدنى مكان منك فاختصر واستعير للتفاوت في ~~الأحوال والرتب فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم. ومنه قول من قال ~~لعدوه وقد راآه بالثناء عليه أنا دون هذا وفوق ما في نفسك، واتسع فيه ~~فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم. قال الله تعالى # لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون ~~المؤمنين # آل عمران 28 أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. وقال ms0072 ~~أمية # يا نفس مالك دون الله من واقي # أي إذا تجاوزت وقاية الله ولم تناليها لم يقك غيره. و { من دون ~~الله } متعلق بادعوا أو بشهداءكم. فإن علقته بشهداءكم فمعناه ادعوا ~~الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة ~~أنكم على الحق. أو ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى # تريك القذى من دونها وهي دونه # أي تريك القذى قدامها وهي قدام القذى، لرقتها وصفائها. وفي أمرهم أن ~~يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن بفصاحته غاية التهكم ~~بهم. وادعوا شهداءكم من دون الله، أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين، ~~ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله. وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار ~~بأن شهداءهم وهم مدارة القوم، الذين هم وجوه المشاهد وفرسان المقاولة ~~والمناقلة، تأبى عليهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا ~~لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلي في ~~عقولهم إحالته، وتعليقه بالدعاء في هذا الوجه جائز. وإن علقته بالدعاء ~~فمعناه ادعوا من دون الله شهداءكم، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا ~~الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة البينة على صحة ~~دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينة تصحح بها الدعاوى عند ~~الحكام. وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخذالهم. وأن الحجة قد بهرتهم ~~ولم تبق لهم متشبثا غير قولهم الله يشهد أنا صادقون. وقولهم هذا تسجيل ~~منهم على أنفسهم بتناهي العجز وسقوط القدرة. وعن بعض العرب أنه سئل عن ~~نسبه فقال قرشي والحمد لله. فقيل له قولك «الحمد لله» في هذا المقام ~~ريبة. أو ادعوا من دون الله شهداءكم يعني أن الله شاهدكم لأنه أقرب ~~إليكم من حبل الوريد، وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم. والجن والإنس ~~شاهدوكم فادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله ~~تعالى، لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد من شهدائكم، فهو ~~في معنى قوله # قل لئن اجتمعت الإنس والجن... # الإسراء ms0073 88 الآية. ### || [2.24] # لما أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسره وامتياز حقه من باطله قال ~~لهم فإذا لم تعارضوه ولم يتسهل لكم ما تبغون وبان لكم أنه معجوز عنه، فقد ~~صرح الحق عن محضه ووجب التصديق فآمنوا وخافوا العذاب المعد لمن كذب. ~~وفيه دليلان على إثبات النبوة صحة كون المتحدي به معجزا، والإخبار ~~بأنهم لن يفعلوا وهو غيب لا يعلمه إلا الله. فإن قلت انتفاء إتيانهم ~~بالسورة واجب، فهلا جيء ب«إذا» الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك. قلت ~~فيه وجهان أحدهما أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم وطمعهم، وأن العجز ~~عن المعارضة كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم ~~واقتدارهم على الكلام. والثاني أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة ~~الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه إن غلبتك لم أبق عليك وهو يعلم أنه ~~غالبه ويتيقنه تهكما به. فإن قلت لم عبر عن الإتيان بالفعل وأي فائدة في ~~تركه إليه؟ قلت لأنه فعل من الأفعال. تقول أتيت فلانا. فيقال لك نعم ما ~~فعلت. والفائدة فيه أنه جار مجري الكناية التي تعطيك اختصارا ووجازة ~~تغنيك عن طول المكنى عنه. ألا ترى أن الرجل يقول ضربت زيدا في موضع كذا ~~على صفة كذا، وشتمته ونكلت به، ويعد كيفيات وأفعالا، فتقول بئسما فعلت. ~~ولو ذكرت ما أنبته عنه، لطال عليك، وكذلك لو لم يعدل عن لفظ الإتيان إلى ~~لفظ الفعل، لاستطيل أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله. ولن تأتوا بسورة ~~من مثله. فإن قلت { ولن تفعلوا } ما محلها؟ قلت لا محل لها لأنها ~~جملة اعتراضية. فإن قلت ما حقيقة «لن» في باب النفي؟ قلت «لا» و«لن» ~~أختان في نفي المستقبل، إلا أن في «لن» توكيدا وتشديدا. تقول لصاحبك لا ~~أقيم غدا، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غدا كما تفعل في أنا مقيم، وإني ~~مقيم، وهي عند الخليل في إحدى الروايتين عنه أصلها ms0074 «لا أن» وعند الفراء ~~«لا» أبدلت ألفها نونا. وعند سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل حرف ~~مقتضب لتأكيد نفي المستقبل. فإن قلت من أين لك أنه إخبار بالغيب على ما ~~هو به حتى يكون معجزة؟ قلت لأنهم لو عارضوه بشيء لم يمتنع أن يتواصفه ~~الناس ويتناقلوه، إذ خفاء مثله فيما عليه مبنى العادة محال، لا سيما ~~والطاعنون فيه أكثف عددا من الذابين عنه، فحين لم ينقل علم أنه إخبار ~~بالغيب على ما هو به فكان معجزة. فإن قلت ما معنى اشتراطه في اتقاء النار ~~انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ قلت إنهم إذا لم يأتوا بها وتبين عجزهم عن ~~المعارضة، صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا صح عندهم صدقه ~~ثم لزموا العناد ولم ينقادوا ولم يشايعوا، استوجبوا العقاب بالنار فقيل ~~لهم إن استبتم العجز فاتركوا العناد فوضع { فاتقوا النار } ~~موضعه، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، من حيث أنه من نتائجه ~~لأن من اتقى النار ترك المعاندة. # ونظيره أن يقول الملك لحشمه إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي. يريد ~~فأطيعوني واتبعوا أمري، وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط. وهو من باب ~~الكناية التي هي شعبة من شعب البلاغة. وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية ~~القرآن، وتهويل شأن العناد بإنابة اتقاء النار منابه وإبرازه في صورته، ~~مشيعا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أمرها. والوقود ما ترفع به النار. ~~وأما المصدر فمضموم، وقد جاء فيه الفتح. قال سيبويه وسمعنا من العرب من ~~يقول وقدت النار وقودا عاليا. ثم قال والوقود أكثر، والوقود الحطب. ~~وقرأ عيسى بن عمر الهمداني بالضم تسمية بالمصدر، كما يقال فلان ~~فخر قومه وزين بلده. ويجوز أن يكون مثل قولك حياة المصباح السليط، أي ليس ~~حياته إلا به فكأن نفس السليط حياته، فإن قلت صلة «الذي» و «التي» يجب ~~أن تكون قصة معلومة، للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس ~~والحجارة؟ قلت لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه ms0075 ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سمعوا قبل هذه الآية قوله تعالى في ~~سورة التحريم # نارا وقودها الناس والحجارة # التحريم 6 فإن قلت فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة ~~التحريم، وههنا معرفة؟ قلت تلك الآية نزلت بمكة، فعرفوا منها نارا ~~موصوفة بهذه الصفة. ثم نزلت هذه بالمدينة مشارا بها إلى ما عرفوه ~~أولا. فإن قلت ما معنى قوله تعالى { وقودها الناس ~~والحجارة }؟ قلت معناه أنها نار ممتازة عن غيرها من النيران، بأنها ~~لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وبأن غيرها إن أريد إحراق الناس بها أو ~~إحماء الحجارة أوقدت أولا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، ~~وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما يحرق ويحمي ~~بالنار، وبأنها لإفراط حرها وشدة ذكائها إذا اتصلت بما لا تشتعل به ~~نار، اشتعلت وارتفع لهبها. فإن قلت أنار الجحيم كلها موقدة بالناس ~~والحجارة، أم هي نيران شتى منها نار بهذه الصفة؟ قلت بل هي نيران شتى، ~~منها نار توقد بالناس والحجارة، يدل على ذلك تنكيرها في قوله تعالى # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # التحريم 6، # فأنذرتكم نارا تلظى # الليل 14 ولعل لكفار الجن وشياطينهم نارا وقودها الشياطين، كما أن ~~لكفرة الإنس نارا وقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. # فإن قلت لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقودا. قلت لأنهم ~~قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناما وجعلوها لله أندادا أو ~~عبدوها من دونه قال الله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 وهذه الآية مفسرة لما نحن فيه. فقوله إنكم ما تعبدون من دون ~~الله في معنى الناس والحجارة، وحصب جهنم في معنى وقودها. ولما اعتقد ~~الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين ~~يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم بمكانهم، جعلها الله عذابهم، ~~فقرنهم بها محماة في نار جهنم، إبلاغا في إيلامهم وإعراقا في تحسيرهم، ~~ونحوهم ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة ms0076 وذخيرة فشحوا ~~بها ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم ~~وجنوبهم. وقيل هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل وذهاب عما هو ~~المعنى الصحيح الواقع المشهود له بمعاني التنزيل { أعدت } هيئت لهم ~~وجعلت عدة لعذابهم. وقرأ عبد الله، أعتدت، من العتاد بمعنى العدة. ### || [2.25] # من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة ~~بالإنذار إرادة التنشيط، لاكتساب ما يزلف، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف. ~~فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب، قفاه ببشارة عباده الذين ~~جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي، وحموها ~~من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب. فإن قلت من المأمور بقوله تعالى { ~~وبشر }؟ قلت يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون ~~كل أحد. كما قال عليه الصلاة والسلام 24 # " بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة " # لم يأمر بذلك واحدا بعينه. وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن ~~وأجزل لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من ~~قدر على البشارة به. فإن قلت علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي ~~يصح عطفه عليه؟ قلت ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من ~~أمر أو نهي يعطف عليه إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين، ~~فهي معطوفة على جمة وصف عقاب الكافرين، كما تقول زيد يعاقب بالقيد ~~والإرهاق، وبشر عمرا بالعفو والإطلاق. ولك أن تقول هو معطوف على قوله ~~فاتقوا كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني ~~أسد بإحساني إليهم. وفي قراءة زيد بن علي رضي الله عنه { وبشر } ~~على لفظ المبني للمفعول عطفا على أعدت. والبشارة الإخبار مما يظهر سرور ~~المخبر به. ومن ثم قال العلماء إذا قال لعبيده أيكم بشرني بقدوم فلان فهو ~~حر، فبشروه فرادى، عتق أولهم، لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون ~~الباقين. ولو قال مكان «بشرني» أخبرني ms0077 «عتقوا جميعا، لأنهم جميعا ~~أخبروه. ومنه البشرة لظاهر الجلد. وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. ~~وأما # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21 فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ ~~المستهزأ به وتألمه واغتمامه، كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ~~ونهب مالك. ومنه قوله # فأعتبوا بالصيلم # والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسمقال الحطيئة # كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لأم بظهر ~~الغيب تأتيني # والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة، واللام ~~للجنس. فإن قلت أي فرق بين لام الجنس داخلة على المفرد، وبينها داخلة على ~~المجموع؟ قلت إذا دخلت على المفرد كان صالحا لأن يراد به الجنس إلى أن ~~يحاط به، وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه. وإذا دخلت على المجموع، صلح ~~أن يراد به جميع الجنس، وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه لأن وزانه في ~~تناول الجمعية في الجنس وزان المفرد في تناول الجنسية، والجمعية في جمل ~~الجنس لا في وحدانه. # فإن قلت فما المراد بهذا المجموع مع اللام؟ قلت الجملة من الأعمال ~~الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف. والجنة ~~البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه. قال زهير # تسقي جنة سحقا # أي نخلا طوالا. والتركيب دائر على معنى الستر، وكأنها لتكاثفها ~~وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة، من مصدر جنه إذا ستره، كأنها سترة ~~واحدة لفرط التفافها. وسميت دار الثواب «جنة» لما فيها من الجنان. فإن ~~قلت الجنة مخلوقة أم لا؟ قلت قد اختلف في ذلك. والذي يقول إنها مخلوقة ~~يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة ~~اللاحقة بالأعلام، كالنبي والرسول والكتاب ونحوها. فإن قلت ما معنى جمع ~~الجنة وتنكيرها؟ قلت الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان ~~كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنات من ~~تلك الجنان، فإن قلت أما يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل الصالح ms0078 ~~أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر وأن لا يندم على ما ~~أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية؟ فهلا شرط ذلك؟ قلت لما جعل الثواب ~~مستحقا بالإيمان والعمل الصالح، والبشارة مختصة بمن يتولاهما، وركز في ~~العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء، إذا لم يتعقبه ~~بما يفسده ويذهب بحسنه، وأنه لا يبقى مع وجود مفسده إحسانا، واعلم بقوله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الناس عليه وأعزهم # لئن أشركت ليحبطن عملك # الزمر 65، وقال تعالى للمؤمنين # ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن ~~تحبط أعملكم # الحجرات 2 كان اشتراط حفظهما من الإحباط والندم كالداخل تحت الذكر. فإن ~~قلت كيف صورة جري الأنهار من تحتها؟ قلت كما ترى الأشجار النابتة على ~~شواطىء الأنهار الجارية. وعن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود. ~~وأنزه البساتين وأكرمها منظرا ما كانت أشجاره مظللة، والأنهار في خلالها ~~مطردة. ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن ~~الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ~~ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم ~~فائتا، والسرور الأوفر مفقودا، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا ~~حياة لها، لما جاء الله تعالى بذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية ~~من تحتها مسوقين على قرن واحد كالشيئين لا بد لأحدهما من صاحبه، ولما ~~قدمه على سائر نعوتها. والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. ~~يقال لبردى نهر دمشق، وللنيل نهر مصر. واللغة العالية «النهر» بفتح ~~الهاء. ومدار التركيب على السعة، وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد ~~المجازي كقولهم بنو فلان يطؤهم الطريق، وصيد عليه يومان. # فإن قلت لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار. قلت أما تنكير الجنات فقد ذكر. ~~وأما تعريف الأنهار فأن يراد الجنس، كما تقول لفلان بستان فيه الماء ~~الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه، تشير إلى الأجناس التي في علم ~~المخاطب. أو يراد أنهارها، فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله # واشتعل ms0079 الرأس شيبا # مريم 4. أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله # فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه # محمد 15 الآية. وقوله { كلما رزقوا } لا يخلو من أن يكون صفة ~~ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم ~~جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات ~~الدنيا، أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس؟ فقيل إن ثمارها أشباه ثمار ~~جنات الدنيا، أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا ~~الله. فإن قلت ما موقع من { من ثمرة }؟ قلت هو كقولك كلما أكلت من ~~بستانك من الرمان شيئا حمدتك. فموقع { من ثمرة } موقع قولك من ~~الرمان، كأنه قيل كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة كانت من تفاحها أو ~~رمانها أو عنبها أو غير ذلك رزقا قالوا ذلك. فمن الأولى والثانية ~~كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدىء من الجنات، والرزق من ~~الجنات قد ابتدىء من ثمرة. وتنزيله تنزيل أن تقول رزقني فلان، فيقال لك ~~من أين؟ فتقول من بستانه، فيقال من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول من ~~رمان. وتحريره أن «رزقوا» جعل مطلقا مبتدأ من ضمير الجنات، ثم جعل ~~مقيدا بالابتداء من ضمير الجنات، مبتدأ من ثمرة، وليس المراد بالثمرة ~~التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع ~~من أنواع الثمار. ووجه آخر وهو أن يكون { من ثمرة } بيانا على ~~منهاج قولك رأيت منك أسدا. تريد أنت أسد. وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة ~~النوع من الثمار، والجنات الواحدة. فإن قلت كيف قيل { هذا الذى ~~رزقنا من قبل } وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي ~~رزقوه في الدنيا؟ قلت معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل. وشبهه بدليل ~~قوله وأتوا به متشابها، وهذا كقولك أبو يوسف أبو حنيفة، تريد أنه ~~لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته. فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله { ~~وأتوا به ms0080 }؟ قلت إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا لأن قوله { ~~هذا الذى رزقنا من قبل } انطوى تحته ذكر ما رزقوه في ~~الدارين. ونظيره قوله تعالى # إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما # النساء 135 أي بجنسي الغني والفقير لدلالة قوله غنيا أو فقيرا على ~~الجنسين. ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به على التوحيد. فإن ~~قلت لأي غرض يتشابه ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بال ثمر الجنة لم يكن ~~أجناسا أخر؟ قلت لأن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا ~~رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما ~~سلف له به عهد وتقدم معه ألف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، ~~وتفاوتا بينه وبين ما عهد بليغا، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه ~~واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان جنسا ~~لم يعهده وإن كان فائقا، حسب أن ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين ~~موقع النعمة حق التبين. فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها في ~~الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمانة ~~الجنة تشبع السكن. والنبقة من نبق الدنيا في حجم الفلكة، ثم يرون نبق ~~الجنة كقلال هجر، كما رأوا ظل الشجرة من شجر الدنيا وقدر امتداده، ثم ~~يرون الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك ~~أبين للفضل، وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا ~~ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ~~ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ~~ظهور المزية وتمام الفضيلة، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي ~~تعجبهم، ويستدعي تبجحهم في كل أوان. عن مسروق «نخل الجنة نضيد من أصلها ~~إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، ~~وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود أثنا عشر ذراعا». ويجوز أن يرجع ~~الضمير في ms0081 أتوا به إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه، ويكون المعنى أن ما ~~يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه، كما يحكى عن الحسن يؤتى ~~أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من ~~قبل، فيقول الملك كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعنه صلى الله عليه وسلم # " والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها ~~فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها " # فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك. والتفسير الأول هو هو. ~~فإن قلت كيف موقع قوله { وأتوا به متشبها } من نظم الكلام؟ ~~قلت هو كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل. ورأى من الرأي كذا وكان ~~صوابا. ومنه قوله تعالى # وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون # النمل 34 وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير. # والمراد بتطهير الأزواج أن طهرن مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، ~~وما لا يختص بهن من الأقذار والأدناس. ويجوز لمجيئه مطلقا أن يدخل تحته ~~الطهر من دنس الطباع وطبع الأخلاق الذي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن ~~بأنفسهن، ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناصب الرديئة والمناشىء ~~المفسدة، ومن سائر عيوبهن ومثالهن وخبثهن وكيدهن. فإن قلت فهلا جاءت ~~الصفة مجموعة كما في الموصوف؟ قلت هما لغتان فصيحتان. يقال النساء فعلن، ~~وهن فاعلات وفواعل، والنساء فعلت، وهي فاعلة. ومنه بيت الحماسة # وإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب ~~القدور فملت # والمعنى وجماعة أزواج مطهرة. وقرأ زيد بن علي «مطهرات» وقرأ عبيد بن ~~عمير { مطهرة } ، بمعنى متطهرة. وفي كلام بعض العرب ما أحوجني إلى ~~بيت الله. فأطهر به أطهرة. أي فأتطهر به تطهرة. فإن قلت هلا قيل طاهرة؟ ~~قلت في { مطهرة } فخامة لصفتهن ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن ~~مطهرا طهرهن. وليس ذلك إلا الله عز وجل المريد بعباده الصالحين أن ~~يخولهم كل مزية فيما أعد لهم. والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم ~~الذي لا ينقطع. قال الله تعالى # وما جعلنا لبشر من ms0082 قبلك الخلد أفإين مت ~~فهم الخلدون # الأنبياء 34. وقال امرؤ القيس # ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي وهل ينعمن ~~من كان في العصر الخالي وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ~~قليل الهموم ما يبيت بأوجال ### || [2.26-27] # سيقت هذه الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد ~~والمراء من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبا ~~بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أن التمثيل إنما ~~يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء ~~المتوهم من المشاهد. فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، ~~وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به ~~المثل إذا إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له وتستجره إلى نفسها، ~~فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحا ~~جليا أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، ~~كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أندادا ~~لله تعالى لا حال أحقر منها وأقل، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في ~~الضعف والوهن، وجعلت أقل من الذباب وأخس قدرا، وضربت لها البعوضة فالذي ~~دونها مثلا لم يستنكر ولم يستبدع، ولم يقل للمتمثل استحى من تمثيلها ~~بالبعوضة، لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله. سائق للمثل على قضية مضربه، ~~محتذ على مثال ما يحتكمه ويستدعيه، ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم ~~الإنصاف والعمل على العدل والتسوية والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا ~~سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته، ~~والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله. وأن الكفار الذين غلبهم الجهل على ~~عقولهم، وغصبهم على بصائرهم فلا يتفطنون ولا يلقون أذهانهم، أوعرفوا أنه ~~الحق إلا أن حب الرياسة وهوى الألف والعادة لا يخليهم أن ينصفوا، فإذا ~~سمعوه عاندوا وكابروا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك ~~سبب زيادة هدى المؤمنين وانهماك الفاسقين في غيهم وضلالهم. والعجب منهم ~~كيف أنكروا ذلك وما ms0083 زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش ~~الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم ~~وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا أجمع من ذرة، وأجرأ من ~~الذباب، وأسمع من قراد. وأصرد من جرادة، وأضغف من فراشة. وآكل من السوس. ~~وقالوا في البعوضة أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوض وكلفتني مخ البعوض. ~~ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة، كالزوان والنخالة وحبة ~~الخردل، والحصاة، والأرضة، والدود، والزنابير. والتمثيل بهذه الأشياء ~~وبأحقر منها مما لا تغني استقامته وصحته على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن ~~المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا ~~إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح وإنكار ~~المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معولا. # وعن الحسن وقتادة لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين ~~به المثل، ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله. فأنزل الله عز وجل ~~هذه الآية. والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم. ~~واشتقاقه من الحياة. يقال حيي الرجل، كما يقال نسي وحشي وشظي الفرس إذا ~~اعتلت هذه الأعضاء جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار والتغير، منتكس ~~القوة منتقص الحياة، كما قالوا هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت ~~الهلاك في وجهه من شدة الحياء. وذاب حياء، وجمد في مكانه خجلا. فإن قلت ~~كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والخوف والذم، وذلك ~~في حديث سلمان قال 26 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى ~~يضع فيهما خيرا " # قلت هو جار على سبيل التمثيل مثل تركه تخييب العبد وأنه لا يرد يديه ~~صفرا من عطائه لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه. وكذلك ~~معنى قوله { إن الله لا يستحى } أي لا يترك ضرب المثل ~~بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها ms0084 لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة ~~في كلام الكفرة، فقالوا أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب ~~والعنكبوت فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال. وهو فن من ~~كلامهم بديع، وطراز عجيب، منه قول أبي تمام # من مبلغ أفناء يعرب كلها أني بنيت الجار ~~قبل المنزل # وشهد رجل عند شريح. فقال إنك لسبط الشهادة. فقال الرجل إنها لم تجعد ~~عني. فقال لله بلادك، وقبل شهادته. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة ~~هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. وسبوطة الشهادة ~~لامتنع تجعيدها. ولله در أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وشعبها، لا ~~تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه. ~~وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه # إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسبت في ~~إناء من الورد # وقرأ ابن كثير في رواية شبل «يستحي» بياء واحدة. وفيه لغتان التعدي ~~بالجار والتعدي بنفسه. يقولون استحييت منه واستحييته، وهما محتملتان ~~ههنا. وضرب المثل اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم. وفي الحديث 27 # " اضطرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب " # و { ما } هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما ~~وزادته شياعا وعموما، كقولك أعطني كتابا ما، تريد أي كتاب كان. أو ~~صلة للتأكيد، كالتي في قوله # فبما نقضهم ميثاقهم # النساء 155 كأنه قيل لا يستحيي أن يضرب مثلا حقا أو البتة، هذا إذا ~~نصبت { بعوضة } فإن رفعتها فهي موصولة، صلتها الجملة لأن التقدير هو ~~بعوضة، فحذف صدر الجملة كما حذف في # تماما على الذى أحسن # الأنعام 154 ووجه آخر حسن جميل، وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام ~~لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال إن الله لا يستحيي ~~أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا، بله البعوضة فما ~~فوقها، كما يقال فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران. والمعنى أن ~~لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر ms0085 منه وأقل، كما لو ~~تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبما لا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده ~~بلطفه، أو بالمعدوم، كما تقول العرب فلان أقل من لا شيء في العدد. ولقد ~~ألم به قوله تعالى # إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء # العنكبوت 42 وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن العجاج، وهو أمضغ العرب ~~للشيح والقيصوم والمشهود له بالفصاحة. وكانوا يشبهون به الحسن، وما أظنه ~~ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه، وهو المطابق لفصاحته. وانتصب { ~~بعوضة } بأنها عطف بيان لمثلا. أو مفعول ليضرب، و { مثلا } حال عن ~~النكرة مقدمة عليه. أو انتصبا مفعولين فجرى ضرب مجرى جعل. واشتقاق البعوض ~~من البعض وهو كالقطع كالبضع والعضب. يقال بعضه البعوض. وأنشد # لنعم البيت بيت أبي دثار إذا ما خاف بعض القوم ~~بعضا # ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه. والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع ~~فغلبت، وكذلك الخموش { فما فوقها } فيه معنيان أحدهما فما تجاوزها ~~وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا، وهو القلة والحقارة، نحو ~~قولك لمن يقول فلان أسفل الناس وأنذلهم هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ ~~وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة. والثاني فما زاد عليها في الحجم، ~~كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، لأنهما ~~أكبر من البعوضة. كما تقول لصاحبك وقد ذم من عرفته يشح بأدنى شيء ~~فقال فلان بخل بالدرهم والدرهمين، هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما ~~فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت فضلا عن ~~الدرهم والدرهمين. ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه في صحيح مسلم عن ~~إبرهيم عن الأسود قال 28 دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي ~~بمنى وهم يضحكون. فقالت ما يضحككم؟ قالوا فلان خر على طنب فسطاط فكادت ~~عنقه أو عينه أن تذهب. فقالت لا تضحكوا. إني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال # " ما من مسلم يشاك شوكة فما ms0086 فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه ~~خطيئة " # يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله ~~عليه الصلاة والسلام 29 # " ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة " # وهي عضتها. ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط. ~~فإن قلت كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ قلت ليس ~~كذلك، فإن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات، وقد 30 ضربه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثلا للدنيا، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن ~~جناحها، ربما رأيت في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر ~~الحاد إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت لها بيدك ~~حادت عنها وتجنبت مضرتها، فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة ~~والباطنة وتفاصيل خلقتها ويبصر بصرها ويطلع على ضميرها، ولعل في خلقه ما ~~هو أصغر منها وأصغر # سبحن الذى خلق الازوج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # يس 36 وأنشدت لبعضهم # يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل ~~البهيم الأليل ويرى عروق نياطها في نحرها والمخ ~~في تلك العظام النحل اغفر لعبد تاب من فرطاته ~~ما كان منه في الزمان الاول # { وأما } حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء. وفائدته في الكلام ~~أن يعطيه فضل توكيد. تقول زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيد ذاك وأنه لا محالة ~~ذاهب وأنه بصدد الذهاب وأنه منه عزيمة قلت أما زيد فذاهب. ولذلك قال ~~سيبويه في تفسيره مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وهذا التفسير مدل لفائدتين ~~بيان كونه توكيدا، وأنه في معنى الشرط. ففي إيراد الجملتين مصدرتين به ~~ وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون إحماد عظيم ~~لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم ~~وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء. و { الحق } الثابت الذي لا يسوغ ~~إنكاره. يقال حق الأمر، إذا ثبت ووجب. وحقت كلمة ربك، وثوب محقق محكم ~~النسج ms0087 و { ماذآ } فيه وجهان أن يكون ذا اسما موصولا بمعنى الذي، ~~فيكون كلمتين. وأن يكون «ذا» مركبة مع ما مجعولتين اسما واحدا فيكون ~~كلمة واحدة، فهو على الوجه الأول مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع ~~صلته. وعلى الثاني منصوب المحل في حكم { ما } مجعولتين اسما واحدا ~~فيكون كلمة واحدة، فهو على الوجه الأول مرفوع المحل على الابتداء وخبره ~~ذا مع صلته. وعلى الثاني منصوب المحل في حكم { ما } وحده لو قلت ما ~~أراد الله. والأصوب في جوابه أن يجيىء على الأول مرفوعا، وعلى الثاني ~~منصوبا، ليطابق الجواب السؤال. وقد جوزوا عكس ذلك تقول في جواب من ~~قال ما رأيت؟ خير، أي المرئي خير. # وفي جواب ما الذي رأيت؟ خيرا، أي رأيت خيرا. وقرىء قوله تعالى # يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو # البقرة 219 بالرفع والنصب على التقديرين. والإرادة نقيض الكراهة، وهي ~~مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك. وفي حدود المتكلمين ~~الإرادة معنى يوجب للحي حالا لأجلها يقع منه الفعل على وجه دون وجه. ~~وقد اختلفوا في إرادة الله، فبعضهم على أن للباري مثل صفة المريد منا ~~التي هي القصد، وهو أمر زائد على كونه عالما غير ساه. وبعضهم على أن ~~معنى إرادته لأفعاله هو أنه فعلها وهو غير ساه ولا مكره. ومعنى إرادته ~~لأفعال غيره أنه أمر بها. والضمير في { أنه الحق } للمثل، أو لأن ~~يضرب. وفي قولهم { ماذا أراد الله بهذا مثلا } استرذال ~~واستحقار كما. 31 قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص ~~يا عجبا لابن عمرو هذا؟ { مثلا } نصب على التمييز كقولك لمن أجاب ~~بجواب غث ماذا أردت بهذا جوابا. ولمن حمل سلاحا رديا كيف تنتفع بهذا ~~سلاحا؟ أو على الحال، كقوله # هذه ناقة الله لكم ءاية # الأعراف 73. وقوله { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ~~جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بأما، وأن فريق العالمين ~~بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأن ~~العلم بكونه حقا من باب ms0088 الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورا إلى نورهم، ~~وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة التي زادت الجهلة خبطا في ~~ظلماتهم. فإن قلت لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم، # وقليل من عبادى الشكور # سبأ 13، # وقليل ما هم # ص 24. «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة»، وجدت الناس أخبر تقله؟ قلت ~~أهل الهدى كثير في أنفسهم، وحين يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس ~~إلى أهل الضلال. وأيضا فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن ~~قلوا في الصورة، فسموا ذهابا إلى الحقيقة كثيرا # إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كم غيرهم قل ~~وإن كثروا # وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب لأنه لما ضرب ~~المثل فضل به قوم واهتدى به قوم، تسبب لضلالهم وهداهم. وعن مالك بن دينار ~~رحمه الله أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه وقيد، فقال يا أبا يحيى، ~~أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة. فقال لمن هذه ~~السلة؟ فقال لي، فأمر بها تنزل، فإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك هذه وضعت ~~القيود على رجلك. وقرأ زيد بن علي يضل به كثير وكذلك وما ~~يضل به إلا الفسقون . والفسق الخروج عن القصد. قال رؤبة # فواسقا عن قصدها جوائرا # والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو النازل بين ~~المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر، وقالوا إن أول من حد له هذا ~~الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء رضي الله عنه وعن أشياعه. # وكونه بين بين أن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى ~~عليه ويدفن في مقابر المسلمين. وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه ~~واعتقاد عداوته، وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن ~~الصلاة لا تجزىء خلفه.ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة. وقد جاء ~~الاستعمالان في كتاب الله. # بئس الاسم الفسوق بعد الايمان # الحجرات 11. يريد اللمز والتنابز # إن المنفقين هم الفسقون # التوبة 67. النقض الفسخ وفك التركيب. فإن قلت من أين ms0089 ساغ استعمال النقض ~~في إبطال العهد؟ قلت من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة، ~~لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين. ومنه قول ابن التيهان في بيعة ~~العقبة 33 يا رسول الله، إن بيننا وبين القوم حبالا ونحن قاطعوها. ~~فنخشى إن الله عز وجل أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك، وهذا من أسرار ~~البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر ~~شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه. ونحوه قولك شجاع يفترس ~~أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، وإذا تزوجت امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا ~~إلا وقد نبهت على الشجاع والعالم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها ~~فراش. والعهد الموثق. وعهد إليه في كذا إذا وصاه به ووثقه عليه. واستعهد ~~منه إذا اشترط عليه واستوثق منه والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار ~~اليهود المتعنتون، أو منافقوهم، أو الكفار جميعا. فإن قلت فما المراد ~~بعهد الله؟ قلت ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ~~ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى # الأعراف 112 أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذابعث إليهم رسول يصدقه ~~الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا ذكره فيما تقدمه من الكتب ~~المنزلة عليهم، كقوله # وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم # البقرة 40. وقوله في الإنجيل لعيسى صلوات الله عليه «سأنزل عليك كتابا ~~فيه نبأ بني إسرائيل، وما أريته أياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم وما ~~نقضوا من ميثاقهم الذي واثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم» وحسن صنعه ~~للذين قاموا بمثياق الله تعالى وأوفوا بعهده، ونصره إياهم، وكيف أنزل ~~بأسه ونقمته بالذين غدروا ونقضوا ميثاقهم ولم يوفوا بعهده، لأن اليهود ~~فعلوا باسم عيسى ما فعلوا باسم محمد صلى الله عليه وسلم من التحريف ~~والجحود وكفروا به كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل هو أخذ ~~الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا ~~يقطعوا أرحامهم. وقيل عهد الله إلى خلقه ms0090 ثلاثة عهود العهد الأول الذي ~~أخذه على جميع ذرية آدم، الإقرار بربوبيته وهو قوله تعالى # وإذ أخذ ربك # الأعراف 172، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا ~~يتفرقوا فيه، وهو قوله تعالى # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم # الأحزاب 7، وعهد خص به العلماء وهو قوله # وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب لتبيننه ~~للناس ولا يكتمونه # آل عمران 187. والضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من ~~قبوله وإلزامه أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى توثقته، كما أن الميعاد ~~والميلاد، بمعنى الوعد والولادة. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، ~~أي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه وإنذار ~~رسله. ومعنى قطعهم ما أمر الله به أو يوصل قطعهم الأرحام وموالاة ~~المؤمنين، وقيل قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على ~~الحق، في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. فإن قلت ما الأمر؟ قلت طلب الفعل ممن ~~هو دونك وبعثه عليه. وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور لأن الداعي الذي ~~يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له أمر، تسمية للمفعول به ~~بالمصدر كأنه مأمور به، كما قيل له شأن. والشأن الطلب والقصد. يقال شأنت ~~شأنه، أي قصدت قصده { هم الخسرون } لأنهم استبدلوا النقض ~~بالوفاء، والقطع بالوصل، والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها. ### || [2.28-29] # معنى الهمزة التي في { كيف } مثله في قولك أتكفرون بالله ومعكم ما ~~يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب. ونظيره قولك ~~أتطير بغير جناج، وكيف تطير بغير جناح؟ فإن قلت قولك أتطير بغير جناح ~~إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر ~~من الإماتة والإحياء. قلت قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن ~~الكفر والداعي إلى الإيمان. فإن قلت فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار ~~الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في { ~~كيف } حيث كان إنكارا للحال التي يقع عليها كفرهم؟ قلت ms0091 حال الشيء ~~تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال فكان إنكار ~~حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكارا لذات الكفر، وثباتها ~~على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ. وتحريره أنه إذا أنكر ~~أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها. وقد علم أن كل موجود لا ينفك عن حال ~~وصفة عند وجوده. ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكارا لوجوده ~~على الطريق البرهاني. والواو في قوله { وكنتم أموتا } للحال، فإن ~~قلت فكيف صح أن يكون حالا وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد ~~قام،إلا لأن يضمر قد؟ قلت لم تدخل الواو على { كنتم أموتا } وحده، ~~ولكن على جملة قوله { كنتم أموتا } إلى { ترجعون } ، كأنه ~~قيل كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا نطفا في ~~أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد ~~الموت، ثم يحاسبكم. فإن قلت بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي ~~والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالا حتى يكون فعلا حاضرا وقت وجود ~~ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالا؟ قلت هو العلم بالقصة، كأنه ~~قيل كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها. فإن قلت فقد آل ~~المعنى إلى قولك على أي حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه ~~صحته؟ قلت قد ذكرنا أن معنى الاستفهام في { كيف } الإنكار. وأن ~~إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل ما أعجب ~~كفركم مع علمكم بحالكم هذه! فإن قلت إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتا ~~فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟ قلت قد تمكنوا من ~~العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم. وكثير ~~منهم علموا ثم عاندوا. والأموات جمع ميت، كالأقوال في جمع قيل. فإن ~~قلت كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جمادا، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه ~~الحياة من البتى؟ قلت بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله # بلدة ميتا # الفرقان 49، # وءاية ms0092 لهم الارض الميتة # يس 33، # أموت غير أحياء # النحل 21. ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس، ~~فإن قلت ما المراد بالإحياء الثاني؟ قلت يجوز أن يراد به الإحياء في ~~القبر وبالرجوع النشور. وأن يراد به النشور، وبالرجوع المصير إلى الجزاء. ~~فإن قلت لم كان العطف الأول بالفاء والإعقاب بثم؟ قلت لأن الإحياء ~~الأول قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء. ~~والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ~~ظاهرا. وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى ~~الجزاء أيضا متراخ عن النشور. فإن قلت من أين أنكر اجتماع الكفر مع ~~القصة التي ذكرها الله، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، ~~أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟ قلت يحتمل الأمرين جميعا، لأن ~~ما عدده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم. { قبلكم } لأجلكم ~~ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. أما الانتفاع الدنيوي فظاهر. وأما ~~الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع ~~القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله ~~على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح ~~والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع ~~المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف. ~~وقد استدل بقوله { خلق لكم } على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع ~~بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقا لكل أحد ~~أن يتناولها ويستنفع بها. فإن قلت هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم ~~الأرض وما فيها وجه صحة؟ قلت إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء ~~كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية جاز ذلك، فإن الغبراء وما فيها ~~واقعة في الجهات السفلية. و { جميعا } نصب على الحال من الموصول ~~الثاني. والاستواء الاعتدال والاستقامة. يقال استوى العود وغيره، إذا قام ~~واعتدل، ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا، من غير ms0093 ~~أن يلوي على شيء. ومنه استعير قوله { ثم استوى إلى السماء } ، ~~أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما ~~بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قيل ثم استوى إلى ~~فوق. والضمير في { فسواهن } ضمير مبهم. و { سبع سموت } ~~تفسيره، كقولهم ربه رجلا. وقيل الضمير راجع إلى السماء. والسماء في معنى ~~الجنس. وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأول. ومعنى تسويتهن تعديل ~~خلقهن، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن { وهو ~~بكل شىء عليم } فمن ثم خلقهن خلقا مستويا محكما من غير ~~تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، فإن ~~قلت ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه ثم لإعطائه معنى التراخي ~~والمهلة قلت ثم ههنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السموات على ~~خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله # ثم كان من الذين ءامنوا # البلد 17. على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، ~~لأن المعنىأنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف ~~القصد إليها خلقا آخر. فإن قلت أما يناقض هذا قوله # والارض بعد ذلك دحها # النازعات 30؟ قلت لا لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء. وأما دحوها ~~فمتأخر. وعن الحسن خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها ~~دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في ~~موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله # كانتا رتقا # الأنبياء 30 وهو الالتزاق. ### || [2.30-33] # { وإذ } نصب بإضمار اذكر. ويجوز أن ينتصب بقالوا. والملائكة جمع ملأك ~~على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل. وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. و { ~~جاعل } من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله { ~~فى الارض خليفة } فكانا مفعوليه. ومعناه مصير في الأرض خليفة. ~~والخليفة من يخلف غيره. والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض ~~فخلفهم فيها آدم وذريته. فإن قلت فهلا قيل خلائف، ms0094 أو خلفاء؟ قلت أريد ~~بالخليفة آدم. واستغني بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في ~~قولك مضر وهاشم. أو أريد من يخلفكم، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك. وقرىء ~~«خليقة» بالقاف ويجوز أن يريد خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في ~~ارضه وكذلك كل نبي # إنا جعلنك خليفة فى الارض # ص26. فإن قلت لأي غرض أخبرهم بذلك؟ قلت ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما ~~أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض ~~الشبهة في وقت استخلافهم. وقيل ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن ~~يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته ~~البالغة غنيا عن المشاورة { أتجعل فيها } تعجب من أن يستخلف مكان ~~أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا ~~الخير. فإن قلت من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟ قلت عرفوه ~~بإخبار من الله، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم ~~الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين ~~على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة. وقرىء ~~«يسفك»، بضم الفاء. ويسفك. ويسفك، من أسفك. وسفك. والواو في { ~~ونحن } للحال، كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان. ~~والتسبيح تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء. ~~وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. و { بحمدك } في موضع الحال، أي ~~نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف ~~لم نتمكن من عبادتك. { أعلم ما لا تعلمون } أي أعلم من ~~المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم. فإن قلت هلا بين لهم تلك المصالح؟ قلت ~~كفى العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة، وإن خفي عليهم وجه ~~الحسن والحكمة. على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أتبعه من قوله { ~~وعلم ءادم الاسماء كلها } واشتقاقهم { ءادم } من الأدمة، ~~ومن أديم الأرض، نحو ms0095 اشتقاقهم يعقوب من العقب، و إدريس من الدرس، و إبليس ~~من الإبلاس. وما آدم إلا اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، ~~وعازر، وعابر وشالخ. # وفالغ، وأشباه ذلك { الأسمآء كلها } أي أسماء المسميات فحذف ~~المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لا بد ~~له من مسمى، وعوض منه اللام كقوله # واشتعل الرأس # مريم4. فإن قلت هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأن ~~الأصل وعلم آدم مسميات الأسماء؟ قلت لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا ~~بالمسميات لقوله { أنبئونى بأسماء هؤلاء } ، { أنبئهم ~~بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم } فكما علق الإنباء ~~بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل أنبئوني بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق ~~التعليم بها. فإن قلت فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟ قلت أراه الأجناس ~~التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا ~~اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية { ~~ثم عرضهم } أي عرض المسميات. وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء ~~فغلبهم. وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت { إن ~~كنتم صدقين } يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين ~~للدماء إرادة للرد عليهم، وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي ~~أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا. فأراهم بذلك وبين لهم ~~بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله { إني أعلم ما ~~لا تعلمون }. وقوله { ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموات والارض } استحضار لقوله لهم { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } ، إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح. وقرىء «وعلم ~~آدم» على البناء للمفعول. وقرأ عبد الله «عرضهن». وقرأ أبي «عرضها». ~~والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها لأن العرض لا يصح في الأسماء. وقرىء ~~«أنبيهم» بقلب الهمزة ياء. «وأنبهم» بحذفها والهاء مكسورة فيهما. ### || [2.34-36] # السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت ~~الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له؟ ويجوز أن تختلف الأحوال ms0096 والأوقات ~~فيه. وقرأ أبو جعفر «للملائكة اسجدوا» بضم التاء للاتباع. ولا يجوز ~~استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم «الحمد ~~لله». { إلا إبليس } استثناء متصل، لأنه كان جنيا واحدا بين ~~أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله { فسجدوا ~~} ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم. ويجوز أن يجعل منقطعا { أبى } ~~امتنع مما أمر به { واستكبر } عنه { وكان من الكفرين } ~~من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر كقوله # كان من الجن ففسق عن أمر ربه # الكهف 50. السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و { أنت } ~~تأكيد للمستكن في { اسكن } ليصح العطف عليه. و { رغدا } وصف ~~للمصدر، أي أكلا رغدا واسعا رافها. و { حيث } للمكان المبهم، أي ~~أي مكان من الجنة { شئتما } أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه ~~التوسعة البالغة المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض ~~المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من ~~شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل الحنطة أو ~~الكرمة أو التينة، وقرىء «ولا تقربا» بكسر التاء. وهذي، والشجرة، ~~بكسر الشين. والشيرة بكسر الشين والياء. وعن أبي عمرو أنه كرهها، وقال ~~يقرأ بها برابرة مكة وسودانها. { من الظلمين } من الذين ظلموا ~~أنفسهم بمعصية الله { فتكونا } جزم عطف على { تقربا } أو نصب ~~جواب للنهى. الضمير في { عنها } للشجرة. أي فحملهما الشيطان على الزلة ~~بسببها. وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها. و عن هذه، مثلها في قوله ~~تعالى # وما فعلته عن أمرى # الكهف 82. وقولهينهون عن أكل وعن شرب وقيل فأزلهما عن ~~الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول زل عن مرتبته. وزل عنى ذاك ~~إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا. وقرىء «فأزالهما» { مما كانا فيه } ~~من النعيم والكرامة. أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في عنها. وقرأ عبد ~~الله «فوسوس لهما الشيطان عنها»، وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن ~~المعنى صدرت وسوسته عنها، فإن قلت كيف توصل إلى ms0097 إزلالهما ووسوسته لهما ~~بعدما قيل له # فاخرج منها فإنك رجيم # ص 77. قلت يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول ~~الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وقيل كان ~~يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل قام عند الباب فنادى. وروى أنه أراد ~~الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون. # قيل { اهبطوا } خطاب لآدم وحواء وإبليس وقيل والحية. والصحيح أنه ~~لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم ~~جعلا كأنهما الإنس كلهم. والدليل عليه قوله # قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو # طه 123 ويدل على ذلك قوله { فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } ، { والذين كفروا ~~وكذبوا بآيتنا أولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون }. وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم. ومعنى بعضكم لبعض { ~~لبعض } ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. ~~والهبوط النزول إلى الأرض. { مستقر } موضع استقرار أو استقرار { ~~ومتع } وتمتع بالعيش { إلى حين } يريد إلى يوم القيامة. وقيل ~~إلى الموت. ### || [2.37-39] # معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. ~~وقرىء بنصب آدم ورفع الكلمات على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به. فإن ~~قلت ما هن؟ قلت قوله تعالى # ربنا ظلمنا أنفسنا... # الآيه الأعراف 23. وعن ابن مسعود رضي الله عنه «إن أحب الكلام إلى الله ~~ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك ~~وتعالى جدك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال «يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال بلى. ~~قال يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك؟ قال بلى. قال يا رب ألم تسبق ~~رحمتك غضبك؟ قال بلى. قال ألم تسكني جنتك؟ قال بلى. قال يا رب إن تبت ~~وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال نعم»، واكتفى بذكر توبة آدم دون توبة ~~حواء، لأنها كانت تبعا له، كما طوى ذكر ms0098 النساء في أكثر القرآن والسنة ~~لذلك. وقد ذكرها في قوله # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا # الاعراف23. { فتاب عليه } فرجع عليه بالرحمة والقبول. فإن قلت لم ~~كرر { قلنا اهبطوا }؟ قلت للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله { ~~فإما يأتينكم منى هدى }. فإن قلت ما جواب الشرط الأول؟ ~~قلت الشرط الثاني مع جوابه كقولك إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك. والمعنى ~~فإما يأتينكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم بدليل قوله { ~~والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } في مقابلة قوله { ~~فمن تبع هداي } فإن قلت فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا ~~محالة لوجوبه؟ قلت للإيذان بأن الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه ~~بعثة الرسل وإنزال الكتب. وأنه إن لم يبعث رسولا ولم ينزل كتابا، كان ~~الإيمان به وتوحيده واجبا لما ركب فيهم من العقول ونصب لهم من الأدلة ~~ومكنهم من النظر والاستدلال. فإن قلت الخطيئة التي أهبط بها آدم إن كانت ~~كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة، فلم جرى عليه ما ~~جرى بسببها من نزع اللباس والإخراج من الجنة والإهباط من السماء كما فعل ~~بإبليس ونسبته إلى الغي والعصيان ونسيان العهد وعدم العزيمة والحاجة إلى ~~التوبة؟ قلت ما كانت إلا صغيرة مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأفكار ~~الصالحة التي هي أجل الأعمال وأعظم الطاعات. وإنما جرى عليه ما جرى، ~~تعظيما للخطيئة وتفظيعا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفا له ولذريته ~~في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، والتنبيه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة ~~واحدة، فكيف يدخلها ذو خطايا جمة. وقرىء «فمن تبع هدي» على لغة هذيل، ~~«فلا خوف» بالفتح. ### || [2.40-41] # { إسرءيل } هو يعقوب عليه السلام لقب له، ومعناه في لسانهم صفوة ~~الله، وقيل عبد الله. وهو بزنة إبرهيم وإسمعيل غير منصرف مثلهما لوجود ~~العلمية والعجمة. وقرىء «إسرائل» و «إسرائل». وذكرهم النعمة أن لا يخلو ~~بشكرها، ويعتدوا بها، ويستعظموها، ويطيعوا مانحها. وأراد بها ما أنعم به ~~على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق. ومن ~~العفو عن ms0099 اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وغير ذلك، وما أنعم به عليهم من ~~إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل. ~~والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا. يقال أوفيت بعهدي، أي عاهدت ~~عليه كقوله # ومن أوفى بعهده من الله # التوبة111 وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه. ومعنى { وأوفوا ~~بعهدى } وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي، كقوله # ومن أوفى بما عهد عليهالله # الفتح10، # ومنهم من عهد الله # التوبة75، # رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه # الأحزاب23، { أوف بعهدكم } بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على ~~حسناتكم { وإيى فارهبون } فلا تنقضوا عهدي. وهو من قولك ~~زيدا رهبته. وهو أوكد فى إفادة الاختصاص من { إياك نعبد }. ~~وقرىء «وأوف» بالتشديد أي أبالغ في الوفاء بعهدكم، كقوله # من جاء بالحسنة فله خير منها # النمل 189. ويجوز أن يريد بقوله { وأوفوا بعهدى } ما عاهدوا ~~عليه ووعدوه من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز. ويدل عليه قوله { ~~وءامنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا ~~أول كافر به } أول من كفر به، أو أول فريق أو فوج كافر به، أو ~~ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به، كقولك كسانا حلة، أي كل واحد منا. ~~وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته. ~~ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا ~~به. وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس ~~كقوله { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة } إلى ~~قوله # وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة # البينة1-4 # فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به # البقرة89. ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعني من أشرك به ~~من أهل مكة. أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة موصوفا، ~~مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وقيل الضمير في به لما معكم، لأنهم ~~إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به. ms0100 والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله ~~تعالى # اشتروا الضللة بالهدى # البقرة16 وقوله # كما اشترى المسلم إذ تنصرا # وقوله # فإني شريت الحلم بعدك بالجهل # يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا وإلا فالثمن هو المشترى به. والثمن ~~القليل الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا ~~أتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها وهي بدل قليل ~~ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه ~~حقير، فما بال القليل الحقير. وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم ~~وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، ~~وتسهيلهم لهم ما صعب عليه من الشرائع. وكان ملوكهم يدرون عليهم الأموال ~~ليكتموا أو يحرفوا. ### || [2.42-43] # الباء التي في { بالبطل } إن كانت صلة مثلها في قولك لبست الشيء ~~بالشيء خلطته به، كان المعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط ~~الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، وإن كانت ~~باء الاستعانة كالتي في قولك كتبت بالقلم، كان المعنى ولا تجعلوا الحق ~~ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه { وتكتموا } جزم داخل تحت ~~حكم النهي بمعنى ولا تكتموا. أو منصوب بإضمار أن، والواو بمعنى الجمع، أي ~~ولا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقولك لا تأكل السمك وتشرب ~~اللبن. فإن قلت لبسهم وكتمانهم ليسا بفعلين متميزين حتى ينهوا عن الجمع ~~بينهما، لأنهم إذا لبسوا الحق بالباطل فقد كتموا الحق؟ قلت بل هما ~~متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس ~~منها. وكتمانهم الحق أن يقولوا لا نجد في التوراة صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، أو حكم كذا. أو يمحوا ذلك. أو يكتبوه على خلاف ما هو عليه. وفي ~~مصحف عبد الله. وتكتمون، بمعنى كاتمين { وأنتم تعلمون } في حال ~~علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو أقبح لهم، لأن الجهل بالقبيح ربما عذر ~~راكبه { وأقيموا الصلاة واءتوا الزكاة } يعني صلاة المسلمين ~~وزكاتهم { واركعوا مع الراكعين } منهم، لأن اليهود لا ركوع ~~في صلاتهم. وقيل الركوع الخضوع والانقياد ms0101 لما يلزمهم في دين الله. ويجوز ~~أن يراد بالركوع الصلاة، كما يعبر عنها بالسجود، وأن يكون أمرا بأن تصلى ~~مع المصلين، يعني في الجماعة، كأنه قيل وأقيموا الصلاة وصلوها مع ~~المصلين، لا منفردين. ### || [2.44-46] # { أتأمرون } الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم. والبر ~~سعة الخير والمعروف. ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير. ومنه قولهم صدقت ~~وبررت. وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا ~~يتصدقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرقوها خانوا فيها. وعن محمد بن واسع ~~بلغني أن ناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم قد ~~كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة. قالوا كنا نأمركم بها ونخالف ~~إلى غيرها { وتنسون أنفسكم } وتتركونها من البر كالمنسيات { ~~وأنتم تتلون الكتب } تبكيت مثل قوله { وأنتم ~~تعلمون } يعني تتلون التوراة وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو ~~فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل { أفلا ~~تعقلون } توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون، لقبح ما أقدمتم عليه حتى ~~يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول لأن العقول ~~تأباه وتدفعه. ونحوه # أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون # الأنبياء 67. { واستعينوا } على حوائجكم إلى الله { بالصبر ~~والصلوة } أي بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، ~~محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع ~~الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، ~~واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن ~~سخطه وعذابه. ومنه قوله تعالى # وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها # طه 132 أو واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى ~~الصلاة عند وقوعها. 34 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حزبه أمر ~~فزع إلى الصلاة» وعن ابن عباس أنه نعى إليه أخوه «قثم» وهو في سفر، ~~فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى ~~راحلته وهو ms0102 يقول واستعينوا بالصبر والصلاة، وقيل الصبر الصوم، لأنه حبس ~~عن المفطرات. ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر. ويجوز أن يراد بالصلاة ~~الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال ~~إلى الله تعالى في دفعه { وإنها } الضمير للصلاة أو للاستعانة. ~~ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله ~~{ اذكروا نعمتي } إلى { واستعينوا }. { لكبيرة } ~~لشاقة ثقيلة من قولك كبر علي هذا الأمر، # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه # الشورى 13. فإن قلت ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما ~~يثقل؟ قلت لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم. ألا ~~ترى إلى قوله تعالى # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم # البقرة 46أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه. وفي مصحف ~~عبد الله يعلمون. ومعناه يعلمون أن لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ~~ذلك. ولذلك فسر يظنون بيتيقنون. وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب. ~~كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم. ومثله ~~من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه ~~يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته ~~بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة. ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 35 # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # 36 وكان يقول # " يا بلال روحنا " # والخشوع. الإخبات والتطامن. ومنه الخشعة للرملة المتطامنة. وأما الخضوع ~~فاللين والانقياد. ومنه خضعت بقولها إذا لينته. ### || [2.47-48] # { وأنى فضلتكم } نصب عطف على { نعمتي } أي اذكروا نعمتي ~~وتفضيلي { على العلمين } على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى # باركنا فيها للعلمين # الأنبياء71 يقال رأيت عالما من الناس يراد الكثرة { يوما } يريد يوم ~~القيامة { لا تجزى } لا تقضي عنها شيئا من الحقوق. ومنه الحديث في ~~جذعة بن نيار 37 «تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» و { شيئا } مفعول به ~~ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أي قليلا من الجزاء، كقوله تعالى # ولا يظلمون شيئا # مريم 60 ms0103 ومن قرأ «لا تجزىء» من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في ~~قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء. وقرأ أبو السرار الغنوي «لا تجزي ~~نسمة عن نسمة شيئا». وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ل يوما. فإن قلت ~~فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلت هو محذوف تقديره لا تجزي فيه. ونحوه ~~ما أنشده أبو عليتروحي أجدر أن تقيلي أي ماء أجدر بأن ~~تقيلي فيه. ومنهم من ينزل فيقول اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف ~~الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله أم مال أصابوا. ومعنى التنكير أن ~~نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئا من الأشياء، وهو الإقناط ~~الكلي القطاع للمطامع. وكذلك قوله { ولا يقبل منها شفعة ~~ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية لأنها معادلة للمفدى. ومنه ~~الحديث 38 # " لا يقبل منه صرف ولا عدل " # أي توبة ولا فدية. وقرأ قتادة «ولا يقبل منها شفاعة» على بناء ~~الفعل للفاعل وهو الله عز وجل، ونصب الشفاعة. وقيل كانت اليهود تزعم أن ~~آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا. فإن قلت هل فيه دليل على أن ~~الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت ~~به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل ~~للعصاة. فإن قلت الضمير في { ولا يقبل منها } إلى أي النفسين ~~يرجع؟ قلت إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها ~~عدل. ومعنى لا يقبل منها شفاعة إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها. ويجوز ~~أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنه لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا ~~تجزئ عنها شيئا، ولو أعطت عدلا عنها لم يؤخذ منها { ولا هم ~~ينصرون } يعني ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير ~~بمعنى العباد والأناسي، كما تقول ثلاثة أنفس. ### || [2.49] # أصل { ءال } أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفا. وخص استعماله ~~بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل ms0104 الإسكاف والحجام. و { ~~فرعون } علم لمن ملك العمالقة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس. ~~ولعتو الفراعنة اشتقوا تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر. وفي ملح بعضهم # قد جاءه الموسى الكلوم فزاد في أقصى تفرعنه ~~وفرط عرامه # وقرىء «أنجيناكم» و«نجيتكم» { يسومونكم } من سامه خسفا إذا ~~أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم # إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن يقر ~~الخسف فينا # وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم { سوء العذاب ~~} ويريدونكم عليه. والسوء مصدر السيىء يقال أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء ~~الفعل، يراد قبحهما. ومعنى { سوء العذاب } والعذاب كله سيىء أشده ~~وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره. و { يذبحون } بيان لقوله { ~~يسومونكم } ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى # يضهئون قول الذين كفروا # التوبة20. وقرأ الزهري «يذبحون» بالتخفيف كقولك قطعت الثياب وقطعتها. ~~وقرأ عبد الله «يقتلون». وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون ~~بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه، كما أنذر نمروذ. فلم يغن عنهما ~~اجتهادهما في التحفظ، وكان ما شاء الله. والبلاء المحنة إن أشير ب ذلكم ~~إلى صنيع فرعون. والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء. ### || [2.50] # { فرقنا } فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرىء ~~فرقنا، بمعنى فصلنا. يقال فرق بين الشيئين، وفرق بين الأشياء لأن ~~المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط. فإن قلت ما معنى { بكم }؟ قلت ~~فيه أوجه أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، ويتفرق الماء عند سلوكهم، فكأنما ~~فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم، ~~وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبسا بكم كقوله # تدوس بنا الجماجم والتريبا # أي تدوسها ونحن راكبوها. وروى أن بني إسرائيل قالوا لموسى أين أصحابنا ~~لا نراهم؟ قال سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا لا نرضى حتى ~~نراهم. فقال اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه أن قل بعصاك ~~هكذا، فقال بها على الحيطان. فصارت فيها كوى. فتراؤا وتسامعوا كلامهم { ~~وأنتم تنظرون } إلى ذلك وتشاهدونه لا ms0105 تشكون فيه. ### || [2.51-52] # لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، ~~وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي ~~الحجة. وقيل { أربعين ليلة } لأن الشهور غررها بالليالي. وقرىء ~~{ وعدنا } لأن الله تعالى وعده الوحي ووعد المجيء للميقات إلى الطور ~~{ من بعده } من بعد مضيه إلى الطور { وأنتم ظلمون } ~~بإشراككم { ثم عفونا عنكم } حين تبتم { من بعد ذلك } من ~~بعد ارتكابكم الأمر العظيم وهو اتخاذكم العجل { لعلكم تشكرون ~~} إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم. ### || [2.53-54] # { الكتب والفرقان } يعني الجامع بين كونه كتابا منزلا، ~~وفرقانا يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة، كقولك رأيت الغيث والليث، ~~تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. ونحوه قوله تعالى # ولقد ءاتينا موسى وهرون الفرقان وضياء ~~وذكرا # الأنبياء 48 يعني الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا أو ~~التوراة. والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من ~~الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان انفراق البحر. ~~وقيل النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله تعالى # يوم الفرقان # الأنفال 41 يريد به يوم بدر. حمل قوله { فاقتلوا أنفسكم } على ~~الظاهر وهو البخع وقيل معناه قتل بعضهم بعضا. وقيل أمر من لم يعبد العجل ~~أن يقتلوا العبدة. وروى أن الرجل كان يبصر ولده، ووالده وجاره وقريبه، ~~فلم يمكنهم المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا ~~يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا ~~العجل سيوفهم، وقيل لهم اصبروا، فلعن الله من مد طرفه أو حل حبوته أو ~~اتقى بيد أو رجل، فيقولون آمين فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهارون ~~وقالا يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت ~~التوبة. فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفا. فإن قلت ما ~~الفرق بين الفاآت؟ قلت الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة. ~~والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من ~~قبل أن الله ms0106 تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم. ويجوز أن يكون القتل تمام ~~توبتهم. فيكون المعنى فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، ~~والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق ~~بشرط محذوف، كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم. وإما أن يكون خطابا من ~~الله تعالى لهم على طريقة الالتفات. فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به ~~موسى فتاب عليكم بارؤكم. فإن قلت من أين اختص هذا الموضع بذكر البارىء؟ ~~قلت البارىء هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت # ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت # الملك 3 ومتميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان ~~فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف ~~حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عبادة ~~البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة. في أمثال العرب أبلد من ثور ~~ حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، ~~وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها ~~بعبادة من لا يقدر على شيء منها. ### || [2.55-57] # قيل القائلون السبعون الذين صعقوا. وقيل قاله عشرة آلاف منهم { جهرة ~~} عيانا. وهي مصدر من قولك جهر بالقراءة وبالدعاء، كأن الذي يرى ~~بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، ~~لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على ~~الحال بمعنى ذوي جهرة. وقرىء «جهرة» بفتح الهاء، وهي إما مصدر كالغلبة. ~~وإما جمع جاهر. وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام ~~رادهم القول وعرفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن ~~من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فرادوه ~~بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط ~~الله عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على ~~عظمهما بعظم المحنة. و { الصعقة } ما صعقهم، أي ms0107 أماتهم. قيل نار ~~وقعت من السماء فأحرقتهم. وقيل صيحة جاءت من السماء. وقيل أرسل الله ~~جنودا سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة. وموسى عليه السلام، ~~لم تكن صعقته موتا ولكن غشية، بدليل قوله { فلما أفاق }. والظاهر ~~أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله { وأنتم تنظرون }. وقرأ علي ~~رضي الله عنه { فأخذتكم الصعقة }. { لعلكم تشكرون } ~~نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها إذا رأيتم بأس الله ~~في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت. { وظللنا } وجعلنا الغمام ~~يظلكم. وذلك في التيه، سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس ~~وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، ~~وينزل عليهم { المن } وهو الترنجبين مثل الثلج. من طلوع الفجر إلى ~~طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم { السلوى } ~~وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه { كلوا } على إرادة القول { ~~وما ظلمونا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر ~~الكلام بحذفه لدلالة { وما ظلمونا } عليه. ### || [2.58-59] # { القرية } بيت المقدس. وقيل أريحاء من قرى الشام، أمروا بدخولها ~~بعد التيه { الباب } باب القرية. وقيل هو باب القبة التي كانوا يصلون ~~إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام. أمروا ~~بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا. وقيل «السجود» أن ~~ينحنوا ويتطامنوا داخلين، ليكون دخولهم بخشوع وإخبات. وقيل طوطىء لهم ~~الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم { حطة ~~} فعلة من الحط كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، ~~أوأمرك حطة. والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة. وإنما رفعت لتعطي ~~معنى الثبات، كقوله # صبر جميل فكلانا مبتلى # والأصل صبرا، على اصبر صبرا. وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل. ~~وقيل معناه أمرنا حطة، أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها. فإن قلت هل ~~يجوز أن تنصب حطة في قراءة من نصبها ب قولوا، على معنى قولوا هذه ~~الكلمة؟ قلت لا يبعد. والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب ms0108 محل ذلك ~~المضمر ب قولوا. وقرىء «يغفر لكم» على البناء للمفعول بالياء والتاء { ~~وسنزيد المحسنين } أي من كان محسنا منكم كانت تلك الكلمة ~~سببا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة. { فبدل ~~الذين ظلموا } أي وضعوا مكان حطة { قولا } غيرها. يعني أنهم ~~أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما ~~أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو ~~لفظ الحطة فجاؤا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا ~~به، لم يؤاخذوا به. كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك. أو ~~اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك. وقيل قالوا مكان حطة حنطة. وقيل قالوا ~~بالنبطية «حطا سمقاثا» أي حنطة حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولا ~~عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا. وفي تكرير { ~~الذين ظلموا } زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز ~~عليهم لظلمهم. وقد جاء في سورة الأعراف # فأرسلنا عليهم # الأعراف 133 على الإضمار. والرجز العذاب. وقرىء بضم الراء وروى أنه ~~مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفا. وقيل سبعون ألفا. ### || [2.60] # عطشوا في التيه، فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له { اضرب بعصاك ~~الحجر } واللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم. فقد روي أنه حجر ~~طوري حمله معه، وكان حجرا مربعا له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ~~ثلاث أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، ~~وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا، وقيل أهبطه آدم من ~~الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر ~~الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة، ففر به، فقال له جبريل ~~يقول لك الله تعالى ارفع هذا الحجر، فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، ~~فحمله في مخلاته. وإما للجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر. وعن ~~الحسن لم يأمره أن يضرب ms0109 حجرا بعينه قال وهذا أظهر في الحجة وأبين في ~~القدرة. وروى أنهم قالوا كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة، ~~فحمل حجرا في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه. وقيل كان يضربه بعصاه فينفجر، ~~ويضربه بها فييبس. فقالوا إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحى إليه لا ~~تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، لعلهم يعتبرون. وقيل كان من رخام وكان ذراعا ~~في ذراع. وقيل مثل رأس الإنسان. وقيل كان من أسى الجنة طوله عشرة أذرع ~~على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار { ~~فانفجرت } ، الفاء متعلقة بمحذوف، أي فضرب فانفجرت. أو فإن ضربت فقد ~~انفجرت، كما ذكرنا في قوله { فتاب عليكم } وهي على هذا فاء فصيحة ~~لا تقع إلا في كلام بليغ. وقرىء «عشرة» بكسر الشين وبفتحها وهما لغتان { ~~كل أناس } كل سبط { مشربهم } عينهم التي يشربون منها { ~~كلوا } على إرادة القول { من رزق الله } مما رزقكم من الطعام ~~وهو المن والسلوى ومن ماء العيون. وقيل الماء ينبت منه الزروع والثمار، ~~فهو رزق يؤكل منه ويشرب. والعثي أشد الفساد، فقيل لهم لا تتمادوا في ~~الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه. ### || [2.61] # كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت ~~أنفسهم الشقاء { على طعام وحد } أرادوا ما رزقوا في التيه من ~~المن والسلوى. فإن قلت هما طعامان فما لهم قالوا على طعام واحد؟ قلت ~~أرادوا بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان ~~عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها، قيل لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا ~~يراد بالوحدة نفي التبدل والاختلاف. ويجوز أن يريدوا أنهما ضرب واحد، ~~لأنهما معا من طعام أهل التلذذ والتترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، ~~فما نريد إلا ما ألفناه وضرينا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول ~~ونحو ذلك. ومعنى { يخرج لنا } يظهر لنا ويوجد. والبقل ما أنبتته ~~الأرض من الخضر. والمراد به أطايب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع ~~والكرفس والكراث وأشباهها. وقرىء «وقثائها» ms0110 بالضم. والفوم الحنطة. ومنه ~~فوموا لنا، أي اخبزوا. وقيل الثوم. ويدل عليه قراءة ابن مسعود «وثومها» ~~وهو للعدس والبصل أوفق { الذى هو أدنى } الذي هو أقرب منزلة ~~وأدون مقدارا. والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار فيقال هو داني ~~المحل وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك فيقال هو بعيد المحل ~~وبعيد الهمة يريدون الرفعة والعلو. وقرأ زهير الفرقبي أدنأ بالهمزة من ~~الدناءة { اهبطوا مصرا } وقرىء «اهبطوا» بالضم أي انحدروا إليه ~~من التيه. يقال هبط الوادي إذا نزل به، وهبط منه، إذا خرج. وبلاد التيه ~~ما بين بيت المقدس إلى قنسرين، وهي اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ. ~~ويحتمل أن يريد العلم وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف ~~والتأنيث، لسكون وسطه كقوله { ونوحا ولوطا }. وفيهما العجمة ~~والتعريف، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد، وأن يريد مصرا من ~~الأمصار وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش «اهبطوا مصر» بغير تنوين ~~كقوله { ادخلوا مصر }. وقيل هو مصرائيم فعرب { وضربت ~~عليهم الذلة } جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما ~~يكون في القبة من ضربت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما ~~يضرب الطين على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة، ~~إما على الحقيقة وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تضاعف عليهم الجزية { ~~وباءوا بغضب من الله } من قولك باء فلان بفلان، إذا كان ~~حقيقا بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أي صاروا أحقاء بغضبه { ~~ذلك } إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والخلاقة بالغضب، أي ~~ذلك بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وقد قتلت اليهود لعنوا شعيا وزكريا ~~ويحيى وغيرهم، فإن قلت قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ~~ذكره؟ قلت معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا ~~في الأرض فيقتلوا. # وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، فلو سئلو وأنصفوا من أنفسهم ~~لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم. وقرأ علي رضي الله عنه ~~«ويقتلون» بالتشديد ms0111 { ذلك } تكرار للإشارة { بما عصوا } بسبب ~~ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود الله في كل شيء، مع كفرهم بآيات ~~الله وقتلهم الأنبياء. وقيل هو اعتداؤهم في السبت. ويجوز أن يشار بذلك ~~إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم ~~انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل ~~الأنبياء، أو ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا. ### || [2.62] # إن الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون { ~~والذين هادوا } والذين تهودوا. يقال هاد يهود. وتهود إذا دخل ~~في اليهودية، وهو هائد، والجمع هود. { والنصرى } وهو جمع نصران. ~~يقال رجل نصران، وامرأة نصرانة، قال نصرانة لم تحنف. والياء في نصراني ~~للمبالغة كالتي في أحمري. سموا لأنهم نصروا المسيح. { والصبئين ~~} وهو من صبأ إذا خرج من الدين وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية ~~وعبدوا الملائكة { من ءامن } من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا ودخل في ~~ملة الإسلام دخولا أصيلا { وعمل صلحا فلهم أجرهم } ~~الذي يستوجبونه بإيمانهم وعملهم. فإن قلت ما محل من آمن؟ قلت الرفع إن ~~جعلته مبتدأ خبره «فلهم أجرهم» والنصب إن جعلته بدلا من اسم إن المعطوف ~~عليه. فخبر إن في الوجه الأول الجملة كما هي وفي الثاني فلهم أجرهم. ~~والفاء لتضمن { من } معنى الشرط. ### || [2.63-66] # { وإذ أخذنا ميثقكم } بالعمل على ما في التوراة { ~~ورفعنا فوقكم الطور } حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. وذلك أن ~~موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف ~~الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه ~~وظلله فوقهم وقال لهم موسى إن قبلتم وإلا ألقي عليكم، حتى قبلوا. { ~~خذوا } على إرادة القول { ما ءاتينكم } من الكتاب { بقوة ~~} بجد وعزيمة { واذكروا ما فيه } واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ~~ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { لعلكم تتقون } رجاء منكم أن ~~تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا. { ثم ~~توليتم } ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به { فلولا فضل ~~الله عليكم } بتوفيقكم للتوبة لخسرتم. وقرىء «خذوا ما آتيتكم، ms0112 ~~وتذكروا» و «واذكروا» و { السبت } مصدر سبتت اليهودإذا عظمت يوم ~~السبت. وإن ناسا منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد ~~للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت ~~في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت. كما قال # تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم # الأعراف 163 فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت ~~الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد. فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم. ~~{ قردة خسئين } خبران أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، ~~وهو الصغار والطرد { فجعلناها } يعني المسخة { نكلا } عبرة ~~تنكل من اعتبر بها أي تمنعه. ومنه النكل القيد { لما بين يديها ~~} لما قبلها { وما خلفها } وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ~~ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين أو ~~أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم. وقيل نكالا عقوبة منكلة ~~لما بين يديها لأجل ما تقدمها من ذنوبهم وما تأخر منها { وموعظة ~~للمتقين } للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق ~~سمعها. ### || [2.67-73] # كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على ~~باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ~~ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله { قالوا أتتخذنا هزوا } ~~أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزوا بنا، أو الهزو نفسه لفرط ~~الاستهزاء { من الجهلين } لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل ~~والسفه. وقرى «هزؤا» بضمتين. و «هزءا» بسكون الزاي، نحو كفؤا وكفؤا. ~~وقرأ حفص «هزوا» بالضمتين والواو وكذلك «كفوا». والعياذ واللياذ من واد ~~واحد. في قراءة عبد الله «سل لنا ربك ما هي»؟ سؤال عن حالها وصفتها. وذلك ~~أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك ~~البقرة العجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر. والفارض المسنة، وقد فرضت ~~فروضا فهي فارض. قال خفاف بن ندبة # لعمري لقد أعطيت ضيفك ms0113 فارضا تساق إليه ما ~~تقوم على رجل # وكأنها سميت فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها. والبكر ~~الفتية. والعوان النصف. قال # نواعم بين أبكار وعون # وقد عونت. فإن قلت { بين } يقتضي شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله ~~على { ذلك } قلت لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من ~~الفارض والبكر. فإن قلت كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة ~~إلى واحد مذكر؟ قلت جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدم، للاختصار في ~~الكلام، كما جعلوا فعل نائبا عن أفعال جمة تذكر قبله تقول للرجل نعم ما ~~فعلت، وقد ذكر لك أفعالا كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له ما أحسن ذلك. ~~وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا. قال أبو عبيدة قلت لرؤبة في ~~قوله # فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجلد توليع ~~البهق # إن أردت الخطوط فقل كأنها. وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما. فقال ~~أردت كأن ذاك ويلك! والذي حسن منه أن أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها ~~وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات. ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ~~{ ما تؤمرون } أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله أمرتك الخير ~~أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير. الفقوع ~~أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه. يقال في التوكيد أصفر فاقع ووارس، كما ~~يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق. وأحمر قاني وذريحي. وأخضر ناضر ~~ومدهام. وأورق خطباني وأرمك رداني. فإن قلت فاقع ههنا واقع خبرا عن ~~اللون، فلم يقع توكيدا لصفراء قلت لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع ~~توكيدا لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها ~~وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. # فإن قلت فهلا قيل صفراء فاقعة؟ وأي فائدة في ذكر اللون؟ قلت الفائدة فيه ~~التوكيد، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة ~~صفرتها، فهو من قولك جد جده، وجنونك مجنون. وعن ms0114 وهب إذا نظرت إليها خيل ~~إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو ~~توقعه. وعن علي رضي الله عنه من لبس نعلا صفراء قل همه لقوله تعالى { ~~تسر النظرين } وعن الحسن البصري { صفرآء فاقع ~~لونها } سوداء شديدة السواد. ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها ~~تعلوه صفرة. وبه فسر قوله تعالى # جمالات صفر # المرسلات 33. قال الأعشى # تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفر أولادها ~~كالزبيب # { ما هى } مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد ~~ليزدادوا بيانا لوصفها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 39 # " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم " # والاستقصاء شؤم. وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم ~~فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه بأيهما أبدأ؟ فقال إن قلت لك بقطع ~~الشجر سألتني بأي نوع منها أبدأ؟ وعن عمر بن عبد العزيز إذا أمرتك أن ~~تعطي فلانا شاة سألتني أضائن أم ماعز؟ فإن بينت لك قلت أذكر أم أنثى؟ ~~فإن أخبرتك قلت أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني. وفي ~~الحديث 40 # " أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسئلته " # { إن البقر تشبه علينا } أي إن البقر الموصوف بالتعوين ~~والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح وقرىء «تشابه»، بمعنى تتشابه بطرح ~~التاء وإدغامها في الشين. وتشابهت ومتشابهة ومتشابه. وقرأ محمد ذو الشامة ~~إن الباقر يشابه، بالياء والتشديد. جاء في الحديث 41 # " لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " # أي لو لم يقولوا إن شاء الله. والمعنى إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ~~ذبحها.، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل { لا ذلول } صفة لبقرة ~~بمعنى بقرة غير ذلول، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من ~~النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، ولا الأولى للنفي، والثانية مزيدة ~~لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي. على أن الفعلين صفتان ~~لذلول، كأنه قيل لا ذلول مثيرة ms0115 وساقية. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي لا ~~ذلول، بمعنى لا ذلول هناك أي حيث هي، وهو نفي لذلها ولأن توصف به فيقال ~~هي ذلول. ونحوه قولك مررت بقوم لا بخيل ولا جبان. أي فيهم، أو حيث هم. # وقرىء «تسقي» بضم التاء من أسقى { مسلمة } سلمها الله من العيوب ~~أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله # أو معبر الظهر ينبي عن وليته ما حج ربه ~~في الدنيا ولا اعتمرا # أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من ~~الألوان { لا شية فيها } لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى ~~الصفرة، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها. وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا ~~وشية، إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشى القوائم { جئت ~~بالحق } أي بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها { ~~فذبحوها } أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها. ~~وقوله { وما كادوا يفعلون } استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، ~~وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت ~~تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل وما كادوا ~~يذبحونها لغلاء ثمنها. وقيل لخوف الفضيحة في ظهور القاتل. وروي أنه كان ~~في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال اللهم إني ~~أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان برا بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر ~~وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا، وكانت ~~البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. ~~فإن قلت كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم ~~انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأول؟ قلت ~~رجع منسوخا لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز. ~~على أن الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول ~~غيرها، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالا له، ~~فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص { وإذ قتلتم نفسا } خوطبت ~~الجماعة لوجود القتل فيهم ms0116 { فادرأتم } فاختلفتم واختصمتم في شأنها، ~~لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا، أي يدفعه ويزحمه. أو تدافعتم، بمعنى ~~طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح. أو لأن الطرح في ~~نفسه دفع. أو دفع بعضكم بعضا عن البراءة واتهمه { والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون } مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا ~~يتركه مكتوما. فإن قلت كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟ قلت وقد حكى ~~ما كان مستقبلا في وقت التدارؤ. كما حكى الحاضر في قوله # بسط ذراعيه # الكهف 18 وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم و ~~فقلنا والضمير في { اضربوه } إما أن يرجع إلى النفس والتذكير على ~~تأويل الشخص والإنسان، وإما إلى القتيل لما دل عليه من قوله ما كنتم ~~تكتمون. { ببعضها } ببعض البقرة. واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل ~~لسانها، وقيل فخذها اليمنى، وقيل عجبها، وقيل العظم الذي يلي الغضروف ~~وهوأصل الأذن، وقيل الأذن، وقيل البضعة بين الكتفين. # والمعنى فضربوه فحيي، فحذف ذلك لدلالة قوله { كذلك يحى الله ~~الموتى }. وروي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما، ~~وقال قتلني فلان وفلان لابني عمه، ثم سقط ميتا، فأخذا وقتلا ولم يورث ~~قاتل بعد ذلك. { كذلك يحى الله الموتى } إما أن يكون ~~خطابا للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم كذلك يحيي الله الموتى ~~يوم القيامة { ويريكم ءايته } ودلائله على أنه قادر على كل شيء ~~{ لعلكم تعقلون } تعملون على قضية عقولكم. وأن من قدر على ~~إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا ~~البعث. وإما أن يكون خطابا للمنكرين في زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فإن قلت هلا أحياه ابتداء؟ ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ~~ببعضها؟ قلت في الأسباب والشروط حكم وفوائد. وإنما شرط ذلك لما في ذبح ~~البقرة من التقرب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم ~~القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين ~~في ترك التشديد والمسارعة ms0117 إلى امتثال أوامر الله تعالى وارتسامها على ~~الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، ~~والدلالة على بركة البر بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازىء ~~بما لا يعلم كنهه، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أن من حق ~~المتقرب إلى ربه أن يتنوق في اختيار ما يتقرب به، وأن يختاره فتي ~~السن غير قحم ولا ضرع، حسن اللون بريا من العيوب يونق من ينظر إليه، ~~وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضي الله عنه 42 أنه ضحى بنجيبة ~~بثلاثمائة دينار، وأن الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل ~~جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما ~~أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا ~~الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة. ~~فإن قلت فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل ~~والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال وإذا قتلتم نفسا ~~فأدارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟ قلت كل ما قص من قصص ~~بني إسرائيل إنما قص تعديدا لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعا لهم ~~عليها، ولما جدد فيهم من الآيات العظام. وهاتان قصتان كل واحدة منهما ~~مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على ~~الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع ~~على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة ~~الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ~~ولذهب الغرض في تثنية التقريع. ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت الثانية ~~استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا ~~باسمها الصريح في قوله { اضربوه ببعضها } حتى تبين أنهما قصتان ~~فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع ~~تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة. ### || [2.74] # معنى { ثم قست } استبعاد القسوة من ms0118 بعد ما ذكر مما يوجب لين ~~القلوب ورقتها ونحوه { ثم أنتم تمترون } وصفة القلوب بالقسوة ~~والغلظ مثل لنبوها عن الاعتبار وأن المواعظ لا تؤثر فيها. و { ذلك } ~~إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة { ~~فهى كالحجارة } فهي في قسوتها مثل الحجارة { أو أشد ~~قسوة } منها، وأشد معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال ~~عطفا على الحجارة، وإما على أو هي في أنفسها أشد قسوة. والمعنى أن من ~~عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلا. أو من ~~عرفها شبهها بالحجارة، أو قال هي أقسى من الحجارة. فإن قلت لم قيل أشد ~~قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟ قلت لكونه ~~أبين وأدل على فرط القسوة. ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن ~~قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة. ~~وقرىء «قساوة». وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك زيد كريم ~~وعمرو أكرم. وقوله { وإن من الحجارة } بيان لفضل قلوبهم على ~~الحجارة في شدة القسوة، وتقرير لقوله أو أشد قسوة. وقرىء «وإن» ~~بالتخفيف. وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة. ومنها ~~قوله تعالى # وإن كل لما جميع # يس 33. والتفجر التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ مالك بن دينار «ينفجر» ~~بالنون. { يشقق } يتشقق. وبه قرأ الأعمش. والمعنى إن من الحجارة ~~ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق ~~انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضا { يهبط } يتردى من ~~أعلى الجبل. وقرىء بضم الباء. والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى ~~وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت ~~به. وقرىء «يعملون» بالياء والتاء، وهو وعيد. ### || [2.75-77] # { أفتطمعون } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين { ~~أن يؤمنوا لكم } أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم، ~~كقوله # فآمن له ms0119 لوط # العنكبوت 26 يعني اليهود، { وقد كان فريق } طائفة فيمن سلف منهم ~~{ يسمعون كلم الله } وهو ما يتلونه من التوراة { ثم ~~يحرفونه } كما حرفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآية ~~الرجم، وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى ~~بالطور وما أمر به ونهى، ثم قالوا سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن ~~تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس. وقرىء «كلم ~~الله» { من بعد ما عقلوه } من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم ~~تبق لهم شبهة في صحته { وهم يعلمون } أنهم كاذبون مفترون. ~~والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك. { وإذا لقوا } ~~يعني اليهود { قالوا } قال منافقوهم { ءامنا } بأنكم على الحق، ~~وأن محمدا هو الرسول المبشر به { وإذا خلا بعضهم } الذين لم ~~ينافقوا { إلى بعض } الذين نافقوا { قالوا } عاتبين عليهم { ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } بما بين لكم في ~~التوراة من صفة محمد. أو قال المنافقون لأعقابهم يرونهم التصلب في دينهم ~~أتحدثونهم، إنكارا عليهم أن يفتحوا عليهم شيئا في كتابهم فينافقون ~~المؤمنين وينافقون اليهود { ليحاجوكم به عند ربكم } ~~ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم به، وقولهم هو في ~~كتابكم هكذا محاجة عند الله. ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا. وهو ~~عند الله هكذا، بمعنى واحد. { يعلم } جميع { ما يسرون وما ~~يعلنون } ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان. ### || [2.78-79] # { ومنهم أميون } لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ~~ما فيها. { لا يعلمون الكتب } التوراة { إلا أمانى } ~~إلا ما هم عليه من أمانيهم، وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم ~~بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن ~~النار لا تمسهم إلا أياما معدودة. وقيل إلا أكاذيب مختلفة سمعوها من ~~علمائهم فتقبلوها على التقليد. قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به أهذا ~~شيء رويته، أم تمنيته، أم اختلقته، وقيل إلا ما يقرؤون من قوله # تمنى كتاب الله أول ليلة # والاشتقاق من ms0120 منى إذا قدر، لأن المتمني يقدر في نفسه ويحزر ما يتمناه، ~~وكذلك المختلق والقارىء يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. وإلا أماني من ~~الاستثناء المنقطع. وقرىء «أماني» بالتخفيف. ذكر العلماء الذين عاندوا ~~بالتحريف مع العلم والاستيقان، ثم العوام الذين قلدوهم، ونبه على أنهم ~~في الضلال سواء، لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه، وعلى العامي أن لا يرضى ~~بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم. { يكتبون الكتب } ~~المحرف { بأيديهم } تأكيد، وهو من محاز التأكيد، كما تقول لمن ~~ينكر معرفة ما كتبه يا هذا كتبته بيمينك هذه. { مما يكسبون } من ~~الرشا. ### || [2.80-82] # { إلا أياما معدودة } أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل. ~~وعن مجاهد كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ~~ألف سنة يوما. { فلن يخلف الله } متعلق بمحذوف تقديره إن ~~اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده. و { أم } إما أن تكون ~~معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون ~~أحدهما. ويجوز أن تكون منقطعة. { بلى } إثبات لما بعد حرف النفي وهو ~~قوله { لن تمسنا النار } أي بلى تمسكم أبدا، بدليل قوله { هم ~~فيها خلدون }. { من كسب سيئة } من السيئات، يعني كبيرة ~~من الكبائر { وأحطت به خطيئته } تلك واستولت عليه، كما ~~يحيط العدو ولم يتفص عنها بالتوبة. وقرىء «خطاياه» و «خطيئاته». وقيل في ~~الإحاطة كان ذنبه أغلب من طاعته. وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال سبحان ~~الله ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة، انظر في المصحف فكل آية نهى ~~فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة. ### || [2.83] # { لا تعبدون } إخبار في معنى النهي، كما تقول تذهب إلى فلان تقول ~~له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى ~~الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه وتنصره قراءة عبد الله وأبي ا ~~تعبدوا ولا بد من إرادة القول، ويدل عليه أيضا قوله { وقولوا ~~}. وقوله { وبالولدين إحسنا } إما أن يقدر وتحسنون ~~بالوالدين إحسانا. أو وأحسنوا. ms0121 وقيل هو جواب قوله { وإذ أخذنا ~~ميثق بنى إسرءيل } إجراء له مجرى القسم، كأنه قيل وإذ أقسمنا ~~عليهم لا تعبدون. وقيل معناه أن لا تعبدوا، فلما حذفت أن رفع، كقوله # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ويدل عليه قراءة عبد الله «أن لا تعبدوا» ويحتمل «أن لا تعبدوا» أن تكون ~~أن فيه مفسرة، وأن تكون أن مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل توحيدهم وقرىء بالتاء حكاية لما خوطبوا به، وبالياء ~~لأنهم غيب. { حسنا } قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه. وقرىء «حسنا» ~~و «حسنى» على المصدر كبشرى. { ثم توليتم } على طريقه ~~الالتفات أي توليتم عن الميثاق ورفضتموه. { إلا قليلا منكم } ~~قيل هم الذين أسلموا منهم. { وأنتم معرضون } وأنتم قوم عادتكم ~~الإعراض عن المواثيق، والتولية. ### || [2.84-86] # { لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم } لا يفعل ~~ذلك بعضكم ببعض. جعل غير الرجل نفسه. إذا اتصل به أصلا أو دينا. وقيل ~~إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه. { ثم أقررتم } ~~بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه { وأنتم تشهدون } عليها ~~كقولك فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها. وقيل وأنتم تشهدون اليوم يا ~~معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق { ثم أنتم هؤلاء } ~~استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم ~~وإقرارهم وشهادتهم. والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني أنكم ~~قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلا، لتغير الصفة منزلة وتغير الذات، ~~كما تقول رجعت بغير الوجه الذي خرجت به. وقوله { تقتلون } بيان ~~لقوله { ثم أنتم هؤلاء } وقيل هؤلاء موصول بمعنى الذي. وقرىء ~~«تظاهرون» بحذف التاء وإدغامها. وتتظاهرون بإثباتها وتظهرون بمعنى ~~تتظهرون أي تتعاونون عليهم. وقرىء «تفدوهم»، «وتفادوهم». «وأسرى»، ~~«وأسارى» { وهو } ضمير الشأن. ويجوز أن يكون مبهما تفسيره { ~~إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتب } أي بالفداء { ~~وتكفرون ببعض } أي بالقتال والإجلاء. وذلك أن قريظة كانوا ~~حلفاء الأوس، والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، ~~وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين ms0122 جمعوا له ~~حتى يفدوه. فعيرتهم العرب وقالت كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم. فيقولون أمرنا ~~أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا. والخزي قتل ~~بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير. وقيل الجزية. وإنما رد من فعل منهم ~~ذلك إلى أشد العذاب، لأن عصيانه أشد. وقرىء «يردون»، «ويعملون» ~~بالياء والتاء { فلا يخفف عنهم } عذاب الدنيا بنقصان ~~الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم. وكذلك عذاب الآخرة. ### || [2.87-89] # { الكتب } التوراة، آتاه إياها جملة واحدة. ويقال قفاه إذا أتبعه ~~من القفا. نحو ذنبه، من الذنب. وقفاه به أتبعه إياه، يعني وأرسلنا على ~~أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى # ثم أرسلنا رسلنا تترى # المؤمنون 44 وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير ~~وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. وقيل { عيسى } ~~بالسريانية يشوع. و { مريم } بمعنى الخادم. وقيل المريم بالعربية من ~~النساء، كالزير من الرجال. وبه فسر قول رؤبة # قلت لزير لم تصله مريمه # ووزن «مريم» عند النحويين «مفعل» لأن فعيلا بفتح الفاء لم يثبت في ~~الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب { البينت } المعجزات الواضحات ~~والحجج. كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات. وقرىء ~~«وآيدناه». ومنه آجده بالجيم إذا قواه. يقال الحمد لله الذي آجدني بعد ~~ضعف، وأوجدني بعد فقر. { بروح القدس } بالروح المقدسة كما تقول ~~حاتم الجود، ورجل صدق. ووصفها بالقدس كما قال # وروح منه # النساء 171 فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة. وقيل لأنه لم تضمه ~~الأصلاب، ولا أرحام الطوامث. وقيل بجبريل. وقيل بالإنجيل كما قال في ~~القرآن # وروحا من أمرنا # الشورى 52 وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره. والمعنى ~~ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم { أفكلما جاءكم ~~رسول } منهم بالحق { استكبرتم } عن الإيمان به، فوسط بين الفاء ~~وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يريد ولقد ~~آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك. ودخول الفاء ~~لعطفه على المقدر. فإن قلت هلا قيل وفريقا قتلتم؟ قلت هو على وجهين أن ~~تراد الحال ms0123 الماضية، لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره ~~في القلوب، وأن يراد وفريقا تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى ~~الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم. ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. ~~وقال صلى الله عليه وسلم عند موته 43 # " ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان قطعت أبهري " # { غلف } جمع أغلف، أي هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم ~~يختن، كقولهم # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # فصلت 5. ثم رد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة ~~والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين ~~غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع ~~الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين { فقليلا ما ~~يؤمنون } فإيمانا قليلا يؤمنون. وما مزيدة، وهو إيمانهم ببعض ~~الكتاب. ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم. # وقيل «غلف» تخفيف «غلف» جمع «غلاف»، أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون ~~بما عندنا عن غيره. وروى عن أبي عمرو قلوبنا غلف، بضمتين { كتب من ~~عند الله } هو القرآن { مصدق لما معهم } من كتابهم لا ~~يخالفه. وقرىء «مصدقا»، على الحال. فإن قلت كيف جاز نصبها عن النكرة؟ ~~قلت إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وصف «كتاب» بقوله { ~~من عند الله } وجواب لما محذوف وهو نحو كذبوا به، واستهانوا ~~بمجيئه، وما أشبه ذلك { يستفتحون على الذين كفروا } ~~يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا اللهم انصرنا بالنبي المبعوث ~~في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من ~~المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد ~~وإرم. وقيل معنى { يستفتحون }يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيا ~~يبعث منهم قد قرب أوانه. والسين للمبالغة، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم، ~~كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضا أن يفتح عليهم { فلما ~~جاءهم ما عرفوا } من الحق { كفروا ms0124 به } بغيا وحسدا ~~وحرصا على الرياسة. { على الكفرين } أي عليهم وضعا للظاهر ~~موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد. ويجوز ~~أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولا أوليا. ### || [2.90-91] # «ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس شيئا { اشتروا به ~~أنفسهم } والمخصوص بالذم { أن يكفروا } واشتروا بمعنى باعوا { ~~بغيا } حسدا وطلبا لما ليس لهم، وهو علة اشتروا { أن ينزل } ~~لأن ينزل أو على أن ينزل، أي حسدوه على أن ينزل الله { من فضله } ~~الذي هو الوحي { على من يشاء } وتقتضي حكمته وإرساله { فباءو ~~بغضب على غضب } فصاروا أحقاء بغضب مترادف، لأنهم كفروا بنبي ~~الحق وبغوا عليه. وقيل كفروا بمحمد بعد عيسى. وقيل بعد قولهم عزير ابن ~~الله، وقولهم يد الله مغلولة، وغير ذلك من أنواع كفرهم { بما أنزل ~~الله } مطلق فيما أنزل الله من كل كتاب { قالوا نؤمن بما ~~أنزل علينا } مقيد بالتوراة { ويكفرون بما وراءه } أي ~~قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة { وهو الحق ~~مصدقا لما معهم } منها غير مخالف له، وفيه رد لمقالتهم لأنهم ~~إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم ~~الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء. ### || [2.92-93] # { وأنتم ظلمون } يجوز أن يكون حالا، أي عبدتم العجل وأنتم ~~واضعون العبادة غير موضعها، وأن يكون اعتراضا بمعنى وأنتم قوم عادتكم ~~الظلم. وكرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأول مع ما فيه من ~~التوكيد { واسمعوا } ما أمرتم به في التوراة { قالوا سمعنا } ~~قولك { وعصينا } أمرك. فإن قلت كيف طابق قوله جوابهم؟ قلت طابقه من ~~حيث إنه قال لهم { اسمعوا } وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا { ~~سمعنا } ولكن لا سماع طاعة { وأشربوا فى قلوبهم ~~العجل } أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبيغ. ~~وقوله { فى قلوبهم } بيان لمكان الإشراب كقوله # إنما يأكلون فى بطونهم نارا # النساء 10. { بكفرهم } بسبب كفرهم { بئسما يأمركم به ~~إيمنكم } بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجاجيل. وإضافة ~~الأمر ms0125 إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب # أصلاتك تأمرك # هود 87 وكذلك إضافة الإيمان إليهم وقوله { إن كنتم مؤمنين } ~~تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له. ### || [2.94-96] # { خالصة } نصب على الحال من الدار الآخرة. والمراد الجنة، أي سالمة ~~لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق. يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا. و { الناس } للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون { ~~فتمنوا الموت } لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها ~~وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب، كما روى عن ~~المبشرين بالجنة ما روى. كان علي رضي الله عنه يطوف بين الصفين في غلالة، ~~فقال له ابنه الحسن ما هذا بزي المحاربين. فقال يا بني لا يبالي أبوك ~~على الموت سقط، أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة رضي الله عنه أنه كان يتمنى ~~الموت، فلما احتضر قال حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم. يعني على ~~التمني. وقال عمار بصفين الآن ألاقي الأحبة محمدا وحزبه. وكان كل واحد ~~من العشرة يحب الموت ويحن إليه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 44 # " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض ~~يهودي " # { بما قدمت أيديهم } بما أسلفوا من موجبات النار من الكفر ~~بمحمد وبما جاء به، وتحريف كتاب الله، وسائر أنواع الكفر والعصيان. وقوله ~~{ ولن يتمنوه أبدا } من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما ~~أخبر به كقوله { ولن تفعلوا } فإن قلت ما أدراك أنهم لم يتمنوا؟ ~~قلت لأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث، ولكان ناقلوه من أهل ~~الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن في الإسلام أكثر من الذر، وليس أحد منهم ~~نقل ذلك. فإن قلت التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطلع عليه أحد فمن ~~أين علمت أنهم لم يتمنوا؟ قلت ليس التمني من أعمال القلوب إنما هو قول ~~الإنسان بلسانه ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا تمنى، وليت كلمة التمني، ~~ومحال أن ms0126 يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب ~~وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوا ذلك فإن ~~قلت لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدقون.قلت كم حكى عنهم من أشياء ~~قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما ~~علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب البحت ولم يبالوا، فكيف ~~يمتنعون من أن يقولوا إن التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه، مع احتمال ~~أن يكونوا صادقين في قولهم وإخبارهم عن ضمائرهم، وكان الرجل يخبر عن نفسه ~~بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كاذبا لأنه أمر خاف لا سبيل إلى ~~الاطلاع عليه { والله عليم بالظلمين } تهديد لهم { ~~ولتجدنهم } هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين في قولهم ~~وجدت زيدا ذا الحفاظ ومفعولاه «هم أحرص». # فإن قلت لم قال { على حيوة } بالتنكير؟ قلت لأنه أراد حياة ~~مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي ~~«على الحياة» { ومن الذين أشركوا } محمول على المعنى لأن ~~معنى أحرص الناس أحرص من الناس. فإن قلت ألم يدخل الذين أشركوا تحت ~~الناس؟ قلت بلى، ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد. ويجوز أن يراد ~~وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة أحرص الناس عليه. وفيه توبيخ عظيم ~~لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، ~~فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب ~~وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ. فإن قلت لم زاد حرصهم على ~~حرص المشركين؟ قلت لأنهم علموا لعلمهم بحالهم أنهم صائرون إلى النار ~~لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك. وقيل أراد بالذين أشركوا المجوس، ~~لأنهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز وألف مهرجان. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه هو قول الأعاجم زي هزار سال. وقيل «ومن الذين أشركوا» كلام ~~مبتدأ، أي ومنهم ناس { يود أحدهم } على حذف الموصوف كقوله # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 164 والذين ms0127 أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود، لأنهم ~~قالوا عزير ابن الله. والضمير في { وما هو } لأحدهم و { أن ~~يعمر } فاعل بمزحزحه، أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره. ~~وقيل الضمير لما دل عليه يعمر من مصدره، وأن يعمر بدل منه. ويجوز أن ~~يكون «هو» مبهما، وأن «يعمر» موضحه. والزحزحة التبعيد والإنحاء فإن قلت ~~يود أجدهم ما موقعه؟ قلت هو بيان لزيادة حرصهم على طريق الإستئناف. فإن ~~قلت كيف اتصل لو يعمر بيود أحدهم؟ قلت هو حكاية لودادتهم. و «لو» في ~~معنى التمني، وكان القياس لو أعمر، إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله { ~~يود أحدهم } كقولك حلف بالله ليفعلن. ### || [2.97-98] # روي 45 أن عبد الله بن صوريا من أحبار «فدك» حاج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال جبريل، فقال ذاك عدونا، ~~ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مرارا، وأشدها أنه أنزل على نبينا ~~أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما ~~مسكينا، فدفع عنه جبريل وقال إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم ~~عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه. وقيل أمره الله تعالى أن يجعل ~~النبوة فينا فجعلها في غيرنا. وروي 46 أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض ~~بأعلى المدينة، وكان ممره على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع ~~كلامهم، فقالوا يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك فقال والله ما أجيئكم ~~لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل ~~فقالوا ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ~~ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم وما منزلتهما من الله تعالى قالوا ~~أقرب منزلة، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. وميكائيل عدو لجبريل. ~~فقال عمر لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير، ~~ومن كان عدوا لأحدهما كان ms0128 عدوا للآخر، ومن كان عدوا لهما كان عدوا ~~لله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقد وافقك ربك يا عمر. فقال عمر لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك ~~أصلب من الحجر. وقرىء «جبرئيل»، بوزن قفشليل و«جبرئل» بحذف الياء، ~~و«جبريل» بحذف الهمزة، و«جبريل» بوزن قنديل، و«جبرال» بلام شديدة. ~~و«جبرائيل» بوزن جبراعيل. و«جبرائل» بوزن جبراعل. ومنع الصرف فيه للتعريف ~~والعجمة. وقيل معناه عبد الله. الضمير في { نزله } للقرآن. ونحو هذا ~~الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه، حيث يجعل ~~لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ~~{ على قلبك } أي حفظه إياك وفهمكه { بإذنالله } بتيسيره ~~وتسهيله. فإن قلت كان حق الكلام أن يقال على قلبي. قلت جاءت على حكاية ~~كلام الله تعالى كما تكلم به، كأنه قيل قل ما تكلمت به من قولي من كان ~~عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك. فإن قلت كيف استقام قوله «فإنه نزله» ~~جزاء للشرط؟ قلت فيه وجهان أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا ~~وجه لمعاداته حيث نزل كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه ~~وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. # والثاني إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا ~~لكتابهم وموافقا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا ~~يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه، ~~أفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر أن ~~التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. وقرىء «ميكال»، بوزن ~~قنطار. و«ميكائيل» كميكاعيل. و«ميكائل» كميكاعل. و«ميكئل» كميكعل. ~~و«ميكئيل» كميكعيل. قال ابن جني العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. { ~~عدو للكفرين } أراد عدو لهم فجاء بالظاهر، ليدل على أن ~~الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة ~~الأنبياء كفرا فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى من عاداهم عاداه الله ~~وعاقبه ms0129 أشد العقاب. ### || [2.99-101] # { إلا الفسقون } إلا المتمردون من الكفرة. وعن الحسن إذا ~~استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه 47 قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك لها فنزلت. واللام ~~في { الفسقون } للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب { أو ~~كلما } الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات وكلما ~~عاهدوا. وقرأ أبو السمال بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين ~~فسقوا، فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا، أو نقضوا عهد الله ~~مرارا كثيرة. وقرىء «عوهدوا وعهدوا» واليهود موسومون بالغدر ونقض ~~العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا. وكم عاهدهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا # الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة # الأنفال 56. والنبذ الرمي بالذمام ورفضه. وقرأ عبد الله «نقضه» { ~~فريق منهم } وقال فريق منهم، لأن منهم من لم ينقض { بل ~~أكثرهم لا يؤمنون } بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا ~~يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون به. { كتب الله } يعني ~~التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها نابذون ~~لها. وقيل كتاب الله القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. { ~~كأنهم لا يعلمون } أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك. يعني أن ~~علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم، مثل لتركهم ~~وإعراضهم عنه، مثل بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه. ~~وعن الشعبي هو بين أيديهم يقرؤنه، ولكنهم نبذوا العمل به. وعن سفيان ~~أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا ~~حرامه. ### || [2.102] # { واتبعوا } أي نبذوا كتاب الله واتبعوا { ما تتلوا ~~الشيطين } يعني واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها { ~~على ملك سليمن } أي على عهد ملكه وفي زمانه. وذلك أن ~~الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ~~ويلقونها ms0130 إلى الكهنة وقد دونوها في كتب يقرؤنها ويعلمونها الناس، وفشا ~~ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب، وكانوا ~~يقولون هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه تسخر ~~الأنس والجن والريح التي تجري بأمره { وما كفر سليمن } تكذيب ~~للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به، وسماه ~~كفرا { ولكن الشياطين } هم الذين { كفروا } باستعمال ~~السحر وتدوينه { يعلمون الناس السحر } يقصدون به إغواءهم ~~وإضلالهم { وما أنزل على الملكين } عطف على السحر، أي ~~ويعلمونهم ما أنزل على الملكين. وقيل هو عطف على ما تتلو، أي واتبعوا ما ~~أنزل. { هروت ومروت } عطف بيان للملكين علمان لهما، والذي ~~أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس. من تعلمه منهم وعمل به ~~كان كافرا، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به ~~كان مؤمنا # عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه # كما ابتلى قوم طالوت بالنهر، # فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه ~~منى # البقرة 249. وقرأ الحسن «على الملكين» بكسر اللام، على أن المنزل ~~عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل. وما يعلم الملكان أحدا حتى ينبهاه ~~وينصحاه ويقولا له { إنما نحن فتنة } أي ابتلاء واختبار من ~~الله { فلا تكفر } فلا تتعلم معتقدا أنه حق فتكفر { ~~فيتعلمون } الضمير لما دل عليه من أحد، أي فيتعلم الناس من ~~الملكين { ما يفرقون به بين المرء وزوجه } أي علم ~~السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه، كالنفث في ~~العقد، ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز والخلاف ابتلاء منه، ~~لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله تعالى { وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله } لأنه ربما أحدث الله عنده ~~فعلا من أفعاله وربما لم يحدث { ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم } لأنهم يقصدون به الشر. وفيه أن اجتنابه أصلح كتعلم الفلسفة ~~التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية. ولقد علم هؤلاء اليهود أن من ms0131 اشتراه ~~أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله { ماله فى الاخرة من ~~خلق } من نصيب { ولبئس ما شروا به أنفسهم } أي ~~باعوها. وقرأ الحسن «الشياطون». وعن بعض العرب بستان فلان حوله بساتون. # وقد ذكر وجهه فيما بعد. وقرأ الزهري «هاروت وماروت» بالرفع على هما ~~هاروت وماروت. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت ~~والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا. وقرأ طلحة «وما يعلمان» ~~من أعلم، وقرىء «بين المرء» بضم الميم وكسرها مع الهمز. والمر بالتشديد ~~على تقدير التخفيف والوقف، كقولهم فرج، وإجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ ~~الأعمش «وما هم بضاري»، بطرح النون والإضافة إلى أحد والفضل بينهما ~~بالظرف، فإن قلت كيف يضاف إلى أحد وهو مجرور بمن، قلت جعل الجار جزءا من ~~المجرور. فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله { ولقد علموا ~~} على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم في قوله { لو كانوا ~~يعلمون }؟ قلت معناه لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا ~~به كأنهم منسلخون عنه. ### || [2.103-105] # { ولو أنهم ءامنوا } برسول الله والقرآن { واتقوا } ~~الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين { ~~لمثوبة من عند الله خير }. وقرىء «لمثوبة»، كمشورة ~~ومشورة { لو كانوا يعلمون } أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد ~~علموا، ولكنه جهلهم لترك العمل بالعلم. فإن قلت كيف أوثرت الجملة الإسمية ~~على الفعلية في جواب لو؟ قلت لما في ذلك من الدلالة على اثبات المثوبة ~~واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في سلام عليكم لذلك، فإن قلت فهلا ~~قيل لمثوبة الله خير؟ قلت لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم. ويجوز أن ~~يكون قوله { ولو أنهم ءامنوا } تمنيا لإيمانهم على سبيل ~~المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل وليتهم آمنوا. ثم ~~ابتدىء لمثوبة من عند الله خير. كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا ألقى عليهم شيئا من العلم راعنا يا رسول الله، أي راقبنا ~~وانتظرنا وتأن بنا ms0132 حتى نفهمه ونحفظه. وكانت لليهود كلمة يتسابون بها ~~عبرانية أو سريانية وهي «راعينا» فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا. ~~افترصوه وخاطبوا به الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعنون به تلك المسبة، ~~فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو { انظرنا } من نظره ~~إذا انتظره. وقرأ أبي «انظرنا» من النظرة، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرأ عبد ~~الله بن مسعود «راعونا»، على أنهم كانوا يخاطبونه بلفظ الجمع للتوقير ~~وقرأ الحسن «راعنا»، بالتنوين من الرعن وهو الهوج، أي لا تقولوا قولا ~~راعنا منسوبا إلى الرعن رعينا، كدارع ولابن لأنه لما أشبه قولهم ~~راعينا، وكان سببا في السب اتصف بالرعن { واسمعوا } وأحسنوا سماع ~~ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان ~~واعية وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعانة وطلب المراعاة، أو ~~اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود حيث قالوا سمعنا ~~وعصينا، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، ~~تأكيدا عليهم ترك تلك الكلمة. وروي 48 أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال ~~يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم ~~يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه. فقالوا أولستم ~~تقولونها فنزلت. { وللكفرين } ولليهود الذين تهاونوا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسبوه { عذاب أليم } من الأولى للبيان لأن ~~الذين كفروا جنس تحته نوعان أهل الكتاب، والمشركون كقوله تعالى # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين # البينة 1 والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية. ~~والخير الوحي، وكذلك الرحمة كقوله تعالى # أهم يقسمون رحمة ر بك # الزخرف 32 والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما ~~يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي { والله } يختص بالنبوة { من ~~يشآء } ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة { والله ذو الفضل ~~العظيم } إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم كقوله تعالى # إن فضله كان عليك كبيرا # الإسراء 87. ### || [2.106-110] # روى أنهم ms0133 طعنوا في النسخ فقالوا ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ~~ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا؟ فنزلت. ~~وقرىء «ما ننسخ من آية» وما ننسخ، بضم النون، من أنسخ، أو ننسأها. وقرىء ~~«ننسها» و«ننسها» بالتشديد، و«تنسها»، و«تنسها»، على خطاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقرأ عبد الله «ما ننسك من آية أو ننسخها» وقرأ حذيفة ~~«ما ننسخ من آية أو ننسكها». ونسخ الآية إزالتها بإبدال أخرى مكانها ~~وإنساخها الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة ~~بالإعلام بنسخها. ونسؤها، تأخيرها وإذهابها. لا إلى بدل. وإنساؤها أن ~~يذهب بحفظها عن القلوب. والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة ~~من إزالة لفظها وحكمها معا، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل { ~~نأت } بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها ~~في ذلك { على كل شىء قدير } فهو يقدر على الخير، وما هو خير ~~منه، وعلى مثله في الخير { له ملك السموات والارض } فهو ~~يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به ~~من ناسخ ومنسوخ. لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من ~~نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله { ألم تعلم } أراد أن ~~يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا ~~يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من ~~الأشياء التي كانت عاقبتها وبالا عليهم كقولهم # اجعل لنا إلها # الأعراف 138، # أرنا الله جهرة # النساء 153، وغير ذلك { ومن يتبدل الكفر بالإيمن } ~~ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها { فقد ضل ~~سواء السبيل }. 49 روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من ~~اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد ألم تروا ما ~~أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ~~وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا، ms0134 فقال عمار كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا ~~شديد. قال فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت. فقالت اليهود أما هذا ~~فقد صبأ. وقال حذيفة وأما أنا فقد رضيت بالله ربا، وبمحمد نبيا، ~~وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ~~ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال # " أصبتما خيرا وأفلحتما " # فنزلت. فإن قلت بم تعلق قوله { من عند أنفسهم }؟ قلت فيه ~~وجهان أحدهما أن يتعلق بود، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم ~~وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع ~~الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون ~~تمنيهم من قبل الحق؟ وإما أن يتعلق بحسدا، أي حسدا متبالغا منبعثا من ~~أصل أنفسهم { فاعفوا واصفحوا } فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح ~~عما يكون منهم من الجهل والعداوة { حتى يأتى الله بأمره ~~} الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم { ~~إن الله على كل شىء قدير } فهو يقدر على الانتقام منهم ~~{ من خير } من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما { تجدوه عند ~~الله } تجدوا ثوابه عند الله { إن الله بما تعملون ~~بصير } عالم لا يضيع عنده عمل عامل. ### || [2.111-112] # الضمير في { وقالوا } لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. والمعنى ~~وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى لن يدخل ~~الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل ~~فريق قوله، وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل ~~واحد منهما لصاحبه. ونحوه # وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا # البقرة 135، والهود جمع هائد، كعائذ وعوذ، وبازل وبزل. فإن قلت كيف ~~قيل كان هودا على توحيد الاسم وجمع الخبر؟ قلت حمل الاسم على لفظ «من» ~~والخبر على معناه، كقراءة الحسن «إلا من هو صالو الجحيم». وقوله # فإن له نار جهنم خلدين فيها # الجن 23. وقرأ أبي بن كعب «إلا من كان يهوديا ms0135 أو نصرانيا». فإن قلت ~~لم قيل { تلك أمانيهم } وقولهم «لن يدخل الجنة» أمنية واحدة؟ ~~قلت أشير بها إلى الأماني المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين ~~خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة ~~غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم. وقوله { قل هاتوا ~~برهنكم } متصل بقولهم { لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصرى }. و { تلك أمانيهم } اعتراض، أو ~~أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه ~~مقامه. يريد أن أمانيهم جميعا في البطلان مثل أمنيتهم هذه. والأمنية ~~أفعولة من التمني، مثل الأضحوكة والأعجوبة { هاتوا برهنكم } ~~هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة { إن كنتم صدقين } في ~~دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل ~~غير ثابت. و «هات» صوت بمنزلة هاء، بمعنى أحضر { بلى } إثبات لما نفوه ~~من دخول غيرهم الجنة { من أسلم وجهه لله } من أخلص نفسه له ~~لا يشرك به غيره { وهو محسن } في عمله { فله أجره } الذي ~~يستوجبه. فإن قلت من أسلم وجهه كيف موقعه؟ قلت يجوز أن يكون { بلى } ~~ردا لقولهم، ثم يقع «من أسلم» كلاما مبتدأ، ويكون «من» متضمنا لمعنى ~~الشرط، وجوابه «فله أجره»، وأن يكون «من أسلم» فاعلا لفعل محذوف، أي بلى ~~يدخلها من أسلم، ويكون قوله «فله أجره» كلاما معطوفا على يدخلها من ~~أسلم. ### || [2.113-114] # { على شىء } أي على شيء يصح ويعتد به. وهذه مبالغة عظيمة، لأن ~~المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه. ~~فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده. وهذا كقولهم أقل من لا شيء ~~{ وهم يتلون الكتب } الواو للحال. والكتاب للجنس أي قالوا ~~ذلك، وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب. وحق من حمل التوراة أو ~~الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد ~~من الكتابين مصدق للثاني شاهد بصحته، وكذلك كتب الله جميعا متواردة على ~~تصديق بعضها بعضا { كذلك ms0136 } أي مثل ذلك الذي سمعت به على ذلك المنهاج ~~{ قال } الجهلة { الذين } لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام ~~والمعطلة ونحوهم قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء. وهذا توبيخ عظيم لهم ~~حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم. وروى 50 أن وفد نجران لما ~~قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ~~ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى ~~والإنجيل. وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة. { فالله ~~يحكم } بين اليهود والنصارى { يوم القيمة } بما يقسم لكل ~~فريق منهم من العقاب الذي استحقه. وعن الحسن حكم الله بينهم أن يكذبهم ~~ويدخلهم النار { أن يذكر } ثاني مفعولي منع. لأنك تقول منعته كذا. ~~ومثله # وما منعنا أن نرسل # الاسراء 59، # وما منع الناس أن يؤمنوا # الاسراء 94 ويجوز أن يحذف حرف الجر مع أن، ولك أن تنصبه مفعولا له ~~بمعنى كراهة أن يذكر، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر ~~الله مفرط في الظلم، والسبب فيه أن النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس ~~الأذى ويمنعون الناس أن يصلوا فيه، وأن الروم غزوا أهله فخربوه وأحرقوا ~~التوراة وقتلوا وسبوا. وقيل أراد به منع المشركين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. فإن قلت فكيف قيل مساجد ~~الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد ~~الحرام؟ قلت لا بأس أن يجيء الحكم عاما وإن كان السبب خاصا، كما تقول ~~لمن آذى صالحا واحدا ومن أظلم ممن آذى الصالحين. وكما قال الله عز وجل # ويل لكل همزة لمزة # الهمزة 1 والمنزول فيه الأخنس بن شريق { وسعى فى خرابها } ~~بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان. وينبغي أن يراد ب «من» منع العموم ~~كما أريد بمساجد الله، ولا يراد الذين منعوا بأعيانهم من أولئك النصارى ~~أو المشركين { أولئك } المانعون { ما كان لهم أن ~~يدخلوها } أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد ms0137 الله { إلا ~~خائفين } على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، ~~فضلا أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها. # والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وقيل ما ~~كان لهم في حكم الله، يعني أن الله قد حكم وكتب في اللوح أنه ينصر ~~المؤمنين ويقويهم حتى لا يدخلوها إلا خائفين. روى أنه لا يدخل بيت ~~المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة. وقال قتادة لا يوجد نصراني في ~~بيت المقدس إلا أنهك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة. وقيل نادى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 51 # " ألا لا يحجن بعد هذاالعام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان " # وقرأ أبو عبد الله «إلا خيفا»، وهو مثل صيم. وقد اختلف الفقهاء في دخول ~~الكافر المسجد فجوزه أبو حنيفة رحمه الله، ولم يجوزه مالك، وفرق الشافعي ~~بين المسجد الحرام وغيره. وقيل معناه النهي عن تمكينهم من الدخول ~~والتخلية بينهم وبينه، كقوله # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله # الاحزاب 53 { خزى } قتل وسبي، أو ذلة بضرب الجزية. وقيل فتح ~~مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية. ### || [2.115] # { ولله المشرق والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض ~~كلها لله هو مالكها ومتوليها { فأينما تولوا } ففي أي مكان ~~فعلتم التولية، يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره }. { فثم وجه الله } أي جهته التي أمر ~~بها ورضيها. والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت ~~المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، ~~وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص إمكانها في ~~مسجد دون مسجد ولا في مكان دون مكان { إن الله وسع } الرحمة ~~يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم { عليم } بمصالحهم. وعن ابن ~~عمر نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وعن عطاء عميت القبلة ~~على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. وقيل ~~معناه فأينما ms0138 تولوا للدعاء والذكر ولم يرد الصلاة. وقرأ الحسن فأينما ~~تولوا، بفتح التاء من التولي يريد فأينما توجهوا القبلة. ### || [2.116] # { وقالوا } وقرىء بغير واو، يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزير ~~ابن الله والملائكة بنات الله. { سبحنه } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ~~{ بل له ما في السموت والارض } هو خالقه ومالكه، ومن ~~جملته الملائكة وعزير والمسيح { كل له قنتون } منقادون، لا ~~يمتنع شيء منه على تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس، ~~ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد. والتنوين في { كل } عوض من ~~المضاف إليه، أي كل ما في السموات والأرض. ويجوز أن يراد كل من جعلوه ~~لله ولدا له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا ~~إليهم. فإن قلت كيف جاء بما التي لغير أولي العلم مع قوله قانتون؟ قلت هو ~~كقوله سبحان ما سخركن لنا. وكأنه جاء ب ما دون من تحقيرا لهم ~~وتصغيرا لشأنهم، كقوله # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # الصافات 158. ### || [2.117] # يقال بدع الشيء فهو بديع، كقولك بزع الرجل فهو بزيع. و { بديع ~~السموت } من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته ~~وأرضه. وقيل البديع بمعنى المبدع، كما أن السميع في قول عمرو # أمن ريحانة الداعي السميع # بمعنى المسمع وفيه نظر { كن فيكون } من كان التامة، أي أحدث ~~فيحدث. وهذا مجاز من الكلام وتمثيل ولا قول ثم، كما لا قول في قوله # إذ قالت الأنساع للبطن الحق # وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه، فأنما يتكون ويدخل تحت ~~الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ~~لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء. أكد بهذا استبعاد الولادة لأن ~~من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في ~~توالدها. وقرىء «بديع السموات» مجرورا على أنه بدل من الضمير في له. ~~وقرأ المنصور بالنصب على المدح. ### || [2.118] # { وقال الذين لا يعلمون } وقال الجهلة من المشركين. وقيل ~~من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم ms0139 لأنهم لم يعملوا به. { لولا ~~يكلمنا الله } هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى؟ ~~استكبارا منهم وعتوا { أو تأتينآءاية } جحودا لأن يكون ما ~~أتاهم من آيات الله آيات، واستهانة بها { تشبهت قلوبهم } أي ~~قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى، كقوله # أتواصوا به # الذاريات 52. { قد بينا الآيت لقوم } ينصفون فيوقنون ~~أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها. ### || [2.119] # { إنا أرسلنك } لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية عنه، لأنه كان يغتم ويضيق ~~صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر. ولا نسألك { عن أصحب ~~الجحيم } ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم، كقوله # فإنما عليك البلغ وعلينا الحساب # الرعد40 وقرىء «ولا تسأل» على النهي. روي أنه قال 52 # " ليت شعري ما فعل أبواي ". # فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله. وقيل معناه ~~تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول كيف فلان؟ سائلا عن الواقع ~~في بلية، فيقال لك لا تسأل عنه. ووجه التعظيم أن المستخبر يجزع أن يجري ~~على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، و أنت يا ~~مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، وتعضد ~~القراءة الأولى قراءة عبد الله «ولن تسأل»، وقراءة أبي «وما تسأل». ### || [2.120] # كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا، ~~إقناطا منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن دخولهم في الإسلام، فحكى ~~الله عز وجل كلامهم، ولذلك قال { قل إن هدى الله هو ~~الهدى } على طريقة إجابتهم عن قولهم، يعني أن هدى الله الذي هو ~~الإسلام وهو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه ~~هدى، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى. ألا ترى إلى قوله { ~~ولئن اتبعت أهواءهم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع { ~~بعد الذي جاءك من العلم } أي من الدين المعلوم ms0140 صحته ~~بالبراهين الصحيحة. ### || [2.121-123] # { الذين ءاتينهم الكتب } هم مؤمنون أهل الكتاب { ~~يتلونه حق تلاوته } لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { أولئك يؤمنون } بكتابهم دون ~~المحرفين { ومن يكفر به } من المحرفين { فأولئك هم ~~الخسرون } حيث اشتروا الضلالة بالهدى. ### || [2.124-125] # { ابتلى إبرهيم ربه بكلمت } اختبره بأوامر ونواه. ~~واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين ما يريد الله، ~~وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. وقرأ ~~أبو حنيفة رضي الله عنه وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه «إبراهيم ~~ربه» رفع إبراهيم ونصب ربه. والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل ~~المختبر هل يجيبه إليهن أم لا؟ فإن قلت الفاعل في القراءة المشهورة يلي ~~الفعل في التقدير، فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر. قلت الإضمار قبل ~~الذكر أن يقال ابتلى ربه إبراهيم.فأما ابتلى إبراهيم ربه أو ابتلى ربه ~~إبراهيم، فليس واحدا منهما بإضمار قبل الذكر. أما الأول فقد ذكر فيه ~~صاحب الضمير قبل الضمير ذكرا ظاهرا. وأما الثاني فإبراهيم فيه مقدم في ~~المعنى، وليس كذلك ابتلى ربه إبراهيم، فإن الضمير فيه قد تقدم لفظا ~~ومعنى فلا سبيل إلى صحته. والمستكن { فأتمهن } في إحدى القراءتين ~~لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط ~~وتوان. ونحو { وإبرهيم الذى وفى } وفى الأخرى لله تعالى ~~بمعنى فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئا. ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر ~~الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله # رب اجعل هذا بلدا آمنا # البقرة 126، { واجعلنا مسلمين لك } ، { وابعث فيهم ~~رسولا منهم }. { ربنا تقبل منا } فإن قلت ما العامل ~~في إذ؟ قلت إما مضمر نحو واذكر إذ ابتلى أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت، وإما ~~{ قال إنى جعلك }. فإن قلت فما موقع قال؟ قلت هو على الأول ~~استئناف، كأنه قيل فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل قال إني جاعلك ~~للناس إماما. وعلى الثاني جملة معطوفة على ms0141 ما قبلها. ويجوز أن يكون ~~بيانا لقوله ابتلى وتفسيرا له فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة ~~وتطهير البيت ورفع قواعده. والإسلام قبل ذلك في قوله { إذ قال له ~~ربه أسلم } وقيل في الكلمات هن خمس في الرأس الفرق، وقص الشارب، ~~والسواك، والمضمضة والاستنشاق. وخمس في البدن الختان، والاستحداد، ~~والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط. وقيل ابتلاه من شرائع الإسلام ~~بثلاثين سهما عشر في براءة # التئبون العبدون # التوبة 122، وعشر في الأحزاب # إن المسلمين والمسلمت # الاحزاب 35، وعشر في المؤمنون، وسأل سائل إلى قوله # والذين هم على صلاتهم يحافظون # المعارج 34. وقيل هي مناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام ~~والتعريف وغيرهن. وقيل ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس والختان وذبح ابنه ~~والنار والهجرة. والإمام اسم من يؤتم به على زنة الإله، كالإزار لما ~~يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينهم { ومن ذريتى } عطف على الكاف، ~~كأنه قال وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك سأكرمك، فتقول وزيدا { لا ~~ينال عهدي الظلمين } وقرىء «الظالمون»، أي من كان ظالما من ~~ذريتك. # لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلا ~~بريئا من الظلم وقالوا في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة. وكيف ~~يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته. ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره، ولا ~~يقدم للصلاة. وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سرا بوجوب نصرة زيد بن ~~علي رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب ~~المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه. وقالت له امرأة أشرت على ~~ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل. فقال ~~ليتني مكان ابنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه لو أرادوا بناء مسجد ~~وأرادوني على عد آجره لما فعلت. وعن ابن عيينة لا يكون الظالم إماما ~~قط. وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة. فإذا نصب ~~من كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر من استرعى الذئب ظلم. و { ~~البيت } اسم غالب للكعبة، كالنجم للثريا { مثابة للناس } ~~مباءة ومرجعا ms0142 للحجاج والعمار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه ~~أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم { وأمنا } موضع أمن، كقوله # حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم # العنكبوت 67 ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج. وقرىء ~~«مثابات»، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم { سواء ~~العكف فيه والباد } { واتخذوا } على إرادة القول، أي ~~وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه. وهو على وجه الاختيار والاستحباب ~~دون الوجوب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 53 # " أنه أخذ بيد عمر فقال هذا مقام إبراهيم، فقال عمر أفلا نتخذه مصلى ~~يريد أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركا به وتيمنا بموطىء قدم إبراهيم ~~ فقال لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت» " # وعن جابر بن عبد الله 54 «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ~~ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، حتى إذا فرغ، عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى ~~خلفه ركعتين، وقرأ { واتخذوا من مقام إبرهيم مصلى } ~~وقيل مصلى مدعى. ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي ~~كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم. ~~وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل المطلب بن أبي وداعة هل تدري أين كان موضعه ~~الأول؟ قال نعم، فأراه موضعه اليوم. وعن عطاء { مقام إبرهيم ~~}عرفة والمزدلفة والجمار، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها. وعن النخعي ~~الحرم كله مقام إبراهيم. وقرىء «واتخذوا» بلفظ الماضي عطفا على «جعلنا» ~~أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته ~~عنده قبلة يصلون إليها { عهدنا } أمرناهما { أن طهرا بيتى } ~~بأن طهرا، أو أي طهرا. والمعنى طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب ~~والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم { ~~والعكفين } المجاورين الذين عكفوا عنده، أي أقاموا لا يبرحون، أو ~~المعتكفين. ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين في الصلاة، ~~كما قال # للطائفين والقائمين والركع السجود # الحج 26، والمعنى للطائفين والمصلين، لأن القيام والركوع والسجود هيآت ms0143 ~~المصلي. ### || [2.126] # أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان { بلدا آمنا } ذا أمن، كقوله # عيشة راضية # الحاقة21. أو آمنا من فيه، كقوله ليل نائم. و { من ءامن منهم } ~~بدل من أهله، يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة. { ومن كفر } عطف ~~على من آمن كما عطف { ومن ذريتى } على الكاف في جاعلك فإن قلت لم ~~خص إبراهيم صلوات الله عليه المؤمنين حتى رد عليه؟ قلت قاس الرزق على ~~الإمامة فعرف الفرق بينهما، لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح ~~للمرعى، وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق فإنه قد يكون ~~استدراجا للمرزوق وإلزاما للحجة له. والمعنى وأرزق من كفر فأمتعه. ~~ويجوز أن يكون { ومن كفر } مبتدأ متضمنا معنى الشرط. وقوله { ~~فأمتعه } جوابا للشرط، أي ومن كفر فأنا أمتعه. وقرىء «فأمتعه ~~فأضطره» فألزه إلى عذاب النار لز المضطر الذي لا يملك الامتناع مما اضطر ~~إليه، وقرأ أبي «فنمتعه قليلا ثم نضطره». وقرأ يحيى بن وثاب «فإضطره»، ~~بكسر الهمزة. وقرأ ابن عباس «فأمتعه قليلا ثم اضطره»، على لفظ ~~الأمر. والمراد الدعاء من إبراهيم دعا ربه بذلك. فإن قلت فكيف تقدير ~~الكلام على هذه القراءة؟ قلت في قال ضمير إبراهيم، أي قال إبراهيم بعد ~~مسئلته اختصاص المؤمنين بالرزق ومن كفر فأمتعه قليلا ثم اضطره. وقرأ ابن ~~محيصن «فأطره»، بإدغام الضاد في الطاء كما قالوا اطجع، وهي لغة مرذولة، ~~لأن الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم هي فيها ما يجاورها ولا تدغم هي ~~فيما يجاورها، وهي حروف «ضم شفر». ### || [2.127-129] # { يرفع } حكاية حال ماضية. و { القواعد } جمع قاعدة وهي الأساس ~~والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة. ومنه قعدك الله، أي ~~أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك. ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى ~~عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر. ~~ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ~~ويوضع فوقه. ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا فوق ساف ~~فقد رفع السافات. ms0144 ويجوز أن يكون المعنى وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت ~~ أي استوطأ يعني جعل هيئته القاعدة المستوطئة مرتفعة عالية ~~بالبناء، وروي أنه كان مؤسسا قبل إبراهيم فبنى على الأساس. وروي أن الله ~~تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي، ~~وقال لآدم عليه السلام أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه آدم ~~من أرض الهند إليه ماشيا، وتلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم، لقد ~~حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة ~~على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء ~~الرابعة فهو البيت المعمور، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرفه ~~جبريل مكانه. وقيل بعث الله سحابة أظلته ونودي أن ابن على ظلها لا تزد ~~ولا تنقص. وقيل بناه من خمسة أجبل طورسينا، وطورزيتا، ولبنان، والجودي، ~~وأسسه من حراء. وجاءه جبريل بالحجر الأسود من السماء. وقيل تمخض أبو قبيس ~~فانشق عنه، وقد خبىء فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتة بيضاء من الجنة، ~~فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسود. وقيل كان إبراهيم يبني وإسماعيل ~~يناوله الحجارة { ربنا } أي يقولان ربنا. وهذا الفعل في محل النصب ~~على الحال، وقد أظهره عبد الله في قراءته، ومعناه يرفعانها قائلين ربنا { ~~إنك أنت السميع } لدعائنا { العليم } بضمائرنا ونياتنا. ~~فإن قلت هلا قيل قواعد البيت، وأي فرق بين العبارتين؟ قلت في إبهام ~~القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد ~~الإبهام من تفخيم لشأن المبين { مسلمين لك } مخلصين لك أوجهنا، ~~من قوله # أسلم وجهه لله # البقرة112 أو مستسلمين. يقال أسلم له وسلم واستسلم، إذا خضع وأذعن. ~~والمعنى زدنا إخلاصا أو إذعانا لك. وقرىء «مسلمين» على الجمع، كأنهما ~~أرادا أنفسهما وهاجر، أو أجريا التثنية على حكم الجمع لأنها منه { ومن ~~ذريتنا } واجعل من ذريتنا { أمة مسلمة لك } و { من ~~} للتبعيض أو للتبيين، كقوله # وعد الله الذين ءامنوا منكم # النور 55. فإن ms0145 قلت لم خصا ذريتهما بالدعاء؟ قلت لأنهم أحق بالشفقة ~~والنصيحة # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # التحريم 6، ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم على ~~الخير. ألا ترى أن المقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد، ~~كيف يتسببون لسداد من وراءهم؟ وقيل أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم { وأرنا } منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرف. ولذلك لم يتجاوز ~~مفعولين، أي وبصرنا متعبداتنا في الحج، أو وعرفناها. وقيل مذابحنا. وقرىء ~~وأرنا بسكون الراء قياسا على فخذ في فخذ. وقد استرذلت، لأن الكسرة ~~منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها، فإسقاطها إجحاف. وقرأ أبو عمرو ~~بإشمام الكسرة. وقرأ عبد الله «وأرهم مناسكهم». { وتب علينا } ما ~~فرط منا من الصغائر أو استتابا لذريتهما { وابعث فيهم } في ~~الأمة المسلمة { رسولا منهم } من أنفسهم. وروى أنه قيل له قد ~~استجيب لك وهو في آخر الزمان، فبعث الله فيهم محمدا صلى الله عليه وسلم. ~~قال عليه الصلاة والسلام 55 # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ورؤيا أمي " # { يتلو عليهم ءايتك } يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من ~~دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك { ويعلمهم الكتب } القرآن { ~~والحكمة } الشريعة وبيان الأحكام { ويزكيهم } ويطهرهم من ~~الشرك وسائر الأرجاس، كقوله # ويحل لهم الطيبت ويحرم عليهم الخبئث # الاعراف157. ### || [2.130-131] # { ومن يرغب } إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق ~~الواضح الذي هو ملة إبراهيم. و { من سفه } في محل الرفع على البدل من ~~الضمير في يرغب، وصح البدل لأن من يرغب غير موجب، كقولك هل جاءك أحد ~~إلا زيد { سفه نفسه } امتهنها واستخف بها. وأصل السفه الخفة. ومنه ~~زمام سفيه. وقيل انتصاب النفس على التمييز، نحو غبن رأيه وألم رأسه. ~~ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله # ولا بفزارة الشعر الرقابا أجب الظهر ليس ~~له سنام # وقيل معناه سفه في نفسه، فحذف الجار، كقولهم زيد ظني مقيم، أي في ظني. ~~والوجه هو الأول. وكفى شاهدا له بما جاء في الحديث 56 # " الكبر أن تسفه ms0146 الحق وتغمص الناس " # وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه ~~وتعجيزها، حيث خالف بها كل نفس عاقبة { ولقد اصطفينه } بيان ~~لخطأ رأي من رغب عن ملته، لأن من جمع الكرامة عند الله في الدارين، بأن ~~كان صفوته وخيرته في الدنيا وكان مشهودا له بالاستقامة على الخير في ~~الآخرة، لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه { إذ قال } ظرف ~~لاصطفيناه، أي اخترناه في ذلك الوقت. أو انتصب بإضمار اذكر استشهادا على ~~ما ذكر من حاله. كأنه قيل اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي ~~لا يرغب عن ملة مثله. ومعنى قال له أسلم، أخطر بباله النظر في الدلائل ~~المؤدية إلى المعرفة والإسلام. و { قال أسلمت } أي فنظر وعرف، ~~وقيل أسلم أي أذعن وأطع. وروي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه ~~سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما قد علمنا أن الله تعالى قال في ~~التوراة إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ~~ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم، فنزلت. ### || [2.132] # قرىء وأوصى، وهي في مصاحف أهل الحجاز والشام. والضمير في { بهآ } ~~لقوله { أسلمت لرب العلمين } على تأويل الكلمة والجملة، ~~ونحوه رجوع الضمير في قوله # وجعلها كلمة بقية # الزخرف 28 إلى قوله # إننى براء مما تعبدون إلا الذى فطرنى # الزخرف 26-27 وقوله كلمة باقية. دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة { ~~ويعقوب } عطف على إبراهيم، داخل في حكمه. والمعنى ووصى بها يعقوب ~~بنيه أيضا. وقرىء «ويعقوب»، بالنصب عطفا على بنيه. ومعناه ووصى بها ~~إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب { أو يبني } على إضمار القول عند ~~البصريين. وعند الكوفيين يتعلق بوصى، لأنه في معنى القول. ونحوه قول ~~القائل # رجلان من ضبة أخبرانا إنا رأينا رجلا ~~عريانا # بكسر الهمزة فهو بتقدير القول عندنا. وعندهم يتعلق بفعل الإخبار. وفي ~~قراءة أبي وابن مسعود «أن يا بني» { اصطفى لكم الدين } ~~أعطاكم الدين الذي هو ms0147 صفوة الأديان وهو دين الإسلام. ووفقكم للأخذ به { ~~فلا تموتن } معناه فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على ~~الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، ~~كقولك لا تصل إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع ~~في حال صلاته. فإن قلت فأي نكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة وليس ~~بمنهى عنها؟ قلت النكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، ~~فكأنه قال أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة. ألا ترى إلى قوله ~~عليه الصلاة والسلام 57 # " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " # فإنه كالتصريح بقولك لجار المسجد لا تصل إلا في المسجد وكذلك المعنى ~~في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، ~~وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم. وتقول في ~~الأمر أيضا مت وأنت شهيد. وليس مرادك الأمر بالموت. ولكن بالكون على صفة ~~الشهداء إذا مات وإنما أمرته بالموت اعتدادا منك بميتته، وإظهارا ~~لفضلها على غيرها، وأنها حقيقة بأن يحث عليها. ### || [2.133] # { أم كنتم شهداء } هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار. ~~والشهداء جمع شهيد، بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ ~~حضره الموت، أي حين احتضر والخطاب للمؤمنين بمعنى ما شاهدتم ذلك وإنما ~~حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل الخطاب لليهود، لأنهم كانوا يقولون ~~ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه ~~وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية. ~~فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم أم كنتم شهداء؟ ولكن الوجه أن تكون ~~أم متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل أتدعون على الأنبياء ~~اليهودية؟ { أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت } ~~يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على ~~التوحيد وملة الإسلام، وقد علمتم ذلك، فما ms0148 لكم تدعون على الأنبياء ما هم ~~منه برآء؟ وقرىء «حضر» بكسر الضاد وهي لغة. { ما تعبدون } أي ~~شيء تعبدون؟ و { ما } عام في كل شيء فإذا علم فرق بما ومن، وكفاك ~~دليلا قول العلماء من لما يعقل. ولو قيل من تعبدون، لم يعم إلا أولي ~~العلم وحدهم. ويجوز أن يقال { ما تعبدون } سؤال عن صفة المعبود. ~~كما تقول ما زيد؟ تريد أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصفات؟ و { ~~إبرهيم وإسمعيل وإسحق } عطف بيان لآبائك. وجعل ~~إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه، لأن العم أب والخالة أم، لانخراطهما ~~في سلك واحد وهو الأخوة لا تفاوت بينهما. ومنه قوله عليهالصلاة و السلام ~~58 # " عم الرجل صنو أبيه " # أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وقال عليه الصلاة ~~والسلام في العباس 59 # " هذا بقية آبائي " # وقال 60 # " ردوا علي أبي، فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن ~~مسعود " # وقرأ أبي و«إله إبراهيم»، بطرح آبائك. وقرىء «أبيك». وفيه وجهان أن ~~يكون واحدا وإبراهيم وحده عطف بيان له، وأن يكون جمعا بالواو والنون. ~~قال # وفديننا بالأبينا # { إلها وحدا } بدل من إله آبائك، كقوله تعالى # بالناصية ناصية كذبة # العلق 15 16 أو على الاختصاص، أي نريد بإله آبائك إلها واحدا { ~~ونحن له مسلمون } حال من فاعل نعبد، أو من مفعوله، لرجوع ~~الهاء إليه في له. ويجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد، وأن تكون جملة ~~اعتراضية مؤكدة، أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون. ### || [2.134] # { تلك } إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما ~~الموحدون. والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا، ~~فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما ~~اكتسبتم. وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم. ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 61 # " يا بني هاشم، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم " # ، { ولا تسئلون عما كانوا يعملون } ولا تؤاخذون ~~بسيآتهم كما لا ms0149 تنفعكم حسناتهم. ### || [2.135] # { بل ملة إبرهيم } بل تكون ملة إبراهيم أي أهل ملته كقول ~~عدي بن حاتم 62 إني من دين يريد من أهل دين. وقيل بل نتبع ملة إبراهيم. ~~وقرىء ملة إبرهيم بالرفع، أي ملته ملتنا، أو أمرنا ملته، أو نحن ~~ملته بمعنى أهل ملته. و { حنيفا } حال من المضاف إليه، كقولك رأيت وجه ~~هند قائمة. والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. والحنف الميل في ~~القدمين. وتحنف إذا مال. وأنشد # ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفا ديننا عن كل ~~دين # { وما كان من المشركين } تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلا ~~منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك. ### || [2.136-137] # { وقولوا } خطاب للمؤمنين. ويجوز أن يكون خطاب للكافرين، أي وقولوا ~~لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله { بل ملة ~~إبرهم } يجوز أن يكون على بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم أو كونوا ~~أهل ملته. والسبط الحافد. وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { والاسباط } حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر { لا ~~نفرق بين أحد منهم } لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود ~~والنصارى. و { أحد } في معنى الجماعة. ولذلك صح دخول { بين } ~~عليه. { بمثل ما ءامنتم به } من باب التبكيت، لأن دين الحق ~~واحد لا مثل له وهو دين الإسلام # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # آل عمران185 فلا يوجد إذا دين آخر يماثل دين الإسلام في كونه حقا، حتى ~~إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين، فقيل فإن آمنوا بكلمة الشك ~~على سبيل الفرض والتقدير، أي فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم مساويا له ~~في الصحة والسداد فقد اهتدوا. وفيه أن دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه ~~مغاير له غير مماثل، لأنه حق وهدى وما سواه باطل وضلال.ونحو هذا قولك ~~للرجل الذي تشير عليه هذا هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه ~~فاعمل به، وقد علمت أن لا أصوب من رأيك. ولكنك تريد تبكيت صاحبك، وتوقيفه ~~على ms0150 أن ما رأيت لا رأي وراءه. ويجوز أن لا تكون الباء صلة وتكون باء ~~الاستعانة، كقولك كتبت بالقلم، وعملت بالقدوم أي فإن دخلوا في الإيمان ~~بشهادة مثل شهادتكم التي آمنتم بها. وقرأ ابن عباس وابن مسعود «بما آمنتم ~~به» وقرأ أبي «بالذي آمنتم به» { وإن تولوا } عما تقولون لهم ~~ولم ينصفوا فما هم إلا { فى شقاق } أي في مناوأة ومعاندة لا غير، ~~وليسوا من طلب الحق في شيء. أو وإن تولوا عن الشهادة والدخول في الإيمان ~~بها { فسيكفيكهم الله } ضمان من الله لإظهار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليهم، وقد أنجز وعده بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني ~~النضير. ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين { وهو ~~السميع العليم } وعيد لهم، أي يسمع ما ينطقون به، ويعلم ما ~~يضمرون من الحسد والغل وهو معاقبهم عليه. أو وعد لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمعنى يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين ~~الحق، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. ### || [2.138] # { صبغة الله } مصدر مؤكد منتصب على قوله { آمنا بالله } كما ~~انتصب { وعد الله } عما تقدمه، وهي فعلة من صبغ، كالجلسة من جلس، ~~وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ والمعنى تطهير الله، لأن الإيمان يطهر ~~النفوس. والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه ~~المعمودية، ويقولون هو تطهير لهم، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال ~~الآن صار نصرانيا حقا، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم { قولوا ~~ءامنا بالله } وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهرنا ~~به تطهيرا لا مثل تطهيرنا. أو يقول المسلمون. صبغنا الله بالإيمان صبغته ~~ولم نصبغ صبغتكم. وإنما جيء بلفظ الصبغة على طريقة المشاكلة، كما تقول ~~لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع الكرم { ومن ~~أحسن من الله صبغة } يعني أنه يصبغ عباده بالإيمان. ويطهرهم ~~به من أوضار الكفر فلا صبغة أحسن من صبغته. وقوله { ونحن له ~~عبدون } عطف على { آمنا بالله }. وهذا العطف ms0151 يرد قول من زعم أن { ~~صبغة الله } بدل من { ملة إبرهيم } أو نصب على الإغراء ~~بمعنى عليكم صبغة الله، لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه ~~واتساقه، وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما ~~قالت حذام. ### || [2.139-141] # قرأ زيد بن ثابت «اتحاجونا» بإدغام النون. والمعنى اتجادلوننا في ~~شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون لو أنزل الله على أحد ~~لأنزل علينا، وترونكم أحق بالنبوة منا { وهو ربنا وربكم } ~~نشترك جميعا في أننا عباده، وهو ربنا، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء ~~من عباده، هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلا ~~للكرامة { ولنا أعملنا ولكم أعملكم } يعني أن ~~العمل هو أساس الأمر وبه العبرة، وكما أن لكم أعمالا يعتبرها الله في ~~إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك. ثم قال { ونحن له مخلصون } ~~فجاء بما هو سبب الكرامة، أي ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان فلا تستبعدوا ~~أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة، وكانوا يقولون نحن أحق بأن تكون ~~النبوة فينا، لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان { أم تقولون } ~~يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون أم معادلة للهمزة في { أتحاجوننا } ~~بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية ~~والنصرانية على الأنبياء؟ والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معا، وأن ~~تكون منقطعة بمعنىبل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضا، وفيمن قرأ بالياء ~~لا تكون إلا منقطعة { قل ءأنتم أعلم أم الله } يعني أن ~~الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله # ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما # آل عمران 67. { ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من ~~الله } أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم ~~بالحنيفية. ويحتمل معنيين أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم، لأنهم ~~كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها. والثاني أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم ~~يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ms0152 بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته. ومن في قوله { ~~شهدة عنده من الله } مثلها في قولك هذه شهادة مني لفلان ~~إذا شهدت له، ومثله # براءة من الله ورسوله # التوبة 1. ### || [2.142-143] # { سيقول السفهاء } الخفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه ~~إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ. وقيل المنافقون، لحرصهم على الطعن ~~والاستهزاء. وقيل المشركون، قالوا رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، والله ~~ليرجعن إلى دينهم. فإن قلتأي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت ~~فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب ~~إذا وقع لما يتقدمه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه ~~أقطع للخصم وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم { ما ولهم } ما ~~صرفهم { عن قبلتهم } وهي بيت المقدس { لله المشرق ~~والمغرب } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها { يهدى من ~~يشآء } من أهلها { إلى صرط مستقيم } وهو ما توجبه الحكمة ~~والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة { ~~وكذلك جعلنكم } ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم { أمة ~~وسطا } خيارا، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء. ولذلك استوى فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ونحوه قوله عليه السلام 63 # " وأنطوا الثبجة " # يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء وصفا بالثج وهو وسط الظهر، إلا ~~أنه ألحق تاء التأنيث مراعاة لحق الوصف. وقيل للخيار وسط لأن الأطراف ~~يتسارع إليها الخلل، والأعوار والأوساط محمية محوطة. ومنه قول الطائي # كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث ~~حتى أصبحت طرفا # وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج فقال أعطني من سطاتهنه، أراد من خيار ~~الدنانير. أو عدولا، لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من ~~بعض { لتكونوا شهداء على الناس } روي 64 أن الأمم يوم ~~القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم ~~قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون، فتقول ~~الأمم من أين عرفتم؟ فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على ~~لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم ms0153 فيسأل عن حال أمته، ~~فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # النساء 41. فإن قلت فهلا قيل لكم شهيدا وشهادته لهم لا عليهم. قلت لما ~~كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له، جيء بكلمة الاستعلاء. ومنه ~~قوله تعالى # والله على كل شىء شهيد # المجادلة 7، # كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شىء شهيد # المائدة 17. وقيل لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا ~~بشهادة العدول الأخيار { ويكون الرسول عليكم شهيدا } ~~يزكيكم ويعلم بعدالتكم، فإن قلت لم أخرت صلة الشهادة أولا وقدمت آخرا؟ ~~قلت لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم ~~بكون الرسول شهيدا عليهم { التى كنت عليها } ليست بصفة للقبلة ~~إنما هي ثاني مفعولي جعل. # يريد وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة ~~بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فيقول وما ~~جعلنا القبلة التي تجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولا بمكة، ~~يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء { لنعلم } الثابت ~~على الإسلام الصادق فيه، ممن هو على حرف ينكص { على عقبيه } ~~لقلقه فيرتد كقوله { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا } الآية. ويجوز أن يكون بيانا للحكمة في جعل بيت ~~المقدس قبلته. يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت ~~المقدس كان أمرا عارضا لغرض. وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها ~~قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ~~منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. وعن ابن عباس رضي الله عنه 65 كانت قبلته ~~بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه فإن قلت كيف قال { ~~لنعلم } ولم يزل عالما بذلك؟ قلت معناه لنعلمه علما يتعلق به ~~الجزاء، وهو أن يعلمه موجودا حاصلا ونحوه # ولما يعلم الله الذين جهدوا ms0154 منكم ويعلم ~~الصبرين # التوبة 16. وقيل ليعلم رسول الله والمؤمنون. وإنما أسند علمهم إلى ~~ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده. وقيل معناه لنميز التابع من الناكص، ~~كما قال # ليميز الله الخبيث من الطيب # الأنفال 37 فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز به { ~~وإن كانت لكبيرة } هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة. ~~والضمير في { كانت } لما دل عليه قوله { وما جعلنا القبلة ~~التى كنت عليها } من الردة، أو التحويلة، أو الجعلة. ويجوز أن ~~يكون للقبلة { لكبيرة } لثقيلة شاقة { إلا على الذين هدى ~~الله } إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول الذين لطف الله بهم ~~وكانوا أهلا للطفه { وما كان الله ليضيع إيمنكم } أي ~~ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعد ~~لكم الثواب العظيم. ويجوز أن يراد وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن ~~تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم. وقيل من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل ~~فصلاته غير ضائعة. عن ابن عباس رضي الله عنه 66 لما وجه رسول الله إلى ~~الكعبة قالوا كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت. { لرؤوف ~~رحيم } لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم. ويحكى عن الحجاج أنه قال ~~للحسن ما رأيك في أبي تراب، فقرأ قوله { إلا على الذين هدى ~~الله } ثم قال وعلي منهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم. وقرىء «إلا ليعلم» على ~~البناء للمفعول. ومعنى العلم المعرفة. ويجوز أن تكون من متضمنة لمعنى ~~الاستفهام معلقا عنها العلم، كقولك علمت أزيد في الدار أم عمرو. وقرأ ~~ابن أبي إسحاق «على عقبيه» بسكون القاف. وقرأ اليزيدي «لكبيرة» بالرفع. ~~ووجهها أن تكون كان مزيدة، كما في قولهوجيران لنا كانوا كرام ~~والأصل وإن هي لكبيرة كقولك إن زيد لمنطلق ثم وإن كانت لكبيرة وقرىء ~~«ليضيع» بالتشديد. ### || [2.144-145] # { قد نرى } ربما نرى، ومعناه كثرة الرؤية، كقوله # قد أترك القرن مصفرا أنامله # { تقلب وجهك } تردد وجهك وتصرف نظرك في ms0155 جهة السماء. وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لأنها قبلة ~~أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ~~ولمخالفة اليهود فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل { ~~فلنولينك } فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها، من قولك وليته ~~كذا. إذا جعلته واليا له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس { ~~ترضاها } تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت ~~مشيئة الله وحكمته { شطر المسجد الحرام } نحوه. قال # وأظعن بالقوم شطر الملوك # وقرأ أبي «تلقاء المسجد الحرام». وعن البراء بن عازب 67 قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه ~~إلى الكعبة وقيل 68 كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين ~~من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وحول الرجال مكان ~~النساء والنساء مكان الرجال، فسمى المسجد مسجد القبلتين. و { شطر ~~المسجد } نصب على الظرف، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في ~~جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد. وذكر المسجد ~~الحرام دون الكعبة دليل في أن الواجب مراعاة الجهة دون العين { ~~ليعلمون أنه الحق } أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه ~~كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلي إلى القبلتين { يعملون ~~} قرىء بالياء والتاء { ما تبعوا } جواب القسم المحذوف سد مسد ~~جواب الشرط. { بكل ءاية } بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو ~~الحق، ما تبعوا { قبلتك } لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها ~~بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك ~~أنك على الحق { وما أنت بتابع قبلتهم } حسم لأطماعهم إذ ~~كانوا ماجوا في ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا ~~الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. وقرىء «بتابع قبلتهم» على ~~الإضافة { وما بعضهم بتابع ms0156 قبلة بعض } يعني أنهم مع ~~اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى ~~موافقتهم لك. وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس. ~~أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل ~~عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في ~~عناده. وقوله { ولئن اتبعت أهواءهم } بعد الإفصاح عن حقيقة ~~حاله المعلومة عنده في قوله { وما أنت بتابع قبلتهم } كلام وارد على سبيل ~~الفرض والتقدير، بمعنى ولئن اتبعتم مثلا بعد وضوح البرهان والإحاطة ~~بحقيقة الأمر { إنك إذا لمن الظلمين } المرتكبين الظلم ~~الفاحش. وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير. واستفظاع لحال من يترك ~~الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق. فإن قلت ~~كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ ~~قلت كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في ~~البطلان قبلة واحدة. ### || [2.146-148] # { يعرفونه } يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية ~~يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص { كما يعرفون ~~أبناءهم } لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم. وعن عمر رضي الله ~~عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنا ~~أعلم به مني بابني. قال ولم؟ قال لأني لست أشك في محمد أنه نبي. فأما ~~ولدي، فلعل والدته خانت، فقبل عمر رأسه. وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر ~~لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع. ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم ~~وإشعار بأنه لشهرته وكونه علما معلوما بغير إعلام. وقيل الضمير للعلم ~~أو القرآن أو تحويل القبلة. وقوله كما يعرفون أبناءهم يشهد للأول وينصره ~~الحديث عن عبد الله بن سلام. فإن قلت لم اختص الأبناء؟ قلت لأن الذكور ~~أشهر وأعرف، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق. وقال { فريقا منهم } ~~استثناء لمن آمن منهم، أو لجهالهم الذينقال الله تعالى فيهم # ومنهم أميون لا يعلمون الكتب # البقرة78. { الحق ms0157 من ربك } يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ ~~محذوف. أي هو الحق. أو مبتدأ خبره من ربك وفيه وجهان أن تكون اللام ~~للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ~~إلى الحق الذي في قوله ليكتمون الحق. أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ~~ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره. يعني أن الحق ما ~~ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل ~~الكتاب فهو الباطل. فإن قلت إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل من ربك؟ قلت ~~يجوز أن يكون خبرا بعد خبر، وأن يكون حالا. وقرأ علي رضي الله عنه ~~«الحق من ربك». على الإبدال من الأول، أي يكتمون الحق، الحق من ربك، { ~~فلا تكونن من الممترين } الشاكين في كتمانهم الحق مع ~~علمهم، أوفي أنه من ربك { ولكل } من أهل الأديان المختلفة { وجهة ~~} قبلة. وفي قراءة أبي «ولكل قبلة» { هو موليها } وجهه، فحذف أحد ~~المفعولين. وقيل هو لله تعالى، أي الله موليها إياه. وقرىء «ولكل وجهة» ~~على الإضافة. والمعنى وكل وجهة الله موليها، فزيدت اللام لتقدم ~~المفعول كقولك لزيد ضربت ولزيد أبوه ضاربه. وقرأ ابن عامر «هو مولاها» أي ~~هو مولى تلك الجهة وقد وليها. والمعنى لكل أمة قبلة تتوجه إليها، منكم ~~ومن غيركم { فاستبقوا } أنتم { الخيرات } واستبقوا إليها غيركم ~~من أمر القبلة وغيره. ومعنى آخر وهو أن يراد ولكل منكم يا أمة محمد وجهة ~~أي جهة يصلى إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية فاستبقوا الخيرات ~~{ أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا } للجزاء من ~~موافق ومخالف لا تعجزونه. ويجوز أن يكون المعنى فاستبقوا الفاضلات من ~~الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت، أينما تكونوا من الجهات ~~المختلفة يأت بكم الله جميعا يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، ~~وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام. ### || [2.149-154] # { ومن حيث خرجت } أي ومن أي بلد خرجت للسفر { فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام ms0158 } إذا صليت { وإنه } وإن هذا المأمور ~~به. وقرىء «تعملون» بالتاء والياء. وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة ~~وتشديده، لأن النسخ من مظان الفتنة والشهبة وتسويل الشيطان والحاجة إلى ~~التفصلة بينه وبين البداء، فكرر عليهم ليثبتوا ويعزموا ويجدوا، ولأنه ~~نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها { إلا الذين ~~ظلموا } استثناء من الناس، ومعناه، لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا ~~للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين ~~قومه وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء. فإن قلت أي حجة ~~كانت تكون للمنصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال ~~بحجة المعاندين؟ قلت كانوا يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم ~~كما هو مذكور في نعته في التوراة؟ فإن قلت كيف أطلق اسم الحجة على قول ~~المعاندين؟ قلت لأنهم يسوقونه سياق الحجة. ويجوز أن يكون المعنى لئلا ~~يكون للعرب عليكم حجة واعتراض في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة ~~إبراهيم وإسماعيل أبي العرب، إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة حين ~~يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم. وقرأ زيد ~~بن علي رضي الله عنهما «ألا الذين ظلموا منهم»، على أن ألا للتنبيه ووقف ~~على حجة، ثم استأنف منبها { فلا تخشوهم } فلا تخافوا مطاعنهم في ~~قبلتكم فإنهم لا يضرونكم { واخشونى } فلا تخالفوا أمري وما رأيته ~~مصلحة لكم. ومتعلق اللام محذوف، معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي ~~اهتداءكم أمرتكم بذلك أو يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل واخشوني لأوفقكم ~~ولأتم نعمتي عليكم. وقيل هو معطوف على لئلا يكون. وفي الحديث 69 # " تمام النعمة دخول الجنة " # وعن علي رضي الله عنه تمام النعمة الموت على الإسلام. { كما ~~أرسلنا } إما أن يتعلق بما قبله، أي ولأتم نعمتي عليكم في الآخرة ~~بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده أي كما ~~ذكرتكم بإرسال الرسول { فاذكرونى } بالطاعة { أذكركم } ~~بالثواب { واشكروا لي } ما أنعمت به عليكم ms0159 { ولا تكفرون } ~~ولا تجحدوا نعمائي. { أموات بل أحياء } هم أموات بل هم أحياء { ~~ولكن لا تشعرون } كيف حالهم في حياتهم. وعن الحسن أن الشهداء ~~أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما ~~تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيا، فيصل إليهم الوجع. وعن مجاهد ~~يرزقون ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها. وقالوا يجوز أن يجمع الله من ~~أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة. ~~وقيل نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر. ### || [2.155-158] # { ولنبلونكم } ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر ~~لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر ~~الله وحكمه أم لا؟ { بشىء } بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف ~~منه { وبشر الصبرين } المسترجعين عند البلاء لأن الاسترجاع ~~تسليم وإذعان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 70 # " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا ~~صالحا يرضاه ". # وروي 71 أنه طفىء سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إنا لله وإنا ~~إليه راجعون» فقيل أمصيبة هي؟ قال «نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له ~~مصيبة»، وإنما قلل في قوله بشيء ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ~~ففوقه ما يقل إليه، وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا ~~تزايلهم وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليوطنوا عليه نفوسهم. نقص عطف على شيء ~~أو على الخوف، بمعنى وشيء من نقص الأموال. والخطاب في بشر لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه البشارة. وعن الشافعي رحمه الله في ~~الخوف خوف الله. والجوع صيام شهر رمضان والنقص من الأموال الزكوات ~~والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 72 # " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون ~~نعم، فيقول أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون نعم، فيقول الله تعالى ماذا قال ~~عبدي؟ فيقولون حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى ms0160 ابنوا لعبدي بيتا في ~~الجنة وسموه بيت الحمد ". # والصلاة الحنو والتعطف، فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة. ~~كقوله تعالى # رأفة ورحمة # الحديد 27، # رءوف رحيم # التوبة 117. والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة. ورحمة أي رحمة. { ~~وأولئك هم المهتدون } لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا ~~لأمر الله. والصفا والمروة علمان للجبلين، كالصمان والمقطم، والشعائر جمع ~~شعيرة وهي العلامة، أي من أعلام مناسكه ومتعبداته، والحج للقصد. ~~والاعتمار الزيارة، فغلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما ~~في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان. وأصل { يطوف } يتطوف فأدغم. ~~وقرىء «أن يطوف» من طاف. فإن قلت كيف قيل إنهما من شعائر الله ثم قيل لا ~~جناح عليه أن يطوف بهما؟ قلت كان على الصفا أساف، وعلى المروة نائلة، ~~وهما صنمان، يروىأنهما كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين ~~فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله، فكان أهل ~~الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون ~~الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن لا يكون عيهم جناح في ذلك، فرفع ~~عنهم الجناح. # واختلف في السعي، فمن قائل هو تطوع بدليل رفع الجناح وما فيه من ~~التخيير بين الفعل والترك، كقوله # فلا جناح عليهما أن يتراجعا # البقرة 230، وغير ذلك، ولقوله { ومن تطوع خيرا } كقوله # فمن تطوع خيرا فهو خير له # البقرة 184. ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن ~~مسعود فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه واجب ~~وليس بركن وعلى تاركه دم. وعند الأولين لا شيء عليه. وعند مالك والشافعي ~~هو ركن، لقوله عليه السلام 73 # " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " # وقرىء «ومن يطوع». بمعنى ومن يتطوع، فأدغم. وفي قراءة عبد الله «ومن ~~يتطوع بخير». ### || [2.159] # { إن الذين يكتمون } من أحبار اليهود { ما أنزلنا } ~~في التوراة { من البينت } من الآيات الشاهدة على أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم { والهدى } والهداية بوصفه إلى اتباعه و ~~الإيمان به { من بعدما بينه } ولخصناه { للناس ms0161 في ~~الكتاب } في التوراة، لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد ~~منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس { ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللعنون } الذين ~~يتأتى منهم اللعن عليهم وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين. ### || [2.160] # { وأصلحوا } ما أفسدوا من أحوالهم، وتداركوا ما فرط منهم { ~~وبينوا } ما بينه الله في كتابهم فكتموه، أو بينوا للناس ما أحدثوه ~~من توبتهم ليمحوا سمة الكفر عنهم، ويعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به، ~~ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين. ### || [2.161-163] # { إن الذين كفروا } يعني الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم ~~يتوبوا، ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتا. وقرأ الحسن «والملائكة ~~والناس أجمعون»، بالرفع عطفا على محل اسم الله، لأنه فاعل في التقدير، ~~كقولك عجبت من ضرب زيد وعمرو، تريد من أن ضرب زيد وعمرو، كأنه قيل أولئك ~~عليهم أن لعنهم الله والملائكة. فإن قلت ما معنى قوله { والناس ~~أجمعين } وفي الناس المسلم والكافر. قلت أراد بالناس من يعتد بلعنه ~~وهم المؤمنون. وقيل يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا { خلدين فيها } ~~في اللعنة. وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا { ~~ولا هم ينظرون } من الإنظار أي لا يمهلون ولا يؤجلون، أو لا ~~ينتظرون ليعتذروا.أولا ينظر إليهم نظر رحمة. { إله وحد } فرد في ~~الإلهية لا شريك له فيها ولا يصح أن يسمى غيره إلها. و { لا ~~إله إلا هو } تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته { ~~الرحمن الرحيم } المولى لجميع النعم أصولها وفروعها، ولا شيء ~~سواه بهذه الصفة، فإن كل ما سواه إما نعمة وإما منعم عليه. وقيل كان ~~للمشركين حول الكعبة ثلثمائة وستون صنما، فلما سمعوا بهذه الآية تعجبوا ~~وقالوا إن كنت صادقا فأت بآية نعرف بها صدقك فنزلت. ### || [2.164] # { إن في خلق السموت والأرض واختلف الليل ~~والنهار } واعتقابهما لأن كل واحد منهما يعقب الآخر، كقوله # جعل اليل والنهار خلفة # الفرقان 62 { بما ينفع الناس } بالذي ينفعهم مما يحمل فيها أو ~~ينفع الناس. فإن قلت قوله { وبث فيها } عطف على أنزل أم أحيا؟ قلت ms0162 ~~الظاهر أنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة، لأن قوله فأحيا به الأرض ~~عطف على أنزل، فاتصل به وصارا جميعا كالشيء الواحد، فكأنه قيل وما أنزل ~~في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة. ويجوز عطفه على أحيا على معنى ~~فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة لأنهم ينمون بالخصب ويعيشون ~~بالحيا. { وتصريف الرياح } في مهابها قبولا، ودبورا، وجنوبا، ~~وشمالا. وفي أحوالها حارة، وباردة، وعاصفة، ولينة. وعقما، ولواقح. ~~وقيل تارة بالرحمة، وتارة بالعذاب { والسحاب المسخر } سخر ~~للرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء { لآيت لقوم ~~يعقلون } ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، لأنها دلائل على عظيم ~~القدرة وباهر الحكمة. وعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم 74 # " ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها " # أي لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. وقرىء «الفلك» بضمتين، «وتصريف ~~الريح»، على الإفراد. ### || [2.165-167] # { أندادا } أمثالا من الأصنام. وقيل من الرؤساء الذين كانوا ~~يتبعونهم ويطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم. واستدل بقوله { إذ ~~تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا }. ومعنى { ~~يحبونهم } يعظمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب { كحب الله } ~~كتعظيم الله والخضوع له، أي كما يحب الله تعالى، على أنه مصدر من المبني ~~للمفعول، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه لأنه غير ملبس. وقيل كحبهم الله، ~~أي يسوون بينه وبينهم في محبتهم لأنهم كانوا يقرون بالله ويتقربون ~~إليه. فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين { أشد حبا ~~لله } لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره بخلاف المشركين فإنهم يعدلون عن ~~أندادهم إلى الله عند الشدائد فيفزعون إليه ويخضعون له ويجعلونهم وسائط ~~بينهم وبينه، فيقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانا ثم ~~يرفضونه إلى غيره، أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عام المجاعة ~~{ الذين ظلموا } إشارة إلى متخذي الأنداد أي لو يعلم هؤلاء الذين ~~ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم أن القدرة كلها لله على كل شيء من العقاب ~~والثواب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم ~~القيامة، لكان ms0163 منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة ووقوع العلم ~~بظلمهم وضلالهم، فحذف الجواب كما في قوله # ولو ترى إذ وقفوا # الأنعام 27، وقولهم لو رأيت فلانا والسياط تأخذه. وقرىء «ولو ترى» ~~بالتاء على خطاب الرسول أو كل مخاطب، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما. ~~وقرىء «إذ يرون» على البناء للمفعول. وإذ في المستقبل كقوله # ونادى أصحب الجنة # الأعراف 44. { إذ تبرأ } بدل من { إذ يرون العذاب } أي ~~تبرأ المتبوعون وهم الرؤساء من الأتباع. وقرأ مجاهد الأول على البناء ~~للفاعل والثاني على البناء للمفعول، أي تبرأ الأتباع من الرؤوساء { ~~ورأوا العذاب } و الواو للحال، أي تبرؤا في حال رؤيتهم العذاب { ~~وتقطعت } عطف على تبرأ. و { الأسباب } الوصل التي كانت بينهم ~~من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب، والمحاب، والأتباع، والاستتباع، ~~كقوله # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94 { لو } في معنى التمني. ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به ~~التمني، كأنه قيل ليت لنا كرة، فنتبرأ منهم { كذلك } مثل ذلك الإراء ~~الفظيع { يريهم الله أعملهم حسرت } أي ندامات، وحسرات ~~ثالث مفاعيل أرى، ومعناه أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون إلا ~~حسرات مكان أعمالهم { وما هم بخرجين } هم بمنزلته في قوله # هم يفرشون اللبد كل طمرة # في دلالته على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لا على الاختصاص. ### || [2.168-169] # { حلالا } مفعول كلوا، أو حال مما في الأرض { طيبات } طاهرا من ~~كل شبهة { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } فتدخلوا في حرام، ~~أو شبهة، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، و من للتبعيض لأن كل ما في الأرض ~~ليس بمأكول. وقرىء «خطوات» بضمتين، و«خطوات» بضمة وسكون، و«خطؤات» بضمتين ~~وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو، و«خطوات» بفتحتين و«خطوات» ~~بفتحة وسكون. والخطوة المرة من الخطو. والخطوة ما بين قدمي الخاطي. وهما ~~كالغرفة والغرفة، والقبضة والقبضة. يقال اتبع خطواته، ووطىء على عقبه إذا ~~اقتدى به واستن بسنته { مبين } ظاهر العداوة لا خفاء به { إنما ~~يأمركم } بيان لوجوب الإنهاء عن اتباعه وظهور عداوته. أي لا يأمركم ~~بخير قط إنما ms0164 يأمركم { بالسوء } بالقبيح { والفحشاء } وما يتجاوز ~~الحد في القبح من العظائم، وقيل السوء ما لا حد فيه. والفحشاء ما يجب ~~الحد فيه { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } وهو ~~قولكم هذا حلال وهذا حرام، بغير علم. ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله ~~تعالى مما لا يجوز عليه. فإن قلت كيف كان الشيطان آمرا مع قوله # ليس لك عليهم سلطن # الحجر 42 قلت شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول أمرتني ~~نفسي بكذا. وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم ~~وساوسه ولذلك قال # ولامرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم ~~ولامرنهم فليغيرن خلق الله # النساء 119 وقال الله تعالى # إن النفس لأمارة بالسوء # يوسف 53 لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت. ### || [2.170-171] # { لهم } الضمير للناس. وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء ~~على ضلالهم، لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء انظروا إلى ~~هؤلاء الحمقى ماذا يقولون قيل هم المشركون. وقيل هم طائفة من اليهود ~~دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقالوا { بل نتبع ~~ما ألفينا عليه ءاباءنا } فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم. ~~وألفينا بمعنى وجدنا، بدليل قوله # بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا # لقمان 21. { أو لو كان ءاباؤهم } الواو للحال، والهمزة بمعنى ~~الرد والتعجيب، معناه أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من ~~الدين ولا يهتدون للصواب. لا بد من مضاف محذوف تقديره ومثل داعي الذين ~~كفروا { كمثل الذى ينعق } أو ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ~~ينعق. والمعنى ومثل داعيهم إلى الإيمان - في أنهم لا يسمعون من الدعاء ~~إلا جرس النغمة ودوي الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار - كمثل ~~الناعق بالبهائم، التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها ~~وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعي، كما يفهم العقلاء ويعون. ويجوز أن ~~يراد بما لا يسمع الأصم الأصلخ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه ~~إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف. ms0165 وقيل معناه ومثلهم في ~~اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ~~ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم ~~على حق أم باطل؟ وقيل معناه ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا ~~يسمع، إلا أن قوله { إلا دعاء نداء } لا يساعد عليه، لأن ~~الأصنام لا تسمع شيئا، والنعيق التصويت. يقال نعق المؤذن، ونعق الراعي ~~بالضأن. قال الأخطل # فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في ~~الخلاء ضلالا # وأما نفق الغراب فبالغين المعجمة { صم } هم صم، وهو رفع على الذم. ### || [2.172] # { من طيبات ما رزقنكم } من مستلذاته، لأن كل ما رزقه ~~الله لا يكون إلا حلالا { واشكروا لله } الذي رزقكموها { إن ~~كنتم إياه تعبدون } إن صح أنكم تخصونه بالعبادة. وتقرون ~~أنه مولى النعم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 75 # " يقول الله تعالى إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق، ويعبد غيري ~~وأرزق ويشكر غيري ". ### || [2.173] # قرىء «حرم» على البناء للفاعل، و«حرم» على البناء للمفعول، ~~و«حرم» بوزن كرم { أهل به لغير الله } أي رفع به الصوت ~~للصنم، وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى { غير باغ } على ~~مضطر آخر بالاستيثار عليه { ولا عاد } سد الجوعة. فإن قلت في ~~الميتات ما يحل وهو السمك والجراد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 76 # " أحلت لنا ميتتان ودمان " # قلت قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة. ألا ترى أن القائل إذا ~~قال أكل فلان ميتة، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال أكل ~~دما، لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا من حلف ~~لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث- وإن أكل لحما في الحقيقة، قال الله ~~تعالى # لتأكلوا منه لحما طريا # النحل 14 وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث - وإن سماه ~~الله تعالى دابة في قوله # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا # الأنفال 55. فإن قلت فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟ قلت ms0166 لأن الشحم ~~داخل في ذكر اللحم، لكونه تابعا له و صفه فيه، بدليل قولهم لحم سمين، ~~يريدون أنه شحيم. ### || [2.174-176] # { في بطونهم } ملء بطونهم. يقال أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض ~~بطنه { إلا النار } لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبه ~~عليه، فكأنه أكل النار، ومنه قولهم أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي ~~بدل منه. قال # أكلت دما إن لم أرعك بضرة # وقال # يأكلن كل ليلة إكافا # راد ثمن الإكاف، فسماه إكافا لتلبسه بكونه ثمنا له { ولا ~~يكلمهم الله } تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله ~~إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم. وقيل نفي الكلام عبارة عن غضبه ~~عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه. وقيل لا يكلمهم بما يحبون، ~~ولكن بنحو قوله # اخسئوا فيها ولا تكلمون # المؤمنون 108. { فما أصبرهم على النار } تعجب من حالهم في ~~التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرض لما ~~يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا ~~من هو شديد الصبر على العذاب. وقيل فما أصبرهم، فأي شيء صبرهم. يقال ~~أصبره على كذا وصبره بمعنى. وهذا أصل معنى فعل التعجب. والذي روي عن ~~الكسائي أنه قال قال لي قاضي اليمن بمكة اختصم إلي رجلان من العرب فحلف ~~أحدهما على حق صاحبه فقال له ما أصبرك على الله، فمعناه ما أصبرك على ~~عذاب الله { ذلك بأن الله نزل } أي ذلك العذاب بسبب أن ~~الله نزل ما نزل من الكتب بالحق { وإن الذين اختلفوا } في ~~كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل وهم أهل الكتاب { لفى ~~شقاق } لفي خلاف { بعيد } عن الحق، والكتاب للجنس، أو كفرهم ذلك ~~بسبب أن الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه من ~~المشركين -فقال بعضهم سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم أساطير- لفي شقاق بعيد. ~~يعني أن أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا. ### || [2.177-179] # { البر اسم للخير ولكل فعل مرضي ms0167 { أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب } الخطاب لأهل الكتاب لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت ~~المقدس، والنصارى قبل المشرق. وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين ~~حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين ~~أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم. وقيل ليس البر فيما أنتم عليه ~~فإنه منسوخ خارج من البر، ولكن البر ما نبينه. وقيل كثر خوض المسلمين ~~وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا ~~بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به ~~وصرف الهمة بر من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرىء «وليس البر» - بالنصب ~~على أنه خبر مقدم - وقرأ عبد الله «بأن تولوا»، على إدخال الباء على ~~الخبر للتأكيد كقولك ليس المنطلق بزيد { ولكن البر من ~~ءامن بالله } على تأويل حذف المضاف، أي بر من آمن، أو بتأول البر ~~بمعنى ذي البر، أو كما قالت. # فإنما هي إقبال وإدبار # وعن المبرد لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت ولكن البر، بفتح الباء. ~~وقرىء «ولكن البار». وقرأ ابن عامر ونافع ولكن البر بالتخفيف { ~~والكتب } جنس كتب الله، أو القرآن { على حبه } مع حب المال ~~والشح به، كما قال ابن مسعود أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى ~~الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا. وقيل ~~على حب الله. وقيل على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه. ~~وقدم ذوي القربى لأنهم أحق. قال عليه الصلاة والسلام 78 # " صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة " # وقال عليه الصلاة والسلام 79 # " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ". # وأطلق { ذوى القربى واليتمى } والمراد الفقراء منهم لعدم ~~الإلباس. والمسكين الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالمسكير ~~للدائم السكر و { ابن * السبيل } المسافر المنقطع. وجعل ابنا ~~للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع ابن الطريق. وقيل هو الضيف، ~~لأن السبيل يرعف ms0168 به { والسائلين } المستطعمين. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 80 # " للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه " # { وفي الرقاب } وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل في ~~ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل في فك الأسارى. فإن قلت قد ذكر إيتاء المال ~~في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دل ذلك على أن في المال حقا ~~سوى الزكاة؟ قلت يحتمل ذلك. وعن الشعبي أن في المال حقا سوى الزكاة، ~~وتلا هذه الآية. # ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثا على نوافل الصدقات ~~والمبار. وفي الحديث 81 # " نسخت الزكاة كل صدقة " # يعني وجوبها. وروي 82 «ليس في المال حق سوى الزكاة» { والموفون } ~~عطف على من آمن. وأخرج { والصبرين } منصوبا على الاختصاص ~~والمدح، وإظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. ~~وقرىء «والصابرون». وقرىء «والموفين»، «والصابرين». و { البأساء } ~~الفقر والشدة { والضراء } المرض والزمانة { صدقوا } كانوا ~~صادقين جادين في الدين. عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، ~~وعكرمة، وهو مذهب مالك والشافعي رحمة الله عليهم أن الحر لا يقتل ~~بالعبد، والذكر لا يقتل بالأنثى، أخذا بهذه الآية. ويقولون هي مفسرة لما ~~أبهم في قوله # النفس بالنفس # المائدة 55 ولأن تلك واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها، وهذه ~~خوطب بها المسلمون وكتب عليهم ما فيها. وعن سعيد بن المسيب، والشعبي، ~~والنخعي، وقتادة، والثوري، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه أنها منسوخة بقوله # النفس بالنفس # المائدة 55 والقصاص ثابت بين العبد والحر، والذكر والأنثى. ويستدلون ~~بقوله صلى الله عليه وسلم 83 # " المسلمون تتكافأ دماؤهم " # وبأن التفاضل غير معتبر في الأنفس، بدليل أن جماعة لو قتلوا واحدا ~~قتلوا به. وروي 84 «أنه كان بين حيين من أحياء العرب دماء في الجاهلية، ~~وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد منا، ~~والذكر بالأنثى، والاثنين بالواحد، فتحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين جاء الله بالإسلام فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا» { فمن عفى ~~له من أخيه شىء } معناه ms0169 فمن عفي له من جهة أخيه شيء من العفو. ~~على أنه كقولك سير بزيد بعض السير، وطائفة من السير. ولا يصح أن يكون ~~شيء في معنى المفعول به، لأن عفا لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة ~~وأخوه هو ولي المقتول، وقيل له أخوه، لأنه لابسه، من قبل أنه ولي الدم ~~ومطالبه به، كما تقول للرجل قل لصاحبك كذا، لمن بينه وبينه أدنى ملابسة ~~أو ذكره بلفظ الأخوة، ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من ~~الجنسية والإسلام فإن قلت إن عفى يتعدى بعن لا باللام، فما وجه قوله { ~~فمن عفى له }؟ قلت يتعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب، فيقال عفوت ~~عن فلان وعن ذنبه. قال الله تعالى # عفا الله عنك # التوبة 43 وقال # عفا الله عنها # المائدة 101 فإذا تعدى إلى الذنب والجاني معا قيل عفوت لفلان عما جنى، ~~كما تقول غفرت له ذنبه وتجاوزت له عنه. وعلى هذا ما في الآية، كأنه قيل ~~فمن عفى له عند جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية، فإن قلت هلا فسرت عفى ~~بترك حتى يكون شيء في معنى المفعول به؟ قلت لأن عفا الشيء بمعنى تركه ليس ~~بثبت. # ولكن أعفاه. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام 85 # " واعفوا اللحى " # فإن قلت فقد ثبت قولهم عفا أثره إذا محاه وأزاله، فهلا جعلت معناه فمن ~~محي له من أخيه شيء؟ قلت عبارة قلقة في مكانها، والعفو في باب الجنايات ~~عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسنة واستعمال الناس، فلا يعدل عنها ~~إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها، وترى كثيرا ممن يتعاطى هذا العلم ~~يجترىء- إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام الله- على اختراع لغة ~~وادعاء على العرب ما لا تعرفه، وهذه جرأة يستعاذ بالله منها. فإن قلت؟ لم ~~قيل شيء من العفو؟ قلت للإشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه ~~بأن يعفى عن بعض الدم. أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم ~~تجب إلا الدية { فاتباع بالمعروف } فليكن اتباع، ms0170 أو فالأمر ~~اتباع. وهذه توصية للمعفو عنه والعافي جميعا. يعني فليتبع الولي القاتل ~~بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة. وليؤد إليه ~~القاتل بدل الدم أداء بإحسان، بأن لا يمطله ولا يبخسه { ذلك } الحكم ~~المذكور من العفو والدية { تخفيف من ربكم ورحمة } لأن أهل ~~التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل ~~الإنجيل العفو وحرم القصاص والدية. وخيرت هذه الأمة بين الثلاث القصاص ~~والدية والعفو، توسعة عليهم وتيسيرا { فمن اعتدى بعد ذلك } ~~التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية. ~~فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله ~~{ فله عذاب أليم } نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة. وعن ~~قتادة العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية، لقوله عليه ~~السلام 86 # " لا أعافي أحدا قتل بعد أخذه الدية " # { ولكم في القصاص حيوة } كلام فصيح لما فيه من الغرابة، ~~وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ومن ~~إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأن المعنى ولكم في هذا ~~الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون ~~بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل، ~~وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، فلما ~~جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة أي حياة، أو نوع من الحياة، وهي ~~الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، ~~لأنه إذا هم بالقتل فعلم أنه يقتص فارتدع منه سلم صاحبه من القتل، ~~وسلم هو من القود، فكان القصاص سبب حياة نفسين. وقرأ أبو الجوزاء ولكم في ~~القصص حياة أي فيما قص عليكم من حكم القتل القصاص وقيل القصص القرآن أي ~~«ولكم في القرآن حياة للقلوب» كقوله تعالى # روحا من أمرنا # الشورى 52، # ويحى من حى عن بينة # الأنفال 42. { لعلكم تتقون } أي أريتكم ما في القصاص من ~~استبقاء الأرواح ms0171 وحفظ النفوس { لعلكم تتقون } تعملون عمل أهل ~~التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به. وهو خطاب له فضل اختصاص ~~بالأئمة. ### || [2.180-182] # { إذا حضر أحدكم الموت } إذا دنا منه وظهرت أماراته { ~~خير } مالا كثيرا. عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أراد الوصية وله ~~عيال وأربعمائة دينار، فقالت ما أرى فيه فضلا. وأراد آخر أن يوصي فسألته ~~كم مالك؟ فقال ثلاثة آلاف. قالت كم عيالك؟ قال أربعة. قالت إنما قال الله ~~{ إن ترك خيرا } وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، وعن علي رضي ~~الله عنه أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه. وقال قال الله ~~تعالى { إن ترك خيرا } والخير هو المال، وليس لك مال. والوصية ~~فاعل كتب، وذكر فعلها للفاصل، ولأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في ~~قوله { فمن بدله بعدما ما سمعه } والوصية للوارث كانت في ~~بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام 87 # " إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث " # وبتلقي الأمة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان من الآحاد، لأنهم ~~لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته. وقيل لم تنسخ، والوارث ~~يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين. وقيل ما هي بمخالفة لآية ~~المواريث. ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين ~~والأقربين من قوله تعالى # يوصيكم الله فى أولدكم # النساء 11 أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما ~~أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم { بالمعروف } ~~بالعدل، وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث { حقا } ~~مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقا { فمن بدله } فمن غير الإيصاء عن وجهه ~~إن كان موافقا للشرع من الأوصياء والشهود { بعد ما سمعه } ~~وتحققه { فإنما إثمه على الذين يبدلونه } فما إثم ~~الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى ~~له، لأنهما بريان من الحيف { إن الله سميع عليم } وعيد ~~المبدل { فمن خاف } فمن توقع وعلم، وهذا ms0172 في كلامهم شائع يقولون ~~أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظن الغالب الجاري مجرى العلم { ~~جنفا } ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية { أو إثما } أو تعمدا ~~للحيف { فأصلح بينهم } بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون ~~بإجرائهم على طريق الشرع { فلا إثم عليه } حينئذ، لأن تبديله ~~تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل ~~تبديل لا يؤثم. ### || [2.183-184] # { كما كتب على الذين من قبلكم } على الأنبياء والأمم ~~من لدن آدم إلى عهدكم. قال علي رضي الله عنه أولهم آدم، يعني أن الصوم ~~عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم ~~وحدكم { لعلكم تتقون } بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها ~~وقدمها، أو لعلكم تتقون المعاصي، لأن الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من ~~مواقعة السوء. قال عليه السلام 88 # " فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء " # أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم. وقيل معناه أنه ~~كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان، ~~فزادوا عشرا قبله وعشرا بعده. فجعلوه خمسين يوما. وقيل كان وقوعه في ~~البرد الشديد والحر الشديد، فشق عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين ~~الشتاء والربيع، وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله عن وقته. وقيل الأيام ~~المعدودات عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر. كتب على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صيامها حين هاجر. ثم نسخت بشهر رمضان. وقيل كتب عليكم كما كتب ~~عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا، ثم نسخ ذلك ~~بقوله # أحل لكم ليلة الصيام # الآية البقرة 87. ومعنى { معدودت } موقتات بعدد معلوم. أو قلائل، ~~كقوله # درهم معدودة # يوسف 20 وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد ويتحكر فيه. والكثير يهال ~~هيلا ويحثى حثيا. وانتصاب أياما بالصيام كقولك نويت الخروج يوم الجمعة ~~{ أو على سفر } أو راكب سفر { فعدة } فعليه عدة. وقرىء ~~بالنصب بمعنى فليصم عدة وهذا على سبيل الرخصة. وقيل مكتوب عليهما أن ~~يفطرا ويصوما عدة { من أيام أخر ms0173 } واختلف في المرض المبيح ~~للإفطار، فمن قائل كل مرض، لأن الله تعالى لم يخص مرضا دون مرض كما لم ~~يخص سفرا دون سفر، فكما أن لكل مسافر أن يفطر، فكذلك كل مريض. وعن ابن ~~سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه. وسئل مالك عن ~~الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه، فقال إنه ~~في سعة من الإفطار. وقائل هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه، لقوله ~~تعالى { يريد الله بكم اليسر } وعن الشافعي لا يفطر حتى ~~يجهده الجهد غير المحتمل. واختلف أيضا في القضاء فعامة العلماء على ~~التخيير. وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه «إن الله لم يرخص لكم ~~في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر، وإن شئت ففرق» ~~وعن علي وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضي كما فات متتابعا. وفي قراءة ~~أبي «فعدة من أيام أخر متتابعات» فإن قلت فكيف قيل { فعدة } على ~~التنكير ولم يقل فعدتها، أي فعدة الأيام المعدودات؟ قلت لما قيل فعدة ~~والعدة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياما معدودة مكانها، علم أنه لا ~~يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة { وعلى الذين ~~يطيقونه } وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا { ~~فدية طعام مسكين } نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل ~~العراق، وعند أهل الحجاز مد، وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ~~ولم يتعودوه فاشتد عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية. # وقرأ ابن عباس «يطوقونه»، تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، ~~أي يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا. وعنه «يتطوقونه» بمعنى يتكلفونه ~~أو يتقلدونه. «ويطوقونه» بإدغام التاء في الطاء. «ويطيقونه» «ويطيقونه» ~~بمعنى يتطوقونه، وأصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل ~~من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم تدير المكان وما ~~بها ديار. وفيه وجهان أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو ~~يتكلفونه على جهد منهم ms0174 وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار ~~والفدية. وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ. ويجوز أن يكون هذا معنى ~~يطيقونه، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم { فمن تطوع ~~خيرا } فزاد على مقدار الفدية { فهو خير له } فالتطوع أخير ~~له أو الخير. وقرىء «فمن يطوع»، بمعنى يتطوع { وأن تصوموا } أيها ~~المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم { خير لكم ~~} من الفدية وتطوع الخير. ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر ~~أيضا. وفي قراءة أبي «والصيام خير لكم». ### || [2.185] # الرمضان مصدر رمض إذا احترق - من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علما، ~~ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل «ابن دأية» للغراب بإضافة ~~الابن إلى داية البعير، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت. فإن قلت لم سمي { ~~شهر رمضان }؟ قلت الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك ~~لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته، كما سموه ناتقا لأنه كان ~~ينتقهم أي يزعجهم إضجارا بشدته عليهم. وقيل لما نقلوا أسماء الشهور عن ~~اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض ~~الحر. فإن قلت فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعا، ~~فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام 89 # " من صام رمضان إيمانا وإحتسابا ". # 90 # " من أدرك رمضان فلم يغفر له " # قلت هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال # بما أعيا النطاسي حذيما # أراد ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره { الذى أنزل فيه ~~القرآن } أو على أنه بدل من الصيام في قوله # كتب عليكم الصيام # البقرة 183 أو على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرىء بالنصب على صوموا شهر ~~رمضان، أو على الإبدال من { أياما معدودت } ، أو على أنه مفعول # وأن تصوموا # البقرة 184. ومعنى { أنزل فيه القرآن } ابتدىء فيه إنزاله. ~~وكان ذلك في ليلة القدر. وقيل أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى ~~الأرض نجوما. وقيل أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله { كتب عليكم ~~الصيام } كما تقول أنزل في عمر كذا، وفي ms0175 علي كذا. وعن النبي عليه ~~السلام 91 # " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، ~~والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين " # { هدى للناس وبينت } نصب على الحال، أي أنزل وهو هداية ~~للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين ~~الحق والباطل. فإن قلت ما معنى قوله { وبينت من الهدى } ~~بعد قوله { هدى للناس }؟ قلت ذكر أولا أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات ~~من جملة ما هدى به الله، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه ~~السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } فمن كان شاهدا، أي حاضرا مقيما غير مسافر في ~~الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. والشهر منصوب على الظرف وكذلك الهاء في { ~~فليصمه } ولا يكون مفعولا به كقولك شهدت الجمعة، لأن المقيم ~~والمسافر كلاهما شاهدان للشهر { يريد الله } أن ييسر عليكم ولا ~~يعسر، وقد نفي عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر ~~فيها، و من جملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض. # ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أن من صام منهما ~~فعليه الإعادة. وقرىء «اليسر، والعسر» - بضمتين. الفعل المعلل محذوف ~~مدلول عليه بما سبق تقديره { ولتكملوا العدة ولتكبروا ~~الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } شرع ذلك يعني ~~جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما ~~أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله { لتكلموا } علة الأمر ~~بمراعاة العدة { ولتكبروا } علة ما علم من كيفية القضاء ~~والخروج عن عهدة الفطر { ولعلكم تشكرون } علة الترخيص ~~والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا ~~النقاب المحدث من علماء البيان. وإنما عدى فعل التكبير بحرف الاستعلاء ~~لكونه مضمنا معنى الحمد، كأنه قيل ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم. ~~ومعنى { ولعلكم تشكرون } وإرادة أن تشكروا وقرىء «ولتكملوا» ~~بالتشديد. فإن قلت هل يصح أن يكون ولتكملوا معطوفا ms0176 على علة مقدرة، كأنه ~~قيل لتعلموا ما تعلمون، ولتكملوا العدة، أو على اليسر، كأنه قيل يريد ~~الله بكم اليسر، ويريد بكم لتكملوا، كقوله # يريدون ليطفئوا # الصف 8 قلت لا يبعد ذلك والأول أوجه. فإن قلت ما المراد بالتكبير؟ قلت ~~تعظيم الله والثناء عليه. وقيل هو تكبير يوم الفطر. وقيل هو التكبير عند ~~الإهلال. ### || [2.186-187] # { فإني قريب } تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه ~~حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # ق 16 وقوله عليه الصلاة والسلام 92 # " هو بينكم وبين أعناق رواحلكم " # وروي 93 أن أعربيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا ~~فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت { فليستجيبوا لى } إذا دعوتهم ~~للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم. وقرىء «يرشدون ~~ويرشدون»، بفتح الشين، وكسرها. 94 كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل ~~والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ~~ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إن عمر رضي ~~الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم ~~نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله، إني أعتذر إلى ~~الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة،وأخبره بما فعل، فقال عليه الصلاة ~~والسلام «ما كنت جديرا بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا ~~بعد العشاء، فنزلت. وقرىء «أحل لكم ليلة الصيام الرفث»، أي أحل الله. ~~وقرأ عبد الله «الرفوث»، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، ~~وقد أرفث الرجل. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أنشد وهو محرم # وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك ~~لميسا # فقيل له أرفثت؟ فقال إنما الرفث ما كان عند النساء. وقال الله تعالى { ~~فلا رفث ولا فسوق } فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من ~~شيء من ذلك. فإن قلت لم كنى عنه ههنا بلفظ الرفث ms0177 الدال على معنى القبح ~~بخلاف قوله # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # النساء 21، # فلما تغشاها # الاعراف 189، { بشروهن } ، # أو لمستم النساء # النساء 43، # دخلتم بهن # النساء 23، # فأتوا حرثكم # البقرة 223، # من قبل أن تمسوهن # البقرة 237، # فما استمتعتم به منهن # النساء 24، # ولا تقربوهن # البقرة 222؟ قلت استهجانا لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختيانا ~~لأنفسهم. فإن قلت لم عدى الرفث بإلى؟ قلت لتضمينه معنى الإفضاء. لما كان ~~الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه ~~باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي # إذا ما الضجيع ثنى عطفها تثنت فكانت عليه ~~لباسا # فإن قلت ما موقع قوله { هن لباس لكم }؟ قلت هو استئناف ~~كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة ~~والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في ~~مباشرتهن { تختانون أنفسكم } تظلمونها وتنقصونها حظها من ~~الخير. والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة { ~~فتاب عليكم } حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور { وابتغوا ~~ما كتب الله لكم } واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من ~~الولد بالمباشرة، أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع ~~الله له النكاح من التناسل. # وقيل هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر. وقيل وابتغوا المحل الذي كتبه ~~الله لكم وحلله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم. وعن قتادة وابتغوا ~~ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر. وقرأ ابن عباس واتبعوا وقرأ ~~الأعمش وأتوا وقيل معناه واطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب ~~إن أصبتموها وقمتموها، وهو قريب من بدع التفاسير { الخيط الابيض } ~~هو أول من يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود. و { ~~الخيط الأسود } ما يمتد معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض ~~وأسود. قال أبو داؤد # فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا # وقوله { من الفجر } بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط ~~الأسود. لأن بيان أحدهما بيان للثاني. ويجوز أن تكون من للتبعيض لأنه ms0178 ~~بعض الفجر وأوله. فإن قلت أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟ قلت ~~قوله { من الفجر } أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك رأيت أسدا ~~مجاز. فإذا زدت من فلان رجع تشبيها. فإن قلت فلم زيد { من الفجر } ~~حتى كان تشبيها؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه ~~وأدخل في الفصاحة؟ قلت لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو ~~الكلام، ولو لم يذكر { من الفجر } لم يعلم أن الخيطين مستعاران، ~~فزيد { من الفجر } فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة. ~~فإن قلت فكيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال 95 عمدت إلى ~~عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما ~~فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرته، فضحك وقال # " إن كان وسادك لعريضا " # وروي إنك لعريض القفا، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل؟ قلت غفل عن ~~البيان، ولذلك عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل ~~به على بلاهة الرجل وقلة فطنته. وأنشدتني بعض البدويات لبدوي # عريض القفا ميزانه في شماله قد انحص من حسب ~~القراريط شاربه # فإن قلت فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي 96 أنها نزلت ولم ينزل ~~{ من الفجر } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط ~~الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك ~~{ من الفجر } فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار؟ وكيف جاز ~~تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة ~~لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة ~~وهي غير مرادة؟ قلت أما من لم يجوز تأخير البيان - وهم أكثر الفقهاء ~~والمتكلمين، وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم - فلم يصح عندهم هذا الحديث. # وأما من يجوزه فيقول ليس بعبث. لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ms0179 ~~ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه { ثم أتموا الصيام ~~إلى اليل } قالوا فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، ~~وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي صوم الوصال { عكفون في ~~المسجد } معتكفون فيها. والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد ~~فيه. والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ، { فالن ~~بشروهن } وقيل معناه ولا تلامسوهن بشهوة، والجماع يفسد ~~الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل. وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف ~~خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك. وقالوا فيه ~~دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختص به مسجد دون ~~مسجد. وقيل لا يجوز إلا في مسجد نبي وهو أحد المساجد الثلاثة. وقيل في ~~مسجد جامع. والعامة على أنه في مسجد جماعة. وقرأ مجاهد «في المسجد» { ~~تلك } الأحكام التي ذكرت { حدود الله فلا تقربوها } فلا ~~تغشوها. فإن قلت كيف قيل { فلا تقربوها } مع قوله # فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله # البقرة 229؟ قلت من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز ~~الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك ~~فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني ~~الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه، كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 97 # " إن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ~~" # فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد. ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ~~ومناهيه خصوصا، لقوله { ولا تبشروهن } وهي حدود لا تقرب. ### || [2.188-189] # ولا يأكل بعضكم مال بعض { بالبطل } بالوجه الذي لم يبحه الله ولم ~~يشرعه. و لا { تدلوا بها } ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى ~~الحكام { لتأكلوا } بالتحاكم { فريقا } طائفة { من أموال ~~الناس بالإثم } بشهادة الزور، أو باليمين الكاذبة، أو بالصلح، مع ~~العلم بأن ms0180 المقضي له ظالم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للخصمين ~~98 # " إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن ~~منه شيئا، فإنما أقضي له قطعة من نار " # فبكيا وقال كل واحد منهما حقي لصاحبي. فقال # " اذهبا فتوخيا، ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه " # وقيل { وتدلوا بها } وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه ~~الرشوة. وتدلوا مجزوم داخل في حكم النهي، أو منصوب بإضمار أن، كقوله # وتكتموا الحق # البقرة 42. { وأنتم تعلمون } أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية ~~مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه أحق بالتوبيخ. 99 وروي أن معاذ بن جبل ~~وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا ~~مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلىء ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا ~~لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت. { مواقيت } معالم يوقت بها الناس ~~مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ~~ومدد حملهن وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته. كان ناس من الأنصار ~~إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب، فإذا ~~كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما ~~يصعد فيه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم { و ليس ~~البر } بتحرجكم من دخول الباب { ولكن البر } بر { من ~~اتقى } ما حرم الله. فإن قلت ما وجه اتصاله بما قبله؟ قلت كأنه قيل ~~لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها وتمامها معلوم - أن ~~كل ما يفعله الله عز وجل لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده، فدعوا ~~السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء ~~وأنتم تحسبونها برا. ويجوز أن يجري ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر ~~أنها مواقيت للحج، لأنه كان من أفعالهم في ms0181 الحج. ويحتمل أن يكون هذا ~~تمثيلا لتعكيسهم في سؤالهم، وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ~~ويدخله من ظهره. والمعنى ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا ~~في مسائلكم، ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله. ثم ~~قال { وأتوا البيوت من أبوبها } أي وباشروا الأمور من ~~وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا. والمراد وجوب توطين النفوس ~~وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب، من غير اختلاج شبهة ولا ~~اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # الأنبياء 23. ### || [2.190-193] # المقاتلة في سبيل الله هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين { ~~الذين يقتلونكم } الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين. ~~وعلى هذا يكون منسوخا بقوله # وقاتلوا المشركين كافة # التوبة 36. وعن الربيع بن أنس رضي الله عنه هي أول آية نزلت في القتال ~~بالمدينة فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف ~~عمن كف. أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ ~~والصبيان و الرهبان والنساء. أو الكفرة كلهم لأنهم جميعا مضادون ~~للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكم المقاتلة، قاتلوا أو لم يقاتلوا. ~~وقيل لما صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم ~~عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع ~~لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لايفي لهم قريش ويصدوهم ويقاتلوهم في ~~الحرم وفي الشهر الحرام وكرهوا ذلك نزلت وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم ~~منهم في الحرم والشهر الحرام، ورفع عنهم الجناح في ذلك { ولا ~~تعتدوا } بابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء ~~والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من ~~غير دعوة { حيث ثقفتموهم } حيث وجدتموهم في حل أو حرم. والثقف ~~وجود على وجه الأخذ والغلبة. ومنه رجل ثقف، سريع الأخذ لأقرانه. قال # فإما تثقفوني ms0182 فاقتلوني فمن أثقف فليس إلى ~~خلود # { من حيث أخرجوكم } أي من مكة وقد فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح. { والفتنة أشد من ~~القتل } أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من ~~القتل. وقيل لبعض الحكماء ما أشد من الموت؟ قال الذي يتمنى فيه الموت، ~~جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت. ومنه قول ~~القائل # لقتل بحد السيف أهون موقعا على النفس من ~~قتل بحد فراق # وقيل الفتنة عذاب الآخرة # وذوقوا فتنتكم # الذاريات 13 وقيل الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا ~~يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين، فقيل والشرك الذي هم عليه ~~أشد وأعظم مما يستعظمونه. ويجوز أن يراد وفتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد ~~الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا ~~تبالوا بقتالهم. وقرىء ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم جعل وقوع ~~القتل في بعضهم كوقوعه فيهم. يقال قتلتنا بنو فلان. وقال فإن تقتلونا ~~نقتلكم { فإن انتهوا } عن الشرك والقتال، كقوله # إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف # الأنفال 38 { حتى لا تكون فتنة } أي شرك { ويكون ~~الدين لله } خالصا ليس للشيطان فيه نصيب { فإن انتهوا } عن ~~الشرك { فلا عدون إلا على الظلمين } فلا تعدوا على ~~المنتهين لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله { إلا على ~~الظلمين } موضع على المنتهين. أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير ~~المنتهين، سمي جزاء الظالمين ظلما للمشاكلة، كقوله تعالى { فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } أو أريد أنكم إن تعرضتم ~~لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم. ### || [2.194] # قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم ~~عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة { الشهر ~~الحرام بالشهر الحرام } أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه ~~بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم { والحرمت ~~قصاص } أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك ms0183 حرمة أي حرمة كانت، اقتص ~~منه بأن تهتك له حرمة، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا ~~تبالوا، وأكد ذلك بقوله { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله } في ~~حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم. ### || [2.195] # الباء في { بأيديكم } مزيدة مثلها في أعطى بيده للمنقاد. والمعنى ~~ولا تقبضوا التهلكة بأيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم. وقيل ~~بأيديكم بأنفسكم وقيل تقديره ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما يقال أهلك ~~فلان نفسه بيده، إذا تسبب لهلاكها. والمعنى النهي عن ترك الإنفاق في سبيل ~~الله لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع ~~عياله. أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية ~~للعدو. وروي 100 أن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس ~~ألقى بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية، ~~وإنما أنزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه. وشهدنا ~~معه المشاهد، وآثرناه على أهالينا وأموالنا وأولادنا، فلما فشا الإسلام ~~وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها، رجعنا إلى أهالينا وأولادنا وأموالنا ~~نصلحها ونقيم فيها. فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد. ~~وحكى أبو علي في الحلبيات عن أبي عبيدة، التهلكة والهلاك والهلك واحد. ~~قال فدل هذا من قول أبي عبيدة على أن التهلكة مصدر. ومثله ما حكاه ~~سيبويه من قولهم التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان التنضبة والتنفلة. ~~ويجوز أن يقال أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما، على أنها مصدر ~~من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار. ### || [2.196] # { وأتموا الحج والعمرة لله } ائتوا بهما تامين ~~كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان يقع منكم ~~فيهما. قال # تمام الحج أن تقف المطايا على خرقاء واضعة ~~اللثام # جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذي لا يتم إلا به. وقيل إتمامهما أن ~~تحرم بهما من دويرة أهلك، روى ذلك ms0184 عن علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله ~~عنهم. وقيل أن تفرد لكل واحد منها سفرا كما قال محمد حجة كوفية وعمرة ~~كوفية أفضل. وقيل أن تكون النفقة حلالا. وقيل أن تخلصوهما للعبادة ولا ~~تشوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيوية. فإن قلت هل فيه دليل على ~~وجوب العمرة؟ قلت ما هو إلا أمر بإتمامهما، ولا دليل في ذلك على كونهما ~~واجبين أو تطوعين، فقد يؤمر بإتمام الواجب والتطوع جميعا، إلا أن تقول ~~الأمر بإتمامهما أمر بأدائهما، بدليل قراءة من قرأ «وأقيموا الحج ~~والعمرة» والأمر للوجوب في أصله، إلا أن يدل دليل على خلاف الوجوب كما ~~دل في قوله # فاصطدوا # المائدة 2 # فانتشروا # الأحزاب 53 ونحو ذلك، فيقال لك فقد دل الدليل على نفي الوجوب، وهو ما ~~روي 101 أنه قيل يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج؟ قال # " لا، ولكن أن تعتمر خير لك " # وعنه 102 # " الحج جهاد والعمرة تطوع " # فإن قلت فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال إن العمرة لقرينة ~~الحج. وعن عمر رضي الله عنه 103 أن رجلا قال له إني وجدت الحج والعمرة ~~مكتوبين علي، أهللت بهما جميعا فقال «هديت لسنة نبيك». وقد نظمت مع ~~الحج في الأمر بالإتمام فكانت واجبة مثل الحج؟ قلت كونها قرينة للحج أن ~~القارن يقرن بينهما، وأنهما يقترنان في الذكر فيقال حج فلان واعتمر ~~والحجاج والعمار، ولأنها الحج الأصغر، ولا دليل في ذلك على كونها قرينة ~~له في الوجوب. وأما حديث عمر رضي الله عنه فقد فسر الرجل كونهما مكتوبين ~~عليه بقوله أهللت بهما، وإذا أهل بالعمرة وجبت عليه كما إذا كبر ~~بالتطوع من الصلاة. والدليل الذي ذكرناه أخرج العمرة من صفة الوجوب فبقي ~~الحج وحده فيها، فهما بمنزلة قولك صم شهر رمضان وستة من شوال، في أنك ~~تأمره بفرض وتطوع. وقرأ علي وابن مسعود والشعبي رضي الله عنهم «والعمرة ~~لله» بالرفع، كأنهم قصدوا بذلك إخراجها عن حكم الحج وهو الوجوب { فإن ~~أحصرتم } يقال أحصر فلان، إذا منعه ms0185 أمر من خوف أو مرض أو عجز. قال ~~الله تعالى # الذين أحصروا فى سبيل الله # البقرة 273 وقال ابن ميادة # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن ~~أحصرتك شغول # وحصر إذا حبسه عدو عن المضي، أو سجن. ومنه قيل للمحبس الحصير. وللملك، ~~الحصير، لأنه محجوب. هذا هو الأكثر في كلامهم، وهما بمعنى المنع في كل ~~شيء، مثل صده وأصده. وكذلك قال الفراء وأبو عمرو الشيباني، وعليه قول ~~أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، كل منع عنده من عدو كان أو مرض أو غيرهما ~~معتبر في إثبات حكم الإحصار. وعند مالك والشافعي منع العدو وحده. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 104 # " من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل " # { فما استيسر من الهدى } فما تيسر منه. يقال يسر الأمر ~~واستيسر، كما يقال صعب واستصعب. والهدي جمع هدية، كما يقال في جدية السرج ~~جدي، وقرىء «من الهدي» بالتشديد جمع هدية كمطية ومطي. يعني فإن منعتم ~~من المضي إلى البيت وأنتم محرمون بحج أو عمرة، فعليكم إذا أردتم التحلل ~~ما استيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شناة، فإن قلت أين ومتى ينحر هدي ~~المحصر؟ قلت إن كان حاجا فبالحرم متى شاء عند أبي حنيفة يبعث به، ويجعل ~~للمبعوث على يده يوم أمار وعندهما في أيام النحر وإن كان معتمرا فبالحرم ~~في كل وقت عندهم جميعا. و ما استيسر رفع بالابتداء، أي فعليه ما استيسر. ~~أو نصب على فاهدوا ما استيسر { ولا تحلقوا رءوسكم } الخطاب ~~للمحصرين أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ { ~~محله } أي مكانه الذي يجب نحره فيه. ومحل الدين وقت وجوب قضائه، وهو ~~ظاهر على مذهب أبي حنيفة رحمه الله. فإن قلت 105 إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نحر هديه حيث أحصر؟ قلت كان محصره طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة ~~وهو من الحرم، وعن الزهري 106 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه ~~في الحرم. وقال ms0186 الواقدي الحديبية هي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة { ~~فمن كان منكم مريضا } فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق { أو ~~به أذى من رأسه } وهو القمل أو الجراحة، فعليه إذا احتلق فدية ~~{ من صيام } ثلاثة أيام { أو صدقة } على ستة مساكين، لكل مسكين ~~نصف صاع من بر { أو نسك } وهو شاة. وعن كعب بن عجرة 107 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال له # " لعلك أذاك هوامك " # ؟ قال نعم يا رسول الله. قال # " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك شاة " # وكان كعب يقول في نزلت هذه الآية، وروي 108 أنه مر به وقد قرح ~~رأسه فقال «كفى بهذا أذى» وأمره أن يحلق ويطعم، أو يصوم. والنسك ~~مصدر، وقيل جمع نسيكة. # وقرأ الحسن أو «نسك»، بالتخفيف { فإذا أمنتم } الإحصار، يعني ~~فإذا لم تحصروا وكنتم في أمن وسعة { فمن تمتع } أي استمتع { ~~بالعمرة إلى الحج } واستمتاعه بالعمرة إلى وقت الحج انتفاعه ~~بالتقرب بها إلى الله تعالى قبل الانتفاع بتقربه بالحج. وقيل إذا حل ~~من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم بالحج { فما ~~استيسر من الهدى } هو، هدي المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة ~~ويأكل منه. وعند الشافعي يجري مجرى الجنايات ولا يأكل منه، ويذبحه يوم ~~النحر عندنا. وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته { فمن لم يجد } ~~الهدي { ف } عليه { صيام ثلثة أيام في الحج } أي في ~~وقته وهو أشهره ما بين الإحرامين إحرام العمرة وإحرام الحج، وهو مذهب ~~أبي حنيفة رحمه الله. والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويوما قبلهما، ~~وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم. وعند الشافعي لا تصام إلا بعد ~~الإحرام بالحج تمسكا بظاهر قوله { في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم } بمعنى إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج عند أبي حنيفة، وعند ~~الشافعي هو الرجوع إلى أهاليهم. وقرأ ابن أبي عبلة «وسبعة» بالنصب عطفا ~~على محل ثلاثة أيام، وكأنه قيل فصيام ثلاثة أيام، كقوله # أو إطعام فى ms0187 يوم ذى مسغبة يتيما # البلد 15 فإن قلت فما فائدة الفذلكة؟ قلت الواو قد تجىء للإباحة في نحو ~~قولك جالس الحسن وابن سيرين. ألا ترى أنه لو جالسهما جميعا أو واحدا ~~منهما كان ممتثلا ففذلكت نفيا لتوهم الإباحة، وأيضا ففائدة الفذلكة في ~~كل حساب أن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا ليحاط به من جهتين، فيتأكد ~~العلم. وفي أمثال العرب علمان خير من علم، وكذلك { كاملة } تأكيد ~~آخر. وفيه زيادة توصية بصيامها وأن لا يتهاون بها ولا ينقص من عددها، كما ~~تقول للرجل إذا كان لك اهتمام بأمر تأمره به وكان منك بمنزل الله الله لا ~~تقصر. وقيل كاملة في وقوعها بدلا من الهدي. وفي قراءة أبي «فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات» { ذلك } إشارة إلى التمتع، عند أبي حنيفة وأصحابه. لا ~~متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن كان ~~عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق ~~فدمهما دم نسك يأكلان منه. وعند الشافعي إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب ~~الهدي أو الصيام ولم يوجب عليهم شيئا. وحاضرو المسجد الحرام أهل ~~المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبي حنيفة. وعند الشافعي أهل الحرم ومن ~~كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة { واتقوا الله } في ~~المحافظة على حدوده وما أمركم به ونهاكم عنه في الحج وغيره { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } لمن خالف ليكون علمكم ~~بشدة عقابه لطفا لكم في التقوى. ### || [2.197] # أي وقت الحج { أشهر } كقولك البرد شهران. والأشهر المعلومات شوال ~~وذو القعدة وعشر ذي الحجة عند أبي حنيفة. وعند الشافعي تسع ذي الحجة ~~وليلة يوم النحر. وعند مالك ذي الحجة كله. فإن قلت ما فائدة توقيت الحج ~~بهذه الأشهر؟ قلت فائدته أن شيئا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها، ~~والإحرام بالحج لا ينعقد أيضا عند الشافعي في غيرها. وعند أبي حنيفة ~~ينعقد إلا أنه مكروه. فإن قلت فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهر؟ قلت ~~اسم الجمع ms0188 يشترك فيه ما وراء الواحد. بدليل قوله تعالى # فقد صغت قلوبكما # التحريم 4 فلا سؤال فيه إذن، وإنما كان يكون موضعا للسؤال لو قيل ثلاثة ~~أشهر معلومات. وقيل نزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال رأيتك سنة كذا، ~~أو على عهد فلان، ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر، وإنما رآه في ساعة منها. ~~فإن قلت ما وجه مذهب مالك وهو مروي عن عروة بن الزبير؟ قلت قالوا إن ~~العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر فكأنها مخلصة للحج لا مجال فيها ~~للعمرة. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يخفق الناس بالدرة وينهاهم عن ~~الاعتمار فيهن. وعن عمر رضي الله عنه قال لرجل إن أطعتني انتظرت حتى إذا ~~أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة. وقالوا لعل من مذهب ~~عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر { معلومت } معروفات ~~عند الناس لا يشكلن عليهم. وفيه أن الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه، ~~وإنما جاء مقررا له { فمن فرض فيهن الحج } فمن ألزم نفسه ~~بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه عند أبي حنيفة وعند الشافعي بالنية { ~~فلا رفث } فلا جماع لأنه يفسده. أو فلا فحش من الكلام { ولا ~~فسوق } ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل هو السباب والتنابز بالألقاب { ~~ولا جدال } ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين وإنما أمر باجتناب ~~ذلك. وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في ~~الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد بالنفي وجوب انتفائها، وأنها ~~حقيقة بأن لا تكون. وقرىء المنفيات الثلاث بالنصب وبالرفع. وقرأ أبو عمرو ~~وابن كثير الأولين بالرفع والآخر بالنصب لأنهما حملا الأولين على معنى ~~النهي، كأنه قيل فلا يكونن رفث، ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار ~~بانتفاء الجدال كأنه قيل ولا شك ولا خلاف في الحج ذلك أن قريشا كانت ~~تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا ~~يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد ورد ~~الوقوف إلى ms0189 عرفة، فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج. # واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله صلى الله ~~عليه وسلم 109 # " من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه " # وأنه لم يذكر الجدال { وما تفعلوا من خير يعلمه ~~الله } حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من ~~الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى ومكان الجدال الوفاق والأخلاق ~~الجميلة. أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا ~~عنه، وينصره قوله تعالى { وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى } أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن خير الزاد ~~اتقاؤها. وقيل 110 كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ونحن ~~نحج بيت الله أفلا يطعمنا فيكونون كلا على الناس، فنزلت فيهم. ومعناه ~~وتزودوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد ~~التقوى { واتقون } وخافوا عقابي { يأولي الالبب } يعني أن ~~قضية اللب تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له. ### || [2.198-202] # { فضلا من ربكم } عطاء منه وتفضلا، وهو النفع والربح ~~بالتجارة، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل ~~العشر كفوا عن البيع والشراء فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة ~~الداج. ويقولون هؤلاء الداج وليسوا بالحاج. وقيل كانت عكاظ ومجنة وذو ~~المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم. وكانت معايشهم ~~منها، فلما جاء الإسلام تأثموا، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، ~~وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة، وعن ابن عمر رضي الله عنه 111 أن ~~رجلا قال له إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوما يزعمون أن لا حج لنا، ~~فقال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت فلم يرد عليه، حتى ~~نزل { ليس عليكم جناح } فدعا به فقال أنتم حجاج. وعن عمر رضي ~~الله عنه أنه قيل له هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟ فقال وهل كانت ~~معايشنا ms0190 إلا من التجارة في الحج. وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما «فضلا من ~~ربكم في مواسم الحج». أن تبتغوا في أن تبتغوا { أفضتم } دفعتم ~~بكثرة، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر ~~المفعول كما ترك في دفعوا من موضع كذا وصبوا. وفي حديث أبي بكر رضي الله ~~عنه «صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه» ويقال أفاضوا في الحديث وهضبوا ~~فيه. و { عرفت } علم للموقف سمي بجمع كأذرعات. فإن قلت هلا منعت ~~الصرف وفيها السببان التعريف والتأنيث؟ قلت لا يخلو من التأنيث إما أن ~~يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد فالتي في لفظها ~~ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح ~~تقدير التاء فيها، لأن هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من ~~تقديرها كما لا يقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي هي بدل من الواو ~~لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها. وقالوا سميت بذلك لأنها ~~وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما أبصرها عرفها. وقيل إن جبريل حين كان ~~يدور به في المشاعر أراه إياها فقال قد عرفت. وقيل التقى فيها آدم وحواء ~~فتعارفا. وقيل لأن الناس يتعارفون فيها والله أعلم بحقيقة ذلك، وهي من ~~الأسماء المرتجلة لأن العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع ~~عارف. وقيل فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا ~~بعده. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 112 # " الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج " # { فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات. # وقيل بصلاة المغرب والعشاء. و { المشعر الحرام } قزح، وهو ~~الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. وقيل المشعر الحرام ما بين ~~جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر ~~من المشعر الحرام. والصحيح أنه الجبل، لما روى جابر رضي الله عنه 113 أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس، ركب ناقته ms0191 ~~حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفا حتى أسفر. وقوله ~~تعالى { عند المشعر الحرام } معناه مما يلي المشعر الحرام ~~قريبا منه، وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقف ~~إلا وادي محسر. أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به ~~عند المشعر. والمشعر المعلم، لأنه معلم العبادة. ووصف بالحرم لحرمته. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال لقد أدركت الناس ~~هذه الليلة لا ينامون. وقيل سميت المزدلفة وجمعا لأن آدم صلوات الله ~~عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي دنا منها. وعن قتادة لأنه يجمع ~~فيها بين الصلاتين. ويجوز أن يقال وصفت بفعل أهلها، لأنهم يزدلفون إلى ~~الله أي يتقربون بالوقوف فيها { كما هداكم } ما مصدرية أو كافة. ~~والمعنى واذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة أواذكروه كما علمكم ~~كيف تذكرونه، لا تعدلوا عنه { وإن كنتم من قبله } من قبل الهدى ~~{ لمن الضالين } الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه. وإن ~~هي مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة { ثم أفيضوا } ثم لتكن ~~إفاضتكم { من حيث أفاض الناس } ولا تكن من المزدلفة. وذلك لما ~~كان عليه الحمس من الترفع على الناس والتعالي عليهم وتعظمهم عن أن ~~يساووهم في الموقف. وقولهم نحن أهل الله وقطان حرمه فلا تخرج منه، فيقفون ~~بجمع وسائر الناس بعرفات؟ فإن قلت فكيف موقع ثم؟ قلت نحو موقعها في قولك ~~أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان ~~إلى الكريم، والإحسان إلى غيره وبعد ما بينهما فكذلك حين أمرهم بالذكر ~~عند الإفاضة من عرفات قال ثم أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن ~~إحداهما صواب والثانية خطأ. وقيل ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وهم الحمس، ~~أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات. وقرىء «من حيث أفاض الناس» ~~ بكسر السين أي الناسي وهو آدم، من قوله # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى # طه 115 يعني أن ms0192 الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه { ~~واستغفروا الله } من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم ~~{ فإذا قضيتم منسككم } أي فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ~~ونفرتم { فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم } فأكثروا ذكر ~~الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم. # وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فيعددون ~~فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم. { أو أشد ذكرا } في موضع جر ~~عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله { كذكركم } كما تقول كذكر قريش ~~آباءهم، أو قوم أشد منهم ذكرا. أو في موضع نصب عطف على آباءكم، بمعنى ~~أو أشد ذكرا من آبائكم، على أن ذكرا من فعل المذكور { فمن الناس ~~من يقول } معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه فإن الناس من بين مقل لا ~~يطلب بذكر الله إلا أعراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من ~~المكثرين { آتنا فى الدنيا } اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا ~~خاصة { وما له فى الاخرة من خلق } أي من طلب خلاقي وهو ~~النصيب. أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأن همه مقصور على ~~الدنيا. والحسنتان ما هو طلبة الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف ~~والتوفيق في الخير، وطلبتهم في الآخرة من الثواب. وعن علي رضي الله عنه ~~الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء. وعذاب النار امرأة ~~السوء. { أولئك } الداعون بالحسنتين { لهم نصيب مما ~~كسبوا } أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي ~~هو المنافع الحسنة. أو من أجل ما كسبوا، كقوله # مما خطيئاتهم أغرقوا # نوح 25. أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه ما يستوجبونه بحسب مصالحهم ~~في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة. وسمى الدعاء كسبا لأنه من الأعمال، ~~والأعمال موصوفة بالكسب بما كسبت أيديكم. ويجوز أن يكون أولئك للفريقين ~~جميعا، وأن لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا { والله سريع ~~الحساب } يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد. فبادروا إكثار الذكر ~~وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم ms0193 وكثرة ~~أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر منه. روي أنه يحاسب الخلق في ~~قدر حلب شاة. وروى في مقدار فواق ناقة. وروي في مقدار لمحة. ### || [2.203] # والأيام المعدودات. أيام التشريق، وذكر الله فيها التكبير في أدبار ~~الصلوات وعند الجمار. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى ~~فيكبر من حوله، حتى يكبر الناس في الطريق وفي الطواف { فمن تعجل } ~~فمن عجل في النفر أو استعجل النفر. وتعجل، واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى ~~عجل. يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين، يقال تعجل الذهاب واستعجله. ~~والمطاوعة أوفق لقوله { ومن تأخر } كما هي كذلك في قوله # قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع ~~المستعجل الزلل # لأجل المتأني { فى يومين } بعد يوم النحر يوم القر وهو اليوم ~~الذي يسميه أهل مكة يوم الرؤوس، واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار ~~كما يفعل الناس اليوم وهو مذهب الشافعي ويروى عن قتادة. وعند أبي حنيفة ~~وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر { ومن تأخر } حتى رمى في اليوم ~~الثالث. والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة. ~~وعند الشافعي لايجوز. فإن قلت كيف قال { فلا إثم عليه } عند ~~التعجل والتأخر جميعا؟ قلت دلالة على أن التعجل والتأخر مخير فيهما، ~~كأنه قيل فتعجلوا أو تأخروا. فإن قلت أليس التأخر بأفضل؟ قلت بلى، ويجوز ~~أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار ~~وإن كان الصوم أفضل وقيل إن أهل الجاهلية كانوا فريقين منهم من جعل ~~المتعجل آثما، ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي المأثم ~~عنهما جميعا { لمن اتقى } أي ذلك التخيير، ونفي الإثم عن المتعجل ~~والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أن ~~أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأن ذا التقوى حذر متحرز من ~~كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند الله. ثم قال { واتقوا ~~الله } ليعبأ بكم. ويجوز أن يراد ذلك الذي مر ذكره من أحكام الحج ms0194 ~~وغيره لمن اتقى، لأنه هو المنتفع به دون من سواه، كقوله # ذلك خير للذين يريدون وجه الله # الروم 38. ### || [2.204-206] # { من يعجبك قوله } أي يروقك ويعظم في قلبك. ومنه الشىء العجيب ~~الذي يعظم في النفس. وهو الأخنس بن شريق كان رجلا حلو المنطق، إذا لقي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم ~~وقال يعلم الله أني صادق. وقيل هو عام في المنافقين، كانت تحلو لي ~~ألسنتهم، وقلوبهم أمر من الصبر، فإن قلت بم يتعلق قوله { ~~فىالحيوة الدنيا }؟ قلت بالقول، أي يعجبك ما يقوله في معنى ~~الدنيا لأن ادعاءه المحبة بالباطل يطلب به حظا من حظوظ الدنيا ولا يريد ~~به الآخرة، كما تراد بالإيمان الحقيقي والمحبة الصادقة للرسول فكلامه ~~إذا في الدنيا لا في الآخرة. ويجوز أن يتعلق بيعجبك، أي قوله حلو فصيح ~~في الدنيا فهو يعجبك، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة ~~واللكنة، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام فلا يتكلم حتى يعجبك كلامه { ~~ويشهد الله على ما فى قلبه } أي يحلف ويقول الله شاهد ~~على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام. وقرىء «ويشهد الله». وفي مصحف أبي ~~«ويستشهد الله» { وهو ألد الخصام } وهو شديد الجدال والعداوة ~~للمسلمين. وقيل كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا وأهلك ومواشيهم ~~وأحرق زروعهم. والخصام المخاصمة. وإضافة الألد بمعنى في، كقولهم ثبت ~~الغدر. أو جعل الخصام ألد على المبالغة. وقيل الخصام جمع خصم، كصعب ~~وصعاب، بمعنى وهو أشد الخصوم خصومة { وإذا تولى } عنك وذهب بعد ~~إلانة القول وإحلاء المنطق { سعى فى الأرض ليفسد فيها } ~~كما فعل بثقيف. وقيل { وإذا تولى } وإذا كان واليا فعل ما يفعل ~~ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل يظهر الظلم حتى ~~يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل. وقرىء ويهلك الحرث ~~والنسل، على أن الفعل للحرث والنسل، والرفع للعطف على سعى. وقرأ الحسن ~~بفتح اللام، وهي لغة. نحو أبى يأبى. وروى عنه «ويهلك»، ms0195 على البناء ~~للمفعول { أخذته العزة بالإثم } من قولك أخذته بكذا، إذا ~~حملته عليه وألزمته إياه، أي حملته العزة التي فيه وحمية الجاهلية على ~~الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأن لا يخلي عنه ضرارا ولجاجا. ~~أو على رد قول الواعظ. ### || [2.207] # { يشرى نفسه } يبيعها أي يبذلها في الجهاد. وقيل يأمر بالمعروف ~~وينهي عن المنكر حتى يقتل، وقيل 114 نزلت في صهيب بن سنان أراده المشركون ~~على ترك الإسلام وقتلوا نفرا كانوا معه، فقال لهم أنا شيخ كبير، إن كنت ~~معكم لم أنفعكم وإن كنت عليكم لم أضركم، فخلوني وما أنا عليه وخذوا ~~مالي. فقبلوا منه ماله وأتى المدينة { والله رءوف بالعباد } ~~حيث كلفهم الجهاد فعرضهم لثواب الشهداء. ### || [2.208-209] # { السلم } بكسر السين وفتحها. وقرأ الأعمش بفتح السين واللام، وهو ~~الإستسلام والطاعة، أي استسلموا لله وأطيعوه { كافة } لا يخرج أحد ~~منكم يده عن طاعته. وقيل هو الإسلام. والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا ~~بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم. ويجوز أن يكون كافة ~~حالا من السلم، لأنها تؤنث كما تؤنث الحرب. قال # السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك ~~من أنفاسها من أنفاسها جرع # على أن المؤمنين أمروا بأن يدخلوا في الطاعات كلها. وأن لا يدخلوا في ~~طاعة دون طاعة. أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وأن لا يخلوا بشيء ~~منها. وعن عبد الله بن سلام. 115 أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته من الليل و كافة من ~~الكف، كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم { فإن زللتم } عن ~~الدخول في السلم { من بعد ما جاءتكم البينت } أي الحجج ~~والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق { فاعلموا أن ~~الله عزيز } غالب لا يعجزه الانتقام منكم { حكيم } لا ينتقم إلا ~~بحق. وروي أن قارئا قرأ غفور رحيم، فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ ~~القرآن وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم، لا يذكر الغفران ~~عند ms0196 الزلل، لأنه إغراء عليه. وقرأ أبو السمال «زللتم» بكسر اللام وهما ~~لغتان، نحو ظللت وظللت. ### || [2.210] # إتيان الله إتيان أمره وبأسه كقوله # أو يأتى أمر ربك # النحل 33، # جآءهم بأسنا # الأنعام 43 ويجوز أن يكون المأتي به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم الله ~~ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله { إنالله عزيز } { في ~~ظلل } جمع ظلة وهي ما أظلك. وقرىء «ظلال» وهي جمع ظلة، كقلة وقلال أو ~~جمع ظل. وقرىء والملائكة بالرفع كقوله # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة # الأنعام 158 وبالجر عطف على ظلل أو على الغمام. فإن قلت لم يأتيهم ~~العذاب في الغمام؟ قلت لأن الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان ~~الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن ~~الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب ~~الخير، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع ~~الغيث. ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب الله قوله تعالى # وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون # الزمر 47. { وقضى الأمر } وأتم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه. ~~وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه «وقضاء الأمر»، على المصدر المرفوع عطفا ~~على الملائكة. وقرىء «ترجع»، «وترجع»، على البناء للفاعل والمفعول ~~بالتأنيث والتذكير فيهما. ### || [2.211] # { سل } أمر للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد، وهذا السؤال سؤال ~~تقريع كما تسأل الكفرة يوم القيامة { كم آتينهم من آية ~~بينة } على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم، أو من آية في الكتب شاهدة ~~على صحة دين الإسلام، و { نعمة الله } آياته، وهي أجل نعمة من ~~الله، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة. وتبديلهم إياها أن الله ~~أظهرها لتكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم، كقوله # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125 أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد صلى الله عليه ~~وسلم. فإن قلت كم استفهامية أم خبرية؟ قلت تحتمل الأمرين. ومعنى ~~الاستفهام فيها للتقرير. فإن قلت ما معنى { من بعد ms0197 ما جاءته }. ~~قلت معناه من بعد ما تمكن من معرفتها أو عرفها، كقوله # ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه # البقرة 75؟ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة ~~عنه وقرىء { ومن يبدل } بالتخفيف. ### || [2.212] # المزين هو الشيطان، زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها ~~إليهم فلا يريدون غيرها. ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى ~~استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين له تزيينا، ويدل عليه قراءة من ~~قرأ { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا } على البناء ~~للفاعل { ويسخرون من الذين ءامنوا } كانت الكفرة يسخرون ~~من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم، ~~أي لا يريدون غيرها. وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها، أو ممن يطلب غيرها { ~~والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة } لأنهم في عليين ~~من السماء، وهم في سجين من الأرض، أو حالهم عالية لحالهم لأنهم في كرامة ~~وهم في هوان. أو هم عالون عليهم متطاولون يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء ~~عليهم في الدنيا ويرون الفضل لهم عليهم، # فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون # المطففين 34 { والله يرزق من يشاء بغير حساب } بغير ~~تقدير، يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه كما وسع على قارون ~~وغيره، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة وهي استدراجكم ~~بالنعمة. ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم. فإن قلت لم ~~قال { من الذين ءامنوا } ثم قال { والذين اتقوا }؟ ~~قلت ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي، وليكون بعثا للمؤمنين على ~~التقوى إذا سمعوا ذلك. ### || [2.213] # { كان الناس أمة وحدة } متفقين على دين الإسلام { فبعث ~~الله النبيين } يريد فاختلفوا فبعث الله. وإنما حذف لدلالة قوله ~~{ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } عليه. وفي ~~قراءة عبد الله «كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله». والدليل عليه ~~قوله عز وعلا # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا # يونس 19 وقيل كان الناس أمة واحدة كفارا، فبعث الله ms0198 النبيين، فاختلفوا ~~عليهم. والأول الوجه. فإن قلت متى كان الناس أمة واحدة متفقين على الحق؟ ~~قلت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على ~~شريعة من الحق فاختلفوا. وقيل هم نوح ومن كان معه في السفينة { وأنزل ~~معهم الكتب } يريد الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه { ~~ليحكم } الله، أو الكتاب، أو النبي المنزل عليه { فيما ~~اختلفوا فيه } في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق ~~{ وما اختلف فيه } في الحق { إلا الذين أوتوه } إلا ~~الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، أي ازدادوا في الاختلاف لما ~~أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سببا في شدة الاختلاف واستحكامه ~~{ بغيا بينهم } حسدا بينهم وظلما لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف ~~منهم. و { من الحق } بيان لما اختلفوا فيه، أي فهدى الله الذين ~~آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف. ### || [2.214] # { أم } منقطعة، ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. ~~ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات - ~~تشجيعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع ~~الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له ~~- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ { أم حسبتم } { ولما } ~~فيها معنى التوقع، وهي في النفي نظيرة «قد» في الإثبات. والمعنى أن إتيان ~~ذلك متوقع منتظر { مثل الذين خلوا } حالهم التي هي مثل في ~~الشدة. و { مستهم } بيان للمثل وهو استئناف، كأن قائلا قال كيف ~~كان ذلك المثل؟ فقيل مستهم البأساء { وزلزلوا } وأزعجوا إزعاجا ~~شديدا شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال والأفزاع { حتى يقول ~~الرسول } إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه فيها { متى نصر ~~الله } أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب ~~الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر ~~في الشدة وتماديه في العظم، لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم ~~وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم ms0199 صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة ~~التي لا مطمح وراءها { ألا إن نصر الله قريب } على إرادة ~~القول، يعني فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. وقرىء { ~~حتى يقول } بالنصب على إضمار أن ومعنى الاستقبال لأن «أن» علم ~~له. وبالرفع على أنه في معنى الحال، كقولك شربت الإبل حتى يجيء البعير ~~يجر بطنه. إلا أنها حال ماضية محكية. ### || [2.215] # فإن قلت كيف طابق الجواب السؤال في قوله { قل ما أنفقتم } وهم قد ~~سألوا عن بيان ما ينفقون وأجيبوا ببيان المصرف؟ قلت قد تضمن قوله { ما ~~أنفقتم من خير } بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو ~~أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال ~~الشاعر # إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق ~~المصنع # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ هم وله ~~مال عظيم فقال ماذا ننفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت. وعن السدي هي ~~منسوخة بفرض الزكاة. وعن الحسن هي في التطوع. ### || [2.216] # { وهو كره لكم } من الكراهة بدليل قوله { وعسى أن ~~تكرهوا شيئا } ثم إما أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع ~~الوصف مبالغة، كقولها # فآنما هي إقبال وإدبار # كأنه في نفسه لفرط كراهتهم له. وإما أن يكون فعلا بمعنى مفعول كالخبز ~~بمعنى المخبوز، أي وهو مكروه لكم. وقرأ السلمي - بالفتح - على أن يكون ~~بمعنى المضموم، كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على طريق ~~المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ومشقته عليهم. ومنه قوله ~~تعالى # حملته أمه كرها ووضعته كرها # الأحقاف 15، وعلى قوله تعالى { وعسى أن تكرهوا شيئا } جميع ~~ما كلفوه، فإن النفوس تكرهه وتنفر عنه وتحب خلافه { والله يعلم } ~~ما يصلحكم وما هو خير لكم { وأنتم لا تعلمون ذلك }. ### || [2.217-218] # 116 بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش على سرية في ~~جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ليترصد ms0200 عيرا لقريش فيها عمرو بن عبد ~~الله الحضرمي وثلاثة معه، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من ~~تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، ~~فقالت قريش قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف ويبذعر ~~فيه الناس إلى معايشهم فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير، وعظم ~~ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا، ورد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، وعن ابن عباس رضي الله عنه لما نزلت ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة. والمعنى يسألك الكفار أو ~~المسلمون عن القتال في الشهر الحرام. و { قتال فيه } بدل الاشتمال ~~من الشهر. وفي قراءة عبد الله «عن قتال فيه»، على تكرير العامل، كقوله # للذين استضعفوا لمن ءامن منهم # الأعراف 75 وقرأ عكرمة «قتل فيه قل قتل فيه كبير»، أي إثم كبير. وعن ~~عطاء أنه سئل عن القتال في الشهر الحرام؟ فحلف بالله ما يحل للناس أن ~~يغزوا في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه، وما نسخت. وأكثر ~~الأقاويل على أنها منسوخة بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5. { وصد عن سبيل الله } مبتدأ وأكبر خبره، يعني ~~وكبائر قريش من صدهم عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفرهم بالله ~~وإخراج أهل المسجد الحرام وهم رسول الله والمؤمنون { أكبر عند ~~الله } مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ ~~والبناء على الظن أعم { والفتنة } الإخراج أو الشرك. والمسجد ~~الحرام عطف على سبيل الله، ولا يجوز أن يعطف على الهاء في { به }. { ~~ولا يزالون يقتلونكم } إخبار عن دوام عداوة الكفار ~~للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم، وحتى معناها ~~التعليل كقولك فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي يقاتلونكم كي يردوكم. ~~و { إن استطاعوا } استبعاد لاستطاعتهم كقول الرجل لعدوه إن ظفرت ~~بي فلا تبق علي. وهو واثق بأنه لا يظفر به { ومن يرتدد منكم ~~} ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ويطاوعهم ms0201 على رده إليه { فيمت } على ~~الردة { فأولئك حبطت أعملهم في الدنيا ~~والأخرة } لما يفوتهم بإحداث الردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات ~~الإسلام، وباستدامتها والموت عليها من ثواب الآخرة. وبها احتج الشافعي ~~على أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت عليها. وعند أبي حنيفة أنها ~~تحبطها وإن رجع مسلما. { إن الذين ءامنوا والذين ~~هاجروا } روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي، ظن قوم ~~أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت { أولئك يرجون ~~رحمة الله } وعن قتادة هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل ~~رجاء كما تسمعون. وإنه من رجا طلب، ومن خاف هرب. ### || [2.219-220] # 117 نزلت في الخمر أربع آيات نزلت بمكة # ومن ثمرت النخيل والاعنب تتخذون منه سكرا # النحل 67 فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ومعاذا ~~ونفرا من الصحابة قالوا يا رسول الله، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل ~~مسلبة للمال، فنزلت { فيهما إثم كبير ومنفع للناس } ~~فشربها قوم وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم فشربوا ~~وسكروا فأم بعضهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فنزلت { لا ~~تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } فقل من يشربها. ثم دعا ~~عتبان بن مالك قوما فيهم سعد بن أبي وقاص فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ~~حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء الأنصار فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه موضحة، ~~فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر اللهم بين لنا في الخمر ~~بيانا شافيا، فنزلت { إنما الخمر والميسر } إلى قوله { ~~فهل أنتم منتهون } فقال عمر رضي الله عنه انتهينا يا رب. وعن ~~علي رضي الله عنه لو وقعت قطرة في بئر فبنيت مكانها منارة لم أؤذن عليها ~~ولو وقعت في بحر ثم جف ونبت فيه الكلأ لم أرعه. وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما لو أدخلت أصبعي فيه لم تتبعني. وهذا هو الإيمان حقا، وهم الذين ~~اتقوا الله حق تقاته. والخمر ما غلى واشتد وقذف بالزبد من عصير ms0202 العنب، ~~وهو حرام، وكذلك نقيع الزبيب أو التمر الذي لم يطبخ، فإن طبخ حتى ذهب ~~ثلثاه ثم غلى واشتد ذهب خبثه ونصيب الشيطان، وحل شربه ما دون السكر إذا ~~لم يقصد بشربه اللهو والطرب عند أبي حنيفة. وعن بعض أصحابه لأن أقول ~~مرارا هو حلال، أحب إلي من أن أقول مرة هو حرام، ولأن أخر من السماء ~~فأتقطع قطعا أحب إلي من أن أتناول منه قطرة. وعند أكثر الفقهاء هو ~~حرام كالخمر، وكذلك كل ما أسكر من كل شراب. وسميت خمرا لتغطيتها العقل ~~والتمييز كما سميت سكرا لأنها تسكرهما، أي تحجزهما، وكأنها سميت بالمصدر ~~من «خمرة خمرا» إذا ستره للمبالغة. والميسر القمار، مصدر من يسر، ~~كالموعد والمرجع من فعلهما. يقال يسرته، إذا قمرته، واشتقاقه من اليسر، ~~لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار. لأنه ~~سلب يساره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان الرجل في الجاهلية يخاطر على ~~أهله وماله قال # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني # أي يفعلون بي ما يفعل الياسرون بالميسور. فإن قلت كيف صفة الميسر؟ قلت ~~كانت لهم عشرة أقداح، وهي الأزلام والأقلام، والفذ، والتوأم، والرقيب، ~~والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى والمنيح والسفيح، والوغد. # لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤنها عشرة أجزاء. وقيل ~~ثمانية وعشرين إلا لثلاثة، وهي المنيح والسفيح والوغد. ولبعضهم # لي في الدنيا سهام ليس ~~فيهن ربيح وأساميهن ~~وغد وسفيح ومنيح # للفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، ~~وللمسبل ستة وللمعلى سبعة يجعلونها في الربابة وهي خريطة، ويضعونها على ~~يدي عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها. فمن خرج له ~~قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب المرسوم به ذلك القدح. ومن خرج له قدح ~~مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك ~~الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها. ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل ~~فيه، ويسمونه البرم. وفي حكم الميسر أنواع القمار، من ms0203 النرد والشطرنج ~~وغيرهما. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 118 # " إياكم وهاتين اللعبتين المشؤمتين فإنهما من ميسر العجم " # وعن علي رضي الله عنه أن النرد والشطرنج من الميسر وعن ابن سيرين كل ~~شيء فيه خطر فهو من الميسر. والمعنى يسألونك عما في تعاطيهما، بدليل قوله ~~تعالى { قل فيهما إثم كبير } ، { وإثمهمآ } وعقاب الإثم ~~في تعاطيهما { أكبر من نفعهما } وهو الالتذاذ بشرب الخمر ~~والقمار، والطرب فيهما، والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشرتهم، ~~والنيل من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم، وسلب الأموال بالقمار، والافتخار ~~على الأبرام. وقرىء «إثم كثير» - بالثاء - وفي قراءة أبي «وإثمهما ~~أقرب». ومعنى الكثرة أن أصحاب الشرب والقمار يقترفون فيهما الآثام من ~~وجوه كثيرة { العفو } نقيض الجهد وهو أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه ~~الجهد واستفراغ الوسع، قال # خذي العفو مني تستديمي مودتي # ويقال للأرض السهلة العفو. وقرىء بالرفع والنصب. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. 119 # " أن رجلا أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال خذها مني ~~صدقة، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه من الجانب الأيمن ~~فقال مثله فأعرض عنه، ثم أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه فقال هاتها ~~مغضبا، فأخذها فخذفه بها خذفا لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال «يجيء ~~أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى " # { فى الدنيا والأخرة } إما أن يتعلق بتتفكرون، فيكون المعنى ~~لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم ~~أن العفو أصلح من الجهد في النفقة، أوتتفكرون في الدارين فتؤثرون ~~أبقاهما وأكثرهما منافع. ويجوز أن يكون إشارة إلى قوله { وإثمهما ~~أكبر من نفعهما } لتتفكروا في عقاب الإثم في الآخرة والنفع في ~~الدنيا. حتى لا تختاروا النفع العاجل على النجاة من العقاب العظيم. # وإما أن يتعلق { يبين } على معنى يبين لكم الآيات في أمر الدارين وفيما ~~يتعلق بهما لعلكم تتفكرون، لما نزلت # إن الذى يأكلون أمول اليتمى ظلما # النساء 10 اعتزلوا اليتامى وتحاموهم وتركوا مخالطتهم والقيام بأموالهم ms0204 ~~والاهتمام بمصالحهم، فشق ذلك عليهم وكاد يوقعهم في الحرج. فقيل { ~~إصلاح لهم خير } أي مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم ~~خير من مجانبتهم { وإن تخالطوهم } وتعاشروهم ولم تجانبوهم { ف ~~} هم { إخونكم } في الدين، ومن حق الأخ أن يخالط أخاه، وقد ~~حملت المخالطة على المصاهرة { والله يعلم المفسد من ~~المصلح } أي لا يخفى على الله من داخلهم بإفساد وإصلاح فيجازيه على ~~حسب مداخلته، فاحذروه ولا تتحروا غير الإصلاح { ولو شاء الله ~~لاعنتكم } لحملكم على العنت وهو المشقة وأحرجكم فلم يطلق لكم ~~مداخلتهم. وقرأ طاوس «قل إصلاح إليهم». ومعناه إيصال الصلاح وقرىء ~~«لعنتكم»، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وكذلك { فلا إثم ~~عليه }. # إن الله عزيز # البقرة 173 غالب يقدر على أن يعنت عباده ويحرجهم ولكنه { حكيم } لا ~~يكلف إلا ما تتسع فيه طاقتهم. ### || [2.221] # { ولا تنكحوا } وقرىء بضم التاء، أي لا تتزوجوهن أو لا ~~تزوجوهن. و { المشركت } الحربيات، والآية ثابتة. وقيل المشركات ~~الحربيات والكتابيات جميعا، لأن أهل الكتاب من أهل الشرك، لقوله تعالى { ~~وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى ~~المسيح ابن الله } إلى قوله تعالى # سبحنه عما يشركون # التوبة 31، وهي منسوخة بقوله تعالى # والمحصنت من الذين أوتوا الكتب من قبلكم # المائدة 5. وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط. وهو قول ابن ~~عباس والأوزاعي وروي. 120 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثد بن ~~أبي مرثد الغنوي إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين وكان يهوى امرأة ~~في الجاهلية اسمها عناق، فأتته وقالت ألا نخلو؟ فقال ويحك إن الإسلام قد ~~حال بيننا. فقالت فهل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فاستأمره فنزلت { ولامة مؤمنة ~~خير } ولامرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة، وكذلك { ولعبد ~~مؤمن } لأن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه { ولو أعجبتكم } ~~ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم وتحبونها، فإن المؤمنة خير منها مع ~~ذلك { أولئك } إشارة إلى المشركات والمشركين، أي يدعون إلى الكفر ~~فحقهم أن لا ms0205 يوالوا ولا يصاهروا ولا يكون بينهم وبين المؤمنين إلا ~~المناصبة والقتال { والله يدعو إلى الجنة } يعني وأولياء ~~الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة { والمغفرة } وما يوصل إليهما ~~فهم الذين تجب موالاتهم ومصاهرتهم، وأن يؤثروا على غيرهم { بإذنه ~~} بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي تستحق به الجنة والمغفرة. وقرأ الحسن ~~«والمغفرة بإذنه» - بالرفع - أي والمغفرة حاصلة بتيسيره. ### || [2.222-223] # { المحيض } مصدر. يقال حاضت محيضا، كقولك جاء مجيئا وبات مبيتا ~~{ قل هو أذى } أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة منه وكراهة ~~له { فاعتزلوا النساء } فاجتنبوهن يعني فاجتنبوا مجامعتهن. روي ~~121 أن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ~~ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس، فلما ~~نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهن فأخرجوهن من بيوتهن، فقال ناس من ~~الأعراب يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك ~~سائر أهل البيت وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فقال عليه الصلاة ~~والسلام # " إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من ~~البيوت كفعل الأعاجم " # وقيل إن النصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، واليهود كانوا ~~يعتزلونهن في كل شيء، فأمر الله بالاقتصاد بين الأمرين، وبين الفقهاء ~~خلاف في الاعتزال، فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه ~~الإزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج، وروى محمد حديث عائشة ~~رضي الله عنها أن عبد الله بن عمر سألها هل يباشر الرجل امرأته وهي ~~حائض؟ فقالت تشد إزارها على سفلتها، ثم ليباشرها إن شاء. وما روى زيد بن ~~أسلم 122 أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي ~~وهي حائض؟ قال # " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها " # ، ثم قال وهذا قول أبي حنيفة. وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها قالت يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك وقرىء «يطهرن» ~~بالتشديد، أي يتطهرن، بدليل قوله { فإذا تطهرن } وقرأ عبد الله ~~«حتى يتطهرن». و«يطهرن» ms0206 بالتخفيف. والتطهر الاغتسال. والطهر انقطاع دم ~~الحيض. وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن ~~يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا ~~يقربها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة. وذهب الشافعي إلى أنه لا ~~يقربها حتى تطهر وتطهر، فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح. ويعضده ~~قوله { فإذا تطهرن }. { من حيث أمركم الله } من ~~المأتى الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل { إن الله يحب ~~التوبين } مما عسى يندر منهم من ارتكاب مانهوا عنه من ذلك { ~~ويحب المتطهرين } المتنزهين عن الفواحش. أو إن الله يحب ~~التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين ~~من جميع الأقذار كمجامعة الحائض والطاهر قبل الغسل، وإتيان ما ليس بمباح، ~~وغير ذلك { حرث لكم } مواضع الحرث لكم. # وهذا مجاز، شبهن بالمحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف التي ~~منها النسل بالبذور. وقوله { فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~تمثيل، أي فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة ~~شئتم. لا تحظر عليكم جهة دون جهة، والمعنى جامعوهن من أي شق أردتم بعد أن ~~يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث. وقوله { هو أذى فاعتزلوا ~~النساء } ، { من حيث أمركم الله } ، { فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم } من الكنايات اللطيفة والتعريضات ~~المستحسنة. وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة على المؤمنين أن ~~يتعلموها ويتأدبوا بها ويتكلفوا مثلها في محاورتهم ومكاتبتهم. وروي 123 ~~أن اليهود كانوا يقولون من جامع امرأته وهي مجبية من دبرها في قبلها كان ~~ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذبت اليهود ~~ونزلت. { وقدموا لأنفسكم } ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة ~~وما هو خلاف ما نهيتكم عنه. وقيل هو طلب الولد، وقيل التسمية على الوطء { ~~واتقوا الله } فلا تجترئوا على المناهي { واعلموا أنكم ~~ملقوه } فتزودوا ما لا تفتضحون به { وبشر المؤمنين } ~~المستوجبين للمدح والتعظيم بترك القبائح وفعل الحسنات فإن قلت ما موقع ~~قوله { نساؤكم حرث ms0207 لكم } مما قبله؟ قلت موقعه موقع البيان ~~والتوضيح لقوله { فأتوهن من حيث أمركم الله } يعني ~~أن المأتى الذي أمركم الله به هو مكان الحرث، ترجمة له وتفسيرا، أو ~~إزالة للشبهة، ودلالة على أن الغرض الأصيل في الإتيان هو طلب النسل لا ~~قضاء الشهوة، فلا تأتوهن إلا من المأتي الذي يتعلق به هذا الغرض. فإن ~~قلت ما بال { يسألونك } جاء بغير واو ثلاث مرات، ثم مع الواو ~~ثلاثا؟ قلت كان سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة، فلم ~~يؤت بحرف العطف لأن كل واحد من السؤالات سؤال مبتدأ. وسألوا عن الحوادث ~~الأخر في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل يجمعون لك بين السؤال ~~عن الخمر والميسر، والسؤال عن الإنفاق، والسؤال عن كذا وكذا. ### || [2.224-225] # العرضة فعلة بمعنى مفعول، كالقبضة والغرفة، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء ~~من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه. تقول ~~فلان عرضة دون الخير. والعرضة أيضا المعرض للأمر. قال # فلا تجعلوني عرضة للوائم # ومعنى الآية على الأولى أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات، من صلة ~~رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد، أو عبادة، ثم يقول أخاف الله ~~أن أحنث في يميني، فيترك البر إرادة البر في يمينه، فقيل لهم { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لايمنكم } أي حاجزا لما حلفتم ~~عليه. وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة 124 # " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن ~~يمينك " # أي على شيء مما يحلف عليه. وقوله { أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا } عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي ~~البر والتقوى والإصلاح بين الناس. فإن قلت بم تعلقت اللام في لأيمانكم؟ ~~قلت بالفعل، أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخا وحجازا. ويجوز أن يتعلق ~~ب { عرضة } لما فيها من معنى الاعتراض، بمعنى لا تجعلوه شيئا ~~يعترض البر، من اعترضني كذا. ويجوز أن يكون ms0208 اللام للتعليل، ويتعلق أن ~~تبروا بالفعل أو بالعرضة، أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن ~~تبروا. ومعناها على الأخرى ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتبتذلوه ~~بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه # ولا تطع كل حلاف مهين # القلم 10 بأشنع المذام وجعل الحلاف مقدمتها. وأن تبروا علة للنهي، أي ~~إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلاف مجترىء على الله، غير معظم ~~له، فلا يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم ~~وإصلاح ذات بينهم. اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره. ولذلك ~~قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل «لغو» واللغو من اليمين ~~الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان، وهو الذي لا عقد معه. والدليل عليه # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن # المائدة 89، { بما كسبت قلوبكم } واختلف الفقهاء فيه، فعند ~~أبي حنيفة وأصحابه هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر ~~خلافه. وعند الشافعي هو قول العرب لا والله، وبلى والله، بما يؤكدون به ~~كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف. ولو قيل لواحد منهم سمعتك اليوم تحلف في ~~المسجد الحرام لأنكر ذلك، ولعله قال لا والله ألف مرة. وفيه معنيان ~~أحدهما { لا يؤاخذكم } أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه ~~أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، أي اقترفته من إثم القصد إلى ~~الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين ~~الغموس. والثاني { لا يؤاخذكم } أي لا يلزمكم الكفارة بلغو ~~اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم، أي بما ~~نوت قلوبكم وقصدت من الإيمان، ولم يكن كسب اللسان وحده { والله ~~غفور حليم } حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم. ### || [2.226-228] # قرأ عبد الله «آلوا من نسائهم». وقرأ ابن عباس «يقسمون من نسائهم» فإن ~~قلت كيف عدي بمن، وهو معدى بعلى؟ قلت قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى ~~البعد، فكأنه قيل يبعدون من نسائهم مؤلين أو ms0209 مقسمين. ويجوز أن يراد لهم { ~~من نسائهم تربص أربعة أشهر } كقوله لي منك كذا. ~~والإيلاء من المرأة أن يقول والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعدا على ~~التقييد بالأشهر. أو لا أقربك على الإطلاق. ولا يكون في ما دون أربعة ~~أشهر، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي. وحكم ذلك أنه إذا فاء إليها في ~~المدة بالوطء إن أمكنه أو بالقول إن عجز صح الفيء، وحنث القادر، ولزمته ~~كفارة اليمين، ولا كفارة على العاجز. وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند ~~أبي حنيفة. وعند الشافعي لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ثم ~~يوقف المولى، فإما أن يفيء وإما أن يطلق وإن أبى طلق عليه الحاكم. ومعنى ~~قوله { فإن فآءوا } فإن فاؤا في الأشهر، بدليل قراءة عبد الله «فإن ~~فاؤا فيهن» { فإن الله غفور رحيم } يغفر للمولين ما عسى ~~يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن ~~يكون على رضا منهن إشفاقا منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب ~~لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة { وإن عزموا الطلق } ~~فتربصوا إلى مضي المدة { فإن الله سميع عليم } وعيد على ~~إصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي رحمه الله معناه { فإن ~~فآءوا } { وإن عزموا } بعد مضي المدة. فإن قلت كيف موقع الفاء ~~إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدة التربص؟ قلت موقع صحيح لأن قوله { فإن ~~فآءوا } ، { وإن عزموا } تفصيل لقوله { للذين يؤلون ~~من نسائهم } والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول أنا نزيلكم هذا الشهر، ~~فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول. فإن قلت ~~ما تقول في قوله { فإن الله سميع عليم } وعزمهم الطلاق بما ~~يعلم ولا يسمع؟ قلت الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار، لا ~~يخلو من مقاولة ودمدمة ولا بد له من أن يحدث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك ~~حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان { والمطلقت } ~~أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء. فإن قلت كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ ~~يقتضي ms0210 العموم؟ قلت بل اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء ~~في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك. فإن قلت فما معنى الإخبار عنهن ~~بالتربص؟ قلت هو خبر في معنى الأمر. وأصل الكلام وليتربص المطلقات. ~~وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى ~~بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. # فهو يخبر عنه موجودا. ونحوه قولهم في الدعاء رحمك الله، أخرج في صورة ~~الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على ~~المبتدأ مما زاده أيضا فضل تأكيد. ولو قيل ويتربص المطلقات، لم يكن بتلك ~~الوكادة. فإن قلت هلا قيل يتربصن ثلاثة قروء، كما قيل { تربص ~~أربعة أشهر } وما معنى ذكر الأنفس؟ قلت في ذكر الأنفس تهييج لهن ~~على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، ~~وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها ~~على الطموح ويجبرنها على التربص. والقروء جمع قرء أو قرء، وهو الحيض، ~~بدليل قوله عليه الصلاة والسلام 125 # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # وقوله 126 # " طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان " # ولم يقل طهران. وقوله تعالى # واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ~~فعدتهن ثلثة أشهر # الطلاق 4 فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار. ولأن الغرض الأصيل في ~~العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذلك ~~كان الاستبراء من الأمة بالحيضة. ويقال أقرأت المرأة، إذا حاضت. وامرأة ~~مقرىء. وقال أبو عمرو بن العلاء دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها، أي ~~تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء. فإن قلت فما تقول في قوله تعالى # فطلقوهن لعدتهن # الطلاق 1 والطلاق الشرعي، إنما هو في الطهر؟ قلت معناه مستقبلات لعدتهن، ~~كما تقول لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلا لثلاث، وعدتهن الحيض ~~الثلاث. فإن قلت فما تقول في قول الأعشى # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # قلت أراد لما ضاع فيها من عدة نسائك، لشهرة القروء عندهم في الاعتداد ~~بهن، ms0211 أي من مدة طويلة كالمدة التي تعتد فيها النساء، استطال مدة غيبته ~~عن أهله كل عام لاقتحامه في الحروب والغارات. وأنه تمر على نسائه مدة ~~كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها، أو أراد من أوقات نسائك، فإن القرء ~~والقارىء جاء في معنى الوقت، ولم يرد لا حيضا ولا طهرا. فإن قلت فعلام ~~انتصب { ثلثة قروء }؟ قلت على أنه مفعول به كقولك المحتكر يتربص ~~الغلاء، أي يتربصن مضي ثلاثة قروء، أو على أنه ظرف، أي يتربصن مدة ثلاثة ~~قروء فإن قلت لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟ ~~قلت يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما ~~في الجمعية. ألا ترى إلى قوله { بأنفسهن } وما هي إلا نفوس كثيرة، ~~ولعل القروء كانت أكثر استعمالا في جمع قرء من الأقراء، فأوثر عليه ~~تنزيلا لقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم ثلاثة شسوع. # وقرأ الزهري «ثلاثة قرو»، بغير همزة { ما خلق الله فى ~~أرحامهن } من الولد أو من دم الحيض. وذلك إذا أرادت المرأة فراق ~~زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق على الولد ~~فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض قد طهرت، استعجالا للطلاق. ~~ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ~~ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه { إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الاخر } تعظيم لفعلهن، وأن من آمن ~~بالله وبعقابه لا يجترىء على مثله من العظائم. والبعولة جمع بعل، والتاء ~~لاحقة لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة. ويجوز أن يراد بالبعولة ~~المصدر من قولك بعل حسن البعولة، يعني وأهل بعولتهن { أحق ~~بردهن } برجعتهن. وفي قراءة أبي «بردتهن» { وفي ذلكم } في ~~مدة ذلك التربص. فإن قلت كيف جعلوا أحق بالرجعة، كأن للنساء حقا فيها؟ ~~قلت المعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على ~~قولها وكان هو أحق منها، إلا أن لها حقا في الرجعة { إن أرادوا } ~~بالرجعة ms0212 { إصلحا } لما بينهم وبينهن وإحسانا إليهن ولم يريدوا ~~مضارتهن { ولهن مثل الذى عليهن } ويجب لهن من الحق ~~على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهن { بالمعروف } بالوجه الذي لا ~~ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ~~ليس لهم ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه. والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب ~~الواجب في كونه حسنة، لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو ~~خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال { درجة } ~~زيادة في الحق وفضيلة. قيل المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل، وله ~~الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها. ### || [2.229-230] # { الطلاق } بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أي التطليق الشرعي ~~تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد ~~بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله # ثم ارجع البصر كرتين # الملك4 أي كرة بعد كرة، لا كرتين اثنتين. ونحو ذلك من التثاني التي ~~يراد بها التكرير قولهم لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك ودواليك. وقوله ~~تعالى { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن } تخيير ~~لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام ~~بمواجبهن، وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي علمهم. وقيل معناه ~~الطلاق الرجعي مرتان، لأنه لا رجعة بعد الثلاث، فإمساك بمعروف أي برجعة، ~~أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة، أو بأن لا يراجعها ~~مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها. وقيل بأن يطلقها الثالثة في ~~الطهر الثالث. وروي 127 أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ~~الثالثة؟ فقال عليه الصلاة والسلام # " أو تسريح بإحسان " # وعند أبي حنيفة وأصحابه الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، والسنة أن ~~لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه، لما روي في حديث ابن عمر ~~128 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له # " إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل قرء تطليقة " # وعند الشافعي. لا بأس بإرسال الثلاث. 129 لحديث العجلاني الذي لاعن ms0213 ~~امرأته فطلقها ثلاثا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ~~عليه. روي 130 أن جميلة بنت عبد الله بن أبي كانت تحت ثابت بن قيس بن ~~شماس وكانت تبغضه وهو يحبها. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا ~~رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعيب عليه ~~في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضا، إني رفعت ~~جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة ~~وأقبحهم وجها فنزلت، وكان قد أصدقها حديقة فاختلعت منه بها وهو أول خلع ~~كان في الإسلام. فإن قلت لمن الخطاب في قوله { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا }؟ إن قلت للأزواج لم يطابقه قوله { فإن خفتم ألا ~~يقيما حدود الله } وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين ~~منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت يجوز الأمران جميعا أن يكون أول الخطاب للأزواج، ~~وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره، وأن يكون ~~الخطاب كله للأئمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند ~~الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون { مما ءاتيتموهن } مما ~~أعطيتموهن من الصدقات { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله } إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من ~~مواجب الزوجية، لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها { فلا جناح ~~عليهما } فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت { فيما ~~افتدت به } فيما فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من ~~المهر. # والخلع بالزيادة على المهر مكروه وهو جائز في الحكم. وروي أن امرأة نشزت ~~على زوجها فرفعت إلى عمر رضي الله عنه، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ~~ثم دعاها فقال كيف وجدت مبيتك؟ قالت ما بت منذ كنت عنده أقر لعيني منهن. ~~فقال لزوجها اخلعها ولو بقرطها. قال قتادة يعني بمالها كله، هذا إذا كان ~~النشوز منها، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئا. وقرىء «إلا» أن ~~يخافا، ms0214 على البناء للمفعول وإبدال أن لا يقيما من ألف الضمير، وهو من بدل ~~الاشتمال كقولك خيف زيد تركه إقامة حدود الله. ونحوه # وأسروا النجوى الذين ظلموا # الأنبياء 3 ويعضده قراءة عبد الله «إلا أن تخافوا» وفي قراءة أبي «إلا ~~أن يظنا». ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن. يقولون أخاف أن يكون كذا، ~~وأفرق أن يكون، يريدون أظن { فإن طلقها } الطلاق المذكور الموصوف ~~بالتكرار في قوله تعالى { الطلق مرتان } واستوفى نصابه. أو ~~فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين { فلا تحل له من بعد } من ~~بعد ذلك التطليق. { حتى تنكح زوجا غيره } حتى تتزوج ~~غيره، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كما التزوج. ويقال ~~فلانة ناكح في بني فلان. وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره ~~وهو سعيد ابن المسيب. والذي عليه الجمهور أنه لا بد من الإصابة، لما روى ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها 131 أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن ~~الزبير تزوجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب وإنه طلقني قبل أن يمسني، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " # وروي 132 أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت فقالت إنه كان قد مسني، فقال ~~لها كذبت في قولك الأول، فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت أأرجع إلى زوجي ~~الأول. فقال قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك ما قال، ~~فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه قالت مثله لعمر رضي الله ~~عنه فقال إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك، فمنعها. # فإن قلت فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟ قلت ذهب سفيان ~~والأوزاعي وأبو عبيد ومالك وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائز عند أبي ~~حنيفة مع الكراهة. وعنه ms0215 أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم 133 # " أنه لعن المحلل والمحلل له " # وعن عمر رضي الله عنه لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وعن عثمان ~~رضي الله عنه لا نكاح إلا نكاح رغبة غير مدالسة { فإن طلقها } ~~الزوج الثاني. { أن يتراجعا } أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه ~~بالزواج { إن ظنا } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية. ولم ~~يقل إن علما أنهما يقيمان، لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله عز ~~وجل. ومن فسر الظن ههنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى، لأنك لا ~~تقول علمت أن يقوم زيد، ولكن علمت أنه يقوم، ولأن الإنسان لا يعلم ما في ~~الغد، وإنما يظن ظنا. ### || [2.231-232] # { فبلغن أجلهن } أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها. والأجل يقع ~~على المدة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي ~~به أجل، وكذلك الغاية والأمد، يقول النحويون «من» لابتداء الغاية، و ~~«إلى» لانتهاء الغاية. وقال # كل حي مستكمل مدة العمر ومود إذاانتهى ~~أمده # ويتسع في البلوغ أيضا فيقال بلغ البلد إذا شارفه وداناه. ويقال قد ~~وصلت، ولم يصل وإنما شارف، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا ~~وجه له، لأنها بعد تقضيه غير زوجة له و في غير عدة منه، فلا سبيل له ~~عليها { فأمسكوهن بمعروف } فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار ~~بالمراجعة { أو سرحوهن بمعروف } وإما أن يخليها حتى تنقضي ~~عدتها وتبين من غير ضرار { ولا تمسكوهن ضرارا } كان الرجل ~~يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها، ثم يراجعها لا عن حاجة، ولكن ~~ليطول العدة عليها، فهو الإمساك ضرارا { لتعتدوا } لتظلموهن. ~~وقيل لتلجئوهن إلى الافتداء { فقد ظلم نفسه } بتعريضها لعقاب ~~الله { ولا تتخذوا آيت الله هزوا } أي جدوا في الأخذ ~~بها والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها، وإلا فقد اتخذتموها هزوا ~~ولعبا. ويقال لمن يجد في الأمر إنما أنت لا عب وهازىء. ويقال كن ~~يهوديا وإلا ms0216 فلا تلعب بالتوراة. وقيل كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوج ~~ويقول كنت لاعبا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 134 # " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة " # { واذكروا نعمة الله عليكم } بالإسلام وبنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم { وما أنزل عليكم من الكتب ~~والحكمة } من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ~~{ يعظكم به } بما أنزل عليكم { فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن } إما أن يخاطب به الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد ~~انقضاء العدة ظلما وقسرا، ولحمية الجاهلية لا يتركونهن يتزوجن من شئن ~~من الأزواج. والمعنى أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن، ~~وإما أن يخاطب به الأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن روي 135 أنها ~~نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول. وقيل في ~~جابر بن عبد الله حين عضل بنت عم له. والوجه أن يكون خطابا للناس، أي لا ~~يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم ~~العاضلين. والعضل الحبس والتضييق. ومنه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم ~~يخرج. وأنشد لابن هرمة # وإن قصائدي لك فاصطنعني عقائل قد عضلن عن ~~النكاح # وبلوغ الأجل على الحقيقة. وعن الشافعي رحمه الله دل سياق الكلامين على ~~افتراق البلوغين { إذا ترضوا } إذا تراضى الخطاب والنساء { ~~بالمعروف } بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط وقيل بمهر ~~المثل. # ومن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها ~~فللأولياء أن يعترضوا. فإن قلت لمن الخطاب في قوله { ذلك يوعظ به ~~}؟ قلت يجوز أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد. ونحوه # ذلك خير لكم وأطهر # المجادلة 12 { أزكى لكم وأطهر } من أدناس الآثام، وقيل أزكى ~~وأطهر أفضل وأطيب { والله يعلم } ما في ذلك من الزكاء والطهر { ~~وأنتم لا تعلمون } ه، أو والله يعلم ما تستصلحون به من ~~الأحكام والشرائع وأنتم تجهلونه. ### || [2.233] # { يرضعن } مثل يتربصن في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد { ~~كاملين } توكيد كقوله # تلك عشرة ms0217 كاملة # البقرة 196 لأنه مما يتسامح فيه فتقول أقمت عند فلان حولين، ولم ~~تستكملهما. وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما «أن يكمل الرضاعة» وقرىء ~~«الرضاعة». بكسر الراء. «والرضعة». «وأن تتم الرضاعة» و«أن يتم ~~الرضاعة»، برفع الفعل تشبيها ل «أن» ب «ما» لتأخيهما في التأويل. ~~فإن قلت كيف اتصل قوله { لمن أراد } بما قبله؟ قلت هو بيان لمن ~~توجه إليه الحكم، كقوله تعالى # هيت لك # يوسف 23 لك بيان للمهيت به، أي هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع. وعن ~~قتادة حولين كاملين، ثم أنزل الله اليسر والتخفيف فقال { لمن أراد ~~أن يتم الرضاعة } أراد أنه يجوز النقصان، وعن الحسن ليس ذلك ~~بوقت لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر. وقيل اللام متعلقة ~~بيرضعن، كما تقول أرضعت فلانة لفلان ولده، أي يرضعن حولين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه ~~أن يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه، وهي مندوبة إلى ذلك ولا ~~تجبر عليه. ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة رحمه الله ما دامت زوجة ~~أو معتدة من نكاح. وعند الشافعي يجوز. فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق. ~~فإن قلت فما بال الوالدات مأمورات بأن يرضعن أولادهن؟ قلت إما أن يكون ~~أمرا على وجه الندب، وإما على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي ~~أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزا عن الاستئجار. وقيل أراد ~~الوالدات المطلقات. وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرنفس إلا وضاع { ~~وعلى المولود له } وعلى الذي يولد له وهو الوالد. و { له } في ~~محل الرفع على الفاعلية، نحو { عليهم } في # المغضوب عليهم # الفاتحة 7 فإن قلت لم قيل { المولود } له دون الوالد. قلت ليعلم ~~أن الوالدات إنما ولدن لهم، لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا ~~إلى الأمهات. وأنشد للمأمون بن الرشيد # فإنما أمهات الناس أوعية مستودعات وللآباء ~~أبناء # فكان عليهم أن يرزقوهن ويكسوهن إذا أرضعن ولدهم، كالأظآر. ألا ترى أنه ms0218 ~~ذكره باسم الوالد حيث لم يكن هذا المعنى، وهو قوله تعالى # واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا # لقمان 33، { بالمعروف } تفسيره ما يعقبه، وهو أن لا يكلف واحد ~~منهما ما ليس في وسعه ولا يتضارا. وقرىء «لا تكلف» بفتح التاء ولا نكلف ~~بالنون. وقرىء «لا تضار» بالرفع على الإخبار، وهو يحتمل البناء للفاعل ~~والمفعول، وأن يكون الأصل تضارر بكسر الراء، وتضارر بفتحها. # وقرأ { لا تضآر } بالفتح أكثر القراء. وقرأ الحسن بالكسر على النهي، ~~وهو محتمل للبناءين أيضا. ويبين ذلك أنه قرىء «لا تضارر»، ولا ~~«تضارر»، بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها. وقرأ أبو جعفر لا «تضار»، ~~بالسكون مع التشديد على نية الوقف. وعن الأعرج «لا تضار» بالسكون ~~والتخفيف، وهو من ضاره يضيره. ونوى الوقف كما نواه أبو جعفر، أو اختلس ~~الضمة فظنه الراوي سكونا. وعن كاتب عمر بن الخطاب «لا تضرر». والمعنى لا ~~تضار والدة زوجها بسبب ولدها، وهو أن تعنف به وتطلب منه ما ليس بعدل من ~~الرزق والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وأن تقول بعد ما ~~ألفها الصبي اطلب له ظئرا، وما أشبه ذلك ولا يضار مولود له امرأته بسبب ~~ولده، بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها ولا يأخذه منها ~~وهي تريد إرضاعه، ولا يكرهها على الإرضاع. وكذلك إذا كان مبنيا للمفعول ~~فهو نهي عن أي يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وعن أن يلحق بها الضرار ~~بالزوج من قبلها بسبب الولد، ويجوز أن يكون { تضار } بمعنى تضر، وأن ~~تكون الباء من صلته، أي لا تضر والدة بولدها، فلا تسيء غذاءه وتعهده، ~~ولا تفرط فيما ينبغي له، ولا تدفعه إلى الأب بعد ما ألفها. ولا يضر ~~الوالد به بأن ينتزعه من يدها أو يقصر في حقها فتقصر هي في حق الولد. فإن ~~قلت كيف قيل بولدها وبولده؟ قلت لما نهيت المرأة عن المضارة أضيف إليها ~~الولد استعطافا لها عليه وأنه ليس بأجنبي منها. فمن حقها أن ms0219 تشفق عليه ~~وكذلك الوالد { وعلى الوارث } عطف على قوله { وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن } ، وما بينهما تفسير للمعروف معترض ~~بين المعطوف والمعطوف عليه. فكان المعنى وعلى وارث المولود له مثل ما وجب ~~عليه من الرزق والكسوة، أي إن مات المولود لزم من يرثه أن يقوم مقامه في ~~أن يرزقها ويكسوها بالشريطة التي ذكرت من المعروف وتجنب الضرار. وقيل هو ~~وارث الصبي الذي لو مات الصبي ورثه. واختلفوا، فعند ابن أبي ليلى كل من ~~ورثه، وعند أبي حنيفة من كان ذا رحم محرم منه. وعند الشافعي لا نفقة فيما ~~عدا الولاد. وقيل من ورثه من عصبته مثل الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن ~~العم. وقيل المراد وارث الأب وهو الصبي نفسه، وأنه إن مات أبوه وورثه ~~وجبت عليه أجرة رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبرت ~~الأم على إرضاعه. وقيل على الوارث على الباقي من الأبوين من قوله 136 ~~«واجعله الوارث منا» { فإن أرادا فصالا } صادرا { عن تراض ~~منهما وتشاور فلا جناح عليهما } في ذلك، زادا على ~~الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد. # وقيل هو في غاية الحولين لا يتجاوز، وإنما اعتبر تراضيهما في الفصال ~~وتشاورهما أما الأب فلا كلام فيه، وأما الأم فلأنها أحق بالتربية وهي ~~أعلم بحال الصبي. وقرىء «فإن أراد». استرضع منقول من أرضع. يقال أرضعت ~~المرأة الصبي، واسترضعتها الصبي، لتعديه إلى مفعولين، كما تقول أنجح ~~الحاجة، واستنجحته الحاجة والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد ~~المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول استنجحت الحاجة ولا تذكر من استنجحته، ~~وكذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول { إذا سلمتم ~~} إلى المراضع { ما ءاتيتم } ما أردتم إيتاءه، كقوله تعالى # إذا قمتم إلى الصلاة # المائدة 6 وقرىء «ما أتيتم»، من أتى إليه إحسانا إذا فعله. ومنه قوله ~~تعالى # إنه كان وعده مأتيا # مريم 61 أي مفعولا. وروى شيبان عن عاصم «ما أوتيتم»، أي ما آتاكم الله ~~وأقدركم عليه من الأجرة، ونحوه # وأنفقوا مما ms0220 جعلكم مستخلفين فيه # الحديد 7 وليس التسليم بشرط للجواز والصحة، وإنما هو ندب إلى الأولى. ~~ويجوز أن يكون بعثا على أن يكون الشيء الذي تعطاه المرضع من أهنى ما ~~يكون، لتكون طيبة النفس راضية، فيعود ذلك إصلاحا لشأن الصبي واحتياطا ~~في أمره، فأمرنا بإيتائه ناجزا يدا بيد، كأنه قيل إذا أديتم إليهن ~~يدا بيد ما أعطيتموهن { بالمعروف } متعلق بسلمتم، أمروا أن يكونوا ~~عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه. ناطقين بالقول الجميل، مطيبين لأنفس ~~المراضع بما أمكن، حتى يؤمن تفريطهن بقطع معاذيرهن. ### || [2.234-235] # { والذين يتوفون منكم } على تقدير حذف المضاف، أراد ~~وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن. وقيل معناه يتربصن بعدهم، كقولهم السمن ~~منوان بدرهم. وقرىء «يتوفون» بفتح الياء أي يستوفون آجالهم، وهي قراءة ~~علي رضي الله عنه. والذي يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة، ~~فقال له رجل من المتوفي - بكسر الفاء، فقال الله تعالى. وكان أحد الأسباب ~~الباعثة لعلي رضي الله عنه على أن أمره بأن يضع كتابا في النحو- تناقضه ~~هذه القراءة { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا } يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل عشرا ~~ذهابا إلى الليالي والأيام داخلة معها، ولا تراهم قط يستعملون التذكير ~~فيه ذاهبين إلى الأيام. تقول صمت عشرا، ولو ذكرت خرجت من كلامهم. ومن ~~البين فيه قوله تعالى # إن لبثتم إلا عشرا # طه 103 ثم # إن لبثتم إلا يوما # طه 104 { فإذا بلغن أجلهن } فإذا انقضت عدتهن { فلا ~~جناح عليكم } أيها الأئمة وجماعة المسلمين { فيما فعلن فى ~~أنفسهن } من التعرض للخطاب { بالمعروف } بالوجه الذي لا ~~ينكره الشرع. والمعنى أنهن لو فعلن ما هو منكر كان على الأئمة أن يكفوهن. ~~وإن فرطوا كان عليهم الجناح { فيما عرضتم به } هو أن يقول لها ~~إنك لجميلة أو صالحة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوج، وعسى الله أن ييسر لي ~~امرأة صالحة، ونحو ذلك من الكلام الموهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها ~~عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح، فلا يقول إني أريد أن أنكحك، ms0221 أو ~~أتزوجك، أو أخطبك. وروى ابن المبارك عن عبد الله بن سليمان عن خالته قالت ~~دخل علي أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدتي فقال قد علمت قرابتي من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام، فقلت غفر ~~الله لك! أتخطبني في عدتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال أوقد فعلت! إنما أخبرتك ~~بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعي، قد دخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة فتوفي عنها، فلم ~~يزل يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده ~~من شدة تحامله عليها، فما كانت تلك خطبة. فإن قلت أي فرق بين الكناية ~~والتعريض؟ قلت الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، كقولك طويل ~~النجاد والحمائل لطول القامة وكثير الرماد للمضياف. والتعريض أن تذكر ~~شيئا تدل به على شيء لم تذكره، كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك ~~لأسلم عليك، ولأنظر إلى وجهك الكريم. ولذلك قالوا # وحسبك بالتسليم مني تقاضيا # وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ~~ما يريده { أو أكننتم فى أنفسكم } أو سترتم وأضمرتم في ~~قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين { علم الله ~~أنكم ستذكرونهن } لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم ~~فيهن ولا تصبرون عنه، وفيه طرف من التوبيخ كقوله # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم # البقرة 187. فإن قلت أين المستدرك بقوله { ولكن لا ~~تواعدوهن }؟ قلت هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه، تقديره علم ~~الله أنكم ستذكرونهن فاذكروهن، ولكن لا تواعدوهن سرا. والسر وقع ~~كناية عن النكاح الذي هو الوطء، لأنه مما يسر. قال الأعشى # ولا تقربن من جارة إن سرها عليك حرام ~~فانكحن أو تأبدا # ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح { ~~إلا أن تقولوا قولا معروفا } وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا. ~~فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء؟ قلت بلا ms0222 تواعدوهن، أي لا تواعدوهن ~~مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة. أي لا تواعدوهن إلا بأن تقولوا، ~~أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض. ولا يجوز أن يكون استثناء منقطعا من { ~~سرا } لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض. وقيل معناه لا ~~تواعدوهن جماعا، وهو أن يقول لها إن نكحتك كان كيت وكيت، يريد ما يجري ~~بينهما تحت اللحاف. إلا أن تقولوا قولا معروفا يعني من غير رفث ولا ~~إفحاش في الكلام. وقيل لا تواعدوهن سرا أي في السر على أن المواعدة في ~~السر عبارة عن المواعدة بما يستهجن، لأن مسارتهن في الغالب بما يستحيا ~~من المجاهرة به. وعن ابن عباس رضي الله عنهما { إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا } هو أن يتواثقا أن لا تتزوج غيره { ولا ~~تعزموا عقدة النكاح } من عزم الأمر وعزم عليه، وذكر العزم ~~مبالغة في النهي عن عقدة النكاح في العدة. لأن العزم على الفعل يتقدمه، ~~فإذا نهي عنه كان عن الفعل أنهى ومعناه ولا تعزموا عقد عقدة النكاح. ~~وقيل معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح وحقيقة العزم القطع، بدليل قوله عليه ~~السلام. 137 # " لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " # وروي «لمن لم يبيت الصيام» { حتى يبلغ الكتب أجله } ~~يعني ما كتب وما فرض من العدة { يعلم ما فى أنفسكم } من ~~العزم على ما لا يجوز { فاحذروه } ولا تعزموا عليه. { غفور ~~حليم } لا يعاجلكم بالعقوبة. ### || [2.236-237] # { لا جناح عليكم } لا تبعة عليكم من إيجاب مهر { إن ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن } ما لم تجامعوهن { أو ~~تفرضوا لهن فريضة } إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو حتى ~~تفرضوا، وفرض الفريضة تسمية المهر. وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن ~~سمى لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها فليس لها نصف مهر المثل ~~ولكن المتعة. والدليل على أن الجناح تبعة المهر قوله { وإن ~~طلقتموهن } إلى قوله { فنصف ما فرضتم } فقوله فنصف ما ~~فرضتم إثبات للجناح المنفي ثمة، والمتعة درع وملحفة وخمار على حسب الحال ~~عند أبي حنيفة، إلا ms0223 أن يكون مهر مثلها أقل من ذلك. فلها الأقل من نصف مهر ~~المثل ومن المتعة، ولا ينقص من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ~~ينقص من نصفها. و { الموسع } الذي له سعة. و { المقتر } الضيق ~~الحال. و { قدره } مقداره الذي يطيقه، لأن ما يطيقه هو الذي يختص ~~به. وقرىء بفتح الدال. والقدر والقدر لغتان. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. 138 # " أنه قال لرجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا، ثم طلقها قبل ~~أن يمسها «أمتعتها»؟ قال لم يكن عندي شيء. قال «متعها بقلنسوتك» " # وعند أصحابنا لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها، وتستحب لسائر المطلقات ولا ~~تجب. { متعا } تأكيد لمتعوهن، بمعنى تمتيعا { بالمعروف } ~~بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة { حقا } صفة لمتاعا، أي متاعا ~~واجبا عليهم. أو حق ذلك حقا { على المحسنين } على الذين يحسنون ~~إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال صلى الله عليه ~~وسلم. 139 # " من قتل قتيلا فله سلبه " # { إلا أن يعفون } يريد المطلقات. فإن قلت أي فرق بين قولك الرجال ~~يعفون. والنساء يعفون؟ قلت الواو في الأول ضميرهم، والنون علم الرفع. ~~والواو في الثاني لام الفعل والنون ضميرهن، والفعل مبني لا أثر في لفظه ~~للعامل وهو في محل النصب ويعفو عطف على محله. و { الذى بيده ~~عقدة النكاح } الولي يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا ~~يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة ما رآني ولا خدمته ولا استمتع بي فكيف ~~آخذ منه شيئا، أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي. ~~وقيل هو الزوج، وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملا، وهو مذهب أبي حنيفة ~~والأول ظاهر الصحة. وتسمية الزيادة على الحق عفوا فيها نظر، إلا أن ~~يقال كان الغالب عندهم أن يسوق إليها المهر عند التزوج، فإذا طلقها ~~استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها. # أو سماه عفوا على طريق المشاكلة. وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة ~~وطلقها قبل أن يدخل ms0224 بها فأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو. وعنه أنه ~~دخل على سعد بن أبي وقاص فعرض عليه بنتا له فتزوجها، فلما خرج طلقها ~~وبعث إليها بالصداق كاملا، فقيل له لم تزوجتها؟ فقال عرضها علي فكرهت ~~رده. قيل فلم بعثت بالصداق؟ قال فأين الفضل؟ و { الفضل } التفضل. أي ~~ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض وتتمرؤا ولا تستقصوا، وقرأ الحسن «أن ~~يعفو الذي» بسكون الواو وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما ~~بالألف لأنهما أختاها. وقرأ أبو نهيك «وأن يعفو»، بالياء. وقرىء «ولا ~~تنسو الفضل»، بكسر الواو. ### || [2.238-239] # { والصلوة الوسطى } أي الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من ~~قولهم للأفضل الأوسط. وإنما أفردت وعطفت على الصلاة لانفرادها بالفضل وهي ~~صلاة العصر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب. 140 # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم نارا " # وقال عليه الصلاة و السلام. 141 # " إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب " # وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف 142 إذا بلغت هذه الآية فلا ~~تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، ~~فأملت عليه والصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن عائشة وابن عباس رضي الله ~~عنهم والصلاة الوسطى وصلاة العصر بالواو. فعلى هذه القراءة يكون التخصيص ~~لصلاتين إحداهما الصلاة الوسطى، إما الظهر، وإما الفجر وإما المغرب، ~~على اختلاف الروايات فيها، والثانية العصر، وقيل فضلها لما في وقتها من ~~اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما هي صلاة ~~الظهر لأنها في وسط النهار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها ~~بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشد على أصحابه منها. وعن مجاهد هي الفجر لأنها ~~بين صلاتي النهار وصلاتي الليل. وعن قبيصة بن ذؤيب هي المغرب، لأنها وتر ~~النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث وقرأ عبد الله «وعلى الصلاة الوسطى» ~~وقرأت عائشة رضي الله عنها «والصلاة الوسطى» بالنصب على المدح والاختصاص. ~~وقرأ نافع «الوصطى»، ms0225 بالصاد { وقوموا لله } في الصلاة { ~~قنتين } ذاكرين لله في قيامكم. والقنوت أن تذكر الله قائما. وعن ~~عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا. وعن مجاهد هو الركود وكف الأيدي ~~والبصر. وروي أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمد ~~بصره أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا { ~~فإن خفتم } فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره { فرجالا } فصلوا ~~راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام، أو رجل يقال رجل رجل، أي راجل. وقرىء ~~«فرجالا». بضم الراء، «ورجالا» بالتشديد «ورجلا». وعند أبي حنيفة رحمه ~~الله لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف وعند الشافعي ~~رحمه الله يصلون في كل حال، والراكب يومىء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة { ~~فإذا أمنتم } فإذا زال خوفكم { فاذكروا الله كما ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون } من صلاة الأمن، أو فإذا ~~أمنتم فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما ~~علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن. ### || [2.240] # تقديره فيمن قرأ وصية بالرفع ووصية الذين يتوفون، أو وحكم الذين يتوفون ~~وصية لأزواجهم، أو والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم. وفيمن قرأ بالنصب ~~والذين يتوفون يوصون وصية، كقولك إنما أنت سير البريد، بإضمار تسير. أو ~~والزم الذين يتوفون وصية. وتدل عليه قراءة عبد الله «كتب عليكم الوصية ~~لأزواجكم متاعا إلى الحول»، مكان قوله { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزوجا وصية لازواجهم متعا إلى ~~الحول } وقرأ أبي «متاع لأزواجهم متاعا». وروي عنه «فمتاع ~~لأزواجهم». ومتاعا نصب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل. ~~وعلى قراءة أبي متاعا نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع كقولك الحمد لله ~~حمد الشاكرين، وأعجبني ضرب لك زيدا ضربا شديدا. و { غير إخراج ~~} مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول. أو بدل من متاعا. أو حال من ~~الأزواج، أي غير مخرجات. والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا ~~قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، ms0226 أي ينفق عليهن من ~~تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة ~~بقوله { أربعة أشهر وعشرا } وقيل نسخ ما زاد منه على هذا ~~المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن. واختلف في السكنى، ~~فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن { فيما فعلن فى أنفسهن ~~} من التزين والتعرض للخطاب { من معروف } مما ليس بمنكر شرعا. فإن ~~قلت كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة؟ قلت قد تكون الآية متقدمة في ~~التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى # سيقول السفهاء # البقرة 142 مع قوله # قد نرى تقلب وجهك في السماء # البقرة 144. ### || [2.241-242] # { وللمطلقت متع } عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما ~~أوجبها لواحدة منهن وهي المطلقة غير المدخول بها، وقال { حقا على ~~المتقين } كما قال ثمة { حقا على المحسنين }. وعن سعيد بن جبير ~~وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة. وقيل قد تناولت التمتيع ~~الواجب والمستحب جميعا. وقيل المراد بالمتاع نفقة العدة. ### || [2.243-244] # { ألم تر } تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأخبار الأولين، ~~وتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأن هذا ~~الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجيب. روي أن أهل داوردان قرية قبل ~~واسط وقع فيها الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ~~ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وقضائه. وقيل مر عليهم حزقيل بعد زمان ~~طويل وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فلوى شدقه وأصابعه تعجبا مما رأى، ~~فأوحى إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن الله، فنادى، فنظر إليهم قياما ~~يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. وقيل هم قوم من بني إسرائيل ~~دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذرا من الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام ~~ثم أحياهم { وهم ألوف } فيه دليل على الألوف الكثيرة. واختلف في ~~ذلك، فقيل عشرة، وقيل ثلاثون، وقيل سبعون. ومن بدع التفاسير. { ألوف } ~~متآلفون، جمع آلف كقاعد وقعود. فإن قلت ما معنى قوله { فقال لهم ~~الله موتوا }؟ قلت معناه فأماتهم، وإنما جيء به ms0227 على هذه العبارة ~~للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة ~~خارجة عن العادة، كأنهم أمروا بشيء فامتثلوه امتثالا من غير إباء ولا ~~توقف، كقوله تعالى # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة، وأن الموت إذا ~~لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل الله. { لذو ~~فضل على الناس } حيث يبصرهم ما يعتبرون به ويستبصرون، كما بصر ~~أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم. أو لذو فضل على الناس حيث أحيى أولئك ~~ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم البعث. والدليل على أنه ~~ساق هذه القصة بعثا على الجهاد ما أتبعه من الأمر بالقتال في سبيل الله. ~~{ واعلموا أن الله سميع } يسمع ما يقوله المتخلفون ~~والسابقون { عليم } بما يضمرونه وهو من وراء الجزاء. ### || [2.245] # إقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه. والقرض الحسن إما ~~المجاهدة في نفسها، وإما النفقة في سبيل الله { أضعافا كثيرة } ~~قيل الواحد بسبعمائة. وعن السدي كثيرة لا يعلم كنهها إلا الله { ~~والله يقبض ويبسط } يوسع على عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه ~~بما وسع عليكم لا يبد لكم الضيقة بالسعة { وإليه ترجعون } ~~فيجازيكم على ما قدمتم. ### || [2.246] # { لنبى لهم } هو يوشع أو شمعون أو اشمويل { ابعث لنا } ~~أنهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره، ~~طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من التأمير ~~على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره. وروي أنه ~~أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميرا عليهم { نقتل } قرىء ~~بالنون والجزم على الجواب. وبالنون والرفع على أنه حال، أي ابعثه لنا ~~مقدرين القتال. أو استئناف كأنه قال لهم ما تصنعون بالملك؟ فقالوا ~~نقاتل. وقرىء «يقاتل» بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة ~~لملكا. وخبر عسيتم { ألا تقتلوا } والشرط فاصل بينهما. ~~والمعنى هل قاربتم أن لا ms0228 تقاتلوا؟ يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا ~~تقاتلون؟ أراد أن يقول عسيتم أن لا تقاتلوا، بمعنى أتوقع جبنكم عن ~~القتال، فأدخل هل مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون. وأراد بالاستفهام ~~التقرير، وتثبيت أن المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى # هل أتى على الإنسن # الإنسان 1 معناه التقرير. وقرىء «عسيتم» بكسر السين وهي ضعيفة { وما ~~لنا ألا نقتل } وأي داع لنا إلى ترك القتال، وأي غرض لنا فيه ~~{ وقد أخرجنا من ديرنا وأبنائنا } وذلك أن قوم ~~جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ~~ملوكهم أربعمائة وأربعين. { إلا قليلا منهم } قيل كان القليل ~~منهم ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر { والله عليم ~~بالظلمين } وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد. ### || [2.247] # { طالوت } اسم أعجمي كجالوت وداود. وإنما امتنع من الصرف لتعريفه ~~وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم. ووزنه إن ~~كان من الطول « فعلوت» منه، أصله طولوت، إلا أن امتناع صرفه يدفع أن ~~يكون منه، إلا أن يقال هو اسم عبراني وافق عربيا، كما وافق حنطاء حنطة، ~~وبشمالاها لها رحمانا رحيما بسم الله الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما ~~لو كان عربيا، وكان أحد سببيه العجمة لكونه عبرانيا { أنى } كيف ~~ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له. فإن قلت، ما الفرق بين ~~الواوين في { ونحن أحق } ، { ولم يؤت }؟ قلت الأولى للحال، ~~والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، قد انتظمتهما معا في ~~حكم واو الحال. والمعنى كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك ~~لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به. وإنما ~~قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهوذا ~~ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلا سقاء أو دباغا فقيرا. ~~وروي أن نبيهم دعا الله تعالى حين طلبوا منه ملكا، فأتى بعصا يقاس بها ~~من يملك عليهم، فلم ms0229 يساوها إلا طالوت { قال إن الله اصطفه ~~عليكم } يريد أن الله هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح ~~منكم ولا اعتراض على حكم الله. ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب ~~والمال وهما العلم المبسوط والجسامة. والظاهر أن المراد بالعلم المعرفة ~~بما طلبوه لأجله من أمر الحرب. ويجوز أن يكون عالما بالديانات وبغيرها. ~~وقيل قد أوحي إليه ونبىء. وذلك أن الملك لا بد أن يكون من أهل العلم، ~~فإن الجاهل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيما يملأ العين جهارة لأنه ~~أعظم في النفوس وأهيب في القلوب. والبسطة السعة والامتداد. وروي أن الرجل ~~القائم كان يمد يده فينال رأسه { يؤتى ملكه من يشاء } أي ~~الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء من يستصلحه للملك { والله ~~وسع } الفضل والعطاء، يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد ~~الفقر { عليم } بمن يصطفيه للملك. ### || [2.248] # { التابوت } صندوق التوراة. وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه ~~فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون. والسكينة السكون والطمأنينة، ~~وقيل هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت، لها رأس كرأس الهر وذنب كذنبه ~~وجناحان، فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا ~~وسكنوا ونزل النصر، وعن علي رضي الله عنه كان لها وجه كوجه الإنسان ~~وفيها ريح هفافة { وبقية } هي رضاض الألواح وعصى موسى وثيابه وشيء ~~من التوراة، وكان رفعه الله تعالى بعد موسى عليه السلام فنزلت به ~~الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، فكان ذلك آية لاصطفاء الله طالوت. وقيل ~~كان مع موسى ومع أنبياء بني إسرائيل بعده يستفتحون به. فلما غيرت بنو ~~إسرائيل غلبهم عليه الكفار فكان في أرض جالوت، فلما أراد الله أن يملك ~~طالوت أصابهم ببلاء حتى هلكت خمس مدائن، فقالوا هذا بسبب التابوت بين ~~أظهرنا، فوضعوه على ثورين، فساقهما الملائكة إلى طالوت. وقيل كان من خشب ~~الشمشار مموها بالذهب. نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. وقرأ أبي وزيد ~~بن ثابت «التابوه» بالهاء وهي لغة ms0230 الأنصار. فإن قلت ماوزن التابوت؟ قلت ~~لا يخلو من أن يكون فعلوتا أو فاعولا، فلا يكون «فاعولا» لقلته، نحو سلس ~~وقلق، ولأنه تركيب غير معروف فلا يجوز ترك المعروف إليه، فهو إذا ~~«فعلوت» من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا ~~يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من ~~مودعاته. وأما من قرأ بالهاء فهو «فاعول» عنده، إلا فيمن جعل هاءه بدلا ~~من التاء، لاجتماعهما في الهمس وأنهما من حروف الزيادة. ولذلك أبدلت من ~~تاء التأنيث. وقرأ أبو السمال «سكينة»، بفتح السين والتشديد وهو غريب. ~~وقرىء «يحمله»، بالياء، فإن قلت من { ءال موسى وءال هرون }؟ ~~قلت الأنبياء من بني يعقوب بعدهما. لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوى بن ~~يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما. ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون. ~~والآل مقحم لتفخيم شأنهما. ### || [2.249] # { فصل } عن موضع كذا إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله فصل نفسه، ثم كثر ~~محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل. وقيل فصل عن البلد ~~فصولا. ويجوزأن يكون فصله فصلا، وفصل فصولا كوقف وصد ونحوهما. ~~والمعنى انفصل عن بلده { بالجنود } روي أنه قال لقومه لا يخرج معي ~~رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا رجل متزوج ~~بامرأة لم يبن عليها، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ. فاجتمع إليه ~~مما اختاره ثمانون ألفا، وكان الوقت قيظا وسلكوا مفازة، فسألوا أن يجري ~~الله لهم نهرا، ف { قال إن الله مبتليكم } بما ~~اقترحتموه من النهر { فمن شرب منه } فمن ابتدأ شربه من النهر بأن ~~كرع فيه { فليس مني } فليس بمتصل بي ومتحد معي، من قولهم فلان مني، ~~كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما. ويجوز أن يراد فليس من جملتي وأشياعي { ~~ومن لم يطعمه } ومن لم يذقه، من طعم الشيء، إذا ذاقه. ومنه ~~طعم الشيء، لمذاقه. قال # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم. ويقال ما ذقت غماضا. ونحوه ms0231 من ~~الابتلاء ما ابتلى الله به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان ~~شرعا، بل هو أشد منه وأصعب. وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي. وإن ~~كان نبيا كما يروي عن بعضهم فبالوحي. وقرىء «بنهر» بالسكون. فإن ~~قلت مم استثنى قوله { إلا من اغترف }؟ قلت من قوله { فمن ~~شرب منه فليس مني } والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا ~~أنها قدمت للعناية كما قدم # والصبئون # المائدة 69 في قوله { إن الذين ءامنوا والذين هادوا ~~والصبئون } ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، ~~والدليل عليه قوله { فشربوا منه } أي فكرعوا فيه { إلا ~~قليلا منهم } وقرىء «غرفة» بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى ~~المغروف. وقرأ أبي والأعمش «إلا قليل»، بالرفع. وهذا من ميلهم مع المعنى ~~والإعراض عن اللفظ جانبا، وهو باب جليل من علم العربية. فلما كان معنى { ~~فشربوا منه } في معنى فلم يطيعوه، حمل عليه، كأنه قيل فلم يطيعوه ~~إلا قليل منهم. ونحوه قول الفرزدق # ............ لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف # كأنه قال لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف. وقيل لم يبق مع طالوت إلا ~~ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا { والذين ءامنوا } يعني القليل { قال ~~الذين يظنون } يعني الخلص منهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاه ~~الله وأيقنوه. أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله، ~~والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة. وقيل الضمير في { ~~قالوا لا طاقة لنا } للكثير الذين انخذلوا، والذين يظنون هم ~~القليل الذين ثبتوا معه، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما. يظهر أولئك ~~عذرهم في الانخذال، ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به. وروي أن الغرفة ~~كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته. والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم ~~العطش. ### || [2.250-251] # و جالوت جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ~~ثلثمائة رطل { وثبت أقدامنا } وهب لنا ما نثبت به في مداحض ~~الحر من قوة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب. كان ~~إيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ms0232 ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وهو صغير ~~يرعى الغنم، فأوحي إلى اشمويل أن داود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت، ~~فطلبه من أبيه، فجاء وقد مر في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن ~~يحمله وقالت له إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت ~~فقتله، وزوجه طالوت بنته. وروي أنه حسده وأراد قتله ثم تاب { وآته ~~الله الملك } في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو ~~إسرائيل على ملك قط قبل داود { والحكمة } والنبوة { وعلمه ~~مما يشاء } من صنعة الدروع، وكلام الطير والدواب وغير ذلك { ~~ولولا دفع الله الناس } ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ~~ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت ~~مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. وقيل ولولا أن الله ينصر ~~المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين. أو لو ~~لم يدفعهم بهم لعم الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض. ### || [2.252] # { تلك آيت الله } يعني القصص التي اقتصها، من حديث الألوف ~~وإماتتهم وإحيائهم، وتمليك طالوت وإظهاره بالآية التي هي نزول التابوت من ~~السماء، وغلبة الجبابرة على يد صبي { بالحق } باليقين الذي لا يشك ~~فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك { وإنك لمن المرسلين } ~~حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار. ### || [2.253-254] # { تلك الرسل } إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، ~~أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم { فضلنا ~~بعضهم على بعض } لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات { ~~منهم من كلم الله } منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير ~~وهو موسى عليه السلام. وقرىء «كلم الله» بالنصب. وقرأ اليماني «كالم ~~الله»، من المكالمه، ويدل عليه قولهم كليم الله، بمعنى مكالمه { ورفع ~~بعضهم درجت } أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد ~~تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة. والظاهر أنه أراد محمدا صلى ~~الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم، ms0233 حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات ~~المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر. ولو لم يؤت إلا القرآن وحده ~~لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية ~~على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء ~~قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، ~~والمتميز الذي لا يلتبس. ويقال للرجل من فعل هذا؟ فيقول أحدكم أو بعضكم، ~~يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به ~~وأنوه بصاحبه. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟ فذكر زهيرا والنابغة ثم قال ~~ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم ~~أمره. ويجوز أن يريد إبراهيم ومحمدا وغيرهما من أولي العزم من الرسل. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه. 143 كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، ~~فذكرنا نوحا بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله إياه، ~~وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، ~~بعث إلى الناس كافة وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء ~~فدخل عليه السلام فقال # " فيم أنتم؟ فذكرنا له. فقال لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن ~~زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها " # فإن قلت فلم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ قلت لما أوتيا من ~~الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة. ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل ~~التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما ~~أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل. وهذا دليل بين أن من ~~زيد تفضيلا بالآيات منهم فقد فضل على غيره. ولما كان نبينا صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها. # كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهم ارزقنا شفاعته ~~يوم الدين { ولو شاء الله } مشيئة ms0234 إلجاء وقسر { ما اقتتل ~~الذين } من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير ~~بعضهم بعضا { ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن } ~~لالتزامه دين الأنبياء { ومنهم من كفر } إعراضه عنه { ولو ~~شاء الله ما اقتتلوا } كرره للتأكيد { ولكن الله ~~يفعل ما يريد } من الخذلان والعصمة { أنفقوا مما ~~رزقنكم } أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به { من قبل أن ~~يأتى يوم } لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه { ~~لا بيع فيه } حتى تبتاعوا ما تنفقونه { ولا خلة } حتى ~~يسامحكم أخلاؤكم به. وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمتكم من الواجب لم ~~تجدوا شفيعا يشفع لكم في حط الواجبات. لأن الشفاعة ثمة في زيادة الفضل ~~لا غير { والكفرون هم الظلمون } أراد والتاركون الزكاة ~~هم الظالمون، فقال { والكفرون } للتغليظ، كما قال في آخر آية ~~الحج # ومن كفر # النور 55 مكان ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله # وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة # فصلت 6 وقرىء «لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة» بالرفع. ### || [2.255] # { الحى } الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء، وهو على اصطلاح ~~المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر. و { القيوم } الدائم القيام ~~بتدبير الخلق وحفظه. وقريء «القيام»، «والقيم» والسنة ما يتقدم النوم من ~~الفتور الذي يسمي النعاس. قال ابن الرقاع العاملي # وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة ~~وليس بنائم # أي لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم لأن من جاز عليه ذلك استحال ~~أن يكون قيوما. ومنه حديث موسى. 144 أنه سأل الملائكة وكان ذلك من قومه ~~كطلب الرؤية أينام ربنا؟ فأوحى الله إليهم أن يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ~~ينام، ثم قال خذ بيدك قارورتين مملوءتين. فأخذهما، وألقى الله عليه ~~النعاس فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا، ثم أوحى إليه قل لهؤلاء إني ~~أمسك السموات والأرض بقدرتي، فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا. { من ذا ~~الذى يشفع عنده } بيان لملكوته وكبريائه. وأن أحدا لا يتمالك ~~أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن ms0235 له في الكلام، كقوله تعالى # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن # النبأ 38 { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } ما كان ~~قبلهم وما يكون بعدهم. والضمير لما في السموات والأرض لأن فيهم العقلاء، ~~أو لما دل عليه { من ذا } من الملائكة والأنبياء { من علمه } من ~~معلوماته { إلا بما شاء } إلا بما علم. الكرسي ما يجلس عليه، ولا ~~يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله { وسع كرسيه } أربعة أوجه أحدها ~~أن كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته، وما هو إلا تصوير ~~لعظمته وتخييل فقط، ولا كرسي ثمة ولا قعود، ولا قاعد، كقوله # وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا ~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويت ~~بيمينه # الزمر 67 من غير تصور قبضة وطي ويمين، وإنما هو تخييل لعظمة شأنه ~~وتمثيل حسي. ألا ترى إلى قوله { وما قدروا الله حق قدره ~~} والثاني وسع علمه وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم. ~~والثالث وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك.والرابع ما روي أنه ~~خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض، وهو إلى العرش كأصغر ~~شيء. وعن الحسن الكرسي هو العرش { ولا يؤوده } ولا يثقله ولا يشق ~~عليه { حفظهما } حفظ السموات والأرض { وهو العلى } الشأن { ~~العظيم } الملك والقدرة. فإن قلت كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من ~~غير حرف عطف؟ قلت ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت ~~عليه والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب ~~بين العصا ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه ~~غير ساه عنه. # والثانية لكونه مالكا لما يدبره. والثالثة لكبرياء شأنه. والرابعة ~~لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير ~~المرتضى. والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم ~~قدره. فإن قلت لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى ~~الله عليه وسلم 145 # " ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا ms0236 ~~يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك، ~~فما نزلت آية أعظم منها " # وعن علي رضي الله عنه سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر ~~وهو يقول 146 # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا ~~الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه ~~أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله " # وتذاكر الصحابة رضوان الله عليهم أفضل ما في القرآن، فقال لهم علي رضي ~~الله عنه. 147 أين أنتم عن آية الكرسي، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " يا علي، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، ~~وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم ~~الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي ~~" # قلت لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده ~~وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكرا له كان أفضل من ~~سائر الأذكار. وبهذا يعلم أن أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند الله علم ~~أهل العدل والتوحيد ولا يغرنك عنه كثرة أعدائه # فإن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام ~~الناس حسادا. ### || [2.256] # { لا إكراه فى الدين } أي لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار ~~والقسر، ولكن على التمكين والاختيار. ونحوه قوله تعالى # ولو شاء ربك لآمن من فى الارض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # يونس 99 أي لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكنه لم يفعل، وبنى الأمر على ~~الاختيار { قد تبين الرشد من الغي } قد تميز الإيمان من ~~الكفر بالدلائل الواضحة { فمن يكفر بالطغوت } فمن اختار ~~الكفر بالشيطان أو الأصنام والإيمان بالله { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } من الحبل الوثيق المحكم، المأمون انفصامها، ~~أي انقطاعها. وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، ~~حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه، فيحكم اعتقاده والتيقن به. ~~وقيل هو ms0237 إخبار في معنى النهي، أي لا تتكرهوا في الدين. ثم قال بعضهم هو ~~منسوخ بقوله # جهد الكفر والمنفقين واغلظ عليهم # التوبة 73وقيل هو في أهل الكتاب خاصة لأنهم حصنوا أنفسهم بأداء الجزية ~~وروي. 148 أنه كان لأنصاري من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل أن يبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال ~~والله لا أدعكما حتى تسلما، فأبيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال الأنصاري يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فنزلت ~~فخلاهما ### || [2.257] # { الله ولي الذين ءامنوا } أي أرادوا أن يؤمنوا يلطف بهم ~~حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان { والذين كفروا ~~} أي صمموا على الكفر أمرهم على عكس ذلك. أو الله ولي المؤمنين يخرجهم ~~من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يهديهم ويوفقهم له من حلها، ~~حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين { والذين كفروا أولياؤهم ~~} الشياطين { يخرجونهم } من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات ~~الشك والشبهة. ### || [2.258-259] # { ألم تر } تعجيب من محاجة نمروذ في الله وكفره به { أن آته ~~الله الملك } متعلق بحاج على وجهين أحدهما حاج لأن آتاه الله ~~الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك، ~~أو على أنه وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على أن آتاه ~~الله الملك، فكأن المحاجة كانت لذلك، كما تقول عاداني فلان لأني أحسنت ~~إليه، تريد أنه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان. ونحوه ~~قوله تعالى # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # الواقعة 82. والثاني حاج وقت أن آتاه الله الملك. فإن قلت كيف جاز أن ~~يؤتي الله الملك الكافر؟ قلت فيه قولان آتاه ما غلب به وتسلط من المال ~~والخدم والأتباع، وأما التغليب والتسليط فلا. وقيل ملكه امتحانا لعباده. ~~و { إذ قال } نصب بحاج أو بدل من آتاه إذ جعل بمعنى الوقت { أنا ~~أحى وأميت } يريد أعفو عن القتل وأقتل. وكان الاعتراض عتيدا ولكن ~~إبراهيم لما ms0238 سمع جوابه الأحمق لم يحاجه فيه، ولكن انتقل إلى ما لا يقدر ~~فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته أول شيء. وهذا دليل على جواز الانتقال ~~للمجادل من حجة إلى حجة. وقريء «فبهت الذي كفر» أي فغلب إبراهيم الكافر. ~~وقرأ أبو حيوة «فبهت»، بوزن قرب. وقيل كانت هذه المحاجة حين كسر الأصنام ~~وسجنه نمروذ، ثم أخرجه من السجن ليحرقه فقال له من ربك الذي تدعو إليه؟ ~~فقال ربي الذي يحيي ويميت. { أو كالذى } معناه. أو أرأيت مثل الذي ~~مر فحذف لدلالة { ألم تر } عليه لأن كلتيهما كلمة تعجيب. ويجوز ~~أن يحمل على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل أرأيت كالذي حاج إبراهيم أو ~~كالذي مر على قرية. والمار كان كافرا بالبعث، وهو الظاهر لانتظامه مع ~~نمروذ في سلك ولكلمة الاستبعاد التي هي أنى يحيى. وقيل هو عزير أو ~~الخضر، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة كما طلبه إبراهيم عليه ~~السلام. وقوله { أنى يحى } اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء، ~~واستعظام لقدرة المحيي. والقرية بيت المقدس حين خربه بختنصر. وقيل هي ~~التي خرج منها الألوف { وهى خاوية على عروشها } تفسيره ~~فيما بعد { يوما أو بعض يوم } بناء على الظن. روي أنه مات ضحى ~~وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس يوما، ثم ~~التفت فرأى بقية من الشمس فقال أو بعض يوم. وروي أن طعامه كان تينا ~~وعنبا. وشرابه عصيرا أو لبنا، فوجد التين والعنب كما جنيا، والشراب ~~على حاله { لم يتسنه } لم يتغير، والهاء أصلية أو هاء سكت. # واشتقاقه من السنة على الوجهين، لأن لامها هاء أو واو، وذلك أن الشيء ~~يتغير بمرور الزمان. وقيل أصله يتسنن، من الحمأ المسنون، فقلبت نونه حرف ~~علة، كتقضي البازي. ويجوز أن يكون معنى { لم يتسنه } لم تمر ~~عليه السنون التي مرت عليه، يعني هو بحاله كما كان كأنه لم يلبث مائة ~~سنة. وفي قراءة عبد الله «فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسن». وقرأ ~~أبي «لم يسنه»، بإدغام التاء في ms0239 السين { وانظر إلى حمارك } ~~كيف تفرقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه. ويجوز أن يراد وانظر إليه ~~سالما في مكانه كما ربطته، وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة عام من ~~غير علف ولا ماء، كما حفظ طعامه وشرابه من التغير { ولنجعلك ~~ءاية للناس } فعلنا ذلك يريد إحياءه بعد الموت وحفظ ما معه، وقيل ~~أتى قومه راكب حماره وقال أنا عزير، فكذبوه، فقال هاتوا التوراة فأخذ ~~يهذها هذا عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفا، فقالوا هو ~~ابن الله. ولم يقرأ التوراة ظاهرا أحد قبل عزير، فذلك كونه آية. وقيل ~~رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخا وهو شاب، فإذا حدثهم بحديث قالوا حديث ~~مائة سنة { وانظر إلى العظام } هي عظام الحمار أو عظام الموتى ~~الذين تعجب من إحيائهم { كيف ننشزها } كيف نحييها. وقرأ الحسن ~~«ننشرها»، من نشر الله الموتى، بمعنى أنشرهم فنشروا، وقريء بالزاي، بمعنى ~~نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. وفاعل تبين مضمر تقديره ~~فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير { قال أعلم أن الله ~~على كل شيء قدير } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، كما في ~~قولهم ضربني وضربت زيدا. ويجوز فلما تبين له ما أشكل عليه، يعني أمر ~~إحياء الموتى. وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما «فلما تبين له» على البناء ~~للمفعول. وقرىء «قال اعلم»، على لفظ الأمر وقرأ عبد الله «قيل اعلم». فإن ~~قلت فإن كان المار كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ قلت كان الكلام بعد ~~البعث ولم يكن إذ ذاك كافرا. ### || [2.260] # { أرنى } بصرني، فإن قلت كيف قال له { أو لم تؤمن } وقد علم ~~أنه أثبت الناس إيمانا؟ قلت ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة ~~الجليلة للسامعين. و { بلى } إيجاب لما بعد النفي، معناه بلى آمنت { ~~ولكن ليطمئن قلبى } ليزيد سكونا وطمأنينة بمضامة علم ~~الضرورة علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين، ~~ولأن علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري، فأراد ~~بطمأنينة القلب العلم ms0240 الذي لا مجال فيه للتشكيك. فإن قلت بم تعلقت اللام ~~في { ليطمئن }؟ قلت بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة ~~القلب { فخذ أربعة من الطير } قيل طاوسا وديكا وغرابا ~~وحمامة { فصرهن إليك } بضم الصاد وكسرها بمعنى فأملهن ~~واضممهن إليك قال # ولكن أطراف الرماح تصورها # وقال # وفرع يصير الجيد وحف كأنه على الليت قنوان ~~الكروم الدوالح # وقرأ ابن عباس رضي الله عنه «فصرهن» بضم الصاد وكسرها وتشديد الراء، من ~~صره يصره ويصره إذا جمعه، نحو ضره ويضره ويضره. وعنه «فصرهن» من التصرية ~~وهي الجمع أيضا { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ~~} يريد ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال. والمعنى على كل جبل من الجبال ~~التي بحضرتك وفي أرضك. وقيل كانت أربعة أجبل. وعن السدي سبعة { ثم ~~ادعهن } وقل لهن تعالين بإذن الله { يأتينك سعيا } ساعيات ~~مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن. فإن قلت ما معنى أمره بضمها ~~إلى نفسه بعد أن يأخذها؟ قلت ليتأملها ويعرف أشكالها وهيئاتها وحلاها ~~لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء ولا يتوهم أنها غير تلك ولذلك قال يأتينك ~~سعيا. وروي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ~~ويخلط ريشها ودماءها ولحومها، وأن يمسك رؤسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها ~~على الجبال، على كل جبل ربعا من كل طائر. ثم يصيح بها تعالين بإذن الله، ~~فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا ثم أقبلن فانضممن إلى رؤسهن، ~~كل جثة إلى رأسها. وقريء «جزأ» بضمتين. «وجزا»، بالتشديد. ووجهه أنه ~~خفف بطرح همزته، ثم شدد كما يشدد في الوقف، إجراء للوصل مجرى الوقف. ### || [2.261] # { مثل الذين ينفقون } لا بد من حذف مضاف، أي مثل نفقتهم ~~كمثل حبة، أو مثلهم كمثل باذر حبة. والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت ~~سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها ~~سبع سنابل، أن تخرج ساقا يتشعب منها سبع شعب، لكل واحدة سنبلة وهذا ~~التمثيل تصوير للإضعاف، كأنها ماثلة بين عيني الناظر. فإن قلت ms0241 كيف صح ~~هذا التمثيل والممثل به غير موجود؟ قلت بل هو موجود في الدخن والذرة ~~وغيرهما، وربما فرخت ساق البرة في الأراضي القوية المقلة فيبلغ حبها هذا ~~المبلغ، ولو لم يوجد لكان صحيحا على سبيل الفرض والتقدير فإن قلت هلا ~~قيل سبع سنبلات، على حقه من التمييز بجمع القلة كما قال # وسبع سنبلت خضر # يوسف 53؟ قلت هذا لما قدمت عند قوله # ثلثة قروء # البقرة 228 من وقوع أمثلة الجمع متعاورة مواقعها { والله يضعف ~~لمن يشاء } أي يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق، لتفاوت ~~أحوال المنفقين. أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها لمن يستوجب ~~ذلك. ### || [2.262] # المن أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه، ويريد أنه اصطنعه وأوجب عليه ~~حقا له وكانوا يقولون إذا صنعتم صنيعة فانسوها. ولبعضهم # وإن امرأ أسدى إلى صنيعة وذكرنيها مرة ~~للئيم # وفي نوابغ الكلم صنوان من منح سائله ومن، ومن منع نائله وضن. وفيها ~~طعم الآلاء أحلى من المن وهي أمر من الآلاء مع المن. والأذى أن يتطاول ~~عليه بسبب ما أزال إليه ومعنى «ثم» إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن ~~والأذى، وأن تركهما خير من نفس الإنفاق، كما جعل الاستقامة على الإيمان ~~خيرا من الدخول فيه بقوله # ثم استقموا # فصلت 30. فإن قلت أي فرق بين قوله { لهم أجرهم } وقوله فيما بعد ~~{ فلهم أجرهم }؟ قلت الموصول لم يضمن ههنا معنى الشرط. وضمنه ~~ثمة. والفرق بينهما من جهة المعنى أن الفاء فيها دلالة على أن الإنفاق ~~به استحق الأجر، وطرحها عار عن تلك الدلالة. ### || [2.263-264] # { قول معروف } رد جميل { ومغفرة } وعفو عن السائل إذا ~~وجد منه ما يثقل على المسؤل أو ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل، أو ~~وعفو من جهة السائل لأنه إذا رده ردا جميلا عذره { خير من ~~صدقة يتبعها أذى } وصح الإخبار عن المبتدأ النكرة لاختصاصه ~~بالصفة { والله غنى } لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي { حليم ~~} عن معاجلته بالعقوبة، وهذا سخط منه ووعيد له. ثم بالغ في ذلك بما ms0242 أتبعه ~~{ كالذى ينفق ماله } أي لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كإبطال المنافق الذي ينفق ماله { رئاء الناس } لا يريد بإنفاقه ~~رضاء الله ولا ثواب الآخرة { فمثله كمثل صفوان } مثله ~~ونفقته التي لا ينتفع بها البتة بصفوان بحجر أملس عليه تراب. وقرأ سعيد ~~بن المسيب «صفوان» بوزن كروان { فأصابه وابل } مطر عظيم القطر { ~~فتركه صلدا } أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه. ومنه صلد جبين ~~الأصلع إذا برق { لا يقدرون على شىء مما كسبوا } ~~كقوله # فجعلناه هباء منثورا # الفرقان 23 ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا ~~صدقاتكم مماثلين الذي ينفق. فإن قلت كيف قال { لا يقدرون } بعد ~~قوله { كالذى ينفق }؟ قلت أراد بالذي ينفق الجنس أو الفريق الذي ~~ينفق، ولأن «من» و «الذي» يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق. ### || [2.265] # { وتثبيتا من أنفسهم } وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو ~~شقيق الروح. وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة وعلى ~~الإيمان لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها ذلت ~~خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها، وبالعكس، فكان إنفاق المال ~~تثبيتا لها على الإيمان واليقين. ويجوز أن يراد وتصديقا للإسلام. ~~وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله، ~~علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه. «ومن» على ~~التفسير الأول للتبعيض، مثلها في قولهم هز من عطفه، وحرك من نشاطه. وعلى ~~الثاني لابتداء الغاية، كقوله تعالى # حسدا من عند أنفسهم # البقرة 109 ويحتمل أن يكون المعنى وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها ~~صادقة الإيمان مخلصة فيه. وتعضده قراءة مجاهد «وتبيينا من أنفسهم». فإن ~~قلت فما معنى التبعيض؟ قلت معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض ~~نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها # وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم وأنفسكم # الصف 11 والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله { كمثل جنة ~~} وهي البستان { بربوة } بمكان مرتفع. وخصها لأن الشجر ms0243 فيها أزكى ~~وأحسن ثمرا { أصابها وابل } مطر عظيم القطر { فأتت أكلها ~~} ثمرتها { ضعفين } مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل { فإن لم ~~يصبها وابل فطل } فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها. أو مثل ~~حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل ~~والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة ~~كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع زاكية ~~عند الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده. وقرىء «كمثل حبة»، و«بربوة» ~~ بالحركات الثلاث و«أكلها» بضمتين. ### || [2.266] # الهمزة في { أيود أحدكم } للإنكار. وقرىء له جنات، وذرية ~~ضعاف. والإعصار الريح التي تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء كالعمود. ~~وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله. فإذا كان يوم ~~القيامة وجدها محبطة، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان ~~وأجمعها للثمار فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم، ~~فهلكت بالصاعقة. وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عنها الصحابة فقالوا الله ~~أعلم، فغضب وقال قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنه في ~~نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك. قال ~~ضربت مثلا لعمل. قال لأي عمل؟ قال لرجل غني يعمل الحسنات. ثم بعث الله ~~له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها. وعن الحسن رضي الله عنه ~~هذا مثل قل والله يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ~~ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه ~~الدنيا. فإن قلت كيف قال { جنة من نخيل وأعناب } ثم قال { ~~له فيها من كل الثمرت } قلت النخيل والأعناب لما كانا أكرم ~~الشجر وأكثرها منافع، خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما وإن كانت ~~محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل ~~الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله # وكان ms0244 له ثمر # الكهف 34 بعد قوله # جنتين من أعنب وحففناهما بنخل # الكهف 32 فإن قلت علام عطف قوله { وأصابه الكبر }؟ قلت الواو ~~للحال لا للعطف. ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر. وقيل يقال وددت ~~أن يكون كذا ووددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل أيود ~~أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر. ### || [2.267] # { من طيبت ما كسبتم } من جياد مكسوباتكم { ومما ~~أخرجنا لكم } من الحب والثمر والمعادن وغيرها. فإن قلت فهلا قيل ~~وما أخرجنا لكم، عطفا على { ما كسبتم } حتى يشتمل الطيب على ~~المكسوب والمخرج من الأرض؟ قلت معناه ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه ~~حذف لذكر الطيبات { ولا تيمموا الخبيث } ولا تقصدوا المال ~~الرديء { منه تنفقون } تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال. وقرأ ~~عبد الله «ولا تأمموا»، وقرأ ابن عباس «ولا تيمموا»، بضم التاء. ويممه ~~وتيممه وتأممه، سواء في معنى قصده { ولستم بأخذيه } وحالكم أنكم ~~لا تأخذونه في حقوقكم { إلا أن تغمضوا فيه } إلا بأن تتسامحوا ~~في أخذه وتترخصوا فيه من قولك أغمض فلان عن بعض حقه، إذا غض بصره. ويقال ~~للبائع أغمض، أي لا تستقص، كأنك لا تبصر. وقال الطرماح # لم يفتنا بالوتر قوم وللضيم رجال يرضون ~~بالإغماض # وقرأ الزهري «تغمضوا». وأغمض وغمض بمعنى. وعنه «تغمضوا»، بضم الميم ~~وكسرها. من غمض يغمض ويغمض. وقرأ قتادة «تغمضوا»، على البناء ~~للمفعول، بمعنى إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. وقيل إلا أن توجدوا ~~مغمضين. وعن الحسن رضي الله عنه لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى ~~يهضم لكم من ثمنه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كانوا يتصدقون بحشف ~~التمر وشراره فنهوا عنه. ### || [2.268] # أي يعدكم في الإنفاق { الفقر } ويقول لكم أن عاقبة إنفاقكم أن ~~تفتقروا. وقريء «الفقر»، بالضم. «والفقر» بفتحتين والوعد يستعمل ~~في الخير والشر. قال الله تعالى # النار وعدها الله الذين كفروا # الحج 72 { ويأمركم بالفحشاء } ويغريكم على البخل ومنع ~~الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب البخيل { والله ~~يعدكم } في الإنفاق ms0245 { مغفرة } لذنوبكم وكفارة لها { وفضلا } ~~وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو ثوابا عليه في الآخرة. ### || [2.269] # { يؤتى الحكمة } يوفق للعلم والعمل به. والحكيم عند الله هو ~~العالم العامل وقرىء «ومن يؤت الحكمة» بمعنى ومن يؤته الله الحكمة. وهكذا ~~قرأ الأعمش. و { خيرا كثيرا } تنكير تعظيم، كأنه قال فقد أوتي أي ~~خير كثير { وما يذكر إلا أولو الألباب }. يريد الحكماء العلام العمال. ~~والمراد به الحث على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق. ### || [2.270] # { وما أنفقتم من نفقة } في سبيل الله، أو في سبيل الشيطان { ~~أو نذرتم من نذر } في طاعة الله، أو في معصيته { فإن ~~الله يعلمه } لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه { وما ~~للظلمين } الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي، ~~أو لا يفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي { من أنصار } ممن ينصرهم ~~من الله ويمنعهم من عقابه. ### || [2.271] # «ما» في { نعما } نكرة غير موصولة ولا موصوفة. ومعنى { فنعما ~~هى } فنعم شيئا إبداؤها. وقريء بكسر النون وفتحها { وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء } وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء { فهو ~~خير لكم } فالإخفاء خير لكم. والمراد الصدقات المتطوع بها، فإن ~~الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما «صدقات ~~السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل ~~من سرها بخمسة وعشرين ضعفا» وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل، لنفي ~~التهمة، حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، ~~والمتطوع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل { نكفر } وقرىء ~~بالنون مرفوعا عطفا على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ~~أي ونحن نكفر. أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة، ومجزوما عطفا ~~على محل الفاء وما بعده، لأنه جواب الشرط. وقرىء «ويكفر»، بالياء ~~مرفوعا، والفعل لله أو للاخفاء. وتكفر بالتاء، مرفوعا ومجزوما، والفعل ~~للصدقات. وقرأ الحسن رضي الله عنه بالياء والنصب بإضمار أن ومعناه إن ~~تخفوها يكن خيرا لكم، وأن يكفر عنكم. ### || [2.272] # { ليس عليك هداهم } لا ms0246 يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى ~~الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما ~~عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب { ولكن الله يهدى من ~~يشاء } يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه { وما ~~تنفقوا من خير } من مال { فلانفسكم } فهو لأنفسكم لا ~~ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم { ~~وما تنفقون } وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه الله ولطلب ما عنده، ~~فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ { وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم } ثوابه أضعافا مضاعفة، فلا ~~عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل ~~حجت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فأتتها أمها تسألها وهي مشركة، ~~فأبت أن تعطيها، فنزلت، وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه كانوا يتقون أن ~~يرضخوا لقراباتهم من المشركين. وروي أن ناسا من المسلمين كانت لهم ~~أصهار في اليهود ورضاع وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا ~~كرهوا أن ينفقوهم. وعن بعض العلماء لو كان شر خلق الله، لكان لك ثواب ~~نفقتك. واختلف في الواجب، فجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر ~~إلى أهل الذمة، وأباه غيره. ### || [2.273] # الجار متعلق بمحذوف. والمعنى اعمدوا للفقراء، واجعلوا ما تنفقون ~~للفقراء، كقوله تعالى # في تسع آيات # النمل 12 ويجوزأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي صدقاتكم للفقراء. و { ~~الذين أحصروا فى سبيل الله } هم الذين أحصرهم الجهاد { ~~لا يستطيعون } لاشتغالهم به { ضربا فى الارض } للكسب. وقيل ~~هم أصحاب الصفة، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم ~~مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته ~~يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار. وكانوا يخرجون في كل سرية ~~بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا ~~أمسى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما 149 وقف رسول الله صلى الله ms0247 عليه وسلم ~~يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال # " أبشروا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم ~~عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة " # { يحسبهم الجاهل } بحالهم { أغنياء من التعفف } ~~مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة { تعرفهم بسيمهم } من صفرة ~~الوجه ورثاثة الحال. والإلحاف الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء ~~يعطاه. من قولهم لحفني من فضل لحافه، أي أعطاني من فضل ما عنده. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم. 150 # " إن الله تعالى يحب الحيي الحليم المتعفف، ويبغض البذي السئال ~~الملحف " # ومعناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا وقيل هو نفي للسؤال ~~والإلحاف جميعا كقوله # على لاحب لا يهتدى بمناره # يريد نفي المنار والاهتداء به. ### || [2.274] # { الذين ينفقون أمولهم باليل والنهار سرا ~~وعلانية } يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما ~~نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. ~~وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار، ~~عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما نزلت في علي رضي الله عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، ~~فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية. وقيل ~~نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية. ### || [2.275-281] # { الربوا } كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة ~~وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع { لا يقومون } إذا بعثوا من ~~قبورهم { إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطن } أي ~~المصروع. وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان ~~فيصرع. والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا ~~يعتقدون. والمس الجنون. ورجل ممسوس، وهذا أيضا من زعماتهم، وأن الجني ~~يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ورأيتهم لهم في الجن ~~قصص وأخبار وعجائب، ms0248 وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات. فإن قلت بم يتعلق ~~قوله { من المس }؟ قلتب لا يقومون، أي لا يقومون من المس الذي بهم ~~إلا كما يقوم المصروع. ويجوز أن يتعلق بيقوم، أي كما يقوم المصروع من ~~جنونه. والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم ~~يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا ~~أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه ~~الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض { ذلك } العقاب ~~بسبب قولهم { إنما البيع مثل الربوا }. فإن قلت هلا قيل ~~إنما الربا مثل البيع لأن الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال ~~إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا لو اشترى ~~الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟ ~~قلت جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا ~~أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع. وقوله { وأحل ~~الله البيع وحرم الربوا } إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة ~~عل أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله ~~وتحريمه { فمن جاءه موعظة } فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي ~~عن الربا { فانتهى } فتبع النهي وامتنع { فله ما سلف } فلا ~~يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم { وأمره إلى الله ~~} يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به { ~~ومن عاد } إلى الربا { فأولئك أصحب النار هم ~~فيها خلدون } وهذا دليل بين على تخليد الفساق. وذكر فعل ~~الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ. وقرأ أبي ~~والحسن «فمن جاءته». { يمحق الله الربوا } يذهب ببركته ويهلك ~~المال الذي يدخل فيه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه الربا وإن كثر إلى قل. ~~{ ويربى الصدقت } ما يتصدق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد ~~المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه. # وفي الحديث. 151 # " ما نقصت زكاة من مال قط " # { كل ms0249 كفار أثيم } تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل ~~الكفار لا من فعل المسلمين. أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم ~~بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي أنها نزلت في ثقيف، وكان ~~لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا. وقرأ الحسن ~~رضي الله عنه «ما بقى»، بقلب الياء ألفا على لغة طيىء وعنه «ما بقي» ~~بياء ساكنة. ومنه قول جرير # هو الخليفة فارضوا ما رضي لكمو ماضي العزيمة ~~ما في حكمه جنف # { إن كنتم مؤمنين } إن صح إيمانكم، يعني أن دليل صحة الإيمان ~~وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك { فأذنوا بحرب } فاعلموا بها، ~~من أذن بالشيء إذا علم به. وقرىء «فآذنوا»، فأعلموا بها غيركم، وهو من ~~الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم. وقرأ الحسن «فأيقنوا»، وهو دليل ~~لقراءة العامة. فإن قلت هلا قيل بحرب الله ورسوله؟ قلت كان هذا أبلغ، ~~لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله. وروي أنها لما ~~نزلت قالت ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله. { وإن تبتم } من ~~الارتباء { فلكم رءوس أمولكم لا تظلمون } المديونين ~~بطلب الزيادة عليها { ولا تظلمون } بالنقصان منها. فإن قلت هذا ~~حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت قالوا يكون مالهم فيئا ~~للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم لا تظلمون ولا تظلمون { وإن كان ذو ~~عسرة } وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار وقرا عثمان رضي ~~الله عنه. «ذا عسرة» على وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرىءومن كان ذا عسرة ~~{ فنظرة } أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرىء «فنظرة» ~~بسكون الظاء. وقرأ عطاء «فناظره». بمعنى فصاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ~~صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل. ~~وعنه فناظره، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها { إلى ~~ميسرة } إلى يسار وقرىء بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. ~~وقرىء بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله ms0250 # وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا # وقوله تعالى # وإقام الصلاة # النور 37. { وأن تصدقوا خير لكم } ندب إلى أن يتصدقوا ~~برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى # وأن تعفوا أقرب للتقوى # البقرة 237. وقيل أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم. 152 # " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " # { إن كنتم تعلمون } أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به ~~وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرىء «تصدقوا» بتخفيف الصاد على حذف التاء { ~~ترجعون } قرىء على البناء للفاعل والمفعول وقرىء «يرجعون» بالياء ~~على طريقة الالتفات. وقرأ عبد الله «تردون» وقرأ أبي «تصيرون». وعن ابن ~~عباس أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال ضعها في رأس المائتين ~~والثمانين من البقرة. وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا ~~وعشرين يوما. وقيل أحدا وثمانين. وقيل سبعة أيام. وقيل ثلاث ساعات. ### || [2.282-283] # { إذا تداينتم } إذا داين بعضكم بعضا. يقال داينت الرجل عاملته { ~~بدين } معطيا أو آخذا كما تقول بايعته إذا بعته أو باعك. قال رؤبة # داينت أروى والديون تقضى فمطلت بعضا وأدت ~~بعضا # والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه. فإن قلت هلا قيل إذا تداينتم ~~إلى أجل مسمى وأي حاجة إلى ذكر «الدين» كما قال داينت أروى، ولم يقل ~~بدين؟ قلت ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله { فاكتبوه } إذ لو لم يذكر ~~لوجب أن يقال فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن. ولأنه أبين ~~بتنويع الدين إلى مؤجل وحال. فإن قلت ما فائدة قوله { مسمى } قلت ~~ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ~~ولو قال إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع الحاج، لم يجز لعدم التسمية. ~~وإنما أمر بكتبة الدين، لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، ~~والأمر للندب. وعن ابن عباس أن المراد به السلم، وقال لما حرم الله ~~الربا أباح السلف. وعنه أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم ~~في كتابه ms0251 وأنزل فيه أطول آية. { بالعدل } متعلق بكاتب صفة له، أي ~~كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط. لا يزيد على ما يجب أن ~~يكتب ولا ينقص. وفيه أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشروط حتى يجيء ~~مكتوبه معدلا بالشرع. وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا ~~إلا فقيها دينا { ولا يأب كاتب } ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو ~~معنى تنكير كاتب { أن يكتب كما علمه الله } مثل ما علمه ~~الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير. وقيل هو قوله تعالى # وأحسن كما أحسن الله إليك # القصص 77 أي ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها. وعن الشعبي هي ~~فرض كفاية، وكما علمه الله يجوز أن يتعلق بأن يكتب، وبقوله فليكتب. فإن ~~قلت أي فرق بين الوجهين؟ قلت إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من ~~الكتابة المقيدة، ثم قيل له { فليكتب } يعني فليكتب تلك الكتابة لا ~~يعدل عنها للتوكيد، وإن علقته بقوله فليكتب فقد نهى عن الامتناع من ~~الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة { وليملل الذى ~~عليه الحق } ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو ~~المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به. والإملاء والإملال لغتان قد نطق ~~بهما القرآن # فهى تملى عليه # الفرقان 5. { ولا يبخس منه } من الحق { شيئا } والبخس ~~النقص. وقرىء «شيا»، بطرح الهمزة «وشيا»، بالتشديد { سفيها } ~~محجورا عليه لتبذيره وجهله بالتصرف { أو ضعيفا } صبيا أو شيخا ~~مختلا { أو لا يستطيع أن يمل هو } أو غير مستطيع للإملاء ~~بنفسه لعي به أو خرس { فليملل وليه } الذي يلي أمره من وصي ~~إن كان سفيها أو صبيا، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه ~~وهو يصدقه. # وقوله تعالى { أن يمل هو } فيه أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره، ~~وهو الذي يترجم عنه { واستشهدوا شهيدين } واطلبوا أن يشهد ~~لكم شهيدان على الدين { من رجالكم } من رجال المؤمنين. والحرية ~~والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء. وعن علي رضي الله عنه لا تجوز ms0252 ~~شهادة العبد في شيء. وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتي أنها جائزة، ~~ويجوز عند أبي حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل. { ~~فإن لم يكونا } فإن لم يكن الشهيدان { رجلين فرجل ~~وامرأتان } فليشهد رجل وامرأتان، وشهادة النساء مع الرجال مقبولة ~~عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص { ممن ترضون } ممن تعرفون ~~عدالتهم { أن تضل إحداهما } أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن ~~تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له. وانتصابه على أنه مفعول له أي ~~إرادة أن تضل. فإن قلت كيف يكون ضلالها مرادا لله تعالى؟ قلت لما كان ~~الضلال سببا للإذكار، والإذكار مسببا عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب ~~والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه ~~الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت. ~~ونظيره قولهم أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء ~~عدو فأدفعه. وقرىء «فتذكر» بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان. و«فتذاكر». ~~وقرأ حمزة «إن تضل إحداهما» على الشرط. فتذكر بالرفع والتشديد، كقوله # ومن عاد فينتقم الله منه # المائدة 95 وقرىء «أن تضل إحداهما» على البناء للمفعول والتأنيث. ~~ومن بدع التفاسير فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا ~~اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر { إذا ما دعوا } ليقيموا الشهادة. وقيل ~~ليستشهدوا. وقيل لهم شهداء قبل التحمل، تنزيلا لما يشارف منزلة الكائن. ~~وعن قتادة كان الرجل يطوف في الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم ~~أحد، فنزلت. كني بالسأم عن الكسل، لأن الكسل صفة المنافق. ومن الحديث ~~153 # " لا يقول المؤمن كسلت " # ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير ~~كتابا، فربما مل كثرة الكتب. والضمير في { تكتبوه } للدين أو الحق ~~{ صغيرا أو كبيرا } على أي حال كان الحق من صغر أو كبر. ويجوز أن ~~يكون الضمير للكتاب وأن يكتبوه مختصرا أو مشبعا لا يخلوا بكتابته { ~~إلى أجله } إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته { ذلكم } ~~إشارة إلى أن تكتبوه، لأنه في ms0253 معنى المصدر، أي ذلكم الكتب { أقسط } ~~أعدل من القسط { وأقوم للشهدة } وأعون على إقامة الشهادة { ~~وأدنى ألا ترتابوا } وأقرب من انتفاء الريب. # فإن قلت مم بني أفعلا التفضيل، أعني أقسط، وأقوم؟ قلت يجوز على مذهب ~~سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة ~~النسب بمعنى ذي قسط، وأقوم من قويم. وقرىء «ولا يسأموا أن يكتبوه» بالياء ~~فيهما. فإن قلت ما معنى { تجرة حاضرة } وسواء أكانت المبايعة ~~بدين أوبعين فالتجارة حاضرة؟ وما معنى إدارتها بينهم؟ قلت أريد بالتجارة ~~ما يتجر فيه من الأبدال. ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يدا بيد. ~~والمعنى إلا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوه، ~~لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين. وقرىء تجارة حاضرة بالرفع على ~~كان التامة. وقيل هي الناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة والخبر تديرونها ~~وبالنصب على إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب. # بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوما ذا ~~كواكب أشنعا # أي إذا كان اليوم يوما { وأشهدوا إذا تبايعتم } أمر ~~بالإشهاد على التبايع مطلقا، ناجزا أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى ~~يقع من الاختلاف. ويجوز أن يراد وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني ~~التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة. وعن الحسن إن شاء ~~أشهد وإن شاء لم يشهد. وعن الضحاك هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل { ~~ولا يضآر } يحتمل البناء للفاعل والمفعول. والدليل عليه قراءة عمر ~~رضي الله عنه «ولا يضارر»، بالإظهار والكسر. وقراءة ابن عباس رضي الله ~~عنه «ولا يضارر»، بالإظهار والفتح. والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك ~~الإجابة إلى ما يطلب منهما. وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن ~~الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، ويلزا، أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل، ~~أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد وقرأ الحسن «ولا يضار»، بالكسر { وإن ~~تفعلوا } وإن تضاروا { فإنه } فإن الضرار { فسوق بكم } ~~وقيل وإن تفعلوا شيئا مما ms0254 نهيتم عنه { على سفر } مسافرين. وقرأ ~~ابن عباس وأبي رضي الله عنهما «كتابا». وقال ابن عباس أرأيت إن وجدت ~~الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة. وقرأ أبو العالية «كتبا». وقرأ الحسن ~~«كتابا»، جمع كاتب { فرهن } فالذي يستوثق به رهن. وقرىء «فرهن» ~~بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف. و«فرهان». فإن قلت لم شرط ~~السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر وقد 154 رهن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم درعه في غير سفر. قلت ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر ~~خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل ~~الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر، بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام ~~التوثق بالكتب والإشهاد. # وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوزاه إلا في حال السفر أخذا بظاهر ~~الآية، وأما القبض فلا بد من اعتباره. وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب ~~والقبول بدون القبض { فإن أمن بعضكم بعضا } فإن أمن بعض ~~الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به. وقرأ أبي «فإن أومن» أي آمنه الناس ~~ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله { ~~فليؤد#1649;لذى اؤتمن أمنته } حث المديون على أن ~~يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدي إليه الحق الذي ~~ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه ~~بترك الارتهان منه. والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياء، ~~فتقول الذي اؤتمن، أو الذي تمن. وعن عاصم أنه قرأ «الذي اتمن»، بإدغام ~~الياء في التاء، قياسا على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح. لأن ~~الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و «اتزر» عامي، وكذلك ريا ~~في رؤيا { ءاثم } خبر إن. و { قلبه } رفع بآثم على الفاعلية، كأنه ~~قيل فإنه يأثم قلبه. ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء. وآثم خبر مقدم، ~~والجملة خبر إن. فإن قلت هلا اقتصر على قوله { فإنه ءاثم }؟ وما ~~فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ؟ قلت كتمان ~~الشهادة هو ms0255 أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند ~~إليه، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ. ألا تراك تقول ~~إذا أردت التوكيد هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، ~~ولأن القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن ~~فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف ~~مكان فيه. ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، ~~وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه. ولأن ~~أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب ~~منها. ألا ترى أن أصل الحسنات والسيآت الإيمان والكفر، وهما من أفعال ~~القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم ~~الذنوب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله ~~تعالى # فقد حرم الله عليه الجنة # المائدة 72 وشهادة الزور، وكتمان الشهادة. وقرىء «قلبه»، بالنصب، كقوله # سفه نفسه # البقرة 130 وقرأ ابن أبي عبلة «أثم قلبه»، أي جعله إثما. ### || [2.284-285] # { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } يعني من السوء ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه ~~أو أضمره { ويعذب من يشاء } ممن استوجب العقوبة بالإصرار. ولا ~~يدخل فيما يخفيه الإنسان الوساوس وحديث النفس، لأن ذلك مما ليس في وسعه ~~الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه. وعن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما أنه تلاها فقال لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى حتى سمع نشيجه ~~فذكر لابن عباس فقال يغفر الله لأبي عبد الرحمن. قد وجد المسلمون منها ~~مثل ما وجد فنزل { لا يكلف الله } وقرىء «فيغفر» و«يعذب»، ~~مجزومين عطفا على جواب الشرط، ومرفوعين على فهو يغفر ويعذب. فإن قلت كيف ~~يقرأ الجازم؟ قلت يظهر الراء ويدغم الباء. ومدغم الراء في اللام لاحن ~~مخطىء خطأ فاحشا. وراويه عن أبي عمرو مخطىء مرتين، لأنه يلحن ms0256 وينسب إلى ~~أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم. والسبب في نحو هذه الروايات قلة ~~ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل ~~النحو. وقرأ الأعمش «يغفر» بغير فاء مجزوما على البدل من يحاسبكم، كقوله # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ~~ونارا تأججا # ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأن التفصيل أوضح من المفصل، ~~فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال، كقولك ضربت زيدا رأسه، ~~وأحب زيدا عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة ~~القبيلين إلى البيان. { والمؤمنون } إن عطف على الرسول كان الضمير ~~ الذي التنوين نائب عنه في كل راجعا إلى الرسول والمؤمنين، أي ~~كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين. ووقف عليه. وإن كان ~~مبتدأ كان الضمير للمؤمنين. ووحد ضمير كل في آمن على معنى كل واحد منهم ~~آمن، وكان يجوز أن يجمع، كقوله # وكل أتوه دخرين # النمل 87. وقرأ ابن عباس «وكتابه»، يريد القرآن أو الجنس وعنه الكتاب ~~أكثر من الكتب. فإن قلت كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت لأنه إذا ~~أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج ~~منه شيء. فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع { ~~لانفرق } يقولون لا نفرق. وعن أبي عمرو «يفرق» بالياء، على أن ~~الفعل لكل. وقرأ عبد الله «لا يفرقون». و { أحد } في معنى الجمع، ~~كقوله تعالى # فما منكم من أحد عنه حجزين # الحاقة 47 ولذلك دخل عليه بين. { سمعنا } أجبنا { غفرانك } ~~منصوب بإضمار فعله. يقال غفرانك لا كفرانك، أي نستغفرك ولا نكفرك وقرىء ~~«وكتبه ورسله» بالسكون. ### || [2.286] # الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، أي لا يكلفها إلا ما ~~يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود. وهذا إخبار عن عدله ~~ورحمته كقوله تعالى # يريد الله بكم اليسر # البقرة 185 لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ~~ويصوم أكثر ms0257 من الشهر، ويحج أكثر من حجة. وقرأ ابن أبي عبلة «وسعها» ~~بالفتح { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ينفعها ما ~~كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب ~~غيرها بطاعتها. فإن قلت لم خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب؟ قلت في ~~الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس وهي منجذبة إليه ~~وأمارة به، كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه. ولما لم ~~تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لادلالة فيه على الاعتمال. أي لا تؤاخذنا ~~بالنسيان أو الخطأ إن فرط منا. فإن قلت النسيان والخطأ متجاوز عنهما، فما ~~معنى الدعاء بترك المؤاخذة بهما؟ قلت ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما ~~هما مسببان عنه من التفريط والإغفال. ألا ترى إلى قوله # وما أنسانيه إلا الشيطن # الكهف 63 والشيطان لا يقدر على فعل النسيان، وإنما يوسوس فتكون وسوسته ~~سببا للتفريط الذي منه النسيان، ولأنهم كانوا متقين الله حق تقاته، فما ~~كانت تفرط منهم فرطة إلا على وجه النسيان والخطأ، فكان وصفهم بالدعاء ~~بذلك إيذانا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل إن كان النسيان ~~والخطأ مما يؤاخذ به، فما فيهم سبب مؤاخذة إلا الخطأ والنسيان، ويجوز أن ~~يدعو الإنسان بما علم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله لاستدامته ~~والاعتداد بالنعمة فيه. والإصر العبء الذي يأصر حامله أي يحبسه مكانه لا ~~يستقل به لثقله، استعير للتكليف الشاق، من نحو قتل الأنفس، وقطع موضع ~~النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك. وقرىء «آصارا» على الجمع. وفي قراءة ~~أبي «ولا تحمل» علينا بالتشديد. فإن قلت أي فرق بين هذه التشديدة ~~والتي في { ولا تحملنا }؟ قلت هذه للمبالغة في حمل عليه، وتلك ~~لنقل حمله من مفعول واحد إلى مفعولين { ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به } من العقوبات النازلة بمن قبلنا، طلبوا الإعفاء عن ~~التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على ~~تفريطهم في المحافظة عليها. وقيل المراد به الشاق الذي ms0258 لا يكاد يستطاع ~~من التكليف. وهذا تكرير لقوله { ولا تحمل علينا إصرا }. { ~~مولنا } سيدنا ونحن عبيدك. أو ناصرنا. أو متولي أمورنا { ~~فانصرنا } فمن حق المولى أن ينصر عبيده. أو فإن ذلك عادتك. # أو فإن ذلك من أمورنا التي عليك توليها. وعن ابن عباس. 155 «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما دعا بهذه الدعوات، قيل له عند كل كلمة قد ~~فعلت» وعنه عليه السلام. 156 # " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " # وعنه عليه السلام. 157 # " أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " # وعنه عليه السلام. 158 # " أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق ~~بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " # فإن قلت هل يجوز أن يقال قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة. قلت لا بأس ~~بذلك. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم «من آخر سورة البقرة» و ~~«خواتيم سورة البقرة» و «خواتيم البقرة». وعن علي رضي الله عنه «خواتيم ~~سورة البقرة من كنز تحت العرش» وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه ~~رمى الجمرة ثم قال «من ههنا والذي لا إله غيره رمى الذي أنزلت ~~عليه سورة البقرة» ولا فرق بين هذا وبين قولك سورة الزخرف وسورة الممتحنة ~~وسورة المجادلة. وإذا قيل قرأت البقرة، لم يشكل أن المراد سورة البقرة ~~كقوله # واسئل القرية # يوسف 82 وعن بعضهم أنه كره ذلك وقال يقال قرأت السورة التي تذكر فيه ~~البقرة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 159 # " السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة ~~وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة. قيل وما البطلة؟ قال السحرة ". ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-4] # { م } حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام، وأن يبدأ ما بعدها كما ~~تقول واحد اثنان وهي قراءة عاصم. وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها ~~حين أسقطت للتخفيف. فإن قلت ms0259 كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا ~~تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كثباتها؟ قلت هذا ~~ليس بدرج، لأن م في حكم الوقف والسكون والهمزة في حكم الثابت. وإنما ~~حذفت تخفيفا وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها. ونظيره قولهم ~~واحد اثنان، بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت هلا زعمت أنها حركة ~~لالتقاء الساكنين؟ قلت لأن التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، ~~وذلك قولك هذا إبراهيم وداود وإسحاق. ولو كان التقاء الساكنين في حال ~~الوقف يوجب التحريك لحرك الميمين في ألف لام ميم، لالتقاء الساكنين. ولما ~~انتظر ساكن آخر. فإن قلت إنما لم يحركوا لالتقاء الساكنين في ميم، لأنهم ~~أرادوا الوقف وأمكنهم النطق بساكنين، فإذا جاء ساكن ثالث لم يمكن إلا ~~التحريك فحركوا. قلت الدليل على أن الحركة ليست لملاقاة الساكن أنه كان ~~يمكنهم أن يقولوا واحد اثنان، بسكون الدال مع طرح الهمزة، فيجمعوا بين ~~ساكنين، كما قالوا أصيم، ومديق. فلما حركوا الدال علم أن حركتها هي حركة ~~الهمزة الساقطة لا غير وليست لالتقاء الساكنين. فإن قلت فما وجه قراءة ~~عمرو بن عبيد بالكسر؟ قلت هذه القراءة على توهم التحريك لالتقاء الساكنين ~~وما هي بمقولة. و { التوراة والإنجيل } اسمان أعجميان. وتكلف ~~اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعلة وأفعيل، إنما يصح بعد كونهما ~~عربيين. وقرأ الحسن «الأنجيل»، بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمة، لأن ~~أفعيل بفتح الهمزة عديم في أوزان العرب. فإن قلت لم قيل { ~~نزل الكتب } { وأنزل التوراة والإنجيل }؟ قلت ~~لأن القرآن نزل منجما، ونزل الكتابان جملة. وقرأ الأعمش «نزل عليك ~~الكتاب» بالتخفيف ورفع الكتاب { هدى للناس } أي لقوم موسى وعيسى. ~~ومن قال نحن متعبدون بشرائع من قبلنا فسره على العموم. فإن قلت ما المراد ~~بالفرقان؟ قلت جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل ~~أو الكتب التي ذكرها، كأنه قال بعد ذكر الكتب الثلاثة وأنزل ما يفرق به ~~بين الحق والباطل من كتبه، أو من هذه الكتب، أو ms0260 أراد الكتاب الرابع وهو ~~الزبور، كما قال # وءاتينا داوود زبورا # النساء 163 وهو ظاهر. أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له ومدح من كونه ~~فارقا بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه وإظهارا ~~لفضله { بآيات الله } من كتبه المنزلة وغيرها { ذو انتقام } له ~~انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم. ### || [3.5-6] # { لا يخفى عليه شىء } في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض، ~~فهو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه { كيف ~~يشاء } من الصور المختلفة المتفاوتة. وقرأ طاوس «تصوركم»، أي صوركم ~~لنفسه ولتعبده، كقولك أثلت مالا، إذا جعلته أثلة، أي أصلا. وتأثلته، ~~إذا أثلته لنفسك. وعن سعيد بن جبير هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ~~ربا، كأنه نبه بكونه مصورا في الرحم، على أنه عبد كغيره، وكان يخفى ~~عليه ما لا يخفى على الله. ### || [3.7] # { محكمت } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه { ~~متشبهت } مشتبهات محتملات { هن أم الكتب } أي أصل ~~الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها، ومثال ذلك # لا تدركه الابصر # الأنعام 103، # إلى ربها ناظرة # القيامة 23، # لا يأمر بالفحشاء # الأعراف 27. # أمرنا مترفيها # الإسراء 16. فإن قلت فهلا كان القرآن كله محكما؟ قلت لو كان كله محكما ~~لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص ~~والتأمل من النظر والاستدلال، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا ~~يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به، ولما في المتشابه من الابتلاء ~~والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء ~~وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة ~~والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة ~~في كلام الله ولا اختلاف، إذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره، وأهمه طلب ما ~~يوفق بينه ويجريه على سنن واحد، ففكر وراجع نفسه وغيره ففتح الله عليه ~~وتبين مطابقة المتشابه المحكم، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة في إيقانه ~~{ الذين فى قلوبهم زيغ } هم أهل البدع { فيتبعون ms0261 ما ~~تشبه منه } فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع ~~مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق { ابتغاء ~~الفتنة } طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم { وابتغاء ~~تأويله } وطلب أن يأولوه التأويل الذي يشتهونه { وما يعلم ~~تأويله إلا الله والرسخون في العلم } أي لا يهتدي ~~إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا في ~~العلم، أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع. ومنهم من يقف على قوله ~~إلا الله، ويبتدىء والراسخون في العلم يقولون ويفسرون المتشابه بما ~~استأثر الله بعلمه، وبمعرفة الحكمة فيه من آياته، كعدد الزبانية ونحوه ~~والأول هو الوجه. ويقولون كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء ~~العالمون بالتأويل { يقولون ءامنا به } أي بالمتشابه { كل ~~من عند ربنا } أي كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل ~~من متشابهه ومحكمه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه ولا يختلف ~~كتابه { وما يذكر إلا أولوا الالبب } مدح للراسخين ~~بإلقاء الذهن وحسن التأمل ويجوز أن يكون { يقولون } حالا من ~~الراسخين. وقرأ عبد الله «إن تأويله إلا عند الله». وقرأ أبي «ويقول ~~الراسخون». ### || [3.8-9] # { لا تزغ قلوبنا } لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا { بعد ~~إذ هديتنا } وأرشدتنا لدينك. أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا ~~{ من لدنك رحمة } من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة. وقرىء «لا ~~تزغ قلوبنا»، بالتاء والياء ورفع القلوب { جامع الناس ليوم } ~~أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم، كقوله تعالى # يوم يجمعكم ليوم الجمع # التغابن 9 وقرىء «جامع الناس»، على الأصل { إن الله لا يخلف ~~الميعاد } معناه أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك # إن الجواد لا يخيب سائله # والميعاد الموعد. قرأ علي رضي الله عنه «لن تغني» بسكون الياء، وهذا من ~~الجد في استثقال الحركة على حروف اللين. ### || [3.10-12] # { من } في قوله { من الله } مثله في قوله # وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا # النجم 28 والمعنى لن تغني عنهم من رحمة الله ms0262 أو من طاعة الله { شيئا ~~} أي بدل رحمته وطاعته وبدل الحق ومنه 160 «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» ~~أي لا ينفعه جده وحظه من الدنيا بذلك، أي بدل طاعتك وعبادتك وما عندك ~~وفي معناه قوله تعالى # وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى # سبأ 37 وقرىء «وقود»، بالضم بمعنى أهل وقودها. والمراد بالذين كفروا من ~~كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عباس هم قريظة والنضير. ~~الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه ~~وحاله، والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة كدأب من قبلهم من آل ~~فرعون وغيرهم. ويجوز أن ينتصب محل الكاف بلن تغني، أو بالوقود. أي لن ~~تغني عنهم مثل ما لم تغني عن أولئك أو توقد بهم النار كما توقد بهم، تقول ~~إنك لتظلم الناس كدأب أبيك تريد كظلم أبيك ومثل ما كان يظلمهم، وإن ~~فلانا لمحارف كدأب أبيه، تريد كما حورف أبوه { كذبوا ~~بئايتنا } تفسير لدأبهم مافعلوا وفعل بهم، على أنه جواب سؤال ~~مقدر عن حالهم { قل للذين كفروا } هم مشركو مكة { ~~ستغلبون } يعني يوم بدر. وقيل هم اليهود. ولما غلب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم بدر قالوا هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به ~~موسى، وهموا باتباعه. فقال بعضهم لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى، فلما ~~كان يوم أحد شكوا. وقيل 161 جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~وقعة بدر في سوق بني قينقاع، فقال # " يا معشر اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما ~~نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل " # ، فقالوا لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت ~~منهم فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فنزلت. وقرىء «سيغلبون ~~ويحشرون»، بالياء، كقوله تعالى # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم # الأنفال 38 على قل لهم قولي لك سيغلبون. فإن قلت أي فرق بين القراءتين ~~من حيث المعنى؟ قلت ms0263 معنى القراءة بالتاء الأمر بأن يخبرهم بما سيجري ~~عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم. فهو إخبار بمعنى سيغلبون ويحشرون وهو ~~الكائن من نفس المتوعد به والذي يدل عليه اللفظ، ومعنى القراءة بالياء ~~الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه. كأنه قال أد إليهم هذا ~~القول الذي هو قولي لك سيغلبون ويحشرون. ### || [3.13] # { قد كان لكم ءاية } الخطاب لمشركي قريش { في فئتين ~~التقتا } يوم بدر { يرونهم مثليهم } يرى المشركون ~~المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين. أو مثلي عدد المسلمين ~~ستمائة ونيفا وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ~~ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا لهم من الله كما أمدهم بالملائكة. ~~والدليل عليه قراءة نافع «ترونهم»، بالتاء أي ترون يا مشركي قريش ~~المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. فإن قلت فهذا مناقض لقوله ~~في سورة الأنفال # ويقللكم فى أعينهم # الأنفال 44. قلت قللوا أولا في أعينهم حتى احترؤا عليهم فلما لاقوهم ~~كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين. ~~ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان # الرحمن 39 وقوله تعالى # وقفوهم إنهم مسؤولون # الصافات 24 وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة ~~وإظهار الآية. وقيل يرى المسلمون المشركين مثلي المسلمين على ما قرر عليه ~~أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله تعالى # فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين # الأنفال 66 بعد ما كلفوا أن يقاوم الواحد العشرة في قوله تعالى # إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين # الأنفال 65 ولذلك وصف ضعفهم بالقلة لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف ~~وكان الكافرون ثلاثة أمثالهم. وقراءة نافع لا تساعد عليه. وقرأ ابن ~~مصرف «يرونهم»، على البناء للمفعول بالياء والتاء، أي يريهم الله ذلك ~~بقدرته. وقرىء «فئة تقاتل وأخرى كافرة»، بالجر على البدل من فئتين، ~~وبالنصب على الاختصاص. أو على الحال من الضمير في التقتا { رأى ~~العين } يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة ms0264 كسائر المعاينات ~~{ والله يؤيد بنصره } كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين ~~العدو. ### || [3.14-17] # { زين للناس } المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء، كقوله # إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم # الكهف 7 ويدل عليه قراءة مجاهد «زين للناس»، على تسمية الفاعل. وعن ~~الحسن الشيطان. والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها { ~~حب الشهوت } جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها ~~مشتهاة محروصا على الاستمتاع بها. والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها ~~شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه ~~بالبهيمية، وقال { زين للناس حب الشهوت } ثم جاء التفسير، ~~ليقرر أولا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم ~~يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدل على ذم من يستعظمها ~~ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله. والقنطار المال الكثير. ~~قيل ملء مسك ثور. وعن سعيد بن جبير مائة ألف دينار. ولقد جاء الإسلام يوم ~~جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا. و { المقنطرة } مبنية من لفظ ~~القنطار للتوكيد كقولهم ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة. و { المسومة } ~~المعلمة، من السومة وهي العلامة. أو المطهمة أو المرعية من أسام الدابة ~~وسومها { والانعم } الأزواج الثمانية { ذلك } المذكور { ~~متاع الحيوة }. { للذين اتقوا عند ربهم ~~جنت } كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول ~~هل أدلك على رجل عالم؟ عندي رجل صفته كيت وكيت. ويجوز أن يتعلق اللام ~~بخير. واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به. وترتفع { جنت } على ~~هو جنات. وتنصره قراءة من قرأ «جنات» بالجر على البدل من خير { ~~والله بصير بالعباد } يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير ~~بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعد لهم الجنات. { الذين يقولون ~~} نصب على المدح، أو رفع. ويجوز الجر صفة للمتقين أو للعباد. والواو ~~المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها. وقد مر ~~الكلام في ذلك. وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل فيحسن طلب ~~الحاجة ms0265 بعده # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح ~~يرفعه # فاطر 10 وعن الحسن كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا ~~في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم. ### || [3.18-19] # شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره، وبما ~~أوحى من آياته الناطقة بالتوحيد كسورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما ~~بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك ~~واحتجاجهم عليه { قائما بالقسط } مقيما للعدل فيما يقسم من ~~الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض ~~والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة منه كقوله # وهو الحق مصدقا # البقرة 91. فإن قلت لم جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه؟ ولو ~~قلت جاءني زيد وعمرو راكبا لم يجز؟ قلت إنما جاز هذا لعدم الإلباس كما ~~جاز في قوله # ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة # الأنبياء 72 إن انتصب نافلة حالا عن يعقوب. ولو قلت جاءني زيد وهند ~~راكبا جاز لتميزه بالذكورة، أو على المدح. فإن قلت أليس من حق المنتصب ~~على المدح أن يكون معرفة كقولك الحمد لله الحميد. 162 # " إنا معشر الأنبياء لا نورث " # إنا بنى نهشل لا ندعي لأب؟ قلت قد جاء نكرة كما جاء معرفة. وأنشد سيبويه ~~فيما جاء منه نكرة قول الهذلي # ويأوي إلى نسوة عطل وشعثا مراضيع مثل ~~السعالي # فإن قلت هل يجوز أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل لا إله قائما بالقسط إلا ~~هو؟ قلت لا يبعد، فقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف. فإن ~~قلت قد جعلته حالا من فاعل شهد، فهل يصح أن ينتصب حالا عن «هو» في { لا ~~إله إلا هو }؟ قلت نعم، لأنها حال مؤكدة والحال المؤكدة لا ~~تستدعي أن يكون في الجملة التي هي زيادة في فائدتها عامل فيها، كقولك أنا ~~عبد الله شجاعا. وكذلك لو قلت لا رجل إلا عبد الله شجاعا. وهو أوجه من ~~انتصابه عن فاعل شهد، وكذلك انتصابه على المدح. فإن قلت هل دخل قيامه ms0266 ~~بالقسط في حكم شهادة الله والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية؟ قلت ~~نعم إذا جعلته حالا من هو، أو نصبا على المدح منه، أو صفة للمنفي، كأنه ~~قيل شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو، وأنه قائم ~~بالقسط. وقرأ عبد الله «القائم بالقسط»، على أنه بدل من هو، أو خبر مبتدأ ~~محذوف. وقرأ أبو حنيفة «قيما بالقسط» { العزيز الحكيم } صفتان ~~مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل، يعني أنه العزيز الذي لا ~~يغالبه إله آخر، والحكيم الذي لا يعدل عن العدل في أفعاله. فإن قلت ما ~~المراد بأولي العلم الذي عظمهم هذا التعظيم حيث جمعهم معه ومع الملائكة ~~في الشهادة على وحدانيته وعدله؟ قلت هم الذين يثبتون وحدانيته وعدله ~~بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة وهم علماء العدل والتوحيد. # وقرىء «أنه» بالفتح، و { إن الدين } بالكسر على أن الفعل واقع ~~على أنه بمعنى شهد الله على أنه، أو بأنه. وقوله { إن الدين عند ~~الله الإسلم } جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى. فإن قلت ما ~~فائدة هذا التوكيد؟ قلت فائدة أن قوله { لا إله إلا هو } ~~توحيد، وقوله { قائما بالقسط } تعديل، فإذا أردفه قوله { إن ~~الدين عند الله الإسلم } فقد آذن أن الإسلام هو العدل ~~والتوحيد، وهو الدين عند الله، وما عداه فليس عنده في شيء من الدين. وفيه ~~أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية أو ذهب إلى الجبر ~~الذي هو محض الجور، لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، وهذا بين جلي ~~كما ترى. وقرئا مفتوحين، على أن الثاني بدل من الأول. كأنه قيل شهد الله ~~أن الدين عند الله الإسلام، والبدل هو المبدل منه في المعنى، فكان بيانا ~~صريحا، لأن دين الله هو التوحيد والعدل. وقرىء الأول بالكسر والثاني ~~بالفتح، على أن الفعل واقع على إن وما بينهما اعتراض مؤكد. وهذا أيضا ~~شاهد على أن دين الإسلام هو العدل والتوحيد، فترى القراءات كلها متعاضدة ~~على ذلك. وقرأ عبد الله «أن لا إله ms0267 إلا هو». وقرأ أبي «إن الدين عند ~~الله للإسلام»، وهي مقوية لقراءة من فتح الأولى وكسر الثانية. وقرىء ~~«شهداء لله»، بالنصب على أنه حال من المذكورين قبله، وبالرفع على هم ~~شهداء الله. فإن قلت فعلام عطف على هذه القراءة { والملئكة ~~وأولوا العلم }؟ قلت على الضمير في شهداء، وجاز لوقوع الفاصل ~~بينهما. فإن قلت لم كرر قوله { لا إله إلا هو } قلت ذكره ~~أولا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية، وأنه لا إله إلا تلك الذات ~~المتميزة، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل، ~~للدلالة على اختصاصه بالأمرين، كأنه قال لا إله إلا هذا الموصوف ~~بالصفتين، ولذلك قرن به قوله { العزيز الحكيم } لتضمنهما معنى ~~الوحدانية والعدل { الذين أوتوا الكتب } أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى. واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد والعدل { من ~~بعد ما جاءهم العلم } أنه الحق الذي لا محيد عنه، فثلثت ~~النصارى، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالوا كنا أحق بأن تكون النبوة ~~فينا من قريش لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب، وهذا تجوير { بغيا ~~بينهم } أي ما كان ذلك الاختلاف وتظاهر هؤلاء بمذهب وهؤلاء بمذهب ~~إلا حسدا بينهم وطلبا منهم للرياسة وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ~~ناسا يطؤن أعقابهم، لاشبهة في الإسلام. وقيل هو اختلافهم في نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل هو اختلافهم في ~~الإيمان بالأنبياء، فمنهم من آمن بموسى، ومنهم من آمن بعيسى. وقيل هم ~~اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام حين احتضر استودع التوراة سبعين ~~حبرا من بني إسرائيل، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع، فلما مضى قرن ~~بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم علم التوراة بغيا بينهم ~~وتحاسدا على حظوظ الدنيا والرياسة. وقيل هم النصارى واختلافهم في أمر ~~عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله. ### || [3.20] # { فإن حاجوك } فإن جادلوك في الدين { فقل أسلمت وجهى ~~لله } أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكا بأن ~~أعبده وأدعوه إلها معه يعني ms0268 أن ديني التوحيد وهو الدين القديم الذي ثبتت ~~عندكم صحته كما ثبتت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه. ونحوه # قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا # آل عمران 64 فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو حق ~~اليقين الذي لا لبس فيه فما معنى المحاجة فيه؟ { ومن اتبعن } عطف ~~على التاء في أسلمت وحسن للفاصل. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع فيكون ~~مفعولا معه { وقل للذين أوتوا الكتب } من اليهود ~~والنصارى { والاميين } والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب { ~~ءأسلمتم } يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي ~~حصوله لا محالة فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت ~~له المسألة ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته هل فهمتها لا ~~أم لك، ومنه قوله عز وعلا # فهل أنتم منتهون # المائدة 91 بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر. وفي هذا الاستفهام ~~استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم ~~يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسدادا بينه وبين ~~الإذعان، وكذلك في هل فهمتها؟ توبيخ بالبلادة وكلة القريحة. وفي # فهل أنتم منتهون # المائدة 91 بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه { ~~فإن أسلموا فقد اهتدوا } فقد نفعوا أنفسهم حيث خرجوا من ~~الضلال إلى الهدى ومن الظلمة إلى النور { وإن تولوا } لم يضروك ~~فإنك رسول منبه عليك أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى. ### || [3.21-22] # قرأ الحسن «يقتلون النبيين» وقرأ حمزة «ويقاتلون الذين يأمرون» وقرأ عبد ~~الله «وقاتلوا» وقرأ أبي. «يقتلون النبيين»، والذين يأمرون. وهم أهل ~~الكتاب. قتل أولوهم الأنبياء وقتلوا أتباعهم وهم راضون بما فعلوا، وكانوا ~~حول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لولا عصمة الله. وعن أبي ~~عبيدة بن الجراح 163 قلت يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم ~~القيامة؟ قال # " رجل قتل ms0269 نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر» ثم قرأها ثم قال «يا ~~أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة ~~واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم ~~بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار " # { فى الدنيا والاخرة } لأن لهم اللعنة والخزي في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة. فإن قلت لم دخلت الفاء في خبر إن؟ قلت لتضمن اسمها ~~معنى الجزاء، كأنه قيل الذين يكفرون فبشرهم بمعنى من يكفر فبشرهم، و ~~«إن» لا تغير معنى الابتداء فكأن دخولها كلا دخول، ولو كان مكانها ~~«ليت» أو «لعل» لامتنع إدخال الفاء لتغير معنى الابتداء. ### || [3.23-25] # { أوتوا نصيبا من الكتب } يريد أحبار اليهود، وأنهم حصلوا ~~نصيبا وافرا من التوراة. و «من» إما للتبعيض وإما للبيان، أو حصلوا من ~~جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوارة وهي نصيب عظيم { يدعون ~~إلى كتب الله } وهو التوراة { ليحكم بينهم } وذلك ~~164 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم ~~بن عمرو والحرث بن زيد على أي دين أنت؟ قال على ملة إبراهيم. قالا إن ~~إبراهيم كان يهوديا. قال لهما إن بيننا وبينكم التوارة، فهلموا إليها» ~~فأبيا. وقيل نزلت في الرجم، وقد اختلفوا فيه. وعن الحسن وقتادة كتاب الله ~~القرآن لأنهم قد علموا أنه كتاب الله لم يشكوا فيه { ثم يتولى ~~فريق منهم } استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله ~~واجب { وهم معرضون } وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم. وقرىء ~~«ليحكم» على البناء للمفعول. والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف ~~والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب ~~الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل ~~منهم، ثم يتولى فريق منهم وهم الذين لم يسلموا. وذلك أن قوله { ~~ليحكم بينهم } يقتضي أن يكون اختلافا واقعا فيما بينهم، لا ~~فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0270 { ذلك } التولي ~~والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار ~~بعد أيام قلائل كما طمعت المجبرة والحشوية { وغرهم فى دينهم ~~ما كانوا يفترون } من أن آباءهم هم الأنبياء يشفعون لهم كما ~~غرت أولئك شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كبائرهم { فكيف ~~إذا جمعنهم } فكيف يصنعون فكيف تكون حالهم، وهو استعظام لما ~~أعد لهم وتهويل لهم، وأنهم يقعون فيما لا حيلة لهم في دفعه والمخلص منه، ~~وأن ما حدثوا به أنفسهم وسهلوه عليها تعلل بباطل وتطمع بما لا يكون. وروي ~~أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود، فيفضحهم ~~الله على رؤوس الاشهاد، ثم يأمر بهم إلى النار { وهم لا يظلمون ~~} يرجع إلى كل نفس على المعنى، لأنه في معنى كل الناس كما تقول ثلاثة ~~أنفس، تريد ثلاثة أناسي. ### || [3.26-27] # الميم في { اللهم } عوض من يا، ولذلك لا يجتمعان. وهذا بعض خصائص ~~هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام ~~التعريف، وبقطع همزته في يا ألله، وبغير ذلك { ملك الملك } ~~أي تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون { تؤتى ~~الملك من تشاء } تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له واقتضته حكمتك ~~من الملك { وتنزع الملك ممن تشاء } النصيب الذي أعطيته ~~منه، فالملك الأول عام شامل، والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. ~~روى. 165 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة وعد أمته ملك ~~فارس والروم، فقال المنافقون واليهود هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس ~~والروم؟ هم أعز وأمنع من ذلك. وروي 166 # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل ~~عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون، خرج من بطن الخندق صخرة كالتل العظيم ~~لم تعمل فيها المعاول، فوجهوا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخبره، فأخذ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعتها «وبرق منها برق أضاء ما ~~بين لابتيها، لكأن مصباحا في جوف بيت ms0271 مظلم، وكبر وكبر المسلمون وقال ~~أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، ثم ضرب الثانية فقال ~~أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم، ثم ضرب الثالثة فقال أضاءت لي ~~قصور صنعاء، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة على كلها، ~~فأبشروا. فقال المنافقون ألا تعجبون، يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه ~~يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون ~~الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزلت " # فإن قلت كيف قال { بيدك الخير } فذكر الخير دون الشر؟ قلت لأن ~~الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته ~~الكفرة، فقال بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك، ولأن كل أفعال ~~الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة، فهو خير كله كإيتاء ~~الملك ونزعه. ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة ~~بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه ~~بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام ~~ثم قدر أن يرزق بغير حساب دلالة من يشاء من عباده، فهو قادر على أن ينزع ~~الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم وفي بعض الكتب أنا الله ملك ~~الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم لهم رحمة، ~~وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا ~~إلي أعطفهم عليكم، وهو معنى قوله عليه السلام 167 # " كما تكونوا يولى عليكم ". ### || [3.28] # نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك ~~من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقد كرر ذلك في القرآن # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # المائدة 51، # لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء # المائدة 50، # لا تجد قوما يؤمنون بالله # الآيه المجادلة 22. والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم وأصل من ~~أصول الإيمان { من دون المؤمنين } يعني أن لكم في موالاة ~~المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم { ومن يفعل ~~ذلك ms0272 فليس من الله في شىء } ومن يوالي الكفرة فليس من ~~ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله ~~رأسا، وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان، قال # تود عدوى ثم تزعم أنني صديقك ليس النوك ~~عنك بعازب # { إلا أن تتقوا منهم تقة } إلا أن تخافوا من جهتهم ~~أمرا يجب اتقاؤه. وقرىء «تقية». قيل للمتقي تقاة وتقية، كقولهم ضرب ~~الأمير لمضروبه. رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة ~~مخالفة ومعاشرة ظاهرة والقلب مطمئن بالعدواة والبغضاء، وانتظار زوال ~~المانع من قشر العصا، كقول عيسى صلوات الله عليه «كن وسطا وامش جانبا» ~~{ ويحذركم الله نفسه } فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، ~~وهذا وعيد شديد. ويجوز أن يضمن { تتقوا } معنى تحذروا وتخافوا، ~~فيعدى بمن وينتصب { تقة } أو تقية على المصدر، كقوله تعالى # اتقوا الله حق تقاته # آل عمران 102. ### || [3.29] # { إن تخفوا ما فى صدوركم أو تبدوه } من ولاية الكفار ~~أو غيرها مما لا يرضي الله { يعلمه } ولم يخف عليه وهو الذي { ~~ويعلم ما فى السموت وما فى الارض } لا يخفى عليه منه ~~شيء قط. فلا يخفى عليه سركم وعلنكم { والله على كل شيء ~~قدير } فهو قادر على عقوبتكم. وهذا بيان لقوله # ويحذركم الله نفسه # آل عمران 28 لأن نفسه وهي ذاته المميزة من سائر الذوات، متصفة بعلم ~~ذاتي لا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها وبقدرة ذاتية ~~لا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدورات كلها، فكان حقها أن ~~تحذر وتتقى فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه ~~لا محالة فلاحق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الإطلاع ~~على أحواله، فوكل همه بما يورد ويصدر، ونصب عليه عيونا، وبث من يتجسس عن ~~بواطن أموره، لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة ~~به، فما بال من علم أن العالم الذات الذي علم السر وأخفى مهيمن عليه وهو ~~آمن. اللهم إنا ms0273 نعوذ بك من اغترارنا بسترك. ### || [3.30] # { يوم تجد } منصوب بتود. والضمير في بينه لليوم، أي يوم القيامة ~~حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم ~~وهو له أمدا بعيدا. ويجوز أن ينتصب { يوم تجد } بمضمر نحو اذكر، ~~ويقع على ما عملت وحده، ويرتفع { وما عملت } على الابتداء، و { ~~تود } خبره، أي والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما بينها وبينه. ~~ولا يصح أن تكون ما شرطية لارتفاع تود. فإن قلت فهل يصح أن تكون شرطية ~~على قراءة عبد الله ودت؟ قلت لا كلام في صحته، ولكن الحمل على الابتداء ~~والخبر أوقع في المعنى لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم وأثبت لموافقة ~~قراءة العامة. ويجوز أن يعطف { وما عملت } على { ما عملت } ~~ويكون { تود } حالا، أي يوم تجد عملها محضرا وادة تباعد ما بينها ~~وبين اليوم أو عمل السوء محضرا، كقوله تعالى # ووجدوا ما عملوا حاضرا # الكهف 49 يعني مكتوبا في صحفهم يقرؤنه ونحوه # فينبئهم بما عملوا أحصه الله ونسوه # المجادلة 6. والأمد المسافة كقوله تعالى # يليت بيني وبينك بعد المشرقين # الزخرف 38 وكرر قوله { ويحذركم الله نفسه } ليكون على ~~بال منهم لا يغفلون عنه { والله رءوف بالعباد } يعني أن ~~تحذيره نفسه وتعريفه حالها من العلم والقدرة من الرأفة العظيمة بالعباد ~~لأنهم إذا عرفوه حق المعرفة وحذروه دعاهم ذلك إلى طلب رضاه واجتناب سخطه. ~~وعن الحسن من رأفته بهم أن حذرهم نفسه. ويجوز أن يريد أنه مع كونه ~~محذورا لعلمه وقدرته، مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى # إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم # فصلت 43. ### || [3.31-32] # محبة العباد لله مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ~~ورغبتهم فيها. ومحبة الله عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم. والمعنى إن ~~كنتم مريدين لعبادة الله على الحقيقة { فاتبعونى } حتى يصح ما ~~تدعونه من إرادة عبادته، يرض عنكم ويغفر لكم. وعن الحسن زعم أقوام على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل ms0274 لقولهم ~~تصديقا من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله ~~يكذبه. وإذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفق بيديه مع ذكرها ويطرب وينعر ~~ويصعق فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله ولا يدري ما محبة الله. وما تصفيقه ~~وطربه ونعرته وصعقته إلا أنه تصور في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة ~~فسماها الله بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق تصورها، وربما رأيت ~~المني قد ملأ إزار ذلك المحب عند صعقته، وحمقى العامة على حواليه قد ~~ملؤا أدرانهم بالدموع لما رققهم من حاله. وقرىء «تحبون». و«يحببكم» ~~و«يحبكم»، من حبه يحبه. قال # أحب أبا ثروان من حب تمره وأعلم أن الرفق ~~بالجار أرفق ووالله لولا تمره ما حببته ولا ~~كان أدنى من عبيد ومشرق # { فإن تولوا } يحتمل أن يكون ماضيا، وأن يكون مضارعا بمعنى ~~فإن تتولوا، ويدخل في جملة ما يقول الرسول لهم. ### || [3.33-37] # { آل إبرهيم } إسماعيل وإسحاق وأولادهما. { وءال عمران } ~~موسى وهرون ابنا عمران ابن يصهر. وقيل عيسى ومريم بنت عمران بن ماثان، ~~وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. و { ذرية } بدل من آل إبراهيم ~~وآل عمران { بعضها من بعض } يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة ~~بعضها متشعب من بعض موسى وهرون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من فاهث، ~~وفاهث من لاوى، ولاوى من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكذلك عيسى ابن مريم ~~بنت عمران بن ماثان بن سليمان بن داود بن إيشا بن يهوذا بن يعقوب بن ~~إسحاق. وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل بعضها ~~من بعض في الدين، كقوله تعالى # المنفقون والمنفقات بعضهم من بعض # التوبة 67 { والله سميع عليم } يعلم من يصلح للاصطفاء، أو ~~يعلم أن بعضهم من بعض في الدين. أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها. ~~و { إذ } منصوب به. وقيل بإضمار اذكر. وامرأة عمران هي امرأة عمران بن ~~ماثان، أم مريم البتول. جدة عيسى عليه السلام، وهي حنة بنت فاقوذ. وقوله ~~{ إذ قالت امرأت عمرن ms0275 } على أثر قوله { وءال عمران } ~~مما يرجح أن عمران هو عمران بن ماثان جد عيسى، والقول الآخر يرجحه أن ~~موسى يقرن بإبراهيم كثيرا في الذكر. فإن قلت كانت لعمران بن يصهر بنت ~~اسمها مريم أكبر من موسى وهرون، ولعمران بن ماثان مريم البتول، فما أدراك ~~أن عمران هذا هو أبو مريم البتول دون عمران أبي مريم التي هي أخت موسى ~~وهرون؟ قلت كفى بكفالة زكريا دليلا على أنه عمران أبو البتول، لأن زكريا ~~بن آذن وعمران بن ماثان كانا في عصر واحد، وقد تزوج زكريا بنته إيشاع ~~أخت مريم فكان يحيى وعيسى ابني خالة. روي أنها كانت عاقرا لم تلد إلى أن ~~عجزت، فبينا هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا له فتحركت نفسها للولد ~~وتمنته، فقالت اللهم إن لك علي نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به ~~على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل { ~~محررا } معتقا لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه ولا ~~أشغله بشيء، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم. وروي أنهم كانوا ~~ينذرون هذا النذر، فإذا بلغ الغلام خير بين أن يفعل وبين أن لا يفعل. وعن ~~الشعبي { محررا } مخلصا للعبادة، وما كان التحرير إلا للغلمان، ~~وإنما بنت الأمر على التقدير، أو طلبت أن ترزق ذكرا { فلما ~~وضعتها } الضمير ل ما في بطني، وإنما أنث على المعنى لأن ما في ~~بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة. # فإن قلت كيف جاز انتصاب { أنثى } حالا من الضمير في وضعتها وهو كقولك ~~وضعت الأنثى أنثى؟ قلت الأصل وضعته أنثى، وإنما أنثى لتأنيث الحال لأن ~~الحال وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في ما كانت أمك لتأنيث ~~الخبر. ونظيره قوله تعالى # فإن كانتا اثنتين # النساء 176 وأما على تأويل الحبلة أو النسمة فهو ظاهر، كأنه قيل إني ~~وضعت الحبلة أو النسمة أنثى. فإن قلت فلم قالت إني وضعتها أنثى وما ms0276 أرادت ~~إلى هذا القول؟ قلت قالته تحسرا على ما رأت من خيبة رجائها وعكس ~~تقديرها. فتحزنت إلى ربها لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرا، ولذلك ~~نذرته محررا للسدانة. ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال الله ~~تعالى { والله أعلم بما وضعت } تعظيما لموضوعها وتجهيلا ~~لها بقدر ما وهب لها منه. ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به ~~من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين وهي جاهلة بذلك لا تعلم ~~منه شيئا. فلذلك تحسرت. وفي قراءة ابن عباس «والله أعلم بما وضعت» ~~على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله ~~من عظم شأنه وعلو قدره. وقرىء «وضعت». بمعنى ولعل لله تعالى فيه سرا ~~وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها. فإن قلت فما معنى ~~قوله { وليس الذكر كالانثى }؟ قلت هو بيان لما في قوله { ~~والله أعلم بما وضعت } من التعظيم للموضوع والرفع منه، ~~ومعناه وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لها، واللام فيهما للعهد. ~~فإن قلت علام عطف قوله { وإنى سميتها مريم }؟ قلت هو عطف ~~على إني وضعتها أنثى، وما بينهما جملتان معترضتان، كقوله تعالى # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # الواقعة 76 فإن قلت فلم ذكرت تسميتها مريم لربها؟ قلت لأن مريم في لغتهم ~~بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقريب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون ~~فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها. ألا ترى كيف أتبعته طلب ~~الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وما يروى من الحديث. 168 # " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس ~~الشيطان إياه، إلا مريم وابنها " # فالله أعلم بصحته. فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه ~~إلا مريم وابنها، فإنهما كانا معصومين، وكذلك كل من كان في صفتهما كقوله ~~تعالى # لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين # الحجر 40 41 واستهلاله صارخا من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه ~~يمسه ويضرب بيده عليه ويقول ms0277 هذا ممن أغويه، ونحوه من التخييل قول ابن ~~الرومي # لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء ~~الطفل ساعة يولد # وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على ~~الناس بنخسهم لامتلأت الدنيا صراخا وعياطا مما يبلونا به من نخسه { ~~فتقبلها ربها } فرضي بها في النذر مكان الذكر { بقبول ~~حسن } فيه وجهان أحدهما أن يكون القبول اسم ما تقبل به الشيء كالسعوط ~~واللدود، لما يسعط به ويلد، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في ~~النذر، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة ~~قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. وروي أن حنة حين ولدت مريم، لفتها في خرقة ~~وحملتها إلى المسجد، ووضعتها عند الأحبار أبناء هرون، وهم في بيت المقدس ~~كالحجبة في الكعبة، فقالت لهم دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها ~~كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل ~~وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا أنا أحق بها، عندي خالتها فقالوا لا ~~حتى نقترع عليها، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر، فألقوا ~~فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم، فتكفلها. ~~والثاني أن يكون مصدرا على تقدير حذف المضاف بمعنى فتقبلها بذي قبول ~~حسن، أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص. ويجوز أن يكون معنى { ~~فتقبلها } فاستقبلها، كقولك تعجله بمعنى استعجله، وتقصاه بمعنى ~~استقصاه، وهو كثير في كلامهم، من استقبل الأمر إذا أخذه بأوله وعنفوانه ~~قال القطامي # وخير الأمر ما استقبلت منه وليس بأن ~~تتبعه اتباعا # ومنه المثل «خذ الأمر بقوابله». أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول ~~حسن { وأنبتها نباتا حسنا } مجاز عن التربية الحسنة العائدة ~~عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. وقرىء «وكفلها زكريا»، بوزن ~~وعملها { وكفلها زكريا } بتشديد الفاء ونصب زكرياء، والفعل ~~لله تعالى بمعنى وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها. ويؤيدها ~~قراءة أبي وأكفلها، من قوله تعالى # فقال أكفلنيها # ص 23 وقرأ مجاهد فتقبلها ربها، وأنبتها، وكفلها، على لفظ الأمر في ~~الأفعال الثلاثة، ms0278 ونصب ربها، تدعو بذلك، أي فاقبلها يا ربها وربها، واجعل ~~زكريا كافلا لها. قيل بنى لها زكريا محرابا في المسجد، أي غرفة يصعد ~~إليها بسلم. وقيل المحراب أشرف المجالس ومقدمها، كأنها وضعت في أشرف ~~موضع من بيت المقدس. وقيل كانت مساجدهم تسمى المحاريب. وروي أنه كان لا ~~يدخل عليها إلا هو وحده، وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب. { وجد ~~عندها رزقا } كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثديا قط، ~~فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء { أنى ~~لك هذا } من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في ~~غير حينه والأبواب مغلقة عليك لا سبيل للداخل به إليك؟ { قالت هو ~~من عند الله } فلا تستبعد. # قيل تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 169 # " أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رضي الله عنها رغيفين وبضعة لحم ~~آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال هلمي يا بنية فكشفت عن الطبق فإذا هو ~~مملوء خبزا ولحما، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى ~~الله عليه وسلم أني لك هذا؟ فقالت هو من عند الله، إن الله يرزق من ~~يشاء بغير حساب. فقال عليه الصلاة والسلام الحمد لله الذي جعلك شبيهة ~~سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي ~~طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته، فأكلوا عليه حتى شبعوا وبقي الطعام ~~كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها " # { إن الله يرزق } من جملة كلام مريم عليها السلام، أو من كلام ~~رب العزة عز من قائل { بغير حساب } بغير تقدير لكثرته، أو ~~تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل بحسب الاستحقاق. ### || [3.38-41] # { هنالك } في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك ~~الوقت. فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على ~~الله ومنزلتها، رغب في أن يكون ms0279 له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في ~~النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقرا عجوزا فقد كانت أختها كذلك. ~~وقيل لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر { ~~ذرية } ولدا. والذرية يقع على الواحد والجمع { سميع الدعاء ~~} مجيبه. قرىء «فناداه الملائكة». وقيل ناداه جبريل عليه السلام، وإنما ~~قيل الملائكة على قولهم فلان يركب الخيل { أن الله يبشرك } ~~بالفتح على بأن الله، وبالكسر على إرادة القول. أو لأن النداء نوع من ~~القول. وقرىء «يبشرك»، «ويبشرك»، من بشره وأبشره. «ويبشرك» بفتح الياء ~~من بشره. ويحيى إن كان أعجميا وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة ~~كموسى وعيسى، وإن كان عربيا فللتعريف ووزن الفعل كيعمر { مصدقا ~~بكلمة من الله } مصدقا بعيسى مؤمنا به. قيل هو أول من آمن ~~به، وسمي عيسى «كلمة» لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله كن ~~من غير سبب آخر. وقيل مصدقا بكلمة من الله، مؤمنا بكتاب منه. وسمي ~~الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته. والسيد الذي يسود قومه، أي ~~يفوقهم في الشرف. وكان يحيى فائقا لقومه وفائقا للناس كلهم في أنه لم ~~يركب سيئة قط، ويالها من سيادة. والحصور الذي لا يقرب النساء حصرا لنفسه ~~أي منعا لها من الشهوات. وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر. قال ~~الأخطل # وشارب مربح بالكأس نادمني لا بالحصور ولا ~~فيها بسئار # فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو. وقد روي أنه مر وهو طفل بصبيان ~~فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت { من الصلحين } ناشئا من ~~الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين كقوله # وإنه فى الاخرة لمن الصلحين # البقرة 130. { أنى يكون لي غلم } استبعاد من حيث العادة ~~كما قالت مريم. { وقد بلغني الكبر } كقولهم أدركته السن ~~العالية. والمعنى أثر في الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ~~ولامرأته ثمان وتسعون { كذلك } أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال ~~العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ ms0280 الفاني والعجوز العاقر، ~~أو كذلك الله مبتدأ وخبر، أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان ~~له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات { ءاية } علامة أعرف ~~بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر { قال ءايتك ألا } ~~تقدر على تكليم الناس { ثلثة أيام } وإنما خص تكليم الناس ~~ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على ~~التكلم بذكر الله، ولذلك قال { واذكر ربك كثيرا وسبح ~~بالعشى والإبكر } يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من ~~الآيات الباهرة. # فإن قلت لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت ليخلص المدة لذكر الله لا ~~يشغل لسانه بغيره، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها ~~الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن ~~تحبس لسانك إلا عن الشكر. وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال. ~~ومنتزعا منه { إلا رمزا } إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله ~~التحرك. يقال ارتمز إذا تحرك. ومنه قيل للبحر الراموز. وقرأ يحيى ابن ~~وثاب «إلا رمزا» بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل. وقرىء «رمزا» بفتحتين ~~جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله # متى ما تلقني فردين ترجف روانف إليتيك ~~وتستطار # بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم. والعشي ~~من حين تزول الشمس إلى أن تغيب. و { والإبكر } من طلوع الفجر إلى وقت ~~الضحى. وقرىء «والأبكار»، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار. يقال أتيته ~~بكرا بفتحتين. فإن قلت الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟ قلت ~~لما أدى مؤدى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاما. ويجوز أن يكون ~~استثناء منقطعا. ### || [3.42-43] # { يمريم } روي أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوة ~~عيسى { اصطفك } أولا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة ~~السنية { وطهرك } مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود { ~~واصطفك } آخرا { على نساء العلمين } بأن وهب لك عيسى ~~من غير ms0281 أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء. أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود ~~لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها ثم قيل لها { واركعى مع ~~الركعين } بمعنى ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة أو انظمي نفسك ~~في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم. ويحتمل ~~أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، ~~فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع. ### || [3.44] # { ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبإ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم ~~السلام، يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي. فإن قلت لم ~~نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم بغير شبهة؟ وترك نفي استماع الأنباء من ~~حفاظها وهو موهوم؟ قلت كان معلوما عندهم علما يقينا أنه ليس من أهل ~~السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي، فلم يبق إلا المشاهدة وهي في غاية ~~الاستبعاد والاستحالة، فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي مع علمهم ~~بأنه لا سماع له ولا قراءة. ونحوه # وما كنت بجانب الغربى # القصص 44، # وما كنت بجانب الطور # القصص 46، # وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم # يوسف 102 { أقلمهم } أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر ~~مقترعين. وقيل هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة، اختاروها ~~للقرعة تبركا بها { إذ يختصمون } في شأنها تنافسا في التكفل ~~بها. فإن قلت { أيهم يكفل } بم يتعلق؟ قلت بمحذوف دل عليه ~~يلقون أقلامهم، كأنه قيل يلقونها ينظرون أيهم يكفل، أو ليعلموا، أو ~~يقولون. ### || [3.45-51] # { المسيح } لقب من اولقاب المشرفة، كالصديق والفاروق، وأصله مشيحا ~~بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله # وجعلنى مباركا أينما كنت # مريم 31 وكذلك { عيسى } معرب من أيشوع. ومشتقهما من المسح والعيس، ~~كالراقم في الماء. فإن قلت { إذ قالت } بم يتعلق؟ قلت هو بدل من { ~~وإذ قالت الملئكة } ويجوز أن يبدل من { إذ يختصمون ~~} على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع، كما تقول لقيته سنة كذا. ~~فإن قلت لم قيل عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟ قلت لأن الأبناء ينسبون ~~إلى ms0282 الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ~~ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين. فإن قلت لم ذكر ~~ضمير الكلمة؟ قلت لأن المسمى بها مذكر. فإن قلت لم قيل اسمه المسيح عيسى ~~ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء الاسم منها عيسى،و أما المسيح والابن فلقب ~~وصفة؟ قلت الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل الذي ~~يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة { وجيها } حال من { كلمة } ~~وكذلك قوله ومن المقربين، ويكلم ومن الصلحين . أي يبشرك به ~~موصوفا بهذه الصفات. وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة. ~~والوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس. وفي الآخرة الشفاعة وعلو ~~الدرجة في الجنة. وكونه { من المقربين } رفعه إلى السماء وصحبته ~~للملائكة. والمهد ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر. و { فى ~~المهد } في محل النصب على الحال، { وكهلا } عطف عليه بمعنى ويكلم ~~الناس طفلا وكهلا. ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، ~~من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ~~ويستنبأ فيها الأنبياء. ومن بدع التفاسير أن قولها رب نداء لجبريل عليه ~~السلام بمعنى يا سيدي { ونعلمه } عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على ~~يخلق، أو هو كلام مبتدأ. وقرأ عاصم ونافع «ويعلمه»، بالياء. فإن قلت علام ~~تحمل ورسولا، ومصدقا من المنصوبات المتقدمة، وقوله { أنى قد ~~جئتكم } و { لما بين يديه } يأبى حمله عليها؟ قلت هو من ~~المضائق، وفيه وجهان أحدهما أن يضمر له «وأرسلت» على إرادة القول تقديره ~~ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولا بأني قد جئتكم. ومصدقا لما ~~بين يدي. والثاني أن الرسول والمصدق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل ~~وناطقا بأني قد جئتكم، وناطقا بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي ورسول ~~عطفا على كلمة { أنى قد جئتكم } أصله أرسلت بأني قد جئتكم، ~~فحذف الجار وانتصب بالفعل، و { أنى أخلق } نصب بدل من { أنى قد ~~جئتكم } أو جر بدل من آية، أو رفع ms0283 على هي أني أخلق لكم، وقرىء ~~«إني»، بالكسر على الاستئناف، أي أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير { ~~فأنفخ فيه } الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير { ~~فيكون طيرا } فيصير طيرا كسائر الطيور حيا طيارا. # وقرأ عبد الله «فأنفخها» قال # كالهبرقي تنحى ينفخ الفحما # وقيل لم يخلق غير الخفاش { الاكمه } الذي ولد أعمى، وقيل هو الممسوح ~~العين. ويقال لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب ~~التفسير. وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى، من أطاق منهم ~~أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده. وكرر { ~~بإذن الله } دفعا لوهم من توهم فيه اللاهوتية. وروي أنه أحيا سام ~~بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية، فقال يا فلان أكلت كذا، ~~ويا فلان خبىء لك كذا. وقرىء «تذخرون»، بالذال والتخفيف { ولأحل } ~~رد على قوله { بآية من ربكم } أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل ~~لكم ويجوز أن يكون { مصدقا } مردودا عليه أيضا، أي جئتكم بآية ~~وجئتكم مصدقا. وما حرم الله عليهم في شريعة موسى الشحوم والثروب ولحوم ~~الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك. قيل أحل لهم من السمك ~~والطير ما لا صيصية له. واختلفوا في إحلاله لهم السبت. وقرىء «حرم عليكم» ~~على تسمية الفاعل، وهو ما بين يدي من التوراة، أو الله عز وجل، أو ~~موسى عليه السلام لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوما عندهم. ~~وقرىء «حرم»، بوزن كرم { وجئتكم بآية من ربكم } شاهدة على ~~صحة رسالتي وهي قوله { إن الله ربى وربكم } لأن جميع ~~الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرىء بالفتح على البدل من { ~~ءاية }. وقوله { فاتقوا الله وأطيعون } اعتراض، فإن قلت ~~كيف جعل هذا القول آية من ربه؟ قلت لأن الله تعالى جعله له علامة يعرف ~~بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال. ~~ويجوز أن يكون تكريرا لقوله { جئتكم بآية من ربكم } أي ms0284 ~~جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، ~~والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن ~~سائر ذلك. وقرأ عبد الله. «وجئتكم بآيات من ربكم»، فاتقوا الله لما جئتكم ~~به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه. ثم ابتدأ فقال { إن الله ~~ربى وربكم } ومعنى قراءة من فتح ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، ~~كقوله # لإيلف قريش.... فليعبدوا # قريش 1 3 ويجوز أن يكون المعنى وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم ~~وما بينهما اعتراض. ### || [3.52-54] # { فلما أحس } فلما علم منهم { الكفر } علما لا شبهة فيه ~~كعلم ما يدرك بالحواس. و { إلى الله } من صلة أنصاري مضمنا معنى ~~الإضافة، كأنه قيل من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله، ينصرونني كما ~~ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء، أي من أنصاري، ذاهبا إلى الله ~~ملتجئا إليه { نحن أنصار الله } أي أنصار دينه ورسوله. ~~وحواري الرجل صفوته وخالصته. ومنه قيل للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ~~ونظافتهن قال # فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا ~~الكلاب النوابح # وفي وزنه الحوالي، وهو الكثير الحيلة. وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم ~~تأكيدا لإيمانهم، لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم { مع ~~الشهدين } مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون ~~بالوحدانية. وقيل مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم شهداء على الناس ~~{ ومكروا } الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم ~~أنهم وكلوا به من يقتله غيلة { ومكر الله } أن رفع عيسى إلى ~~السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل { والله خير ~~المكرين } أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث ~~لا يشعر المعاقب. ### || [3.55-57] # { إذ قال الله } ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله { إني ~~متوفيك } أي مستوفي أجلك. معناه إني عاصمك من أن يقتلك الكفار ~~ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. ومميتك حتف أنفك لا قتيلا بأيدهم { ~~ورافعك إلى } إلى سمائي ومقر ملائكتي { ومطهرك من ~~الذين كفروا } من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. وقيل متوفيك قابضك من ~~الأرض، ms0285 من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته وقيل مميتك في وقتك بعد ~~النزول من السماء ورافعك الآن وقيل متوفي نفسك بالنوم من قوله # والتى لم تمت فى منامها # الزمر 42 ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف، وتستيقظ وأنت في السماء ~~آمن مقرب { فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة } ~~يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم ~~متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه ~~من اليهود والنصارى { فأحكم بينكم } تفسير الحكم قوله { ~~فأعذبهم... فنوفيهم أجورهم } وقرىء «فيوفيهم» بالياء. ### || [3.58] # { ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره { ~~نتلوه } و { من الايت } خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف. ~~ويجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي، ونتلوه صلته. ومن الآيات الخبر ويجوز أن ~~ينتصب ذلك بمضمر يفسره نتلوه { والذكر الحكيم } القرآن، وصف بصفة ~~من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ### || [3.59-60] # { إن مثل عيسى } إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم. وقوله { ~~خلقه من تراب } جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم أي خلق آدم من ~~تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، وكذلك حال عيسى. فإن قلت كيف شبه به وقد وجد ~~هو من غير أب، ووجد آدم من غير أب وأم؟ قلت هو مثيله في إحدى الطرفين، ~~فلا يمنع اختصاصه دونه بالطرف الآخر من تشبيهه به، لأن المماثلة مشاركة ~~في بعض الأوصاف، ولأنه شبه به في أنه وجد وجودا خارجا عن العادة ~~المستمرة، وهما في ذلك نظيران، ولأن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق ~~للعادة من الوجود بغير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم ~~لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. وعن بعض العلماء أنه أسر ~~بالروم فقال لهم لم تعبدون عيسى، قالوا لأنه لا أب له. قال فآدم أولى ~~لأنه لا أبوين له. قالوا كان يحيي الموتى. قال فحزقيل أولى، لأن عيسى ~~أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل ثمانية آلاف. قالوا ms0286 كان يبرىء الأكمه ~~والأبرص. قال فجرجيس أولى، لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما. { خلقه من ~~تراب } قدره جسدا من طين { ثم قال له كن } أي أنشأه بشرا ~~كقوله # ثم أنشأناه خلقا آخر # المؤمنون 14 { فيكون } حكاية حال ماضية. { الحق من ربك } { ~~الحق من ربك فلا تكن من الممترين } خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هو الحق كقول أهل خيبر محمد والخميس ونهيه عن الامتراء وجل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ممتريا من باب التهييج لزيادة ~~الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفا لغيره. ### || [3.61] # { فمن حاجك } من النصارى { فيه } في عيسى { من بعد ما ~~جاءك من العلم } أي من البينات الموجبة للعلم { تعالوا } ~~هلموا. والمراد المجيء بالرأي والعزم، كما تقول تعال نفكر في هذه ~~المسألة { ندع أبناءنا وأبناءكم } أي يدع كل مني ومنكم ~~أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة { ثم نبتهل } ثم نتباهل بأن ~~نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم. والبهلة بالفتح، والضم اللعنة. ~~وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته من قولك «أبهله» إذا أهمله. وناقة باهل ~~لاصرار عليها وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم ~~يكن التعانا. وروي 170 «أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا حتى نرجع ~~وننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم يا عبد المسيح، ما ترى؟ ~~فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، وقد جاءكم ~~بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت ~~صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن فإن أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما ~~أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي وعلي ~~خلفها وهو يقول «إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران يا معشر النصارى، ~~إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا ~~تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا ~~يا أبا القاسم ms0287 رأينا أن لا نباهلك وأن نقرك على دينك ونثبت على ديننا ~~قال «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» ~~فأبوا. قال «فإني أناجزكم» فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك ~~على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا ترددنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل ~~عام ألفي حلة ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد. ~~فصالحهم على ذلك وقال «والذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ~~ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل ~~الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى ~~كلهم حتى يهلكوا» وعن عائشة رضي الله عنها 171 # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود. ~~فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي " # ، ثم قال # إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت # الأحزاب 33. فإن قلت ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ~~ومن خصمه وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ ~~قلت ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على ~~تعريض أعزته وأفلاذ كبده وأحب الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه ~~له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال ~~إن تمت المباهلة. # وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم ~~الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل. ومن ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم ~~الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة ~~الحقائق. وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، ~~وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل لا شيء أقوى منه ~~على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ~~ذلك. ### || [3.62-63] ms0288 # { إن هذا } الذي قص عليك من نبأ عيسى { لهو القصص الحق ~~} قرىء بتحريك الهاء على الأصل وبالسكون، لأن اللام تنزل من { هو } ~~منزلة بعضه، فخفف كما خفف عضد. وهو إما فصل بين اسم إن وخبرها، وإما ~~مبتدأ والقصص الحق خبره. والجملة خبر إن. فإن قلت لم جاز دخول اللام على ~~الفصل؟ قلت إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز، لأنه ~~أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و «من» في قوله { ~~وما من إله إلا الله } بمنزلة البناء على الفتح في ا ~~إله إلا الله في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الرد على ~~النصارى في تثليثهم { فإن الله عليم بالمفسدين } وعيد ~~لهم بالعذاب المذكور في قوله # زدنهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 88. ### || [3.64-68] # { يأهل الكتب } قيل هم أهل الكتابين. وقيل وفد نجران. وقيل ~~يهود المدينة { سواء بيننا وبينكم } مستوية بيننا وبينكم، ~~لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله { ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ ~~بعضنا بعضا أربابا من دون الله } يعني تعالوا إليها حتى ~~لا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا ~~بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فيما أحدثوا من التحريم والتحليل من غير ~~رجوع إلى ما شرع الله، كقوله تعالى # اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها وحدا # التوبة 31 وعن عدي بن حاتم. 172 # " ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون ~~فتأخذون بقولهم؟ قال نعم. قال هو ذاك " # ، وعن الفضيل لا أبالي أطعت مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير ~~القبلة. وقرىء «كلمة» بسكون اللام. وقرأ الحسن «سواء» بالنصب بمعنى استوت ~~استواء { فإن تولوا } عن التوحيد { فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون } أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا ~~بأنا مسلمون دونكم، كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع أو غيرهما ~~اعترف بأني أنا الغالب وسلم لي ms0289 الغلبة. ويجوز أن يكون من باب التعريض، ~~ومعناه اشهدوا واعترفوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره. زعم ~~كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم، وجادلوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول ~~التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وبين إبراهيم وموسى ألف سنة، ~~وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده ~~بأزمنة متطاولة؟ { أفلا تعقلون } حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال ~~المحال { هأنتم هؤلآء } ها للتنبيه، وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره. و ~~{ حججتم } جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني أنتم هؤلاء ~~الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم { فيما لكم ~~به علم } مما نطق به التوراة والإنجيل { فلم تحاجون فيما ~~ليس لكم به علم } ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وعن ~~الأخفش ها أنتم هو آأنتم على الاستفهام. فقلبت الهمزة هاء. ومعنى ~~الاستفهام التعجب من حماقتهم. وقيل { هؤلآء } بمعنى اللذين و { ~~حججتم } صلته { والله يعلم } علم ما حاججتم فيه { ~~وأنتم } جاهلون به ثم أعلمهم بأنه بريء من دينكم وما كان إلا { ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين } كما لم يكن منكم. ~~أو أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيرا والمسيح { إن ~~أولى الناس بإبرهيم } إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو ~~القرب { للذين اتبعوه } في زمانه وبعده { وهذا النبى ~~} خصوصا { والذين ءامنوا } من أمته. وقرىء «وهذا النبي» ~~بالنصب عطفا على الهاء في اتبعوه، أي اتبعوه واتبعوا هذا النبي. وبالجر ~~عطفا على إبراهيم. ### || [3.69-71] # { ودت طائفة } هم اليهود، دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى ~~اليهودية { وما يضلون إلا أنفسهم } وما يعود وبال الإضلال ~~إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. أو وما يقدرون على ~~إضلال المسلمين. وإنما يضلون أمثالهم من أشياعهم { بأيت الله } ~~بالتوراة والإنجيل. وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها. وشهادتهم اعترافهم بأنها آيات ~~الله. أو تكفرون ms0290 بالقرآن ودلائل نبوة الرسول { وأنتم تشهدون } ~~نعته في الكتابين. أو تكفرون بآيات الله جميعا وأنتم تعلمون أنها حق. ~~قرىء «تلبسون» بالتشديد وقرأ يحيى بن وثاب «تلبسون» بفتح الباء أي ~~تلبسون الحق مع الباطل. كقوله 173 # " كلابس ثوبي زور " # وقوله # إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا ### || [3.72-74] # { وجه النهار } أوله. قال # من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا ~~بوجه نهار # والمعنى أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار { ~~واكفروا } به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون ما رجعوا وهم ~~أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم. وقيل تواطأ اثنا ~~عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض ادخلوا في دين محمد أول النهار ~~من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا ~~علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا ~~فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم. وقيل هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى ~~الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى ~~الكعبة وصلوا إليها في أول النهار، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى ~~الصخرة، ولعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون { ولا ~~تؤمنوا } متعلق بقوله { أن يؤتى أحد } وما بينهما اعتراض. ~~أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون ~~غيرهم. أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما ~~أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ~~ثباتا، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام { أو يحاجوكم ~~عند ربكم } عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى ~~الجمع، بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أن المسلمين يحاجونكم يوم ~~القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة. فإن قلت فما معنى ~~الاعتراض؟ قلت معناه أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو ~~يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم ~~عن ms0291 المسلمين والمشركين، وكذلك قوله تعالى { قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء } يريد الهداية والتوفيق. أو يتم الكلام ~~عند قوله { إلا لمن تبع دينكم } على معنى ولا تؤمنوا هذا ~~الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم إلا لمن كانوا ~~تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من ~~سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم. وقوله { أن يؤتى } معناه لأن ~~يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعني أن ما بكم ~~من الحسد والبغي. أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب ~~ دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير أأن يؤتى ~~أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى إلا أن يؤتى أحد. # فإن قلت فما معنى قوله { أو يحاجوكم } على هذا؟ قلت معناه دبرتم ~~ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من ~~محاجتهم لكم عند ربكم. ويجوز أن يكون { هدى الله } بدلا من الهدى، ~~و { أن يؤتى أحد } خبر إن، على معنى قل إن هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ~~ويدحضوا حجتكم. وقرىء «إن يؤتى أحد». على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل ~~الكتاب. أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم، ويجوز أن ~~ينتصب { أن يؤتى } بفعل مضمر يدل عليه قوله { ولا تؤمنوا ~~إلا لمن تبع دينكم } كأنه قيل قل إن الهدى هدى الله، فلا ~~تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأن قولهم { ولا تؤمنوا إلا ~~لمن تبع دينكم } إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا. ### || [3.75-76] # عن ابن عباس { من إن تأمنه بقنطار } هو عبد الله بن سلام، ~~استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداه إليه. و { من ~~إن تأمنه بدينار } فنحاص بن ms0292 عازوراء استودعه رجل من قريش ~~دينارا فجحده وخانه. وقيل المأمونون على الكثير النصارى، لغلبة الأمانة ~~عليهم. والخائنون في القليل اليهود، لغلبة الخيانة عليهم { إلا ما ~~دمت عليه قائما } إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على ~~رأسه متوكلا عليه بالمطالبة والتعنيف، أو بالرفع إلى الحاكم وإقامة ~~البينة عليه. وقرىء «يؤده» بكسر الهاء والوصل، وبكسرها بغير وصل، ~~وبسكونها. وقرأ يحيى بن وثاب «تئمنه»، بكسر التاء. ودمت بكسر الدال من ~~دام يدام { ذلك } إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه لم يؤده، أي ~~تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم { ليس علينا فى الاميين سبيل ~~} أي لا يتطرق علينا عتاب وذم في شأن الأمييين، يعنون الذين ليسوا من ~~أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم، لأنهم ليسوا على ~~ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون لم يجعل لهم في كتابنا ~~حرمة. وقيل بايع اليهود رجالا من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا ليس ~~لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها 174 # " كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا ~~الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر " # وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة ~~الدجاجة والشاة. قال فتقولون ماذا؟ قال نقول ليس علينا في ذلك بأس. قال ~~هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل. إنهم إذا أدوا ~~الجزية لم يحل لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم. { ويقولون على ~~الله الكذب } بادعائهم أن ذلك في كتابهم { وهم يعلمون } ~~أنهم كاذبون { بلى } إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي ~~بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله { من أوفى بعهده } جملة مستأنفة ~~مقررة للجملة التي سدت بلى مسدها، والضمير في بعهده راجع إلى من أوفى، ~~على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، ~~فإن الله يحبه. فإن قلت، فهذا ms0293 عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم ~~وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله. قلت أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا ~~أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول ~~مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على ~~الله وتحريف كلمه. ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، على أن كل من ~~وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من ~~الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. فإن قلت فأين الضمير ~~الراجع من الجزاء إلى من؟ قلت عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير. وعن ~~ابن عباس نزلت في عبد الله بن سلام وبحيرا الراهب ونظرائهما من مسلمة أهل ~~الكتاب. ### || [3.77-78] # { يشترون } يستبدلون { بعهد الله } بما عاهدوه عليه من ~~الإيمان بالرسول المصدق لما معهم { وأيمنهم } وبما حلفوا به من ~~قولهم. والله لنؤمنن به ولننصرنه { ثمنا قليلا } متاع الدنيا من ~~الترؤس والارتشاء ونحو ذلك. وقيل نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق ~~وحيي بن أخطب، حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأخذوا الرشوة على ذلك. وقيل جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في ~~سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله؟ قالوا ~~نعم، قال لقد هممت أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا. ~~فقالوا لعله شبه علينا فرويدا حتى نلقاه. فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته، ~~ثم رجعوا إليه وقالوا قد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح ~~ومارهم. وعن الأشعث بن قيس 175 # " نزلت في، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال «شاهداك أو يمينه» فقلت إذن يحلف ولا يبالي فقال ~~«من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان " # وقيل نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه. ~~والوجه أن نزولها في أهل ms0294 الكتاب. وقوله { بعهد الله } يقوي رجوع ~~الضمير في بعهده إلى الله { ولا ينظر إليهم } مجاز عن ~~الاستهانة بهم والسخط عليهم تقول فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي ~~اعتداده به وإحسانه إليه { ولا يزكيهم } ولا يثني عليهم. فإن قلت ~~أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟ قلت أصله ~~فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره ~~نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم ~~نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان مجازا عما ~~وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر { لفريقا } هم كعب بن الأشرف ~~ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم { يلوون ألسنتهم ~~بالكتب } يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف وقرأ أهل المدينة ~~«يلوون»، بالتشديد، كقوله # لووا رءوسهم # المنافقون 5. وعن مجاهد وابن كثير يلون ووجهه أنهما قلبا الواو المضمومة ~~همزة، ثم خففوها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها. فإن قلت إلام ~~يرجع الضمير في { لتحسبوه }؟ قلت إلى ما دل عليه يلوون ألسنتهم ~~بالكتاب وهو المحرف. ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ~~ذلك الشبه من الكتاب وقرىء «ليحسبوه» بالياء، بمعنى يفعلون ذلك ليحسبه ~~المسلمون من الكتاب { ويقولون هو من عند الله } تأكيد ~~لقوله هو من الكتاب، وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودلالة على أنهم ~~لا يعرضون ولا يورون وإنما يصرحون بإنه في التوراة هكذا، وقد أنزله ~~الله تعالى على موسى كذلك لفرط جراءتهم على الله وقساوة قلوبهم ويأسهم من ~~الأخرة. وعن ابن عباس هم اليهودالذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا ~~التوراة وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم. ### || [3.79-80] # { ما كان لبشر } تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى. وقيل 176 # " إن أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال معاذ الله أن نعبد غير ms0295 الله، ~~أو أن نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني فنزلت " # وقيل 177 قال رجل يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا ~~نسجد لك؟ قال لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم ~~واعرفوا الحق لأهله { والحكم } والحكمة وهي السنة { ولكن ~~كونوا ربنيين } ولكن يقول كونوا. والرباني منسوب إلى الرب ~~بزيادة الألف والنون كما يقال رقباني ولحياني، وهو الشديد التمسك بدين ~~الله وطاعته. وعن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس اليوم مات ~~رباني هذه الأمة. وعن الحسن ربانيين علماء فقهاء. وقيل علماء معلمين. ~~وكانوا يقولون الشارع الرباني العالم العامل المعلم { بما كنتم } ~~بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي ~~هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلا على ~~خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى ~~العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ~~وقرىء «تعلمون»، من التعليم. «وتعلمون» من التعلم { تدرسون } تقرؤن. ~~وقرىء «تدرسون»، من التدريس. وتدرسون على أن أدرس بمعنى درس كأكرم وكرم ~~وأنزل ونزل. «وتدرسون»، من التدرس. ويجوز أن يكون معناه ومعنى تدرسون ~~بالتخفيف تدرسونه على الناس كقوله # لتقرأه على الناس # الإسراء 106 فيكون معناهما معنى تدرسون من التدريس. وفيه أن من علم ودرس ~~العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع، ~~حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته. وقرىء «ولا يأمركم» ~~بالنصب عطفا على { ثم يقول } وفيه وجهان أحدهما أن تجعل «لا» ~~مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله { ما كان لبشر } والمعنى ما كان ~~لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك ~~الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم { أن تتخذوا ~~الملئكة والنبيين أربابا } كما تقول ما كان لزيد أن ~~أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي. والثاني أن تجعل ms0296 «لا» غير مزيدة. والمعنى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة، ~~واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح. فلما قالوا له أنتخذك ربا؟ قيل ~~لهم ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن ~~عبادة الملائكة والأنبياء. والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، ~~وتنصرها قراءة عبد الله «ولن يأمركم». والضمير في { ولا يأمركم } ~~و { أيأمركم } لبشر. وقيل الله، والهمزة في أيأمركم للإنكار { ~~بعد إذ أنتم مسلمون } دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، ~~وهم الذين أستأذنوه أن يسجدوا له. ### || [3.81-83] # { ميثق النبيين } فيه غير وجه أحدها أن يكون على ظاهره من ~~أخذ الميثاق على النبيين بذلك. والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين ~~إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول ميثاق الله وعهد الله، ~~كأنه قيل وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، والثالث أن ~~يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. والرابع أن ~~يراد أهل الكتاب وأن يرد على زعمهم تهكما بهم، لأنهم كانوا يقولون نحن ~~أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون. وتدل عليه قراءة ~~أبي وابن مسعود «وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب» واللام في { ~~لما ءاتيتكم } لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف وفي ~~لتؤمنن لام جواب القسم، و «ما» يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، ~~ولتؤمنن ساد مسدجواب القسم والشرط جميعا وأن تكون موصولة بمعنى للذي ~~آتيتكموه لتؤمنن به. وقريء «لما آتيناكم» وقرأ حمزة «لما آتيتكم». بكسر ~~اللام ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء رسول مصدق ~~لما معكم لتؤمنن به. على أن «ما» مصدرية، والفعلان معها أعني «آتيتكم» و ~~«جاءكم» في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى أخذ الله ~~ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول ~~الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. ويجوز أن تكون «ما» ~~موصولة. فإن قلت كيف يجوز ذلك والعطف على آتيتكم وهو قوله ms0297 { ثم ~~جاءكم } لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصفة، لأنك لا تقول للذي جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم؟ قلت بلى لأن ما معكم في معنى ما آتيتكم، فكأنه قيل للذي ~~آتيكموه وجاءكم رسول مصدق له. وقرأ سعيد بن جبير «لما» بالتشديد، بمعنى ~~حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة. ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان ~~به ونصرته. وقيل أصله لمن ما، قاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات وهي الميمان ~~والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم، فحذفوا إحداها فصارت لما. ~~ومعناه لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى { ~~إصرى } عهدي. وقرىء «أصرى» بالضم. وسمي إصرا، لأنه مما يؤصر، أي يشد ~~ويعقد. ومنه الإصار، الذي يعقد به. ويجوز أن يكون المضموم لغة في أصر، ~~كعبر وعبر، وأن يكون جمع إصار { فاشهدوا } فليشهد بعضكم على بعض ~~بالإقرار { وأنا على ذلكم } من إقراركم وتشاهدكم { من ~~الشهدين } وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة ~~الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل الخطاب للملائكة { فمن تولى ~~بعد ذلك } الميثاق والتوكيد { فأولئك هم الفسقون } ~~أي المتمردون من الكفار دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على ~~جملة. # والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة ~~بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره { أ } يتولون { فغير دين ~~الله يبغون } وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنه ~~أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل. ~~وروي 178 أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام وكل واحد من الفريقين ادعى أنه ~~أولى به، فقال صلى الله عليه وسلم «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» ~~فقالوا ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك. فنزلت وقرىء «يبغون»، بالياء ~~«وترجعون» بالتاء وهي قراءة أبي عمرو، لأن الباغين هم المتولون، ~~والراجعون جميع الناس. وقرئا بالياء معا، وبالتاء معا { طوعا } ~~بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه { وكرها } بالسيف، ms0298 أو بمعاينة ~~ما يلجىء إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، ~~والإشفاء على الموت # فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده # غافر 84 وانتصب طوعا وكرها على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين. ### || [3.84-85] # أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان، ~~فلذلك وحد الضمير في { قل } وجمع في { ءامنا } ويجوز أن يؤمر بأن ~~يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالا من الله لقدر نبيه. فإن قلت لم ~~عدى أنزل في هذه الآية بحرف الاستعلاء، وفيما تقدم من مثلها بحرف ~~الانتهاء؟ قلت لوجود المعنيين جميعا، لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى ~~الرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين، وأخرى بالآخر. ومن قال إنما قيل { ~~علينا } لقوله { قل } و { إلينا } لقوله # قولوا # البقرة 136 تفرقة بين الرسل والمؤمنين، لأن الرسول يأتيه الوحي على طريق ~~الاستعلاء، ويأتيهم على وجه الانتهاء، فقد تعسف. ألا ترى إلى قوله # بما أنزل إليك # المائدة 68، # وأنزلنا إليك الكتب # النساء 105 وإلى قوله { ءامنوا بالذى أنزل على الذين ~~ءامنوا }. { ونحن له مسلمون } موحدون مخلصون أنفسنا له لا ~~نجعل له شريكا في عبادتها ثم قال { ومن يبتغ غير الإسلم } ~~يعني التوحيد وإسلام الوجه لله تعالى { دينا فلن يقبل منه ~~وهو فى الاخرة من الخسرين } من الذين وقعوا في الخسران ~~مطلقا من غير تقييد للشياع. وقرىء «ومن يبتغ غير الإسلام» بالإدغام. ### || [3.86-89] # { كيف يهدى الله قوما } كيف يلطف بهم وليسوا من أهل اللطف، ~~لما علم الله من تصميمهم على كفرهم، ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد ~~إيمانهم وبعد ما شهدوا بأن الرسول حق، وبعدما جاءتهم الشواهد من القرآن ~~وسائر المعجزات التي تثبت بمثلها النبوة وهم اليهود كفروا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به وذلك حين عاينوا ما ~~يوجب قوة إيمانهم من البينات. وقيل نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا ~~عن الإسلام ولحقوا بمكة، منهم طعمة بن أبيرق، ووحوح بن الأسلت، ~~والحرث بن سويد بن الصامت. فإن قلت علام عطف ms0299 قوله { وشهدوا }؟ قلت ~~فيه وجهان أن يعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأن معناه بعد أن ~~آمنوا، كقوله تعالى # فأصدق وأكن # المنافقين 10 وقول الشاعر # ... ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب............ # ويجوز أن تكون الواو للحال بإضمار «قد» بمعنى كفروا وقد شهدوا أن الرسول ~~حق { والله لا يهدى } لا يلطف بالقوم الظالمين المعاندين الذين ~~علم أن اللطف لا ينفعهم. { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~} الكفر العظيم والارتداد { وأصلحوا } ما أفسدوا أو ودخلوا في ~~الصلاح. وقيل نزلت في الحرث بن سويد بعد أن ندم على ردته وأرسل إلى قومه ~~أن سلوا هل لي من توبة، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية. فأقبل إلى ~~المدينة فتاب وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم توبته. ### || [3.90-91] # { ثم ازدادوا كفرا } هم اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد ~~إيمانهم بموسى والتوراة، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد والقرآن. أو ~~كفروا برسول الله بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا ~~بإصرارهم على ذلك وطنعهم في كل وقت، وعداوتهم له. ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم ~~للمؤمنين، وصدهم عن الإيمان به، وسخريتهم بكل آية تنزل. وقيل نزلت في ~~الذين ارتدوا ولحقوا بمكة، وازديادهم الكفر أن قالوا نقيم بمكة نتربص ~~بمحمد ريب المنون، وإن أردنا الرجعة نافقنا بإظهار التوبة. فإن قلت قد ~~علم أن المرتد كيفما ازداد كفرا فإنه مقبول التوبة إذا تاب فما معنى { ~~لن تقبل توبتهم }؟ قلت جعلت عبارة عن الموت على الكفر، لأن ~~الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل إن ~~اليهود أو المرتدين الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر، داخلون في ~~جملة من لا تقبل توبتهم. فإن قلت فلم قيل في إحدى الآيتين { لن ~~تقبل } بغير فاء، وفي الآخرى { فلن يقبل }؟ قلت قد أوذن بالفاء ~~أن الكلام بني على الشرط والجزاء. وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت ~~على الكفر. وبترك الفاء أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبب ~~كما تقول الذي جاءني له درهم، لم تجعل ms0300 المجيء سببا في استحقاق الدرهم، ~~بخلاف قولك فله درهم. فإن قلت فحين كان المعنى { لن تقبل ~~توبتهم } بمعنى الموت على الكفر، فهلا جعل الموت على الكفر مسببا ~~عن ارتدادهم وازديادهم الكفر لما في ذلك من قساوة القلوب وركوب الرين ~~وجره إلى الموت على الكفر؟ قلت لأنه كم من مرتد مزداد للكفر يرجع إلى ~~الإسلام ولا يموت على الكفر. فإن قلت فأي فائدة في هذه الكناية، أعني أن ~~كنى عن الموت على الكفر بامتناع، قبول التوبة؟ قلت الفائدة فيها جليلة، ~~وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار، وإبراز حالهم في صورة حالة ~~الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على ~~الكفر إنما يخاف من أجل اليأس من الرحمة { ذهبا } نصب على التمييز. ~~وقرأ الأعمش «ذهب»، بالرفع ردا على ملء، كما يقال عندي عشرون نفسا ~~رجال. فإن قلت كيف موقع قوله { ولو افتدى به }؟ قلت هو كلام ~~محمول على المعنى. كأنه قيل فلن تقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ~~ذهبا. ويجوز أن يراد ولو افتدى بمثله، كقوله # ولو أن للذين ظلموا ما فى الارض جميعا ~~ومثله معه # الزمر 47 والمثل يحذف كثيرا في كلامهم، كقولك ضربته ضرب زيد، تريد مثل ~~ضربه. وأبو يوسف أبو حنيفة تريد مثله «ولا هيثم الليلة للمطي» وقضية ولا ~~أبا حسن لها، تريد ولا مثل هيثم، ولا مثل أبي حسن، كما أنه يراد في نحو ~~قولهم مثلك لا يفعل كذا، تريد أنت. وذلك أن المثلين يسد أحدهما مسد ~~الآخر فكانا في حكم شيء واحد، وأن يراد فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا كان قد تصدق به، ولو افتدى به أيضا لم يقبل منه. وقرىء «فلن ~~يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا» على البناء للفاعل وهو الله عز ~~وعلا، ونصب ملء. ومل لرض بتخفيف الهمزتين. ### || [3.92] # { لن تنالوا البر } لن تبلغوا حقيقة البر، ولن تكونوا ~~أبرارا. وقيل لن تنالوا بر الله وهو ثوابه { حتى تنفقوا مما ~~تحبون } حتى تكون نفقتكم ms0301 من أموالكم التي تحبونها. وتؤثرونها كقوله # أنفقوا من طيبت ما كسبتم # البقرة 267 وكان السلف رحمهم الله إذا أحبوا شيئا جعلوه لله. وروي ~~179أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال يا رسول الله. إن أحب أموالي إلي ~~بيرحاء فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " بخ بخ ذاك مال رابح أو مال رائح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " # فقال أبو طلحة افعل يا رسول الله فقسمها في أقاربه. 180 وجاء زيد ابن ~~حارثة بفرس له كان يحبها فقال هذه في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله ~~أسامة بن زيد، فكأن زيدا وجد في نفسه وقال إنما أردت أن أتصدق به. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أما إن الله تعالى قد قبلها منك ". # وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي ~~جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما جاءت أعجبته فقال إن الله تعالى يقول { ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ~~فأعتقها. ونزل بأبي ذر ضيف فقال للراعي ائتني بخير إبلي فجاء بناقة ~~مهزولة. فقال خنتني، قال وجدت خير الإبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه ~~فقال إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. وقرأ عبد الله «حتى تنفقوا ~~بعض ما تحبون». وهذا دليل على أن «من» في { مما تحبون } ~~للتبعيض. ونحوه أخذت من المال. ومن في { من شىء } لتبيين ما تنفقوا، ~~أي من أي شيء كان طيبا تحبونه أو خبيثا تكرهونه { فإن الله } ~~عليم بكل شيء تنفقونه فمجازيكم بحسبه. ### || [3.93-94] # { كل الطعام } كل المطعومات أو كل أنواع الطعام. والحل مصدر. ~~يقال حل الشيء حلا كقولك ذلت الدابة ذلا، وعز الرجل عزا، وفي حديث ~~عائشة رضي الله عنها. 181 # " كنت أطيبه لحله وحرمه " # ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع. قال الله تعالى # لا هن حل لهم # الممتحنة 10 والذي حرم إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام على نفسه لحوم ~~الإبل وألبانها وقيل ms0302 العروق. كان به عرق النسا، فنذر إن شفي أن يحرم على ~~نفسه أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه فحرمه. وقيل أشارت عليه ~~الأطباء باجتنابه، ففعل ذلك بإذن من الله، فهو كتحريم الله ابتداء ~~والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال ~~التوراة وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيء قبل ~~ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على ~~تحريمه، وهو رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى ~~عليهم في قوله تعالى # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # النساء 16 إلى قوله تعالى # عذابا أليما # النساء 18 وفي قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما # الأنعام 146 إلى قوله # ذلك جزينهم ببغيهم # الأنعام 146 وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من ~~تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم، فقالوا لسنا بأول من حرمت عليه، ~~وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من ~~بني إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت ~~على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن ~~سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل، وما عدد من مساويهم ~~التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم { ~~قل فأتوا بالتوراة فاتلوها } أمر بأن يحاجهم بكتابهم ~~ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم ~~وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج ~~التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه { فمن افترى على ~~الله الكذب } بزعمه أن ذلك كان محرما على بني إسرائيل قبل إنزال ~~التوراة من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة { فأولئك هم ~~الظلمون } المكابرون الذين لا ينصفون ms0303 من أنفسهم ولا يلتفتون إلى ~~البينات. ### || [3.95] # { قل صدق الله } تعريض بكذبهم كقوله # ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون # الأنعام 146 أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون { ~~فاتبعوا ملة إبرهيم حنيفا } وهي ملة الإسلام التي ~~عليها محمد ومن آمن معه، حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد ~~دينكم ودنياكم، حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم، ~~وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه. ### || [3.96-97] # { وضع للناس } صفة لبيت، والواضع هو الله عز وجل، تدل عليه ~~قراءة من قرأ «وضع للناس» بتسمية الفاعل وهو الله. ومعنى وضع الله بيتا ~~للناس، أنه جعله متعبدا لهم، فكأنه قال إن أول متعبد للناس الكعبة. وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أول مسجد وضع للناس فقال 182 # " المسجد الحرام. ثم بيت المقدس وسئل كم بينهما؟ قال «أربعون سنة» " # وعن علي رضي الله عنه أن رجلا قال له أهو أول بيت؟ قال لا، قد كان ~~قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة. ~~وأول من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته ~~العمالقة ثم هدم فبناه قريش. وعن ابن عباس هو أول بيت حج بعد ~~الطوفان. وقيل هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، ~~خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته. ~~وقيل هو أول بيت بناه آدم في الأرض. وقيل لما هبط آدم قالت له الملائكة ~~طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام، وكان في موضعه قبل آدم بيت ~~يقال له الضراح، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة ~~السموات { للذى ببكة } البيت الذي ببكة، وهي علم للبلد ~~الحرام، ومكة وبكة لغتان فيه، نحو قولهم النبيط والنميط، في اسم موضع ~~بالدهناء ونحوه من الاعتقاب أمر راتب وراتم. وحمى مغمطة ومغبطة وقيل مكة، ~~البلد، وبكة موضع المسجد. وقيل اشتقاقها من «بكه» إذا زحمه لازدحام ms0304 الناس ~~فيها. وعن قتادة يبك الناس بعضهم بعضا الرجال والنساء، يصلي بعضهم ~~بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة كأنها سميت ببكة وهي الزحمة. قال # إذا الشريب أخذته الأكه فخله حتى يبك بكه # وقيل تبك أعناق الجبابرة أي تدقها. لم يقصدها جبار إلا قصمه الله تعالى. ~~{ مباركا } كثير الخير لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده وطاف حوله ~~من الثواب وتكفير الذنوب، وانتصابه على الحال من المستكن في الظرف، لأن ~~التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه المقدر في الظرف من فعل الاستقرار { ~~وهدى للعلمين } لأنه قبلتهم ومتعبدهم { مقام إبرهيم ~~} عطف بيان لقوله { ءايت بينت فاسأل }. فإن قلت كيف صح بيان ~~الجماعة بالواحد؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة ~~لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في ~~حجر صلد، كقوله تعالى # إن إبرهيم كان أمة # النحل 120 والثاني اشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء ~~آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه ~~دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة ~~أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية. # ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأن الاثنين ~~نوع من الجمع كالثلاثة والأربعة. ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر ~~غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ~~وأمن من دخله، وكثير سواهما. ونحوه في طي الذكر قول جرير # كانت حنيفة أثلاثا فثلثهمو من العبيد وثلث ~~من مواليها # ومنه قوله عليه السلام 183 # " حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب، والنساء، وقرة عيني في الصلاة " # وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة «آية ~~بينة»، على التوحيد. وفيها دليل على أن مقام إبراهيم واقع وحده عطف ~~بيان. فإن قلت كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات؟ ~~وقوله { ومن دخله كان ءامنا } جملة مستأنفة إما ابتدائية وإما ms0305 ~~شرطية؟ قلت أجزت ذلك من حيث المعنى، لأن قوله { ومن دخله كان ~~ءامنا } دل على أمن داخله، فكأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ~~وأمن داخله. ألا ترى أنك لو قلت فيه آية بينة، من دخله كان آمنا صح، ~~لأنه في معنى قولك فيه آية بينة، أمن من دخله. فإن قلت كيف كان سبب هذا ~~الأثر؟ قلت فيه قولان أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن ~~رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. وقيل إنه جاء زائرا من ~~الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل انزل حتى يغسل رأسك، فلم ينزل، ~~فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق ~~رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقي أثر قدميه ~~عليه. ومعنى { ومن دخله كان ءامنا } معنى قوله # أو لم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # العنكبوت 67 وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام # رب اجعل هذا البلد امنا # البقرة 126 وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن ~~عمر رضي الله عنه «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» وعند ~~أبي حنيفة من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردة أو زنى فالتجأ إلى الحرم ~~لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى ~~الخروج. وقيل آمنا من النار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 184 # " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا " # وعنه عليه الصلاة والسلام # 185 # " الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " # وهما مقبرتا مكة والمدينة وعن ابن مسعود. 186 وقف رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وعلى آله وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة، فقال ~~«يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفا وجوههم كالقمر ~~ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا ~~وجوههم كالقمر ms0306 ليلة البدر» وعن النبي صلى الله عليه وسلم 187 # " من صبر على حر مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " # { من استطع } بدل من الناس. وروي 188 أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وكذا عن ابن عباس وابن عمر ~~وعليه أكثر العلماء. وعن ابن الزبير هو على قدر القوة. ومذهب مالك أن ~~الرجل إذا وثق بقوته لزمه. وعنه ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد ~~والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا زاد له ولا راحلة، ~~وعن الضحاك إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع. وقيل له في ذلك فقال إن كان ~~لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ بل كان ينطلق إليه ولو حبوا فكذلك يجب ~~عليه الحج. والضمير في { إليه } للبيت أو للحج. وكل مأتي إلى ~~الشيء فهو سبيل إليه وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد ومنها ~~قوله { ولله على الناس حج البيت } يعني أنه حق واجب لله ~~في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ~~ثم أبدل عنه من استطاع إليه سبيلا، وفيه ضربان من التأكيد أحدهما أن ~~الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام ~~والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين. ومنها قوله { ومن ~~كفر } مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك الحج ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 189 # " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا " # ونحوه من التغليط 190 # " من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر " # ومنها ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان، ومنها ~~قوله { عن العلمين } وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على ~~الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا ~~محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع ~~عبارة عنه. وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود، فإنهم قالوا الحج إلى مكة ~~غير ms0307 واجب وروى 191 أنه لما نزل قوله تعالى { ولله على الناس ~~حج البيت } جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم ~~فخطبهم فقال إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم ~~المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه، ~~فنزل { ومن كفر } وعن النبي صلى الله عليه وسلم 192 # " حجوا قبل أن لا تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " # وروي. 193 «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» وعن ابن ~~مسعود حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا ~~نفقت. وعن عمر رضي الله عنه لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا ~~وقرىء «حج البيت» بالكسر. ### || [3.98-99] # { والله شهيد } الواو للحال. والمعنى لم تكفرون بآيات الله التي ~~دلتكم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم والحال أن الله شهيد على أعمالكم ~~فمجازيكم عليها، وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته. قرأ ~~الحسن «تصدون»، من أصده { عن سبيل الله } عن دين حق علم أنه ~~سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام، وكانوا يفتنون المؤمنين ~~ويحتالون لصدهم عنه، ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم وقيل أتت اليهود ~~الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ~~ليعودوا لمثله { تبغونها عوجا } تطلبون لها اعوجاحا وميلا عن ~~القصد والاستقامة. فإن قلت كيف تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت فيه معنيان ~~أحدهما أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها عوجا بقولكم إن ~~شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~وجهها ونحو ذلك. والثاني أنكم تتعبون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا ~~يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم { وأنتم ~~شهداء } أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل، أو وأنتم ~~شهداء بين أهل دينكم، عدول يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم أمورهم، ~~وهم الأحبار ms0308 { وما الله بغفل } وعيد، ومحل تبغونها نصب على ~~الحال. ### || [3.100] # قيل 194 مر شاس بن قيس اليهودي وكان عظيم الكفر شديد الطعن على ~~المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في ~~مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في ~~الجاهلية من العداوة، وقال ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر شابا ~~من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه من ~~الأشعار، وكان يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس. ~~ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا السلاح السلاح، فبلغ ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار ~~فقال أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع ~~به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم. فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد ~~من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك ~~اليوم. ### || [3.101] # { وكيف تكفرون } معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجيب، والمعنى ~~من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز { ~~تتلى عليكم } على لسان الرسول غضة طرية وبين أظهركم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم { ومن يعتصم ~~بالله } ومن يتمسك بدينه. ويجوز أن يكون حثا لهم على الالتجاء إليه ~~في دفع شرور الكفار ومكايدهم { فقد هدى } فقد حصل له الهدى لا ~~محالة كما تقول إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه ~~حاصلا. ومعنى التوقع في { قد } ظاهر لأن المعتصم بالله متوقع للهدى، ~~كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده. ### || [3.102-103] # { حق تقاته } واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالمواجب ~~واجتناب المحارم، ونحوه # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16 يريد بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها ~~شيئا. وعن عبد الله 195 # " هو أن يطاع فلا يعصى، ms0309 ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى " # وروي مرفوعا. وقيل هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو ~~على نفسه أو ابنه أو أبيه. وقيل لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن ~~لسانه، والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد { ولا تموتن } معناه ولا ~~تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما تقول لمن تستعين ~~به على لقاء العدو لا تأتني إلا وأنت على حصان، فلا تنهاه عن الإتيان ~~ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان. قولهم اعتصمت ~~بحبله يجوز أن يكون تمثيلا لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك ~~المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة ~~لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحا لاستعارة الحبل بما يناسبه. ~~والمعنى واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه. أو ~~واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة أو بكتابه لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم 196 # " القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، من ~~قال به صدق ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم " # { ولا تفرقوا } ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما ~~اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي ~~بعضكم بعضا ويحاربه أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه ~~الاجتماع والألفة التي أنتم عليها مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو ~~اتباع الحق والتمسك بالإسلام. كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات ~~والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام. وقذف فيها المحبة ~~فتحابوا وتوافقوا وصاروا { إخوانا } متراحمين متناصحين مجتمعين على ~~أمر واحد قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله وقيل هم الأوس ~~والخزرج، كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة وتطاولت الحروب مائة ~~وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { وكنتم على شفا حفرة من النار } وكنتم ~~مشفين على أن تقعوا في نار ms0310 جهنم لما كنتم عليه من الكفر { فأنقذكم ~~منها } بالإسلام. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته ~~إلى الحفرة وهو منها كما قال # كما شرقت صدر القناة من الدم # وشفا الحفرة وشفتها حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها واو، إلا أنها في ~~المذكر مقلوبة وفي المؤنث محذوفة، ونحو الشفا والشفة الجانب والجانبة. ~~فإن قلت كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟ قلت لو ماتوا على ما كانوا ~~عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار ~~بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها { كذلك } مثل ذلك البيان ~~البليغ { يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون } ~~إرادة أن تزدادوا هدى. ### || [3.104] # { ولتكن منكم أمة } «من» للتبعيض لأن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف ~~والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما نهى ~~عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه ~~فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر ~~على من لا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على من الإنكار عليه عبث، ~~كالإنكار على أصحاب المآصر والجلادين وأضرابهم. وقيل «من» للتبيين، بمعنى ~~وكونوا أمة تأمرون، كقوله تعالى # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون # آل عمران 110. { وأولئك هم المفلحون } هم الأخصاء ~~بالفلاح دون غيرهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل وهو على المنبر ~~197 # " من خير الناس؟ قال آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر. وأتقاهم لله ~~وأوصلهم " # وعنه عليه الصلاة والسلام 198 # " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة ~~رسوله، وخليفة كتابه " # وعن علي رضي الله عنه 199 أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~ومن.... شنىء الفاسقين وغضب لله، غضب الله له. وعن حذيفة يأتي على الناس ~~زمان تكون فيهم جيفة الحمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر، وعن سفيان الثوري إذا كان الرجل محببا في جيرانه ms0311 محمودا عند ~~إخوانه فاعلم أنه مداهن. والأمر بالمعروف تابع للمأمور به، إن كان واجبا ~~فواجب، وإن كان ندبا فندب. وأما النهي عن المنكر فواجب كله، لأن جميع ~~المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح. فإن قلت ما طريق الوجوب؟ قلت قد اختلف ~~فيه الشيخان، فعند أبي علي السمع والعقل، وعند أبي هاشم السمع وحده. فإن ~~قلت ما شرائط النهي؟ قلت أن يعلم الناهي أن ما ينكره قبيح، لأنه إذا لم ~~يعلم لم يأمن أن ينكر الحسن، وأن لا يكون ما ينهي عنه واقعا، لأن ~~الواقع، لا يحسن النهي عنه، وإنما يحسن الذم عليه والنهي عن أمثاله، وأن ~~لا يغلب على ظنه أن المنهي يزيد في منكراته، وأن لا يغلب على ظنه أن نهيه ~~لا يؤثر لأنه عبث. فإن قلت فما شروط الوجوب؟ قلت أن يغلب على ظنه وقوع ~~المعصية نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته، وأن لا يغلب ~~على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة. فإن قلت كيف يباشر الإنكار؟ قلت ~~يبتدىء بالسهل، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب، لأن الغرض كف المنكر. قال ~~الله تعالى { فأصلحوا بينهما } ثم قال # فقتلوا # النساء 76، فإن قلت فمن يباشره؟ قلت كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه، ~~وقد أجمعوا أن من رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار، لأنه معلوم ~~قبحه لكل أحد. # وأما الإنكار الذي بالقتال، فالإمام وخلفاؤه أولى لأنهم أعلم بالسياسة ~~ومعهم عدتها. فإن قلت فمن يؤمر وينهى؟ قلت كل مكلف، وغير المكلف إذا ~~هم بضرر غيره منع، كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات حتى ~~لا يتعودوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها. فإن قلت هل يجب على ~~مرتكب المنكر أن ينهى عما يرتكبه قلت نعم يجب عليه، لأن ترك ارتكابه ~~وإنكاره واجبان عليه، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر. وعن ~~السلف مروا بالخير وإن لم تفعلوا. وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله ~~يقول لا أقول ما لا أفعل، فقال وأينا يفعل ما يقول ود الشيطان ms0312 لو ظفر ~~بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر. فإن قلت كيف قيل { ~~يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف }؟ قلت الدعاء ~~إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر خاص، فجيء بالعام ثم عطف عليه الخاص إيذانا بفضله، كقوله # والصلوة الوسطى # البقرة 238. ### || [3.105-107] # { كالذين تفرقوا واختلفوا } وهم اليهود والنصارى { من ~~بعد ما جاءهم البينت } الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة ~~وهي كلمة الحق. وقيل هم مبتدعو هذه الأمة، وهم المشبهة والمجبرة والحشوية ~~وأشباههم { يوم تبيض وجوه } نصب بالظرف وهو لهم، أو بإضمار ~~اذكر، وقرىء «تبيض وتسود»، بكسر حرف المضارعة. «وتبياض وتسواد». والبياض ~~من النور، والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون ~~وإسفاره وإشراقه، وابيضت صحيفته وأشرقت. وسعى النور بين يديه وبيمينه. ~~ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودت ~~صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ بالله وبسعة رحمته من ~~ظلمات الباطل وأهله { أكفرتم } فيقال لهم أكفرتم، والهمزة للتوبيخ ~~والتعجيب من حالهم. والظاهر أنهم أهل الكتاب. وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه. وعن عطاء تبيض ~~وجوه المهاجرين والأنصار وتسود وجوه بني قريظة والنضير. وقيل هم ~~المرتدون. وقيل أهل البدع والأهواء، وعن أبي أمامة 200 هم الخوارج، ولما ~~رآهم على درج دمشق دمعت عيناه ثم قال كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم ~~السماء.وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، فقال له أبو غالب ~~أشيء تقوله برأيك، أم شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال بل ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة. قال فما شأنك دمعت ~~عيناك، قال رحمة لهم، كانوا من أهل الإسلام فكفروا. ثم قرأ هذه الآية، ثم ~~أخذ بيده فقال إن بأرضك منهم كثيرا. فأعاذك الله منهم. وقيل هم جميع ~~الكفار لإعراضهم عما أوجبه الإقرار حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى { ففى ms0313 رحمة الله } ففي نعمته وهي الثواب المخلد، فإن ~~قلت كيف موقع قوله { هم فيها خلدون } بعد قوله { ففى ~~رحمة الله }؟ قلت موقع الاستئناف، كأنه قيل كيف يكونون فيها؟ فقيل ~~هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون. ### || [3.108-109] # { تلك آيت الله } الواردة في الوعد والوعيد { نتلوها ~~عليك } ملتبسة { بالحق } والعدل من جزاء المحسن والمسيء بما ~~يستوجبانه { وما الله يريد ظلما } فيأخذ أحدا بغير جرم، أو ~~يزيد في عقاب مجرم، أوينقص من ثواب محسن. ونكر ظلما وقال { ~~للعلمين } على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه، فسبحان ~~من يحلم عمن يصفه بإرادة القبائح والرضا بها. ### || [3.110-111] # «كان» عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل ~~على سابق عدم ولا على انقطاع طارىء، ومنه قوله تعالى # وكان الله غفورا رحيما # النساء 96 ومنه قوله تعالى { كنتم خير أمة } كأنه قيل وجدتم ~~خير أمة، وقيل كنتم في علم الله خير أمة. وقيل كنتم في الأمم قبلكم ~~مذكورين بأنكم خير أمة، موصوفين به { أخرجت } أظهرت، وقوله { ~~تأمرون } كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة، كما تقول زيد كريم ~~يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم { وتؤمنون بالله } جعل ~~الإيمان بكل ما يجب الإيمان به إيمانا بالله، لأن من آمن ببعض ما يجب ~~الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك ~~لم يعتد بإيمانه، فكأنه غير مؤمن بالله # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكفرون ~~حقا # النساء 150 والدليل عليه قوله تعالى { ولو ءامن أهل الكتب ~~} مع إيمانهم بالله { لكان خيرا لهم } لكان الإيمان خيرا لهم ~~مما هم عليه، لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حبا للرياسة ~~واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ~~ما هوخير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوه على الإيمان من ~~إيتاء الأجر مرتين { منهم المؤمنون } كعبد الله بن سلام ~~وأصحابه ms0314 { وأكثرهم الفسقون } المتمردون في الكفر { لن ~~يضروكم إلا أذى } إلا ضررا مقتصرا على أذى بقول من طعن في ~~الدين أو تهديد أو نحو ذلك { وإن يقتلوكم يولوكم ~~الادبار } منهزمين ولا يضروكم بقتل أو أسر { ثم لا ينصرون } ~~ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم. وفيه تثبيت لمن أسلم منهم، ~~لأنهم كانوا يؤذنونهم بالتلهي بهم وتوبيخهم وتضليلهم وتهديدهم بأنهم لا ~~يقدرون أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يبالى به، مع أنه وعدهم الغلبة ~~عليهم والانتقام منهم وأن عاقبة أمرهم الخذلان والذل. فإن قلت هلا جزم ~~المعطوف في قوله { ثم لا ينصرون }؟ قلت عدل به عن حكم الجزاء إلى ~~حكم الإخبار ابتداء، كأنه قيل ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فأي فرق ~~بين رفعه وجزمه في المعنى؟ قلت لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم، ~~كتولية الأدبار. وحين رفع كان نفي النصر وعدا مطلقا، كأنه قال ثم شأنهم ~~وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم ~~النصر والقوة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر وكان كما أخبر ~~من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر. فإن قلت فما الذي عطف ~~عليه هذا الخبر؟ قلت جملة الشرط والجزاء كأنه قيل أخبركم أنهم إن ~~يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. فإن قلت فما معنى التراخي ~~في ثم؟ قلت التراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم ~~من الإخبار بتوليتهم الأدبار. فإن قلت ما موقع الجملتين أعني { ~~منهم المؤمنون } و { لن يضروكم }؟ قلت هما كلامان ~~واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل ~~وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت، ولذلك جاء من غير عاطف. ### || [3.112] # { بحبل من الله } في محل النصب على الحال، بتقدير إلا معتصمين ~~أو متمسكين أو متلبسين بحبل من الله وهو استثناء من أعم عام الأحوال. ~~والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل ~~الله وحبل الناس، يعني ذمة ms0315 الله وذمة المسلمين، أي لاعز لهم قط إلا ~~بهذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية { وباءوا ~~بغضب من الله } استوجبوه { وضربت عليهم المسكنة ~~} كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم ~~اليهود عليهم لعنة الله وغضبه { ذلك } إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة ~~والمسكنة والبواء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبياء، ثم قال { ذلك بما عصوا } أي ذلك كائن بسبب عصيانهم لله ~~واعتدائهم لحدوده ليعلم أن الكفر وحده ليس بسبب في استحقاق سخط الله، ~~وأن سخط الله يستحق بركوب المعاصي كما يستحق بالكفر. ونحوه # مما خطيئتهم أغرقوا # نوح 25، # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أمول ~~الناس بالبطل # النساء 161. ### || [3.113-116] # الضمير في { ليسوا } لأهل الكتاب، أي ليس أهل الكتاب مستوين. وقوله ~~{ من أهل الكتب أمة قائمة } كلام مستأنف لبيان قوله { ~~ليسوا سواء } كما وقع قوله # تأمرون بالمعروف # آل عمران 110 بيانا لقوله { كنتم خير أمة } { أمة ~~قائمة } مستقيمة عادلة، من قولك أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم ~~الذين أسلموا منهم. وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع ~~السجود، لأنه أبين لما يفعلون وأدل على حسن صورة أمرهم. وقيل عنى صلاة ~~العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها. وعن ابن مسعود رضي الله عنه 201 ~~أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا ~~الناس ينتظرون الصلاة، فقال # " أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم، وقرأ ~~هذه الآية " # وقوله { يتلون } و { يؤمنون } في محل الرفع صفتان لأمة، أي ~~أمة قائمة تالون مؤمنون، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات ~~الله بالليل. ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان ~~لإشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض. ومن الإيمان ~~باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا ~~متباطئين عنها ms0316 غير راغبين فيها. والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن ~~من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي { ~~وأولئك } الموصوفون بما وصفوا به { من } جملة { الصلحين } ~~الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم. ويجوز أن يريد ~~بالصالحين المسلمين { فلن تكفروه } لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر ~~في قوله # والله شكور حليم # التغابن 17 في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك. فإن قلت لم عدى إلى ~~مفعولين. وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟ ~~قلت ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل فلن تحرموه بمعنى فلن تحرموا جزاءه. ~~وقرىء «يفعلوا»، «ويكفروه» بالياء والتاء { والله عليم ~~بالمتقين } بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز ~~عنده إلا أهل التقوى. ### || [3.117] # الصر الريح الباردة نحو الصرصر. قال # لا تعدلن أتاويين تضربهم نكباء صر بأصحاب ~~المحلات # كما قالت ليلى الأخيلية # ولم يغلب الخصم الألد ويملإ ال جفان ~~سديفا يوم نكباء صرصر # فإن قلت فما معنى قوله { كمثل ريح فيها صر }؟ قلت فيه أوجه ~~أحدهما أن الصر في صفة الريح بمعنى الباردة، فوصف بها القرة بمعنى ~~فيها قرة صر، كما تقول برد بارد على المبالغة. والثاني أن يكون الصر ~~مصدرا في الأصل بمعنى البرد فجيء به على أصله. والثالث أن يكون من قوله ~~تعالى # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21 ومن قولك إن ضيعني فلان ففي الله كاف وكافل. قال # وفي الرحمن للضعفاء كافي # شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن ~~الذكر بين الناس لا يبتغون به وجه الله، بالزرع الذي حسه البرد فذهب ~~حطاما. وقيل هو ما كانوا يتقربون به إلى الله مع كفرهم. وقيل ما أنفقوا ~~في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضاع عنهم، لأنهم لم يبلغوا ~~بإنفاقه ما أنفقوه لأجله. وشبه بحرث { قوم ظلموا أنفسهم } ~~فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم، لأن الهلاك عن سخط أشد وأبلغ. فإن قلت ~~الغرض ms0317 تشبيه ما أنفقوا في قلة جدواه وضياعه بالحرث الذي ضربته الصر، ~~والكلام غير مطابق للغرض حيث جعل ما ينفقون ممثلا بالريح. قلت هو من ~~التشبيه المركب الذي مر في تفسير قوله # كمثل الذى استوقد نارا # البقرة 17 ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون مثل إهلاك ريح، أو مثل ما ~~ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث وقرىء «تنفقون، بالتاء» { وما ~~ظلمهم الله } الضمير للمنفقين على معنى وما ظلمهم الله بأن لم ~~يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو ~~لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم، أي وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ~~ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. وقرىء «ولكن» بالتشديد، ~~بمعنى ولكن أنفسهم يظلمونها هم. ولا يجوز أن يراد ولكن أنفسهم يظلمون، ~~على إسقاط ضمير الشأن، لأنه إنما يجوز في الشعر. ### || [3.118-119] # بطانة الرجل وولجيته خصيصه وصفيه الذي يفضي إليه بشقوره ثقة به شبه ~~ببطانة الثوب كما يقال فلان شعاري. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 202 # " الأنصارى شعار والناس دثار " # { من دونكم } من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. ويجوز تعلقه بلا ~~تتخذوا، وببطانة على الوصف، أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم { لا ~~يألونكم خبالا } يقال ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم ~~استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم لا ألوك نصحا، ولا ألوك جهدا، على ~~التضمين. والمعنى لا أمنعك نصحا ولا أنقصكه. والخبال الفساد { ودوا ~~ما عنتم } ودوا عنتكم، على أن «ما» مصدرية. والعنت شدة الضرر ~~والمشقة. وأصله انهياض العظم بعد جبره، أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ~~ودنياكم أشد الضرر وأبلغه { قد بدت البغضاء من أفوههم ~~} لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ~~ما يعلم به بغضهم للمسلمين. وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من ~~المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضا على ذلك وفي قراءة عبد الله «قد ~~بدأ البغضاء» { قد بينا لكم الايت } الدالة على وجوب ~~الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه { إن كنتم ms0318 ~~تعقلون } ما بين لكم فعملتم به. فإن قلت كيف موقع هذه الجمل؟ قلت ~~يجوز أن يكون { لا يألونكم } صفة للبطانة وكذلك { قد بدت ~~البغضاء } كأنه قيل بطانة غير آليكم خبالا بادية بغضاؤهم. وأما { ~~قد بينا } فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها ~~على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة { ها } للتنبيه. و { أنتم } ~~مبتدأ. و { أولاء } خبره. أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي ~~أهل الكتاب. وقوله { تحبونهم ولا يحبونكم } بيان لخطئهم ~~في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء. وقيل { أولاء } موصول { ~~تحبونهم } صلته. والواو في { وتؤمنون } للحال، وانتصابها من ~~لا يحبونكم أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك ~~يبغضونكم. فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم. وفيه توبيخ ~~شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. ونحوه # فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ~~مالا يرجون # النساء 104 ويوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام قال ~~الحرث بن ظالم المري # فأقتل أقواما لئاما أذلة يعضون من غيظ رؤوس ~~الأباهم # { قل موتوا بغيظكم } دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا ~~به والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله وما ~~لهم في ذلك من الذل والخزى والتبار { إن الله عليم بذات ~~الصدور } فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون ~~منهم في حال خلو بعضهم ببعض، وهو كلام داخل في جملة المقول أو خارج ~~منها. # فإن قلت فكيف معناه على الوجهين؟ قلت إذا كان داخلا في جملة المقول ~~فمعناه أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا، وقل لهم إن ~~الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا ~~أن شيئا من أسراركم يخفى عليه. وإذا كان خارجا فمعناه قل لهم ذلك يا ~~محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك ~~وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم. ويجوز أن لا يكون ms0319 ثم ~~قول، وأن يكون قوله # قل موتوا بغيظكم # آل عمران 119 أمرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة ~~الرجاء والاستبشار بوعد الله أن يهلكوا غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم ~~به، كأنه قيل حدث نفسك بذلك. ### || [3.120] # الحسنة الرخاء والخصب والنصرة والغنيمة ونحوها من المنافع. والسيئة ما ~~كان ضد ذلك وهذا بيان لفرط معاداتهم حيث يحسدونهم على ما نالهم من الخير ~~ويشمتون بهم فيما أصابهم من الشدة. فإن قلت كيف وصفت الحسنة بالمس ~~والسيئة بالإصابة؟ قلت المس مستعار لمعنى الإصابة فكان المعنى واحدا. ~~ألا ترى إلى قوله # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة # التوبة 50، { ما أصبك من حسنة فمن الله وما ~~أصبك من سيئة فمن نفسك } ، # إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا # المعارج 20 21. { وإن تصبروا } على عداوتهم { وتتقوا ~~} ما نهيتم عنه من موالاتهم. أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه ~~وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه كنتم في كنف الله فلا يضركم كيدهم. وقرىء ~~«لا يضركم» من ضاره يضيره. ويضركم على أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد، ~~كقولك مد يا هذا. وروى المفضل عن عاصم «لا يضركم» بفتح الراء، وهذا ~~تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقد ~~قال الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلا في نفسك { إن ~~الله بما تعملون } من الصبر والتقوى وغيرهما { محيط } ففاعل ~~بكم ما أنتم أهله. وقريء بالياء بمعنى أنه عالم بما يعملون في عداوتكم ~~فمعاقبهم عليه. ### || [3.121-122] # { و } اذكر { إذغدوت من أهلك } بالمدينة وهو غدوه إلى ~~أحد من حجرة عائشة رضي الله عنها. روي 203 أن المشركين نزلوا بأحد يوم ~~الأربعاء، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن ~~أبي ابن سلول ولم يدعه قط قبلها، فاستشاره. فقال عبد الله وأكثر الأنصار ~~يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى ~~عدو قط إلا أصاب منا ولادخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، ~~فدعهم ms0320 فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ~~ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين وقال بعضهم يا ~~رسول الله، اخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم. فقال ~~صلى الله عليه وسلم إني قد رأيت في منامي بقرا مذبحة حولي، فأولتها ~~خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في ~~درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم. فقال ~~رجال من المسلمين قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد اخرج بنا ~~إلى أعدائنا. فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته. فلما رأوه قد لبس لأمته ~~ندموا وقالوا بئسما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي ~~يأتيه، وقالوا اصنع يا رسول الله ما رأيت، فقال لا ينبغي لنبي أن يلبس ~~لأمته فيضعها حتى يقاتل فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من ~~أحد يوم السبت للنصف من شوال فمشى على رجليه فجعل يصف أصحابه للقتال ~~كأنما يقوم بهم القدح. إن رأى صدرا خارجا قال تأخر، وكان نزوله في ~~عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وأمر عبد الله بن جبير على الرماة ~~وقال لهم «انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا» { تبوىء ~~المؤمنين } تنزلهم. وقرأ عبد الله «للمؤمنين»، بمعنى تسوى لهم ~~وتهيء { مقاعد للقتال } مواطن ومواقف. وقد اتسع في قعد وقام حتى ~~أجريا مجرى صار. واستعمل المقعد والمقام في معنى المكان. ومنه قوله تعالى # فى مقعد صدق # القمر 55، # قبل أن تقوم من مقامك # النمل 39 من مجلسك وموضع حكمك { والله سميع } لأقوالكم عليم ~~بنياتكم وضمائركم { إذ همت } بدل من { وإذ غدوت } أو عمل فيه ~~معنى { سميع عليم }. والطائفتان حيان من الأنصار بنو سلمة من ~~الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما الجناحان. خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ألف، وقيل في تسعمائة وخمسين، والمشركون في ثلاثة آلاف ~~ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال يا قوم، ms0321 ~~علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري فقال أنشدكم ~~الله في نبيكم وأنفسكم، فقال عبدالله لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهم ~~الحيان باتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وعن ابن عباس رضي الله عنه أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد ~~فثبتوا. والظاهر أنها ما كانت إلا همة وحديث نفس، وكما لا تخلو النفس عند ~~الشدة من بعض الهلع، ثم يردها صاحبها إلى الثبات والصبر ويوطنها على ~~احتمال المكروه، كما قال عمرو بن الأطنابة # أقول لها إذا جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو ~~تستريحي # حتى قال معاوية عليكم بحفظ الشعر، فقد كدت أضع رجلي في الركاب يوم صفين، ~~فما ثبت مني إلا قول عمرو بن الأطنابة، ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها ~~الولاية، والله تعالى يقول { والله وليهما } ويجوز أن يراد ~~والله ناصرهما ومتولي أمرهما، فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله فإن ~~قلت، فمامعنى ما روي من قول بعضهم عند نزول الآية 204 # " والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ~~ولينا " # ؟ قلت معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله وإنزاله ~~فيهم آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة غير المأخوذ بها لأنها ~~لم تكن عن عزيمة وتصميم كانت سببا لنزولهما. والفشل الجبن والخور. ~~وقرأ عبد الله «والله وليهم» كقوله # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا # الحجرات 9. ### || [3.123-127] # أمرهم بألا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمورهم إلا إليه ثم ذكرهم ما ~~يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حالة قلة وذلة. ~~والأذلة جمع قلة والذلان جمع الكثرة. وجاء بجمع القلة ليدل على أنهم على ~~ذلتهم كانوا قليلا، وذلتهم، ما كان بهم من ضعف الحال وقلة السلاح والمال ~~والمركوب، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير ~~الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد. وقلتهم أنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ~~وكان عدوهم في حال كثرة زهاء ألف ms0322 مقاتل ومعهم مائة فرس والشكة ~~والشوكة. وبدر اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرا فسمي به ~~{ فاتقوا الله } في الثبات مع رسوله { لعلكم تشكرون } ~~بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته. أو لعلكم ينعم الله عليكم نعمة أخرى ~~تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له { إذ تقول } ظرف ~~لنصركم، على أن يقول لهم ذلك يوم بدر، أو بدل ثان من { وإذ غدوت } ~~على أن يقوله لهم يوم أحد. فإن قلت كيف يصح أن يقول لهم يوم أحد ولم تنزل ~~فيه الملائكة؟ قلت قاله لهم مع اشتراط الصبر والتقوىعليهم، فلم يصبروا عن ~~الغنائم ولم يتقوا، حيث خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك ~~لم تنزل الملائكة ولو تموا على ما شرط عليهم لنزلت. وإنما قدم لهم الوعد ~~بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم ويعزموا على الثبات ويثقوا بنصر الله. ومعنى ~~{ ألن يكفيكم } إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من ~~الملائكة. وإنما جيء بلن الذي هو لتأكيد النفي، للإشعار بأنهم كانوا ~~لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر. و { بلى } ~~إيجاب لما بعد لن، بمعنى بل يكفيكم الإمداد بهم، فأوجب الكفاية ثم قال { ~~وإن تصبروا وتتقوا } يمددكم بأكثر من ذلك العدد مسومين ~~للقتال { ويأتوكم } يعني المشركين { من فورهم هذا } من ~~قولك قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، وجاء فلان ورجع من فوره. ~~ومنه قول أبي حنيفة رحمه الله الأمر على الفور لا على التراخي، وهو مصدر ~~من فارت القدر، إذا غلت، فاستعير للسرعة، ثم سميت به الحالة التي لا ريث ~~فيها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل خرج من فوره، كما تقول خرج من ~~ساعته، لم يلبث. والمعنى أنهم إن يأتوكم من ساعتهم هذه { يمددكم ~~ربكم } بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد ~~أن الله يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم. وقرىء «منزلين» ~~بالتشديد. «ومنزلين» بكسر الزاي، بمعنى منزلين النصر. # و { مسومين } بفتح الواو وكسرها. بمعنى معلمين. ومعلمين أنفسهم ms0323 أو ~~خيلهم. قال الكلبي معلمين بعمائم صفر مرخاة على أكتافهم. وعن الضحاك ~~معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. وعن مجاهد مجزوزة أذناب ~~خيلهم. وعن قتادة كانوا على خيل بلق. وعن عروة بن الزبير كانت عمامة ~~الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك، وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لأصحابه 205 # " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت ". # { وما جعله الله } الهاء لأن يمدكم. أي وما جعل الله إمدادكم ~~بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرمئن قلوبكم به } كما كانت ~~السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة قلوبهم { وما النصر ~~إلا من عند الله } لا من عند المقاتلة إذا تكاثروا، ولا من عند ~~الملائكة والسكينة، ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في ~~الرحمة، ويربط به على قلوب المجاهدين { العزيز } الذي لا يغالب في ~~حكمه { الحكيم } الذي يعطي النصر ويمنعه لما يرى من المصلحة { ~~ليقطع طرفا من الذين كفروا } ليهلك طائفة منهم بالقتل ~~والأسر، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش ~~وصناديدهم { أو يكبتهم } أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة { ~~فينقلبوا خائبين } غير ظافرين بمبتغاهم.ونحوه # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا # الأحزاب 25 ويقال كبته، بمعنى كبده إذا ضرب كبده بالغيظ والحرقة. وقيل ~~في قول أبي الطيب # لأكبت حاسدا وأرى عدوا. # هومن الكبد والرئة، واللام المتعلقة بقوله { ولقد نصركم ~~الله } أو بقوله { وما النصر إلا من عند الله } { ~~أو يتوب } عطف على ما قبله. ### || [3.128-129] # { أو يتوب } عطف على ما قبله. و { ليس لك من الامر ~~شىء } اعتراض. والمعنى أن الله مالك أمرهم، فإما يهلكهم أو يهزمهم أو ~~يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم ~~شيء، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وقيل إن { يتوب } منصوب ~~بإضمار «أن» و «وأن يتوب» في حكم اسم معطوف بأو على الأمر أو على شيء، أي ~~ليس لك من أمرهم شيء، أو من التوبة عليهم، أو من تعذيبهم. أو ليس ms0324 لك من ~~أمرهم شيء، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم، وقيل «أو» بمعنى «إلا أن» كقولك ~~لألزمنك أو تعطيني حقي، على معنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله ~~عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم. وقيل 206 شجه عتبة ابن أبي ~~وقاص يوم أحد وكسر رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه، وسالم مولى أبي ~~حذيفة يغسل عن وجهه الدم، وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم ~~وهو يدعوهم إلى ربهم، فنزلت. وقيل أراد أن يدعو الله عليهم فنهاه الله ~~تعالى، لعلمه أن فيهم من يؤمن. وعن الحسن { يغفر لمن يشاء } ~~بالتوبة، ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين { ويعذب من يشاء } ولا ~~يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب. وعن عطاء يغفر لمن يتوب إليه ويعذب ~~من لقيه ظالما. وأتباعه قوله { أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظلمون } تفسير بين لمن يشاء، وأنهم ~~المتوب عليهم، أو الظالمون، ولكن أهل الأهواء والبدع يتصامون ويتعامون ~~عن آيات الله فيخبطون خبط عشواء، ويطيبون أنفسهم بما يفترون على ابن عباس ~~من قولهم يهب الذنب الكبير لمن يشاء، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير. ### || [3.130-132] # { لا تأكلوا الربا أضعفا مضعفة } نهي عن الربا مع ~~توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه.كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد ~~في الأجل فاستغرق بالشيء الطفيف مال المديون { واتقوا النار ~~التى أعدت للكفرين 131 } كان أبو حنيفة رحمه الله يقول ~~هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن ~~لم يتقوه في اجتناب محارمه. وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء ~~المؤمنين برحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله. ومن تأمل هذه الآية ~~وأمثالها لم يحدث نفسه بالأطماع الفارغة والتمني على الله تعالى، وفي ~~ذكره تعالى «لعل» و «عسى» في نحو هذه المواضع وإن قال الناس ما ~~قالوا ما لا يخفى على العارف الفطن من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة ~~رضا الله، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه. ### || [3.133-137] # في مصاحف أهل المدينة والشام ms0325 سارعوا بغير واو. وقرأ الباقون بالواو. ~~وتنصره قراءة أبي وعبد الله وسابقوا ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة ~~الإقبال على ما يستحقان به # عرضها السموت والأرض # الحديد 1أي عرضها عرض السموات والأرض، كقوله { عرضها كعرض ~~السماء والارض } والمراد وصفها بالسعة والبسطة، فشبهت بأوسع ما ~~علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض، لأنه في العادة أدنى من الطول ~~للمبالغة، كقوله # بطائنها من إستبرق # الرحمن 54. وعن ابن عباس رضي الله عنه كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل ~~بعضها ببعض { فى السراء والضراء } في حال الرخاء واليسر وحال ~~الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من ~~كثير أو قليل، كما حكي عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة، وعن عائشة رضي ~~الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال ~~مسرة ومضرة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف، ~~وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان. ~~وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه ~~كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة ~~فقراء المسلمين. كظم القربة إذا ملأها وشد فاها. وكظم البعير إذا لم ~~يجتر. ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر ~~له أثرا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم 207 # " من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا " # ، وعن عائشة رضي الله عنها أن خادما لها غاظها فقالت لله در التقوى، ~~ما تركت لذي غيظ شفاء. { والعفين عن الناس } إذا جنى عليهم ~~أحد لم يؤاخذوه وروي 208 # " ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا ~~من عفا " # وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 209 # " إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله، وقد كانوا كثيرا ms0326 في الأمم ~~التي مضت " # { والله يحب المحسنين } يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول ~~كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون. وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى ~~هؤلاء { والذين } عطف على المتقين. أي أعدت للمتقين وللتائبين. ~~وقوله { أولئك } إشارة إلى الفريقين. ويجوز أن يكون والذين مبتدأ ~~خبره أولئك { فحشة } فعلة متزايدة القبح { أو ظلموا ~~أنفسهم } أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به. وقيل الفاحشة ~~والزنا. وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما. # وقيل الفاحشة الكبيرة. وظلم النفس الصغيرة { ذكروا الله } تذكروا ~~عقابه أو وعيده أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه ~~{ فاستغفروا لذنوبهم } فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين { ~~ومن يغفر الذنوب إلا الله } وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب ~~المغفرة وإن التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين ~~إلا فضله وكرمه، وأن عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في ~~الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز وفيه تطييب ~~لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن ~~الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم. والمعنى أنه وحده معه مصححات ~~المغفرة وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه { ولم يصروا ~~} ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~210 # " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " # وروي 211 «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» { وهم ~~يعلمون } حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معا. والمعنى ~~وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد ~~عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح. وفي هذه الآيات بيان قاطع ~~أن الذين آمنوا على ثلاث طبقات متقون وتائبون ومصرون. وأن الجنة ~~للمتقين والتائبين منهم، دون المصرين. ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله ~~وعاند ربه. قال { أجر العملين } بعد قوله # جزآؤهم # آل عمران 87 لأنهما في معنى واحد. وإنما خالف بين اللفظين لزيادة ~~التنبيه على أن ms0327 ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه، لا كما يقول ~~المبطلون. وروي أن الله عز وجل أوحى إلى موسى ما أقل حياء من يطمع في ~~جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي. وعن شهر بن حوشب طلب ~~الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، ~~وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة. وعن الحسن رضي الله عنه يقول ~~الله تعالى يوم القيامة «جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، ~~واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية رضي الله عنها أنها كانت تنشد # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة ~~لا تجري على اليبس # والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك. يعني المغفرة ~~والجنات { قد خلت من قبلكم سنن } يريد ما سنه الله في ~~الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله # وقتلوا تقتيلا سنة الله فى الذين خلوا من ~~قبل # الأحزاب 61 # ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا # الفتح 22، # سنة الله التى قد خلت من قبل # الفتح 23. ### || [3.138-139] # { هذا بيان للناس } إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، ~~يعني حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم والاعتبار بما يعاينون ~~من آثار هلاكهم { وهدى وموعظة للمتقين } يعني أنه مع ~~كونه بيانا وتنبيها للمكذبين فهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من ~~المؤمنين ويجوز أن يكون قوله { قد خلت } جملة معترضة للبعث على ~~الإيمان وما يستحق به ما ذكر من أجر العاملين، ويكون قوله { هذا ~~بيان } إشارة إلى ما لخص وبين من أمر المتقين والتائبين والمصرين { ~~ولا تهنوا ولا تحزنوا } تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية من قلوبهم، يعني ولا ~~تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم، أي لا يورثنكم ذلك وهنا وجبنا، ولا تبالوا ~~به، ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح { وأنتم الاعلون } وحالكم ~~أنكم أعلى منهم وأغلب، لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم ~~يوم أحد. أو وأنتم الأعلون شأنا، لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته، ms0328 ~~وقتالهم للشيطان لإعلاء كلمة الكفر، ولأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في ~~النار. أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة، أي وأنتم الأعلون في العاقبة # وإن جندنا لهم الغلبون # الصافات 173. { إن كنتم مؤمنين } متعلق بالنهي بمعنى ولا تهنوا ~~إن صح إيمانكم على أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة ~~المبالاة بأعدائه. أو بالأعلون، أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ~~ويبشركم به من الغلبة. ### || [3.140-141] # قرىء «قرح» بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل هو بالفتح ~~الجراح، وبالضم ألمها. وقرأ أبو السمال «قرح» بفتحتين. وقيل القرح ~~والقرح كالطرد والطرد. والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله ~~يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال. فأنتم ~~أولى أن لا تضعفوا. ونحوه # فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون # النساء 104 وقيل كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت كيف قيل { قرح مثله } ~~وماكان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت بلى كان مثله، ولقد قتل ~~يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله تعالى # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ~~حتى إذا فشلتم وتنزعتم فى الأمر وعصيتم ~~من بعد ما أراكم ما تحبون # آل عمران 75. { وتلك الايام } تلك مبتدأ، والأيام صفته. و { ~~نداولها } خبره، ويجوز أن يكون { تلك الايام } مبتدأ وخبرا، ~~كما تقول هي الأيام تبلي كل جديد. والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة، ~~نداولها نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من ~~أبيات الكتاب # فيوما علينا ويوما لنا ويوما نساء ويوما نسر # ومن أمثال العرب الحرب سجال. وعن أبي سفيان 212 أنه صعد الجبل يوم أحد ~~فمكث ساعة ثم قال أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب. ~~فقال عمر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. ~~فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول ms0329 والحرب سجال. فقال عمر رضي الله عنه ~~لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. فقال إنكم تزعمون ذلك فقد ~~خبنا إذن وخسرنا، والمداولة مثل المعاورة. وقال # يرد المياه فلا يزال مداولا في الناس بين ~~تمثل وسماع # يقال داولت بينهم الشيء فتداولوه { وليعلم الله الذين ~~ءامنوا } فيه وجهان أحدهما أن يكون المعلل محذوفا معناه وليتميز ~~الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف، فعلنا ذلك وهو من باب ~~التمثيل، بمعنى فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان ~~منكم من غير الثابت، وإلا فالله عز وجل لم يزل عالما بالأشياء قبل ~~كونها. وقيل معناه وليعلمهم علما يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمهم ~~موجودا منهم الثبات، والثاني أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، ~~معناه وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم الله. وإنما حذف للإيذان بأن ~~المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد ~~يسوءه ما يجري عليه من المصائب، ولا يشعر أن لله في ذلك من المصالح ما ~~هو غافل عنه { ويتخذ منكم شهداء } وليكرم ناسا منكم ~~بالشهادة، يريد المستشهدين يوم أحد. # أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلى به ~~صبركم من الشدائد، من قوله تعالى # لتكونوا شهداء على الناس # البقرة 143. { والله لا يحب الظلمين } اعتراض بين بعض ~~التعليل وبعض. ومعناه والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان ~~المجاهدين في سبيل الله، الممحصين من الذنوب. والتمحيص التطهير والتصفية ~~{ ويمحق الكفرين } ويهلكهم. يعني إن كانت الدولة على ~~المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وغير ذلك مما هو أصلح لهم. وإن ~~كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم. ### || [3.142] # { أم } منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار { ولما يعلم الله ~~} بمعنى ولما تجاهدوا، لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة ~~نفي متعلقه لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل ما علم الله في فلان خيرا، ~~يريد ما فيه خير حتى يعلمه. ولما بمعنى لم، إلا أن فيها ضربا من التوقع ~~فدل على نفي ms0330 الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول وعدني أن ~~يفعل كذا، ولما تريد، ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله. وقرىء «ولما يعلم ~~الله» بفتح الميم. وقيل أراد النون الخفيفة ولما يعلمن فحذفها { ~~ويعلم الصبرين } نصب بإضمار أن والواو بمعنى الجمع، كقولك لا ~~تأكل السمك وتشرب اللبن. وقرأ الحسن بالجزم على العطف. وروى عبد الوارث ~~عن أبي عمرو «ويعلم» بالرفع على أن الواو للحال، كأنه قيل ولما تجاهدوا ~~وأنتم صابرون. ### || [3.143] # { ولقد كنتم تمنون الموت } خوطب به الذين لم يشهدوا ~~بدرا وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليصيبوا من كرامة الشهادة ما نال شهداء بدر. وهم الذين ألحوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى المشركين، وكان رأيه في الإقامة ~~بالمدينة، يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة ~~مقاساته { فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } أي رأيتموه ~~معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم ~~وشارفتم أن تقتلوا. وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت، وعلى ما تسببوا له ~~من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه ~~وقلة ثباتهم عنده. فإن قلت كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة ~~الكافر المسلم؟ قلت قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا ~~يذهب وهمه إلى ذلك المتضمن، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصد ~~إلى حصول المأمول من الشفاء، ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة وإحسان ~~إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته. ولقد قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ~~ حين نهض إلى مؤتة وقيل له ردكم الله # لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ ~~تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة ~~بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا إذا ~~مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا ### || [3.144] # 213 لما رمى عبد الله بن قمئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، أقبل يريد ms0331 قتله فذب عنه صلى الله عليه وسلم ~~مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد، حتى قتله ابن قمئة وهو ~~يرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قد قتلت محمدا. وصرخ صارخ ~~ألا إن محمدا قد قتل. وقيل كان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله ~~فانكفؤا، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «إلي عباد الله» حتى ~~انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هربهم، فقالوا يا رسول الله ~~فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين ~~فنزلت وروي 214 أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين ليت عبد الله بن ~~أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال ناس من المنافقين لو كان نبيا ~~لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر عم أنس ~~بن مالك يا قوم، إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت، وما ~~تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلوا على ما قاتل ~~عليه، وموتوا على ما مات عليه. ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقول ~~هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وعن ~~بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه، فقال يا فلان، أشعرت أن ~~محمدا قد قتل، فقال إن كان قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم. والمعنى { ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } ~~فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم ~~أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة ~~وإلزام الحجة، لا وجوده بين أظهر قومه { أفإين مات } الفاء معلقة ~~للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبيب، والهمزة لإنكار أن ~~يجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو ~~قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به يجب أن يجعل ~~سببا للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم، لا للانقلاب عنه. فإن ms0332 قلت لم ~~ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت لكونه مجوزا عند المخاطبين. فإن ~~قلت أما علموه من ناحية قوله # والله يعصمك من الناس # المائدة 67؟ قلت هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوي البصيرة. ألا ترى أنهم ~~سمعوا بخبر قتله فهربوا، على أنه يحتمل العصمة من فتنة الناس وإذلالهم. ~~والانقلاب على الأعقاب الإدبار عما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقوم به من أمر الجهاد وغيره. # وقيل الارتداد. وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول ~~المنافقين ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار ~~والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإسلامه { فلن يضر ~~الله شيئا } فما ضر إلا نفسه، لأن الله تعالى لا يجوز عليه المضار ~~والمنافع { وسيجزى الله الشكرين } الذي لم ينقلبوا كأنس ~~بن النضر وأضرابه. وسماهم شاكرين، لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. ~~المعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، فأخرجه مخرج فعل لا ~~ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا أن يأذن الله له فيه تمثيلا، ولأن ملك ~~الموت هو الموكل بذلك، فليس له أن يقبض نفسا إلا بإذن من الله. وهو على ~~معنيين أحدهما تحريضهم على الجهاد وتشجيعهم على لقاء العدو بإعلامهم أن ~~الحذر لا ينفع، وأن أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خوض المهالك ~~واقتحم المعارك. والثاني ذكر ما صنع الله برسوله عند غلبة االعدو ~~والتفافهم عليه وإسلام قومه له، نهزة للمختلس من الحفظ والكلاءة وتأخير ~~الأجل. ### || [3.145] # { كتبا } مصدر مؤكد، لأن المعنى كتب الموت كتابا { مؤجلا } ~~موقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر { ومن يرد ثواب ~~الدنيا } تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد { نؤته منها } ~~أي من ثوابها { وسنجزى } الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم ~~يشغلهم شيء عن الجهاد. وقرىء «يوته». و«سيجزي»، بالياء فيهما. ### || [3.146-148] # قرىء «قاتل». و«قتل» و«قتل»، بالتشديد، والفاعل ربيون، أو ضمير النبي. ~~و { معه ربيون } حال عنه بمعنى قتل كائنا معه ربيون. والقراءة ms0333 ~~بالتشديد تنصر الوجه الأول. وعن سعيد بن جبيبر رحمه الله ما سمعنا بنبي ~~قتل في القتال. والربيون الربانيون. وقرىء بالحركات الثلاث، فالفتح على ~~القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب. وقرىء «فما وهنوا» بكسر الهاء. ~~والمعنى فما وهنوا عند قتل النبي { وما ضعفوا } عن الجهاد بعده { ~~وما استكانوا } للعدو. وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار ~~عند الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبضعفهم عند ذلك عن ~~مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم. حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد ~~الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان { وما كان قولهم ~~إلا } هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ~~ربانيين، هضما لها واستقصارا. والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب ~~تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم ~~عن زكاة وطهارة وخضوع، وأقرب إلى الاستجابة { فأاتهم الله ~~ثواب الدنيا } من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر. وخص ثواب ~~الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو المعتد به عنده # تريدون عرض الدنيا والله يريد الأخرة # الأنفال 67. ### || [3.149-151] # { إن تطيعوا الذين كفروا } قال علي رضي الله عنه نزلت في ~~قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في ~~دينهم. وعن الحسن رضي الله عنه إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا ~~منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون لو كان ~~نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله ~~كحال غيره من الناس يوما له ويوما عليه. وعن السدي إن تستكينوا لأبي ~~سفيان وأصحابه وتستأمنوهم { يردوكم } إلى دينهم. وقيل هو عام في ~~جميع الكفار، وإن على المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء ولا ~~ينزلوا على حكمهم ولا على مشورتهم حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم { بل ~~الله مولكم } أي ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته. ~~وقرىء بالنصب على بل أطيعوا الله مولاكم { سنلقى } قرىء بالنون ~~والياء. والرعب بسكون العين وضمها قيل قذف الله في قلوب المشركين ~~الخوف يوم أحد ms0334 فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة. وقيل ~~ذهبوا إلى مكة فلما كانوا ببعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئا، قتلنا منهم ~~ثم تركناهم ونحن قاهرون ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله ~~الرعب في قلوبهم فأمسكوا. { بما أشركوا } بسبب إشراكهم، أي كان ~~السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به { ما لم ينزل ~~به سلطنا } آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة. فإن قلت كان هناك ~~حجة حتى ينزلها الله فيصح لهم الإشراك؟ قلت لم يعن أن هناك حجة إلا أنها ~~لم تنزل عليهم، لأن الشرك لا يستقيم أن يقوم عليه حجة، وإنما المراد نفي ~~الحجة ونزولها جيمعا، كقوله # ولا ترى الضب بها ينجحر ### || [3.152-154] # { ولقد صدقكم الله وعده } وعدهم الله النصر بشرط الصبر ~~والتقوى في قوله تعالى # إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ~~يمددكم # آل عمران 125 ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى { سنلقى فى قلوب ~~الذين كفروا الرعب } فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم. وقيل ~~لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا ~~الله النصر فنزلت. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ~~ظهره، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا في ~~مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل ~~المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى ~~انهزموا والمسلمون على آثارهم. يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعا. حتى إذا ~~فشلوا. والفشل الجبن وضعف الرأي. وتنازعوا، فقال بعضهم قد انهزم المشركون ~~فما موقفنا ههنا وقال بعضهم لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم ~~المعنيون بقوله { ومنكم من يريد الاخرة } ونفر أعقابهم ~~ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكر المشركون على الرماة، وقتلوا عبد ~~الله بن جبير رضي الله عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبورا ~~وكانت صبا، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله { ثم صرفكم ms0335 ~~عنهم ليبتليكم } ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على ~~الإيمان عندها { ولقد عفا عنكم } لماعلم من ندمكم على ما فرط ~~منكم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله ذو فضل ~~على المؤمنين } يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع ~~الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة ~~رحمة. فإن قلت أين متعلق { حتى إذا } قلت محذوف تقديره حتى إذا ~~فشلتم منعكم نصره. ويجوز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم { ~~إذ تصعدون } نصب بصرفكم، أو بقوله { ليبتليكم } أو بإضمار ~~«اذكر» والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيه. يقال صعد في الجبل وأصعد ~~في الأرض. يقال أصعدنا من مكة إلى المدينة وقرأ الحسن رضي الله عنه ~~«تصعدون»، يعني في الجبل. وتعضد الأولى قراءة أبي «إذ تصعدون في الوادي». ~~وقرأ أبو حيوة «تصعدون»، بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم وقرأ ~~الحسن رضي الله عنه «تلون»، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها. وقرىء «يصعدون». ~~«ويلوون» بالياء { والرسول يدعوكم } كان يقول «إلي عباد الله» ~~إلي عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة» { فى أخراكم } ~~في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. # يقال جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول في أولهم وأولاهم، بتأويل ~~مقدمتهم وجماعتهم الأولى { فأثبكم } عطف على صرفكم، أي فجازاكم ~~الله { غما } حين صرفكم عنهم وابتلاكم { ب } سبب { غم } أذقتموه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له، أو غما مضاعفا، غما بعد غم، ~~وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر { لكيلا ~~تحزنوا } لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا ~~تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، ويجوز أن ~~يكون الضمير في { فأثبكم } للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما ~~غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم ~~غما اغتمه لأجلكم بسبب غم ms0336 اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ~~ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما ~~فاتكم من نصر الله، ولا على ما أصابكم من غلبة العدو. وأنزل الله الأمن ~~على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. وعن ~~أبي طلحة رضي الله عنه # " غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم ~~يسقط فيأخذه، وما أحد إلا ويميل تحت حجفته " # وعن الزبير رضي الله عنه لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم. والله إني لأسمع قول ~~معتب بن قشير والنعاس يغشاني لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. ~~والأمنة الأمن. وقرىء «أمنة» بسكون الميم، كأنها المرة من الأمن و { ~~نعاسا } بدل من أمنة. ويجوز أن يكون هو المفعول، وأمنة حالا منه ~~مقدمة عليه، كقولك رأيت راكبا رجلا، أو مفعولا له بمعنى نعستم أمنة. ~~ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين، بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن، ~~كبار وبررة { يغشى } قرىء بالياء والتاء ردا على النعاس، أو على ~~الأمنة { طائفة منكم } هم أهل الصدق واليقين { وطائفة } هم ~~المنافقون { قد أهمتهم أنفسهم } ما بهم إلا هم أنفسهم لا ~~هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أو قد أوقعتهم ~~أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان، فهم في التشاكي والتباث { غير ~~الحق } في حكم المصدر. ومعناه يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن ~~يظن به. و { ظن الجهلية } بدل منه. ويجوز أن يكون المعنى ~~يظنون بالله ظن الجاهلية. وغير الحق تأكيد ليظنون، كقولك هذا القول غير ~~ما تقول، وهذا القول لا قولك وظن الجاهلية، كقولك حاتم الجود، ورجل صدق ~~يريد الظن المختص بالملة الجاهلية. # ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية، أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك ~~الجاهلون بالله { يقولون } لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه { ~~هل لنا من الامر من شىء ms0337 } معناه هل لنا معاشر المسلمين من ~~أمر الله نصيب قط، يعنون النصر والإظهار على العدو { قل إن الامر ~~كله لله } ولأوليائه المؤمنين وهو النصر والغلبة # كتب الله لاغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21، # وإن جندنا لهم الغلبون # الصافات 173 { يخفون فى أنفسهم مالا يبدون لك } معناه ~~يقولون لك فيما يظهرون هل لنا من الأمر من شيء سؤال المؤمنين المسترشدين ~~وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين ~~لقولك لهم إن الأمر كله لله { لو كان لنا من الامر شىء } ~~أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم ~~الغالبون، لما غلبنا قط. ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة { ~~قل لو كنتم فى بيوتكم } يعني من علم الله منه أنه يقتل ~~ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في ~~بيوتكم { لبرز } من بينكم { الذين } علم الله أنهم يقتلون { ~~إلى مضاجعهم } وهي مصارعهم ليكون ما علم الله أنه يكون. والمعنى ~~أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم ~~الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على ~~الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم وترغيب في ~~الشهادة، وحرصهم على الشهادة مما يحرضهم على الجهاد فتحصل الغلبة. وقيل ~~معناه هل لنا من التدبير من شيء، يعنون لم نملك شيئا من التدبير حيث ~~خرجنا من المدينة إلى أحد، وكان علينا أن نقيم ولا نبرح كما كان رأي عبد ~~الله بن أبي وغيره، ولو ملكنا من التدبير شيئا لما قتلنا في هذه ~~المعركة، قل إن التدبير كله لله، يريد أن الله عز وجل قد دبر الأمر كما ~~جرى، ولو أقمتم بالمدينة ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتل من قتل ~~منكم. وقرىء «كتب عليهم القتال». «وكتب عليهم القتل»، على البناء للفاعل. ~~ولبرز، بالتشديد وضم الباء { وليبتلى الله } وليمتحن ما في ~~صدور المؤمنين من الإخلاص، ms0338 ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان. فعل ذلك ~~أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص. فإن قلت كيف مواقع الجمل التي ~~بعد قوله وطائفة؟ قلت { قد أهمتهم } صفة لطائفة و { يظنون ~~} صفة أخرى أو حال بمعنى قد أهمتهم أنفسهم ظانين. أو استئناف على وجه ~~البيان للجملة قبلها. و { يقولون } بدل من يظنون. فإن قلت كيف صح أن ~~يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلا من الإخبار بالظن؟ قلت كانت مسألتهم ~~صادرة عن الظن، فلذلك جاز إبداله منه. ويخفون حال من يقولون. و # قل إن الأمر كله لله # آل عمران 154 اعتراض بين الحال وذوي الحال. و { يقولون } بدل من { ~~يخفون } والأجود أن يكون استئنافا. ### || [3.155] # { استزلهم } طلب منهم الزلل ودعاهم إليه { ببعض ما ~~كسبوا } من ذنوبهم ومعناه إن الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في ~~توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد ~~وتقوية القلوب حتى تولوا. وقيل استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما ~~دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب، كما أن ~~الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفا فيها. وقال الحسن رضي الله عنه ~~استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. وقيل { ببعض ما كسبوا } ~~هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه. ~~فجرهم ذلك إلى الهزيمة وقيل ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها، ~~فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية. فإن قلت لم قيل ~~{ ببعض ما كسبوا }؟ قلت هو كقوله تعالى # ويعفوا عن كثير # المائدة 15. { ولقد عفا الله عنهم } لتوبتهم واعتذارهم { ~~إن الله غفور } للذنوب { حليم } لا يعاجل بالعقوبة. ### || [3.156-158] # { وقالوا لإخونهم } أي لأجل إخوانهم، كقوله تعالى # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه # الأحقاف 11 ومعنى الأخوة اتفاق الجنس أو النسب { إذا ضربوا فى ~~الأرض } إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها { أوكانوا اغزى ~~} جمع غاز، كعاف وعفى، كقوله عفى الحياض أجون. وقرىء بتخفيف الزاي على ~~حذف التاء ms0339 من غزاة. فإن قلت كيف قيل { إذا ضربوا } مع { قالوا ~~}؟ قلت هو على حكاية الحال الماضية، كقولك حين يضربون في الأرض فإن قلت ~~ما متعلق ليجعل؟ قلت قالوا،أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون { حسرة فى ~~قلوبهم } على أن اللام مثلها في # ليكون لهم عدوا وحزنا # القصص 8 أو لا تكونوا، بمعنى لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول ~~واعتقاده، ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت ~~ما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى؟ قلت معناه أن الله عز وجل عند ~~اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم، ويضيق صدورهم ~~عقوبة، فاعتقاده فعلهم وما يكون عنده من الغم والحسرة وضيق الصدور فعل ~~الله عز وجل كقوله # يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء # الأنعام 125 ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى، أي لا ~~تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن ~~مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم، مما يغمهم ويغيظهم { والله ~~يحيى ويميت } رد لقولهم. أي الأمر بيده، قد يحيي المسافر ~~والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء. وعن خالد بن الوليد رضي الله ~~عنه أنه قال عند موته مافي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أناذا ~~أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء { والله بما ~~تعملون بصير } فلا تكونوا مثلهم. وقرى بالياء، يعني الذين كفروا ~~{ لمغفرة } جواب القسم، وهو ساد مسد جواب الشرط، وكذلك { لإلى ~~الله تحشرون } كذب الكافرين أولا في زعمهم أن من سافر من إخوانهم ~~أو غزى لو كان في المدينة لما مات، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب ~~التقاعد عن الجهاد، ثم قال لهم ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك ~~بالموت والقتل في سبيل الله، فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت ~~في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء. وقرىء بالياء، أي ~~يجمع الكفار { لإلى ms0340 الله تحشرون } لإلى الله الرحيم الواسع ~~الرحمة، المثيب العظيم الثواب تحشرون ولوقوع اسم الله تعالى هذا الموقع ~~مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به، شأن ليس بالخفي. قرىء «متم» ~~بضم الميم وكسرها، من مات يموت ومات يمات. ### || [3.159] # «ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله ~~ونحوه # فبما نقضهم ميثقهم لعنهم # المائدة 13ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم حتى ~~أثابهم غما بغم وآساهم بالمباثة بعد ما خالفوه وعصوا أمره وانهزموا ~~وتركوه { ولو كنت فظا } جافيا { غليظ القلب } قاسيه { ~~لانفضوا من حولك } لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم { ~~فاعف عنهم } فيما يختص بك { واستغفر لهم } فيما يختص بحق ~~الله إتماما للشفقة عليهم { وشاورهم فى الأمر } يعني في أمر ~~الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب ~~نفوسهم والرفع من أقدارهم. وعن الحسن رضي الله عنه قد علم الله أنه ما به ~~إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وعن النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم 215 # " ما تشاور قوم قط إلا هدو لأرشد أمرهم " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه ما رأيت أحدا أكثر مشاورة من أصحاب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. وقيل كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ~~عليهم فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لئلا يثقل ~~عليهم استبداده بالرأي دونهم. وقرىء «وشاورهم في بعض الأمر» { فإذا ~~عزمت } فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى { فتوكل على ~~الله } في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح، فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه ~~إلا الله لا أنت ولا من تشاور. وقرىء «فإذا عزمت» بضم التاء، بمعنى فإذا ~~عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحدا. ### || [3.160-162] # { إن ينصركم الله } كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم { وإن ~~يخذلكم } كما خذلكم يوم أحد { فمن ذا الذى ينصركم } فهذا ~~تنبيه على أن ms0341 الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه. ونحوه # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # فاطر 2. { من بعده } من بعد خذلانه. أو هو من قولك ليس لك من يحسن ~~إليك من بعد فلان تريد إذا جاوزته. وقرأ عبيد بن عمير «وإن يخذلكم»، من ~~أخذله إذا جعله مخذولا. وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من ~~الله تعالى والتأييد، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة ~~بالخذلان { وعلى الله } وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه ~~لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه. يقال غل شيئا ~~من المغنم غلولا وأغل إغلالا، إذا أخذه في خفية. يقال أغل الجازر، ~~إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد. والغل الحقد الكامن في الصدر. ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم 216 # " من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " # وقوله صلى الله عليه وسلم 217 # " هدايا الولاة غلول " # وعنه 218 # " ليس على المستعير غير المغل ضمان " # وعنه 219 # " لا إغلال ولا إسلال " # ويقال أغله إذا وجده غالا، كقولك أبخلته وأفحمته ومعنى { وما كان ~~لنبى أن يغل } وما صح له ذلك، يعني أن النبوة تنافي الغلول، ~~وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأول، لأن معناه ~~وما صح له أن يوجد غالا، ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالا. وفيه وجهان ~~أحدهما أن يبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينزه وينبه على ~~عصمته بأن النبوة والغلول متنافيان؟ لئلا يظن به ظان شيئا منه وألا ~~يستريب به أحد، كما روى 220 أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر. فقال بعض ~~المنافقين لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. وروي 221 أنها نزلت ~~في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا نخشى أن يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم ~~كما لم يقسم يوم بدر، ms0342 فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ألم أعهد إليكم ~~أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري، فقالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا، ~~فقال صلى الله عليه وسلم بل ظنتم أنا نغل ولا نقسم لكم والثاني أن يكون ~~مبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي أنه بعث طلائع ~~فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع، فنزلت. # يعني وما كان لنبي أن يعطي قوما ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم ~~بالسوية. وسمى حرمان بعض الغزاة «غلولا» تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر، ~~ولو قرىء «أن يغل» من أغل بمعنى غل، لجاز { يأت بما غل يوم ~~القيمة } يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله كما جاء في الحديث 222 # " جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " # وروي 223 # " ألا لا أعرفن أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ~~ثغاء، فينادي يا محمد، يا محمد، فأقول لا أملك لك من الله شيئا فقد ~~بلغتك " # وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك، فتليت عليه الآية فقال إذا ~~أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. ويجوز أن يراد يأتي بما احتمل من وباله ~~وتبعته وإثمه فإن قلت هلا قيل ثم يوفى ما كسب، ليتصل به؟ قلت جيء بعام ~~دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ ~~وأثبت، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيرا أو شرا مجزي فموفى جزاءه، ~~علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب { وهم لا يظلمون } ~~أي يعدل بينهم في الجزاء، كل جزاؤه على قدر كسبه. ### || [3.163-164] # { هم درجت } أي هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات كقوله # أنصب للمنية تعتريهم رجالي أم همو درج ~~السيول # وقيل ذوو درجات والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين، أو ~~التفاوت بين الثواب والعقاب { والله بصير بما يعملون } ~~عالم بأعمالهم ودرجاتها فمجازيهم على حسبها { لقد من الله على ~~المؤمنين } على من آمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه. ~~وخص المؤمنين منهم لأنهم هم ms0343 المنتفعون بمبعثه { من أنفسهم } من ~~جنسهم عربيا مثلهم. وقيل من ولد إسماعيل كما أنه من ولده، فإن قلت مما ~~وجه المنة عليهم في أن كان من أنفسهم؟ قلت إذا كان منهم كان اللسان ~~واحدا، فسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه وكانوا واقفين على أحواله في ~~الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به، وفي كونه من ~~أنفسهم شرف لهم، كقوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44 وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة فاطمة رضي ~~الله عنها من «أنفسهم»، أي من أشرفهم. لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ~~ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، ~~وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد صلى الله عليه وسلم. وفيما خطب به أبو ~~طالب في تزويج خديجة رضي الله عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر ~~ الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معد ~~وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما ~~آمنا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من ~~لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر ~~جليل. وقرىء «لمن من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم». وفيه وجهان أن ~~يراد لمن من الله على المؤمنين منه أو بعثه إذ بعث فيهم، فحذف لقيام ~~الدلالة، أو يكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك أخطب ما يكون الأمير إذا ~~كان قائما، بمعنى لمن من الله على المؤمنين وقت بعثه { يتلو ~~عليهم ءايته } بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من ~~الوحي { ويزكيهم } ويطهرهم من دنس القلوب بالكفر ونجاسة سائر ~~الجوارح بملابسة المحرمات وسائر الخبائث. وقيل ويأخذ منهم الزكاة { ~~ويعلمهم الكتب والحكمة } القرآن والسنة بعدما كانوا ~~أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم { وإن كانوا من قبل } من ~~قبل بعثة الرسول { لفى ضلل } إن هي المخففة من الثقيلة، واللام ms0344 هي ~~الفارقة بينها وبين النافية. وتقديره وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ~~ضلال { مبين } ظاهر لا شبهة فيه. ### || [3.165-168] # { أصبتكم مصيبة } يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين ~~منهم { قد أصبتم مثليها } يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين. ~~و { لما } نصب بقلتم. و { أصبتكم } في محل الجر بإضافة { ~~لما } إليه وتقديره أقلتم حين أصابتكم. و { أنى هذا } نصب ~~لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع. فإن قلت علام عطفت الواو هذه ~~الجملة؟ قلت على ما مضى من قصة أحد من قوله { ولقد صدقكم ~~الله وعده } ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف، كأنه قيل أفعلتم كذا ~~وقلتم حينئذ كذا، أنى هذا من أين هذا. كقوله تعالى # أنى لك هذا # آل عمران7 لقوله { من عند أنفسكم } وقوله { من عند ~~الله } والمعنى أنتم السبب فيما أصابكم، لاختياركم الخروج من المدينة، ~~أو لتخليتكم المركز. وعن علي رضي الله عنه لأخذكم الفداء من أسارى بدر ~~قبل أن يؤذن لكم { إن الله على كل شىء قدير } فهو قادر ~~على النصر وعلى منعه، وعلى أن يصيب بكم تارة ويصيب منكم أخرى { وما ~~أصبكم } يوم أحد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين { ف } هو كائن ~~{ بإذن الله } أي بتخليته، استعار الإذن لتخليته الكفار. وأنه لم ~~يمنعهم منهم ليبتليهم، لأن الآذن مخل بين المأذون له ومراده { ~~وليعلم } وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون، وليظهر إيمان هؤلاء ~~ونفاق هؤلاء { وقيل لهم } من جملة الصلة عطف على نافقوا، وإنما لم ~~يقل فقالوا لأنه جواب لسؤال اقتضاه دعاء المؤمنين لهم إلى القتال، كأنه ~~قيل فماذا قالوا لهم. فقيل قالوا لو نعلم. ويجوز أن تقتصر الصلة على { ~~نافقوا } ، ويكون { وقيل لهم } كلاما مبتدأ قسم الأمر عليهم ~~بين أن يقاتلوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون، وبين أن يقاتلوا إن لم يكن ~~بهم غم الآخرة دفعا عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فأبوا القتال وجحدوا ~~القدرة عليه رأسا لنفاقهم ودغلهم وذلك ما روى أن عبد الله بن أبي انخذل ~~مع حلفائه، فقيل له، فقال ذلك. وقيل { أو ادفعوا } العدو ms0345 بتكثيركم ~~سواد المجاهدين وإن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر ~~منه. وعن سهل بن سعد الساعدي وقد كف بصره لو أمكنني لبعت داري ~~ولحقت بثغر من ثغور المسلمين فكنت بينهم وبين عدوهم. قيل وكيف وقد ذهب ~~بصرك؟ قال لقوله { أو ادفعوا } أراد كثروا سوادهم. ووجه آخر وهو أن ~~يكون معنى قولهم { لو نعلم قتالا } لو نعلم ما يصح أن يسمى ~~قتالا { لاتبعنكم } يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم وزللكم ~~عن الصواب ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال، إنما هو إلقاء بالأنفس إلى ~~التهلكة، لأن رأي عبد الله كان في الإقامة بالمدينة وما كان يستصوب ~~الخروج { هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمن } ~~يعني أنهم قبل ذلك اليوم كانوا يتظاهرون بالإيمان وما ظهرت منهم أمارة ~~تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا، تباعدوا ~~بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. # وقيل هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد ~~المسلمين بالانخذال تقوية للمشركين { يقولون بأفوههم } لا ~~يتجاوز إيمانهم أفواههم ومخارج الحروف منهم ولا تعي قلوبهم منه شيئا. ~~وذكر الأفواه مع القلوب تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم ~~معدوم في قلوبهم، خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم لأفواههم { ~~والله أعلم بما يكتمون } من النفاق. وبما يجري بعضهم مع ~~بعض من ذم المؤمنين وتجهيلهم وتخطئة رأيهم والشماتة بهم وغير ذلك، لأنكم ~~تعلمون بعض ذلك علما مجملا بأمارات، وأنا أعلم كله علم إحاطة بتفاصيله ~~وكيفياته { الذين قالوا } في إعرابه أوجه أن يكون نصبا على الذم ~~أو على الرد على الذين نافقوا، أو رفعا على هم الذين قالوا أو على ~~الإبدال من واو يكتمون. ويجوز أن يكون مجرورا بدلا من الضمير في ~~بأفواههم أو قلوبهم، كقوله # على جوده لضن بالماء حاتم # { لإخونهم } لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو ~~إخوانهم في النسب وفي سكنى الدار { وقعدوا } أي قالوا وقد قعدوا على ~~القتال لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من القعود ووافقونا فيه ms0346 لما ~~قتلوا كما لم نقتل { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صدقين } معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع ~~القتل سبيلا وهو القعود عن القتال، فجدوا إلى دفع الموت سبيلا، يعني أن ~~ذلك الدفع غير مغن عنكم، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت، ~~لم تقدروا على دفع سائر أسبابه المبثوثة، ولا بد لكم من أن يتعلق بكم ~~بعضها. وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا. فإن قلت فقد ~~كانوا صادقين في أنهم دفعوا القتل عن أنفسهم بالقعود، فما معنى قوله { ~~إن كنتم صدقين }؟ قلت معناه أن النجاة من القتل يجوز أن يكون ~~سببها القعود عن القتال وأن يكون غيره، لأن أسباب النجاة كثيرة، وقد يكون ~~قتال الرجل سبب نجاته ولو لم يقاتل لقتل، فما يدريكم أن سبب نجاتكم ~~القعود وأنكم صادقون في مقالتكم؟ وما أنكرتم أن يكون السبب غيره. ووجه ~~آخر إن كنتم صادقين في قولكم لو أطاعونا وقعدوا ما قتلوا، يعني أنهم لو ~~أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين. وقوله { فادرءوا ~~عن أنفسكم الموت } استهزاء بهم، أي إن كنتم رجالا دفاعين ~~لأسباب الموت، فادرؤا جميع أسبابه حتى لا تموتوا. ### || [3.169-171] # { ولا تحسبن } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل ~~أحد. وقرىء بالياء على ولا يحسبن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ولا ~~يحسبن حاسب. ويجوز أن يكون { الذين قتلوا } فاعلا، ويكون ~~التقدير ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتا، أي لا يحسبن الذين قتلوا ~~أنفسهم أمواتا. فإن قلت كيف جاز حذف المفعول الأول؟ قلت هو في الأصل ~~مبتدأ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله { أحياء } والمعنى هم أحياء ~~لدلالة الكلام عليهما. وقرىء «ولا تحسبن» بفتح السين، «وقتلوا» ~~بالتشديد. «وأحياء» بالنصب على معنى بل احسبهم أحياء { عند ربهم } ~~مقربون عنده ذوو زلفى، كقوله # فالذين عند ربك # فصلت 38. { يرزقون } مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون. وهو ~~تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله { ~~فرحين ms0347 بما ءاتهم الله من فضله } وهو التوفيق في ~~الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم، من كونهم أحياء ~~مقربين معجلا لهم رزق الجنة ونعيمها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 224 # " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ~~" # { ويستبشرون ب } إخوانهم المجاهدين { الذين لم ~~يلحقوا بهم } أي لم يقتلوا فيلحقوا بهم { من خلفهم } يريد ~~الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. وقيل لم يلحقوا بهم، لم ~~يدركوا فضلهم ومنزلتهم { ألا خوف عليهم } بدل من الذين. ~~والمعنى ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو ~~أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة. بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ~~ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم بعث للباقين بعدهم على ازدياد ~~الطاعة، والجد في الجهاد، والرغبة في نيل منازل الشهداء وإصابة فضلهم، ~~وإحماد لحال من يرى نفسه في خير فيتمنى مثله لإخوانه في الله، وبشرى ~~للمؤمنين بالفوز في المآب. وكرر { يستبشرون } ليعلق به ما هو ~~بيان لقوله { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } من ذكر ~~النعمة والفضل، وأن ذلك أجر لهم على إيمانهم يجب في عدل الله وحكمته أن ~~يحصل لهم ولا يضيع وقرىء «وأن الله» بالفتح عطفا على النعمة والفضل. ~~وبالكسر على الابتداء وعلى أن الجملة اعتراض. وهي قراءة الكسائي. ~~وتعضدها قراءة عبد الله. «والله لا يضيع». ### || [3.172-174] # { الذين استجابوا } مبتدأ خبره { للذين أحسنوا } أو ~~صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح. روى 225 أن أبا سفيان وأصحابه لما ~~انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب ~~أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا ~~بالأمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء ~~الأسد وهي من المدينة ms0348 على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على ~~أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، ~~فنزلت. و «من» في { للذين أحسنوا منهم } للتبيين مثلها في ~~قوله تعالى # وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~منهم مغفرة # الفتح 29 لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا ~~بعضهم. وعن عروة بن الزبير قالت لي عائشة رضي الله عنها «إن أبويك لمن ~~الذين استجابوا لله والرسول» تعني أبا بكر والزبير { الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } روى 226 أن أبا ~~سفيان نادى عند انصرافه من أحد. يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء الله فلما كان القابل خرج أبو ~~سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران. فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له ~~أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال يا نعيم، إني ~~واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ~~نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي ولكن إن خرج محمد ولم أخرج ~~زاده ذلك جراءة، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم ~~فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم ما هذا بالرأي. أتوكم في دياركم وقراركم ~~فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند ~~الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد. وقيل 227 مر بأبي سفيان ركب من عبد ~~القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم، فكره ~~المسلمون الخروج. فقال صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد، فخرج في سبعين راكبا ~~وهم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل " # وقيل هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ~~ حتى وافوا بدرا وأقاموا بها ثماني ليال، وكانت معهم تجارات فباعوها ~~وأصابوا خيرا، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو سفيان ~~إلى مكة ms0349 فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق. # قالوا إنما خرجتم لتشربوا السويق. فالناس الأولون المثبطون. والآخرون ~~أبو سفيان وأصحابه. فإن قلت كيف قيل { الناس } إن كان نعيم هو المثبط ~~وحده؟ قلت قيل ذلك لأنه من جنس الناس، كما يقال فلان يركب الخيل ويلبس ~~البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد فرد. أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس ~~من أهل المدينة يضامونه، ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه. فإن قلت ~~إلام يرجع المستكن في { فزادهم }؟ قلت إلى المقول الذي هو { إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } كأنه قيل قالوا لهم هذا ~~الكلام فزادهم إيمانا، أو إلى مصدر قالوا، كقولك من صدق كان خيرا له. ~~أو إلى الناس إذا أريد به نعيم وحده. فإن قلت كيف زادهم نعيم أو مقوله ~~إيمانا؟ قلت لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد ~~وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد ~~الإيقان بتناصر الحجج ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة ~~عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل. وعن ~~ابن عمر 228 قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال «نعم يزيد حتى ~~يدخل صاحبه الجنة. وينقص حتى يدخل صاحبه النار» وعن عمر رضي الله عنه أنه ~~كان يأخذ بيد الرجل فيقول قم بنا نزدد إيمانا. وعنه 229 # " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به " # { حسبنا الله } محسبنا، أي كافينا. يقال أحسبه الشيء إذا كفاه ~~والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول هذا رجل حسبك، فتصف به النكرة ~~لأن إضافته لكونه في معنى اسم الفاعل غير حقيقة { ونعم الوكيل } ~~ونعم الموكول إليه هو { فانقلبوا } فرجعوا من بدر { بنعمة ~~من الله } وهي السلامة وحذر العدو منهم { وفضل } وهو الربح في ~~التجارة، كقوله # ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # البقرة 198. { لم يمسسهم سوء } لم يلقوا ما يسوءهم من كيد ~~عدو { واتبعوا رضون الله } بجرأتهم وخروجهم { والله ~~ذو فضل عظيم } قد ms0350 تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا. وفي ذلك تحسير ~~لمن تخلف عنهم، وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء. ~~وروي أنهم قالوا هل يكون هذا غزوا، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم. ### || [3.175] # { الشيطن } خبر ذلكم، بمعنى إنما ذلكم المثبط هو الشيطان. ويخوف ~~أولياءه جملة مستأنفة بيان لشيطنته. أو الشيطان صفة لاسم الإشارة. ويخوف ~~الخبر. والمراد بالشيطان نعيم، أو أبو سفيان. ويجوز أن يكون على تقدير ~~حذف المضاف، بمعنى إنما ذلكم قول الشيطان، أي قول إبليس لعنه الله { ~~يخوف أولياءه } يخوفكم أولياءه الذين هم أبو سفيان وأصحابه. ~~وتدل عليه قراءة ابن عباس وابن مسعود «يخوفكم أولياءه». وقوله فلا ~~تخافوهم. وقيل يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فإن قلت فإلام رجع الضمير في { فلا تخافوهم } على هذا ~~التفسير؟ قلت إلى الناس في قوله # إن الناس قد جمعوا لكم # آل عمران 183 فلا تخافوهم فتقعدوا عن القتال وتجبنوا { وخافون } ~~فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمركم به { إن كنتم مؤمنين } ~~يعني أن الإيمان يقتضي أن تؤثرواخوف الله على خوف الناس # ولا يخشون أحدا إلا الله # الأحزاب 39. ### || [3.176-178] # { يسرعون فى الكفر } يقعون فيه سريعا ويرغبون فيه أشد ~~رغبة، وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل هم قوم ارتدوا عن الإسلام. ~~فإن قلت فما معنى قوله { ولا يحزنك }؟ ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق ~~من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت معناه لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا ~~عليك. ألا ترى إلى قوله { إنهم لن يضروا الله شيئا } ~~يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائدا ~~على غيرهم. ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله { يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا فى الاخرة } أي نصيبا من الثواب { ولهم ~~} بدل الثواب { عذاب عظيم } وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه. فإن ~~قلت هلا قيل لا يجعل الله لهم حظا في الآخرة، وأي فائدة في ذكر ~~الإرادة؟ قلت فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم ms0351 قد خلص ~~خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر، تنبيها على تماديهم في ~~الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى أن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم { ~~إن الذين اشتروا الكفر بالإيمن } إما أن يكون ~~تكريرا لذكرهم للتأكيد والتسجيل عليهم بما أضاف إليهم. وإما أن يكون ~~عاما للكفار، والأول خاصا فيمن نافق من المتخلفين، أو ارتد عن ~~الإسلام أو على العكس. و { شيئا } نصب على المصدر لأن المعنى شيئا من ~~الضرر وبعض الضرر { الذين كفروا } فيمن قرأ بالتاء نصب و { ~~أنما نملى لهم خير لانفسهم } بدل منه أي ولا تحسبن ~~أن ما نملي للكافرين خير لهم، و «أن» مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، ~~كقوله # أم تحسب أن أكثرهم يسمعون # الفرقان44 وما مصدرية، بمعنى ولا تحسبن أن إملاءنا خير، وكان حقها في ~~قياس علم الخط أن تكتب مفصولة. ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف، ~~وتتبع سنة الإمام في خط المصاحف. فإن قلت كيف صح مجيء البدل ولم يذكر ~~إلا أحد المفعولين، ولا يجوز الاقتصار بفعل الحسبان على مفعول واحد؟ قلت ~~صح ذلك من حيث إن التعويل على البدل والمبدل منه في حكم المنحى، ألا ~~تراك تقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض، مع امتناع سكوتك على متاعك. ويجوز أن ~~يقدر مضاف محذوف على ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير ~~لأنفسهم. أو ولا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم. وهو ~~فيمن قرأ بالياء رفع، والفعل متعلق بأن وما في حيزه. والإملاء لهم ~~تخليتهم وشأنهم، مستعار من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء. ~~وقيل هو إمهالهم وإطالة عمرهم. والمعنى ولا تحسبن أن الإملاء خير لهم من ~~منعهم أو قطع آجالهم { إنما نملى لهم } «ما» هذه حقها أن تكتب ~~متصلة، لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها، ~~كأنه قيل ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيرا لهم، فقيل إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما. # فإن قلت كيف جاز أن يكون ازدياد الإثم غرضا ms0352 لله تعالى في إملائه لهم؟ ~~قلت هو علة للإملاء، وما كل علة بغرض. ألا تراك تقول قعدت عن الغزو للعجز ~~والفاقة، وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء منها بغرض لك. وإنما هي ~~علل وأسباب، فكذلك ازدياد الإثم جعل علة للإمهال وسببا فيه. فإن قلت كيف ~~يكون ازدياد الإثم علة للإملاء كما كان العجز علة للقعود عن الحرب؟ قلت ~~لما كان في علم الله المحيط بكل شيء أنهم مزدادون إثما، فكأن الإملاء ~~وقع من أجله وبسببه على طريق المجاز. وقرأ يحيى بن وثاب بكسر الأولى وفتح ~~الثانية. ولا يحسبن بالياء، على معنى ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا ~~لازدياد الإثم كما يفعلون، وإنما هو ليتوبوا ويدخلوا في الإيمان. وقوله { ~~أنما نملى لهم خير لانفسهم } اعتراض بين الفعل ~~ومعموله. ومعناه أن إملاءنا خير لأنفسهم إن عملوا فيه وعرفوا إنعام الله ~~عليهم بتفسيح المدة وترك المعاجلة بالعقوبة. فإن قلت فما معنى قوله { ~~ولهم عذاب مهين } على هذه القراءة؟ قلت معناه ولا تحسبوا إن ~~إملاءنا لزيادة الإثم وللتعذيب، والواو للحال، كأنه قيل ليزداودا إثما ~~معدا لهم عذاب مهين. ### || [3.179] # اللام لتأكيد النفي { على ما أنتم عليه } من اختلاط المؤمنين ~~الخلص والمنافقين { حتى يميز الخبيث من الطيب } حتى ~~يعزل المنافق عن المخلص. وقرىء «يميز». من ميز. وفي رواية عن ابن كثير ~~«يميز»، من أماز بمعنى ميز. فإن قلت لمن الخطاب في { أنتم }؟ قلت ~~للمصدقين جميعا من أهل الإخلاص والنفاق، كأنه قيل ما كان الله ليذر ~~المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض، وأنه ~~لا يعرف مخلصكم من منافقكم لاتفاقكم على التصديق جميعا حتى يميزهم ~~منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم، ثم قال { وما كان الله ~~ليطلعكم على الغيب } أي وما كان الله ليؤتي أحدا منكم علم ~~الغيوب، فلا تتوهموا عند إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام بنفاق الرجل ~~وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب اطلاع الله فيخبر عن كفرها ~~وإيمانها { ولكن الله } يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في ms0353 ~~الغيب كذا، وأن فلانا في قلبه النفاق وفلانا في قلبه الإخلاص، فيعلم ~~ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة اطلاعه على المغيبات. ويجوز أن يراد لا ~~يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب، بأن يكلفكم التكاليف الصعبة ~~التي لا يصبر عليها إلا الخلص الذين امتحن الله قلوبهم. كبذل الأرواح في ~~الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل الله، فيجعل ذلك عيارا على عقائدكم ~~وشاهدا بضمائركم، حتى يعلم بعضكم ما في قلب بعض من طريق الاستدلال، لا ~~من جهة الوقوف على ذات الصدور والاطلاع عليها، فإن ذلك مما استأثر الله ~~به. وما كان الله ليطلع أحدا منكم على الغيب ومضمرات القلوب حتى يعرف ~~صحيحها من فاسدها مطلعا عليها { ولكن الله يجتبى من ~~رسله من يشاء } فيخبره ببعض المغيبات { فآمنوا بالله ورسوله } ~~بأن تقدروه حق قدره، وتعلموه وحده مطلعا على الغيوب، وأن تنزلوهم ~~منازلهم بأن تعلموهم عبادا مجتبين، لا يعلمون إلا ما علمهم الله، ولا ~~يخبرون إلا بما أخبرهم الله به من الغيوب، وليسوا من علم الغيب في شيء. ~~وعن السدي قال الكافرون إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن ~~يكفر فنزلت. ### || [3.180] # { ولا تحسبن } من قرأ بالتاء قدر مضافا محذوفا، أي ولا تحسبن ~~بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم. وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل يحسبن ~~ضمير رسول الله، أو ضمير أحد. ومن جعل فاعله الذين يبخلون كان المفعول ~~الأول عنده محذوفا تقديره ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم { هو خيرا ~~لهم } والذي سوغ حذفه دلالة { يبخلون } عليه، وهو فصل. وقرأ ~~الأعمش بغير هو { سيطوقون } تفسير لقوله { هو شر لهم } ~~أي سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق. وفي أمثالهم تقلدها طوق ~~الحمامة، إذا جاء بهنة يسب بها ويذم. وقيل يجعل ما بخل من الزكاة حية ~~يطوقها في عنقه يوم القيامة، تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه وتقول ~~أنا مالك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في مانع الزكاة 230 # " يطوق بشجاع أقرع " # وروي # " بشجاع أسود " # وعن النخعي سيطوقون بطوق ms0354 من نار { ولله ميراث السموت ~~والارض } أي وله ما فيها مما يتوارثه أهلها من مال وغيره فمالهم ~~يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيله. ونحوه قوله # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه # الحديد 7 وقرىء «بما تعملون» بالتاء والياء فالتاء على طريقة الالتفات، ~~وهي أبلغ في الوعيد والياء على الظاهر. ### || [3.181-182] # قال ذلك اليهود حين سمعوا قول الله تعالى { من ذا الذى يقرض ~~الله قرضا حسنا } ، فلا يخلو إما أن يقولوه عن اعتقاد لذلك، أو ~~عن استهزاء بالقرآن، وأيهما كان فالكلمة عظيمة لا تصدر إلا عن متمردين في ~~كفرهم. ومعنى سماع الله له أنه لم يخف عليه، وأنه أعد له كفاءه من ~~العقاب { سنكتب ما قالوا } في صحائف الحفظة. أو سنحفظه ونثبته ~~في علمنا لا ننساه كما يثبت المكتوب فإن قلت كيف قال { لقد سمع ~~الله } ثم قال { سنكتب } وهلا قيل ولقد كتبنا؟ قلت ذكر وجود ~~السماع أولا مؤكدا بالقسم ثم قال سنكتب على جهة الوعيد بمعنى لن ~~يفوتنا أبدا إثباته وتدوينه كما لن يفوتنا قتلهم الأنبياء. وجعل قتلهم ~~الأنبياء قرينة له إيذانا بأنهما في العظم أخوان، وبأن هذا ليس بأول ما ~~ركبوه من العظائم. وأنهم أصلاء في الكفر ولهم فيه سوابق، وأن من قتل ~~الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول. وروي 231 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني ~~قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا ~~الله قرضا حسنا، فقال فنحاص اليهودي إن الله فقير حين سألنا القرض ~~فلطمه أبو بكر في وجهه وقال لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عنقك ~~فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله، فنزلت. ونحوه ~~قولهم # يد الله مغلولة # المائدة 64 { ونقول } لهم { ذوقوا } وننتقم منهم أن نقول لهم يوم ~~القيامة ذوقوا { عذاب الحريق } كما أذقتم المسلمين الغصص. يقال ~~للمنتقم منه أحس، وذق. وقال أبو سفيان لحمزة رضي الله عنه ذق عقق وقرأ ms0355 ~~حمزة «سيكتب»، بالياء على البناء للمفعول، «ويقول» بالياء. وقرأ الحسن ~~والأعرج «سيكتب» بالياء وتسمية الفاعل. وقرأ ابن مسعود «ويقال ذوقوا» { ~~ذلك } إشارة إلى ما تقدم من عقابهم وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال ~~تزاول بهن، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب فإن قلت فلم ~~عطف قوله { وأن الله ليس بظلم للعبيد } { على ما ~~قدمت أيديكم } ، وكيف جعل كونه غير ظلام للعبيد شريكا لاجتراحهم ~~السيئات في استحقاق التعذيب؟ قلت معنى كونه غير ظلام للعبيد أنه عادل ~~عليهم ومن العدل أن يعاقب المسيء منهم ويثيب المحسن. ### || [3.183-184] # { عهد إلينا } أمرنا في التوراة وأوصانا بأن لا نؤمن لرسول حتى ~~يأتينا بهذه الآية الخاصة، وهو أن يرينا قربانا تنزل نار من السماء ~~فتأكله، كما كان أنبياء بني إسرائيل تلك آيتهم، كان يقرب بالقربان، فيقوم ~~النبي فيدعو، فتنزل نار من السماء فتأكله، وهذه دعوى باطلة وافتراء على ~~الله، لأن أكل النار القربان لم يوجب الإيمان للرسول الآتي به إلا لكونه ~~آية ومعجزة فهو إذن وسائر الآيات سواء فلا يجوز أن يعينه الله تعالى من ~~بين الآيات. وقد ألزمهم الله أن أنبياءهم جاؤهم بالبينات الكثيرة التي ~~أوجبت عليهم التصديق، وجاؤهم أيضا بهذه الآية التي اقترحوها فلم قتلوهم ~~إن كانوا صادقين أن الإيمان يلزمهم بإتيانها وقرىء «بقربان» بضمتين. ~~ونظيره السلطان. فإن قلت ما معنى قوله { وبالذى قلتم }؟ قلت ~~معناه، وبمعنى الذي قلتموه من قولكم قربان تأكله النار. ومؤداه كقوله # ثم يعودون لما قالوا # المجادلة 3 أي لمعنى ما قالوا. في مصاحف أهل الشام وبالزبر، وهي الصحف { ~~والكتب المنير } التوراة والإنجيل والزبور. وهذه تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه وتكذيب اليهود. ### || [3.185] # وقرأ اليزيدي «ذائقة الموت» على الأصل. وقرأ الأعمش ذائقة الموت ~~بطرح التنوين مع النصب كقوله # ولا ذاكر الله إلا قليلا # فإن قلت كيف اتصل به قوله { وإنما توفون أجوركم }؟ قلت ~~اتصاله به على أن كلكم تموتون ولا بد لكم من الموت ولا توفون أجوركم على ~~طاعاتكم ومعاصيكم عقيب موتكم، وإنما توفونها ms0356 يوم قيامكم من القبور. فإن ~~قلت فهذا يوهم نفي ما يروي أن 232 # " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار " # قلت كلمة التوفية تزيل هذا الوهم، لأن المعنى أن توفية الأجور وتكميلها ~~يكون ذلك اليوم، وما يكون قبل ذلك فبعض الأجور. الزحزحزة التنحية ~~والإبعاد تكرير الزح، وهو الجذب بعجلة { فقد فاز } فقد حصل له الفوز ~~المطلق المتناول لكل ما يفاز به ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الله ~~والعذاب السرمد، ونيل رضوان الله والنعيم المخلد. اللهم وفقنا لما ندرك ~~به عندك الفوز في المآب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 233 # " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله ~~واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " # وهذا شامل للمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد. شبه الدنيا بالمتاع ~~الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته. ~~والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير إنما هذا لمن آثرها على ~~الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ، خوطب المؤمنون بذلك ~~ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها، ~~حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون لايرهقهم ما يرهق من يصيبه الشدة بغتة ~~فينكرها وتشمئز منها نفسه. ### || [3.186] # والبلاء في الأنفس القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع المخاوف ~~والمصائب. وفي الأموال الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات. وما ~~يسمعون من أهل الكتاب المطاعن في الدين الحنيف، وصد من أراد الإيمان، ~~وتخطئة من آمن. وما كان من كعب بن الأشرف من هجائه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتحريض المشركين، ومن فنحاص، ومن بني قريظة والنضير { فإن ~~ذلك } فإن الصبر والتقوى { من عزم الأمور } من معزومات ~~الأمور، أي مما يجب العزم عليه من الأمور أو مما عزم الله أن يكون، يعني ~~أن ذلك عزمة من عزمات الله لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا. ### || [3.187] # { وإذ أخذ الله } واذكر ms0357 وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب { ~~لتبيننه } الضمير للكتاب. أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب ~~كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا عزم عليه وقيل له. آلله لتفعلن { ~~فنبذوه وراء ظهورهم } فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، يعني ~~لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه. والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك ~~الاعتداد. ونقيضه جعله نصب عينيه وألقاه بين عينيه، وكفى به دليلا على ~~أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه ~~شيئا لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم. واستجلاب لمسارهم ~~أو لجر منفعة وحطام دنيا، أو لتقية مما لا دليل عليه ولا أمارة أو لبخل ~~بالعلم، وغيرة أن ينسب إليه غيرهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 234 # " من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار " # وعن طاوس أنه قال لوهب إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتب. وقال والله ~~لو كنت نبيا فكتمت العلم كما تكتمه لرأيت أن الله سيعذبك، وعن محمد بن ~~كعب لا يحل لأحد من العلماء أن يسكت على علمه ولا يحل لجاهل أن يسكت على ~~جهله حتى يسأل. وعن علي رضي الله عنه ما أخذ الله على أهل الجهل أن ~~يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. وقرىء «ليبيننه». ولا ~~«يكتمونه». بالياء لأنهم غيب. وبالتاء على حكاية مخاطبتهم، كقوله # وقضينا إلى بنى إسرءيل فى الكتب لتفسدن # الإسراء 4. ### || [3.188] # { لا تحسبن } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأحد ~~المفعولين { الذين يفرحون } والثاني { بمفازة } وقوله { ~~فلا تحسبنهم } تأكيد تقديره لا تحسبنهم، فلا تحسبنهم فائزين. ~~وقرىء «لا تحسبن». «فلا تحسبنهم»، بضم الباء على خطاب المؤمنين «ولا ~~يحسبن». فلا «يحسبنهم»، بالياء وفتح الباء فيهما، على أن الفعل للرسول. ~~وقرأ أبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني، على أن ~~الفعل للذين يفرحون، والمفعول الأول محذوف على لا يحسبنهم الذين يفرحون ~~بمفازة، بمعنى لا يحسبن أنفسهم الذين يفرحون فائزين، وفلا يحسبنهم، ~~تأكيد. ومعنى { بما أوتوا } بما فعلوا. وأتى وجاء، يستعملان بمعنى ms0358 ~~فعل قال الله تعالى # إنه كان وعده مأتيا # مريم 61، # لقد جئت شيئا فريا # مريم 27. ويدل عليه قراءة أبي «يفرحون بما فعلوا». وقرىء «آتوا»، بمعنى ~~أعطوا. وعن علي رضي الله عنه «بما أوتوا». ومعنى { بمفازة من ~~العذاب } بمنجاة منه. روي 235 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه، وأروه ~~أنهم قد صدقوه، واستحمدوا إليه، وفرحوا بما فعلوا فأطلع الله رسوله على ~~ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم " # أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون ~~أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من ~~العذاب. ومعنى { فرحين } بما أوتوه من علم التوراة. وقيل يفرحون بما ~~فعلوا من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم حيث ادعوا أن إبراهيم كان على اليهودية ~~وأنهم على دينه. وقيل هم قوم تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما قفل اعتذروا إليه بأنهم رأوا المصلحة في التخلف، واستحمدوا ~~إليه بترك الخروج. وقيل هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان ~~للمسلمين ومنافقتهم وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان ~~الذي لم يفعلوه على الحقيقة لإبطانهم الكفر. ويجوز أن يكون شاملا لكل من ~~يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب. ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه ~~بالديانة والزهد وبما ليس فيه. ### || [3.189-191] # { ولله ملك السموت والارض } فهو يملك أمرهم. وهو على ~~كل شيء قدير، فهو يقدر على عقابهم { لآيات } لأدلة واضحة على الصانع ~~وعظيم قدرته وباهر حكمته { لاولى الالبب } للذين يفتحون بصائرهم ~~للنظر والاستدلال والاعتبار. ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما ~~فيها من عجائب الفطر. وفي النصائح الصغار املأ عينيك من زينة هذه ~~الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدرها، متدبرا ~~حكمة مدبرها، قيل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر. وعن ابن عمر ~~رضي الله عنهما 236 قلت ms0359 لعائشة رضي الله عنها أخبريني بأعجب ما رأيت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت، ثم قالت كل أمره عجب، أتاني ~~في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال يا عائشة، هل لك أن ~~تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب ~~هواك، قد أذنت لك. فقام إلى قربة من ماء في البيت. فتوضأ ولم يكثر من صب ~~الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن فجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم ~~جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت ~~دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له يا ~~رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال يا ~~بلال أفلا أكون عبدا شكورا. ثم قال وما لي لا أبكي وقد أنزل الله علي ~~في هذه الليلة { إن في خلق السموت والارض } ثم قال ويل ~~لمن قرأها ولم يتفكر فيها وروي 237 «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم ~~يتأملها» وعن علي رضي الله عنه 238 # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر ~~إلى السماء ثم يقول { إن في خلق السموت والأرض } " # وحكي أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته ~~سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمه لعل فرطة فرطت ~~منك في مدتك؟ فقال ما أذكر. قالت لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر؟ ~~قال لعل. قالت فما أتيت إلا من ذاك { الذين يذكرون الله } ~~ذكرا دائبا على أي حال كانوا، من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون بالذكر ~~في أغلب أحوالهم. وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة أنهم خرجوا يوم ~~العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله، فقال بعضهم أما قال الله تعالى { ~~يذكرون الله قيما وقعودا } فقاموا يذكرون الله على ~~أقدامهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم 239 ms0360 # " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " # وقيل معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعمران بن الحصين 240 # " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب، تومىء إيماء " # وهذه حجة للشافعي رحمه الله في إضجاع المريض على جنبه كما في اللحد. ~~وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يستلقي حتى إذا وجد خفة قعد. ومحل { على ~~جنوبهم } نصب على الحال عطفا على ما قبله، كأنه قيل قياما وقعودا ~~ومضطجعين { ويتفكرون فى خلق السموت والارض } وما ~~يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها بما تكل ~~الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه. وعن ~~سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما ~~رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 241 # " بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء ~~فقال أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له ~~" # وقال النبي صلى الله عليه وسلم 242 # " لا عبادة كالتفكر " # وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشبية كما يحدث الماء للزرع ~~النبات. وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة. وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 243 # " لا تفضلوني عل يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل ~~الأرض " # قالوا وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب، لأن أحدا ~~لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض { ما خلقت هذا ~~بطلا } على إرادة القول. أي يقولون ذلك وهو في محل الحال، بمعنى ~~يتفكرون قائلين. والمعنى ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة، بل خلقته ~~لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ~~ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك ولذلك وصل به قوله { فقنا ms0361 عذاب ~~النار } لأنه جزاء من عصى ولم يطع. فإن قلت هذا إشارة إلى ماذا؟ قلت ~~إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل ويتفكرون في مخلوق السموات ~~والأرض، أي فيما خلق منها. ويجوز أن يكون إشارة إلى السموات والأرض لأنها ~~في معنى المخلوق. كأنه قيل ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا. وفي هذا ~~ضرب من التعظيم كقوله # إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم # الإسراء 90 ويجوز أن يكون باطلا حالا من هذا. وسبحانك اعتراض للتنزيه ~~من العبث، وأن يخلق شيئا بغير حكمة. ### || [3.192-194] # { فقد أخزيته } فقد أبلغت في إخزائه. وهو نظير قوله فقد فاز. ~~ونحوه في كلامهم من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، ومن سبق فلانا فقد سبق { ~~وما للظلمين } اللام إشارة إلى من يدخل النار وإعلام بأن من ~~يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها. تقول سمعت رجلا يقول كذا، ~~وسمعت زيدا يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما ~~يسمع أو جعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن ~~منه بد، وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله. فإن قلت فأي فائدة في الجمع ~~بين المنادي وينادي؟ قلت ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالإيمان تفخيما ~~لشأن المنادي لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان. ونحوه قولك مررت ~~بهاد يهدي للإسلام. وذلك أن المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، ~~أو لإطفاء النائرة، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض ~~المنافع، وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي ~~وغير ذلك فإذا قلت ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي ~~والهادي وفخمته. ويقال دعاه لكذا وإلى كذا، وندبه له وإليه، وناداه له ~~وإليه. ونحوه هداه للطريق وإليه، وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى ~~الاختصاص واقعان جميعا، والمنادي هو الرسول # ادعوا إلى الله # يوسف 108، و # ادع إلى سبيل ربك # النحل 125. وعن محمد بن كعب القرآن. { أن ءامنوا } أي آمنوا، أو ~~بأن آمنوا ms0362 { ذنوبنا } كبائرنا { سيئتنا } صغائرنا { مع ~~الابرار } مخصوصين بصحبتهم، معدودين في جملتهم. والأبرار جمع بر أو ~~بار، كرب وأرباب، وصاحب وأصحاب { على رسلك } على هذه صلة للوعد، ~~كما في قولك وعد الله الجنة على الطاعة. والمعنى ما وعدتنا على تصديق ~~رسلك. ألا تراه كيف أتبع ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول وقوله آمنا وهو ~~التصديق ويجوزأن يكون متعلقا بمحذوف، أي ما وعدتنا منزلا على رسلك، أو ~~محمولا على رسلك، لأن الرسل محملون ذلك # فإنما عليه ما حمل # النور 54 وقيل على ألسنة رسلك. والموعود هو الثواب. وقيل النصرة على ~~الأعداء. فإن قلت كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد الله لا يخلف الميعاد؟ قلت ~~معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من ~~اللجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع ~~إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية. ### || [3.195] # يقال استجاب له واستجابه. # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # { أنى لا أضيع } قرىء بالفتح على حذف الياء، وبالكسر على إرادة ~~القول. وقرىء «لا أضيع»، بالتشديد { من ذكر أو أنثى } بيان ~~لعامل { بعضكم من بعض } أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل ~~واحد منكم من الآخر، أي من أصله، أو كأنه منه لفرط اتصالكم واتحادكم. ~~وقيل المراد وصلة الإسلام. وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع ~~الرجال فيما وعد الله عباده العاملين وروي 244 أن أم سلمة قالت يا رسول ~~الله، إني أسمع الله تعالى يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء. فنزلت ~~{ فالذين هجروا } تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له ~~والتفخيم، كأنه قال فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة، وهي ~~المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم من دار الفتنة، واضطروا إلى ~~الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشؤا بما سامهم المشركون من الخسف { ~~وأوذوا فى سبيلى } من أجله وبسببه، يريد سبيل الدين { ~~وقتلوا وقتلوا } وغزوا المشركين واستشهدوا. وقرىء «وقتلوا»، ~~بالتشديد. «وقتلوا وقاتلوا» على ms0363 التقديم بالتخفيف والتشديد ~~«وقتلوا، وقتلوا»، على بناء الأول للفاعل والثاني للمفعول. «وقتلوا»، ~~«وقاتلوا»، على بنائهما للفاعل { ثوابا } في موضع المصدر المؤكد بمعنى ~~إثابة أو تثويبا { من عند الله } لأن قوله { ~~لاكفرن.....عنهم ولادخلنهم } في معنى، لأثيبنهم. { ~~وعنده } مثل أن يختص به وبقدرته وفضله، لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه، ~~كما يقول الرجل عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته. ~~وهذا تعليم من الله كيف يدعي وكيف يبتهل إليه ويتضرع. وتكرير { ربنا ~~} من باب الابتهال، وإعلام بما يوجب حسن الإجابة وحسن الإثابة، من احتمال ~~المشاق في دين الله، والصبر على صعوبة تكاليفه، وقطع لأطماع الكسالى ~~المتمنين عليه، وتسجيل على من لا يرى الثواب موصولا إليه، بالعمل بالجهل ~~والغباوة. وروي عن جعفر الصادق رضي الله عنه من حزبه أمر فقال خمس مرات { ~~ربنا } أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية. وعن ~~الحسن حكى الله عنهم أنهم قالوا خمس مرات { ربنا } ثم أخبر أنه ~~استجاب لهم، إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد من ~~تقديمه بين يدي الدعاء. ### || [3.196-197] # { لا يغرنك } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد، ~~أي لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق والمضطرب ودرك العاجل وإصابة ~~حظوظ الدنيا، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في الأرض، وتصرفهم في ~~البلاد يتكسبون ويتجرون ويتدهقنون. وعن ابن عباس هم أهل مكة. وقيل هم ~~اليهود. وروي أن أناسا من المؤمنين كانوا يرون ما كانوا فيه من الخصب ~~والرخاء ولين العيش فيقولون إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا ~~من الجوع والجهد. فإن قلت كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بذلك حتى ينهي عن الاغترار به؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ~~ومتقدمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا، فكأنه قيل لا ~~يغرنكم والثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم ~~فأكد عليه ما كان عليه ms0364 وثبت على التزامه، كقوله # ولا تكن مع الكفرين # هود 42، # ولا تكونن من المشركين # الأنعام 14، # فلا تطع المكذبين # القلم 8 وهذا في النهي نظير قوله في الأمر # اهدنا الصراط المستقيم # الفاتحة 6، # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا # النساء 36 وقد جعل النهي في الظاهر للتقلب وهو في المعنى للمخاطب، وهذا ~~من تنزيل السبب منزلة المسبب، لأن التقلب لو غره لاغتر به، فمنع السبب ~~ليمتنع المسبب. وقرىء «لا يغرنك» بالنون الخفيفة { متع قليل } ~~خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك متاع قليل وهو التقلب في البلاد، أراد قلته في ~~جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من ~~الثواب، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 245 # " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ~~يرجع " # { وبئس المهاد } وساء ما مهدوا لأنفسهم. ### || [3.198] # النزل والنزل ما يقام للنازل. و قال أبو الشعراء الضبي # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا ~~والمرهفات له نزلا # وانتصابه إما على الحال من جنات لتخصصها بالوصف والعامل اللام، ويجوز ~~أن يكون بمعنى مصدر مؤكد، كأنه قيل زرقاء أو عطاء { من عند الله ~~وما عند الله } من الكثير الدائم { خير للابرار } مما ~~يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش { ~~نزلا } بالسكون. وقرأ يزيد بن القعقاع لكن الذين اتقوا، بالتشديد. ### || [3.199] # { وإن من أهل الكتب } عن مجاهد نزلت في عبد الله بن سلام ~~وغيره من مسلمة أهل الكتاب. وقيل في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين ~~من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا. ~~وقيل في أصحمة النجاشي ملك الحبشة، ومعنى أصحمة «عطية» بالعربية. وذلك ~~أنه. 246 لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، فخرج إلى البقيع ونظر إلى ~~أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى ms0365 عليه واستغفر له " # فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط وليس على ~~دينه، فنزلت ودخلت لام الابتداء على اسم «إن» لفصل الظرف بينهما كقوله # وإن منكم لمن ليبطئن # النساء 72. { وما أنزل إليكم } من القرآن { وما أنزل ~~إليهم } من الكتابين { خشعين لله } حال من فاعل يؤمن، لأن ~~من يؤمن في معنى الجمع { لا يشترون بئايت الله ثمنا ~~قليلا } كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم { أولئك لهم ~~أجرهم عند ربهم } أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في ~~قوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # القصص 54، # يؤتكم كفلين من رحمته # القصص 54. { إن الله سريع الحساب } لنفوذ علمه في كل شيء، ~~فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر. ويجوز أن يراد إنما توعدون لآت ~~قريب بعد ذكر الموعد. ### || [3.200] # اصبروا على الدين وتكاليفه { وصابروا } أعداء الله في الجهاد، أي ~~غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم وثباتا ~~والمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصا ~~لشدته وصعوبته { ورابطوا } وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، ~~مترصدين مستعدين للغزو. قال الله عز وجل # ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم # الأنفال 60 وعن النبي صلى الله عليه وسلم 247 # " من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه، لا يفطر، ~~ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 248 # " من قرأ سورة آل عمران أعطى بكل آية منها أمانا على جسر جهنم " # وعنه عليه الصلاة والسلام 249 # " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه ~~وملائكته حتى تحجب الشمس ". ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # { يأيها الناس } يا بني آدم { خلقكم من نفس وحدة ~~} فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم. فإن قلت علام عطف قوله { ~~وخلق منها زوجها }؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يعطف على محذوف، ~~كأنه قيل من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها، ms0366 وخلق منها زوجها. وإنما حذف ~~لدلالة المعنى عليه. والمعنى شعبكم من نفس واحدة هذه صفتها، وهي أنه ~~أنشأها من تراب وخلق زوجها حواء من ضلع من أضلاعها { وبث منهما } ~~نوعي جنس الإنس وهما الذكور والإناث، فوصفها بصفة هي بيان وتفصيل بكيفية ~~خلقهم منها. والثاني أن يعطف على خلقكم، ويكون الخطاب في { يأيها ~~الناس } للذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعنى خلقكم ~~من نفس آدم، لأنهم من جملة الجنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء وبث ~~منهما { رجالا كثيرا ونساء } غيركم من الأمم الفائتة للحصر. ~~فإن قلت الذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى ~~بما يوجبها أو يدعو إليها ويبحث عليها، فكيف كان خلقه إياهم من نفس واحدة ~~على التفصيل الذي ذكره موجبا للتقوى وداعيا إليها؟ قلت لأن ذلك مما ~~يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء، ومن ~~المقدورات عقاب العصاة، فالنظر فيه يؤدي إلى أن يتقي القادر عليه ويخشى ~~عقابه، ولأنه يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه في كفرانها ~~والتفريط فيما يلزمهم من القيام بشكرها. أو أراد بالتقوى تقوى خاصة وهي ~~أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، ~~فقيل اتقوا ربكم الذي وصل بينكم، حيث جعلكم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة. ~~فيما يجب على بعضكم لبعض، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه. وهذا المعنى ~~مطابق لمعاني السورة. وقرىء «وخالق منها زوجها. وباث منهما»، بلفظ اسم ~~الفاعل، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو خالق { تساءلون به } ~~تتساءلون به، فأدغمت التاء في السين. وقرىء «تساءلون» بطرح التاء ~~الثانية، أي يسأل بعضكم بعضا بالله وبالرحم. فيقول بالله وبالرحم أفعل ~~كذا على سبيل الاستعطاف. وأناشدك الله والرحم. أو تسألون غيركم بالله ~~والرحم، فقيل «تفاعلون» موضع «تفعلون» للجمع، كقولك رأيت الهلال ~~وتراءيناه. وتنصره قراءة من قرأ «تسلون به». مهموز أو غير مهموز. وقرىء ~~«والأرحام» بالحركات الثلاث، فالنصب على وجهين إما على واتقوا الله ~~والأرحام، أو ms0367 أن يعطف على محل الجار والمجرور، كقولك مررت بزيد وعمرا. ~~وينصره قراءة ابن مسعود «تسألون به وبالأرحام»، والجر على عطف الظاهر على ~~المضمر، وليس بسديد لأن الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء ~~واحد، فكانا في قولك مررت به وزيد وهذا غلامه وزيد شديدي الاتصال، فلما ~~اشتد الاتصال لتكرره أشبه العطف على بعض الكلمة، فلم يجز ووجب تكرير ~~العامل، كقولك مررت به وبزيد وهذا غلامه وغلام زيد ألا ترى إلى صحة قولك ~~رأيتك وزيدا ومررت بزيد وعمرو لما لم يقو الاتصال، لأنه لم يتكرر، وقد ~~تمحل لصحة هذه القراءة بأنها على تقدير تكرير الجار ونظيرها. # فاذهب فما بك والأيام من عجب # والرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل والأرحام كذلك، على معنى ~~والأرحام مما يتقى أو والأرحام مما يساءل به. والمعنى أنهم كانوا يقرون ~~بأن لهم خالقا، وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم، فقيل لهم اتقوا الله ~~الذي خلقكم، واتقوا الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها. أو ~~واتقوا الله الذي تتعاطفون باذكاره وباذكار الرحم. وقد آذن عز وجل إذ قرن ~~الأرحام باسمه أن صلتها منه بمكان، كما قال # أن لا تعبدوا إلا إيه وبالولدين إحسنا # الإسراء 23، وعن الحسن إذا سألك بالله فأعطه، وإذا سألك بالرحم فأعطه. ~~وللرحم حجنة عند العرش، ومعناه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه الرحم ~~معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته. وإذا أتاها القاطع احتجبت ~~منه. وسئل ابن عيينة عن قوله عليه الصلاة والسلام 250 # " تخيروا لنطفكم " # فقال يقول لأولادكم وذلك أن يضع ولده في الحلال. ألم تسمع قوله تعالى { ~~واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام } وأول صلته ~~أن يختار له الموضع الحلال، فلا يقطع رحمه ولا نسبه فإنما للعاهر الحجر، ~~ثم يختار الصحة ويجتنب الدعر، ولا يضعه موضع سوء يتبع شهوته وهواه بغير ~~هدى من الله. ### || [4.2] # { اليتمى } الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم. واليتم الانفراد. ~~ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة. وقيل اليتم في الأناسي من قبل ~~الآباء. وفي البهائم من قبل ms0368 الأمهات. فإن قلت كيف جمع اليتيم وهو ~~فعيل كمريض على يتامى؟ قلت فيه وجهان أن يجمع على يتمى كأسرى، لأن ~~اليتم من وادي الآفات والأوجاع، ثم يجمع فعلى على فعالى كأسارى. ويجوز أن ~~يجمع على فعائل لجري اليتم مجرى الأسماء، نحو صاحب وفارس، فيقال يتائم، ~~ثم يتامى على القلب. وحق هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار لبقاء معنى ~~الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلب أن يسموا به قبل أن يبلغوا مبلغ ~~الرجال، فإذا استغنوا بأنفسهم عن كافل وقائم عليهم وانتصبوا كفاة يكفلون ~~غيرهم ويقومون عليهم، زال عنهم هذا الاسم، وكانت قريش تقول لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب، إما على القياس وإما حكاية للحال ~~التي كان عليها صغيرا ناشئا في حجر عمه توضيعا له. وأما قوله عليه ~~السلام 251 # " لا يتم بعد الحلم " # فما هو إلا تعليم شريعة لا لغة، يعني أنه إذا احتلم لم تجر عليه أحكام ~~الصغار. فإن قلت فما معنى قوله { وءاتوا اليتمى أمولهم ~~}؟ قلت إما أن يراد باليتامى الصغار، وبإتيانهم الأموال أن لا يطمع فيها ~~الأولياء والأوصياء وولاة السوء وقضاته ويكفوا عنها أيديهم الخاطفة، حتى ~~تأتي اليتامى إذا بلغوا سالمة غير محذوفة. وإما أن يراد الكبار تسمية ~~لهم يتامى على القياس، أو لقرب عهدهم إذا بلغوا بالصغر، كما تسمى ~~الناقة عشراء بعد وضعها. على أن فيه إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم ~~إليهم عن حد البلوغ، ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن يؤتوها قبل أن ~~يزول عنهم اسم اليتامى والصغار. 252 وقيل هي في رجل من غطفان كان معه مال ~~كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فنزلت، فلما سمعها العم قال أطعنا الله وأطعنا ~~الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع ماله إليه فقال النبي عليه ~~السلام «ومن يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته ~~فلما قبض ألفوا ماله أنفقه في سبيل الله، ms0369 فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«ثبت الأجر، ثبت الأجر وبقي الوزر»، قالوا يا رسول الله، قد عرفنا أنه ~~ثبت الأجر كيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال «ثبت أجر الغلام، ~~وبقي الوزر على والده». { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ~~ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من ~~المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه. # أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو ~~حفظها والتورع منها والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز. منه التعجل بمعنى ~~الاستعجال، والتأخر بمعنى الاستئخار. قال ذو الرمة # فيا كرم السكن الذين تحملوا عن الدار ~~والمستخلف المتبدل # أراد ويا لؤم ما استخلفته الدال واستبدلته. وقيل هو أن يعطي رديئا ~~ويأخذ جيدا. وعن السدي أن يجعل شاة مهزولة مكان سمينة، وهذا ليس بتبدل، ~~وإنما هو تبديل إلا أن يكارم صديقا له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من ~~مال الصبي { ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم } ولا ~~تنفقوها معها. وحقيقتها ولا تضموها إليها في الإنفاق، حتى لا تفرقوا بين ~~أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بما لا يحل لكم. وتسوية بينه وبين الحلال. ~~فإن قلت قد حرم عليهم أكل مال اليتامى وحده ومع أموالهم، فلم ورد النهي ~~عن أكله؟ معها قلت لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم ~~الله من مال حلال وهم على ذلك يطمعون فيها كان القبح أبلغ والذم أحق ~~ولأنهم كانوا يفعلون كذلك قنعى عليهم فعلهم وسمع بهم، ليكون أزجر ~~لهم. والحوب الذنب العظيم. ومنه قوله عليه الصلاة و السلام 253 # " إن طلاق أم أيوب لحوب " # فكأنه قيل إنه كان ذنبا كبيرا. وقرأ الحسن «حوبا» بفتح الحاء وهو مصدر ~~حاب حوبا. وقرىء «حابا». ونظير الحوب والحاب القول والقال. والطرد ~~والطرد. ### || [4.3] # ولما نزلت الآية في اليتامى وما في أكل أموالهم من الحوب الكبير، خاف ~~الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى، وأخذوا يتحرجون ~~من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كان تحته العشر من الأزواج ms0370 والثمان ~~والست فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهن، فقيل لهم إن خفتم ترك العدل في ~~حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فخافوا أيضا ترك العدل بين النساء فقللوا ~~عدد المنكوحات، لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فهو غير ~~متحرج ولا تائب، لأنه إنما وجب أن يتحرج من الذنب ويتاب منه لقبحه، ~~والقبح قائم في كل ذنب، وقيل كانوا لا يتحرجون من الزنا وهم يتحرجون من ~~ولاية اليتامى، فقيل إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا. فانكحوا ~~ما حل لكم من النساء، ولا تحوموا حول المحرمات. وقيل كان الرجل يجد ~~اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها، فيتزوجها ضنا بها عن غيره، فربما ~~اجتعمت عنده عشر منهن، فيخاف - لضعفهن وفقد من يغضب لهن - أن يظلمهن ~~حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن، فقيل لهم إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى ~~النساء فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم. ويقال للإناث اليتامى كما يقال ~~للذكور، وهو جمع يتيمة على القلب، كما قيل أيامى، والأصل أيائم ويتائم. ~~وقرأ النخعي «تقسطوا» بفتح التاء على أن لا مزيدة مثلها في # لئلا يعلم # الحديد 29 يريد وإن خفتم أن تجوروا { ما طاب } ما حل { لكم من ~~النساء } لأن منهن ما حرم كاللاتي في آية التحريم. وقيل ما ذهابا ~~إلى الصفة. ولأن الإناث من العقلاء يجرين مجرى غير العقلاء ومنه قوله ~~تعالى { أو ما ملكت أيمنكم } { مثنى وثلث ~~ورباع } معدولة عن أعداد مكررة، وإنما منعت الصرف لما فيها من ~~العدلين عدلها عن صيغها، وعدلها عن تكررها، وهي نكرات يعرفن بلام ~~التعريف. تقول فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع، ومحلهن النصب على الحال ~~مما طاب، تقديره فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين ثنتين، ~~وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا. فإن قلت الذي أطلق للناكح في الجمع أن ~~يجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع، فما معنى التكرير في مثنى وثلاث ورباع؟ ~~قلت الخطاب للجميع، فوجب التكرير ليصيب كل ناكح يريد الجمع ما أراد من ~~العدد الذي أطلق له، ms0371 كما تقول للجماعة اقتسموا هذا المال - وهو ألف درهم ~~- درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى. ~~فإن قلت فلم جاء العطف بالواو دون أو؟ قلت كما جاء بالواو في المثال الذي ~~حذوته لك. ولو ذهبت تقول اقتسموا هذا المال درهمين درهمين، أو ثلاثة ~~ثلاثة، أو أربعة أربعة أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقتسموه إلا على أحد ~~أنواع هذه القسمة، وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على ~~تثنية، وبعضه على تثليث، وبعضه على تربيع. # وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو. وتحريره ~~أن الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء ~~على طريق الجمع، إن شاؤوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاؤوا متفقين ~~فيها، محظورا عليهم ما وراء ذلك. وقرأ إبراهيم وثلث وربع، على القصر من ~~ثلاث ورباع { فإن خفتم ألا تعدلوا } بين هذه الأعداد كما ~~خفتم ترك العدل فيما فوقها { فوحدة } فالزموا أو فاختاروا واحدة ~~وذروا الجمع رأسا. فإن الأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتم العدل ~~فعليكم به. وقرىء «فواحدة» بالرفع على فالمقنع واحدة، أو فكفت واحدة، أو ~~فحسبكم واحدة { أو ما ملكت أيمنكم } سوى في السهولة ~~واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء، من غير حصر ولا توقيت عدد. ولعمري ~~أنهن أقل تبعة وأقصر شغبا وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك أكثرت منهن أم ~~أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. وقرأ ابن ~~أبي عبلة. «من ملكت» { ذلك } إشارة إلى اختيار الواحدة والتسري { ~~أدنى ألا تعولوا } أقرب من أن لا تميلوا، من قولهم عال ~~الميزان عولا، إذا مال. وميزان فلان عائل، وعال الحاكم في حكمه إذا جار. ~~وروى أن أعرابيا حكم عليه حاكم فقال له أتعول علي. وقد روت عائشة رضي ~~الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم 254 # " ألا تعولوا أن لا تجوروا " # والذي يحكى عن الشافعي رحمه الله أنه فسر أن لا تعولوا أن ms0372 لا تكثر ~~عيالكم. فوجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم، كقولهم مانهم ~~يمونهم، إذا أنفق عليهم، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما ~~يصعب عليه المحافظة على حدود الكسب وحدود الورع وكسب الحلال والرزق ~~الطيب. وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين، حقيقي ~~بالحمل على الصحة والسداد، وأن لا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا، فقد ~~روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تظنن بكلمة خرجت من في أخيك سوءا ~~وأنت تجد لها في الخير محملا. وكفى بكتابنا المترجم بكتاب «شافي العي، ~~من كلام الشافعي» شاهدا بأنه كان أعلى كعبا وأطول باعا في علم كلام ~~العرب، من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن للعلماء طرقا وأساليب. فسلك في ~~تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات. فإن قلت كيف يقل عيال من تسرى، وفي ~~السرائر نحو ما في المهائر؟ قلت ليس كذلك، لأن الغرض بالتزوج التوالد ~~والتناسل بخلاف التسري، ولذلك جاز العزل عن السراري بغير أذنهن، فكان ~~التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج، كتزوج الواحدة بالإضافة ~~إلى تزوج الأربع. وقرأ طاوس «أن لا تعيلوا»، من أعال الرجل إذا كثر ~~عياله. وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي رحمه الله من حيث المعنى الذي ~~قصده. ### || [4.4] # { صدقتهن } مهورهن، وفي حديث شريح قضى ابن عباس لها بالصدقة. ~~وقرىء «صدقاتهن» بفتح الصاد وسكون الدال على تخفيف صدقاتهن. و«صدقاتهن» ~~بضم الصاد وسكون الدال جمع صدقة بوزن غرفة. وقرىء «صدقتهن»، بضم الصاد ~~والدال على التوحيد، وهو تثقيل صدقة، كقولك في ظلمة ظلمه. { نحلة ~~} من نحله كذا إذا أعطاه إياه ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا. ~~ومنه 255 حديث أبي بكر رضي الله عنه إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا ~~بالعالية. وانتصابها على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء فكأنه ~~قيل وانحلوا النساء صدقاتهن نحلة، أي أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، أو ~~على الحال من المخاطبين، أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، ~~أو من الصدقات، أي منحولة معطاة ms0373 عن طيبة الأنفس. وقيل نحلة من الله عطية ~~من عنده وتفضلا منه عليهن، وقيل النحلة الملة، ونحلة الإسلام خير النحل. ~~وفلان ينتحل كذا أي يدين به. والمعنى آتوهن مهورهن ديانة، على أنها مفعول ~~لها. ويجوز أن يكون حالا من الصدقات، أي دينا من الله شرعه وفرضه. ~~والخطاب للأزواج. وقيل للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم، وكانوا ~~يقولون هنيئا لك النافجة، لمن تولد له بنت، يعنون تأخذ مهرها فتنفج به ~~مالك أي تعظمه. الضمير في منه جار مجرى اسم الإشارة كأنه قيل عن شيء من ~~ذلك، كما قال الله تعالى # قل أؤنبئكم بخير من ذلكم # آل عمران 15 بعد ذكر الشهوات، ومن الحجج المسموعة من أفواه العرب ما روى ~~عن رؤبة أنه قيل له في قوله # كأنه في الجلد توليع البهق # فقال أردت كأن ذاك. أو يرجع إلى ما هو في معنى الصدقات وهو الصداق، لأنك ~~لو قلت وآتوا النساء صداقهن، لم تخل بالمعنى، فهو نحو قوله # فأصدق وأكن من الصلحين # المنافقون 12 كأنه قيل أصدق. و { نفسا } تمييز، وتوحيدها لأن الغرض ~~بيان الجنس والواحد يدل عليه. والمعنى فإن وهبن لكم شيئا من الصداق ~~وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة ~~أخلاقكم وسوء معاشرتكم { فكلوه } فأنفقوه. قالوا فإن وهبت له ثم طلبت ~~منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا، وعن الشعبي أن رجلا أتى مع ~~امرأته شريحا في عطية أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع، فقال شريح رد ~~عليها. فقال الرجل أليس قد قال الله تعالى { فإن طبن لكم } قال ~~لو طابت نفسها عنه لما رجعت فيه. وعنه أقيلها فيما وهبت ولا أقيله، ~~لأنهن يخدعن. وحكي أن رجلا من آل معيط أعطته امرأته ألف دينار صداقا ~~كان لها عليه، فلبث شهرا ثم طلقها، فخاصمته إلى عبد الملك بن مروان، ~~فقال الرجل أعطتني طيبة بها نفسها، فقال عبد الملك فأين الآية التي بعدها ~~فلا تأخذوا منه شيئا؟ اردد عليها. # وعن عمر رضي الله عنه أنه ms0374 كتب إلى قضاته إن النساء يعطين رغبة ورهبة. ~~فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها، وعن ابن عباس 256 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية فقال «إذا جادت لزوجها بالعطية ~~طائعة غير مكرهة لا يقضى به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة». ~~وروي أن أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحد منهم في شيء مما ساق إلى ~~امرأته، فقال الله تعالى إن طابت نفس واحدة من غير إكراه ولا خديعة فكلوه ~~سائغا هنيئا. وفي الآية دليل على ضيق المسلك في ذلك ووجوب الاحتياط، ~~حيث بنى الشرط على طيب النفس فقيل فإن طبن، ولم يقل فإن وهبن أو سمحن، ~~إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة. وقيل إن طبن لكم ~~عن شيء منه. ولم يقل فإن طبن لكم عنها، بعثا لهن على تقليل الموهوب. وعن ~~الليث بن سعد لا يجوز تبرعها إلا باليسير. وعن الأوزاعي لا يجوز تبرعها ~~ما لم تلد أو تقم في بيت زوجها سنة. ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف ~~إلى الصداق الواحد، فيكون متناولا بعضه، ولو أنث لتناول ظاهره هبة ~~الصداق كله، لأن بعض الصدقات واحدة منها فصاعدا. الهنيء، والمريء صفتان ~~من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه. وقيل الهنيء ما يلذه ~~الآكل. والمريء ما يحمد عاقبته. وقيل هو ما ينساغ في مجراه. وقيل لمدخل ~~الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة «المريء» لمروء الطعام فيه وهو انسياغه، ~~وهما وصف للمصدر، أي أكلا هنيئا مريئا، أو حال من الضمير، أي كلوه وهو ~~هنيء مريء، وقد يوقف على فكلوه ويبتدأ هنيئا مريئا على الدعاء، وعلى ~~أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين، كأنه قيل هنأ مرأ. وهذه عبارة عن ~~التحليل والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. ### || [4.5] # { السفهاء } المبذرون أموالهم الذين ينفقونها فيما لا يبنغي ولا ~~يدى لهم بإصلاحها وتثميرها والتصرف فيها. والخطاب للأولياء وأضاف الأموال ~~إليهم لأنها من جنس ما يقيم به الناس معايشهم، كما قال # ولا تقتلوا ms0375 أنفسكم # النساء 79، # فما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت # النساء 25 الدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى قوله { ~~وارزقوهم فيها واكسوهم } ، { جعل الله لكم ~~قيما } أي تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها لضعتم فكأنها في ~~أنفسها قيامكم وانتعاشكم. وقرىء «قيما»، بمعنى قياما، كما جاء عوذا ~~بمعنى عياذا. وقرأ عبد الله بن عمر «قواما»، بالواو. وقوام الشيء ما ~~يقام به، كقولك هو ملاك الأمر لما يملك به. وكان السلف يقولون المال سلاح ~~المؤمن، ولأن أترك ما لا يحاسبني الله عليه، خير من أن أحتاج إلى الناس. ~~وعن سفيان - وكانت له بضاعة يقلبها - لولاها لتمندل بي بنو العباس. وعن ~~غيره - وقيل له إنها تدنيك من الدنيا - لئن أدنتني من الدنيا لقد صانتني ~~عنها. وكانوا يقولون اتجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان ~~أول ما يأكل دينه، وربما رأوا رجلا في جنازة فقالوا له اذهب إلى دكانك { ~~وارزقوهم فيها } واجعلوها مكانا لرزقهم بأن تتجروا فيها ~~وتتربحوا، حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فلا يأكلها ~~الإنفاق. وقيل هو أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى أحد من السفهاء، قريب ~~أو أجنبي، رجل أو امرأة، يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده { قولا ~~معروفا } قال ابن جريج عدة جميلة، إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم ~~أموالكم. وعن عطاء إذا ربحت أعطيتك، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا. ~~وقيل إن لم يكن ممن وجبت عليك نفقته فقل عافانا الله وإياك، بارك الله ~~فيك. وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل، ~~فهو معروف، وما أنكرته ونفرت منه لقبحه، فهو منكر. ### || [4.6] # { وابتلوا اليتمى } واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ~~ومعرفتهم بالتصرف، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشدا - أي هداية - ~~دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ. وبلوغ النكاح. أن يحتلم ~~لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل. ~~والإيناس الاستيضاح فاستعير للتبيين. واختلف في الابتلاء والرشد، ~~فالابتلاء عند أبي ms0376 حنيفة وأصحابه أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين ~~حاله فيما يجيء منه. والرشد التهدي إلى وجوه التصرف. وعن ابن عباس الصلاح ~~في العقل والحفظ للمال. وعند مالك والشافعي الابتلاء أن يتتبع أحواله ~~وتصرفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدين. والرشد ~~الصلاح في الدين، لأن الفسق مفسدة للمال. فإن قلت فإن لم يؤنس منه رشد ~~إلى حد البلوغ؟ قلت عند أبي حنيفة رحمه الله ينتظر إلى خمس وعشرين سنة، ~~لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع ~~سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه الصلاة و السلام ~~257 # " مروهم بالصلاة لسبع " # دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس. وعند أصحابه لا يدفع إليه ~~أبدا إلا بإيناس الرشد. فإن قلت ما معنى تنكير الرشد؟ قلت معناه نوعا ~~من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو طرفا من الرشد ومخيلة من ~~مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلت كيف نظم هذا الكلام؟ قلت ما ~~بعد { حتى } إلى { فادفعوا إليهم أمولهم } جعل غاية ~~للابتلاء، وهي «حتى» التي تقع بعدها الجمل. كالتي في قوله # فما زالت القتلى تمج دماءها بدجلة حتى ماء ~~دجلة أشكل # والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط، وفعل ~~الشرط بلغوا النكاح وقوله { فإن ءانستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أمو لهم } جملة من شرط وجزاء واقعة ~~جوابا للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح، فكأنه قيل وابتلوا اليتامى ~~إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. ~~وقرأ ابن مسعود «فإن أحسيتم» بمعنى أحسستم قال # أحسن به فهن إليه شوس # وقرىء «رشدا»، بفتحتين، «ورشدا»، بضمتين { إسرافا وبدارا } ~~مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، تفرطون في إنفاقها، ~~وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. ثم قسم ~~الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيرا، فالغني يستعف من ~~أكلها ولا يطمع، ويقتنع بما رزقه الله من ms0377 الغنى إشفاقا على اليتيم، ~~وإبقاء على ماله. والفقير يأكل قوتا مقدرا محتاطا في تقديره على وجه ~~الأجرة، أو استقراضا على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف ~~والاستعفاف، مما يدل على أن للوصي حقا لقيامه عليها. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم 258 أن رجلا قال له إن في حجري يتيما ~~أفآكل من ماله؟ قال # " بالمعروف غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله فقال أفأضربه؟ قال مما ~~كنت ضاربا منه ولدك " # وعن ابن عباس أن ولي اليتيم قال له أفأشرب من لبن إبله؟ قال إن كنت ~~تبغي ضالتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير ~~مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب وعنه يضرب بيده مع أيديهم، فليأكل ~~بالمعروف، ولا يلبس عمامة فما فوقها. وعن إبراهيم لا يلبس الكتان والحلل. ~~ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة. وعن محمد بن كعب يتقرم تقرم البهيمة ~~وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بد منه. وعن الشعبي يأكل من ماله بقدر ~~ما يعين فيه. وعنه كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضي. وعن مجاهد يستسلف، ~~فإذا أيسر أدى. وعن سعيد بن جبير إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ~~ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو ~~في حل. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني أنزلت نفسي من مال الله ~~منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا ~~أيسرت قضيت واستعف أبلغ من عف، كأنه طالب زيادة العفة { فأشهدوا ~~عليهم } بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد من ~~التخاصم والتجاحد وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة. ألا ترى أنه إذا لم ~~يشهد فادعى عليه صدق مع اليمين عند أبي حنيفة وأصحابه. وعند مالك ~~والشافعي لا يصدق إلا بالبينة، فكان في الإشهاد الاستحراز من توجه الحلف ~~المفضي إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة { وكفى ~~بالله حسيبا } أي كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو ~~محاسبا. فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب. ms0378 ### || [4.7-8] # { والأقربون } هم المتوارثون من ذوي القرابات دون غيرهم { مما قل ~~منه أو كثر } بدل مما ترك بتكرير العامل. و { نصيبا ~~مفروضا } نصب على الاختصاص، بمعنى أعني نصيبا مفروضا مقطوعا ~~واجبا لا بد لهم من أن يحوزوه ولا يستأثر به. ويجوز أن ينتصب انتصاب ~~المصدر المؤكد كقوله # فريضة من الله # النساء 11 كأنه قيل قسمة مفروضة. 259 وروي أن أوس بن الصامت الأنصاري ~~ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة أو قتادة ~~وعرفجة ميراثه عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والأطفال، ~~ويقولون لا يرث إلا من طاعن بالرماح وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، فجاءت ~~أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ فشكت إليه، فقال ~~«ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله» فنزلت، فبعث إليهما لا تفرقا من مال أوس ~~شيئا فإن الله قد جعل لهن نصيبا ولم يبين حتى يبين فنزلت # يوصيكم الله # النساء 11 فأعطى أم كحة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم { ~~وإذا حضر القسمة } أي قسمة التركة { أولوا القربى } ~~ممن لا يرث { فارزقوهم منه } الضمير لما ترك الوالدان ~~والأقربون، وهو أمر على الندب قال الحسن كان المؤمنون يفعلون ذلك، إذا ~~اجتمعت الورثة حضرهم هؤلاء فرضخوا لهم بالشيء من رثة المتاع. فحضهم الله ~~على ذلك تأديبا من غير أن يكون فريضة. قالوا ولو كان فريضة لضرب له حد ~~ومقدار كما لغيره من الحقوق، وروى أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر ~~رضي الله عنه قسم ميراث أبيه وعائشة رضي الله عنها حية؟ فلم يدع في الدار ~~أحدا إلا أعطاه، وتلا هذه الآية. وقيل هو على الوجوب. وقيل هو منسوخ ~~بآيات الميراث كالوصية. وعن سعيد بن جبير أن ناسا يقولون نسخت، ووالله ~~ما نسخت، ولكنها مما تهاونت به الناس. والقول المعروف أن يلطفوا لهم ~~القول ويقولوا خذوا بارك الله عليكم، ويعتذروا إليهم، ويستقلوا ما أعطوهم ~~ولا يستكثروه، ولا يمنوا عليهم. وعن الحسن والنخعي أدركنا الناس وهم ~~يقسمون على ms0379 القرابات والمساكين واليتامى من العين، يعنيان الورق والذهب. ~~فإذا قسم الورق والذهب وصارت القسمة إلى الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك، ~~قالوا لهم قولا معروفا، كانوا يقولون لهم بورك فيكم. ### || [4.9] # لو مع ما في حيزه صلة للذين. والمراد بهم الأوصياء، أمروا بأن يخشوا ~~الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى ويشفقوا عليهم، خوفهم على ~~ذريتهم لو تركوهم ضعافا وشفقتهم عليهم وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ~~ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة. ويجوز أن يكون المعنى ~~وليخشوا على اليتامى من الضياع. وقيل هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون ~~إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فقدم مالك، فيستغرقه بالوصايا، ~~فأمروا بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم ~~على أولاد أنفسهم لو كانوا. ويجوز أن يتصل بما قبله وأن يكون أمرا ~~بالشفقة للورثة على الذين يحضرون القسمة من ضعفاء أقاربهم واليتامى ~~والمساكين وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين ~~محتاجين. هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟ فإن قلت ما معنى وقوع { ~~لو تركوا } وجوابه صلة للذين؟ قلت معناه وليخش الذين صفتهم وحالهم ~~أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافا، وذلك عند احتضارهم خافوا ~~عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل # لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي إنهن من ~~الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي وأن ~~يشربن رنقا بعد صافي # وقرىء «ضعفاء»، «ضعافى»، «وضعافى». نحو سكارى، وسكارى. والقول السديد ~~من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب ~~الحسن والترحيب، ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، ومن الجالسين إلى المريض أن ~~يقولوا له إذا أراد الوصية لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، مثل قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لسعد 260 # " إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " # وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وأن الخمس ~~أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث. ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا ms0380 ~~القول ويجملوه للحاضرين. ### || [4.10] # { ظلما } ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته { في ~~بطونهم } ملء بطونهم يقال أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه. قال # كلوا في بعض بطنكموا تعفوا # ومعنى يأكلون نارا ما يجر إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة. وروى 261 ~~أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه ~~وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا. وقرىء ~~«وسيصلون» بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها { سعيرا } نارا من ~~النيران مبهمة الوصف. ### || [4.11] # { يوصيكم الله } يعهد إليكم ويأمركم { فى أولدكم } في ~~شأن ميراثهم بما هو العدل والمصلحة. وهذا إجمال تفصيله { للذكر ~~مثل حظ الانثيين } فإن قلت هلا قيل للأنثيين مثل حظ الذكر أو ~~للأنثى نصف حظ الذكر قلت ليبدأ ببيان حظ الذكر لفضله، كما ضوعف حظه لذلك، ~~ولأن قوله { للذكر مثل حظ الانثيين } قصد إلى بيان فضل ~~الذكر. وقولك للأنثيين مثل حظ الذكر، قصد إلى بيان نقص الأنثى، وما كان ~~قصدا إلى بيان فضله، كان أدل على فضله من القصد إلى بيان نقص غيره عنه ~~ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث وهو السبب لورود الآية، فقيل كفى ~~الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع ~~إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به. فإن قلت فإن حظ الأنثيين الثلثان، ~~فكأنه قيل للذكر الثلثان. قلت أريد حال الاجتماع لا الانفراد أي إذا ~~اجتمع الذكر والأنثيان كان له سهمان، كما أن لهما سهمين. وأما في حال ~~الانفراد، فالابن يأخذ المال كله والبنتان يأخذان الثلثين. والدليل على ~~أن الغرص حكم الاجتماع، أنه أتبعه حكم الانفراد، وهو قوله { فإن كن ~~نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } والمعنى للذكر ~~منهم، أي من أولادكم، فحذف الراجع إليه لأنه مفهوم، كقولهم السمن منوان ~~بدرهم { فإن كن نساء } فإن كانت البنات أو المولودات نساء خلصا. ~~ليس معهن رجل يعني بنات ليس معهن ابن { فوق اثنتين } يجوز أن ~~يكون خبرا ثانيا لكان وأن ms0381 يكون صفة لنساء أي نساء زائدات على اثنتين { ~~وإن كانت وحدة } وإن كانت البنت أو المولودة منفردة فذة ليس ~~معها أخرى { فلها النصف } وقرىء «واحدة» بالرفع على كان التامة ~~والقراءة بالنصب أوفق لقوله { فإن كن نساء } وقرأ زيد بن ثابت ~~«النصف» بالضم. والضمير في { ترك } للميت لأن الآية لما كانت في ~~الميراث، علم أن التارك هو الميت. فإن قلت قوله { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } كلام مسوق لبيان حظ الذكر من الأولاد، لا لبيان حظ ~~الأنثيين، فكيف صح أن يردف قوله { فإن كن نساء } وهو لبيان حظ ~~الإناث؟ قلت وإن كان مسوقا لبيان حظ الذكر، إلا أنه لما فقه منه وتبين ~~حظ الأنثيين مع أخيهما كان كأنه مسوق للأمرين جميعا. فلذلك صح أن يقال { ~~فإن كن نساء } فإن قلت. هل يصح أن يكون الضميران في «كن» و«كانت» ~~مبهمين، ويكون «نساء» و«واحدة» تفسيرا لهما، على أن كان تامة؟ قلت لا ~~أبعد ذلك. فإن قلت لم قيل { فإن كن نساء } ولم يقل وإن كانت ~~امرأة؟ قلت لأن الغرض ثمة خلوصهن إناثا لا ذكر فيهن، ليميز بين ما ذكر ~~من اجتماعهن مع الذكور في قوله { للذكر مثل حظ الأنثيين ~~} وبين انفرادهن. # وأريد ههنا أن يميز بين كون البنت مع غيرها وبين كونها وحدها لا قرينة ~~لها. فإن قلت قد ذكر حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن وحكم البنات ~~والبنت في حال الانفراد، ولم يذكر حكم البنتين في حال الانفراد فما ~~حكمهما، وما باله لم يذكر؟ قلت أما حكمهما فمختلف فيه، فابن عباس أبى ~~تنزيلهما منزلة الجماعة. لقوله تعالى { فإن كن نساء فوق ~~اثنتين } فأعطاهما حكم الواحدة وهو ظاهر مكشوف. وأما سائر الصحابة ~~فقد أعطوهما حكم الجماعة، والذي يعلل به قولهم أن قوله { للذكر ~~مثل حظ الأنثيين } قد دل على أن حكم الأنثيين حكم الذكر، ~~وذلك أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة، فالأنثيان كذلك يحوزان ~~الثلثين، فلما ذكر ما دل على حكم الأنثيين قيل { فإن كن نساء ~~فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ms0382 } على معنى فإن كن ~~جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للأنثيين وهو الثلثان لا يتجاوزنه ~~لكثرتهن ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت. وقيل إن الثنتين ~~أمس رحما بالميت من الأختين فأوجبوا لهما ما أوجب الله للأختين. ولم ~~يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحما منهما. وقيل إن البنت لما ~~وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت ~~مثلها. ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها أيضا مع أخيها لو انفردت ~~معه، فوجب لهما الثلثان { ولابويه } الضمير للميت. و { لكل ~~وحد منهما } بدل من { ولأبويه } بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل ~~أنه لو قيل ولأبويه السدس، لكان ظاهره اشتراكهما فيه. ولو قيل ولأبويه ~~السدسان، لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها. فإن قلت ~~فهلا قيل ولكل واحد من أبويه السدس وأي فائدة في ذكر الأبوين أولا، ثم ~~في الإبدال منهما؟ قلت لأن في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا ~~وتشديدا، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. والسدس مبتدأ. وخبره ~~لأبويه. والبدل متوسط بينهما للبيان. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة «السدس» ~~بالتخفيف، وكذلك الثلث والربع والثمن. والولد يقع على الذكر والأنثى، ~~ويختلف حكم الأب في ذلك. فإن كان ذكرا اقتصر بالأب على السدس، وإن كانت ~~أنثى عصب مع إعطاء السدس. فإن قلت قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد ~~ثم حكمهما مع عدمه، فهلا قيل فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث. وأي فائدة ~~في قوله { وورثه أبواه }؟ قلت معناه فإن لم يكن له ولد وورثه ~~أبواه فحسب، فلأمه الثلث مما ترك، كما قال { لكل وحد منهما ~~السدس مما ترك } لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، كان للأم ~~ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج، لا ثلث ما ترك، إلا عند ابن عباس. # والمعنى أن الأبوين إذا خلصا تقاسما الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن ~~قلت ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي ms0383 دون ثلث المال؟ قلت فيه وجهان ~~أحدهما أن الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة. فأشبه ~~الوصية في قسمة ما وراءه. والثاني أن الأب أقوى في الإرث من الأم، بدليل ~~أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة، وجامعا بين الأمرين، فلو ~~ضرب لها الثلث كملا لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها. ألا ترى أن امرأة لو ~~تركت زوجا وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي للأب، حازت الأم ~~سهمين والأب سهما واحدا، فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ ~~الذكرين { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } الإخوة ~~يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب، فيكون لها السدس وللأب ~~خمسة الأسداس، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعدا إلا عند ابن عباس. وعنه ~~أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم. فإن قلت فكيف صح أن يتناول ~~الإخوة الأخوين. والجمع خلاف التثنية؟ قلت الإخوة تفيد معنى الجمعية ~~المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا ~~موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه. وقرىء «فلإمه»، بكسر ~~الهمزة إتباعا للجرة ألا تراها لا تكسر في قوله # وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية # المؤمنون 50، { من بعد وصية } متعلق بما تقدمه من قسمة ~~المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل قسمة هذه الأنصبة من بعد وصية ~~يوصى بها. وقرىء «يوصى بها» بالتخفيف والتشديد. و«ويوصى بها» على البناء ~~للمفعول مخففا. فإن قلت ما معنى أو؟ قلت معناها الإباحة وأنه إن كان ~~أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث، كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين. ~~فإن قلت لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت ~~لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، كان إخراجها ~~مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة ~~للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على ~~الدين بعثا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة ~~«أو» للتسوية ms0384 بينهما في الوجوب، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله { ~~ءاباؤكم وأبناؤكم } أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم ~~وأبنائكم الذين يموتون، أمن أوصى منهم أمن لم يوص؟ يعني أن من أوصى ببعض ~~ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا وأحضر جدوى ~~ممن ترك الوصية، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من ~~عرض الدنيا، ذهابا إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلا ~~قريبا في الصورة، إلا أنه فان، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى. # وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باق فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى. ~~وقيل إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه ~~فيرفع. وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه، سأل أن يرفع إليه ابنه. ~~فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعا. وقيل قد فرض الله الفرائض ~~على ما هو عنده حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع، فوضعتم ~~أنتم الأموال على غير حكمة. وقيل الأب يجب عليه النفقة على الابن إذا ~~احتاج، وكذلك الابن إذا كان محتاجا فهما في النفع بالنفقة لا يدري أيهما ~~أقرب نفعا. وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له، لأن ~~هذه الجملة اعتراضية. ومن حق الاعتراضي أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه، ~~والقول ما تقدم { فريضة } نصبت نصب المصدر المؤكد، أي فرض ذلك فرضا ~~{ إن الله كان عليما } بمصالح خلقه { حكيما } في كل ما فرض ~~وقسم من المواريث وغيرها. ### || [4.12] # { فإن كان لهن ولد } منكم أو من غيركم. جعلت المرأة على ~~النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب. والواحدة والجماعة ~~سواء في الربع والثمن { وإن كان رجل } يعني الميت. و { يورث } ~~من ورث، أي يورث منه وهو صفة لرجل. و { كللة } خبر كان، أي وإن كان ~~رجل موروث منه كلالة، أو يجعل يورث خبر كان، وكلالة حالا من الضمير في ~~يورث. وقرىء «يورث» و«يورث» بالتخفيف ms0385 والتشديد على البناء للفاعل، ~~وكلالة حال أو مفعول به. فإن قلت ما الكلالة؟ قلت ينطلق على ثلاثة على من ~~لم يخلف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى ~~القرابة من غير جهة الولد والوالد. ومنه قولهم ما ورث المجد عن كلالة، ~~كما تقول ما صمت عن عي، وما كف عن جبن. والكلالة في الأصل مصدر بمعنى ~~الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء. قال الأعشى # فآليت لا أرثي لها من كلالة # فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد، لأنها بالإضافة إلى ~~قرابتهما كالة ضعيفة، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة. ~~كما تقول فلان من قرابتي، تريد من ذوي قرابتي. ويجوز أن تكون صفة ~~كالهجاجة والفقاقة للأحمق. فإن قلت فإن جعلتها اسما للقرابة في الآية ~~فعلام تنصبها؟ قلت على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره ~~لأجلها، فإن قلت فإن جعلت يورث على البناء للمفعول من أورث، فما وجهه؟ ~~قلت الرجل حينئذ هو الوارث لا الموروث. فإن قلت فالضمير في قوله { ~~فلكل وحد منهما } إلى من يرجع حيئنئذ؟ قلت إلى الرجل وإلى ~~أخيه أو أخته، وعلى الأول إليهما. فإن قلت إذا رجع الضمير إليهما أفاد ~~استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر الأنثى، فهل تبقى هذه ~~الفائدة قائمة في هذا الوجه؟ قلت نعم، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من ~~الأخ أو الأخت على التخيير فقد سويت بين الذكر والأنثى. وعن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه، أنه سئل عن الكلالة فقال أقول فيه برأيي، فإن كان ~~صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء. الكلالة ~~ما خلا الولد والوالد. وعن عطاء والضحاك أن الكلالة هو الموروث. وعن ~~سعيد بن جبير هو الوارث،. وقد أجمعوا على أن المراد أولاد الأم. وتدل ~~عليه قراءة أبي «وله أخ أو أخت من الأم». وقراءة سعد بن أبي وقاص «وله ~~أخ أو أخت من أم». وقيل إنما استدل على ms0386 أن الكلالة ههنا الإخوة للأم ~~خاصة بما ذكر في آخر السورة من أن للأختين الثلثين وأن للإخوة كل ~~المال، فعلم ههنا لما جعل للواحد السدس، وللاثنين الثلث، ولم يزادوا ~~على الثلث شيئا أنه يعني بهم الإخوة للأم، وإلا فالكلالة عامة لمن ~~عدا الولد والوالد من سائر الإخوة الأخياف والأعيان وأولاد العلات وغيرهم ~~{ غير مضار } حال، أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته وذلك أن يوصي ~~بزيادة على الثلث، أو يوصي بالثلث فما دونه، ونيته مضارة ورثته ~~ومغاضبتهم لا وجه الله تعالى. # وعن قتادة كره الله الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وعن الحسن ~~المضارة في الدين أن يوصي بدين ليس عليه ومعناه الإقرار { وصية من ~~الله } مصدر مؤكد، أي يوصيكم بذلك وصية، كقوله # فريضة من الله # النساء 11 ويجوز أن تكون منصوبة بغير مضار، أي لا يضار وصية من الله وهو ~~الثلث فما دونه بزيادته على الثلث أو وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم ~~عالة بإسرافه في الوصية. وينصر هذا الوجه قراءة الحسن «غير مضار وصية من ~~الله» بالإضافة { والله عليم } بمن جار أو عدل في وصيته { حليم ~~} عن الجائر لا يعالجه. وهذا وعيد. فإن قلت في { يوصى } ضمير الرجل ~~إذا جعلته الموروث، فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟ قلت كما علمت في قوله ~~تعالى # فلهن ثلثا ما ترك # النساء 11 لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت. فإن قلت فأين ذو الحال ~~فيمن قرأ «يوصى بها» على ما لم يسم فاعله؟ قلت يضمر يوصى فينتصب عن فاعله ~~لأنه لما قيل { يوصى بها } علم أن ثم موصيا، كما قال # يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال # النور 36 على ما لم يسم فاعله، فعلم أن ثم مسبحا، فأضمر يسبح فكما كان ~~رجال فاعل ما يدل عليه يسبح، كان غير مضار حالا عما يدل عليه يوصى بها. ### || [4.13-14] # { تلك } إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا ~~والمواريث. وسماها حدودا، لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة ~~للمكلفين، لا يجوز لهم أن ms0387 يتجاوزها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق { ~~يدخله } قرىء بالياء والنون، وكذلك { يدخله نارا } وقيل ~~يدخله، وخالدين حملا على لفظ «من» ومعناه. وانتصب خالدين وخالدا على ~~الحال. فإن قلت هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات ونارا؟ قلت لا، لأنهما ~~جريا على غير من هما له. فلا بد من الضمير وهو قولك خالدين هم فيها. ~~وخالدا هو فيها. ### || [4.15-16] # { يأتين الفحشة } يرهقنها. يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ~~ورهقها بمعنى. وفي قراءة ابن مسعود «يأتين بالفاحشة». والفاحشة الزنا ~~لزيادتها في القبح على كثير من القبائح { فأمسكوهن فى ~~البيوت } قيل معناه فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، وكان ذلك عقوبتهن في ~~أول الإسلام. ثم نسخ بقوله تعالى # الزانية والزانى... # الآية النور 2 ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحد لكونه ~~معلوما بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن صيانة ~~لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال { أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } هو النكاح الذي يستغنين به عن ~~السفاح. وقيل السبيل هو الحد، لأنه لم يكن مشروعا ذلك الوقت. فإن قلت ما ~~معنى يتوفاهن الموت والتوفي والموت بمعنى واحد، كأنه قيل حتى يميتهن ~~الموت ؟ قلت يجوز أن يراد حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله # الذين تتوفهم الملئكة # النحل 28 # إن الذين توفهم الملئكة # النساء 97، # قل يتوفكم ملك الموت # السجدة 11 أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن { واللذان ~~يأتينها منكم } يريد الزاني والزانية { فأاذوهما } ~~فوبخوهما وذموهما وقولوا لهما أما استحييتما، أما خفتما الله { فإن ~~تابا وأصلحا } وغيرا الحال { فأعرضوا عنهما } واقطعوا ~~التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب، ويحتمل أن يكون ~~خطابا للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما ~~وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام ~~فأعرضوا عنهما ولا تتعرضوا لهما. وقيل نزلت الأولى في السحاقات وهذه في ~~اللواطين. وقرىء «واللذان» بتشديد النون. «واللذأن» بالهمزة وتشديد ~~النون. ### || [4.17-18] # { التوبة } من تاب الله عليه إذا قبل توبته وغفر له، يعني إنما ~~القبول والغفران واجب ms0388 على الله تعالى لهؤلاء { بجهالة } في موضع ~~الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه ~~السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل. وعند مجاهد من عصى الله ~~فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته { من قريب } من زمان قريب. والزمان ~~القريب ما قبل حضرة الموت. ألا ترى إلى قوله { حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت } فبين أن وقت الاحتضار وهو الوقت الذي لا تقبل ~~فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب. وعن ابن عباس قبل أن ينزل به ~~سلطان الموت. وعن الضحاك كل توبة قبل الموت فهو قريب. وعن النخعي ما لم ~~يؤخذ بكظمه. وروى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم 262 # " إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " # وعن عطاء ولا قبل موته بفواق ناقة. وعن الحسن 263 أن إبليس قال حين ~~أهبط إلى الأرض وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده. فقال تعالى ~~وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. فإن قلت ما معنى { من } في ~~قوله { من قريب }؟ قلت معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه ~~سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء تاب ~~من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. فإن قلت ~~ما فائدة قوله { فأولئك يتوب الله عليهم } بعد قوله ~~إنما التوبة على الله لهم؟ قلت قوله { إنما التوبة على ~~الله } إعلام بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات. وقوله { ~~فأولئك يتوب عليهم } عدة بأنه يفي بما وجب عليه، وإعلام ~~بأن الغفران كائن لا محالة كما يعد العبد الوفاء بالواجب { ولا ~~الذين يموتون } عطف على الذين يعملون السيئات. سوى بين الذين ~~سوفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا ~~توبة لهم، لأن حضرة الموت أول أحوال الآخرة، فكما أن المائت على الكفر ~~قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوف إلى حضرة الموت ms0389 لمجاوزة كل ~~واحد منهما أوان التكليف والاختيار { أولئك أعتدنا لهم } ~~في الوعيد نظير قوله { فأولئك يتوب الله عليهم } في ~~الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة. فإن قلت من المراد بالذين ~~يعملون السيئات. أهم الفساق من أهل القبلة أم الكفار؟ قلت فيه وجهان ~~أحدهما أن يراد الكفار، لظاهر قوله { وهم كفار } ، وأن يراد ~~الفساق، لأن الكلام إنما وقع في الزانيين، والإعراض عنهما إن تابا ~~وأصلحا، ويكون قوله { وهم كفار } واردا على سبيل التغليظ كقوله # ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين # آل عمران 97 وقوله فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا «من ترك الصلاة ~~متعمدا فقد كفر» لأن من كان مصدقا ومات وهو لم يحدث نفسه بالتوبة، حاله ~~قريبة من حال الكافر، لأنه لا يجترىء على ذلك إلا قلب مصمت. ### || [4.19] # كان يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا ~~عن ذلك كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة، ألقي ~~ثوبه عليها وقال أنا أحق بها من كل أحد. فقيل { لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها } أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز ~~المواريث وهن كارهات لذلك، أو مكرهات. وقيل كان يمسكها حتى تموت. فقيل لا ~~يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثوا منهن وهن غير راضيات بإمساككم. وكان ~~الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر. ~~لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقيل ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. ~~والعضل الحبس والتضييق. ومنه عضلت المرأة بولدها، إذا اختنقت رحمها به ~~فخرج بعضه وبقي بعضه { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } ~~وهي النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، أي إلا أن ~~يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. ويدل عليه قراءة أبي ~~«إلا أن يفحشن عليكم»، وعن الحسن الفاحشة الزنا، فإن فعلت حل لزوجها أن ~~يسألها الخلع. وقيل كانوا إذا أصابت امرأة فاحشة أخذ منها ما ساق إليها ~~وأخرجها. وعن أبي قلابة ومحمد ms0390 بن سيرين لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على ~~بطنها. وعن قتادة لا يحل أن يحبسها ضرارا حتى تفتدي منه، يعني وإن زنت. ~~وقيل نسخ ذلك بالحدود، وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم { ~~وعاشروهن بالمعروف } وهو النصفة في المبيت والنفقة، ~~والإجمال في القول { فإن كرهتموهن } فلا تفارقوهن لكراهة ~~الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى ~~الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن للنظر في أسباب الصلاح. ### || [4.20-21] # وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراف امرأة؟ بهت التي تحته ورماها ~~بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج غيرها. ~~فقيل { وإن أردتم استبدال زوج } الآية. والقنطار المال ~~العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة، لأنها بناء مشيد. قال # كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى ~~تشاد بقرمد # وعن عمر رضي الله عنه أنه قام خطيبا فقال أيها الناس، لا تغالوا بصدق ~~النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثني عشر ~~أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت له يا أمير المؤمنين، لم تمنعنا حقا ~~جعله الله لنا والله يقول { وءاتيتم إحدهن قنطارا } فقال ~~عمر كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا ~~تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء والبهتان أن ~~تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه، لأنه يبهت عند ذلك، أي ~~يتحير. وانتصب { بهتنا } على الحال، أي باهتين وآثمين، أو على أنه ~~مفعول له وإن لم يكن غرضا، كقولك قعد عند القتال جبنا. والميثاق الغليظ ~~حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل وأخذن به منكم ميثاقا غليظا، أي بإفضاء ~~بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا صحبة عشرين يوما ~~قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ وقيل هو قول ~~الولي عند العقد أنكحتك على ما في كتاب الله من إمساك ms0391 بمعروف أو تسريح ~~بإحسان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 264 # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". ### || [4.22-23] # وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذي مروآتهم، ويسمونه نكاح ~~المقت. وكان المولود عليه يقال له المقتي. ومن ثم قيل { ومقتا } كأنه ~~قيل هو فاحشة في دين الله بالغة في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا ~~مزيد على ما يجمع القبحين. وقرىء «لا تحل لكم» بالتاء، على أن ترثوا ~~بمعنى الوراثة. وكرها بالفتح، والضم من الكراهة والإكراه. وقرىء # بفحشة مبينة # النساء 19 من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرىء «مبينة» بكسر الياء ~~وفتحها. و { يجعل الله } بالرفع، على أنه في موضع الحال { ~~وءاتيتم إحدهن } بوصل همزة إحداهن. كما قرىء # فلا إثم عليه # البقرة 173. فإن قلت تعضلوهن، ما وجه إعرابه؟ قلت النصب عطفا على أن ~~ترثوا. ولا لتأكيد النفي. أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن. ~~فإن قلت أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة؟ قلت إذا عدي ~~بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى # فلما ذهبوا به # يوسف 15 وأما الإذهاب فكالإزالة. فإن قلت # إلا أن يأتين # النساء 19 ما هذا الاستثناء؟ قلت هو استثناء من أعم عام الظرف أو ~~المفعول له، كأنه قيل ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين ~~بفاحشة. أو ولا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة. فإن قلت من ~~أي وجه صح قوله { فعسى أن تكرهوا } جزاء للشرط؟ قلت من حيث أن ~~المعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه ~~خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه فإن قلت كيف استثنى ما قد سلف مما نكح ~~آباؤكم؟ قلت كما استثنى غير أن سيوفهم من قوله ولا عيب فيهم يعني إن ~~أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره. وذلك غير ممكن. ~~والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في ~~التأبيد نحو قولهم حتى ms0392 يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. معنى { ~~حرمت عليكم أمهتكم } تحريم نكاحهن لقوله { ولا ~~تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء } النساء 22 ولأن تحريم ~~نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ~~ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. وقرىء «وبنات الأخت» بتخفيف الهمزة. ~~وقد نزل الله الرضاعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أما للرضيع، ~~والمراضعة أختا، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ~~ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه. ~~وأم المرضعة جدته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته ~~وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه. # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم 265 # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # وقالوا تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين إحداهما أنه لا يجوز ~~للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع، ~~لأن المانع في النسب وطؤه أمها. وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. ~~والثانية لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع، لأن ~~المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع { من ~~نسائكم } متعلق بربائبكم. ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها ~~محرمة على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها. فإن قلت هل يصح أن يتعلق بقوله ~~{ وأمهت نسائكم }؟ قلت لا يخلو إما أن يتعلق بهن ~~وبالربائب، فتكون حرمتهن وحرمة الربائب غير مبهمتين جميعا، وإما أن ~~يتعلق بهن بدون الربائب فتكون حرمتهن غير مبهمة وحرمة الربائب مبهمة فلا ~~يجوز الأول، لأن معنى من مع أحد المتعلقين، خلاف معناه مع الآخر. ألا ~~تراك أنك إذا قلت وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فقد جعلت ~~من لبيان النساء. وتمييز المدخول بهن من غير المدخول بهن. وإذا قلت ~~وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإنك جاعل من لابتداء الغاية، كما ~~تقول بنات رسول الله ms0393 صلى الله عليه وسلم من خديجة، وليس بصحيح أن يعني ~~بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان. ولا يجوز الثاني لأن ما ~~يليه هو الذي يستوجب التعليق به، ما لم يعترض أمر لا يرد، إلا أن تقول ~~أعلقه بالنساء والربائب، وأجعل من للاتصال، كقوله تعالى # المنفقون والمنفقات بعضهم من بعض # التوبة 67 فإني لست منك ولست مني. ما أنا من دد ولا الدد مني وأمهات ~~النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن ~~لأنهن بناتهن. هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون ~~تحريم الربائب، على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى 266 وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال ~~«لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها»، وعن عمر وعمران بن ~~الحصين رضي الله عنهما أن الأم تحرم بنفس العقد، وعن مسروق هي مرسلة ~~فأرسلوا ما أرسل الله. وعن ابن عباس أبهموا ما أبهم الله، إلا ما روي عن ~~علي وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير أنهم قرءوا «وأمهات نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن». وكان ابن عباس يقول والله ما نزل إلا هكذا. وعن جابر ~~روايتان. وعن سعيد بن المسيب عن زيد إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها، كره أن ~~يخلف على أمها. # وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل أقام الموت مقام الدخول في ذلك، ~~كما قام مقامه في باب المهر. وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيبا ~~وربيبة، لأنه يربهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك ~~وإن لم يربهما. فإن قلت ما فائدة قوله في حجوركم؟ قلت فائدته التعليل ~~للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب ~~في حجوركم إذا دخلتم بأمهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة ~~والألفة، وجعل الله بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا ~~أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون ms0394 على بناتكم. وعن ~~علي رضي الله عنه أنه شرط ذلك في التحريم. وبه أخذ داود. فإن قلت ما معنى ~~{ دخلتم بهن }؟ قلت هي كناية عن الجماع، كقولهم بنى عليها وضرب ~~عليها الحجاب يعني أدخلتموهن الستر. والباء للتعدية واللمس. ونحوه يقوم ~~مقام الدخول عند أبي حنيفة. وعن عمر رضي الله عنه أنه خلا بجارية فجردها، ~~فاستوهبها ابن له فقال إنها لا تحل لك. وعن مسروق أنه أمر أن تباع ~~جاريته بعد موته وقال أما إني لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدي من ~~اللمس والنظر. وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو ~~يكشفها أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان إذا دخل ~~بالأم فعراها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر، فلا يحل له نكاح ~~ابنتها. وعن ابن عباس وطاوس وعمرو بن دينار أن التحريم لا يقع إلا ~~بالجماع وحده { الذين من أصلبكم } دون من تبنيتم. 267 وقد ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة ~~بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال عز وجل # لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج ~~أدعيائهم # الأحزاب 37. { وأن تجمعوا } في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي ~~وحرم عليكم الجمع بين الأختين. والمراد حرمة النكاح، لأن التحريم في ~~الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي رضي ~~الله عنهما أنهما قالا أحلتهما آية وحرمتهما آية يعنيان هذه الآية وقوله # أو ما ملكت أيمنكم # النساء 3 فرجح علي التحريم، وعثمان التحليل. { إلا ما قد ~~سلف } ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله { إن الله كان غفورا ~~رحيما }. ### || [4.24-25] # { والمحصنت } القراءة بفتح الصاد. وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ ~~بكسر الصاد. وهن ذوات الأزواج. لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج. فهن ~~محصنات ومحصنات { إلا ما ملكت أيمنكم } يريد ما ملكت ~~أيمانهم من اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة ~~المسلمين وإن كن محصنات. وفي معناه قول الفرزدق ms0395 # وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني ~~بها لم تطلق # { كتب الله عليكم } مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك عليكم ~~كتابا وفرضه فرضا، وهو تحريم ما حرم. فإن قلت علام عطف قوله { ~~وأحل لكم }؟ قلت على الفعل المضمر الذي نصب { كتاب الله } أي كتب ~~الله عليكم تحريم ذلك، وأحل لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني ~~«كتب الله عليكم»، «وأحل لكم». وروى عن اليماني كتب الله عليكم، على ~~الجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم. ومن قرأ «وأحل لكم»، على البناء ~~للمفعول، فقد عطفه على حرمت. { أن تبتغوا } مفعول له بمعنى بين لكم ~~ما يحل مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم { بأمولكم } التي جعل ~~الله لكم قياما في حال كونكم { محصنين غير مسفحين } ~~لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ~~ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. والإحصان العفة وتحصين ~~النفس من الوقوع في الحرام، والأموال المهور وما يخرج في المناكح. فإن ~~قلت أين مفعول تبتغوا؟ قلت يجوز أن يكون مقدرا وهو النساء. والأجود أن ~~لا يقدر، وكأنه قيل أن تخرجوا أموالكم. ويجوز أن يكون { أن تبتغوا } ~~بدلا من { وراء ذلك } والمسافح الزاني، من السفح وهو صب المني. وكان ~~الفاجر يقول للفاجرة سافحيني وماذيني من المذي { فما استمتعتم ~~به منهن } فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو ~~عقد عليهن { فآتوهن أجورهن } عليه، فأسقط الراجع إلى ما لأنه لا يلبس، ~~كقوله # إن ذلك من عزم الأمور # لقمان 17 بإسقاط منه. ويجوز أن تكون ما في معنى النساء، ومن للتبعيض أو ~~البيان، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في به، وعلى المعنى في { ~~فئاتوهن } وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع { فريضة } ~~حال من الأجور بمعنى مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو ~~مصدر مؤكد. أي فرض ذلك فريضة { فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة } فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على ~~مقداره. وقيل ms0396 فيما تراضيا به من مقام أو فراق وقيل نزلت في المتعة التي ~~كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة والسلام ثم ~~نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو أسبوعا ~~بثوب أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها. # سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها. وعن عمر لا أوتى ~~برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أباحها، ثم أصبح يقول 268 # " يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله ~~حرم ذلك إلى يوم القيامة " # ، وقيل أبيح مرتين وحرم مرتين. وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ، ~~وكان يقرأ «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى». ويروى أنه رجع عن ذلك ~~عند موته وقال اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف. ~~الطول الفضل، يقال لفلان على فلان طول أي زيادة وفضل. وقد طاله طولا فهو ~~طائل. قال # لقد زادني حبا لنفسي أنني بغيض إلى كل ~~امرىء غير طائل # ومنه قولهم ما حلا منه بطائل، أي بشيء يعتد به مما له فضل وخطر. ومنه ~~الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان. والمعنى ~~ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة. ~~قال ابن عباس من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح ~~الإماء وهو الظاهر، وعليه مذهب الشافعي رحمه الله. وأما أبو حنيفة رحمه ~~الله فيقول الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية بأن من ~~لم يملك فراش الحرة، على أن النكاح هو الوطء، فله أن ينكح أمة. وفي ~~رواية عن ابن عباس أنه قال ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة ~~واليهودية والنصرانية وإن كان موسرا. وكذلك قوله { من فتيتكم ~~المؤمنت } الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهو مذهب أهل ~~الحجاز. وعند أهل العراق يجوز نكاحها، ونكاح الأمة ms0397 المؤمنة أفضل، فحملوه ~~على الفضل لا على الوجوب، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف ~~الحرائر به، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق، ولكنه أفضل. فإن ~~قلت لم كان نكاح الأمة منحطا عن نكاح الحرة؟ قلت لما فيه من اتباع الولد ~~الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة ~~مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من ~~صفات المؤمنين. وقوله { من فتيتكم } أي من فتيات المسلمين، لا ~~من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين. فإن قلت فما معنى قوله { ~~والله أعلم بإيمنكم }؟ قلت معناه أن الله أعلم بتفاضل ما ~~بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان ~~إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق ~~المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا ~~تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه { بعضكم من بعض } أي أنتم ~~وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان، لا يفضل حر عبدا إلا ~~برجحان فيه { بإذن أهلهن } اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن. # ويحتج به لقول أبي حنيفة أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنه اعتبر ~~إذن الموالي لا عقدهم. { وءاتوهن أجورهن ب المعروف } ~~وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز. فإن قلت ~~الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل ~~وآتوهن؟ قلت لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهن أداء ~~إلى الموالي. أو على أن أصله فآتوا مواليهن، فحذف المضاف { ~~المحصنت } عفائف. والأخدان الأخلاء في السر، كأنه قيل غير ~~مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له { فإذا أحصن } بالتزويج. وقرىء ~~«أحصن» { نصف ما على المحصنت } أي الحرائر { من ~~العذاب } من الحد كقوله # وليشهد عذابهما # النور 2 # ويدرؤا عنها العذاب # النور 8 ولا رجم عليهن، لأن الرجم لا يتنصف { ذلك } إشارة إلى نكاح ~~الإماء { لمن خشى العنت } لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة ~~الشهوة. وأصل العنت انكسار العظم بعد ms0398 الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ~~ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وقيل أريد به الحد، لأنه إذا هويها خشي أن ~~يواقعها فيحد فيتزوجها { وأن تصبروا } في محل الرفع على ~~الابتداء، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين { خير لكم } وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 269 # " الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ". ### || [4.26-28] # { يريد الله ليبين لكم } أصله يريد الله أن يبين لكم ~~فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبين كما زيدت في لا أبالك، لتأكيد إضافة ~~الأب. والمعنى يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل ~~أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق ~~التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم { ويتوب عليكم } ويرشدكم إلى ~~طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيآتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم { ~~والله يريد أن يتوب عليكم } أن تفعلوا ما تستوجبون به أن ~~يتوب عليكم { ويريد } الفجرة { الذين يتبعون الشهوت ~~أن تميلوا ميلا عظيما } وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل ~~أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات. وقيل هم اليهود. وقيل ~~المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما ~~حرمهن الله قالوا فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم ~~حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت، يقول تعالى يريدون أن تكونوا ~~زناة مثلهم يريد الله أن يخفف عنكم إحلال نكاح الأمة ~~وغيره من الرخص { وخلق الإنسن ضعيفا } لا يصبر عن الشهوات ~~وعلى مشاق الطاعات. وعن سعيد بن المسيب ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا ~~أتاهم من قبل النساء، فقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا ~~أعشو بالأخرى. وإن أخوف ما أخاف علي فتنة النساء. وقرىء «أن يميلوا» ~~بالياء. والضمير للذين يتبعون الشهوات. وقرأ ابن عباس «وخلق الإنسان» ~~على البناء للفاعل ونصب الإنسان وعنه رضي الله عنه ثمان آيات في سورة ~~النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت { يريد الله ~~ليبين لكم } ، { والله يريد أن يتوب عليكم } ، { ~~يريد الله أن يخفف ms0399 عنكم } ، # إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه # النساء 31، # إن الله لا يغفر أن يشرك به # النساء 40، # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # النساء 48 # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # النساء 110، # ما يفعل الله بعذابكم # النساء 147. ### || [4.29-30] # { بالبطل } بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب ~~والقمار وعقود الربا { إلا أن تكون تجرة } إلا أن تقع تجارة. ~~وقرىء «تجارة» على إلا أن تكون التجارة تجارة. { عن تراض منكم } ~~والاستثناء منقطع. معناه ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم. أو ولكن ~~كون تجارة عن تراض غير منهى عنه. وقوله عن تراض صفة لتجارة، أي تجارة ~~صادرة عن تراض. وخص التجارة بالذكر. لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. ~~والتراضي رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب ~~والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. وعند الشافعي رحمه الله ~~تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين. { ولا تقتلوا أنفسكم } من ~~كان من جنسكم من المؤمنين. وعن الحسن لا تقتلوا إخوانكم، أو لا يقتل ~~الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. 270 وعن عمرو بن العاص أنه تأوله في ~~التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ~~وسلم. وقرأ علي رضي الله عنه «ولا تقتلوا» بالتشديد { إن الله ~~كان بكم رحيما } ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم. وقيل ~~معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصا ~~لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد رحيما حيث لم يكلفكم تلك التكاليف ~~الصعبة. { ذلك } إشارة إلى القتل، أي ومن يقدم على قتل الأنفس { ~~عدونا وظلما } لا خطأ ولا اقتصاصا. وقرىء «عدوانا» بالكسر. ~~و«نصليه» بتخفيف اللام وتشديدها. و«نصليه» بفتح النون من صلاة يصليه. ~~ومنه شاة مصلية، «ويصليه» بالياء والضمير لله تعالى، أو لذلك، لكونه ~~سببا للصلي { نارا } أي نارا مخصوصة شديدة العذاب { وكان ذلك ~~على الله يسيرا } لأن الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو ~~نحوه. ### || [4.31] # { كبائر ما تنهون عنه } وقرىء «كبير ما تنهون عنه»، ms0400 أي ما ~~كبر من المعاصي التي ينهاكم الله عنها والرسول { نكفر عنكم ~~سيئتكم } نمط ما تستحقونه من العقاب في كل وقت على صغائركم، ~~ونجعلها كأن لم تكن، لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم ~~عنها، على عقاب السيئات. والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر ~~بإضافتهما إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما. والتكفير إماطة ~~المستحق من العقاب بثواب أزيد، أو بتوبة. والإحباط نقيضه، وهو إماطة ~~الثواب المستحق بعقاب أزيد أو بندم على الطاعة. وعن علي رضي الله عنه ~~الكبائر سبع الشرك، والقتل، والقذف، والزنا، وأكل مال اليتيم، والفرار من ~~الزحف، والتعرب بعد الهجرة. وزاد ابن عمر السحر، واستحلال البيت ~~الحرام. وعن ابن عباس أن رجلا قال له الكبائر سبع؟ فقال هي إلى سبعمائة ~~أقرب، لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. وروى إلى ~~سبعين. وقرىء «يكفر»، بالياء. و«مدخلا» بضم الميم وفتحها، بمعنى ~~المكان والمصدر فيهما. ### || [4.32] # { ولا تتمنوا } نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض ~~الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن ~~حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق ~~أو قبض # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا فى الأرض # الشورى 27 فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علما بأن ما قسم له هو ~~مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه { ~~للرجال نصيب مما اكتسبوا } جعل ما قسم لكل من الرجال ~~والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسبا له { ~~واسألوا الله من فضله } ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ~~ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد. وقيل كان الرجال قالوا إن الله ~~فضلنا على النساء في الدنيا لنا سهمان ولهن سهم واحد، فنرجو أن يكون لنا ~~أجران في الآخرة على الأعمال ولهن أجر واحد، فقالت أم سلمة ونسوة معها ~~ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال ms0401 فيكون لنا من الأجر مثل ~~ما لهم. فنزلت. ### || [4.33] # { مما ترك } تبيين لكل، أي ولكل شيء مما ترك { الولدن ~~والاقربون } من المال جعلنا موالي وراثا يلونه ويحرزونه أو ولكل ~~قوم جعلناهم موالي، نصيب مما ترك الولدان والأقربون على أن { جعلنا ~~موالى } صفة لكل، والضمير الراجع إلى كل محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، ~~كما تقول لكل من خلقه الله إنسانا من رزق الله، أي حظ من رزق الله، أو ~~ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك، أي وراثا مما ترك، على أن من صلة موالي، ~~لأنهم في معنى الوراث، وفي ترك ضمير كل، ثم فسر الموالي بقوله { ~~الولدن والأقربون } كأنه قيل منهم هم؟ فقيل الوالدان ~~والأقربون { والذين عقدت أيمنكم } مبتدأ ضمن معنى ~~الشرط. فوقع خبره مع الفاء وهو قوله { فآتوهم نصيبهم } ويجوز أن يكون ~~منصوبا على قولك زيدا فاضربه، ويجوز أن يعطف على الوالدان، ويكون ~~المضمر في فآتوهم للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم موالي الموالاة ~~كان الرجل يعاقد الرجل فيقول دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي ~~حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك. وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل ~~عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه خطب يوم الفتح فقال 271 # " ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة، ~~ولا تحدثوا حلفا في الإسلام " # وعند أبي حنيفة لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا ~~صح عنده وورث بحق الموالاة خلافا للشافعي. وقيل المعاقدة التبني. ومعنى ~~عاقدت أيمانكم عاقدتهم أيديكم وما سحتموهم. وقرىء «عقدت» بالتشديد ~~والتخفيف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم. ### || [4.34] # { قوامون على النساء } يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم ~~الولاة على الرعايا. وسموا قواما لذلك. والضمير في { بعضهم } ~~للرجال والنساء جميعا، يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله ~~بعضهم وهم الرجال، على بعض وهم النساء. وفيه دليل على أن الولاية إنما ~~تستحق بالفضل، لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وقد ذكروا في فضل الرجال ~~العقل، والحزم، ms0402 والعزم، والقوة، والكتابة في الغالب، والفروسية، ~~والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى، ~~والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، وتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، ~~والشهادة في الحدود، والقصاص، وزيادة السهم، والتعصيب في الميراث، ~~والحمالة، والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة، وعدد الأزواج، ~~وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم { وبما أنفقوا } وبسبب ~~ما أخرجوا في نكاحهن من أموالهم في المهور والنفقات. وروى 272 أن سعد ~~بن الربيع وكان نقيبا من نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد ~~بن أبي زهير. فلطمها. فانطلق بها أبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال أفرشته كريمتي فلطمها فقال { لتقتص منه } فنزلت، فقال صلى الله ~~عليه وسلم أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير، ورفع ~~القصاص. واختلف في ذلك، فقيل لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ~~ولو شجها، ولكن يجب العقل. وقيل لا قصاص إلا في الجرح والقتل. وأما ~~اللطمة ونحوها فلا { قنتت } مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج { ~~حفظت للغيب } الغيب خلاف الشهادة. أي حافظات لمواجب الغيب ~~إذا كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظهن ما يجب عليهن حفظه في حال ~~الغيبة. من الفروج والبيوت والأموال. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 273 # " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت ~~عنها حفظتك في مالها ونفسها " # ، وتلا الآية وقيل { للغيب } لأسرارهم { بما حفظ الله } بما ~~حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج في كتابه وأمر رسوله عليه الصلاة ~~والسلام فقال 274 # " استوصوا بالنساء خيرا " # أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب، أو بما حفظهن حين ~~وعدهن الثواب العظيم على حفظ الغيب، وأوعدهن بالعذاب الشديد على ~~الخيانة. وما مصدرية. وقرىء «بما حفظ الله» بالنصب على أن ما موصولة، ~~أي حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانة الله، وهو التعفف ~~والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم. وقرأ ابن مسعود «فالصوالح ~~قوانت حوافظ للغيب بما حفظ الله فأصلحوا إليهن». نشوزها ونشوصها أن تعصي ~~زوجها، ولا تطمئن إليه وأصله ms0403 الانزعاج { فى المضاجع } في المراقد. ~~أي لا تدخلوهن تحت اللحد أو هي كناية عن الجماع. # وقيل هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل في المضاجع في بيوتهن التي يبتن ~~فيها. أي لا تبايتوهن. وقرىء «في المضجع»، و«في المضطجع». وذلك لتعرف ~~أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز أمر بوعظهن أولا، ثم هجرانهن في ~~المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران. وقيل معناه أكرهوهن ~~على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار. وهذا من تفسير ~~الثقلاء. وقالوا يجب أن يكون ضربا غير مبرح لا يجرحها ولا يكسر لها ~~عظما ويجتنب الوجه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 275 # " علق سوطك حيث يراه أهلك " # وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما كنت رابعة أربع نسوة عند ~~الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره ~~عليها. ويروى عن الزبير أبيات منها # ولولا بنوها حولها لخبطتها # { فلا تبغوا عليهن سبيلا } فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى ~~والتوبيخ والتجني، وتوبوا عليهن واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد ~~رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز { إن الله كان عليا ~~كبيرا } فاحذروه واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت ~~أيديكم. ويروى 276 أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاما له، فبصر ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصاح به # " أبا مسعود، لله أقدر عليك منك عليه " # فرمى بالسوط وأعتق الغلام. أو إن الله كان عليا كبيرا وإنكم تعصونه ~~على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو ~~عمن يجني عليكم إذا رجع. ### || [4.35] # { شقاق بينهما } أصله شقاقا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف ~~على طريق الإتساع، كقوله # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33 وأصله بل مكر في الليل والنهار. أو على أن جعل البين مشاقا ~~والليل والنهار ماكرين، على قولهم نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ~~ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء { حكما من ~~أهله } رجلا مقنعا رضيا يصلح لحكومة العدل ms0404 والإصلاح بينهما، وإنما ~~كان بعث الحكمين من أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب ~~للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، ويبرز إليهم ما في ضمائرهما من ~~الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته وما يزويانه ~~عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه. فإن قلت فهل يليان الجمع بينهما ~~والتفريق إن رأيا ذلك؟ قلت قد اختلف فيه، فقيل ليس إليهما ذلك إلا بإذن ~~الزوجين. وقيل ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما ~~يقتضيه اجتهادهما. وعن عبيدة السلماني شهدت عليا رضي الله عنه وقد جاءته ~~امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء ~~حكما. فقال علي رضي الله عنه للحكمين أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن ~~رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقال الزوج أما ~~الفرقة فلا. فقال علي كذب والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك. ~~فقالت المرأة رضيت بكتاب الله لي وعلي. وعن الحسن يجمعان ولا يفرقان. ~~وعن الشعبي ما قضى الحكمان جاز. والألف في { إن يريدا إصلحا } ~~للحكمين. وفي { يوفق الله بينهما } للزوجين أي إن قصدا إصلاح ~~ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله، بورك في ~~وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق ~~والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة. وقيل الضميران للحكمين، أي ~~إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق الله بينهما، فيتفقان على ~~الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. ~~وقيل الضميران للزوجين. أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن ~~يزول عنهما الشقاق يطرح الله بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقا ~~وبالبغضاء مودة. { إن الله كان عليما خبيرا } يعلم كيف ~~يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين # لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم # الأنفال 63. ### || [4.36] # { وبالولدين إحسنا } وأحسنوا بهما إحسانا { وبذى ~~القربى } وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما { ~~والجار ذى ms0405 القربى } الذي قرب جواره { والجار الجنب } ~~الذي جواره بعيد. وقيل الجار القريب النسيب، والجار الجنب الأجنبي. وأنشد ~~لبلعاء بن قيس # لا يجتوينا مجاور أبدا ذو رحم أو مجاور جنب # وقرىء «والجار ذا القربى»، نصبا على الاختصاص. كما قرىء # حافظوا على الصلوت والصلوة الوسطى # البقرة 238 تنبيها على عظم حقه لإدلائه بحق الجوار والقربى { ~~والصحب بالجنب } هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك، إما رفيقا في ~~سفر، وإما جارا ملاصقا، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة. وإما قاعدا ~~إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. ~~فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل ~~الصاحب بالجنب المرأة { وابن السبيل } المسافر المنقطع به، وقيل ~~الضيف، والمختال التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ~~ومماليكه، فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم. وقرىء «والجار الجنب»، بفتح ~~الجيم وسكون النون. ### || [4.37] # { الذين يبخلون } بدل من قوله { من كان مختالا فخورا ~~} أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعا عليه، وأن يكون مبتدأ خبره ~~محذوف، كأنه قيل الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون، أحقاء بكل ملامة. وقرىء ~~«بالبخل» بضم الباء وفتحها. وبفتحتين. وبضمتين أي يبخلون بذات أيديهم، ~~وبما في أيدي غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد. وفي ~~أمثال العرب أبخل من الضنين بنائل غيره. قال # وإن امرءا ضنت يداه على امرىء بنيل يد من ~~غيره لبخيل # ولقد رأينا ممن بلي بداء البخل، من إذا طرق سمعه أن أحدا جاد على أحد. ~~شخص به وحل حبوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله وكسرت ~~خزانته، ضجرا من ذلك وحسرة على وجوده. وقيل هم اليهود، كانوا يأتون ~~رجالا من الأنصار يتنصحون لهم ويقولون لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى ~~عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وقد عابهم الله بكتمان نعمة الله وما ~~آتاهم من فضل الغنى والتفاقر إلى الناس. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~277 # " إذا أنعم الله على عبد نعمة أحب أن ترى ms0406 نعمته على عبده " # وبنى عامل للرشيد قصرا حذاء قصره، فنم به عنده. فقال الرجل يا أمير ~~المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى ~~آثار نعمتك، فأعجبه كلامه. وقيل نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ### || [4.38-39] # { رئآء الناس } للفخار، وليقال ما أسخاهم وما أجودهم! لا ابتغاء ~~وجه الله. وقيل نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { فساء قرينا } حيث حملهم على البخل والرياء وكل ~~شر. ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار { وماذا ~~عليهم } وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، ~~والمراد الذم والتوبيخ. وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك. وهذا كما يقال ~~للمنتقم ما ضرك لو عفوت. وللعاق ما كان يرزؤك لو كنت بارا. وقد علم أنه ~~لا مضرة ولا مرزأة في العفو والبر. ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة ~~{ وكان الله بهم عليما } وعيد. ### || [4.40-42] # الذرة النملة الصغيرة. وفي قراءة عبد الله «مثقال نملة»، وعن ابن عباس ~~أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال كل واحدة من هؤلاء ذرة. ~~وقيل كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة. وفيه دليل على أنه لو نقص من ~~الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب لكان ظلما، وأنه لا يفعله ~~لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة { وإن تك حسنة } وإن ~~يكن مثقال ذرة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافا إلى مؤنث. ~~وقرىء - بالرفع - على كان التامة { يضعفها } يضاعف ثوابها ~~لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية. ~~وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة 278 بلغني عنك أنك تقول سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة " # قال أبو هريرة لا، بل سمعته يقول إن الله تعالى يعطيه ألفي ألف حسنة ثم ~~تلا هذه الآية. ms0407 والمراد الكثرة لا التحديد { ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما } ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيما ~~وسماه أجرا لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته. وقرىء «يضعفها» ~~بالتشديد والتخفيف، من أضعف وضعف وقرأ ابن هرمز «نضاعفها» بالنون { ~~فكيف } يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم { إذا جئنا من كل ~~أمة بشهيد } يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # المائدة 117. { وجئنا بك على هؤلاء } المكذبين { شهيدا ~~} وعن ابن مسعود 279 أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى بلغ قوله { وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } فبكى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «حسبنا» { لو تسوى بهم ~~الارض } لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. وقيل يودون ~~أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء وقيل تصير البهائم ترابا، ~~فيودون حالها { ولا يكتمون الله حديثا } ولا يقدرون على ~~كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقيل الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا ~~تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثا. ولا يكذبون في قولهم # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23، لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم ~~عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة ~~الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض وقرىء «تسوى»، بحذف التاء من ~~تتسوى. يقال سويته فتسوى نحو لويته فتلوى. وتسوى بإدغام التاء في السين، ~~كقوله # يسمعون # الصافات 8، وماضيه أسوى كأزكى. ### || [4.43] # روي 280 أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ~~ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ أعبد ما تعبدون، ~~وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا ~~صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون. ~~ثم نزل تحريمها. ومعنى { لا تقربوا الصلوة } لا تغشوها ولا ~~تقوموا إليها واجتنبوها. كقوله # ولا تقربوا الزنا ms0408 # الإسراء 32، # لا تقربوا الفوحش # الأنعام 51، وقيل معناه ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، لقوله عليه ~~الصلاة والسلام 281 # " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " # ، وقيل هو سكر النعاس وغلبة النوم، كقوله # ............ ورانوا بسكر سناتهم كل الريون # وقرىء «سكارى»، بفتح السين، «وسكرى»، على أن يكون جمعا، نحو هلكى، ~~وجوعى، لأن السكر علة تلحق العقل. أو مفردا بمعنى وأنتم جماعة سكرى، ~~كقولك امرأة سكرى، وسكرى بضم السين كحبلى. على أن تكون صفة للجماعة. وحكى ~~جناح بن حبيش كسلى وكسلى، بالفتح والضم { ولا جنبا } عطف على قوله { ~~وأنتم سكرى } لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال، كأنه ~~قيل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا. والجنب يستوي فيه الواحد والجمع ~~والمذكر والمؤنث، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب { إلا ~~عابرى سبيل } استثناء من عامة أحوال المخاطبين. وانتصابه على ~~الحال. فإن قلت كيف جمع بين هذه الحال والحال التي قبلها؟ قلت كأنه قيل ~~لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي ~~حال السفر. وعبور السبيل عبارة عنه. ويجوز أن لا يكون حالا ولكن صفة، ~~لقوله جنبا أي ولا تقربوا الصلاة جنبا غير عابري سبيل، أي جنبا مقيمين ~~غير معذورين، فإن قلت كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ قلت أريد ~~بالجنب الذين لم يغتسلوا كأنه قيل لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين. حتى ~~تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين. وقال من فسر الصلاة بالمسجد معناه لا ~~تقربوا المسجد جنبا إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو ~~كان الماء فيه أو احتلمتم فيه. وقيل إن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم ~~في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرا إلا في المسجد، فرخص لهم. ~~وروي 282 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يجلس في ~~المسجد أو يمر فيه وهو جنب إلا لعلي رضي الله عنه. لأن بيته كان في ~~المسجد فإن قلت أدخل في حكم الشرط أربعة وهم المرضى، والمسافرون، ~~والمحدثون، وأهل الجنابة فيمن تعلق الجزاء الذي ms0409 هو الأمر بالتيمم عند عدم ~~الماء منهم. # قلت الظاهر أنه تعلق بهم جميعا وأن المرضى إذا عدموا الماء لضعف ~~حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتيمموا. وكذلك السفر إذا عدموه. ~~لبعده. والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. وقال ~~الزجاج الصعيد وجه الأرض، ترابا كان أو غيره. وإن كان صخرا لا تراب ~~عليه لو ضرب المتيمم يده عليه ومسح. لكان ذلك طهوره. وهو مذهب أبي حنيفة ~~رحمة الله عليه. فإن قلت فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة # فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه # المائدة 6 أي بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت ~~قالوا إن من لابتداء الغاية. فإن قلت قولهم إنها لابتداء الغاية قول ~~متعسف. ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسه من الدهن ومن ~~الماء ومن التراب، إلا معنى التبعيض. قلت هو كما تقول. والإذعان للحق أحق ~~من المراء { إن الله كان عفوا غفورا } كناية عن الترخيص ~~والتيسير. لأن من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم، آثر أن ~~يكون ميسرا غير معسر. فإن قلت كيف نظم في سلك واحد بين المرضى ~~والمسافرين، وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب ~~الرخصة، والحدث سبب لوجوب الوضوء. والجنابة سبب لوجوب الغسل؟ قلت أراد ~~سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون الماء في التيمم ~~بالتراب، فخص أول من بينهم مرضاهم وسفرهم، لأنهم المتقدمون في استحقاق ~~بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة ~~للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو ~~عدم آلة استسقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة ~~المرض والسفر. وقرىء «من غيط»، قيل هو تخفيف غيط، كهين في هين، والغيط ~~بمعنى الغائط. ### || [4.44-45] # { ألم تر } من رؤية القلب، وعدى بإلى، على معنى ألم ينته علمك ~~إليهم؟ أو بمعنى ألم تنظر إليهم؟ { أوتوا نصيبا من الكتب } ~~حظا من علم ms0410 التوراة، وهم أحبار اليهود { يشترون الضللة } ~~يستبدلونها بالهدى وهو البقاء على اليهودية. بعد وضوح الآيات لهم على صحة ~~نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هو النبي العربي المبشر به في ~~التوراة والإنجيل { ويريدون أن تضلوا } أنتم أيها المؤمنون ~~سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن ~~يضل معهم غيرهم. وقرىء «أن يضلوا»، بالياء بفتح الضاد وكسرها { والله ~~أعلم } منكم { بأعدائكم } وقد أخبركم بعداوة هؤلاء، وأطلعكم ~~على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم ولا تستنصحوهم في أموركم ولا ~~تستشيروهم { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ~~فثقوا بولايته ونصرته دونهم. أو لا تبالوا بهم، فإن الله ينصركم عليهم ~~ويكفيكم مكرهم. ### || [4.46] # { من الذين هادوا } بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب لأنهم ~~يهود ونصارى. وقوله { والله أعلم } ، { وكفى بالله } ، { ~~وكفى بالله } جمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض أو ~~بيان لأعدائكم، وما بينهما اعتراض أو صلة لنصيرا، أي ينصركم من الذين ~~هادوا، كقوله # ونصرنه من القوم الذين كذبوا # الأنبياء 77 ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، على أن { يحرفون } صفة ~~مبتدأ محذوف تقديره من الذين هادوا قوم يحرفون. كقوله # وما الدهر إلا تارتان فمنهما أموت وأخرى ~~أبتغي العيش أكدح # أي فمنهما تارة أموت فيها { يحرفون الكلم عن موضعه } ~~يميلونه عنها ويزيلونه لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد ~~أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها، وأزالوه عنها، وذلك نحو تحريفهم ~~أسمر ربعة عن موضعه في التوراة بوضعهم آدم طوال مكانه، ونحو تحريفهم ~~الرجم بوضعهم الحد بدله فإن قلت كيف قيل ههنا عن مواضعه وفي المائدة # من بعد مواضعه # المائدة 41 قلت أما عن مواضعه فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي ~~أوجبت حكمة الله وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأما ~~{ من بعد مواضعه } فالمعنى أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين ~~حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقاره، والمعنيان ~~متقاربان. وقرىء «يحرفون الكلام». والكلم بكسر ms0411 الكاف وسكون اللام ~~جمع كلمة تخفيف كلمة. قولهم { غير مسمع } حال من المخاطب، أي اسمع ~~وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذم أي اسمع منا مدعوا عليك ~~ بلا سمعت لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع. ~~قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم لا سمعت دعوة مستجابة أو اسمع ~~غير مجاب إلى ما تدعو إليه. ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك، فكأنك لم ~~تسمع شيئا. أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، فسمعك عنه ناب. ويجوز على ~~هذا أن يكون غير مسمع مفعول اسمع، أي اسمع كلاما غير مسمع إياك، لأن ~~أذنك لا تعيه نبوا عنه. ويحتمل المدح، أي اسمع غير مسمع مكروها، من ~~قولك أسمع فلان فلانا إذا سبه. وكذلك قولهم { رعنا } يحتمل راعنا ~~نكلمك، أي ارقبنا وانتظرنا. ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا ~~يتسابون بها، وهي راعينا، فكانوا سخرية بالدين وهزؤا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة ~~ويظهرون به التوقير والإكرام { ليا بألسنتهم } فتلا بها ~~وتحريفا، أي يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل، حيث يضعون راعنا موضع ~~انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروها. # أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير ~~نفاقا. فإن قلت كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا ~~وقالوا سمعنا وعصينا؟ قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان. ~~ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء. ويجوز أن يقولوه فيما بينهم. ويجوز أن ~~لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. وقرأ أبي ~~«وأنظرنا»، من الإنظار وهو الإمهال. فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله { ~~لكان خيرا لهم } قلت إلى أنهم قالوا لأن المعنى. ولو ثبت قولهم ~~سمعنا وأطعنا. لكان قولهم ذلك خيرا لهم { وأقوم } وأعدل وأسد { ~~ولكن لعنهم الله بكفرهم } أي خذلهم بسبب كفرهم، ~~وأبعدهم عن ألطافه { فلا يؤمنون إلا } إيمانا { قليلا } أي ~~ضعيفا ركيكا لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو ~~أراد ms0412 بالقلة العدم، كقوله # قليل التشكي للمهم يصيبه # أي عديم التشكي، أو إلا قليلا منهم قد آمنوا. ### || [4.47] # { أن نطمس وجوها } أي نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم ~~{ فنردها على أدبرها } فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي ~~الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم ~~توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها فالمعنى ~~أن نطمس وجوها فننكسها، الوجوه إلى خلف، والأقفاء إلى قدام. ووجه آخر ~~وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة. ~~وبالوجوه، رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم ~~إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم أو نردهم إلى حيث جاؤا منه. ~~وهي أذرعات الشام، يريد إجلاء بني النضير. فإن قلت لمن الراجع في قوله أو ~~نلعنهم؟ قلت للوجوه إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه. لأن المعنى من ~~قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات ~~{ أو نلعنهم } أو نجزيهم بالمسخ، كما مسخنا أصحاب السبت. فإن قلت ~~فأين وقوع الوعيد. قلت هو مشروط بالإيمان. وقد آمن منهم ناس. وقيل هو ~~منتظر، ولا بد من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة، ولأن الله عز وجل ~~أوعدهم بأحد الأمرين، بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم فإن الطمس تبديل أحوال ~~رؤسائهم، أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين وإن كان غيره فقد ~~حصل اللعن. فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ ~~ألا ترى إلى قوله تعالى # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير # المائدة 60 { وكان أمر الله مفعولا } فلا بد أن يقع أحد ~~الأمرين إن لم يؤمنوا. ### || [4.48] # فإن قلت قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ~~ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قول الله تعالى { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء }؟ قلت الوجه ms0413 أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين ~~إلى قوله تعالى { لمن يشاء } كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء ~~الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب، ~~وبالثاني من تاب. ونظيره قولك إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار ~~لمن يشاء. تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن ~~يستأهله { فقد افترى إثما } أي ارتكبه وهو مفتر مفتعل ما لا ~~يصح كونه. ### || [4.49-50] # { الذين يزكون أنفسهم } اليهود والنصارى، قالوا نحن أبناء ~~الله وأحباؤه، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. وقيل 283 ~~جاء رجال من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطفالهم فقالوا هل ~~على هؤلاء ذنب؟ قال لا. قالوا والله ما نحن إلا كهيئتهم، ما عملناه ~~بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار. فنزلت. ~~ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى ~~والزلفى عند الله. فإن قلت أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 284 # " والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض " # ؟ قلت إنما قال ذلك حين قال له المنافقون اعدل في القسمة، إكذابا لهم ~~إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان من شهد الله له بالتزكية، ومن شهد ~~لنفسه أو شهد له من لا يعلم { بل الله يزكى من يشاء } إعلام ~~بأن تزكية الله هي التي يعتد بها. لا تزكية غيره لأنه هو العالم بمن هو ~~أهل للتزكية. ومعنى يزكي من يشاء يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم ~~الزكاء فوصفهم به { ولا يظلمون فتيلا } أي الذين يزكون أنفسهم ~~يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم. أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ~~ينقص من ثوابهم. ونحوه # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # النجم 32 { كيف يفترون على الله الكذب } في زعمهم أنهم ~~عند الله أزكياء { وكفى } بزعمهم هذا { إثما مبينا } من بين ~~سائر آثامهم. ### || [4.51-52] # الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله ms0414 والطاغوت الشيطان. وذلك أن حيي ~~بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود ~~يحالفون قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا أنتم ~~أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا ~~لآلهتنا حتى نطئمن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم { بالجبت ~~والطغوت } لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا. وقال ~~أبو سفيان أنحن أهدى سبيلا أم محمد. فقال كعب ماذا يقول محمد؟ قالوا ~~يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك. قال وما دينكم؟ قالوا نحن ولاة ~~البيت، ونسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال ~~أنتم أهدى سبيلا. ### || [4.53-55] # وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شر خصلتين يمنعون ما أوتوا من النعمة ~~ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال { أم لهم نصيب من ~~الملك } على أن أم منقطعة ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من ~~الملك ثم قال { فإذا لا يؤتون } أي لو كان لهم نصيب من الملك ~~فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير لفرط بخلهم والنقير النقرة في ظهر ~~النواة وهو مثل في القلة، كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك إما ملك أهل ~~الدنيا. وإما ملك الله كقوله تعالى # قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق # الإسراء 100 وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن. ويجوز ~~أن يكون معنى الهمزة في أم لإنكار أنهم قد أوتوا نصيبا من الملك، وكانوا ~~أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك. وأنهم لا يؤتون ~~أحدا مما يملكون شيئا. وقرأ ابن مسعود «فإذا لا يؤتوا»، على إعمال إذا ~~عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل فلا يؤتون ~~الناس نقيرا إذا { أم يحسدون الناس } بل أيحسدون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه. وكانوا ~~يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العز والتقدم كل ~~يوم { فقد ءاتينا } إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب ~~والحكمة { ءال إبرهيم } الذين ms0415 هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه. وعن ابن عباس الملك في ~~آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان. وقيل استكثروا نساءه فقيل لهم كيف ~~استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة ~~سرية؟ { فمنهم } فمن اليهود { من ءامن به } أي بما ذكر من ~~حديث آل إبراهيم { ومنهم من صد عنه } وأنكره مع علمه بصحته. ~~أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أنكر ~~نبوته. أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر، كقوله # فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون # الحديد 26. ### || [4.56] # { بدلنهم جلودا غيرها } أبدلناهم إياها. فإن قلت كيف ~~تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟ قلت العذاب للجملة الحساسة، وهي ~~التي عصت لا للجلد. وعن فضيل يجعل النضيج غير نضيج. وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 285 # " تبدل جلودهم كل يوم سبع مرات " # ، وعن الحسن سبعين مرة يبدلون جلودا بيضاء كالقراطيس { ليذوقوا ~~العذاب } ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع. كقولك للعزيز أعزك الله، أي ~~أدامك على عزك وزادك فيه { عزيزا } لا يمتنع عليه شيء مما يريده ~~بالمجرمين { حكيما } لا يعذب إلا بعدل من يستحقه. ### || [4.57-58] # { ظليلا } صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه. كما يقال ليل أليل. ~~ويوم أيوم، وما أشبه ذلك. وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائما لا ~~تنسخه الشمس، وسجسجا لا حر فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة. رزقنا ~~الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل. وفي قراءة عبد الله ~~«سيدخلهم» بالياء { أن تؤدا الأمنت } الخطاب عام لكل أحد في كل ~~أمانة. وقيل نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة. وذلك ~~286 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان ~~باب الكعبة وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال لو علمت أنه ~~رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب ms0416 رضي الله عنه يده. وأخذه منه ~~وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين. فلما خرج سأله ~~العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة. فنزلت، فأمر عليا ~~أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعلي أكرهت وآذيت ثم جئت ~~ترفق؟ فقال لقد أنزل الله في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فهبط جبريل وأخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبدا. وقيل هو ~~خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل. وقرىء «الأمانة»، على التوحيد ~~{ نعما يعظكم به } ما إما أن تكون منصوبة موصوفة بيعظكم به، ~~وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل نعم شيئا يعظكم به. أو نعم ~~الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعما يعظكم به ذاك، وهو ~~المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وقرىء «نعما» بفتح النون. ### || [4.59] # لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس ~~بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق ~~لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ~~ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء ~~الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن ~~أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون ~~أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وعن أبي حازم أن ~~مسلمة بن عبد الملك قال له ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله { وأولى ~~الامر منكم } قال أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله { ~~فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول } ~~وقيل هم أمراء السرايا وعن النبي صلى الله عليه وسلم 287 # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد ~~أطاعني ومن يعص أميري فقد عصاني " # ، وقيل هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف ~~وينهونهم عن المنكر. { فإن ms0417 تنازعتم فى شىء } فإن اختلفتم ~~أنتم وأولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فردوه إلى الله ورسوله، ~~أي ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح ~~الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولا ~~بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخرا بالرجوع إلى الكتاب والسنة ~~فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون ~~شيئا إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم ~~منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم ~~اللصوص المتغلبة { ذلك } إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنة { خيرا ~~} لكم وأصلح { وأحسن تأويلا } وأحسن عاقبة. وقيل أحسن تأويلا ~~من تأويلكم أنتم. ### || [4.60-63] # روي 288 أن بشرا المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال تعال ~~نتحاكم إلى عمر بن الخطاب. فقال اليهودي لعمر قضى لنا رسول الله فلم يرض ~~بقضائه. فقال للمنافق أكذلك؟ قال نعم. فقال عمر مكانكما حتى أخرج إليكما ~~فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال ~~هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت. وقال جبريل إن عمر فرق ~~بين الحق والباطل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنت الفاروق». ~~والطاغوت كعب بن الأشرف، سماه الله طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه. ~~أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحاكم ~~إليه تحاكما إلى الشيطان، بدليل قوله { وقد أمروا أن ~~يكفروا به ويريد الشيطن أن يضلهم }. وقرىء { ~~بما أنزل... وما أنزل } على البناء للفاعل. وقرأ عباس بن الفضل ~~«أن يكفروا بها»، ذهابا بالطاغوت إلى الجمع، كقوله # أولياؤهم الطغوت يخرجونهم # البقرة 257 ms0418 وقرأ الحسن «تعالوا» بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت ~~تخفيفا، كما قالوا ما باليت به بالة، وأصلها بالية كعافية، وكما قال ~~الكسائي في آية إن أصلها آيية فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو ~~الجمع بعد اللام من تعال فضمت، فصار تعالوا، نحو تقدموا. ومنه قول أهل ~~مكة تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني # تعالي أقاسمك الهموم تعالي # والوجه فتح اللام { فكيف } يكون حالهم، وكيف يصنعون؟ يعني أنهم ~~يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمرا ولا يوردونه { إذا أصبتهم ~~مصيبة بما قدمت أيديهم } من التحاكم إلى غيرك واتهامهم ~~لك في الحكم { ثم جاؤك } حين يصابون فيعتذرون إليك { يحلفون } ~~ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك { إلا إحسانا } لا إساءة { ~~وتوفيقا } بين الخصمين، ولم يرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، ففرج ~~عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم ~~الندم. ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس الله. وقيل جاء أولياء ~~المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره الله فقالوا ما أردنا بالتحاكم إلى عمر ~~إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ~~ببالنا أنه يحكم له بما حكم به { فأعرض عنهم } لا تعاقبهم ~~لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه { ~~وقل لهم فى أنفسهم قولا بليغا } بالغ في وعظهم ~~بالتخفيف والإنذار. # فإن قلت بم تعلق قوله { فى أنفسهم }؟ قلت بقوله بليغا أي قل لهم ~~قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون ~~منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق ~~وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند الله، ~~وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان ~~وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا ~~السيف. أو يتعلق بقوله { قل لهم } أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة ~~وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وأن الله يعلم ما في ms0419 قلوبكم ~~لا يخفي عليه فلا يغني عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم ~~وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من ~~انتقامه، وشرا من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم - خاليا بهم، ليس ~~معهم غيرهم، مسارا لهم بالنصيحة، لأنه في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل ~~{ قولا بليغا } يبلغ منهم ويؤثر فيهم. ### || [4.64-65] # { وما أرسلنا من رسول } وما أرسلنا رسولا قط { إلا ~~ليطاع بإذن الله } بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر المبعوث ~~إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته ~~معصية الله،ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ويجوز أن ~~يراد بتيسير الله وتوفيقه في طاعته { ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم } بالتحاكم إلى الطاغوت { جاؤك } تائبين من النفاق متنصلين ~~عما ارتكبوا { فاستغفروا الله } من ذلك بالإخلاص، وبالغوا في ~~الاعتذار إليك من إيذائك برد قضائك، حتى انتصبت شفيعا لهم إلى الله ~~ومستغفرا { لوجدوا الله توابا } لعلموه توابا، أي لتاب ~~عليهم. ولم يقل. واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما ~~لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره، وتنبيها على أن ~~شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان { فلا وربك } معناه فوربك ~~كقوله تعالى # فوربك لنسئلنهم # الحجر 92 ولا مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في # لئلا يعلم # الحديد 29 لتأكيد وجود العلم. و { لا يؤمنون } جواب القسم فإن قلت ~~هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر لا في لا يؤمنون؟ قلت يأبى ذلك استواء النفي ~~والإثبات فيه، وذلك قوله # فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه ~~لقول رسول كريم # التكوير 19 { فيما شجر بينهم } فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه ~~الشجر لتداخل أغصانه { حرجا } ضيقا، أي لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل ~~شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين { ويسلموا } ~~وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك سلم ~~الأمر لله وأسلم له، وحقيقة سلم نفسه وأسلمها، إذا جعلها سالمة له خالصة، ~~و { تسليما } تأكيد ms0420 للفعل بمنزلة تكريره. كأنه قيل وينقادوا لحكمه ~~انقيادا لا شبهة فيه، بظاهرهم وباطنهم. قيل نزلت في شأن المنافق ~~واليهودي. وقيل 289 في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة. كانا يسقيان بها ~~النخل، فقال «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب حاطب وقال لأن ~~كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال «اسق يا ~~زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك، ثم أرسله إلى جارك» ~~كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على ~~المقداد، فقال لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري قضى لابن عمته، ولوى شدقه. ~~ففطن يهودي كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول الله ~~ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وايم الله، لقد أذنبنا ذنبا مرة في ~~حياة موسى، فدعانا إلى التوبة منه وقال اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ ~~قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا. # فقال ثابت بن قيس بن شماس أما والله إن الله ليعلم مني الصدق، لو أمرني ~~محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروى أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ~~ياسر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال ~~الرواسي " # وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال والله لو أمرنا ربنا ~~لفعلنا، والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطب، ~~ونزلت في شأن هؤلاء. ### || [4.66-68] # { ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم } أي ~~لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو ~~خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل { ما فعلوه إلا } ~~ناس { قليل منهم } وهذا توبيخ عظيم. والرفع على البدل من الواو ms0421 في ~~فعلوه. وقرىء «إلا قليلا»، بالنصب على أصل الاستثناء، أو على إلا فعلا ~~قليلا { ما يوعظون به } من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وطاعته. والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق ~~عن الهوى { لكان خيرا لهم } في عاجلهم وآجلهم { وأشد ~~تثبيتا } لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه { وإذا } جواب لسؤال ~~مقدر، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت، فقيل وإذا لو ثبتوا { ~~لاتينهم } لأن إذا جواب وجزاء { من لدنا أجرا ~~عظيما } كقوله # ويؤت من لدنه أجرا عظيما # النساء 40 في أن المراد العطاء المتفضل به من عنده وتسميته أجرا، لأنه ~~تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته { ولهدينهم } وللطفنا بهم ~~ووفقناهم لازدياد الخيرات. ### || [4.69-70] # الصديقون أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم كأبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه وصدقوا في أقوالهم وأفعالهم. وهذا ترغيب للمؤمنين في ~~الطاعة، حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده { ~~وحسن أولئك رفيقا } فيه معنى التعجب كأنه قيل وماأحسن أولئك ~~رفيقا لاستقلاله بمعنى التعجب. قرىء «وحسن»، بسكون السين. يقول المتعجب ~~حسن الوجه وجهك ~~ ~~! وحسن الوجه وجهك، بالفتح والضم مع التسكين. والرفيق ~~كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفردا، بين ~~به الجنس في باب التمييز. وروي 290 أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، ~~فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه فسأله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن حاله، فقال يا رسول الله، ما بي من وجع غير أني ~~إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، ~~فخفت أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة ~~كنت في منزل دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا، فنزلت، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب ms0422 إليه من نفسه وأبويه وأهله ~~وولده والناس أجمعين " # وحكى ذلك عن جماعة من الصحابة { ذلك } مبتدأ و { الفضل } صفته و ~~{ من الله } الخبر، ويجوز أن يكون ذلك مبتدأ، والفضل من الله خبره، ~~والمعنى أن ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من ~~الله لأنه تفضل به عليهم تبعا لثوابهم { وكفى بالله عليما } ~~بجزاء من أطاعه أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله، لأنهم ~~اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه وكفى بالله عليما بعباده فهو يوفقهم على حسب ~~أحوالهم. ### || [4.71] # { خذوا حذركم } الحذر والحذر بمعنى، كالإثر والأثر، يقال ~~أخذ حذره، إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها ~~نفسه ويعصم بها روحه. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من ~~أنفسكم { فانفروا } إذا نفرتم إلى العدو. إما { ثبات } جماعات ~~متفرقة سرية بعد سرية، وإما { جميعا } أي مجتمعين كوكبة واحدة، ولا ~~تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. وقرىء «فانفروا» بضم الفاء. ### || [4.72-73] # اللام في لمن للابتداء بمنزلتها في قوله # إن الله لغفور # النحل 18 وفي { ليبطئن } جواب قسم محذوف تقديره وإن منكم لمن ~~أقسم بالله ليبطئن، والقسم وجوابه صلة من، والضمير الراجع منها إليه ما ~~استكن في { ليبطئن } والخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمبطئون منهم المنافقون لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقا. ومعنى ليبطئن ~~ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد وبطأ بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم، إذا أبطأ، ~~وقرىء «ليبطئن» بالتخفيف يقال بطأ علي فلان وأبطأ علي وبطؤ نحو ثقل، ~~ويقال ما بطأ بك، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولا من بطؤ، نحو؟ ثقل ~~من ثقل، فيراد ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد ~~الله بن أبي، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد { فإن أصبتكم ~~مصيبة } من قتل أو هزيمة { فضل من الله } من فتح أو غنيمة { ~~ليقولن } وقرأ الحسن «ليقولون» بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى ~~من لأن قوله لمن ليبطئن في معنى الجماعة، وقوله { كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة } اعتراض بين الفعل ms0423 الذي هو ليقولن وبين ~~مفعوله وهو { يليتنى } والمعنى كأن لم تتقدم له معكم موادة، لأن ~~المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون ~~لهم الغوائل في الباطن، والظاهر أنه تهكم لأنهم كانوا أعدى عدو للمؤمنين ~~وأشدهم حسدا لهم، فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس تهكما ~~بحالهم. وقرىء «فأفوز» بالرفع عطفا على كنت معهم لينتظم الكون معهم، ~~والفوز معنى التمني، فيكونا متمنيين جميعا، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ ~~محذوف، بمعنى فأنا أفوز في ذلك الوقت. ### || [4.74-76] # { يشرون } بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ # وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه # فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما ~~بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا من سبيل الله حق ~~الجهاد، والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ~~ويستبدلونها بها، والمعنى إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن ~~القتال فليقاتل الثابتون المخلصون ووعد المقاتل في سبيل الله ظافرا أو ~~مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله { ~~والمستضعفين } فيه وجهان أن يكون مجرورا عطفا على سبيل الله ~~أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين ومنصوبا على اختصاص يعني واختص من ~~سبيل الله خلاص المستضعفين لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص ~~المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون ~~هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم ~~مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون الله بالخلاص ~~ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح ~~حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم ~~فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة ~~عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس كان ~~ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة. فإن قلت لم ذكر ~~الولدان؟ قلت تسجيلا بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان ms0424 غير المكلفين، ~~إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا ~~يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم ~~يذنبوا، كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء، وعن ~~ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان، ويجوز أن يراد ~~بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأن العبد ~~والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وقيل للولدان والولائد الولدان لتغليب ~~الذكور على الإناث كما يقال الآباء والإخوة. فإن قلت لم ذكر الظالم ~~وموصوفه مؤنث؟ قلت هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها. فأعطي إعراب ~~القرية لأنه صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ~~ظلم أهلها، ولو أنث فقيل الظالمة أهلها، لجاز لا لتأنيث الموصوف، ولكن ~~لأن الأهل يذكر ويؤنث. فإن قلت هل يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها؟ ~~قلت نعم، كما تقول التي ظلموا أهلها، على لغة من يقول أكلوني البراغيث. ~~ومنه # وأسروا النجوى الذين ظلموا # الأنبياء 3، رغب الله المؤمنين ترغيبا وشجعهم تشجيعا بإخبارهم أنهم ~~إنما يقاتلون في سبيل الله. فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل ~~الشيطان فلا ولي لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد ~~الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه. ### || [4.77] # { كفوا أيديكم } أي كفوها عن القتال وذلك أن المسلمين كانوا ~~مكفوفين عن مقاتلة الكفار ما داموا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه ~~{ فلما كتب عليهم القتال } بالمدينة كع فريق منهم لا ~~شكا في الدين ولا رغبة عنه، ولكن نفورا من الإخطار بالأرواح وخوفا من ~~الموت { كخشية الله } من إضافة المصدر إلى المفعول، فإن قلت ما ~~محل كخشية الله من الإعراب؟ قلت محله النصب على الحال من الضمير في يخشون ~~أي يخشون الناس مثل أهل خشية الله، أي مشبهين لأهل خشية الله { أو ~~أشد خشية } بمعنى أو أشد خشية من أهل خشية الله، وأشد معطوف على ~~الحال. فإن قلت لم عدلت عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدر يخشون ~~خشية مثل خشية الله، ms0425 بمعنى مثل ما يخشى الله؟ قلت أبى ذلك قوله { أو ~~أشد خشية } لأنه وما عطف عليه في حكم واحد، ولو قلت يخشون الناس ~~أشد خشية؟ لم يكن إلا حال عن ضمير الفريق ولم ينتصب انتصاب المصدر، لأنك ~~لا تقول خشي فلان أشد خشية، فتنصب خشية وأنت تريد المصدر، إنما تقول أشد ~~خشية فتجرها، وإذا نصبتها لم يكن أشد خشية إلا عبارة عن الفاعل حالا ~~منه، اللهم إلا أن تجعل الخشية خاشية وذات خشية، على قولهم جد جده ~~فتزعم أن معناه يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو خشية أشد خشية من ~~خشية الله، ويجوز على هذا أن يكون محل أشد مجرورا عطفا على خشية الله ~~تريد كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها { لولا أخرتنا إلى ~~أجل قريب } استزادة في مدة الكف، واستمهال إلى وقت آخر، كقوله # لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق # المنافقون 15. { ولا تظلمون فتيلا } ولا تنقصون أدنى شيء من ~~أجوركم على مشاق القتال فلا ترغبوا عنه، وقرىء «ولا يظلمون»، بالياء. ### || [4.78-79] # قرىء «يدرككم» بالرفع وقيل هو على حذف الفاء، كأنه قيل فيدرككم الموت، ~~وشبه بقول القائل # من يفعل الحسنات لله يشكرها # ويجوز أن يقال حمل على ما يقع موقع { أينما تكونوا } ، وهو ~~أينما كنتم، كما حمل «ولا ناعب»، على ما يقع موقع ليسوا مصلحين وهو ليسوا ~~بمصلحين، فرفع كما رفع زهير # يقول لا غائب مالي ولا حرم # وهو قول نحوي سيبوي. ويجوز أن يتصل بقوله { ولا تظلمون فتيلا ~~} أي ولا تنقصون شيئا مما كتب من آجالكم. أينما تكونوا في ملاحم حروب أو ~~غيرها، ثم ابتدأ قوله { يدرككم الموت ولو كنتم فى ~~بروج مشيدة } والوقف على هذا الوجه على أينما تكونوا. والبروج ~~الحصون. مشيدة مرفعة. وقرىء «مشيدة» من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه ~~بالشيد وهو الجص. وقرأ نعيم بن ميسرة «مشيدة» بكسر الياء وصفا لها بفعل ~~فاعلها مجازا كما قالوا قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قارضها. السيئة تقع ~~على البلية والمعصية. والحسنة على النعمة والطاعة. قال الله تعالى ms0426 # وبلونهم بالحسنت والسيئات لعلهم ~~يرجعون # الأعراف 198 وقال # إن الحسنت يذهبن السيآت # هود 114. والمعنى وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله، وإن ~~تصبهم بلية من قحط وشدة أضافوها إليك وقالوا هي من عندك، وما كانت إلا ~~بشؤمك، كما حكى الله عن قوم موسى # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # الأعراف 131 وعن قوم صالح # قالوا اطيرنا بك وبمن معك # النمل 47 وروي عن اليهود لعنت أنها تشاءمت برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها، فرد الله ~~عليهم { قل كل من عند الله } يبسط الأرزاق ويقبضها على حسب ~~المصالح { لا يكادون يفقهون حديثا } فيعلموا أن الله هو ~~الباسط القابض، وكل ذلك صادر عن حكمة وصواب ثم قال { ما أصابك } يا ~~إنسان خطابا عاما { من حسنة } أي من نعمة وإحسان { فمن ~~الله } تفضلا منه وإحسانا وامتنانا وامتحانا { وما أصبك ~~من سيئة } أي من بلية ومصيبة { فمن نفسك } ، لأنك السبب فيها بما ~~اكتسبت يداك # وما أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير # الشورى 30 وعن عائشة رضي الله عنها # " ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع ~~نعله إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر " # { وأرسلنك للناس رسولا } أي رسولا للناس جميعا لست ~~برسول العرب وحدهم، أنت رسول العرب والعجم، كقوله # وما أرسلنك إلا كافة للناس # سبأ 28، # قل ياأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158، { وكفى بالله شهيدا } على ذلك، فما ينبغي لأحد ~~أن يخرج عن طاعتك واتباعك. ### || [4.80] # { من يطع الرسول فقد أطاع الله } لأنه لا يأمر إلا ~~بما أمر الله به ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه فكانت طاعته في امتثال ما ~~أمر به والانتهاء عما نهى عنه طاعة لله، وروي أنه قال 291 # " من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله " # فقال المنافقون ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك وهو ~~ينهى أن يعبد غير الله ! ما ms0427 يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما ~~اتخذت النصارى عيسى، فنزلت { ومن تولى } عن الطاعة فأعرض عنه { ~~فما أرسلنك } إلا نذيرا، لا حفيظا ومهيمنا عليهم تحفظ عليهم ~~أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، كقوله # وما أنت عليهم بوكيل # الأنعام 107. ### || [4.81] # { ويقولون } إذا أمرتهم بشيء { طاعة } بالرفع أي أمرنا وشأننا ~~طاعة. ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة. وهذا من قول المرتسم سمعا وطاعة. ~~وسمع وطاعة. ونحوه قول سيبويه وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له كيف ~~أصبحت؟ فيقول حمد الله وثناء عليه، كأنه قال أمري وشأني حمد الله. ولو ~~نصب حمد الله وثناء عليه. كان على الفعل والرفع يدل على ثبات الطاعة ~~واستقرارها { بيت طائفة } زورت طائفة وسوت { غير الذى ~~تقول } خلاف ما قلت وما أمرت به. أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، ~~لأنهم أبطلوا الرد لا القبول، والعصيان لا الطاعة. وإنما ينافقون بما ~~يقولون ويظهرون. والتبييت إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره ~~بالليل، يقال هذا أمر بيت بليل. وإما من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ~~ويسويها { والله يكتب ما يبيتون } يثبته في صحائف أعمالهم، ~~ويجازيهم عليه على سبيل الوعيد. أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك ~~على أسرارهم فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم { فأعرض عنهم } ~~ولا تحدث نفسك بالانتقام منهم { وتوكل على الله } في شأنهم، ~~فإن الله يكفيك معرتهم وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعز أنصاره. ~~وقرىء «بيت طائفة» بالإدغام وتذكير الفعل، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، ~~ولأنها في معنى الفريق والفوج. ### || [4.82] # تدبر الأمر تأمله والنظر في إدباره وما يؤول إليه في عاقبته ~~ومنتهاه، ثم استعمل في كل تأمل فمعنى تدبر القرآن تأمل معانيه وتبصر ما ~~فيه { لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } لكان الكثير منه ~~مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه، فكان بعضه بالغا حد ~~الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته، وبعضه إخبارا بغيب قد وافق ~~المخبر عنه، وبعضه إخبارا مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى ~~صحيح عند علماء المعاني. وبعضه دالا على ms0428 معنى فاسد غير ملتئم، فلما ~~تجاوب كله بلاغة معجزة فائتة لقوى البلغاء وتناصر صحة معان وصدق إخبار، ~~علم أنه ليس إلا من عند قادر على ما لا يقدر عليه غيره، عالم بما لا ~~يعلمه أحد سواه. فإن قلت أليس نحو قوله # فإذا هى ثعبان مبين # الأعراف 107، # كأنها جان # النمل 10، # فوربك لنسئلنهم أجمعين # الحجر 92، # فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان # الرحمن 39 من الاختلاف؟ قلت ليس باختلاف عند المتدبرين. ### || [4.83-84] # هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان ~~للأمور. كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أمن وسلامة أو خوف وخلل { أذاعوا به } وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ~~ردوا ذلك الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر منهم - ~~وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم - { ~~لعلمه } لعلم تدبير ما أخبروا به { الذين يستنبطونه } ~~الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها. ~~وقيل كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر على أمن ~~ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف واستشعار، فيذيعونه فينتشر ~~فيبلغ الأعداء، فتعود إذاعتهم مفسدة. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا، لعلم الذين يستنبطون تدبيره ~~كيف يدبرونه وما يأتون ويذرون فيه. وقيل كانوا يسمعون من أفواه المنافقين ~~شيئا من الخبر عن السرايا مظنونا غير معلوم الصحة فيذيعونه، فيعود ذلك ~~وبالا على المؤمنين. ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر وقالوا نسكت ~~حتى نسمعه منهم ونعلم هل هو مما يذاع أو لا يذاع، لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم، لعلم صحته وهل هو مما يذاع أو لا يذاع هؤلاء المذيعون، وهم الذين ~~يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر، أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من ~~جهتهم. يقال أذاع السر، وأذاع به. قال # أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار ~~أوقدت بثقوب # ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة، وهو أبلغ من أذاعوه، ms0429 وقرىء ~~«لعلمه» بإسكان اللام كقوله # فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل من الأدم ~~دبرت صفحتاه وغاربه # والنبط الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، وإنباطه واستنباطه إخراجه ~~واستخراجه، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني والتدابير ~~فيما يعضل ويهم { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ~~وهو إرسال الرسول، وإنزال الكتاب، والتوفيق { لاتبعتم ~~الشيطن } لبقيتم على الكفر { إلا قليلا } منكم. أو إلا ~~اتباعا قليلا، لما ذكر في الآي قبلها تثبطهم عن القتال، وإظهارهم ~~الطاعة وإضمارهم خلافها. قال { فقاتل فى سبيل الله } إن ~~أفردوك وتركوك وحدك { لا تكلف إلا نفسك } غير نفسك وحدها أن ~~تقدمها إلى الجهاد، فإن الله هو ناصرك لا الجنود، فإن شاء نصرك وحدك ~~كما ينصرك وحولك الألوف. وقيل دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج، وكان ~~أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها، فكره بعض ~~الناس أن يخرجوا فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يلو على أحد، ولو لم ~~يتبعه أحد لخرج وحده، وقرىء { لا تكلف } بالجزم على النهي، و«لا ~~نكلف» بالنون وكسر اللام، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها { وحرض ~~المؤمنين } وما عليك في شأنهم إلا التحريض فحسب، لا التعنيف بهم { ~~عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } وهم قريش، وقد ~~كف بأسهم فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب، وما كان معهم زاد إلا ~~السويق، ولا يلقون إلا في عام مخصب فرجع بهم { والله أشد بأسا ~~} من قريش { وأشد تنكيلا } تعذيبا. ### || [4.85] # الشفاعة الحسنة هي التي روعي بها حق مسلم، ودفع بها عنه شر أو جلب إليه ~~خير. وابتغي بها وجه الله ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في ~~حد من حدود الله ولا في حق من الحقوق. والسيئة ما كان بخلاف ذلك. وعن ~~مسروق أنه شفع شفاعة فأهدى إليه المشفوع جارية، فغضب وردها وقال لو علمت ~~ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك، ولا أتكلم فيما بقي منها وقيل الشفاعة ~~الحسنة هي الدعوة للمسلم، لأنها ms0430 في معنى الشفاعة إلى الله. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 292 # " من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له و قال له الملك ولك مثل ~~ذلك، فذلك النصيب " # ، والدعوة على المسلم بضد ذلك { مقيتا } شهيدا حفيظا. وقيل ~~مقتدرا. وأقات على الشيء، قال الزبير بن عبد المطلب # وذي ضغن نفيت السوء عنه وكنت على إساءته ~~مقيتا # وقال السموأل # ألي الفضل أم علي إذا حو سبت إني على ~~الحساب مقيت # واشتقاقه من القوت لأنه يمسك النفس ويحفظها. ### || [4.86] # الأحسن منها أن تقول وعليكم السلام ورحمة الله إذا قال السلام عليكم وأن ~~تزيد وبركاته إذا قال ورحمة الله وروي أن 293 رجلا قال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم السلام عليك، فقال «وعليك السلام ورحمة الله» وقال آخر ~~السلام عليك ورحمة الله، فقال «وعليك السلام ورحمة الله وبركاته» وقال ~~آخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال «وعليك». فقال الرجل نقصتني، ~~فأين ما قال الله؟ وتلا الآية. فقال «إنك لم تترك لي فضلا فرددت عليك ~~مثله» { أو ردوها } أو أجيبوها بمثلها. ورد السلام ورجعه جوابه ~~بمثله، لأن المجيب يرد قول المسلم ويكرره، وجواب التسليمة واجب، والتخيير ~~إنما وقع بين الزيادة وتركها. وعن أبي يوسف رحمه الله من قال لآخر أقرىء ~~فلانا السلام، وجب عليه أن يفعل. وعن النخعي السلام سنة والرد فريضة. ~~وعن ابن عباس الرد واجب. وما من رجل يمر على قوم مسلمين فيسلم عليهم ~~ولا يردون عليه إلا نزع عنهم روح القدس وردت عليه الملائكة. ولا يرد ~~السلام في الخطبة، وقراءة القرآن، جهرا ورواية الحديث، وعند مذاكرة ~~العلم، والأذان، والإقامة، وعن أبي يوسف لا يسلم على لاعب النرد ~~والشطرنج، والمغني، والقاعد لحاجته، ومطير الحمام، والعاري من غير عذر في ~~حمام أو غيره. وذكر الطحاوي أن المستحب رد السلام على طهارة. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 294 # " أنه تيمم لرد السلام " # قالوا ويسلم الرجل إذا دخل على امرأته. ولا يسلم على أجنبية. ويسلم ~~الماشي على القاعد. والراكب على الماشي، وراكب الفرس ms0431 على راكب الحمار، ~~والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر. وإذا التقيا ابتدرا. وعن أبي ~~حنيفة لا تجهر بالرد يعني الجهر الكثير. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~295 # " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم " # أي وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون السام عليكم. وروى 296 # " لا تبتدىء اليهودي بالسلام، وإن بدأك فقل وعليك " # وعن الحسن يجوز أن تقول للكافر وعليك السلام، ولا تقل ورحمة الله، فإنها ~~استغفار. وعن الشعبي أنه قال لنصراني سلم عليه وعليك السلام ورحمة الله. ~~فقيل له في ذلك، فقال أليس في رحمة الله يعيش؟ وقد رخص بعض العلماء في أن ~~يبدأ أهل الذمة بالسلام إذا دعت إلى ذلك حادثة تحوج إليهم. وروى ذلك عن ~~النخعي. وعن أبي حنيفة لا تبدأه بسلام في كتاب ولا غيره. وعن أبي يوسف لا ~~تسلم عليهم ولا تصحافهم، وإذا دخلت فقل السلام على من اتبع الهدى. ولا ~~بأس بالدعاء له بما يصلحه في دنياه { على كل شىء حسيبا } أي ~~يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها. ### || [4.87] # { لا إله إلا هو } إما خبر المبتدأ. وإما اعتراض والخبر { ~~ليجمعنكم }. ومعناه الله. والله ليجمعنكم { إلى يوم ~~القيمة } أي ليحشرنكم إليه. والقيامة والقيام. كالطلابة والطلاب، ~~وهي قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب. قال الله تعالى # يوم يقوم الناس لرب العلمين # المطففين 6 { ومن أصدق من الله حديثا } لأنه عز وعلا ~~صادق لا يجوز عليه الكذب. وذلك أن الكذب مستقل بصارف عن الإقدام عليه ~~وهو قبحه. ووجه قبحه الذي هو كونه كذبا وإخبارا عن الشيء بخلاف ما هو ~~عليه. فمن كذب لم يكذب إلا لأنه محتاج إلى أن يكذب ليجر منفعة أو يدفع ~~مضرة. أو هو غني عنه إلا أنه يجهل غناه. أو هو جاهل بقبحه. أو هو سفيه لا ~~يفرق بين الصدق والكذب في إخباره ولا يبالي بأيهما نطق، وربما كان الكذب ~~أحلى على حنكه من الصدق. وعن بعض السفهاء أنه عوتب على الكذب فقال لو ~~غرغرت لهواتك به ما فارقته. وقيل لكذاب ms0432 هل صدقت قط؟ فقال لولا أني صادق ~~في قولي لا لقلتها. فكان الحكيم الغني الذي لا يجوز عليه الحاجات العالم ~~بكل معلوم، منزها عنه، كما هو منزه عن سائر القبائح. ### || [4.88] # { فئتين } نصب على الحال، كقولك مالك قائما؟ روى أن قوما من ~~المنافقين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البدو ~~معتلين باجتواء المدينة، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة مرحلة حتى ~~لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون فيهم، فقال بعضهم هم كفار. وقال بعضهم ~~هم مسلمون. وقيل كانوا قوما هاجروا من مكة، ثم بدا لهم فرجعوا وكتبوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء ~~المدينة والاشتياق إلى بلدنا. وقيل هم قوم خرجوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم أحد ثم رجعوا. وقيل هم العرنيون الذين أغاروا على السرح ~~وقتلوا يسارا. وقيل هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة. ومعناه ما ~~لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين وما لكم ~~لم تبتوا القول بكفرهم { والله أركسهم } أي ردهم في حكم ~~المشركين كما كانوا { بما كسبوا } من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين ~~واحتيالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو أركسهم في الكفر بأن ~~خذلهم حتى أركسوا فيه. لما علم من مرض قلوبهم، { أتريدون أن ~~تهدوا } أن تجعلوا من جملة المهتدين { من أضل الله } من ~~جعله من جملة الضلال، وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضل. وقرىء «ركسهم». ~~و«ركسوا فيها». ### || [4.89-91] # { فتكونون } عطف على { تكفرون } ولو نصب على جواب التمني ~~لجاز. والمعنى ودوا كفركم فكونكم معهم شرعا واحدا فيما هم عليه من ~~الضلال واتباع دين الآباء. فلا تتولوهم وإن آمنوا حتى يظاهروا إيمانهم ~~بهجرة صحيحة هي لله ورسوله لا لغرض من أغراض الدنيا مستقيمة ليس ~~بعدها بداء ولا تعرب. { فإن تولوا } عن الإيمان المظاهر بالهجرة ~~الصحيحة المستقيمة، فحكمهم حكم سائر المشركين يقتلون حيث وجدوا في الحل ~~والحرم، وجانبوهم مجانبة كلية، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا ~~منهم ms0433 { إلا الذين يصلون } استثناء من قوله { فخذوهم ~~واقتلوهم } ومعنى { يصلون إلى قوم } ينتهون إليهم ~~ويتصلون بهم. وعن أبي عبيدة هو من الانتساب. وصلت إلى فلان واتصلت به إذا ~~انتميت إليه. وقيل إن الانتساب لا أثر له في منع القتال، فقد قاتل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من هو من أنسابهم، والقوم هم الأسلميون، ~~كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، وذلك أنه وادع وقت ~~خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ~~وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال. وقيل ~~القوم بنو بكر بن زيد مناة كانوا في الصلح { أو جآءوكم } لا يخلو من ~~أن يكون معطوفا على صفة قوم، كأنه قيل إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، ~~أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة الذين، كأنه قيل ~~إلا الذين يتصلون بالمعاهدين، أو الذين لا يقاتلونكم والوجه العطف على ~~الصلة لقوله { فإن اعتزلوكم فلم يقتلوكم ~~وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا } بعد قوله { فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم } فقرر أن كفهم عن القتال أحد سببي استحقاقهم لنفي ~~التعرض عنهم وترك الإيقاع بهم. فإن قلت كل واحد من الاتصالين له تأثير في ~~صحة الاستثناء، واستحقاق إزالة التعرض الاتصال بالمعاهدين والاتصال ~~بالمكافين، لأن الاتصال بهؤلاء أو هؤلاء دخول في حكمهم، فهلا جوزت أن ~~يكون العطف على صفة قوم، ويكون قوله { فإن اعتزلوكم } تقريرا ~~لحكم اتصالهم بالمكافين واختلاطهم بهم وجريهم على سننهم؟ قلت هو جائز، ~~ولكن الأول أظهر وأجرى على أسلوب الكلام. وفي قراءة أبي «بينكم وبينهم ~~ميثاق جاؤكم حصرت صدورهم»، بغير أو ووجهه أن يكون جاؤكم بيانا ليصلون، ~~أو بدلا أو استئنافا، أو صفة بعد صفة لقوم. حصرت صدورهم في موضع الحال ~~بإضمار قد. والدليل عليه قراءة من قرأ «حصرة صدورهم»، و«حصرات صدورهم». ~~و«حاصرات صدورهم». وجعله المبرد صفة لموصوف محذوف على أو جاؤكم قوما ~~حصرت صدورهم. ms0434 # وقيل هو بيان لجاؤكم، وهم بنو مدلج جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غير مقاتلين. والحصر الضيق والانقباض { أن يقتلوكم } عن أن ~~يقاتلوكم. أو كراهة أن يقاتلوكم. فإن قلت كيف يجوز أن يسلط الله الكفرة ~~على المؤمنين؟ قلت ما كانت مكافتهم إلا لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولو ~~شاء لمصلحة يراها من ابتلاء ونحوه لم يقذفه، فكانوا متسلطين مقاتلين غير ~~مكافين، فذلك معنى التسليط. وقرىء «فلقتلوكم»، بالتخفيف والتشديد { ~~فإن اعتزلوكم } فإن لم يتعرضوا لكم { وألقوا إليكم ~~السلم } أي الانقياد والاستسلام. وقرىء بسكون اللام مع فتح السين { ~~فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } فما أذن لكم في أخذهم ~~وقتلهم { ستجدون ءاخرين } هم قوم من بني أسد وغطفان، كانوا إذا ~~أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم ~~كفروا ونكثوا عهودهم { كلما ردوا إلى الفتنة } كلما دعاهم ~~قومهم إلى قتال المسلمين { أركسوا فيها } قلبوا فيها أقبح قلب ~~وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو { حيث ثقفتموهم } حيث ~~تمكنتم منهم { سلطنا مبينا } حجة واضحة لظهور عداوتهم وانكشاف ~~حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام أو تسلطا ظاهرا حيث أذنا ~~لكم في قتلهم. ### || [4.92-93] # { وما كان لمؤمن } وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله # وما كان لنبى أن يغل # آل عمران 161، # وما يكون لنا أن نعود فيها # الأعراف 89، { أن يقتل مؤمنا } ابتداء غير قصاص { إلا خطئا ~~} إلا على وجه الخطأ. فإن قلت بم انتصب خطأ؟ قلت بأنه مفعول له، أي ما ~~ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده. ويجوز أن يكون حالا ~~بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. وأن يكون صفة للمصدر ~~إلا قتلا خطأ. والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ~~ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافرا فيصيب ~~مسلما، أو يرمي شخصا على أنه كافر فإذا هو مسلم. وقرىء «خطاء» ~~بالمد و«خطا»، بوزن عمى - بتخفيف الهمزة - وروى 297 أن ms0435 عياش بن أبي ~~ربيعة - وكان أخا أبي جهل لأمه - أسلم وهاجر خوفا من قومه إلى المدينة، ~~وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا ~~تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع. فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي ~~أنيسة فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب، وقال أليس ~~محمد يحثك على صلة الرحم، انصرف وبر أمك وأنت على دينك، حتى نزل وذهب ~~معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه، وجلده كل واحد مائة جلدة. فقال ~~للحارث هذا أخي، فمن أنت يا حارث؟ لله علي إن وجدتك خاليا أن أقتلك، ~~وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد. ففعل ثم هاجر بعد ذلك ~~وأسلم، وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه ~~ فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت { فتحرير رقبة } فعليه ~~تحرير رقبة. والتحرير الإعتاق. والحر والعتيق الكريم، لأن الكرم في ~~الأحرار كما أن اللؤم في العبيد. ومنه عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها. ~~وحر الوجه أكرم موضع منه. وقولهم للئيم عبد. وفلان عبد الفعل أي لئيم ~~الفعل. والرقبة عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم فلان يملك ~~كذا رأسا من الرقيق. والمراد برقبة مؤمنة كل رقبة كانت على حكم الإسلام ~~عند عامة العلماء. وعن الحسن لا تجزىء إلا رقبة قد صلت وصامت، ولا تجزىء ~~الصغيرة. وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان. وقيل لما ~~أخرج نفسا مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة ~~الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من ~~تصرف الأحرار { مسلمة إلى أهله } مؤداة إلى ورثته ~~يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل ~~شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثا فهي لبيت المال، ~~لأن المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال رسول الله ms0436 صلى الله عليه وسلم ~~298 # " أنا وارث من لا وارث له " # وعن عمر رضي الله عنه 299 أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ~~ميراثها من عقله فقال لا أعلم لك شيئا، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون ~~عنه. فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال كتب إلي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم. فورثها ~~عمر، وعن ابن مسعود يرث كل وارث من الدية غير القاتل. وعن شريك لا يقضي ~~من الدية دين، ولا تنفذ وصية. وعن ربيعة الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك ~~خلاف قول الجماعة. فإن قلت على من تجب الرقبة والدية؟ قلت على القاتل إلا ~~أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي ~~في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله { إلا أن يصدقوا } إلا أن ~~يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله # إلا أن يعفون # البقرة 237 ونحوه # وأن تصدقوا خير لكم # البقرة 280 وعن النبي صلى الله عليه وسلم 300 # " كل معروف صدقة " # ، وقرأ أبي «إلا أن يتصدقوا». فإن قلت بم تعلق أن يصدقوا، وما محله؟ ~~قلت تعلق بعليه، أو بمسلمة، كأنه قيل وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين ~~يتصدقون عليه. ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم اجلس ما ~~دام زيد جالسا. ويجوز أن يكون حالا من أهله بمعنى إلا متصدقين { من ~~قوم عدو لكم } من قوم كفار أهل الحرب وذلك نحو رجل أسلم في ~~قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ ~~وليس على عاقلته لأهله شيء. لأنهم كفار محاربون. وقيل كان الرجل يسلم ثم ~~يأتي قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه ~~كافرا مثلهم { وإن كان من قوم } كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين ~~عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين { ~~فمن لم يجد } رقبة، بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليه { ف ~~} عليه { فصيام ms0437 شهرين متتابعين توبة من الله ~~} قبولا من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ~~ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه. هذه الآية فيها من ~~التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ. # ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير ~~مقبولة. وعن سفيان كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا لا توبة له، وذلك محمول ~~منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو ~~بالتوبة. وناهيك بمحو الشرك دليلا. وفي الحديث 301 # " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرىء مسلم " # وفيه 302 # " لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه " # وفيه 303 # " إن هذا الإنسان بنيان الله. ملعون من هدم بنيانه " # وفيه 304 # " من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس ~~من رحمة الله " # والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث ~~العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة. ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم ~~الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن ~~قاتل المؤمن بغير توبة # أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها # محمد 24 ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ، لما عسى يقع من ~~نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكن ~~لا حياة لمن تنادي. فإن قلت هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل ~~الكبائر؟ قلت ما أبين الدليل وهو تناول قوله { ومن يقتل } أي ~~قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه ~~الدليل. فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله. ### || [4.94] # { فتبينوا } وقرىء «فتثبتوا»، وهما التفعل بمعنى الاستفعال. أي ~~اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا فيه من غير روية. وقرىء «السلم». ~~و«السلام» وهما الاستسلام. وقيل الإسلام. وقيل التسليم الذي هو تحية أهل ms0438 ~~الإسلام { لست مؤمنا } وقرىء «مؤمنا» بفتح الميم من آمنه، أي لا ~~نؤمنك، وأصله 305 أن مرداس بن نهيك رجلا من أهل فدك أسلم ولم يسلم من ~~قومه غيره، فغزتهم سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليها غالب بن ~~فضالة الليثي، فهربوا وبقي مرداس لثقته بإسلامه، فلما رأى الخيل ألجأ ~~غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد، فلما تلاحقوا وكبروا كبر ونزل وقال لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد واستاق ~~غنمه، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد وجدا شديدا وقال ~~قتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ الآية على أسامة، فقال يا رسول الله استغفر ~~لي. قال فكيف بلا إله إلا الله، قال أسامة فما زال يعيدها حتى وددت أن ~~لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر لي وقال أعتق رقبة { تبتغون ~~عرض الحيوة الدنيا } تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع ~~النفاد، فهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه { ~~فعند الله مغانم كثيرة } يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل ~~يظهر الإسلام ويتعوذ به من التعرض له لتأخذوا ماله { كذلك كنتم ~~من قبل } أول ما دخلتم في الإسلام سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة، ~~فحصنت دماءكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ~~{ فمن الله عليكم } بالاستقامة والاشتهار بالإيمان والتقدم، ~~وإن صرتم أعلاما فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، ~~وأن تعتبروا ظاهر الإسلام في المكافة، ولا تقولوا إن تهليل هذا لاتقاء ~~القتل لا لصدق النية، فتجعلوه سلما إلى استباحة دمه وماله وقد حرمهما ~~الله وقوله { فتبينوا } تكرير للأمر بالتبين ليؤكد عليهم { إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا } فلا تتهافتوا في القتل ~~وكونوا محترزين محتاطين في ذلك. ### || [4.95-96] # { غير أولى الضرر } قرىء بالحركات الثلاث، فالرفع صفة ~~للقاعدون، والنصب استثناء منهم أو حال عنهم، والجر صفة للمؤمنين. والضرر ~~المرض، أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها. وعن زيد بن ثابت 306 ~~كنت إلى جنب ms0439 رسول الله صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة، فوقعت فخذه ~~على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه فقال اكتب فكتبت في كتف { لا ~~يستوى القعدون من المؤمنين } { والمجهدون } ~~فقال ابن أم مكتوم وكان أعمى يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ~~من المؤمنين. فغشيته السكينة كذلك، ثم قال اقرأ يا زيد، فقرأت { لا ~~يستوى القعدون من المؤمنين } فقال غير أولي الضرر. ~~قال زيد أنزلها الله وحدها، فألحقتها. والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ~~ملحقها عند صدع في الكتف. وعن ابن عباس لا يستوي القاعدون عن بدر ~~والخارجون إليها. وعن مقاتل إلى تبوك. فإن قلت معلوم أن القاعد بغير عذر ~~والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت معناه الإذكار بما ~~بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن ~~انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه # هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون # الزمر 9 أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ~~ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم { فضل الله ~~المجهدين } جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين ~~كأنه قيل ما لهم لا يستوون، فأجيب بذلك. والمعنى على القاعدين غير أولي ~~الضرر لكون الجملة بيانا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف { وكلا ~~} وكل فريق من القاعدين والمجاهدين { وعد الله الحسنى } أي ~~المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم 307 # " لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا ~~معكم " # وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم وكانت أفئدتهم تهوى إلى الجهاد، وبهم ~~ما يمنعهم من المسير من ضرر أو غيره. فإن قلت قد ذكر الله تعالى مفضلين ~~درجة ومفضلين درجات، فمن هم؟ قلت أما المفضلون درجة واحدة فهم الذين ~~فضلوا على القاعدين الأضراء وأما المفضلون درجات فالذين فضلوا على ~~القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الغزو فرض كفاية. ~~فإن قلت لم ms0440 نصب درجة وأجرا ودرجات؟ قلت نصب قوله درجة لوقوعها موقع ~~المرة من التفضيل، كأنه قيل فضلهم تفضيلة واحدة. ونظيره قولك ضربه سوطا، ~~بمعنى ضربه ضربة. وأما أجرا فقد انتصب بفضل، لأنه في معنى أجرهم أجرا ~~ودرجات، ومغفرة، ورحمة بدل من أجر. أو يجوز أن ينتصب درجات نصب درجة. كما ~~تقول ضربه أسواطا بمعنى ضربات، كأنه قيل وفضله تفضيلات. ونصب { أجرا ~~عظيما } على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها، وانتصب ~~مغفرة ورحمة بإضمار فعلهما بمعنى وغفر لهم ورحمهم، مغفرة ورحمة. ### || [4.97-99] # { توفهم } يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ «توفتهم». ~~ومضارعا بمعنى تتوفاهم، كقراءة من قرأ «توفاهم»، على مضارع وفيت، بمعنى ~~أن الله يوفى الملائكة أنفسهم فيتوفونها. أي يمكنهم من استيفائها ~~فيستوفونها { ظالمى أنفسهم } في حال ظلمهم أنفسهم { قالوا } ~~قال الملائكة للمتوفين { فيم كنتم } في أي شيء كنتم من أمر دينكم. ~~وهم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة. فإن قلت ~~كيف صح وقوع قوله { كنا مستضعفين فى الأرض } جوابا عن ~~قولهم { فيم كنتم }؟ وكان حق الجواب أن يقولوا كنا في كذا أو لم نكن ~~في شيء؟ قلت معنى { فيم كنتم } التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من ~~الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا كنا مستضعفين ~~اعتذارا مما وبخوا به واعتلالا بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة ~~حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقوله { ألم تكن أرض ~~الله وسعة فتهجروا فيها } أرادوا أنكم كنتم قادرين على ~~الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن ~~الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض ~~الحبشة. وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة ~~أمر دينه كما يحب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو ~~علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه ~~المهاجرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 308 ms0441 # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له ~~الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام " # اللهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها ~~سببا في خاتمة الخير ودرك المرجو من فضلك والمبتغى من رحمتك وصل جواري ~~لك بعكوفي عند بيتك، بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة، ثم استثنى من ~~أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج لفقرهم وعجزهم ~~ولا معرفة لهم بالمسالك. وروي 309 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ~~بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن ضمرة أو ضمرة بن جندب لبنيه ~~احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، والله لا أبيت ~~الليلة بمكة. فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة وكان شيخا كبيرا ~~فمات بالتنعيم. فإن قلت كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل ~~الوعيد، كأنهم كانوا يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء لو استطاعوا حيلة ~~واهتدوا سبيلا؟ قلت الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين وقد لا ~~يكونون كذلك. # وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك، فلا يتوجه عليهم وعيد، لأن ~~سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين، فإذا ~~كان العجز متمكنا في الولدان لا ينفكون عنه، كانوا خارجين من جملتهم ~~ضرورة. هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ويجوز أن يراد المراهقون منهم ~~الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم في التكليف. وإن أريد ~~بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال. فإن قلت الجملة التي هي { لا ~~يستطيعون } ما موقعها؟ قلت هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء ~~والولدان. وإنما جاز ذلك والجمل نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف ~~التعريف فليس لشيء بعينه، كقوله # ولقد أمر على اللئيم يسبني # فإن قلت لم قيل { عسى الله أن يعفو عنهم } بكلمة الإطماع؟ ~~قلت للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر ~~البين الاضطرار من حقه أن يقول عسى الله أن ms0442 يعفو عني، فكيف بغيره. ### || [4.100] # { مراغما } مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أي يفارقهم على رغم ~~أنوفهم. والرغم الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام - وهو التراب ~~-يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك. قال ~~النابغة الجعدي. # كطود يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمذهب # وقرىء «مرغما». وقرىء { ثم يدركه الموت } بالرفع على أنه ~~خبر مبتدأ محذوف. وقيل رفع الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها، ~~ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، كقوله # من عنزي سبني لم أضربه # وقرىء «يدركه» بالنصب على إضمار أن، كقوله # وألحق بالحجاز فأستريحا # { فقد وقع أجره على الله } فقد وجب ثوابه عليه وحقيقة ~~الوجوب الوقوع والسقوط # فإذا وجبت جنوبها # الحج 36 ووجبت الشمس سقط قرصها. والمعنى فقد علم الله كيف يثيبه وذلك ~~واجب عليه. وروى في قصة جندب بن ضمرة أنه لما أدركه الموت أخذ يصفق ~~بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما ~~بايعك عليه رسولك. فمات حميدا فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا لو توفي بالمدينة لكان أتم أجرا، وقال المشركون وهم يضحكون ~~ما أدرك هذا ما طلب. فنزلت. وقالوا كل هجرة لغرض ديني - من طلب علم، أو ~~حج، أو جهاد، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا في الدنيا، ~~أو ابتغاء رزق طيب - فهي هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت في ~~طريقه، فأجره واقع على الله. ### || [4.101] # الضرب في الأرض هو السفر، وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبي ~~حنيفة مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن سير الإبل ومشي الأقدام على القصد، ولا ~~اعتبار بإبطاء الضارب وإسراعه. فلو سار مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن في ~~يوم، قصر. ولو سار مسيرة يوم في ثلاثة أيام، لم يقصر. وعند الشافعي أدنى ~~مدة السفر أربعة برد مسيرة يومين. وقوله { فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلوة } ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، ~~وأن الإتمام أفضل. وإلى التخيير ذهب الشافعي. وروي عن النبي ms0443 صلى الله ~~عليه وسلم 310 # " أنه أتم في السفر " # وعن عائشة رضي الله عنها 311 # " اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا ~~قدمت مكة قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت. ~~فقال أحسنت يا عائشة وما عاب علي. " # وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر. وعند أبي حنيفة رحمه الله القصر في ~~السفر عزيمة غير رخصة لا يجوز غيره. وعن عمر رضي الله عنه 312 # " صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم. " # وعن عائشة رضي الله عنها 313 # " أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في ~~الحضر " # فإن قلت فما تصنع بقوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~}؟ قلت كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم ~~نقصانا في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه. ~~وقرىء «تقصروا» من أقصر. وجاء في الحديث 314 # " إقصار الخطبة بمعنى تقصيرها. " # وقرأ الزهري «تقصروا» بالتشديد. والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف ~~خاصة، وهو قوله { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~وأما في حال الأمن فبالسنة، وفي قراءة عبد الله «من الصلاة أن يفتنكم» ~~ليس فيها { إن خفتم } على أنه مفعول له، بمعنى كراهة أن يفتنكم. ~~والمراد بالفتنة القتال والتعرض بما يكره. ### || [4.102-103] # { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلوة } يتعلق بظاهره ~~من لا يرى صلاة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث شرط كونه ~~فيهم وقال من رآها بعده إن الأئمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في كل عصر، قوام بما كان يقوم به فكان الخطاب له متناولا لكل إمام يكون ~~حاضر الجماعة في حال الخوف، عليه أن يؤمهم كما أم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الجماعات التي كان يحضرها. والضمير في فيهم للخائفين { ~~فلتقم طائفة منهم معك } فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما ~~معك فصل بهم { وليأخذوا أسلحتهم } الضمير إما للمصلين ~~وإما لغيرهم فإن كان للمصلين فقالوا يأخذون ms0444 من السلاح ما لا يشغلهم عن ~~الصلاة كالسيف والخنجر ونحوهما. وإن كان لغيرهم فلا كلام فيه { فإذا ~~سجدوا فليكونوا } يعني غير المصلين { من ورائكم } ~~يحرسونكم وصفة صلاة الخوف عند أبي حنيفة أن يصلي الإمام بإحدى الطائفتين ~~ركعة إن كانت الصلاة ركعتين والأخرى بإزاء العدو ثم تقف هذه ~~الطائفة بإزاء العدو وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعة ويتم صلاته. ثم تقف ~~بإزاء العدو، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة بغير قراءة وتتم صلاتها ثم ~~تحرس، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها. والسجود على ظاهره ~~عند أبي حنيفة. وعند مالك بمعنى الصلاة، لأن الإمام يصلي عنده بطائفة ~~ركعة ويقف قائما حتى تتم صلاتها وتسلم وتذهب، ثم يصلي بالثانية ركعة ~~ويقف قاعدا حتى تتم صلاتها. ويسلم بهم ويعضده { ولتأت طائفة ~~أخرى لم يصلوا فليصلوا معك }. وقرىء «وأمتعاتكم» ~~فإن قلت كيف جمع بين الأسلحة وبين الحذر في الأخذ. قلت جعل الحذر وهو ~~التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في ~~الأخذ، وجعلا مأخوذين. ونحوه قوله تعالى # والذين تبوءوا الدار والإيمن # الحشر 9جعل الإيمان مستقرا لهم ومتبوأ لتمكنهم فيه فلذلك جمع بينه ~~وبين الدار في التبوء { فيميلون عليكم } فيشدون عليكم شدة ~~واحدة. ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلهم في مطر ~~أو يضعفهم من مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيهجم عليهم ~~العدو. فإن قلت كيف طابق الأمر بالحذر قوله { إن الله أعد ~~للكفرين عذابا مهينا }؟ قلت الأمر بالحذر من العدو يوهم ~~توقع غلبته واعتزازه. فنفي عنهم ذلك الإيهام بإخبارهم أن الله يهين ~~عدوهم ويخذله وينصرهم عليه، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس ~~لذلك، وإنما هو تعبد من الله كما قال # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة 165 { فإذا قضيتم الصلوة } فإذا صليتم في حال الخوف ~~والقتال { فاذكروا الله } فصلوها { قياما } مسايفين ومقارعين ~~{ وقعودا } جاثين على الركب مرامين { وعلى جنوبكم } مثخنين ~~بالجراح { فإذا اطمأننتم } حين تضع الحرب أوزارها وأمنتم { إن ~~الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا ms0445 } فاقضوا ~~ما صليتم في تلك الأحوال التي هي أحوال القلق والانزعاج { فإذا ~~قضيتم الصلوة فاذكروا الله قيما وقعودا } ~~محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كنتم، خوف أو أمن. # وهذا ظاهر على مذهب الشافعي رحمه الله في إيجابه الصلاة على المحارب في ~~حالة المسابقة والمشي والاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأن ~~فعليه القضاء. وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهو معذور في تركها إلى أن ~~يطمئن. وقيل معناه فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مهللين مكبرين ~~مسبحين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع، ~~فإن ما أنتم فيه من خوف وحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه { ~~فإذا اطمأننتم } فإذا أقمتم { فأقيموا الصلوة } ~~فأتموها. ### || [4.104] # { ولا تهنوا } ولا تضعفوا ولا تتوانوا { فى ابتغاء القوم ~~} في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم، ثم ألزمهم الحجة بقوله { إن ~~تكونوا تألمون } أي ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل ~~مختصا بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم ~~يصبرون عليه ويتشجعون. فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم، مع أنكم أولى منهم ~~بالصبر لأنكم { ترجون من الله ما لا يرجون } من إظهار ~~دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب العظيم في الآخرة. وقرأ الأعرج «أن ~~تكونوا تألمون»، بفتح الهمزة، بمعنى ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون. وقوله ~~{ فإنهم يألمون كما تألمون } تعليل. وقرىء «فإنهم ييلون ~~كما تيلون». وروي أن هذا في بدر الصغرى، كان بهم جراح فتواكلوا { وكان ~~الله عليما حكيما } لا يكلفكم شيئا ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا ~~لما هو عالم به مما يصلحكم. ### || [4.105-106] # روي 315 أن طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعا من جار له اسمه قتادة ~~بن النعمان في جراب دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد ~~بن السمين رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما ~~أخذها، وما له بها علم، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل ~~اليهودي ms0446 فأخذوها، فقال دفعها إلي طعمة، وشهد له ناس من اليهود. فقالت ~~بنو ظفر انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه أن يجادل ~~عن صاحبهم وقالوا إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي، فهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي. وقيل هم أن يقطع يده ~~فنزلت. وروي أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط ~~الحائط عليه فقتله { بما أراك الله } بما عرفك وأوحى به إليك. ~~وعن عمر رضي الله عنه لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم ~~يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا، لأن الله كان يريه إياه، وهو ~~منا الظن والتكلف { ولا تكن للخائنين خصيما } ولا تكن لأجل ~~الخائنين مخاصما للبراء. يعني لا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر { ~~واستغفر الله } مما هممت به من عقاب اليهودي. ### || [4.107-110] # { يختانون أنفسهم } يخونونها بالمعصية. كقوله # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم # البقرة 187 جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلما لها ~~لأن الضرر راجع إليهم. فإن قلت لم قيل { للخائنين } و { يختانون ~~أنفسهم } وكان السارق طعمة وحده؟ قلت لوجهين، أحدهما أن بني ظفر ~~شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. والثاني أنه جمع ~~ليتناول طعمة وكل من خان خيانته، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه. فإن ~~قلت لم قيل { خوانا أثيما } على المبالغة؟ قلت كان الله عالما من ~~طعمة بالإفراط في الخيانة وركوب المآثم، ومن كانت تلك خاتمة أمره لم يشك ~~في حاله. وقيل إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات. وعن عمر رضي ~~الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق، فجاءت أمه تبكي وتقول هذه أول سرقة ~~سرقها فاعف عنه. فقال كذبت، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة { ~~يستخفون } يستترون { من الناس } حياء منهم وخوفا من ضررهم { ~~ولا يستخفون من ms0447 الله } ولا يستحيون منه { وهو معهم } ~~وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليهم خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ~~ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم إن كانوا ~~مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة، وليس إلا الكشف الصريح ~~والافتضاح { يبيتون } يدبرون ويزورون وأصله أن يكون بالليل { ما ~~لا يرضى من القول } وهو تدبير طعمة أن يرمي بالدرع في دار زيد ~~ليسرق دون ويحلف ببراءته. فإن قلت كيف سمى التدبير قولا، وإنما هو معنى ~~في النفس؟ قلت لما حدث بذلك نفسه سمي قولا على المجاز. ويجوز أن يراد ~~بالقول الحلف الكاذب الذي حلف به بعد أن بيته، وتوريكه الذنب على اليهودي ~~{ هأنتم هؤلاء } ها للتنبيه في أنتم. وأولاء، وهما مبتدأ وخبر. ~~و { جدلتم } جملة مبينة لوقوع أولاء خبرا، كما تقول لبعض الأسخياء ~~أنت حاتم، تجود بمالك، وتؤثر على نفسك. ويجوز أن يكون أولاء اسما ~~موصولا بمعنى الذين، وجادلتم صلته. والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن طعمة ~~وقومه في الدنيا. فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه. وقرأ ~~عبد الله «عنه»، أي عن طعمة { وكيلا } حافظا ومحاميا من بأس الله ~~وانتقامه { ومن يعمل سوءا } قبيحا متعديا يسوء به غيره، كما ~~فعل طعمة بقتادة واليهودي { أو يظلم نفسه } بما يختص به كالحلف ~~الكاذب. وقيل ومن يعمل سوءا من ذنب دون الشرك. أو يظلم نفسه بالشرك. ~~وهذا بعث لطعمة على الاستغفار والتوبة لتلزمه الحجة، مع العلم بما يكون ~~منه. أو لقومه لما فرط منهم من نصرته والذب عنه. ### || [4.111-112] # { فإنما يكسبه على نفسه } أي لا يتعداه ضرره إلى غيره ~~فليبق على نفسه من كسب السوء { خطيئة } صغيرة { أو إثما } أو ~~كبيرة { ثم يرم به بريئا } كما رمى طعمة زيدا { فقد ~~احتمل بهتنا وإثما } لأنه بكسب الإثم «آثم» وبرمي البريء ~~«باهت» فهو جامع بين الأمرين. وقرأ معاذ بن جبل رضي الله عنه «ومن يكسب»، ~~بكسر الكاف والسين المشددة وأصله يكتسب. ### || [4.113] # { ولولا فضل ms0448 الله عليك ورحمته } أي عصمته وألطافه ~~وما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم { لهمت طائفة منهم } ~~من بني ظفر { أن يضلوك } عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع ~~علمهم أن الجاني هو صاحبهم، فقد روي أن ناسا منهم كانوا يعلمون كنه ~~القصة { وما يضلون إلا أنفسهم } لأن وباله عليهم { وما ~~يضرونك من شىء } لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ~~ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك { وعلمك ما لم تكن تعلم } ~~من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدين والشرائع. ويجوز أن ~~يراد بالطائفة بنو ظفر، ويرجع الضمير في منهم إلى الناس. وقيل الآية في ~~المنافقين. ### || [4.114] # { لا خير فى كثير من نجواهم } من تناجي الناس { إلا ~~من أمر بصدقة } إلا نجوى من أمر، على أنه مجرور بدل من كثير، ~~كما تقول لا خير في قيامهم إلا قيام زيد. ويجوز أن يكون منصوبا على ~~الانقطاع، بمعنى ولكن من أمر بصدقة، ففي نجواه الخير. وقيل المعروف ~~القرض. وقيل إغاثة الملهوف. وقيل هو عام في كل جميل. ويجوز أن يراد ~~بالصدقة الواجب وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوع. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 316 # " كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن ~~منكر أو ذكر الله " # وسمع سفيان رجلا يقول ما أشد هذا الحديث. فقال ألم تسمع الله يقول { ~~لا خير فى كثير من نجواهم } فهو هذا بعينه أو ما سمعته ~~يقول # والعصر إن الإنسن لفى خسر # العصر1- 2 فهذا هو بعينه. وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل ~~الخير عبادة الله والتقرب به إليه، وأن يبتغي به وجهه خالصا. لأن ~~الأعمال بالنيات. فإن قلت كيف قال { إلا من أمر } ثم قال { ومن ~~يفعل ذلك }؟ قلت قد ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله، لأنه إذا ~~دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل. ثم قال { ومن ~~يفعل ذلك } فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن ms0449 ~~يراد ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال، ~~وقرىء «يؤتيه»، بالياء. ### || [4.115-121] # { ويتبع غير سبيل المؤمنين } وهو السبيل الذي هم عليه ~~من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، ~~كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن الله عز وعلا جمع بين اتباع سبيل ~~غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، ~~فكان اتباعهم واجبا كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام. قوله { ~~نوله ما تولى } نجعله واليا لما تولى من الضلال، بأن نخذله ~~ونخلي بينه وبين ما اختاره { ونصله جهنم } وقرىء «ونصله»، بفتح ~~النون، من صلاه. وقيل هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به } تكرير للتأكيد، وقيل كرر لقصة ~~طعمة، وروي أنه مات مشركا. وقيل 317 جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله ~~شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصي ~~جرأة على الله ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا، ~~وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند الله؟ فنزلت. وهذا الحديث ينصر ~~قول من فسر { من يشآء } بالتائب من ذنبه { إلا إنثا } هي ~~اللات والعزى ومناة. وعن الحسن لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم ~~يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان. وقيل كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات ~~الله. وقيل المراد الملائكة. لقولهم الملائكة بنات الله. وقرىء «أنثا»، ~~جمع أنيث أو أناث. «ووثنا». «وأثنا»، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك ~~أسد وأسد وأسد. وقلب الواو ألفا نحو «أجوه» في وجوه. وقرأت عائشة رضي ~~الله عنها «أوثانا» { وإن يدعون } وإن يعبدون بعبادة الأصنام { ~~إلا شيطنا } لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت ~~طاعتهم له عبادة. و { لعنه الله وقال لاتخذن } صفتان ~~بمعنى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع { نصيبا ~~مفروضا } مقطوعا واجبا ms0450 فرضته لنفسي من قولهم فرض له في العطاء، ~~وفرض الجند رزقه. قال الحسن من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار { ~~ولامنينهم } الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ~~ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ~~ونحو ذلك. وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ~~ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها. ~~وتغييرهم خلق الله فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب. وقيل الخصاء، وهو ~~في قول عامة العلماء مباح في البهائم. وأما في بني آدم فمحظور. وعند أبي ~~حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى ~~خصائهم. وقيل فطرة الله التي هي دين الإسلام، وقيل للحسن إن عكرمة يقول ~~هو الخصاء، فقال كذب عكرمة، هو دين الله. وعن ابن مسعود هو الوشم. وعنه ~~318 # " لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله " # وقيل التخنث. ### || [4.122] # { وعد الله حقا } مصدران الأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره ~~{ ومن أصدق من الله قيلا } توكيد ثالث بليغ. فإن قلت ما ~~فائدة هذه التوكيدات؟ قلت معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وأمانيه الباطلة ~~لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، ترغيبا للعباد في إيثار ما يستحقون ~~به تنجز وعد الله، على ما يتجرعون في عاقبته غصص إخلاف مواعيد الشيطان. ### || [4.123-124] # في { ليس } ضمير وعد الله، أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب { ~~بأمنيكم ولا } ب { أمانى أهل الكتب } والخطاب ~~للمسلمين لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب ~~معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله. وعن مسروق والسدي هي في ~~المسلمين. وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه ~~العمل، إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا في الدنيا ولا حسنة لهم، ~~وقالوا نحسن الظن بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل ~~له. وقيل إن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب نبينا قبل ~~نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون نحن أولى منكم، نبينا خاتم ~~النبيين وكتابنا ms0451 يقضي على الكتب التي كانت قبله. فنزلت. ويحتمل أن يكون ~~الخطاب للمشركين لقولهم إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم ~~وأحسن حالا # لأوتين مالا وولدا # مريم 77، # إن لى عنده للحسنى # فصلت 50 وكان أهل الكتاب يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه. لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله. وعن مجاهد إن الخطاب ~~للمشركين. قوله { من يعمل سوءا يجز به } وقوله { ومن ~~يعمل من الصلحت } بعد ذكر تمني أهل الكتاب، نحو من قوله # بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيئته # البقرة 81، وقوله { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } ~~عقيب قوله # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # البقرة 80وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن ~~من أصلح عمله فهو الفائز. ومن أساء عمله فهو الهالك تبين الأمر ووضح، ~~ووجب قطع الأماني وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح. ولكنه فصح لا ~~تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان. فإن قلت ما الفرق بين من الأولى ~~والثانية؟ قلت الأولى للتبعيض، أراد ومن يعمل بعض الصالحات لأن كلا لا ~~يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه ~~وفي وسعه. وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة ~~في بعض الأحوال. والثانية لتبيين الإبهام في { ومن يعمل } فإن قلت ~~كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟ قلت فيه وجهان، ~~أحدهما أن يكون الراجع في ولا يظلمون لعمال السوء وعمال الصالحات جميعا. ~~والثاني أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالا على ذكره عند الآخر، لأن ~~كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد ~~في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره ~~مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم ~~الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب. فكان نفي الظلم دلالة على ~~أنه لا يقع نقصان في الفضل. ### || [4.125] # { أسلم ms0452 وجهه لله } أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له لا تعرف ~~لها ربا ولا معبودا سواه { وهو محسن } وهو عامل للحسنات تارك ~~للسيئات { حنيفا } حال من المتبع، أو من إبراهيم كقوله # بل ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين # البقرة 135 وهو الذي تحنف أي مال عن الأديان كلها إلى دين الإسلام { ~~واتخذ الله إبرهيم خليلا } مجاز عن اصطفائه واختصاصه ~~بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله. والخليل المخال، وهو الذي يخالك أي ~~يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، من الخل وهو الطريق في الرمل، أو ~~يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك وحجبك. فإن قلت ما موقع ~~هذه الجملة؟ قلت هي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب، كنحو ما يجيء ~~في الشعر من قولهم # ......... والحوادث جمة # فائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه ~~خليلا، كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته. ولو جعلتها معطوفة على الجملة ~~قبلها لم يكن لها معنى. وقيل إن إبراهيم عليه السلام بعث إلى خليل له ~~بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه. فقال خليله لو كان إبراهيم يطلب ~~الميرة لنفسه لفعلت، ولكنه يريدها للأضياف، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة ~~فملؤا منها الغرائر حياء من الناس. فلما أخبروا إبراهيم عليه السلام ساءه ~~الخبر، فحملته عيناه وعمدت امرأته إلى غرارة منها فأخرجت أحسن حوارى، ~~واختبزت واستنبه إبراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز، فقال من أين ~~لكم؟ فقالت امرأته من خليلك المصري. فقال بل من عند خليلي الله عز وجل، ~~فسماه الله خليلا. ### || [4.126] # { ولله ما فى السموت وما فى الأرض } متصل بذكر العمال ~~الصالحين والطالحين. معناه أن له ملك أهل السموات والأرض، فطاعته واجبة ~~عليهم { وكان الله بكل شىء محيطا } فكان عالما بأعمالهم ~~فمجازيهم على خيرها وشرها. فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها. ### || [4.127] # { ما يتلى } في محل الرفع. أي الله يفتيكم والمتلو { فى ~~الكتب } في معنى اليتامى، يعني قوله # وإن خفتم أن لا تقسطوا فى اليتمى ms0453 # النساء 3 وهو من قولك أعجبني زيد وكرمه. ويجوز أن يكون. { ما يتلى ~~عليكم } مبتدأ و { فى الكتب } خبره على أنها جملة معترضة، ~~والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ تعظيما للمتلو عليهم، وأن العدل والنصفة ~~في حقوق اليتامى من عظائم الأمور المرفوعة الدرجات عند الله التي تجب ~~مراعاتها والمحافظة عليها، والمخل بها ظالم متهاون بما عظمه الله. ونحوه ~~في تعظيم القرآن # وإنه فى أم الكتب لدينا لعلى حكيم # الزخرف 4 ويجوز أن يكون مجرورا على القسم، كأنه قيل قل الله يفتيكم ~~فيهن، وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب. والقسم أيضا لمعنى التعظيم، ~~وليس بسديد أن يعطف على المجرور في فيهن، لاختلاله من حيث اللفظ ~~والمعنى، فإن قلت بم تعلق قوله { فى يتمى النساء }؟ قلت في الوجه ~~الأول هو صلة يتلى أي يتلى عليكم في معناهن. ويجوز أن يكون في يتامى ~~النساء بدلا من فيهن وأما في الوجهين الآخرين فبدل لا غير. فإن قلت ~~الإضافة في يتامى النساء ما هي؟ قلت إضافة بمعنى من كقولك عندي سحق ~~عمامة. وقرىء «في ييامى النساء» بياءين على قلب همزة أيامى ياء { لا ~~تؤتونهن ما كتب لهن } وقرىء «ما كتب الله لهن». أي ما ~~فرض لهن من الميراث. وكان الرجل منهم يضم اليتيمة إلى نفسه وما لها. فإن ~~كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت ~~فيرثها { وترغبون أن تنكحوهن } يحتمل في أن تنكحوهن ~~لجمالهن، وعن أن تنكحوهن لدمامتهن. وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر، فإن كانت جميلة غنية قال زوجها غيرك ~~والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال تزوجها فأنت ~~أحق بها { والمستضعفين } مجرور معطوف على يتامى النساء، وكانوا ~~في الجاهلية إنما يورثون الرجال القوام بالأمور دون الأطفال والنساء. ~~ويجوز أن يكون خطابا للأوصياء كقوله # ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب # النساء 2 { وأن تقوموا } مجرور كالمستضعفين بمعنى يفتيكم في يتامى ~~النساء، وفي المستضعفين. وفي أن تقوموا. ويجوز أن ms0454 يكون منصوبا بمعنى ~~ويأمركم أن تقوموا، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا لهم ~~حقوقهم، ولا يخلوا أحدا يهتضمهم. ### || [4.128] # { خفت من بعلها } توقعت منه ذلك لما لاح لها مخايله وأماراته. ~~والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين ~~الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب والإعراض أن يعرض عنها بأن يقل ~~محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن، أو دمامة، أو شيء ~~في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك فلا بأس بهما ~~في أن يصلحا بينهما. وقرىء يصالحا. ويصالحا، بمعنى يتصالحا، ويصطلحا. ~~ونحو أصلح اصبر في اصطبر { صلحا } في معنى مصدر كل واحد من الأفعال ~~الثلاثة. ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفسا عن القسمة أو عن ~~بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول صلى الله عليه ~~وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها. وكما روى أن امرأة أراد ~~زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت لا تطلقني ودعني ~~أقوم على ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال إن في هذا يصلح فهو أحب إلي، ~~فأقرها. أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة فإن لم تفعل فليس له إلا ~~أن يمسكها بإحسان أو يسرحها { والصلح خير } من الفرقة أو من ~~النشوز والإعراض وسوء العشرة. أو هو خير من الخصومة في كل شيء. أو الصلح ~~خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض، وكذلك ~~قوله { وأحضرت الأنفس الشح } ومعنى إحضار الأنفس الشح أن ~~الشح جعل حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة ~~عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا ~~تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها { وإن ~~تحسنوا } بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا ~~على ذلك مراعاة لحق الصحبة { وتتقوا } النشوز ms0455 والإعراض وما يؤدي ~~إلى الأذى والخصومة { فإن الله كان بما تعملون } من ~~الإحسان والتقوى { خبيرا } وهو يثيبكم عليه. وكان عمران بن حطان ~~الخارجي من أدم بني آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوما ~~ثم تابعت الحمد لله، فقال مالك؟ قالت حمدت الله على أني وإياك من أهل ~~الجنة. قال كيف؟ قالت لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد ~~الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين. ### || [4.129] # { ولن تستطيعوا } ومحال أن تستطيعوا العدل { بين النساء ~~} والتسوية حتى لا يقع ميل البتة ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، فرفع ~~لذلك عنكم تمام العدل وغايته، وما كلفتم منه إلا ما تستطيعون بشرط أن ~~تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم، لأن تكليف ما لا يستطاع داخل في حد الظلم # وما ربك بظلم للعبيد # فصلت 46 وقيل معناه أن تعدلوا في المحبة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~320 أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول # " هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " # يعني المحبة لأن عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه. وقيل إن العدل ~~بينهن أمر صعب بالغ من الصعوبة حدا يوهم أنه غير مستطاع، لأنه يجب أن ~~يسوي بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة ~~والمفاكهة والمؤانسة وغيرها مما لا يكاد الحصر يأتي من ورائه، فهو ~~كالخارج من حد الاستطاعة. هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب ~~مع بعضهن { فلا تميلوا كل الميل } فلا تجوروا على المرغوب ~~عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضا منها، يعني أن اجتناب كل ~~الميل مما هو في حد اليسر والسعة فلا تفرطوا فيه إن وقع منكم التفريط في ~~العدل كله. وفيه ضرب من التوبيخ { فتذروها كالمعلقة } وهي ~~التي ليست بذات بعل ولا مطلقة قال # هل هي إلا حظة أو تطليق أو صلف أو بين ذاك ~~تعليق # وفي قراءة أبي فتذروها كالمسجونة. وفي الحديث 321 # " من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل. ~~" # وروى ms0456 أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى أزواج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمال، فقالت عائشة رضي الله عنها أإلى كل أزواج رسول الله بعث ~~عمر مثل هذا؟ قالوا لا، بعث إلى القرشيات بمثل هذا وإلى غيرهن بغيره، ~~فقالت ارفع رأسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا في ~~القسمة بماله ونفسه. فرجع الرسول فأخبره، فأتم لهن جميعا وكان لمعاذ ~~امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في ~~الطاعون فدفنهما في قبر واحد { وإن تصلحوا } ما مضى من ميلكم ~~وتتداركوه بالتوبة { وتتقوا } فيما يستقبل، غفر الله لكم. ### || [4.130] # وقرىء وإن يتفارقا، بمعنى وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه { يغن ~~الله كلا } يرزقه زوجا خيرا من زوجه وعيشا أهنأ من عيشه. والسعة ~~الغني. والمقدرة والواسع الغني المقتدر. ### || [4.131-133] # { من قبلكم } متعلق بوصينا، أو بأوتوا { وإيكم } عطف على ~~الذين أوتوا { الكتب } اسم للجنس يتناول الكتب السماوية { أن ~~اتقوا } بأن اتقوا. وتكون أن المفسرة، لأن التوصية في معنى القول ~~وقوله { وإن تكفروا فإن لله } عطف على اتقوا لأن المعنى ~~أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله. والمعنى إن ~~لله الخلق كله وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم أصناف النعم كلها، فحقه ~~أن يكون مطاعا في خلقه غير معصي. يتقون عقابه ويرجون ثوابه. ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من الأمم السالفة ووصيناكم أن اتقوا الله، يعني أنها ~~وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لستم بها مخصوصين، لأنهم بالتقوى ~~يسعدون عنده، وبها ينالون النجاة في العاقبة، وقلنا لهم ولكم وإن تكفروا ~~فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة والثقلين من يوحده ويعبده ويتقيه { ~~وكان الله } مع ذلك { غنيا } عن خلقه وعن عبادتهم جميعا، ~~مستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه وإن لم يحمده أحد منهم وتكرير قوله { لله ~~ما فى السموات وما في الأرض } تقرير لما هو موجب تقواه ~~ليتقوه فيطيعوه ولا يعصوه، لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله { إن ~~يشأ يذهبكم } يفنكم ms0457 ويعدمكم كما أوجدكم وأنشأكم { ويأت ~~بآخرين } ويوجد إنسا آخرين مكانكم أو خلقا آخرين غير الإنس { ~~وكان الله على ذلك } من الإعدام والإيجاد { قديرا } بليغ ~~القدرة لا يمتنع عليه شيء أراده، وهذا غضب عليهم وتخويف وبيان لاقتداره. ~~وقيل هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب. أي ~~إن يشأ يمتكم ويأت بأناس آخرين يوالونه. ويروى 322 أنها لما نزلت ضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال «إنهم قوم هذا» ~~يريد أبناء فارس. ### || [4.134] # { من كان يريد ثواب الدنيا } كالمجاهد يريد بجهاده ~~الغنيمة { فعند الله ثواب الدنيا والأخرة } فماله يطلب ~~أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصا لم تخطئه ~~الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء. والمعنى فعند ~~الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط. ### || [4.135] # { قوامين بالقسط } مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا { ~~شهداء لله } تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها { ~~ولو على أنفسكم } ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو ~~أقاربكم. فإن قلت الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول أشهد أن لفلان ~~على والدي كذا، أو على أقاربي. فما معنى الشهادة على نفسه؟ قلت هي ~~الإقرار على نفسه، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها. ويجوز أن ~~يكون المعنى وإن كانت الشهادة وبالا على أنفسكم، أو على آبائكم ~~وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره { إن ~~يكن } إن يكن المشهود عليه { غنيا } فلا تمنع الشهادة عليه لغناه ~~طلبا لرضاه { أو فقيرا } فلا تمنعها ترحما عليه { فالله ~~أولى بهما } بالغني والفقير أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ~~ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ~~ناظر. فإن قلت لم ثنى الضمير في أولى بهما وكان حقه أن يوحد، لأن قوله { ~~إن يكن غنيا أو فقيرا } في معنى إن يكن أحد هذين؟ قلت قد ~~رجع الضمير ms0458 إلى ما دل عليه قوله { إن يكن غنيا أو فقيرا } ~~لا إلى المذكور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغني وجنس الفقير، كأنه ~~قيل فالله أولى بجنسي الغني والفقير، أي بالأغنياء والفقراء، وفي قراءة ~~أبي فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك. وقرأ عبد الله «إن يكن غني أو ~~فقير»، على كان التامة { أن تعدلوا } يحتمل العدل والعدول، كأنه ~~قيل فلا تتبعوا الهوى، كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن ~~الحق { وإن تلووا أو تعرضوا } وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة ~~الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها. وقرىء ~~«وإن تلوا، أو تعرضوا»، بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن ~~إقامتها { فإن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~وبمجازاتكم عليه. ### || [4.136] # { يأيهاالذين ءامنوا } خطاب للمسلمين. ومعنى { ءامنوا } ~~اثبتوا على الإيمان وداوموا عليه وازدادوه { والكتب الذى ~~أنزل من قبل } المراد به جنس ما أنزل على الأنبياء قبله من الكتب، ~~والدليل عليه قوله { وكتبه } و قرىء «وكتابه» على إرادة الجنس. ~~وقرىء «نزل». «وأنزل»، على البناء للفاعل. وقيل الخطاب لأهل الكتاب، ~~لأنهم آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض. وروي 323 أنه لعبد الله بن ~~سلام، وأسد وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، وسلام بن أخت عبد الله بن ~~سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين، أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزيز ~~ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال عليه السلام «بل آمنوا بالله ~~ورسوله محمد وكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله، فقالوا لا نفعل، فنزلت، ~~فآمنوا كلهم. وقيل هو للمنافقين، كأنه قيل يا أيها الذين آمنوا نفاقا ~~آمنوا إخلاصا. فإن قلت كيف قيل لأهل الكتاب { والكتب الذى ~~أنزل من قبل } وكانوا مؤمنين بالتوراة والإنجيل؟ قلت كانوا مؤمنين ~~بهما فحسب، وما كانوا مؤمنين بكل ما أنزل من الكتب، فأمروا أن يؤمنوا ~~بالجنس كله، ولأن إيمانهم ببعض الكتب لا يصح إيمانا به، لأن طريق ~~الإيمان به هو ms0459 المعجزة، ولا اختصاص لها ببعض الكتب دون بعض، فلو كان ~~إيمانهم بما آمنوا به لأجل المعجزة لآمنوا به كله، فحين آمنوا ببعضه علم ~~أنهم لم يعتبروا المعجزة، فلم يكن إيمانهم إيمانا. وهذا الذي أراد عز ~~وجل في قوله # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكفرون ~~حقا # النساء 150. فإن قلت لم قيل نزل على رسوله وأنزل من قبل؟ قلت لأن ~~القرآن نزل مفرقا منجما في عشرين سنة، بخلاف الكتب قبله، ومعنى قوله { ~~ومن يكفر بالله } الآية، ومن يكفر بشيء من ذلك { فقد ضل ~~} لأن الكفر ببعضه كفر بكله. ألا ترى كيف قدم الأمر بالإيمان به جميعا. ### || [4.137] # { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم ~~سبيلا } نفي للغفران والهداية وهي اللطف على سبيل المبالغة التي ~~تعطيها اللام، والمراد بنفيهما نفي ما يقتضيهما وهو الإيمان الخالص ~~الثابت. والمعنى إن الذين تكرر منهم الارتداد وعهد منهم ازدياد الكفر ~~والإصرار عليه، يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون ~~اللطف من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله، لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم ~~قلوب قد ضربت بالكفر ومرنت على الردة، وكان الإيمان أهون شيء عنده ~~وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى وليس المعنى أنهم لو أخلصوا ~~الإيمان بعد تكرار الردة ونصحت توبتهم لم يقبل منهم ولم يغفر لهم، لأن ~~ذلك مقبول حيث هو بذل للطاقة واستفراغ للوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، ~~وأنه أمر لا يكاد يكون، وهكذا ترى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم ~~يرجع، لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على شر حال وأسمج ~~صورة. وقيل هم اليهود، آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بالإنجيل وبعيسى. ~~ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [4.138-139] # { بشر المنفقين } وضع بشر مكان أخبر، تهكما بهم. و { ~~الذين } نصب على الذم أو رفع بمعنى أريد الذين، أو هم الذين. وكانوا ~~يمايلون الكفرة ويوالونهم ويقول بعضهم لبعض لا يتم أمر محمد فتولوا ~~اليهود. { فإن العزة ms0460 لله جميعا } يريد لأوليائه الذين كتب ~~لهم العز والغلبة على اليهود وغيرهم، وقال # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # المنافقون 8. ### || [4.140-141] # { أن إذا سمعتم } هي أن المخففة من الثقيلة. والمعنى أنه إذا ~~سمعتم، أي نزل عليكم أن الشأن كذا والشأن ما أفادته الجملة بشرطها ~~وجزائها، وأن مع ما في حيزها في موضع الرفع ب نزل، أو في موضع النصب ~~ب ننزل، فيمن قرأ به. والمنزل عليهم في الكتاب هو ما نزل عليهم بمكة من ~~قوله # وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره # الأنعام 68 وذلك أن المشركين كانوا يخضون في ذكر القرآن في مجالسهم ~~فيستهزؤون به، فنهى المسلمون عن القعود معهم ما داموا خائضين فيه. وكان ~~أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين، فنهوا أن يقعدوا معهم ~~كما نهوا عن مجالسة المشركين بمكة. وكان الذين يقاعدون الخائضين في ~~القرآن من الأحبار هم المنافقون، فقيل لهم إنكم إذا مثل الأحبار في ~~الكفر { إن الله جامع المنفقين والكفرين } يعني ~~القاعدون والمقعود معهم. فإن قلت الضمير في قوله { فلا تقعدوا ~~معهم } إلى من يرجع؟ قلت إلى من دل عليه { يكفر بها ~~ويستهزأ بها } كأنه قيل فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين ~~بها. فإن قلت لم يكونوا مثلهم بالمجالسة إليهم في وقت الخوض؟ قلت لأنهم ~~إذا لم ينكروا عليهم كانوا راضين. والراضي بالكفر كافر. فإن قلت فهلا كان ~~المسلمون بمكة حين كانوا يجالسون الخائضين من المشركين منافقين؟ ~~قلت لأنهم كانوا لا ينكرون لعجزهم وهؤلاء لم ينكروا مع قدرتهم، فكان ترك ~~الإنكار لرضاهم { الذين يتربصون } إما بدل من الذين يتخذون ~~وإما صفة للمنافقين أو نصب على الذم منهم { يتربصون بكم } أي ~~ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من ظفر أو إخفاق { ألم نكن معكم } ~~مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة { ألم نستحوذ عليكم } ألم ~~نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم { ونمنعكم من ~~المؤمنين } بأن ثبطناهم عنكم. وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبكم ومرضوا ~~في قتالكم، وتوانينا في مظاهرتهم عليكم، فهاتوا نصيبا لنا ms0461 بما أصبتم. ~~وقرىء «ونمنعكم» بالنصب إضمار أن، قال الحطيئة # ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة ~~والإخاء # فإن قلت لم سمى ظفر المسلمين فتحا، وظفر الكافرين نصيبا؟ قلت تعظيما ~~لشأن المسلمين وتخسيسا لحظ الكافرين لأن ظفر المسلمين أمر عظيم تفتح لهم ~~أبواب السماء حتى ينزل على أوليائه، وأما ظفر الكافرين، فما هو إلا حظ ~~دني ولمظة من الدنيا يصيبونها. ### || [4.142-143] # { يخدعون الله } يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان ~~وإبطان الكفر { وهو خادعهم } وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في ~~الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا وأعد لهم الدرك ~~الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في العاجل من فضيحة وإحلال بأس ~~ونقمة ورعب دائم. والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع ~~منه. وقيل يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم ~~يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون انظرونا نقتبس من نوركم { ~~كسالى } قرىء بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي ~~يقومون متثاقلين متقاعسين، كما ترى من يفعل شيئا على كره لا عن طيبة نفس ~~ورغبة { يرآءون الناس } يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة { ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا } ولا يصلون إلا قليلا لأنهم لا ~~يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل ~~أيضا لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ~~ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلا في الندرة، وهكذا ترى ~~كثيرا من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه ~~تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا ~~يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم. فإن قلت ما معنى المراءاة وهي ~~مفاعلة من الرؤية؟ قلت فيها وجهان، أحدهما أن المرائي يريهم عمله وهم ~~يرونه استحسانه. والثاني أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال راءى ~~الناس. يعني رآهم، كقولك نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق. روى أبو ~~زيد رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها ms0462 لترى وجهه، ويدل عليه قراءة ~~ابن أبي إسحاق يرأونهم بهمزة مشددة مثل. يرعونهم، أي يبصرونهم أعمالهم ~~ويراؤونهم كذلك { مذبذبين } إما حال نحو قوله ولا يذكرون عن واو ~~يراؤن، أي يراؤنهم غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم. ومعنى مذبذبين ~~ذبذبهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، فهم مترددون بينهما متحيرون. ~~وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين أي يذاد ويدفع فلا يقر في جانب ~~واحد، كما قيل فلان يرمى به الرحوان إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في ~~الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه. وقرأ ابن عباس «مذبذبين» بكسر ~~الذال، بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم. أو بمعنى يتذبذبون. كما ~~جاء صلصل وتصلصل بمعنى. وفي مصحف عبد الله. متذبذبين. وعن أبي جعفر ~~«مدبدبين»، بالدال غير المعجمة وكأن المعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في ~~دبة، فليسوا بماضين على دبة واحدة. والدبة الطريقة ومنها دبة قريش. و { ~~ذلك } إشارة إلى الكفر والإيمان { لآ إلى هؤلآء } لا منسوبين ~~إلى هؤلاء فيكونون مؤمنين { ولا إلى هؤلآء } ولا منسوبين إلى ~~هؤلاء فيسمون مشركين. ### || [4.144] # { لا تتخذوا الكفرين أولياء } لا تتشبهوا بالمنافقين ~~في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء { سلطنا } حجة ~~بينة، يعني أن موالاة الكافرين بينة على النفاق. وعن صعصعة بن صوحان أنه ~~قال لابن أخ له خالص المؤمن، وخالق الكافر والفاجر فإن الفاجر يرضى منك ~~بالخلق الحسن، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤمن. ### || [4.145-146] # { الدرك الأسفل } الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، ~~سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، وقرىء بسكون الراء، ~~والوجه التحريك، لقولهم أدراك جهنم. فإن قلت لم كان المنافق أشد ~~عذابا من الكافر؟ قلت لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء ~~بالإسلام وأهله ومداجاتهم { وأصلحوا } ما أفسدوا من أسرارهم ~~وأحوالهم في حال النفاق { واعتصموا بالله } ووثقوا به كما يثق ~~المؤمنون الخلص { وأخلصوا دينهم لله } لا يبتغون بطاعتهم ~~إلا وجهه { فأولئك مع المؤمنين } فهم أصحاب المؤمنين ~~ورفقاؤهم في الدارين { وسوف يؤت الله ms0463 المؤمنين أجرا ~~عظيما } فيشاركونهم فيه ويساهمونهم. فإن قلت من المنافق؟ قلت هو في ~~الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر. وأما تسمية من ارتكب ما يفسق به ~~بالمنافق فللتغليظ، كقوله 324 «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام 325 # " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم من إذا حدث ~~كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " # ، وقيل لحذيفة رضي الله عنه من المنافق؟ فقال الذي يصف الإسلام ولا ~~يعمل به. وقيل لابن عمر ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا ~~بخلافه فقال كنا نعده من النفاق. وعن الحسن أتى على النفاق زمان وهو ~~مقروع فيه، فأصبح وقد عمم وقلد وأعطى سيفا، يعني الحجاج. ### || [4.147] # { ما يفعل الله بعذابكم } أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك ~~به الثار، أم يستجلب به نفعا، أم يستدفع به ضررا كما يفعل الملوك ~~بعذابهم، وهو الغني الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك. وإنما هو أمر أوجبته ~~الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن ~~أنفسكم استحقاق العذاب { وكان الله شكرا } مثيبا موفيا ~~أجوركم { عليما } بحق شكركم وإيمانكم. فإن قلت لم قدم الشكر على ~~الإيمان؟ قلت لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه ~~وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة ~~المنعم آمن به ثم شكر شكرا مفصلا، فكان الشكر متقدما على الإيمان، ~~وكأنه أصل التكليف ومداره. ### || [4.148-149] # { إلا من ظلم } إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه ~~الله جهر المظلوم. وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل ~~هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم # ولمن انتصر بعد ظلمه # الشورى 41 وقيل ضاف رجل قوما فلم يطعموه، فأصبح شاكيا، فعوتب على ~~الشكاية فنزلت، وقرىء «إلا من ظلم» على البناء للفاعل للانقطاع. أي ولكن ~~الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء. ويجوز أن يكون من ظلم ~~مرفوعا، كأنه ms0464 قيل لا يحب الله الجهر بالسوء، إلا الظالم على لغة من يقول ~~ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو. ومنه # لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65 ثم حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه ~~الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوبا، حثا على الأحب إليه، ~~والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير ~~وإخفاءه تنبيها للعفو، ثم عطفه عليهما اعتدادا به وتنبيها على منزلته، ~~وأن له مكانا في باب الخير وسيطا والدليل على أن العفو هو الغرض ~~المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله { فإن الله كان عفوا ~~قديرا } أي يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا ~~بسنة الله. ### || [4.150-151] # جعل الذين آمنوا بالله وكفروا برسله أو آمنوا بالله وببعض رسله وكفروا ~~ببعض كافرين بالله ورسله جميعا لما ذكرنا من العلة، ومعنى اتخاذهم بين ~~ذلك سبيلا أن يتخذوا دينا وسطا بين الإيمان والكفر كقوله # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا # الإسراء 110 أي طريقا وسطا في القراءة وهو ما بين الجهر والمخافتة. ~~وقد أخطؤوا، فإنه لا واسطة بين الكفر والإيمان ولذلك قال { أولئك ~~هم الكفرون حقا } أي هم الكاملون في الكفر. وحقا تأكيد ~~لمضمون الجملة، كقولك هو عبد الله حقا، أي حق ذلك حقا، وهو كونهم ~~كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين، أي هم الذين كفروا كفرا ~~حقا ثابتا يقينا لا شك فيه. ### || [4.152] # فإن قلت كيف جاز دخول { بين } على { أحد } وهو يقتضي شيئين ~~فصاعدا؟ قلت إن أحدا عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، ~~تقول ما رأيت أحدا، فتقصد العموم، ألا تراك تقول إلا بني فلان، وإلا ~~بنات فلان فالمعنى ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة ومنه قوله ~~تعالى # لستن كأحد من النساء # الأحزاب 32، { سوف يؤتيهم أجورهم } معناه أن إيتاءها كائن ~~لا محالة وإن تأخر فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته لا ms0465 كونه متأخرا. ### || [4.153-159] # روي 326 أن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن كنت نبيا صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما ~~أتى به موسى. فنزلت. وقيل كتابا إلى فلان وكتابا إلى فلان أنك رسول ~~الله، وقيل كتابا نعاينه حين ينزل. وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت، ~~قال الحسن ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية { ~~فقد سألوا موسى } جواب لشرط مقدر. معناه إن استكبرت ما سألوه ~~منك فقد سألوا موسى. { أكبر من ذلك } وإنما أسند السؤال إليهم ~~وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على ~~مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت { جهرة } عيانا بمعنى ~~أرناه نره جهرة { بظلمهم } بسبب سؤالهم الرؤية. ولو طلبوا أمرا ~~جائزا لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه ~~السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالما ولا رماه بالصاعقة، فتبا ~~للمشبهة ورميا بالصواعق { وءاتينا موسى سلطنا مبينا } ~~تسلطا واستيلاء ظاهرا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب ~~عليهم فأطاعوه، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان ~~مبين { بميثقهم } بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه { وقلنا ~~لهم } والطور مطل عليهم { ادخلوا الباب سجدا } ولا تعدوا ~~في السبت، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم ~~على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد. وقرىء «لا تعتدوا». «ولا تعدوا»، ~~بادغام التاء في الدال { فبما نقضهم } فبنقضهم. وما مزيدة ~~للتوكيد. فإن قلت بم تعلقت الباء؟ وما معنى التوكيد؟ قلت إما أن يتعلق ~~بمحذوف، كأنه قيل فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق ~~بقوله { حرمنا عليهم } على أن قوله # فبظلم من الذين هادوا # النساء 160 بدل من قوله { فبما نقضهم ميثقهم } وأما ~~التوكيد فمعناه تحقيق أن العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد ~~وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك. فإن قلت هلا زعمت أن ~~المحذوف الذي تعلقت به الباء ما ms0466 دل عليه قوله { بل طبع الله ~~عليها } فيكون التقدير فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل ~~طبع الله عليها بكفرهم. قلت لم يصح هذا التقدير لأن قوله { بل طبع ~~الله عليها بكفرهم } رد وإنكار لقولهم { قلوبنا غلف ~~} فكان متعلقا به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم قلوبنا غلف أن الله خلق ~~قلوبنا غلفا، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى ~~الله عن المشركين وقالوا # لو شاء الرحمن ما عبدنهم # الزخرف 20 وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم بل خذلها الله ومنعها ~~الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفا غير قابلة ~~للذكر ولا متمكنة من قبوله. # فإن قلت علام عطف قوله { وبكفرهم }؟ قلت الوجه أن يعطف على فبما ~~نقضهم ويجعل قوله { بل طبع الله عليها بكفرهم } كلاما ~~تبع قوله { وقالوا قلوبنا غلف } على وجه الاستطراد، يجوز عطفه ~~على ما يليه من قوله بكفرهم. فإن قلت ما معنى المجيء بالكفر معطوفا على ~~ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله ~~{ وكفرهم بئايت الله } وقوله { بكفرهم }؟ قلت قد ~~تكرر منهم الكفر، لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله ~~عليهم، فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف ~~عليه، كأنه قيل فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل ~~الأنبياء وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم ~~بقتل عيسى، عاقبناهم. أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا ~~وكذا. والبهتان العظيم هو التزنية. فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه ~~السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن ~~الفاعلة، فكيف قالوا إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟ قلت ~~قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # الشعراء 27 ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية ~~عنهم رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله ms0467 # ليقولن خلقهن العزيز العليم الذى جعل لكم ~~الأرض مهدا # الزخرف 9 روي أن رهطا من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم «اللهم ~~أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي»، فمسخ الله من ~~سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى ~~السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي ~~فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟ فقال رجل منهم أنا. فألقي- عليه شبهه فقتل ~~وصلب. وقيل كان رجلا ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال أنا أدلكم عليه، ~~فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم ~~يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم إنه إله لا يصح قتله. وقال بعضهم ~~إنه قتل وصلب. وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا ~~صاحبنا فأين عيسى؟ وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم الوجه وجه عيسى ~~والبدن بدن صاحبنا. فإن قلت { شبه } مسند إلى ماذا؟ إن جعلته مسندا ~~إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول ~~فالمقتول لم يجر له ذكر قلت هو مسند إلى الجار والمجرور وهو { لهم } ~~كقولك خيل إليه، كأنه قيل ولكن وقع لهم التشبيه. # ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل ~~ولكن شبه لهم من قتلوه { إلا اتباع الظن } استثناء منقطع لأن ~~اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني ولكنهم يتبعون الظن. فإن قلت قد وصفوا ~~بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح ~~أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟ قلت أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ~~ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك { وما قتلوه يقينا } وما ~~قتلوه قتلا يقينا. أو ما قتلوه متيقنين، كما ادعوا ذلك في قولهم إنا ~~قتلنا المسيح أو يجعل يقينا تأكيدا لقوله { وما قتلوه } كقولك ما ~~قتلوه حقا أي حق انتفاء قتله حقا. وقيل هو من قولهم قتلت الشيء علما ~~ونحرته علما ms0468 إذا تبالغ فيه علمك. وفيه تهكم، لأنه إذا نفى عنهم العلم ~~نفيا كليا بحرف الاستغراق. ثم قيل وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن ~~إلا تهكما بهم { ليؤمنن به } جملة قسمية واقعة صفة لموصوف ~~محذوف تقديره وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به. ونحوه # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 164 # وإن منكم إلا واردها # مريم 71 والمعنى وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن قبل موته ~~بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ~~ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف. وعن شهر بن حوشب قال لي الحجاج آية ما ~~قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال إني أوتى ~~بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت إن ~~اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا يا عدو الله، ~~أتاك موسى نبيا فكذبت به فيقول آمنت أنه عبد نبي. وتقول للنصراني أتاك ~~عيسى نبيا فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث ~~لا ينفعه إيمانه. قال وكان متكئا فاستوى جالسا فنظر إلي وقال ممن؟ قلت ~~حدثني محمد بن علي ابن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال لقد ~~أخذتها من عين صافية، أو من معدنها. قال الكلبي فقلت له ما أردت إلى أن ~~تقول حدثني محمد بن علي ابن الحنفية. قال أردت أن أغيظه، يعني بزيادة ~~اسم علي، لأنه مشهور بابن الحنفية. وعن ابن عباس أنه فسره كذلك، فقال له ~~عكرمة فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه. قال ~~وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال يتكلم بها في الهواء ولا ~~تخرج روحه حتى يؤمن به. وتدل عليه قراءة أبي «إلا ليؤمنن به قبل موتهم» ~~بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأن أحدا ~~يصلح للجمع. # فإن قلت ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت ms0469 فائدته الوعيد، ~~وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ~~ذلك لا ينفعهم، بعثا لهم وتنبيها على معالجة الإيمان به في أوان ~~الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم، وكذلك قوله { ويوم ~~القيمة يكون عليهم شهيدا } يشهد على اليهود بأنهم ~~كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله. وقيل الضميران لعيسى، بمعنى ~~وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين ~~يكونون في زمان نزوله. روي 327 # " أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا ~~يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه ~~المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، ~~والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم ~~يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه " # ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمنن به، على ~~أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ~~ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم. وقيل الضمير في به يرجع إلى الله ~~تعالى. وقيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [4.160-162] # { فبظلم من الذين هادوا } فبأي ظلم منهم. والمعنى ما ~~حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه. وهو ما عدد لهم من الكفر ~~والكبائر العظيمة. والطيبات التي حرمت عليهم ما ذكره في قوله # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر # الأنعام 146 وحرمت عليهم الألبان، وكلما أذنبوا ذنبا صغيرا أو ~~كبيرا حرم عليهم بعض الطيبات في المطاعم وغيرها { وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا } ناسا كثيرا أو صدا كثيرا { ~~بالبطل } بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب ~~{ لكن الراسخون } يريد من آمن منهم، كعبد الله بن سلام ~~وأضرابه، والراسخون في العلم الثابتون فيه المتقنون المستبصرون { ~~والمؤمنون } يعني المؤمنين منهم، أو المؤمنون من المهاجرين ~~والأنصار. وارتفع الراسخون على الابتداء. و { يؤمنون } خبره. و { ~~والمقيمين } نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، ms0470 وهو باب واسع. وقد كسره ~~سيبويه على أمثلة وشواهد. ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط ~~المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما ~~لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن السابقين الأولين ~~الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على ~~الإسلام وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من ~~بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم. وقيل هو عطف على { بمآ أنزل ~~إليك } أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء. وفي مصحف ~~عبد الله «والمقيمون»، بالواو. وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى ~~الثقفي. ### || [4.163-166] # { إنا أوحينا إليك } جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء. واحتجاج عليهم بأن ~~شأنه في الوحي إليه كشأن سائر الأنبياء الذين سلفوا. وقرىء «زبورا» بضم ~~الزاي جمع زبر وهو الكتاب { ورسلا } نصب بمضمر في معنى أوحينا إليك ~~وهو أرسلنا، ونبأنا، وما أشبه ذلك. أو بما فسره قصصناهم. وفي قراءة أبي ~~«ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم». وعن إبراهيم ويحيى بن ~~وثاب أنهما قرآ { وكلم الله } بالنصب. ومن بدع التفاسير أنه من ~~الكلم، وأن معناه وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن { ~~رسلا مبشرين ومنذرين } الأوجه أن ينتصب على المدح. ويجوز ~~انتصابه على التكرير. فإن قلت كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، ~~وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، ~~والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا ~~عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟ قلت الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون ~~على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد مع تبليغ ما حملوه من تفضيل ~~أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة ~~للعلة وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فيوقظنا من سنة الغفلة وينبهنا ms0471 لما وجب الانتباه له. وقرأ السلمي لكن ~~الله يشهد، بالتشديد. فإن قلت الاستدراك لا بد له من مستدرك فما هو قوله ~~{ لكن الله يشهد }؟ قلت لما سأل أهل الكتاب إنزال الكتاب من ~~السماء وتعنتوا بذلك واحتج عليهم بقوله { إنا أوحينا إليك } ~~قال لكن الله يشهد، بمعنى أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد. وقيل لما نزل { ~~إنا أوحينا إليك } قالوا ما نشهد لك بهذا، فنزل { لكن ~~الله يشهد } ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه إثباته لصحته بإظهار ~~المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات. وشهادة الملائكة شهادتهم بأنه حق ~~وصدق. فإن قلت بم يجابون لو قالوا بم يعلم أن الملائكة يشهدون بذلك؟ قلت ~~يجابون بأنه يعلم بشهادة الله، لأنه لما علم بإظهار المعجزات أنه شاهد ~~بصحته علم أن الملائكة يشهدون بصحة ما شهد بصحته لأن شهادتهم تبع ~~لشهادته. فإن قلت ما معنى قوله { أنزله بعلمه } وما موقعه من ~~الجملة التي قبله؟ قلت معناه أنزله ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه ~~غيره، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، وموقعه ~~مما قبله موقع الجملة المفسرة لأنه بيان للشهادة، وأن شهادته بصحته أنه ~~أنزله بالنظم المعجز الفائت للقدرة. وقيل أنزله وهو عالم بأنك أهل ~~لإنزاله إليك وأنك مبلغه. وقيل أنزله مما علم من مصالح العباد مشتملا ~~عليه. ويحتمل أنه أنزل وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد ~~من الملائكة، والملائكة يشهدون بذلك، كما قال في آخر سورة الجن. ألا ترى ~~إلى قوله تعالى # وأحاط بما لديهم # الجن 8 والإحاطة بمعنى العلم { وكفى بالله شهيدا } وإن لم ~~يشهد غيره، لأن التصديق بالمعجزة هو الشهادة حقا # قل أى شىء أكبر شهدة قل الله # الأنعام 19. ### || [4.167-169] # { كفروا وظلموا } جمعوا بين الكفر والمعاصي، وكان بعضهم كافرين ~~وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر، لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر ~~لهما إلا بالتوبة { ولا ليهديهم طريقا } لا يلطف بهم فيسلكون ~~الطريق الموصل إلى جهنم. أو لا يهديهم يوم القيامة طريقا إلا طريقها { ~~يسيرا ms0472 } أي لا صارف له عنه. ### || [4.170-171] # { فئامنوا خيرا لكم } وكذلك { انتهوا خيرا لكم } ~~انتصابه بمضمر، وذلك أنه لما بعثهم على الإيمان وعلى الانتهاء عن التثليث ~~علم أنه يحملهم على أمر فقال { خيرا لكم } أي اقصدوا، أو ائتوا ~~أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث. وهو الإيمان والتوحيد { ~~لا تغلوا فى دينكم } غلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حيث ~~جعلته مولودا لغير رشدة. وغلت النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ~~إلها { ولا تقولوا على الله إلا الحق } وهو تنزيهه ~~عن الشريك والولد. وقرأ جعفر بن محمد «إنما المسيح» بوزن السكيت. وقيل ~~لعيسى كلمة الله وكلمة منه لأنه وجد بكلمته وأمره لا غير، من غير واسطة ~~أب ولا نطفة. وقيل له روح الله، وروح منه، لذلك، لأنه ذو روح وجد من غير ~~جزء من ذي روح، كالنطفة المنفصلة من الأب الحي وإنما اخترع اختراعا ~~عند الله وقدرته خالصة. ومعنى { ألقها إلى مريم } أوصلها ~~إليها وحصلها فيها { ثلثة } خبر مبتدأ محذوف، فإن صحت الحكاية عنهم ~~أنهم يقولون هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، ~~وأقنوم روح القدس. وأنهم يريدون بأقنوم الأب الذات، وبأقنوم الابن العلم، ~~وبأقنوم روح القدس الحياة، فتقديره الله ثلاثة وإلا فتقديره الآلهة ~~ثلاثة. والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة ~~آلهة، وأن المسيح ولد الله من مريم. ألا ترى إلى قوله # ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # المائدة116، # وقالت النصرى المسيح ابن الله # التوبة 30 والمشهور المستفيض عنهم أنهم يقولون في المسيح لاهوتية ~~وناسوتية من جهة الأب والأم. ويدل عليه قوله { إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم } فأثبت أنه ولد لمريم اتصل بها اتصال الأولاد ~~بأمهاتها، وأن اتصاله بالله تعالى من حيث أنه رسوله، وأنه موجود بأمره ~~وابتداعه جسدا حيا من غير أب، فنفى أن يتصل به اتصال الأبناء بالآباء. ~~وقوله { سبحنه أن يكون له ولد } وحكاية الله أوثق من ~~حكاية غيره. ومعنى { سبحنه أن يكون له ولد ms0473 } سبحه ~~تسبيحا من أن يكون له ولد. وقرأ الحسن «إن يكون»، بكسر الهمزة ورفع ~~النون أي سبحانه ما يكون له ولد. على أن الكلام جملتان { له وما فى ~~السموت وما فى الأرض } بيان لتنزهه عما نسب إليه، يعني أن ~~كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزأ منه، على أن الجزء ~~إنما يصح في الأجسام وهو متعال عن صفات الأجسام والأعراض { وكفى ~~بالله وكيلا } يكل إليه الخلق كلهم أمورهم، فهو الغني عنهم وهم ~~الفقراء إليه. ### || [4.172] # { لن يستنكف المسيح } لن يأنف ولن يذهب بنفسه عزة، من نكفت ~~الدمع، إذا نحيته عن خدك بأصابعك { ولا الملئكة المقربون ~~} ولا من هو أعلى منه قدرا وأعظم منه خطرا وهم الملائكة الكروبيون ~~الذين حول العرش، كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ومن في طبقتهم. فإن قلت من ~~أين دل قوله { ولا الملئكة المقربون } على أن المعنى ~~ولا من فوقه؟ قلت من حيث أن علم المعاني لا يقتضي غير ذلك. وذلك أن ~~الكلام إنما سيق لرد مذهب النصارى وغلوهم في رفع المسيح عن منزلة ~~العبودية، فوجب أن يقال لهم لن يترفع عيسى عن العبودية، ولا من هو أرفع ~~منه درجة، كأنه قيل لن يستنكف الملائكة المقربون من العبودية، فكيف ~~بالمسيح؟ ويدل عليه دلالة ظاهرة بينة، تخصيص المقربين لكونهم أرفع ~~الملائكة درجة وأعلاهم منزلة. ومثاله قول القائل # وما مثله ممن يجاود حاتم ولا البحر ذو ~~الأمواج يلتج زاخره # لا شبهة في أنه قصد بالبحر ذي الأمواج ما هو فوق حاتم في الجود. ومن كان ~~له ذوق فليذق مع هذه الآية قوله # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى # البقرة 120 حتى يعترف بالفرق البين. وقرأ علي رضي الله عنه «عبيدا ~~لله»، على التصغير. وروي 328 أن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم تعيب صاحبنا؟ قال ومن صاحبكم؟ قالوا عيسى. قال وأي شيء ~~أقول؟ قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله. قال إنه ليس بعار أن يكون عبدا ~~لله. قالوا بلى، فنزلت أي لا يستنكف عيسى ms0474 من ذلك فلا تستنكفوا له منه، ~~فلو كان موضع استنكاف لكان هو أولى بأن يستنكف لأن العار ألصق به. فإن ~~قلت علام عطف قوله { ولا الملئكة }؟ قلت لا يخلو إما أن يعطف ~~على المسيح، أو على اسم يكون أو على المستتر في عبدا لما فيه من معنى ~~الوصف، لدلالته على معنى العبادة، كقولك مررت برجل عبد أبوه، فالعطف على ~~المسيح هو الظاهر لأداء غيره إلى ما فيه بعض انحراف عن الغرض، وهو أن ~~المسيح لا يأنف أن يكون هو ولا من فوقه موصوفين بالعبودية، أو أن يعبد ~~الله هو ومن فوقه. فإن قلت قد جعلت الملائكة وهم جماعة عبدا لله في هذا ~~العطف، فما وجهه؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يراد ولا كل واحد من الملائكة ~~أو ولا الملائكة المقربون أن يكونوا عبادا لله، فحذف ذلك لدلالة عبدا ~~لله عليه إيجازا. وأما إذا عطفتهم على الضمير في عبدا فقد طاح هذا ~~السؤال. قرىء «فسيحشرهم» بضم الشين وكسرها وبالنون. ### || [4.173-175] # فإن قلت التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين، والمفصل على ~~فريق واحد. قلت هو مثل قولك جمع الإمام الخوارج، فمن لم يخرج عليه كساه ~~وحمله، ومن خرج عليه نكل به، وصحة ذلك لوجهين، أحدهما أن يحذف ذكر أحد ~~الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني، كما ~~حذف أحدهما في التفصيل في قوله عقيب هذا { فأما الذين بالله ~~واعتصموا به } والثاني، وهو أن الإحسان إلى غيرهم مما يغمهم، ~~فكان داخلا في جملة التنكيل بهم فكأنه قيل ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر، فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله. ~~البرهان والنور المبين القرآن. أو أراد بالبرهان دين الحق أو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وبالنور المبين ما يبينه ويصدقه من الكتاب المعجز { ~~فى رحمة منه وفضل } في ثواب مستحق وتفضل { ويهديهم ~~إليه } إلى عبادته { صرطا مستقيما } وهو طريق الإسلام. ~~والمعنى توفيقهم وتثبيتهم. ### || [4.176] # روي أنه آخر ما نزل من الأحكام. 329 كان ms0475 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في طريق مكة عام حجة الوداع، فأتاه جابر بن عبد الله فقال إن لي أختا، ~~فكم آخذ من ميراثها إن ماتت؟ وقيل 330 كان مريضا فعاده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال إني كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت { إن امرؤ ~~هلك } ارتفع امرؤ بمضمر يفسره الظاهر. ومحل { ليس له ولد } ~~الرفع على الصفة لا النصب على الحال. أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد. والمراد ~~بالولد الابن وهو اسم مشترك يجوز إيقاعه على الذكر وعلى الأنثى لأن الابن ~~يسقط الأخت، ولا تسقطها البنت إلا في مذهب ابن عباس، وبالأخت التي هي لأب ~~وأم دون التي لأم، لأن الله تعالى فرض لها النصف وجعل أخاها عصبة وقال { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } وأما الأخت للأم فلها السدس في ~~آية المواريث مسوى بينها وبين أخيها { وهو يرثها } وأخوها يرثها ~~إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها { إن لم يكن لها ~~ولد } أي ابن لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. فإن قلت الابن لا يسقط ~~الأخ وحده فإن الأب نظيره في الإسقاط، فلم اقتصر على نفي الولد؟ قلت بين ~~حكم انتفاء الولد، ووكل حكم انتفاء الوالد إلى بيان السنة، وهو قوله ~~عليه السلام 331 # " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " # والأب أولى من الأخ، وليسا بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر ~~بالسنة. ويجوز أن يدل بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد، لأن ~~الولد أقرب إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب، فأولى ~~أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولأن الكلالة تتناول انتفاء الوالد والولد ~~جميعا، فكان ذكر انتفاء أحدهما دالا على انتفاء الآخر. فإن قلت إلى من ~~يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله { فإن كانتا اثنتين } { وإن ~~كانوا إخوة } قلت أصله فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين، وإن كان من يرث ~~بالأخوة ذكورا وإناثا وإنما قيل فإن كانتا، وإن كانوا، كما قيل من كانت ~~أمك. فكما أنث ضمير من ms0476 لمكان تأنيث الخبر، كذلك ثنى وجمع ضمير من يرث في ~~كانتا وكانوا، لمكان تثنية الخبر وجمعه، والمراد بالإخوة، الإخوة و ~~الأخوات، تغليبا لحكم الذكورة { أن تضلوا } مفعول له. ومعناه ~~كراهة أن تضلوا. عن النبي صلى الله عليه وسلم 332 # " من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة ورث ميراثا، ~~وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا، وبرىء من الشرك وكان في مشيئة الله من ~~الذين يتجاوز عنهم ". ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه # والموفون بعهدهم # البقرة 177. والعقد العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، قال الحطيئة # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج ~~وشدوا فوقه الكربا # وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف. ~~وقيل هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من ~~المبايعات ونحوها. والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله ~~وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو قوله { أحلت ~~لكم } وما بعده. البهيمة كل ذات أربع في البر والبحر، وإضافتها إلى ~~الأنعام للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى من كخاتم فضة. ومعناه البهيمة من ~~الأنعام { إلا ما يتلى عليكم } إلا محرم ما يتلى عليكم من ~~القرآن، من نحو قوله { حرمت عليكم الميتة } ، أوإلا ما ~~يتلى عليكم آية تحريمه. والأنعام الأزواج الثمانية. وقيل بهمية الأنعام ~~الظباء وبقر الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس ~~البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه { ~~غير محلى الصيد } نصب على الحال من الضمير في لكم أي أحلت لكم ~~هذه الأشياء لا محلين الصيد. وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله { أوفوا ~~بالعقود } وقوله { وأنتم حرم } حال عن محلي الصيد، كأنه قيل ~~أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا ~~نحرج عليكم { إن الله يحكم ما يريد } من الأحكام، ويعلم ~~أنه حكمة ومصلحة. والحرم جمع حرام وهو المحرم. ### || [5.2] # الشعائر جمع شعيرة وهي اسم ما اشعر، أي جعل شعارا ms0477 وعلما للنسك، من ~~مواقف الحج ومرامي الجمار، والمطاف، والمسعى، والأفعال التي هي علامات ~~الحج يعرف بها من الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق، والنحر. والشهر ~~الحرام شهر الحج. والهدي ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله من ~~النسائك. وهو جمع هدية، كما يقال جدي في جمع جدية السرج والقلائد جمع ~~قلادة، وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة، أو لحاء شجر، أوغيره. ~~وآمو المسجد الحرام قاصدوه، وهم الحجاج والعمار. وإحلال هذه الأشياء أن ~~يتهاون بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها، وأن يحدثوا في ~~أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغضب أو بالمنع ~~من بلوغ محله. وأما القلائد ففيها وجهان، أحدهما أن يراد بها ذوات ~~القلائد من الهدي وهي البدن، وتعطف على الهدي للاختصاص وزيادة التوصية ~~بها لأنهاأشرف الهدي، كقوله # وجبريل وميكل # البقرة98 كأنه قيل والقلائد منها خصوصا. والثاني أن ينهي عن التعرض ~~لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، على معنى ولا تحلوا ~~قلائدها فضلا أن تحلوها، كما قال # ولا يبدين زينتهن # النور 31 فنهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها { ولآ ~~ءآمين } ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام { يبتغون فضلا ~~من ربهم } وهو الثواب { ورضوانا } وأن يرضى عنهم، أي لا ~~تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم واستنكارا أن يتعرض لمثلهم. قيل هي ~~محكمة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 333 # " المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " # وقال الحسن ليس فيها منسوخ. وعن أبي ميسرة فيها ثماني عشرة فريضة وليس ~~فيها منسوخ. وقيل هي منسوخة. وعن ابن عباس كان المسلمون والمشركون يحجون ~~جميعا، فنهى الله المسلمين أن يمنعوا أحدا عن حج البيت بقوله { لا ~~تحلوا } ثم نزل بعد ذلك # إنما المشركون نجس # التوبة 28، # ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله # التوبة 17 وقال مجاهد والشعبي { لا تحلوا } نسخ بقوله # واقتلوهم حيث وجدتموهم # النساء 89. وفسر ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الرضوان بأن المشركين ~~كانوا يظنون في ms0478 أنفسهم أنهم على سداد من دينهم، وأن الحج يقربهم إلى ~~الله، فوصفهم الله بظنهم. وقرأ عبد الله «ولا أمي البيت الحرام»، على ~~الإضافة. وقرأ حميد بن قيس والأعرج «تبتغون»، بالتاء على خطاب المؤمنين { ~~فاصطدوا } إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، كأنه قيل وإذا حللتم ~~فلا جناح عليكم أن تصطادوا. وقرىء بكسر الفاء. وقيل هو بدل من كسر الهمزة ~~عند الابتداء. وقرىء «وإذا أحللتم»، يقال حل المحرم وأحل. جرم يجري ~~مجرى كسب في تعديه إلى مفعول واحد واثنين. # تقول جرم ذنبا، نحو كسبه. وجرمته ذنبا، نحو كسبته إياه. ويقال أجرمته ~~ذنبا، على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين، كقولهم أكسبته ~~ذنبا. وعليه قراءة عبد الله «ولا يجرمنكم» بضم الياء، وأول المفعولين ~~على القراءتين ضمير المخاطبين، والثاني { أن تعتدوا }. و { أن ~~صدوكم } بفتح الهمزة، متعلق بالشنآن بمعنى العلة، والشنآن شدة ~~البغض. وقرىء بسكون النون. والمعنى ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم ~~الاعتداء، ولا يحملنكم عليه. وقرىء «إن صدوكم»، على إن الشرطية. وفي ~~قراءة عبد الله «إن يصدوكم». ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل ~~مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ~~ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم { وتعاونوا على ~~البر والتقوى } على العفو والإغضاء { ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان } على الانتقام والتشفي. ويجوز أن يراد العموم ~~لكل بر وتقوى وكل إثم وعدوان، فيتناول بعمومه العفو والانتصار. ### || [5.3] # كان أهل الجاهلية يأكلون هذه المحرمات البهيمة التي تموت حتف أنفها، ~~والفصيد وهو الدم في المباعر، يشونها ويقولون لم يحرم من فزد له { وما ~~أهل لغير الله به } أي رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم ~~باسم اللات والعزى عند ذبحه { والمنخنقة } التي خنقوها حتى ماتت، ~~أو انخنقت بسبب { والموقوذة } التي أثخنوها ضربا بعصا أو حجر حتى ~~ماتت { والمتردية } التي تردت من جبل أو في بئر فماتت { ~~والنطيحة } التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح { وما أكل ~~السبع } بعضه { إلا ما ذكيتم } إلا ما أدركتم ذكاته وهو ~~يضطرب اضطراب المذبوح ms0479 وتشخب أوداجه. وقرأ عبد الله «والمنطوحة». وفي ~~رواية عن أبي عمرو «السبع» بسكون الباء. وقرأ ابن عباس «وأكيل السبع» { ~~وما ذبح على النصب } كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يذبحون ~~عليها ويشرحون اللحم عليها، ويعظمونها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى ~~الأنصاب، والنصب واحد. قال الأعشى # وذا النصب المنصوب لا تعبدنه لعاقبة والله ~~ربك فاعبدا # وقيل هو جمع، والواحد نصاب. وقرىء «النصب» بسكون الصاد { وأن ~~تستقسموا بالأزلام } وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام أي ~~بالقداح. كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا أو أمرا ~~من معاظم الأمور ضرب بالقداح، وهي مكتوب على بعضها نهاني ربي، وعلى بعضها ~~أمرني ربي، وبعضها غفل فإن خرج الآمر مضى لطيته، وإن خرج الناهي أمسك، ~~وإن خرج الغفل أجالها عودا. فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة ما قسم ~~له مما لم يقسم له بالأزلام. وقيل هو الميسر. وقسمتهم الجزور على ~~الأنصباء المعلومة { ذلكم فسق } الإشارة إلى الاستقسام أو إلى ~~تناول ما حرم عليهم لأن المعنى حرم عليكم تناول الميتة وكذا وكذا. فإن ~~قلت لم كان استقسام المسافر وغيره بالأزلام لتعرف الحال فسقا؟ قلت لأنه ~~دخول في علم الغيب الذي استأثر به علام الغيوب وقال # لا يعلم من فى السموت والأرض الغيب إلا ~~الله # النمل 65 واعتقاد أن إليه طريقا وإلى استنباطه، وقوله أمرني ربي، ~~ونهاني ربي افتراء على الله. وما يدريه أنه أمره أو نهاه. والكهنة ~~والمنجمون بهذه المثابة. وإن كان أراد بالرب الصنم - فقد روي أنهم كانوا ~~يجيلونها عند أصنامهم - فأمره ظاهر { اليوم } لم يرد به يوما بعينه، ~~وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية ~~والآتية، كقولك كنت بالأمس شابا، وأنت اليوم أشيب، فلا تريد بالأمس ~~اليوم الذي قبل يومك، ولا باليوم يومك. ونحوه الآن في قوله # الآن لما ابيض مسربتي وعضضت من نابي على ~~جذم # وقيل أريد يوم نزولها، وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في ~~حجة الوداع { يئس الذين كفروا من دينكم } يئسوا منه ms0480 أن ~~يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه الخبائث بعد ما حرمت عليكم. # وقيل يئسوا من دينكم أن يغلبوه لأن الله عز وجل وفى بوعده من إظهاره ~~على الدين كله { فلا تخشوهم } بعد إظهار الدين وزوال الخوف من ~~الكفار وانقلابهم مغلوبين مقهورين بعدما كانوا غالبين { واخشونى } ~~وأخلصوا لي الخشية { أكملت لكم دينكم } كفيتكم أمر عدوكم، ~~وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك اليوم كمل لنا الملك وكمل لنا ما ~~نريد، إذا كفوا من ينازعهم الملك ووصلوا إلى أغراضهم ومباغيهم. أو أكملت ~~لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على ~~الشرائع وقوانين القياس وأصول الاجتهاد { وأتممت عليكم ~~نعمتى } بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكهم ~~وأن لم يحج معكم مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. أو أتمتت نعمتي عليكم ~~بإكمال أمر الدين والشرائع كأنه قال اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي بذلك، لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام { ورضيت لكم ~~الإسلام دينا } يعني اخترته لكم من بين الأديان، وآذنتكم بأنه هو ~~الدين المرضي وحده # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # آل عمران 85، # إن هذه أمتكم أمة واحدة # الأنبياء 92. فإن قلت بم اتصل قوله { فمن اضطر }؟ قلت بذكر ~~المحرمات. وقوله { ذلكم فسق } اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذلك ~~ما بعده لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة ~~والإسلام المنعوت بالرضا دون غيره من الملل. ومعناه فمن اضطر إلى الميتة ~~أو إلى غيرها { فى مخمصة } في مجاعة { غير متجانف لإثم ~~} غير منحرف إليه، كقوله # غير باغ ولا عاد # البقرة 173. { فإن الله غفور } لا يؤاخذه بذلك. ### || [5.4] # في السؤال معنى القول، فلذلك وقع بعده { ماذا أحل لهم } كأنه ~~قيل يقولون لك ماذا أحل لهم. وإنما لم يقل ماذا أحل لنا، حكاية لما ~~قالوه لأن يسألونك بلفظ الغيبة، كما تقول أقسم زيد ليفعلن. ولو قيل ~~لأفعلن وأحل لنا، لكان صوابا. و ماذا مبتدأ، و أحل لهم خبره كقولك ~~أي شيء أحل لهم؟ ومعناه ماذا أحل ms0481 لهم من المطاعم كأنهم حين تلا عليهم ~~ما حرم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم منها، فقيل { أحل ~~لكم الطيبت } أي ما ليس بخبيث منها، وهو كل ما لم يأت تحريمه ~~في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد. { وما علمتم من الجوارح } ~~عطف على الطيبات أي أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف. أو تجعل ~~ما شرطية، وجوابها فكلوا والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير، ~~كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والبازي والشاهين. والمكلب مؤدب ~~الجوارح ومضريها بالصيد لصاحبها، ورائضها لذلك بما علم من الحيل وطرق ~~التأديب والتثقيف، واشتقاقه من الكلب، لأن التأديب أكثر ما يكون في ~~الكلاب فاشتق من لفظه لكثرته من جنسه. أو لأن السبع يسمى كلبا. ومنه ~~قوله عليه السلام 334 # " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك " # فأكله الأسد. أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة. يقال هو كلب بكذا، إذا ~~كان ضاريا به. وانتصاب { مكلبين } على الحال من علمتم. فإن قلت ما ~~فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ قلت فائدتها أن يكون من يعلم ~~الجوارح نحريرا في علمه مدربا فيه، موصوفا بالتكليب. و { ~~تعلمونهن } حال ثانية أو استئناف. وفيه فائدة جليلة، وهي أن على ~~كل آخذ علما أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علما وأنحرهم دراية ~~وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل، ~~فكم من آخذ عن غير متقن، قد ضيع أيامه وعض عند لقاء النحارير أنامله { ~~مما علمكم الله } من علم التكليب، لأنه إلهام من الله ومكتسب ~~بالعقل. أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه، وانزجاره ~~بزجره. وانصرافه بدعائه، وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. وقرىء ~~«مكلبين» بالتخفيف. وأفعل وفعل يشتركان كثيرا. والإمساك على صاحبه أن لا ~~يأكل منه، لقوله عليه السلام لعدي بن حاتم 335 # " وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه " # وعن علي رضي الله عنه إذا أكل البازي فلا تأكل. وفرق العلماء، فاشترطوا ~~في سباع البهائم ترك ms0482 الأكل لأنها تؤدب بالضرب، ولم يشترطوه في سباع ~~الطير. ومنهم من لم يعتبر ترك الأكل أصلا ولم يفرق بين إمساك الكل ~~والبعض. وعن سلمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة رضي الله عنهم إذا أكل ~~الكلب ثلثيه وبقي ثلثه وذكرت اسم الله عليه فكل. فإن قلت إلام رجع الضمير ~~في قوله { واذكروا اسم الله عليه }؟ قلت إما أن يرجع إلى ~~ما أمسكن على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من ~~الجوارح. أي سموا عليه عند إرساله. ### || [5.5] # { وطعام الذين أوتوا الكتب } قيل هو ذبائحهم. وقيل هو ~~جميع مطاعمهم. ويستوي في ذلك جميع النصارى. وعن علي رضي الله عنه أنه ~~استثنى نصارى بني تغلب وقال ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب ~~الخمر، وبه أخذ الشافعي. وعن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال ~~لا بأس. وهو قول عامة التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه. وحكم ~~الصابئين حكم أهل الكتاب عند أبي حنيفة. وقال صاحباه هم صنفان صنف يقرؤن ~~الزبور ويعبدون الملائكة. وصنف لا يقرؤن كتابا ويعبدون النجوم فهؤلاء ~~ليسوا من أهل الكتاب. وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ ~~الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم. وقد وري عن أبي المسيب أنه ~~قال إذا كان المسلم مريضا فأمر المجوسي أن يذكر اسم الله ويذبح فلا بأس. ~~وقال أبو ثور وإن أمره بذلك في الصحة فلا بأس وقد أساء { وطعامكم ~~حل لهم } فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراما عليهم طعام ~~المؤمنين لما ساغ لهم إطعامهم { والمحصنت } الحرائر أو العفائف ~~وتخصيصهن بعث على تخير المؤمنين لنطفهم والإماء من المسلمات يصح نكاحهن ~~بالاتفاق، وكذلك نكاح غير العفائف منهن، وأما الإماء الكتابيات، فعند أبي ~~حنيفة هن كالمسلمات، وخالفه الشافعي، وكان ابن عمر لا يرى نكاح ~~الكتابيات، ويحتج بقوله # ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن # البقرة 221 ويقول لا أعلم شركا أعظم من قولها إن ربها عيسى. وعن عطاء ~~قد أكثر الله المسلمات، وإنما ms0483 رخص لهم يومئذ { محصنين } أعفاء { ~~ولا متخذى أخدان } صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى { ~~ومن يكفر بالإيمن } بشرائع الإسلام وما أحل الله وحرم. ### || [5.6] # { إذا قمتم إلى الصلاة } كقوله # فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله # النحل 98 وكقولك إذا ضربت غلامك فهون عليه، في أن المراد إرادة الفعل. ~~فإن قلت لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت لأن الفعل يوجد بقدرة ~~الفاعل عليه وإرادته له وهو قصده إليه وميله وخلوص داعيه، فكما عبر عن ~~القدرة عن الفعل بالفعل في قولهم الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي ~~لا يقدران على الطيران والإبصار. ومنه قوله تعالى # نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين # الأنبياء 104 يعني إنا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل ~~بالفعل، وذلك لأن الفعل مسبب عن القدرة والإرادة، فأقيم المسبب مقام ~~السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام ونحوه من إقامة المسبب مقام السبب ~~قولهم كما تدين تدان، إن عبر عن الفعل المبتدأ الذي هو سبب الجزاء بلفظ ~~الجزاء الذي هو مسبب عنه. وقيل معنى قمتم إلى الصلاة قصدتموها لأن من ~~توجه إلى شيء وقام إليه كان قاصدا له لا محالة، فعبر عن القصد له ~~بالقيام إليه. فإن قلت ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة ~~محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلت يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون ~~الخطاب للمحدثين خاصة، وأن يكون للندب. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده/ 336 أنهم كانوا يتوضئون لكل صلاة. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 337 # " من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات " # وعنه عليه السلام 338 # " أنه كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح مسح على خفيه وصلى ~~الصلوات الخمس بوضوء واحد " # ، فقال له عمر صنعت شيئا لم تكن تصنعه فقال # " عمدا فعلته يا عمر " # يعني بيانا للجواز؟ فإن قلت هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين ~~وغيرهم لهؤلاء على وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب. قلت لا، لأن ~~تناول الكلمة ms0484 لمعنيين مختلفين من باب الإلغاز والتعمية. وقيل كان الوضوء ~~لكل صلاة واجبا أول ما فرض. ثم نسخ إلى تفيد معنى الغاية مطلقا. ~~فأما دخولها في الحكم وخروجها، فأمر يدور مع الدليل، فمما فيه دليل على ~~الخروج قوله # فنظرة إلى ميسرة # البقرة 280 لأن الإعسار علة الإنذار. وبوجود الميسرة تزول العلة، ولو ~~دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا. وكذلك # ثم أتموا الصيام إلى اليل # البقرة 187 لو دخل الليل لوجب الوصال. ومما فيه دليل على أن الدخول قولك ~~حفظت القرآن من أوله إلى آخره لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله. ومنه ~~قوله تعالى # من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى # الإسراء 1 لوقوع العلم بأنه لا يسرى به إلى بيت المقدس من غير أن يدخله. # وقوله { إلى المرافق } و { إلى الكعبين } لا دليل فيه على ~~أحد الأمرين فأخذ كافة العلماء بالاحتياط فحكموا بدخولها في الغسل. وأخذ ~~زفر وداود بالمتيقن فلم يدخلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 339 # " أنه كان يدير الماء على مرفقيه " # { وامسحوا برؤوسكم } المراد إلصاق المسح بالرأس. وماسح بعضه ~~ومستوعبه بالمسح، كلاهما ملصق للمسح برأسه. فقد أخذ مالك بالاحتياط فأوجب ~~الاستيعاب أو أكثره على اختلاف الرواية، وأخذ الشافعي باليقين فأوجب أقل ~~ما يقع عليه اسم المسح وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو ما روي 340 أنه مسح على ناصيته. وقدر الناصية بربع الرأس. قرأ ~~جماعة «وأرجلكم» بالنصب، فدل على أن الأرجل مغسولة فإن قلت فما تصنع ~~بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة ~~المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، ~~فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح، ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب ~~الماء عليها. وقيل { إلى الكعبين } فجيء بالغاية إماطة لظن ظان ~~يحسبها ممسوحة، لأن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة. وعن علي رضي الله ~~عنه أنه أشرف على فتية من قريش فرأى في وضوئهم تجوزا، فقال ويل للأعقاب ms0485 ~~من النار، فلما سمعوا جعلوا يغسلونها غسلا ويدلكونها دلكا. وعن ابن ~~عمرو 341 كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ قوم وأعقابهم بيض ~~تلوح فقال # " ويل للأعقاب من النار " # وفي رواية جابر 342 # " ويل للعراقيب " # وعن عمر أنه رأى رجلا يتوضأ فترك باطن قدميه، فأمره أن يعيد الوضوء، ~~وذلك للتغليظ عليه، وعن عائشة رضي الله عنها لأن تقطعا أحب إلي من أن ~~أمسح على القدمين بغير خفين. وعن عطاء والله ما علمت أن أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على القدمين. وقد ذهب بعض الناس إلى ~~ظاهر العطف فأوجب المسح. وعن الحسن أنه جمع بين الأمرين. وعن الشعبي نزل ~~القرآن بالمسح والغسل سنة. وقرأ الحسن وأرجلكم، بالرفع بمعنى وأرجلكم ~~مغسولة أو ممسوحة إلى الكعبين. وقرىء «فاطهروا» أي فطهروا أبدانكم، وكذلك ~~ليطهركم. وفي قراءة عبد الله «فأموا صعيدا » { ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج } في باب الطهارة، حتى لا يرخص لكم في ~~التيمم { ولكن يريد ليطهركم } بالتراب إذا أعوزكم التطهر ~~بالماء { وليتم نعمته عليكم } وليتم برخصه إنعامه عليكم ~~بعزائمه { لعلكم تشكرون } نعمته فيثيبكم. ### || [5.7] # { واذكروا نعمة الله عليكم } وهي نعمة الإسلام { ~~وميثقه الذى واثقكم به } أي عاقدكم به عقدا وثيقا هو ~~الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر والمنشط والمكره فقبلوا وقالوا ~~سمعنا وأطعنا. وقيل هو الميثاق ليلة العقبة وفي بيعة الرضوان. ### || [5.8-10] # عدى { يجرمنكم } بحرف الاستعلاء مضمنا معنى فعل يتعدى به، ~~كأنه قيل ولا يحملنكم. ويجوز أن يكون قوله { أن تعتدوا } بمعنى على ~~أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله عليه السلام 343 # " من اتبع على ملىء فليتبع " # أنه بمعنى أحيل. وقرىء { شنآن } بالسكون. ونظيره في المصادر ليان ~~والمعنى لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم ~~بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل ~~لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد ms0486 أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك { ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى } نهاهم أولا أن تحملهم البغضاء ~~على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدا وتشديدا، ثم ~~استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله { هو أقرب للتقوى ~~} أي العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها. أو أقرب إلى التقوى ~~لكونه لطفا فيها. وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم ~~أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين ~~الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ { لهم مغفرة وأجر عظيم } بيان ~~للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال قدم لهم وعدا فقيل أي شيء وعده ~~لهم؟ فقيل لهم مغفرة وأجر عظيم. أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم ~~وقال لهم مغفرة. أو على إجراء وعد مجرى قال لأنه ضرب من القول. أو يجعل ~~واقعا على الجملة التي هي لهم مغفرة، كما وقع تركنا على قوله # سلم على نوح # الصافات 119 كأنه قيل وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد ~~هذا القول، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم. وهذا القول ~~يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهون ~~عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب. ### || [5.11] # روي 344 أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا ~~إلى صلاة الظهر يصلون معا، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار. فلما صلوا ~~ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم، فقالوا إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم ~~من آبائهم وأبنائهم، يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا ~~إليها. فنزل جبريل بصلاة الخوف. وروي 345 أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعلي رضي الله عنهم يستقرضهم دية ~~مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين. فقالوا نعم يا ~~أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، ~~وعمد عمرو بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه، فأمسك ms0487 الله يده ونزل جبريل ~~فأخبره، فخرج. وقيل 346 نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها، ~~فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي فسل سيف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال من يمنعك مني؟ قال الله، ~~قالها ثلاثا، فشام الأعرابي السيف فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأصحابه فأخبرهم، وأبى أن يعاقبه. يقال بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط ~~إليه يده إذا بطش به # " ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء " # الممتحنة 2 ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به. ألا ترى إلى قولهم ~~فلان بسيط الباع، ومديد الباع، بمعنى { فكف أيديهم عنكم } ~~فمنعها أن تمد إليكم. ### || [5.12-13] # لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى ~~أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم إني كتبتها ~~لكم دارا قرارا، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر ~~موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه ~~بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني ~~إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث ~~النقباء يتجسسون، فرأوا أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدثوا ~~قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب ~~بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف، وكانا من ~~النقباء. والنقيب الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له عريف، ~~لأنه يتعرفها { إنى معكم } أي ناصركم ومعينكم { وعزرتموهم } ~~نصرتموهم من أيدي العدو. ومنه التعزير، وهو التنكيل والمنع من معاودة ~~الفساد. وقرىء بالتخفيف يقال عزرت الرجل إذا حطته وكنفته. والتعزير ~~والتأزير من واد واحد. ومنه لأنصرنك نصرا مؤزرا، أي قويا. وقيل معناه ~~ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكا يقيمون ~~فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر. واللام في { لئن ~~أقمتم } موطئة للقسم وفي { لأكفرن } جواب له، وهذا الجواب ~~ساد مسد ms0488 جواب القسم والشرط جميعا { بعد ذلك } بعد ذلك الشرط ~~المؤكد المعلق بالوعد العظيم. فإن قلت من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء ~~السبيل. قلت أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأن الكفر إنما عظم قبحه ~~لعظم النعمة المكفورة، فإذازادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى { ~~لعنهم } طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا. وقيل مسخناهم. وقيل ضربنا ~~عليهم الجزية { وجعلنا قلوبهم قسية } خذلناهم ومنعناهم ~~الألطاف حتى قست قلوبهم. أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست. ~~وقرأ عبد الله «قسية»، أي ردية مغشوشة، من قولهم درهم قسي وهو من ~~القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، ~~والقاسي والقاسح - بالحاء - أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرىء ~~«قسية»، بكسر القاف للإتباع { يحرفون الكلم } بيان لقسوة ~~قلوبهم، لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه { ونسوا ~~حظا } وتركوا نصيبا جزيلا وقسطا وافيا { مما ذكروا به } ~~من التوراة، يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست ~~قلوبهم وفسدت فحرفوا التوراة وزالت أشياء منها عن حفظهم. وعن ابن مسعود ~~رضي الله عنه قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. وتلا هذه الآية. وقيل ~~تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وبيان نعته { ولا تزال تطلع } أي هذه عادتهم وهجيراهم وكان ~~عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ينكثون عهودك ويظاهرون ~~المشركين على حربك ويهمون بالفتك بك وأن يسموك { على خائنة } على ~~خيانة، أو على فعلة ذات خيانة، أو على نفس، أو فرقة خائنة. # ويقال رجل خائنة، كقولهم رجل راوية للشعر للمبالغة. قال # حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة ~~مضل الأصبع # وقرىء على خيانة { منهم إلا قليلا منهم } وهم الذين آمنوا ~~منهم { فاعف عنهم } بعث على مخالفتهم. وقيل هو منسوخ بآية السيف. ~~وقيل فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. ### || [5.14-16] # { أخذنا ميثقهم } أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من ~~قوم موسى، أي مثل ميثاقهم بالإيمان بالله والرسل وبأفعال الخير، وأخذنا ms0489 ~~من النصارى ميثاق أنفسهم بذلك. فإن قلت فهلا قيل من النصارى؟ قلت لأنهم ~~إنما سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى نحن ~~أنصار الله، ثم اختلفوا بعد نسطورية، ويعقوبية، وملكانية. أنصارا ~~للشيطان { فأغرينا } فألصقنا وألزمنا من غري بالشيء إذا لزمه ولصق ~~به وأغراه غيره. ومنه الغراء الذي يلصق به { بينهم } بين فرق ~~النصارى المختلفين. وقيل بينهم وبين اليهود. ونحوه # وكذلك نولى بعض الظلمين بعضا # الأنعام 129، # أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض # الأنعام 69. { ي أهل الكتب } خطاب لليهود والنصارى { مما ~~كنتم تخفون } من نحو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن نحو ~~الرجم { ويعفوا عن كثير } مما تخفونه لا يبينه إذا لم تضطر إليه ~~مصلحة دينية، ولم يكن فيه فائدة إلا اقتضاء حكم وصفته مما لا بد من ~~بيانه، وكذلك الرجم وما فيه إحياء شريعة وإماتة بدعة. وعن الحسن ويعفو عن ~~كثير منكم لا يؤاخذه { قد جاءكم من الله نور وكتب ~~مبين } يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، لإبانته ما كان خافيا ~~عن الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز { من اتبع رضوانه } ~~من آمن به { سبل السلم } طرق السلامة والنجاة من عذاب الله أو ~~سبل الله. ### || [5.17] # قولهم { إن الله هو المسيح } معناه بت القول، على أن حقيقة ~~الله هو المسيح لا غير. قيل كان في النصارى قوم يقولون ذلك. وقيل ما ~~صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ~~ويدبر أمر العالم { فمن يملك من الله شيئا } فمن يمنع من ~~قدرته ومشيئته شيئا { إن أراد أن يهلك } من دعوه إلها من ~~المسيح وأمه دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد. وأراد بعطف { ~~من فى الأرض } على المسيح وأمه أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما ~~وبينهم في البشرية { يخلق ما يشاء } أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق ~~من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم. ~~أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على ms0490 يد عيسى معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء ~~الأكمه والأبرص، وغير ذلك. فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى ~~على يده. ### || [5.18] # { أبنؤا الله } أشياع ابني الله عزير والمسيح، كما قيل لأشياع ~~أبي خبيب وهو عبد الله بن الزبير الخبيبون وكما كان يقول رهط مسيلمة نحن ~~أنبياء الله. ويقول أقرباء الملك وذووه وحشمه نحن الملوك. ولذلك قال مؤمن ~~آل فرعون لكم الملك اليوم { فلم يعذبكم بذنوبكم } فإن صح ~~أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون وتمسكم ~~النار أياما معدودات على زعمكم. ولو كنتم أبناء الله، لكنتم من جنس ~~الأب، غير فاعلين للقبائح ولا مستوجبين للعقاب. ولو كنتم أحباءه، لما ~~عصيتموه ولما عاقبكم { بل أنتم بشر } من جملة من خلق من البشر { ~~يغفر لمن يشاء } وهم أهل الطاعة { ويعذب من يشاء } وهم ~~العصاة. ### || [5.19] # { يبين لكم } إما أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع، وحذفه ~~لظهور ما ورد الرسول لتبيينه. أو يقدر ما كنتم تخفون، وحذفه لتقدم ~~ذكره. أو لا يقدر ويكون المعنى. يبذل لكم البيان، ومحله النصب على الحال، ~~أي مبينا لكم. { على فترة } متعلق بجاءكم، أي جاءكم على حين فتور ~~من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي { أن تقولوا } كراهة أن تقولوا { ~~فقد جاءكم } متعلق بمحذوف، أي لا تعتذروا فقد جاءكم. وقيل كان بين ~~عيسى ومحمد صلوات الله عليهما خمسمائة وستون سنة. وقيل ستمائة. وقيل ~~أربعمائة ونيف وستون. وعن الكلبي كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة ~~وألف نبي وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليهم أربعة أنبياء. ثلاث من بني ~~إسرائيل، وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي. والمعنى الامتنان عليهم، ~~وأن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي أحوج ما يكون إليه، ليهشوا ~~إليه ويعدوه أعظم نعمة من الله، وفتح باب إلى الرحمة، وتلزمهم الحجة فلا ~~يعتلوا غدا بأنه لم يرسل إليهم من ينبههم عن غفلتهم. ### || [5.20-24] # { جعل فيكم أنبياء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني ~~إسرائيل من الأنبياء { وجعلكم ملوكا } لأنه ملكهم بعد ms0491 فرعون ~~ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم ولأن الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء. ~~وقيل كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمي إنقاذهم ملكا. ~~وقيل الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار. وقيل من له بيت وخدم. وقيل من ~~له مال لا يحتاج معه إلى تكلف الأعمال وتحمل المشاق { ما لم يؤت ~~أحدا من العلمين } من فلق البحر، وإغراق العدو، وتظليل ~~الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل أراد ~~عالمي زمانهم { الأرض المقدسة } يعني أرض بيت المقدس. وقيل ~~الطور وما حوله. وقيل الشام. وقيل فلسطين ودمشق وبعض الأردن. وقيل ~~سماها الله لإبراهيم ميراثا لولده حين رفع على الجبل، فقيل له انظر، ~~فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين { ~~كتب الله لكم } قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها ~~لكم { ولا ترتدوا على أدبركم } ولا تنكصوا على أعقابكم ~~مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا، وقيل لما حدثهم النقباء بحال ~~الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا ليتنا متنا بمصر. وقالوا تعالوا ~~نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد لا ترتدوا على ~~أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم فترجعوا خاسرين ثواب ~~الدنيا والآخرة. الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو ~~العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد { قال رجلان } هما كالب ويوشع ~~{ من الذين يخافون } من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل ~~رجلان من المتقين. ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول ~~محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم ~~{ أنعم الله عليهما } بالإيمان فآمنا، قالا لهم إن العمالقة ~~أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم ~~على قتالهم. وقراءة من قرأ «يخافون» بالضم شاهدة له، وكذلك أنعم الله ~~عليهما، كأنه قيل من المخوفين. وقيل هو من الإخافة، ومعناه من الذين ~~يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة. أو يخوفهم وعيد الله بالعقاب. فإن ~~قلت ما محل أنعم الله عليهما؟ قلت ms0492 إن انتظم مع قوله من الذين يخافون في ~~حكم الوصف لرجلان فمرفوع، وإن جعل كلاما معترضا فلا محل له. فإن قلت ~~من أين علما أنهم غالبون؟ قلت من جهة إخبار موسى بذلك. وقوله تعالى { ~~كتب الله لكم } وقيل من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله ~~في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من ~~حال الجبابرة. # والباب باب قريتهم { لن ندخلها } نفي لدخولهم في المستقبل على ~~وجه التأكيد المؤيس. و { أبدا } تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول. ~~و { ما داموا فيها } بيان للأبد { فاذهب أنت وربك } ~~يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول كلمته فدهب يجيبني، تريد ~~معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا أريد قتالهم. والظاهر أنهم ~~قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ~~ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا ~~بها رؤية الله عز وجل جهرة. والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى ~~أن موسى وهارون عليهما السلام خرا لوجوههما قدامهم لشدة ما ورد ~~عليهما، فهموا برجمهما. ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم ~~عليهم في قوله تعالى # لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا ~~اليهود والذين أشركوا # المائدة 82. ### || [5.25-26] # لما عصوه وتمردوا عليه وخالفوه وقالوا ما قالوا من كلمة الكفر ولم يبق ~~معه مطيع موافق يثق له إلا هارون { قال رب إنى لا أملك } لنصرة ~~دينك { إلا نفسى وأخى } وهذا من البث والحزن والشكوى إلى الله ~~والحسرة ورقة القلب التي بمثلها تستجلب الرحمة وتستنزل النصرة ونحوه قول ~~يعقوب عليه السلام # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله # يوسف 86. وعن علي رضي الله عنه أنه كان يدعو الناس على منبر الكوفة إلى ~~قتال البغاة، فما أجابه إلا رجلان فتنفس الصعداء. ودعا لهما وقال أين ~~تقعان مما أريد؟ وذكر في إعراب أخي وجوه أن يكون منصوبا عطفا على نفسي ~~أو على الضمير في إني بمعنى ولا أملك إلا نفسي وإن أخي لا يملك إلا نفسه. ~~ومرفوعا عطفا ms0493 على محل إن واسمها. كأنه قيل أنا لا أملك إلا نفسي، وهارون ~~كذلك لا يملك إلا نفسه أو على الضمير في لا أملك. وجاز للفصل. مجرورا ~~عطفا على الضمير في نفسي، وهو ضعيف لقبح العطف على ضمير المجرور إلا ~~بتكرير الجار. فإن قلت أما كان معه الرجلان المذكوران؟ قلت كأنه لم يثق ~~بهما كل الوثوق ولم يطمئن إلى ثباتهما، لما ذاق على طول الزمان واتصال ~~الصحبة من أحوال قومه وتلونهم وقسوة قلوبهم، فلم يذكر إلا النبي المعصوم ~~الذي لا شبهة في أمره، ويجوز أن يقول ذلك لفرط ضجره عندما سمع منهم ~~تقليلا لمن يوافقه. ويجوز أن يريد ومن يؤاخيني على ديني { فافرق } ~~فافصل { بيننا } وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق، وتحكم عليهم بما ~~يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم. ولذلك وصل به قوله { فإنها ~~محرمة عليهم } على وجه التسبيب، أو فباعد بيننا وبينهم وخلصنا ~~من صحبتهم كقوله # ونجنى من القوم الظلمين # القصص 21 { فإنها } فإن الأرض المقدسة { محرمة عليهم } ~~لا يدخلونها ولا يملكونها، فإن قلت كيف يوفق بين هذا وبين قوله # التى كتب الله لكم # المائدة 21؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن يراد كتبها لكم بشرط أن تجاهدوا ~~أهلها فلما أبوا الجهاد قيل فإنها محرمة عليهم. والثاني أن يراد فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة، فإذا مضت الأربعون كان من كتب، فقد روي أن موسى ~~سار بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحاء وأقام فيها ~~ما شاء الله ثم قبض صلوات الله عليه. وقيل لما مات موسى بعث يوشع نبيا، ~~فأخبرهم بأنه نبي الله، وأن الله أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وبايعوه ~~وسار بهم إلى أريحاء وقتل الجبارين وأخرجهم، وصار الشام كله لبني ~~إسرائيل. وقيل لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال { إنا لن ~~ندخلها } وهلكوا في التيه ونشأت نواشيء من ذرياتهم فقاتلوا ~~الجبارين ودخلوها والعامل في الظرف إما محرمة وإما يتيهون ومعنى { ~~يتيهون فى الأرض } يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقا. # والتيه المفازة التي يتاه فيها. روى أنهم ms0494 لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ ~~يسيرون كل يوم جادين، حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، ~~وكان الغمام يظللهم من حر الشمس، ويطلع لهم عمود من نور بالليل يضيء ~~لهم، وينزل عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود ~~كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله. فإن قلت فلم كان ينعم عليهم بتظليل ~~الغمام وغيره، وهم معاقبون؟ قلت كما ينزل بعض النوازل على العصاة عركا ~~لهم، وعليهم مع ذلك النعمة متظاهرة. ومثل ذلك مثل الوالد المشفق يضرب ~~ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولا يقطع عنه معروفه وإحسانه. فإن قلت هل كان ~~معهم في التيه موسى وهارون عليهما السلام؟ قلت اختلف في ذلك، فقيل لم ~~يكونا معهم لأنه كان عقابا، وقد طلب موسى إلى ربه أن يفرق بينهما ~~وبينهم. وقيل كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلامة، ولا عقوبة، ~~كالنار لإبراهيم، وملائكة العذاب. وروي أن هارون مات في التيه. ومات موسى ~~بعده فيه بسنة. ودخل يوشع أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر. ومات النقباء في ~~التيه بغتة، إلا كالب ويوشع { فلا تأس } فلا تحزن عليهم لأنه ندم ~~على الدعاء عليهم، فقيل إنهم أحقاء لفسقهم بالعذاب، فلا تحزن ولا تندم. ### || [5.27-32] # هما ابنا آدم لصلبه قابيل وهابيل، أوحى الله إلى آدم أن يزوج كل واحد ~~منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل واسمها إقليما فحسد عليها ~~أخاه وسخط. فقال لهما آدم قربا قربانا، فمن أيكما تقبل زوجها، فقبل ~~قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل حسدا وسخطا، وتوعده ~~بالقتل. وقيل هما رجلان من بني إسرائيل { بالحق } تلاوة متلبسة بالحق ~~والصحة. أو اتله نبأ متلبسا بالصدق موافقا لما في كتب الأولين. أو ~~بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد لأن المشركين وأهل الكتاب كلهم كانوا ~~يحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبغون عليه. أو اتل عليهم وأنت محق ~~صادق. و { إذ قربا } نصب بالنبأ أي قصتهم وحديثهم في ذلك الوقت، ~~ويجوز أن يكون بدلا من النبأ، أي اتل عليهم ms0495 النبأ نبأ ذلك الوقت، على ~~تقدير حذف المضاف. والقربان اسم ما يتقرب به إلى الله من نسيكة أو صدقة، ~~كما أن الحلوان اسم ما يحلى أي يعطى. يقال قرب صدقة وتقرب بها، لأن ~~تقرب مطاوع قرب قال الأصمعي تقربوا قرف القمع فيعدى بالباء حتى يكون ~~بمعنى قرب. فإن قلت كيف كان قوله { إنما يتقبل الله من ~~المتقين } جوابا لقوله { لأقتلنك }؟ قلت لما كان الحسد ~~لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له إنما أتيت ~~من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى،لا من قبلي، فلم تقتلني؟ ومالك لا ~~تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه ~~بكلام حكيم مختصر جامع لمعان. وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة ~~إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم. وعن عامر بن عبد ~~الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ قال إني ~~أسمع الله يقول { إنما يتقبل الله من المتقين }. { ~~ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك } قيل كان أقوى من ~~القاتل وأبطش منه، ولكنه تحرج عن قتل أخيه واستسلم له خوفا من الله ~~لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت. قاله مجاهد وغيره { إنى ~~أريد أن تبوء بإثمى وإثمك } أن تحتمل إثم قتلي لك لو ~~قتلتك وإثم قتلك لي. فإن قلت كيف يحمل إثم قتله له ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى؟ قلت المراد بمثل إثمي على الاتساع في الكلام، كما تقول قرأت قراءة ~~فلان، وكتبت كتابته، تريد المثل وهو اتساع فاش مستفيض لا يكاد يستعمل ~~غيره. ونحوه قوله عليه الصلاة والسلام 347 # " المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم " # على أن البادي عليه إثم سبه، ومثل إثم سب صاحبه لأنه كان سببا فيه، ~~إلا أن الإثم محطوط عن صاحبه معفو عنه، لأنه مكافىء مدافع عن عرضه. ألا ~~ترى إلى قوله ما لم يعتد المظلوم لأنه إذا خرج من حد المكافأة واعتدى لم ms0496 ~~يسلم. فإن قلت فحين كف هابيل عن قتل أخيه واستسلم وتحرج عما كان محظورا ~~في شريعته من الدفع، فأين الإثم حتى يتحمل أخوه مثله فيجتمع عليه ~~الإثمان؟ قلت هو مقدر فهو يتحمل مثل الإثم المقدر، كأنه قال إني أريد ~~أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت يدي إليك. وقيل بإثمي بإثم قتلي وإثمك الذي من ~~أجله لم يتقبل قربانك فإن قلت فكيف جاز أن يريد شقاوة أخيه وتعذيبه ~~النار؟ قلت كان ظالما وجزاء الظالم حسن جائز أن يراد. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى { وذلك جزاء الظلمين } وإذا جاز أن يريده الله، جاز ~~أن يريده العبد لأنه لا يريد إلا ما هو حسن. والمراد بالإثم وبال القتل ~~وما يجره من استحقاق العقاب، فإن قلت لم جاء الشرط بلفظ الفعل والجزاء ~~بلفظ اسم الفاعل وهو قوله { لئن بسطت.... ما أنا بباسط }؟ ~~قلت ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع. ولذلك أكده بالباء ~~المؤكدة للنفي، { فطوعت له نفسه قتل أخيه } فوسعته له ~~ويسرته، من طاع له المرتع إذا اتسع. وقرأ الحسن «فطاوعت». وفيه وجهان أن ~~يكون مما جاء من فاعل بمعنى فعل، وأن يراد أن قتل أخيه كأنه دعا نفسه ~~إلى الإقدام عليه فطاوعته ولم تمتنع، وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ~~ماله. وقيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء، وقيل ~~بالبصرة في موضع المسجد الأعظم { فبعث الله غرابا } روي أنه ~~أول قتيل قتل على وجه الأرض من بني آدم. ولما قتله تركه بالعراء لا يدري ~~ما يصنع به، فخاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعكفت ~~عليه السباع، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر، فحفر له ~~بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة { قال يويلتا أعجزت ~~أن أكون مثل هذا الغراب } ويروى أنه لما قتله اسود جسده ~~وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا، فقال بل قتلته ~~ولذلك اسود جسدك. وروي أن آدم مكث بعد قتله مائة سنة ms0497 لا يضحك وأنه رثاه ~~بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون. وقد صح أن الأنبياء ~~عليهم السلام معصومون من الشعر. { ليريه } ليريه الله. أو ليريه ~~الغراب، أي ليعلمه لأنه لما كان سبب تعليمه، فكأنه قصد تعليمه على سبيل ~~المجاز { سوءة أخيه } عورة أخيه وما لا يجوز أن ينكشف من جسده. # والسوأة الفضيحة لقبحها. قال # يا لقوم للسوأة السوآء # أي للفضيحة العظيمة فكنى بها عنها { فأواري } بالنصب على جواب ~~الاستفهام. وقرىء بالسكون على فأنا أواري. أو على التسكين في موضع النصب ~~للتخفيف { من الندمين } على قتله، لما تعب فيه من حمله وتحيره ~~في أمره، وتبين له من عجزه، وتلمذه للغراب، واسوداد لونه وسخط أبيه، ولم ~~يندم ندم التائبين { من أجل ذلك } بسبب ذلك وبعلته. وقيل أصله من ~~أجل شرا إذا جناه يأجله أجلا. ومنه قوله # وأهل خباء صالح ذات بينهم قد احتربوا في عاجل ~~أنا آجله # كأنك إذا قلت من أجلك فعلت كذا، أردت من أن جنيت فعلته وأوجبته، ويدل ~~عليه قولهم من جراك فعلته، أي من أن جررته بمعنى جنيته. وذلك إشارة إلى ~~القتل المذكور، أي من أن جنى ذلك القتل الكتب وجره { كتبنا على ~~بنى إسرءيل } ومن لابتداء الغاية، أي ابتدأ الكتب و نشأ من أجل ~~ذلك. ويقال فعلت كذا لأجل كذا. وقد يقال أجل كذا، بحذف الجار وإيصال ~~الفعل قال أجل إن الله قد فضلكم. وقرىء «من اجل ذلك»، بحذف الهمزة وفتح ~~النون لإلقاء حركتها عليها. وقرأ أبو جعفر «من إجل ذلك»، بكسر الهمزة وهي ~~لغة فإذا خفف كسر النون ملقيا لكسرة الهمزة عليها { بغير نفس } ~~بغير قتل نفس، لا على وجه الاقتصاص { أو فساد } عطف على نفس بمعنى ~~أو بغير فساد { فى الأرض } وهو الشرك. وقيل قطع الطريق { ومن ~~أحيها } ومن استنقذها من بعض أسباب الهلكة قتل أو غرق أو حرق أو ~~هدم أو غير ذلك. فإن قلت كيف شبه الواحد بالجميع وجعل حكمه كحكمهم؟ قلت ~~لأن كل إنسان يدلي بما يدلي به الآخر من ms0498 الكرامة على الله وثبوت الحرمة، ~~فإذا قتل فقد أهين ما كرم على الله وهتكت حرمته وعلى العكس، فلا فرق إذا ~~بين الواحد والجميع في ذلك. فإن قلت فما الفائدة في ذكر ذلك؟ قلت تعظيم ~~قتل النفس وإحيائها في القلوب ليشمئز الناس عن الجسارة عليها، ويتراغبوا ~~في المحاماة على حرمتها لأن المتعرض لقتل النفس إذا تصور قتلها بصورة ~~قتل الناس جميعا عظم ذلك عليه فثبطه، وكذلك الذي أراد إحياءها. وعن ~~مجاهد قاتل النفس جزاؤه جهنم، وغضب الله، والعذاب العظيم. ولو قتل الناس ~~جميعا لم يزد على ذلك. وعن الحسن يا ابن آدم، أرأيت لو قتلت الناس ~~جميعا أكنت تطمع أن يكون لك عمل يوازي ذلك فيغفر لك به؟ كلا إنه شيء ~~سولته لك نفسك والشيطان، فكذلك إذا قتلت واحدا { بعد ذلك } ~~بعدما كتبنا عليهم وبعد مجيء الرسل بالآيات { لمسرفون } يعني في ~~القتل لا يبالون بعظمته. ### || [5.33-34] # { يحاربون الله ورسوله } يحاربون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته { ويسعون فى الأرض ~~فسادا } مفسدين، أو لأن سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل ~~منزلة ويفسدون في الأرض فانتصب فسادا. على المعنى، ويجوز أن يكون ~~مفعولا له، أي الفساد. نزلت في قوم هلال بن عويمر وكان بينه وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد وقد مر بهم قوم يريدون رسول الله فقطعوا ~~عليهم. وقيل في العرنيين، فأوحى إليه أن من جمع بين القتل وأخذ المال ~~قتل وصلب ومن أفرد القتل قتل. ومن أفرد أخذ المال قطعت يده لأخذ المال، ~~ورجله لإخافة السبيل. ومن أفرد الإخافة نفي من الأرض. وقيل هذا حكم كل ~~قاطع طريق كافرا كان أو مسلما. ومعناه { أن يقتلوا } من غير ~~صلب، إن أفردوا القتل { أو يصلبوا } مع القتل إن جمعوا بين القتل ~~والأخذ. قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، يصلب حيا، ويطعن حتى يموت { ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف } إن أخذوا ~~المال { أو ينفوا من الأرض } إذا لم يزيدوا على الإخافة. وعن ~~جماعة ms0499 منهم الحسن والنخعي أن الإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع ~~طريق من غير تفصيل. والنفي الحبس عند أبي حنيفة، وعند الشافعي النفي من ~~بلد إلى بلد، لا يزال يطلب وهو هارب فزعا، وقيل ينفى من بلده، وكانوا ~~ينفونهم إلى دهلك وهو بلد في أقصى تهامة، وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة { ~~خزى } ذل وفضيحة { إلا الذين تابوا } استثناء من المعاقبين ~~عقاب قطع الطريق خاصة. وأما حكم القتل والجراح وأخذ المال فإلى الأولياء، ~~إن شاؤا عفوا، وإن شاؤا استوفوا. وعن علي رضي الله عنه أن الحرث بن بدر ~~جاءه تائبا بعدما كان يقطع الطريق، فقبل توبته ودرأ عنه العقوبة. ### || [5.35] # الوسيلة كل ما يتوسل به أي يتقرب من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك، ~~فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المعاصي. ~~وأنشد للبيد # أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ألا كل ذي ~~لب إلى الله واسل ### || [5.36-37] # { ليفتدوا به } ليجعلوه فدية لأنفسهم. وهذا تمثيل للزوم العذاب ~~لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 348 # " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي ~~به، فيقول نعم، فيقال له قد سئلت أيسر من ذلك " # و لو مع ما في حيزه خبر أن. فإن قلت لم وحد الراجع في قوله { ~~ليفتدوا به } وقد ذكر شيئان؟ قلت نحو قوله # فإني وقيار بها لغريب # أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل ليفتدوا بذلك. ويجوز أن ~~يكون الواو في مثله بمعنى مع فيتوحد المرجوع إليه. فإن قلت فبم ينصب ~~المفعول معه؟ قلت بما يستدعيه لو من الفعل، لأن التقدير لو ثبت أن لهم ما ~~في الأرض. قرأ أبو واقد «أن يخرجوا» بضم الياء من أخرج. ويشهد لقراءة ~~العامة قوله بخارجين. وما يروى عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن ~~عباس يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوما يخرجون من النار، وقد قال ms0500 ~~الله تعالى { وما هم بخرجين منها } فقال ويحك، اقرأ ما ~~فوقها. هذا للكفار. فما لفقته المجبرة وليس بأول تكاذيبهم وفراهم. وكفاك ~~بما فيه من مواجهة ابن الأزرق ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بين أظهر أعضاده من قريش وأنضاده من بني عبد المطلب وهو حبر الأمة ~~وبحرها ومفسرها، بالخطاب الذي لا يجسر على مثله أحد من أهل الدنيا، ~~وبرفعه إلى عكرمة دليلين ناصين أن الحديث فرية ما فيها مرية. ### || [5.38-40] # { والسارق والسارقة } رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند ~~سيبويه، كأنه قيل وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما. ووجه آخر ~~وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر { فاقطعوا أيديهما } ودخول ~~الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأن المعنى والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا ~~أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، ~~وفضلها سيبويه على قراءة العامة لأجل الأمر لأن زيدا فاضربه أحسن من ~~زيد فاضربه { أيديهما } يديهما، ونحوه # فقد صغت قلوبكما # التحريم 4 اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف. وأريد باليدين ~~اليمينان، بدليل قراءة عبد الله «والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم»، ~~والسارق في الشريعة من سرق من الحرز والمقطع. الرسغ. وعند الخوارج ~~المنكب. والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك ~~والشافعي رحمهما الله ربع دينار. وعن الحسن درهم وفي مواعظه احذر من قطع ~~يدك في درهم { جزاء } و { نكلا } مفعول لهما { فمن تاب } من ~~السراق { من بعد ظلمه } من بعد سرقته { وأصلح } أمره ~~بالتفصي عن التبعات { فإن الله يتوب عليه } ويسقط عنه عقاب ~~الآخرة. وأما القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه وعند ~~الشافعي في أحد قوليه تسقطه من يشآء من يجب في الحكمة تعذيبه ~~والمغفرة له من المصرين والتائبين. وقيل يسقط حد الحربي إذا سرق ~~بالتوبة، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقطه عن ~~المسلم لأن في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة # ولكم في القصاص حيوة # البقرة 179. فإن قلت لم قدم التعذيب على المغفرة؟ قلت لأنه قوبل بذلك ms0501 ~~تقدم السرقة على التوبة. ### || [5.41] # قرىء «لا يحزنك» بضم الياء. ويسرعون. والمعنى لا تهتم ولا تبال بمسارعة ~~المنافقين { فى الكفر } أي في إظهاره بما يلوح منهم من آثار الكيد ~~للإسلام ومن موالاة المشركين، فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم. يقال أسرع ~~فيه الشيب. وأسرع فيه الفساد، بمعنى وقع فيه سريعا، فكذلك مسارعتهم في ~~الكفر ووقوعهم وتهافتهم فيه، أسرع شيء إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها. و { ~~ءامنا } مفعول قالوا. و { بأفوههم } متعلق بقالوا لا بآمنا ~~{ ومن الذين هادوا } منقطع مما قبله خبر لسماعون، أي ومن ~~اليهود قوم سماعون. ويجوز أن يعطف على { من الذين قالوا } ويرتفع سماعون ~~على هم سماعون. والضمير للفريقين. أو للذين هادوا. ومعنى { سمعون ~~للكذب } قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله ~~وتحريف كتابه من قولك الملك يسمع كلام فلان. ومنه سمع الله لمن حمده { ~~سمعون لقوم ءاخرين لم يأتوك } يعني اليهود الذين لم ~~يصلوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجافوا عنه لما أفرط فيهم ~~من شدة البغضاء وتبالغ من العداوة، أي قابلون من الأحبار ومن أولئك ~~المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك. وقيل سماعون إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكذبوا عليه بأن يمسخوا ما سمعوا ~~منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم ~~آخرين من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منه. وقيل السماعون ~~بنو قريظة. والقوم الآخرون يهود خيبر { يحرفون الكلم } يميلونه ~~ويزيلونه { عن موضعه } التي وضعه الله تعالى فيها، فيهملونه بغير ~~مواضع بعد أن كان ذا مواضع { إن أوتيتم هذا } المحرف المزال عن ~~مواضعه { فخذوه } واعلموا أنه الحق واعملوا به { وإن لم ~~تؤتوه } وأفتاكم محمد بخلافه { فاحذروا } وإياكم وإياه فهو ~~الباطل والضلال. وروي 349 أن شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان ~~وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم إلى ~~بني قريظة ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقالوا إن أمركم ~~محمد بالجلد والتحميم فاقبلوا ms0502 وإن يأمركم بالرجم فلا تقبلوا، وأرسلوا ~~الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل اجعل ~~بينك وبينهم ابن صوريا، فقال # " هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا " # ؟ قالوا نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكما. فقال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم ~~الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل ~~تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ " # قال نعم، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال خفت إن كذبته أن ينزل علينا ~~العذاب. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يعرفها من ~~أعلامه فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبي الأمي العربي ~~الذي بشر به المرسلون، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزانيين ~~فرجما عند باب مسجده { ومن يرد الله فتنته } تركه مفتونا ~~وخذلانه { فلن تملك له من الله شيئا } فلن تستطيع له من ~~لطف الله وتوفيقه شيئا { أولئك الذين لم يرد الله } ~~أن يمنحهم من ألطافه ما يطهر به قلوبهم لأنهم ليسوا من أهلها، لعلمه أنها ~~لا تنفع فيهم ولا تنجع # إن الذين لا يؤمنون بآيت الله لا يهديهم ~~الله # النحل 104، # كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمنهم # آل عمران 86. ### || [5.42-43] # { السحت } كل ما لا يحل كسبه، وهو من - سحته - إذا استأصله لأنه ~~مسحوت البركة كما قال تعالى # يمحق الله الربوا # البقرة 276 والربا باب منه. وقرىء «السحت» بالتخفيف والتثقيل. والسحت ~~بفتح السين على لفظ المصدر من سحته. «والسحت»، بفتحتين. «والسحت»، بكسر ~~السين. وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام. وعن الحسن كان ~~الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراها إياه ~~وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب. ~~وحكى أن عاملا قدم من عمله فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدثهم ~~بما جرى له ms0503 في عمله، فقال أعرابي من القوم نحن كما قال الله تعالى { ~~سمعون للكذب أكلون للسحت } وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 350 # " كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به " # قيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا - إذا تحاكم إليه أهل ~~الكتاب - بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم. وعن عطاء والنخعي والشعبي ~~أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا وإن شاءوا أعرضوا. ~~وقيل هو منسوخ بقوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ~~وعند أبي حنيفة رحمه الله إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن ~~زنى منهم رجل بمسلمة أو سرق من مسلم شيئا أقيم عليه الحد. وأما أهل ~~الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على ~~شركهم وهو أعظم من الحدود. ويقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ~~اليهوديين قبل نزول الجزية { فلن يضروك شيئا } لأنهم كانوا لا ~~يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم، كالجلد مكان الرجم. فإذا ~~أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم، شق عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء ~~بأن يعادوه ويضاروه، فأمن الله سربه { بالقسط } بالعدل والاحتياط ~~كما حكم بالرجم { وكيف يحكمونك } تعجيب من تحكيمهم لمن لا ~~يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدعون الإيمان به ~~{ ثم يتولون من بعد ذلك } ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن ~~حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به { وما أولئك ~~بالمؤمنين } بكتابهم كما يدعون. أو وما أولئك بالكاملين في ~~الإيمان على سبل التهكم بهم. فإن قلت { فيها حكم الله } ما موضعه ~~من الإعراب؟ قلت إما أن ينتصب حالا من التوراة وهي مبتدأ خبره عندهم ~~وإما أن يرتفع خبرا عنها كقولك وعندهم في التوراة ناطقة بحكم الله ~~وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبنية، لأن عندهم ما يغنيهم عن ~~التحكيم، كما تقول عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره؟ ~~فإن قلت لم أنثت التوراة؟ قلت لكونها نظيرة لموماة ودوداة ونحوها في ms0504 كلام ~~العرب. فإن قلت علام عطف ثم يتولون؟ قلت على يحكمونك. ### || [5.44] # { فيها هدى } يهدي للحق والعدل { ونور } يبين ما استبهم من ~~الأحكام { الذين أسلموا } صفة أجريت على النبيين على سبيل ~~المدح، كالصفات الجارية على القديم سبحانه لا للتفصلة والتوضيح، وأريد ~~بإجرائها التعريض باليهود، وأنهم بعداء من ملة الإسلام التي هي دين ~~الأنبياء كلهم في القديم والحديث، وأن اليهودية بمعزل منها. وقوله { ~~الذين أسلموا للذين هادوا } مناد على ذلك { ~~والربنيون والأحبار } والزهاد والعلماء من ولد هارون، ~~الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود { بما استحفظوا ~~من كتب الله } بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة، أي بسبب ~~سؤال أنبيائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل، و من في من كتاب ~~الله للتبيين { وكانوا عليه شهداء } رقباء لئلا يبدل. والمعنى ~~يحكم بأحكام التوراة النبييون - بين موسى وعيسى وكان بينهماألف بني وعيسى ~~- للذين هادوا يحملونهم على أحكام التوراة لا يتركونهم أن يعدلوا عنها، ~~كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حملهم على حكم الرجم وإرغام ~~أنوفهم، وإبائه عليهم ما اشتهوه من الجلد. وكذلك حكم الربانيون والأحبار ~~والمسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم من كتاب الله والقضاء بأحكامه، ~~وبسبب كونهم عليه شهداء. ويجوز أن يكون الضمير في استحفظوا للأنبياء ~~والربانيين والأحبار جميعا ويكون الاستحفاظ من الله، أي كلفهم الله حفظه ~~وأن يكونوا عليه شهداء { فلا تخشوا الناس } نهي للحكام عن ~~خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها وإمضائها على خلاف ما أمروا ~~به من العدل لخشية سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء { ~~ولا تشتروا } ولا تستبدلوا ولا تستعيضوا { بآياتي } وأحكامه { ~~ثمنا قليلا } وهو الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، كما حرف أحبار ~~اليهود كتاب الله وغيروا أحكامه رغبة في الدنيا وطلبا للرياسة فهلكوا { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله } مستهينا به { ~~فأولئك هم الكفرون } والظالمون والفاسقون وصف لهم ~~بالعتو في كفرهم حين ظلموا آيات الله بالاستهانة. وتمردوا بأن حكموا ~~بغيرها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكافرين والظالمين والفاسقين ~~أهل ms0505 الكتاب. وعنه نعم القوم أنتم، ما كان من حلو فلكم، ومن كان من مرة ~~فهو لأهل الكتاب، من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم ~~فاسق. وعن الشعبي هذه في أهل الإسلام والظالمون في اليهود، والفاسقون في ~~النصارى. وعن ابن مسعود هو عام في اليهود وغيرهم. وعن حذيفة أنتم أشبه ~~الأمم سمتا ببني إسرائيل لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، ~~غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟. ### || [5.45] # في مصحف أبي وأنزل الله على بني إسرائيل فيها وفيه وأن الجروح قصاص. ~~والمعطوفات كلها قرئت منصوبة ومرفوعة، والرفع للعطف على محل أن النفس، ~~لأن المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس، إما لإجراء كتبنا مجرى قلنا، وإما ~~لأن معنى الجملة التي هي قولك النفس بالنفس مما يقع عليه الكتاب كما تقع ~~عليه القراءة. تقول كتبت الحمد لله، وقرأ سورة أنزلناها. ولذلك قال ~~الزجاج لو قرىء إن النفس بالنفس، بالكسر لكان صحيحا. أو للاستئناف. ~~والمعنى فرضنا عليهم فيها { أن النفس } مأخوذة { بالنفس } ~~مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق { و } كذلك { العين } مفقوءة { ~~بالعين والأنف } مجدوع { بالأنف والأذن } مصلومة { ~~بالاذن والسن } مقلوعة { بالسن والجروح قصاص } ذات ~~قصاص، وهو المقاصة، ومعناه ما يمكن فيه القصاص وتعرف المساواة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فنزلت { فمن ~~تصدق } من أصحاب الحق { به } بالقصاص وعفا عنه { فهو ~~كفارة له } فالتصدق به كفارة للمتصدق يكفر الله من سيآته ما ~~تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بم عمرو يهدم عنه من ذنوبه ~~بقدر ما تصدق به، وقيل فهو كفارة للجاني، إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط ~~عنه ما لزمه، وفي قراءة أبي فهو كفارته له يعني فالمتصدق كفارته له أي ~~الكفارة التي يستحقها له لا ينقص منها، وهو تعظيم لما فعل، كقوله تعالى # فأجره على الله # الشورى 40 وترغيب في العفو. ### || [5.46-47] # قفيته مثل عقبته، إذا اتبعته ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به، فتعديه إلى ~~الثاني بزيادة الباء، ms0506 فإن قلت فأين المفعول الأول في الآية؟ قلت هو محذوف ~~والظرف الذي هو { على ءاثرهم } كالساد مسده لأنه إذا قفى ~~به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في آثارهم للنبيين في قوله { ~~يحكم بها النبيون الذين أسلموا }. وقرأ الحسن ~~الأنجيل بفتح الهمزة فإن صح عنه فلأنه أعجمي خرج لعجمته عن زنات ~~العربية، كما خرج هابيل وآجر { ومصدقا } عطف على محل { فيه هدى ~~} ومحله النصب على الحال { وهدى وموعظة } يجوز أن ينتصبا على ~~الحال. كقوله { مصدقا } وأن ينتصبا مفعولا لهما، كقوله { ~~وليحكم } كأنه قيل. وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل، وللحكم بما ~~أنزل الله فيه من الأحكام. فإن قلت فإن نظمت { هدى وموعظة } في ~~سلك مصدقا، فما تصنع بقوله وليحكم قلت اصنع به ما صنعت بهدى وموعظة حين ~~جعلتهما مفعولا لهما، فأقدر وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله آتيناه ~~إياه. وقرىء «وليحكم» على لفظ الأمر بمعنى وقلنا ليحكم. وروي في ~~قراءة أبي «وأن ليحكم»، بزيادة أن مع الأمر على أن أن موصولة بالأمر، ~~كقولك أمرته بأن قم كأنه قيل وآتيناه الأنجيل وأمرنا بأن يحكم أهل ~~الإنجيل. وقيل إن عيسى عليه السلام كان متعبدا بما في التوراة من ~~الأحكام لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة. وظاهر قوله { ~~وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } يرد ذلك، ~~وكذلك قوله # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # المائدة 48 وإن ساغ لقائل أن يقول معناه وليحكموا بما أنزل الله فيه من ~~إيجاب العمل بأحكام التوراة. ### || [5.48] # فإن قلت أي فرق بين التعريفين في قوله { وأنزلنا إليك ~~الكتب } وقوله { لما بين يديه من الكتب }؟ قلت ~~الأول تعريف العهد، لأنه عنى به القرآن. والثاني تعريف الجنس، لأنه عنى ~~به جنس الكتب المنزلة ويجوز أن يقال هو للعهد لأنه لم يرد به ما يقع عليه ~~اسم الكتاب على الإطلاق، وإنما أريد نوع معلوم منه، وهو ما أنزل من ~~السماء سوى القرآن { ومهيمنا } ورقيبا على سائر الكتب لأنه يشهد ~~لها بالصحة والثبات. وقرىء «مهيمنا عليه» بفتح الميم، أي هو من ms0507 عليه بأن ~~حفظ من التغيير والتبديل، كما قال # لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه # فصلت 42 والذي هيمن الله عليه عز وجل أو الحفاظ في كل بلد، لو حرف ~~حرف منه أو حركة أو سكون لتنبه عليه كل أحد، ولا شمأزوا رادين ~~ومنكرين. ضمن { لا تتبعوا } معنى ولا تنحرف فلذلك عدي بعن كأنه ~~قيل ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم { لكل جعلنا ~~منكم } أيها الناس { شرعة } شريعة. وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الشين ~~{ ومنهجا } وطريقا واضحا في الدين تجرون عليه. وقيل هذا دليل على ~~أنا غير متعبدين بشرائع من قبلنا { لجعلكم أمة وحدة } ~~جماعة متفقة على شريعة واحدة، أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا اختلاف ~~فيه { ولكن } أراد { ليبلوكم فى مآ ءاتكم } من ~~الشرائع المختلفة، هل تعملون بها مذعنين معتقدين أنها مصالح قد اختلفت ~~على حسب الأحوال والأوقات، معترفين بأن الله لم يقصد باختلافها إلا ما ~~اقتضته الحكمة؟ أم تتبعون الشبه وتفرطون في العمل؟ { فاستبقوا ~~الخيرات } فابتدروها وتسابقوا نحوها { إلى الله مرجعكم } ~~استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات { فينبئكم } فيخبركم بما ~~لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ومبطلكم، وعاملكم ومفرطكم في ~~العمل. ### || [5.49] # فإن قلت { وأن احكم بينهم } معطوف على ماذا؟ قلت على الكتاب ~~في قوله { وأنزلنا إليك الكتب } كأنه قيل وأنزلنا إليك أن ~~احكم على أن أن وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال ويجوز أن يكون ~~معطوفا على بالحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم { أن يفتنوك عن ~~بعض ما أنزل الله إليك } أن يضلوك عنه ويستزلوك وذلك 351 ~~أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من أحبار اليهود قالوا ~~اذهبوا بنا إلى محمد نفتنه عن دينه، فقالوا يا محمد قد عرفت أنا أحبار ~~اليهود، وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم ولم يخالفونا، وإن بيننا ~~وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم، ونحن نؤمن بك ونصدقك، ~~فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت { فإن ms0508 تولوا } عن ~~الحكم بما أنزل الله إليك وأرادوا غيره { فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } يعني بذنب التولي عن حكم ~~الله وإرادة خلافه، فوضع { ببعض ذنوبهم } موضع ذلك وأرادأن لهم ~~ذنوبا جمة كثيرة العدد، وأن هذا الذنب مع عظمه بعضها وواحد منها، وهذا ~~الإبهام لتعظيم التولي واستسرافهم في ارتكابه. ونحو البعض في هذا الكلام ~~ما في قول لبيد # أو يرتبط بعض النفوس حمامها # أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام، كأنه قال نفسا كبيرة، ~~ونفسا أي نفس، فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، ~~فكذلك إذا صرح بالبعض { لفاسقون } لمتمردون في الكفر معتدون فيه، ~~يعني أن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر. ### || [5.50] # { أفحكم الجهلية يبغون } فيه وجهان، أحدهما أن قريظة ~~والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين ~~القتلى وروي 352 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم «القتلى بواء» ~~فقال بنو النضير نحن لا نرضى بذلك فنزلت والثاني أن يكون تعبيرا لليهود ~~بأنهم أهل كتاب وعلم، وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل، لا ~~تصدر عن كتاب ولا ترجع إلى وحي من الله تعالى وعن الحسن هو عام في كل من ~~يبغي غير حكم الله والحكم حكمان حكم بعلم فهو حكم الله، وحكم بجهل فهو ~~حكم الشيطان. وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض، فقرأ هذه الآية ~~وقرىء «تبغون»، بالتاء والياء وقرأ السلمي «أفحكم الجاهلية يبغون»، برفع ~~الحكم على الابتداء، وإيقاع يبغون خبرا وإسقاط الراجع عنه كإسقاطه عن ~~الصلة في # أهذا الذى بعث الله رسولا # الفرقان 31 وعن الصفة في الناس رجلان رجل أهنت، ورجل أكرمت. وعن الحال ~~في مررت بهند يضرب زيد وقرأ قتادة { أفحكم الجهلية } على ~~أن هذا الحكم الذي يبغونه إنما يحكم به أفعى نجران، أو نظيره من حكام ~~الجاهلية، فأرادوا بسفههم أن يكون محمد خاتم النبيين حكما كأولئك ~~الحكام. اللام في قوله { لقوم ms0509 يوقنون } للبيان كاللام في هيت لك ~~أي هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم الذين يتيقنون أن لا ~~أعدل من الله ولا أحسن حكما منه. ### || [5.51-53] # لا تتخذوهم أولياء تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم وتصافونهم وتعاشرونهم ~~معاشرة المؤمنين. ثم علل النهي بقوله { بعضهم أولياء بعض } ~~أي إنما يوالي بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم واجتماعهم في الكفر، فما لمن ~~دينه خلاف دينهم ولموالاتهم { ومن يتولهم منكم فإنه } ~~من جملتهم وحكمه حكمهم. وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة ~~المخالف في الدين واعتزاله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 353 # " لا تراءى ناراهما " # ومنه قول عمر رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني لا تكرموهم إذ ~~أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله ~~وروي أنه قال له أبو موسى لا قوام للبصرة إلا به، فقال مات النصراني ~~والسلام، يعني هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة، ~~واستغن عنه بغيره { إن الله لا يهدى القوم الظلمين ~~} يعني الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفر يمنعهم الله ألطافه ويخذلهم ~~مقتا لهم { يسرعون فيهم } ينكمشون في موالاتهم ويرغبون فيها ~~ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان، أي صرف من ~~صروفه ودولة من دوله، فيحتاجون إليهم وإلى معونتهم، وعن عبادة بن الصامت ~~رضي الله عنه 354 أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي من موالي ~~من يهود كثيرا عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولايتهم وأوالي ~~الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ~~ولاية موالي وهم يهود بني قينقاع. { فعسى الله أن يأتى ~~بالفتح } لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين ~~{ أو أمر من عنده } يقطع شأفة اليهود ويجليهم عن بلادهم، فيصبح ~~المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم وذلك أنهم كانوا يشكون في أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون ما نظن أن يتم له أمر، وبالحري أن ~~تكون ms0510 الدولة والغلبة لهؤلاء. وقيل أو أمر من عنده أو أن يؤمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على نفاقهم. وقيل ~~أو أمر من عند الله لا يكون فيه للناس فعل كبني النضير الذين طرح الله في ~~قلوبهم الرعب. فأعطوا بأيديهم من غير أن يوجف عليهم بخيل ولا ركاب { ~~ويقول الذين ءامنوا } قرىء بالنصب عطفا على أن يأتي. وبالرفع ~~على أنه كلام مبتدأ، أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت وقرىء «يقول» ~~بغير واو، وهي في مصاحف مكة والمدينة والشأم كذلك على أنه جواب قائل يقول ~~فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل يقول الذين آمنوا هؤلاء الذين أقسموا. ~~فإن قلت لمن يقولون هذا القول؟ قلت إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من ~~حالهم واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص { أهؤلاء ~~الذين أقسموا } لكم بإغلاظ الأيمان أنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على ~~الكفار. وإما أن يقولوه لليهود لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة. كما ~~حكى الله عنهم # وإن قوتلتم لننصرنكم # الحشر 11. { حبطت أعملهم } من جملة قول المؤمنين، أي بطلت ~~أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأى أعين الناس. وفيه معنى التعجيب كأنه ~~قيل ما أحبط أعمالهم! فما أخسرهم! أو من قول الله عز وجل شهادة لهم ~~بحبوط الأعمال وتعجبا من سوء حالهم. ### || [5.54] # وقرىء «من يرتد» ومن «يرتدد»، وهو في الإمام بدالين، وهو من الكائنات ~~التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها. وقيل بل كان أهل الردة إحدى عشرة ~~فرقة ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو مدلج، ورئيسهم ذو ~~الخمار وهو الأسود العنسي، وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده، ~~وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن، فأهلكه الله على يدي فيروز ~~الديلمي بيته فقتله وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة ~~قتل، فسر المسلمون وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد. وأتى ~~خبره في آخر شهر ms0511 ربيع الأول. وبنو حنيفة، قوم مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما ~~بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب عليه الصلاة والسلام # " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها ~~من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " # فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي قاتل ~~حمزة. وكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام، ~~أراد في جاهليتي وإسلامي. وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم ~~أسلم وحسن إسلامه. وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه فزاره قوم عيينة بن ~~حصين وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ~~ليل. وبنو يربوع، قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر ~~المتنبئة التي زوجت نفسها مسيلمة الكذاب، وفيها يقول أبو العلاء المعري ~~في كتاب استغفر واستغفري # أمت سجاح ووالاها مسيلمة كذابة في بني ~~الدنيا وكذاب # وكندة، قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم بن ~~زيد، وكفى الله أمرهم على يد أبي بكر رضي الله عنه. وفرقة واحدة في عهد ~~عمر رضي الله عنه غسان قوم جبلة ابن الأيهم نصرته اللطيمة وسيرته إلى ~~بلاد الروم بعد إسلامه { فسوف يأتى الله بقوم } قيل 355 ~~لما نزلت أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى الأشعري فقال ~~«قوم هذا» وقيل هم ألفان من النخع، وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة ~~آلاف من أفناء الناس جاهدوا يوم القادسية. وقيل هم الأنصار. وقيل 356 سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال «هذا ~~وذووه» ثم قال # " لو كان الإيمان معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس " # { يحبهم ويحبونه } محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء ~~مرضاته، وأن لا يفعلوا ms0512 ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله لعباده أن يثيبهم ~~أحسن الثواب على طاعتهم ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم وأما ما يعتقده ~~أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوأهم طريقة، وإن كانت ~~طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئا، وهم الفرقة المفتعلة ~~المتفعلة من الصوف، وما يدينون به من المحبة والعشق، والتغني على كراسيهم ~~خربها الله، وفي مراقصهم عطلها الله، بأبيات الغزل المقولة في المردان ~~الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين عنها صعقة موسى عند دك الطور، ~~فتعالى الله عنه علوا كبيرا، ومن كلماتهم كما أنه بذاته يحبهم كذلك ~~يحبون ذاته، فإن الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات. ومنها الحب ~~شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة. فإن قلت ~~أين الراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن لمعنى الشرط؟ قلت هو محذوف معناه ~~فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم، أو ما أشبه ذلك { أذلة } ~~جمع ذليل. وأما ذلول فجمعه ذلل. ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض ~~الصعوبة، فقد غبى عنه أن ذلولا لا يجمع على أذلة. فإن قلت هلا قيل أذلة ~~للمؤمنين أعزة على الكافرين؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن يضمن الذل معنى ~~الحنو والعطف كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع. والثاني ~~أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم. ~~ونحوه قوله عز وجل # أشداء على الكفار رحماء بينهم # الفتح 29 وقرىء أذلة وأعزة بالنصب على الحال { ولا يخفون ~~لومة لائم } يحتمل أن تكون الواو للحال، على أنهم يجاهدون وحالهم ~~في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود - لعنت - ~~فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما ~~يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم. وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه ~~الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف، على أن من صفتهم المجاهدة ~~في سبيل الله، وأنهم صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين ~~إنكار منكر أو ms0513 أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول ~~قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم، يشق عليه جدهم في إنكارهم ~~وصلابتهم في أمرهم. واللومة المرة من اللوم، وفيها وفي التنكير مبالغتان ~~كأنه قيل لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام. و { ذلك } إشارة ~~إلى ما وصف به القوم من المحبة والذلة والعزة والمجاهدة وانتفاء خوف ~~اللومة { يؤتيه } يوفق له { من يشآء } ممن يعلم أن له لطفا { ~~وسع } كثير الفواضل والألطاف { عليم } بمن هو من أهلها. ### || [5.55] # عقب النهي عن موالاة من تجب معاداتهم ذكر من تجب موالاتهم بقوله تعالى { ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } ومعنى ~~إنما وجوب اختصاصهم بالموالاة. فإن قلت قد ذكرت جماعة فهلا قيل إنما ~~أولياؤكم؟ قلت أصل الكلام إنما وليكم الله، فجعلت الولاية لله على طريق ~~الأصالة، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل إنما أولياؤكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصل وتبع وفي قراءة عبد الله «إنما ~~مولاكم». فإن قلت { الذين يقيمون } ما محله؟ قلت الرفع على البدل ~~من الذين آمنوا، أو على هم الذين يقيمون. أو النصب على المدح. وفيه تمييز ~~للخلص من الذين آمنوا نفاقا، أو واطأت قلوبهم ألسنتهم إلا أنهم مفرطون ~~في العمل { وهم راكعون } الواو فيه للحال، أي يعملون ذلك في حال ~~الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله إذا صلوا وإذا زكوا. وقيل هو ~~حال من يؤتون الزكاة، بمعنى يؤتونها في حال ركوعهم في الصلاة، و 357 أنها ~~نزلت في علي كرم الله وجهه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فطرح له ~~خاتمه. كأنه كان مرجا في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عما تفسد بمثله ~~صلاته، فإن قلت كيف صح أن يكون لعلي رضي الله عنه واللفظ لفظ جماعة؟ ~~قلت جيء به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا، ليرغب الناس في ~~مثل فعله فينالوا مثل ثوابه، ولينبه على أن ms0514 سجية المؤمنين يجب أن تكون ~~على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء، حتى إن لزهم ~~أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخروه إلى الفراغ منها. ### || [5.56] # { فإن حزب الله } من إقامة الظاهر مقام المضمر. ومعناه فإنهم ~~هم الغالبون، ولكنهم بذلك جعلوا أعلاما لكونهم حزب الله. وأصل الحزب؟ ~~القوم يجتمعون لأمر حزبهم. ويحتمل أن يريد بحزب الله الرسول والمؤمنين. ~~ويكون المعنى ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب. ### || [5.57-58] # روي أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، ~~وكان رجال من المسلمين يؤادونهما، فنزلت. يعني أن اتخاذهم دينكم هزوا ~~ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذكم إياهم أولياء، بل يقابل ذلك بالبغضاء ~~والشنآن والمنابذة. وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار - وإن كان أهل ~~الكتاب من الكفار - إطلاقا للكفار على المشركين خاصة. والدليل عليه ~~قراءة عبد الله «ومن الذين أشركوا». وقرىء «والكفار» بالنصب والجر. ~~وتعضد قراءة الجر قراءة أبي «ومن الكفار» { واتقوا الله } في ~~موالاة الكفار وغيرها { إن كنتم مؤمنين } حقا لأن الإيمان حقا ~~يأبى موالاة أعداء الدين { اتخذوها } الضمير للصلاة أو للمناداة. ~~قيل كان رجلا من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا ~~رسول الله قال حرق الكاذب، فدخلت خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم، فتطايرت ~~منها شرارة في البيت فاحترق البيت، واحترق هو وأهله. وقيل فيه دليل على ~~ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده { لا يعقلون } لأن لعبهم ~~وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لا عقل لهم. ### || [5.59] # قرأ الحسن «هل تنقمون» بفتح القاف. والفصيح كسرها. والمعنى هل تعيبون ~~منا وتنكرون إلا الإيمان بالكتب المنزلة كلها { وأن أكثركم ~~فسقون }. فإن قلت علام عطف قوله { وأن أكثركم فسقون ~~}؟ قلت فيه وجوه منها أن يعطف على أن آمنا، بمعنى وما تنقمون منا إلا ~~الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان، كأنه قيل وما تنكرون ~~منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه. ويجوز أن ms0515 ~~يكون على تقدير حذف المضاف، أي واعتقاد أنكم فاسقون ومنها أن يعطف على ~~المجرور، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم ~~فاسقون. ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، أي وما تنقمون منا إلا الإيمان مع ~~أن أكثركم فاسقون. ويجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف، كأنه ~~قيل وما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم واتباعكم الشهوات. ~~ويدل عليه تفسير الحسن بفسقكم نقمتم ذلك علينا. ### || [5.60-61] # وروي 358 أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فسألوه ~~عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال # " أومن بالله وما أنزل إلينا إلى قوله ونحن له مسلمون " # فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام ما نعلم أهل دين أقل حظا في ~~الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا أشر من دينكم. فنزلت. وعن نعيم بن ميسرة ~~«وإن أكثركم»، بالكسر. ويحتمل أن ينتصب وأن أكثركم بفعل محذوف يدل عليه ~~هل تنقمون، أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع على الابتداء ~~والخبر محذوف، أي و فسقكم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق ~~وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة وكسب الأموال لا يدعكم فتنصفوا { ~~ذلك } إشارة إلى المنقوم، ولا بد من حذف مضاف قبله، أو قبل من تقديره ~~بشر من أهل ذلك، أو دين من لعنه الله. و { من لعنه الله } في ~~محل الرفع على قولك هو من لعنه الله، كقوله تعالى # قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار # الحج 72 أو في محل الجر على البدل من شر. وقرىء «مثوبة». «ومثوبة». ~~ومثالهما مشورة، ومشورة. فإن قلت المثوبة مختصة بالإحسان، فكيف جاءت في ~~الإساءة؟ قلت وضعت المثوبة موضع العقوبة على طريقة قوله # شع تحية بينهم ضرب وجيع # ومنه # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21. فإن قلت المعاقبون من الفريقين هم اليهود، فلم شورك بينهم ~~في العقوبة؟ قلت كان اليهود - لعنوا -يزعمون أن المسلمين ضالون مستوجبون ~~للعقاب، فقيل لهم من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل ~~الإسلام ms0516 في زعمكم ودعواكم { وعبد الطغوت } عطف على صلة من كأنه ~~قيل ومن عبد الطاغوت. وفي قراءة أبي «وعبدوا الطاغوت»، على المعنى. وعن ~~ابن مسعود «ومن عبدوا». وقرىء «وعابد الطاغوت» عطفا على القردة. ~~«وعابدي». «وعباد». «وعبد». «وعبد». ومعناه الغلو في العبودية، كقولهم، ~~رجل حذر وفطن، للبليغ في الحذر والفطنة. قال # أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكمو عبد # وعبد بوزن حطم. وعبيد. وعبد - بضمتين - جمع عبيد وعبدة بوزن كفرة. وعبد، ~~وأصله عبدة، فحذفت التاء للإضافة. أو هو كخدم في جمع خادم. وعبد وعباد. ~~وأعبد، وعبد الطاغوت، على البناء للمفعول، وحذف الراجع، بمعنى وعبد ~~الطاغوت فيهم، أو بينهم، وعبد الطاغوت بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون ~~الله، كقولك أمر إذا صار أميرا. وعبد الطاغوت، بالجر عطفا على { من ~~لعنه الله }. فإن قلت كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت؟ ~~قلت فيه وجهان، أحدهما أنه خذلهم حتى عبدوه. والثاني أنه حكم عليهم بذلك ~~ووصفهم به، كقوله تعالى # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # الزخرف 19 وقيل الطاغوت العجل لأنه معبود من دون الله، ولأن عبادتهم ~~للعجل مما زينه لهم الشيطان، فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو ~~الطاغوت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أطاعوا الكهنة، وكل من أطاع ~~أحدا في معصية الله فقد عبده. وقرأ الحسن «الطواغيت». وقيل وجعل منهم ~~القردة أصحاب السبت، والخنازير كفار أهل مائدة عيسى. وقيل كلا المسخين من ~~أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة، ومشايخهم مسخوا خنازير. وروي أنها لما ~~نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون يا أخوة القردة والخنازير ~~فينكسون رءوسهم { أولئك } الملعونون الممسوخون { شر مكانا ~~} جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله. وفيه مبالغة ليست في قولك أولئك شر ~~وأضل، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز. نزلت في ناس من اليهود ~~كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهرون له الإيمان ~~نفاقا، فأخبره الله تعالى بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسك كما دخلوا، لم ~~يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ms0517 ومواعظك. وقوله بالكفر ~~و به حالان، أي دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. وتقديره ملتبسين بالكفر. ~~وكذلك قوله وقد دخلوا وهم قد خرجوا ولذلك دخلت قد تقريبا للماضي في ~~الحال. ولمعنى آخر وهو أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متوقعا لإظهار الله ما كتموه، فدخل حرف التوقع ~~وهو متعلق بقوله قالوا آمنا أي قالوا ذلك وهذه حالهم. ### || [5.62-63] # الإثم الكذب بدليل قوله تعالى { عن قولهم الإثم }. { والعدوان } ~~الظلم. وقيل الإثم كلمة الشرك. وقولهم عزير ابن الله. وقيل الإثم ما يختص ~~بهم. والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم. والمسارعة في الشيء الشروع فيه ~~بسرعة { السحت لبئس ما كانوا يصنعون } كأنهم جعلوا آثم ~~من مرتكبي المناكير لأن كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة ~~حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مواقع المعصية ~~معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا ~~شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالا من المواقع. ~~ولعمري إن هذه الآية مما يقد السامع وينعي على العلماء توانيهم. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما هي أشد آية في القرآن. وعن الضحاك ما في القرآن آية ~~أخوف عندي منها. ### || [5.64] # غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # الإسراء 29 ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولا فرق عنده ~~بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازا عنه لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة ~~واحدة، حتى أنه يستعمله في ملك لا يعطي عطاء قط ولا يمنعه إلا بإشارته من ~~غير استعمال يد وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا ~~لقالوا ما أبسط يده بالنوال، لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا ~~متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوهما حيث لا تصح اليد كقوله # جاد الحمى بسط اليدين بوابل شكرت نداه ~~تلاعه ووهاده # ولقد جعل لبيد للشمال ms0518 يدا في قوله # إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # ويقال بسط اليأس كفيه في صدري، فجعلت لليأس الذي هو من المعاني لا من ~~الأعيان كفان. ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في ~~تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به. فإن قلت قد ~~صح أن قولهم { يد الله مغلولة } عبارة عن البخل. فما تصنع ~~بقوله { غلت أيديهم }؟ ومن حقه أن يطابق ما تقدمه وإلا تنافر ~~الكلام وزل عن سننه؟ قلت يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ~~ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم. ونحوه بيت الأشتر # بقيت وفرى وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي ~~بوجه عبوس # ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة، يغللون في الدنيا أسارى، ~~وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم والطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز، ~~كما تقول سبني سب الله دابره، أي قطعه لأن السب أصله القطع. فإن قلت ~~كيف جاز أن يدعو الله عليهم بما هو قبيح وهو البخل والنكد؟ قلت المراد به ~~الدعاء بالخذلان الذي تقسو به قلوبهم، فيزيدون بخلا إلى بخلهم ونكدا ~~إلى نكدهم، أو بما هو مسبب عن البخل والنكد من لصوق العار بهم وسوء ~~الأحدوثة التي تخزيهم وتمزق أعراضهم. فإن قلت لم ثنيت اليد في قوله تعالى ~~{ بل يداه مبسوطتان } وهي مفردة في { يد الله ~~مغلولة }؟ قلت ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية ~~السخاء له ونفي البخل عنه. وذلك أن غاية ما يبذله السخي بماله من نفسه ~~أن يعطيه بيديه جميعا فبني المجاز على ذلك. وقرىء «ولعنوا» بسكون العين. ~~وفي مصحف عبد الله «بل يداه بسطان». يقال يده بسط بالمعروف. ونحوه مشية ~~شحح وناقة صرح { ينفق كيف يشاء } تأكيد للوصف بالسخاء، ودلالة ~~على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة. # روي أن الله تبارك وتعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر ~~الناس مالا، فلما عصوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف ms0519 الله ~~تعالى ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص ابن عازوراء يد الله ~~مغلولة، ورضي بقوله الآخرون فأشركوا فيه { وليزيدن } أي يزدادون ~~عند نزول القرآن لحسدهم تماديا في الجحود وكفروا بآيات الله { ~~وألقينا بينهم العداوة } فكلمهم أبدا مختلف، وقلوبهم ~~شتى، لا يقع اتفاق بينهم ولا تعاضد { كلما أوقدوا نارا } كلما ~~أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله على أحد قط، وقد ~~أتاهم الإسلام في ملك المجوس. وقيل خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم ~~بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم ~~المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين. وقيل كلما حاربوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نصر عليهم. وعن قتادة رضي الله عنه لا تلقى اليهود ببلدة ~~إلا وجدتهم من أذل الناس { ويسعون } ويجتهدون في الكيد للإسلام ~~ومحو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتبهم. ### || [5.65-66] # { ولو أن أهل الكتب } مع ما عددنا من سيآتهم { ءامنوا ~~} برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به. وقرنوا إيمانهم بالتقوى ~~التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان { لكفرنا عنهم } تلك ~~السيئات ولم نؤاخذهم بها { ولأدخلنهم } مع المسلمين الجنة. وفيه ~~إعلام بعظهم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم، ودلالة على سعة رحمة ~~الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ ~~سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعا ~~بالتقوى، كما قال الحسن هذا العمود فأين الإطناب { ولو أنهم ~~أقاموا التوراة والإنجيل } أقاموا أحكامهما وحدودهما وما ~~فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما أنزل إليهم } ~~من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم ~~وقيل هو القرآن. لوسع الله عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا. وقوله { ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } عبارة عن التوسعة. ~~وفيه ثلاث أوجه أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض وأن يكثر ~~الأشجار المثمرة والزروع المغلة أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ~~ما تهدل منها من ms0520 رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ~~{ منهم أمة مقتصدة } طائفة حالها أمم في عداوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقيل هي الطائفة المؤمنة عبد الله بن سلام وأصحابه ~~وثمانية وأربعون من النصارى، و { ساء ما يعملون } فيه معنى ~~التعجب، كأنه قيل وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقيل هم كعب بن الأشرف ~~وأصحابه والروم. ### || [5.67] # { بلغ ما أنزل إليك } جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ~~غير مراقب في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه { وإن لم ~~تفعل } وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك { فما بلغت رسالته } ~~وقرىء «رسالاته»، فلم تبلغ إذا ما كلفت من أداء الرسالات، ولم تؤد منها ~~شيئا قط، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض، وإن لم تؤد بعضها ~~فكأنك أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن ~~بكلها، لإدلاء كل منها بما يدليه غيرها. وكونا كذلك في حكم شيء واحد. ~~والشيء الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ، مؤمنا به غير مؤمن به. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما إن كتمت آية لم تبلغ رسالاتي. وروي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 359 # " بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعا، فأوحى الله إلي إن لم تبلغ ~~رسالاتي عذبتك. وضمن لي العصمة فقويت " # فإن قلت وقوع قوله { فما بلغت رسالته } جزاء للشرط ما وجه ~~صحته؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أنه إذا لم يمتثل أمر الله في تبيلغ ~~الرسالات وكتمها كلها كأنه لم يبعث رسولا كان أمرا شنيعا لاخفاء ~~بشناعته، فقيل إن لم تبلغ منها أدنى شيء وإن كان كلمة واحدة، فأنت كمن ~~ركب الأمر الشنيع الذي هو كتمان كلها، كما عظم قتل النفس بقوله # فكأنما قتل الناس جميعا # المائدة 32 والثاني أن يراد فإن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله ~~من العقاب فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده قوله عليه الصلاة والسلام # " فأوحى الله إلي إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك " # { والله يعصمك } عدة من ms0521 الله بالحفظ والكلاءة والمعنى والله ~~يضمن لك العصمة من أعدائك، فما عذرك في مراقبتهم؟ فإن قلت أين ضمان ~~العصمة 360 وقد شج في وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته صلوات الله عليه؟ قلت ~~المراد أنه يعصمه من القتل. وفيه أن عليه أن يحتمل كل ما دون النفس في ~~ذات الله، فما أشد تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل نزلت بعد ~~يوم أحد، والناس الكفار بدليل قوله { إن الله لا يهدى ~~القوم الكفرين } ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك ~~من الهلاك. وعن أنس 361 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت، ~~فأخرج رأسه من قبة أدم وقال # " انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس ". ### || [5.68] # { لستم على شىء } أي على دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده ~~وبطلانه، كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم ~~أقل من لا شيء { فلا تأس } فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، ~~فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم. ### || [5.69] # { والصبئون } رفع على الابتداء وخبره محذوف، والنية به التأخير ~~عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهدا له # وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في ~~شقاق # أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، فإن قلت هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على ~~محل إن واسمها؟ قلت لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول إن زيدا ~~وعمرو منطلقان. فإن قلت لم لا يصح والنية به التأخير، فكأنك قلت إن ~~زيدا منطلق وعمرو؟ قلت لأني إذا رفعته رفعته عطفا على محل إن واسمها، ~~والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن ~~الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها إن في عملها فلو رفعت ~~الصابئون المنوي به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأن، لأعملت ~~فيهما رافعين مختلفين. فإن قلت فقوله والصابئون معطوف لا بد له ms0522 من معطوف ~~عليه فما هو؟ قلت هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله { إن ~~الذين ءامنوا... } الخ ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها، ~~فإن قلت ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت ~~فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل ~~الصالح، فما الظن بغيرهم. وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا ~~وأشدهم غيا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، أي ~~خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله وأنتم تنبيها على أن المخاطبين أوغل في ~~الوصف بالبغاة من قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو بغاة لئلا يدخل ~~قومه في البغي قبلهم، مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما فإن قلت فلو ~~قيل والصابئين وإياكم لكان التقديم حاصلا. قلت لو قيل هكذا لم يكن من ~~التقديم في شيء، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدم ومؤخر ~~للمزال لا للقار في مكانه. ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام، ~~فإن قلت كيف قال { الذين آمنوا } ثم قال { من ءامن }؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما أن يراد بالذين آمنوا الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون ~~وأن يراد بمن آمن. من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه. فإن ~~قلت ما محل من آمن قلت إما الرفع على الابتداء وخبره { فلا خوف ~~عليهم } والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن، ~~وإما النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه. فإن ~~قلت فأين الراجع إلى اسم إن؟ قلت هو محذوف تقديره من آمن منهم، كما جاء ~~في موضع آخر. وقرىء «والصابيون»، بياء صريحة، وهو من تخفيف الهمزة، ~~كقراءة من قرأ «يستهزيون». «والصابون» وهو من صبوت، لأنهم صبوا إلى اتباع ~~الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع. وفي قراءة أبي ~~رضي الله عنه «والصابئين»، بالنصب. وبها قرأ ابن كثير. وقرأ عبد الله «يا ~~أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون». ms0523 ### || [5.70] # { لقد أخذنا } ميثاقهم بالتوحيد { وأرسلنا إليهم ~~رسلا } ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم { كلما جاءهم ~~رسول } جملة شرطية وقعت صفة لرسلا، والراجع محذوف أي رسول منهم { ~~بما لا تهوى أنفسهم } بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من ~~مشاق التكليف والعمل بالشرائع. فإن قلت أين جواب الشرط فإن قوله { ~~فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } ناب عن الجواب، لأن الرسول ~~الواحد لا يكون فريقين ولأنه يحسن أن تقول إن أكرمت أخي أخاك أكرمت؟ قلت ~~هو محذوف يدل عليه قوله { فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } ~~كأنه قيل كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه، وقوله { فريقا كذبوا } ~~جواب مستأنف لقائل يقول كيف فعلوا برسلهم؟ فإن قلت لم جيء بأحد الفعلين ~~ماضيا وبالآخر مضارعا؟ قلت جيء يقتلون على حكاية الحال الماضية ~~استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها. قرىء أن لا ~~يكون، بالنصب على الظاهر. وبالرفع عن أن هي المخففة من الثقيلة، أصله أنه ~~لا يكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن. ### || [5.71] # فإن قلت كيف دخل فعل الحسبان على أن التي للتحقيق؟ قلت نزل حسبانهم ~~لقوته في صدورهم منزلة العلم فإن قلت فأين مفعولا حسب؟ قلت سد ما يشتمل ~~عليه صلة أن وأن من المسند والمسند إليه مسد المفعولين، والمعنى وحسب ~~بنو إسرائيل أنه لا يصيبهم من الله فتنة، أي بلاء وعذاب في الدنيا ~~والآخرة { فعموا } عن الدين { وصموا } حين عبدوا العجل، ثم ~~تابوا عن عبادة العجل ف { تاب الله عليهم ثم عموا ~~وصموا } كرة ثانية بطلبهم المحال غير المعقول في صفات الله وهو ~~الرؤية وقرىء «عموا وصموا»، بالضم على تقدير عماهم الله وصمهم، أي رماهم ~~وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال نزكته إذا ضربته بالنيزك وركبته إذا ~~ضربته بركبتك { كثير منهم } بدل من الضمير أو على قولهم أكلوني ~~البراغيث، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم. ### || [5.72] # لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، ~~وهو احتجاج على النصارى { إنه من يشرك بالله } في عبادته، ~~أو فيما ms0524 هو مختص به من صفاته أو أفعاله { فقد حرم الله عليه ~~الجنة } التي هي دار الموحدين أي حرمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع ~~المحرم من المحرم عليه { وما للظلمين من أنصار } من ~~كلام الله على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما تقولوا على عيسى ~~عليه السلام، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم رده وأنكره، وإن ~~كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى عليه السلام، ~~على معنى ولا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده ~~عن المعقول. أو و لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله. ### || [5.73-75] # من في قوله { وما من إله إلا إله وحد } للاستغراق ~~وهي القدرة مع لا التي لنفي الجنس في قولك { لا إله إلا الله ~~} والمعنى وما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له، ~~وهو الله وحده لا شريك له و من في قوله { ليمسن الذين ~~كفروا منهم } للبيان كالتي في قوله تعالى # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # الحج 30 فإن قلت فهلا قيل ليمسنهم عذاب أليم. قلت في إقامة الظاهر ~~مقام المضمر فائدة وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله { لقد ~~كفر الذين قالوا } وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير ~~الذين كفروا منهم أنهم بمكان من الكفر. والمعنى ليمسن الذين كفروا من ~~النصارى خاصة { عذاب أليم } أي نوع شديد الألم من العذاب كما تقول ~~أعطني عشرين من الثياب، تريد من الثياب خاصة لا من غيرها من الأجناس التي ~~يجوز أن يتناولها عشرون. ويجوز أن تكون للتبعيض، على معنى ليمسن الذين ~~بقوا على الكفر منهم، لأن كثيرا منهم تابوا من النصرانية { أفلا ~~يتوبون } ألا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر. وهذا ~~الوعيد الشديد مما هم عليه. وفيه تعجب من إصرارهم { والله غفور ~~رحيم } يغفر لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم { قد خلت من قبله ~~الرسل } صفة لرسول، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من ~~قبله جاء بآيات من الله ms0525 كما أتوا بأمثالها، أن أبرأ الله الأبرص وأحيا ~~الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق بها البحر، وطمس ~~على يد موسى. وإن خلقه من غير ذكر، فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى { ~~وأمه صديقة } أي وما أمه أيضا إلا كصديقة كبعض النساء ~~المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين أحدهما ~~نبي، والآخر صحابي. فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم ~~يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم ~~بوجه من الوجوه. ثم صرح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله { كانا ~~يأكلان الطعام } لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه ~~من الهضم والنفض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب ~~وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر ~~كغيره من الأجسام { كيف نبين لهم الأيت } أي الأعلام من ~~الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم { أنى يؤفكون } كيف يصرفون عن ~~استماع الحق وتأمله. فإن قلت ما معنى التراخي في قوله ثم انظر؟ قلت معناه ~~ما بين العجبين، يعني أنه بين لهم الآيات بيانا عجيبا، وإن إعراضهم ~~عنها أعجب منه. ### || [5.76] # { ما لا يملك } هو عيسى، أي شيئا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما ~~يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا أن ينفعكم ~~بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسعة والخصب، ولأن كل ما يستطيعه ~~البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله وتمكينه، فكأنه لا يملك منه ~~شيئا. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ~~ضرا ولا نفعا. وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور على ~~قدرته { والله هو السميع العليم } متعلق ب أتعبدون، أي ~~أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون أو ~~أتعبدون العاجز والله هو السميع العليم الذي يصح منه أن يسمع كل مسموع ~~ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا ms0526 وهو حي قادر. ### || [5.77] # { غير الحق } صفة للمصدر أي لا تغلوا في دينكم غلوا غير الحق أي ~~غلوا باطلا لأن الغلو في الدين غلوان غلو حق وهو أن يفحص عن حقائقه ~~ويفتش عن أباعد معانيه، ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون من أهل ~~العدل والتوحيد رضوان الله عليهم. وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه ~~بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه، كما يفعل أهل الأهواء والبدع { قد ~~ضلوا من قبل } هم أئمتهم في النصرانية، كانوا على الضلال قبل ~~مبعث النبي صلى الله عليه وسلم { وأضلوا كثيرا } ممن شايعهم على ~~التثليث { وضلوا } لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم { عن ~~سواء السبيل } حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه. ### || [5.78-81] # نزل الله لعنهم في الزبور { على لسان داوود } وفي الإنجيل على ~~لسان عيسى. وقيل إن أهل أيلة، لما اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام ~~اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة. ولما كفر أصحاب عيسى عليه ~~السلام بعد المائدة قال عيسى عليه السلام اللهم عذب من كفر بعد ما أكل ~~من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب ~~السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبي { ~~ذلك بما عصوا } أي لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، ~~إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيء آخر ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله ~~{ كانوا لا يتنهون } لا ينهى بعضهم بعضا { عن منكر ~~فعلوه } ثم قال { لبئس ما كانوا يفعلون } للتعجيب من ~~سوء فعلهم، مؤكدا لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب ~~التناهي عن المناكير، وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ~~ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. فإن قلت كيف ~~وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيرا للمعصية والاعتداء؟ قلت من قبل أن ~~الله تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأن في ~~التناهي حسما للفساد فكان تركه على عكسه. فإن قلت ms0527 ما معنى وصف المنكر ~~بفعلوه، ولا يكون النهي بعد الفعل؟ قلت معناه لا يتناهون عن معاودة منكر ~~فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات ~~الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر. ويجوز أن يراد لا ينتهون ولا ~~يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله. يقال تناهى عن ~~الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه { ترى كثيرا منهم } هم ~~منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم { أن سخط ~~الله عليهم } هو المخصوص بالذم، ومحله الرفع، كأنه قيل لبئس ~~زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم. والمعنى موجب سخط الله { ولو ~~كانوا يؤمنون } إيمانا خالصا غير نفاق ما اتخذوا المشركين { ~~أولياء } يعني أن موالاة المشركين كفى بها دليلا على نفاقهم، وأن ~~إيمانهم ليس بإيمان { ولكن كثيرا منهم فسقون } ~~متمردون في كفرهم ونفاقهم. وقيل معناه ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما ~~يدعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون. ### || [5.82-86] # وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى ~~وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة ~~العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين ~~أشركوا، وكذلك فعل في قوله # ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة ومن الذين ~~أشركوا # البقرة 96 ولعمري إنهم لكذلك وأشد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 362 # " ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله " # وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين { بأن منهم ~~قسيسين ورهبانا } أي علماء وعبادا { وإنهم } قوم فيهم ~~تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على ~~أن التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، ~~وكذلك غم الآخرة والتحدث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر ~~وإن كانت في نصراني. ووصفهم الله برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع ~~القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشي رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبي ~~طالب - حين اجتمع في ms0528 مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم ~~يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده - هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر فيه ~~سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله # ذلك عيسى ابن مريم # مريم 34 وقرأ سورة طه إلى قوله # وهل أتاك حديث موسى # طه 9 فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سورة يس. فبكوا. فإن قلت بم تعلقت اللام في قوله { للذين ءامنوا ~~}؟ قلت بعداوة ومودة، على أن عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشد ~~العداوات وأظهرها، وأن مودة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودات، ~~وأدناها وجودا، وأسهلها حصولا. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودة ~~مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودة بالأشد والأقرب. فإن قلت ما ~~معنى قوله { تفيض من الدمع } قلت معناه تمتلىء من الدمع حتى ~~تفيض، لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، ~~فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الإمتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام ~~السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض ~~بأنفسها، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعا فإن ~~قلت أي فرق بين من ومن في قوله { مما عرفوا من الحق }؟ قلت ~~الأولى لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان ~~من أجله وبسببه. والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا. وتحتمل معنى ~~التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله ~~وقرؤا القرآن وأحاطوا بالسنة؟ وقرىء «ترى أعينهم» على البناء للمفعول { ~~ربنا ءامنا } المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه { ~~فاكتبنا مع الشهدين } مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة # لتكونوا شهداء على الناس # البقرة 143 وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك { وما لنا ~~لا نؤمن بالله } إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه ~~وهو ms0529 الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، وقيل لما رجعوا إلى قومهم ~~لاموهم فأجابوهم بذلك. أو أرادوا وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا ~~مثلثين، وذلك ليس بإيمان بالله ومحل لا نؤمن النصب على الحال، بمعنى غير ~~مؤمنين، كقولك مالك قائما. والواو في { ونطمع } واو الحال. فإن قلت ~~ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ قلت العامل في الأولى ما في اللام ~~من معنى الفعل، كأنه قيل أي شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى ~~هذا الفعل، ولكن مقيدا بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت وما لنا ~~ونطمع، لم يكن كلاما. ويجوز أن يكون ونطمع حالا من لا نؤمن، على أنهم ~~أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا ~~الصالحين، وأن يكون معطوفا على لا نؤمن على معنى وما لنا نجمع بين ~~التثليث وبين الطمع في صحبة الصاحين، أو على معنى وما لنا لا نجمع بينهما ~~بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين. ~~قرأ الحسن «فآتاهم» { بما قالوا } بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، ~~من قولك هذا قول فلان، أي اعتقاده وما يذهب إليه. ### || [5.87-88] # { طيبت ما أحل الله لكم } ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى ~~{ لا تحرموا } لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم. أو لا تقولوا ~~حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدا منكم وتقشفا ~~وروي 363 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة يوما لأصحابه، ~~فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، ~~واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش ولا ~~يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا ~~المسوح ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهم # " إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا ~~وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ~~فمن رغب عن سنتي فليس ms0530 مني " # ونزلت. وروي 364 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج ~~والفالوذ، وكان يعجبه الحلواء والعسل. وقال # " إن المؤمن حلو يحب الحلاوة " # ، وعن ابن مسعود أن رجلا قال له إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال ~~نم على فراشك وكفر عن يمينك. وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد ~~السنجي وأصحابه، فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن ~~والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن أهو صائم؟ قالوا لا، ~~ولكنه يكره هذه الألوان. فأقبل الحسن عليه وقال يا فريقد، أترى لعاب ~~النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم. وعنه أنه قيل له. فلان لا ~~يأكل الفالوذ ويقول لا أؤدي شكره. قال أفيشرب الماء البارد؟ قالوا نعم. ~~قال إنه جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في ~~الفالوذ. وعنه أن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم. قال الله تعالى # لينفق ذو سعة من سعته # الطلاق 7 ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر ~~قوما زواها عنهم فعصوه { ولا تعتدوا } ولا تتعدوا حدود ما أحل ~~الله لكم إلى ما حرم عليكم. أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات. أو جعل ~~تحريم الطيبات اعتداء وظلما، فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن ~~تحريمها دخولا أوليا لوروده على عقبه أو أراد ولا تعتدوا بذلك { ~~وكلوا مما رزقكم الله } أي من الوجوه الطيبة التي تسمى ~~رزقا { حللا } حال مما رزقكم الله { واتقوا الله } تأكيد ~~للتوصية بما أمر به. وزاده تأكيدا بقوله { الذى أنتم به ~~مؤمنون } لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به ~~وعما نهى عنه. ### || [5.89] # اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم واختلف فيه، فعن عائشة رضي ~~الله عنها أنها سئلت عنه فقالت هو قول الرجل «لا والله، بلى والله» وهو ~~مذهب الشافعي. وعن مجاهد هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ~~ظن. وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله { بما عقدتم ms0531 الأيمن } ~~بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية. وروي أن الحسن رضي الله عنه ~~سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال يا أبا سعيد، دعني أجب عنك ~~فقال # ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد ~~عاقدات العزائم # وقرىء «عقدتم»، بالتخفيف. «وعاقدتم». والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة. لأنه كان معلوما عندهم، أو بنكث ما ~~عقدتم. فحذف المضاف { فكفارته } فكفارة نكثه. والكفارة الفعلة ~~التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها { من أوسط ما ~~تطعمون } من أقصده، لأن منهم من يسرف في إطعام أهله، ومنهم من يقتر ~~وهو عند أبي حنيفة رحمه الله نصف صاع من بر أو صاع من غيره لكل مسكين، ~~أو يغديهم ويعشيهم. وعند الشافعي رحمه الله مد لكل مسكين. وقرأ جعفر بن ~~محمد «أهاليكم»، بسكون الياء، والأهالي اسم جمع لأهل كالليالي في جمع ~~ليلة، والأراضي في جمع أرض. وقولهم أهلون كقولهم أرضون بسكون الراء. وأما ~~تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف، كما قالوا رأيت معد يكرب، تشبيها ~~للياء بالألف { أو كسوتهم } عطف على محل من أوسط وقرىء بضم ~~الكاف، ونحوه قدوة في قدوة، وأسوة في إسوة، والكسوة ثوب يغطي العورة، ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه كانت العباءة تجزىء يومئذ. وعن ابن عمر إزار ~~أو قميص أو رداء أو كساء. وعن مجاهد ثوب جامع. وعن الحسن ثوبان أبيضان. ~~وقرأ سعيد بن المسيب واليماني «أو كأسوتهم»، بمعنى أو مثل ماتطعمون ~~أهليكم إسرافا كان أو تقتيرا. لا تنقصونهم عن مقدار نفقتهم، ولكن ~~تواسون بينهم وبينهم. فإن قلت ما محل الكاف؟ قلت الرفع، تقديره أو طعامهم ~~كأسوتهم، بمعنى كمثل طعامهم إن لم يطعموهم الأوسط { أو تحرير ~~رقبة } شرط الشافعي رحمه الله الإيمان قياسا على كفارة القتل. وأما ~~أبو حنيفة وأصحابه، فقد جوزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى ~~كفارة القتل. فإن قلت ما معنى أو؟ قلت التخيير وإيجاب إحدى الكفارات ~~الثلاث على الاطلاق، بأيتها أخذ المكفر فقد أصاب { فمن لم يجد } ~~إحداها { فصيام ثلثة أيام ms0532 } متتابعات عند أبي حنيفة رحمه ~~الله، تمسكا بقراءة أبي وابن مسعود رضي الله عنهما «فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات». وعن مجاهد كل صوم متتابع إلا قضاء رمضان، ويخير في كفارة ~~اليمين { ذلك } المذكور { كفارة أيمنكم } ولو قيل تلك ~~كفارة أيمانكم، لكان صحيحا بمعنى تلك الأشياء أو لتأنيث الكفارة. # والمعنى { إذا حلفتم } وحنثتم. فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأن ~~الكفارة إنما تجب بالحنث في الحلف، لا بنفس الحلف، والتكفير قبل الحنث لا ~~يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه ويجوز عند الشافعي بالمال إذا لم يعص الحانث ~~{ واحفظوا أيمنكم } فبروا فيها ولا تحنثوا أراد الأيمان ~~التي الحنث فيها معصية، لأن الأيمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس ~~وعلى كله. وقيل احفظوها بأن تكفروها. وقيل احفظوها كيف حلفتم بها، ولا ~~تنسوها تهاونا بها { كذلك } مثل ذلك البيان { يبين الله ~~لكم آيته } أعلام شريعته وأحكامه { لعلكم تشكرون } ~~نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه. ### || [5.90-91] # أكد تحريم الخمر والميسر وجوها من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما، ~~ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام 365 # " شارب الخمر كعابد الوثن " # ومنها أنه جعلهما رجسا، كما قال تعالى # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # الحج 30 ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا ~~الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب. ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، ~~وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة ومحقة. ومنها أنه ذكر ما ~~ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر، ~~وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة. وقوله ~~{ فهل أنتم منتهون } من أبلغ ما ينهى عنه، كأنه قيل قد تلي ~~عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف ~~منتهون. أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟ فإن قلت ~~إلام يرجع الضمير في قوله { فاجتنبوه }؟ قلت إلى المضاف المحذوف، ~~كأنه قيل إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك. ولذلك ms0533 قال ~~{ رجس من عمل الشيطن } فإن قلت لم جمع الخمر والميسر مع ~~الأنصاب والأزلام أولا ثم أفردهما آخرا؟ قلت لأن الخطاب مع المؤمنين. ~~وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر ~~الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أن ذلك جميعا من ~~أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من ~~عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو قامر، ثم ~~أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر. وقوله { وعن ~~الصلوة } اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل وعن الصلاة خصوصا. ### || [5.92] # { واحذروا } وكونوا حذرين خاشين، لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى ~~اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة. ويجوز أن يراد واحذروا ما عليكم في الخمر ~~ولميسر، أو في ترك طاعة الله والرسول { فإن توليتم فاعلموا ~~} أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول، لأن الرسول ما كلف إلا البلاغ المبين ~~بالآيات، وإن ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم. ### || [5.93] # رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها ~~{ إذا ما اتقوا } ما حرم عليهم منها { وءامنوا } وثبتوا على ~~الإيمان والعمل الصالح وازدادوه { ثم اتقوا وءامنوا } ثم ~~ثبتوا على التقوى والإيمان { ثم اتقوا وأحسنوا } ثم ثبتوا ~~على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس واسوهم بما ~~رزقهم الله من الطيبات. وقيل 366 لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة يا ~~رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال ~~الميسر فنزلت. يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموه من ~~المباحات إذا ما اتقوا المحارم، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، على ~~معنى أن أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم في ~~الإيمان والتقوى والإحسان. ومثاله أن يقال لك هل على زيد فيما فعل جناح؟ ~~فتقول - وقد علمت أن ذلك أمر مباح - ليس على أحد جناح في المباح، إذا ~~اتقى المحارم، وكان مؤمنا محسنا، تريد أن زيدا تقي مؤمن محسن وأنه ~~غير مؤاخذ ms0534 بما فعل. ### || [5.94] # نزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان ~~يغشاهم في رحالهم فيستمكنون من صيده، أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم { ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب } ليتميز من يخاف عقاب ~~الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيتقي الصيد، ممن لا يخافه فيقدم عليه { ~~فمن اعتدى } فصاد { بعد ذلك } الابتلاء فالوعيد لاحق به. ~~فإن قلت ما معنى التقليل والتصغير في قوله { بشىء من الصيد }؟ ~~قلت قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام ~~الثابتين، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو شبيه بما ابتلى به ~~أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عند ما هو ~~أشد منه. وقرأ إبراهيم يناله، بالياء. ### || [5.95] # { حرم } محرمون، جمع حرام، كردح في جمع رداح. والتعمد أن يقتله وهو ~~ذاكر لإحرامه، أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناس ~~لإحرامه أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو قصد برميه ~~غير صيد فعدل السهم عن رميته فأصاب صيدا فهو مخطىء. فإن قلت فمحظورات ~~الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، فما بال التعمد مشروطا في الآية؟ قلت ~~لأن مورد الآية فيمن تعمد فقد روي أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار ~~وحش، فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله، فقيل له إنك قتلت الصيد ~~وأنت محرم فنزلت ولأن الأصل فعل التعمد، والخطأ لاحق به للتغليظ. ويدل ~~عليه قوله تعالى { ليذوق وبال أمره } { ومن عاد ~~فينتقم الله منه } وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة ~~بالخطأ وعن سعيد بن جبير لا أرى في الخطأ شيئا أخذا باشتراط العمد في ~~الآية. وعن الحسن روايتان { فجزاء مثل ما قتل } برفع جزاء ومثل ~~جميعا، بمعنى فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد، وهو عند أبي حنيفة قيمة ~~المصيد يقوم حيث صيد. فإن بلغت قيمته ثمن هدى، تخير بين أن يهدي من ~~النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته ms0535 طعاما، فيعطي كل مسكين ~~نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما، فإن ~~فضل ما لا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوما أو تصدق به. وعند محمد ~~والشافعي رحمهما الله مثله نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من النعم ~~عدل إلى قول أبي حنيفة رحمه الله. فإن قلت فما يصنع من يفسر المثل ~~بالقيمة بقوله { من النعم } وهو تفسير للمثل، وبقوله هديا بالغ ~~الكعبة؟ قلت قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هديا أو طعاما أو ~~يصوم، كما خير الله تعالى في الآية. فكان قوله { من النعم } بيانا ~~للهدى المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير لأن من قوم الصيد واشترى ~~بالقيمة هديا فأهداه، فقد جزى بمثل ما قتل من النعم. على أن التخيير ~~الذي في الآية بين أن يجزي بالهدى أو يكفر بالإطعام أو بالصوم، إنما ~~يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوم ونظر بعد التقويم أي الثلاثة ~~يختار، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير - فإذا ~~كان شيئا لا نظير له قوم حينئذ، ثم يخير بين الإطعام والصوم - ففيه ~~نبو عما في الآية. ألا ترى إلى قوله تعالى { أو كفارة طعام ~~مسكين أو عدل ذلك صياما } كيف خير بين الأشياء الثلاثة، ~~ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم. # وقرأ عبد الله فجزاؤه مثل ما قتل، وقرىء فجزاء مثل ما قتل، على الإضافة، ~~وأصله. فجزاء مثل ما قتل، بنصب مثل بمعنى فعليه أن يجزى مثل ما قتل، ثم ~~أضيف كما تقول عجبت من ضرب زيد، وقرأ السلمي على الأصل وقرأ محمد بن ~~مقاتل، فجزاء مثل ما قتل، بنصبهما، بمعنى فليجز جزاء مثل ما قتل. وقرأ ~~الحسن من النعم. بسكون العين، استثقل الحركة على حرف الحلق فسكنه { ~~يحكم به } بمثل ما قتل { ذوا عدل منكم } حكمان عادلان من ~~المسلمين. قالوا وفيه دليل على أن المثل القيمة، لأن التقويم مما يحتاج ~~إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة. ms0536 وعن قبيصة أنه أصاب ظبيا وهو ~~محرم فسأل عمر، فشاور عبد الرحمن بن عوف، ثم أمره بذبح شاة، فقال قبيصة ~~لصاحبه والله ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، فأقبل عليه ضربا ~~بالدرة وقال أتغمص الفتيا وتقتل الصيد وأنت محرم. قال الله تعالى { ~~يحكم به ذوا عدل منكم } فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن. وقرأ ~~محمد بن جعفر ذو عدل منكم، أراد يحكم به من يعدل منكم ولم يرد الوحدة. ~~وقيل أراد الإمام { هديا } حال عن جزاء فيمن وصفه بمثل، لأن الصفة ~~خصصته فقربته من المعرفة، أو بدل عن مثل فيمن نصبه، أو عن محله فيمن ~~جره. ويجوز أن ينتصب حالا عن الضمير في به. ووصف هديا ب { بلغ ~~الكعبة } لأن إضافته غير حقيقية. ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح ~~بالحرم، فأما التصدق به فحيث شئت عند أبي حنيفة، وعند الشافعي في الحرم. ~~فإن قلت بم يرفع { كفارة } من ينصب جزاء؟ قلت يجعلها خبر مبتدأ ~~محذوف، كأنه قيل أو الواجب عليه كفارة. أو يقدر فعليه أن يجزي جزاء أو ~~كفارة. فيعطفها على أن يجزي. وقرىء أو كفارة طعام مساكين على الإضافة، ~~وهذه الإضافة مبينة، كأنه قيل أو كفارة من طعام مساكين، كقولك خاتم فضة، ~~بمعنى خاتم من فضة. وقرأ الأعرج أو كفارة طعام مسكين. وإنما وحد، لأنه ~~واقع موقع التبيين، فاكتفى بالواحد الدال على الجنس. وقرىء أو عدل ذلك، ~~بكسر العين. والفرق بينهما أن عدل الشيء ما عادله من غير جنسه، كالصوم ~~والإطعام. وعدله ما عدل به في المقدار، ومنه عدلا الحمل، لأن كل واحد ~~منهما عدل بالآخر حتى اعتدلا، كأن المفتوح تسمية المصدر، والمكسور بمعنى ~~المفعول به، كالذبح ونحوه، ونحوهما الحمل والحمل. و { ذلك } إشارة إلى ~~الطعام { وصياما } تمييز للعدل كقولك لي مثله رجلا. والخيار في ذلك إلى ~~قاتل الصيد عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وعند محمد إلى الحكمين { ليذوق ~~} متعلق بقوله فجزاء أي فعليه أن يجازي أو يكفر، ليذوق سوء عاقبة هتكه ~~لحرمة الإحرام. # والوبال المكروه والضرر الذي يناله في ms0537 العاقبة من عمل سوء لثقله عليه، ~~كقوله تعالى # فأخذنه أخذا وبيلا # المزمل 16 ثقيلا. والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ { ~~عفا الله عما سلف } لكم من الصيد في حال الإحرام قبل أن ~~تراجعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألوه عن جوازه. وقيل عما سلف ~~لكم في الجاهلية منه، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد ~~فيها محرما { ومن عاد } إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهي { ~~فينتقم الله منه } ينتقم خبر مبتدأ محذوف تقديره. فهو ينتقم ~~الله منه، ولذلك دخلت الفاء. ونحوه # فمن يؤمن بربه فلا يخاف # الحجر 13 يعني ينتقم منه في الآخرة. واختلف في وجوب الكفارة على العائد، ~~فعن عطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن وجوبها، وعليه عامة العلماء. وعن ~~ابن عباس وشريح أنه لا كفارة عليه تعلقا بالظاهر، وأنه لم يذكر الكفارة. ### || [5.96] # { صيد البحر } مصيدات البحر مما يؤكل وما لا يؤكل { وطعامه ~~} وما يطعم من صيده والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، ~~وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة. وعند ابن أبي ~~ليلى جميع ما يصاد منه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر ~~وأن تطعموه { متعا لكم } مفعول له، أي أحل لكم تمتيعا لكم وهو ~~في المفعول له بمنزلة قوله تعالى # ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة # الأنبياء 72 في باب الحال، لأن قوله { متعا لكم } مفعول له ~~مختص بالطعام، كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب، يعني أحل لكم طعامه ~~تمتيعا لتنائكم يأكلونه طريا، ولسيارتكم يتزودونه قديدا، كما تزود ~~موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر عليهما السلام. وقرىء ~~«وطعمه». وصيد البر ما صيد فيه. وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء ~~في بعض الأوقات، كطير الماء عند أبي حنيفة. واختلف فيه فمنهم من حرم على ~~المحرم كل شيء يقع عليه اسم الصيد، وهو قول عمر وابن عباس، وعن أبي هريرة ~~وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم أجازوا ms0538 للمحرم أكل ما صاده الحلال، وإن ~~صاده لأجله، إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمه الله، وعند مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله لا يباح ~~له ما صيد لأجله. فإن قلت ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله صيد البر؟ قلت قد ~~أخذ أبو حنيفة رحمه الله بالمفهوم من قوله { وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما } لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد ~~غيرهم، لأنهم هم المخاطبون فكأنه قيل وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج ~~منه مصيد غيرهم، ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم } وقرأ ابن عباس رضي الله عنه «وحرم عليكم صيد البر»، أي الله ~~عز وجل. وقرىء «ما دمتم» بكسر الدال، فيمن يقول دام يدام. ### || [5.97-98] # { البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح، لا على جهة التوضيح، ~~كما تجيء الصفة كذلك { قياما للناس } انتعاشا لهم في أمر دينهم ~~ودنياهم، ونهوضا إلى أغراضهم ومقاصدهم في معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم ~~من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم، وأنواع منافعهم. وعن عطاء ابن أبي رباح لو ~~تركوه عاما واحدا لم ينظروا ولم يؤخروا { والشهر الحرام } ~~الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة، لأن لاختصاصه من بين الأشهر ~~بإقامة موسم الحج فيه شأنا قد عرفه الله تعالى. وقيل عنى به جنس الأشهر ~~الحرم { والهدى والقلئد } والمقلد منه خصوصا وهو البدن، ~~لأن الثواب فيه أكثر، وبهاء الحج معه أظهر { ذلك } إشارة إلى جعل ~~الكعبة قياما للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد ~~وغيره { لتعلموا أن الله يعلم } كل شيء وهو عالم بما ~~يصلحكم وما ينعكشم مما أمركم به وكلفكم { شديد العقاب } لمن انتهك ~~محارمه { غفور رحيم } لمن حافظ عليها. ### || [5.99] # { ما على الرسول إلا البلغ } تشديد في إيجاب القيام ~~بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم ~~الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم ms0539 في التفريط. ### || [5.100] # البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريبا عندكم، فلا ~~تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإن ما ~~تتوهمونه في الكثرة من الفضل، لا يوازي النقصان في الخبيث، وفوات الطيب، ~~وهو عام في حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وصحيح المذاهب ~~وفاسدها، وجيد الناس ورديهم { فاتقوا الله } وآثروا الطيب، وإن ~~قل، على الخبيث وإن كثر. ومن حق هذه الآية أن تكفح بها وجوه المجبرة إذا ~~افتخروا بالكثرة كما قيل # وكاثر بسعد إن سعدا كثيرة ولا ترج من سعد ~~وفاءا ولا نصرا # وكما قيل # لا يدهمنك من دهمائهم عدد فإن جلهم بل ~~كلهم بقر # وقيل نزلت في حجاج اليمامة، حين أراد المسلمون أن يوقعوا بهم، فنهوا عن ~~الإيقاع بهم وإن كانوا مشركين. ### || [5.101-102] # الجملة الشرطية والمعطوفة عليها أعني قوله { إن تبد لكم ~~تسؤكم } صفة للأشياء. والمعنى لا تكثروا مسألة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم، إن أفتاكم بها وكلفكم إياها ~~تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها. وذلك نحو ما روي 367 أن سراقة ~~بن مالك أو عكاشة بن محصن قال يا رسول الله، الحج علينا كل عام؟ فأعرض ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مسألته ثلاث مرات، فقال صلى ~~الله عليه وسلم # " ويحك! ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما ~~استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم ~~بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما ~~استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " # { وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرءان } ، وإن ~~تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين ~~أظهركم يوحى إليه، تبد لكم. تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم، وتؤمروا ~~بتحملها، فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها { عفا الله ~~عنها } عفا الله عما سلف، من مسألتكم، فلا تعودوا إلى مثلها { ~~والله غفور حليم } لا يعاجلكم فيما ms0540 يفرط منكم بعقوبته. فإن قلت ~~كيف قال { لا تسألوا عن أشياء } ثم قال { قد سألها } ~~ولم يقل. قد سأل عنها؟ قلت الضمير في { سألها } ليس براجع إلى أشياء ~~حتى تجب تعديته بعن، وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها { لا ~~تسئلوا } يعني قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين { ثم ~~أصبحوا بها } أي بمرجوعها أو بسببها { كفرين } وذلك أن بني ~~إسرائيل كانوا يستفتون أنبيائهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. ### || [5.103] # كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها، أي ~~شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيي لم ~~يركبها. واسمها البحيرة. وكان يقول الرجل إذا قدمت من سفري أو برئت من ~~مرضي فناقتي سائبة. وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل كان ~~الرجل إذا أعتق عبدا قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وإذا ولدت ~~الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم. فإن ولدت ذكرا وأنثى ~~قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل ~~عشرة أبطن قالوا من حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ~~ولا مرعى. ومعنى { ما جعل } ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب ~~وغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرموا { يفترون على الله ~~الكذب وأكثرهم لا يعقلون } فلا ينسبون التحريم إلى الله ~~حتى يفتروا، ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارها. ### || [5.104] # الواو في قوله { أولو كان ءابآؤهم } واو الحال قد دخلت عليها ~~همزة الإنكار. وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم { لا يعلمون ~~شيئا ولا يهتدون } والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم ~~المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. ### || [5.105] # كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة، ~~يتمنون دخولهم في الإسلام، فقيل لهم { عليكم أنفسكم } وما ~~كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طرق الهدى { لا يضركم } الضلال عن ~~دينكم إذا كنتم مهتدين، كما قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام # فلا تذهب نفسك عليهم حسرت ms0541 # فاطر 8 وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي، ولا يزال ~~يذكر معايبهم ومناكيرهم. فهو مخاطب به، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو ~~بعض الضلال الذين فصلت الآية بينهم وبينه، وعن ابن مسعود أنها قرئت عنده ~~فقال إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة. ولكن يوشك أن يأتي زمان ~~تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم، فهي على هذا تسلية لمن يأمر ~~وينهى فلا يقبل منه، وبسط لعذره. وعنه ليس هذا زمان تأويلها. قيل فمتى؟ ~~قال إذا جعل دونها السيف والسوط والسجن. وعن أبي ثعلبة الخشني 368 أنه ~~سئل عن ذلك فقال للسائل سألت عنها خبيرا. سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنها فقال # " ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا ما رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك نفسك ودع أمر ~~العوام. وإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل منهم ~~مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله " # وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك، ولاموه. فنزلت { ~~عليكم أنفسكم } عليكم من أسماء الفعل، بمعنى الزموا إصلاح ~~أنفسكم، ولذلك جزم جوابه. وعن نافع عليكم أنفسكم، بالرفع. وقرىء «لا ~~يضركم» وفيه وجهان أن يكون خبرا مرفوعا وتنصره قراءة أبي حيوة، «لا ~~يضيركم» وأن يكون جوابا للأمر مجزوما، وإنما ضمت الراء إتباعا لضمة ~~الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة. والأصل لا يضرركم، ويجوز أن يكون ~~نهيا، ولا يضركم، بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره. ### || [5.106-108] # ارتفع اثنان على أنه خبر للمبتدأ الذي هو { شهدة بينكم } على ~~تقدير شهادة بينكم شهادة اثنين. أو على أنه فاعل شهادة بينكم على معنى ~~فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان وقرأ الشعبي. «شهادة بينكم» بالتنوين. وقرأ ~~الحسن «شهادة»، بالنصب والتنوين على ليقم شهادة اثنان. و { إذا حضر ~~} ظرف للشهادة. و { حين الوصية } بدل منه، إبداله منه دليل على ~~وجوب الوصية، ms0542 وأنها من الأمور اللازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها مسلم ~~ويذهل عنها. وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل { منكم } ~~من أقاربكم. و { من غيركم } من الأجانب { إن أنتم ضربتم ~~فى الأرض } يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم، ~~فاستشهدوا أجنبيين على الوصية، جعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بأحوال الميت ~~وما هو أصلح وهم له أنصح. وقيل { منكم } من المسلمين، و { من ~~غيركم } من أهل الذمة. وقيل هو منسوخ لا تجوز شهادة الذمي على ~~المسلم، وإنما جازت في أول الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال ~~السفر. وعن مكحول نسخها قوله تعالى { وأشهدوا ذوى عدل ~~منكم } وروي 369 أنه خرج بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان ~~من المهاجرين، مع عدي بن زيد وتميم بن أوس - وكانا نصرانيين - تجارا إلى ~~الشام، فمرض بديل وكتب كتابا فيه ما معه، وطرحه في متاعه ولم يخبر به ~~صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله. ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء ~~من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشا بالذهب، فغيباه، فأصاب أهل بديل ~~الصحيفة فطالبوهما بالإناء، فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنزلت { تحبسونهما } تقفونهما وتصبرونهما للحلف { من ~~بعدالصلوة } من بعد صلاة العصر، لأن وقت اجتماع الناس. وعن الحسن ~~بعد صلاة العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. ~~وفي حديث بديل أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر، فحلفا، ثم وجد الإناء ~~بمكة، فقالوا إنا اشتريناه من تميم وعدي. وقيل هي صلاة أهل الذمة، وهم ~~يعظمون صلاة العصر { إن ارتبتم } اعتراض بين القسم والمقسم عليه. ~~والمعنى إن ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما. وقيل إن أريد بهما ~~الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين وإن أريد الوصيان فليس بمنسوخ تحليفهما. ~~وعن علي رضي الله عنه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما والضمير ~~في { به } للقسم. وفي { كان } للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة ms0543 القسم ~~بالله عرضا من الدنيا، أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم ~~له قريبا منا، على معنى أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبدا، وأنهم ~~داخلون تحت قوله تعالى # كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الولدين والأقربين # النساء 135. { شهادة الله } أي الشهادة التي أمر الله بحفظها ~~وتعظيمها. وعن الشعبي أنه وقف على شهادة، ثم ابتدأ الله بالمد، على طرح ~~حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروي عنه بغير مد على ما ذكر ~~سيبويه أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة الاستفهام، فيقول ~~ألله لقد كان كذا. وقرىء «لملاثمين» بحذف الهمزة وطرح حركتها على اللام ~~وإدغام نون من فيها، كقوله عاد لولي فإن قلت ما موقع تحبسونهما؟ قلت هو ~~استئناف كلام، كأنه قيل بعد اشتراط العدالة فيهما، فكيف نعمل إن ارتبنا ~~بهما، فقيل تحبسونهما فإن قلت كيف فسرت الصلاة بصلاة العصر وهي مطلقة؟ ~~قلت لما كانت معروفة عندهم بالتحليف بعدها، أغنى ذلك عن التقييد، كما لو ~~قلت في بعض أئمة الفقه إذا صلى أخذ في الدرس علم أنها صلاة الفجر. ويجوز ~~أن تكون اللام للجنس، وأن يقصد بالتحليف على أثر الصلاة أن تكون الصلاة ~~لطفا في النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # العنكبوت 45 { فإن عثر } فإن اطلع { على أنهما ~~استحقا إثما } أي فعلا ما أوجب إثما، واستوجبا أن يقال إنهما ~~لمن الآثمين { فآخران } فشاهدان آخران { يقومان مقامهما ~~من الذين استحق عليهم } أي من الذين استحق عليهم الإثم. ~~معناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرتهم. وفي قصة بديل أنه لما ~~ظهرت خيانة الرجلين، حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما، وأن شهادتهما ~~أحق من شهادتهما. { الأوليان } الأحقان بالشهادة لقرابتهما ~~ومعرفتهما، وارتفاعهما على هما الأوليان كأنه قيل ومن هما؟ فقيل ~~الأوليان. وقيل هما بدل من الضمير في يقومان، أو من آخران. ويجوز أن ~~يرتفعا باستحق، أي من الذين استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة ~~لإطلاعهم ms0544 على حقيقة الحال. وقرىء «الأولين» على أنه وصف للذين استحق ~~عليهم، مجرور، أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في ~~الشهادة لكونهم أحق بها. وقرىء «الأولين» على التثنية، وانتصابه على ~~المدح. وقرأ الحسن «الأولان»، ويحتج به من يرى رد اليمين على المدعي. ~~وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون ذلك. فوجهه عندهم أن الورثة قد ادعوا على ~~النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما ~~كتما، فأنكر الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء. فإن قلت ~~فما وجه قراءة من قرأ استحق عليهم الأوليان على البناء للفاعل، وهم علي ~~وأبي وابن عباس؟ قلت معناه من الورثة الذي استحق عليهم الأوليان من ~~بينهم بالشهادة، أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين ~~{ ذلك } الذي تقدم من بيان الحكم { أدنى } أن يأتي الشهداء على ~~نحو تلك الحادثة { بالشهدة على وجهها أو يخفوا ~~أن ترد أيمن } أن تكر أيمان شهود آخرين بعد إيمانهم فيفتضحوا ~~بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل. { واسمعوا } سمع إجابة وقبول. ### || [5.109-110] # { يوم يجمع } بدل من المنصوب في قوله واتقوا الله وهو من بدل ~~الاشتمال، كأنه قيل واتقوا الله يوم جمعه. أو ظرف لقوله لا يهدي أي لا ~~يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم. أو ينصب على إضمار اذكر. أو ~~يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت. و { ماذا } منتصب بأجبتم انتصاب ~~مصدره، على معنى أي إجابة أجبتم. ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم. فإن ~~قلت ما معنى سؤالهم؟ قلت توبيخ قومهم، كما كان سؤال الموؤدة توبيخا ~~للوائد. فإن قلت كيف يقولون { لا علم لنا } وقد علموا بما أجيبوا؟ ~~قلت يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم فيكلون الأمر إلى علمه ~~وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكي واللجإ ~~إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة وأفت في أعضادهم وأجلب ~~لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم. ~~ومثاله أن ينكب بعض الخوارج على السلطان خاصة من ms0545 خواصه نكبة قد عرفها ~~السلطان واطلع على كنهها وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول ~~له ما فعل بك هذا الخارجي وهو عالم بما فعل به، يريد توبيخه وتبكيته، ~~فيقول له أنت أعلم بما فعل بي تفويضا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا ~~عليه، وإظهارا للشكاية، وتعظيما لما حل به منه. وقيل من هول ذلك اليوم ~~يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة ~~على أممهم. وقيل معناه علمنا ساقط مع علمك ومغمور به، لأنك علام الغيوب. ~~ومن علم الخفيات لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة الأمم لرسلهم، ~~فكأنه لا علم لنا إلى جنب علمك. وقيل لا علم لنا بما كان منهم بعدنا، ~~وإنما الحكم للخاتمة. وكيف يخفى عليهم أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق ~~العيون موبخين. وقرىء «علام الغيوب» بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله { ~~إنك أنت } أي أنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ثم نصب ~~علام الغيوب على الاختصاص، أو على على النداء، أو هو صفة لاسم أن { إذ ~~قال الله } بدل من يوم يجمع والمعنى أنه يوبخ الكافرين يومئذ بسؤال ~~الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أظهر على أيديهم من الآيات العظام، فكذبوهم ~~وسموهم سحرة. أو جاوزوا حد التصديق إلى أن اتخذوهم آلهة، كما قال بعض ~~بني إسرائيل فيما أظهر على يد عيسى عليه السلام من البينات والمعجزات # هذا سحر مبين # الأحقاف 7 واتخذه بعضهم وأمه إلهين { أيدتك } قويتك. وقرىء ~~«أيدتك»، على أفعلتك { بروح القدس } بالكلام الذي يحيا به الدين، ~~وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام. # والدليل عليه قوله تعالى { تكلم الناس } و { فى المهد } في ~~موضع الحال، لأن المعنى تكلمهم طفلا { وكهلا } إلا أن في المهد فيه ~~دليل على حد من الطفولة. وقيل روح القدس جبريل عليه السلام، أيد به ~~لتثبيت الحجة. فإن قلت ما معنى قوله في المهد وكهلا؟ قلت معناه تكلمهم ~~في هاتين الحالتين، من غير أن يتفاوت كلامك في حين الطفولة وحين الكهولة ~~الذي هو ms0546 وقت كمال العقل وبلوغ الأشد والحد الذي يستنبأ فيه الأنبياء { ~~والتوراة والإنجيل } خصا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، ~~لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة. وقيل الكتاب الخط. و الحكمة الكلام ~~المحكم الصواب { كهيئة الطير } هيئة مثل هيئة الطير { بإذنى ~~} بتسهيلي { فتنفخ فيها } الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان ~~يخلقها عيسى عليه السلام وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها ~~لأنها ليست في خلقه ولا من نفخه في شيء. وكذلك الضمير في فتكون { ~~تخرج الموتى } تخرجهم من القبور وتبعثهم. قيل أخرج سام ابن نوح ~~ورجلين وامرأة وجارية { وإذا كففت بنى إسرءيل عنك } يعني ~~اليهود حين هموا بقتله. وقيل لما قال الله تعالى لعيسى { اذكر ~~نعمتى عليك } كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ~~يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى ~~بات. ### || [5.111-115] # { أوحيت إلى الحواريين } أمرتهم على ألسنة الرسل { ~~مسلمون } مخلصون، من أسلم وجهه لله { عيسى } في محل النصب على ~~إتباع حركة الابن، كقولك يا زيد بن عمرو، وهي اللغة الفاشية ويجوز أن ~~يكون مضموما كقولك يا زيد بن عمرو. والدليل عليه قوله # أحار بن عمرو كأني خمر ويبدو على المرء ما ~~يأتمر # لأن الترخيم لا يكون إلا في المضموم. فإن قلت كيف قالوا { هل ~~يستطيع ربك } بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلت ما وصفهم الله بالإيمان ~~والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله { إذ قالوا } فآذن ~~إن دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله هل يستطيع ربك كلام لا ~~يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه ~~اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا ~~تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها { إن كنتم ~~مؤمنين } إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. وقرىء «هل تستطيع ربك»، أي ~~هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله. ~~والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من مادة إذا ms0547 أعطاه ورفده ~~كأنها تميد من تقدم إليه { ونكون عليها من الشهدين } ~~نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين ~~لله بالوحدانية ولك وبالنبوة، عاكفين عليها، على أن عليها في موضع ~~الحال، وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الإيمان والإخلاص. وإنما ~~سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا. ~~وقرىء «ويعلم»، بالياء على البناء للمفعول. «وتعلم». «وتكون»، بالتاء. ~~والضمير للقلوب { اللهم } أصله يا ألله. فحذف حرف النداء، وعوضت منه ~~الميم. و { ربنا } نداء ثان { تكون لنا عيدا } أي يكون يوم ~~نزولها عيدا. قيل هو يوم الأحد. ومن ثم اتخذه النصارى عيدا، وقيل العيد ~~السرور العائد، ولذلك يقال يوم عيد. فكأن معناه تكون لنا سرورا وفرحا، ~~وقرأ عبد الله «تكون»، على جواب الأمر. ونظيرهما. يرثني، ويرثني { ~~لأولنا وءاخرنا } بدل من لنا بتكرير العامل، أي لمن في زماننا ~~من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا. وقيل يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم ~~ويجوز للمقدمين منا والأتباع. وفي قراءة زيد «لأولانا وأخرانا»، ~~والتأنيث بمعنى الأمة والجماعة { عذابا } بمعنى تعذيبا. والضمير في ~~لا أعذبه للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بد من الباء. ~~وروي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفا، ثم قال اللهم ~~أنزل علينا، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ~~ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال اللهم ~~اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال ~~لهم ليقم أحسنكم عملا يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها. # فقال شمعون رأس الحواريين أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى، ~~ثم كشف المنديل وقال بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ~~ولا شوك تسيل دسما. وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان ~~البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى ~~الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. ms0548 فقال ~~شمعون يا روح الله، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال ليس منهما، ~~ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا الله ~~يمددكم الله ويزدكم من فضله فقال الحواريون يا روح الله، لو أريتنا من ~~هذه الآية آية أخرى، فقال يا سمكة أحيي بإذن الله، فاضطربت. ثم قال لها ~~عودي كما كنت، فعادت مشوية. ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة ~~وخنازير. وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى { فمن يكفر ~~بعد منكم فإنى أعذبه } قالوا لا نريد فلم تنزل. وعن الحسن ~~والله ما نزلت، ولو نزلت لكان عيدا إلى يوم القيامة، لقوله وآخرنا. ~~والصحيح أنها نزلت. ### || [5.116] # { سبحنك } من أن يكون لك شريك { ما يكون لى } ما ينبغي لي { ~~أن أقول } قولا لا يحق لي أن أقوله { فى نفسى } في قلبي ~~والمعنى تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة ~~وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل { فى نفسك } لقوله في نفسي { ~~إنك أنت علم الغيوب } تقرير للجملتين معا، لأن ما انطوت ~~عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهي إليه ~~علم أحد. ### || [5.117-118] # أن في قوله { أن اعبدوا الله } إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد ~~من مفسر. والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له. أما ~~فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا ~~تقول ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله. ولكن ما قلت لهم إلا اعبدوا الله. ~~وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير الله عز وجل. فلو فسرته باعبدوا الله ~~ربي وربكم لم يستقم لأن الله تعالى لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن ~~جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلا من ما أمرتني به، أو من ~~الهاء في به، وكلاهما غير مستقيم لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل ~~منه. ولا يقال ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، بمعنى ما قلت لهم ms0549 إلا ~~عبادته لأن العبادة لا تقال. وكذلك إذا جعلته بدلا من الهاء لأنك لو ~~أقمت أن اعبدوا الله مقام الهاء، فقلت إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم ~~يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته. فإن قلت فكيف يصنع؟ قلت يحمل ~~فعل القول على معناه لأن معنى ما قلت لهم إلا ما أمرتني به. ما أمرتهم ~~إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم. ويجوز ~~أن تكون أن موصولة عطف بيان للهاء لا بدلا { وكنت عليهم ~~شهيدا } رقيبا كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ~~ويتدينوا به { فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب ~~عليهم } تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم ~~من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك } الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك { وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز } القوي القادر على الثواب ~~والعقاب { الحكيم } الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. فإن ~~قلت المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال وإن تغفر لهم؟ قلت ما قال إنك تغفر ~~لهم، ولكنه بنى الكلام على إن غفرت، فقال إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء ~~بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة ~~حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان الجرم أعظم جرما كان العفو عنه ~~أحسن. ### || [5.119] # قرىء «هذا يوم ينفع» بالرفع والإضافة. وبالنصب إما على أنه ظرف لقال ~~وإما على أن هذا مبتدأ، والظرف خبر. ومعناه هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى ~~واقع يوم ينفع. ولا يجوز أن يكون فتحا، كقوله تعالى # يوم لا تملك # الانفطار 9 لأنه مضاف إلى متمكن. وقرأ الأعمش «يوم ينفع» بالتنوين، ~~كقوله تعالى # واتقوا يوما لا تجرى نفس # البقرة 48 فإن قلت ما معنى قوله ينفع الصادقين صدقهم؟ إن أريد صدقهم في ~~الآخرة فليست الآخرة بدار عمل، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ~~ورد فيه لأنه في معنى الشهادة لعيسى عليه ms0550 السلام بالصدق فيما يجيب به يوم ~~القيامة؟ قلت معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم. وعن ~~قتادة متكلمان تكلما يوم القيامة. أما إبليس فقال إن الله وعدكم وعد ~~الحق، فصدق يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا، فلم ينفعه صدقه. وأما عيسى عليه ~~السلام فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه. ### || [5.120] # قإن قلت في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل ومن ~~فيهن؟ قلت ما يتناول الأجناس كلها تناولا عاما. ألا تراك تقول إذا ~~رأيت شبحا من بعيد ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فكان أولى ~~بإرادة العموم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 370 # " من قرأ سورة المائدة أعطى من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع ~~له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا ". ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # { جعل } يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ، كقوله { ~~وجعل الظلمت والنور } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير، ~~كقوله # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # الزخرف 19 والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي ~~الجعل معنى التضمين، كإنشاء شيء من شيء، أو تصيير شيء شيئا، أو نقله من ~~مكان إلى مكان. ومن ذلك # وجعل منها زوجها # الأعراف 189 { وجعل الظلمت والنور } لأن الظلمات من ~~الأجرام المتكاثفة،والنور من النار # ثم جعلكم أزواجا # فاطر 11 # أجعل الالهة إلها وحدا # ص 5. فإن قلت لم أفرد النور؟ قلت للقصد إلى الجنس، كقوله تعالى # والملك على أرجائها # الحاقة 17 أو لأن الظلمات كثيرة، لأنه ما من جنس من أجناس الأجرام إلا ~~وله ظل، وظله هو الظلمة، بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار. فإن ~~قلت علام عطف قوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ~~}؟ قلت إما على قوله { الحمد لله } على معنى أن الله حقيق بالحمد ~~على ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون ~~نعمته، وإما على قوله { خلق السموت } على معنى أنه خلق ما ms0551 خلق ~~مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه. فإن ~~قلت فما معنى ثم؟ قلت استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته، وكذلك # ثم أنتم تمترون # الأنعام 2 استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه محييهم ومميتهم ~~وباعثهم. ### || [6.2] # { ثم قضى أجلا } أجل الموت { وأجل مسمى عنده } أجل ~~القيامة. وقيلالأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والثاني ما بين ~~الموت والبعث وهو البرزخ. وقيل الأول النوم. والثاني الموت. فإن قلت ~~المبتدأ النكرة إذا كان خبره ظرفا وجب تأخيره، فلم جاز تقديمه في قوله { ~~وأجل مسمى عنده }؟ قلت لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة، ~~كقوله # ولعبد مؤمن خير من مشرك # البقرة 221 فإن قلت الكلام السائر أن يقال عندي ثوب جيد، ولي عبد كيس، ~~وما أشبه ذلك فما أوجب التقديم؟ قلت أوجبه أن المعنى وأي أجل مسمى عنده ~~تعظيما لشأن الساعة، فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم. ### || [6.3] # { فى السموت } متعلق بمعنى اسم الله، كأنه قيل وهو المعبود ~~فيها. ومنه قوله # وهو الذى فى السماء إله وفى الارض إله # الزخرف 84 أو وهو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها، أو هو ~~الذي يقال له الله فيها- لا يشرك به في هذا الاسم، ويجوز أن يكون { ~~الله في السموات } خبرا بعد خبر على معنى أنه الله وأنه في ~~السموات والأرض بمعنى أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه منه شيء، كأن ~~ذاته فيهما، فإن قلت كيف موقع قوله { يعلم سركم وجهركم }؟ ~~قلت إن أردت التوحد بالإلهية كان تقريرا له لأن الذي استوى في علمه ~~السر والعلانية هو الله وحده، وكذلك إذا جعلت في السموات خبرا بعد خبر، ~~وإلا فهو كلام مبتدأ بمعنىهو يعلم سركم وجهركم.أو خبر ثالث { ويعلم ~~ما تكسبون } من الخير والشر، ويثيب عليه، ويعاقب. ### || [6.4-5] # { من في { من ءاية } للاستغراق. وفي { من آيات ربهم } للتبعيض. ~~يعنيوما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال ~~والاعتبار، إلا ms0552 كانوا عنه معرضين تاركين للنظر لا يلتفتون إليه ولا ~~يرفعون به رأسا، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب، { فقد كذبوا } مردود على ~~كلام محذوف كأنه قيل إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم ~~آية وأكبرها وهو الحق { لما جاءهم } يعني القرآن الذي تحدوا به ~~على تبالغهم في الفصاحة فعجزوا عنه { فسوف يأتيهم أنباء } ~~الشيء الذي { كانوا به يستهزءون } وهو القرآن، أي أخباره ~~وأحواله، بمعنى سيعلمون بأي شيء استهزءوا. وسيظهر لهم أنه لم يكن بموضع ~~استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا أو يوم القيامة أو عند ~~ظهور الإسلام وعلو كلمته. ### || [6.6] # مكن له في الأرض جعل له مكانا له فيها. ونحوه أرض له. ومنه قوله # إنا مكنا له فى الأرض # الكهف 84 # أو لم نمكن لهم # القصص 57 وأما مكنته في الأرض فأثبته فيها. ومنه قوله # ولقد مكنهم فيما إن مكنكم فيه # الأحقاف 26 ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله { مكنهم فى ~~الارض ما لم نمكن لكم } والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما ~~أعطينا عادا وثمود وغيرهم، من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال ~~والاستظهار بأسباب الدنيا. والسماء المظلة لأن الماء ينزل منها إلى ~~السحاب، أو السحاب أو المطر. والمدرار المغزار. فإن قلت أي فائدة في ذكر ~~إنشاء قرن آخرين بعدهم؟ قلت الدلالة على أنه لا يتعاظمه أن يهلك قرنا ~~ويخرب بلاده منهم؟ فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده، ~~كقوله تعالى # ولا يخاف عقبها # الشمس 15. ### || [6.7-9] # { كتبا } مكتوبا { فى قرطاس } في ورق { فلمسوه ~~بأيديهم } ولم يقتصر بهم على الرؤية، لئلا يقولوا سكرت أبصارنا، ~~ولا تبقى لهم علة. لقالوا { إن هذا إلا سحر مبين } ~~تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره { لقضى الامر } لقضي أمر إهلاكهم ~~{ ثم لا ينظرون } بعد نزوله طرفة عين. إما لأنهم إذا عاينوا ~~الملك قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته وهي آية لا شيء ~~أبين منها وأيقن، ثم لا يؤمنون كما قال # ولوأننا نزلنا إليهم الملئكة وكلمهم ms0553 ~~الموتى # الأنعام 111 لم يكن بد من إهلاكهم، كما أهلك أصحاب المائدة، وإما لأنه ~~يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة، فيجب إهلاكهم. ~~وإما لأنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون ~~ومعنى { ثم } بعد ما بين الأمرين قضاء الأمر، وعدم الإنظار. جعل عدم ~~الإنظار أشد من قضاء الأمر، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة { ~~ولو جعلنه ملكا } ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا لأنهم ~~كانوا يقولون لولا أنزل على محمد ملك. وتارة يقولون # ما هذا إلا بشر مثلكم # المؤمنون 33، # ولو شاء ربنا لانزل ملئكة # فصلت 14 { لجعلنه رجلا } لأرسلناه في صورة رجل، كما. كان ~~ينزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعم الأحوال في صورة ~~دحية.لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة في صورهم { وللبسنا ~~عليهم } ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون إذا ~~رأوا الملك في صورة إنسان هذا إنسان وليس بملك، فإن قال لهم الدليل على ~~أني ملك أني جئت بالقرآن المعجز، وهو ناطق بأني ملك لا بشر- كذبوه كما ~~كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون ~~الآن، فهو لبس الله عليهم. ويجوز أن يراد { وللبسنا عليهم } ~~حينئذ مثل ما يلبسون على أنفسهم الساعة في كفرهم بآيات الله البينة وقرأ ~~ابن محيصن «ولبسنا عليهم»، بلام واحدة. وقرأ الزهري «وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون»، بالتشديد. ### || [6.10] # { ولقد استهزىء } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان ~~يلقى من قومه { فحاق } بهم فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزؤن به وهو ~~الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به. ### || [6.11] # فإن قلت أي فرق بين قوله { فانظروا } وبين قوله { ثم انظروا ~~}؟ قلت جعل النظر مسببا عن السير في قوله { فانظروا } فكأنه قيل ~~سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله { سيروا فى ~~الارض ثم انظروا } فمعناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها ~~من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين. ونبه على ذلك بثم، لتباعد ms0554 ما ~~بين الواجب والمباح. ### || [6.12] # { لمن ما فى السموت والارض } سؤال تبكيت، و { قل ~~لله } تقرير لهم، أي هو الله لا خلاف بيني وبينكم، ولا تقدرون ~~أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره { كتب على نفسه الرحمة } أي ~~أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده بما ~~أنتم مقرون به من خلق السموات الأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر ~~وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شيء بقوله { ليجمعنكم إلى ~~يوم القيمة } فيجازيكم على إشراككم. وقوله { الذين ~~خسروا أنفسهم } نصب على الذم، أو رفع أي أريد الذين خسروا ~~أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم. فإن قلت كيف جعل عدم إيمانهم مسببا ~~عن خسرانهم، والأمر على العكس؟ قلت معناه الذين خسروا أنفسهم في علم الله ~~لاختيارهم الكفر. فهم لا يؤمنون. ### || [6.13] # { وله } عطف على الله { ما سكن فى اليل والنهار } من ~~السكنى وتعديه بفي كما في قوله { وسكنتم فى مسكن الذين ~~ظلموا أنفسهم }. { وهو السميع العليم } يسمع كل ~~مسموع ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيء مما يشتمل عليه الملوان. ### || [6.14-16] # أولي { أغير الله }؟ همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو { ~~اتخذ } لأن الإنكار في اتخاذ غير الله وليا، لا في اتخاذ الولي، ~~فكان أولى بالتقديم. ونحوه # أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجهلون # الزمر 64 # ءآلله أذن لكم # يونس 59. وقرىء { فاطر السموت } بالجر صفة لله، وبالرفع على ~~المدح. وقرأ الزهري «فطر». وعن ابن عباس رضي الله عنهما ما عرفت ما ~~فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما ~~أنا فطرتها أي ابتدعتها { وهو يطعم ولا يطعم } وهو يرزق ~~ولا يرزق، كقوله # ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون # الذاريات 59 والمعنى أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. ~~وقرىء «ولا يطعم»، بفتح الياء. وروى ابن المأمون عن يعقوب «وهو يطعم ~~ولا يطعم»، على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، والضمير لغير ~~الله، وقرأ الأشهب «وهو يطعم ولا يطعم»، على بنائهما للفاعل. وفسر بأن ms0555 ~~معناه وهو يطعم، ولا يستطعم. وحكى الأزهري أطعمت، بمعنى استطعمت، ونحوه ~~أفدت. ويجوز أن يكون المعنى وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى على حسب ~~المصالح، كقولك وهو يعطي ويمنع، ويبسط، ويقدر، ويغني ويفقر { أول ~~من أسلم } لأن النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله # وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين # الأنعام 163 وكقول موسى # سبحنك تبت إليك وأنا أول المؤمنين # الأعراف 143 { ولا تكونن } وقيل لي لا تكونن { من ~~المشركين } ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك. و { من ~~يصرف عنه } العذاب { يومئذ فقد رحمه } الله الرحمة ~~العظمى وهي النجاة، كقولك إن أطعمت زيدا من جوعه فقد أحسنت إليه؟ تريد ~~فقد أتممت الإحسان إليه أو، فقد أدخله الجنة، لأن من لم يعذب لم يكن له ~~بد من الثواب. وقرىء «من يصرف عنه» على البناء للفاعل، والمعنى من ~~يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه، بمعنى من يدفع الله عنه. ويحفظه، ~~وقد علم من المدفوع عنه. وترك ذكر المصروف لكونه معلوما أو مذكورا قبله ~~وهو العذاب. ويجوز أن ينتصب يومئذ يصرف انتصاب المفعول به، أي من بيصرف ~~الله عنه ذلك اليوم أي هوله، فقد رحمه. وينصر هذه القراءة قراءة أبي رضي ~~الله عنه من يصرف الله عنه. ### || [6.17] # { وإن يمسسك الله بضر } من مرض أو فقر أو غير ذلك من ~~بلاياه، فلا قادر على كشفه إلا هو { وإن يمسسك بخير } من غنى ~~أو صحة { فهو على كل شىء قدير } فكان قادرا على إدامته أو ~~إزالته. ### || [6.18] # { فوق عباده } تصوير للقهر والعلو بالغلبة والقدرة، كقوله # وإنا فوقهم قهرون # الأعراف 127 الشيء أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، ~~فيقع على القديم والجرم والعرض والمحال والمستقيم. ولذلك صح أن يقال في ~~الله عز وجل شيء لا كالأشياء، كأنك قلت معلوم لا كسائر المعلومات، ولا ~~يصح جسم لا كالأجسام. ### || [6.19] # وأراد أي شهيد { أكبر شهدة } فوضع شيئا مقام شهيد ليبالغ في ~~التعميم { قل الله شهيد بينى وبينكم } يحتمل أن يكون ~~تمام الجواب ms0556 عند قوله { قل الله } بمعنى الله أكبر شهادة، ثم ابتدىء ~~{ شهيد بينى وبينكم } أي هو شهيد بيني وبينكم، وأن يكون { ~~الله شهيد بينى وبينكم } هو الجواب، لدلالته على أن الله ~~عز وجل إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيء شهادة شهيد له { ~~ومن بلغ } عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة. أي لأنذركم به وأنذر ~~كل من بلغه القرآن من العرب والعجم. وقيل من الثقلين. وقيل من بلغه إلى ~~يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم { أئنكم لتشهدون } تقرير لهم مع إنكار واستبعاد { قل ~~لا أشهد } شهادتكم. ### || [6.20-21] # { الذين ءاتينهم الكتب } يعني اليهود والنصارى يعرفون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة ~~خالصة { كما يعرفون أبناءهم } بحلاهم ونعوتهم لا يخفون عليهم ~~ولا يلتبسون بغيرهم. وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة ~~نبوته. ثم قال { الذين خسروا أنفسهم } من المشركين من أهل ~~الكتاب الجاحدين { فهم لا يؤمنون } به، جمعوا بين أمرين ~~متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة ~~البينة، والبرهان الصحيح، حيث قالوا # لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا # الأنعام 148 وقالوا # والله أمرنا بها # الأعراف 28 وقالوا { الملئكة بنات الله } و # هؤلاء شفعؤنا عند الله # يونس 18 ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، وذهبوا فكذبوا القرآن ~~والمعجزات، وسموها سحرا، ولم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم. ### || [6.22-24] # { ويوم نحشرهم } ناصبه محذوف تقديره ويوم نحشرهم كان كيت ~~وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف { أين ~~شركاؤكم } أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله. وقوله { الذين ~~كنتم تزعمون } معناه تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان. وقرىء ~~«يحشرهم». «ثم يقول» بالياء فيهما. وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ، ~~ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من ~~الشفاعة. فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ~~ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء ms0557 فيها، فيروا مكان خزيهم، ~~وحسرتهم { فتنتهم } كفرهم. والمعنى ثم لم تكن عاقبة كفرهم - الذي ~~لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده ~~والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به. ويجوز أن يراد ثم لم يكن ~~جوابهم إلا أن قالوا فسمي فتنة لأنه كذب. وقرىء «تكن» بالتاء وفتنتهم، ~~بالنصب. وإنما أنث { أن قالوا } لوقوع الخبر مؤنثا، كقولك من كانت ~~أمك؟ وقرىء بالياء ونصب الفتنة. وبالياء والتاء مع رفع الفتنة. وقرىء ~~«ربنا» بالنصب على النداء { وضل عنهم } وغاب عنهم { ما كانوا ~~يفترون } أي يفترون إلهيته وشفاعته. فإن قلت كيف يصح أن يكذبوا حين ~~يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت ~~الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشا ~~ألا تراهم يقولون # ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظلمون # المؤمنون 107 وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، # ونادوا يملك ملك ليقض علينا ربك # الزخرف 77 وقد علموا أنه لا يقضى عليهم. وأما قول من يقول معناه ما كنا ~~مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله { ~~انظر كيف كذبوا على أنفسهم } يعني في الدنيا فتمحل ~~وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عي وإقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا ~~إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد ~~النبو. وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا ~~إنهم هم الكذبون # المجادلة 18 بعد قوله # ويحلفون على الكذب وهم يعلمون # المجادلة 14 فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. ### || [6.25-26] # { ومنهم من يستمع إليك } حين تتلوا القرآن. روي 372 أنه ~~اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل، وأضرابهم يستمعون ~~تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنضر يا أبا قتيلة، ما ~~يقول محمد؟ فقال والذي جعلها بيته - يعني الكعبة - ما أدري ما يقول، إلا ~~أنه يحرك ms0558 لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما حدثتكم عن القرون ~~الماضية، فقال أبو سفيان إني لأراه حقا. فقال أبو جهل كلا، فنزلت. ~~والأكنة على القلوب، والوقر في الأذان مثل في نبو قلوبهم ومسامعهم عن ~~قبوله واعتقاد صحته. ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله { وجعلنا } ~~للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم، كأنهم مجبولون عليه. أو هي ~~حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم # وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب # فصلت 5 وقرأ طلحة «وقرا» بكسر الواو { حتى إذا جاءوك ~~يجدلونك } هي حتى التي تقع بعدها الجمل. والجملة قوله { إذا ~~جاءوك } { يقول الذين كفروا } و { يجدلونك } موضع ~~الحال. ويجوز أن تكون الجارة ويكون إذا جاؤك في محل الجر بمعنى حتى وقت ~~مجيئهم، ويجادلونك حال، وقوله يقول { الذين كفروا }. وتفسير له. والمعنى ~~بأنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك. وفسر مجادلتهم ~~بأنهم يقولون { إن هذا إلا أسطير الاولين } فيجعلون ~~كلام الله وهو أصدق الحديث، خرافات وأكاذيب، وهي الغاية في التكذيب { ~~وهم ينهون } الناس عن القرآن أو عن الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وأتباعه، ويثبطونهم عن الإيمان به { عنه وينئون } بأنفسهم ~~فيضلون ويضلون { وإن يهلكون } بذلك { إلا أنفسهم } ولا ~~يتعداهم الضرر إلى غيرهم، وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل هو أبو طالب لأنه كان ينهى قريشا عن التعرض لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وينأى عنه ولا يؤمن به. وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي ~~طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءا. فقال # والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في ~~التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ~~وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وزعمت ~~أنك ناصح ولقد صدقت وكنت ثم أمينا ~~وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان ~~البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة ~~لوجدتني سمحا بذاك مبينا # فنزلت. ### || [6.27-28] # { ولو ترى } جوابه محذوف تقديره. ولو ترى لرأيت أمرا شنيعا { ~~وقفوا على النار } أروها حتى يعاينوها. أو اطلعوا عليها اطلاعا ms0559 ~~هي تحتهم، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها من قولك وقفته على كذا إذا ~~فهمته وعرفته، وقرىء «وقفوا» على البناء للفاعل، ومن وقف عليه وقوفا { ~~يليتنا نرد } تم تمنيهم. ثم ابتدؤا { ولا نكذب ~~بئايت ربنا ونكون من المؤمنين } واعدين الإيمان، ~~كأنهم قالوا ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الإثبات. شبهة سيبويه بقولهم ~~دعني ولا أعود، بمعنى دعني وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني. ويجوز أن ~~يكون معطوفا على نرد، أو حالا على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين ~~وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني. فإن قلت يدفع ذلك قوله { ~~وإنهم لكذبون } لأن المتمني لا يكون كاذبا. قلت هذا تمن ~~قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل ليت الله ~~يرزقني مالا فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا متمن في معنى الواعد، ~~فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنه قال إن رزقني ~~الله مالا كافأتك على الإحسان. وقرىء «ولا نكذب ونكون» بالنصب بإضمار أن ~~على جواب التمني ومعناه إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين { بل بدا ~~لهم ما كانوا يخفون من قبل } من قبائحهم وفضائحهم في ~~صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرا لا أنهم عازمون ~~على أنهم لو ردوا لآمنوا. وقيل هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي ~~كانوا يسرونه. وقيل هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من ~~صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولو ردوا } إلى الدنيا ~~بعد وقوفهم على النار { لعدوا لما نهوا عنه } من الكفر ~~والمعاصي { وإنهم لكذبون } فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون ~~به. ### || [6.29] # { وقالوا } عطف على لعادوا. أي ولو ردوا لكفروا ولقالوا { إن ~~هى إلا حياتنا الدنيا } كما كانوا يقولون قبل معاينة ~~القيامة. ويجوز أن يعطف على قوله وإنهم لكاذبون، على معنى وإنهم لقوم ~~كاذبون في كل شيء، وهم الذين قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا. وكفى به ~~دليلا على كذبهم. ### || [6.30-31] # { وقفوا على ربهم } مجاز ms0560 على الحبس للتوبيخ والسؤال، كما ~~يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه. وقيل وقفوا على جزاء ربهم. وقيل ~~عرفوه حق التعريف { قال } مردود على قول قائل قال ماذا قال لهم ربهم إذ ~~وقفوا عليه؟ فقيل قال { أليس هذا بالحق } وهذا تعيير من الله ~~تعالى لهم على التكذيب. وقولهم - لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء ~~- ما هو بحق وما هو إلا باطل { بما كنتم تكفرون } بكفركم ~~بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. وقد حقق الكلام فيه في مواضع أخر. ~~و { حتى } غاية لكذبوا لا لخسر، لأن خسرانهم لا غاية له. أي ما زال ~~بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة. فإن قلت أما يتحسرون عند موتهم؟ ~~قلت لما كان الموت وقوعا في أحوال الآخرة ومقدماتها جعل من جنس الساعة ~~وسمي باسمها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 373 # " من مات فقد قامت قيامته " # أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة { بغتة } ~~فجأة وانتصابها على الحال بمعنى باغتة، أو على المصدر كأنه قيل بغتتهم ~~الساعة بغتة { فرطنا فيها } الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها ~~وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة، أو للساعة على معنى قصرنا في شأنها ~~وفي الإيمان بها، كما تقول فرطت في فلان. ومنه فرطت في جنب الله { ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم } كقوله # فبما كسبت أيديكم # الشورى 30 لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور، كما ألف الكسب بالأيدي { ~~ساء ما يزرون } بئس شيئا يزرون وزرهم، كقوله # ساء مثلا القوم # الأعراف 177. ### || [6.32] # جعل أعمال الدنيا لعبا ولهوا واشتغالا بما لا يعني ولا يعقب منفعة، ~~كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة. وقوله { للذين يتقون } ~~دليل على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو. وقرأ ابن عباس رضي الله عنه ~~ولدار الآخرة وقرىء «تعقلون» بالتاء والياء. ### || [6.33] # { قد } في { قد نعلم } بمعنى «ربما» الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته، ~~كقوله # أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنه قد ~~يهلك المال نائله # والهاء في { إنه } ضمير الشأن { ليحزنك ms0561 } قرىء بفتح الياء ~~وضمها. و { الذى يقولون } هو قولهم ساحر كذاب { لا يكذبونك ~~} قرىء بالتشديد والتخفيف من كذبه إذا جعله كاذبا في زعمه وأكذبه إذا ~~وجده كاذبا. والمعنى أن تكذيبك أمر راجع إلى الله، لأنك رسوله المصدق ~~بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته، ~~فاله عن حزنك لنفسك وإن هم كذبوك وأنت صادق، وليشغلك عن ذلك ما هو أهم ~~وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه. ونحوه قول السيد ~~لغلامه -إذا أهانه بعض الناس - إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني. وفي هذه ~~الطريقة قوله تعالى # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # الفتح 10 وقيل فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم. وقيل ~~فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات ~~الله. وعن ابن عباس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ~~الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون. وكان أبو جهل ~~يقول ما نكذبك لأنك عندنا صادق، وإنما نكذب ما جئتنا به. وروي 374 أن ~~الأخنس بن شريق قال لأبي جهل يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم ~~كاذب، فإنه ليس عندنا أحد غيرنا؟ فقال له والله إن محمدا لصادق وما كذب ~~قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة، فماذا ~~يكون لسائر قريش، فنزلت، وقوله { ولكن الظلمين } من إقامة ~~الظاهر مقام المضمر، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم. ### || [6.34] # { ولقد كذبت } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا دليل ~~على أن قوله # فإنهم لا يكذبونك # الأنعام 33 ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك ما أهانوك ولكنهم ~~أهانوني { على ما كذبوا وأوذوا } على تكذيبهم وإيذائهم { ~~ولا مبدل لكلمت الله } لمواعيده من قوله # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم ~~لهم المنصورون # الصافات 171 { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } بعض ~~أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين. ### || [6.35-36] # كان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم عما جاء ms0562 به ~~فنزل # لعلك بخع نفسك # الشعراء 3، # إنك لا تهدى من أحببت # القصص 56، { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن ~~استطعت أن تبتغى نفقا فى الأرض } منفذا تنفذ فيه إلى ~~ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها { أو سلما فى السماء ~~فتأتيهم } منها { بئاية } فافعل. يعني أنك لا تستطيع ذلك. ~~والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن ~~يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم. وقيل ~~كانوا يقترحون الآيات فكان يود أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على ~~إيمانهم. فقيل له إن استطعت ذلك فافعل، دلالة على أنه بلغ من حرصه أنه لو ~~استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون. ويجوز ~~أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآيات، ~~كأنه قيل لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت، ~~لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها. وحذف جواب «إن» كما تقول إن شئت أن ~~تقوم بنا إلى فلان نزوره ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ~~ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة { فلا تكونن من ~~الجهلين } من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه { إنما ~~يستجيب الذين يسمعون } يعني أن الذين تحرص على أن يصدقوك ~~بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله # إنك لا تسمع الموتى # النمل 80 { والموتى يبعثهم الله } مثل لقدرته على ~~إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة { ~~ثم إليه يرجعون } للجزاء فكان قادرا على هؤلاء الموتى ~~بالكفر أن يحييهم بالإيمان. وأنت لا تقدر على ذلك. وقيل معناه وهؤلاء ~~الموتى - يعني الكفرة - يبعثهم الله. ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون. ~~وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم وقرىء «يرجعون»، بفتح الياء. ### || [6.37] # { لولا نزل عليه ءاية } نزل بمعنى أنزل. وقرىء «أن ينزل» ~~بالتشديد والتخفيف. وذكر الفعل والفاعل مؤنث. لأن التأنيث آية غير حقيقي، ~~وحسن للفصل. ms0563 وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل من الآيات على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه ~~شيء من الآيات عنادا منهم { قل إن الله قادر على أن ~~ينزل ءاية } تضطرهم إلى الإيمان. كنتق الجبل على بني إسرائيل ~~ونحوه، أو آية إن جحدوها جاءهم العذاب { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، وأن صارفا من الحكمة ~~يصرفه عن إنزالها. ### || [6.38] # { أمم أمثلكم } مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت ~~أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم { ما فرطنا } ما تركنا وما أغفلنا { فى ~~الكتب } في اللوح المحفوظ { من شىء } من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ~~ما وجب أن يثبت مما يختص به { ثم إلى ربهم يحشرون } يعني ~~الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض، كما روي 375 # " أنه يأخذ للجماء من القرناء " # ، فإن قلت كيف قيل { إلا أمم } مع إفراد الدابة والطائر؟ قلت لما ~~كان قوله تعالى { وما من دابة فى الأرض ولا طائر } دالا ~~على معنى الاستغراق ومغنيا عن أن يقال وما من دواب ولا طير، حمل قوله { ~~إلا أمم } على المعنى، فإن قلت هلا قيل وما من دابة ولا طائر إلا ~~أمم أمثالكم؟ وما معنى زيادة قوله { وفى الأرض } و { يطير ~~بجناحيه } قلت معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة، كأنه قيل وما من ~~دابة فقط في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها. فإن قلت ~~فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة ~~سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو ~~حافظ لما لها وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأن ~~المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان. وقرأ ابن ~~أبي عبلة «ولا طائر»، بالرفع على المحل، كأنه قيل وما دابة ولا طائر. ~~وقرأ علقمة «ما فرطنا» بالتخفيف. ### || [6.39] ms0564 # فإن قلت كيف أتبعه قوله { والذين كذبوا بئايتنا }؟ ~~قلت لما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته ~~قال والمكذبون { صم } لايسمعون كلام المنبه { وبكم } لا ينطقون ~~بالحق، خابطون في ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه، ثم ~~قال إيذانا بأنهم من أهل الطبع { من يشإ الله يضلله } أي ~~يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللطف { ومن يشأ ~~يجعله على صرط مستقيم } أي يلطف به لأن اللطف يجدي ~~عليه. ### || [6.40-41] # { أرأيتكم } أخبروني. والضمير الثاني لا محل له من الإعراب لأنك ~~تقول أرأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول أرأيت ~~نفسك زيدا ما شأنه؟ وهو خلف من القول، ومتعلق الاستخبار محذوف، تقديره ~~إن أتاكم عذاب الله { أو أتتكم الساعة } من تدعون. ثم بكتهم ~~بقوله { أغير الله تدعون } بمعنى أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما ~~هو عادتكم إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها { بل إيه ~~تدعون } بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة { فيكشف ما تدعون ~~إليه } أي ما تدعونه إلى كشفه { إن شاء } إن أراد أن يتفضل عليكم ~~ولم يكن مفسدة { وتنسون ما تشركون } وتتركون آلهتكم أو لا ~~تذكرونها في ذلك الوقت لأن أذهانكم في ذلك الوقت مغمورة بذكر ربكم وحده، ~~إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره، ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله { ~~أغير الله تدعون } كأنه قيل أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب ~~الله. فإن قلت إن علقت الشرط به فما تصنع بقوله { فيكشف ما ~~تدعون إليه } مع قوله { أو أتتكم الساعة } وقوارع ~~الساعة لا تكشف عن المشركين؟ قلت قد اشترط في الكشف المشيئة، وهو قوله { ~~إن شاء } إيذانا بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل ~~لوجه آخر من الحكمة أرجح منه. ### || [6.42-45] # البأساء، والضراء البؤس، والضر. وقيل البأساء القحط والجوع. والضراء ~~المرض ونقصان الأموال والأنفس. والمعنى ولقد أرسلنا إليهم الرسل فكذبوهم ~~فأخذناهم { لعلهم يتضرعون } يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون ~~عن ذنوبهم { فلولا إذ جاءهم ms0565 بأسنا تضرعوا } معناه نفي ~~التضرع، كأنه قيل فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. ولكنه جاء بلولا ليفيد ~~أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم ~~بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم { فلما نسوا ما ذكروا به ~~} من البأساء والضراء أي تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم { ~~فتحنا عليهم أبواب كل شىء } من الصحة والسعة وصنوف ~~النعمة، ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، كما يفعل الأب المشفق ~~بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى، طلبا لصلاحه { حتى إذا فرحوا ~~بما أوتوا } من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير ~~انتداب لشكر ولا تصد لتوبة واعتذار { أخذنهم بغتة فإذا ~~هم مبلسون } واجمون، متحسرون آيسون { فقطع دابر القوم ~~} آخرهم لم يترك منهم أحد، قد استؤصلت شأفتهم { والحمد لله رب ~~العلمين } إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم ~~وأجزل القسم. وقرىء { فتحنا } بالتشديد. ### || [6.46] # { إن أخذ الله سمعكم وأبصركم } بأن يصمكم ويعميكم ~~{ وختم على قلوبكم } بأن يغطي عليها ما يذهب عنده فهمكم ~~وعقلكم { يأتيكم به } أي يأتيكم بذلك، إجراء للضمير مجرى اسم ~~الإشارة أو بما أخذ وختم عليه { يصدفون } يعرضون عن الآيات بعد ~~ظهورها. ### || [6.47] # لما كانت البغتة أن يقع الأمر من غير أن يشعر به وتظهر أماراته، قيل { ~~بغتة أو جهرة } وعن الحسن ليلا أو نهارا. وقرىء «بغتة أو ~~جهرة» { هل يهلك } أي ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الظالمون. وقرىء ~~هل يهلك بفتح الياء. ### || [6.48] # { مبشرين ومنذرين } من آمن بهم وبما جاؤا به وأطاعهم، ومن ~~كذبهم وعصاهم ولم يرسلهم ليتلهى بهم ويقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم ~~بالبراهين القاطعة { وأصلح } ما يجب عليه إصلاحه مما كلف. ### || [6.49] # جعل العذاب ماسا، كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام. ومنه قولهم ~~لقيت منه الأمرين والأقورين، حيث جمعوا جمع العقلاء. وقوله # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # الفرقان 12. ### || [6.50] # أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله ms0566 - وهي ~~قسمة بين الخلق وإرزاقه، وعلم الغيب، وأني من الملائكة الذين هم أشرف جنس ~~خلقه الله تعالى وأفضله وأقربه منزلة منه. أي لم أدع إلهية ولا ملكية ~~لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزل الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي ~~وتستنكرونها. وإنما أدعي ما كان مثله لكثير من البشر وهو النبوة { هل ~~يستوى الأعمى والبصير } مثل للضال والمهتدي ويجوز أن يكون ~~مثلا لمن اتبع ما يوحي إليه. ومن لم يتبع. أو لمن ادعى المستقيم وهو ~~النبوة. والمحال وهو الإلهية أو الملكية { أفلا تتفكرون } فلا ~~تكونوا ضالين أشباه العميان. أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر. ~~أو فتعلموا أن اتباع ما يوحى إلي مما لا بد لي منه. فإن قلت { ~~أعلم الغيب } ما محله من الإعراب؟ قلت النصب عطفا على قوله { ~~عندى خزائن الله } ، لأنه من جملة المقول كأنه قال لا أقول لكم ~~هذا القول ولا هذا القول. ### || [6.51] # { وأنذر به } الضمير راجع إلى قوله و { وما يوحى إلى } و ~~{ الذين يخافون أن يحشروا } إما قوم داخلون في الإسلام ~~مقرون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما يوحي إليه { ~~لعلهم يتقون } أي يدخلون في زمرة المتقين من المسلمين. وأما ~~أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث. وإما ناس من المشركين علم من حالهم ~~أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقا فيهلكوا، فهم ممن يرجى ~~أن ينجع فيهم الإنذار، دون المتمردين منهم، فأمر أن ينذر هؤلاء. وقوله { ~~ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع } في موضع الحال من ~~يحشروا، بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم، ولا بد من ~~هذه الحال، لأن كلا محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال. ### || [6.52] # ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر ~~المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم ~~خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم أي عبادته ويواظبون ~~عليها، والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام. وقيل معناه يصلون صلاة الصبح ~~والعصر، ms0567 ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله { يريدون وجهه } ~~والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته. روي 376 أن رؤوسا من المشركين ~~قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو طردت عنا هؤلاء الأعبد يعنون ~~فقراء المسلمين، وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله ~~عليهم - وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك، ~~فقال عليه الصلاة والسلام ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا فأقمهم عنا إذا ~~جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. فقال نعم، طمعا في إيمانهم. وروي ~~أن عمر رضي الله عنه قال لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون. قال فاكتب بذلك ~~كتابا، فدعا بصحيفة وبعلي رضي الله عنه ليكتب. فنزلت. فرمى بالصحيفة، ~~واعتذر عمر من مقالته. 377 قال سلمان وخباب فينا نزلت فكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته. وكان يقوم عنا ~~إذا أراد القيام فنزلت { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم } فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال الحمد لله الذي لم ~~يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي. معكم المحيا ومعكم الممات ~~و { ما عليك من حسابهم من شىء } كقوله # إن حسابهم إلا على ربى # الشعراء 113 وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال { ما عليك ~~من حسابهم من شىء } بعد شهادته لهم بالإخلاص وبإرادة وجه الله ~~في أعمالهم على معنى وإن كان الأمر على ما يقولون عند الله، فما يلزمك ~~إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيمة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي ~~فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك ~~إليهم، كقوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الزمر 7. فإن قلت أما كفى قوله { ما عليك من حسابهم من ~~شىء } حتى ضم إليه { وما من حسابك عليهم من شىء }؟ قلت ~~قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعني في ~~قوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الزمر 7 ولا يستقل بهذا المعنى إلا ms0568 الجملتان جميعا، كأنه قيل لا تؤاخذ ~~أنت ولا هم بحساب صاحبه. وقيل الضمير للمشركين. والمعنى لا يؤاخذون ~~بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرك الحرص عليه إلى أن تطرد ~~المؤمنين { فتطردهم } جواب النفي { فتكون من الظلمين ~~} جواب النهي. ويجوز أن يكون عطفا على { فتطردهم } على وجه ~~التسبيب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم. وقرىء «بالغدوة والعشي». ### || [6.53] # { وكذلك فتنا } ومثل ذلك الفتن العظيم، فتنا بعض الناس ببعض، ~~أي ابتليناهم بهم. وذلك أن المشركين كانوا يقولون للمسلمين { ~~أهؤلاء } الذين { من الله عليهم من بيننا } أي ~~أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن ~~المقدمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء، إنكارا لأن يكون أمثالهم على ~~الحق وممنونا عليهم من بينهم بالخير، ونحوه # أءلقى الذكر عليه من بيننا # القمر 25، # ولو كان خيرا ما سبقونا إليه # الأحقاف 11. ومعنى فتناهم ليقولوا ذلك خذلناهم فافتتنوا، حتى كان ~~افتنانهم سببا لهذا القول، لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلا مخذول مفتون ~~{ أليس الله بأعلم بالشكرين } أي الله أعلم بمن يقع ~~منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان. وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه ~~التوفيق. ### || [6.54] # { فقل سلم عليكم } إما أن يكون أمرا بتبليغ سلام الله ~~إليهم. وإما أن يكون أمرا بأن يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطييبا ~~لقلوبهم. وكذلك قوله { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ~~من جملة ما يقول لهم ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم. ~~وقرىء «إنه» فإنه بالكسر على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل { ~~أنه من عمل منكم } وبالفتح على الإبدال من الرحمة { ~~بجهالة } في موضع الحال، أي عمله وهو جاهل. وفيه معنيان، أحدهما أنه ~~فاعل فعل الجهلة لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك ~~أو ظان فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير. ومنه قول ~~الشاعر # على أنها قالت عشية زرتها جهلت على عمد ~~ولم تك جاهلا # والثاني أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة. ومن حق الحكيم أن لا ~~يقدم على شيء ms0569 حتى يعلم حاله وكيفيته. وقيل إنها نزلت في عمر رضي الله عنه ~~حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوا ولم يعلم أنها مفسدة. ### || [6.55] # وقرىء «ولتستبين» بالتاء والياء مع رفع السبيل لأنها تذكر وتؤنث. ~~وبالتاء على خطاب الرسول مع نصب السبيل. يقال استبان الأمر وتبين ~~واستبنته وتبينته. والمعنى ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ~~ونلخصها في صفة أحوال المجرمين. من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه، ~~ومن يرى فيه إمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة، ومن دخل في ~~الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلا منهم بما ~~يجب أن يعامل به، فصلنا ذلك التفصيل. ### || [6.56-58] # { نهيت } صرفت وزجرت، بما ركب في من أدلة العقل، وبما أوتيت من أدلة ~~السمع عن عبادة ما تعبدون { من دون الله } وفيه استجهال لهم ووصف ~~بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة { قل لا أتبع ~~أهواءكم } أي لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع ~~الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال، ~~وتنبيه لكل من أراد إصابة الحق ومجانبة الباطل { قد ضللت إذا } ~~أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من الهدى في شيء يعني أنكم كذلك. ~~ولما نفى أن يكون الهوى متبعا نبه على ما يجب اتباعه بقوله { قل إنى ~~على بينة من ربى } ومعنى قوله { إنى على بينة من ~~ربى وكذبتم به } إني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه، على ~~حجة واضحة وشاهد صدق { وكذبتم به } أنتم حيث أشركتم به غيره. ~~ويقال أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه، إذا كان ثابتا عندك ~~بدليل. ثم عقبه بما دل على استعظام تكذيبهم بالله وشدة غضبه عليهم لذلك ~~وأنهم أحقاء بأن يغافصوا بالعذاب المستأصل فقال { ما عندى ما ~~تستعجلون به } يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم # فأمطر علينا حجارة من السماء # الأنفال 32 { إن الحكم إلا لله } في تأخير عذابكم { يقضي ~~الحق } أي القضاء الحق ms0570 في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل في أقسامه { ~~وهو خير الفصلين } أي القاضين. وقرىء «يقص الحق» أي يتبع ~~الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره، من قص أثره { لو أن عندى } ~~أي في قدرتي وإمكاني { ما تستعجلون به } من العذاب { لقضى ~~الامر بينى وبينكم } لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي وامتعاضا ~~من تكذيبكم به. ولتخلصت منكم سريعا { والله أعلم ~~بالظلمين } وبما يجب في الحكمة من كنه عقابهم. وقيل { على ~~بينة من ربى } على حجة من جهة ربي وهي القرآن { وكذبتم ~~به } أي بالبينة. وذكر الضمير على تأويل البيان أو القرآن. فإن قلت بم ~~انتصب الحق؟ قلت بأنه صفة لمصدر يقضي أي يقضي القضاء الحق. ويجوز أن يكون ~~مفعولا به من قولهم قضى الدرع إذا صنعها، أي يصنع الحق ويدبره. وفي ~~قراءة عبد الله «يقضى بالحق» فإن قلت لم أسقطت الياء في الخط؟ قلت ~~إتباعا للخط اللفظ، وسقوطها في اللفظ لالتقاء الساكنين. ### || [6.59] # جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في ~~المخازن المتوثق منها بالأغلاق والأقفال. ومن علم مفاتحها وكيف تفتح، ~~توصل إليها، فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده لا يتوصل إليها غيره ~~كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في ~~المخازن. والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح. وقرىء «مفاتيح»، وقيل هي جمع ~~مفتح - بفتح الميم - وهو المخزن. { ولا حبة ولا رطب ولا ~~يابس } عطف على ورقة وداخل في حكمها، كأنه قيل وما يسقط من شيء من هذه ~~الأشياء إلا يعلمه. وقوله { إلا فى كتب مبين } كالتكرير ~~لقوله { إلا يعلمها } لأن معنى { إلا يعلمها } ومعنى { ~~إلا فى كتب مبين } واحد. والكتاب المبين علم الله تعالى، أو ~~اللوح وقرىء «ولا حبة، ولا رطب، ولا يابس» بالرفع. وفيه وجهان أن يكون ~~عطفا على محل { من ورقة } وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره { ~~إلا فى كتب مبين } كقولك لا رجل منهم ولا امرأة إلا في ~~الدار. ### || [6.60] # { وهو الذى يتوفكم باليل } الخطاب للكفرة، أي أنتم ~~منسدحون الليل ms0571 كله كالجيف { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ما ~~كسبتم من الآثام فيه { ثم يبعثكم فيه } ثم يبعثكم من القبور ~~في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل، وكسب الأثام ~~بالنهار، ومن أجله، كقولك فيم دعوتني؟ فتقول في أمر كذا { ليقضى ~~أجل مسمى } وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على ~~أعمالهم. { ثم إليه مرجعكم } وهو المرجع إلى موقف الحساب { ~~ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } في ليلكم ونهاركم. ### || [6.61-62] # { حفظة } ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون. وعن أبي حاتم ~~السجستاني أنه كان يكتب عن الأصمعي كل شيء يلفظ به من فوائد العلم، حتى ~~قال فيه أنت شبيه الحفظة، تكتب لغط اللفظة فقال أبو حاتم وهذا أيضا مما ~~يكتب. فإن قلت الله تعالى غني بعلمه عن كتبة الملائكة، فما فائدتها؟ قلت ~~فيها لطف للعباد، لأنهم إذا علموا أن الله رقيب عليهم والملائكة الذين هم ~~أشرف خلقه موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على ~~رؤس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن ~~السوء { توفته رسلنا } أي استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه. ~~وعن مجاهد جعلت الأرض له مثل الطست يتناول من يتناوله. وما من أهل بيت ~~إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين. وقرىء «توفاه»، ويجوز أن يكون ماضيا ~~ومضارعا بمعنى تتوفاه. و { يفرطون } بالتشديد والتخفيف، فالتفريط ~~التواني والتأخير عن الحد، والإفراط مجاوزة الحد أي لا ينقصون مما ~~أمروا به أو لا يزيدون فيه { ثم ردوا إلى الله } أي إلى ~~حكمه وجزائه { مولهم } مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم { الحق } ~~العدل الذي لا يحكم إلا بالحق { ألا له الحكم } يومئذ لا حكم ~~فيه لغيره { وهو أسرع الحسبين } لا يشغله حساب عن حساب. ~~وقرىء «الحق» بالنصب على المدح كقولك الحمد لله الحق. ### || [6.63-64] # { ظلمت البر والبحر } مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما. يقال ~~لليوم الشديد يوم مظلم، ويوم ذو كواكب. أي اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل ~~ويجوز أن يراد. ما يشفون عليه من الخسف في البر والغرق ms0572 في البحر بذنوبهم، ~~فإذا دعوا وتضرعوا كشف الله عنهم الخسف والغرق فنجوا من ظلماتها { لئن ~~أنجيتنا } على إرادة القول { من هذه } من هذه الظلمة ~~الشديدة. وقرىء { ينجيكم } بالتشديد والتخيف، وأنجانا، وخفية، بالضم ~~والكسر. ### || [6.65-67] # { هو القادر } هو الذي عرفتموه قادرا وهو الكامل القدرة { ~~عذابا من فوقكم } كما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ~~الحجارة، وأرسل على قوم نوح الطوفان { أو من تحت أرجلكم } ~~كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل من فوقكم من قبل أكابركم وسلاطينكم. ~~ومن تحت أرجلكم من قبل سفلتكم وعبيدكم. وقيل هو حبس المطر والنبات { أو ~~يلبسكم شيعا } أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة ~~منكم مشايعة لإمام. ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا ~~في ملاحم القتال، من قوله # وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست ~~نفضت لها يدي # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 378 # " سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ~~فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبريل أن ~~فناء أمتي بالسيف " # ، وعن جابر بن عبد الله 379 لما نزل { من فوقكم } قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " أعوذ بوجهك " # فلما نزل { أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا } ~~قال # " هاتان أهون " # ومعنى الآية الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة. والضمير في قوله { ~~وكذب به } راجع إلى العذاب { وهو الحق } أي لا بد أن ينزل ~~بهم { قل لست عليكم بوكيل } بحفيظ وكل إلي أمركم أمنعكم ~~من التكذيب إجبارا، إنما أنا منذر { لكل نبإ } لكل شيء ينبأ به، ~~يعني إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به { مستقر } وقت استقرار ~~وحصول لا بد منه. وقيل الضمير في { نبإ } للقرآن. ### || [6.68-69] # { يخوضون فى ءايتنا } في الاستهزاء بها والطعن فيها وكانت ~~قريش في أنديتهم يفعلون ذلك { فأعرض عنهم } فلا تجالسهم وقم ~~عنهم { حتى يخوضوا فى حديث غيره } فلا بأس أن تجالسهم ~~حينئذ { وإما ينسينك الشيطن } وإن شغلك بوسوسته حتى ~~تنسى النهي عن مجالستهم { فلا تقعد } معهم ms0573 { بعد الذكرى } ~~بعد أن تذكر النهي. وقرىء «ينسينك» بالتشديد. ويجوز أن يراد وإن كان ~~الشيطان ينسينك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول ~~{ فلا تقعد بعد الذكرى } بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه ~~معهم { وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء } ~~وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم { ~~ولكن } عليهم أن يذكروهم { ذكرى } إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام ~~عنهم، وإظهار الكراهة لهم، وموعظتهم { لعلهم يتقون } لعلهم ~~يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم. ويجوز أن يكون الضمير للذين ~~يتقون، أي يذكرونهم إرادة أن يثبتوا على تقواهم ويزدادوها. وروي أن ~~المسلمين قالوا لئن كنا نقوم كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في ~~المسجد الحرام وأن نطوف، فرخص لهم. فإن قلت ما محل { ذكرى }؟ قلت ~~يجوز أن يكون نصبا على ولكن يذكرونهم ذكرى، أي تذكيرا. ورفعا على ولكن ~~عليهم ذكرى. ولا يجوز أن يكون عطفا على محل { من شىء } ، كقولك ما ~~في الدار من أحد ولكن زيد، لأن قوله { من حسابهم } يأبى ذلك. ### || [6.70] # { اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي دينهم الذي كان يجب أن ~~يأخذوا به لعبا ولهوا. وذلك أن عبدة الأصنام وما كانوا عليه من تحريم ~~البحائر والسوائب وغير ذلك، من باب اللعب واللهو واتباع هوى النفس والعمل ~~بالشهوة، ومن جنس الهزل دون الجد. أواتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة ~~الأصنام وغيرها دينا لهم. أواتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين ~~الإسلام لعبا ولهوا، حيث سخروا به واستهزؤا. وقيل جعل الله لكل قوم ~~عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله والناس كلهم من المشركين ~~وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا، وغير المسلمين فإنهم اتخذوا ~~عيدهم كما شرعه الله. ومعنى «ذرهم» أعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم ~~واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم، { وذكر به } أي بالقرآن { أن ~~تبسل نفس } مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها. ~~وأصل الإبسال المنع، لأن المسلم إليه يمنع المسلم، قال # وإبسالي بني بغير جرم بعوناه ولا بدم مراق ms0574 # ومنه هذا عليك بسل، أي حرام محظور. والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه، أو ~~لأنه شديد البسور. يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه. فإذا زاد قالوا بسل. ~~والعابس منقبض الوجه { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ ~~منها } وإن تفد كل فداء، والعدل الفدية. لأن الفادي يعدل المفدي ~~بمثله. وكل عدل نصب على المصدر. وفاعل { يؤخذ } قوله { منهآ } لا ~~ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ. وأما في قوله تعالى # ولا يؤخذ منها عدل # البقرة 48 فبمعنى المفدي به، فصح إسناده إليه { أولئك } إشارة ~~إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا. قيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأوثان. ### || [6.71] # { قل أندعوا } أنعبد { من دون الله } الضار النافع ما لا ~~يقدر على نفعنا ولا مضرتنا { ونرد على أعقبنا } راجعين ~~إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام { كالذى ~~استهوته الشيطين } كالذي ذهبت به مردة الجن والغيلان { فى ~~الأرض } المهمه { حيران } تائها ضالا عن الجادة لا يدري كيف يصنع ~~{ له } أي لهذا المستهوى { أصحب } رفقة { يدعونه إلى ~~الهدى } إلى أن يهدوه الطريق المستوي. أو سمي الطريق المستقيم بالهدى، ~~يقولون له { ائتنا } وقد اعتسف المهمه تابعا للجن لا يجيبهم ولا ~~يأتيهم. وهذا مبني على ما تزعمه العرب وتعتقده أن الجن تستهوي الإنسان. ~~والغيلان تستولي عليه، كقوله # كالذى يتخبطه الشيطن من المس # البقرة 275 فشبه الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان ~~والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم { قل إن هدى الله } وهو ~~الإسلام { هو الهدى } وحده وما وراءه ضلال وغي # ومن يبتغ غير الإسلم دينا # آل عمران 85. # فماذا بعد الحق إلا الضلال # يونس 32. فإن قلت فما محل الكاف في قوله { كالذى استهوته }؟ ~~قلت النصب على الحال من الضمير في { نرد على أعقبنا } أي ~~أننكص مشبهين من استهوته الشياطين؟ فإن قلت ما معنى { استهوته }؟ ~~قلت هو استفعال، من هوى في الأرض إذا ذهب فيها، كأن معناه طلبت هويه ~~وحرصت عليه. فإن قلت ما محل ms0575 { أمرنا } قلت النصب عطفا على محل قوله ~~{ إن هدى الله هو الهدى } على أنهما مقولان، كأنه قيل قل ~~هذا القول وقل أمرنا لنسلم. فإن قلت ما معنى اللام في { لنسلم }؟ ~~قلت هي تعليل للأمر، بمعنى أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. فإن قلت ~~فإذا كان هذا واردا في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكيف قيل للرسول ~~عليه الصلاة والسلام قل أندعو؟ قلت للاتحاد الذي كان بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين، خصوصا بينه وبين الصديق أبي بكر رضي الله ~~تعالى عنه. ### || [6.72-73] # فإن قلت علام عطف قوله { وأن أقيموا }؟ قلت على موضع { ~~لنسلم } كأنه قيل وأمرنا أن نسلم، وأن أقيموا ويجوز أن يكون التقدير ~~وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإسلام ولإقامة الصلاة { قوله ~~الحق } مبتدأ. ويوم يقول خبره مقدما عليه، وانتصابه بمعنى ~~الاستقراء، كقولك يوم الجمعة القتال. واليوم بمعنى الحين. والمعنى أنه ~~خلق السموات والأرض قائما بالحق والحكمة، وحين يقول لشيء من الأشياء { ~~كن } فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي لا يكون شيئا من السموات ~~والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب. و { يوم ينفخ } ظرف ~~لقوله { وله الملك } كقوله # لمن الملك اليوم # ؟ غافر 16 ويجوز أن يكون { قوله الحق } فاعل يكون، على معنى ~~وحين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحق { كن } فيكون قوله الحق. وانتصاب ~~اليوم لمحذوف دل عليه قوله { بالحق } كأنه قيل وحين يكون ويقدر ~~يقوم بالحق { علم الغيب } هو عالم الغيب، وارتفاعه على المدح. ### || [6.74-79] # { ءازر } اسم أبي إبراهيم عليه السلام. وفي كتب التواريخ أن اسمه ~~بالسريانية تارح. والأقرب أن يكون وزن { ءازر } فاعل مثل تارح وعابر ~~وعازر وشالخ وفالغ وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيان لأبيه. وقرىء ~~«آزر» بالضم على النداء. وقيل «آزر» اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه ~~عبادته، كما نبز ابن قيس بالرقيات اللاتي كان يشبب بهن، فقيل ابن قيس ~~الرقيات. وفي شعر بعض المحدثين # أدعى بأسماء نبزا في قبائلها كأن أسماء ~~أضحت بعد أسمائي ms0576 # أو أريد عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرىء «ءأزر» ~~تتخذ أصناما آلهة بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي ساكنة ~~وراء منصوبة منونة، وهو اسم صنم. ومعناه أتعبد آزرا على الإنكار؟ ثم قال ~~تتخذ أصناما آلهة تثبيتا لذلك وتقريرا، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه ~~كالبيان له { فلما جن عليه اليل } عطف على قال إبراهيم ~~لأبيه وقوله { وكذلك نرى إبرهيم } جملة معترض بها بين ~~المعطوف والمعطوف عليه. والمعنى مثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ~~ونبصره. ملكوت السموات والأرض يعني الربوبية والإلهية ونوفقه لمعرفتها ~~ونرشده بما شرحنا صدره وسددنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال. وليكون من ~~الموقنين فعلنا ذلك. ونروي حكاية حال ماضية، وكان أبوهآزر وقومه يعبدون ~~الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، ~~وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى ~~أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن ~~وراءها محدثا أحدثها، وصانعا صنعها، مدبرا دبر طلوعها وأفولها ~~وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها { هذا ربى } قول من ينصف خصمه مع ~~علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه. لأن ذلك أدعى إلى ~~الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة { لا ~~أحب الأفلين } لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين من حال إلى حال، ~~المتنقلين من مكان إلى آخر، المحتجبين بستر، فإن ذلك من صفات الأجرام { ~~بازغا } مبتدئا في الطلوع { لئن لم يهدنى ربى } تنبيه ~~لقومه على أن من اتخذ القمر إلها وهو نظير الكوكب في الأفول، فهو ضال، ~~وأن الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه { هذا أكبر } من باب ~~استعمال النصفة أيضا مع خصومه { إنى برىء مما تشركون } من ~~الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها { إنى وجهت وجهى ~~للذى فطر السموت والأرض } أي للذي دلت هذه المحدثات ~~عليه وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها. وقيل هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، ~~فحكاه الله. والأول أظهر لقوله { لئن لم يهدنى ربى } وقوله { ~~قال يقوم إنى برىء ms0577 مما تشركون }. # فإن قلت لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى ~~حال؟ قلت الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب. فإن قلت ~~ما وجه التذكير في قوله { هذا ربى } والإشارة للشمس؟ قلت جعل ~~المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد، كقولهم ما جاءت حاجتك، ومن ~~كانت أمك، و # لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # الأنعام 23 وكان اختيار هذه الطريقة واجبا لصيانة الرب عن شبهة ~~التأنيث. ألا تراهم قالوا في صفة الله «علام» ولم يقولوا «علامة» وإن كان ~~العلامة أبلغ، احترازا من علامة التأنيث. وقرىء «تري إبراهيم ملكوت ~~السموات والأرض» بالتاء ورفع الملكوت. ومعناه تبصره دلائل الربوبية. ### || [6.80-90] # { وحاجه قومه قال أتحاجونى فى الله } وكانوا حاجوه ~~في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك { وقد هدن } يعني إلى ~~التوحيد { ولا أخاف ما تشركون به } وقد خوفوه أن معبوداتهم ~~تصيبه بسوء { إلا أن يشاء ربى شيئا } إلا وقت مشيئة ربي ~~شيئا يخاف، فحذف الوقت، يعني لا أخاف معبوداتكم في وقت قط لأنها لا تقدر ~~على منفعة ولا مضرة، إلا إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها إن أصبت ~~ذنبا استوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمني بكوكب أو بشقة من الشمس أو ~~القمر، أو يجلعها قادرة على مضرتي { وسع ربى كل شىء علما } ~~أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها { ~~أفلا تتذكرون } فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز { ~~وكيف أخاف } لتخويفكم شيئا مأمون الخوف لا يتعلق به ضرر بوجه { و ~~} أنتم { لا تخافون } ما يتعلق به كل مخوف وهو إشراككم بالله ما لم ينزل ~~بإشراكه { سلطنا } أي حجة، لأن الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، ~~كأنه قال وما لكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم ~~الأمن في موضع الخوف. ولم يقل فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم، احترازا من ~~تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله { فأى الفريقين } يعني فريقي ~~المشركين والموحدين. ثم ms0578 استأنف الجواب على السؤال بقوله { الذين ~~ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم } أي لم يخلطوا ~~إيمانهم بمعصية تفسقهم. وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس { وتلك } ~~إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم عليه السلام على قومه من قوله { ~~فلما جن عليه اليل } إلى قوله { وهم مهتدون }. ~~ومعنى { ءاتينهآ } أرشدناه إليها ووفقناه لها { نرفع ~~درجت من نشاء } يعني في العلم والحكمة. وقرىء بالتنوين { ~~ومن ذريته } الضمير لنوح أو لإبراهيم. و { داوود } عطف على ~~نوحا، أي وهدينا داود { ومن ءابائهم } في موضع النصب عطفا على ~~كلا، بمعنى وفضلنا بعض آبائهم { ولو أشركوا } مع فضلهم وتقدمهم ~~وما رفع لهم من الدرجات. لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى ~~وتقدس # لئن أشركت ليحبطن عملك # الزمر 65. { ءاتينهمالكتب } يريد الجنس { فإن يكفر ~~بها } بالكتاب والحكمة والنبوة. أو بالنبوة { هؤلاء } يعني أهل ~~مكة { قوما } هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم بدليل قوله { ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } وبدليل ~~وصل قوله { فإن يكفر بها هؤلاء } بما قبله. وقيل هم أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكل من آمن به. وقيل كل مؤمن من بني آدم. # وقيل الملائكة وادعى الأنصار أنها لهم. وعن مجاهد هم الفرس. ومعنى ~~توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل ~~بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه. والباء في { بها } صلة كافرين. ~~وفي { بكفرين } تأكيد النفي. { فبهداهم اقتده } فاختص ~~هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلا بهم. وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد ~~بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها ~~مختلفة وهي هدى، ما لم تنسخ. فإذا نسخت لم تبق هدى، بخلاف أصول الدين ~~فإنها هدى أبدا. والهاء في { اقتده } للوقف تسقط في الدرج. واستحسن ~~إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف. ### || [6.91] # { وما قدروا الله حق قدره } وما عرفوه حق معرفته في ~~الرحمة على عباده واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك ~~من أعظم وأجل نعمته # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # الأنبياء 107 أو ما عرفوه حق معرفته في ms0579 سخطه على الكافرين وشدة بطشه ~~بهم، ولم يخافوه حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوة. ~~والقائلون هم اليهود، بدليل قراءة من قرأ «تجعلونه» بالتاء. وكذلك { ~~تبدونها وتخفون } وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال ~~القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألزموا ما لا بد لهم من ~~الإقرار به من إنزال التوراة على موسى عليه السلام وأدرج تحت الإلزام ~~توبيخهم وأن نعي عليهم سوء جهلهم لكتابهم وتحريفهم، وإبداء بعض وإخفاء ~~بعض فقيل { جاء به موسى } وهو نور وهدى للناس، حتى غيروه، ونقصوه ~~وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من الإبداء ~~والإخفاء. وروي 380 أن مالك بن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر ~~السمين؟ فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود " # فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر فقال ما أنزل الله على بشر من شيء، ~~فقال له قومه ويلك ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال إنه أغضبني، فنزعوه وجعلوا ~~مكانه كعب بن الأشرف. وقيل القائلون قريش وقد ألزموا إنزال التوراة لأنهم ~~كانوا يسمعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى والتوراة، وكانوا يقولون لو ~~أنا أنزل علينا الكتاب، لكنا أهدى منهم { وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } الخطاب لليهود، أي علمتم على ~~لسان محمد صلى الله عليه وسلم مما أوحى إليه ما لم تعلموا أنتم، وأنتم ~~حملة التوراة، ولم يعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم # إن هذا القرءان يقص على بنى إسرءيل أكثر ~~الذى هم فيه يختلفون # النمل 76 وقيل الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى # لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم # يس6. { قل الله } أي أنزله الله، فإنهم لا يقدرون أن يناكروك { ~~ثم ذرهم فى خوضهم } في باطلهم الذي يخوضون فيه، ولا عليك ~~بعد إلزام الحجة. ويقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب. و { ~~يلعبون } حال من ms0580 ذرهم، أو من خوضهم، ويجوز أن يكون { فى خوضهم ~~} حالا من يلعبون، وأن يكون صلة لهم أو لذرهم. ### || [6.92] # { مبارك } كثير المنافع والفوائد { ولتنذر } معطوف على ما دل ~~عليه صفة الكتاب، كأنه قيل أنزلناه للبركات، وتصديق ما تقدمه من الكتب ~~والإنذار. وقرىء «ولينذر» بالياء والتاء. وسميت مكة { أم القرى } ~~لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم. لأنها ~~أعظم القرى شأنا لبعض المجاورين # فمن يلقى في القريات رحله فأم القرى ملقى ~~رحالي ومنتابي # { والذين يؤمنون بالاخرة } يصدقون بالعاقبة ويخافونها { ~~يؤمنون } بهذا الكتاب. وذلك أن أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها ~~لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وخص الصلاة لأنها عماد الدين. ومن حافظ عليها ~~كانت لطفا في المحافظة على أخواتها. ### || [6.93] # { افترى على الله كذبا } فزعم أن الله بعثه نبيا { أو ~~قال أوحى إلى ولم يوح إليه شىء } وهو مسيلمة الحنفي ~~الكذاب. أو كذاب صنعاء الأسود العنسي. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني ~~فأوحى الله إلي أن أنفخهما، فنفختهما فطارا عني، فأولتهما الكذابين ~~الذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة. وكذاب صنعاء الأسود العنسي " # { ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله } هو عبد الله بن ~~سعد بن أبي سرح القرشي. 382 كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكان إذا أملى عليه سميعا عليما، كتب هو عليما حكيما. وإذا قال ~~عليما حكيما، كتب غفورا رحيما. فلما نزلت # ولقد خلقنا الإنسن من سللة من طين # المؤمنون 12 إلى آخر الآية، عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال ~~تبارك الله أحسن الخالقين. فقال عليه الصلاة والسلام اكتبها فكذلك نزلت، ~~فشك عبد الله وقال لئن كان محمدا صادقا لقد أوحي إلي مثل ما أوحي ~~إليه. ولئن كان كاذبا فلقد قلت كما قال فارتد عن الإسلام ولحق بمكة، ثم ~~رجع مسلما قبل فتح مكة. وقيل هو النضر بن الحرث والمستهزؤن { ولو ~~ترى } جوابه محذوف. أي رأيت ms0581 أمرا عظيما { إذ الظلمون } يريد ~~الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة، فتكون اللام للعهد. ويجوز أن تكون ~~للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله. و { غمرات الموت } شدائده ~~وسكراته، وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة { ~~باسطوا أيديهم } يبسطون إليهم أيديهم يقولون هاتوا أرواحكم ~~أخرجوها إلينا من أجسادكم. وهذه عبارة عن العنف في السياق، والإلحاح، ~~والتشديد في الإزهاق، من غير تنفيس وإمهال، وإنهم يفعلون بهم فعل الغريم ~~المسلط يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ~~ويقول له أخرج إلي ما لي عليك الساعة، ولا أريم مكاني، حتى أنزعه من ~~أحداقك. وقيل معناه باسطو أيديهم عليهم بالعذاب { أخرجوا ~~أنفسكم } خلصوها من أيدينا، أي لا تقدرون على الخلاص { اليوم ~~تجزون } يجوز أن يريدوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، ~~وأن يريدوا الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ ~~والقيامة. والهون الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك رجل سوء يريد العراقة ~~في الهوان والتمكن فيه { عن ءايته تستكبرون } فلا تؤمنون ~~بها. ### || [6.94] # { فرادى } منفردين عن أموالكم وأولادكم وما حرصتم عليه، وآثرتموه من ~~دنياكم، وعن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله { كما ~~خلقنكم أول مرة } على الهيئة التي ولدتم عليها في ~~الانفراد { وتركتم ما خولنكم } ما تفضلنا به عليكم في ~~الدنيا فشغلتم به عن الآخرة { وراء ظهوركم } لم ينفعكم ولم ~~تحتملوا منه نقيرا ولا قدمتموه لأنفسكم { فيكم شركاء } في ~~استبعادكم، لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي ~~استعبادهم. وقرىء «فرادى» بالتنوين. وفراد، مثل ثلاث. وفردى، نحو سكرى ~~فإن قلت كما خلقناكم، في أي محل هو؟ قلت في محل النصب صفة لمصدر جئتمونا، ~~أي مجيئنا مثل خلقنا لكم { تقطع بينكم } وقع التقطع بينكم، ~~كما تقول جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى ~~مصدره بهذا التأويل ومن رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف كما تقول قوتل ~~خلفكم وأمامكم. وفي قراءة عبد الله «لقد تقطع ما بينكم». ### || [6.95] # { فالق الحب والنوى ms0582 } بالنبات والشجر. وعن مجاهد أراد الشقين ~~الذين في النواة والحنطة { يخرج الحى من الميت } أي ~~الحيوان، والنامي من النطف. والبيض والحب والنوى { ومخرج } هذه ~~الأشياء الميتة من الحيوان والنامي. فإن قلت كيف قال { مخرج ~~الميت من الحى } بلفظ اسم الفاعل، بعد قوله { يخرج الحى ~~من الميت } قلت عطفه على فالق الحب والنوى، لا على الفعل. ويخرج ~~الحي من الميت موقعة موقع الجملة المبينة لقوله { فالق الحب ~~والنوى } لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس ~~إخراج الحي من الميت، لأن النامي في حكم الحيوان. ألا ترى إلى قوله # يحي الأرض بعد موتهآ # الروم 50، { ذلكم الله } أي ذلكم المحي والمميت هو الله الذي ~~تحق له الربوبية { فأنى تؤفكون } فكيف تصرفون عنه وعن توليه ~~إلى غيره. ### || [6.96] # { الإصباح } مصدر سمي به الصبح. وقرأ الحسن بفتح الهمزة جمع صبح، ~~وأنشد قوله # أفنى رباحا وبني رباح تناسخ الإمساء والإصباح # بالكسر والفتح مصدرين، وجمع مساء وصبح. فإن قلت فما معنى فلق الصبح، ~~والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح. كما قال # تردت به ثم انفري عن أديمها تفرى ليل عن ~~بياض نهار # قلت فيه وجهان، أحدهما أن يراد فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش في آخر ~~الليل، ومنقضاه الذي يلي الصبح. والثاني أن يراد فالق الإصباح الذي هو ~~عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره. وقالوا انشق عمود الفجر. وانصدع ~~الفجر. وسموا الفجر فلقا بمعنى مفلوق. وقال الطائي # وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه وأول الغيث ~~قطر ثم ينسكب # وقرىء «فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا» بالنصب على المدح. وقرأ النخعي ~~«فلق الإصباح وجعل الليل» السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناسا به ~~واسترواحا إليه، من زوج أو حبيب. ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها. ~~ألا تراهم سموها المؤنسة، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه ~~وجمامه، ويجوز أن يراد وجعل الليل مسكونا فيه من قوله { لتسكنوا فيه } ~~{ والشمس والقمر } قرئا بالحركات الثلاث، فالنصب على إضمار ~~فعل دل عليه جاعل الليل، أي وجعل الشمس والقمر حسبانا. أو يعطفان ms0583 على ~~محل الليل. فإن قلت كيف يكون لليل محل والإضافة حقيقية، لأن اسم الفاعل ~~المضاف إليه في معنى المضي، ولا تقول زيد ضارب عمرا أمس؟ قلت ما هو في ~~معنى المضي، وإنما هو دال على جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، وكذلك ~~فالق الحب، وفالق الإصباح، كما تقول الله قادر عالم، فلا تقصد زمانا دون ~~زمان، والجر عطف على لفظ الليل، والرفع على الابتداء، والخبر محذوف ~~تقديره والشمس والقمر مجعولان حسبانا، أو محسوبان حسبانا. ومعنى جعل ~~الشمس والقمر حسبانا جعلهما على حسبان، لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما ~~وسيرهما. والحسبان - بالضم - مصدر حسب، كما أن الحسبان - بالكسر - مصدر ~~حسب. ونظيره الكفران والشكران { ذلك } إشارة إلى جعلهما حسبانا، أي ~~ذلك التسيير بالحساب المعلوم { تقدير العزيز } الذي قهرهما ~~وسخرهما { العليم } بتدبيرهما وتدويرهما. ### || [6.97] # { فى ظلمت البر والبحر } في ظلمات الليل بالبر والبحر، ~~وأضافها إليهما لملابستها لهما، أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات. ### || [6.98] # من فتح قاف المستقر، كان المستودع اسم مكان مثله أو مصدرا. ومن كسرها، ~~كان اسم فاعل والمستودع اسم مفعول. والمعنى فلكم مستقر في الرحم. ~~ومستودع في الصلب، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها. أو فمنكم مستقر ~~ومنكم مستودع. فإن قلت لم قيل { يعلمون } مع ذكر النجوم و { ~~يفقهون } مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت كان إنشاء الإنس من نفس واحدة ~~وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا، فكان ذكر الفقه الذي ~~هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقا له. ### || [6.99] # { فأخرجنا به } بالماء { نبات كل شىء } نبت كل صنف من ~~أصناف النامي، يعني أن السبب واحد وهو الماء. والمسببات صنوف مفتنة، كما ~~قال # يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض فى ~~الأكل # الرعد 4. { فأخرجنا منه } من النبات { خضرا } شيئا غضا ~~أخضر. يقال أخضر وخضر، كأعور وعور، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من ~~الحبة { نخرج منه } من الخضر { حبا متراكبا } وهو ~~السنبل. و { قنون } رفع الابتداء. و { من النخل } خبره. و { ~~من طلعها } بدل منه، كأنه قيل وحاصلة من طلع النخل ms0584 قنوان. ويجوز أن ~~يكون الخبر محذوفا لدلالة أخرجنا عليه تقديره ومخرجة من طلع النخل قنوان ~~ومن قرأ يخرج منه حب متراكب، كان { قنون } عنده معطوفا على حب. ~~والقنوان جمع قنو، ونظيره صنو وصنوان. وقرىء بضم القاف وبفتحها، على أنه ~~اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من زيادة التكسير { دانية } سهلة ~~المجتنى معرضة للقاطف، كالشيء الداني القريب المتناول ولأن النخلة وإن ~~كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتي بالثمر لا تنتظر الطول. وقال الحسن ~~دانية قريب بعضها من بعض. وقيل ذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأن ~~النعمة فيها أظهر وأدل بذكر القريبة على ذكر البعيدة، كقوله # سرابيل تقيكم الحر # النحل 81 وقوله { وجنت من أعنب } فيه وجهان، أحدهما أن ~~يراد وثم جنات من أعناب، أي مع النخل. والثاني أن يعطف على { قنون } ~~على معنى وحاصلة، أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب، أي من نبات ~~أعناب. وقرىء «وجنات» بالنصب عطفا على { نبات كل شىء } أي ~~وأخرجنا به جنات من أعناب، وكذلك قوله { والزيتون والرمان } ~~والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص، كقوله # والمقيمين الصلوة # النساء 162 لفضل هذين الصنفين { مشتبها وغير متشبه } ~~يقال اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل ~~يشتركان كثيرا. وقرىء «متشابها وغير متشابه» وتقديره والزيتون متشابها ~~وغير متشابه، والرمان كذلك كقوله # كنت منه ووالدي بريا # والمعنى بعضه متشابها وبعضه غير متشابه، في القدر واللون والطعم. وذلك ~~دليل على التعمد دون الإهمال { انظروا إلى ثمره إذا ~~أثمر } إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا ضعيفا لا يكاد ينتفع به. ~~وانظروا إلى حال ينعه ونضجه كيف يعود شيئا جامعا لمنافع وملاذ، نظر ~~اعتبار واستبصار واستدلال على قدرة مقدره ومدبره وناقله من حال إلى حال. ~~وقرىء { وينعه } بالضم. يقال ينعت الثمرة ينعا وينعا. وقرأ ابن ~~محيصن «ويانعه». وقرىء «وثمره»، بالضم. ### || [6.100] # إن جعلت { لله شركاء } مفعولي جعلوا، نصبت الجن بدلا من شركاء، ~~وإن جعلت { لله } لغوا كان { شركاء الجن } مفعولين قدم ~~ثانيهما على الأول. فإن قلت فما فائدة التقديم؟ قلت فائدته استعظام أن ms0585 ~~يتخذ لله شريك من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا أو غير ذلك. ولذلك قدم ~~اسم الله على الشركاء. وقرىء «الجن» بالرفع، كأنه قيل من هم؟ فقيل الجن. ~~وبالجر على الإضافة التي للتبيين. والمعنى أشركوهم في عبادته، لأنهم ~~أطاعوهم كما يطاع الله. وقيل هم الذين زعموا أن الله خالق الخير وكل ~~نافع، وإبليس خالق الشر وكل ضار { وخلقهم } وخلق الجاعلين لله ~~شركاء. ومعناه وعلموا أن الله خالقهم دون الجن، ولم يمنعهم علمهم أن ~~يتخذوا من لا يخلق شريكا للخالق. وقيل الضمير للجن. وقرىء «وخلقهم»، أي ~~اختلاقهم الإفك، يعني وجعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في ~~قولهم # والله أمرنا بها # الأعراف 28، { وخرقوا له } وخلقوا له، أي افتعلوا له { بنين ~~وبنات } وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في ~~الملائكة يقال خلق الإفك وخرقه واختلفه واخترقه، بمعنى وسئل الحسن عنه ~~فقال كلمة عربية كانت العرب تقولها كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم ~~يقول له بعضهم قد خرقها والله، ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه، أي ~~اشتقوا له بنين وبنات، وقرىء «وخرقوا» بالتشديد للتكثير، لقوله { ~~بنين وبنات } وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما «وحرفوا» ~~له، بمعنى وزوروا له أولادا لأن المزور محرف مغير للحق إلى الباطل { ~~بغير علم } من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن ~~رميا بقول عن عمى وجهالة. من غير فكر وروية. ### || [6.101] # { بديع السموت } من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، كقولك ~~فلان بديع الشعر أي بديع شعره أو هو بديع في السموات والأرض كقولك فلان ~~ثبت الغدر، أي ثابت فيه، والمعنى أنه عديم النظير والمثل فيها. وقيل ~~البديع بمعنى المبدع، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ ~~وخبره { أنى يكون له ولد } أو فاعل تعالى، وقرىء بالجر ~~ردا على قوله { وجعلوا لله } أو على { سبحنه }. وبالنصب ~~على المدح، وفيه إبطال الولد من ثلاثة أوجه، أحدها مبدع السموات والأرض ~~وهي أجسام عظيمة لا يستقيم ms0586 أن يوصف بالولادة لأن الولادة من صفات الأجسام ~~ومخترع الأجسام لا يكون جسما حتى يكون والدا. والثاني أن الولادة لا ~~تكون إلا بين زوجين من جنس واحد وهو متعال عن مجانس، فلم يصح أن تكون له ~~صاحبة، فلم تصح الولادة. والثالث أنه ما من شيء إلا وهو خالقه والعالم ~~به، ومن كان بهذه الصفة كان غنيا عن كل شيء، والولد إنما يطلبه المحتاج. ~~وقرىء «ولم يكن له صاحبة» بالياء وإنما جاز للفصل كقوله # لقد ولد الأخيطل أم سوء. ### || [6.102] # { ذلكم } إشارة إلى الموصوف مما تقدم من الصفات، وهو مبتدأ وما بعده ~~أخبار مترادفة وهي { الله ربكم لا إله إلا هو خلق ~~كل شىء } أي ذلكم الجامع لهذه الصفات { فاعبدوه } مسبب عن مضمون ~~الجملة على معنى أن من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة ~~فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه. ثم قال { وهو على كل ~~شىء وكيل } يعني وهو مع تلك الصفات مالك لكل شيء من الأرزاق ~~والآجال، رقيب على الأعمال. ### || [6.103] # البصر هو الجهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر، به تدرك المبصرات، ~~فالمعنى أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه لأنه متعال أن يكون مبصرا في ~~ذاته، لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلا أو تابعا، كالأجسام ~~والهيآت { وهو يدرك الابصر } وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك ~~تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك { وهو اللطيف } يلطف عن ~~أن تدركه الأبصار { الخبير } بكل لطيف فهو يدرك الأبصار، لا تلطف عن ~~إدراكه وهذا من باب اللطف. ### || [6.104] # { قد جاءكم بصائر من ربكم } هو وارد على لسان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لقوله { وما أنا عليكم بحفيظ } ~~والبصيرة نور القلب الذي به يستبصر، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر ~~أي جاءكم من الوحي، والتنبيه على ما يجوز على الله وما لا يجوز ما هو ~~للقلوب كالبصائر { فمن أبصر } الحق وآمن { فلنفسه } أبصر ~~وإياها نفع { ومن عمى } عنه فعل نفسه عمى وإياها ضر ms0587 بالعمى { ~~وما أنا عليكم بحفيظ } أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما ~~أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم. ### || [6.105] # { وليقولوا } جوابه محذوف تقديره. وليقولوا درست تصرفها. ومعنى { ~~درست } قرأت وتعلمت. وقرىء «دارست» أي دارست العلماء. ودرست بمعنى ~~قدمت هذه الآيات وعفت كما قالوا أساطير الأولين، ودرست بضم الراء، ~~مبالغة في درست، أي اشتد دروسها. ودرست - على البناء للمفعول - بمعنى ~~قرئت أو عفيت. ودارست. وفسروها بدارست اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~وجاز الإضمار لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم. ويجوز أن يكون ~~الفعل للآيات، وهو لأهلها، أي دارس أهل الآيات وحملتها محمدا، وهم أهل ~~الكتاب. ودرس أي درس محمد. ودارسات، على هي دارسات، أي قديمات. أو ذات ~~دروس، كعيشة راضية، فإن قلت أي فرق بين اللامين في { ليقولوا } ، { ~~ولنبينه }؟ قلت الفرق بينهما أن الأولى مجاز والثانية حقيقة، ~~وذلك أن الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا دارست، ولكن لأنه حصل هذا ~~القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين، شبه به فسيق مساقه. وقيل ليقولوا ~~كما قيل لنبينه فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله { ولنبينه }؟ ~~قلت إلى الآيات لأنها في معنى القرآن، كأنه قيل وكذلك نصرف القرآن. أو ~~إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلوما إلى التبيين الذي هو مصدر ~~الفعل، كقولهم ضربته زيدا. ويجوز أن يراد فيمن قرأ درست ودارست درست ~~الكتاب ودارسته، فيرجع إلى الكتاب المقدر. ### || [6.106-107] # { لا إله إلا هو } اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي لا محل ~~له من الإعراب. ويجوز أن يكون حالا من ربك، وهي حال مؤكدة كقوله # وهو الحق مصدقا # البقرة 91. ### || [6.108] # { ولا تسبوا } الآلهة { الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله } وذلك أنهم قالوا عند نزول قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك. وقيل كان ~~المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله تعالى. فإن ~~قلت سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صح النهي عنه، وإنما يصح النهي عن ~~المعاصي قلت ms0588 رب طاعة علم أنها تكون مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب ~~النهي عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة كالنهي عن المنكر هو من أجل ~~الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب معصية، ووجب النهي عن ~~ذلك النهي. كما يجب النهي عن المنكر. فإن قلت فقد روي عن الحسن وابن ~~سيرين أنهما حضرا جنازة فرأى محمد نساء فرجع، فقال الحسن لو تركنا الطاعة ~~لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا. قلت ليس هذا ممن نحن بصدده، لأن حضور ~~الرجال الجنازة طاعة وليس بسبب لحضور النساء فإنهن يحضرنها حضر الرجال ~~أو لم يحضروا، بخلاف سب الآلهة. وإنما خيل إلى محمد أنه مثله حتى نبه ~~عليه الحسن. { عدوا } ظلما وعدوانا. وقرىء «عدوا» بضم العين ~~وتشديد الواو بمعناه.ويقال عدا فلان عدوا وعدوا وعدوانا وعداء. وعن ~~ابن كثير «عدوا»، بفتح العين بمعنى أعداء { بغير علم } على ~~جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به { كذلك زينا لكل أمة } ~~مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم. أو خليناهم ~~وشأنهم، ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين ~~لهم أو زيناه في زعمهم. وقولهم إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا { ~~فينبئهم } فيوبخهم عليه ويعاتبهم ويعاقبهم. ### || [6.109] # { لئن جآءتهم ءاية } من مقترحاتهم { ليؤمنن بها قل ~~إنما الأيت عند الله } وهو قادر عليها، ولكنه لا ينزلها ~~إلا على موجب الحكمة، أو إنما الآيات عند الله لا عندي. فكيف أجيبكم ~~إليها وآتيكم بها { وما يشعركم } وما يدريكم { أنهآ } أن ~~الآية التي تقترحونها { إذا جاءت لا يؤمنون } يعني أنا أعلم ~~أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك. وذلك أن المؤمنين ~~كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها. فقال عز ~~وجل وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به ~~من أنهم لا يؤمنون به ألا ترى إلى قوله { كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة } وقيل { أنهآ } بمعنى «لعلها» من قول العرب ms0589 ائت ~~السوق أنك تشتري لحما. وقال امرؤ القيس # عوجا على الطلل المحيل لأننا نبكي الديار ~~كما بكى ابن خذام # وتقويها قراءة أبي «لعلها إذا جاءت لا يؤمنون»، وقرىء بالكسر على أن ~~الكلام قد تم قبله بمعنى وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم ~~فقال أنها إذا جاءت لا يؤمنون البتة. ومنهم من جعل «لا» مزيدة في قراءة ~~الفتح وقرىء «وما يشعرهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون» أي يحلفون بأنهم ~~يؤمنون عند مجيئها. وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذ كما كانت عند نزول ~~القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها. ### || [6.110] # { ونقلب أفئدتهم.... ونذرهم } عطف على يؤمنون، داخل ~~في حكم وما يشعركم، بمعنى وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم أنا ~~نقلب أفئدتهم وأبصارهم أي نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا ~~يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا، أو لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا ~~على قلوبهم، وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم ~~عن الطغيان حتى يعمهوا فيه. وقرىء «ويقلب ويذرهم» بالياء أي الله عز ~~وجل. وقرأ الأعمش وتقلب أفئدتهم وأبصارهم» على البناء للمفعول. ### || [6.111] # { ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة } كما قالوا # لولا أنزل علينا الملئكة # الفرقان 21، { وكلمهم الموتى } كما قالوا # فأتوا بآبائنا # الدخان 36، { وحشرنا عليهم كل شىء قبلا } كما قالوا # أو تأتى بالله والملئكة قبيلا # الإسراء 92 قبلا كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، أو جماعات. وقيل { ~~قبلا } مقابلة. وقرىء «قبلا» أي عيانا { إلآ أن يشاء الله } ~~مشيئة إكراه واضطرار { ولكن أكثرهم يجهلون } فيقسمون ~~بالله جهد إيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات. أو ~~ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرهم فيطمعون في ~~إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة. ### || [6.112] # { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا } وكما خلينا بينك ~~وبين أعدائك، وكذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، لم نمنعهم من ~~العداوة، لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثرة ~~الثواب والأجر. ms0590 وانتصب { شيطين } على البدل من عدوا. أو على ~~أنهما مفعولان كقوله # وجعلوا لله شركاء الجن # الأنعام 100 { يوحى بعضهم إلى بعض } يوسوس شياطين الجن ~~إلى شياطين الإنس. وكذلك بعض الجن إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض. وعن مالك ~~ابن دينار إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، لأني إذا تعوذت ~~بالله ذهب شيطان الجن عني، وشيطان الأنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي ~~عيانا { زخرف القول } ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على ~~المعاصي ويموهه { غرورا } خدعا وأخذا على غرة { ولو شآء ~~ربك ما فعلوه } ما فعلوا ذلك، أي ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول بأن يكفهم ولا يخليهم وشأنهم. ### || [6.113] # { ولتصغى } جوابه محذوف تقديره وليكون ذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا، على أن اللام لام الصيرورة وتحقيقها ما ذكر. والضمير في { ~~إليه } يرجع إلى ما رجع إليه الضمير في فعلوه، أي ولتميل إلى ما ذكر ~~من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين { أفئدة } الكفار { ~~وليرضوه } لأنفسهم { وليقترفوا ما هم مقترفون } ~~من الأثام. ### || [6.114] # { أفغير الله أبتغى حكما } على إرادة القول، أي قل يا ~~محمد أفغير الله أطلب حاكما يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من ~~المبطل { وهو الذى أنزل إليكم الكتب } المعجز { ~~مفصلا } مبينا فيه الفصل بين الحق والباطل، والشهادة لي بالصدق ~~وعليكم بالافتراء. ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق بعلم أهل الكتاب أنه ~~حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له { فلا تكونن من الممترين ~~} من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى # ولا تكونن من المشركين # الأنعام 14 أو { فلا تكونن من الممترين } في أن أهل ~~الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم به. ويجوز ~~أن يكون { فلا تكونن } خطابا لكل أحد، على معنى أنه إذا تعاضدت ~~الأدلة على صحته وصدقه، فما ينبغي أن يمتري فيه أحد. وقيل الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطاب لأمته. ### || [6.115] # { وتمت كلمت ربك } أي تم كل ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد ~~وأوعد { صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته } لا ms0591 أحد يبدل ~~شيئا من ذلك مما هو أصدق وأعدل. وصدقا وعدلا. نصب على الحال. وقرىء ~~«كلمة ربك»، أي ما تكلم به. وقيل هي القرآن. ### || [6.116] # { وإن تطع أكثر من فى الأرض } أي من الناس أضلوك، لأن ~~الأكثر في غالب الأمر يتبعون هواهم، ثم قال { إن يتبعون إلا ~~الظن } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق فهم يقلدونهم { وإن ~~هم إلا يخرصون } يقدرون أنهم على شيء. أو يكذبون في أن الله ~~حرم كذا وأحل كذا. ### || [6.117-119] # وقرىء «من يضل» بضم الياء أي يضله الله { فكلوا } مسبب عن إنكار ~~اتباع المضلين، الذي يحلون الحرام ويحرمون الحلال. وذلك أنهم كانوا ~~يقولون للمسلمين إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن ~~تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين إن كنتم متحققين بالإيمان فكلوا { ~~مما ذكر اسم الله عليه } خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره ~~من آلهتهم أو مات حتف أنفه، وما ذكر اسم الله عليه هو المذكى ببسم الله { ~~وما لكم ألا تأكلوا } وأي غرض لكم في أن لا تأكلوا { وقد ~~فصل لكم } وقد بين لكم ما حرم عليكم مما لم يحرم وهو قوله # حرمت عليكم الميتة # المائدة 3 وقرىء «فصل لكم ما حرم عليكم» على تسمية الفاعل، وهو الله ~~عز وجل { إلا ما اضطررتم إليه } مما حرم عليكم فإنه ~~حلال لكم في حال الضرورة { وإن كثيرا ليضلون } قرىء بفتح ~~الياء وضمها، أي يضلون فيحرمون ويحللون { بأهوآئهم } وشهواتهم من ~~غير تعلق بشريعة. ### || [6.120] # { ظهر الإثم وباطنه } ما أعلنتم منه وما أسررتم. وقيل ما ~~عملتم وما نويتم. وقيل ظاهره الزنا في الحوانيت، وباطنه الصديقة في ~~السر. ### || [6.121] # { وإنه لفسق } الضمير راجع إلى مصدر الفعل الذي دخل عليه حرف ~~النهي، يعني وإن الأكل منه لفسق. أو إلى الموصول على وإن أكله لفسق، أو ~~جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقا. فإن قلت قد ذهب جماعة من ~~المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بنسيان أو عمد. قلت قد ms0592 ~~تأوله هؤلاء بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه كقوله # أو فسقا أهل لغير الله به # الأنعام 145 { ليوحون } ليسوسون { إلى أوليائهم } من ~~المشركين { ليجدلوكم } بقولهم ولا تأكلوا مما قتله الله. وبهذا ~~يرجع تأويل من تأوله بالميتة { إنكم لمشركون } لأن من اتبع ~~غير الله تعالى في دينه فقد أشرك به. ومن حق ذي البصيرة في دينه أن لا ~~يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان لما يرى في الآية من التشديد ~~العظيم، وإن كان أبو حنيفة رحمة الله مرخصا في النسيان دون العمد، ومالك ~~والشافعي رحمهما الله فيهما. ### || [6.122-123] # مثل الذي هداه الله بعد الضلالة ومنحه التوفيق لليقين الذي يميز به بين ~~المحق والمبطل والمهتدي والضال، بمن كان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا ~~يمشي به في الناس مستضيئا به، فيميز بعضهم من بعض، ويفصل بين حلاهم ومن ~~بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها ولا يتخلص ومعنى قوله { ~~كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها } كمن صفته ~~هذه وهي قوله { فى الظلمت ليس بخارج منها } بمعنى هو ~~في الظلمات ليس بخارج منها، كقوله تعالى # مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار # محمد 15 أي صفتها هذه، وهي قوله { فيها أنهار }. { زين ~~للكفرين } أي زينه الشيطان، أو الله عز وعلا على قوله # زينا لهم أعملهم # النمل 4 ويدل عليه قوله { وكذلك جعلنا في كل قرية ~~أكبر مجرميها } يعني وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا ~~فيها، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك. ومعناه خليناهم ليمكروا ~~وما كففناهم عن المكر، وخص الأكابر لأنهم هم الحاملون على الضلال ~~والماكرون بالناس، كقوله # أمرنا مترفيها # الإسراء 16 وقرىء «أكبر مجرميها» على قولك هم أكبر قومهم، وأكابر قومهم ~~{ وما يمكرون إلا بأنفسهم } لأن مكرهم يحيق بهم. وهذه ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديم موعد بالنصرة عليهم. روي أن ~~الوليد بن المغيرة قال لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر ~~منك سنا وأكثر منك مالا. وروي ms0593 أن أبا جهل قال زاحمنا بني عبد مناف في ~~الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى ~~به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت ونحوها قوله ~~تعالى # بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة # المدثر 52. ### || [6.124] # { الله أعلم } كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفى للنبوة ~~إلا من علم أنه يصلح لها وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم { ~~سيصيب الذين أجرموا } من أكابرها { صغار } وقماءة بعد ~~كبرهم وعظمتهم { وعذاب شديد } في الدارين من الأسر والقتل وعذاب ~~النار. ### || [6.125-127] # { فمن يرد الله أن يهديه } أن يلطف به ولا يريد أن يلطف ~~إلا بمن له لطف { يشرح صدره للإسلم } يلطف به حتى يرغب ~~في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه { ومن يرد أن ~~يضله } أن يخذله ويخليه وشأنه، وهو الذي لا لطف له { يجعل ~~صدره ضيقا حرجا } يمنعه ألطافه، حتى يقسو قلبه، وينبو عن قبول ~~الحق وينسد فلا يدخله الإيمان. وقرىء «ضيقا» بالتخفيف والتشديد { ~~حرجا } بالكسر، حرجا - بالفتح - وصفا بالمصدر { كأنما ~~يصعد فى السماء } كأنما يزاول أمرا غير ممكن. لأن صعود السماء ~~مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة. وقرىء «يصعد»، ~~وأصله يتصعد. وقرأ عبد الله «يتصعد». و «يصاعد». وأصله يتصاعد ويصعد، من ~~صعد، ويصعد من أصعد { يجعل الله الرجس } يعني الخذلان ومنع ~~التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب. أو أراد الفعل المؤدي ~~إلى الرجس وهو العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب { وهذا صرط ~~ربك } وهذا طريقه الذي اقتضته الحكمة وعادته في التوفيق والخذلان { ~~مستقيما } عادلا مطردا. وانتصابه على أنه حال مؤكدة كقوله # وهو الحق مصدقا # البقرة 91 { لهم } لقوم يذكرون { دار السلم } دار الله، يعني ~~الجنة أضافها إلى نفسه تعظيما لها أو دار السلامة من كل آفة وكدر { ~~عند ربهم } في ضمانه كما تقول لفلان عندي حق لا ينسى، أو ذخيرة لهم ~~لا يعلمون كنهها، كقوله # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من ms0594 قرة أعين # السجدة 17، { وهو وليهم } مواليهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم ~~{ بما كانوا يعملون } بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا ~~يعملون. ### || [6.128] # { ويوم يحشرهم } منصوب بمحذوف، أي واذكر يوم نحشرهم، أو يوم ~~نحشرهم قلنا { يمعشر الجن } أو ويوم نحشرهم وقلنا يا معشر ~~الجن كان ما لا يوصف لفظاعته، والضمير لمن يحشر من الثقلين وغيرهم. ~~والجن هم الشياطين { قد استكثرتم من الإنس } أضللتم منهم ~~كثيرا أو جعلتموهم أتباعكم فحشر معكم منهم الجم الغفير، كما تقول استكثر ~~الأمير من الجنود، واستكثر فلان من الأشياع { وقال أولياؤهم ~~من الإنس } الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم { ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض } أي انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم ~~على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم ~~وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم، وقيل استمتاع الإنس بالجن ما ~~في قوله # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # الجن 60 وأن الرجل كان إذا نزل واديا وخاف قال أعوذ برب هذا الوادي، ~~يعني به كبير الجن. واستمتاع الجن والإنس اعتراف الإنس لهم بأنهم ~~يقدرون على الدفع عنهم إجارتهم لهم { وبلغنا أجلنا الذى ~~أجلت لنا } يعنون يوم البعث وهذا الكلام اعتراف بما كان منهم من ~~طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث واستسلام لربهم وتحسر على ~~حالهم { خلدين فيها إلا ما شاء الله } أي يخلدون في عذاب ~~النار الأبد كله، إلا ما شاء الله إلا الأوقات التي ينقلون فيها من ~~عذاب النار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من ~~الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى ~~الجحيم. أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق عليه ~~أنيابه وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه. أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا ~~شئت، وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف ~~والتشديد، فيكون قوله إلا إذا شئت، من أشد الوعيد، مع تهكم بالموعد ~~لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع ms0595 { إن ربك حكيم } لا ~~يفعل شيئا إلا بموجب الحكمة { عليم } بأن الكفار يستوجبون عذاب ~~الأبد. ### || [6.129] # { نولى بعض الظلمين بعضا } نخليهم حتى يتولى بعضهم ~~بعضا كما فعل الشياطين وغواة الإنس، أو نجعل بعضهم أولياء بعض يوم ~~القيامة وقرناءهم كما كانوا في الدنيا { بما كانوا يكسبون } ~~بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي. ### || [6.130] # يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ { ألم يأتكم رسل ~~منكم } واختلف في أن الجن هل بعث إليهم رسل منهم، فتعلق بعضهم بظاهر ~~الآية ولم يفرق بين مكلفين ومكلفين أن يبعث إليهم رسول من جنسهم، لأنهم ~~به آنس وله آلف. وقال آخرون الرسل من الإنس خاصة، وإنما قيل رسل منكم ~~لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما، كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22 وقيل أراد رسل الرسل من الجن إليهم، كقوله تعالى # ولوا إلى قومهم منذرين # الأحقاف 29 وعن الكلبي كانت الرسل قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم ~~يبعثون إلى الإنس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن { ~~قالوا شهدنا على أنفسنا } حكاية لتصديقهم وإيجابهم قوله { ~~ألم يأتكم } لأن الهمزة الداخلة على نفي إتيان الرسل للإنكار، ~~فكان تقريرا لهم. وقولهم { شهدنا على أنفسنا } إقرار منهم ~~بأن حجة الله لازمة لهم، وأنهم محجوجون بها. فإن قلت ما لهم مقرين في ~~هذه الآية جاحدين في قوله # والله ربنا ما كنا مشركين # الأنعام 23؟ قلت تتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول، ~~فيقرون في بعضها، ويجحدون في بعضها أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم ~~وجلودهم حين يختم على أفواههم. فإن قلت لم كرر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ ~~قلت الأولى حكاية لقولهم كيف يقولون ويعترفون؟ والثانية ذم لهم، وتخطئة ~~لرأيهم، ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا واللذات ~~الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر ~~والاستسلام لربهم واستيجاب عذابه وإنما قال ذلك تحذيرا للسامعين من مثل ~~حالهم. ### || [6.131-132] # { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم ms0596 وإنذارهم سوء ~~العاقبة، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك. و { أن لم يكن ~~ربك مهلك القرى } تعليل، أي الأمر ما قصصناه عليك لانتفاء ~~كون ربك مهلك القرى بظلم، على أن «أن» هي التي تنصب الأفعال، ويجوز أن ~~تكون مخففة من الثقيلة، على معنى لأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم. ولك أن تجعله بدلا من ذلك، كقوله # وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء ~~مقطوع # الحجر 66، { بظلم } بسبب ظلم قدموا عليه. أو ظالما، على أنه لو ~~أهلكهم وهم غافلون ولم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ظلما، وهو متعال عن ~~الظلم وعن كل قبيح { ولكل } من المكلفين { درجت } منازل { ~~مما عملوا } من جزاء أعمالهم { وما ربك بغفل عما ~~يعملون } بساه عنه يخفى عليه مقاديره وأحواله وما يستحق عليه من ~~الأجر. ### || [6.133-134] # { وربك الغنى } عن عباده وعن عبادتهم { ذو الرحمة } ~~يترحم عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع الدائمة { إن يشأ ~~يذهبكم } أيها العصاة { ويستخلف من بعدكم ما يشاء ~~} من الخلق المطيع { كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين } ~~من أولاد قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح عليه ~~السلام. ### || [6.135] # «المكانة» تكون مصدرا يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن. وبمعنى ~~المكان، يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة. وقوله { اعملوا على ~~مكانتكم } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم ~~وإمكانكم. أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. يقال للرجل إذا ~~أمر أن يثبت على حاله على مكانتك يا فلان، أي اثبت على ما أنت عليه لا ~~تنحرف عنه { إنى عمل } أي عامل على مكانتي التي أنا عليها. ~~والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى ~~مصابرتكم { فسوف تعلمون } أينا تكون له العاقبة المحمودة. ~~وطريقة هذا الأمر طريقة قوله # اعملوا ما شئتم # فصلت 40 وهي التخلية والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر، ~~فكأنه مأمور به وهو واجب عليه حتم ليس له أن يتفصى عنه ويعمل بخلافه، فإن ~~قلت ما موضع { من }؟ قلت الرفع ms0597 إذا كان بمعنى «أي» وعلق عنه فعل العلم. ~~أو النصب إذا كان بمعنى «الذي» و { عقبة الدار } العاقبة الحسنى ~~التي خلق الله تعالى هذه الدار لها. وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك، ~~فيه إنصاف في المقال وأدب حسن، مع تضمن شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر ~~محق والمنذر مبطل. ### || [6.136] # كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله، وأشياء منها لآلهتهم فإذا رأوا ما ~~جعلوه لله زاكيا ناميا يزيد في نفسه خيرا رجعوا فجعلوه للآلهة، وإذا ~~زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها واعتلوا بأن الله غني، وإنما ذاك لحبهم ~~آلهتهم وإيثارهم لها وقوله { مما ذرأ } فيه أن الله كان أولى بأن ~~يجعل له الزاكي، لأنه هو الذي ذرأه وزكاه، ولا يرد إلى ما لا يقدر على ~~ذرء ولا تزكيه { بزعمهم } وقرىء بالضم، أي قد زعموا أنه لله والله ~~لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة التي هي من الشرك، لأنهم أشركوا ~~بين الله وبين أصنامهم في القربة { فلا يصل إلى الله } أي لا ~~يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على ~~المساكين { فهو يصل إلى شركائهم } من إنفاق عليها بذبح ~~النسائك عندها والإجراء على سدنتها ونحو ذلك { ساء ما يحكمون } في ~~إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم ما لم يشرع لهم. ### || [6.137] # { وكذلك } ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين ~~الله تعالى والآلهة، أو مثل ذلك التزيين البليغ الذي هو علم من الشياطين. ~~والمعنى أن شركاءهم من الشياطين، أو من سدنة الأصنام زينوا لهم قتل ~~أولادهم بالوأد، أو بنحرهم للآلهة وكان الرجل في الجاهلية يحلف لئن ولد ~~له كذا غلاما لينحرن أحدهم، كما حلف عبد المطلب. وقرىء «زين» على ~~البناء للفاعل الذي هو شركاؤهم، ونصب { قتل أولدهم } وزين، ~~على البناء للمفعول الذي هو القتل، ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه ~~زين، كأنه قيل لما قيل زين لهم قتل أولادهم من زينه؟ فقيل زينه لهم ~~شركاؤهم. وأما قراءة ابن عامر «قتل أولادهم شركائهم» برفع القتل ms0598 ونصب ~~الأولاد وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير ~~الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجا مردودا، كما ~~سمج ورد. # زج القلوص أبي مزاده # فكيف به في الكلام المنثور فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته. ~~والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء. ولو ~~قرأ بجر الأولادوالشركاء-لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم - لوجد في ذلك ~~مندوحة عن هذا الارتكاب { ليردوهم } ليهلكوهم بالإغواء { ~~وليلبسوا عليهم دينهم } وليخلطوا، عليهم ويشبهوه. ودينهم ~~ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام حتى زلوا عنه إلى الشرك. وقيل ~~دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه. وقيل معناه وليوقعوهم في دين ملتبس. فإن ~~قلت ما معنى اللام؟ قلت إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة ~~التعليل، وإن كان من السدنة فعلى معنى الصيرورة { ولو شاء الله } ~~مشيئة قسر { ما فعلوه } لما فعل المشركون ما زين لهم من القتل. أو ~~لما فعل الشياطين أو السدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ذلك، إن ~~جعلت الضمير جاريا مجرى اسم الإشارة { وما يفترون } وما يفترونه ~~من الإفك. أو وافتراؤهم. ### || [6.138] # { حجر } فعل بمعنى مفعول كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر ~~والمؤنث والواحد والجمع لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات وقرأ الحسن ~~وقتادة { حجر } بضم الحاء. وقرأ ابن عباس «حرج»، وهو من التضييق وكانوا ~~إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا { لا يطعمها ~~إلا من نشاء } يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء { ~~وأنعم حرمت ظهورها } وهي البحائر والسوائب والحوامي { ~~وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها } في الذبح، ~~وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام. وقيل لا يحجون عليها ولا يلبون على ~~ظهورها. والمعنى أنهم قسموا أنعامهم فقالوا هذا أنعام حجر، وأنعام محرمة ~~الظهور، وهذه أنعام لا يذكر عليها اسم الله. فجعلوها أجناسا بهواهم، ~~ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله { افتراء عليه } أي فعلوا ذلك كله ~~على جهة الافتراء - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا - ~~وانتصابه على أنه ms0599 مفعول له أو حال، أو مصدر مؤكد، لأن قولهم ذلك في معنى ~~الافتراء. ### || [6.139] # كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حيا فهو خالص ~~للذكور لا تأكل منه الإناث، وما ولد منها ميتا اشترك فيه الذكور الإناث. ~~وأنث { خالصة } للحمل على المعنى، لأن مافي معنى الأجنة وذكر { ~~وأنعم حرمت } للحمل على اللفظ. ونظيره # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك # محمد 16 ويجوز أن تكون التاء للمبالغة مثلها في رواية الشعر. وأن تكون ~~مصدرا وقع موقع الخالص، كالعاقبة أي ذو خالصة. ويدل عليه قراءة من قرأ ~~«خالصة» بالنصب على أن قوله { لذكورنا } هو الخبر، وخالصة مصدر ~~مؤكد، ولا يجوز أن يكون حالا متقدمة، لأن المجرور لا يتقدم عليه حاله. ~~وقرأ ابن عباس «خالصة» على الإضافة. وفي مصحف عبد الله «خالص». { وإن ~~يكن ميتة } وإن يكن ما في بطونها ميتة. وقرىء «وإن تكن»، ~~بالتأنيث، على وإن تكن الأجنة ميتة. وقرأ أهل مكة «وإن تكن ميتة» ~~بالتأنيث والرفع على كان التامة وتذكير الضمير في قوله { فهم فيه ~~شركاء } لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى، فكأنه قيل وإن يكن ميت فهم ~~فيه شركاء { سيجزيهم وصفهم } أي جزاء وصفهم الكذب على الله في ~~التحليل والتحريم من قوله تعالى # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل ~~وهذا حرام # النحل 116. ### || [6.140] # نزلت في ربيعة ومضر والعرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر ~~{ سفها بغير علم } لخفة أحلامهم، وجهلهم بأن الله هو رازق ~~أولادهم، لا هم. وقرىء «قتلوا» بالتشديد { ما رزقهم الله } من ~~البحائر والسوائب وغيرها. ### || [6.141] # { أنشأ جنت } من الكروم { معروشت } مسموكات { وغير ~~معروشت } متروكات على وجه الأرض لم تعرش. وقيل «المعروشات» ما في ~~الأرياف والعمران مما غرسه الناس واهتموا به فعرشوه { وغير ~~معروشت } مما أنبته الله وحشيا في البراري والجبال، فهو غير ~~معروش. يقال عرشت الكرم، إذا جعلت له دعائم وسمكا تعطف عليه القضبان. ~~وسقف البيت عرشه { مختلفا أكله } في اللون والطعم والحجم ~~والرائحة. وقرىء «أكله» بالضم والسكون ms0600 وهو ثمره الذي يؤكل. والضمير للنخل ~~والزرع داخل في حكمه، لكونه معطوفا عليه. ومختلفا حال مقدرة لأنه لم ~~يكن وقت الإنشاء كذلك، كقوله تعالى # فادخلوها خلدين # الزمر 73. وقرىء «ثمرة» بضمتين. فإن قلت ما فائدة قوله { إذا أثمر ~~} وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه؟ قلت لما أبيح لهم الأكل من ثمره ~~قيل إذا أثمر، ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر، لئلا ~~يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع { وءاتوا حقه يوم ~~حصاده } الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، فأريد بالحق ما كان ~~يتصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبا حتى نسخه افتراض ~~العشر، ونصف العشر. وقيل مدنية، والحق هو الزكاة المفروضة. ومعناه ~~واعزموا على إيتاء الحق واقصدوه واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن ~~أول وقت يمكن فيه الإيتاء { ولا تسرفوا } في الصدقة كما روي عن ~~ثابت بن قيس بن شماس أنه صرم خمسمائة نخلة ففرق ثمرها كله ولم يدخل منه ~~شيئا إلى منزله # ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا # الإسراء 29. ### || [6.142-144] # { حمولة وفرشا } عطف على جنات. أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل ~~الأثقال وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش. وقيل ~~«الحمولة» الكبار التي تصلح للحمل «والفرش» الصغار كالفصلان والعجاجيل ~~والغنم، لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش عليها { ~~ولا تتبعوا خطوت الشيطن } في التحليل والتحريم من عند ~~أنفسكم فعل كما أهل الجاهلية { ثمنية أزوج } بدل من حمولة ~~وفرشا { اثنين } زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى، كالجمل والناقة، ~~والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والتيس والعنز - والواحد إذا كان وحده ~~فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحد منها زوجا، وهما زوجان، ~~بدليل قوله # خلق الزوجين الذكر والانثى # النجم 45 والدليل عليه قوله تعالى { ثمنية أزوج } ثم فسرها ~~بقوله { من الضأن اثنين ومن المعز اثنين } ، { ~~ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين } ونحو تسميتهم ~~الفرد بالزوج، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه تسميتهم الزجاجة ms0601 كأسا بشرط ~~أن يكون فيها خمر. والضأن والمعز جمع ضائن وماعز، كتاجر وتجر. وقرئا بفتح ~~العين. وقرأ أبي «ومن المعزى» وقرىء «اثنان» على الابتداء. الهمزة في { ~~آلذكرين } للإنكار والمراد بالذكرين الذكر من الضأن والذكر من المعز. ~~وبالإثنيين الأنثى من الضأن والأنثى من المعز، على طريق الجنسية. والمعنى ~~إنكار أن يحرم الله تعالى من جنسين الغنم ضأنها ومعزها شيئا من نوعي ~~ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث، الجنسين وكذلك الذكران من جنسي الإبل ~~والبقر والأنثيان منهما وما تحمل إناثهما وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة ~~الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادهما كيفما كانت ذكورا وإناثا، أو ~~مختلطة تارة، وكانوا يقولون قد حرمها الله، فأنكر ذلك عليهم { ~~نبئوني بعلم } أخبروني بأمر معلوم من جهة الله تعالى يدل على ~~تحريم ما حرمتم { إن كنتم صدقين } في أن الله حرمه { أم ~~كنتم شهداء } بل أكنتم شهداء. ومعنى الهمزة الإنكار، يعني أم ~~شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم؟ وذكر المشاهدة على مذهبهم، لأنهم ~~كانوا لا يؤمنون برسول وهم يقولون الله حرم هذا الذي نحرمه، فتهكم بهم ~~في قوله { أم كنتم شهداء } على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين، ~~لأنكم لا تؤمنون بالرسل { فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم { ليضل الناس } ~~وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب. ### || [6.145] # فإن قلت كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه؟ قلت قد وقع ~~الفاصل بينهما اعتراضا غير أجنبي من المعدود. وذلك أن الله عز وجل ~~من على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج ~~على من حرمها، والاحتجاج على من حرمها تأكيد وتسديد للتحليل، ~~والاعتراضات في الكلام لا تساق إلا للتوكيد { في ما أوحى إلى } ~~تنبيه على أن التحريم إنما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه، لا بهوى الأنفس ~~{ محرما } طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها { إلا أن ~~يكون ميتة } إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة { أو دما ~~مسفوحا } أي مصبوبا سائلا كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال. ms0602 ~~وقد رخص في دم العروق بعد الذبح { أو فسقا } عطف على المنصوب قبله. ~~سمى ما أهل به لغير الله فسقا لتوغله في باب الفسق. ومنه قوله تعالى # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق # الأنعام 121 وأهل صفة له منصوبة المحل. ويجوز أن يكون مفعولا له من ~~أهل، أي أهل لغير الله به فسقا. فإن قلت فعلام تعطف { أهل }؟ ~~وإلام يرجع الضمير في { به } على هذا القول؟ قلت يعطف على يكون، ويرجع ~~الضمير إلى ما يرجع إليه المستكن في يكون { فمن اضطر } فمن دعته ~~الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات { غير باغ } على مضطر مثله ~~تارك لمواساته { ولا عاد } متجاوز قدر حاجته من تناوله { فإن ~~ربك غفور رحيم } لا يؤاخذه. ### || [6.146-147] # ذو الظفر ما له أصبع من دابة أو طائر، وكان بعض ذات الظفر حلالا لهم، ~~فلما ظلموا حرم ذلك عليهم فعم التحريم كل ذي ظفر بدليل قوله # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم # النساء 160 وقوله { ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهما } كقولك من زيد أخذت ماله، تريد الإضافة زيادة الربط. ~~والمعنى أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه، وترك البقر ~~والغنم على التحليل لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة، وهي الثروب ~~وشحوم الكلى. وقوله { إلا ما حملت ظهورهما } يعني إلا ما ~~اشتمل على الظهور والجنوب من السحقة { أو الحوايا } أو اشتمل على ~~الأمعاء { أو ما اختلط بعظم } وهو شحم الإلية. وقيل { ~~الحوايا } عطف على شحومهما. و «أو» بمنزلتها في قولهم جالس الحسن أو ~~ابن سيرين { ذلك } الجزاء { جزينهم } وهو تحريم الطيبات { ~~ببغيهم } بسبب ظلمهم { وإنا لصدقون } فيما أوعدنا به ~~العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة. فلما عصوا وبغوا ~~ألحقناهم بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب. { فإن كذبوك } في ذلك ~~وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جودا ~~وكرما { فقل } لهم { ربكم ذو رحمة وسعة } لأهل طاعته ~~{ ولا يرد بأسه } مع ms0603 سعة رحمته { عن القوم ~~المجرمين } فلا تغتر برجاء رحمته عن خوف نقمته. ### || [6.148-149] # { سيقول الذين أشركوا } إخبار بما سوف يقولونه ولما قالوه ~~قال # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شىء # النحل 35 يعنون بكفرهم وتمردهم أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل ~~الله، بمشيئة الله وإرادته. ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب ~~المجبرة بعينه { كذلك كذب الذين من قبلهم } أي جاءوا ~~بالتكذيب المطلق لأن الله عز وجل ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل ~~على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها، والرسل أخبروا بذلك. فمن ~~علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب ~~كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره { ~~حتى ذاقوا بأسنا } حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم { قل ~~هل عندكم من علم } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم { ~~فتخرجوه لنا } وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن ~~يكون له حجة { إن تتبعون إلا الظن } في قولكم هذا { وإن ~~أنتم إلا تخرصون } تقدرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون. ~~وقرىء «كذلك كذب الذين من قبلهم» بالتخفيف { قل فلله الحجة ~~البلغة } يعني فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة ~~الله فلله الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم { فلو شاء ~~لهداكم أجمعين } منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم ~~دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضا بمشيئته، ~~فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأن المشيئة تجمع بين ما ~~أنتم عليه وبين ما هم عليه. ### || [6.150] # { هلم } يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث عند الحجازيين. ~~وبنو تميم تؤنث وتجمع. والمعنى هاتوا شهداءكم وقربوهم. فإن قلت كيف أمره ~~باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعموه محرما، ثم أمره ~~بأن لا يشهد معهم؟ قلت أمره باستحضارهم وهم شهداء بالباطل، ليلزمهم الحجة ~~ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء، ~~لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود ms0604 لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصح ~~التمسك به. وقوله { فلا تشهد معهم } يعني فلا تسلم لهم ما ~~شهدوا به ولا تصدقهم لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم وكان ~~واحدا منهم { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا ~~بأيتنا } من وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن من كذب بآيات ~~الله وعدل به غيره فهو متبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن ~~إلا مصدقا بالآيات موحدا لله تعالى. فإن قلت هلا قيل قل هلم شهداء ~~يشهدون أن الله حرم هذا؟ وأي فرق بينه وبين المنزل؟ قلت المراد أن ~~يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود ~~لهم يقلدونهم ويثقون بهم ويعتضدون بشهادتهم، ليهدم ما يقومون به فيحق ~~الحق ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك، وجيء بالذين للدلالة على أنهم ~~شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم، والدليل عليه قوله ~~تعالى { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } ولو قيل هلم شهداء ~~يشهدون لكان معناه هاتوا أناسا يشهدون بتحريم ذلك فكان الظاهر طلب شهداء ~~بالحق وذلك ليس بالغرض. ويناقضه قوله تعالى { فإن شهدوا فلا ~~تشهد معهم }. ### || [6.151] # «تعال»، من الخاص الذي صار عاما، وأصله أن يقوله من كان في مكان عال ~~لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عم. و { ما حرم } منصوب بفعل ~~التلاوة، أي أتل الذي حرمه ربكم. أو يحرم بمعنى أقل أي شيء حرم ربكم، ~~لأن التلاوة من القول، و «أن» في { ألا تشركوا } مفسرة و «لا» ~~النهي. فإن قلت هلا قلت هي التي تنصب الفعل، وجعلت أن لا تشركوا بدلا ~~من { ما حرم }؟ قلت وجب أن يكون { لا تشركوا } و { لا ~~تقربوا } و { لا تقتلوا } و # ولا تتبعوا السبل # الأنعام 153 نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله { وبالولدين ~~إحسنا } لأن التقدير وأحسنوا بالوالدين إحسانا. و { أوفوا } ~~، # وإذا قلتم فاعدلوا # الأنعام 152، # وبعهد الله أوفوا # الأنعام 152. فإن قلت فما تصنع بقوله { وأن هذا صرطي ~~مستقيما فاتبعوه } فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه ms0605 على أن ~~لا تشركوا إذا جعلت أن هي الناصبة للفعل، حتى يكون المعنى أتل عليكم نفي ~~الإشراك والتوحيد، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما؟ قلت أجعل قوله # وأن هذا صرطي مستقيما # الأنعام 153 علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله تعالى # وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # الجن 18 بمعنى ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه. والدليل عليه القراءة ~~بالكسر، كأنه قيل واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، أو واتبعوا صراطي إنه ~~مستقيم. فإن قلت إذا جعلت { أن } مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بما حرم ~~ربكم، وجب أن يكون ما بعده منهيا عنه محرما كله، كالشرك وما بعده مما ~~دخل عليه حرف النهي فما تصنع بالأوامر قلت لما وردت هذه الأوامر مع ~~النواهي وتقدمهن جميعا فعل التحريم واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن ~~التحريم راجع إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل ~~والميزان. وترك العدل في القول، ونكث عهد الله { من إملق } من أجل ~~فقر ومن خشيته، كقوله تعالى # خشية إملق # الإسراء 31. { ما ظهر منها وما بطن } مثل قوله # ظهر الإثم وباطنه # الأنعام 120. { إلا بالحق } كالقصاص، والقتل على الردة، والرجم. ### || [6.152] # { إلا بالتى هى أحسن } إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل ~~بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره والمعنى احفظوه عليه حتى يبلغ أشده ~~فادفعوه إليه { بالقسط } بالسوية والعدل { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها } إلا ما يسعها ولا تعجز عنه. وإنما أتبع الأمر بإيفاء ~~الكيل والميزان ذلك لأن مراعاة الحد من القسط الذي لا زيادة فيه ولا ~~نقصان مما يجري فيه الحرج، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه { ~~ولو كان ذا قربى } ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو ~~غيرها من أهل قرابة القاتل، فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص، كقوله # ولو على أنفسكم أو الولدين والأقربين # النساء 135. ### || [6.153] # وقرىء «وأن هذا صراطي مستقيما» بتخفيف «أن» وأصله وأنه هذا صراطي، ~~على أن الهاء ضمير الشأن والحديث. وقرأ الأعمش «وهذا صراطي». وفي مصحف ~~عبد الله «هذا صراط ms0606 ربكم». وفي مصحف أبي «وهذا صراط ربك» { ولا ~~تتبعوا السبل } الطرق المختلفة في الدين، من اليهودية ~~والنصرانية، والمجوسية، وسائر البدع والضلالات { فتفرق بكم } ~~فتفرقكم أيادي سبا { عن سبيله } عن صراط الله المستقيم وهو دين ~~الإسلام. وقرىء «فتفرق» بإدغام التاء. وروى أبو وائل عن ابن مسعود ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم 383 # " أنه خط خطا ثم قال هذا سبيل الرشد، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ~~ثم قال هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية " # { وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه } وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب. وقيل ~~إنهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار، وعن كعب ~~الأحبار والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة. فإن قلت ~~علام عطف قوله { ثم ءاتينا موسى الكتب } قلت على { ~~وصكم به }. فإن قلت كيف صح عطفه عليه بثم - والإيتاء قبل ~~التوصية بدهر طويل-؟ قلت هذه التوصية قديمة، لم تزل توصاها كل أمة على ~~لسان نبيهم، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما محكمات لم ينسخهن شيء من ~~جميع الكتاب، فكأنه قيل ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا. ### || [6.154] # { ثم } أعظم من ذلك أنا { ءاتينا موسى الكتب } وأنزلنا ~~هذا الكتاب المبارك. وقيل هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله ~~تعالى # ووهبنا له إسحق ويعقوب # الأنعام 84 { تماما على الذى أحسن } تماما للكرامة ~~والنعمة، على الذي أحسن، على من كان محسنا صالحا، يريد جنس المحسنين. ~~وتدل عليه قراءة عبد الله «على الذين أحسنوا» أو أراد به موسى عليه ~~السلام، أي تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ~~ما أمر به أو تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع، من أحسن ~~الشيء إذا أجاد معرفته، أي زيادة على علمه على وجه التتميم. وقرأ يحيى بن ~~يعمر «على الذي أحسن»، بالرفع، أي على ms0607 الذي هو أحسن، بحذف المبتدإ كقراءة ~~من قرأ # مثلا ما بعوضة # البقرة 26 بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه. أو آتينا موسى ~~الكتاب تماما، أي تاما كاملا على أحسن ما تكون عليه الكتب، أي على ~~الوجه والطريق الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي أتم له الكتاب على ~~أحسنه. ### || [6.155-157] # { أن تقولوا } كراهة أن تقولوا { على طائفتين } يريدون ~~أهل التوراة وأهل الإنجيل { وإن كنا } هي إن المخففة من الثقيلة ~~واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والأصل وإنه كنا عن دراستهم ~~غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن { عن دراستهم } عن قراءتهم، أي ~~لم نعرف مثل دراستهم { لكنا أهدى منهم } لحدة أذهاننا، ~~وثقابة أفهامنا، وغزارة حفظنا لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها ~~وأسجاعها وأمثالها، على أنا أميون. وقرىء «أن يقولوا» أو يقولوا، بالياء ~~{ فقد جاءكم بينة من ربكم } تبكيت لهم، وهو على قراءة من ~~قرأ «يقولوا» على لفظ الغيبة أحسن، لما فيه من الالتفات. والمعنى إن ~~صدقتكم فيما كنتم تعدون من أنفسكم فقد جاءكم بينة من ربكم، فحذف الشرط ~~وهو من أحاسن الحذوف { فمن أظلم ممن كذب بأيت ~~الله } بعد ما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك { وصدف ~~عنها } الناس فضل وأضل { سنجزى الذين يصدفون عن ~~ءايتنا سوء العذاب } كقوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب # النحل 88. ### || [6.158] # { الملئكة } ملائكة الموت، أو العذاب { أو يأتى ربك } ~~أو يأتي كل آيات ربك. بدليل قوله { أو يأتى بعض ءايت ربك ~~} يريد آيات القيامة والهلاك الكلي، وبعض الآيات. أشراط الساعة، كطلوع ~~الشمس من مغربها، وغير ذلك. وعن البراء بن عازب 384 كنا نتذاكر الساعة إذ ~~أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " ما تتذاكرون؟ فقلنا نتذاكر الساعة قال إنها لا تقوم حتى تروا قبلها ~~عشر آيات الدخان، ودابة الأرض، وخسفا بالمغرب، وخسفا بالمشرق، وخسفا ~~بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول ~~عيسى، ونارا تخرج من عدن " # { لم تكن آمنت من قبل } صفة ms0608 لقوله نفسا. وقوله { أو ~~كسبت فى إيمنها خيرا } عطف على آمنت. والمعنى أن أشراط ~~الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة مضطرة، ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع ~~الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدمة ~~الإيمان غير كاسبة في إيمانها خيرا، فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة ~~إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب ~~خيرا، ليعلم أن قوله # الذين ءامنوا وعملوا الصلحات # البقرة 25 جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى ~~يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك { قل انتظروا إنا ~~منتظرون } وعيد. وقرىء «أن يأتيهم الملائكة» بالياء والتاء. وقرأ ~~ابن سيرين لا تنفع بالتاء لكون الإيمان مضافا إلى ضمير المؤنث الذي هو ~~بعضه كقولك ذهبت بعض أصابعه. ### || [6.159] # { فرقوا دينهم } اختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنصارى. وفي ~~الحديث 385 # " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة وهي ~~الناجية، وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا ~~واحدة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة " # وقيل فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقرىء «فارقوا دينهم» أي ~~تركوه { وكانوا شيعا } فرقا كل فرقة تشيع إماما لها { لست ~~منهم فى شىء } أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم. وقيل من عقابهم. ~~وقيل هي منسوخة بآية السيف. ### || [6.160] # { عشر أمثالها } على إقامة صفة الجنس المميز مقام الموصوف، ~~تقديره عشر حسنات أمثالها، وقرىء «عشر أمثالها» برفعهما جميعا على ~~الوصف. وهذا أقل ما وعد من الإضعاف. وقد وعد بالواحد سبعمائة، ووعد ~~ثوابا بغير حساب. ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل { وهم ~~لا يظلمون } لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد على عقابهم. ### || [6.161] # { دينا } نصب على البدل من محل { إلى صرط } لأن معناه هداني ~~صراطا، بدليل قوله # ويهديكم صرطا مستقيما # الفتح 2 والقيم فيعل، من قام، كسيد من ساد، وهو أبلغ من القائم. وقرىء ~~«قيما» والقيم مصدر بمعنى القيام وصف به. و { ملة ms0609 إبرهيم } عطف ~~بيان. و { حنيفا } حال من إبراهيم. ### || [6.162-163] # { قل إن صلاتى ونسكى } وعبادتي وتقربي كله. وقيل وذبحي. ~~وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله # فصل لربك وانحر # الكوثر 2 وقيل صلاتي وحجي من مناسك الحج { ومحياى ومماتى } ~~وما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح { لله ~~رب العلمين } خالصة لوجهه { وبذلك } من الإخلاص { أمرت ~~وأنا أول المسلمين } لأن إسلام كل نبي متقدم لإسلام ~~أمته. ### || [6.164] # { قل أغير الله أبغى ربا } جواب عن دعائهم له إلى عبادة ~~آلهتهم، والهمزة للإنكار، أي منكر أن أبغي ربا غيره { وهو رب كل ~~شىء } فكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره، كما قال # قل أفغير الله تأمرونى أعبد # الزمر 64، { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } جواب عن ~~قولهم # اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم # العنكبوت 12. ### || [6.165] # { جعلكم خلئف الارض } لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم. أو جعلهم يخلف بعضهم بعضا. أو هم ~~خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها { ورفع بعضكم فوق ~~بعض درجت } في الشرف والرزق { ليبلوكم في ما ~~ءاتكم } من نعمة المال والجاه، كيف تشكرون تلك النعمة، وكيف يصنع ~~الشريف بالوضيع، والحر بالعبد، والغني بالفقير { إن ربك سريع ~~العقاب } لمن كفر نعمته { وإنه لغفور رحيم } لمن قام ~~يشكرها. ووصف العقاب بالسرعة، لأن ما هو آت قريب. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 386 # " أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل ~~بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلى الله عليه وسلم واستغفر له أولئك ~~السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوما وليلة " ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-2] # { كتاب } خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب. و { أنزل إليك } صفة ~~له. والمراد بالكتاب السورة { فلا يكن فى صدرك حرج منه } ~~أي شك منه، كقوله # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك # يونس 94 وسمى الشك حرجا، لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن ~~منشرح الصدر منفسحه. ms0610 أي لا تشك في أنه منزل من الله، ولا تحرج من تبليغه ~~لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من ~~الأداء ولا ينبسط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم. فإن قلت بم تعلق ~~قوله { لتنذر }؟ قلت بأنزل، أي أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنه ~~إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على ~~الإنذار لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه، متكل على عصمته، فإن قلت ~~فما محل ذكرى؟ قلت يحتمل الحركات الثلات. النصب بإضمار فعلها. كأنه قيل ~~لتنذر به وتذكر تذكيرا لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفا على ~~كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف. والجر للعطف على محل أن تنذر، أي للإنذار ~~وللذكرى. فإن قلت النهي في قوله { فلا يكن } متوجه إلى الحرج فما ~~وجهه؟ قلت هو من قولهم لا أرينك ههنا. ### || [7.3] # { اتبعوا ما أنزل إليكم } من القرآن والسنة { ولا ~~تتبعوا من دونه } من دون الله { أولياء } أي ولا تتلوا من ~~دونه من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع ~~ويضلوكم عن دين الله وما أنزل إليكم، وأمركم باتباعه. وعن الحسن يا ابن ~~آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم. والله ما ~~نزلت آية إلا وهو يحب أن تعلم فيم نزلت وما معناها. وقرأ مالك بن دينار ~~«ولا تبتغوا» من الابتغاء # ومن يبتغ غير الإسلم دينا # آل عمران 85. ويجوز أن يكون الضمير في { من دونه } لما أنزل، على ~~ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء { قليلا ما تذكرون } ~~حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره. وقرىء «تذكرون»، بحذف التاء. ~~«ويتذكرون» بالياء. و { قليلا } نصب يتذكرون، أي تذكرون تذكرا ~~قليلا. و { مآ } مزيدة لتوكيد القلة. ### || [7.4] # { فجاءها } فجاء أهلها { بياتا } مصدر واقع موقع الحال، بمعنى ~~بائتين. يقال بات بياتا حسنا، وبيتة حسنة، وقوله { هم قائلون } ~~حال معطوفة على «بياتا»، كأنه قيل فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين. فإن ~~قلت هل يقدر ms0611 حذف المضاف الذي هو الأهل قبل { قرية } أو قبل الضمير في ~~{ أهلكنها }؟ قلت إنما يقدر المضاف للحاجة ولا حاجة، فإن ~~القرية تهلك كما يهلك أهلها. وإنما قدرناه قبل الضمير في { فجاءها } ~~لقوله { أو هم قائلون } فإن قلت لا يقال جاءني زيد هو فارس، بغير ~~واو، فما بال قوله { هم قائلون }؟ قلت قدر بعض النحويين الواو ~~محذوفة، ورده الزجاج وقال لو قلت جاءني زيد راجلا، أو هو فارس. أو جاءني ~~زيد هو فارس، لم يحتج فيه إلى واو، لأن الذكر قد عاد إلى الأول. والصحيح ~~أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالا. لاجتماع حرفي عطف، ~~لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك جاءني زيد راجلا أو ~~هو فارس، كلام فصيح وارد على حده وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث. فإن قلت ~~فما معنى قوله { أهلكنها فجاءها بأسنا } والإهلاك إنما هو ~~بعد مجيء البأس؟ قلت معناه أردنا إهلاكها، كقوله # إذا قمتم إلى الصلاة # المائدة 6 وإنما خص هذان الوقتان وقت البيات ووقت القيلولة، لأنهما وقت ~~الغفلة والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع، وقوم لوط أهلكوا ~~بالليل وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة. ### || [7.5] # { فما كان دعواهم } ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من ~~مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده. وقولهم { إنا كنا ~~ظلمين } فيما كنا عليه. ويجوز فما كان استغاثتهم إلا قولهم هذا، ~~لأنه لا مستغاث من الله بغيره، ومن قولهم دعواهم يا لكعب. ويجوز، فما كان ~~دعواهم ربهم إلا اعترافهم لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم، وأن لات حين ~~دعاء، فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما كان منهم، و { ~~دعواهم } نصب خبر لكان، و { أن قالوا } رفع اسم له، ويجوز ~~العكس. ### || [7.6-7] # { فلنسئلن الذين أرسل إليهم } { أرسل } مسند ~~إلى الجار والمجرور وهو { إليهم } ومعناه فلنسألن المرسل إليهم وهم ~~الأمم، يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم، كما قال # ويوم ينديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين # القصص 65 ويسأل المرسلين عما أجيبوا به، كما قال # يوم يجمع الله الرسل فيقول ms0612 ماذا أجبتم # المائدة 109، { فلنقصن عليهم } على الرسل والمرسل إليهم ما ~~كان منهم { بعلم } عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم ~~وأفعالهم { وما كنا غائبين } عنهم وعما وجد منهم، فإن قلت فإذا ~~كان عالما بذلك وكان يقصه عليهم، فما معنى سؤالهم؟ قلت معناه التوبيخ ~~والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم. ### || [7.8-9] # { والوزن يومئذ الحق } يعني وزن الأعمال والتمييز بين ~~راجحها وخفيفها. ورفعه على الابتداء. وخبره { يومئذ }. و { الحق ~~} صفته أي والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق، أي العدل. ~~وقرىء «القسط». واختلف في كيفية الوزن فقيل توزن صحف الأعمال بميزان له ~~لسان وكفتان، تنظر إليه الخلائق، تأكيدا للحجة، وإظهارا للنصفة، وقطعا ~~للمعذرة، كما يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم، وتشهد بها عليهم ~~أيديهم وأرجلهم وجلودهم، وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والإشهاد، وكما ~~تثبت في صحائفهم فيقرؤنها في موقف الحساب. وقيل هي عبارة عن القضاء ~~السوي والحكم العادل { فمن ثقلت موزينه } جمع ميزان أو ~~موزون، أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات. أو ~~ما توزن به حسناتهم. وعن الحسن وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يثقل. وحق ~~لميزان توضع فيه السيئات أن يخف. { بأيتنا يظلمون } يكذبون ~~بها ظلما كقوله # فظلموا بها # الإسراء 59. ### || [7.10] # { مكنكم فى الأرض } جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا. أو ~~ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها { وجعلنا لكم فيها ~~معيش } جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. أوما ~~يتوصل به إلى ذلك. والوجه تصريح الياء. وعن ابن عامر أنه همز، على ~~التشبيه بصحائف. ### || [7.11] # { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } يعني خلقنا أباكم ~~آدم طينا غير مصور، ثم صورناه بعد ذلك. ألا ترى إلى قوله { ثم ~~قلنا للملئكة اسجدوا لأدم } الآية { من ~~السجدين } ممن سجد لآدم. ### || [7.12] # { ألا تسجد } «لا» في { أن لا تسجد } صلة بدليل قوله # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى # ص 75 ومثلها # لئلا يعلم أهل الكتب # الحديد 29 بمعنى ليعلم فإن قلت ما فائدة زيادتها؟ قلت توكيد معنى الفعل ms0613 ~~الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل ليتحقق علم أهل الكتاب. وما منعك أن ~~تحقق السجود وتلزمه نفسك؟ { إذ أمرتك } لأن أمري لك بالسجود أوجبه ~~عليك إيجابا وأحتمه عليك حتما لا بد منه، فإن قلت لم سأله عن المانع ~~من السجود، وقد علم ما منعه؟ قلت للتوبيخ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره ~~وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم، وأنه خالف أمر ربه معتقدا أنه غير ~~واجب عليه، لما رأى أن سجود الفاضل للمفضول خارج من الصواب. فإن قلت كيف ~~يكون قوله { أنا خير منه } جوابا لما منعك، وإنما الجواب أن ~~يقول منعني كذا؟ قلت قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، ~~وبعلة فضله عليه، وهو أن أصله من نار وأصل آدم من طين، فعلم منه الجواب ~~وزيادة عليه، وهي إنكار للأمر واستبعاد أن يكون مثله مأمورا بالسجود ~~لمثله، كأنه يقول من كان على هذه الصفة كان مستبعدا أن يؤمر بما أمر ~~به. ### || [7.13] # { فاهبط منها } من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من ~~الملائكة، إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين { فما ~~يكون لك } فما يصح لك { أن تتكبر فيها } وتعصي { ~~فاخرج إنك من الصغرين } من أهل الصغار والهوان على الله ~~وعلى أولياؤه لتكبرك، كما تقول للرجل قم صاغرا، إذا أهنته. وفي ضده قم ~~راشدا. وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار. وعن عمر رضي الله عنه ~~من تواضع لله رفع الله حكمته وقال انتعش أنعشك الله. ومن تكبر وعدا ~~طوره وهصه الله إلى الأرض. ### || [7.14-15] # فإن قلت لم أجيب إلى استنظاره، وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم قلت ~~لما في ذلك من ابتلاء العباد، وفي مخالفته من أعظم الثواب، وحكمه حكم ما ~~خلق في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي، وما ركب في ~~الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده. ### || [7.16-17] # { فبما أغويتنى } فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم. وهو تكليفه ~~إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة مع كونهم أفضل منه ~~ومن آدم أنفسا ms0614 ومناصب، وعن الأصم أمرتني بالسجود فحملني الأنف على ~~معصيتك. والمعنى فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا ~~بسببي، كما فسدت بسببهم. فإن قلت بم تعلقت الباء، فإن تعلقها بلأقعدن ~~يصد عنه لام القسم، لا تقول والله بزيد لأمرن؟ قلت تعلقت بفعل القسم ~~المحذوف تقديره فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن، أي فبسبب إغوائك أقسم. ~~ويجوز أن تكون الباء للقسم، أي فأقسم بإغوائك لأقعدن، وإنما أقسم ~~بالإغواء لأنه كان تكليفا، والتكليف من أحسن أفعال الله، لكونه تعريضا ~~لسعادة الأبد، فكان جديرا بأن يقسم به. ومن تكاذيب المجبرة ما حكوه عن ~~طاوس أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل من كبار الفقهاء يرمي بالقدر، ~~فجلس إليه فقال له طاوس تقوم أو تقام، فقام الرجل، فقيل له أتقول هذا ~~لرجل فقيه؟ فقال إبليس أفقه منه، قال رب بما أغويتني، وهذا يقول أنا أغوي ~~نفسي، وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله سبحانه، ~~أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين. وقيل { ما } ~~للاستفهام، كأنه قيل بأي شيء أغويتني، ثم ابتدىء لأقعدن. وإثبات الألف ~~إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية، قليل شاذ. وأصل الغي الفساد. ~~ومنه غوى الفصيل، إذا بشم. والبشم فساد في المعدة { لاقعدن لهم ~~صرطك المستقيم } لأعترضن لهم على طريق الإسلام كما يعترض ~~العدو على الطريق ليقطعه على السابلة وانتصابه على الظرف، كقوله # كما عسل الطريق الثعلب # وشبهه الزجاج بقولهم ضرب زيد الظهر والبطن، أي على الظهر والبطن. وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 387 # " إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام فقال له تدع ~~دين آبائك، فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك ~~وتتغرب، فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم ~~مالك وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل " # { ثم لآتينهم } من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في ~~الغالب. وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ms0615 ~~عليهم بخيلك ورجلك # الإسراء 64. فإن قلت كيف قيل { من بين أيديهم ومن ~~خلفهم } بحرف الابتداء { وعن أيمنهم وعن شمائلهم ~~} بحرف المجاوزة؟ قلت المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول ~~به. فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا ~~تقاس. وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون جلس عن يمينه ~~وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله، قلنا معنى «على يمينه» أنه تمكن من ~~جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه. # ومعنى «عن يمينه» أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفا عنه غير ~~ملاصق له. ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره، كما ذكرنا في «تعال». ~~ونحوه من المفعول به قولهم رميت عن القوس، وعلى القوس، ومن القوس لأن ~~السهم يبعد عنها، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي، ويبتدىء الرمي ~~منها. كذلك قالوا جلس بين يديه وخلفه بمعنى فيه لأنهما ظرفان للفعل. ومن ~~بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول جئته من ~~الليل، تريد بعض الليل، وعن شقيق ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على ~~أربع مراصد من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي أما من بين يدي ~~فيقول لا تخف، فإن الله غفور رحيم، فأقرأ # وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صلحا # طه 82 وأما من خلفي، فيخوفني الضيعة على مخلفي فأقرأ # وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها # هود 6 وأما من قبل يميني، فيأتيني من قبل الثناء فأقرأ # والعقبة للمتقين # الأعراف 128 وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ # وحيل بينهم وبين ما يشتهون # سبأ 54. { ولا تجد أكثرهم شكرين } قاله تظنينا، بدليل ~~قوله # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # سبأ 20 وقيل سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم. ### || [7.18] # { مذءوما } من ذأمه إذا ذمه. وقرأ الزهري «مذوما»، بالتخفيف، مثل ~~مسول في مسؤل. واللام في { لمن تبعك } موطئه للقسم. و { ~~لأملان } جوابه، وهو ساد مسد جواب الشرط { منكم } منك ms0616 ومنهم، ~~فغلب ضمير المخاطب، كما في قوله # إنكم قوم تجهلون # الأعراف 138. وروى عصمة عن عاصم «لمن تبعك» بكسر اللام، بمعنى لمن تبعك ~~منهم هذا الوعيد، وهو قوله { لأملان جهنم منكم أجمعين } ~~، على أن { لأملان } في محل الابتداء، و { لمن تبعك } خبره. ### || [7.19-22] # { وعلم ءادم } وقلنا يا آدم. وقرىء «هذي الشجرة» والأصل الياء، ~~والهاء بدل منها، ويقال وسوس، إذا تكلم كلاما خفيا يكرره. ومنه وسوس ~~الحلي، وهو فعل غير متعد، كولولت المرأة ووعوع الذئب، ورجل موسوس- بكسر ~~الواو- ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له، وموسوس إليه، وهو الذي ~~تلقى إليه الوسوسة. ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله، ووسوس إليه ألقاها ~~إليه { ليبدي } جعل ذلك غرضا له ليسوءهما إذا رأيا ما يؤثران ستره، ~~وأن لا يطلع عليه مكشوفا. وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، ~~وأنه لم يزل مستهجنا في الطباع مستقبحا في العقول. فإن قلت ما للواو ~~المضمومة في { ووري } لم تقلب همزة كما قلبت في أو يصل؟ قلت لأن ~~الثانية مدة كألف وارى. وقد جاء في قراءة عبد الله «أورى» بالقلب { إلا ~~أن تكونا ملكين } إلا كراهة أن تكونا ملكين. وفيه دليل على أن ~~الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كلا ولا. وقرىء ~~«ملكين» بكسر اللام، كقوله # وملك لا يبلى # طه 120. { من الخلدين } من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ~~ساكنين. وقرىء «من سوأتهما»، بالتوحيد، «وسواتهما»، بالواو المشددة { ~~وقاسمهما } وأقسم لهما { إني لكما لمن النصحين }. ~~فإن قلت المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك تقول قاسمت فلانا حالفته، ~~وتقاسما تحالفا. ومنه قوله تعالى # تقاسموا بالله لنبيتنه # النمل 49. قلت كأنه قال لهما أقسم لكما إني لمن الناصحين،وقالا له أتقسم ~~بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمة بينهم. أو أقسم لهما بالنصحية ~~وأقسما له بقبولها. أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه ~~اجتهاد المقاسم { فدلهما } فنزلهما إلى الأكل من الشجرة { ~~بغرور } بما غرهما به من القسم بالله. وعن قتادة وإنما يخدع المؤمن ~~بالله. وعن ابن عمر رضي الله ms0617 عنه أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة ~~أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق، فقيل له إنهم يخدعونك، فقال ~~من خدعنا بالله انخدعنا له { فلما ذاقا الشجرة } وجدا طعمها ~~آخذين في الأكل منها. وقيل الشجرة هي السنبلة. وقيل شجرة الكرم { بدت ~~لهما سوءتهما } أي تهافت عنهما اللباس فظهرت لهما عوراتهما، ~~وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة رضي الله ~~عنها 388 ما رأيت منه ولا رأى مني. وعن سعيد بن جبير كان لباسهما من جنس ~~الأظفار. وعن وهب كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر. ويقال طفق ~~يفعل كذا، بمعنى جعل يفعل كذا. وقرأ أبو السمال «وطفقا» بالفتح { ~~يخصفان } ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بها، كما يخصف النعل، ~~بأن تجعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور. # وقرأ الحسن «يخصفان» بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان. وقرأ ~~الزهري «يخصفان»، من أخصف، وهو منقول من خصف أي يخصفان أنفسهما وقرىء ~~«يخصفان» من خصف بالتشديد { من ورق الجنة } قيل كان ورق التين { ~~ألم أنهكما } عتاب من الله تعالى وتوبيخ وتنبيه على الخطأ، حيث ~~لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس وروي أنه قال لآدم ألم يكن لك ~~فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال بلى وعزتك، ولكن ما ~~ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا. قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ~~ثم لا تنال العيش إلا كدا. فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث ~~وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز. ### || [7.23] # وسميا ذنبهما وإن كان صغيرا مغفورا ظلما لأنفسهما، وقالا { ~~لنكونن من الخسرين } على عادة الأولياء والصالحين في ~~استعظامهم الصغير من السيئات، واستصغارهم العظيم من الحسنات. ### || [7.24-25] # { اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وإبليس. و { بعضكم لبعض ~~عدو } في موضع الحال، أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه { ~~مستقر } استقرار، أو موضع استقرار { ومتع إلى حين } ~~وانتفاع بعيش إلى انقضاء آجالكم. وعن ثابت البناني لما أهبط آدم وحضرته ~~الوفاة أحاطت به الملائكة، فجعلت حواء تدور ms0618 حولهم، فقال لها خلي ملائكة ~~ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك، فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر ~~وترا، وحنطته وكفنته في وتر من الثياب، وحفروا له ولحدوا، ودفنوه ~~بسرنديب بأرض الهند، وقالوا لبنيه هذه سنتكم بعده. ### || [7.26] # جعل ما في الأرض منزلا من السماء، لأنه قضى ثم وكتب. ومنه # وأنزل لكم من الانعم ثمنية أزوج # الزمر 6 والريش لباس الزينة، استعير من ريش الطير، لأنه لباسه وزينته، ~~أي أنزلنا عليكم لباسين لباسا يواري سوآتكم، ولباسا يزينكم لأن الزينة ~~غرض صحيح، كما قال { لتركبوها وزينة }. # ولكم فيها جمال # النحل 6 وقرأ عثمان رضي الله عنه «ورياشا» جمع ريش، كشعب وشعاب { ~~ولباس التقوى } ولباس الورع والخشية من الله تعالى، وارتفاعه عن ~~الابتداء وخبره إما الجملة التي هي { ذلك خير } كأنه قيل ولباس ~~التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود ~~الذكر. وأما المفرد الذي هو خير وذلك صفة للمبتدأ، كأنه قيل ولباس ~~التقوى المشار إليه خير. ولا تخلو الإشارة من أن يراد بها تعظيم لباس ~~التقوى، أو أن تكون إشارة إلى اللباس المواري للسوأة، لأن مواراة السوأة ~~من التقوى، تفضيلا له على لباس الزينة. وقيل لباس التقوى خبر مبتدأ ~~محذوف، أي وهو لباس التقوى، ثم قيل ذلك خير. وفي قراءة عبد الله وأبي ~~«ولباس التقوى خير» وقيل المراد بلباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن ~~والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب وقرىء «ولباس التقوى»، بالنصب ~~عطفا على لباسا وريشا { ذلك من ءايت الله } الدالة على ~~فضله ورحمته على عباده. يعني إنزال اللباس { لعلهم يذكرون } ~~فيعرفوا عظيم النعمة فيه وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر ~~بدو السوآت وخصف الورق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في ~~العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم ~~من أبواب التقوى. ### || [7.27] # { لا يفتننكم الشيطن } لا يمتحننكم بأن لا تدخلوا ~~الجنة، كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها { ينزع عنهما ~~لباسهما } حال، أي أخرجهما نازعا ms0619 لباسهما، بأن كان سببا في أن نزع ~~عنهما { إنه يراكم هو } تعليل للنهي وتحذير من فتنته، بأنه ~~بمنزلة العدو المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون. وعن مالك بن ~~دينار إن عدوا يراك ولا تراه، لشديد المؤنة إلا من عصم الله { ~~وقبيله } وجنوده من الشياطين، وفيه دليل بين أن الجن لا يرون ~~ولا يظهرون للإنس، وأن أظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من ~~يدعي رؤيتهم زور ومخرقة { إنا جعلنا الشيطين أولياء ~~للذين لا يؤمنون } أي خلينا بينهم وبينهم لم نكفهم عنهم حتى ~~تولوهم وأطاعوهم فيما سولوا لهم من الكفر والمعاصي، وهذا تحذير آخر أبلغ ~~من الأول. فإن قلت علام عطف وقبيله؟ قلت على الضمير في يراكم المؤكد بهو، ~~والضمير في إنه للشأن والحديث، وقرأ اليزيدي «وقبيله» بالنصب وفيه وجهان ~~أن يعطفه على اسم إن، وأن تكون الواو بمعنى مع، وإذا عطفه على اسم إن ~~وهو الضمير في إنه، كان راجعا إلى إبليس. ### || [7.28] # الفاحشة ما تبالغ في قبحه من الذنوب، أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم ~~كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها. وكلاهما ~~باطل من العذر لأن أحدهما تقليد والتقليد ليس بطريق للعلم. والثاني ~~افتراء على الله وإلحاد في صفاته، كانوا يقولون لو كره الله منا ما نفعله ~~لنقلنا عنه. وعن الحسن إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ~~العرب وهم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على الله. وتصديقه قول الله تعالى { ~~وإذا فعلوا فحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء } لأن فعل القبح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف، ~~فكيف يأمر بفعله { أتقولون على الله ما لا تعلمون } ~~إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط. ~~وقيل المراد بالفاحشة طوافهم بالبيت عراة. ### || [7.29] # { بالقسط } بالعدل وبما قام في النفوس أنه مستقيم حسن عند كل مميز. ~~وقيل بالتوحيد { وأقيموا وجوهكم } وقل أقيموا وجوهكم أي اقصدوا ~~عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها ms0620 { عند كل مسجد } في ~~كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود وهو الصلاة { وادعوه } واعبدوه { ~~مخلصين له الدين } أي الطاعة، مبتغين بها وجه الله خالصا { ~~كما بدأكم تعودون } كما أنشأكم ابتداء يعيدكم، احتج عليهم في ~~إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على ~~أعمالكم، فأخلصوا له العبادة. ### || [7.30] # { فريقا هدى } وهم الذين أسلموا، أي وفقهم للإيمان { وفريقا ~~حق عليهم الضللة } أي كلمة الضلالة، وعلم الله أنهم يضلون ~~ولا يهتدون. وانتصاب قوله { وفريقا } بفعل مضمر يفسره ما بعده، كأنه ~~قيل وخذل فريقا حق عليهم الضلالة { إنهم } إن الفريق الذي حق ~~عليهم الضلالة { اتخذوا الشيطين أولياء } أي تولوهم ~~بالطاعة فيما أمروهم به، وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم، ~~وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله. ### || [7.31-32] # { خذوا زينتكم } أي ريشكم ولباس زينتكم { عند كل مسجد } ~~كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة. وعن طاوس، لم يأمرهم بالحرير ~~والديباج، وإنما كان أحدهم يطوف عريانا ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف ~~وهي عليه ضرب وانتزعت عنه، لأنهم قالوا لا نعبد الله في ثياب أذنبنا ~~فيها، وقيل تفاؤلا ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب. وقيل الزينة ~~المشط. وقيل الطيب. والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة، وكان بنو ~~عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما يعظمون ~~بذلك حجهم فقال المسلمون فإنا أحق أن نفعل، فقيل لهم كلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا. وعن ابن عباس رضي الله عنه 389 # " كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. " # ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد ~~ليس في كتابكم من علم الطب شيء. والعلم علمان، علم الأبدان وعلم الأديان، ~~فقال له قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه. قال وما هي؟ قال قوله ~~تعالى { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } فقال النصراني ولا ~~يؤثر من رسولكم شيء في الطب؟ فقال قد جمع رسولنا صلى ms0621 الله عليه وسلم الطب ~~في ألفاظ يسيرة، قال وما هي؟ قال قوله 390 «المعدة بيت الداء والحمية رأس ~~الدواء وأعط كل بدن ما عودته» فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم ~~لجالينوس طبا. { زينة الله } من الثياب وكل ما يتجمل به { ~~والطيبت من الرزق } المستلذات من المآكل والمشارب. ومعنى ~~الاستفهام في من إنكار تحريم هذه الأشياء. قيل كانوا إذا أحرموا حرموا ~~الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها { قل هىللذين ~~ءامنوا فى الحيوة الدنيا } غير خالصة لهم لأن المشركين ~~شركاؤهم فيها { خالصة } لهم { يوم القيمة } لا يشركهم فيها ~~أحد. فإن قلت هلا قيل هي للذين آمنوا ولغيرهم. قلت لينبه على أنها خلقت ~~للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبع لهم، كقوله تعالى # ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار # البقرة 126 وقرىء «خالصة» بالنصب على الحال، وبالرفع على أنها خبر بعد ~~خبر. ### || [7.33] # { الفوحش } ما تفاحش قبحه أي تزايد. وقيل هي ما يتعلق بالفروج { ~~والإثم } عام لكل ذنب. وقيل شرب الخمر { والبغى } الظلم والكبر، ~~أفرده بالذكر كما قال { وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغى }. { ما لم ينزل به سلطنا } فيه تهكم، لأنه لا ~~يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره { وأن تقولوا على الله ~~} وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره. ### || [7.34] # { ولكل أمة أجل } وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم ~~عند الله كما نزل بالأمم وقرىء «فإذا جاء آجالهم». وقال { ساعة } ~~لأنها أقل الأوقات في استعمال الناس. يقول المستعجل لصاحبه في ساعة، يريد ~~أقصر وقت وأقربه. ### || [7.35-36] # { إما يأتينكم } هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدة لمعنى ~~الشرط. ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة. فإن قلت فما جزاء هذا ~~الشرط؟ قلت الفاء وما بعده من الشرط والجزاء. والمعنى فمن اتقى وأصلح ~~منكم، والذين كذبوا منكم. وقرىء «تأتينكم»، بالتاء. ### || [7.37] # { فمن أظلم } فمن أشنع ظلما ممن تقول على الله ما لم يقله، أو ~~كذب ما قاله { أولئك ينالهم نصيبهم من الكتب } أي ms0622 ~~مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار { حتى إذا جاءتهم رسلنا } ~~حتى غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، أي إلى وقت وفاتهم، وهي «حتى» ~~التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام ههنا الجملة الشرطية، وهي إذا جاءتهم ~~رسلنا قالوا. و { يتوفونهم } حال من الرسل، أي متوفيهم. والرسل ~~ملك الموت وأعوانه. «وما» وقعت موصولة بأين في خط المصحف، وكان حقها أن ~~تفصل لأنها موصولة بمعنى أين الآلهة الذين تدعون { ضلوا عنا } ~~غابوا عنا فلا نراهم ولا ننتفع بهم، اعترافا منهم بأنهم لم يكونوا على ~~شيء فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة. ### || [7.38-39] # { قال ادخلوا } أي يقول الله تعالى يوم القيامة لأولئك الذين قال ~~فيهم { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته } وهم كفار العرب { فى أمم } في موضع الحال، أي ~~كائنين في جملة أمم، وفي غمارهم مصاحبين لهم، أي ادخلوا في النار مع أمم ~~{ قد خلت من قبلكم } وتقدم زمانهم زمانكم { لعنت ~~أختها } التي ضلت بالاقتداء بها { حتى إذا اداركوا فيها ~~} أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار { قالت أخراهم } ~~منزلة وهي الأتباع والسفلة { لأولهم } منزلة وهي القادة والرؤس. ~~ومعنى لأولاهم لأجل أولاهم لأن خطابهم مع الله لا معهم { عذابا ~~ضعفا } مضاعفا { لكل ضعف } لأن كلا من القادة والأتباع كانوا ~~ضالين مضلين { ولكن لا تعلمون } قرىء الياء والتاء { فما ~~كان لكم علينا من فضل } عطفوا هذا الكلام على قول الله ~~تعالى للسفلة { لكل ضعف } أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، وأنا ~~متساوون في استحقاق الضعف { فذوقوا العذاب } من قول القادة، أو ~~من قول الله لهم جميعا. ### || [7.40-41] # { لا تفتح لهم أبوب السماء } لا يصعد لهم عمل صالح # إليه يصعد الكلم الطيب # فاطر 10، # كلا إن كتب الابرار لفى عليين # المطففين 18 وقيل إن الجنة في السماء، فالمعنى لا يؤذن لهم في صعود ~~السماء ولا يطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة. وقيل لا تصعد أرواحهم إذا ~~ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين. وقيل لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون، ~~ففتحنا أبواب السماء. ms0623 وقرىء «لا تفتح»، بالتشديد. «ولا يفتح» بالياء. ~~«ولا تفتح» بالتاء والبناء للفاعل ونصب الأبواب على أن الفعل للآيات. ~~وبالياء على أن الفعل لله عز وجل. وقرأ ابن عباس «الجمل»، بوزن القمل. ~~وسعيد بن جبير «الجمل» بوزن النغر. وقرىء «الجمل» بوزن القفل. «والجمل» ~~بوزن النصب. «والجمل». بوزن الحبل. ومعناها القلس الغليظ لأنه حبال جمعت ~~وجعلت جملة واحدة، وعن ابن عباس رضي الله عنه إن الله أحسن تشبيها من ~~أن يشبه بالجمل، يعني أن الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الإبرة، ~~والبعير لا يناسبه إلا أن قراءة العامة أوقع لأن سم الإبرة مثل في ضيق ~~المسلك. يقال أضيق من خرت الإبرة. وقالوا للدليل الماهر خريت، ~~للاهتداء به في المضايق المشبهة بأخرات الإبر. والجمل مثل في عظم الجرم. ~~قال # جسم الجمال وأحلام العصافير # إن الرجال ليسوا بجزر تراد منهم الأجسام، فقيل لا يدخلون الجنة، حتى ~~يكون ما لا يكون أبدا من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلا في باب ~~واسع، في ثقب الإبرة، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل، فقال زوج الناقة، ~~استجهالا للسائل، وإشارة إلى أن طلب معنى آخر تكلف. وقرىء «في سم» ~~بالحركات الثلاث وقرأ عبد الله «في سم المهيط» والخياط والمخيط كالحزام ~~والمحزم ما يخاط به وهو الإبرة { وكذلك } ومثل ذلك الجزاء الفظيع { ~~نجزى المجرمين } ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، ~~وأن كل من أجرم عوقب، وقد كرره فقال { وكذلك نجزى ~~الظلمين } لأن كل مجرم ظالم لنفسه { مهاد } فراش { غواش } ~~أغطية. وقرىء «غواش» بالرفع، كقوله تعالى # وله الجوار المنشآت # الرحمن 24 في قراءة عبد الله. ### || [7.42] # { لا نكلف نفسا إلا وسعها } جملة معترضة بين المبتدإ ~~والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد مع ~~التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان ~~والعمل والصالح. وقرأ الأعمش «لا تكلف نفس». ### || [7.43] # من كان في قلبه غل على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت ولم ~~يكن بينهم ms0624 إلا التواد والتعاطف. وعن علي رضي الله عنه إني لأرجو أن ~~أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم { هدانا لهذا } أي وفقنا ~~لموجب هذا الفوز العظيم وهو الإيمان والعمل الصالح { وما كنا ~~لنهتدى } اللام لتوكيد النفي ويعنون وما كان يستقيم أن نكون مهتدين ~~لولا هداية الله وتوفيقه. وفي مصاحف أهل الشام ما كنا لنهتدي بغير واو، ~~على أنها جملة موضحة للأولى { لقد جاءت رسل ربنا بالحق } ~~فكان لنا لطفا وتنبيها على الاهتداء فاهتدينا يقولون ذلك سرورا ~~واغتباطا بما نالوا، وتلذذا بالتكلم به لا تقربا وتعبدا، كما نرى من ~~رزق خيرا في الدنيا يتكلم بنحو ذلك ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا ~~للقربة { ونودوا أن تلكم الجنة } أن مخففة من الثقيلة ~~تقديره ونودوا بأنه تلكم الجنة { أورثتموها } والضمير ضمير الشأن ~~والحديث أو تكون بمعنى أي لأن المناداة من القول، كأنه قيل وقيل لهم أي ~~تلكم الجنة أورثتموها. { بما كنتم تعملون } بسبب أعمالكم لا ~~بالتفضل، كما تقول المبطلة. ### || [7.44-45] # «أن» في { أن قد وجدنا } يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وأن ~~تكون مفسرة كالتي سبقت آنفا، وكذلك { أن لعنة الله على ~~الظلمين } وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطا بحالهم، وشماتة بأصحاب ~~النار، وزيادة في غمهم، لتكون حكايته لطفا لمن سمعها، وكذلك قول المؤذن ~~بينهم لعنة الله على الظالمين. وهو ملك يأمره الله فينادي بينهم نداء ~~يسمع أهل الجنة وأهل النار. وقرىء «أن لعنة الله» بالتشديد والنصب. وقرأ ~~الأعمش «إن لعنة الله» بكسر إن على إرادة القول، أو على إجراء { أذن } ~~مجرى قال. فإن قلت هلا قيل ما وعدكم ربكم، كما قيل ما وعدنا ربنا؟ قلت ~~حذف ذلك تخفيفا لدلالة وعدنا عليه. ولقائل أن يقول أطلق ليتناول كل ما ~~وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة لأنهم ~~كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم وما نعيم أهل الجنة ~~إلا عذاب لهم فأطلق لذلك. ### || [7.46] # { وبينهما حجاب } يعني بين الجنة والنار. أو بين الفريقين، وهو ~~السور المذكور في قوله تعالى ms0625 # فضرب بينهم بسور # الحديد 13 { وعلى الأعراف } وعلى أعراف الحجاب وهو السور المضروب ~~بين الجنة والنار وهي أعاليه، جمع عرف استعير من عرف الفرس وعرف الديك { ~~رجال } من المسلمين من آخرهم دخولا في الجنة لقصور أعمالهم، كأنهم ~~المرجون لأمر الله، يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في ~~دخول الجنة { يعرفون كلا } من زمر السعداء والأشقياء { ~~بسيمهم } بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها، يلهمهم الله ذلك ~~أو تعرفهم الملائكة. ### || [7.47-49] # إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم بالتسليم عليهم { وإذا صرفت ~~أبصرهم تلقاء أصحب النار } ورأوا ما هم فيه من ~~العذاب استعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم. ونادوا ~~رجالا من رؤوس الكفرة يقولون لهم { أهؤلاء الذين أقسمتم ~~لا ينالهم الله برحمة } إشارة لهم إلى أهل الجنة، الذين ~~كان الرؤساء يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا، ~~وكانوا يقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة { ادخلوا الجنة } يقال ~~لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى ~~الفريقين ويعرفونهم بسيماهم ويقولوا ما يقولون. وفائدة ذلك بيان أن ~~الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وأن أحدا لا ~~يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، ~~وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا أن ~~كل أحد يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير ~~والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه. وليعلم أن ~~العصاة يوبخهم كل أحد حتى أقصر الناس عملا. قوله { وإذا صرفت ~~أبصرهم } فيه أن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا ~~وقرأ الأعمش «وإذا قلبت أبصارهم» وقرىء «ادخلوا الجنة» على البناء ~~للمفعول. وقرأ عكرمة «دخلوا الجنة»، فإن قلت كيف لاءم هاتين القراءتين ~~قوله { لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون }؟ قلت تأويله ~~ادخلوا، أو دخلوا الجنة مقولا لهم لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. فإن ~~قلت ما محل قوله لم يدخلوها وهم يطمعون؟ قلت لا محل له لأنه ms0626 استئناف كأن ~~سائلا سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني حالهم ~~أن دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين ~~وهم يطمعون لم ييأسوا. ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لرجال { ما ~~أغنى عنكم جمعكم } المال أو كثرتكم واجتماعكم { وما ~~كنتم تستكبرون } واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرىء ~~«تستكثرون» من الكثرة. ### || [7.50-51] # { أفيضوا علينا } فيه دليل على أن الجنة فوق النار { أو ~~مما رزقكم الله } من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإفاضة، ~~ويجوز أن يراد أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة. كقوله # علفتها تبنا وماء باردا # وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرة في أمرهم، كما يفعل ~~المضطر الممتحن. { حرمهما على الكفرين } منعهم شراب الجنة ~~وطعامها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه ويحظر، كقوله # حرام على عيني أن تطعم الكرى # { فاليوم ننسهم } نفعل بهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم ~~من الخير لا يذكرونهم به { كما نسوا لقاء يومهم هذا } ~~كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به. ### || [7.52-53] # { فصلنه على علم } عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه ~~وسائر معانيه، حتى جاء حكيما قيما غير ذي عوج قرأ ابن محيصن فضلتاه ~~بالضاد المعجمة بمعنى فضلناه على جميع الكتب، عالمين أنه أهل للتفضيل ~~عليها، و { هدى ورحمة } حال من منصوب فصلناه، كما أن على علم حال ~~من مرفوعه { إلا تأويله } إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين ~~صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد { قد جاءت رسل ربنا ~~بالحق } أي تبين وصح أنهم جاؤوا بالحق { نرد } جملة معطوفة على ~~الجملة قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل هل لنا من شفعاء؟ ~~أو هل نرد؟ ورافعه وقوعه موقعا يصلح للاسم، كما تقول ابتداء هل يضرب ~~زيد؟ ولا يطلب له فعل آخر يعطف عليه. فلا يقدر هل يشفع لنا شافع أو ~~نرد؟ وقرأ ابن أبي إسحاق «أو نرد» بالنصب عطفا على «فيشفعوا ms0627 لنا» أو ~~تكون «أو» بمعنى «حتى أن» أي يشفعوا لنا حتى نرد فنعمل وقرأ الحسن بنصب ~~«نرد» ورفع { فنعمل } بمعنى فنحن نعمل. ### || [7.54] # { يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا } وقرىء «يغشى» ~~بالتشديد، أي يلحق الليل النهار، أو النهار بالليل يحتملهما جميعا. ~~والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس يغشى الليل النهار، بفتح الياء ~~ونصب الليل ورفع النهار، أي يدرك النهار الليل ويطلبه حثيثا، حسن ~~الملاءمة لقراءة حميد { بأمره } بمشيئته وتصريفه، وهو متعلق ~~بمسخرات، أي خلقهن جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره، وكما يريد أن يصرفها سمي ~~ذلك أمرا على التشبيه، كأنهن مأمورات بذلك. وقرىء «والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات»، بالرفع. لما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال { ألا ~~له الخلق والامر } أي هو الذي خلق الأشياء كلها، وهو الذي ~~صرفها على حسب إرادته. ### || [7.55-58] # { تضرعا وخفية } نصب على الحال، أي ذوي تضرع وخفية. وكذلك ~~خوفا وطمعا. والتضرع تفعل من الضراعة وهو الذل، أي تذللا وتملقا. ~~وقرىء «وخفية» وعن الحسن رضي الله عنه إن الله يعلم القلب التقي ~~والدعاء الخفي، إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان ~~الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي ~~الصلاة الطويلة وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان ~~على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا. ~~ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا ~~همسا بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول { ادعوا ربكم ~~تضرعا وخفية } وقد أثنى على زكريا فقال # إذ نادى ربه نداء خفيا # مريم 3 وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا. { إنه لا ~~يحب المعتدين } أي المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من الدعاء ~~وغيره. وعن ابن جريج هو رفع الصوت بالدعاء. وعنه الصياح في الدعاء مكروه ~~وبدعة. وقيل هو الإسهاب في الدعاء. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 391 # " سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول اللهم ms0628 إني أسألك ~~الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من ~~قول وعمل " # ثم قرأ قوله تعالى { إنه لا يحب المعتدين }. { إن ~~رحمتالله قريب من المحسنين } كقوله # وإنى لغفار لمن تاب وامن وعمل صلحا # طه 82. وإنما ذكر { قريب } على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو ~~لأنه صفة موصوف محذوف، أي شيء قريب. أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى ~~مفعول كما شبه ذاك به، فقيل قتلاء وأسراء، أو على أنه بزنة المصدر، الذي ~~هو النقيض والضغيب. أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، قرىء «نشرا وهو ~~مصدر نشر. وانتصابه إما لأن أرسل ونشر متقاربان، فكأنه قيل نشرها نشرا ~~وإما على الحال بمعنى منتشرات. ونشرا جمع نشور. ونشرا تخفيف نشر، كرسل ~~ورسل. وقرأ مسروق «نشرا»، بمعنى منشورات، فعل بمعنى مفعول، كنقض وحسب. ~~ومنه قولهم «ضم نشره» وبشرا جمع بشير. وبشرا بتخفيفه. وبشرا - بفتح ~~الباء - مصدر من بشره بمعنى بشره، أي باشرات، وبشرى { بين يدى ~~رحمته } أمام رحمته، وهي الغيث الذي هو من أتم النعم وأجلها ~~وأحسنها أثرا { أقلت } حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأن ~~الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلا { سحابا ثقالا } سحائب ثقالا ~~بالماء جمع سحابة { سقنه } الضمير للسحاب على اللفظ، ولو حمل على ~~المعنى كالثقال لأنث، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلا { لبلد ~~ميت } لأجل بلد ليس فيه حيا ولسقيه. # وقرىء «ميت» { فأنزلنا به } بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق. ~~وكذلك { فأخرجنا به... كذلك } مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات { ~~نخرج الموتى لعلكم تذكرون } فيؤديكم التذكر إلى أنه ~~لا فرق بين الإخراجين. إذ كل واحد منهما إعادة للشيء بعد إنشائه { ~~والبلد الطيب } الأرض العذاة الكريمة التربة { والذى خبث ~~} الأرض السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به { بإذن ربه } بتيسيره ~~وهو في موضع الحال، كأنه قيل يخرج نباته حسنا وافيا لأنه واقع في ~~مقابلة { نكدا } والنكد الذي لا خير فيه. وقرىء «يخرج نباته» أن يخرجه ~~البلد وينبته وقوله { والذى خبث } صفة للبلد ومعناه ms0629 والبلد الخبيث ~~لا يخرج نباته إلا نكدا، فحذف المضاف الذي هو النبات، وأقيم المضاف إليه ~~الذي هو الراجع إلى البلد مقامه إلا أنه كان مجرورا بارزا، فانقلب ~~مرفوعا مستكنا لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدر ونبات الذي خبث. وقرىء ~~«نكدا» بفتح الكاف على المصدر. أي ذا نكد. ونكدا، بإسكانها للتخفيف، ~~كقوله نزه عن الريب، بمعنى نزه. وهذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من ~~المكلفين، ولمن لا يؤثر شيء من ذلك. وعن مجاهد آدم وذريته منهم خبيث ~~وطيب. وعن قتادة المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به، كالأرض ~~الطيبة أصابها الغيث فأنبتت. والكافر بخلاف ذلك. وهذا التمثيل واقع على ~~أثر ذكر المطر، وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق ~~الاستطراد { كذلك } مثل ذلك التصريف { نصرف الأيت } ~~نرددها ونكررها { لقوم يشكرون } نعمة الله وهم المؤمنون، ~~ليفكروا فيها ويعتبروا بها. وقرىء «يصرف» بالياء أي يصرفها الله. ### || [7.59] # { لقد أرسلنا نوحا } جواب قسم محذوف. فإن قلت ما لهم لا ~~يكادون ينطقون بهذه اللام، إلا مع «قد» وقل عنهم، نحو قوله # حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا............ # قلت إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة ~~المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى ~~«قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم. قيل أرسل نوحا عليه السلام وهو ابن ~~خمسين سنة، وكان نجارا وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم ~~إدريس النبي عليه السلام. وقرىء «غيره» بالحركات الثلاث، فالرفع على ~~المحل، كأنه قيل ما لكم إله غيره. والجر على اللفظ والنصب على ~~الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه، كقولك ما في الدار من أحد ~~إلا زيد أو غير زيد. فإن قلت فما موقع الجملتين بعد قوله { اعبدوا ~~الله }؟ قلت الأولى بيان لوجه اختصاصه بالعبادة. والثانية بيان للداعي ~~إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله ~~واليوم العظيم يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان. ### || [7.60-62] # { الملأ ms0630 } الأشراف والسادة وقيل الرجال ليس معهم النساء { فى ~~ضلل } في ذهاب عن طريق الصواب والحق. ومعنى الرؤية رؤية القلب. فإن ~~قلت لم قال { ليس بى ضللة } ولم يقل ضلال كما قالوا؟ قلت ~~الضلالة أخص من الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال ليس ~~بي شيء من الضلال، كما لو قيل لك ألك تمر، فقلت ما لي تمرة فإن قلت كيف ~~وقع قوله { ولكني رسول } استدراكا للانتفاء عن الضلالة؟ قلت كونه ~~رسولا من الله مبلغا رسالاته ناصحا، في معنى كونه على الصراط ~~المستقيم، فصح لذلك أن يكون استدراكا للانتفاء عن الضلالة. وقرىء ~~«أبلغكم» بالتخفيف. فإن قلت كيف موقع قوله { أبلغكم }؟ قلت فيه ~~وجهان. أحدهما أن يكون كلاما مستأنفا بيانا لكونه رسول رب العالمين. ~~والثاني أن يكون صفة لرسول. فإن قلت كيف جاز أن يكون صفة والرسول لفظه ~~لفظ الغائب؟ قلت جاز ذلك لأن الرسول وقع خبرا عن ضمير المخاطب وكان ~~معناه، كما قال # أنا الذي سمتني أمي حيدره # { رسلت ربى } ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة، أو في ~~المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر ~~والنذائر. ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده ~~إدريس، وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة { وأنصح ~~لكم } يقال نصحته ونصحت له. وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض ~~النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصودا بها جانبه لا غير، فرب ~~نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا ولا نصحية أمحض من نصيحة ~~الله تعالى ورسله عليهم السلام { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } أي من صفات الله وأحواله، يعني قدرته الباهرة وشدة بطشه ~~على أعدائه، وأن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين. وقيل لم يسمعوا بقوم ~~حل بهم العذاب قبلهم فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوح بوحي الله ~~إليه، أو أراد وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحى إلي بها. ### || [7.63] # { أو عجبتم } الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه ~~محذوف، ms0631 كأنه قيل أكذبتم وعجبتم { أن جاءكم } من أن جاءكم { ذكر } ~~موعظة { من ربكم على رجل منكم } على لسان رجل منكم، ~~كقوله # ما وعدتنا على رسلك # آل عمران 194 وذلك أنهم يتعجبون من نبوة نوح عليه السلام ويقولون ما ~~سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، يعنون إرسال البشر، ولو شاء ربنا لأنزل ~~ملائكة { لينذركم ولتتقوا } ليحذركم عاقبة الكفر وليوجد ~~منكم التقوى وهي الخشية بسبب الإنذار { ولعلكم ترحمون } ~~ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم. ### || [7.64] # { والذين معه } قيل كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة. وقيل ~~تسعة، بنوه سام وحام ويافث، وستة ممن آمن به. فإن قلت { فى الفلك } ~~بم يتعلق؟ قلت هو متعلق بمعه، كأنه قيل والذين استقروا معه في الفلك أو ~~صحبوه في الفلك. ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء، أي أنجيناهم في السفينة من ~~الطوفان { عمين } عمى القلوب غير مستبصرين. وقرىء «عامين». والفرق بين ~~العمى والعامي أن العمى يدل على عمى ثابت، والعامي على حادث. ونحوه ~~قوله # وضائق به صدرك # هود 12. ### || [7.65-69] # { أخهم } واحدا منهم من قولك يا أخا العرب للواحد منهم. وإنما ~~جعل واحدا منهم، لأنهم أفهم عن رجل منهم وأعرف بحاله في صدقه وأمانته، ~~وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وأخاهم عطف على نوحا. و { ~~هودا } عطف بيان له. فإن قلت لم حذف العاطف من قوله { قال يقوم ~~} ولم يقل «فقال» كما في قصة نوح؟ قلت هو على تقدير سؤال سائل قال فما ~~قال لهم هود؟ فقيل قال يا قوم اعبدوا الله، وكذلك { قال الملا }. ~~فإن قلت لم وصف الملأ ب { الذين كفروا } دون الملأ من قوم نوح؟ ~~قلت كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان ~~يكتم إسلامه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن. ونحوه ~~قوله تعالى # وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقاء الآخرة # المؤمنون 33 ويجوز أن يكون وصفا واردا للذم لا غير { في سفاهة } ~~في خفة حلم وسخافة عقل، حيث تهجر دين ms0632 قومك إلى دين آخر، وجعلت السفاهة ~~ظرفا على طريق المجاز أرادوا أنه متمكن فيها غير منفك عنها. وفي إجابة ~~الأنبياء عليهم السلام - من نسبهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به ~~من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع ~~علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم - أدب حسن وخلق عظيم، وحكاية الله ~~عز وجل ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون ~~أذيالهم على ما يكون منهم { ناصح أمين } أي عرفت فيما بينكم بالنصح ~~والأمانة فما حقي أن أتهم. أو أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ~~ما أقول لكم لا أكذب فيه { خلفاء من بعد قوم نوح } أي ~~خلفتموهم في الأرض، أو جعلكم ملوكا في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم { ~~فى الخلق بسطة } فيما خلق من أجرامكم ذهابا في الطول والبدانة. ~~قيل كان أقصرهم ستين ذراعا، وأطولهم مائة ذراع { فاذكروا ءالآء ~~الله } في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه. وواحد ~~الآلاء «إلى» نحو إني وإناء، وضلع وأضلاع، وعنب وأعناب. فإن قلت «إذ» في ~~قوله { إذ جعلكم خلفاء } ما وجه انتصابه؟ قلت هو مفعول به وليس ~~بظرف، أي اذكروا وقت استخلافكم. ### || [7.70-72] # { أجئتنا لنعبد الله وحده } أنكروا واستبعدوا اختصاص ~~الله وحده بالعبادة، وترك دين الآباء. في اتخاذ الأصنام شركاء معه، حبا ~~لما نشأوا عليه، وألفا لما صادفوا آباءهم يتدينون به. فإن قلت ما معنى ~~المجىء في قوله { أجئتنا } قلت فيه أوجه أن يكون لهود عليه السلام ~~مكان معتزل عن قومه يتحنث فيه، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بحراء قبل المبعث فلما أوحى إليه جاء قومه يدعوهم. وأن يريدوا به ~~الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أن الله تعالى لا يرسل إلا الملائكة، ~~فكأنهم قالوا أجئتنا من السماء كما يجيء الملك، وأن لا يريدوا حقيقة ~~المجيء، ولكن التعرض بذلك والقصد، كما يقال ذهب يشمتني، ولا يراد حقيقة ~~الذهاب، كأنهم قالوا أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرضت لنا بتكليف ذلك؟ { ~~فأتنا بما تعدنا } استعجال منهم ms0633 للعذاب { قد وقع ~~عليكم } أي حق عليكم ووجب، أو قد نزل عليكم. جعل المتوقع الذي لا بد ~~من نزوله بمنزلة الواقع. ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب قد كان ~~ذلك. وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل، فجاء يبكي. فقال ~~له يا بني مالك؟ قال لسعني طوير كأنه ملتف في بردى حبرة، فضمه إلى صدره ~~وقال له يا بني، قد قلت الشعر. والرجس العذاب من الارتجاس وهو الاضطراب { ~~فى أسماء سميتموها } في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها ~~مسميات، لأنكم تسمونها آلهة. ومعنى الإلهية فيها معدوم محال وجوده. وهذا ~~كقوله تعالى { ما تدعون من دونه من شىء } ومعنى { ~~سميتموها } سميتم بها من سميته زيدا. وقطع دابرهم استئصالهم ~~وتدميرهم عن آخرهم. وقصتهم أن «عادا» قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان ~~وحضرموت. وكانت لهم أصنام يعبدونها. صداء. وصمود، والهباء، فبعث الله ~~إليهم هودا نبيا، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسبا، فكذبوه وازدادوا ~~عتوا وتجبرا، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا، وكان الناس ~~إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرم ~~مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن ~~نوح، وسيدهم معاوية ابن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلا، ~~منهم قيل بن عنز، ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه. فلما قدموا نزلوا ~~على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا عن الحرم، فأنزلهم وأكرمهم ~~وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم ~~الجرادتان. - قينتان كانتا لمعاوية - فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو ~~عما قدموا له أهمه ذلك، وقال قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم ~~عليه، وكان يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك ~~للقينتين. # فقالتا قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله. فقال معاوية # ألا يا قيل ويحك قم فهينم لعل الله ~~يسقينا غماما فيسقي أرض عاد إن عادا قد امسوا ~~ما ms0634 يبينون الكلاما # فلما غنتا به قالوا إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم ~~عليهم، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال لهم مرثد بن سعد والله لا ~~تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم وأظهر إسلامه، ~~فقالوا لمعاوية احبس عنا مرثدا لا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين ~~هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل اللهم اسق عادا ما كنت تسقيهم، ~~فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من ~~السماء. ياقيل، اختر لنفسك ولقومك، فقال اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء ~~فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث، فاستبشروا بها وقالوا هذا ~~عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم، ونجا هود والمؤمنون معه، ~~فأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. فإن قلت ما فائدة نفي الإيمان ~~عنهم في قوله { وما كانوا مؤمنين } مع إثبات التكذيب بآيات ~~الله؟ قلت هو تعريض بمن آمن منهم كمرثد ابن سعد، ومن نجا مع هود عليه ~~السلام، كأنه قال وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ولم يكونوا مثل من آمن ~~منهم، ليؤذن أن الهلاك خص المكذبين، ونجى الله المؤمنين. ### || [7.73-74] # قرىء { وإلى ثمود } بمنع الصرف بتأويل القبيلة، وإلى ثمود بالصرف ~~بتأويل الحي أو باعتبار الأصل لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر ~~بن إرم بن سام بن نوح. وقيل سميت ثمود لقلة مائها، من الثمد وهو الماء ~~القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الشام والحجاز إلى وادي القرى { قد ~~جاءتكم بينة } آية ظاهرة وشاهد على صحة نبوتي. وكأنه قيل ما هذه ~~البينة؟ فقال { هذه ناقة الله لكم ءاية } وآية نصب على ~~الحال، والعامل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، كأنه قيل ~~أشير إليها آية. ولكم بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ~~ثمود لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها وليس الخبر كالمعاينة، كأنه ~~قال لكم خصوصا، وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيما لها وتفخيما لشأنها، ~~وأنها جاءت من عنده ms0635 مكونة من غير فحل وطروقة آية من آياته، كما تقول آية ~~الله. وروى أن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها وخلفوهم في الأرض وكثروا ~~وعمروا أعمارا طوالا، حتى أن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في ~~حياته، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعة ورخاء من العيش، فعتوا ~~على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحا ~~عليه السلام، وكانوا قوما عربا وصالح من أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله ~~تعالى فلم يتبعه إلا قليل منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آية، ~~فقال أية آية تريدون؟ قالوا تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من ~~السنة، فتدعوا إلهك، وندعوا آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب ~~لنا اتبعتنا، فقال صالح نعم، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة ~~فلم تجبهم، ثم قال سيدهم - جندع ابن عمرو، وأشار إلى صخرة منفردة في ~~ناحية الجبل يقال لها الكاثبة - أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة ~~جوفاء وبراء - والمخترجة التي شاكلت البخت - فإن فعلت صدقناك وأجبناك. ~~فأخذ صالح عليه السلام عليهم المواثيق لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن، ~~قالوا نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ~~ناقة عشراء جوفاء وبراء. كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله ~~تعالى، وعظماؤهم ينظرون، ثم نتجت ولدا مثلها في العظم فآمن به جندع ورهط ~~من قومه، ومنع أعقابهم ناس من رؤوسهم أن يؤمنوا، فمكثت الناقة مع ولدها ~~ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في ~~البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها، ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤا حتى ~~تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون. قال أبو موسى الأشعري أتيت أرض ثمود ~~فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعا. # وكانت الناقة إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط ~~إلى بطنه وإذا وقع البرد تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ~~ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان عنيزة أم غنم، وصدقة بنت المختار - ~~لما أضرت به ms0636 من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي - فعقروها واقتسموا لحمها ~~وطبخوه، فانطلق سقبها حتى رقي جبلا اسمه قارة فرغى ثلاثا وكان صالح قال ~~لهم أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه وانفجت ~~الصخرة بعد رغائه فدخلها. فقال لهم صالح تصبحون غدا ووجوهكم ~~مصفرة،وبعد ذلك غد ووجوهكم محمرة، واليوم الثالث ووجوهكم مسودة، ثم ~~يصحبكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه. فأنجاه الله إلى أرض ~~فلسطين. ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا ~~بالأنطاع، فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا { تأكل فى ~~أرض الله } أي الأرض أرض الله والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في ~~أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من أنباتكم { ولا ~~تمسوها بسوء } لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشيء من الأذى ~~إكراما لآية الله. ويروى 392 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر ~~بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه # " «لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائها، ولا تدخلوا على ~~هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم» " # وقال صلى الله عليه وسلم 393 # " يا علي، أتدري من أشقى الأولين»؟ قال الله ورسوله أعلم. قال «عاقر ~~ناقة صالح، أتدري من أشقى الآخرين»؟ قال الله ورسوله أعلم. قال «قاتلك» " # وقرأ أبو جعفر في رواية «تأكل في أرض الله» وهو في موضع الحال بمعنى ~~آكلة { وبوأكم } وترلكم. والمباءة المنزل { فى الارض } في أرض ~~الحجر بين الحجاز والشام { من سهولها قصورا } أي تبنونها من ~~سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر. وقرأ الحسن ~~«وتنحتون» بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة، كقوله # ينباع من ذفرى أسيل حرة # فإن قلت علام انتصب { بيوتا }؟ قلت على الحال، كما تقول خط هذا ~~الثوب قميصا وابر هذه القصبة قلما، وهي من الحال المقدرة، لأن الجبل ~~لا يكون بيتا في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصا وقلما في حال ~~الخياطة والبري. وقيل كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء. ### || [7.75-79] ms0637 # { للذين استضعفوا } للذين استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم، ~~و { لمن ءامن منهم } بدل من الذين استضعفوا. فإن قلت الضمير في ~~منهم راجع إلى ماذا؟ قلت إلى { قومه } أو إلى { الذين ~~استضعفوا }. فإن قلت هل لاختلاف المرجعين أثر في اختلاف المعنى؟ ~~قلت نعم وذلك أن الراجع إذا رجع إلى قومه فقد جعل { من ءامن } مفسرا ~~لمن استضعف منهم، فدل أن استضعافهم كان مقصورا على المؤمنين، وإذا رجع ~~إلى الذين استضعفوا لم يكن الاستضعاف مقصورا عليهم، ودل أن المستضعفين ~~كانوا مؤمنين وكافرين { أتعلمون أن صلحا مرسل من ~~ربه } شيء قالوه على سبيل الطنز والسخرية، كما تقول للمجسمة أتعلمون ~~أن الله فوق العرش. فإن قلت كيف صح قولهم { إنا بما أرسل به ~~مؤمنون } جوابا عنه؟ قلت سألوهم عن العلم بإرساله، فجعلوا إرساله ~~أمرا معلوما مكشوفا مسلما لا يدخله ريب، كأنهم قالوا العلم بإرساله ~~وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته، وإنما ~~الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنا به مؤمنون، ولذلك كان جواب ~~الكفرة { إنا بالذى ءامنتم به كفرون } فوضعوا { ~~ءامنتم به } موضع { أرسل به } ردا لما جعله المؤمنون معلوما ~~وأخذوه مسلما { فعقروا الناقة } أسند العقر إلى جميعهم لأنه ~~كان برضاهم وإن لم يباشره إلا بعضهم، وقد يقال للقبيلة الضخمة أنتم ~~فعلتم كذا، وما فعله إلا واحدا منهم { وعتوا عن أمر ربهم ~~} وتولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين، وأمر ربهم ما أمر به على لسان ~~صالح عليه السلام من قوله # فذروها تأكل فى أرض الله # الأعراف 73 أو شأن ربهم وهو دينه. ويجوز أن يكون المعنى وصدر عتوهم عن ~~أمر ربهم، كأن أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوهم. ونحو عن هذه ما ~~في قوله # وما فعلته عن أمرى # الكهف 82، { ائتنا بما تعدنا } أرادوا من العذاب. وإنما جاز ~~الإطلاق لأنه كان معلوما. واستعجالهم له لتكذيبهم به، ولذلك علقوه بما ~~هم به كافرون، وهو كونه من المرسلين { الرجفة } الصيحة التي زلزلت ~~لها الأرض واضطربوا لها { في دارهم } في بلادهم ms0638 أو في مساكنهم { ~~جثمين } هامدين لا يتحركون موتى. يقال الناس جثم، أي قعود لا حراك ~~بهم ولا ينبسون نبسة. ومنه المجثمة التي جاء النهي عنها، وهي البهيمة ~~تربط وتجمع قوائمها لترمى. وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~مر بالحجر قال 394 # " لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم ~~إلا رجل واحد كان في حرم الله. قالوا من هو؟ قال ذاك أبو رغال، فلما خرج ~~من الحرم أصابه ما أصاب قومه " # ، وروى أن صالحا كان بعثه إلى قوم فخالف أمره. وروى أنه عليه السلام ~~مر بقبر أبي رغال فقال 395 # " «أتدرون من هذا»؟ قالوا الله ورسوله أعلم. فذكر قصة أبي رغال، وأنه ~~دفن ههنا ودفن معه غصن من ذهب، فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا ~~الغصن. " # { فتولى عنهم } الظاهر أنه كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه ~~تولى عنهم بعدما أبصرهم جاثمين، تولى مغتم متحسر على ما فاته من إيمانهم ~~يتحزن لهم ويقول يا قوم لقد بذلت فيكم وسعي ولم آل جهدا في إبلاغكم ~~والنصيحة لكم ولكنكم { لا تحبون النصحين } ويجوز أن يتولى ~~عنهم تولي ذاهب عنهم، منكر لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب. ~~وروى أن عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت. ~~وروى أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فالتفت فرأى الدخان ~~ساطعا فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفا وخمسمائة دار. وروي أنه رجع بمن ~~معه فسكنوا ديارهم. فإن قلت كيف صح خطاب الموتى وقوله { ولكن لا ~~تحبون النصحين }؟ قلت قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد ~~نصحه حيا فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة يا أخي، كم نصحتك وكم ~~قلت لك فلم تقبل مني؟ وقوله { ولكن لا تحبون النصحين } ~~حكاية حال ماضية. ### || [7.80-84] # { ولوطا } وأرسلنا لوطا. و { إذ } ظرف لأرسلنا. واذكر لوطا، وإذ ~~بدل منه، بمعنى واذكر وقت { قال لقومه أتأتون الفحشة ~~} أتفعلون السيئة المتمادية في القبح { ما سبقكم بها } ما عملها ~~قبلكم، ms0639 والباء للتعدية من قولك سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله. ومنه قوله ~~عليه الصلاة و السلام 396 # " سبقك بها عكاشة " # { من أحد من العلمين } «من» الأولى زائدة لتوكيد النفي ~~وإفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض. فإن قلت ما موقع هذه الجملة؟ ~~قلت هي جملة مستأنفة، أنكر عليهم أولا بقوله { أتأتون ~~الفحشة } ثم وبخهم عليها فقال أنتم أول من عملها. أو على أنه ~~جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا لما لانأتيها؟ فقال ما سبقكم بها أحد، فلا ~~تفعلوا ما لم تسبقوا به { إنكم لتأتون الرجال } بيان لقوله ~~أتأتون الفاحشة. والهمزة مثلها في { أتأتون } للإنكار والتعظيم. ~~وقرىء «إنكم» على الإخبار المستأنف لتأتون الرجال، من أتى المرأة إذا ~~غشيها { شهوة } مفعول له، أي للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد ~~الشهوة من غير داع آخر، ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، و أنه ~~لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه أو حال بمعنى مشتهين ~~تابعين للشهوة غير ملتفتين إلى السماجة { بل أنتم قوم ~~مسرفون } أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ~~ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وهو أنهم قوم عادتهم الإسراف ~~وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم أسرفوا في بعض قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا ~~المعتاد إلى غير المعتاد. ونحوه # بل أنتم قوم عادون # الشعراء 166. { وما كان جواب قومه إلا أن قالوا } يعني ~~ما أجابوه بما يكون جوابا عما كلمهم به لوط عليه السلام، من إنكار ~~الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله، ~~لكنهم جاؤا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته، من الأمر بإخراجه ومن معه ~~من المؤمنين من قريتهم، ضجرا بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم. وقولهم ~~{ إنهم أناس يتطهرون } سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش، ~~وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض ~~الصلحاء إذا وعظهم أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذاالمتزهد { ~~وأهله } ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين { من الغبرين ~~} من الذين غبروا في ديارهم، ms0640 أي بقوا فهلكوا. والتذكير لتغليب الذكور على ~~الإناث. وكانت كافرة موالية لأهل سدوم. وروي أنها التفتت فأصابها حجر ~~فماتت. وقيل كانت المؤتفكة خمس مدائن. وقيل كانوا أربعة آلاف بين الشام ~~والمدينة، فأمطر الله عليهم الكبريت والنار. وقيل خسف بالمقيمين منهم، ~~وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم. # وقيل أمطر عليهم ثم خسف بهم. وروي أن تاجرا منهم كان في الحرم فوقف له ~~الحجر أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه. فإن قلت أي ~~فرق بين مطر وأمطر؟ قلت يقال مطرتهم السماء وواد ممطور. وفي نوابغ الكلم ~~حرى غير ممطور. وحرى أن يكون غير ممطور ومعنى مطرتهم أصابتهم المطر، ~~كقولهم غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم. ويقال أمطرت عليهم كذا، بمعنى ~~أرسلته عليهم إرسال المطر # فأمطر علينا حجارة من السماء # الأنفال 32، # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # هود 82. ومعنى { وأمطرنا عليهم مطرا } وأرسلنا عليهم ~~نوعا من المطر عجيبا يعني الحجارة. ألا ترى إلى قوله # فساء مطر المنذرين # الأعراف 84. ### || [7.85-87] # كان يقال لشعيب عليه السلام خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكانوا أهل ~~بخس للمكاييل والموازين { قد جاءتكم بينة من ربكم } معجزة ~~شاهدة بصحة نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء ~~عما أنهاكم عنه، فأوفوا ولا تبخسوا. فإن قلت ما كانت معجزته؟ قلت قد وقع ~~العلم بأنه كانت له معجزة، لقوله { قد جاءتكم بينة من ~~ربكم } ولأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا ~~لم تصح دعواه، وكان متنبئا لا نبيا غير أن معجزته لم تذكر في القرآن ~~كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم فيه. ومن معجزات شعيب ~~عليه السلام ما روي من محاربة عصى موسى عليه السلام التنين حين دفع إليه ~~غنمه. وولادة الغنم الدرع خاصة حين وعده أن تكون له الدرع من أولادها، ~~ووقوع عصى آدم عليه السلام على يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات ~~لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى عليه السلام، فكانت معجزات لشعيب. ~~فإن قلت كيف ms0641 قيل { الكيل والميزان } وهلا قيل المكيال والميزان، ~~كما في سورة هود عليه السلام؟ قلت أريد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو ~~سمي ما يكال به الكيل، كما قيل العيش، لما يعاش به. أو أريد فأوفوا الكيل ~~ووزن الميزان. ويجوز أن يكون الميزان كالميعاد والميلاد بمعنى المصدر، ~~ويقال بخسته حقه إذا نقصته إياه. ومنه، قيل للمكس البخس، وفي أمثالهم ~~تحسبها حمقاء وهي باخس. وقيل { أشياءهم } لأنهم كانوا يبخسون الناس ~~كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه كما ~~يفعل أمراء الحرمين. وروى أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه ~~الجياد وقالوا هي زيوف فقطعوها قطاعا، ثم أخذوها بنقصان ظاهر أو أعطوه ~~بدلها زيوفا { بعد إصلحها } بعد الإصلاح فيها، أي لا تفسدوا ~~فيها بعدما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم. ~~وإضافته كإضافة قوله # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33 بمعنى بل مكركم في الليل والنهار، أو بعد إصلاح أهلها على حذف ~~المضاف { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك ~~البخس والإفساد في الأرض، أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه. ومعنى { ~~خير لكم } يعني في الإنسانية وحسن الأحدوثة، وما تطلبونه من ~~التكسب والتربح، لأن الناس أرغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة ~~والسوية { إن كنتم مؤمنين } إن كنتم مصدقين لي في قولي ذلكم خير ~~لكم { ولا تقعدوا بكل صرط } ولا تقتدوا بالشيطان في قوله # لاقعدن لهم صرطك المستقيم # الأعراف 16 فتقعدوا بكل صراط أي بكل منهاج من مناهج الدين. # والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله { وتصدون عن ~~سبيل الله } ومحل { توعدون } وما عطف عليه النصب على الحال أي ~~ولا تقعدوا موعدين وصادين عن سبيل الله، وباغيها عوجا. فإن قلت صراط ~~الحق واحد، # وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله # الأنعام 153 فكيف قيل بكل صراط؟ قلت صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى ~~معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحدا يشرع في شيء ms0642 ~~منها أوعدوه وصدوه. فإن قلت إلام يرجع الضمير في { ءامن به }؟ قلت ~~إلى كل صراط. تقديره توعدون من آمن به وتصدون عنه، فوضع الظاهر الذي هو ~~سبيل الله موضع الضمير، زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدون ~~عنه. وقيل كانوا يجلسون على الطرق والمراصد فيقولون لمن مر بهم إن ~~شعيبا كذاب فلا يفتنكم عن دينكم كما كان يفعل قريش بمكة. وقيل كانوا ~~يقطعون الطرق. وقيل كانوا عشارين { وتبغونها عوجا } وتطلبون ~~لسبيل الله عوجا، أي تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة، ~~لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها أو يكون تهكما بهم، وأنهم يطلبون لها ~~ما هو محال، لأن طريق الحق لا يعوج { واذكروا إذ كنتم قليلا ~~} إذ مفعول به غير ظرف. أي واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلا عددكم ~~{ فكثركم } الله ووفر عددكم. قيل إن مدين بن إبراهيم تزوج بنت ~~لوط فولدت فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا وفشوا. ويجوز إذ ~~كنتم مقلين فقراء فكثركم فجعلكم مكثرين موسرين. أو كنتم أقلة أذلة فأعزكم ~~بكثرة العدد والعدد { عقبة المفسدين } آخر أمر من أفسد قبلكم ~~من الأمم، كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وكانوا قريبي العهد مما أصاب ~~المؤتفكة { فاصبروا } فتربصوا وانتظروا { حتى يحكم الله ~~بيننا } أي بين الفريقين، بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم ~~عليهم. وهذا وعيد للكافرين بانتقام الله منهم، كقوله # فتربصوا إنا معكم متربصون # التوبة 52 أو هو عظة للمؤمنين وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من ~~أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم. ويجوز أن يكون ~~خطابا للفريقين، أي ليصبر المؤمنون على أذى الكفار وليصبر الكفار على ما ~~يسوءهم من إيمان من آمن منهم، حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب { ~~وهو خير الحكمين } لأن حكمه حق وعدل، لا يخاف فيه الحيف. ### || [7.88-89] # أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم وإما عودكم في الكفر. فإن قلت كيف ~~خاطبوا شعيبا عليه السلام بالعود في الكفر في قولهم { أو لتعودن ~~فى ملتنا } وكيف أجابهم بقوله ms0643 { إن عدنا فى ملتكم ~~بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود ~~فيها } والأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس ~~فيه تنفير، فضلا عن الكبائر، فضلا عن الكفر؟ قلت لما قالوا { ~~لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك } فعطفوا على ~~ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم قالوا { لتعودن } ~~فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعا، إجراء للكلام على ~~حكم التغليب. وعلى ذلك أجرى شعيب عليه السلام جوابه فقال { إن عدنا ~~فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها } وهو يريد عود ~~قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا من ذلك إجراء لكلامه ~~على حكم التغليب. فإن قلت فما معنى قوله { وما يكون لنا أن ~~نعود فيها إلا أن يشاء الله } والله تعالى متعال أن يشاء ~~ردة المؤمنين وعودهم في الكفر؟ قلت معناه إلا أن يشاء الله خذلاننا ~~ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثا. والعبث قبيح لا ~~يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله { وسع ربنا كل شيء علما ~~} أي هو عالم بكل شيء مما كان وما يكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف ~~تتحول، وقلوبهم كيف تتقلب وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع ~~إلى الكفر بعد الإيمان { على الله توكلنا } في أن يثبتنا على ~~الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان. ويجوز أن يكون قوله { إلا أن ~~يشاء الله } حسما لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر ~~محال خارج عن الحكمة { أولو كنا كرهين } الهمزة للاستفهام، ~~والواو واو الحال، تقديره أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا ~~كارهين. وما يكون لنا، وما ينبغي لنا. وما يصح لنا { ربنا افتح ~~بيننا } احكم بيننا. والفتاحة الحكومة، أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما ~~بيننا { وبين قومنا } وينكشف بأن تنزل عليهم عذابا يتبين معه ~~أنهم على الباطل { وأنت خير الفتحين } كقوله # وهو خير الحكمين # يونس 159. فإن قلت كيف أسلوب قوله { قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا فى ملتكم }؟ قلت هو إخبار مقيد بالشرط، ms0644 وفيه ~~وجهان، أحدهما أن يكون كلاما مستأنفا فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا ما ~~أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام. لأن المرتد أبلغ في ~~الافتراء من الكافر، لأن الكافر مفتر على الله الكذب. حيث يزعم أن لله ~~ندا ولا ند له. والمرتد مثله في ذلك وزائد عليه، حيث يزعم أنه قد تبين ~~له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل. والثاني أن يكون قسما على ~~تقدير حذف اللام، بمعنى والله لقد افترينا على الله كذبا. ### || [7.90-92] # { وقال الملا الذين كفروا من قومه } أي أشرافهم ~~للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان { لئن اتبعتم شعيبا ~~إنكم إذا لخسرون } لاستبدالكم الضلالة بالهدى، كقوله ~~تعالى # أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى فما ~~ربحت تجرتهم # البقرة 16 وقيل تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف لأنه ينهاكم عنهما ~~ويحملكم على الإيفاء والتسوية، فإن قلت ما جواب القسم الذي وطأته اللام ~~في { لئن اتبعتم شعيبا } وجواب الشرط؟ قلت قوله { إنكم ~~إذا لخسرون } ساد مسد الجوابين { الذين كذبوا ~~شعيبا } مبتدأ خبره { كأن لم يغنوا فيها } وكذلك { ~~كانوا هم الخسرين } وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه ~~قيل الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا، كأن لم ~~يقيموا في دارهم لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم الله، الذين كذبوا ~~شعيبا هم المخصوصون بالخسران العظيم، دون أتباعه فإنهم الرابحون. وفي ~~هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير مبالغة في رد مقالة الملإ ~~لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى ~~عليهم. ### || [7.93] # الأسى شدة الحزن. قال العجاج # وانحلبت عيناه من فرط الأسى # اشتد حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال فكيف يشتد حزني على قوم ~~ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم ويجوز أن يريد لقد ~~أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ~~ولم تصدقوني فكيف آسي عليكم يعني أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء ~~بالأسى. وقرأ يحيى ابن وثاب «فكيف إيسى»، بكسر الهمزة. ### || [7.94-95] # { إلا أخذنا أهلها بالبأساء } بالبؤس والفقر { ~~والضراء ms0645 } بالضر والمرض لاستبكارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه { ~~لعلهم يضرعون } ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر ~~والعزة { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة } أي ~~أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة ~~كقوله # وبلونهم بالحسنت والسيئات # الأعراف 168 { حتى عفوا } كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من ~~قولهم عفا النبات وعفا الشحم والوبر، إذا كثرت. ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم 397 # " واعفوا عن اللحى " # ، وقال الحطيئة # بمستأسد القريان عاف نباته # وقال # ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم ~~كوم # { وقالوا قد مس ءاباءنا الضراء والسراء } يعني ~~وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين ~~الضراء والسراء. وقد مس آباؤنا نحو ذلك، وما هو بابتلاء من الله لعباده، ~~فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلا أن نأخذهم بالعذاب { ~~فأخذنهم } أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم. ### || [7.96] # اللام في القرى إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله # وما أرسلنا فى قرية من نبى # الأعراف 94 كأنه قال ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا { ~~ءامنوا } بدل كفرهم { واتقوا } المعاصي مكان ارتكابها { ~~لفتحنا عليهم بركت من السماء والأرض } لآتيناهم ~~بالخير من كل وجه. وقيل أراد المطر والنبات { ولكن كذبوا ~~فأخذنهم } بسوء كسبهم ويجوز أن تكون اللام في القرى للجنس. فإن ~~قلت ما معنى فتح البركات عليهم؟ قلت تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب ~~المستغلقة بفتحها. ومنه قولهم فتحت على القارىء إذا تعذرت عليه القراءة ~~فيسرتها عليه بالتلقين. ### || [7.97-98] # البيات يكون بمعنى البيتوتة. يقال بات بياتا. ومنه قوله تعالى # فجاءها بأسنا بيتا أو هم قائلون # الأعراف 4 وقد يكون بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم. يقال بيته ~~العدو بياتا، فيجوز أن يراد أن يأتيهم بأسنا بائتين، أو وقت بيات، أو ~~مبيتا، أو مبيتين، أو يكون بمعنى تبييتا، كأنه قيل أن يبيتهم بأسنا ~~بياتا. و { ضحى } نصب على الظرف. يقال أتانا ضحى، وضحيا، وضحاء والضحى ~~- في الأصل - اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. والفاء والواو في { ~~أفأمن ms0646 } و { أو أمن } حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار. فإن ~~قلت ما المعطوف عليه؟ ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت ~~المعطوف عليه قوله { فأخذنهم بغتة } وقوله # ولو أن أهل القرى # الأعراف 96 إلى { يكسبون } وقع اعتراضا بين المعطوف والمعطوف ~~عليه، وإنما عطف بالفاء، لأن المعنى فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ~~ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟ ~~وقرىء أو أمن على العطف بأو { وهم يلعبون } يشتغلون بما لا يجدي ~~عليهم كأنهم يلعبون. ### || [7.99] # فإن قلت فلم رجع فعطف بالفاء قوله { أفأمنوا مكر الله }؟ ~~قلت هو تكرير لقوله # أفأمن أهل القرى # الأعراف 97 ومكر الله استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر، ولاستدراجه. ~~فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوه ~~الكمين والبيات والغيلة. وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له ما لي أرى ~~الناس ينامون ولا أراك تنام، فقال يا بنتاه، إن أباك يخاف البيات، أراد ~~قوله { أن يأتيهم بأسنا بيتا }. ### || [7.100] # إذا قرىء «أو لم يهد» بالياء كان { أن لو نشاء } مرفوعا بأنه ~~فاعله بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون، من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون ~~أرضهم هذا الشأن، وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، كما أصبنا من قبلهم، ~~وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين. وإذا قرىء بالنون، فهو منصوب ~~كأنه قيل أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن بمعنى أو لم نبين لهم أنا { ~~لو نشاء أصبنهم بذنوبهم } كما أصبنا من قبلهم. وإنما ~~عدى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين. فإن قلت بم تعلق قوله تعالى ~~{ ونطبع على قلوبهم }؟ قلت فيه أوجه، أن يكون معطوفا على ~~ما دل عليه معنى { أو لم يهد } كأنه قيل يغفلون عن الهداية، ~~ونطبع على قلوبهم. أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعا بمعنى ونحن نطبع ~~على قلوبهم. فإن قلت هل يجوز أن يكون { ونطبع } بمعنى وطبعنا، كما ~~كان { لو نشاء } بمعنى لو شئنا، ويعطف على أصبناهم؟ قلت لا يساعد ms0647 ~~عليه المعنى؟ لأن القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم ~~من اقتراف الذنوب والإصابة بها. وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه ~~الصفة، وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها. ### || [7.101] # { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } كقوله # هذا بعلى شيخا # هود 72 في أنه مبتدأ وخبر وحال ويجوز أن يكون { القرى } صفة لتلك و ~~{ نقص } خبرا، وأن يكون { القرى نقص } خبر بعد خبر. فإن قلت ~~ما معنى { تلك القرى } حتى يكون كلاما مفيدا؟ قلت هو مفيد، ولكن ~~بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك هو الرجل ~~الكريم. فإن قلت ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها؟ قلت ~~معناه أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم ~~نقصها عليك { فما كانوا ليؤمنوا } عند مجيء الرسل بالبينات ~~بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر ~~أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل، أي استمروا على التكذيب ~~من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين، لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم ~~في كفرهم وعنادهم مع تكرار المواعظ عليهم وتتابع الآيات. ومعنى اللام ~~تأكيد النفي وأن الإيمان كان منافيا لحالهم في التصميم على الكفر. وعن ~~مجاهد هو كقوله # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. { كذلك } مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين. ### || [7.102] # { وما وجدنا لاكثرهم من عهد } الضمير للناس على ~~الإطلاق، أي وما وجدنا لأكثر الناس من عهد يعني أن أكثرهم نقض عهد الله ~~وميثاقه في الإيمان والتقوى { وإن وجدنا } وإن الشأن والحديث ~~وجدنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة مارقين. والآية اعتراض. ويجوز أن ~~يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ~~ومخافة، لئن أنجيتنا لنؤمنن، ثم نجاهم نكثوا كما قال قوم فرعون لموسى ~~عليه السلام { لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك } إلى ~~قوله # إذا هم ينكثون # الأعراف 135 والوجود بمعنى العلم من قولك وجدت زيدا ذا ms0648 الحفاظ، بدليل ~~دخول «إن» المخففة واللام الفارقة. ولا يسوغ ذلك إلا في المبتدإ والخبر. ~~والأفعال الداخلة عليهما. ### || [7.103-105] # { من بعدهم } الضمير للرسل في قوله # ولقد جاءتهم رسلهم # الأعراف 101 أو للأمم { فظلموا بها } فكفروا بآياتنا. أجرى الظلم ~~مجرى الكفر لأنهما من واد واحد # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13 أو فظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها، وآذوا من ~~آمن بها، ولأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ~~ظلما، فلذلك قيل فظلموا بها، أي كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو ~~موضع الإيمان. يقال لملوك مصر الفراعنة، كما يقال لملوك فارس الأكاسرة، ~~فكأنه قال يا ملك مصر وكان اسمه قابوس. وقيل الوليد بن مصعب بن الريان { ~~حقيق على أن ا أقول على الله إلا الحق } فيه ~~أربع قراآت، المشهورة «وحقيق علي أن لا أقول»، وهي قراءة نافع «وحقيق أن ~~لا أقول» وهي قراءة عبد الله «وحقيق بأن لا أقول» وهي قراءة أبي وفي ~~المشهورة إشكال، ولا تخلو من وجوه، أحدها أن تكون مما يقلب من الكلام ~~لأمن الإلباس، كقوله # وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر # ومعناه وتشقى الضياطرة بالرماح «وحقيق علي أن لا أقول» وهي قراءة نافع. ~~والثاني أن ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقا عليه كان هو ~~حقيقا على قول الحق، أي لازما له. والثالث أن يضمن { حقيق } معنى ~~حريص، كما ضمن «هيجني» معنى ذكرني في بيت الكتاب. والرابع - وهو الأوجه - ~~الأدخل في نكت القرآن أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام لا ~~سيما وقد روى أن عدو الله فرعون قال له - لما قال { إنى رسول من ~~رب العلمين } كذبت، فيقول أنا حقيق علي قول الحق أي واجب على ~~قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلا بمثلي ناطقا به { ~~فأرسل معى بنى إسرءيل } فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى ~~الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، وذلك أن يوسف عليه السلام ~~لما توفي وانقرضت الأسباط، غلب فرعون ms0649 نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله ~~بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله ~~موسى أربعمائة عام. ### || [7.106-108] # فإن قلت كيف قال له { فأت بها } بعد قوله { قال إن كنت جئت ~~بآية }؟ قلت معناه إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتني بها وأحضرها ~~عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك { ثعبان مبين } ظاهر أمره لا يشك في ~~أنه ثعبان. وروى أنه كان ثعبانا ذكرا أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ~~ذراعا، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحية الأعلى على سور القصر، ثم توجه ~~نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب، وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، ~~وهرب الناس وصاحوا، وحمل على الناس فانهزموا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ~~قتل بعضهم بعضا، ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى، خذه وأنا أومن بك وأرسل ~~معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصى. فإن قلت بم يتعلق { ~~للنظرين }؟ قلت يتعلق ببيضاء. والمعنى فإذا هي بيضاء للنظارة ولا ~~تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضا عجيبا خارجا عن العادة، يجتمع ~~الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب، وذلك ما يروى أنه أرى فرعون ~~يده وقال ما هذه؟ قال يدك، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها، فإذا ~~هي بيضاء بياضا نورانيا غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى عليه السلام ~~آدم شديد الأدمة. ### || [7.109-112] # { إن هذا لسحر عليم } أي عالم بالسحر ماهر فيه، قد أخذ ~~عيون الناس بخدعة من خدعه، حتى خيل إليهم العصى حية، والآدم أبيض. فإن ~~قلت قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء، وأنه قاله للملأ وعزي ~~ههنا إليهم قلت قد قاله هو وقالوه هم، فحكى قوله ثم وقولهم ههنا أو قاله ~~ابتداء فتلقته منه الملأ، فقالوه لأعقابهم. أو قالوه عنه للناس على طريق ~~التبليغ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من ~~الخاصة ثم تبلغه الخاصة العامة. والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم { ~~أرجه وأخاه وأرسل فى المدائن حشرين يأتوك ~~بكل سحر ms0650 عليم }. وقرىء «سحار»، أي يأتوك بكل ساحر مثله في ~~العلم والمهارة أو بخير منه. وكانت هذه مؤامرة مع القبط. وقولهم { ~~فماذا تأمرون } من أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك ~~برأي. وقيل قال فماذا تأمرون؟ من كلام فرعون، قاله للملأ لما قالوا له إن ~~هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم، كأنه قيل قال فماذا تأمرون؟ قالوا أرجئه ~~وأخاه، ومعنى أرجئه وأخاه أخرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر ~~أمرهما. وقيل احبسهما. وقرىء أرجئه، بالهمزة «وأرجه»، من أرجاءه وأرجاه. ### || [7.113-114] # فإن قلت هلا قيل وجاء السحرة فرعون فقالوا قلت هو على تقدير سائل سأل ما ~~قالوا إذ جاؤه؟ فأجيب بقوله { قالوا أإن لنا لأجرا } أي جعلا على ~~الغلبة وقرىء «إن لنا لأجرا» على الإخبار وإثبات الأجر العظيم وإيجابه ~~كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم، كقول العرب إن له ~~لإبلا، وإن له لغنما، يقصدون الكثرة. فإن قلت { وإنكم لمن ~~المقربين } ما الذي عطف عليه؟ قلت هو معطوف على محذوف سد مسده ~~حرف الأيجاب، كأنه قال إيجابا لقولهم إن لنا لأجرا نعم إن لكم لأجرا، ~~وإنكم لمن المقربين، أراد إني لأقتصر بكم على الثواب وحده، وإن لكم مع ~~الثواب ما يقل معه الثواب، وهو التقريب والتعظيم، لأن المثاب إنما يتهنأ ~~بما يصل إليه ويغتبط به إذا نال معه الكرامة والرفعة. وروي أنه قال لهم ~~تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج. وروى أنه دعا برؤساء السحرة ومعلميهم ~~فقال لهم ما صنعتم؟ قالوا قد علمنا سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلا ~~أن يكون أمرا من السماء فإنه لا طاقة لنا به. وروي أنهم كانوا ثمانين ~~ألفا. وقيل سبعين ألفا وقيل بضعة وثلاثين ألفا. واختلفت الروايات فمن ~~مقل ومن مكثر. وقيل كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى. وقيل قال فرعون لا ~~نغالب موسى إلا بما هو منه، يعني السحر. ### || [7.115-122] # تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا ~~كالمتناظرين، قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل ms0651 أن يتآخذوا ~~للصراع. وقولهم { وإما أن نكون نحن الملقين } فيه ما ~~يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل ~~وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل، وقد سوغ لهم موسى ما ~~تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم. وثقة بما كان بصدده من ~~التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدا { سحروا أعين ~~الناس } أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، كقوله ~~تعالى # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # طه 66. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا، فإذا هي أمثال ~~الحيات، قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضا { واسترهبوهم } وأرهبوهم ~~إرهابا شديدا، كأنهم استدعوا رهبتهم { بسحر عظيم } في باب ~~السحر. روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة. قيل ~~جعلوا فيها الزئبق { ما يأفكون } ما موصولة أو مصدرية، بمعنى ما ~~يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه تسمية للمأفوك بالإفك ~~روي أنها لما تلقفت ملىء الوادي من الخشب والحبال رفعها موسى. أوإفكهم ~~فرجعت عصى كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها ~~أجزاء لطيفة قالت للسحرة لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا { ~~فوقع الحق } فحصل وثبت. ومن بدع التفاسير فوقع قلوبهم، أي فأثر ~~فيها من قولهم. قاس وقيع { وانقلبوا صغرين } وصاروا أذلاء ~~مبهوتين { وألقى السحرة } وخروا سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة ~~خرورهم. وقيل لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا. وعن قتادة كانوا أول ~~النهار كفارا سحرة وفي آخره شهداء بررة. وعن الحسن تراه ولد في الإسلام ~~ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا، وكذا، وهؤلاء كفار نشأوا في الكفر، ~~بذلوا أنفسهم لله. ### || [7.123-124] # { ءامنتم به } على الإخبار، أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخا ~~لهم وتقريعا. وقرىء «أآمنتم»، بحرف الاستفهام، ومعناه الإنكار ~~والاستبعاد { إن هذا لمكر مكرتموه فى المدينة } ~~إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى هذه ~~الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها ~~بني إسرائيل، وكان هذاالكلام من فرعون ms0652 تمويها على الناس لئلا يتبعوا ~~السحرة في الإيمان. وروي أن موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر أتؤمن بي ~~إن غلبتك؟ قال لآتين بسحر لا يغلبه سحر. وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ~~يسمع، فلذلك قال ما قال { فسوف تعلمون } وعيد أجمله ثم فصله ~~بقوله { لأقطعن } وقرىء «لأقطعن» بالتخفيف، وكذلك { ثم ~~لأصلبنكم } { من خلف } من كل شق طرفا. وقيل إن أول من ~~قطع من خلاف وصلب لفرعون. ### || [7.125-126] # { إنا إلى ربنا منقلبون } فيه أوجه، أن يريدوا إنا لا ~~نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته وخلاصنا منك ومن لقائك. أو ~~ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب، أو إنا ~~جميعا يعنون أنفسهم وفرعون ننقلب إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ~~ميتون منقلبون إلى الله، فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه { ~~وما تنقم منا إلا أن ءامنا } وما تعيب منا إلا الإيمان ~~بآيات الله، أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها، ~~وهو الإيمان. ومنه قوله # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # { أفرغ علينا صبرا } هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا، حتى ~~يفيض علينا ويغمرنا، كما يفرغ الماء فراغا، وعن بعض السلف إن أحدكم ~~ليفرغ على أخيه ذنوبا ثم يقول قد مازحتك، أي يغمره بالحياء، والخجل. أو ~~صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام، وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون، ~~لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرة لهم { وتوفنا ~~مسلمين } ثابتين على الإسلام. ### || [7.127] # { ويذرك } عطف على { ليفسدوا } لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم، ~~وكان ذلك مؤديا إلى ما دعوه فسادا وإلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم ~~لذلك. أو هو جواب للاستفهام بالواو كما يجاب بالفاء، نحو قول الحطيئة # ألم أك جاركم ويكون بيني وبينيكم الممودة ~~والإخاء # والنصب بإضمار «أن» تقديره أيكون منك ترك موسى، ويكون تركه إياك وآلهتك. ~~وقرىء ويذرك وآلهتك بالرفع عطفا على أتذر موسى، بمعنى أتذره وأيذرك، ~~يعني تطلق له ذلك. أو يكون مستأنفا أو ms0653 حالا على معنى أتذره وهو يذرك ~~وآلهتك. وقرأ الحسن ويذرك بالجزم، كأنه قيل يفسدوا، كما قرىء # وأكن من الصلحين # المنافقون 10 كأنه قيل «أصدق». وقرأ أنس رضي الله عنه «ونذرك»، بالنون ~~والنصب، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها. وقرىء «ويذرك وإلاهتك»، أي عبادتك. ~~وروي أنهم قالوا له ذلك، لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفس، ~~فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك وخافوا أن يغلبوا على الملك، وقيل صنع ~~فرعون لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه كما يعبد عبدة ~~الأصنام الأصنام، ويقولون ليقربونا إلى الله زلفى، ولذلك قال أنا ربكم ~~الأعلى { سنقتل أبناءهم } يعني سنعيد عليهم ما كنا محناهم به ~~من قتل الأبناء، ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر، وأنهم ~~مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا ~~واستيلائنا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي أخبر المنجمون ~~والكهنة بذهاب ملكنا على يده، فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه، ~~وأنه منتظر بعد. ### || [7.128-129] # { قال موسى لقومه استعينوا بالله } قال لهم ذلك - ~~حين قال فرعون سنقتل أبناءهم فجزعوا منه وتضجروا - يسكنهم ويسلبهم، ~~ويعدهم النصرة عليهم، ويذكر لهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط ~~وتوريثهم أرضهم وديارهم. فإن قلت لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت ~~على التي قبلها؟ قلت هي جملة مبتدأة مستأنفة. وأما # وقال الملا # الأعراف 127 فمعطوفة على ما سبقها من قوله { قال الملا من قوم ~~فرعون } وقوله { إن الأرض لله } يجوز أن تكون اللام للعهد ~~ويراد أرض مصر خاصة، كقوله # وأورثنا الأرض # الزمر 74 وأن تكون للجنس فيتناول أرض مصر لأنها من جنس الأرض، كما قال ~~ضمرة إنما المرء بأصغريه، فأراد بالمرء الجنس، وغرضه أن يتناوله تناولا ~~أوليا { والعقبة للمتقين } بشارة بأن الخاتمة المحمودة ~~للمتقين منهم ومن القبط، وأن المشيئة متناولة لهم. وقرأ «والعاقبة ~~للمتقين» بالنصب أبي وابن مسعود، عطفا على الأرض. { أوذينا من ~~قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا } يعنون قتل أبنائهم ~~قبل مولد موسى عليه ms0654 السلام إلى أن استنبئى، وإعادته عليهم بعد ذلك، وما ~~كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ويمسون به من ~~العذاب { عسى ربكم أن يهلك عدوكم } تصريح بما رمز ~~إليه من البشارة قبل. وكشف عنه، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض ~~مصر { فينظر كيف تعملون } فيرى الكائن منكم من العمل حسنه ~~وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. وعن عمرو ~~بن عبيد رحمه الله أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو ~~رغيفان، فطلب زيادة لعمرو فلم توجد، فقرأ عمرو هذه الآية، ثم دخل عليه ~~بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي فينظر كيف تعملون. ### || [7.130] # { بالسنين } بسني القحط. و «السنة» من الأسماء الغالبة كالدابة ~~والنجم ونحو ذلك، وقد اشتقوا منها فقالوا أسنت القوم بمعنى أقحطوا. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنه أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم. وأما ~~نقص الثمرات فكان في أمصارهم. وعن كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل ~~النخلة إلا تمرة { لعلهم يذكرون } فيتنبهوا على أن ذلك ~~لإصرارهم على الكفر وتكذيبهم لآيات الله، ولأن الناس في حال الشدة أضرع ~~خدودا وألين أعطافا وأرق أفئدة. وقيل عاش فرعون أربعمائة سنة ولم ير ~~مكروها في ثلثمائة وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو ~~حمى لما ادعى الربوبية. ### || [7.131] # { فإذا جاءتهم الحسنة } من الخصب والرخاء { قالوا لنا ~~هذه } أي هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها ولم نزل في النعمة والرفاهية، ~~واللام مثلها في قولك. الجل للفرس { وإن تصبهم سيئة } من ضيقة ~~وجدب { يطيروا بموسى ومن معه } يتطيروا بهم ويتشاءموا ~~ويقولوا هذه بشؤمهم، ولولا مكانهم لما أصابتنا، كما قالت الكفرة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه من عندك. فإن قلت كيف قيل فإذا جاءتهم ~~الحسنة بإذا وتعريف الحسنة، وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟ قلت لأن ~~جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه. وأما السيئة فلا تقع إلا في ~~الندرة، ولا يقع إلا شيء منها. ومنه قول بعضهم ms0655 قد عددت أيام البلاء، فهل ~~عددت أيام الرخاء { طائرهم عند الله } أي سبب خيرهم وشرهم عند ~~الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة ~~والسيئة، وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه، كقوله تعالى # قل كل من عند الله # النساء 78 ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم ~~المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم ~~بما وعدهم الله في قوله سبحانه # النار يعرضون عليها # غافر 46 الآية. ولا طائر أشأم من هذا. وقرأ الحسن «إنما طيركم عند ~~الله»، وهو اسم لجمع طائر غير تكسير، ونظيره التجر، والركب. وعند أبي ~~الحسن هو تكسير. ### || [7.132-133] # { مهما } هي «ما» المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها «ما» المزيدة ~~المؤكدة للجزاء في قولك متى ما تخرج أخرج، # أينما تكونوا يدرككم الموت # النساء 78، # فإما نذهبن بك # الزخرف 41 إلا أن الألف قلبت هاء استثقالا لتكرير المتجانسين وهو ~~المذهب السديد البصري، ومن الناس من زعم أن «مه» هي الصوت الذي يصوت به ~~الكاف، و { ما } للجزاء، كأنه قيل كف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها ~~فما نحن لك بمؤمنين. فإن قلت ما محل مهما؟ قلت الرفع بمعنى أيما شيء ~~تأتنا به. أو النصب، بمعنى أيما شيء تحضرنا تأتنا به. ومن آية تبيين ~~لمهما. والضميران في { به } و { بها } راجعان إلى مهما، إلا أن ~~أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى، لأنه في معنى الآية. ~~ونحوه قول زهير # ومهما تكن عند امريء من خليقة وإن خالها ~~تخفى على الناس تعلم # وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرفها من لا يد له في علم العربية، ~~فيضعها غير موضعها، ويحسب مهما بمعنى متى ما، ويقول مهما جئتني أعطيتك، ~~وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء، ثم يذهب فيفسر { ~~مهما تأتنا به من ءاية } بمعنى الوقت، فيلحد في آيات ~~الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثو بين يدي الناظر في كتاب ms0656 ~~سيبويه. فإن قلت كيف سموها آية، ثم قالوا لتسحرنا بها؟ قلت ما سموها آية ~~لاعتقادهم أنها آية، وإنما سموها اعتبارا لتسمية موسى وقصدوا بذلك ~~الاستهزاء والتلهي { الطوفان } ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل. قيل ~~طغى الماء فوق حروثهم، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا ~~يرون شمسا ولا قمرا، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره. وقيل أرسل الله ~~عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة، ~~فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق، ~~ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم ~~من الحرث والبناء والتصرف، ودام عليهم سبعة أيام. وعن أبي قلابة الطوفان ~~الجدري، وهو أول عذاب وقع فيهم، فبقي في الأرض. وقيل هو الموتان وقيل ~~الطاعون، فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فرفع ~~عنهم، فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله، ~~فأقاموا شهرا، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم، ثم ~~أكلت كل شيء حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل ~~منها شيء، ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة، فكشف عنهم بعد سبعة أيام خرج ~~موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع ~~الجراد إلى النواحي التي جاء منها، فقالوا ما نحن بتاركي ديننا، فأقاموا ~~شهرا، فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان في قول أبي عبيدة كبار ~~القردان. # وقيل الدبا، وهو أولاد الجراد. وقبل نبات أجنحتها. وقيل البراغيث. وعن ~~سعيد بن جبير السوس، فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، وكان يدخل بين ~~ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، وكان يأكل أحدهم طعاما فيمتلىء قملا، ~~وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيرا. وعن سعيد ~~بن جبير، أنه كان إلى جنبهم كثيب أعفر، فضربه موسى بعصاه فصار قملا، ~~فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه ~~الجدري، فصاحوا وصرخوا ms0657 وفزعوا إلى موسى فرفع عنهم، فقالوا قد تحققنا الآن ~~أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبدا، فأرسل الله عليهم بعد شهر الضفادع، ~~فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحد شيئا من ثوب ~~ولا طعام ولا شراب إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم ~~وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، ~~وكانت تقذف بأنفسها في القدرو وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فشكوا ~~إلى موسى وقالوا ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلا أن نتوب التبة النصوح ~~ولا نعود، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل ~~الله عليهم الدم فصارت مياههم دما، فشكوا إلى فرعون فقال إنه سحركم فكان ~~يجمع بين القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء ~~وما يلي القبطي دما، ويستقيان من ماء واحد فيخرج للقبطي الدم ~~وللإسرائيلي الماء حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية إجعلي ~~الماء في فيك ثم مجيه في في فيصير الماء في فيها دما. وعطش فرعون حتى ~~أشفى على الهلاك، فكان يمص الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ~~ملحا أجاجا. وعن سعيد بن المسيب سال عليهم النيل دما. وقيل سلط الله ~~عليهم الرعاف وروي أن موسى عليه السلام مكث فيهم بعد ما غلب السحرة ~~عشرين سنة يريهم هذه الآيات، وروي أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس ~~والثمرات قال يا رب، إن عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ~~ولقومه نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية. فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان، ~~ثم الجراد، ثم ما بعده من النقم. وقرأ الحسن «والقمل»، بفتح القاف وسكون ~~الميم، يريد القمل المعروف { ءايت مفصلت } نصب على الحال. ~~ومعنى مفصلات مبينات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله التي لا ~~يقدر عليها غيره، وأنها عبرة لهم ونقمة على كفرهم. أو فصل بين بعضها وبعض ~~بزمان تمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ~~ينكثون ms0658 إلزاما للحجة عليهم؟. ### || [7.134-136] # { بما عهد عندك } ما مصدرية. والمعنى بعهده عندك وهو النبوة ~~والباء إما أن تتعلق بقوله { ادع لنا ربك } على وجهين أحدهما ~~أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته ~~بالنبوة. أو ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك. وإما أن يكون قسما ~~مجابا بلنؤمنن، أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ~~{ إلى أجل هم بلغوه } إلى حد من الزمن هم بالغوه لا محالة ~~فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله { ~~إذا هم ينكثون } جواب لما، يعني فلما كشفناه عنهم فاجاؤوا النكث ~~وبادروا لم يؤخروه ولكن كما كشف عنهم نكثوا { فانتقمنا منهم } ~~فأردنا الانتقام منهم { فأغرقنهم }. واليم البحر الذي لا يدرك ~~قعره. وقيل هو لجة البحر ومعظم مائه، واشتقاقه من التيمم، لأن المستنفعين ~~به يقصدونه { بأنهم كذبوا بآياتنا } أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات ~~وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها. ### || [7.137] # { القوم الذين كانوا يستضعفون } هم بنو إسرائيل كان ~~يستضعفهم فرعون وقومه. والأرض أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد ~~الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا كيف شاؤا في أطرافها ونواحيها الشرقية ~~والغربية { باركنا فيها } بالخصب وسعة الأرزاق { كلمت ربك ~~الحسنى } قوله { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا فى الأرض } إلى قوله # ما كانوا يحذرون # القصص 6 والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة. ومعنى تمت على بني إسرائيل ~~مضت عليهم واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه { بما ~~صبروا } بسبب صبرهم، وحسبك به حاثا على الصبر، ودالا على أن من ~~قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر. وانتظار النصر ضمن ~~الله له الفرج. وعن الحسن عجبت ممن خف كيف خف، وقد سمع قوله. وتلا الآية. ~~ومعنى خف طاش جزعا وقلة صبر، ولم يرزن رزانة أولي الصبر. وقرأ عاصم في ~~رواية «وتمت كلمات ربك الحسنى» ونظيره # من ءايت ربه الكبرى # النجم 18. { ما كان يصنع فرعون وقومه } ما كانوا ~~يعملون ويسوون من العمارات ms0659 وبناء القصور { وما كانوا يعرشون } ~~من الجنات # هو الذى أنشأ جنت معروشت # الأنعام 141 أو وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء. كصرح ~~هامان وغيره وقرىء «يعرشون» بالكسر والضم. وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح. ~~وبلغني أنه قرأ بعض الناس «يغرسون» من غرس الأشجار. وما أحسبه إلا ~~تصحيفا منه. ### || [7.138-140] # وهذا آخر ما اقتص الله من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ~~ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه - بعد إنقاذهم من ~~مملكة فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر - من ~~عبادة البقر وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ~~ليعلم حال الإنسان وأنه كما وصفهم ظلوم كفار جهول كنود، إلا من عصمة ~~الله # وقليل من عبادى الشكور # سبأ 13 وليسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بني إسرائيل ~~بالمدينة. وروي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله تعالى ~~فرعون وقومه، فصاموه شكرا لله تعالى { فأتوا على قوم } ~~فمروا عليهم { يعكفون على أصنام لهم } يواظبون على ~~عبادتها ويلازمونها. قال ابن جريج كانت تماثيل بقر. وذلك أول شأن العجل ~~وقيل كانوا قوما من لخم. وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه ~~السلام بقتالهم وقرىء «وجوزنا» بمعنى أجزنا. يقال أجاز المكان وجوزه ~~وجاوزه بمعنى جازه، كقولك أعلاه وعلاه وعالاه. وقرىء «يعكفون» بضم الكاف ~~وكسرها { اجعل لنا إلها } صنما نعكف عليه { كما لهم ~~ءالهة } أصنام يعكفون عليها. «وما» كافة للكاف، ولذلك وقعت الجملة ~~بعدها وعن علي رضي الله عنه أن يهوديا قال له اختلفتم بعد نبيكم قبل أن ~~يجف ماؤه. فقال قلتم اجعل لنا إلها قبل أن تجف أقدامكم { إنكم ~~قوم تجهلون } تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى ~~والمعجزة الكبرى فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى ~~منهم ولا أشنع { إن هؤلآء } يعني عبدة تلك التماثيل { متبر ~~ما هم فيه } مدمر مكسر ما هم فيه، من قولهم إناء متبر، إذا كان ~~فضاضا. ويقال ms0660 لكسار الذهب التبر، أي يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه ~~على يدي، ويحطم أصنامهم هذه ويتركها رضاضا { وبطل ما كانوا ~~يعملون } أي ما عملوا شيئا من عبادتها فيما سلف إلا وهو باطل ~~مضمحل لا ينتفعون به وإن كان زعمهم تقربا إلى الله كما قال تعالى # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # الفرقان 23 وفي إيقاع { هؤلاء } اسما لإن، وتقديم خبر المبتدإ من ~~الجملة الواقعة خبرا لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار، ~~وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض ~~إليهم ما أحبوا { أغير الله أبغيكم إلها } أغير المستحق ~~للعبادة أطلب لكم معبودا، وهو فعل بكم ما فعل دون غيره، من الاختصاص ~~بالنعمة التي لم يعطها أحد غيركم، لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره. ~~ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب من طلبتهم - مع كونهم مغمورين في نعمة الله ~~- عبادة غير الله. ### || [7.141] # { يسومونكم سوء العذاب } يبغونكم شدة العذاب، من سام السلعة ~~إذا طلبها. فإن قلت ما محل يسومونكم؟ قلت هو استئناف لا محل له. ويجوز ~~أن يكون حالا من المخاطبين أو من آل فرعون. و { ذلكم } إشارة إلى ~~الإنجاء أو إلى العذاب. والبلاء النعمة أو المحنة. وقرىء «يقتلون» ~~بالتخفيف. ### || [7.142] # وروي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله ~~عدوهم، أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك ~~فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة، ~~فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة كنا نشم من فيك ~~رائحة المسك فأفسدته بالسواك. وقيل أوحى الله تعالى إليه أما علمت أن ~~خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها ~~عشرة أيام من ذي الحجة لذلك. وقيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يوما، وأن ~~يعمل فيها بما يقربه من الله ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها. ~~ولقد أجمل ذكر الأربعين في ms0661 سورة البقرة، وفصلها ههنا. و { ميقت ~~ربه } ما وقته له من الوقت وضربه له. و { أربعين ليلة } نصب ~~على الحال أي تم بالغا هذا العدد. و { هرون } عطف بيان لأخيه. ~~وقرىء بالضم على النداء { اخلفنى فى قومى } كن خليفتي فيهم { ~~وأصلح } وكن مصلحا. أو وأصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل، ~~ومن دعاك منهم إلى الفساد فلا تتبعه ولا تطعه. ### || [7.143] # { لميقتنا } لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه. ومعنى اللام ~~الاختصاص فكأنه قيل واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول أتيته لعشر خلون من ~~الشهر { وكلمه ربه } من غير واسطة كما يكلم الملك، وتكليمه أن ~~يخلق الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح وروي ~~أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه كلمه أربعين يوما وأربعين ليلة، وكتب له الألواح. وقيل إنما ~~كلمه في أول الأربعين { أرنى أنظر إليك } ثاني مفعولي أرني ~~محذوف أي أرني نفسك أنظر إليك، فإن قلت الرؤية عين النظر، فكيف قيل أرني ~~أنظر إليك؟ قلت معنى أرني نفسك، اجعلني متمكنا من رؤيتك بأن تتجلى لي ~~فأنظر إليك وأراك، فإن قلت فكيف قال { لن ترانى } ولم يقل لن تنظر ~~إلي لقوله { أنظر إليك }؟ قلت لما قال { أرنى } بمعنى اجعلني ~~متمكنا من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطلبة هي الرؤية لا ~~النظر الذي لا إدراك معه، فقيل لن تراني، ولم يقل لن تنظر إلي. فإن قلت ~~كيف طلب موسى عليه السلام ذلك -وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه ~~وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما ~~يصح فيما كان في جهة. وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة. ومنع ~~المجبرة إحالته في العقول غير لازم، لأنه ليس بأول مكابرتهم وارتكابهم، ~~وكيف يكون طالبه وقد قال- حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة - # أتهلكنا بما فعل السفهاء منا # الأعراف 155 إلى قوله # تضل بها من تشاء ms0662 # الأعراف 155 فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالا ؟ قلت ما كان طلب ~~الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا، وتبرأ من فعلهم، ~~وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ~~ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا لا بد، ولن نؤمن لك ~~حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو ~~قوله { لن ترانى } ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك ~~قال { رب أرنى أنظر إليك }. فإن قلت فهلا قال أرهم ينظروا ~~إليك؟ قلت لأن الله سبحانه إنما كلم موسى عليه السلام وهم يسمعون، فلما ~~سمعوا كلام رب العزة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه ~~كلامه فسمعوه معه، إرادة مبنية على قياس فاسد، فلذلك قال موسى أرني أنظر ~~إليك، ولأنه إذا زجر عما طلب، وأنكر عليه في نبوته واختصاصه وزلفته عند ~~الله تعالى، وقيل له لن يكون ذلك كان غيره أولى بالإنكار، لأن الرسول ~~إمام أمته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعا إليهم. # وقوله { أنظر إليك } وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض ~~التشبيه والتجسيم، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم، وجل ~~صاحب الجمل أن يجعل الله منظورا إليه، مقابلا بحاسة النظر، فكيف بمن هو ~~أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبي ~~الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟ فإن قلت ما معنى { لن }؟ قلت تأكيدا ~~النفي الذي تعطيه «لا» وذلك أن «لا» تنفي المستقبل. تقول لا أفعل غدا، ~~فإذا أكدت نفيها قلت لن أفعل غدا. والمعنى أن فعله ينافي حالي، كقوله # لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له # الحج 73 فقوله # لا تدركه الأبصر # الأنعام 103 نفي للرؤية فيما يستقبل. و { لن ترانى } تأكيد وبيان، ~~لأن المنفي مناف لصفاته. فإن قلت كيف اتصل الاستدراك في قوله { ~~ولكن انظر إلى الجبل } بما قبله؟ قلت اتصل به على معنى ~~أن النظر إلي محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر ms0663 وهو أن تنظر إلى الجبل ~~الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكا بسبب ~~طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عز وعلا ~~حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله # وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا # مريم 91. { فإن استقر مكانه } كما كان مستقرا ثابتا ~~ذاهبا في جهاته { فسوف ترانى } تعليق لوجود الرؤية موجود ما لا ~~يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلام ~~مدبج بعضه في بعض، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع. ألا ترى كيف تخلص من ~~النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة ~~بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعني قوله { فإن ~~استقر مكانه فسوف ترانى }. { فلما تجلى ربه ~~للجبل } فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته { جعله ~~دكا } أي مدكوكا مصدر بمعنى مفعول كضرب الأمير. والدك والدق أخوان ~~كالشك والشق وقرىء «دكاء» والدكاء اسم للرابية الناشزة من الأرض ~~كالدكة أو أرضا دكاء مستوية. ومنه قولهم ناقة دكاء متواضعة السنام، وعن ~~الشعبي قال لي الربيع بن خثيم ابسط يدك دكاء، أي مدها مستوية. وقرأ يحيى ~~بن وثاب «دكا» أي قطعا دكا جمع دكاء { وخر موسى صعقا } من هول ~~ما رأى. وصعق من باب فعلته ففعل. يقال صعقته فصعقت. وأصله من الصاعقة. ~~ويقال لها الصاقعة. من صقعه إذا ضربه على رأسه ومعناه خر مغشيا عليه ~~غشية كالموت. وروي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه ~~بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة؟ { ~~فلما أفاق } من صعقته { قال سبحنك } أنزهك مما لا يجوز ~~عليك من الرؤية وغيرها { تبت إليك } من طلب الرؤية { وأنا ~~أول المؤمنين } بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس. # فإن قلت فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فمم تاب؟ قلت من إجرائه ~~تلك المقالة العظيمة وإن كان لغرض صحيح على لسانه، من ms0664 غير إذن فيه من ~~الله تعالى، فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف ~~أرجف الجبل بطالبها وجعله دكا، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك ~~مبالغة في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئا إليه، وتاب من إجراء تلك ~~الكلمة على لسانه وقال أنا أول المؤمنين، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام ~~المتسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا. ولا يغرنك ~~تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية ~~فيهم # لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري ~~موكفه قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى ~~فتستروا بالبلكفه. # وتفسير آخر وهو أن يريد بقوله { أرنى أنظر إليك } عرفني نفسك ~~تعريفا واضحا جليا، كأنها إراءة في جلائها بآية مثل آيات القيامة التي ~~تضطر الخلق إلى معرفتك { أنظر إليك } أعرفك معرفة اضطرار، كأني ~~أنظر إليك، كما جاء في الحديث 398 # " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " # بمعنى ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ ~~واستوى { قال لن ترانى } أي لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن ~~تحتمل قوتك تلك الآية المضطرة ولكن انظر إلى الجبل. فإني أورد عليه ~~وأظهر له آية من تلك الآيات، فإن ثبت لتجليها واستقر مكانه ولم يتضعضع ~~فسوف تثبت لها وتطيقها، { فلما تجلى ربه للجبل } فلما ~~ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته { جعله دكا وخر موسى ~~صعقا } لعظم ما رأى { فلما أفاق قال سبحنك تبت ~~إليك } مما اقترحت وتجاسرت { وأنا أول المؤمنين } ~~بعظمتك وجلالك، وأن شيئا لا يقوم لبطشك وبأسك. ### || [7.144] # { اصطفيتك على الناس } اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم { ~~برسلتي } وهي أسفار التوراة { وبكلمي } وبتكليمي إياك { ~~فخذ ما ءاتيتك } ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة { وكن من ~~الشكرين } على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم. وقيل خر موسى ~~صعقا يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم النحر. فإن قلت كيف قيل اصطفيتك على ~~الناس وكان هارون مصطفى مثله نبيا؟ قلت أجل، ولكنه كان تابعا له ~~وردءاوزيرا. والكليم ms0665 هو موسى عليه السلام، والأصيل في حمل الرسالة. ### || [7.145-147] # ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح وقيل ~~سبعة. وقيل لوحين، وأنها كانت من زمرد جاء بها جبريل عليه السلام. وقيل ~~من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء. وقيل أمر الله موسى بقطعها من صخرة صماء ~~لينها له، فقطعها بيده وشقها بأصابعه. وعن الحسن كانت من خشب نزلت من ~~السماء فيها التوراة، وأن طولها كان عشرة أذرع. وقوله { من كل شىء } ~~في محل النصب مفعول كتبنا. و { موعظة } وتفصيلا بدل منه. والمعنى ~~كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ ~~وتفصيل الأحكام. وقيل أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزأ منه ~~في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى عليهم ~~السلام. وعن مقاتل كتب في الألواح إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا ~~تشركوا بي شيئا، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا بإسمي كاذبين فإن من حلف ~~بإسمي كاذبا فلا أزكيه، ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين { ~~فخذها } فقلنا له خذها، عطفا على كتبنا، ويجوز أن يكون بدلا من ~~قوله # فخذ ما ءاتيتك # الأعراف 144 والضمير في { خذها } للألواح، أو لكل شيء، لأنه في معنى ~~الأشياء، أو للرسالات، أو للتوراة. ومعنى { بقوة } بجد وعزيمة فعل ~~أولي العزم من الرسل { يأخذوا بأحسنها } أي فيها ما هو حسن ~~وأحسن، كالاقتصاص، والعفو، والانتصار، والصبر. فمرهم أن يحملوا على ~~أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب، كقوله تعالى # واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم # الزمر 55 وقيل يأخذوا بما هو واجب أو ندب، لأنه أحسن من المباح. ويجوز ~~أن يراد يأخذوا بما أمروا به، دون ما نهوا عنه، على قولك الصيف أحر من ~~الشتاء { سأوريكم دار الفسقين } يريد دار فرعون وقومه وهي ~~مصر، كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم، لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم ~~فينكل بكم مثل نكالهم. وقيل منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله ~~لفسقهم في ممركم عليها في أسفاركم. ms0666 وقيل دار الفاسقين نار جهنم. وقرأ ~~الحسن «سأوريكم» وهي لغة فاشية بالحجاز. يقال أورني كذا، وأوريته. ووجهه ~~أن تكون من أوريت الزند كأن المعنى بينه لي وأنره لأستبينه وقرىء ~~«سأورثكم» قراءة حسنة يصححها قوله # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون # الأعراف 137. { سأصرف عن ءايتي } بالطبع على قلوب المتكبرين ~~وخذلانهم، فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها، غفلة وانهماكا فيما يشغلهم ~~عنها من شهواتهم. وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 399 # " إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي " # وقيل سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى، ~~بأن جمع لها السحرة، فأبى الله إلا علو الحق وانتكاس الباطل. ويجوز ~~سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها. وتسميتها سحرا بإهلاكهم. ~~وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم ~~بها، لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم { بغير الحق } فيه وجهان ~~أن يكون حالا بمعنى يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحق لله وحده. وأن ~~يكون صلة لفعل التكبر، أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم { ~~وإن يروا كل ءاية } من الآيات المنزلة عليهم { لا ~~يؤمنوا بها } وقرأ مالك بن دينار «وإن يروا» بضم الياء. وقرىء ~~«سبيل الرشد» و «الرشد» و «الرشاد»، كقولهم السقم والسقم والسقام. وما ~~أسفه من ركب المفازة، فإن رأى طريقا مستقيما أعرض عنه وتركه، وإن رأى ~~معتسفا مرديا أخذ فيه وسلكه، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه { ذلك } في ~~محل الرفع أو النصب على معنى ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو صرفهم الله ذلك ~~الصرف بسبب { ولقاء الآخرة } يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى ~~المفعول به. أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، ومن إضافة المصدر إلى ~~الظرف بمعنى ولقاء ما وعد الله في الآخرة. ### || [7.148-149] # { من بعده } من بعد فراقه إياهم إلى الطور، فإن قلت لم قيل واتخذ ~~قوم موسى عجلا، والمتخذ هو السامري؟ قلت فيه ms0667 وجهان، أحدهما أن ينسب ~~الفعل إليهم، لأن رجلا منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال بنو ~~تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين ~~لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه. والثاني أن يراد واتخذوه إلها ~~وعبدوه. وقرىء «من حليهم» بضم الحاء والتشديد، جمع حلي، كثدي وثدي، ومن ~~حليهم - بالكسر - للإتباع كدلى. ومن حليهم، على التوحيد، والحلي اسم لما ~~يتحسن به من الذهب والفضة. فإن قلت لم قال من حليهم، ولم يكن الحلي لهم، ~~إنما كانت عوارى في أيديهم؟ قلت الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها عوارى ~~في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا ~~غيرها من أملاكهم. ألا ترى إلى قوله عز وعلا # فأخرجنهم من جنت وعيون وكنوز ومقام ~~كريم كذلك وأورثنها بنى إسرءيل # الشعراء 57-59، { جسدا } بدنا ذا لحم ودم كسائر الأجساد. والخوار ~~صوت البقر، قال الحسن إن السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل ~~عليه السلام يوم قطع البحر، فقذفه في في العجل، فكان عجلا له خوار. ~~وقرأ علي رضي الله عنه «جؤار» بالجيم والهمزة، ومن جأر إذا صاح. وانتصاب ~~جسدا على البدل من { عجلا } { ألم يروا } حين اتخذوه إلها ~~أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل، حتى لا يختاروه على من لو كان ~~البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الذي هدى الخلق ~~إلى سبل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في كتبه. ~~ثم ابتدأ فقال { اتخذوه } أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر ~~المنكر { وكانوا ظلمين } واضعين كل شيء في غير موضعه، فلم يكن ~~اتخاذ العجل بدعا منهم، ولا أول مناكيرهم { ولما سقط فى ~~أيديهم } ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من شأن من ~~اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد ~~وقع فيها. و { سقط } مسند إلى { فى أيديهم } وهو من باب ~~الكناية. وقرأ أبو السميفع «سقط ms0668 في أيديهم»، على تسمية الفاعل، أي وقع ~~العض فيها، وقال الزجاج معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم ~~وأنفسهم، كما يقال حصل في يده مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد، ~~تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد ويرى بالعين { ~~ورأوا أنهم قد ضلوا } وتبينوا ضلالهم تبينا كأنهم ~~أبصروه بعيونهم. وقرىء «لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا»، بالتاء. وربنا، ~~بالنصب على النداء، وهذا كلام التائبين، كما قال آدم وحواء عليهما السلام ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا. ### || [7.150-151] # الأسف الشديد الغضب # فلما ءاسفونا انتقمنا منهم # الزخرف 55 وقيل هو الحزين { خلفتمونى } قمتم مقامي وكنتم خلفائي ~~من بعدي. وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو ~~لوجوه بني إسرائيل وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه. ويدل عليه قوله # اخلفنى فى قومى # الأعراف 142 والمعنى بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، ~~أو حيث لم تكفوا من عبد غير الله. فإن قلت أين ما تقتضيه بئس من الفاعل ~~والمخصوص بالذم؟ قلت الفاعل مضمر يفسره ما خلفتموني. والمخصوص بالذم ~~محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم. فإن قلت أي معنى ~~لقوله { من بعدى } بعد قوله { خلفتموني }؟ قلت معناه من بعد ما رأيتم ~~مني، من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له. أو من بعد ما ~~كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد. وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من ~~عبادة البقر، حين قالوا # اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة # الأعراف 128 ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا ~~يخالفوه. ونحوه # فخلف من بعدهم خلف # الأعراف 169 أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة يقال عجل عن ~~الأمر إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى سبق ~~فيتعدى تعديته، فيقال عجلت الأمر، والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم، وهو ~~انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد ~~بلغ آخره ولن أرجع إليكم فحدثتم ms0669 أنفسكم بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم ~~بعد أنبيائهم. وروي أن السامري قال لهم - حين أخرج لهم العجل وقال هذا ~~إلهكم وإله موسى - إن موسى لن يرجع، وإنه قد مات وروي أنهم عدوا ~~عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين، ثم أحدثوا ما أحدثوا { وألقى ~~الالواح } وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدة الضجر عند استماعه حديث ~~العجل، غضبا لله وحمية لدينه، وكان في نفسه حديدا شديد الغضب، وكان ~~هارون ألين منه جانبا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى. وروي أن ~~التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها ~~وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء،وفيما بقي الهدى والرحمة ~~{ وأخذ برأس أخيه } أي بشعر رأسه { يجره إليه } ~~بذؤابته وذلك لشدة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته، وظنا ~~بأخيه أنه فرط في الكف { ابن أم } قرىء بالفتح تشبيها بخمسة عشر، ~~وبالكسر على طرح ياء الإضافة. «وابن أمي»، وبالياء. «وابن إم»، بكسر ~~الهمزة والميم. وقيل كان أخاه لأبيه وأمه، فإن صح فإنما أضافه إلى ~~الأم، إشارة إلى أنهما من بطن واحد. # وذلك أدعى إلى العطف والرقة، وأعظم للحق الواجب، ولأنها كانت مؤمنة ~~فاعتد بنسبها، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها { ~~إن القوم استضعفوني } يعني أنه لم يأل جهدا في كفهم بالوعظ ~~والإنذار. وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادتهم حتى قهروه ~~واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه { يقتلوننى فلا تشمت بى ~~الاعداء } فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إلي، ~~وقرىء «فلا يشمت بي الأعداء»، على نهي الأعداء عن الشماتة. والمراد أن لا ~~يحل به ما يشمتون به لأجله { ولا تجعلنى مع القوم ~~الظلمين } ولا تجعلني في موجدتك علي وعقوبتك لي قرينا لهم ~~وصاحبا. أو ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم. ~~لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء { قال رب اغفر لى ~~ولاخى } ليرضي أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه ms0670 فلا تتم لهم شماتتهم، ~~واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة. ~~وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة. ### || [7.152] # { غضب من ربهم وذلة } الغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم. ~~والذلة خروجهم من ديارهم لأن ذل الغربة مثل مضروب. وقيل هو ما نال ~~أبناءهم وهم بنو قريظة والنضير، من غضب الله تعالى بالقتل والجلاء، ومن ~~الذلة بضرب الجزية { المفترين } المتكذبين على الله، ولا فرية أعظم ~~من قول السامري هذا إلهكم وإله موسى. ويجوز أن يتعلق في الحياة الدنيا ~~بالذلة وحدها ويراد سينالهم غضب في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله. ### || [7.153] # { والذين عملوا السيئات } من الكفر والمعاصي كلها { ثم ~~تابوا } ثم رجعوا { من بعدها } إلى الله واعتذروا إليه { ~~وءامنوا } وأخلصوا الإيمان { إن ربك من بعدها } من بعد ~~تلك العظائم { لغفور } لستور عليهم محاء لما كان منهم { رحيم } ~~منعم عليهم بالجنة. وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل ومن عداهم. عظم ~~جنايتهم أو لا ثم أردفها تعظيم رحمته، ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن ~~عفوه وكرمه أعظم وأجل، ولكن لا بد من حفظ الشريطة وهي وجوب التوبة ~~والإنابة، وما وراءه طمع فارغ وأشعبية باردة، لا يلتفت إليها حازم. ### || [7.154] # { ولما سكت عن موسى الغضب } هذا مثل، كأن الغضب كان ~~يغريه على ما فعل ويقول له قل لقومك كذا وألقي الألواح، وجر برأس أخيك ~~إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها ~~كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة، وإلا ~~فما لقراءة معاوية بن قرة «ولما سكن عن موسى الغضب»، لا تجد النفس عندها ~~شيئا من تلك الهزة، وطرفا من تلك الروعة. وقرىء «ولما سكت» و «أسكت» أي ~~أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه وتنصله، والمعنى ولما طفىء غضبه { ~~أخذ الالواح } التي ألقاها { وفى نسختها } وفيما نسخ منها، ~~أي كتب. والنسخة ms0671 فعلة بمعنى مفعول كالخطبة { لربهم يرهبون } ~~دخلت اللام لتقدم المفعول، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفا. ونحوه # للرؤيا تعبرون # يوسف 43 وتقول لك ضربت. ### || [7.155-157] # { واختار موسى قومه } أي من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، ~~كقوله # ومنا الذي اختير الرجال سماحة # قيل اختار من اثني عشر سبطا، من كل سبط ستة حتى تتاموا اثنين وسبعين، ~~فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا، فقال إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، ~~فقعد كالب ويوشع. وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخا، فأوحى الله تعالى إليه ~~أن تختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا. وقيل كانوا أبناء ما ~~عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم ~~موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، ~~لميقات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا ~~موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل ~~فيه وقال للقوم ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجدا، ~~فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل، ولا تفعل. ثم انكشف الغمام ~~فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا يا موسى ~~لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فقال رب أرني أنظر إليك، يريد أن يسمعوا ~~الرد والإنكار من جهته، فأجيب بلن تراني، ورجف بهم الجبل فصعقوا. ولما ~~كانت الرجفة { قال } موسى { رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإيى } وهذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب ~~الرؤية، كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله ~~لأهلكني قبل هذا { أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } يعني ~~أتهلكنا جميعا، يعني نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجرا للسفهاء، ~~وهم طلبوها سفها وجهلا { إن هى إلا فتنتك } أي محنتك ~~وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية ~~استدلالا فاسدا، حتى افتتنوا وضلوا { تضل بها من تشاء ~~وتهدى من تشاء } تضل بالمحنة الجاهلين غير ms0672 الثابتين في معرفتك، ~~وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت. وجعل ذلك إضلالا من الله ~~وهدى منه، لأن محنته لما كانت سببا لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها ~~وهداهم على الاتساع في الكلام { أنت ولينا } مولانا القائم ~~بأمورنا { واكتب لنا } وأثبت لنا وأقسم { فى هذه الدنيا ~~حسنة } عافية وحياة طيبة وتوفيقا في الطاعة { وفي الآخرة } ~~الجنة { هدنا إليك } تبنا إليك. وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب. ~~والهود جمع هائد، وهو التائب.ولبعضهم # يا راكب الذنب هدهد واسجد كأنك هدهد # وقرأ أبو وجرة السعدي «هدنا إليك» بكسر الهاء، من هاده يهيده إما حركه ~~وأماله. ويحتمل أمرين، أن يكون مبنيا للفاعل والمفعول بمعنى حركنا إليك ~~أنفسنا وأملناها أو حركنا إليك وأملنا على تقدير فعلنا، كقولك عدت يا ~~مريض بكسر العين، فعلت من العيادة. # ويجوز عدت بالإشمام. وعدت، بإخلاص الضمة فيمن قال عود المريض. وقول ~~القول. ويجوز على هذه اللغة أن يكون { هدنا } بالضم فعلنا من هاده ~~يهيده { عذابى } من حاله وصفته أني { أصيب به من أشاء } أي ~~من وجب علي في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. ~~وأما { رحمتى } فمن حالها وصفتها أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من ~~مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي. وقرأ الحسن «من ~~أساء» من الإساءة. فسأكتب هذه الرحمة كتبه خاصة منكم يا بني إسرائيل ~~للذين يكونون في آخر الزمان من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين هم ~~بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيء منها { الذين ~~يتبعون الرسول } الذي نوحي إليه كتابا مختصا به وهو القرآن { ~~النبى } صاحب المعجزات { الذى يجدونه } يجد نعته أولئك الذين ~~يتبعونه من بني إسرائيل { مكتوبا عندهم فى التوراة ~~والإنجيل... ويحل لهم الطيبت } ما حرم عليهم من ~~الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها. أو ما طاب في الشريعة والحكم، مما ذكر ~~اسم الله عليه من الذبائح، وما خلي كسبه من السحت، ويحرم عليهم الخبائث ~~ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أهل لغير ms0673 الله به أو ~~ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيثة. الإصر ~~الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لثقل تكليفهم ~~وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال. مثل لما ~~كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو ~~خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد ~~والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت. وعن عطاء ~~كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم. ~~وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس ~~نفسه على العبادة. وقرىء «آصارهم» على الجمع { وعزروه } ومنعوه حتى ~~لا يقوى عليه عدو. وقرىء بالتخفيف. وأصل العزر المنع. ومنه التعزير ~~للضرب دون الحد، لأنه منع عن معاودة القبيح. ألا ترى إلى تسميته الحد، ~~والحد هو المنع. و { النور } القرآن. فإن قلت ما معنى قوله { أنزل ~~معه } وإنما أنزل مع جبريل؟ قلت معناه أنزل مع نبوته، لأن استنباءه ~~كان مصحوبا بالقرآن مشفوعا به. ويجوز أن يعلق باتبعوا. أي واتبعوا ~~القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهي عنه، أو ~~واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه. # فإن قلت كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى عليه السلام ودعائه؟ قلت لما ~~دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطو على توبيخ بني إسرائيل على ~~استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كفرهم بآيات الله العظام التي ~~أجراها على يد موسى، وعرض بذلك في قوله { والذين هم بآيتنا ~~يؤمنون } وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به كعبد الله بن سلام وغيره من أهل ~~الكتابين لطفا لهم وترغيبا في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن ~~يحشروا معهم ولا يفرق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل ~~شيء. ### || [7.158] # { إنى رسول الله إليكم جميعا } قيل بعث كل رسول إلى ms0674 ~~قومه خاصة وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجن. ~~وجميعا نصب على الحال من إليكم. فإن قلت { الذى له ملك ~~السموت والأرض } ما محله؟ قلت الأحسن أن يكون منتصبا بإضمار ~~أعني، وهو الذي يسمى النصب على المدح. ويجوز أن يكون جرا على الوصف، وإن ~~حيل بين الصفة والموصوف بقوله إليكم. { إليكم جميعا } وقوله { ~~لا إله إلا هو } بدل من الصلة التي هي له ملك السموات ~~والأرض، وكذلك { يحى ويميت } وفي { لا إله إلا هو } ~~بيان للجملة قبلها، لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة. وفي ~~يحيي ويميت بيان لاختصاصه بالإلهية، لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة ~~غيره { وكلمته } وما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل من كتبه ~~ووحيه. وقرىء «وكلمته» على الإفراد وهي القرآن. أو أراد جنس ما كلم به. ~~وعن مجاهد أراد عيسى ابن مريم. وقيل هي الكلمة التي تكون عنها عيسى ~~وجميع خلقه، وهي قوله { كن } وإنما قيل إن عيسى كلمة الله، فخص بهذا ~~الاسم، لأنه لم يكن لكونه سبب غير الكلمة، ولم يكن من نطفة تمنى { ~~لعلكم تهتدون } إرادة أن تهتدوا. فإن قلت هلا قيل فآمنوا ~~بالله وبي، بعد قوله { إنى رسول الله إليكم }؟ قلت عدل من ~~المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في ~~طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه ~~هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، كائنا ~~من كان، أنا أو غيري، إظهارا للنصفة وتفاديا من العصبية لنفسه. ### || [7.159] # { ومن قوم موسى أمة } هم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل، ~~لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين ~~عبادة العجل واستجازة رؤية الله تعالى، ذكر أن منهم أمة موقنين ثابتين ~~يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم. وبالحق ~~يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآمن به من أعقابهم. وقيل ms0675 إن بني إسرائيل لما قتلوا ~~أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا ~~واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم، ففتح الله لهم نفقا ~~في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هنالك ~~حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم 400 # " أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل هل تعرفون ~~من تكلمون؟ قالوا لا. قال هذا محمد النبي الأمي، فآمنوا به وقالوا يا ~~رسول الله، إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه مني السلام ~~فرد محمد على موسى عليهما السلام السلام، ثم أقرؤهم عشر سور من القرآن ~~نزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا ~~مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت " # وعن مسروق. قرىء بين يدي عبد الله فقال رجل إني منهم، فقال عبد الله ~~يعني لمن كان في مجلسه من المؤمنين وهل يزيد صلحاؤكم عليهم شيئا من يهدي ~~بالحق وبه يعدل، وقيل لو كانوا في طرف من الدنيا متمسكين بشريعة ولم ~~يبلغهم نسخها كانوا معذورين. وهذا من باب الفرض والتقدير وإلا فقد طار ~~الخبر بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى كل أفق، وتغلغل في كل نفق، ولم ~~يبق الله أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا بر ولا بحر في مشارق ~~الأرض ومغاربها، وإلا وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم وألزمهم به الحجة ~~وهو سائلهم عنه يوم القيامة. ### || [7.160] # { وقطعنهم } وصيرناهم قطعا، أي فرقا وميزنا بعضهم من بعض ~~لقلة الألفة بينهم. وقرىء «وقطعناهم» بالتخفيف { اثنتى عشرة ~~أسباطا } كقولك اثنتي عشرة قبيلة. والأسباط أولاد الولد، جمع سبط ~~وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من ولد يعقوب عليه السلام. ~~فإن قلت مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعا؟ وهلا قيل اثني ~~عشر سبطا؟ قلت لو قيل ذلك لم يكن تحقيقا لأن المراد وقطعناهم اثنتي ~~عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا ms0676 سبط، فوضع أسباطا موضع قبيلة. ونظيره # بين رماحي مالك ونهشل # و { أمما } بدل من اثنتي عشرة بمعنى وقطعناهم أمما لأن كل أسباط ~~كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه ~~الأخرى، لا تكاد تأتلف. وقرىء «اثنتي عشرة» بكسر الشين { فانبجست } ~~فانفجرت. والمعنى واحد، وهو الانفتاح بسعة وكثرة قال العجاج # وكيف غربي دالج تبجسا # فإن قلت فهلا قيل فضرب فانبجست؟ قلت لعدم الإلباس، وليجعل الإنبجاس ~~مسببا عن الإيحاء بضرب الحجر للدلالة على أن الموحى إليه لم يتوقف عن ~~اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به. من ~~قوله { كل أناس } نظير قوله اثنتي عشرة أسباطا، يريد كل أمة من ~~تلك الأمم الثنتي عشرة، والأناس، اسم جمع غير تكسير، نحو. رخال وتناء ~~وتؤام وأخوات لها. ويجوز أن يقال إن الأصل الكسر والتكسير، والضمة بدل من ~~الكسرة، كما أبدلت في نحو. سكارى وغيارى من الفتحة { وظللنا ~~عليهم الغمم } وجعلناه ظليلا عليهم في التيه، و { كلوا } ~~على إرادة القول { وما ظلمونا } وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم ~~النعم، ولكن كانوا يضرون أنفسهم. ويرجع وبال ظلمهم إليهم. ### || [7.161-162] # { وإذ قيل لهم } واذكر إذ قيل لهم. والقرية بيت المقدس. فإن قلت ~~كيف اختلفت العبارة ههنا وفي سورة البقرة؟ قلت لا بأس باختلاف العبارتين ~~إذا لم يكن هناك تناقض. ولا تناقض بين قوله، اسكنوا هذه القرية وكلوا ~~منها، وبين قوله فكلوا لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، ~~فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواء قدموا الحطة على ~~دخول الباب أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهم، وترك ذكر الرغد لا ~~يناقض إثباته، وقوله { نغفر لكم خطيئتكم سنزيد ~~المحسنين } موعد بشيئين بالغفران، وبالزيادة، وطرح الواو لا يخل ~~بذلك، لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران؟ فقيل ~~له سنزيد المحسنين، وكذلك زيادة { منهم } زيادة بيان، وأرسلنا، ~~وأنزلنا. و { يظلمون } ويفسقون من واد واحد. وقرىء «يغفر لكم ~~خطيئاتكم» «وتغفر لكم خطاياكم». و «خطيئاتكم»، ms0677 و« خطيئتكم»، على البناء ~~للمفعول. ### || [7.163-166] # { وسلهم } وسل اليهود. وقرىء «واسألهم». وهذا السؤال معناه التقرير ~~والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله والإعلام بأن هذا من علومهم ~~التي لا تعلم إلا بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم ~~أنه من جهة الوحي. ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك ~~أعدوتم في السبت؟ والقرية أيلة. وقيل مدين. وقيل طبرية. والعرب تسمي ~~المدينة قرية. وعن أبي عمرو بن العلاء. ما رأيت قرويين أفصح من الحسن ~~والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن { كانت حاضرة البحر } قريبة ~~منه راكبة لشاطئه { إذ يعدون فى السبت } إذ يتجاوزون حد الله ~~فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه. وقرىء «يعدون» بمعنى ~~يعتدون، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين، ويعدون من ~~الإعداد، وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا ~~يشتغلوا فيه بغير العبادة. والسبت مصدر سبتت اليهود، إذا عظمت سبتها بترك ~~الصيد والاشتغال بالتعبد، فمعناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، كذلك قوله { ~~يوم سبتهم } معناه يوم تعظيمهم أمر السبت. ويدل عليه قوله { ~~ويوم لا يسبتون } و قراءة عمر بن عبد العزيز «يوم إسباتهم»، ~~وقرىء «لا يسبتون»، بضم الباء. وقرأ علي «لا يسبتون» بضم الياء، من ~~أسبتوا. وعن الحسن «لا يسبتون» على البناء للمفعول، أي لا يدار عليهم ~~السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا، فإن قلت إذ يعدون، وإذ تأتيهم، ما محلهما ~~من الإعراب؟ قلت أما الأول فمجرور بدل من القرية، والمراد بالقرية ~~أهلها، كأنه قيل واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو من بدل ~~الاشتمال. ويجوز أن يكون منصوبا بكانت، أو بحاضرة. وأما الثاني فمنصوب ~~بيعدون. ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل. والحيتان السمك، وأكثر ما تستعمل ~~العرب الحوت في معنى السمكة { شرعا } ظاهرة على وجه الماء. وعن الحسن ~~تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض. يقال شرع علينا فلان إذا دنا منا ~~وأشرف علينا. وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا { كذلك ~~نبلوهم } أي ms0678 مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم { وإذ ~~قالت } معطوف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب { أمة منهم ~~} جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، ~~حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم { لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم } أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم { أو ~~معذبهم عذابا شديدا } لتماديهم في الشر. وإنما قالوا ذلك، ~~لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم { قالوا معذرة إلى ربكم } ~~أي موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض ~~التفريط { ولعلهم يتقون } ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء. # وقرىء «معذرة» بالنصب، أي وعظناهم معذرة إلى ربكم، أو اعتذرنا معذرة { ~~فلما نسوا } يعني أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ~~ترك الناسي لما ينساه { أنجينا الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا } الظالمين الراكبين للمنكر. فإن قلت الأمة الذين قالوا { ~~لم تعظون } من أي الفريقين هم أمن فريق الناجين أم المعذبين قلت من ~~فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين. وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن ~~علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضا صحيحا لعلمهم بحال القوم. ~~وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي، وربما ~~وجب الترك لدخوله في باب العبث. ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين ~~القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم ~~فيه، كان ذلك عبثا منك، ولم يكن إلا سببا للتلهي بك. وأما الآخرون ~~فإنما لم يعرضوا عنهم إما لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ~~ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدهم في أمرهم كما وصف الله ~~تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله # فلعلك بخع نفسك # الكهف 6 وقيل الأمة هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين لم تعظون ~~منا قوما تزعمون أن الله مهلكهم أو معذبهم؟ وعن ابن عباس رضي الله عنه ~~أنه قال يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا لم تعظون قوما؟ قال ~~عكرمة ms0679 فقلت جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم ~~وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد ~~نجوا. وعن الحسن نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان. وروي ~~أن اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه ~~واختاروا السبت، فابتلوا به وحرم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، ~~فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها المخاض، لا يرى ~~الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ~~ثم جاءهم إبليس فقال لهم إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضا ~~تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها. وتأخذونها ~~يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتا وربط في ذنبه خيطا إلى خشبة في الساحل، ~~ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال له إني أرى ~~الله سيعذبك، فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أن ~~العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحوا من سبعين ~~ألفا، فصار أهل القرية أثلاثا، ثلث نهوا وكانوا نحوا من اثني عشر ~~ألفا، وثلث قالوا لم تعظون قوما؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة. # فلما لم ينتهوا قال المسلمون إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار ~~للمسلمين باب، وللمعتدين باب. ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ~~ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا إن للناس شأنا، ~~فعلوا الجدار فنطروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت ~~القرود أنسباءها من الأنس، والأنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل ~~القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول ألم ننهك فيقول برأسه بلى، ~~وقيل صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير. وعن الحسن أكلوا والله أوخم أكلة ~~أكلها أهلها، أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة، هاه وايم ~~الله، ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم. ولكن الله ~~جعل موعدا، والساعة أدهى وأمر { بئيس } شديد. يقال بؤس يبؤس ms0680 بأسا، ~~إذا اشتد، فهو بئيس. وقرىء «بئس»، بوزن حذر. وبئس على تخفيف العين ~~ونقل حركتها إلى الفاء. كما يقال كبد في كبد. وبيس على قلب الهمزة ياء، ~~كذيب في ذئب، وبيئس على فيعل، بكسر الهمزة وفتحها، وبيس بوزن ريس، على ~~قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها، وبيس على تخفيف بيس، كهين في هين. ~~وبائس على فاعل { فلما عتوا عما نهوا عنه } فلما تكبروا ~~عن ترك ما نهوا عنه، كقوله # وعتوا عن أمر ربهم # الأعراف 77، { قلنا لهم كونوا قردة } عبارة عن مسخهم قردة، ~~كقوله # إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # يس 82 والمعنى أن الله تعالى عذبهم أولا بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك ~~فمسخهم. وقيل فلما عتوا، تكرير لقوله { فلما نسوا } والعذاب ~~البئيس هو المسخ. ### || [7.167] # { تأذن ربك } عزم ربك، وهو تفعل من الإيذان وهو الإعلام لأن ~~العازم على الأمر يحدت نفسه به ويؤذنها بفعله، وأجرى مجرى فعل القسم، ~~كعلم الله، وشهد الله. ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله { ~~ليبعثن } والمعنى وإذ حتم ربك وكتب على نفسه ليبعثن على اليهود ~~{ إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب } فكانوا ~~يؤدون الجزية إلى المجوس، إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر. ومعنى ليبعثن عليهم ~~ليسلطن عليهم، كقوله # بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد # الأسراء 5 ### || [7.168-169] # { وقطعنهم في الارض أمما } وفرقناهم فيها، فلا يكاد ~~يخلو بلد من فرقة منهم { منهم الصلحون } الذين آمنوا منهم ~~بالمدينة، أو الذين وراء الصين { ومنهم دون ذلك } ومنهم ناس ~~دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة. فإن قلت ما محل دون ذلك؟ ~~قلت الرفع، وهو صفة لموصوف محذوف، معناه ومنهم ناس منحطون عن الصلاح، ~~ونحوه # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 64 بمعنى وما منا أحد إلا له مقام { وبلونهم ~~بالحسنت والسيئات } بالنعم والنقم { لعلهم ~~يرجعون } فينيبون { فخلف } من بعد المذكورين { خلف } وهم ~~الذين كانوا في زمن ms0681 رسول الله صلى الله عليه وسلم { ورثوا ~~الكتب } التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما ~~فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها { ~~يأخذون عرض هذا الادنى } أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد ~~الدنيا وما يتمتع به منها. وفي قوله { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير. ~~والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنو الحال ~~وسقوطها وقلتها، والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف ~~الكلم للتسهيل على العامة { ويقولون سيغفر لنا } لا يؤاخذنا ~~الله بما أخذنا. وفاعل { سيغفر } الجار والمجرور، وهو { لنا } ~~ويجوز أن يكون الأخذ الذي هو مصدر يأخذون { وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه } الواو للحال، أي يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون ~~إلى مثل فعلهم، غير تائبين. وغفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصر ~~لا غفران له { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتب } يعني ~~قوله في التوراة من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة { ~~ودرسوا ما فيه } في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، ~~والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى. وعن مالك بن دينار ~~رحمه الله، يأتي على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به، قالوا سيغفر لنا، ~~لأنا لم نشرك بالله شيئا، كل أمرهم إلى الطمع، خيارهم فيهم المداهنة، ~~فهؤلاء من هذه الأمة أشباه الذين ذكرهم الله، وتلا الآية { والدار ~~الآخرة خير } من ذلك العرض الخسيس { للذين يتقون } الرشا ~~ومحارم الله. وقرىء ««ورثوا الكتاب»، وإلا تقولوا، بالتاء. وادارسو، ~~بمعنى تدارسوا. وأفلا تعقلون، بالياء والتاء. فإن قلت ما موقع قوله { ~~ألا يقولوا على الله إلا الحق }؟ قلت هو عطف بيان ~~لميثاق الكتاب. ومعنى ميثاق الكتاب. الميثاق المذكور في الكتاب. وفيه أن ~~إثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله. وتقول ~~عليه ما ليس بحق. وإن فسر ميثاق الكتاب بما تقدم ذكره كان { أن لا ~~يقولوا } مفعولا له. ومعناه لئلا يقولوا. ويجوز أن تكون { أن } ~~مفسرة، و { لا تقولوا } نهيا، كأنه قيل ms0682 ألم يقل لهم لا تقولوا على ~~الله إلا الحق؟ فإن قلت علام عطف قوله { ودرسوا ما فيه }؟ قلت ~~على { ألم يؤخذ عليهم } ، لأنه تقرير، فكأنه قيل أخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه. ### || [7.170] # { والذين يمسكون بالكتب } فيه وجهان، أحدهما أن يكون ~~مرفوعا بالابتداء وخبره { إنا لا نضيع أجر المصلحين } ~~والمعنى إنا لا نضيع أجرهم لأن المصلحين في معنى الذين يمسكون بالكتاب، ~~كقوله # إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا # الكهف 30 والثاني أن يكون مجرورا عطفا على الذين يتقون، ويكون قوله { ~~إنا لا نضيع } اعتراضا. وقرىء «يمسكون» بالتشديد. وتنصره قراءة ~~أبي «والذين مسكوا بالكتاب»، فإن قلت التمسك بالكتاب يشتمل على كل ~~عبادة. ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟ قلت إظهار لمزية الصلاة لكونها ~~عماد الدين، وفارقه بين الكفر والإيمان. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ~~«والذين استمسكوا بالكتاب». ### || [7.171] # { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } قلعناه ورفعناه، كقوله { ~~ورفعنا فوقهم الطور }. ومنه نتق السقاء، إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه. ~~والظلة كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب. وقرىء بالطاء، من أطل عليه إذا أشرف ~~{ وظنوا أنه واقع بهم } وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم ~~أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة. لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤسهم ~~مقدار عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ. وقيل لهم إن قبلتموها بما فيها وإلا ~~ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه ~~الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه، فلذلك لا ترى ~~يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر، ويقولون هي السجدة التي رفعت عنا ~~بها العقوبة، ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله. لم يبق جبل ولا شجر ~~ولا حجر إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهوديا تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ~~وأنغض لها رأسه { خذوا ما ءاتينكم } على إرادة القول. أي وقلنا ~~خذوا ما آتيناكم، أو قائلين خذوا ما آتيناكم من الكتاب { بقوة } ~~وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه { واذكروا ما فيه } من الأوامر ~~والنواهي ms0683 ولا تنسوه، أو اذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا ~~فيه. ويجوز أن يراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم ~~تطيقونه، كقوله # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطر السموات ~~والأرض # الرحمن 33 فانفذوا. { واذكروا ما فيه } من الدلالة على القدرة ~~الباهرة والإنذار { لعلكم تتقون } ما أنتم عليه. وقرأ ابن ~~مسعود «وتذكروا» وقرىء «واذكروا»، بمعنى وتذكروا. ### || [7.172-174] # { من ظهورهم } بدل من بني آدم بدل البعض من الكل. ومعنى أخذ ~~ذرياتهم من ظهورهم إخراجهم من أصلابهم نسلا وإشهادهم على أنفسهم. قوله ~~{ ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } من باب التمثيل ~~والتخييل ! ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ~~ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها ~~مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم ألست ~~بربكم؟ وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك. ~~وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة و السلام، وفي ~~كلام العرب. ونظيره قوله تعالى # إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # النحل 40، # فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين # فصلت 11 وقوله # إذ قالت الأنساع للبطن الحق # قالت له ريح الصبا قرقار # ومعلوم أنه لا قول ثم، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى { وأن ~~تقولوا } مفعول له، أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها ~~العقول، كراهة { أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن ~~هذا غفلين } لم ننبه عليه { أو } كراهة { أن تقولوا ~~إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم } ~~فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا ~~عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء. كما لا ~~عذر لآبائهم في الشرك - وأدلة التوحيد منصوبة لهم - فإن قلت بنو آدم ~~وذرياتهم من هم؟ قلت عنى ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، حيث ~~قالوا عزير ابن الله. وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من ms0684 أخلافهم المقتدين بآبائهم. والدليل على أنها من المشركين ~~وأولادهم قوله { أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من ~~قبل } والدليل على أنها في اليهود الآيات التي عطفت عليها هي، والتي ~~عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها، وذلك قوله # وسئلهم عن القرية # الأعراف 163، # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون # الأعراف 164، # وإذ تأذن ربك # الأعراف 167، # وإذ نتقنا الجبل فوقهم # الأعراف 171. # واتل عليهم نبأ الذى ءاتينه ءايتنا # الأعراف 175. { أفتهلكنا بما فعل المبطلون } أي كانوا ~~السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك، وتقدمهم فيه، وتركه سنة لنا { ~~وكذلك } ومثل ذلك التفصيل البليغ { نفصل الآيت } لهم { ~~ولعلهم يرجعون } وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها. وقرىء ~~«ذريتهم» على التوحيد. وأن يقولوا بالياء. ### || [7.175-176] # { واتل عليهم } على اليهود { واتل عليهم نبأ الذى ~~ءاتينه ءايتنا فانسلخ منها } هو عالم من علماء بني ~~إسرائيل. وقيل من الكنعانيين، اسمه بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب ~~الله { فانسلخ منها } من الآيات، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره { ~~فأتبعه الشيطن } فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له. أو ~~فأتبعه خطواته. وقرىء «فاتبعه» بمعنى فتبعه { فكان من الغاوين } ~~فصار من الضالين الكافرين. روي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن ~~معه فأبى وقال كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا عليه ولم يزالوا به ~~حتى فعل { ولو شئنا لرفعنه بها } لعظمناه ورفعناه إلى ~~منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات { ولكنه أخلد إلى ~~الأرض } مال إلى الدنيا ورغب فيها. وقيل مال إلى السفالة. فإن قلت كيف ~~علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع قلت ~~المعنى. ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها. وذلك أن ~~مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة. والمراد ما هي ~~تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل ولو لزمها لرفعناه بها. ألا ترى إلى قوله { ~~ولكنه أخلد إلى الارض } فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي ~~هو فعله، فوجب أن يكون { ولو شئنا } في معنى ما هو فعله، ولو كان ~~الكلام على ظاهره لوجب أن يقال ولو ms0685 شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ { ~~فمثله كمثل الكلب } فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة ~~كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء ~~حمل عليه - أي شد عليه وهيج فطرد - أو ترك غير متعرض له بالحمل عليه. ~~وذلك أن سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرك، وإلا ~~لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعا، وكان حق الكلام أن يقال ~~ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع ~~قوله { فمثله كمثل الكلب } موضع حططناه أبلغ حط لأن تمثيله ~~بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنه، ~~الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه. وقيل معناه إن ~~وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته ~~على حاله لهث. فإن قلت ما محل الجملة الشرطية؟ قلت النصب على الحال، كأنه ~~قيل كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالتين. وقيل لما دعا بلعم ~~على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب ~~{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بئايتنا } من ~~اليهود بعد ما قرؤا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وذكر ~~القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به ~~{ فاقصص } قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم { لعلهم يتفكرون ~~} فيحذرون مثل عاقبته، إذا ساروا نحو سيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون ~~أنك علمته من جهة الوحي فيزدادوا إيقانا بك وتزداد الحجة لزوما لهم. ### || [7.177] # { ساء مثلا القوم } أي مثل القوم. أو ساء أصحاب مثل القوم. وقرأ ~~الجحدري «ساء مثل القوم». { وأنفسهم كانوا يظلمون } إما أن ~~يكون معطوفا على كذبوا، فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين ~~التكذيب، بآيات الله وظلم أنفسهم. وإما أن يكون كلاما منقطعا عن الصلة، ~~بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه ~~قيل وخصوا أنفسهم بالظلم ms0686 لم يتعدها إلى غيرها. ### || [7.178] # { فهو المهتدى } حمل على اللفظ. و { فأولئك هم ~~الخسرون } حمل على المعنى. ### || [7.179] # { كثيرا من الجن والإنس } هم المطبوع على قلوبهم الذين علم ~~الله أنه لا لطف لهم. وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ~~ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى ~~عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب، وإبصار العيون ~~واستماع الآذان. وجعلهم - لإعراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه، وأنه لا ~~يأتي منهم إلا أفعال أهل النار - مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في ~~الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار ومنه كتاب عمر رضي الله عنه ~~إلى خالد بن الوليد بلغني أن أهل الشام اتخذوا لك دلوكا عجن بخمر وإني ~~لأظنكم آل المغيرة ذرء النار. ويقال لمن كان عريقا في بعض الأمور ما خلق ~~فلان إلا لكذا. والمراد وصف حال اليهود في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع علمهم أنه النبي الموعود. وأنهم من ~~جملة الكثير الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم، كأنهم خلقوا للنار { ~~أولئك كالانعم } في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع ~~للتدبر { بل هم أضل } من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر { ~~أولئك هم الغفلون } الكاملون في الغفلة. وقيل الأنعام ~~تبصر منافعها ومضارها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند ~~فيقدم على النار. ### || [7.180] # { ولله الاسماء الحسنى } التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل ~~على معان حسنة من تمجيد وتقديس وغيرذلك { فادعوه بها } فسموه بتلك ~~الأسماء { وذروا الذين يلحدون فى أسمئه } واتركوا ~~تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، ~~وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، كما سمعنا البدو يقولون بجهلهم يا أبا ~~المكارم، يا أبيض الوجه، يانخي. أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى. ~~نحو أن يقولوا يا ألله، ولا يقولوا يا رحمن وقد قال الله تعالى # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا ~~فله الاسماء الحسنى # الإسراء 110 ms0687 ويجوز أن يراد ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل ~~والخير والإحسان وانتفاء شبه الخلق فصفوه بها، وذروا الذين يلحدون في ~~أوصافه فيصفونه بمشيئة القبائح وخلق الفحشاء والمنكر وبما يدخل في ~~التشبيه كالرؤية ونحوها، وقيل إلحادهم في أسمائه تسميتهم الأصنام آلهة، ~~واشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز. ### || [7.181] # لما قال # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا # الأعراف 179 فأخبر أن كثيرا من الثقلين عاملون بأعمال أهل النار، ~~أتبعه قوله { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 401أنه كان يقول إذا قرأها # " هذه لكم " # وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق # الأعراف 159 وعنه صلى الله عليه وسلم 402 «إن من أمتي قوما على الحق ~~حتى ينزل عيسى عليه السلام» وعن الكلبي هم الذين آمنوا من أهل الكتاب. ~~وقيل هم العلماء والدعاة إلى الدين. ### || [7.182-185] # الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد ~~درجة. قال الأعشى # فلو كنت في جب ثمانين قامة ورقيت أسباب ~~السماء بسلم ليستدرجنك القول حتى تهره ~~وتعلم أني عنكم غير مفحم # ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه. وأدرج الكتاب طواه شيئا بعد شيء. ~~ودرج القوم مات بعضهم في أثر بعض. ومعنى { سنستدرجهم } سنستدينهم ~~قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم { من حيث لا ~~يعلمون } ما يراد بهم، وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع أنهماكهم ~~في الغي. فكلما جدد عليهم نعمة ازدادوا بطرا وجددوا معصية، ~~فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أن مواترة النعم أثرة من ~~الله وتقريب، وإنما هي خذلان منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى، نعوذ ~~بالله منه { وأملى لهم } عطف على { سنستدرجهم } وهو داخل ~~في حكم السين { إن كيدى متين } سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد، من ~~حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان { ما بصاحبهم } بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم { من جنة } من جنون، وكانوا يقولون شاعر مجنون. ~~وعن قتادة 403 أن النبي صلى الله عليه وسلم علا الصفا فدعاهم فخذا ~~فخذا ms0688 يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت ~~إلى الصباح { أولم ينظروا } نظر استدلال { فى ملكوت ~~السموت والأرض } فيما تدلان عليه من عظم الملك. والملكوت ~~الملك العظيم { وما خلق الله من شىء } وفيما خلق الله مما يقع ~~عليه اسم الشيء ومن أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف { وأن ~~عسى } أن مخففة من الثقيلة، والأصل أنه عسى، على أن الضمير ضمير ~~الشأن. والمعنى أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى { أن يكون ~~قد اقترب أجلهم } ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر ~~وطلب الحق وما ينجيهم. قبل مغافصة الأجل وحلول العقاب ويجوز أن يراد ~~باقتراب الأجل اقتراب الساعة، ويكون من «كان» التي فيها ضمير الشأن. فإن ~~قلت بم يتعلق قوله { فبأي حديث بعده يؤمنون }؟ قلت بقوله ~~{ عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } كأنه قيل لعل أجلهم ~~قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ~~ينتظرون بعد وضوح الحق، وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. ### || [7.186] # قرىء «ويذرهم» بالياء والنون، والرفع على الاستئناف، ويذرهم، بالياء ~~والجزم عطفا على محل { فلا هادي له } كأنه قيل من يضلل الله لا ~~يهده أحد ويذرهم. ### || [7.187] # { يسئلونك } قيل إن قوما من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى ~~الساعة إن كنت نبيا، فإنا نعلم متى هي، وكان ذلك امتحانا منهم، مع ~~علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها. وقيل السائلون قريش. و { ~~الساعة } من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا. وسميت القيامة بالساعة، ~~لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو على العكس لطولها، أو لأنها عند الله ~~على طولها كساعة من الساعات عند الخلق. { أيان } بمعنى متى. وقيل ~~اشتقاقه من أي فعلان منه، لأن معناه أي وقت وأي فعل، من أويت إليه، ~~لأن البعض آو إلى الكل متساند إليه، قاله ابن جني، وأبى أن يكون من ~~«أين» لأنه زمان، «وأين» مكان. وقرأ السلمي «إيان» بكسر الهمزة { ~~مرسها } إرساؤها، أو وقت إرسائها أي إثباتها وإقرارها. وكل شيء ~~ثقيل رسوه ثباته ms0689 واستقراره. ومنه رسي الجبل وأرسي السفينة. والمرسى ~~الأنجر الذي ترسى به، ولا أثقل من الساعة، بدليل قوله { ثقلت فى ~~السموت والأرض } والمعنى حتى يرسيها الله { إنما ~~علمها } أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به، ولم يخبر به أحدا من ~~ملك مقرب ولا نبي مرسل، يكاد يخفيها من نفسه، ليكون ذلك أدعى إلى ~~الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك { لا ~~يجليها لوقتها إلا هو } أي لا تزال خفية، لا يظهر أمرها ~~ولا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده إذا جاء في وقتها بغتة، لا يجليها ~~بالخبر عنها قبل مجيئها أحد من خلقه، لاستمرار الخفاء بها على غيره إلى ~~وقت وقوعها { ثقلت فى السموت والأرض } أي كل من أهلها من ~~الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، وبوده أن يتجلى له علمها وشق عليه ~~خفاؤها وثقل عليه. أو ثقلت فيها لأن أهلها يتوقعونها ويخافون شدائدها ~~وأهوالها. أو لأن كل شيء لا يطيقها ولا يقوم لها فهي ثقيلة فيها { ~~إلا بغتة } إلا فجأة على غفلة منكم. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 404 # " إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته، والرجل ~~يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " # { كأنك حفى عنها } كأنك عالم بها. وحقيقته كأنك بليغ في ~~السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم فيه ~~ورصن وهذا التركيب معناه المبالغة. ومنه إحفاء الشارب. إحتفاء البقل ~~استئصاله. وأحفى في المسألة، إذا ألحف وحفي بفلان وتحفى به بالغ في البر ~~به. وعن مجاهد استحفيت عنها السؤال حتى علمت. وقرأ ابن مسعود «كأنك حفي ~~بها» أي عالم بها بليغ في العلم بها. وقيل { عنها } متعلق بيسئلونك أي ~~يسئلونك عنها كأنك حفي أي عالم بها. # وقيل إن قريشا قالوا له إن بيننا وبينك قرابة، فقل لنا متى الساعة؟ ~~فقيل يسئلونك عنها كأنك حفي تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل ~~القرابة وتزوي علمها عن غيرهم، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها الله في ~~إخبارك ms0690 به، لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص، كسائر ما أوحي إليك. ~~وقيل كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره، يعني أنك تكره السؤال عنها ~~لأنها من علم الغيب الذي استأثر الله به ولم يؤته أحدا من خلقه. فإن قلت ~~لم كرر يسئلونك وإنما علمها عند الله؟ قلت للتأكيد، ولما جاء به من زيادة ~~قوله { كأنك حفى عنها } وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في ~~كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة زائدة، منهم محمد بن الحسن صاحب أبي ~~حنيفة رحمهما الله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~أنه العالم بها، وأنه المختص بالعلم بها. ### || [7.188] # { قل لا أملك لنفسى } هو إظهار للعبودية والانتفاء عما يختص ~~بالربوبية من علم الغيب أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا ~~دفع ضرركما المماليك والعبيد { إلا ما شاء } ربي ومالكي من النفع لي ~~والدفع عني { ولو كنت أعلم الغيب } لكانت حالي على خلاف ما ~~هي عليه، من استكثار الخير، واستغزار المنافع، واجتناب السوء والمضار، ~~حتى لا يمسني شيء منها. ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب. ~~ورابحا وخاسرا في التجارات، ومصيبا و مخطئا في التدابير { إن أنا ~~إلا } عبد أرسلت نذيرا وبشيرا، وما من شأني أني أعلم الغيب { ~~لقوم يؤمنون } يجوز أن يتعلق بالنذير والبشير جميعا، لأن ~~النذارة والبشارة إنما تنفعان فيهم. أو يتعلق بالتبشير وحده ويكون ~~المتعلق بالنذير محذوفا أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون. ### || [7.189-190] # { من نفس وحدة } وهي نفس آدم عليه السلام { وجعل منها ~~زوجها } وهي حواء، خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه. أو من جنسها ~~كقوله # جعل لكم من أنفسكم أزواجا # النمل 72 { ليسكن إليها } ليطمئن إليها ويميل ولا ينفر لأن ~~الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس، وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة ~~أبلغ، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه. وقال { ~~ليسكن } فذكر بعد ما أنث في قوله «واحدة» «منها زوجها»، ذهابا إلى ~~معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم. ولأن ms0691 الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ~~ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. والتغشي كناية عن الجماع، ~~وكذلك الغشيان والإتيان { حملت حملا خفيفا } خف عليها، ولم تلق ~~منه ما يلقى بعض الحبالي من حملهن من الكرب والأذى، ولم تستثقله كما ~~يستثقلنه. وقد تسمع بعضهن تقول في ولدها ما كان أخفه على كبدي حين حملته ~~{ فمرت به } فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق وقيل ~~{ حملت حملا خفيفا } يعني النطفة { فمرت به } فقامت به ~~وقعدت. وقرأ ابن عباس رضي الله عنه «فاستمرت به» وقرأ يحيى بن يعمر «فمرت ~~به» بالتخفيف. وقرأ غيره «فمارت به» من المرية، كقوله { ~~أفتمرونه } وأفتمرونه. ومعناه فوقع في نفسها ظن الحمل، فارتابت ~~به. { فلما أثقلت } حان وقت ثقل حملها كقولك أقربت. وقرىء ~~«أثقلت»، على البناء للمفعول أي أثقلها الحمل { دعوا الله ~~ربهما } دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيقي بأن ~~يدعى ويلتجأ إليه فقالا { لئن ءاتيتنا } لئن وهبت لنا { صلحا ~~} ولدا سويا قد صلح بدنه وبرىء. وقيل ولدا ذكرا، لأن الذكورة من ~~الصلاح والجودة. والضمير في { ءاتيتنا } و { لنكونن }. لهما ~~ولكل من يتناسل من ذريتهما { فلما ءاتهما } ما طلباه من الولد ~~الصالح السوي { جعلا له شركاء } أي جعل أولادهما له شركاء، على ~~حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك { فيما ءاتهما } أي ~~آتى أولادهما، وقد دل على ذلك بقوله { فتعلى الله عما ~~يشركون } حيث جمع الضمير. وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى ~~إشراكهم فيما آتاهم الله تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة، وعبد شمس ~~وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم. ووجه آخر وهو أن ~~يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ~~آل قصي ألا ترى إلى قوله في قصة أم معبد. # فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فخار لا ~~يبارى وسودد # ويراد هو الذي خلقكم من نفس قصي، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ~~ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا ms0692 من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما، حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي ~~وعبد الدار، وجعل الضمير في { يشركون } لهما ولأعقابهما الذين ~~اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسن لا إشكال فيه. وقرىء «شركا»، أي ~~ذوي شرك وهم الشركاء، أو أحدثا لله شركا في الولد. ### || [7.191-193] # أجريت الأصنام مجرى أولي العلم في قوله { وهم يخلقون } بناء على ~~اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة. والمعنى أيشركون ما لا يقدر على خلق ~~شيء كما يخلق الله، وهم يخلقون؟ لأن الله عز وجل خالقهم. أو لا يقدر على ~~اختلاق شيء، لأنه جماد، وهم يخلقون لأن عبدتهم يختلقونهم، فهم أعجز من ~~عبدتهم { ولا يستطيعون لهم } لعبدتهم { نصرا ولا ~~أنفسهم ينصرون } فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث، بل عبدتهم ~~هم الذي يدفعون عنهم ويحامون عليهم { وإن تدعوهم } وإن تدعوا هذه ~~الأصنام { إلى الهدى } أي إلى ما هو هدى ورشاد، وإلى أن يهدوكم. ~~والمعنى وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى، لا يتبعوكم ~~إلى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله. ويدل عليه قوله { ~~فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صدقين } { ~~سواء عليكم أدعوتموهم } أم صمتم عن دعائهم، في أنه لا ~~فلاح معهم. فإن قلت هلا قيل أم صمتم؟ ولم وضعت الجملة الإسمية موضع ~~الفعلية؟ قلت لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر دعوا الله دون أصنامهم، كقوله # وإذا مس الناس ضر # الروم 33 فكانت حالهم المستمرة أن يكونوا صامتين عن دعوتهم، فقيل إن ~~دعوتموهم لم تفترق الحال بين إحداثكم دعاءهم، وبين ما أنتم عليه من عادة ~~صمتكم عن دعائهم. ### || [7.194-195] # { إن الذين تدعون من دون الله } أي تعبدونهم وتسمونهم ~~آلهة من دون الله { عباد أمثالكم } وقوله { عباد ~~أمثالكم } استهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ~~ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضل بينكم. ثم أبطل أن يكونوا عبادا ~~أمثالهم فقال { ألهم أرجل يمشون بها } وقيل عباد أمثالكم ~~مملوكون أمثالكم. وقرأ سعيد بن جبير «إن الذين تدعون من دون ms0693 الله عبادا ~~أمثالكم» بتخفيف إن ونصب عبادا أمثالكم، والمعنى ما الذين تدعون من دون ~~الله عبادا أمثالكم، على إعمال «إن» النافية عمل «ما» الحجازية { قل ~~ادعوا شركاءكم } واستعينوا بهم في عداوتي { ثم كيدون } ~~جميعا أنتم وشركاؤكم { فلا تنظرون } فإني لا أبالي بكم، ولا يقول ~~هذا إلا واثق بعصمة الله، وكانوا قد خوفوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك، ~~كما قال قوم هود له # إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء # هود 54 قال لهم # إنى برىء مما تشركون من دونه فكيدونى جميعا ~~ثم لا تنظرون # هود 55. ### || [7.196-197] # { إن وليى الله } أي ناصري عليكم الله { الذى نزل ~~الكتب } الذي أوحى إلي كتابه وأعزني برسالته { وهو يتولى ~~الصلحين } ومن عادته أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه ولا ~~يخذلهم. ### || [7.198] # { ينظرون إليك } يشبهون الناظرين إليك، لأنهم صوروا أصنامهم ~~بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه { وهم لا يبصرون } وهم ~~لا يدركون المرئي. ### || [7.199] # { العفو } ضد الجهد أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما ~~أتى منهم، وتسهل من غير كلفة، ولا تداقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق ~~عليهم حتى لا ينفروا، كقوله صلى الله عليه وسلم 405 # " يسروا ولا تعسروا " # قال # خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في ~~سورتي حين أغضب # وقيل خذ الفضل وما تسهل من صدقاتهم، وذلك قبل نزول آية الزكاة، فلما ~~نزلت أمر أن يأخذهم بها طوعا أو كرها. والعرف المعروف والجميل من ~~الأفعال { وأعرض عن الجهلين } ولا تكافىء السفهاء بمثل ~~سفههم، ولا تمارهم، واحلم عنهم، وأغض على ما يسوؤك منهم. وقيل 406 لما ~~نزلت الآية سأل جبريل ما هذا فقال لا أدري حتى أسأل العالم، ثم رجع فقال ~~«يا محمد» إن ربك أمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك». ~~وعن جعفر الصادق أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق، وليس ~~في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. ### || [7.200] # { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } وإما ينخسنك منه ~~نخس، بأن يحملك بوسوسته ms0694 على خلاف ما أمرت به { فاستعذ بالله } ~~ولا تطعه. النزغ والنسغ الغرز والنخس، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على ~~المعاصي. وجعل النزغ نازغا، كما قيل جد جده. وروي 407 أنها لما نزلت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يا رب والغضب فنزل { وإما ينزعنك ~~من الشيطان نزع } ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب، كقول أبي بكر ~~رضي الله عنه إن لي شيطانا يعتريني. ### || [7.201-202] # { طئف من الشيطن } لمة منه مصدر، من قولهم طاف به الخيال ~~يطيف طيفا قال # أني ألم بك الخيال يطيف # أو هو تخفيف طيف فيعل، من طاف يطيف كلين أو من طاف يطوف كهين. وقرىء ~~«طائف»، وهو يحتمل الأمرين أيضا. وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب ~~الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم ~~أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته { تذكروا } ما أمر الله به ~~ونهى عنه، فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه أنفسهم. ~~وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين يمدونهم في ~~الغي، أي يكونون مددا لهم فيه ويعضدونهم. وقرىء «يمدونهم» من ~~الإمداد. ويمادونهم، بمعنى يعاونونهم { ثم لا يقصرون } ثم لا ~~يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا. قوله { وإخونهم ~~يمدونهم } كقوله # قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها # في أن الخبر جار على ما هو له. ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، ويرجع ~~الضمير المتعلق به إلى الجاهلين، فيكون الخبر جاريا على ما هو له، ~~والأول أوجه، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا. فإن قلت لم جمع الضمير ~~في إخوانهم والشيطان مفرد؟ قلت المراد به الجنس، كقوله # أولياؤهم الطغوت # البقرة 257. ### || [7.203] # اجتبى الشيء، بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، كقولك اجتمعه، أو جبي إليه ~~فاجتباه أي أخذه، كقولك جليت إليه العروس فاجتلاها، ومعنى { لولا ~~اجتبيتها } هلا اجتمعتها، افتعالا من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون # إن هذا إلا إفك # سبأ 43 أو هلا أخذتها منزلة عليك مقترحة؟ { قل إنما أتبع ~~ما يوحى إلى من ربى } ولست بمفتعل للآيات، ms0695 أو لست بمقترح لها ~~{ هذا بصئر } هذا القرآن بصائر { من ربكم } أي حجج بينة ~~يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب. ### || [7.204] # { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا } ظاهره ~~وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة. وقيل كانوا ~~يتكلمون في الصلاة فنزلت، ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا ~~كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن. وقيل معناه وإذا تلا عليكم الرسول القرآن ~~عند نزوله فاستمعوا له. وقيل معنى فاستمعوا له فاعملوا بما فيه ولا ~~تجاوزوه. ### || [7.205] # { واذكر ربك في نفسك } هو عام في الأذكار من قراءة القرآن ~~والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك { تضرعا وخيفة } متضرعا ~~وخائفا { ودون الجهر } ومتكلما كلاما دون الجهر، لأن الإخفاء ~~أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر { بالغدو والأصال } لفضل ~~هذين الوقتين. أو أراد الدوام. ومعنى بالغدو بأوقات الغدو، وهي الغدوات. ~~وقرىء «والإيصال»، من آصل إذا دخل في الأصيل، كأقصر وأعتم وهو مطابق ~~للغدو { ولا تكن من الغفلين } من الذين يغفلون عن ذكر ~~الله ويلهون عنه. ### || [7.206] # { إن الذين عند ربك } هم الملائكة صلوات الله عليهم. ومعنى ~~{ عند } دنو الزلفة، والقرب من رحمة الله تعالى وفضله، لتوفرهم على ~~طاعته وابتغاء مرضاته { وله يسجدون } ويختصونه بالعبادة لا ~~يشركون به غيره، وهو تعريض بمن سواهم من المكلفين. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 408 # " من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس سترا، ~~وكان آدم شفيعا له يوم القيامة ". ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-4] # النفل الغنيمة، لأنها من فضل الله تعالى وعطائه. قال لبيد # إن تقوى ربنا خير نفل # والنفل ما ينفله الغازي، أي يعطاه زائدا على سهمه من المغنم، وهو أن ~~يقول الإمام تحريضا على البلاء في الحرب من قتل قتيلا فله سلبه. أو قال ~~لسرية ما أصبتم فهو لكم، أو فلكم نصفه أو ربعه. ولا يخمس النفل، ويلزم ~~الإمام الوفاء بما وعد منه. وعند الشافعي رحمه الله في أحد قوليه لا ~~يلزم. ولقد ms0696 وقع الاختلاف بين المسلمين في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم، ولمن الحكم في قسمتها؟ ~~أللمهاجرين أم للأنصار؟ أم لهم جميعا؟ فقيل له قل لهم هي لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الحاكم فيها خاصة يحكم فيها ما يشاء، ليس لأحد غيره ~~فيها حكم. وقيل شرط لمن كان له بلاء في ذلك اليوم أن ينفله، فتسارع ~~شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلما يسر الله لهم الفتح اختلفوا ~~فيما بينهم وتنازعوا، فقال الشبان نحن المقاتلون، وقال الشيوخ والوجوه ~~الذين كانوا عند الرايات كنا ردءا لكم وفئة تنحازون إليها إن انهزمتم ~~وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المغنم قليل والناس كثير وإن تعط ~~هؤلاء ما شرطت لهم حرمت أصحابك. فنزلت. وعن سعد بن أبي وقاص 409 قتل أخي ~~عمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت إن الله قد شفى صدري ~~من المشركين، فهب لي هذا السيف فقال ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في ~~القبض فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، ~~فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~وقد أنزلت سورة الأنفال، فقال يا سعد، إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد ~~صار لي فاذهب فخذه وعن عبادة بن الصامت 410 نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر ~~حين اختلفنا في النفل وساءت فيه اخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله ~~لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقسمه بين المسلمين على ~~السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين. وقرأ ابن ~~محيصن «يسألونك علنفال» بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام، وإدغام نون ~~عن في اللام وقرأ ابن مسعود «يسألونك الأنفال» أي يسألك الشبان ما شرطت ~~لهم من الأنفال. فإن قلت ما معنى الجمع بين ذكر الله والرسول في ms0697 قوله { ~~قل الانفال لله والرسول }؟ قلت معناه أن حكمها مختص بالله ~~ورسوله، يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله ~~فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد، والمراد أن الذي ~~اقتضته حكمة الله وأمر به رسوله أن يواسي المقاتلة المشروط لهم التنفيل ~~الشيوخ الذين كانوا عند الرايات، فيقاسموهم على السوية ولا يستأثروا بما ~~شرط لهم، فإنهم إن فعلوا لم يؤمن أن يقدح ذلك فيما بين المسلمين من ~~التحاب والتصافي { فاتقوا الله } في الاختلاف والتخاصم، وكونوا ~~متحدين متآخين في الله { وأصلحوا ذات بينكم } وتآسوا ~~وتساعدوا فيما رزقكم الله وتفضل به عليكم. # وعن عطاء كان الاصلاح بينهم أن دعاهم وقال اقسموا غنائمكم بالعدل، ~~فقالوا قد أكلنا وأنفقنا، فقال ليرد بعضكم على بعض. فإن قلت ما حقيقة ~~قوله { ذات بينكم }؟ قلت أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، ~~حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، كقوله # بذات الصدور # آل عمران 199 وهي مضمراتها. لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات ~~البين، كقولهم اسقني ذا إنائك، يريدون ما في الإناء من الشراب. وقد جعل ~~التقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله من لوازم الإيمان وموجباته، ~~ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها. ومعنى قوله { إن ~~كنتم مؤمنين } إن كنتم كاملي الإيمان. واللام في قوله { إنما ~~المؤمنون } إشارة إليهم. أي إنما الكاملو الإيمان من صفتهم كيت ~~وكيت والدليل عليه قوله { أولئك هم المؤمنون حقا }. { ~~وجلت قلوبهم } فزعت. وعن أم الدرداء الوجل في القلب كاحتراق ~~السعفة، أما تجد له قشعرير؟ قال بلى، قالت فادع الله فإن الدعاء يذهبه. ~~يعني فزعت لذكره استعظاما له، وتهيبا من جلاله وعزة سلطانه وبطشه ~~بالعصاة وعقابه، وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # الزمر 23 لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه. وقيل هو الرجل يريد أن يظلم ~~أو يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينزع. وقرىء «وجلت»، بالفتح، وهي لغة ~~نحو «وبق» في «وبق»، وفي قراءة عبد الله «فرقت» ms0698 { زادتهم ~~إيمنا } ازدادوا بها يقينا وطمأنينة في نفس. لأن تظاهر الأدلة أقوى ~~للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وقد حمل على زيادة العمل. وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # " الإيمان سبع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله. وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " # وعن عمر بن العزيز رضي الله عنه إن للإيمان سننا وفرائض وشرائع، فمن ~~استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان { وعلى ~~ربهم يتوكلون } ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ~~ولا يرجون إلا إياه. جمع بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، ~~وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة { حقا } صفة للمصدر المحذوف، أي ~~أولئك هم المؤمنون إيمانا حقا، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي { ~~أولئك هم المؤمنون } كقولك هو عبد الله حقا، أي حق ذلك ~~حقا. # وعن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن أنت؟ قال الإيمان إيمانان، فإن كنت ~~تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة ~~والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قوله { إنما ~~المؤمنون } فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا. وعن الثوري من زعم أنه ~~مؤمن بالله حقا، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية. وهذا ~~إلزام منه، يعني كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقا، فلا يقطع ~~بأنه مؤمن حقا، وبهذا تعلق من يستثني في الإيمان. وكان أبو حنيفة رضي ~~الله عنه ممن لا يستثني فيه. وحكي عنه أنه قال لقتادة لم تستثنى في ~~إيمانك؟ قال اتباعا لإبراهيم عليه السلام في قوله # والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى يوم الدين # الشعراء 82 فقال له هلا اقتديت به في قوله # أولم تؤمن قال بلى # البقرة 260 { درجت } شرف وكرامة وعلو منزلة { ومغفرة } ~~وتجاوز لسيئاتهم { ورزق كريم } نعيم الجنة. يعني لهم منافع حسنة ~~دائمة على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب. ### || [8.5] # { كما أخرجك ربك } فيه وجهان أحدهما. أن يرتفع محل الكاف ms0699 على ~~أنه خبر مبتدإ محذوف تقديره. هذه الحال كحال إخراجك. يعني أن حالهم في ~~كراهة ما رأيت من تنفل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب. والثاني ~~أن ينتصب على أنه صفة مصدر الفعل المقدر في قوله # الانفال لله والرسول # الأنفال 1 أي الأنفال استقرت لله والرسول، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ~~ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون. و { من بيتك } يريد بيته ~~بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه، فهي في اختصاصها به ~~كاختصاص البيت بساكنه { بالحق } أي إخراجا ملتبسا بالحكمة والصواب ~~الذي لا محيد عنه { وإن فريقا من المؤمنين لكرهون ~~} في موضع الحال، أي أخرجك في حال كراهتهم، وذلك412 أن عير قريش أقبلت من ~~الشأم فيها تجارة عظيمة معها أربعون راكبا، منهم أبو سفيان وعمرو بن ~~العاص وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر ~~المسلمين، فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ ~~أهل مكة خبر خروجهم، فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء ~~على كل صعب وذلول، عيركم أموالكم، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا، ~~وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها إني رأيت عجبا رأيت ~~كأن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها فلم يبق بيت من ~~بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة. فحدث بها العباس فقال أبو جهل ما ~~يرضى رجالهم أن يتنبئوا حتى تتنبأ نساؤهم، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة ~~وهم النفير. في المثل السائر لا في العير ولا في النفير، فقيل له إن ~~العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال لا والله لا ~~يكون ذلك أبدا حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف ~~ببدر، فيتسامع جميع العرب بمخرجنا، وإن محمدا لم يصب العير، وإنا قد ~~أعضضناه، فمضى بهم إلى بدر - وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما ~~في السنة - فنزل جبريل عليه السلام فقال يا ms0700 محمد إن الله وعدكم إحدى ~~الطائفتين إما العير، وإما قريشا، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه وقال ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، ~~فالعير أحب إليكم أم النفير؟ قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، ~~فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردد عليهم فقال إن العير قد ~~مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا يا رسول الله، عليك ~~بالعير ودع العدو، فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك فامض. # فوالله لو سرت إلى عدن أبين. ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال ~~المقداد بن عمرو يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فإنا معك حيثما أحببت ~~لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا ~~قاعدون، ولكن إذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، ما دامت عين منا ~~تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أشيروا علي أيها الناس ~~وهو يريد الأنصار، لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا برآء من ~~ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما ~~نمنع منه آباءنا ونساءنا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا ~~تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن ~~معاذ فقال لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل، قال قد آمنا بك وصدقناك ~~وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على ~~السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو ~~استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره ~~أن تلقى بنا عدونا إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك ~~منا ما تقربه عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله صلى ms0701 الله ~~عليه وسلم وبسطه قول سعد، ثم قال سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله ~~وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم. وروي 413 ~~أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر عليك بالعير ليس ~~دونها شيء، فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم؟ قال لأن الله وعدك إحدى الطائفتين. وقد أعطاك ما وعدك، ~~وكانت الكراهة من بعضهم لقوله { وإن فريقا من المؤمنين ~~لكرهون }. ### || [8.6] # والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير، ~~لإيثارهم عليه تلقي العير { بعد ما تبين } بعد إعلام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون. وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا ~~للعير، وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب؟ وذلك لكراهتهم القتال. ثم شبه حالهم ~~في فرط فزعهم ورعبهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة، بحال من يعتل إلى ~~القتل ويساق على الصغار إلى الموت المتيقن، وهو مشاهد لأسبابه، ناظر ~~إليها لا يشك فيها. وقيل كان خوفهم لقلة العدد، وأنهم كانوا رجالة. وروي ~~أنه ما كان فيهم إلا فارسان. ### || [8.7] # { وإذ } منصوب بإضمار اذكر. و { أنها لكم } بدل من إحدى ~~الطائفتين. والطائفتان العير والنفير. { غير ذات الشوكة } ~~العير، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، والشوكة كانت في النفير ~~لعددهم وعدتهم والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك. ويقال شوك القنا ~~لشباها. ومنها قولهم شائك السلاح، أي تتمنون أن تكون لكم العير، لأنها ~~الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة، ولا تريدون الطائفة الأخرى { أن ~~يحق الحق } أن يثبته ويعليه { بكلمته } بآياته المنزلة في ~~محاربة ذات الشوكة، وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من ~~أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر. والدابر الآخر فاعل من دبر. إذا أدبر. ~~ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، يعني أنكم تريدون ~~الفائدة العاجلة وسفساف الأمور وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم ~~وأحوالكم والله عز وجل يريد معالي الأمور، وما ms0702 يرجع إلى عمارة الدين، ~~ونصرة الحق، وعلو الكلمة، والفوز في الدارين. وشتان ما بين المرادين. ~~ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم ~~بقلتكم، وأعزكم وأذلهم، وحصل لكم ما لا تعارض أدناه العير وما فيها. ~~وقرىء «بكلمته»، على التوحيد. ### || [8.8] # فإن قلت بم يتعلق قوله { ليحق الحق }؟ قلت بمحذوف تقديره ليحق ~~الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، ما فعله إلا لهما. وهو إثبات الإسلام ~~وإظهاره، وإبطال الكفر ومحقه. فإن قلت أليس هذا تكريرا؟ قلت لا، لأن ~~المعنيين متباينان، وذلك أن الأول تمييز بين الإرادتين وهذا بيان لغرضه ~~فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها، وأنه ما ~~نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض. ويجب أن يقدر ~~المحذوف متأخرا حتى يفيد معنى الاختصاص فينطبق عليه المعنى وقيل قد تعلق ~~بيقطع. ### || [8.9] # فإن قلت بم يتعلق { إذ تستغيثون }؟ قلت هو بدل من # إذ يعدكم # الأنفال 7 وقيل بقوله { ليحق الحق ويبطل البطل } ~~واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال، طفقوا يدعون الله ~~ويقولون أي ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وعن عمر ~~رضي الله عنه 414 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ~~ألف، وإلى أصحابه وهم ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو # " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ~~- فما زال كذك حتى سقط رداؤه فأخذه أبو بكر رضي الله عنه فألقاه على ~~منكبه والتزمه من ورائه، وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز ~~لك ما وعدك " # { أني ممدكم } أصله بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه استجاب ~~فنصب محله. وعن أبي عمرو أنه قرأ «إني ممدكم» بالكسر، على إرادة القول، ~~أو على إجراء استجاب مجرى { قال } لأن الاستجابة من القول. فإن قلت هل ~~قاتلت الملائكة يوم بدر؟ قلت اختلف فيه، فقيل 415 نزل جبريل في يوم بدر ~~في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو ms0703 بكر، وميكائيل في خمسمائة على ~~الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال، عليهم ثياب بيض وعمائم ~~بيض وقد أرخوا أذنابها بين أكتافهم. فقاتلت وقيل قاتلت يوم بدر ولم تقاتل ~~يوم الأحزاب ويوم حنين. وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود من أين كان ذلك ~~الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا؟ قال من الملائكة، فقال أبو جهل هم ~~غلبونا لا أنتم وروي 416 أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر ~~رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه، فنظر إلى المشرك قد خر ~~مستلقيا وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " صدقت ذاك من مدد السماء " # وعن أبي داود المازني تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه ~~بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي، وقيل لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون ~~السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم، ~~فإن جبريل عليه السلام أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ~~ثمود قوم صالح بصيحة واحدة. وقرىء «مردفين» بكسر الدال وفتحها، من قولك ~~ردفه إذا تبعه. ومنه قوله تعالى # ردف لكم بعض الذى تستعجلون # النمل 72 بمعنى ردفكم. وأردفته إياه إذا أتبعته. ويقال أردفته، كقولك ~~أتبعته، إذا جئت بعده، فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنى متبعين، ~~أو متبعين، فإن كان بمعنى متبعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى متبعين بعضهم ~~بعضا، أو متبعين بعضهم لبعض، أو بمعنى متبعين إياهم المؤمنين، أي ~~يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم، أو متبعين لهم يشيعونهم ويقدمونهم بين ~~أيديهم وهم على ساقتهم، ليكونوا على أعينهم وحفظهم. # أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة أخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة ~~ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران # بثلاثة ءالاف من الملئكة منزلين # آل عمران 124. # بخمسة ءالاف من الملئكة مسومين # آل عمران 125 ومن قرأ «مردفين» بالفتح فهو بمعنى متبعين أو متبعين. ~~وقرىء «مردفين»، بكسر الراء وضمها وتشديد الدال وأصله مرتدفين، أي ~~مترادفين ms0704 أو متبعين، من ارتدفه، فأدغمت تاء الافتعال في الدال، فالتقى ~~ساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل، أو على إتباع الدال. وبالضم على ~~إتباع الميم. وعن السدي بآلاف من الملائكة. على الجمع ليوافق ما في سورة ~~آل عمران. فإن قلت فبم يعتذر لمن قرأ على التوحيد ولم يفسر المردفين ~~بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، والمردفين بارتدافهم غيرهم؟ قلت بأن ~~المراد بالألف من قاتل منهم. أو الوجوه منهم الذين من سواهم أتباع لهم. ### || [8.10-11] # فإن قلت إلام يرجع الضمير في { وما جعله }؟ قلت إلى قوله # أني ممدكم # الأنفال 9 لأن المعنى فاستجاب لكم بإمدادكم. فإن قلت ففيمن قرأ بالكسر؟ ~~قلت إلى قوله { إني ممدكم } لأنه مفعول القول المضمر فهو في معنى ~~القول. ويجوز أن يرجع إلى الإمداد الذي يدل عليه ممدكم { إلا ~~بشرى } إلا بشارة لكم بالنصر، كالسكينة لبني إسرائيل، يعني أنكم ~~استغثتم وتضرعتم لقلتكم وذلتكم، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم ~~بالنصر، وتسكينا منكم، وربطا على قلوبكم { وما النصر إلا من ~~عند الله } يريد ولا تحسبوا النصر من الملائكة، فإن الناصر هو الله ~~لكم وللملائكة. أو وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند ~~الله، والمنصور من نصره الله. { إذ يغشيكم } بدل ثان من # إذ يعدكم # الأنفال 7 أو منصوب بالنصر، أو بما في { من عند الله } الأنفال ~~10 من معنى الفعل، أو بما جعله الله، أو بإضمار اذكر. وقرىء «يغشيكم» ~~بالتخفيف والتشديد ونصب النعاس والضمير لله عز وجل. و { أمنة } ~~مفعول له. فإن قلت أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحدا؟ قلت ~~بلى، ولكن لما كان معنى يغشاكم النعاس. تنعسون، انتصب أمنة على أن النعاس ~~والأمنة لهم. والمعنى إذ تنعسون أمنة بمعنى أمنا، أي لأمنكم، و { منه ~~} صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من الله عز وجل. فإن قلت فعلى غير هذه ~~القراءة قلت يجوز أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان، أي ينعسكم إيمانا منه. ~~أو على يغشيكم النعاس فتنعسون أمنا، فإن قلت هل يجوز أن ينتصب على أن ~~الأمنة ms0705 للنعاس الذي هو فاعل يغشاكم؟ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد ~~الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أنه ~~أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على ~~غشيانكم؟ وإنما غشيكم أمنة حاصلة من الله لولاها لم يغشكم على طريقة ~~التمثيل والتخييل؟ قلت لا تبعد فصاحة القرآن عن احتماله، وله فيه نظائر، ~~وقد ألم به من قال # يهاب النوم أن يغشى عيونا تهابك فهو نفار ~~شرود # وقرىء «أمنة» بسكون الميم. ونظير «أمن أمنة» «حيي حياة» ونحو «أمن أمنة» ~~«رحم رحمة» والمعنى أن ما كان بهم من الخوف كان يمنعهم من النوم، فلما ~~طمأن الله قلوبهم وأمنهم رقدوا وعن ابن عباس رضي الله عنه النعاس في ~~القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان { وينزل } قرىء ~~بالتخفيف والتثقيل. وقرأ الشعبي «ما ليطهركم به» قال ابن جني ما موصولة ~~وصلتها حرف الجر بما جره، فكأنه قال ما للطهور. # و { رجز الشيطن } وسوسته إليهم، وتخويفه إياهم من العطش. وقيل ~~الجنابة، لأنها من تخييله. وقرىء «رجس الشيطان» وذلك أن إبليس تمثل لهم، ~~وكان المشركين قد سبقوهم إلى الماء ونزل المسلمون في كثيب أعفر تسوخ فيه ~~الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم أنتم يا أصحاب محمد ~~تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ~~ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم ~~العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم ~~إلى مكة، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، فأنزل الله عز وجل المطر، فمطروا ~~ليلا حتى جرى الوادي واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحياض ~~على عدوة الوادي، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي كان ~~بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان وطابت ~~النفوس. والضمير في { به } للماء. ويجوز أن يكون للربط، لأن القلب إذا ~~تمكن فيه الصبر ms0706 والجراءة ثبتت القدم في مواطن القتال. ### || [8.12] # { إذ يوحى } يجوز أن يكون بدلا ثالثا من # إذ يعدكم # الأنفال 7 وأن ينتصب بيثبت { إنى معكم } مفعول يوحي وقرىء «إني» ~~بالكسر على إرادة القول، أو على إجراء يوحي مجرى يقول، كقوله # أني ممدكم # الأنفال 9 والمعنى أني معينكم على التثبيت فثبتوهم. وقوله { ~~سألقى.... فاضربوا } يجوز أن يكون تفسيرا لقوله { أني ~~معكم فثبتوا } ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة ~~ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم. واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون ~~غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح ~~عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون ~~بالملائكة. وقيل كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفون وجهه فيأتي فيقول ~~إني سمعت المشركين يقولون والله لئن حملوا علينا لننكشفن، ويمشي بين ~~الصفين فيقول أبشروا، فإن الله ناصركم لأنكم تعبدونه. وهؤلاء لا يعبدونه. ~~وقرىء «الرعب» بالتثقيل { فوق الاعنق } أراد أعالي الأعناق التي ~~هي المذابح، لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها حزا وتطييرا للرؤوس. ~~وقيل أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق، يعني ضرب الهام. قال # وأضرب هامة البطل المشيح غشيته وهو في ~~جأواء باسلة عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا # والبنان الأصابع، يريد الأطراف. والمعنى فاضربوا المقاتل والشوي، لأن ~~الضرب إما واقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين ~~معا. ويجوز أن يكون قوله { سألقى } إلى قوله { كل بنان } عقيب ~~قوله { فثبتوا الذين ءامنوا } تلقينا للملائكة ما يثبتونهم ~~به، كأنه قال قولوا لهم قولي { سألقى في قلوب الذين ~~كفروا الرعب } أو كأنهم قالوا كيف نثبتهم؟ فقيل قولوا لهم قولي { ~~سألقى } فالضاربون على هذا هم المؤمنون. ### || [8.13-14] # { ذلكم } إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل، ~~ومحله الرفع على الابتداء و { بأنهم } خبره، أي ذلك العقاب وقع ~~عليهم بسبب مشاقتهم. والمشاقة مشتقة من الشق، لأن كلا المتعاديين في شق ~~خلاف شق صاحبه، وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة فقلت لأن هذا في عدوة ~~وذاك في ms0707 عدوة، كما قيل المخاصمة والمشاقة، لأن هذا في خصم أي في جانب، ~~وذاك في خصم، وهذا في شق، وذاك في شق. والكاف في { ذلك } لخطاب الرسول ~~عليه الصلاة و السلام، أو لخطاب كل واحد، وفي { ذلكم } للكفرة، على ~~طريقة الالتفات. ومحل { ذلكم } الرفع على ذلكم العقاب، أو العقاب ~~ذلكم { فذوقوه } ويجوز أن يكون نصبا على عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك ~~زيدا فاضربه { وأن للكفرين } عطف على ذلكم في وجهيه، أو نصب ~~على أن الواو بمعنى مع. والمعنى ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي ~~لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير، وقر الحسن «وإن للكافرين» ~~بالكسر. ### || [8.15-16] # { زحفا } حال من الذين كفروا. والزحف الجيش الدهم لذي يرى لكثرته ~~كأنه يزحف، أي يدب دبيبا، من زحف الصبي إذا دب على إسته قليلا قليلا، ~~سمي بالمصدر والجمع زحوف والمعنى إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم ~~قليل فلا تفروا، فضلا أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، أو حال من ~~الفريقين. أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، أو حال من المؤمنين كأنهم ~~أشعروا بما كان سيكون منهم يوم حنين حين تولوا مدبرين، وهم زحف من ~~الزحوف اثني عشر ألفا، وتقدمه نهي لهم عن الفرار يومئذ. وفي قوله { ~~ومن يولهم يومئذ } أمارة عليه { إلا متحرفا ~~لقتال } هو الكر بعد الفر، يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو ~~باب من خدع الحرب ومكايدها { أو متحيزا } أو منحازا { إلى ~~فئة } إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها. وعن ابن ~~عمر رضي الله عنه 417 خرجت سرية وأنا فيهم ففروا فلما رجعوا إلى ~~المدينة استحيوا فدخلوا البيوت، فقلت يا رسول الله نحن الفرارون، فقال ~~بل أنتم العكارون وأنا فئتكم. وانهزم رجل من القادسية، فأتى المدينة إلى ~~عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال عمر ~~رضي الله عنه أنا فئتك. وعن ابن عباس رضي الله عنه إن الفرار من الزحف ~~من أكبر الكبائر. فإن قلت بم انتصب { إلا متحرفا ms0708 }؟ قلت على ~~الحال، وإلا لغو. أو على الاستثناء من المولين، أي ومن يولهم إلا رجلا ~~منهم متحرفا أو متحيزا. وقرأ الحسن «دبره» بالسكون ووزن متحيز متفيعل ~~لا متفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوز. ### || [8.17-18] # لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول ~~قتلت وأسرت، ولما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلمp> 418> # " هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسلك، اللهم إني أسألك ما ~~وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام فقال خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال ~~- لما التقى الجمعان - لعلي رضي الله عنه أعطني قبضة من حصباء الوادي، ~~فرمى بها في وجوههم وقال شاهت الوجوه " # فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ~~ويأسرونهم، فقيل لهم { فلم تقتلوهم } والفاء جواب شرط محذوف ~~تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم { ولكن الله ~~قتلهم } لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء ~~النصر والظفر وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع { وما رميت } ~~أنت يا محمد { إذ رميت ولكن الله رمى } يعني أن ~~الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ ~~أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك ~~الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها ~~وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله عز وجل، ~~فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول عليه ~~الصلاة والسلام أصلا. وقرىء «ولكن الله قتلهم» ولكن الله رمى، بتخفيف ~~«لكن» ورفع ما بعده { وليبلى المؤمنين } وليعطيهم { بلاء ~~حسنا } عطاء جميلا. قال زهير # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو # والمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعله إلا لذلك { إن ~~الله سميع } لدعائهم { عليم } بأحوالهم. ### || [8.19] # { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } خطاب لأهل مكة على ~~سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة ~~وقالوا اللهم انصر ms0709 أقرانا للضيف وأوصلنا للرحم وأفكنا للعاني، إن كان ~~محمد على حق فانصره، وإن كنا على حق فانصرنا. وروي أنهم قالوا اللهم انصر ~~أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين. وروي أن أبا جهل قال يوم ~~بدر اللهم أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم، أي فأهلكه. وقيل { ~~إن تستفتحوا } خطاب للمؤمنين { وإن تنتهوا } خطاب ~~للكافرين، يعني وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~فهو خير لكم } وأسلم { وإن تعودوا } لمحاربته { نعد } ~~لنصرته عليكم { وأن الله } قرىء بالفتح على ولأن الله معين ~~المؤمنين كان ذلك وقرىء بالكسر، وهذه أوجه. ويعضدها قراءة ابن مسعود ~~«والله مع المؤمنين» وقرىء «ولن يغني عنكم» بالياء للفصل. ### || [8.20-23] # { ولا تولوا } قرىء بطرح إحدى التاءين وإدغامها، والضمير في { ~~عنه } لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المعنى وأطيعوا رسول الله ~~كقوله الله ورسوله أحق أن يرضوه، ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 8 فكأن رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما، كقولك الإحسان ~~والإجمال لا ينفع في فلان. ويجوز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة، أي ولا ~~تولوا عن هذا الأمر وامتثاله وأنتم تسمعونه. أو ولا تتولوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوه { وأنتم تسمعون } أي تصدقون ~~لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين من الكفرة { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا } أي ادعوا السماع { وهم لا ~~يسمعون } لأنهم ليسوا بمصدقين فكأنهم غير سامعين. والمعنى أنكم ~~تصدقون بالقرآن والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور من ~~قسمة الغنائم وغيرها، كان تصديقكم كلا تصديق، وأشبه سماعكم سماع من لا ~~يؤمن. ثم قال { إن شر الدواب } أي إن شر من يدب على وجه الأرض. ~~أوإن شر البهائم الذين هم صم عن الحق لا يعقلونه، جعلهم من جنس ~~البهائم، ثم جعلهم شرها { ولو علم الله } في هؤلاء الصم البكم ~~{ خيرا } أي انتفاعا باللطف { لأسمعهم } للطف بهم حتى يسمعوا ~~سماع المصدقين، ثم قال { ولو أسمعهم لتولوا } عنه. يعني ~~ولو لطف بهم ms0710 لما نفع فيهم اللطف، فلذلك منعهم ألطافه. أو ولو لطف بهم ~~فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا، وقيل هم بنو عبد الدار بن ~~قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير، وسويد بن حرملة كانوا يقولون ~~نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد، لا نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعا ~~بأحد، وكانوا أصحاب اللواء. وعن ابن جريج هم المنافقون. وعن الحسن أهل ~~الكتاب. ### || [8.24] # { إذا دعاكم } وحد الضمير كما وحده فيما قبله، لأن استجابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كاستجابته، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، ~~والمراد بالاستجابة. الطاعة والامتثال. وبالدعوة البعث والتحريض. وروى ~~أبو هريرة 419 # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في ~~الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال ما منعك عن إجابتي؟ قال كنت أصلي. قال ~~ألم تخبر فيما أوحي إلي { استجيبوا لله وللرسول } قال لا ~~جرم لا تدعوني إلا أجبتك " # وفيه قولان، أحدهما إن هذا مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~والثاني أن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير، وإذا وقع مثله للمصلي فله ~~أن يقطع صلاته { لما يحييكم } من علوم الديانات والشرائع، لأن ~~العلم حياة، كما أن الجهل موت. ولبعضهم # لا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه ~~كفن # وقيل لمجاهدة الكفار، لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم، كقوله # ولكم في القصاص حيوة # البقرة 179 وقيل للشهادة، لقوله # بل أحياء عند ربهم # آل عمران 169. { واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه } يعني أنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها وهي التمكن من ~~إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما كما يريده الله، فاغتنموا ~~هذه الفرصة، وأخلصوا قلوبكم لطاعة الله ورسوله { واعلموا أنكم ~~إليه تحشرون } فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة. ~~وقيل معناه إن الله قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه، ويغير نياته ~~ومقاصده، ويبدله بالخوف أمنا وبالأمن خوفا وبالذكر نسيانا، وبالنسيان ~~ذكرا، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله تعالى. ms0711 فأما ما يثاب عليه ~~العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا، والمجبرة على أنه يحول بين المرء ~~والإيمان إذا كفر، وبينه وبين الكفر إذا آمن، تعالى عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا. وقيل معناه أنه يطلع على كل ما يخطره المرء بباله، لا يخفي ~~عليه شيء من ضمائره، فكأنه بينه وبين قلبه. وقرىء «بين المر» بتشديد ~~الراء. ووجهه أنه قد حذف الهمزة وألقى حركتها على الراء، كالخب، ثم نوى ~~الوقف على لغة من يقول مررت بعمر. ### || [8.25] # { فتنة } ذنبا. قيل هو إقرار المنكر بين أظهرهم. وقيل افتراق ~~الكلمة. وقيل { فتنة } عذابا. وقوله { لا تصيبن } لا يخلو من ~~أن يكون جوابا للأمر. أو نهيا بعد أمر. أو صفة لفتنة، فإذا كان جوابا، ~~فالمعنى إن إصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم وهذا كما ~~يحكى أن علماء بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيرا فعمهم الله بالعذاب، ~~وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل واحذروا ذنبا أو عقابا، ثم قيل لا ~~تتعرضوا للظم فيصيب العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك ~~إذا جعلته صفة على إرادة القول، كأنه قيل واتقوا فتنة مقولا فيها لا ~~تصيبن، ونظيره قوله # حتى إذا جن الظلام واختلط جاءوا بمذق هل ~~رأيت الذئب قط # أي بمذق مقول فيه هذا القول، لأنه سمار فيه لون الورق التي هي لون ~~الذئب. ويعضد المعنى الأخير قراءة ابن مسعود «لتصيبن»، على جواب القسم ~~المحذوف. وعن الحسن نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل ~~خاصة. قال الزبير نزلت فينا وقرأناها زمانا، وما أرانا من أهلها، فإذا ~~نحن المعنيون بها. وعن السدي نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل. وروي ~~420 أن الزبير كان يساير النبي صلى الله عليه وسلم يوما، إذ أقبل علي ~~رضي الله عنه، فضحك إليه الزبير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ~~حبك لعلي؟ فقال يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أحبه كحبي لوالدي أو ~~أشد حبا. قال فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله، ms0712 فإن قلت كيف جاز أن يدخل ~~النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلت لأن فيه معنى النهي، إذا قلت أنزل عن ~~الدابة لا تطرحك، فلذلك جاز لا تطرحنك ولا تصيبن ولا يحطمنكم. فإن قلت ~~فما معنى { من } في قوله { الذين ظلموا منكم }؟ قلت التبعيض ~~على الوجه الأول، والتبيين على الثاني، لأن المعنى لا تصيبنكم خاصة على ~~ظلماكم لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس. ### || [8.26] # { إذ أنتم } نصبه على أنه مفعول به مذكور لا ظرف أي اذكروا وقت ~~كونكم أقلة أذلة مستضعفين { فى الأرض } أرض مكة قبل الهجرة تستضعفكم ~~قريش { تخافون أن يتخطفكم الناس } لأن الناس كانوا ~~جميعا لهم أعداء منافين مضادين { فآواكم } إلى المدينة { ~~وأيدكم بنصره } بمظاهرة الأنصار وبإمداد الملائكة يوم بدر { ~~ورزقكم من الطيبات } من الغنائم { لعلكم تشكرون } ~~إرادة أن تشكروا هذه النعم وعن قتادة كان هذا الحي من العرب أذل الناس، ~~وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلدا، وأبينهم ضلالا، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن ~~الله لهم في البلاد، ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكا. ### || [8.27] # معنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التمام. ومنه تخونه، إذا تنقصه، ~~ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت ~~عليه النقصان فيه، وقد استعير فقيل خان الدلو الكرب، وخان المشتار السبب ~~لأنه إذا انقطع به فكأنه لم يف له. ومنه قوله تعالى { وتخونوا ~~أمنتكم } والمعنى لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه، ورسوله ~~بأن لا تستنوا به. و { أمنتكم } فيما بينكم بأن لا تحفظوها { ~~وأنتم تعلمون } تبعة ذلك ووباله، وقيل وأنتم تعلمون أنكم ~~تخونون، يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو. وقيل وأنتم علماء ~~تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن. وروي 421 أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني ~~النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكم سعد ابن معاذ، ms0713 فأبوا وقالوا ~~أرسل إلينا أبا لبابة مروان بن عبد المنذر وكان مناصحا لهم لأن عياله ~~وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا له ما ترى، هل ننزل على حكم سعد؟ ~~فأشار إلى حلقه إنه الذبح، قال أبو لبابة فما زالت قدماي حتى علمت أني قد ~~خنت الله ورسوله فنزلت، فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال والله ~~لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام ~~حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له قد تيب عليك فحل نفسك. ~~فقال لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~يحلني، فجاءه فحله بيده فقال إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي ~~أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي. فقال صلى الله عليه وسلم يجزيك ~~الثلث أن تتصدق به. وعن المغيرة نزلت في قتل عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه. وقيل { أمنتكم } ما ائتمنكم الله عليه من فرائضه وحدوده. ~~فإن قلت { وتخونوا } جزم هو أم نصب؟ قلت يحتمل أن يكون جزما داخلا ~~في حكم النهي وأن يكون نصبا بإضمار «أن» كقوله # وتكتموا الحق # البقرة 42 وقرأ مجاهد «وتخونوا أمانتكم»، على التوحيد. ### || [8.28] # جعل الأموال والأولاد فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو ~~العذاب. أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده و { الله ~~عنده أجر عظيم } فعليكم أن تنوطوا بطلبه وبما تؤدي إليه هممكم، ~~وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد حتى تورطوا ~~أنفسكم من أجلهما، كقوله # المال والبنون # الآية الكهف 46 وقيل هي من جملة ما نزل في أبي لبابة وما فرط منه لأجل ~~ماله وولده. ### || [8.29-30] # { فرقانا } نصرا لأنه يفرق بين الحق والباطل وبين الكفر بإذلال ~~حزبه، والإسلام بإعزاز أهله. ومنه قوله تعالى # يوم الفرقان # الأنفال 41 أو بيانا وظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم وآثاركم في أقطار ~~الأرض، من قولهم «بت أفعل كذا» حتى سطع الفرقان أي طلع ms0714 الفجر. أو مخرجا ~~من الشبهات وتوفيقا وشرحا للصدور. أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل ~~الأديان، وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة. { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين } لما ~~فتح الله عليه،ذكره مكر قريش به حين كان بمكة،ليشكر نعمة الله عز وجل في ~~نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم وما أتاح الله له من حسن ~~العاقبة،والمعنىواذكرإذ يمكرون بك وذلك 422 أن قريشا - لما أسلمت ~~الأنصار وبايعوه - فرقوا أن يتفاقم أمره، فاجتمعوا في دار الندوى ~~متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال أنا شيخ من نجد، ما ~~أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا غير ~~كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون. فقال إبليس ~~بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن ~~عمرو رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع ~~واسترحتم. فقال إبليس بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو ~~جهل أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما، فيضربوه ضربة ~~رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، ~~فإذا طلبوا العقل عقلناهم واسترحنا. فقال الشيخ - لعنه الله - صدق هذا ~~الفتى، هو أجودكم رأيا. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله. ~~فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن لا يبيت ~~في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة، فأمر عليا رضي الله عنه فنام في ~~مضجعه، وقال له اتشح ببردتي، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه، وباتوا ~~مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه، فأبصروا عليا فبهتوا وخيب الله ~~عز وجل سعيهم، واقتصوا أثره فأبطل الله مكرهم { ليثبتوك } ليسجنوك أو ~~يوثقوك أو يثخنوك بالضرب والجرح، من قولهم ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به ~~ولا براح، وفلان مثبت وجعا. وقرىء ليثبتوك، بالتشديد. وقرأ النخعي ~~ليثبتوك، ومن البيات. ms0715 وعن ابن عباس ليقيدوك ، وهو دليل لمن فسره ~~بالإيثاق { ويمكرون } ويخفون المكايد له { ويمكر الله } ~~ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة { والله خير ~~المكرين } أي مكره أنفذ من مكر غيره وأبلغ تأثيرا، أو لأنه لا ~~ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب. ### || [8.31-34] # { لو نشاء لقلنا مثل هذا } نفاجة منهم وصلف تحت الراعدة، ~~فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة، وإلا فما منعهم إن ~~كانوا مستطيعين أن يشاؤوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالعجز، حتى يفوزوا ~~بالقدح المعلي دونه، مع فرط أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا في باب البيان ~~خاصة، وأن يماتنهم واحد، فيتعللوا بامتناع المشيئة، ومع ما علم وظهر ظهور ~~الشمس، من حرصهم على أن يقهروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهالكهم ~~على أن يغمروه. وقيل قائله النضر بن الحرث المقتول صبرا، حين سمع اقتصاص ~~الله أحاديث القرون لو شئت لقلت مثل هذا. وهو الذي جاء من بلاد فارس ~~بنسخة حديث رستم وأسفنديار فزعم أن هذا مثل ذاك، وأنه من جملة تلك ~~الأساطير، وهو القائل { إن كان هذا هو الحق } وهذا أسلوب من ~~الجحود بليغ، يعني إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل، ~~كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر. ومراده نفي كونه حقا، وإذا انتفى ~~كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا فكان تعليق العذاب بكونه حقا مع ~~اعتقاد أنه ليس بحق، كتعليقه بالمحال في قولك إن كان الباطل حقا، فأمطر ~~علينا حجارة. وقوله { هو الحق } تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص ~~والتعيين هذا هو الحق. وقرأ الأعمش { هو الحق } بالرفع، على أن هو ~~مبتدأ غير فصل. وهو في القراءة الأولى فصل. ويقال أمطرت السماء، كقولك ~~أنجمت وأسبلت ومطرت، كقولك هتنت وهتلت، وقد كثر الأمطار في معنى العذاب. ~~فإن قلت ما فائدة قوله { من السماء }؟ والأمطار لا تكون إلا منها. ~~قلت كأنه يريد أن يقال فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسومة للعذاب، ~~فوضع { حجارة من السماء } موضع السجيل، كما تقول ms0716 صب عليه مسرودة ~~من حديد، تريد درعا { بعذاب أليم } أي بنوع آخر من جنس العذاب ~~الأليم، يعني أن أمطار السجيل بعض العذاب الأليم، فعذبنا به أو بنوع آخر ~~من أنواعه. وعن معاوية أنه قال لرجل من سبإ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم ~~امرأة ! قال أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين دعاهم إلى الحق { إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة } ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا ~~له. اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أن تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير ~~مستقيم في الحكمة لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوما عذاب ~~استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم وفيه إشعار بأنهم مرصودون بالعذاب إذا ~~هاجر عنهم. والدليل على هذا الإشعار قوله { وما لهم ألا ~~يعذبهم الله } وإنما يصح هذا بعد إثبات التعذيب، كأنه قال وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم أن لا ~~يعذبهم { وهم يستغفرون } في موضع الحال. # ومعناه نفي الاستغفار عنهم أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما ~~عذبهم، كقوله # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # هود 117 ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون، ولا يتوقع ذلك منهم. وقيل معناه ~~وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين، { وما لهم أن لا ~~يعذبهم الله } وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم، يعني لا حظ ~~لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة. وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن ~~المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، ~~وإخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصد، وكانوا ~~يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء { ما ~~كانوا أولياءه } وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن ~~يكونوا ولاة أمره وأربابه { إن أولياؤه إلا المتقون } ~~من المسلمين ليس كل مسلم ms0717 أيضا ممن يصلح لأن يلي أمره، إنما يستأهل ~~ولايته من كان برا تقيا، فكيف بالكفرة عبدة الأصنام { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ويطلب ~~الرياسة. أو أراد بالأكثر الجميع، كما يراد بالقلة العدم. ### || [8.35] # المكاء فعال بوزن الثغاء والرغاء، من مكا يمكو إذا صفر ومنه المكاء، ~~كأنه سمي بذلك لكثرة مكائه. وأصله الصفة، نحو الوضاء والفراء. وقرىء مكا ~~بالقصر. ونظيرهما البكي والبكاء. والتصدية التصفيق، تفعلة من الصدى أو من ~~صد يصد، # إذا قومك منه يصدون # الزخرف 57 وقرأ الأعمش «وما كان صلاتهم» بالنصب على تقديم خبر كان على ~~اسمه، فإن قلت ما وجه هذا الكلام؟ قلت هو نحو من قوله # وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه أداهم سودا أو ~~محدرجة سمرا # والمعنى أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء، ووضعوا المكاء والتصدية ~~موضع الصلاة، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء، وهم ~~مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته يخلطون عليه { فذوقوا } عذاب ~~القتل والأسر يوم بدر، بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا ~~الكفرة. ### || [8.36-37] # قيل نزلت في المطعمين يوم بدر، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر ~~جزائر. وقيل قالوا لكل من كان له تجارة في العير أعينوا بهذا المال على ~~حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر. وقيل نزلت في أبي ~~سفيان وقد استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، ~~وأنفق عليهم أربعين أوقية. والأوقية اثنان وأربعون مثقالا { ~~ليصدوا عن سبيل الله } أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن ~~اتباع محمد وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك { ثم تكون ~~عليهم حسرة } أي تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة، فكأن ذاتها ~~تصير ندما وتنقلب حسرة { ثم يغلبون } آخر الأمر وإن كانت الحرب ~~بينهم وبين المؤمنين سجالا قبل ذلك فيرجعون طلقاء # كتب الله لاغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21. { والذين كفروا } والكافرون منهم ms0718 { إلى ~~جهنم يحشرون } لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه { ليميز ~~الله الخبيث } الفريق الخبيث من الكفار { من } الفريق { ~~الطيب } من المؤمنين، فيجعل الفريق { الخبيث بعضه على ~~بعض فيركمه جميعا } عبارة عن الجمع والضم، حتى يتراكبوا، ~~كقوله تعالى { كادوا يكونون عليه لبدا } يعني لفرط ~~ازدحامهم { أولئك } إشارة إلى الفريق الخبيث، وقيل ليميز المال ~~الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ~~المال الطيب الذي أنفقه المسلمون كأبي بكر وعثمان في نصرته { ~~فيركمه } فيجعله في جهنم في جملة ما يعذبون به، كقوله # فتكوى بها جباههم وجنوبهم # الآية التوبة 35، واللام على هذا متعلقة بقوله { ثم تكون ~~عليهم حسرة } وعلى الأول يحشرون، وأولئك إشارة إلى الذين ~~كفروا. وقرىء ليميز على التخفيف. ### || [8.38] # { قل للذين كفروا } من أبي سفيان وأصحابه. أي قل لأجلهم هذا ~~القول وهو { إن ينتهوا } ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل إن تنتهوا ~~يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود. ونحوه # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه # الأحقاف 11 خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عما هم عليه ~~من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام { ~~يغفر لهم ما قد سلف } لهم من العداوة { وإن يعودوا } ~~لقتاله { فقد مضت سنت الأولين } منهم الذين حاق بهم مكرهم ~~يوم بدر. أو فقد مضت سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فدمروا، ~~فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا. وقيل معناه أن الكفار إذا انتهوا عن ~~الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف لهم من الكفر والمعاصي، وخرجوا منها كما ~~تنسل الشعرة من العجين. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام. 423 # " الإسلام يجب ما قبله " # وقالوا الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تبعة قط. وأما الذمي فلا يلزمه قضاء ~~حقوق الله وتبقى عليه حقوق الآدميين. وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله في ~~أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة. ~~وقبلها وفسر { وإن يعودوا } بالارتداد. وقرىء «يغفر لهم» ms0719 على أن ~~الضمير لله عز وجل. ### || [8.39-40] # { وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } إلى أن لا يوجد فيهم ~~شرك قط { ويكون الدين كله لله } ويضمحل عنهم كل دين باطل، ~~ويبقى فيهم دين الإسلام وحده { فإن انتهوا } عن الكفر وأسلموا { ~~فإن الله بما يعملون بصير } يثيبهم على توبتهم ~~وإسلامهم. وقرىء «تعملون»، بالتاء، فيكون المعنى فإن الله بما تعملون من ~~الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور ~~الإسلام { بصير } يجازيكم عليه أحسن الجزاء { وإن تولوا } ولم ~~ينتهوا { فاعلموا أن الله مولاكم } أي ناصركم ومعينكم، ~~فثقوا بولايته ونصرته. ### || [8.41] # { أنما غنمتم } ما موصولة. و { من شىء } بيانه. قيل من شيء ~~حتى الخيط والمخيط، { فأن لله } مبتدأ خبره محذوف، تقديره فحق، أو ~~فواجب أن لله خمسه. وروى الجعفي عن أبي عمرو، فإن لله بالكسر. وتقويه ~~قراءة النخعي «فلله خمسة». والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب، كأنه قيل فلا ~~بد من ثبات الخمس فيه،و لا سبيل إلى الإخلال به والتفريط فيه، من حيث إنه ~~إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات، كقولك ثابت واجب حق لازم وما ~~أشبه ذلك، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد، وقرىء «خمسه» بالسكون فإن ~~قلت كيف قسمة الخمس؟ قلت عند أبي حنيفة رحمه الله أنها كانت في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وسهم لذوي قرباء من بني هاشم وبني المطلب، دون بني عبد شمس وبني ~~نوفل، استحقوه حينئذ بالنصرة والمظاهرة، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم ~~رضي الله عنهما، أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم 424 هؤلاء ~~إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا ~~بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة فقال صلى الله ~~عليه وسلم # " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء ~~واحد " # وشبك بين أصابعه وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين، وابن السبيل. وأما بعد ~~رسول الله ms0720 صلى الله عليه وسلم فسهمه ساقط بموته، وكذلك سهم ذوي القربى، ~~وإنما يعطون لفقرهم، فهم أسوة سائر الفقراء، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على ~~اليتامى والمساكين وابن السبيل. وأما عند الشافعي رحمه الله فيقسم على ~~خمسة أسهم سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف إلى ما كان يصرفه إليه ~~من مصالح المسلمين كعدة الغزاة من السلاح والكراع ونحو ذلك. وسهم لذوي ~~القربى من أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. والباقي ~~للفرق الثلاث. وعند مالك بن أنس رحمه الله الأمر فيه مفوض إلى اجتهاد ~~الإمام إن رأى قسمه بين هؤلاء، وإن رأى أعطاه بعضهم دون بعض، وإن رأى ~~غيرهم أولى وأهم فغيرهم. فإن قلت ما معنى ذكر الله عز وجل وعطف الرسول ~~وغيره عليه قلت يحتمل أن يكون معنى لله وللرسول، لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كقوله # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62 وأن يراد بذكره إيجاب سهم سادس يصرف إلى وجه من وجوه القرب. ~~وأن يراد بقوله { فأن لله خمسه } أن من حق الخمس أن يكون ~~متقربا به إليه لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة، تفضيلا لها ~~على غيرها. # كقوله تعالى # وجبريل وميكل # البقرة 98 فعلى الاحتمال الأول مذهب الإمامين. وعلى الثاني ما قال أبو ~~العالية أنه يقسم على ستة أسهم سهم لله تعالى يصرف إلى رتاج الكعبة. وعنه ~~425 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ ~~منه قبضة فيجعلها للكعبة وهو سهم الله تعالى. ثم يقسم ما بقي على خمسة. ~~وقيل إن سهم الله تعالى لبيت المال، وعلى الثالث مذهب مالك بن أنس. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه أنه كان على ستة أسهم لله وللرسول سهمان، وسهم ~~لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبو بكر رضي الله عنه الخمس على ثلاثة. وكذلك روي ~~عن عمر ومن بعده من الخلفاء. وروي أن أبا بكر رضي الله عنه منع بني هاشم ~~الخمس وقال إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوج ms0721 أيمكم ويخدم من لا خادم له ~~منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى من الصدقة ~~شيئا، ولا يتيم موسر. وعن زيد بن علي رضي الله عنه كذلك قال، ليس لنا أن ~~نبني منه قصورا، ولا أن نركب منه البراذين. وقيل الخمس كله للقرابة. وعن ~~علي رضي الله عنه أنه قيل له إن الله تعالى قال # واليتمى والمسكين # البقرة 83 فقال أيتامنا ومساكيننا. وعن الحسن رضي الله عنه في سهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه لولي الأمر من بعده. وعن الكلبي رضي الله ~~عنه أن الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد ~~بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال، على رأس عشرين شهرا من الهجرة. فإن ~~قلت بم تعلق قوله { إن كنتم ءامنتم بالله }؟ قلت بمحذوف يدل ~~عليه { واعلموا } المعنى إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من ~~الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة، ~~وليس المراد بالعلم المجرد، ولكنه العلم المضمن بالعمل، والطاعة لأمر ~~الله تعالى لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر { وما ~~أنزلنا } معطوف على { لله } أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل { ~~على عبدنا } وقرىء «عبدنا» كقوله # وعبد الطغوت # المائدة 60 بضمتين { يوم الفرقان } يوم بدر. و { الجمعان } ~~الفريقان من المسلمين والكافرين. والمراد ما أنزل عليه من الآيات ~~والملائكة والفتح يومئذ { والله على كل شيء قدير } يقدر ~~على أن ينصر القليل على الكثير والذليل على العزيز، كما فعل بكم ذلك ~~اليوم. ### || [8.42] # { إذ } بدل من يوم الفرقان. والعدوة شط الوادي بالكسر والضم والفتح. ~~وقرىء «بهن وبالعدية» على قلب الواو ياء، لأن بينها وبين الكسرة حاجزا ~~غير حصين كما في الصبية. والدنيا والقصوى تأنيث الأدنى والأقصى. فإن قلت ~~كلتاهما «فعلى» من بنات الواو، فلم جاءت إحداهما بالياء والثانية بالواو؟ ~~قلت القياس هو قلب الواو ياء كالعليا. وأما القصوى فكالقود في مجيئه على ~~الأصل. وقد جاء القصيا، إلا أن استعمال القصوى أكثر، كما كثر استعمال ~~«استصوب» ms0722 مع مجيء «استصاب» و«أغيلت» مع «أغالت» والعدوة الدنيا مما يلي ~~المدينة، والقصوى مما يلي مكة { والركب أسفل منكم } يعني ~~الركب الأربعين الذين كانوا يقودون العير أسفل منكم بالساحل. وأسفل نصب ~~على الظرف، معناه مكانا أسفل من مكانكم، وهو مرفوع المحل لأنه خبر ~~المبتدأ. فإن قلت ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين «وأن العير ~~كانت أسفل منهم»؟ قلت الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن ~~العدو وشوكته، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين ~~والتياث أمرهم وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعا من الله ~~سبحانه، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته، ~~وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت ~~أرضا لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل، ولا ~~يمش فيها إلا بتعب ومشقة. وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم، ~~فكانت الحماية دونها، تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم. ولهذا ~~كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم، ليبعثهم الذب عن الحريم ~~والغيرة على الحرم على بذل جهيداهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما ~~يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم ويضبط هممهم ويوطن ~~نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى ~~نجدتهم وقصارى شدتهم. وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر. ليقضي ~~أمرا كان مفعولا من إعزاز دينه وإعلاء كلمته حين وعد المسلمين إحدى ~~الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، ~~وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة ~~الدنيا وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراءهم العير يحامون عليها، حتى قامت ~~الحرب على ساق وكان ما كان { ولو تواعدتم } أنتم وأهل مكة ~~وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه القتال، لخالف بعضكم بعضا فثبطكم ~~قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم ms0723 من تهيب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي في ما وفقه الله ~~وسبب له { ليقضي } متعلق بمحذوف، أي ليقضي أمرا كان واجبا أن ~~يفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. # وقوله { ليهلك } بدل منه. واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، ~~أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة، لا عن مخالجة شبهة، حتى لا تبقى له ~~على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضا عن يقين وعلم بأنه دين الحق ~~الذي يجب الدخول فيه والتمسك به وذلك أن ما كان من وقعة بدر من الآيات ~~الغر المحجلة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا لها. وقرىء ~~«ليهلك» بفتح اللام وحي، بإظهار التضعيف { لسميع عليم } يعلم كيف ~~يدبر أموركم ويسوي مصالحكم. أو لسميع عليم بكفر من كفر وعقابه، وبإيمان ~~من آمن وثوابه. ### || [8.43] # { إذ يريكهم الله } نصبه بإضمار اذكر. أو هو بدل ثان من يوم ~~الفرقان، أو متعلق بقوله { لسميع عليم } أي يعلم المصالح إذ ~~يقللهم في عينك { فى منامك } في رؤياك. وذلك أن الله عز وجل أراه ~~في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على ~~عدوهم. وعن الحسن في منامك في عينك، لأنها مكان النوم، كما قيل للقطيفة ~~المنامة، لأنه ينام فيها. وهذا تفسير فيه تعسف، وما أحسب الرواية صحيحة ~~فيه عن الحسن، وما يلائم عليه بكلام العرب وفصاحته { لفشلتم } ~~لجبنتم وهبتم الإقدام { ولتنزعتم } في الرأي، وتفرقت فيما ~~تصنعون كلمتكم، وترجحتم بين الثبات والفرار { ولكن الله ~~سلم } أي عصم وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف { إنه ~~عليم بذات الصدور } يعلم ما سيكون فيها من الجراءة والجبن ~~والصبر والجزع. ### || [8.44] # { وإذا يريكموهم } الضميران مفعولان. معنى وإذ يبصركم إياهم. و ~~{ قليلا } نصب على الحال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ~~ويثبتوا. قال ابن مسعود رضي الله عنه لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل ~~إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال ms0724 أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له كم ~~كنتم؟ قال ألفا { ويقللكم فى أعينهم } حتى قال قائل منهم ~~إنما هم أكلة جزور. فإن قلت الغرض في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ~~ظاهر، فما الغرض في تقليل المؤمنين في أعينهم؟ قلت قد قللهم في أعينهم ~~قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعده ليجترؤا عليهم، قلة مبالاة بهم، ثم ~~تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في ~~حسابهم وتقديرهم، وذلك قوله # يرونهم مثليهم رأى العين # آل عمران 13 ولئلا يستعدوا لهم، وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية ~~البينة من قلتهم أولا وكثرتهم آخرا. فإن قلت بأي طريق يبصرون الكثير ~~قليلا؟ قلت بأن يستر الله عنهم بعضه بساتر أو يحدث في عيونهم ما يستقلون ~~به الكثير، كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين. قيل لبعضهم ~~إن الأحول يرى الواحد اثنين، وكان بين يديه ديك واحد فقال مالي لا أرى ~~هذين الديكين أربعة؟. ### || [8.45-46] # { إذا لقيتم فئة } إذا حاربتم جماعة من الكفار، وترك أن يصفها ~~لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار. واللقاء اسم للقتال غالب { ~~فاثبتوا } لقتالهم ولا تفروا { واذكروا الله كثيرا } في ~~مواطن الحرب مستظهرين بذكره، مستنصرين به، داعين له على عدوكم اللهم ~~اخذلهم، اللهم اقطع دابرهم { لعلكم تفلحون } لعلكم تظفرون ~~بمرادكم من النصرة والمثوبة. وفيه إشعار بأن على العبد أن لا يفتر عن ~~ذكر ربه أشغل ما يكون قلبا وأكثر ما يكون هما، وأن تكون نفسه مجتمعة ~~لذلك وإن كانت متوزعة عن غيره. وناهيك بما في خطب أمير المؤمنين عليه ~~السلام في أيام صفين وفي مشاهده مع البغاة والخوارج - من البلاغة والبيان ~~ولطائف المعاني، وبليغات المواعظ والنصائح - دليلا على أنهم كانوا لا ~~يشغلهم عن ذكر الله شاغل وإن تفاقم الأمر { ولا تنزعوا } قرىء ~~بتشديد التاء { فتفشلوا } منصوب بإضمار أن، أو مجزوم لدخوله في حكم ~~النهي، وتدل على التقديرين قراءة من قرأ «وتذهب ريحكم» بالتاء والنصب ~~وقراءة من قرأ «ويذهب ريحكم» بالياء والجزم والريح الدولة، شبهت في ms0725 نفوذ ~~أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها، فقيل هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ~~ونفذ أمره. ومنه قوله # يا صاحبي ألا لاحي بالوادي إلا عبيد قعود بين ~~أذواد أتنظران قليلا ريث غفلتهم أم تعدوان ~~فإن الريح للعادي # وقيل لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تعالى. وفي الحديث 426 # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". ### || [8.47] # حذرهم - بالنهي عن التنازع واختلاف الرأي - نحو ما وقع لهم بأحد ~~لمخالفتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فشلهم وذهاب ريحهم { ~~كالذين خرجوا من ديرهم } هم أهل مكة حين خرجوا لحماية ~~العير، فأتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، ~~فأبى أبو جهل وقال حتى نقدم بدرا نشرب بها الخمور، وتعزف علينا القيان ~~ونطعم بها من حضرنا من العرب. فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإطعامهم، ~~فوافوها، فسقوا كؤس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان، ~~فنهاهم أن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين بأعمالهم، وأن يكونوا من أهل ~~التقوى، والكآبة والحزن من خشية الله عز وجل، مخلصين أعمالهم لله. ### || [8.48] # { و } اذكر { إذ زين لهم الشيطن أعملهم } التي ~~عملوها في معاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووسوس إليهم أنهما لا ~~يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ~~فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم، أي بطل كيده حين نزلت جنود ~~الله وكذا عن الحسن رحمه الله كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم. ~~وقيل 427 لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين بني كنانة من ~~الحرب، فكان ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ~~الشاعر الكناني - وكان من أشرافهم - في جند من الشياطين معه راية، وقال ~~لا غالب لكم اليوم، وإني مجيركم من بني كنانة. فلما رأى الملائكة تنزل، ~~نكص وقيل كانت يده في يد الحارث بن هشام، فلما نكص قال له الحارث إلى ~~أين؟ أتخذلنا في هذه الحال؟ فقال إني أرى ما لا ترون، ودفع في صدر الحارث ms0726 ~~وانطلق، وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة ~~فقال والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه ~~الشيطان. وفي الحديث 428 # " وما رؤى إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من ~~نزول الرحمة إلا ما رؤي يوم بدر " # فإن قلت هلا قيل لا غالبا لكم كما يقال لا ضاربا زيدا عندنا؟ قلت لو ~~كان لكم مفعولا لغالب، بمعنى لا غالبا إياكم لكان الأمر كما قلت لكنه ~~خبر تقديره لا غالب كائن لكم. ### || [8.49] # { إذ يقول المنفقون } بالمدينة { والذين في ~~قلوبهم مرض } يجوز أن يكون من صفة المنافقين، وأن يراد الذين هم ~~على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام. وعن الحسن هم المشركون { غر ~~هؤلاء دينهم } يعنون أن المسلمين اغتروا بدينهم وأنهم يتقوون به ~~وينصرون من أجله، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف، ثم قال ~~جوابا لهم { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز } ~~غالب يسلط القليل الضعيف على الكثير القوي. ### || [8.50-51] # { ولو ترى } ولو عاينت وشاهدت لأن «لو» ترد المضارع إلى معنى ~~الماضي كما ترد «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال. و { إذ } نصب على ~~الظرف وقرىء «يتوفى» بالياء والتاء و { الملئكة } رفعها بالفعل و ~~{ يضربون } حال منهم، ويجوز أن يكون في { يتوفى } ضمير الله عز ~~وجل، و { الملئكة } مرفوعة بالابتداء، و { يضربون } خبر. ~~وعن مجاهد وأدبارهم استاههم، ولكن الله كريم يكنى، وإنما خصوهما بالضرب. ~~لأن الخزي والنكال في ضربهما أشده، وبلغني عن أهل الصين أن عقوبة ~~الزاني عندهم أن يصبر، ثم يعطي الرجل القوي البطش شيئا عمل من حديد ~~كهيئة الطبق فيه رزانة وله مقبض، فيضربه على دبره ضربه واحد بقوته فيجمد ~~في مكانه. وقيل يضربون ما أقبل منهم وما أدبر { وذوقوا } معطوف على { ~~يضربون } على إرادة القول أي ويقولون ذوقوا { عذاب الحريق } ~~أي مقدمة عذاب النار. أو وذوقوا عذاب الآخرة بشارة لهم به. وقيل كانت ~~معهم مقامع من حديد، كلما ضربوا بها التهبت النار أو ms0727 ويقال لهم يوم ~~القيامة ذوقوا. وجواب { لو } محذوف أي لرأيت أمرا فظيعا منكرا { ~~ذلك بما قدمت أيديكم } يحتمل أن يكون من كلام الله ومن ~~كلام الملائكة، و { ذلك } رفع بالابتداء و { بما قدمت } خبره { ~~وأن الله } عطف عليه، أي ذلك العذاب بسببين بسبب كفركم ومعاصيكم ~~وبأن الله { ليس بظلم للعبيد } لأن تعذيب الكفار من العدل ~~كإثابة المؤمنين. وقيل ظلام للتكثير لأجل العبيد أو لأن العذاب من العظم ~~بحيث لولا الاستحقاق لكان المعذب بمثله ظلاما بليغ الظلم متفاقمه. ### || [8.52-54] # الكاف في محل الرفع أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون. ودأبهم عادتهم ~~وعملهم الذي دأبوا فيه أي داوموا عليه وواظبوا. و { كفروا } تفسير ~~لدأب آل فرعون. و { ذلك } إشارة إلى ما حل بهم، يعني ذلك العذاب أو ~~الانتقام بسبب أن الله لم ينبغ له ولم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند ~~قوم { حتى يغيروا ما } بهم من الحال. فإن قلت فما كان من تغيير ~~آل فرعون ومشركي مكة حتى غير الله نعمته عليهم؟ ولم تكن لهم حال مرضية ~~فيغيروها إلى حال مسخوطة قلت كما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة، تغير ~~الحال المسخوطة إلى أسخط منها، وأولئك كانوا قبل بعثة الرسول إليهم كفرة ~~عبدة أصنام، فلما بعث إليهم بالآيات البينات فكذبوه وعادوه وتحزبوا عليه ~~ساعين في إراقة دمه، غيروا حالهم إلى أسوإ مما كانت، فغير الله ما أنعم ~~به عليهم من الإمهال وعاجلهم بالعذاب { وأن الله سميع } لما ~~يقول مكذبو الرسل { عليم } بما يفعلون { كدأب ءال فرعون } ~~تكرير للتأكيد. وفي قوله { بآيت ربهم } زيادة دلالة على كفران ~~النعم وجحود الحق. وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ بالذنوب { وكل ~~كانوا ظلمين } وكلهم من غرقى القبط وقتلى قريش كانوا ظالمين ~~أنفسهم بالكفر والمعاصي. ### || [8.55-57] # { الذين كفروا فهم لا يؤمنون } أي أصروا على الكفر ~~ولجوا فيه، فلا يتوقع منهم إيمان وهم بنو قريظة، عاهدهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن لا يمالئوا عليه فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح ~~وقالوا نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ms0728 فنكثوا ومالوا معهم يوم الخندق، وانطلق ~~كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم { الذين عهدت منهم } بدل ~~من الذين كفروا، أي الذين عاهدتهم من الذين كفروا جعلهم شر الدواب، لأن ~~شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الناكثون للعهود ~~{ وهم لا يتقون } لا يخافون عاقبة الغدر ولا يبالون ما فيه من ~~العار والنار { فإما تثقفنهم فى الحرب } فإما تصادفنهم ~~وتظفرن بهم { فشرد بهم من خلفهم } ففرق عن محاربتك ~~ومناصبتك بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم، من وراءهم من الكفرة، حتى لا ~~يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم وقرأ ابن مسعود رضي ~~الله عنه «فشرذ» بالذال المعجمة بمعنى ففرق، وكأنه مقلوب «شذر» من قولهم ~~ذهبوا شذر مذر، ومنه الشذر المتلقط من المعدن لتفرقه وقرأ أبو حيوة «من ~~خلفهم» ومعناه فافعل التشريد من ورائهم، لأنه إذا شرد الذين وراءهم فقد ~~فعل التشريد في الوراء وأوقعه فيه لأن الوراء جهة المشردين، فإذا جعل ~~الوراء ظرفا للتشريد فقد دل على تشريد من فيه، فلم يبق فرق بين ~~القراءتين { لعلهم يذكرون } لعل المشردين من ورائهم ~~يتعظون. ### || [8.58] # { وإما تخافن من قوم } معاهدين { خيانة } ونكثا ~~بأمارات تلوح لك { فانبذ إليهم } فاطرح إليهم العهد { على ~~سواء } على طريق مستو قصد، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم إخبارا ~~مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم ~~بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك { إن الله لا يحب ~~الخئنين } فلا يكن منك إخفاء نكث العهد والخداع وقيل على استواء في ~~العلم بنقض العهد. وقيل على استواء في العداوة. والجار والمجرور في موضع ~~الحال، كأنه قيل فانبذ إليهم ثابتا على طريق قصد سوى، أو حاصلين على ~~استواء في العلم أو العداوة، على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم ~~معا. ### || [8.59] # { سبقوا } أفلتوا وفاتوا من أن يظفر بهم { إنهم لا ~~يعجزون } إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم وقرىء ~~أنهم بالفتح بمعنى لأنهم، كل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل إلا ~~أن المكسورة ms0729 على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح وقرىء «يعجزون» ~~بالتشديد وقرأ ابن محيضن «يعجزون»، بكسر النون وقرأ الأعمش «ولا تحسب ~~الذين كفروا» بكسر الباء وبفتحها على حذف النون الخفيفة وقرأ حمزة «ولا ~~يحسبن» بالياء على أن الفعل للذين كفروا وقيل فيه أصله أن سبقوا، فحذفت ~~أن، كقوله # ومن ءايته يريكم البرق # الروم 24 واستدل عليه بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه «أنهم سبقوا». وقيل ~~وقع الفعل على أنهم لا يعجزون، على أن «لا» صلة، وسبقوا في محل الحال، ~~بمعنى سابقين أي مفلتين هاربين. وقيل معناه ولا يحسبنهم الذين كفروا ~~سبقوا، فحذف الضمير لكونه مفهوما. وقيل ولا يحسبن قبيل المؤمنين الذين ~~كفروا سبقوا. وهذه الأقاويل كلها متمحلة، وليست هذه القراءة التي تفرد ~~بها حمزة بنيرة. وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين. ### || [8.60] # { من قوة } من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها. وعن عقبة بن عامر ~~429 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر # " ألا إن القوة الرمي " # قالها ثلاثا. ومات عقبة عن سبعين قوسا في سبيل الله. وعن عكرمة هي ~~الحصون، والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله. ويجوز أن يسمى ~~بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال ~~وقرأ الحسن «ومن ربط الخيل» بضم الباء وسكونها جمع رباط. ويجوز أن يكون ~~قوله { ومن رباط الخيل } تخصيصا للخيل من بين ما يتقوى به، ~~كقوله # وجبريل وميكل # البقرة 98 وعن ابن سيرين رحمه الله أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في ~~الحصون؟ فقال يشتري به الخيل، فترابط في سبيل الله ويغزي عليها، فقيل له ~~إنما أوصى في الحصون، فقال ألم تسمع قول الشاعر # أن الحصون الخيل لا مدر القرى # { ترهبون } قرىء بالتخفيف والتشديد وقرأ ابن عباس ومجاهد رضي الله ~~عنهما «تخزون» والضمير في { به } راجع إلى ما استطعتم { عدو ~~الله وعدوكم } هم أهل مكة { وءاخرين من دونهم } هم ~~اليهود، وقيل المنافقون وعن السدي هم أهل فارس، وقيل كفرة الجن، وجاء ms0730 في ~~الحديث 430 # " إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق " # وروي 431 أن صهيل الخيل يرهب الجن. ### || [8.61] # جنح له وإليه إذا مال. والسلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب قال # السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب يكفيك ~~من أنفاسها جرع # وقرىء بفتح السين وكسرها. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن الآية منسوخة ~~بقوله تعالى # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله # التوبة 29 وعن مجاهد بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # التوبة 5 والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام ~~وأهله من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يقاتلوا أبدا، أو يجابوا إلى الهدنة ~~أبدا وقرأ الأشهب العقيلي «فاجنح» بضم النون { وتوكل على ~~الله } ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله ~~كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم. قال مجاهد، يريد قريظة. ### || [8.62-63] # { فإن حسبك الله } فإن محسبك الله قال جرير # إني وجدت من المكارم حسبكم أن تلبسوا خز ~~الثياب وتشبعوا # { وألف بين قلوبهم } التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، لأن العرب - لما فيهم من ~~الحمية والعصبية، والإنطواء على الضغينة في أدنى شىء وإلقائه بين أعينهم ~~إلى أن ينتقموا - لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتحدوا، وأنشؤا يرمون عن قوس واحدة، وذلك ~~لما نظم الله من ألفتهم وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، ~~وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله، ~~ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب. فهو يقلبها كما شاء. ويصنع فيها ما ~~أراد، وقيل هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك ~~سادتهم ورؤسائهم ودق جماجمهم، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما ~~التجاور الذي يهيج الضغائن ويديم التحاسد والتنافس، وعادة كل طائفتين ~~كانتا بهذه المثابة أن تتجنب هذه ما آثرته أختها وتكرهه وتنفر عنه، ~~فأنساهم الله تعالى ذلك كله ms0731 حتى اتفقوا على الطاعة وتصافوا وصاروا ~~أنصارا وعادوا أعوانا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه وبليغ قدرته. ### || [8.64] # { ومن اتبعك } الواو بمعنى مع وما بعده منصوب، تقول حسبك وزيدا ~~درهم، ولا تجر لأن عطف الظاهر المجرور على المكنى ممتنع قال # فحسبك والضحاك عضب مهند # والمعنى كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرا أو يكون في محل الرفع ~~أي كفاك الله وكفاك المؤمنون، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل ~~القتال، وعن ابن عباس رضي الله عنه نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه، وعن ~~سعيد بن جبير أنه أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا ~~وست نسوة ثم أسلم عمر، فنزلت. ### || [8.65-66] # التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ~~ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت، أو أن تسميه حرضا وتقول له ما أراك إلا ~~حرضا في هذا الأمر وممرضا فيه، ليهيجه ويحرك منه. ويقال حركه وحرضه ~~وحرصه وحرشه وحربه، بمعنى، وقرىء «حرص»، بالصاد غير المعجمة، حكاها ~~الأخفش، من الحرص، وهذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن ~~صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ثم قال { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } أي بسبب أن الكفار قوم جهلة ~~يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم ~~بالله نصرته ويستحقون خذلانه، خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به ~~النصر والإظهار من الله تعالى. وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت ~~الواحد منهم للعشرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حمزة رضي ~~الله عنه في ثلاثين راكبا، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب. قيل ثم ثقل ~~عليهم ذلك وضجوا منه، وذلك بعد مدة طويلة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة ~~الواحد الاثنين، وقيل كان فيهم قلة في الابتداء، ثم لما كثروا بعد نزل ~~التخفيف. وقرىء «ضعفا»، بالفتح والضم، كالمكث والمكث، والفقر والفقر. ~~وضعفا جمع ضعيف. وقرىء الفعل المسند إلى المائة بالتاء والياء في ~~الموضعين، ms0732 والمراد بالضعف الضعف في البدن. وقيل في البصيرة والاستقامة في ~~الدين، وكانوا متفاوتين في ذلك فإن قلت لم كرر المعنى الواحد وهو مقاومة ~~الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده؟ قلت للدلالة على أن الحال ~~مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة ~~العشرين المائتين والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين ~~والألف الألفين. ### || [8.67-68] # وقرىء «للنبي»، على التعريف وأسارى. ويثخن، بالتشديد. ومعنى الإثخان ~~كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم أثخنته الجراحات إذا أثبتته حتى تثقل ~~عليه الحركة. وأثخنه المرض إذا أثقله من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة، ~~يعني حتى يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه ~~بالاستيلاء والقهر. ثم الأسر بعد ذلك. ومعنى { ما كان } ما صح له وما ~~استقام، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل # فإما منا بعد وإما فداء # محمد 4 وروي 432 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتي بسبعين أسيرا ~~فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب، فاستشار أبا بكر رضي الله عنه فيهم ~~فقال قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي ~~بها أصحابك. وقال عمر رضي الله عنه كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم، ~~فإن هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء مكن عليا من عقيل، ~~وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم. فقال صلى الله ~~عليه وسلم # " إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد ~~قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم ~~قال " # فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور ~~رحيم # إبراهيم 36 # " ومثلك يا عمر مثل نوح، قال " # رب لا تذر على الارض من الكفرين ديارا # نوح 26 ثم قال لأصحابه # " أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق " # وروي أنه قال لهم 433 إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد ~~منكم بعدتهم، فقالوا بل نأخذ الفداء، ms0733 فاستشهدوا بأحد، وكان فداء الأسارى ~~عشرين أوقية، وفداء العباس أربعين أوقية. وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم ~~مائة أوقية، والأوقية أربعون درهما وستة دنانير. وروي 434 أنهم لما ~~أخذوا الفداء نزلت الآية، فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله أخبرني، فإن وجدت بكاء بكيت، ~~وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض ~~علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - وروى أنه قال 435 لو ~~نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ، رضي الله عنهما، ~~لقوله كان الإثخان في القتل أحب إلي { عرض الدنيا } حطامها، سمى ~~بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء { والله يريد الأخرة } ~~يعني ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وقرىء ~~«يريدون»، بالياء وقرأ بعضهم «والله يريد الآخرة» بجر الآخرة على حذف ~~المضاف وإبقاء المضاف إليه على حاله كقوله # أكل امرىء تحسبين امرأ ونار توقد بالليل ~~نارا # ومعناه والله يريد عرض الآخرة. على التقابل، يعني ثوابها { والله ~~عزيز } يغلب أولياءه على أعدائه ويتكنون منهم قتلا وأسرا ويطلق لهم ~~الفداء، ولكنه { حكيم } يؤخر ذلك إلى أن يكثروا ويعزوا وهم يعجلون { ~~لولا كتب من الله سبق } لولا حكم منه سبق إثباته في ~~اللوح وهو أنه لا يعاقب أحد بخطأ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد لأنهم نظروا ~~في أن استبقاءهم ربما كان سببا في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوى به ~~على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن ~~وراءهم وأفل لشوكتهم. وقيل كتابه أنه سيحل لهم الفدية التي أخذوها. وقيل ~~إن أهل بدر مغفور لهم. وقيل إنه لا يعذب قوما إلا بعد تأكيد الحجة ~~وتقديم النهي، ولم يتقدم نهي عن ذلك { فكلوا مما غنمتم } روي ~~أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت. وقيل هو إباحة ~~للفداء، لأنه من جملة الغنائم { واتقوا الله } فلا تقدموا على ~~شيء ms0734 لم يعهد إليكم فيه. ### || [8.69] # فإن قلت ما معنى الفاء؟ قلت التسبيب والسبب محذوف، معناه قد أبحت لكم ~~الغنائم فكلوا مما غنمتم. وحلالا نصب على الحال من المغنوم، أو صفة ~~للمصدر، أي أكلا حلالا، وقوله { إن الله غفور رحيم } ~~معناه أنكم إذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن ~~لكم فيه، غفر لكم ورحمكم وتاب عليكم. ### || [8.70] # { فى أيديكم } في ملكتكم، كأن أيديكم قابضة عليهم وقرىء «من ~~الأسرى» { في قلوبكم خيرا } خلوص إيمان وصحة نية { يؤتكم ~~خيرا ممآ أخذ منكم } من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا ~~أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة وفي قراءة الأعمش. «يثبكم خيرا» وعن العباس ~~رضي الله عنه أنه قال 436 كنت مسلما، لكنهم استكرهوني. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # " إن يكن ما تذكره حقا فالله يجزيك " # فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا أوكان أحد الذين ضمنوا إطعام أهل بدر وخرج ~~بالذهب لذلك. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس 437 # " افد ابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال يا محمد، ~~تركتني أتكفف قريشا ما بقيت. فقال له فأين الذهب الذي دفعته إلى أم ~~الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث ~~بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل فقال العباس وما يدريك؟ قال ~~«أخبرني به ربي» " # قال العباس فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ~~والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد ~~كنت مرتابا في أمرك، فأما إذ أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس رضي ~~الله عنه فأبدلني الله خيرا من ذلك، لي الآن عشرون عبدا، إن أدناهم ~~ليضرب في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل ~~مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي. وروي 438 أنه قدم على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مال البحرين ms0735 ثمانون ألفا، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى ~~فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه ما قدر على حمله، وكان يقول هذا خير مما ~~أخذ مني وأرجو المغفرة وقرأ الحسن وشيبة «مما أخذ منكم»، على البناء ~~للفاعل. ### || [8.71] # { وإن يريدوا خيانتك } نكث ما بايعوك عليه من الإسلام ~~والردة واستحباب دين آبائهم { فقد خانوا الله من قبل } في ~~كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه { فأمكن منهم } كما ~~رأيتم يوم بدر فسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة. وقيل المراد بالخيانة منع ~~ما ضمنوا من الفداء. ### || [8.72] # الذين هاجروا أي فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ورسوله هم المهاجرون. ~~والذي آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم هم الأنصار { بعضهم ~~أولياء بعض } أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث، وكان المهاجرون ~~والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون ذوي القرابات، حتى نسخ ذلك بقوله ~~تعالى { وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض } وقرىء «من ~~ولايتهم»، بالفتح والكسر أي من توليهم في الميراث. ووجه الكسر أن تولى ~~بعضهم بعضا شبه بالعمل والصناعة، كأنه بتوليه صاحبه يزاول أمرا ويباشر ~~عملا { فعليكم النصر } فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين { ~~إلا على قوم } منهم { بينكم وبينهم } عهد فإنه لا ~~يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدؤون بالقتال، إذا الميثاق مانع من ~~ذلك. ### || [8.73] # { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } ظاهره إثبات ~~الموالاة بينهم كقوله تعالى في المسلمين # أولئك بعضهم أولياء بعض # الأنفال 72 ومعناه نهى المسلمين عن موالاة الذين كفروا وموارثتهم وإيجاب ~~مباعدتهم ومصارمتهم وإن كانو أقارب، وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضا ثم ~~قال { إلا تفعلوه } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل ~~المسلمين وتولى بعضهم بعضا حتى في التوارث، تفضيلا لنسبة الإسلام على ~~نسبة القرابة ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار. ولم تجعلوا قرابتهم ~~كلا قرابة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأن المسلمين ما لم يصيروا ~~يدا واحدة على الشرك، كان الشرك ظاهرا والفساد زائدا وقرىء «كثير» ~~بالثاء. ### || [8.74-75] # { أولئك هم المؤمنون حقا } لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه، ~~بتحصيل مقتضياته من ms0736 هجرة الوطن ومفارقة الأهل والانسلاخ من المال لأجل ~~الدين، وليس بتكرار لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم والشهادة لهم مع ~~الموعد الكريم، والأولى للأمر بالتواصل { والذين ءامنوا من ~~بعد } يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله # والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمن # الحشر 10 ألحقهم بهم وجعلهم منهم تفضلا منه وترغيبا { وأولو ~~الارحام } أولو القرابات أولى بالتوارث، وهو نسخ للتوارث بالهجرة ~~والنصرة { فى كتب الله } تعالى في حكمه وقسمته. وقيل في اللوح. ~~وقيل في القرآن، وهو آية المواريث وقد استدل به أصحاب أبي حنيفة رحمه ~~الله على توريث ذوي الأرحام. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 439 # " من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة، وشاهد أنه برىء ~~من النفاق وأعطى عشر حسنات بعد كل منافق ومنافقة، وكان العرش وحملته ~~يستغفرون له أيام حياته في الدنيا ". ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # { برآءة } خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة و { من } لابتداء ~~الغاية، متعلق بمحذوف وليس بصلة، كما في قولك برئت من الدين. والمعنى هذه ~~براءة واصلة من الله ورسوله { إلى الذين عاهدتم } كما يقال ~~كتاب من فلان إلى فلان. ويجوز أن يكون { برآءة } مبتدأ لتخصيصها ~~بصفتها، والخبر { إلى الذين عاهدتم } كما تقول رجل من بني ~~تميم في الدار وقرىء «براءة» بالنصب، على اسمعوا براءة وقرأ أهل نجران ~~«من الله» بكسر النون والوجه الفتح مع لام التعريف لكثرته. والمعنى أن ~~الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وأنه منبوذ إليهم. ~~فإن قلت لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين؟ قلت قد أذن ~~الله في معاهدة المشركين أولا فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعاهدوهم، فلما نقضوا العهد أوجب الله تعالى النبذ إليهم، ~~فخوطب المسلمون بما تجدد من ذلك فقيل لهم اعلموا أن الله ورسوله قد ~~برئا مما عاهدتم به المشركين. وروي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة ~~وغيرهم من العرب، فنكثوا إلا ناسا منهم وهم بنو ضمرة ms0737 وبنو كنانة فنبذ ~~العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر آمنين أين ~~شاؤا لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله { فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم } وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها. ~~441 وكان نزولها سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الأمير فيها ~~عتاب بن أسيد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ~~على موسم سنة تسع، ثم أتبعه عليا رضي الله عنه راكب العضباء ليقرأها على ~~أهل الموسم، فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر رضي الله عنه؟ فقال لا يؤدي ~~عني إلا رجل مني، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء، فوقف، وقال هذا رغاء ~~ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه قال أمير أو مأمور؟ قال ~~مأمور. وروي 442 أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبريل عليه السلام ~~فقال يا محمد، لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك، فأرسل عليا، فرجع أبو بكر ~~رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، ~~أشيء نزل من السماء قال # " نعم، فسر وأنت على الموسم، وعلي ينادي بالآي " # فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله عنه وحدثهم عن مناسكهم، وقام ~~علي رضي الله عنه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال يا أيها الناس، إني ~~رسول رسول الله إليكم. فقالوا بماذا؟ فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية. # وعن مجاهد رضي الله عنه ثلاثة عشرة آية، ثم قال أمرت بأربع # " أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا ~~يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده " # فقالوا عند ذلك يا علي، أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، ~~وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف. وقيل إنما أمر ~~أن لا يبلغ عنه إلا رجل منه لأن العرب عادتها في نقض عهودها أن يتولى ~~ذلك ms0738 على القبيلة رجل منها، فلو تولاه أبو بكر رضي الله عنه. لجاز أن ~~يقولوا هذا خلاف ما يعرف فينا من نقض العهود فأزيحت علتهم بتولية ذلك ~~عليا رضي الله عنه فإن قلت الأشهر الأربعة ما هي؟ قلت عن الزهري رضي ~~الله عنه أن براءة نزلت في شوال، فهي أربعة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم، وقيل هي عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع ~~الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر. وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم ~~قتلهم وقتالهم. أو على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها. وقيل لعشر ~~من ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك ~~الوقت للنسيء الذي كان فيهم، ثم صار في السنة الثانية من ذي الحجة. فإن ~~قلت ما وجه إطباق أكثر العلماء على جواز مقاتلة المشركين في الأشهر الحرم ~~وقد صانها الله تعالى عن ذلك؟ قلت قالوا قد نسخ وجوب الصيانة وأبيح قتال ~~المشركين فيها { غير معجزي الله } لا تفوتونه وإن أمهلكم، وهو ~~مخزيكم أي مذلكم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالعذاب. ### || [9.3] # { وأذان } ارتفاعه كارتفاع براءة على الوجهين، ثم الجملة معطوفة على ~~مثلها، ولا وجه لقول من قال إنه معطوف على براءة، كما لا يقال عمرو معطوف ~~على زيد، في قولك زيد قائم، وعمرو قاعد، والأذان بمعنى الإيذان وهو ~~الإعلام، كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء. فإن قلت أي فرق ~~بين معنى الجملة الأولى والثانية؟ قلت تلك إخبار بثبوت البراءة. وهذه ~~إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت. فإن قلت لم علقت البراءة بالذين عوهدوا من ~~المشركين وعلق الأذان بالناس؟ قلت لأن البراءة مختصة بالمعاهدين ~~والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس من عاهد ومن لم يعاهد، ~~ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث { يوم الحج الأكبر } يوم ~~عرفة. وقيل يوم النحر لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، من الطواف. ~~والنحر، والحلق، والرمي. وعن علي رضي الله عنه أن رجلا أخذ بلجام دابته ~~فقال ما الحج ms0739 الأكبر؟ قال يومك هذا. خل عن دابتي. وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما 443 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر عند الجمرات ~~في حجة الوداع فقال # " هذا يوم الحج الأكبر " # ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو جعل الوقوف بعرفة ~~هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته لأنه إذا فات فات الحج، وكذلك إن أريد ~~به يوم النحر لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج - فهو الحج الأكبر. وعن ~~الحسن رضي الله عنه سمي يوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ~~وموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم على قلب ~~كل مؤمن وكافر. حذفت الباء التي هي صلة الأذان تخفيفا وقرىء «إن الله» ~~بالكسر لأن الأذان في معنى القول { ورسوله } عطف على المنوي في { ~~برىء } أو على محل «إن» المكسورة واسمها وقرىء بالنصب، عطفا على اسم ~~إن أو لأن الواو بمعنى مع أي بريء معه منهم، وبالجر على الجوار. وقيل ~~على القسم، كقوله لعمرك. ويحكى أن أعرابيا سمع رجلا يقرؤها فقال إن كان ~~الله بريئا من رسوله فأنا منه بريء، فلببه الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي ~~قراءته، فعندها أمر عمر رضي الله عنه بتعلم العربية { فإن تبتم } ~~من الكفر والغدر { فهو خير لكم وإن توليتم } عن ~~التوبة، أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء فاعلموا أنكم ~~غير سابقين الله تعالى ولا فائتين أخذه وعقابه. ### || [9.4] # فإن قلت مم استثنى قوله { إلا الذين عهدتم }؟ قلت وجهه أن ~~يكون مستثنى من قوله # فسيحوا فى الأرض # التوبة 2 لأن الكلام خطاب للمسلمين. ومعناه براءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين. فقولوا لهم سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم ثم ~~لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم والاستثناء بمعنى الاستدراك، وكأنه قيل بعد ~~أن أمروا في الناكثين، ولكن الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا ~~تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوفي كالغادر { إن الله يحب ~~المتقين } يعني أن قضية التقوى أن لا يسوي بين القبيلين فاتقوا ms0740 ~~الله في ذلك { لم ينقصوكم شيئا } لم يقتلوا منكم أحدا ولم ~~يضروكم قط { ولم يظهروا } ولم يعاونوا { عليكم } عدوا، ~~كما عدت بنو بكر على خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظاهرتهم ~~قريش بالسلاح حتى وفد عمرو بن سالم الخزاعي على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنشد # لاهم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيك ~~الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ~~ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا ~~وقتلونا ركعا وسجدا # فقال عليه الصلاة والسلام 444 # " لا نصرت إن لم أنصركم " # وقرىء «لم ينقضوكم»، بالضاد معجمة أي لم ينقضوا عهدكم. ومعنى { ~~فأتموا إليهم } فأدوه إليهم تاما كاملا. قال ابن عباس رضي ~~الله عنه بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتم إليهم عهدهم. ### || [9.5] # انسلخ الشهر، كقولك انجرد الشهر، وسنة جرداء. و { الاشهر الحرم } ~~التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا { فاقتلوا المشركين } يعني ~~الذين نقضوكم وظاهروا عليكم { حيث وجدتموهم } من حل أو حرم { ~~وخذوهم } وأسروهم. والأخيذ الأسير { واحصروهم } وقيدوهم ~~وامنعوهم من التصرف في البلاد. وعن ابن عباس رضي الله عنه حصرهم أن يحال ~~بينهم وبين المسجد الحرام { كل مرصد } كل ممر مجتاز ترصدونهم ~~به، وانتصابه على الظرف كقوله # لأقعدن لهم صرطك المستقيم # الأعراف 16. { فخلوا سبيلهم } فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر. ~~أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم كقوله # خل السبيل لمن يبني المنار به # وعن ابن عباس رضي الله عنه دعوهم وإتيان المسجد الحرام { إن الله ~~غفور رحيم } يغفر لهم ما سلف من الكفر والغدر. ### || [9.6] # { أحد } مرتفع بفعل الشرط مضمرا يفسره الظاهر، تقديره وإن استجارك ~~أحد استجارك ولا يرتفع بالابتداء، لأن «إن» من عوامل الفعل لا تدخل على ~~غيره. والمعنى وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك ~~وبينه ولا ميثاق، فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن، وتبين ~~ما بعثت له فأمنه { حتى يسمع كلام الله } ويتدبره ويطلع ~~على حقيقة الأمر { ثم أبلغه } بعد ذلك داره التي يأمن فيها إن لم ~~يسلم. ثم قاتله ms0741 إن شئت من غير غدر ولا خيانة، وهذا الحكم ثابت في كل وقت. ~~وعن الحسن رضي الله عنه هي محكمة إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير جاء ~~رجل من المشركين إلى علي رضي الله عنه فقال إن أراد الرجل منا أن يأتي ~~محمدا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلام الله، أو يأتيه لحاجة قتل؟ قال ~~لا، لأن الله تعالى يقول { وإن أحد من المشركين ~~استجارك } الآية. وعن السدي والضحاك رضي الله عنهما هي منسوخة ~~بقوله تعالى # فاقتلوا المشركين # التوبة 5. { ذلك } أي ذلك الأمر، يعني الأمر بالإجارة في قوله { ~~فأجره }. { ب } سبب { أنهم } قوم جهلة { لا يعلمون } ~~ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى ~~يسمعوا ويفهموا الحق. ### || [9.7-8] # { كيف } استفهام في معنى الاستنكار والاستبعاد لأن يكون للمشركين عهد ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أضداد وغرة صدورهم، يعني محال أن ~~يثبت لهؤلاء عهد فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في ~~قتلهم. ثم استدرك ذلك بقوله { إلا الذين عهدتم } أي ولكن ~~الذين عاهدتم منهم { عند المسجد الحرام } ولم يظهر منهم نكث ~~كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم { فما ~~استقموا لكم } على العهد { فاستقيموا لهم } على مثله ~~{ إن الله يحب المتقين } يعني أن التربص بهم من أعمال ~~المتقين { كيف } تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل ~~لكونه معلوما كما قال # وخبرتماني أنما الموت بالقرى فكيف وهاتا ~~هضبة وقليب # يريد فكيف مات. أي كيف يكون لهم عهد { و } حالهم أنهم { إنهم إن ~~يظهروا عليكم } بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق، لم ~~ينظروا في حلف ولا عهد ولم يبقوا عليكم { لا يرقبوا فيكم إلا ~~} لا يراعوا حلفا. وقيل قرابة. وأنشد لحسان رضي الله عنه # لعمرك إن إلك من قريش كإل السقب من رأل ~~النعام # وقيل { إلا } إلها وقرىء «إيلا»، بمعناه وقيل جبرئيل، وجبرئل، من ~~ذلك. وقيل منه اشتق الآل بمعنى القرابة، كما اشتقت الرحم من الرحمن، ~~والوجه ms0742 ان اشتقاق الإل بمعنى الحلف، لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا ~~به أصواتهم وشهروه، من الأل وهو الجؤار، وله أليل أي أنين يرفع به صوته. ~~ودعت ألليها إذا ولولت، ثم قيل لكل عهد وميثاق إل. وسميت به القرابة، ~~لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق { يرضونكم } كلام ~~مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرر لاستبعاد الثبات منهم ~~على العهد. وإباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ~~ألسنتهم من الكلام الجميل { وأكثرهم فسقون } متمردون خلعاء ~~لا مروءة تزعهم، ولا شمائل مرضية تردعهم، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة، من ~~التفادي عن الكذب والنكث، والتعفف عما يثلم العرض ويجر أحدوثة السوء. ### || [9.9-10] # { اشتروا } استبدلوا { بآيات الله } بالقرآن والإسلام { ثمنا ~~قليلا } وهو اتباع الأهواء والشهوات { فصدوا عن سبيله } ~~فعدلوا عنه أو صرفوا غيرهم. وقيل هم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان ~~وأطعمهم { هم المعتدون } المجاوزون الغاية في الظلم والشرارة. ### || [9.11] # { فإن تابوا } عن الكفر ونقض العهد { فإخوانكم فى الدين } ~~فهم إخوانكم على حذف المبتدأ، كقوله تعالى # فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم # الأحزاب 5، { ونفصل الايت } ونبينها. وهذا اعتراض، كأنه قيل ~~وإن من تأمل تفصيلها فهو العالم بعثا وتحريضا على تأمل ما فصل من ~~أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها. ### || [9.12] # { وطعنوا فى دينكم } وثلبوه وعابوه { فقتلوا أئمة ~~الكفر } فقاتلوهم، فوضع أئمة الكفر موضع ضميرهم إشعارا بأنهم إذا ~~نكثوا في حال الشرك تمردا وطغيانا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من ~~العرب، ثم آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخوانا للمسلمين في ~~الدين، ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان ~~والوفاء بالعهود، وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمدبشيء، ~~فهم أئمة الكفر وذوو الرياسة والتقدم فيه، لا يشق كافر غبارهم. وقالوا ~~إذا طعن الذمي في دين الإسلام طعنا ظاهرا، جاز قتله لأن العهد معقود ~~معه على أن لا يطعن، فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة { إنهم ~~لا أيمن لهم } جمع يمين «وقرىء لا إيمان ms0743 لهم، أي لا إسلام لهم» ~~أو لا يعطون الأمان بعد الردة والنكث، ولا سبيل إليه، فإن قلت كيف أثبت ~~لهم الإيمان في قوله { وإن نكثوا أيمنهم } ثم نفاها عنهم؟ ~~قلت أراد أيمانهم التي أظهروها ثم قال لا إيمان لهم على الحقيقة، ~~وأيمانهم ليست بأيمان. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن يمين ~~الكافر لا تكون يمينا. وعند الشافعي رحمه الله يمينهم يمين. وقال معناه ~~أنهم لا يوفون بها، بدليل أنه وصفها بالنكث { لعلهم ينتهون } ~~متعلق بقوله { فقتلوا أئمة الكفر } أي ليكن غرضكم في ~~مقاتلتهم بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم أن تكون المقاتلة سببا في ~~انتهائهم عما هم عليه. وهذا من غاية كرمه وفضله وعوده على المسيء بالرحمة ~~كلما عاد. فإن قلت كيف لفظ أئمة؟ قلت همزة بعدها همزة بين بين، أي بين ~~مخرج الهمزة والياء. وتحقيق الهمزتين قراءة مشهورة، وإن لم تكن بمقبولة ~~عند البصريين. وأما التصريح بالياء فليس بقراءة. ولا يجوز أن تكون قراءة. ~~ومن صرح بها فهو لاحن محرف. ### || [9.13] # { ألا تقتلون } دخلت الهمزة على { لا تقتلون } تقريرا ~~بانتفاء المقاتلة. ومعناه الحض عليها على سبيل المبالغة { نكثوا ~~أيمنهم } التي حلفوها في المعاهدة { وهموا بإخراج ~~الرسول } من مكة حين تشاوروا في أمره بدار الندوة، حتى أذن الله ~~تعالى له في الهجرة، فخرج بنفسه { وهم بدءوكم أول مرة } أي ~~وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جاءهم أولا بالكتاب المنير وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم ~~عنها إلى القتال فهم البادءون بالقتال والبادىء أظلم، فما يمنعكم من أن ~~تقاتلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ وبخهم بترك مقاتلتهم ~~وحضهم عليها، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها. ويقرر أن من كان في مثل ~~صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب، حقيق بأن ~~لا تترك مصادمته، وأن يوبخ من فرط فيها { أتخشونهم } تقرير ~~بالخشية منهم وتوبيخ عليها { فالله أحق أن تخشوه } ~~فتقاتلوا أعداءه { إن كنتم مؤمنين } يعني أن ms0744 قضية الإيمان ~~الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا يبالي بمن سواه، كقوله تعالى # ولا يخشون أحدا إلا الله # الأحزاب 39. ### || [9.14-15] # و لما وبخهم الله على ترك القتال، جرد لهم الأمر به فقال { ~~قتلوهم } ووعدهم - ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم - أنه يعذبهم ~~بأيديهم قتلا، ويخزيهم أسرا، ويوليهم النصر والغلبة عليهم { ويشف ~~صدور } طائفة من المؤمنين، وهم خزاعة، قال ابن عباس رضي الله عنه هم ~~بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا، فلقوا من أهلها أذى شديدا، ~~فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه، فقال # " أبشروا فإن الفرج قريب " # { ويذهب غيظ } قلوبكم لما لقيتم منهم من المكروه، وقد حصل الله ~~لهم هذه المواعيد كلها، فكان ذلك دليلا على صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصحة نبوته { ويتوب الله على من يشاء } ابتداء كلام، ~~وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره، وكان ذلك أيضا، فقد أسلم ناس منهم ~~وحسن إسلامهم، وقرىء «ويتوب» بالنصب بإضمار «أن» ودخول التوبة في جملة ما ~~أجيب به الأمر من طريق المعنى { والله عليم } يعلم ما سيكون كما ~~يعلم ما قد كان { حكيم } لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة. ### || [9.16] # { أم } منقطعة، ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على وجود الحسبان. والمعنى ~~أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه، حتى يتبين الخلص منكم، وهم الذين ~~جاهدوا في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا وليجة أي بطانة، من الذين ~~يضادون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضوان الله عليهم { ~~ولما } معناها التوقع، وقد دلت على أن تبين ذلك، وإيضاحه متوقع ~~كائن، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين. وقوله { ~~ولم يتخذوا } معطوف على جاهدوا، داخل في حيز الصلة، كأنه قيل ~~ولما يعلم الله المجاهدين منكم المخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله. ~~والوليجة فعيلة من ولج، كالدخيلة من دخل. والمراد بنفي العلم نفي ~~المعلوم، كقول القائل. ما علم الله مني ما قيل في، يريد ما وجد ذلك مني. ### || [9.17] # { ما كان للمشركين ms0745 } ما صح لهم ما استقام { أن يعمروا ~~مسجد الله } يعني المسجد الحرام، لقوله { وعمارة ~~المسجد الحرام } وأما القراءة بالجمع ففيها وجهان، أحدهما أن ~~يراد المسجد الحرام، وإنما قيل مساجد لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ~~فعامره كعامر جميع المساجد، ولأن كل بقعة منه مسجد. والثاني أن يراد جنس ~~المساجد، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها، دخل تحت ذلك أن لا يعمروا ~~المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته وهو آكد، لأن طريقته طريقة ~~الكناية، كما لو قلت فلان لا يقرأ كتب الله، كنت أنفى لقراءته القرآن من ~~تصريحك بذلك. و { شهدين } حال من الواو في { يعمروا } والمعنى ~~ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات الله، مع ~~الكفر بالله وبعبادته. ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم وأنهم ~~نصبوا أصنامهم حول البيت، وكانوا يطوفون عراة ويقولون لا نطوف عليها ~~بثياب قد أصبنا فيها المعاصي، وكلما طافوا بها شوطا سجدوا لها. وقيل هو ~~قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وقيل 445 قد أقبل ~~المهاجرون والأنصار على أسارى بدر فعيروهم بالشرك، فطفق علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة ~~الرحم، وأغلظ له في القول. فقال العباس تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا. ~~فقال أو لكم محاسن؟ قالوا نعم ونحن أفضل منكم أجرا. إنا لنعمر المسجد ~~الحرام. ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج ونفك العاني، فنزلت { حبطت ~~أعملهم } التي هي العمارة والحجابة والسقاية وفك العناة. وإذا ~~هدم الكفر أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة إذا تعقبها، فما ظنك ~~بالمقارن. وإلى ذلك أشار في قوله { شهدين } حيث جعله حالا عنهم ~~ودل على أنهم قارنون بين العمارة والشهادة بالكفر على أنفسهم في حال ~~واحدة، وذلك محال غير مستقيم. ### || [9.18] # { إنما يعمر مسجد الله } وقرىء بالتوحيد أي إنما ~~تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتدا بها، والعمارة تتناول رم ما استرم ~~منها، وقمها وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة ~~والذكر، ومن الذكر درس العلم، بل هو ms0746 أجله وأعظمه، وصيانتها مما لم تبن ~~له المساجد من أحاديث الدنيا فضلا عن فضول الحديث، وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 446 # " يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا ~~ذكرهم الدنيا وحب الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة " # وفي الحديث 447 # " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " # وقال عليه الصلاة و السلام 448 # " قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زواري فيها عمارها، ~~فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره ~~" # وعنه عليه الصلاة و السلام 449 # " من ألف المسجد ألفه الله " # وقال عليه الصلاة و السلام 450 # " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " # وعن أنس رضي الله عنه 451 من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة ~~العرش تستغفر له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه. فإن قلت هلا ذكر الإيمان ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت لما علم وشهر أن الإيمان بالله تعالى ~~قرينته الإيمان بالرسول عليه الصلاة و السلام لاشتمال كلمة الشهادة ~~والأذان، والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين كأنهما شيء واحد غير ~~منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى الإيمان ~~بالرسول عليه الصلاة و السلام. وقيل دل عليه بذكر إقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة؟ فإن قلت كيف قيل { ولم يخش إلا الله } والمؤمن يخشى ~~المحاذير، ولا يتمالك أن لا يخشاها؟ قلت هي الخشية والتقوى في أبواب ~~الدين، وأن لا يختار على رضا الله غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه أمران ~~أحدهما حق الله، والآخر حق نفسه أن يخاف الله، فيؤثر حق الله على حق ~~نفسه. وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم { ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } تبعيد ~~للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسن لأطماعهم من الانتفاع بأعمالهم التي ~~استعظموها وافتخروا بها وأملوا عاقبتها، بأن الذين آمنوا وضموا إلى ~~إيمانهم العمل بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى، اهتداؤهم دائر بين ~~عسى ولعل، ms0747 فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ونائلون عند الله الحسنى. ~~وفي هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية على الرجاء ورفض ~~الاغترار بالله تعالى. ### || [9.19] # السقاية والعمارة مصدران من سقى وعمر، كالصيانة والوقاية. ولا بد من ~~مضاف محذوف تقديره { أجعلتم } أهل { سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله } تصدقه ~~قراءة ابن الزبير وأبي وجزة السعدي وكان من القراء «سقاة الحاج وعمرة ~~المسجد الحرام»، والمعنى إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين، وأعمالهم ~~المحبطة بأعمالهم المثبتة، وأن يسوي بينهم. وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم ~~بالكفر. وروي أن المشركين قالوا لليهود نحن سقاة الحجيج وعمار المسجد ~~الحرام، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟ فقالت لهم اليهود أنتم أفضل. وقيل ~~إن عليا رضي الله عنه قال للعباس 452 يا عم ألا تهاجرون، ألا تلحقون ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ألست في أفضل من الهجرة أسقي حاج ~~بيت الله، وأعمر المسجد الحرام، فلما نزلت قال العباس ما أراني إلا تارك ~~سقايتنا. فقال عليه السلام # " أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا ". ### || [9.20-22] # هم { أعظم درجة عند الله } من أهل السقاية والعمارة عندكم ~~{ وأولئك هم الفائزون } لا أنتم والمختصون بالفوز دونكم ~~وقرىء «يبشرهم» بالتخفيف والتثقيل، وتنكير المبشر به لوقوعه وراء صفة ~~الواصف وتعريف المعرف. وعن ابن عباس رضي الله عنه هي في المهاجرين خاصة. ### || [9.23-24] # وكان قبل فتح مكة من آمن لم يتم إيمانه إلا بأن يهاجر ويصارم أقاربه ~~الكفرة ويقطع موالاتهم. فقالوا يا رسول الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في ~~الدين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وهلكت أموالنا وخربت ~~ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت، فهاجروا، فجعل الرجل يأتيه ابنه أو أبوه ~~أو أخوه أو بعض أقاربه فلا يلتفت إليه ولا ينزله ولا ينفق عليه، ثم رخص ~~لهم بعد ذلك. وقيل نزلت في التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة فنهى الله ~~تعالى عن موالاتهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 453 # " لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله ويبغض في الله حتى ms0748 يحب ~~في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس إليه " # وقرىء «عشيرتكم» و «عشيراتكم». وقرأ الحسن وعشائركم { فتربصوا ~~حتى يأتى الله بأمره } وعبيد عن ابن عباس هو فتح مكة وعن ~~الحسن هي عقوبة عاجلة أو آجلة. وهذه آية شديدة لا ترى أشد منها، كأنها ~~تنعى على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، ~~فلينصف أورع الناس وأتقاهم من نفسه، هل يجد عنده من التصلب في ذات الله ~~والثبات على دين الله ما يستحب له دينه على الآباء والأبناء والإخوان ~~والعشائر والمال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا ويتجرد منها لأجله؟ أم يزوي ~~الله عنه أحقر شيء منها بمصلحته فلا يدري أي طرفيه أطول؟ ويغويه الشيطان ~~عن أجل حظ من حظوظ الدين، فلا يبالي كأنما وقع على أنفه ذباب فطيره؟. ### || [9.25-27] # مواطن الحرب مقاماتها ومواقفها قال # وكم موطن لولاي طحت كما هوى بأجرامه من ~~قلة النيق منهوي # وامتناعه من الصرف لأنه جمع، وعلى صيغة لم يأت عليها واحد، والمواطن ~~الكثيرة وقعات بدر، وقريظة، والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة. فإن ~~قلت كيف عطف الزمان والمكان وهو { يوم حنين } على المواطن؟ قلت ~~معناه وموطن يوم حنين. أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين. ويجوز أن يراد ~~بالموطن الوقت كمقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون يوم حنين منصوبا ~~بفعل مضمر لا بهذاالظاهر. وموجب ذلك أن قوله { إذ أعجبتكم } ~~بدل من يوم حنين، فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم ~~تعجبهم في جميع تلك المواطن ولم يكونوا كثيرا في جميعها، فبقي أن يكون ~~ناصبه فعلا خاصا به، إلا إذا نصبت «إذ» بإضمار «اذكر» وحنين واد بين ~~مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفا الذين ~~حضروا فتح مكة، منضما إليهم ألفان من الطلقاء، وبين هوازن وثقيف وهم ~~أربعة آلاف فيمن ضامهم من إمداد سائر العرب فكانوا الجم الغفير، فلما ~~التقوا قال رجل من المسلمين لن نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله صلى ~~الله عليه ms0749 وسلم. وقيل قائلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل أبو بكر ~~رضي الله عنه وذلك قوله { إذ أعجبتكم كثرتكم } فاقتتلوا ~~قتالا شديدا وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة، وزل عنهم أن الله ~~هو الناصر لا كثرة الجنود فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة، وبقي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحده وهو ثابت في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلا عمه ~~العباس رضي الله تعالى عنه آخذ بلجام دابته وأبو سفيان بن الحرث ابن عمه، ~~وناهيك بهذه الوحدة شهادة صدق على تناهي شجاعته ورباطة جأشه صلى الله ~~عليه وسلم، وما هي إلا من آيات النبوة وقال 454 يا ربي ائتني بما ~~وعدتني. وقال صلى الله عليه وسلم للعباس - وكان صيتا صيح بالناس، فنادى ~~الأنصار فخذا فخذا، ثم نادى يا أصحاب الشجرة، با أصحاب البقرة، فكروا ~~عنقا واحدا وهم يقولون لبيك لبيك، ونزلت الملائكة عليهم البياض على ~~خيول بلق، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال هذا ~~حين حمي الوطيس، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم به ثم قال انهزموا ورب ~~الكعبة فانهزموا، قال العباس لكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يركض. خلفهم على بغلته { بما رحبت } ما مصدرية، والباء بمعنى ~~مع، أي مع رحبها وحقيقته ملتبسة برحبها، على أن الجار والمجرور في موضع ~~الحال، كقولك دخلت عليه بثياب السفر، أي ملتبسا بها لم أحلها، تعني مع ~~ثياب السفر. # والمعنى لا تجدون موضعا تستصلحونه لهربكم إليه ونجاتكم لفرط الرعب، ~~فكأنها ضاقت عليكم { ثم وليتم مدبرين } ثم انهزمتم { ~~سكينته } رحمته التي سكنوا بها وآمنوا { وعلى المؤمنين } ~~الذين انهزموا. وقيل هم الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~وقع الهرب { وأنزل جنودا } يعني الملائكة، وكانوا ثمانية آلاف، ~~وقيل خمسة آلاف، وقيل ستة عشر ألفا { وعذب الذين كفروا } ~~بالقتل والأسر، وسبي النساء والذراري { ثم يتوب الله } أي يسلم ~~بعد ذلك ناس منهم. وروي 455 أن ناسا منهم جاؤوا فبايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ms0750 على الإسلام وقالوا يا رسول الله، أنت خير الناس وأبر ~~الناس وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا. قيل سبي يومئذ ستة آلاف ~~نفس، وأخذ من الأبل والغنم ما لا يحصى، فقال إن عندي ما تروون، إن خير ~~القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم. قالوا ما كنا ~~نعدل بالأحساب شيئا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إن هؤلاء ~~جاؤوا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب ~~شيئا، فمن كان بيده شيء طابت نفسه أن يرده فشأنه، ومن لا فليعطنا وليكن ~~قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه. قالوا رضينا وسلمنا، فقال إني ~~لا أدري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إلينا، فرفعت ~~إليه العرفاء أن قد رضوا. ### || [9.28] # النجس مصدر، يقال نجس نجسا، قذر قذرا. ومعناه ذوو نجس لأن معهم الشرك ~~الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون ~~النجاسات، فهي ملابسة لهم. أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها، مبالغة في ~~وصفهم بها. وعن ابن عباس رضي الله عنه أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير. ~~وعن الحسن من صافح مشركا توضأ. وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين. ~~وقرىء «نجس»، بكسر النون وسكون الجيم على تقدير حذف الموصوف، كأنه قيل ~~إنما المشركون جنس نجس، أو ضرب نجس، وأكثر ما جاء تابعا لرجس وهو تخفيف ~~نجس، نحو كبد، في كبد { فلا يقربوا المسجد الحرام } فلا ~~يحجوا ولا يعتمروا، كما كانوا يفعلون في الجاهلية { بعد عامهم ~~هذا } بعد حج عامهم هذا وهو عام تسع من الهجرة حين أمر أبو بكر على ~~الموسم، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ويدل عليه قول علي كرم الله وجهه ~~حين نادى ببراءة ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك، ولا يمنعون من دخول ~~الحرم والمسجد الحرام وسائر المساجد عندهم. وعند الشافعي يمنعون من ~~المسجد الحرام خاصة. وعند مالك يمنعون منه ومن غيره من المساجد. وعن عطاء ~~رضي الله عنه أن المراد بالمسجد الحرام الحرم، وأن على المسلمين أن لا ~~يمكنوهم ms0751 من دخوله، ونهي المشركين أن يقربوه راجع إلى نهي المسلمين عن ~~تمكينهم منه، وقيل المراد أن يمنعوا من تولي المسجد الحرام والقيام ~~بمصالحة ويعزلوا عن ذلك { وإن خفتم عيلة } أي فقرا بسبب منع ~~المشركين من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الأرفاق والمكاسب { ~~فسوف يغنيكم الله من فضله } من عطائه أو من تفضله بوجه ~~آخر، فأرسل السماء عليهم مدرارا، فأغزر بها خيرهم وأكثر ميرهم وأسلم أهل ~~تبالة وجرش فحملوا إلى مكة الطعام وما يعاش به، فكان ذلك أعود عليهم مما ~~خافوا العيلة لفواته. وعن ابن عباس رضي الله عنه ألقى الشيطان في قلوبهم ~~الخوف وقال من أين تأكلون؟ فأمرهم الله بقتال أهل الكتاب وأغناهم ~~بالجزية. وقيل بفتح البلاد والغنائم. وقرىء «عائلة»، بمعنى المصدر ~~كالعافية، أو حالا عائلة. ومعنى قوله { إن شاء } الله. إن أوجبت ~~الحكمة إغناءكم وكان مصلحة لكم في دينكم { إن الله عليم } ~~بأحوالكم { حكيم } لا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب. ### || [9.29] # { من الذين أوتوا الكتب } بيان للذين مع ما في حيزه. نفى ~~عنهم الإيمان بالله لأن اليهود مثنية والنصارى مثلثة. وإيمانهم باليوم ~~الآخر لأنهم فيه على خلاف ما يجب وتحريم ما حرم الله ورسوله لأنهم لا ~~يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة. وعن أبي روق لا يعملون بما في التوراة ~~والإنجيل، وأن يدينوا دين الحق، وأن يعتقدوا دين الإسلام الذي هو الحق ~~وما سواه الباطل. وقيل دين الله، يقال فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ~~ومعتقده. سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، أو ~~لأنهم يجزون بها من من عليهم بالإعفاء عن القتل { عن يد } إما أن ~~يراد يد المعطي أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطي حتى يعطوها عن يد أي ~~عن يد مؤاتية غير ممتنعة لأن من أبى وامتنع لم يعط يده، بخلاف المطيع ~~المنقاد، ولذلك قالوا أعطى بيده. إذا انقاد وأصحب. ألا ترى إلى قولهم نزع ~~يده عن الطاعة، كما يقال خلع ربقة الطاعة عن عنقه، ms0752 أو حتى يعطوها عن يد ~~إلى يد نقدا غير نسيئة، لا مبعوثا على يد أحد. ولكن عن يد المعطي إلى ~~يد الأخذ، وأما على إرادة يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة ~~مستولية، أو عن إنعام عليهم. لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم لهم ~~نعمة عظيمة عليهم { وهم صغرون } أي تؤخذ منهم على الصغار والذل. ~~وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب، ويسلمها وهو قائم - والمتسلم ~~جالس، وأن يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلبيبه، ويقال له أد الجزية، وإن كان ~~يؤديها ويزخ في قفاه، وتسقط بالإسلام عند أبي حنيفة ولا يسقط به خراج ~~الأرض. واختلف فيمن تضرب عليه، فعند أبي حنيفة تضرب على كل كافر من ذمي ~~ومجوسي وصابىء وحربي، إلا على مشركي العرب وحدهم. روى الزهري 456 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح عبدة الأوثان على الجزية، إلا من كان ~~من العرب وقال لأهل مكة # " هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم بها العرب وأدت إليكم العجم ~~الجزية " # ، وعند الشافعي لا تؤخذ من مشركي العجم. والمأخوذ عند أبي حنيفة في أول ~~سنة من الفقير الذي له كسب اثنا عشر درهما. ومن المتوسط في الغني ضعفها، ~~ومن المكثر ضعف الضعف ثمانية وأربعون، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له. وعند ~~الشافعي يؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينار، فقيرا كان أو غنيا، كان ~~له كسب أو لم يكن. ### || [9.30] # { عزير ابن الله } مبتدأ وخبر، كقوله المسيح ابن الله، وعزير ~~اسم أعجمي كعازر وعيزار وعزرائيل، ولعجمته وتعريفه امتنع صرفه. ومن نون ~~فقد جعله عربيا. وأما قول من قال سقوط التنوين للالتقاء الساكنين ~~كقراءة من قرأ «أحد الله» أو لأن الابن وقع وصفا والخبر محذوف وهو ~~معبودنا، فتمحل عنه مندوحة، وهو قول ناس من اليهود ممن كان بالمدينة، وما ~~هو بقول كلهم عن ابن عباس رضي الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا ms0753 ذلك. ~~وقيل قاله فنحاص. وسبب هذا القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى ~~عليه السلام، فرفع الله عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير وهو ~~غلام يسيح في الأرض، فأتاه جبريل عليه السلام فقال له إلى أين تذهب؟ قال ~~أطلب العلم فحفظه التوراة. فأملاها عليهم عن ظهر لسانه لا يخرم حرفا، ~~فقالوا ما جمع الله التوراة في صدره وهو غلام إلا لأنه ابنه. والدليل ~~على أن هذا القول كان فيهم أن الآية تليت عليهم، فما أنكروا ولا كذبوا ~~مع تهالكهم على التكذيب. فإن قلت كل قول يقال بالفم فما معنى قوله { ~~ذلك قولهم بأفوههم }؟ قلت فيه وجهان أحدهما أن يراد أنه ~~قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ يفوهون به، فارغ من معنى تحته ~~كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تدل على معان. وذلك أن القول ~~الدال على معنى لفظه مقول بالفم ومعناه مؤثر في القلب. وما لا معنى له ~~مقول بالفم لا غير. والثاني أن يراد بالقول المذهب، كقولهم قول أبي ~~حنيفة، يريدون مذهبه وما يقول به، كأنه قيل ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم ~~لا بقلوبهم، لأنه لا حجة معه ولا شبهة حتى يؤثر في القلوب، وذلك أنهم إذا ~~اعترفوا أنه لا صاحبة له لم تبق شبهة في انتفاء الولد { يضاهون } لا بد ~~فيه من حذف مضاف تقديره يضاهي قولهم قولهم، ثم حذف المضاف وأقيم الضمير ~~المضاف إليه مقامه فانقلب مرفوعا. والمعنى أن الذين كانوا في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، ~~يعني أنه كفر قديم فيهم غير مستحدث. أو يضاهي قول المشركين الملائكة بنات ~~الله تعالى الله عنه. وقيل الضمير للنصارى، أي يضاهي قولهم المسيح ابن ~~الله، قول اليهود عزير ابن الله، لأنهم أقدم منهم. وقرىء «يضاهؤن» بالهمز ~~من قولهم امرأة ضهيأ على فعيل وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض ~~وهمزتها مزيدة كما في عرقىء { قتلهم الله } أي هم أحقاء بأن ~~يقال لهم هذا، تعجبا من شناعة ms0754 قولهم، كما يقال لقوم ركبوا شنعاء قاتلهم ~~الله ما أعجب فعلهم { أنى يؤفكون } كيف يصرفون عن الحق؟. ### || [9.31] # اتخاذهم أربابا أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي وتحليل ما حرم الله ~~وتحريم ما حلله، كما تطاع الأرباب في أوامرهم. ونحوه تسميه أتباع ~~الشيطان فيما يوسوس به عباده، بل كانوا يعبدون الجن # يأبت لا تعبد الشيطن # مريم 44 وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه 457 انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال # " أليسوا يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرمه الله فتحلونه ~~" # ؟ قلت بلى. قال «فتلك عبادتهم». وعن فضيل رضي الله عنه. ما أبالي أطعت ~~مخلوقا في معصية الخالق، أو صليت لغير القبلة. وأما المسيح فحين جعلوه ~~ابنا لله فقد أهلوه للعبادة. ألا ترى إلى قوله # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين # الزخرف 81. { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا } ~~أمرتهم بذلك أدلة العقل والنصوص في الإنجيل والمسيح عليه السلام أنه من ~~يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة { سبحنه } تنزيه له عن ~~الإشراك به، واستبعاد له. ويجوز أن يكون الضمير في { وما أمروا } ~~للمتخذين أربابا، أي وما أمر هؤلاء الذين هم عندهم أرباب إلا ليعبدوا ~~الله ويوحدوه، فكيف يصح أن يكونوا أربابا وهم مأمورون مستعبدون مثلهم. ### || [9.32-33] # مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، ~~بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق، يريد الله أن يزيده ~~ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق أو الإضاءة. ليطفئه بنفخة ويطمسه { ~~ليظهره } ليظهر الرسول عليه السلام { على الدين كله } على ~~أهل الأديان كلهم. أو ليظهر دين الحق على كل دين. فإن قلت كيف جاز، أبى ~~الله إلا كذا، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا؟ قلت قد أجرى «أبى» ~~مجرى «لم يرد» ألا ترى كيف قوبل { يريدون أن يطفئوا } بقوله { ~~ويأبى الله } وكيف أوقع موقع ولا يريد الله إلا أن يتم نوره. ### || [9.34-35] # معنى أكل الأموال على وجهين ms0755 إما أن يستعار الأكل للأخذ. ألا ترى إلى ~~قولهم أخد الطعام وتناوله. وإما على أن الأحوال يؤكل بها فهي سبب الأكل. ~~ومنه قوله # إن لنا أحمرة عجافا يأكلن كل ليلة إكافا # يريد علفا يشترى بثمن إكاف. ومعنى أكلهم بالباطل أنهم كانوا يأخذون ~~الرشا في الأحكام، والتخفيف والمسامحة في الشرائع { والذين ~~يكنزون } يجوز أن يكون إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، ~~للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم أخذ البراطيل، وكنز الأموال، ~~والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير. ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون ~~غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى، تغليظا ~~ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله سواء في ~~استحقاق البشارة بالعذاب الأليم. وقيل نسخت الزكاة آية الكنز. وقيل هي ~~ثابتة، وإنما عني بترك الإنفاق في سبيل الله منع الزكاة. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 458 # " ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو ~~كنز وإن كان ظاهرا " # وعن عمر رضي الله عنه أن رجلا سأله عن أرض له باعها فقال أحرز مالك ~~الذي أخذت، احفر له تحت فراش امرأتك. قال أليس بكنز؟ قال ما أدى زكاته ~~فليس بكنز وعن ابن عمر رضي الله عنهما كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن ~~كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤد زكاته فهو الذي ذكر الله تعالى وإن كان ~~على ظهر الأرض فإن قلت فما تصنع بما روى سالم بن أبي الجعد رضي الله عنهم ~~أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 459 # " تبا للذهب تبا للفضة " # قالها ثلاثا. فقالوا له أي مال نتخذ؟ قال # " لسانا ذاكرا، وقلبا خاشعا، وزوجة تعين أحدكم على دينه " # وبقوله عليه الصلاة والسلام 460 # " من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها " # 461 وتوفي رجل فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«كية» وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال «كيتان» قلت كان هذا قبل ms0756 أن ~~تفرض الزكاة، فأما بعد فرض الزكاة، فالله أعدل وأكرم من أن يجمع عبده ~~مالا من حيث أذن له فيه، ويؤدي عنه ما أوجب عليه فيه، ثم يعاقبه. ولقد ~~كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله وعبيد الله ~~رضي الله عنهم يقتنون ويتصرفون فيها، وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية، ~~لأن الإعراض اختيار للأفضل، وإلا دخل في الورع والزهد في الدنيا، ~~والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه، ولكل شيء حد. # وما روي عن علي رضي الله عنه أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو ~~كنز. كلام في الأفضل. فإن قلت لم قيل ولا ينفقونها، وقد ذكر شيئان؟ قلت ~~ذهابا بالضمير إلى المعنى دون اللفظ لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة ~~كثيرة ودنانير ودراهم، فهو كقوله { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا } وقيل ذهب به إلى الكنوز، وقيل إلى ~~الأموال. وقيل معناه ولا ينفقونها والذهب، كما أن معنى قوله # فإني وقيار بها لغريب # وقيار كذلك. فإن قلت لم خصا بالذكر من بين سائر الأموال؟ قلت لأنهما ~~قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته، ومن ~~كثرا عنده حتى يكنزهما لم يعدم سائر أجناس المال، فكان ذكر كنزهما دليلا ~~على ما سواهما، فإن قلت ما معنى قوله { يحمى عليها }؟ وهلا قيل ~~تحمى، من قولك حمى الميسم وأحميته، ولا تقول أحميت على الحديد؟ قلت معناه ~~أن النار تحمى عليها، أي توقد ذات حمى وحر شديد، من قوله # نار حامية # القارعة 11 ولو قيل يوم تحمى، لم يعط هذا المعنى. فإن قلت فإذا كان ~~الإحماء للنار، فلم ذكر الفعل؟ قلت لأنه مسند إلى الجار والمجرور، أصله ~~يوم تحمى النار عليها، فلما حذفت النار قيل يحمى عليها، لانتقال الإسناد ~~عن النار إلى عليها، كما تقول رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة ~~قلت رفع إلى الأمير وعن ابن عامر أنه قرأ «تحمى» بالتاء. وقرأ أبو حيوة ~~«فيكوى» بالياء. فإن قلت لم خصت هذه الأعضاء؟ ms0757 قلت لأنهم لم يطلبوا ~~بأموالهم - حيث لم ينفقوها في سبيل الله - إلا الأغراض الدنيوية، ومن ~~وجاهة عند الناس، وتقدم، وأن يكون ماء وجوههم مصونا عندهم، يتلقون ~~بالجميل، ويحيون بالإكرام، ويبجلون ويحتشمون، ومن أكل طيبات يتضلعون منها ~~وينفخون جنوبهم، ومن لبس ناعمة من الثياب يطرحونها على ظهورهم، كما ترى ~~أغنياء زمانك هذه أغراضهم وطلباتهم من أموالهم، لا يخطرون ببالهم قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 462 # " ذهب أهل الدثور بالأجور " # وقيل لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا، وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا ~~عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم. وقيل معناه يكون على الجهات الأربع ~~مقاديمهم ومآخيرهم وجنوبهم { هذا ما كنزتم } على إرادة القول. ~~وقوله { لأنفسكم } أي كنزتموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذ وتحصل لها ~~الأغراض التي حامت حولها وما علمتم أنكم كنزتموه لتستضر به أنفسكم وتتعذب ~~وهو توبيخ لهم { فذوقوا ما كنتم تكنزون }. وقرىء «تكنزون» ~~بضم النون أي وبال المال الذي كنتم تكنزونه أو وبال كونكم كانزين. ### || [9.36] # { فى كتب الله } فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابا. ~~وقيل في اللوح { أربعة حرم } ثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. ومنه قوله عليه السلام في خطبته في حجة ~~الوداع 463 # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض " # والسنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو ~~الحجة، والمحرم. ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. والمعنى رجعت الأشهر ~~إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسىء الذي كان في ~~الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكان حجة أبي بكر رضي الله ~~عنه قبلها في ذي القعدة { ذلك الدين القيم } يعني أن تحريم ~~الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد ~~تمسكت به وراثة منهما، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ويحرمون القتال فيها، ~~حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، وسموا رجبا الأصم ومنصل ~~الأسنة، حتى أحدثت النسىء فغيروا { فلا تظلموا فيهن } في ~~الحرم ms0758 { أنفسكم } أي لا تجعلوا حرامها حلالا. وعن عطاء تالله ما ~~يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا، وما ~~نسخت، وعن عطاء الخراساني رضي الله عنه أحلت القتال في الأشهر الحرم ~~براءة من الله ورسوله. وقيل معناه لا تأتموا فيهن، بيانا لعظم حرمتهن، ~~كما عظم أشهر الحج بقوله تعالى # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق # الآية البقرة 197 وإن كان ذلك محرما في سائر الشهور { كآفة } حال ~~من الفاعل أو المفعول { مع المتقين } ناصر لهم، حثهم على التقوى ~~بضمان النصر لأهلها. ### || [9.37] # والنسىء تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب ~~وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، ~~فيحلونه ويحرمون مكانه شهر آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم ~~بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر وذلك قوله تعالى ~~{ ليواطئوا عدة ما حرم الله } أي ليوافقوا العدة التي ~~هي الأربعة ولا يخالفوها وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين. وربما ~~زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت. ~~ولذلك قال عز وعلا # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا # التوبة 36 يعني من غير زيادة زادوها. والضمير في يحلونه، ويحرمونه ~~للنسىء. أي إذا أحلوا شهرا من الأشهر الحرم عاما، رجعوا فحرموه في ~~العام القابل، وروي أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى ~~الغارة، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في الجاهلية، وكان يقوم على ~~جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه، ~~ثم يقوم في القابل فيقول إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. جعل ~~النسىء زيادة في الكفر، لأن الكافر كلما أحدث معصية ازداد كفرا، # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125، كما أن المؤمن إذا أحدث الطاعة ازداد إيمانا # فزادتهم إيمنا وهم يستبشرون # التوبة 124. وقرىء «يضل» على البناء للمفعول، و «يضل» بفتح الياء ~~والضاد، و { يضل } على أن الفعل لله عز ms0759 وجل. وقرأ الزهري «ليوطئوا» ~~بالتشديد. والنسىء مصدر نسأه إذا أخره. يقال نسأه ونسأ ونساء ونسيئا، ~~كقولك مسه مسا ومساسا ومسيسا. وقرىء بهن جميعا. وقرىء «النسى» ~~بوزن الندى. و «النسي» بوزن النهي، وهما تخفيف النسىء والنسء. فإن قلت ~~ما معنى قوله { فيحلوا ما حرم الله }؟ قلت معناه فيحلوا ~~بمواطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال، أو من ترك ~~الاختصاص للأشهر بعينها { زين لهم سوء أعملهم } خذلهم ~~الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة { والله لا يهدى } أي لا يلطف ~~بهم بل يخذلهم. وقرىء «زين لهم سوء أعمالهم» على البناء للفاعل، وهو الله ~~عز وجل. ### || [9.38-41] # { اثاقلتم } تثاقلتم. وبه قرأ الأعمش، أي تباطأتم وتقاعستم. وضمن ~~معنى الميل والإخلاد فعدي بإلى. والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم ~~مشاق السفر ومتاعبه، ونحوه # أخلد إلى الأرض واتبع هواه # الأعراف 176 وقيل ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم. وقرىء «أثاقلتم»؟ ~~على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ. فإن قلت فما العامل في «إذا» ~~وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه؟ قلت ما دل عليه قوله { اثاقلتم ~~} أو ما في { مالكم } من معنى الفعل، كأنه قيل ما تصنعون إذا قيل لكم ~~كما تعمله في الحال إذا قلت مالك قائما، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة ~~عشر بعد رجوعهم من الطائف. استتفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة ~~وكثرة العدو، فشق عليهم. وقيل ما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة إلا ورى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك ليستعد الناس تمام العدة ~~{ من الاخرة } أي بدل الآخرة كقوله # لجعلنا منكم ملائكة # الزخرف 60. { فى الآخرة } في جنب الآخرة { إلا تنفروا } سخط ~~عظيم على المتثاقلين حيث أوعدهم بعذاب أليم مطلق يتناول عذاب الدارين، ~~وأنه يهلكهم ويستبدل بهم قوما آخرين خيرا منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في ~~نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها شيئا وقيل الضمير للرسول أي ولا تضروه، ~~لأن الله وعده أن يعصمه من الناس وأن ينصره، ووعد الله كائن لا محالة، ~~وقيل يريد ms0760 بقوله { قوما غيركم } التوبة 39 أهل اليمن. وقيل أبناء ~~فارس، والظاهر مستغن عن التخصيص. فإن قلت كيف يكون قوله { فقد ~~نصره الله } جوابا للشرط؟ قلت فيه وجهان أحدهما إلا تنصروه ~~فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد، فدل ~~بقوله { فقد نصره الله } على أنه ينصره في المستقبل، كما نصره ~~في ذلك الوقت. والثاني أنه أوجب له النصرة وجعله منصورا في ذلك الوقت، ~~فلن يخذل من بعده. وأسند الإخراج إلى الكفار كما أسند إليهم في قوله # من قريتك التى أخرجتك # محمد 13 لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج فكأنهم أخرجوه { ~~ثاني اثنين } أحد اثنين، كقوله { ثلث ثلثة } وهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه. يروى 464 أن ~~جبريل عليه السلام لما أمره بالخروج قال من يخرج معي؟ قال أبو بكر ~~وانتصابه على الحال. وقرىء «ثاني اثنين» بالسكون و { إذ هما } بدل من ~~إذ أخرجه. والغار ثقب في أعلى ثور، وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة، ~~مكثا فيه ثلاثا { إذ يقول } بدل ثان. # وقيل 465 طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر رضي الله عنه على رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال إن تصب اليوم ذهب دين الله، ~~فقال عليه الصلاة والسلام # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # وقيل 466 لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين فباضتا في أسفله، ~~والعنكبوت فنسجت عليه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم أعم أبصارهم " # فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون. وقد أخذ الله بأبصارهم عنه. ~~وقالوا من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه فقد كفر، لإنكاره كلام الله، ~~وليس ذلك لسائر الصحابة { سكينته } ما ألقى في قلبه من الأمنة، التي ~~سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، والجنود الملائكة يوم بدر، والأحزاب ~~وحنين. وكلمة الذين كفروا دعوتهم إلى الكفر { وكلمة الله } دعوته ~~إلى الإسلام. وقرىء «كلمة الله» بالنصب، والرفع أوجه و ms0761 { هى } فصل أو ~~مبتدأ، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو، وأنها المختصة به دون سائر ~~الكلم { خفافا وثقالا } خفافا في النفور لنشاطكم له، وثقالا عنه ~~لمشقته عليكم، أو خفافا لقلة عيالكم وأذيالكم، وثقالا لكثرتها. أو ~~خفافا من السلاح وثقالا منه. أو ركبانا ومشاة. أو شبابا وشيوخا. أو ~~مهازيل وسمانا. أو صحاحا ومراضا. وعن ابن أم مكتوم أنه قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعلي أن أنفر؟ قال نعم، حتى نزل قوله # ليس على الأعمى حرج # النور 61. وعن ابن عباس نسخت بقوله # ليس على الضعفاء ولا على المرضى # التوبة 91 وعن صفوان بن عمرو كنت واليا على حمص، فلقيت شيخا كبيرا قد ~~سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو. فقلت يا عم لقد أعذر ~~الله إليك فرفع حاجبيه وقال يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، ~~إلا أنه من يحبه الله يبتله. وعن الزهري خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، ~~وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له إنك عليل صاحب ضرر، فقال استنفرنا الله ~~الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع { ~~وجهدوا بأمولكم وأنفسكم } إيجاب للجهاد بهما إن ~~أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة. ### || [9.42] # العرض ما عرض لك من منافع الدنيا. يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر ~~والفاجر، أي لو كان ما دعوا إليه غنما قريبا سهل المنال { وسفرا ~~قاصدا } وسطا مقاربا { الشقة } المسافة الشاقة. وقرأ عيسى بن ~~عمر «بعدت عليهم الشقة» بكسر العين والشين ومنه قوله # يقولون لا تبعد وهم يدفنونه ولا بعد إلا ما ~~تواري الصفائح # { بالله } متعلق بسيحلفون، أو هو من جملة كلامهم. والقول مراد في ~~الوجهين، أي سيحلفون بعني المتخلفين عند رجوعك من غزوة تبوك معتذرين ~~يقولون بالله { لو استطعنا لخرجنا معكم } أو سيحلفون ~~بالله ويقولون لو استطعنا، وقوله { لخرجنا } سد مسد جوابي القسم ~~ولو جميعا، والإخبار بما سوف يكون بعد القفول من حلفهم واعتذارهم. وقد ~~كان من جملة المعجزات. ومعنى الاستطاعة استطاعة العدة، أو استطاعة ~~الأبدان، كأنهم ms0762 تمارضوا. وقرىء «لو استطعنا»، بضم الواو تشبيها لها بواو ~~الجمع في قوله # فتمنوا الموت # البقرة 94. { يهلكون أنفسهم } إما أن يكون بدلا من سيحلفون، ~~أو حالا بمعنى مهلكين. والمعنى أنهم يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب ~~وما يحلفون عليه من التخلف. ويحتمل أن يكون حالا من قوله { لخرجنا ~~} أي لخرجنا معكم، وإن أهلكنا أنفسنا وألقيناها في التهلكة بما نحملها من ~~المسير في تلك الشقة. وجاء به على لفظ الغائب، لأنه مخبر عنهم. ألا ترى ~~أنه لو قيل سيحلفون بالله لو استطاعوا لخرجوا، لكان سديدا، يقال حلف ~~بالله ليفعلن ولأفعلن، فالغيبة على حكم الإخبار، والتكلم على الحكاية. ### || [9.43] # { عفا الله عنك } كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها. ومعناه ~~أخطأت وبئس ما فعلت. و { لم أذنت لهم } بيان لما كنى عنه بالعفو. ~~ومعناه مالك أذنت لهم في القعود عن الغزو حين استأذنوك واعتلوا لك بعللهم ~~وهلا استأنيت بالإذن { حتى يتبين لك } من صدق في عذره ممن ~~كذب فيه. وقيل شيئان فعلهما رسول الله ولم يؤمر بهما إذنه للمنافقين ~~وأخذه من الأسارى فعاتبه الله تعالى. ### || [9.44] # { لا يستأذنك } ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن ~~يجاهدوا، وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون لا نستأذن النبي ~~أبدا، ولنجاهدن أبدا معه بأموالنا وأنفسنا. ومعنى { أن يجهدوا ~~} في أن يجاهدوا أو كراهة أن يجاهدوا { والله عليم ~~بالمتقين } شهادة لهم بالانتظام في زمرة المتقين، وعدة لهم بأجزل ~~الثواب. ### || [9.45-48] # { إنما يستأذنك } يعني المنافقين، وكانوا تسعة وثلاثين رجلا ~~{ يترددون } عبارة عن التحير، لأن التردد ديدن المتحير، كما أن ~~الثبات والاستقرار ديدن المستبصر. وقرىء «عدة»، بمعنى عدته فعل بالعدة ~~ما فعل بالعدة من قال # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # من حذف تاء التأنيث، وتعويض المضاف إليه منها. وقرىء «عدة» بكسر العين ~~بغير إضافة، و «عدة» بإضافة. فإن قلت كيف موقع حرف الاستدراك؟ قلت لما ~~كان قوله { ولو أرادوا الخروج } معطيا معنى نفي خروجهم ~~واستعدادهم للغزو. قيل { ولكن كره الله انبعاثهم } كأنه ~~قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة ms0763 انبعاثهم، كما تقول ما أحسن ~~إلي زيد، ولكن أساء إلي { فثبطهم } فكسلهم وخذلهم وضعف رغبتهم ~~في الانبعاث { وقيل اقعدوا } جعل إلقاء الله في قلوبهم كراهة ~~الخروج أمرا بالقعود. وقيل هو قول الشيطان بالوسوسة. وقيل هو قولهم ~~لأنفسهم. وقيل هو إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في القعود. فإن ~~قلت كيف جاز أن يوقع الله تعالى في نفوسهم كراهة الخروج إلى الغزو وهي ~~قبيحة، وتعالى الله عن إلهام القبيح؟ قلت خروجهم كان مفسدة، لقوله { لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } فكان إيقاع كراهة ~~ذلك الخروج في نفوسهم حسنا ومصلحة. فإن قلت فلم خطأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الأذن لهم فيما هو مصلحة؟ قلت لأن إذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لهم لم يكن للنظر في هذه المصلحة ولا علمها إلا بعد القفول ~~بإعلام الله تعالى، ولكن لأنهم استأذنوه في ذلك واعتذروا إليه، فكان عليه ~~أن يتفحص عن كنه معاذيرهم ولا يتجوز في قبولها، فمن ثم أتاه العتاب ~~ويجوز أن يكون في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإذن لهم مع تثبيط ~~الله إياهم مصلحة أخرى، فبإذنه لهم فقدت تلك المصلحة، وذلك أنهم إذا ~~ثبطهم الله فلم ينبعثوا وكان قعودهم بغير إذن من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قامت عليهم الحجة ولم تبق لهم معذرة. ولقد تدارك الله ذلك حيث هتك ~~أستارهم وكشف أسرارهم وشهد عليهم بالنفاق، وأنهم لا يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر. فإن قلت ما معنى قوله { مع القعدين }؟ قلت هو ذم لهم ~~وتعجيز، وإلحاق بالنساء والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود والجثوم في ~~البيوت، وهم القاعدون والخالفون والخوالف، ويبينه قوله تعالى # رضوا بأن يكونوا مع الخولف # التوبة 87، 93. { إلا خبالا } ليس من الاستثناء المنقطع في شيء ~~كما يقولون لأن الاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس ~~المستثنى منه، كقولك ما زادوكم خيرا إلا خبالا، والمستثنى منه في هذا ~~الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو ms0764 ~~الشيء، فكان استثناء متصلا لأن الخبال بعض أعم العام كأن قيل ما ~~زادوكم شيئا إلا خبالا والخبال الفساد والشر { ولأوضعوا ~~خللكم } ولسعوا بينكم بالتضريب والنمائم وإفساد ذات البين. # يقال وضع البعير وضعا إذا أسرع وأوضعته أنا، والمعنى ولأوضع ركائبهم ~~بينكم، والمراد الإسراع بالنمائم لأن الراكب أسرع من الماشي. وقرأ ابن ~~الزبير رضي الله عنه «ولأرقصوا» من رقصت الناقة رقصا إذا أسرعت وأرقصتها ~~قال # والراقصات إلى منى فالغبغب # وقرىء «ولأوفضوا» فإن قلت كيف خط في المصحف ولا أوضعوا، بزيادة ألف؟ ~~قلت كانت الفتحة تكتب إلفا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبا ~~من نزول القرآن، وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ~~ألفا، وفتحتها ألفا أخرى، ونحو أو لا أذبحنه. { يبغونكم ~~الفتنة } يحاولون أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم ويفسدوا ~~نياتكم في مغزاكم { وفيكم سمعون لهم } أي نمامون يسمعون ~~حديثكم فينقلونه إليهم. أو فيكم قوم يسمعون للمنافقين ويطيعونهم { ~~ولقد ابتغوا الفتنة } أي العنت ونصب الغوائل والسعي في ~~تشتيت شملك وتفريق أصحابك عنك، كما فعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين ~~انصرف بمن معه وعن ابن جريج رضي الله عنه وقفوا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الثنية ليلة العقبة وهم اثنا عشر رجلا ليفتكوا به { من قبل ~~} من قبل غزوة تبوك { وقلبوا لك الامور } ودبروا لك الحيل ~~والمكايد، ودوروا الآراء في إبطال أمرك. وقرىء «وقلبوا» بالتخفيف { ~~حتى جاء الحق } وهو تأييدك ونصرك { وظهر أمر الله } ~~وغلب دينه وعلا شرعه. ### || [9.49] # { ائذن لي } في القعود { ولا تفتنى } ولا توقعني في الفتنة وهي ~~الإثم، بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. وقيل ولا تلقني في ~~الهلكة، فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي. وقيل قال الجد بن قيس قد ~~علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء ~~الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني. وقرىء «ولا تفتني» من أفتنه { ألا فى ~~الفتنة سقطوا } أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة ms0765 ~~التخلف. وفي مصحف أبي رضي الله عنه سقط لأن «من» موحد اللفظ مجموع ~~المعنى { لمحيطة بالكفرين } يعني أنها تحيط بهم يوم ~~القيامة. أو هي محيطة بهم الآن لأن أسباب الإحاطة معهم فكأنهم في وسطها. ### || [9.50] # { إن تصبك } في بعض الغزوات { حسنة } ظفر وغنيمة { تسؤهم ~~وإن تصبك مصيبة } نكبة وشدة في بعضها نحو ما جرى في يوم أحد ~~يفرحوا بحالهم في الإنحراف عنك، و { يقولوا قد أخذنا أمرنا ~~} أي أمرنا الذي نحن متسمون به، من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم { من ~~قبل } من قبل ما وقع. وتولوا عن مقام التحدث بذلك والاجتماع له إلى ~~أهاليهم { وهم فرحون } مسرورون. وقيل تولوا أعرضوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [9.51] # قرأ ابن مسعود رضي الله عنه «قل هل يصيبنا». وقرأ طلحة رضي الله عنه «هل ~~يصيبنا»، بتشديد الياء. ووجهه أن يكون «يفعيل» لا «يفعل» لأنه من بنات ~~الواو، كقولهم الصواب، وصاب السهم يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فحق ~~«يفعل» منه «يصوب» ألا ترى إلى قولهم صوب رأيه، إلا أن يكون من لغة من ~~يقول صاب السهم يصيب. ومن قوله أسهمي الصائبات والصيب، واللام في قوله { ~~إلا ما كتب الله لنا } مفيدة معنى الاختصاص كأنه قيل لن ~~يصيبنا إلا ما اختصنا الله به بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو ~~الشهادة. ألا ترى إلى قوله { هو مولنا } أي الذي يتولانا ~~ونتولاه، ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } وحق المؤمنين أن لا ~~يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ما هو حقهم. ### || [9.52] # { إلا إحدى الحسنيين } إلا إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة ~~منهما هي حسن العواقب، وهما النصرة والشهادة { ونحن نتربص ~~بكم } إحدى السوأتين من العواقب، إما { أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده } وهو قارعة من السماء كما نزلت على عاد وثمود { ~~أو } بعذاب { بأيدينا } وهو القتل على الكفر { فتربصوا } ~~بنا ما ذكرنا من عواقبنا { إنا معكم متربصون } ما هو ~~عاقبتكم، فلا بد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا ms0766 يتجاوزه. ### || [9.53] # { أنفقوا } يعني في سبيل الله ووجوه البر { طوعا أو كرها } ~~نصب على الحال، أي طائعين أو مكرهين. فإن قلت كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال ~~{ لن يتقبل منكم }؟ قلت هو أمر في معنى الخبر، كقوله تبارك ~~وتعالى # قل من كان فى الضللة فليمدد له الرحمن ~~مدا # مريم 75 ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها. ونحوه قوله تعالى # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم # التوبة 80 وقوله # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # أي لن يغفر الله لهم، استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، ولا نلومك - أسأت ~~إلينا أم أحسنت. فإن قلت متى يجوز نحو هذا؟ قلت إذا دل الكلام عليه كما ~~جاز عكسه في قولك رحم الله زيدا وغفر له، فإن قلت لم فعل ذلك؟ قلت لنكتة ~~فيه، وهي أن كثيرا كأنه يقول لعزة امتحني لطف محلك عندي وقوة محبتي ~~لك، وعامليني بالإساءة. والإحسان، وانظري هل يتفاوت حالي معك مسيئة كنت ~~أو محسنة؟ وفي معناه قول القائل # أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا لتضربه لم ~~يستفثك في الود # وكذلك المعنى أنفقوا وانظروا هل يتقبل منكم؟ واستغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم، وانظر هل ترى اختلافا بين حال الاستغفار وتركه؟ فإن قلت ما الغرض ~~في نفي التقبل؟ أهو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبله منهم ورده ~~عليهم ما يبذلون منه؟ أم هو كونه غير مقبول عند الله تعالى ذاهبا هباء ~~لا ثواب له؟ قلت يحتمل الأمرين جميعا. وقوله { طوعا أو كرها } ~~معناه طائعين من غير إلزام من الله ورسوله، أو ملزمين. وسمي الإلزام ~~إكراها، لأنهم منافقون، فكان إلزامهم الإنفاق شاقا عليهم كالإكراه. أو ~~طائعين من غير إكراه من رؤسائكم، لأن رؤساء أهل النفاق كانوا يحملون على ~~الإنفاق لما يرون من المصلحة فيه، أو مكرهين من جهتهم. وروي أنها نزلت في ~~الجد بن قيس حين تخلف عن غزوة تبوك وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذا مالي أعينك به فاتركني { إنكم } تعليل لرد إنفاقهم. والمراد ~~بالفسق ms0767 التمرد والعتو. ### || [9.54] # { أنهم } فاعل منع. وهم، وأن تقبل مفعولاه. وقرىء «أن تقبل»، ~~بالتاء والياء على البناء للمعفول. ونفقاتهم، ونفقتهم، على الجمع ~~والتوحيد. وقرأ السلمي «أن يقبل منهم نفقاتهم» على أن الفعل لله عز ~~وجل { كسالى } بالضم والفتح، جمع كسلان، نحو سكارى وغيارى، في جمع ~~سكران وغيران، وكسلهم لأنهم لا يرجون بصلاتهم ثوابا، ولا يخشون بتركها ~~عقابا فهي ثقيلة عليهم كقوله تعالى # وإنها لكبيرة إلا على الخشعين # البقرة 45 وقرأت في بعض الأخبار 467 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كره للمؤمن أن يقول كسلت، كأنه ذهب إلى هذه الآية، فإن الكسل من صفات ~~المنافقين، فما ينبغي أن يسنده المؤمن إلى نفسه. فإن قلت الكراهية خلاف ~~الطواعية وقد جعلهم الله تعالى طائعين في قوله { طوعا } ثم وصفهم ~~بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون. قلت المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير ~~إلزام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذاك ~~إلا عن كراهية واضطرار، لا عن رغبة واختيار. ### || [9.55] # الإعجاب بالشيء أن يسر به سرور راض به متعجب من حسنه. والمعنى فلا ~~تستحسن ولا تفتنن بما أوتوا من زينة الدنيا، كقوله تعالى # ولا تمدن عينيك # طه 131 فإن الله تعالى إنما أعطاهم ما أعطاهم للعذاب، بأن عرضه للتغنم ~~والسبي، وبلاهم فيه بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب ~~الخير، وهم كارهون له على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف والمجاشم في ~~جمعه واكتسابه وفي تربية أولادهم. فإن قلت إن صح تعليق التعذيب بإرادة ~~الله تعالى، فما بال زهوق أنفسهم { وهم كفرون }؟ قلت المراد ~~الاستدراج بالنعم، كقوله تعالى # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # آل عمران 178 كأنه قيل ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم ~~كافرون ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة. ### || [9.56-57] # { لمنكم } لمن جملة المسلمين { يفرقون } يخافون القتل وما يفعل ~~بالمشركين، فيتظاهرون بالإسلام تقية { ملجئا } مكانا يلتجئون إليه ~~متحصنين به من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة { أو مغرات } أو ~~غيرانا. وقرىء بضم الميم، ms0768 من أغار الرجل وغار إذا دخل الغور. وقيل هو ~~تعدية غار الشيء وأغرته أنا، يعني أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم. ويجوز أن ~~يكون من أغار الثعلب، إذا أسرع، بمعنى مهارب ومفار { أو مدخلا } ~~أو نفقا يندسون فيه وينجحرون، وهو مفتعل من الدخول. وقرىء مدخلا من دخل ~~ومدخلا من أدخل مكانا يدخلون فيه أنفسهم. وقرأ أبي بن كعب رضي الله ~~عنه متدخلا وقرىء لو ألوا إليه لالتجؤا إليه { يجمحون } يسرعون ~~إسراعا لا يردهم شيء من الفرس الجموح، وهو الذي إذا حمل لم يرده ~~اللجام. وقرأ أنس رضي الله عنه يجمزون. فسئل فقال يجمحون ويجمزون ~~ويشتدون واحد. ### || [9.58] # { يلمزك } يعيبك في قسمه الصدقات ويطعن عليك. قيل هم المؤلفة ~~قلوبهم. وقيل هو ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج، كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقسم غنائم حنين فقال 468 اعدل يا رسول الله، فقال صلوات الله ~~عليه وسلامه # " ويلك إن لم أعدل فمن يعدل؟ " # وقيل هو أبو الجواظ، من المنافقين، قال 469 ألا ترون إلى صاحبكم إنما ~~يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، وهو يزعم أنه يعدل، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «لا أبالك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا» فلما ذهب ~~قال عليه الصلاة والسلام «احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون». وقرىء ~~يلمزك بالضم، ويلمزك ويلامزك. التثقيل والبناء على المفاعلة مبالغة في ~~اللمز. ثم وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم، لا للدين وما فيه صلاح أهله، ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير ~~الغنائم عليهم فضجر المنافقون منه. وإذا للمفاجأة أي وإن لم يعطوا منها ~~فاجؤا للسخط. ### || [9.59] # جواب «لو» محذوف تقديره لو أنهم رضوا لكان خيرا لهم. والمعنى ولو أنهم ~~رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة وطابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم ~~وقالوا كفانا فضل الله وصنعه، وحسبنا ما قسم لنا سيرزقنا الله غنيمة أخرى ~~فيؤتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أتانا اليوم { إنا ~~إلى الله } في أن يغنمنا ويخولنا فضله ms0769 لراغبون. ### || [9.60] # { إنما الصدقت للفقراء } قصر لجنس الصدقات على الأصناف ~~المعدودة وأنها مختصة بها، لا تتجاوزها إلى غيرها، كأنه قيل إنما هي لهم ~~لا لغيرهم. ونحوه قولك إنما الخلافة لقريش، تريد لا تتعداهم ولا تكون ~~لغيرهم فيحتمل أن تصرف إلى الأصناف كلها وأن تصرف إلى بعضها، وعليه مذهب ~~أبي حنيفة رضي الله عنه. وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة ~~والتابعين رضي الله عنهم أنهم قالوا في أي صنف منها وضعتها أجزاك. وعن ~~سعيد بن جبير رضي الله عنه لو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراء ~~متعففين فجبرتهم بها كان أحب إلي. وعند الشافعي رضي الله عنه، لا بد ~~من صرفها إلى الأصناف الثمانية وعن عكرمة رضي الله عنه أنها تفرق في ~~الأصناف الثمانية. وعن الزهري أنه كتب لعمر بن عبد العزيز تفريق الصدقات ~~على الأصناف الثمانية { والعملين عليها } السعاة الذين ~~يقبضونها { والمؤلفة قلوبهم } أشراف من العرب كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يستألفهم على أن يسلموا فيرضخ لهم شيئا منها حين كان ~~في المسلمين قلة. والرقاب المكاتبون يعانون منها. وقيل الأسارى. وقيل ~~تبتاع الرقاب فتعتق { والغرمين } الذين ركبتهم الديون ولا يملكون ~~بعدها ما يبلغ النصاب. وقيل الذين تحملوا الحمالات فتداينوا فيها وغرموا ~~{ وفى سبيل الله } فقراء الغزاة والحجيج المنقطع بهم { وابن ~~السبيل } المسافر المنقطع عن ماله فهو فقير حيث هو غني حيث ماله { ~~فريضة من الله } في معنى المصدر المؤكد، لأن قوله إنما الصدقات ~~للفقراء معناه فرض الله الصدقات لهم. وقرىء «فريضة» بالرفع على تلك ~~فريضة. فإن قلت لم عدل عن اللام إلى «في» في الأربعة الأخيرة؟ قلت ~~للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره، لأن «في» ~~للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ~~ومصبا، وذلك لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق أو الأسر، وفي فك ~~الغارمين من الغرم من التخليص والإنقاذ، ولجمع الغازي الفقير أو المنقطع ~~في الحج بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين ms0770 الفقر والغربة عن ~~الأهل والمال، وتكرير «في» في قوله { وفى سبيل الله وابن ~~السبيل } فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين. فإن قلت فكيف ~~وقعت هذه الآية في تضاعف ذكر المنافقين ومكايدهم؟ قلت دل بكون هذه ~~الأصناف مصارف الصدقات خاصة دون غيرهم على أنهم ليسوا منهم، حسما ~~لأطماعهم وإشعارا باستيجابهم الحرمان، وأنهم بعداء عنها وعن مصارفها، ~~فما لهم وما لها؟ وما سلطهم على التكلم فيها ولمز قاسمها صلوات الله عليه ~~وسلامه؟. ### || [9.61] # الأذن الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمي بالجارحة التي ~~هي آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة. عين. ~~وإيذاؤهم له هو قولهم فيه { هو أذن }. وأذن خير، كقولك رجل صدق، ~~تريد الجودة والصلاح، كأنه قيل نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن. ويجوز أن ~~يريد هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ~~ذلك ودل عليه قراءة حمزة «ورحمة» بالجر عطفا عليه أي هو أذن خير ~~ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله. ثم فسر كونه أذن خير بأنه يصدق بالله، ~~لما قام عنده من الأدلة ويقبل من المؤمنين الخلص من المهاجرين والأنصار، ~~وهو رحمة لمن آمن منكم، أي أظهر الإيمان أيها المنافقون حيث يسمع منكم ~~ويقبل إيمانكم الظاهر، ولا يكشف أسراركم ولا يفضحكم، ولا يفعل بكم ما ~~يفعل بالمشركين، مراعاة لما رأى الله من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو ~~أذن كما قلتم، إلا أنه أذن خير لكم لا أذن سوء فسلم لهم قولهم فيه، إلا ~~أنه فسر بما هو مدح له وثناء عليه، وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير ~~بفطنته وشهامته، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرة. وقيل إن جماعة منهم ~~ذموه صلوات الله عليه وسلامه وبلغه ذلك، فاشتغلت قلوبهم فقال بعضهم لا ~~عليكم فإنما هو أذن سامعة قد سمع كلام المبلغ فأذن، ونحن نأتيه ونعتذر ~~إليه فيسمع عذرنا أيضا فيرضى، فقيل هو أذن خير لكم. وقرىء «أذن خير ~~لكم»، على أن أذن خبر مبتدإ محذوف وخير ms0771 كذلك، أي هو أذن هو خير لكم يعني ~~إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء ~~دخلتكم. وقرأ نافع بتخفيف الذال. فإن قلت لم عدي فعل الإيمان بالباء إلى ~~الله تعالى، وإلى المؤمنين باللام؟ قلت لأنه قصد التصديق بالله الذي هو ~~نقيض الكفر به، فعدي بالباء وقصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما ~~يقولونه ويصدقه، لكونهم صادقين عنده، فعدي باللام، ألا ترى إلى قوله # وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صدقين # يوسف 17 ما أنبأه عن الباء. ونحوه # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه # يونس 83، # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون # الشعراء 111، # ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم # طه 71 فإن قلت ما وجه قراءة ابن أبي عبلة ورحمة بالنصب؟ قلت هي علة ~~معللها محذوف تقديره ورحمة لكم يأذن لكم، فحذف لأن قوله { أذن خير ~~لكم } يدل عليه. ### || [9.62] # { لكم ليرضوكم } الخطاب للمسلمين وكان المنافقون يتكلمون ~~بالمطاعن أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون ~~معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم، فقيل لهم إن كنتم مؤمنين كما ~~تزعمون فأحق من أرضيتم الله ورسوله بالطاعة والوفاق. وإنما وحد الضمير ~~لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، فكانا في حكم ~~مرضي واحد، كقولك إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني. أو والله أحق أن ~~يرضوه، ورسوله كذلك. ### || [9.63] # المحادة مفاعلة من الحد كالمشاقة من الشق { فأن له } على حذف ~~الخبر، أي فحق أن له { نار جهنم } وقيل معناه فله، وأن تكرير لأن ~~في قوله { أنه } تأكيدا، ويجوز أن يكون { فأن له } معطوفا على ~~أنه، على أن جواب { من } محذوف تقديره ألم يعلموا أنه من يحادد الله ~~ورسوله يهلك فأن له نار جهنم. وقرىء «ألم تعلموا» بالتاء. ### || [9.64] # كانوا يستهزؤن بالإسلام وأهله وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم ~~حتى قال بعضهم والله لا أرانا إلا شر خلق الله، لوددت أني قدمت فجلدت ~~مائة جلدة وأن لا ينزل فينا شيء يفضحنا. والضمير في ms0772 عليهم وتنبئهم ~~للمؤمنين. وفي قلوبهم للمنافقين. وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه. ويجوز ~~أن تكون الضمائر للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة ~~عليهم. ومعنى تنبئهم بما في قلوبهم كأنها تقول لهم في قلوبكم كيت وكيت، ~~يعني أنها تذيع أسرارهم عليهم حتى يسمعوها مذاعة منتشرة فكأنها تخبرهم ~~بها. وقيل معنى يحذر الأمر بالحذر، أي ليحذر المنافقون. فإن قلت الحذر ~~واقع على إنزال السورة في قوله { يحذر المنفقون أن ~~تنزل عليهم سورة } فما معنى قوله { مخرج ما ~~تحذرون }؟ قلت معناه محصل مبرز إنزال السورة. أو أن الله مظهر ما ~~كنتم تحذرونه، أي تحذرون إظهاره من نفاقكم. ### || [9.65-66] # 470 بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في غزوة تبوك وركب من ~~المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح ~~قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك ~~فقال احبسوا علي الركب، فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا، فقالوا يا نبي الله ~~لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما ~~يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر { أبالله وءايته ~~ورسوله كنتم تستهزءون } لم يعبأ باعتذارهم لأنهم كانوا ~~كاذبين فيه، فجعلوا كأنهم معترفون باستهزائهم، وبأنه موجود منهم، حتى ~~وبخوا بأخطائهم موقع الاستهزاء، حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير، ~~وذلك إنما يستقيم بعد وقوع الاستهزاء وثبوته { لا تعتذروا } لا ~~تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنها لا تنفعكم بعد ظهور سركم { قد ~~كفرتم } قد ظهر كفركم باستهزائكم { بعد إيمنكم } بعد ~~إظهاركم الإيمان { إن نعف عن طائفة منكم } بإحداثهم التوبة ~~وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق { نعذب طائفة بأنهم كانوا ~~مجرمين } مصرين على النفاق غير تائبين منه. أو أن نعف عن طائفة منكم ~~لم يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستهزؤوا فلم نعذبهم في ~~العاجل نعذب في العاجل طائفة بأنهم كانوا مجرمين مؤذين لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مستهزئين. وقرأ مجاهد إن تعف عن طائفة على البناء ms0773 للمفعول ~~مع التأنيث، والوجه التذكير لأن المسند إليه الظرف، كما تقول سير ~~بالدابة. ولا تقول سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى، كأنه قيل إن ترحم ~~طائفة، فأنث لذلك وهو غريب، والجيد قراءة العامة إن يعف عن طائفة، ~~بالتذكير. وتعذب طائفة، بالتأنيث. وقرىء إن يعف عن طائفة يعذب طائفة، على ~~البناء للفاعل وهو الله عز وجل. ### || [9.67-68] # { بعضهم من بعض } أريد به نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم ~~في قولهم # ويحلفون بالله إنهم لمنكم # التوبة 56 وتقرير قوله # وما هم منكم # التوبة 56 ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين { ~~يأمرون بالمنكر } بالكفر والمعاصي { وينهون عن ~~المعروف } عن الإيمان والطاعات { ويقبضون أيديهم } شحا ~~بالمبار والصدقات والإنفاق في سبيل الله { نسوا الله } أغفلوا ~~ذكره { فنسيهم } فتركهم من رحمته وفضله { هم الفسقون } هم ~~الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير، وكفى ~~المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف الله به ~~المنافقين حين بالغ في ذمهم، وإذا كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للمسلم أن يقول كسلت، لأن المنافقين وصفوا بالكسل في قوله # كسالى # النساء 142 فما ظنك بالفسق { خلدين فيها } مقدرين الخلود { ~~هى حسبهم } دلالة على عظم عذابها، وأنه لا شيء أبلغ منه، وأنه ~~بحيث لا يزاد عليه، نعوذ بالله من سخطه وعذابه { ولعنهم الله } ~~وأهانهم من التعذيب، وجعلهم مذمومين ملحقين بالشياطين الملاعين، كما عظم ~~أهل الجنة وألحقهم بالملائكة المكرمين { ولهم عذاب مقيم } ~~ولهم نوع من العذاب سوى الصلي بالنار، مقيم دائم كعذاب النار. ويجوز أن ~~يريد ولهم عذاب مقيم معهم في العاجل لا ينفكون عنه، وهو ما يقاسونه من ~~تعب النفاق، والظاهر المخالف للباطن، خوفا من المسلمين وما يحذرونه ~~أبدا من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم. ### || [9.69] # الكاف محلها رفع على أنتم مثل الذين من قبلكم. أو نصب على فعلتم ما فعل ~~الذين من قبلكم وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا. ونحوه قول ~~النمر # كاليوم مطلوبا ولا ms0774 طلبا # بإضمار «لم أر» وقوله { كانوا أشد منكم قوة } تفسير ~~لتشبيههم بهم، وتمثيل فعلهم بفعلهم. والخلاق النصيب وهو ما خلق للإنسان، ~~أي قدر من خير، كما قيل له «قسم» لأنه قسم. ونصيب، لأنه نصب، أي أثبت. ~~والخوض الدخول في الباطل واللهو { كالذي خاضوا } كالفوج الذي ~~خاضوا، وكالخوض الذي خاضوه. فإن قلت أي فائدة في قوله { فاستمتعوا ~~بخلقهم } وقوله { كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلقهم } مغن عنه كما أغنى قوله { كالذى خاضوا } عن أن ~~يقال وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع ~~بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها، والتهائم بشهواتهم الفانية عن ~~النظر في العاقبة وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن ~~أمر الرضى به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه ~~بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم ويعذب ~~ويعسف وأنت تفعل مثل فعله. وأما { وخضتم كالذي خاضوا } ~~فمعطوف على ما قبله مستند إلى مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة { ~~حبطت أعملهم في الدنيا والاخرة } نقيض قوله # وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين # العنكبوت 27. ### || [9.70] # { وأصحب مدين } وأهل مدين وهم قوم شعيب { ~~والمؤتفكت } مدائن قوم لوط. وقيل قريات قوم لوط وهود وصالح. ~~وائتفاكهن انقلاب أحوالهن عن الخير إلى الشر { فما كان الله ~~ليظلمهم } فما صح منه أن يظلمهم وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح ~~وأن يعاقبهم بغير جرم، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه. ### || [9.71-72] # { بعضهم أولياء بعض } في مقابلة قوله في المنافقين { ~~بعضهم من بعض }. { سيرحمهم الله } السين مفيدة وجود ~~الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك ~~يوما، تعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك، ونحوه # سيجعل لهم الرحمن ودا # مريم 96، # ولسوف يعطيك ربك فترضى # الضحى 5، # سوف يؤتيهم أجورهم # النساء 152. { عزيز } غالب على كل شيء قادر عليه، فهو يقدر على ~~الثواب والعقاب { حكيم } واضع كلا موضعه على حسب الاستحقاق { ~~ومسكن طيبة } عن ms0775 الحسن قصورا من اللؤلؤ والياقوت الأحمر ~~والزبرجد. و { عدن } علم، بدليل قوله # جنت عدن التى وعد الرحمن # مريم 61 ويدل عليه ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 471 «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب ~~بشر، لا يسكنها غير ثلاثة النبيون، والصديقون، والشهداء. يقول الله ~~تعالى طوبى لمن دخلك» وقيل هي مدينة في الجنة. وقيل نهر جناته على حافاته ~~{ ورضون من الله أكبر } وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك ~~كله، لأن رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه ~~وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض ~~عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا ~~علم بسخطته تنغصت عليه، ولم يجد لها لذة وإن عظمت. وسمعت بعض أولى الهمة ~~البعيدة والنفس المرة من مشايخنا يقول لا تطمح عيني ولا تنازع نفسي إلى ~~شيء مما وعد الله في دار الكرامة، كما تطمح وتنازع إلى رضاه عني، وأن ~~أحشر في زمرة المهديين المرضيين عنده { ذلك } إشارة إلى ما وعد الله، ~~أو إلى الرضوان أي هو { الفوز العظيم } وحده دون ما يعده الناس ~~فوزا. وروى 472 # " أن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى ~~وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ ~~قالوا وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ~~أبدا ". ### || [9.73] # { جهد الكفر } بالسيف { والمنفقين } بالحجة { ~~واغلظ عليهم } في الجهادين جميعا، ولا تحابهم وكل من وقف منه ~~على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه، يجاهد بالحجة، وتستعمل معه ~~الغلظة ما أمكن منها، وعن ابن مسعود إن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم ~~يستطع فليكفهر في وجهه فإن لم يستطع فبقلبه. يريد الكراهة والبغضاء ~~والتبرأ منه. وقد حمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا ~~تعاطوا أسبابها. ms0776 ### || [9.74] # 473 أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه ~~القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمع من معه منهم، منهم الجلاس بن ~~سويد. فقال الجلاس والله لئن كان ما يقول محمد حقا لإخواننا الذين ~~خلفناهم وهم ساداتنا وأشرافنا، فنحن شر من الحمير. فقال عامر بن قيس ~~الأنصاري للجلاس أجل، والله إن محمدا لصادق وأنت شر من الحمار. وبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحضر فحلف بالله ما قال، فرفع عامر ~~يده فقال اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق فنزلت ~~{ يحلفون بالله ما قالوا } فقال الجلاس يا رسول الله، لقد ~~عرض الله علي التوبة. والله لقد قلته وصدق عامر، فتاب الجلاس وحسنت ~~توبته { وكفروا بعد إسلمهم } وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم ~~الإسلام { وهموا بما لم ينالوا } وهو الفتك برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك عند مرجعه من تبوك 474 تواثق خمسة عشر منهم على أن ~~يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر ~~بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة ~~بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون، فقال إليكم ~~إليكم يا أعداء الله، فهربوا. وقيل هم المنافقون بقتل عامر لرده على ~~الجلاس. وقيل أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وآله وسلم { وما نقموا } وما أنكروا وما عابوا ~~{ إلا أن أغناهم الله } وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون ~~الغنيمة فأثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بديته اثني عشر ألفا فاستغنى { فإن يتوبوا } هي الآية التي ~~تاب عندها الجلاس { فى الدنيا والاخرة } بالقتل والنار. ### || [9.75-77] # روي أن ثعلبة بن حاطب قال 475 يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، ~~فقال صلى الله عليه وسلم «يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره وخير ms0777 من كثير لا ~~تطيقه» فراجعه وقال والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ~~ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنما فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها ~~المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة، فسأل عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقيل كثر ماله حتى لا يسعه واد. قال «يا ويح ثعلبة»، فبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين لأخذ الصدقات، فاستقبلهما الناس ~~بصدقاتهم، ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي فيه الفرائض، فقال ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت ~~الجزية، وقال ارجعا حتى أرى رأيي، فلما رجعا قال لهما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل أن يكلماه «يا ويح ثعلبة» مرتين، فنزلت، فجاءه ثعلبة ~~بالصدقة، فقال «إن الله منعني أن أقبل منك، فجعل التراب على رأسه فقال ~~هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ~~بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها، وجاء إلى عمر رضي الله عنه في ~~خلافته فلم يقبلها، وهلك في زمان عثمان رضي الله عنه. وقرىء «لنصدقن ~~ولنكونن» بالنون الخفيفة فيهما { من الصلحين } قال ابن عباس ~~رضي الله عنه يريد الحج { فأعقبهم } عن الحسن وقتادة رضي الله ~~عنهما أن الضمير للبخل. يعني فأورثهم البخل { نفاقا } متمكنا { فى ~~قلوبهم } لأنه كان سببا فيه وداعيا إليه. والظاهر أن الضمير لله ~~عز وجل. والمعنى فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك ~~عنها إلى أن يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح ~~وكونهم كاذبين. ومنه جعل خلف الوعد ثلث النفاق. وقرىء «يكذبون»، ~~بالتشديد، وألم تعلموا، بالتاء. عن علي رضي الله عنه. ### || [9.78] # { سرهم ونجوهم } ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما ~~وعدوه وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية ~~وتدبير منعها. ### || [9.79] # { الذين يلمزون } محله النصب أو الرفع على الذم. ويجوز أن ~~يكون في محل الجر بدلا من ms0778 الضمير في سرهم ونجواهم. وقرىء «يلمزون»، ~~بالضم { المطوعين } المتطوعين المتبرعين. روي 476 أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين ~~أوقية من ذهب. وقيل بأربعة آلاف درهم وقال كان لي ثمانية آلاف، فأقرضت ~~ربي أربعة وأمسكت أربعة لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " # - فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفا ~~- وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري رضي ~~الله عنه بصاع من تمر فقال بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين، فتركت ~~صاعا لعيالي، وجئت بصاع فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره ~~على الصدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا ~~رياء، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحب أن يذكر ~~بنفسه ليعطي من الصدقات، فنزلت { إلا جهدهم } إلا طاقتهم. قرىء ~~بالفتح والضم { سخر الله منهم } كقوله # الله يستهزىء بهم # البقرة 15 في أنه دعاء. ألا ترى إلى قوله { ولهم عذاب أليم }. ### || [9.80] # 477 سأل عبد الله بن عبد الله بن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان رجلا صالحا أن يستغفر لأبيه في مرضه ففعل، فنزلت، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين " # فنزلت # سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم # المنافقون 6 وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر، كأنه قيل لن يغفر ~~الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وإن فيه معنى الشرط، وذكرنا ~~النكتة في المجيء به على لفظ الأمر، والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم ~~للتكثير، قال علي بن أبي طالب عليه السلام # لاصبحن العاص وابن العاصي سبعين ألفا عاقدي ~~النواصي # فإن قلت كيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب ~~وأخبرهم بأساليب الكلام وتمثيلاته، والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة ~~الاستغفار، ms0779 كيف وقد تلاه بقوله { ذلك بأنهم كفروا }... ~~الآية فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى قال «قد رخص لي ربي فسأزيد على ~~السبعين» قلت لم يخف عليه ذلك، ولكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رحمته ~~ورأفته على من بعث إليه، كقول إبراهيم عليه السلام # ومن عصانى فإنك غفور رحيم # إبراهيم 36 وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة لطف ~~لأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض. ### || [9.81] # { المخلفون } الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المنافقين فأذن لهم وخلفهم في المدينة في غزوة تبوك، أو الذين خلفهم ~~كسلهم ونفاقهم والشيطان { بمقعدهم } بقعودهم عن الغزو { خلف ~~رسول الله } خلفه. يقال أقام خلاف الحي. بمعنى بعدهم ظعنوا ولم ~~يظعن معهم، وتشهد له قراءة أبي حيوة خلف رسول الله. وقيل هو بمعنى ~~المخالفة لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض، وانتصابه على أنه مفعول له أو ~~حال، أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له { أن يجهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم } تعريض بالمؤمنين وبتحملهم المشاق ~~العظام لوجه لله تعالى وبما فعلوا من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل الله ~~تعالى وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض. وكره ذلك المنافقون. وكيف لا ~~يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان { قل ~~نار جهنم أشد حرا } استجهال لهم، لأن من تصون من مشقة ~~ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد، كان أجهل من كل جاهل ولبعضهم # مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم ~~أريها شبه الصاب فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ~~وراء تقضيها مساءة أحقاب ### || [9.82] # معناه فسيضحكون قليلا، ويبكون كثيرا { جزاء } إلا أنه أخرج على ~~لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره. يروى أن أهل النفاق ~~يبكون في النار عمر الدنيا، لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم. ### || [9.83] # وإنما قال { إلى طائفة منهم } لأن منهم من تاب عن النفاق ~~وندم على التخلف، أو اعتذر بعذر صحيح. وقيل لم يكن المخلقون كلهم ~~منافقين، فأراد بالطائفة المنافقين منهم { فاستأذنوك للخروج ~~} يعني إلى غزوة ms0780 بعد غزوة تبوك. { أول مرة } هي الخروج إلى غزوة ~~تبوك، وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم الذي علم الله ~~أنه لم يدعهم إليه إلا النفاق، بخلاف غيرهم من المتخلفين { مع ~~الخلفين } قد مر تفسيره. و قرأ مالك بن دينار رحمه الله «مع ~~الخلفين» على قصر الخالفين. فإن قلت { مرة } نكرة وضعت موضع المرات ~~للتفضيل، فلم ذكر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دال على واحدة من المرات؟ ~~قلت أكثر اللغتين هند أكبر النساء، وهي أكبرهن. ثم إن قولك هي كبرى ~~امرأة، لا تكاد تعثر عليه. ولكن هي أكبر امرأة، وأول مرة وآخر مرة. وعن ~~قتادة ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا قيل فيهم ما قيل. ### || [9.84-85] # روي 478 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم على قبور المنافقين ~~ويدعو لهم فلما مرض رأس النفاق عبد الله بن أبي بعث إليه ليأتيه، فلما ~~دخل عليه قال أهلكك حب اليهود. فقال يا رسول الله بعثت إليك لتستغفر لي ~~لا لتؤنبني وسأله أن يكفنه في شعاره الذي يلي جلده ويصلي عليه، فلما مات ~~دعاه ابنه حباب إلى جنازته، فسأله عن اسمه فقال أنت عبد الله ابن عبد ~~الله. الحباب اسم شيطان، فلما هم بالصلاة عليه قال له عمر أتصلي على ~~عدو الله، فنزلت وقيل أراد أن يصلي عليه فجذبه جبريل. فإن قلت كيف جازت ~~له تكرمة المنافق وتكفينه في قميصه؟ قلت كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق ~~له. وذلك 479 أن العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا وكان رجلا طوالا، فكساه عبد ~~الله قميصه. 480 وقال له المشركون يوم الحديبية إنا لا نأذن لمحمد ولكنا ~~نأذن لك، فقال لا، إن لي في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فشكر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك، وإجابة له إلى مسئلته إياه، فقد ~~كان عليه الصلاة والسلام لا يرد سائلا، وكان يتوفر ms0781 على دواعي المروءة ~~ويعمل بعادات الكرام، وإكراما لابنه الرجل الصالح، فقد روي أنه قال له ~~481 أسألك أن تكفنه في بعض قمصانك، وأن تقوم على قبره، ولا يشمت به ~~الأعداء، وعلما بأن تكفينه في قميصه لا ينفعه مع كفره، فلا فرق بينه ~~وبين غيره من الأكفان، وليكون إلباسه إياه لطفا لغيره، فقد روي أنه قيل ~~له 482 لم وجهت إليه بقميصك وهو كافر؟ فقال # " إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئا، وإني أؤمل من الله أن يدخل في ~~الإسلام كثير بهذا السبب " # فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك ترحمه واستغفاره كان للدعاء إلى التراحم ~~والتعاطف، لأنهم إذا رأوه يترحم على من يظهر الإيمان وباطنه على خلاف ~~ذلك، دعا المسلم إلى أن يتعطف على من واطأ قلبه لسانه ورآه حتما عليه. ~~فإن قلت فكيف جازت الصلاة عليه؟ قلت لم يتقدم نهي عن الصلاة عليهم، ~~وكانوا يجرون مجرى المسلمين لظاهر إيمانهم، لما في ذلك من المصلحة. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه ما أدري ما هذه الصلاة، إلا أني أعلم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يخادع { مات } صفة لأحد. وإنما قيل مات، ~~وماتوا بلفظ الماضي - والمعنى على الاستقبال - على تقدير الكون والوجود ~~لأنه كائن موجود لا محالة { أنهم كفروا } تعليل للنهي، وقد أعيد ~~قوله { ولا تعجبك } لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له ~~وتأكيده، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه، وأن ~~يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية به، لا سيما إذا تراخى ما ~~بين النزولين فأشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ~~ويتخلص إليه، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه. ### || [9.86-89] # يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها في قوله { وإذا ~~نزلت سورة } كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه. وقيل هي ~~براءة، لأن ms0782 فيها الأمر بالإيمان والجهاد { أن ءامنوا } هي أن ~~المفسرة { أولو الطول } ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولا { ~~مع القعدين } مع الذين لهم علة وعذر في التخلف { فهم لا ~~يفقهون } ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاء ~~والهلاك { لكن الرسول } أي إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من ~~هو خير منهم وأخلص نية ومعتقدا، كقوله # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما # الأنعام 89، # فإن استكبروا فالذين عند ربك # فصلت 38. { الخيرات } تتناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ. وقيل ~~الحور، لقوله # فيهن خيرت # الرحمن 70. ### || [9.90] # { المعذرون } من عذر في الأمر، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد ~~وحقيقته أنه يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له أو المعتذرون بإدغام ~~التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين ويجوز في العربية كسر العين ~~لالتقاء الساكنين وضمها لإتباع الميم، ولكن لم تثبت بهما قراءة، وهم ~~الذين يعتذرون بالباطل، كقوله { يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم إليهم } وقرىء «المعذرون» بالتخفيف وهو الذي يجتهد في ~~العذر ويحتشد فيه. قيل هم أسد وغطفان. قالوا إن لنا عيالا وإن بنا جهدا ~~فائذن لنا في التخلف. وقيل 483 هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك ~~أغارت أعراب طي على أهالينا ومواشينا، فقال صلى الله عليه وسلم «سيغنيني ~~الله عنكم». وعن مجاهد. نفر من غفار، اعتذروا فلم يعذرهم الله تعالى وعن ~~قتادة اعتذروا بالكذب. وقرىء «المعذرون» بتشديد العين والذال، من تعذر ~~بمعنى اعتذر، وهذا غير صحيح لأن التاء لا تدغم في العين إدغامها في ~~الطاء والزاي والصاد، في المطوعين، وأزكى وأصدق. وقيل أريد المعتذرون ~~بالصحة، وبه فسر المعذرون والمعذرون، على قراءة ابن عباس رضي الله عنه ~~الذين لم يفرطوا في العذر { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } هم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك ~~أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان. وقرأ أبي «كذبوا» بالتشيد { ~~سيصيب الذين كفروا منهم } من الأعراب { عذاب أليم ~~} في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. ### || [9.91-92] # { الضعفاء } الهرمى والزمنى. ms0783 والذين لا يجدون الفقراء. وقيل هم ~~مزينة وجهينة وبنو عذرة. والنصح لله ورسوله الإيمان بهما، وطاعتهما في ~~السر والعلن، وتوليهما، والحب والبغض فيهما كما يفعل الموالي الناصح ~~بصاحبه { على المحسنين } على المعذورين الناصحين، ومعنى لا سبيل ~~عليهم لا جناح عليهم. ولا طريق للعاتب عليهم { قلت لا أجد } حال ~~من الكاف في { أتوك } وقد قبله مضمرة، كما قيل في قوله # أو جاءوكم حصرت صدورهم # النساء 90 أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد { تولوا } ولقد حصر الله ~~المعذورين في التخلف الذين ليس لهم في أبدانهم استطاعة، والذين عدموا آلة ~~الخروج، والذين سألوا المعونة فلم يجدوها. وقيل «المستحملون» أبو موسى ~~الأشعري وأصحابه. وقيل البكاؤون، وهم ستة نفر من الأنصار { تفيض من ~~الدمع } كقولك تفيض دمعا، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جعلت ~~كأن كلها دمع فائض، و «من» للبيان كقولك أفديك من رجل، ومحل الجار ~~والمجرور النصب على التمييز { ألا يجدوا } لئلا يجدوا. ومحله نصب ~~على أنه مفعول له، وناصبه المفعول له الذي هو حزنا. ### || [9.93-94] # فإن قلت { رضوا } ما موقعه؟ قلت هو استئناف، كأنه قيل ما بالهم ~~استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة ~~الخوالف { وطبع الله على قلوبهم } يعني أن السبب في ~~استئذانهم رضاهم بالدناءة وخذلان الله تعالى إياهم. فإن قلت فهل يجوز أن ~~يكون قوله { قلت لا أجد } استئنافا مثله، كأنه قيل إذا ما أتوك ~~لتحملهم تولوا، فقيل ما لهم تولوا باكين؟ فقيل قلت لا أجد ما أحملكم ~~عليه. إلا أنه وسط بين الشرط والجزاء كالاعتراض { قلت } نعم ويحسن { ~~لن نؤمن لكم } علة للنهي عن الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصدق ~~فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب وجب عليه الإخلال وقوله { قد ~~نبأنا الله من أخباركم } علة لانتفاء تصديقهم لأن الله ~~عز وجل إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم من الشر ~~والفساد، لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم { وسيرى الله ~~عملكم } أتنيبون أم تثبتون على كفركم { ثم تردون } إليه وهو ms0784 ~~عالم كل غيب وشهادة وسر وعلانية، فيجازيكم على حسب ذلك. ### || [9.95] # { لتعرضوا عنهم } فلا توبخوهم ولا تعاتبوهم { فأعرضوا ~~عنهم } فأعطوهم طلبتهم { إنهم رجس } تعليل لترك معاتبتهم، ~~يعني أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم، إنما يعاتب الأديب ذو ~~البشرة. والمؤمن يوبخ على زلة تفرط منه، ليطهره التوبيخ بالحمل على ~~التوبة والاستغفار، وأما هؤلاء فأرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم { ~~ومأواهم جهنم } يعني وكفتهم النار عتابا وتوبيخا، فلا ~~تتكلفوا عتابهم. ### || [9.96] # { لترضوا عنهم } أي غرضهم في الحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ~~ذلك في دنياهم { فإن ترضوا عنهم } فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم ~~إذا كان الله ساخطا عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها. وقيل إنما ~~قيل ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا الله عنهم. وقيل 484 ~~هم جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما، وكانوا ثمانين رجلا منافقين ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة # " لا تجالسوهم ولا تكلموهم " # وقيل جاء عبد الله بن أبي يحلف أن لا يتخلف عنه أبدا. ### || [9.97] # { الاعراب } أهل البدو { أشد كفرا ونفاقا } من أهل الحضر ~~لجفائهم وقسوتهم وتوحشهم، ونشئهم في بعد من مشاهدة العلماء ومعرفة الكتاب ~~والسنة { وأجدر ألا يعلموا } وأحق بجهل حدود الدين وما ~~أنزل الله من الشرائع والأحكام. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم 485 # " إن الجفاء والقسوة في الفدادين " # { والله عليم } يعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر { حكيم } ~~فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم ومخطئهم ومصيبهم من عقابه وثوابه. ### || [9.98-99] # { مغرما } غرامة وخسرانا. والغرامة ما ينفقه الرجل وليس يلزمه، ~~لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله عز وجل ~~وابتغاء المثوبة عنده { ويتربص بكم الدوائر } دوائر ~~الزمان دوله وعقبه لتذهب غلبتكم عليه ليتخلص من إعطاء الصدقة { ~~عليهم دائرة السوء } دعاء معترض، دعى عليهم بنحو ما دعوا به، ~~كقوله عز وجل # قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم # المائدة 64 وقرىء «السوء» بالضم وهو العذاب، كما قيل له سيئة. والسوء ~~بالفتح، وهو ذم للدائرة، كقولك رجل ms0785 سوء، في نقيض قولك رجل صدق، لأن من ~~دارت عليه ذام لها { والله سميع } لما يقولون إذا توجهت عليهم ~~الصدقة { عليم } بما يضمرون. وقيل هم أعراب أسد وغطفان وتميم { ~~قربت } مفعول ثان ليتخذ. والمعنى أن ما ينفقه سبب لحصول القربات ~~عند الله { وصلوت الرسول } لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين ~~بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقوله 486 # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # وقال تعالى # وصل عليهم # التوبة 103 فلما كان ما ينفق سببا لذلك قيل يتخذ ما ينفق قربات وصلوات ~~{ ألا إنها } شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته ~~قربات وصلوات وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف، مع حرفي التنبيه ~~والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك { سيدخلهم } وما في ~~السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن ~~المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها. وقرىء ~~«قربة» بضم الراء. وقيل هم عبد الله وذو البجادين ورهطه. ### || [9.100] # { والسابقون الأولون من المهاجرين } هم الذين صلوا ~~إلى القبلتين. وقيل الذين شهدوا بدرا. وعن الشعبي من بايع بالحديبية وهي ~~بيعة الرضوان ما بين الهجرتين { و } من { الأنصار } أهل بيعة العقبة ~~الأولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين ~~آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن. وقرأ عمر رضي ~~الله عنه «والأنصار» بالرفع عطفا على السابقون. وعن عمر أنه كان يرى أن ~~قوله { والذين اتبعوهم بإحسان } بغير واو صفة للأنصار، ~~حتى قال له زيد إنه بالواو، فقال ائتوني بأبي، فقال تصديق ذلك في أول ~~الجمعة # وءاخرين منهم # الجمعة 3 وأوسط الحشر # والذين جاءوا من بعدهم # الحشر 10 وآخر الأنفال # والذين ءامنوا من بعد # الأنفال 75. وروي أنه سمع رجلا يقرؤه بالواو، فقال من أقرأك؟ قال أبي، ~~فدعاه فقال أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتبيع القرظ ~~بالبقيع، قال صدقت، وإن شئت قلت شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا ~~وطردتم. ومن ثم قال عمر لقد كنت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها ms0786 أحد بعدنا، ~~وارتفع السابقون بالابتداء، وخبره { رضى الله عنهم } ومعناه ~~رضي عنهم لأعمالهم { ورضوا عنه } لما أفاض عليهم من نعمته الدينية ~~والدنيوية وفي مصاحف أهل مكة تجري من تحتها، وهي قراءة ابن كثير، وفي ~~سائر المصاحف تحتها، بغير من. ### || [9.101] # { وممن حولكم } يعني حول بلدتكم وهي المدينة { منفقون } ~~وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا نازلين حولها { ومن أهل ~~المدينة } عطف على خبر المبتدإ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون ~~جملة معطوفة على المبتدإ والخبر إذا قدرت ومن أهل المدينة قوم مردوا على ~~النفاق، على أن { مردوا } صفة موصوف محذوف كقوله # أنا ابن جلا............ # وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاما مبتدأ أو صفة لمنافقون، فصل ~~بينها وبينه بمعطوف على خبره { مردوا على النفاق } تمهروا فيه، ~~من مرن فلان عمله، ومرد عليه إذا درب به وضرى، حتى لان عليه ومهر فيه، ~~ودل على مرانتهم عليه ومهارتهم فيه بقوله { لا تعلمهم } أي يخفون ~~عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك، لفرط تنوقهم في تحامي ما يشكك في ~~أمرهم، ثم قال { نحن نعلمهم } أي لا يعلمهم إلا الله، ولا يطلع ~~على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطانا، ويبرزون ~~لك ظاهرا كظاهر المخلصين من المؤمنين، لا تشك معه في إيمانهم، وذلك أنهم ~~مردوا على النفاق وضروا به، فلهم فيه اليد الطولى { سنعذبهم ~~مرتين } قيل هما القتل وعذاب القبر. وقيل الفضيحة وعذاب القبر. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه أنهم اختلفوا في هاتين المرتين، فقال 487 قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال «اخرج يا فلان فإنك ~~منافق، اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج ناسا وفضحهم، فهذا العذاب ~~الأول، والثاني عذاب القبر. وعن الحسن أخذ الزكاة من أموالهم ونهك ~~أبدانهم { إلى عذاب عظيم } إلى عذاب النار. ### || [9.102] # { اعترفوا بذنوبهم } أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير ~~الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا متذممين ~~نادمين، وكانوا ثلاثة أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس ms0787 بن ثعلبة، ~~ووديعة بن حزام. وقيل 488 كانوا عشرة، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم بلغهم ما ~~نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، ~~فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل المسجد فصلى ركعتين - وكانت ~~عادته صلى الله عليه وسلم كلما قدم من سفر -فرآهم موثقين، فسأل عنهم، ~~فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي يحلهم، فقال وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم، ~~فنزلت، فأطلقهم وعذرهم، فقالوا يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلفتنا ~~عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فنزلت خذ ~~من أموالهم { عملا صلحا } خروجا إلى الجهاد { وءاخر ~~سيئا } تخلفا عنه. عن الحسن وعن الكلبي التوبة والإثم. فإن قلت قد ~~جعل كل واحد منهما مخلوطا فما المخلوط به؟ قلت كل واحد منهما مخلوط ~~ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما الآخر، كقولك خلطت الماء ~~واللبن، تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه. وفيه ما ليس في قولك خلطت الماء ~~باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به، وإذا قلته بالواو ~~وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما، كأنك قلت خلطت الماء باللبن ~~واللبن بالماء، ويجوز أن يكون من قولهم بعت الشاة شاة ودرهما، بمعنى شاة ~~بدرهم. فإن قلت كيف قيل { أن يتوب عليهم } وما ذكرت توبتهم؟ قلت ~~إذا ذكر اعترافهم بذنوبهم، وهو دليل على التوبة، فقد ذكرت توبتهم. ### || [9.103] # { تطهرهم } صفة لصدقة. وقرىء «تطهرهم»، من أطهره بمعنى طهره. و ~~«تطهرهم»، بالجزم جوابا للأمر. ولم يقرأ { وتزكيهم } إلا بإثبات ~~الياء. والتاء في { تطهرهم } للخطاب أو لغيبة المؤنث. والتزكية ~~مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال { ~~وصل عليهم } واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو ~~المصدق لصاحب الصدقة إذا أخذها. وعن الشافعي رحمه الله أحب أن يقول ~~الوالي عند أخذ الصدقة أجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهورا، وبارك لك ~~فيما أبقيت. وقرىء «إن صلاتك» على ms0788 التوحيد { سكن لهم } يسكنون ~~إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم { والله سميع } يسمع ~~اعترافهم بذنوبهم ودعاءهم { عليم } بما في ضمائرهم، والغم من الندم ~~لما فرط منهم. ### || [9.104] # قرىء { ألم يعلموا } بالياء والتاء، وفيه وجهان، أحدهما أن يراد ~~المتوب عليهم، يعني ألم يعلموا قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم { أن ~~الله هو يقبل التوبة } إذا صحت، ويقبل الصدقات إذا صدرت ~~عن خلوص النية، وهو للتخصيص والتأكيد، وأن الله تعالى من شأنه قبول توبة ~~التائبين. وقيل معنى التخصيص في هو أن ذلك ليس إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إنما الله سبحانه هو الذي يقبل التوبة ويردها، فاقصدوه بها ~~ووجهوها إليه. ### || [9.105] # { وقل } لهؤلاء التائبين { اعملوا } فإن عملكم لا يخفى - خيرا ~~كان أو شرا - على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم. والثاني أن يراد غير ~~التائبين ترغيبا لهم في التوبة، فقد روي أنهم لما تيب عليهم قال الذين ~~لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون ~~فما لهم فنزلت. فإن قلت فما معنى قوله { ويأخذ الصدقت } قلت ~~هو مجاز عن قبوله لها، وعن ابن مسعود رضي الله عنه إن الصدقة تقع في يد ~~الله تعالى قبل أن تقع في يد السائل والمعنى أنه يتقبلها ويضاعف عليها، ~~وقوله { فسيرى الله } وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول ~~عن التوبة. ### || [9.106] # قرىء «مرجون» و «مرجؤن» من أرجيته، وأرجأته إذا أخرته. ومنه المرجئة، ~~يعني وآخرون من المتخلفين موقوف أمرهم { إما يعذبهم } إن بقوا ~~على الإصرار ولم يتوبوا { وإما يتوب عليهم } إن تابوا، وهم ~~ثلاثة كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ابن الربيع أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، ولم يفعلوا كما ~~فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، ~~فلما علموا أن أحدا لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله تعالى، ~~وأخلصوا نياتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله { والله عليم حكيم ~~}. وفي قراءة عبد الله غفور ms0789 رحيم. وإما للعباد أي خافوا عليهم العذاب ~~وارجوا لهم الرحمة. ### || [9.107-108] # في مصاحف أهل المدينة والشام الذين اتخذوا بغير واو، لأنها قصة على ~~حيالها. وفي سائرها بالواو على عطف قصة مسجد الضرار الذي أحدثه المنافقون ~~على سائر قصصهم. روي 489 أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم ~~إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام، ~~ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الفاسق، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لا أجد ~~قوما يقاتلوك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما ~~انهزمت هوازن خرج هاربا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين. أن استعدوا ~~بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ومخرج محمدا ~~وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجدا بجنب مسجد قباء، وقالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية، ~~ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال صلى الله عليه وسلم ~~إني على جناح سفر وحال شغل. وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه، فلما قفل ~~من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد، فنزلت عليه، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن ~~بن عدي وعامر بن السكن ووحشي قاتل حمزة، فقال لهم انطلقوا إلى هذا ~~المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه، ففعلوا، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة ~~تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين { ضرارا } ~~مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ومعازة { وكفرا } وتقوية للنفاق { ~~وتفريقا بين المؤمنين } لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد ~~قباء فيغتص بهم، فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم { وإرصادا } ~~وإعدادا { ل } أجل { من حارب الله ورسوله } وهو الراهب ~~أعدوه له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ms0790 وقيل كل ~~مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله أو بمال غير ~~طيب، فهو لاحق بمسجد الضرار. وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني ~~عامر فقيل له مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال لا أحب أن أصلي ~~فيه، فإنه بني على ضرار، وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإن ~~أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضرارا. وعن عطاء لما فتح الله تعالى ~~الأمصار على يد عمر رضي الله عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا ~~يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه، فإن قلت { والذين ~~اتخذوا } ما محله من الإعراب؟ قلت محله النصب على الاختصاص. # كقوله # والمقيمين الصلاة # النساء 162 وقيل هو مبتدأ خبره محذوف، معناه وفيمن وصفنا الذين اتخذوا ~~كقوله # والسارق والسارقة # المائدة 38. فإن قلت بم يتصل قوله { من قبل }؟ قلت باتخذوا، أي ~~اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف { إن أردنا } ما ~~أردنا ببناء هذا المسجد { إلا } إلا الخصلة { الحسنى } أو ~~الإرادة الحسنة، وهي الصلاة. وذكر الله والتوسعة على المصلين { ~~لمسجد أسس على التقوى } قيل هو مسجد قباء أسسه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهي يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج يوم الجمعة، وهو أولى، لأن الموازنة ~~بين مسجدي قباء أوقع. وقيل هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، وعن أبي سعيد الخدري 490 سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المسجد الذي أسس على التقوى، فأخذ حصباء فضرب بها الأرض وقال # " هو مسجدكم هذا مسجد المدينة " # { من أول يوم } من أول يوم من أيام وجوده { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا } قيل 491 لما نزلت مشى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار ~~جلوس فقال أمؤمنون أنتم؟ فسكت القوم، ثم أعادها فقال عمر يا رسول الله ~~إنهم لمؤمنون وأنا معهم. فقال صلى الله عليه وسلم «أترضون ms0791 بالقضاء؟» ~~قالوا نعم، قال «أتصبرون على البلاء؟» قالوا نعم. قال «أتشكرون في ~~الرخاء؟» قالوا نعم. قال صلى الله عليه وسلم «مؤمنون ورب الكعبة». فجلس ~~ثم قال يا معشر الأنصار، إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي ~~تصنعون عند الوضوء وعند الغائط، فقالوا يا رسول الله، نتبع الغائط ~~الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء. فتلا النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ رجال يحبون أن يتطهروا }. وقرىء «أن يطهروا» بالإدغام. ~~وقيل هو عام في التطهر من النجاسات كلها. وقيل كانوا لا ينامون الليل على ~~الجنابة، ويتبعون الماء أثر البول. وعن الحسن هو التطهر من الذنوب ~~بالتوبة. وقيل يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم، فحموا عن ~~آخرهم. فإن قلت ما معنى المحبتين؟ قلت محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ~~ويحرصون عليه حرص المحب للشيء المشتهى له على إيثاره. ومحبة الله تعالى ~~إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه. ### || [9.109] # قرىء أسس بنيانه» و «أسس بنيانه»، على البناء للفاعل والمفعول. وأسس ~~بنيانه، جمع أساس على الأضافة، وأساس بنيانه، بالفتح والكسر جمع أس وآساس ~~بنيانه على أفعال، جمع أس أيضا، وأس بنيانه. والمعنى أفمن أسس بنيان ~~دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه { خير ~~أم من } أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها وأقلها بقاء، وهو ~~الباطل والنفاق الذي مثله مثل { شفا جرف هار } في قلة الثبات ~~والاستمساك، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازا عما ينافي ~~التقوى. فإن قلت فما معنى قوله { فانهار به فى نار جهنم }؟ ~~قلت لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قيل فانهار به في نار جهنم، ~~على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ ~~الانهيار الذي هو للجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف ~~من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها. والشفا الحرف والشفير. ~~وجرف الوادي جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهيا. ~~والهار الهائر وهو ms0792 المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط. ووزنه فعل، قصر ~~عن فاعل، كخلف من خالف. ونظيره شاك وصات، في شائك وصائت. وألفه ليست بألف ~~فاعل، إنما هي عينه. وأصله هور وشوك وصوت. ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ~~ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره. وقرىء جرف، بسكون الراء فإن قلت ~~فما وجه ما روى سيبويه عن عيسى بن عمر على تقوى من الله، بالتنوين؟ قلت ~~قد جعل الألف للإلحاق لا للتأنيث، كتترى فيمن نون، ألحقها بجعفر. وفي ~~مصحف أبي فانهارت به قواعده. وقيل حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان ~~يخرج منه. وروي أن مجمع بن حارثة كان إمامهم في مسجد الضرار، فكلم بنو ~~عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء عمر بن الخطاب في خلافته أن يأذن لمجمع ~~فيؤمهم في مسجدهم فقال لا، ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال ~~يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فوالله لقد صليت بهم والله يعلم أني لا ~~أعلم ما أضمروا فيه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، كنت غلاما قارئا ~~للقرآن وكانوا شيوخا لا يقرؤون من القرآن شيئا، فعذره وصدقه وأمره ~~بالصلاة بقومه. ### || [9.110] # { ريبة } شكا في الدين ونفاقا، وكان القوم منافقين، وإنما حملهم ~~على بناء ذلك المسجد كفرهم ونفاقهم كما قال عز وجل # ضرارا وكفرا # التوبة 107 فلما هدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ازدادوا -لما غاظهم ~~من ذلك وعظم عليهم - تصميما على النفاق ومقتا للإسلام، فمعنى قوله { ~~لا يزال بنيانهم الذى بنوا ريبة فى قلوبهم } ~~لا يزال هدمه سبب شك، ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لا يزول وسمه عن ~~قلوبهم ولا يضمحل أثره { إلا أن تقطع قلوبهم } قطعا ~~وتفرق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه. وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة ~~باقية فيها متمكنة، فيجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويرا لحال زوال الريبة ~~عنها. ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور ~~أو في النار. وقرىء «يقطع»، بالياء. و «تقطع» بالتخفيف. و «تقطع» بفتح ~~التاء بمعنى ms0793 تتقطع. وتقطع قلوبهم، على أن الخطاب للرسول أي إلا أن تقطع ~~أنت قلوبهم بقتلهم. وقرأ الحسن إلى أن، وفي قراءة عبد الله «ولو قطعت ~~قلوبهم». وعن طلحة ولو قطعت قلوبهم على خطاب الرسول أو كل مخاطب. وقيل ~~معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم. ### || [9.111] # مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشروى. ~~وروى تاجرهم فأغلى لهم الثمن. وعن عمر رضي الله عنه فجعل لهم الصفقتين ~~جميعا. وعن الحسن أنفسا هو خلقها وأموالا هو رزقها. وروي 492 أن ~~الأنصار حين بايعوه على العقبة قال عبد الله بن رواحة اشترط لربك ولنفسك ~~ما شئت. قال اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن ~~تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم. قال فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال لكم ~~الجنة. قالوا ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل. ومر برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أعرابي وهو يقرؤها فقال كلام من؟ قال كلام الله. قال بيع الله ~~مربح لا نقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو فاستشهد { يقتلون } ~~فيه معنى الأمر، كقوله # وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم وأنفسكم # الصف 11. وقرىء «فيقتلون» و «يقتلون» على بناء الأول للفاعل والثاني ~~للمفعول، وعلى العكس { وعدا } مصدر مؤكد. أخبر بأن هذا الوعد الذي ~~وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته { في التوراة ~~والإنجيل } كما أثبته في القرآن، ثم قال { ومن أوفى ~~بعهده من الله } لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكرام ~~من الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه القبيح ~~قط، ولا ترى ترغيبا في الجهاد أحسن منه وأبلغ. ### || [9.112] # { التئبون } رفع على المدح. أي هم التائبون يعني المؤمنين ~~المذكورين. ويدل عليه قراءة عبد الله وأبي رضي الله عنهما «التائبين» ~~بالياء إلى والحافظين، نصبا على المدح. ويجوز أن يكون جرا صفة ~~للمؤمنين. وجوز الزجاج أن يكون مبتدأ خبره محذوف، أي التائبون العابدون ~~من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا، كقوله # وكلا وعد الله ms0794 الحسنى # النساء 95 وقيل هو رفع على البدل من الضمير في يقاتلون. ويجوز أن يكون ~~مبتدأ وخبره العابدون، وما بعده خبر بعد خبر، أي التائبون من الكفر على ~~الحقيقة الجامعون لهذه الخصال. وعن الحسن هم الذين تابوا من الشرك وتبرؤا ~~من النفاق. و { العبدون } الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له ~~العبادة وحرصوا عليها. و { السئحون } الصائمون شبهوا بذوي السياحة ~~في الأرض في امتناعهم من شهواتهم. وقيل هم طلبة العلم يسيحون في الأرض ~~يطلبونه في مظانه. ### || [9.113] # قيل 493 قال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب # " أنت أعظم الناس علي حقا، وأحسنهم عندي يدا، فقل كلمة تجب لك بها ~~شفاعتي " # ، فأبى فقال # " لا أزال أتسغفر لك ما لم أنه عنه " # ، فنزلت. وقيل 494 لما افتتح مكة سأل أي أبويه أحدث به عهدا؟ فقيل أمك ~~آمنة، فزار قبرها بالأبواء، ثم قام مستعبرا فقال إني استأذنت ربي في ~~زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فنزلت. ~~وهذا أصح لأن موت أبي طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزل بالمدينة. ~~وقيل استغفر لأبيه. وقيل 495 قال المسلمون ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ~~وذوي قرابتنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه { ما ~~كان للنبى } ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته { من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم } لأنهم ماتوا على ~~الشرك. ### || [9.114] # قرأ طلحة وما استغفر إبراهيم لأبيه، وعنه وما يستغفر إبراهيم، على حكاية ~~الحال الماضية { إلا عن موعدة وعدها إياه } أي وعدها ~~إبراهيم أباه، وهو قوله # لاستغفرن لك # الممتحنة 4 ويدل عليه قراءة الحسن وحماد الراوية وعدها أباه. فإن قلت ~~كيف خفي على إبراهيم أن الاستغفار للكافر غير جائز حتى وعده؟ قلت يجوز أن ~~يظن أنه ما دام يرجى منه الإيمان جاز الاستغفار له، على أن امتناع جواز ~~الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي، لأن العقل يجوز أن يغفر الله ~~للكافر. ألا ترى إلى قوله عليه السلام لعمه لأستغفرن لك ما لم أنه. ms0795 وعن ~~الحسن 496 قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانا يستغفر لأبائه ~~المشركين، فقال ونحن نستغفر لهم فنزلت. وعن علي رضي الله عنه 497 رأيت ~~رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له، فقال أليس قد استغفر إبراهيم ~~فإن قلت فما معنى قوله { فلما تبين له أنه عدو ~~لله تبرأ منه }؟ قلت معناه فلما تبين له من جهة الوحي أنه لن ~~يؤمن وأنه يموت كافرا وانقطع رجاؤه عنه، قطع استغفاره فهو كقوله # من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم # التوبة 113. { أواه } فعال، من أوه كلأل من اللؤلؤ، وهو الذي يكثر ~~التأوه. ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر ~~ويستغفر له، مع شكاسته عليه، وقوله «لأرجمنك». ### || [9.115-116] # يعني ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى ~~عنه وبين أنه محظور لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يسميهم ~~ضلالا، ولا يخذلهم إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان خطره عليهم وعلمهم أنه ~~واجب الاتقاء والاجتناب. وأما قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم، كما لا ~~يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم. وهذا بيان لعذر ~~من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه. وفي هذه الآية ~~شديدة ما ينبغي أن يغفل عنها وهي أن المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض ~~محظورات الله داخل في حكم الإضلال، والمراد بما يتقون ما يجب اتقاؤه ~~للنهي، فأما ما يعلم بالعقل كالصدق في الخبر، ورد الوديعة فغير موقوف ~~على التوقيف. ### || [9.117] # { تاب الله على النبى } كقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2 وقوله { واستغفر لذنبك } وهو بعث للمؤمنين على ~~التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي ~~والمهاجرون والأنصار، وإبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله، وأن صفة ~~التوابين الأوابين صفة الأنبياء، كما وصفهم بالصالحين ليظهر فضيلة ~~الصلاح. وقيل معناه تاب الله عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه، ~~كقوله # عفا الله عنك # التوبة 43، { فى ساعة ms0796 العسرة } في وقتها، والساعة مستعملة في ~~معنى الزمان المطلق، كما استعملت الغداة والعشية واليوم # غداة طفت علماء بكر بن وائل وكنا حسبنا ~~كل بيضاء شحمة عشية قارعنا جذام وحميرا ~~إذا جاء يوما وارثي يبتغي الغنى يجد جمع كف ~~غير ملأى ولا صفر # والعسرة حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة من الظهر يعتقب العشرة على ~~بعير واحد. وفي عسرة من الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس ~~والإهالة الزنخة، وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها ~~الجماعة ليشربوا عليها الماء. وفي عسرة من الماء، حتى نحروا الإبل ~~واعتصروا فروثها. وفي شدة زمان، من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط ~~والضيقة الشديدة { كاد يزيغ قلوب فريق منهم } عن الثبات ~~على الإيمان، أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه. وفي «كاد» ~~ضمير الشأن، وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله. وقرىء «يزيغ» ~~بالياء. وفي قراءة عبد الله «من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم»، يريد ~~المتخلفين من المؤمنين كأبي لبابة وأمثاله { ثم تاب عليهم } ~~تكرير للتوكيد. ويجوز أن يكون الضمير للفريق تاب عليهم لكيدودتهم. ### || [9.118] # { الثلثة } كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. ومعنى ~~{ خلفوا } خلفوا عن الغزو وقيل عن أبي لبابة وأصحابه حين تيب عليهم ~~بعدهم وقرىء «خلفوا» أي خلفوا الغازين بالمدينة، أو فسدوا من الخالفة ~~وخلوف الفم. وقرأ جعفر الصادق رضي الله عنه «خالفوا». وقرأ الأعمش «وعلى ~~الثلاثة المخلفين» { بما رحبت } برحبها، أي مع سعتها، وهو مثل ~~للحيرة في أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه قلقا وجزعا ~~مما هم فيه { وضاقت عليهم أنفسهم } أي قلوبهم، لا يسعها ~~أنس ولا سرور لأنها حرجت من فرط الوحشة والغم { وظنوا } وعلموا { ~~أن لا ملجأ من } سخط { الله إلا } إلى استغفاره { ثم ~~تاب عليهم ليتوبوا } ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد ~~أخرى، ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا وليتوبوا أيضا فيما يستقبل إن فرطت ~~منهم خطيئة، علما منهم أن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة ms0797 ~~مرة. روي أن ناسا من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به. عن الحسن بلغني أنه كان لأحدهم حائط ~~كان خيرا من مائة ألف درهم فقال يا حائطاه، ما خلفني إلا ظلك وانتظار ~~ثمرك، اذهب فأنت في سبيل الله. ولم يكن لآخر إلا أهله فقال يا أهلاه ما ~~بطأني ولا خلفني إلا الضن بك لا جرم، والله لأكابدن المفاوز حتى ألحق ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فركب ولحق به. ولم يكن لآخر إلا نفسه لا ~~أهل ولا مال، فقال يا نفس ما خلفني إلا حب الحياة لك والله لأكابدن ~~الشدائد حتى ألحق برسول الله، فتأبط زاده ولحق به. قال الحسن كذلك والله ~~المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها. 498 وعن أبي ذر الغفاري أن بعيره ~~أبطأ به فحمل متاعه على ظهره واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ماشيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى سواده كن أبا ذر، ~~فقال الناس هو ذاك، فقال # " رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده " # 499 وعن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في ~~الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال ظل ~~ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الضح والريح. ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ~~ومر كالريح، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق، فإذا ~~براكب يزهاه السراب فقال «كن أبا خيثمة» فكانه. # ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له. ومنهم من بقي لم يلحق ~~به. منهم الثلاثة. 500 قال كعب لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سلمت عليه فرد علي كالمغضب بعد ما ذكرني وقال «ليت شعري ما خلف كعبا»؟ ~~فقيل له ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه. فقال معاذ بئس ما قلت ms0798 ~~والله يا رسول الله ما أعلم إلا فضلا وإسلاما، ونهى عن كلامنا أيها ~~الثلاثة، فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت ~~أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا ~~أنا بنداء من ذروة سلع أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدا وكنت كما وصفني ~~ربي { ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم } وتتابعت البشارة، فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمين، فقام إلي طلحة ~~بن عبيد الله حتى صافحني وقال لتهنك توبة الله عليك، فلن أنساها لطلحة، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنير استنارة القمر أبشر يا كعب ~~بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، ثم تلا علينا الآية. وعن أبي بكر ~~الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح؟ فقال أن تضيق على التائب الأرض بما ~~رحبت، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. ### || [9.119-121] # { مع الصدقين } وقرىء «من الصادقين» وهم الذين صدقوا في دين ~~الله نية وقولا وعملا، أو الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم لله ورسوله ~~على الطاعة من قوله # رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه # الأحزاب 23 وقيل هم الثلاثة، أي كونوا مثل هؤلاء في صدقهم وثباتهم. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنه الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، أي كونوا مع ~~المهاجرين والأنصار، ووافقوهم وانتظموا في جملتهم، واصدقوا مثل صدقهم. ~~وقيل لمن تخلف من الطلقاء عن غزوة تبوك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه 501 ~~لا يصلح الكذب في جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه ثم لا ينجزه. ~~اقرءوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين فهل فيها من رخصة؟ { ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } أمروا بأن يصحبوه على البأساء ~~والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط، وأن يلقوا أنفسهم ~~في الشدائد ما تلقاه نفسه، علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه. ~~فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول، ms0799 وجب على سائر الأنفس ~~أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها ولا يقيموا لها وزنا، ~~وتكون أخف شيء عليهم وأهونه، فضلا عن أن يربئوا بأنفسهم عن متابعتها ~~ومصاحبتها ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهي بليغ، مع تقبيح ~~لأمرهم، وتوبيخ لهم عليه، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية { ذلك } إشارة ~~إلى ما دل عليه قوله ما كان لهم أن يتخلفوا من وجوب مشايعته، كأنه قيل ~~ذلك الوجوب { ب } سبب { إنهم لا يصيبهم } شيء من عطش، ولا ~~تعب، ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار ~~بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم. ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا ~~يغيظهم ويضيق صدورهم { ولا ينالون من عدو نيلا } ولا ~~يرزءونهم شيئا بقتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة أو غير ذلك { إلا ~~كتب لهم به عمل صالح } واستوجبوا الثواب ونيل الزلفى عند ~~الله، وذلك مما يوجب المشايعة. ويجوز أن يراد بالوطء الإيقاع والإبادة، ~~لا الوطء بالأقدام والحوافر، كقوله عليه السلام 502 # " آخر وطأة وطئها الله بوج " # والموطىء. إما مصدر كالمورد وإما مكان فإن كان مكانا فمعنى يغيظ الكفار ~~يغيظهم وطئه والنيل أيضا يجوز أن يكون مصدرا مؤكدا، وأن يكون بمنعى ~~المنيل. ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه، وهو عام في كل ما يسؤوهم وينكبهم ~~ويلحق بهم ضررا. وفيه دليل على أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا من ~~قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وكذلك الشر. وبهذه الآية استشهد أصحاب ~~أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك لنا الجيش في ~~الغنيمة، لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم. # 503 ولقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر، وقد قدما بعد تقضي ~~الحرب، وأمد أبو بكر الصديق رضي الله عنه المهاجر بن أبي أمية وزياد بن ~~أبي لبيد بعكرمة بن أبي جهل مع خمسمائة نفس، فلحقوا بعد ما فتحوا فأسهم ~~لهم.و عند الشافعي لا يشارك المدد الغانمين، وقرأ عبيد ابن عمير «ظماء» ~~بالمدح يقال ظمىء ظماءة وظماء ms0800 { ولا ينفقون نفقة صغيرة } ~~ولو تمرة ولو علاقة سوط { ولا كبيرة } مثل ما أنفق عثمان رضي الله ~~عنه في جيش العسرة { ولا يقطعون واديا } أي أرضا في ذهابهم ~~ومجيئهم، والوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل، وهو في ~~الأصل «فاعل» من ودى إذا سال. ومنه الودي. وقد شاع في استعمال العرب ~~بمعنى الأرض. يقولون لا تصل في وادي غيرك { إلا كتب لهم } ذلك ~~من الإنفاق وقطع الوادي ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى عمل صالح وقوله { ~~ليجزيهم } متعلق بكتب أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء. ### || [9.122] # اللام لتأكيد النفي. ومعناه أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير ~~صحيح ولا ممكن. وفيه أنه لو صح وأمكن، ولم يؤد إلى مفسدة لوجب التفقه ~~على الكافة، ولأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة { فلولا ~~نفر } فحين لم يمكن نفير الكافة ولم يكن مصلحة فهلا نفر { من كل ~~فرقة منهم طائفة } أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم ~~يكفونهم النفير { ليتفقهوا فى الدين } ليتكلفوا الفقاهة فيه، ~~ويتجشموا المشاق في أخذها وتحصيلها { ولينذروا قومهم } ~~وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة ~~لهم، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة ويؤمونها من المقاصد ~~الركيكة، ومن التصدر والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ~~ملابسهم ومراكبهم ومنافسة بعضهم بعضا، وفشو داء الضرائر بينهم وانقلاب ~~حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه، وتهالكه ~~على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم، فما أبعد هؤلاء من قوله عز وجل # لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا # القصص 83. { لعلهم يحذرون } إرادة أن يحذروا الله فيعملوا ~~عملا صالحا. ووجه آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~بعث بعثا - بعد غزوة تبوك وبعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد - ~~استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعا عن استماع الوحي ~~والتفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد ~~ويبقى ms0801 أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، ~~لأن الجدال بالحجة أعظم أثرا من الجلاد بالسيف. وقوله { ~~ليتفقهوا } الضمير فيه للفرق الباقية بعد الطواف، النافرة من ~~بينهم { ولينذروا قومهم } ولينذر الفرق الباقية قومهم ~~النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم وعلى ~~الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه. ### || [9.123] # { يلونكم } يقربون منكم، والقتال واجب مع كافة الكفرة قريبهم ~~وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب. ونظيره # وأنذر عشيرتك الأقربين # الشعراء 214 وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، ثم غيرهم من ~~عرب الحجاز، ثم غزا الشام. وقيل هم قريظة والنضير وفدك وخيبر. وقيل ~~الروم، لأنهم كانوا يسكنون الشأم والشأم أقرب إلى المدينة من العراق ~~وغيره، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم، ما لم يضطر ~~إليهم أهل ناحية أخرى. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن قتال الديلم؟ ~~فقال عليك بالروم. وقرىء «غلظة» بالحركات الثلاث، فالغلظة كالشدة، ~~والغلظة كالضغطة، والغلظة كالسخطة ونحوه # واغلظ عليهم # التوبة 73 # ولا تهنوا # آل عمران 139 وهو يجمع الجرأة والصبر على القتال وشدة العداوة والعنف ~~في القتل والأسر، ومنه # ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله # النور 2. { مع المتقين } ينصر من اتقاه فلم يترأف على عدوه. ### || [9.124-125] # { فمنهم من يقول } فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض { ~~أيكم زادته هذه } السورة { إيمنا } إنكارا واستهزاء ~~بالمؤمنين واعتقادهم زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل ~~به. وأيكم مرفوع بالابتداء. وقرأ عبيد بن عمير «أيكم» بالفتح على إضمار ~~فعل يفسره { زادته } تقديره أيكم زادت زادته هذه إيمانا { ~~فزادتهم إيمنا } لأنها أزيد لليقين والثبات، وأثلج للصدر. أو ~~فزادتهم عملا، فإن زيادة العمل زيادة في الإيمان، لأن الإيمان يقع على ~~الاعتقاد والعمل { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } كفرا ~~مضموما إلى كفرهم، لأنهم كلما جددوا بتجديد الله الوحي كفرا ونفاقا، ~~ازداد كفرهم واستحكم وتضاعف عقابهم. ### || [9.126-127] # قرىء «أولا يرون»، بالياء والتاء { يفتنون } يبتلون بالمرض والقحط ~~وغيرهما من بلاء الله ثم لا ms0802 ينتهون ولا يتوبون عن نفاقهم، ولا يذكرون، ~~ولا يعتبرون، ولا ينظرون في أمرهم، أو يبتلون في الجهاد مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويعاينون أمره وما ينزل الله عليه من نصرته وتأييده. أو ~~يفتنهم الشيطان فيكذبون وينقضون العهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيقتلهم وينكل بهم، ثم لا ينزجرون { نظر بعضهم إلى بعض } ~~تغامزوا بالعيون إنكارا للوحي وسخرية به قائلين { هل يراكم من ~~أحد } من المسلمين لننصرف، فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك، ~~فنخاف الافتضاح بينهم. أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال ~~لواذا يقولون هل يراكم من أحد. وقيل معناه إذا ما أنزلت سورة في عيب ~~المنافقين { صرف الله قلوبهم } دعاء عليهم بالخذلان وبصرف ~~قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح { قلوبهم } بسبب أنهم { ~~قوم لا يفقهون } لا يتدبرون حتى يفقهوا. ### || [9.128-129] # { من أنفسكم } من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم، ثم ذكر ما ~~يتبع المجانسة والمناسبة من النتائج بقوله { عزيز عليه ما ~~عنتم } أي شديد عليه شاق - لكونه بعضا منكم - عنتكم ولقاؤكم ~~المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب { حريص ~~عليكم } حتى لا يخرج أحد منكم عن اتباعه والاستسعاد بدين الحق الذي ~~جاء به { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رءوف رحيم }. وقرىء ~~«من أنفسكم» أي من أشرفكم وأفضلكم. وقيل هي قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما. وقيل لم يجمع الله اسمين من ~~أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { رءوف رحيم ~~}. { فإن تولوا } فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك فاستعن وفوض ~~إليه، فهو كافيك معرتهم ولا يضرونك وهو ناصرك عليهم. وقرىء { العظيم ~~} بالرفع. وعن ابن عباس رضي الله عنه العرش لا يقدر أحد قدره. وعن أبي ~~ابن كعب آخر آية نزلت { لقد جاءكم رسول من أنفسكم }. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 504 # " ما نزل علي القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا، ما خلا سورة براءة وقل ~~هو الله أحد، فإنهما ms0803 أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة ". ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # { الر } تعديد للحروف على طريق التحدي. و { تلك ءايت ~~الكتب } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات والكتاب السورة. و { ~~الحكيم } ذو الحكمة لاشتماله عليها ونطقه بها. أو وصف بصفة محدثة. ~~قال الأعشى # وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال ~~من ذا قالها # الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه. و { أن أوحينا } اسم كان، ~~وعجبا خبرها. وقرأ ابن مسعود «عجب» فجعله اسما وهو نكرة و { أن ~~أوحينا } خبرا وهو معرفة، كقوله # يكون مزاجها عسل وماء # والأجود أن تكون «كان» تامة، وأن أوحينا بدلا من عجب. فإن قلت فما معنى ~~اللام في قوله { كان للناس عجبا }؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك ~~أكان عند الناس عجبا؟ قلت معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ~~ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزائهم وإنكارهم، وليس في عند الناس هذا ~~المعنى، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلا من أفناء ~~رجالهم، دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد ~~رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وأن يذكر لهم البعث وينذر ~~بالنار ويبشر بالجنة، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل ~~المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلا بشر مثلهم. وقال الله تعالى # قل لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا # الإسراء 95 وإرسال الفقير أو اليتيم ليس بعجب أيضا، لأن الله تعالى ~~إنما يختار من استحق الاختيار، لجمعه أسباب الاستقلال بما اختير له من ~~النبوة. والغنى والتقدم في الدنيا ليس من تلك الأسباب في شيء # وما أمولكم ولا أولدكم بالتى تقربكم ~~عندنا زلفى # سبأ 37 والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى فكيف يكون ~~عجبا؟ إنما العجب العجيب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء { أن أنذر ~~الناس } أن هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول ويجوز أن تكون ~~المخففة من الثقيلة، وأصله أنه أنذر الناس، على معنى أن ms0804 الشأن قولنا أنذر ~~الناس. و { أن لهم } الباء معه محذوف { قدم صدق عند ~~ربهم } أي سابقة وفضلا ومنزلة رفيعة. فإن قلت لم سميت السابقة ~~قدما؟ قلت لما كان السعي والسبق بالقدم، سميت المسعاة الجميلة والسابقة ~~قدما، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد. وباعا لأن صاحبها يبوع ~~بها، فقيل لفلان قدم في الخير. وإضافته إلى صدق دلالة على زيادة فضل، ~~وأنه من السوابق العظيمة، وقيل مقام صدق { إن هذا } إن هذا الكتاب ~~وما جاء به محمد { لسحر } ومن قرأ «لساحر» فهذا إشارة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كاذبين في تسميته ~~سحرا، وفي قراءة أبي «ما هذا إلا سحر». ### || [10.2-4] # { يدبر } يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعل المتحري ~~للصواب الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، لئلا يلقاه ما يكره آخرا. و { ~~الامر } أمر الخلق كله وأمر ملكوت السموات والأرض والعرش. فإن قلت ~~ما موقع هذه الجملة؟ قلت قد دل بالجملة قبلها على عظمة شأنه وملكه بخلق ~~السموات والأرض، مع بسطتها واتساعها في وقت يسير، وبالاستواء على العرش، ~~وأتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة وأنه لا يخرج أمر من ~~الأمور من قضائه وتقديره، وكذلك قوله { ما من شفيع إلا من ~~بعد إذنه } دليل على العزة والكبرياء، كقوله # يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون ~~إلا من أذن له الرحمن # النبأ 38 و { ذلكم } إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي ذلك العظيم ~~الموصوف بما وصف به هو ربكم، وهو الذي يستحق منكم العبادة { فاعبدوه ~~} وحده ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلا عن جماد لا يضر ~~ولا ينفع { أفلا تذكرون } فإن أدنى التفكر والنظر ينبهكم على ~~الخطأ فيما أنتم عليه { إليه مرجعكم جميعا } أي لا ترجعون ~~في العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه { وعد الله } مصدر مؤكد ~~لقوله { إليه مرجعكم } و { حقا } مصدر مؤكد لقوله { وعد ~~الله }. { إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده } استئناف معناه ~~التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو ms0805 أن الغرض ومقتضى الحكمة بابتداء الخلق ~~وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم. وقرىء «أنه يبدؤ الخلق» بمعنى ~~لأنه. أو هو منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعدا بدأ الخلق ~~ثم إعادته. والمعنى إعادة الخلق بعد بدئه. وقرىء «وعد الله»، على لفظ ~~الفعل. ويبدىء، من أبدأ. ويجوز أن يكون مرفوعا بما نصب حقا، أي حق ~~حقا بدأ الحلق، كقوله # أحقا عباد الله أن لست جائيا ولا ذاهبا إلا ~~علي رقيب # وقرىء «حق أنه يبدؤ الخلق» كقولك حق أن زيدا منطلق { بالقسط } ~~بالعدل، وهو متعلق بيجزى. والمعنى ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم. أو ~~بقسطهم وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا وعملوا صالحا، لأن ~~الشرك ظلم. قال الله تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13 والعصاة ظلام أنفسهم، وهذا أوجه، لمقابلة قوله { بما ~~كانوا يكفرون }. ### || [10.5] # الياء في { ضياء } منقلبة عن واو ضوء لكسرة ما قبلها. وقرىء «ضئاء» ~~بهمزتين بينهما ألف على القلب، بتقديم اللام على العين، كما قيل في عاق ~~عقا. والضياء أقوى من النور { وقدره } وقدر القمر. والمعنى وقدر ~~مسيره { منازل } أو قدره ذا منازل، كقوله تعالى # والقمر قدرنه منازل # يس 39. { والحساب } وحساب الأوقات من الشهور والأيام والليالي { ~~ذلك } إشارة إلى المذكور أي ما خلقه إلا ملتبسا بالحق الذي هو ~~الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثا. وقرىء «يفصل»، بالياء. ### || [10.6] # خص المتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى النظر والتدبر. ### || [10.7-8] # { لا يرجون لقاءنا } لا يتوقعونه أصلا، ولا يخطرونه ببالهم ~~لغفلتهم المستولية عليهم، المذهلة باللذات وحب العاجل عن التفطن ~~للحقائق. أو لا يأملون حسن لقائنا كما يأمله السعداء أو لا يخافون سوء ~~لقائنا الذي يجب أن يخاف { ورضوا بالحيوة الدنيا } من ~~الآخرة، وآثروا القليل الفاني على الكثير الباقي، كقوله تعالى # أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة # التوبة 38. { واطمأنوا بها } وسكنوا فيها سكون من لا يزعج ~~عنها، فبنوا شديدا وأملوا بعيدا. ### || [10.9-10] # { يهديهم ربهم بإيمانهم } يسددهم بسبب إيمانهم ~~للاستقامة على سلوك السبيل المؤدي إلى الثواب، لذلك جعل { تجرى من ~~تحتهم الأنهر ms0806 } بيانا له وتفسيرا، لأن التمسك بسبب السعادة ~~كالوصول إليها، ويجوز أن يريد يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق ~~الجنة، كقوله تعالى # يوم ترى المؤمنين والمؤمنت يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمنهم # الحديد 12 ومنه الحديث 505 # " إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صور حسنة، فيقول له ~~أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة وأما الكافر إذا خرج من قبره ~~صور له عمله في صورة سيئة فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار " # فإن قلت فلقد دلت هذه الآية على أن الإيمان الذي يستحق به العبد ~~الهداية والتوفيق والنور يوم القيامة، هو إيمان مقيد، وهو الإيمان ~~المقرون بالعمل الصالح، والإيمان الذي لم يقرن بالعمل الصالح فصاحبه لا ~~توفيق له ولا نور. قلت الأمر كذلك. ألا ترى كيف أوقع الصلة مجموعا فيها ~~بين الإيمان والعمل، كأنه قال إن الذين جمعوا بين الإيمان والعمل ~~الصالح، ثم قال بإيمانهم، أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، ~~وهو بين واضح لا شبهة فيه { دعواهم } دعاؤهم، لأن «اللهم» نداء ~~لله ومعناه اللهم إنا نسبحك، كقول القانت في دعاء القنوت اللهم إياك ~~نعبد ولك نصلي ونسجد. ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله # مريم 48 على معنى أن لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن ~~يسبحوا الله ويحمدوه، وذلك ليس بعبادة،إنما يلهمونه فينطقون به تلذذا ~~بلا كلفة، كقوله تعالى # وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية # الأنفال 35. { وءاخر دعوهم } وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح { ~~أن } يقولوا { الحمد لله رب العلمين }. ومعنى { ~~تحيتهم فيها سلم } أن بعضهم يحيي بعضا بالسلام. وقيل هي ~~تحية الملائكة إياهم، إضافة للمصدر إلى المفعول. وقيل تحية الله لهم. وأن ~~هي المخففة من الثقيلة، وأصله أنه الحمد لله، على أن الضمير للشأن كقوله # أن كل هالك من يحفي وينتعل # وقرىء «أن الحمد لله» بالتشديد ونصب الحمد. ### || [10.11] # أصله { ولو يعجل الله للناس الشر } تعجيله لهم الخير، ~~فوضع { استعجالهم بالخير ms0807 } موضع تعجيله لهم الخير إشعارا ~~بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل لهم، ~~والمراد أهل مكة. وقولهم فأمطر علينا حجارة من السماء، يعني ولو عجلنا ~~لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه { لقضى ~~إليهم أجلهم } لأميتوا وأهلكوا. وقرىء «لقضى إليهم أجلهم» على ~~البناء للفاعل، وهو الله عز وجل، وتنصره قراءة عبد الله «لقضينا إليهم ~~أجلهم» فإن قلت فكيف اتصل به قوله { فنذر الذين لا يرجون ~~لقاءنا } وما معناه؟ قلت قوله { ولو يعجل الله } متضمن معنى ~~نفي التعجيل، كأنه قيل ولا نعجل لهم الشر، ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم ~~{ في طغينهم } أي فنمهلهم ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، ~~إلزاما للحجة عليهم. ### || [10.12] # { لجنبه } في موضع الحال، بدليل عطف الحالين عليه أي دعانا مضطجعا ~~{ أو قاعدا أو قائما }. فإن قلت فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟ ~~قلت معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه ~~الضر، فهو يدعونا في حالاته كلها - إن كان مضطجعا عاجز النهض متخاذل ~~النوء أو كان قاعدا لا يقدر على القيام، أو كان قائما لا يطيق المشي ~~والمضطرب - إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها والمسحة بتمامها. ~~ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش. ومنهم ~~من هو أخف وهو القادر على القعود. ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا ~~يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأن الإنسان للجنس { مر } أي مضى ~~على طريقته الأولى قبل مس الضر، ونسي حال الجهد. أو مر عن موقف ~~الابتهال والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له به { كأن لم ~~يدعنا } ، كأنه لم يدعنا، فخفف وحذف ضمير الشأن قال # كأن ثدياه حقان # { كذلك } مثل ذلك التزيين { زين للمسرفين } زين الشيطان ~~بوسوسته أو الله بخذلانه وتخليته { ما كانوا يعملون } من ~~الإعراض عن الذكر واتباع الشهوات. ### || [10.13-14] # { لما } ظرف لأهلكنا والواو في { وجاءتهم } للحال، أي ظلموا ~~بالتكذيب وقد جاءتهم رسلهم بالحجج والشواهد على صدقهم وهي المعجزات. ~~وقوله { وما كانوا ms0808 ليؤمنوا } يجوز أن يكون عطفا على ظلموا، ~~وأن يكون اعتراضا واللام لتأكيد النفي، يعني ما كانوا يؤمنون حقا ~~تأكيدا لنفي إيمانهم، وأن الله قد علم منهم أنهم يصرون على كفرهم، وأن ~~الإيمان مستبعد منهم. والمعنى أن السبب في إهلاكهم تكذيب الرسل، وعلم ~~الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا الحجة ببعثه الرسل { ~~كذلك } مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك { نجزي } كل مجرم، وهو وعيد ~~لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء «يجزي» ~~بالياء { ثم جعلنكم } الخطاب للذين بعث إليهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم، أي استخلفناكم في الأرض بعد القرون التي أهلكنا { لننظر } ~~أتعملون خيرا أم شرا فنعاملكم على حسب عملكم. و { كيف } في محل ~~النصب بتعلمون لا بننظر، لأن معنى الاستفهام فيه يحجب أن يتقدم عليه ~~عامله. فإن قلت كيف جاز النظر على الله تعالى وفيه معنى المقابلة قلت هو ~~مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجودا شبه بنظر الناظر وعيان ~~المعاين في تحققه. ### || [10.15] # غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد للمشركين، فقالوا { ~~ائت بقرءان } آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك { أو بدله ~~} بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها. فأمر ~~بأن يجيب عن التبديل، لأنه داخل تحت قدرة الإنسان، وهو أن يضع مكان آية ~~عذاب آية رحمة مما أنزل، وأن يسقط ذكر الآلهة. وأما الإتيان بقرآن آخر، ~~فغير مقدور عليه للإنسان { ما يكون لى } ما ينبغي لي وما يحل، ~~كقوله تعالى # ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق # المائدة 116. { أن أبدله من تلقاء نفسى } من قبل نفسي. ~~وقرىء بفتح التاء من غير أن يأمرني بذلك ربي { إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلى } لا آتي ولا أذر شيئا من نحو ذلك، إلا متبعا لوحي ~~الله وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وأن بدلت آية مكان آية تبعت ~~التبديل، وليس إلي تبديل ولا نسخ { إنى أخاف إن عصيت ربى } ~~بالتبديل والنسخ ms0809 من عند نفسي { عذاب يوم عظيم }. فإن قلت أما ~~ظهر وتبين لهم العجز عن الإتيان بمثل القرآن حتى قالوا { ائت ~~بقرءان غير هذا }؟ قلت بلى، ولكنهم كانوا لا يعترفون بالعجز، ~~وكانوا يقولون لو نشاء لقلنا مثل هذا. ويقولون افترى على الله كذبا، ~~فينسبونه إلى الرسول ويزعمونه قادرا عليه وعلى مثله. مع علمهم بأن ~~العرب مع كثرة فصحائها وبلغائها إذا عجزوا عنه، كان الواحد منهم أعجز. ~~فإن قلت لعلهم أرادوا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، من جهة الوحي كما أتيت ~~بالقرآن من جهته. وأراد بقوله { ما يكون لى } ما يتسهل لي وما ~~يمكنني أن أبدله. قلت يرده قوله { إنى أخاف إن عصيت ربى ~~}. فإن قلت فما كان غرضهم وهم أدهى الناس وأنكرهم في هذا الاقتراح؟ قلت ~~الكيد والمكر. أما اقتراح إبدال قرآن بقرآن، ففيه أنه من عندك وأنك قادر ~~على مثله، فأبدل مكانه آخر، وأما اقتراح التبديل والتغيير، فللطمع ~~ولاختبار الحال. وأنه إن وجد منه تبديل، فإما أن يهلكه الله فينجو منه، ~~أو لا يهلكه فيسخروا منه، ويجعلوا التبديل حجة عليه وتصحيحا لافترائه ~~على الله. ### || [10.16] # { لو شاء الله ما تلوته عليكم } يعني أن تلاوته ليست ~~إلا بمشيئة الله وإحداثه أمرا عجيبا خارجا عن العادات، وهو أن يخرج ~~رجل أمي لم يتعلم ولم يستمع ولم يشاهد العلماء ساعة من عمره، ولا نشأ في ~~بلد فيه علماء فيقرأ عليهم كتابا فصيحا، يبهر كل كلام فصيح، ويعلو على ~~كل منثور ومنظوم، مشحونا بعلوم من علوم الأصول والفروع، وأخبار مما كان ~~وما يكون، ناطقا بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله، وقد بلغ بين ~~ظهرانيكم أربعين سنة تطلعون على أحواله، ولا يخفى عليكم شيء من أسراره، ~~وما سمعتم منه حرفا من ذلك، ولا عرفه به أحد من أقرب الناس منه وألصقهم ~~به { ولا أدراكم به } ولا أعلمكم به على لساني. وقرأ الحسن «ولا ~~أدراتكم به» على لغة من يقول اعطاته وأرضاته، في معنى أعطيته وأرضيته. ~~وتعضده قراءة ابن عباس «ولا أنذرتكم به». ورواه الفراء ms0810 «ولا ادرأتكم به» ~~وبالهمز. وفيه وجهان، أحدهما أن تقلب الألف همزة، كما قيل لبأت بالحج. ~~ورثأت الميت وحلأت السويق، وذلك لأن الألف والهمزة من واد واحد. ألا ~~ترى أن الألف إذا مستها الحركة انقلبت همزة. والثاني أن يكون من درأته ~~إذا دفعته، وأدرأته إذا جعلته دارئا. والمعنى ولا جعلتكم بتلاوته خصماء ~~تدرؤونني بالجدال وتكذبونني. وعن ابن كثير «ولأدراكم به» بلام الابتداء ~~لإثبات الإدراء ومعناه لو شاء الله ما تلوته أنا عليكم ولأعلمكم به على ~~لسان غيري، ولكنه يمن على من يشاء من عباده، فخصني بهذه الكرامة ورآني ~~لها أهلا دون سائر الناس { فقد لبثت فيكم عمرا } وقرىء ~~«عمرا» بالسكون. يعني فقد أقمت فيما بينكم يافعا وكهلا، فلم تعرفوني ~~متعاطيا شيئا من نحوه ولا قدرت عليه، ولا كنت متواصفا بعلم وبيان ~~فتتهموني باختراعه { أفلا تعقلون } فتعلموا أنه ليس إلا من الله ~~لا من مثلي. وهذا جواب عما دسوه تحت قولهم ائت بقرآن غير هذا من إضافة ~~الافتراء إليه. ### || [10.17] # { ممن افترى على الله كذبا } يحتمل أن يريد افتراء ~~المشركين على الله في قولهم إنه ذو شريك وذو ولد، وأن يكون تفاديا مما ~~أضافوه إليه من الافتراء. ### || [10.18] # { ما لا يضرهم ولا ينفعهم } الأوثان التي هي جماد لا ~~تقدر على نفع ولا ضر. وقيل إن عبدوها لن تنفعهم، وإن تركوا عبادتها لم ~~تضرهم، ومن حق المعبود أن يكون مثيبا على الطاعة معاقبا على المعصية. ~~وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة العزى ومناة وهبل وأسافا ~~ونائلة { و } كانوا { يقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله } ~~وعن النضر بن الحرث إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى { ~~أتنبئون الله بما لا يعلم } أتخبرونه بكونكم شفعاء عنده، ~~وهو إنباء بما ليس بالمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له وهو العالم ~~الذات المحيط بجميع المعلومات، لم يكن شيئا لأن الشيء ما يعلمبه ويخبر ~~عنه، فكان خبرا ليس له مخبر عنه. فإن قلت كيف أنبأوا الله بذلك؟ قلت هو ~~تهكم بهم وبما ادعوه من المحال الذي هو ms0811 شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي ~~أنبؤا به باطل غير منطو تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به ~~علمه كما يخبر الرجل الرجل بما لا يعلمه. وقرىء «أتنبئون» بالتخفيف. ~~وقوله { فى السموت ولا فى الأرض } تأكيد لنفيه لأن ما لم ~~يوجد فيهما فهو منتف معدوم { تشركون } قرىء بالتاء والياء وما ~~موصولة أو مصدرية، أي عن الشركاء الذين يشركونهم به أو عن إشراكهم. ### || [10.19-20] # { وما كان الناس إلا أمة واحدة } حنفاء متفقين على ~~ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل ~~هابيل. وقيل بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين ديارا { ولولا ~~كلمة سبقت من ربك } وهوتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة { ~~لقضى بينهم } عاجلا فيما اختلفوا فيه، ولميز المحق من المبطل، ~~وسبق كلمته بالتأخير لحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار دار تكليف، وتلك دار ~~ثواب وعقاب. وقالوا { لولا أنزل عليه ءاية من ربه } ~~أرادوا آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وكانوا لا يعتدون بما أنزل ~~عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء ~~مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في ~~الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلوا نزولها كلا نزول، وكأنه لم ~~ينزل آية قط، حتى قالوا { لولا أنزل عليه ءاية ربه } ، ~~وذلك لفرط عنادهم وتماديهم في التمرد وانهماكهم في الغي { فقل ~~إنما الغيب لله } أي هو المختص بعلم الغيب المستأثر به لا ~~علم لي ولا لأحد به، يعني أن الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب ~~لا يعلمه إلا هو { فانتظروا } نزول ما اقترحتموه { إنى معكم ~~من المنتظرين } لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات. ### || [10.21] # سلط الله القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون، ثم رحمهم ~~بالحيا، فلما رحمهم طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ويكيدونه، و «إذا» الأولى للشرط، والآخرة جوابها وهي ~~للمفاجأة، والمكر إخفاء الكيد وطيه، من الجارية الممكورة المطوية الخلق. ms0812 ~~ومعنى { مستهم } خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم. فإن قلت ما ~~وصفهم بسرعة المكر، فكيف صح قوله { أسرع مكرا }؟ قلت بلى دلت على ~~ذلك كلمة المفاجأة، كأنه قال وإذا رحمناهم من بعد ضراء فاجئوا وقوع المكر ~~منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا رؤوسهم من مس الضراء، ولم يتلبثوا ~~ريثما يسيغون غصتهم. والمعنى أن الله تعالى دبر عقابكم وهو موقعه بكم ~~قبل أن تدبروا كيف تعملون في إطفاء نور الإسلام { إن رسلنا ~~يكتبون } إعلام بأن ما تظنونه خافيا مطويا لا يخفى على الله، وهو ~~منتقم منكم. وقرىء «يمكرون»، بالتاء والياء. وقيل مكرهم قولهم سقينا بنوء ~~كذا. وعن أبي هريرة 506 إن الله ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم ~~بها، فتصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا. ### || [10.22-23] # قرأ زيد بن ثابت «ينشركم» ومثله قوله # فانتشروا فى الأرض # الجمعة 10، # ثم إذا أنتم بشر تنتشرون # الروم 20 فإن قلت كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، ~~والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك؟ قلت لم يجعل الكون في الفلك ~~غاية التسيير في البحر، ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد «حتى» بما ~~في حيزها، كأنه قيل يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من ~~مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك والدعاء بالإنجاء. فإن ~~قلت ما جواب «إذا»؟ قلت جاءتها. فإن قلت فدعوا؟ قلت بدل من ظنوا لأن ~~دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به. فإن قلت ما فائدة صرف الكلام ~~عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم ~~منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح. فإن قلت ما وجه قراءة أم الدرداء ~~«في الفلكي» بزيادة ياء النسب؟ قلت قيل هما زائدتان كما في الخارجي ~~والأحمري. ويجوز أن يراد به اللج والماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا ~~فيه. والضمير في { جرين } للفلك، لأنه جمع فلك كالأسد، في فعل أخي فعل. ~~وفي قراءة أم الدرداء «للفلك» أيضا لأن الفلكي يدل عليه { جاءتها ~~} جاءت الريح الطيبة، أي تلقتها. ms0813 وقيل الضمير للفلك { من كل مكان } ~~من جميع أمكنة الموج { أحيط بهم } أي أهلكواجعل إحاطة العدو بالحي ~~مثلا في الهلاك { مخلصين له الدين } من غير إشراك به لأنهم لا ~~يدعون حينئذ غيره معه { لئن أنجيتنا } على إرادة القول. أو لأن ~~{ دعوا } من جملة القول { يبغون فى الأرض } يفسدون فيها ~~ويعبثون متراقين في ذلك، ممعنين فيه، من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى ~~الفساد. فإن قلت فما معنى قوله { بغير الحق } والبغي لا يكون بحق؟ ~~قلت بلى، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة، وهدم دورهم، وإحراق ~~زروعهم وقطع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. ~~قرىء «متاع الحياة الدنيا»، بالنصب فإن قلت ما الفرق بين القراءتين؟ قلت ~~إذا رفعت كان المتاع خبرا للمبتدإ الذي هو { بغيكم } و { على ~~أنفسكم } صلته، كقوله { فبغى عليهم } ومعناه إنما بغيكم على ~~أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ~~لابقاء لها وإذا نصبت { فعلى أنفسكم } خبر غير صلة معناه إنما ~~بغيكم بال على أنفسكم، و { متاع الحياة الدنيا } في موضع المصدر المؤكد، ~~كأنه قيل تتمتعون متاع الحياة الدنيا. ويجوز أن يكون الرفع على هو متاع ~~الحياة الدنيا بعد تمام الكلام. وعن البني صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~507 # " لا تمكر ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغيا، ولا تنكث ولا تعن ~~ناكثا " # وكان يتلوها. وعنه عليه الصلاة والسلام 508 # " أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين ~~الفاجرة " # ، وروي 509 # " ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا البغي وعقوق الوالدين " # وعن ابن عباس رضي الله عنه 510 لو بغى جبل على جبل لدك الباغي. وكان ~~المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه # يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فاربع فخير ~~فعال المرء أعسله فلو بغى جبل يوما على جبل ~~لاندك منه أعاليه وأسفله # وعن محمد بن كعب ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. قال ~~الله تعالى { إنما بغيكم على أنفسكم }. ### || [10.24] # هذا ms0814 من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها ~~بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف ~~وتكاثف، وزين الأرض بخضرته ورفيفه { فاختلط به } فاشتبك بسببه حتى ~~خالط بعضه بعضا { أخذت الأرض زخرفها وازينت } كلام ~~فصيح جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس، إذا أخذت الثياب ~~الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين. وأصل { ~~ازينت } تزينت، فأدغم. وبالأصل قرأ عبد الله. وقرىء «وأزينت»، أي أفعلت، ~~من غير إعلال الفعل كأغيلت أي صارت ذات زينة. وازيانت، بوزن ابياضت { ~~قادرون عليها } متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها، رافعون ~~لعلتها { أتاها أمرنا } وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم ~~واستيقانهم أنه قد سلم { فجعلناها } فجعلنا زرعها { حصيدا } ~~شبيها بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله { كأن لم تغن } كأن ~~لم يغن زرعها، أي لم ينبت على حذف المضاف في هذه المواضع لا بد منه، ~~وإلا لم يستقم المعنى. وقرأ الحسن «كأن لم يغن» بالياء على أن الضمير ~~للمضاف المحذوف، الذي هو الزرع. وعن مروان أنه قرأ على المنبر «كأن لم ~~تتغن» بالأمس، من قول الأعشى # طويل الثواء طويل التغني # والأمس مثل في الوقت القريب كأنه قيل كأن لم تغن آنفا. ### || [10.25] # { دار السلم } الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيما لها. وقيل السلام ~~السلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه. وقيل لفشو السلام بينهم وتسليم ~~الملائكة عليهم # إلا قيلا سلما سلما # الواقعة 26 { ويهدى } ويوفق { من يشآء } وهم الذين علم أن اللطف ~~يجدي عليهم، لأن مشيئته تابعة لحكمته ومعناه يدعو العباد كلهم إلى دار ~~السلام، ولا يدخلها إلا المهديون. ### || [10.26] # { الحسنى } المثوبة الحسنى { وزيادة } وما يزيد على المثوبة ~~وهي التفضل. ويدل عليه قوله تعالى # ويزيدهم من فضله # النساء 173 وعن علي رضي الله عنه الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه الحسنى الحسنة، والزيادة عشر أمثالها. وعن الحسن رضي ~~الله عنه عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وعن مجاهد رضي الله عنه الزيادة ~~مغفرة ms0815 من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة الزيادة أن تمر السحابة بأهل ~~الجنة فتقول ما تريدون أن أمطركم؟ فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم. وزعمت ~~المشبهة والمجبرة أن الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث ~~مرفوع 511 # " إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون ~~إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب إليهم منه " # { ولا يرهق وجوههم } لا يغشاها { قتر } غبرة فيها سواد { ~~ولا ذلة } ولا أثر هوان وكسوف بال. والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل ~~النارإذكارا بما ينقذهم منه برحمته. ألا ترى إلى قوله تعالى # ترهقها قترة # عبس 41 # وترهقهم ذلة # يونس 27. ### || [10.27] # فإن قلت ما وجه قوله { والذين كسبوا السيئات جزاء ~~سيئة بمثلها } وكيف يتلاءم؟ قلت لا يخلو، إما أن يكون { ~~والذين كسبوا } معطوفا على قوله # للذين أحسنوا # يونس 26 كأنه قيل وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وإما أن ~~يقدر وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها على معنى جزاؤهم أن ~~تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، وهذا أوجه من الأول، لأن ~~في الأول عطفا على عاملين وإن كان الأخقش بجيزه. وفي هذا دليل على أن ~~المراد بالزيادة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله، ودل ~~ثمة بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله. وقرىء «يرهقهم ذلة» بالياء { ~~من الله من عاصم } أي لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه. ويجوز ~~ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين { مظلما } ~~حال من الله. ومن قرأ قطعا بالسكون من قوله # بقطع من اليل # هود 81 جعله صفة له. وتعضده قراءة أبي بن كعب كأنما يغشى وجوههم قطع من ~~الليل مظلم. فإن قلت إذا جعلت مظلما حالا من الليل، فما العامل فيه؟ ~~قلت لا يخلو إما أن يكون { أغشيت } من قبل إن { من اليل } ~~صفة لقوله { قطعا } فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإضفائه إلى الصفة، وإما ~~أن يكون معنى الفعل في { من اليل }. ### || [10.28] # { مكانكم } الزموا مكانكم ms0816 لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم. و { ~~أنتم } أكد به الضمير في مكانكم لسده مسد قوله الزموا { ~~وشركاؤكم } عطف عليه. وقرىء «وشركاءكم» على أن الواو بمعنى مع، ~~والعامل فيه ما في مكانكم من معنى الفعل { فزيلنا بينهم } ~~ففرقنا بينهم وقطعنا أقرانهم. والوصل التي كانت في بينهم في الدنيا. أو ~~فباعدنا بينهم بعد الجمع بينهم في الموقف. وتبرؤ شركائهم منهم ومن ~~عبادتهم، كقوله تعالى # ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا # غافر 73 وقرىء «فزايلنا بينهم» كقولك صاعر خده وصعره، وكالمته وكلمته. ~~{ ما كنتم إيانا تعبدون } إنما كنتم تعبدون الشياطين، حيث ~~أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم. ### || [10.29-30] # { إن كنا } هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين ~~النافية، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، ~~وقيل الأصنام ينطقها الله عز وجل فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي ~~زعموها وعلقوا بها أطماعهم { هنالك } في ذلك المقام وفي ذلك الموقف ~~أوفى ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان { تبلوا كل نفس ~~} تختبر وتذوق { ما أسلفت } من العمل فتعرف كيف هو، أقبيح أم حسن، ~~أنافع أم ضار، أمقبول أم مردود؟ كما يختبر الرجل الشيء ويتعرفه ليكتنه ~~حاله. ومنه قوله تعالى # يوم تبلى السرائر # الطارق 9 وعن عاصم نبلو كل نفس، بالنون ونصب كل أي نختبرها باختبار ما ~~أسلفت من العمل، فنفرق حالها بمعرفة حال عملها إن كان حسنا فهي سعيدة، ~~وإن كان سيئا فهي شقية. والمعنى نفعل بها فعل الخابر، كقوله تعالى # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # هود 7 ويجوز أن يراد نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية بسبب ما ~~أسلفت من الشر. وقرىء «تتلو»، أي تتبع ما أسلفت لأن عمله هو الذي يهديه ~~إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار. أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير ~~أو شر { مولهم الحق } ربهم الصادق ربوبيته لأنهم كانوا يتولون ~~ما ليس لربوبيته حقيقة. أو الذي يتولى حسابهم وثوابهم، العدل الذي لا ~~يظلم أحدا. ms0817 وقرىء «الحق» بالفتح على تأكيد قوله # ردوا إلى الله # الأنعام 62 كقولك هذا عبد الله الحق لا الباطل. أو على المدح كقولك ~~الحمد لله. أهل الحمد { وضل عنهم ما كانوا يفترون } ~~وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله. أو بطل عنهم ما كانوا يختلقون ~~من الكذب وشفاعة الآلهة. ### || [10.31-33] # { قل من يرزقكم من السماء والأرض } أي يرزقكم منهما ~~جميعا، لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة ليفيض عليكم نعمته ويوسع رحمته { ~~من يملك السمع والأبصر } من يستطيع خلقهما وتسويتهما على ~~الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة. أو من يحميهما ويحصنهما من ~~الآفات مع كثرتها في المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلاءته ~~وحفظه { ومن يدبر الأمر } ومن يلي تدبير أمر العالم كله، جاء ~~بالعموم بعد الخصوص { أفلا تتقون } أفلا تقون أنفسكم ولا تحذرون ~~عليها عقابه فيما أنتم بصدده من الضلال { فذلكم } إشارة إلى من هذه ~~قدرته وأفعاله { ربكم الحق } الثابت ربوبيته ثباتا لا ريب فيه ~~لمن حقق النظر { فماذا بعد الحق إلا الضلال } يعني أن ~~الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تخطى الحق وقع في الضلال { فأنى ~~تصرفون } عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك، وعن السعادة ~~إلى الشقاء { كذلك } مثل ذلك الحق { حقت كلمة ربك } أي ~~كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق، ~~فكذلك حقت كلمة ربك { على الذين فسقوا } أي تمردوا في كفرهم ~~وخرجوا إلى الحد الأقصى فيه، و { أنهم لا يؤمنون } بدل من ~~الكلمة أي حق عليهم انتفاء الإيمان، وعلم الله منهم ذلك. أو حق عليهم ~~كلمة الله أنهم من أهل الخذلان، وأن إيمانهم غير كائن. أو أراد بالكلمة ~~العدة بالعذاب، وأنهم لا يؤمنون تعليل، بمعنى لأنهم لا يؤمنون. ### || [10.34-35] # فإن قلت كيف قيل لهم { هل من شركائكم من يبدأالخلق ~~ثم يعيده } وهم غير معترفين بالإعادة؟ قلت قد وضعت إعادة الخلق ~~لظهور برهانها موضع ما إن دفعه دافع كان مكابرا ردا للظاهر البين الذي ~~لا مدخل للشبهة ms0818 فيه، دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمرا مسلما ~~معترفا بصحته عند العقلاء، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل ~~الله يبدأ الخلق ثم يعيده } فأمره بأن ينوب عنهم في ~~الجواب، يعني أنه لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق فكلم ~~عنهم. يقال هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين ويقال هدى بنفسه بمعنى ~~اهتدى، كما يقال شرى بمعنى اشترى. ومنه قوله { أمن لا يهدى }. ~~وقرىء «لا يهدى» بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال. والأصل يهتدي، فأدغم ~~وفتحت الهاء بحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وقد كسرت الياء ~~لاتباع ما بعدها. وقرىء «إلا أن يهدى» من هداه وهداه للمبالغة. ومنه ~~قولهم تهدى. ومعناه أن الله وحده هو الذي يهدي للحق، بما ركب في المكلفين ~~من العقول وأعطاهم من التمكين للنظر في الأدلة التي نصبها لهم، وبما لطف ~~بهم ووفقهم وألهمهم وأخطر ببالهم ووقفهم على الشرائع، فهل من شركائكم ~~الذين جعلتم أندادا لله أحد من أشرفهم كالملائكة والمسيح وعزير، يهدي ~~إلى الحق مثل هداية الله. ثم قال أفمن يهدي إلى الحق هذه الهداية أحق ~~بالاتباع، أم الذي لا يهدي أي لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدي غيره إلا أن ~~يهديه الله وقيل معناه أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه { ~~إلا أن يهدى } إلا أن ينقل، أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء ~~إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا فيهديه { فما ~~لكم كيف تحكمون } بالباطل، حيث تزعمون أنهم أندادا لله. ### || [10.36] # { وما يتبع أكثرهم } في قرارهم بالله { إلا ظنا } ~~لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم { إن الظن } في معرفة الله { ~~لا يغنى من الحق } وهو العلم { شيئا } وقيل وما يتبع أكثرهم ~~في قولهم للأصنام أنها آلهة وأنها شفعاء عند الله إلا الظن. والمراد ~~بالأكثر الجميع { إن الله عليم } وعيد على ما يفعلون من اتباع ~~الظن وتقليد الآباء. وقرىء «تفعلون» بالتاء. ### || [10.37-40] # { وما كان هذا القرءان } افتراء { من دون الله ~~ولكن ms0819 } كان { تصديق الذى بين يديه } وهو ما تقدمه من ~~الكتب المنزلة، لأنه معجز دونها فهو عيار عليها وشاهد لصحتها، كقوله ~~تعالى # هو الحق مصدقا لما بين يديه # فاطر 31. وقرىء «ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب» على ولكن هو ~~تصديق وتفصيل. ومعنى وما كان أن يفترى.وما صح وما استقام، وكان ~~محالا أن يكون مثله في علو أمره وإعجازه مفتري { وتفصيل الكتاب ~~} وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، من قوله # كتب الله عليكم # النساء 24. فإن قلت بم اتصل قوله { لا ريب فيه من رب ~~العلمين } قلت هو داخل في حيز الاستدراك. كأنه قال ولكن كان ~~تصديقا وتفصيلا منتفيا عنه الريب كائنا من رب العالمين.ويجوز أن يراد ~~ولكن كان تصديقا من رب العالمين وتفصيلا منه لا ريب في ذلك، فيكون { ~~من رب العلمين } متعلقا بتصديق وتفصيل، أو يكون { لا ريب ~~فيه } اعتراضا، كما تقول زيد لا شك فيه كريم { أم يقولون ~~افتراه } بل أيقولون اختلقه، على أن الهمزة تقرير لإلزام الحجة ~~عليهم. أو إنكار لقولهم واستبعاد. والمعنيان متقاربان { قل } إن كان ~~الأمر كما تزعمون { فأتوا } أنتم على وجه الافتراء { بسورة ~~مثله } فأنتم مثلي في العربية والفصاحة. ومعنى { بسورة مثله ~~} أي شبيهة به في البلاغة وحسن النظم. وقرىء «بسورة مثله» على الإضافة، ~~أي بسورة كتاب مثله { وادعوا } من دون الله { من استطعتم } ~~من خلقه للاستعانة به على الإتيان بمثله يعني أن الله وحده هو القادر ~~على أن يأتي بمثله لا يقدر على ذلك أحد غيره، فلا تستعينوه وحده، ثم ~~استعينوا بكل من دونه { إن كنتم صدقين } أنه افتراء { بل ~~كذبوا } بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجؤه في بديهة السماع قبل ~~أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه ~~وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم وشرادهم عن مفارقة دين آبائهم، ~~كالناشيء على التقليد من الحشوية، إذا أحس بكلمة لا توافق ما نشأ عليه ~~وألفه - وإن كانت أضوأ من الشمس في ظهور الصحة وبيان الاستقامة - أنكرها ~~في أول وهلة، واشمأز ms0820 منها قبل أن يحس إدراكها بحاسة سمعه من غير فكر ~~في صحة أو فساد، لأنه لم يشعر قلبه إلا صحة مذهبه وفساد ما عداه من ~~المذاهب. فإن قلت ما معنى التوقع في قوله { ولما يأتهم ~~تأويله }؟ قلت معناه أنهم كذبوا به على البديهة قبل التدبر ومعرفة ~~التأويل، تقليدا للآباء. وكذبوه بعد التدبر، تمردا وعنادا، فذمهم ~~بالتسرع إلى التكذيب قبل العلم به، وجاء بكلمة التوقع ليؤذن أنهم علموا ~~بعد علو شأنه وإعجازه لما كرر عليهم التحدي، ورازوا قواهم في المعارضة ~~واستيقنوا عجزهم عن مثله، فكذبوا به بغيا وحسدا { كذلك } أي مثل ~~ذلك التكذيب { كذب الذين من قبلهم } يعني قبل النظر في ~~معجزات الأنبياء وقبل تدبرها من غير إنصاف من أنفسهم، ولكن قلدوا الآباء ~~وعاندوا. # وقيل هو في الذين كذبوا وهم شاكون. ويجوز أن يكون معنى { ولما ~~يأتهم تأويله } ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب ~~أي عاقبته، حتى يتبين لهم أهو كذب أم صدق، يعني أنه كتاب معجز من جهتين ~~من جهة إعجاز نظمه، ومن جهة ما فيه من الإخبار بالغيوب، فتسرعوا إلى ~~التكذيب به قبل أن ينظروا في نظمه وبلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يخبروا ~~أخباره بالمغيبات وصدقه وكذبه { ومنهم من يؤمن به } يصدق به ~~في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب. ومنهم من يشك فيه لا يصدق ~~به، أو يكون للاستقبال، أي ومنهم من سيؤمن به ومنهم من سيصر { وربك ~~أعلم بالمفسدين } بالمعاندين، أو المصرين. ### || [10.41] # { وإن كذبوك } وإن تموا على تكذيبك ويئست من إجابتهم، فتبرأ منهم ~~وخلهم فقد أعذرت، كقوله تعالى # فإن عصوك فقل إنى برىء # الشعراء 216 وقيل هي منسوخة بآية السيف. ### || [10.42-43] # { ومنهم من يستمعون إليك } معناه ومنهم ناس يستمعون ~~إليك إذا قرآت القرآن وعلمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا يقبلون وناس ~~ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يصدقون. ثم قال ~~أتطمع أنك تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم لأن الأصم ~~العاقل ربما تفرس واستدل إذا ms0821 وقع في صماخه دوي الصوت، فإذا اجتمع سلب ~~السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر. وأتحسب أنك تقدر على هداية العمي ولو ~~انضم إلى العمى - وهو فقد البصر - فقد البصيرة لأن الأعمى الذي له في ~~قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن. وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء، يعني أنهم ~~في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا، كالصم والعمي الذين لا بصائر لهم ولا ~~عقول. وقوله { أفأنت..... أفأنت } دلالة على أنه لا يقدر على ~~إسماعهم وهدايتهم إلا الله عز وجل بالقسر والإلجاء، كما لا يقدر على ~~رد الأصم والأعمى المسلوبي العقل حديدي السمع والبصر راجحي العقل، إلا ~~هو وحده. ### || [10.44] # { إن الله لا يظلم الناس شيئا } أي لا ينقصهم شيئا ~~مما يتصل بمصالحهم من بعثة الرسل وإنزال الكتب، ولكنهم يظلمون أنفسهم ~~بالكفر والتكذيب، ويجوز أن يكون وعيدا للمكذبين، يعني أن ما يلحقهم يوم ~~القيامة من العذاب لاحق بهم على سبيل العدل والاستيجاب. ولا يظلمهم الله ~~به، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف ما كان سببا فيه. ### || [10.45] # { إلا ساعة من النهار } يستقربون وقت لبثهم في الدنيا. وقيل ~~في القبور، لهول ما يرون { يتعارفون بينهم } يعرف بعضهم ~~بعضا، كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا، وذلك عند خروجهم من القبور ثم ~~ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم. فإن قلت { كأن لم ~~يلبثوا } و { يتعارفون } كيف موقعهما؟ قلت أما الأولى فحال من ~~«هم» أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة. وأما الثانية فإما أن ~~تتعلق بالظرف. وإما أن تكون مبينة، لقوله { كأن لم يلبثوا ~~إلا ساعة } لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكرا { ~~قد خسر } على إرادة القول، أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هي ~~شهادة من الله تعالى على خسرانهم. والمعنى أنهم وضعوا في تجارتهم وبيعهم ~~الإيمان بالكفر { وما كانوا مهتدين } للتجارة عارفين بها، وهو ~~استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قيل ما أخسرهم! ### || [10.46] # { فإلينا مرجعهم } جواب نتوفينك، وجواب نرينك محذوف، كأنه ~~قيل وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه ms0822 ~~فنحن نريكه في الآخرة. فإن قلت الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما ~~معنى ثم؟ قلت ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه ~~قال ثم الله معاقب على ما يفعلون. وقرأ ابن أبي عبلة «ثم» بالفتح، أي ~~هنالك. ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حين ~~ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم شاهدة عليهم. ### || [10.47] # { ولكل أمة رسول } يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم ~~إلى دين الحق { فإذا جاء } هم { رسولهم } بالبينات فكذبوه، ولم ~~يتبعوه { قضى بينهم } أي بين النبي ومكذبيه { بالقسط } ~~بالعدل، فأنجى الرسول وعذب المكذبون، كقوله # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # الإسراء 15 أو لكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به، ~~فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، كقوله تعالى # وجىء بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق # الزمر 69. ### || [10.48-49] # { متى هذا الوعد } استعجال لما وعدوا من العذاب استبعادا له ~~{ لا أملك لنفسى ضرا } من مرض أو فقر { ولا نفعا } من ~~صحة أو غنى { إلا ما شاء الله } استثناء منقطع أي ولكن ما شاء ~~الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضرر وجلب العذاب؟ { لكل أمة ~~أجل } يعني أن عذابكم له أجل مضروب عند الله وحد محدود من الزمان { ~~إذا جاء } ذلك الوقت أنجز وعدكم لا محالة، فلا تستعجلوا. وقرأ ابن ~~سيرين «فإذا جاء آجالهم». ### || [10.50-52] # { بياتا } نصب على الظرف، بمعنى. وقت بيات، فإن قلت هلا قيل ليلا أو ~~نهارا؟ قلت لأنه أريد إن أتاكم عذابه وقت بيات فبيتكم وأنتم ساهون لا ~~تشعرون، كما يبيت العدو المباغت. والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى ~~التسليم، وكذلك قوله { نهارا } معناه في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلت ~~بالمعاش والكسب. ونحوه # بيتا وهم نائمون # الأعراف 98، # ضحى وهم يلعبون # الأعراف 98 الضمير في { منه } للعذاب. والمعنى أن العذاب كله مكروه ~~مر المذاق موجب للنفار، فأي شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب ~~الاستعجال. ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قيل أي شيء هول شديد ~~يستعجلون ms0823 منه، ويجب أن تكون «من» للبيان في هذا الوجه. وقيل الضمير في { ~~منه } لله تعالى. فإن قلت بم تعلق الاستفهام؟ وأين جواب الشرط قلت ~~تعلق بأرأيتم لأن المعنى أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون وجواب ~~الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ فيه. فإن قلت ~~فهلا قيل ماذا تستعجلون منه. قلت أريدت الدلالة على موجب ترك الاستعجال ~~وهو الإجرام لأن من حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه، ويهلك فزعا ~~من مجيئه وإن أبطأ، فضلا أن يستعجله. ويجوز أن يكون { ماذا ~~يستعجل منه المجرمون } جوابا للشرط، كقولك إن أتيتك ماذا ~~تطعمني؟ بما تتعلق الجملة بأرأيتم، وأن يكون { أثم إذا ما وقع ~~ءامنتم به } جواب الشرط، و { ماذا يستعجل منه ~~المجرمون } اعتراضا. والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه ~~حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على ثم، كدخوله على الواو ~~والفاء في قوله # أفأمن أهل القرى # الأعراف 97، # أو أمن أهل القرى # الأعراف 98. { ءآلئن } على إرادة القول، أي قيل لهم إذا آمنوا بعد ~~وقوع العذاب آلآن آمنتم به { وقد كنتم به تستعجلون } يعني ~~وقد كنتم به تكذبون لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار. وقرىء ~~«آلان»، بحذف الهمزة بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام { ثم قيل ~~الذين ظلموا } عطف على «قيل» المضمر قبل آلآن. ### || [10.53] # { ويستنبئونك } ويستخبرونك فيقولون { أحق هو } وهو ~~استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء. وقرأ الأعمش «آلحق هو»، وهو أدخل في ~~الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل. وذلك أن اللام للجنس، فكأنه ~~قيل أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحق، والضمير للعذاب ~~الموعود. و { إى } بمعنى «نعم» في القسم خاصة، كما كان «هل» بمعنى «قد» ~~في الاستفهام خاصة. وسمعتهم يقولون في التصديق إيو، فيصلونه بواو القسم ~~ولا ينطقون به وحده { وما أنتم بمعجزين } بفائتين العذاب، وهو ~~لاحق بهم لا محالة. ### || [10.54-56] # { ظلمت } صفة لنفس على ولو أن لكل نفس ظالمة { ما فى الأرض } ~~أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها ms0824 { ~~لافتدت به } لجعلته فدية لها. يقال فده فافتدى. ويقال افتداه ~~أيضا بمعنى فداه { وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب } لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم وعاينوا ~~من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا ~~صراخا ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب، كما ترى ~~المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ~~ويبقى جامدا مبهوتا، وقيل أسر رؤساؤهم الندامة من سفالتهم الذين أضلوهم ~~حياء منهم وخوفا من توبيخهم وقيل أسروها أخلصوها، إما لأن إخفاءها ~~إخلاصها، وإما من قولهم سر الشيء، خالصه. وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت ~~إخلاص الندامة. وقيل أسروا الندامة أظهروها، من قولهم أسر الشيء وأشره ~~إذا أظهره. وليس هناك تجلد { وقضى بينهم } أي بين الظالمين ~~والمظلومين، دل على ذلك ذكر الظلم. ثم أتبع ذلك الإعلام بأن له الملك ~~كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعدوه من الثواب والعقاب فهو حق. وهو ~~القادر على الإحياء والإماتة، لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه ~~المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ويرجىء ولا يغتر به المغترون. ### || [10.57-58] # { قد جاءتكم موعظة } أي قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من ~~موعظة وتنبيه على التوحيد { و } هو { شفآء } أي دواء { لما في } ~~صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق { ورحمة } لمن آمن به ~~منكم. وأصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، فبذلك فليفرحوا، والتكرير ~~للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من ~~فوائد الدنيا، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى ~~الشرط كأنه قيل إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق ~~منهما. ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا. ويجوز ~~أن يراد قد جاءتكم موعطة بفضل الله وبرحمته، فبذلك فبمجيئها فليفرحوا. ~~512 وقرىء «فلتفرحوا» بالتاء وهو الأصل والقياس، وهي قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما روي. وعنه 513 لتأخذوا مصافكم» قالها في بعض ~~الغزوات. وفي قراءة أبي «فافرحوا» { هو ms0825 } راجع إلى ذلك. وقرىء «مما ~~تجمعون» بالياء والتاء. وعن أبي بن كعب 514 أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تلا { قل بفضل الله وبرحمته } فقال بكتاب الله ~~والإسلام» وقيل «فضله» الإسلام «ورحمته» ما وعد عليه. ### || [10.59-60] # { أرأيتم } أخبروني. و { ما أنزل الله } «ما» في موضع ~~النصب، بأنزل، أو بأرأيتم، في معنى أخبرونيه { فجعلتم منه ~~حراما وحلالا } أي أنزله الله رزقا حلالا كله فبعضتموه وقلتم ~~هذا حلال وهذا حرام، كقولهم { هذه أنعم وحرث حجر } ، { ~~ما فى بطون هذه الانعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا } { الله أذن لكم } متعلق ~~بأرأيتم. وقل تكرير للتوكيد. والمعنى أخبروني آلله أذن لكم في التحليل ~~والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه. ~~ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، وأم منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله، ~~تقريرا للافتراء. وكفى بهذه الآية زاجرة زجرا بليغا عن التجوز فيما ~~يسئل عنه من الأحكام. وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في ~~شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله ~~وليصمت، وإلا فهو مفتر على الله { يوم القيمة } منصوب بالظن، ~~وهو ظن واقع فيه، يعني أي شيء ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم ~~فيه وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره. ~~وقرأ عيسى ابن عمر «وما ظن» على لفظ الفعل. ومعناه وأي ظن ظنوا يوم ~~القيامة. وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان { إن الله ~~لذو فضل على الناس } حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي ~~وتعليم الحلال والحرام { ولكن أكثرهم لا يشكرون } هذه ~~النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه. ### || [10.61] # { وما تكون فى شأن } «ما» نافية والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والشأن الأمر، وأصله الهمز بمعنى القصد، من شأنت شأنه إذا ~~قصدت قصده. والضمير في { منه } للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، أو للتنزيل، كأنه ms0826 قيل ~~وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأن كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر ~~تفخيم له. أو لله عز وجل. وما { تعملون } أنتم جميعا { من ~~عمل } أي عمل كان { إلا كنا عليكم شهودا } شاهدين ~~رقباء نحصي عليكم { إذ تفيضون فيه } من أفاض في الأمر إذا اندفع ~~فيه { وما يعزب }. قرىء بالضم والكسر «وما يبعد وما يغيب»، ومنه ~~الروض العازب { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } القراءة ~~بالنصب والرفع، والوجه النصب على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون ~~كلاما برأسه، وفي العطف على محل { من مثقال ذرة } أو على لفظ # مثقال ذرة # النساء 40 فتحا في موضع الجر لامتناع الصرف إشكال، لأن قولك «لا يعزب ~~عنه شيء إلا في كتاب» مشكل. فإن قلت لم قدمت الأرض على السماء، بخلاف ~~قوله في سورة سبأ # علم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى ~~السموات ولا فى الأرض # سبأ 3؟ قلت حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون ~~أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله # لا يعزب عنه # سبأ 3 لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء، على أن العطف بالواو حكمه ~~حكم التثنية. ### || [10.62-64] # { أولياء الله } الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة. وقد ~~فسر ذلك في قوله { الذين ءامنوا وكانوا يتقون } فهم ~~توليهم إياه { لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفى ~~الأخرة } فهو توليه إياهم. وعن سعيد بن جبير 515 أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سئل من أولياء الله؟ فقال # " هم الذين يذكر الله برؤيتهم " # يعني السمت والهيئة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما الإخبات والسكينة. ~~وقيل هم المتحابون في الله. وعن عمر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول 516 # " إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء ~~والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله " # قالوا يا رسول الله، خبرنا من هم وما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم، قال # " هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، ~~فوالله إن ms0827 وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف ~~الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس " # ثم قرأ الآية { الذين ءامنوا } نصب أو رفع على المدح أو على وصف ~~الأولياء أو على الابتداء والخبر لهم البشرى، والبشرى في الدنيا ما بشر ~~الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه، وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 517 # " هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له " # وعنه عليه الصلاة والسلام ذهبت النبوة وبقيت المبشرات. وقيل هي محبة ~~الناس له والذكر الحسن. وعن أبي ذر 518 قلت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال # " تلك عاجل بشرى المؤمن " # وعن عطاء لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة. قال الله تعالى # تتنزل عليهم الملئكة أن لا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة # فصلت30 وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة إياهم مسلمين مبشرين ~~بالفوز والكرامة، وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما ~~يقرءون منها، وغير ذلك من البشارات { لا تبديل لكلمات الله ~~} لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، كقوله تعالى # ما يبدل القول لدى # ق 29 و { ذلك } إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين ~~اعتراض. ### || [10.65] # { ولا يحزنك } وقرىء «ولا يحزنك» من أحزنه { قولهم } تكذيبهم ~~لك، وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به ~~في شأنك { إن العزة لله } استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل ما ~~لي لا أحزن؟ فقيل إن العزة لله جميعا، أي إن الغلبة والقهر في ملكة ~~الله جميعا، لا يملك أحد شيئا منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك ~~عليهم # كتب الله لاغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21. # إنا لننصر رسلنا # غافر 51 وقرأ أبو حيوة «أن العزة» بالفتح بمعنى لأن العزة على صريح ~~التعليل ومن جعله بدلا من قولهم ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما ~~أنكر من القراءة به { هو السميع العليم } يسمع ما يقولون. ~~ويعلم ما يدبرون ويعزمون عليه. وهو مكافئهم بذلك. ### || [10.66] # { من فى السموت ms0828 ومن فى الأرض } يعني العقلاء المميزين وهم ~~الملائكة والثقلان، وإنما خصهم، ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكته ~~فهم عبيد كلهم، وهو سبحانه وتعالى ربهم ولا يصلح أحد منهم للربوبية، ولا ~~أن يكون شريكا له فيها، ما وراءهم مما لا يعقل أحق أن لا يكون له ندا ~~وشريكا، وليدل على أن من اتخذ غيره ربا من ملك أو إنسي فضلا عن صنم ~~أو غير ذلك، فهو مبطل تابع لما أدى إليه التقليد وترك النظر. ومعنى وما ~~يتبعون شركاء، أي وما يتبعون حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء، ~~لأن شركة الله في الربوبية محال { إن يتبعون إلا } ظنهم أنها ~~شركاء { وإن هم إلا يخرصون } يحزرون ويقدرون أن تكون شركاء ~~تقديرا باطلا. ويجوز أن يكون { وما يتبع } في معنى الاستفهام، ~~يعني وأي شيء يتبعون. و { شركاء } على هذا نصب بيدعون، وعلى الأول ~~بيتبع. وكان حقه. وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر ~~على أحدهما للدلالة. ويجوز أن تكون «ما» موصولة معطوفة على «من» كأنه قيل ~~ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي وله شركاؤهم. وقرأ علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه تدعون، بالتاء، ووجهه أن يحمل { وما ~~يتبع } على الاستفهام، أي وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من ~~الملائكة والنبيين، يعني أنهم يتبعون الله ويطيعونه، فما لكم لا تفعلون ~~مثل فعلهم؟ كقوله تعالى # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة # الإسراء 57 ثم صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة فقال إن يتبع هؤلاء ~~المشركون إلا الظن، ولا يتبعون ما يتبع الملائكة والنبييون من الحق. ### || [10.67] # ثم نبه على عظيم قدرته ونعمته الشاملة لعباده التي يستحق بها أن يوحدوه ~~بالعبادة، بأنه جعل لهم الليل مظلما ليسكنوا فيه مما يقاسون في نهارهم ~~من تعب التردد في المعاش، والنهار مضيئا يبصرون فيه مطالب أرزاقهم ~~ومكاسبهم { لقوم يسمعون } سماع معتبر مدكر. ### || [10.68] # { سبحنه } تنزيه له عن اتخاذ الولد، وتعجب من كلمتهم الحمقاء { ~~هو الغنى } علة لنفي الولد لأن ms0829 ما يطلب به الولد من يلد، وما ~~يطلبه له السبب في كله الحاجة، فمن الحاجة منتفية عنه كان الولد عنه ~~منتفيا { له ما في السموات وما في الأرض } فهو مستغن ~~بملكه لهم عن اتخاذ أحد منهم ولدا { إن عندكم من سلطان ~~بهذا } ما عندكم من حجة بهذا القول والباء حقها أن تتعلق بقوله { ~~إن عندكم } على أن يجعل القول مكانا للسلطان، كقولك ما عندكم ~~بأرضكم موز، كأنه قيل إن عندكم فيما تقولون سلطان { أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون } لما نفى عنهم البرهان جعلهم غير عالمين، ~~فدل على أن كل قول لا برهان عليه لقائله فذاك جهل وليس بعلم. ### || [10.69-70] # { يفترون على الله الكذب } بإضافة الولد إليه { متع ~~فى الدنيا } أي افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا، وذلك حيث ~~يقيمون رياستهم في الكفر ومناصبة النبي صلى الله عليه وسلم بالتظاهر به، ~~ثم يلقون الشقاء المؤبد بعده. ### || [10.71-73] # { كبر عليكم } عظم عليكم وشق وثقل. ومنها قوله تعالى # وإنها لكبيرة إلا على الخشعين # البقرة 45. ويقال تعاظمه الأمر { مقامى } مكاني، يعني نفسه، كما ~~تقول فعلت كذا لمكان فلان وفلان ثقيل الظل. ومنه # ولمن خاف مقام ربه # الرحمن 46 بمعنى خاف ربه. أو قيامي ومكثي بين أظهركم مددا طوالا ~~ألف سنة إلا خمسين عاما أو مقامي وتذكيري لأنهم كانوا إذا ~~وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم، ليكون مكانهم بينا وكلامهم ~~مسموعا، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه أنه كان يعظ الحواريين قائما ~~وهم قعود { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } من أجمع الأمر، ~~وأزمعه، إذا نواه وعزم عليه. قال # هل أغدون يوما وأمري مجمع # والواو بمعنى «مع» يعني فأجمعوا أمركم مع شركائكم. وقرأ الحسن ~~«وشركاؤكم» بالرفع عطفا على الضمير المتصل، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل ~~لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام، كما تقول اضرب زيدا وعمرو. وقرىء ~~«فاجمعوا» من الجمع. وشركاءكم نصب للعطف على المفعول، أو لأن الواو ~~بمعنى «مع» وفي قراءة أبي «فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم» فإن قلت كيف ~~جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟ قلت على ms0830 وجه التهكم، كقوله # قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون # الأعراف 195 فإن قلت ما معنى الأمرين؟ أمرهم الذي يجمعونه، وأمرهم الذي ~~لا يكون عليهم غمة؟ قلت أما الأمر الأول فالقصد إلى إهلاكه، يعني ~~فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي. وإنما ~~قال ذلك إظهارا لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه، ~~وأنهم لن يجدوا إليه سبيلا. وأما الثاني ففيه وجهان، أحدهما أن يراد ~~مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، ~~يعني ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غما ~~وهما، والغم والغمة، كالكرب والكربة. والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر ~~الأول، والغمة السترة من غمه إذا ستره. ومنها قوله عليه السلام 519 # " ولا غمة في فرائض الله " # أي لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعني ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا ~~عليكم ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به { ثم اقضوا إلى } ذلك ~~الأمر الذي تريدون بي، أي أدوا إلي قطعه وتصحيحه، كقوله تعالى # وقضينآ إليه ذلك الأمر # الحجر 66 أو أدوا إلي ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل ~~غريمه { ولا تنظرون } ولا تمهلوني. قرىء «ثم افضوا إلي» بالفاء ~~بمعنى ثم انتهوا إلي بشركم. وقيل هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، ~~أي أصحروا به إلي وأبرزوه لي { فإن توليتم } فإن أعرضتم عن ~~تذكيري ونصيحتي { فما سألتكم من أجر } فما كان عندي ما ~~ينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم { إن ~~أجرى إلا على الله } وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي ~~ما نصحتكم إلا لوجه الله، لا لغرض من أغراض الدنيا { وأمرت أن ~~أكون من المسلمين } الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئا ~~ولا يطلبون به دنيا، يريد أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به. # والمراد أن يجعل الحجة لازمة لهم ويبرىء ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن ~~عن تفريط منه في سوق ms0831 الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ~~ذلك لعنادهم وتمردهم لا غير { فكذبوه } فتموا على تكذيبه، وكان ~~تكذيبهم له في آخر المدة المتطاولة كتكذيبهم في أولها، وذلك عند مشارفة ~~الهلاك بالطوفان { وجعلناهم خلائف } يخلفون الهالكين بالغرق { ~~كيف كان عاقبة المنذرين } تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير ~~لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله، وتسلية له. ### || [10.74] # { من بعده } من بعد نوح { رسلا إلى قومهم } يعني هودا ~~وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا { فجاءوهم بالبينات } بالحجج ~~الواضحة المثبتة لدعواهم { فما كانوا ليؤمنوا } فما كان ~~إيمانهم إلا ممتنعا كالمحال لشدة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه { ~~بما كذبوا به من قبل } يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل ~~جاهلية مكذبين بالحق. فما وقع فصل بين حالتهم بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن ~~لم يبعث إليهم أحد { كذلك نطبع } مثل ذلك الطبع المحكم نطبع { ~~على قلوب المعتدين } والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ~~ولجاجهم، لأن الخذلان يتبعه. ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم ~~به. ### || [10.75-78] # { من بعدهم } من بعد الرسل { بئايتنا } بالآيات التسع { ~~فاستكبروا } عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ~~ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها { وكانوا قوما مجرمين ~~} كفارا ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردها { ~~فلما جاءهم الحق من عندنا } فلما عرفوا أنه هو الحق، ~~وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون { قالوا } لحبهم الشهوات { ~~إن هذا لسحر مبين } وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من ~~السحر الذي ليس إلا تمويها وباطلا. فإن قلت هم قطعوا بقولهم { إن ~~هذا لسحر مبين } على أنه سحر، فكيف قيل لهم أتقولون أسحر ~~هذا؟ قلت فيه أوجه أن يكون معنى قوله { أتقولون للحق } أتعيبونه ~~وتطعنون فيه. وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم فلان يخاف ~~القالة، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول ~~الذكر، في قوله # سمعنا فتى يذكرهم # الأنبياء 60 ثم قال { أسحر هذا } فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن ms0832 ~~عليه، وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دل عليه قولهم { إن هذا ~~لسحر مبين } كأنه قيل أتقولون ما تقولون، يعني قولهم إن هذا لسحر ~~مبين، ثم قيل أسحر هذا؟ وأن يكون جملة قوله { أسحر هذا ولا ~~يفلح السحرون } حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا أجئتما بالسحر ~~تطلبان به الفلاح { ولا يفلح السحرون } كما قال موسى للسحرة ~~ما جئتم به آلسحر، إن الله سيبطله { لتلفتنا } لتصرفنا. واللفت ~~والفتل أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال { عما وجدنا عليه ~~ءاباءنا } يعنون عبادة الأصنام { وتكون لكما الكبرياء } أي ~~الملك لأن الملوك موصوفون بالكبر. ولذلك قيل للملك الجبار، ووصف بالصيد ~~والشوس، ولذلك وصف ابن الرقيات مصعبا في قوله # ملكه ملك رأفة ليس فيه جبروت منه ولا ~~كبرياء # ينفي ما عليه الملوك من ذلك. ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض ~~مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى عليه السلام إن تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض { وما نحن لكما بمؤمنين } أي مصدقين ~~لكما فيما جئتما به. وقرىء «يطبع» ويكون لكما، بالياء. ### || [10.79-82] # { ما جئتم به } ما موصولة واقعة مبتدأ. و { السحر } خبر، أي ~~الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحرا من آيات الله. ~~وقرىء «آلسحر» على الاستفهام. فعلى هذه القراءة «ما» استفهامية، أي أي ~~شيء جئتم به، أهو السحر؟ وقرأ عبد الله «ما جئتم به سحر» وقرأ أبي «ما ~~أتيتم به سحر». والمعنى لا ما أتيت به { إن الله سيبطله } ~~سيمحقه أو يظهر بطلانه بإظهار المعجزة على الشعوذة { لا يصلح عمل ~~المفسدين } لا يثبته ولا يديمه، ولكن يسلط عليه الدمار { ويحق ~~الله الحق } ويثبته { بكلمته } بأوامره وقضاياه. وقرىء ~~«بكلمته» بأمره ومشيئته. ### || [10.83] # { فما ءامن لموسى } في أول أمره { إلا ذرية من ~~قومه } إلا طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل إلا أولاد من ~~أولاد قومه. وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون، وأجابته ~~طائفة من أبنائهم مع الخوف. وقيل الضمير في قومه لفرعون، والذرية مؤمن آل ~~فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة ms0833 خازنه وماشطته. فإن قلت إلام يرجع ~~الضمير في قوله { وملئهم }؟ قلت إلى فرعون، بمعنى آل فرعون، كما ~~يقال ربيعة ومضر. أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له. ويجوز أن يرجع إلى ~~الذرية، أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا ~~يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم. ويدل عليه قوله { أن ~~يفتنهم } يريد أن يعذبهم { وإن فرعون لعال في ~~الأرض } لغالب فيها قاهر { وإنه لمن المسرفين } في ~~الظلم والفساد، وفي الكبر والعتو بادعائه الربوبية. ### || [10.84-86] # { إن كنتم ءامنتم بالله } صدقتم به وبآياته { فعليه ~~توكلوا } فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون. ثم شرط في التوكل ~~الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ ~~للشيطان فيها لأن التوكل لا يكون مع التخليط. ونظيره في الكلام إن ضربك ~~زيد فاضربه، وإن كانت بك قوة { فقالوا على الله توكلنا ~~} إنما قالوا ذلك، لأن القوم كانوا مخلصين، لا جرم أن الله سبحانه قبل ~~توكلهم، وأجاب دعاءهم، ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في ~~أرضه، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه والتفويض إليه، فعليه برفض ~~التخليط إلى الإخلاص { لا تجعلنا فتنة } موضع فتنة لهم، أي ~~عذاب يعذبوننا ويفتنوننا عن ديننا. أو فتنة لهم يفتتنون بنا ويقولون لو ~~كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا. ### || [10.87] # تبوأ المكان اتخذه مباءة، كقولك توطنه، إذا اتخذه وطنا. والمعنى اجعلا ~~بمصر بيوتا من بيوته مباءة لقومكما ومرجعا يرجعون إليه للعبادة والصلاة ~~فيه { واجعلوا بيوتكم } تلك { قبلة } أي مساجد متوجهة نحو ~~القبلة وهي الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة، وكانوا في أول ~~أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم ~~فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلام ~~بمكة. فإن قلت كيف نوع الخطاب، فثنى أولا، ثم جمع، ثم وحد آخرا. قلت ~~خوطب موسى وهارون عليهما السلام أن يتبوآ لقومهما بيوتا، ويختاراها ~~للعبادة، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء. ثم سيق ms0834 الخطاب عاما لهما ~~ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأن ذلك واجب على الجمهور، ثم ~~خص موسى عليه السلام بالبشارة التي هي الغرض، تعظيما لها وللمبشر بها. ### || [10.88] # الزينة ما يتزين به من لباس أو حلي أو فرش أو أثاث أو غير ذلك. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ~~من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت. فإن قلت ما معنى قوله { ربنا ~~ليضلوا عن سبيلك }؟ قلت هو دعاء بلفظ الأمر، كقوله { ربنا ~~اطمس } ، { واشدد } ، وذلك أنه لما عرض عليهم أيات الله وبيناته ~~عرضا مكررا وردد عليهم النصائح والمواعظ زمانا طويلا، وحذرهم عذاب ~~الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما كانوا عليه من الكفر والضلال المبين، ~~ورآهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرا، وعلى الإنذار إلا استكبارا، ~~وعن النصيحة إلا نبوا، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالتجربة وطول ~~الصحبة أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال، وأن إيمانهم كالمحال الذي ~~لا يدخل تحت الصحة، أو علم ذلك بوحي من الله - اشتد غضبه عليهم، وأفرط ~~مقته وكراهته لحالهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما ~~تقول لعن الله إبليس، وأخزى الله الكفرة، مع علمك أنه لا يكون غير ذلك، ~~وليشهد عليهم بأنه لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلا أن ~~يخذلوا ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، كأنه قال ليثبتوا على ما هم ~~عليه من الضلال. وليكونوا ضلالا، وليطبع الله على قلوبهم فلا يؤمنوا وما ~~علي منهم، هم أحق بذلك وأحق كما يقوله الأب المشفق لولده الشاطر إذا ~~ما لم يقبل منه، حسرة على ما فاته من قبول نصيحته، وحردا عليه، لا أن ~~يريد خلاعته واتباعه هواه. ومعنى الشد على القلوب. الاستيثاق منها حتى ~~لا يدخلها الإيمان { فلا يؤمنوا } جواب للدعاء الذي هو «اشدد» أو ~~دعاء بلفظ النهي، وقد حملت اللام في ليضلوا على التعليل، على أنهم جعلوا ~~نعمة الله سببا في الضلال، فكأنهم أوتوها ليضلوا. وقوله { فلا ~~يؤمنوا ms0835 } عطف على ليضلوا. وقوله { ربنا اطمس على ~~أمولهم واشدد على قلوبهم } دعاء معترض بين المعطوف ~~والمعطوف عليه. وقرأ الفضل الرقاشي «أئنك آتيت» على الاستفهام، واطمس بضم ~~الميم. ### || [10.89] # قرىء «دعواتكما». قيل كان موسى يدعو وهارون يؤمن. ويجوز أن يكونا ~~جميعا يدعوان. والمعنى إن دعاءكما مستجاب، وما طلبتما كائن ولكن في ~~وقته { فاستقيما } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة والزيادة في ~~إلزام الحجة، فقد لبث نوح عليه السلام في قومه ألف عام إلا قليلا ولا ~~تستعجلا. قال ابن جريج، فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة { ولا ~~تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } أي لا تتبعا طريق ~~الجهلة بعادة الله في تعليقه الأمور بالمصالح، ولا تعجلا فإن العجلة ليست ~~بمصلحة. وهذا كما قال لنوح عليه السلام # إنى أعظك أن تكون من الجهلين # هود 46. وقرىء «ولا تتبعان» بالنون الخفيفة، وكسرها لالتقاء الساكنين ~~تشبيها بنون التثنية، وبتخفيف التاء من تبع. ### || [10.90] # قرأ الحسن وجوزنا من أجاز المكان وجوزه وجاوزه، وليس من جوز الذي في بيت ~~الأعشى # وإذا تجوزنا حبال قبيلة # لأنه لو كان منه لكان حقه أن يقال وجوزنا بني إسرائيل في البحر كما قال # كما جوز السكي في الباب فيتق # { فأتبعهم } فلحقهم. يقال تبعته حتى أتبعته. وقرأ الحسن ~~«وعدوا». وقرىء أنه بالفتح على حذف الياء التي هي صلة الإيمان، وإنه ~~بالكسر على الاستئناف بدلا من آمنت. كرر المخذول المعنى الواحد ثلاث ~~مرات في ثلاث عبارات حرصا على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته. ~~وقاله حين لم يبق له اختيار قط، وكانت المرة الواحدة كافية في حال ~~الاختيار وعند بقاء التكليف. ### || [10.91-92] # { ءآلئن } أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق وأيست من ~~نفسك. قيل قال ذلك حين ألجمه الغرق يعني حين أوشك أن يغرق. وقيل قاله بعد ~~أن غرق في نفسه. والذي يحكي أنه حين قال { ءامنت } أخذ جبريل من حال ~~البحر فدسه في فيه، فللغضب لله على الكافر في وقت قد علم أن إيمانه لا ~~ينفعه. وأما ما يضم إليه ms0836 من قولهم خشية أن تدركه رحمة الله فمن زيادات ~~الباهتين لله وملائكته وفيه جهالتان، إحداهما أن الإيمان يصح بالقلب ~~كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه. والأخرى أن من كره إيمان الكافر ~~وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر لأن الرضا بالكفر كفر { من ~~المفسدين } من الضالين المضلين عن الإيمان، كقوله # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 98. وروي أن جبريل عليه السلام أتاه بفتيا ما قول الأمير في عبد ~~لرجل نشأ في ماله ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟ فكتب ~~فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب جزاء العبد الخارج على سيده ~~الكافر نعماه أن يغرق في البحر، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل خطه فعرفه ~~{ ننجيك } بالتشديد والتخفيف نبعدك مما وقع فيه قومك من قعر البحر. ~~وقيل نلقيك بنجوة من الأرض. وقرىء «ننحيك» بالحاء نلقيك بناحية مما يلي ~~البحر، وذلك أنه طرح بعد الغرق بجانب البحر قال كعب رماه الماء إلى ~~الساحل كأنه ثور { ببدنك } في موضع الحال، أي في الحال التي لا روح ~~فيك، وإنما أنت بدن، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شيء ولم يتغير، ~~أو عريانا لست إلا بدنا من غير لباس، أو بدرعك. قال عمرو بن معديكرب # أعاذل شكتي بدني وسيفي وكل مقلص سلس ~~القياد # وكانت له درع من ذهب يعرف بها. وقرأ أبو حنيفة رحمه الله «بأبدانك» هو ~~على وجهين إما أن يكون مثل قولهم هوى بأجرامه، يعني ببدنك كله وافيا ~~بأجزائه. أو يريد بدروعك كأنه كان مظاهرا بينها { لمن خلفك ~~ءاية } لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن ~~فرعون أعظم شأنا من أن يغرق. وروي أنهم قالوا ما مات فرعون ولا يموت ~~أبدا. وقيل أخبرهم موسى بهلاكه فلم يصدقوه، فألقاه الله على الساحل حتى ~~عاينوه، وكأن مطرحه كان على ممر من بني إسارئيل حتى قيل لمن خلفك. وقيل ~~{ لمن خلفك } لمن يأتي بعدك من القرون. ومعنى كونه آية أن ms0837 تظهر ~~للناس عبوديته ومهانته، وأن ما كان يدعيه من الربوبية باطل محال، وأنه ~~مع ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ~~ربه عز وجل، فما الظن بغيره، أو لتكون عبرة تعتبر بها الأمم بعدك، فلا ~~يجترئوا على نحو ما اجترأت عليه إذا سمعوا بحالك وبهوانك على الله. وقرىء ~~«لمن خلقك» بالقاف أي لتكون لخالقك آية كسائر آياته. ويجوز أن يراد ليكون ~~طرحك على الساحل وحدك وتمييزك من بين المغرقين لئلا يشتبه على الناس ~~أمرك، ولئلا يقولوا لادعائك العظمة إن مثله لا يغرق ولا يموت آية ~~من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وليعلموا أن ذلك تعمد منه ~~لإماطة الشبه في أمرك. ### || [10.93] # { مبوأ صدق } منزلا صالحا مرضيا وهو مصر والشام { فما ~~اختلفوا } في دينهم وما تشعبوا فيه شعبا إلا من بعد ما قرأوا ~~التوراة وكسبوا العلم بدين الحق ولزمهم الثبات عليه واتحاد الكلمة، ~~وعلموا أن الاختلاف فيه تفرق عنه. وقيل هو العلم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم واختلاف بني إسرائيل، وهم أهل الكتاب، اختلافهم في صفته ونعته، وأنه ~~هو أم ليس به. بعد ما جاءهم العلم والبيان أنه هو لم يرتابوا فيه. كما ~~قال الله تعالى # الذين آتينهم الكتب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم # البقرة146. ### || [10.94-95] # فإن قلت كيف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { فإن كنت في شك ~~مما أنزلنا إليك } مع قوله في الكفرة { وإنهم لفى ~~شك منه مريب }. قلت فرق عظيم بين قوله { إنهم لفى شك ~~منه مريب } بإثبات الشك لهم على سبيل التأكيد والتحقيق، وبين قوله ~~{ فإن كنت في شك } بمعنى الفرض والتمثيل، كأنه قيل فإن وقع لك شك ~~مثلا وخيل لك الشيطان خيالا منه تقديرا { فاسأل الذين ~~يقرؤون الكتب } والمعنى أن الله عز وجل قدم ذكر بني إسرائيل ~~وهم قرأة الكتاب، ووصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وهم يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم، فأراد أم يأكد ms0838 علمهم بصحة القرآن وصحة نبوة محمد عليهالصلاة و ~~السلام، ويبالغ في ذلك، فقال فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا وسبيل من ~~خالجته شبهة في الدين أن يسارع إلى حلها وإماطتها، إما بالرجوع إلى ~~قوانين الدين وأدلته، وإما بمقادحة العلماء المنبهين على الحق فسل ~~علماء أهل الكتاب، يعني أنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك وقتلها علما ~~بحيث يصلحون لمراجعة مثلك ومساءلتهم فضلا عن غيرك، فالغرض وصف الأحبار ~~بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل الله إلى رسول الله، لا وصف رسول الله ~~بالشك فيه، ثم قال { لقد جاءك الحق من ربك } أي ثبت عندك ~~بالآيات والبراهين القاطعة أن ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية ~~{ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيت الله } أي فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء ~~المرية عنك والتكذيب بآيات الله. ويجوز أن يكون على طريقة التهييج ~~والإلهاب، كقوله # فلا تكونن ظهيرا للكفرين ولا يصدنك عن ~~ءايت الله بعد إذ أنزلت إليك # القصص87 ولزيادة التثبيت والعصمة، ولذلك قال عليه السلام عند نزوله 520 # " ولا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق " # وعن ابن عباس رضي الله عنه لا والله ما شك طرفة عين، ولا سأل أحدا ~~منهم، وقيل خوطب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد خطاب أمته. فإن ~~كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، لقوله # وأنزلنا إليكم نورا مبينا # النساء174 وقيل الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشك، كقول العرب إذا عز ~~أخوك فهن. وقيل «إن» للنفي، أي فما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك ~~بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم عليه السلام ~~بمعاينة إحياء الموتى. وقرىء «فاسأل الذين يقرؤون الكتب». ### || [10.96-97] # { حقت عليهم كلمة ربك } ثبت عليهم قول الله الذي كتبه ~~في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا فلا يكون غيره. وتلك ~~كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد تعالى الله عن ذلك. ### || [10.98] # { فلولا كانت } فهلا كانت { قرية } واحدة من القرى التي ~~أهلكناها، تابت ms0839 عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ~~ولم تأخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه { فنفعها إيمانها } ~~بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار. وقرأ أبي وعبد الله «فهلا ~~كانت» { إلا قوم يونس } استثناء من القرى لأن المراد أهاليها، ~~وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا. ويجوز أن يكون متصلا ~~والجملة في معنى النفي، كأنه قيل ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم ~~يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء. وقرىء بالرفع على البدل، هكذا روي عن ~~الجرمي والكسائي. روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل ~~فكذبوه، فذهب عنهم مغاضبا، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب. فلبسوا ~~المسوح، وعجوا أربعين ليلة. وقيل قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة، ~~فقالوا إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت ~~السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ~~ويسود سطوحهم فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ~~ودوابهم، وفرقوا بين النساء والصبيان، وبين الذواب وأولادها، فحن بعضها ~~على بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا، فرحمهم ~~الله وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة. وعن ابن مسعود بلغ من ~~توبتهم أن ترادوا المظالم، حتى إن الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه ~~أساس بنائه فيرده، وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل ~~بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم قولوا «يا حي حين لا حي، ويا حي محيي ~~الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت» فقالوها فكشف عنهم. وعن الفضيل بنعياض ~~قالوا «اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ~~ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله». ### || [10.99] # { ولو شاء ربك } مشيئة القسر والإلجاء { لآمن من فى الأرض ~~كلهم } على وجه الإحاطة والشمول { جميعا } على الإيمان مطبقين ~~عليه لا يختلفون فيه. ألا ترى إلى قوله { أفأنت تكره الناس } ~~يعني إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو ms0840 لا أنت. وإيلاء ~~الاسم حرف الاستفهام، وللإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن ~~في المكره من هو؟ وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه، لأنه هو القادر على ~~أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر. ### || [10.100] # { وما كان لنفس } يعني من النفوس التي علم أنها تؤمن { إلا ~~بإذن الله } أي بتسهيله وهو منح الألطاف { ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون } قابل بالإذن بالرجس وهو الخذلان، ~~والنفس المعلوم إيمانها بالذين لا يعقلون وهم المصرون على الكفر، كقوله { ~~صم بكم عمى فهم لا يعقلون } وسمي الخذلان رجسا وهو ~~العذاب لأنه سببه. وقرىء «الرجز» بالزاي. وقرىء «ونجعل» بالنون. ### || [10.101] # { ماذا فى السموات والأرض } من الآيات والعبر { وما ~~تغنى الآيت والنذر } والرسل المنذرون. أو الإنذارات { عن ~~قوم لا يؤمنون } لا يتوقع إيمانهم، وهم الذين لا يعقلون وقرىء ~~وما يغني بالياء، و «ما» نافية، أو استفهامية. ### || [10.102-103] # { أيام الذين خلوا من قبلهم } وقائع الله تعالى فيهم. ~~كما يقال «أيام العرب» لوقائعها { ثم ننجى رسلنا } معطوف على ~~كلام محذوف يدل عليه قوله { إلا مثل أيام الذين خلوا ~~من قبلهم } كأنه قيل نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية الأحوال ~~الماضية { والذين ءامنوا } ومن آمن معهم، كذلك { ننج ~~المؤمنين } مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، ونهلك المشركين. و ~~{ حقا علينا } اعتراض، يعني حق ذلك علينا حقا. وقرىء «ننج» ~~بالتشديد. ### || [10.104] # { يا أيها الناس } يا أهل مكة { إن كنتم فى شك من دينى ~~} وصحته وسداده، فهذا ديني فاسمعوا وصفه، واعرضوه على عقولكم، وانظروا ~~فيه بعين الإنصاف، لتعلموا أنه دين لا مدخل فيه للشك، وهو أني لا أعبد ~~الحجارة التي تعبدونها من دون من هو إلهكم وخالقكم { ولكن ~~أعبد الله الذى يتوفاكم } وإنما وصفه بالتوفي، ليريهم ~~أنه الحقيق بأن يخاف ويتقي، فيعبدون دون ما لا يقدر على شيء { وأمرت ~~أن أكون من المؤمنين } يعني أن الله أمرني بذلك، بما ركب ~~في من العقل، وبما أوحي إلي في كتابه. وقيل معناه إن ms0841 كنتم من ديني ومما ~~أنا عليه أثبت عليه أن تركه وأوافقكم فلا تحدثوا أنفسكم بالمحال ولا ~~تشكوا في أمري، واقطعوا عني أطماعكم، واعلموا أني لا أعبد الذين تعبدون ~~من دون الله، ولا اختار الضلالة على الهدى، كقوله # قل ي أيها الكفرون لا أعبد ما تعبدون # الكافرون1-2. { أمرت أن أكون } أصله بأن أكون، فحذف الجار، ~~وهذا الحذف يحتمل أن يكون من الحذف المطرد الذي هو حذف الحروف الجارة مع ~~«أن» و «أن». وأن يكون من الحذف غير المطرد، وهو قوله أمرتك الخير فاصدع ~~بما تؤمر. ### || [10.105] # فإن قلت عطف قوله { وأن أقم } على { أن أكون } فيه إشكال، ~~لأن «أن» لا تخلو من أن تكون التي للعبارة، أو التي تكون مع الفعل في ~~تأويل المصدر، فلا يصح أن تكون للعبارة وإن كان الأمر مما يتضمن معنى ~~القول، لأن عطفها على الموصولة يأبى ذلك. والقول بكونها موصولة مثل ~~الأولى، لا بساعد عليه لفظ الأمر، وهو { أقم } لأن الصلة حقها أن ~~تكون جملة تحتمل الصدق والكذب. قلت قد سوغ سيبويه أن توصل «أن» بالأمر ~~والنهي، وشبه ذلك بقزلهم أنت الذي تفعل، على الخطاب لأن الغرض وصلها بما ~~تكون معه في معنى المصدر. والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما ~~من الأفعال { أقم وجهك } استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا شمالا. ~~و { حنيفا } حال من الذين، أو من الوجه. ### || [10.106] # { فإن فعلت } معناه فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، ~~فكني عنه بالفعل إيجازا { فإنك إذا من الظلمين } إذا ~~جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان. ~~وجعل من الظالمين لأنه لا ظلم أعظم من الشرك، # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان13. ### || [10.107-108] # أتبع النهي عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر، أن الله ~~عز وجل هو الضار النافع، الذي إن أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو ~~وحده دون كل أحد، فكيف بالجماد الذي لا شعور به. وكذلك إن أرادك بخير لم ~~يرد أحد ما ms0842 يريده بك من فضله وإحسانه، فكيف بالأوثان؟ فهو الحقيق إذا ~~بأن توجه إليه العبادة دونها، وهو أبلغ من قوله # إن أرادنى الله بضر هل هن كشفت ضره أو ~~أرادنى برحمة هل هن ممسكت رحمته # الزمر 38. فإن قلت لم ذكر المس في أحدهما، والإرادة في الثاني؟ قلت ~~كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعا الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر ~~والخير، وأنه لا راد لما يريده منهما، ولا مزيل لما يصيب به منهما، ~~فأوجز الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة في أحدهما، والإرادة في الآخر ~~ليدل بما ذكر على ما ترك، على أنه قد ذكر الإصابة بالخير في قوله تعالى ~~{ يصيب به من يشاء من عباده } والمراد بالمشيئة مشيئة ~~المصلحة. { قد جاءكم الحق } فلم يبق لكم عذر ولا على الله حجة، ~~فمن اختار الهدى واتباع الحق فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال ~~فما ضر إلا نفسه، واللام وعلى دلا على معنى النفع والضر. وكل إليهم ~~الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل. وفيه حث على إيثار الهدى واطراح ~~الضلال مع ذلك { وما أنا عليكم بوكيل } بحفيظ موكول إلي ~~أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير. ### || [10.109] # { واصبر } على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم { حتى يحكم ~~الله } لك بالنصرة عليهم والغلبة. 521 وروي أنها لما نزلت جمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال # " إنكم ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني " # يعني أني أمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتني الكفرة فصبرت فاصبروا ~~أنتم على ما يسومكم الأمراء الجورة»، قال أنس فلم نصبر. 522 وروي أن أبا ~~قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته الأنصار، ثم دخل ~~عليه من بعد، فقال له ما لك لم تتلقنا؟ قال لم تكن عندنا دواب. قال فأين ~~النواضح؟ قال قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقال صلى الله عليه ~~وسلم # " يا معشر الأنصار، إنكم ستلقون بعدي أثرة " # قال معاوية فماذا قال قال «فاصبروا حتى تلقوني» قال فاصبر. قال ms0843 إذن ~~نصبر. فقال عبد الرحمن بن حسان # ألا أبلغ معاوية بن حرب أمير الظالمين نثا ~~كلامي بأنا صابرون فمنظروكم إلى يوم التغابن ~~والخصام # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 523 # " من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به، ~~وبعدد من غرق مع فرعون ". ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # { أحكمت ءاياته } نظمت نظما رصينا محكما لا يقع في نقض ولا ~~خلل، كالبناء المحكم المرصف. ويجوز أن يكون نقلا بالهمزة، من «حكم» بضم ~~الكاف، إذا صار حكيما أي جعلت حكيمة، كقوله تعالى # آيات الكتب الحكيم # يونس 1 وقيل منعت من الفساد، من قولهم أحكمت الدابة إذا وضعت عليها ~~الحكمة لتمنعها من الجماح. قال جرير # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم ~~أن أغضبا # وعن قتادة أحكمت من الباطل { ثم فصلت } كما تفصل القلائد ~~بالفرائد، من دلائل التوحيد، والأحكام، والمواعظ، والقصص. أو جعلت ~~فصولا، سورة سورة، وآية آية. وفرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة. أو ~~فصل فيها ما يحتاج إليه العباد أي بين ولخص. وقرىء «أحكمت آياته ثم فصلت» ~~أي أحكمتها أنا ثم فصلتها. وعن عكرمة والضحاك ثم فصلت، أي فرقت بين الحق ~~والباطل. فإن قلت ما معنى ثم؟ قلت ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في ~~الحال، كما تقول هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل. وفلان ~~كريم الأصل، ثم كريم الفعل، وكتاب خبر مبتدأ محذوف وأحكمت صفة له. وقوله ~~{ من لدن حكيم خبير } صفة ثانية. ويجوزأن يكون خبرا بعد خبر، ~~وأن يكون صلة لأحكمت وفصلت، أي من عنده إحكامها وتفصيلها، وفيه طباق حسن ~~لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات ~~الأمور. ### || [11.2-4] # { ألا تعبدوا } مفعول له على معنى لئلا تعبدوا. أو تكون «أن» ~~مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل قال لا تعبدوا إلا ~~الله، أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله { وأن استغفروا } أي ~~أمركم بالتوحيد والاستغفار. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله ms0844 ~~على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، إغراء منه على اختصاص الله بالعبادة. ~~ويدل عليه قوله { إننى لكم منه نذير وبشير } كأنه قال ترك ~~عبادة غير الله، إنني لكم منه نذير، كقوله تعالى # فضرب الرقاب # محمد 4 والضمير في { منه } لله عز وجل، أي إنني لكم نذير وبشير من ~~جهته، كقوله # رسول من الله # البينة 2 أو هي صلة لنذير، أي أنذركم منه ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم ~~بثوابه إن آمنتم. فإن قلت ما معنى ثم في قوله { ثم توبوا إليه ~~}؟ قلت معناه استغفروا من الشرك، ثم ارجعوا إليه بالطاعة. أو استغفروا، ~~والاستغفار توبة، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، كقوله # ثم استقموا # الأحقاف 13. { يمتعكم } يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية، ~~من عيشة واسعة، ونعمة متتابعة { إلى أجل مسمى } إلى أن ~~يتوفاكم، كقوله # فلنحيينه حيوة طيبة # النحل 97 { ويؤت كل ذي فضل فضله } ويعط في الآخرة كل من ~~كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه. أو فضله في ~~الثواب، والدرجات تتفاضل في الجنة على قدر تفاضل الطاعات { وإن ~~تولوا } وإن تتولوا { عذاب يوم كبير } هو يوم القيامة، ~~وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل. وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم ~~إلى من هو قادر على كل شيء، فكان قادرا على أشد ما أراد من عذابهم لا ~~يعجزه. وقرىء «وإن تولوا» من ولي. ### || [11.5] # { يثنون صدورهم } يزورون عن الحق وينحرفون عنه لأن من أقبل ~~على الشيء استقبله بصدره، ومن ازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه ~~كشحه { ليستخفوا منه } يعني ويريدون ليستخفوا من الله، فلا ~~يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم. ونظير إضمار يريدون - لقود المعنى ~~إلى إضماره - الإضمار في قوله تعالى # اضرب بعصاك البحر فانفلق # الشعراء 63 معناه فضرب فانفلق. ومعنى { ألا حين يستغشون ~~ثيابهم } ويزيدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضا، كراهة ~~لاستماع كلام الله تعالى كقول نوح عليه السلام # جعلوا أصبعهم فى ءاذنهم واستغشوا ثيابهم # نوح 7 ثم قال { يعلم ما يسرون وما يعلنون } يعني ms0845 أنه ~~لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون ~~من الاستخفاء، والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم، ونفاقهم ~~غير نافق عنده. روي أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان يظهر لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المحبة وله منطق حلو وحسن سياق للحديث، فكان يعجب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته ومحادثته، وهو يضمر خلاف ما يظهر. ~~وقيل نزلت في المنافقين. وقرىء «تثنوني صدورهم»، «واثنونى» من الثني، ~~كاحلولى من الحلاوة، وهو بناء مبالغة، قرىء بالتاء والياء. وعن ابن عباس ~~لتثنوني. وقرىء تثنون وأصله تثنونن «تفعوعل» من الثن وهو ما هش وضعف من ~~الكلأ، يريد مطاوعة صدورهم للثني، كما ينثني الهش من النبات. أو أراد ضعف ~~إيمانهم ومرض قلوبهم. وقرىء «تثنئن» من اثنأن «افعال» منه، ثم همز كما ~~قيل ابيأضت، وادهأمت وقرىء «تثنوي» بوزن ترعوي. ### || [11.6] # فإن قلت كيف قال { على الله رزقها } بلفظ الوجوب وإنما هو ~~تفضل؟ قلت هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم، رجع التفضل واجبا ~~كنذور العباد. والمتستقر مكانه من الأرض ومسكنه. والمتسودع حيث كان ~~مودعا قبل الاستقرار، من صلب، أو رحم، أو بيضة { ومستودعها } كل ~~واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح، يعني ذكرها مكتوب ~~فيه مبين. ### || [11.7] # { وكان عرشه على الماء } أي ما كان تحته خلق قبل خلق السموات ~~والأرض. وارتفاعه فوقها إلا الماء. وفيه دليل على أن العرش والماء كانا ~~مخلوقين قبل السموات والأرض. وقيل وكان الماء على متن الريح، والله أعلم ~~بذلك، وكيفما كان فالله ممسك كل ذلك بقدرته، وكلما ازدادت الأجرام كانت ~~أحوج إليه وإلى إمساكه { ليبلوكم } متعلق بخلق، أي خلقهن لحكمة ~~بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ~~ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي، فمن شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى ~~عاقبه. ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال ليبلوكم. يريد ليفعل بكم ما ~~يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون. فإن قلت كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ ~~قلت لما في ms0846 الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إليه فهو ملابس له، كما ~~تقول انظر أيهم أحسن وجها واسمع أيهم أحسن صوتا لأن النظر والاستماع ~~من طريق العلم. فإن قلت كيف قيل { أيكم أحسن عملا } وأعمال ~~المؤمنين هي التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأما أعمال المؤمنين والكافرين ~~فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت الذين هم أحسن عملا هم المتقون، وهم الذين ~~استبقوا إلى تحصيل ما هو غرض الله من عباده، فخصهم بالذكر واطرح ذكر من ~~وراءهم تشريفا لهم وتنبيها على مكانهم منه، وليكون ذلك لطفا للسامعين، ~~وترغيبا في حيازة فضلهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 524 # " ليبلوكم أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " # قرىء «ولئن قلت إنكم مبعثون» بفتح الهمزة. ووجهه أن يكون من قولهم ائت ~~السوق عنك تشتري لنا لحما، وأنك تشتري بمعنى علك، أي ولئن قلت لهم لعلكم ~~مبعوثون، بمعنى توقعوا بعثكم وظنوه، ولا تبتوا القول بإنكاره، لقالوا { ~~إن هذا إلا سحر مبين } باتين القول ببطلانه. ويجوز أن ~~تضمن «قلت» معنى «ذكرت» ومعنى قولهم { إن هذا إلا سحر ~~مبين } أن السحر أمر باطل، وأن بطلانه كبطلان السحر تشبيها له به. ~~أو أشاروا بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه ~~سحرا فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره. وقرىء «إن هذا إلا ~~ساحر»، يريدون الرسول، والساحر كاذب مبطل. ### || [11.8] # { العذاب } عذاب الآخرة. وقيل عذاب يوم بدر. وعن ابن عباس قتل جبريل ~~المستهزئين { إلى أمة } إلى جماعة من الأوقات { ما يحبسه } ~~ما يمنعه من النزول استعجالا له على وجه التكذيب والاستهزاء. و { يوم ~~يأتيهم } منصوب بخبر ليس، ويستدل به من يستجيز تقديم خبر ليس على ~~ليس، وذلك أنه إذا جاز تقديم معمول خبرها عليها، كان ذلك دليلا على جواز ~~تقديم خبرها إذ المعمول تابع للعامل، فلا يقع إلا حيث يقع العامل { ~~وحاق بهم } وأحاط بهم { ما كانوا به يستهزءون } العذاب ~~الذي كانوا به يستعجلون. وإنما وضع يستهزئون موضع يستعجلون لأن ~~استعجالهم كان ms0847 على جهة الاستهزاء. والمعنى ويحيق بهم إلا أنه جاء على ~~عادة الله في أخباره. ### || [11.9-11] # { الإنسن } للجنس { رحمة } نعمة من صحة وأمن وجدة { ثم ~~نزعناها منه } ثم سلبنا تلك النعمة { إنه ليؤوس } شديد اليأس من ~~أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة. قاطع رجاءه من سعة فضل الله من ~~غير صبر ولا تسليم لقضائه ولا استرجاع { كفور } عظيم الكفران لما سلف ~~له من التقلب في نعمة الله نساء له { ذهب السيئات عني } أي ~~المصائب التي ساءتني { إنه لفرح } أشر بطر { فخور } على الناس ~~بما أذاقه الله من نعمائه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر { إلا ~~الذين } آمنوا، فإن عادتهم إن نالتهم رحمة أن يشكروا، وإن زالت عنهم ~~نعمة أن يصبروا. ### || [11.12] # كانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشادا، لأنهم لو كانوا مسترشدين ~~لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم { لولا ~~أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك } وكانوا لا يعتدون ~~بالقرآن ويتهاونون به وبغيره مما جاء به من البينات، فكان يضيق صدر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه، فحرك ~~الله منه وهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم ~~بقوله { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } أي لعلك تترك ~~أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به { وضائق ~~به صدرك } بأن تتلوه عليهم { أن يقولوا } مخافة أن يقولوا { ~~لولا أنزل عليه كنز } أي هلا أنزل عليه ما اقترحنا نحن من ~~الكنز والملائكة ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه، ثم قال { ~~إنما أنت نذير } أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك ~~وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك ردوا أو تهاونوا أو اقترحوا { ~~والله على كل شىء وكيل } يحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما ~~يجب أن يفعل، فتوكل عليه، وكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح ~~وصدر منشرح، غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم. فإن ~~قلت لم عدل عن ضيق ms0848 إلى ضائق؟ قلت ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت، لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفسح الناس صدرا. ومثله قولك زيد سيد ~~وجواد، تريد السيادة والجود الثابتين المستقرين، فإذا أردت الحدوث قلت ~~سائد وجائد ونحوه كانوا قوما عامين في بعض القراءات، وقول السمهري ~~العكلي # بمنزلة أما اللئيم فسامن بها وكرام الناس ~~باد شحوبها ### || [11.13] # { أم } منقطعة. والضمير في { افتراه } لما يوحى إليك. تحداهم ~~أولا بعشر سور، ثم بسورة واحدة، كما يقول المخابر في الخط لصاحبه اكتب ~~عشرة أسطر نحو ما أكتب، فإذا تبين له العجز عن مثل خطه قال قد اقتصرت منك ~~على سطر واحد { مثله } بمعنى أمثاله، ذهابا إلى مماثلة كل واحدة ~~منها له { مفتريات } صفة لعشر سور لما قالوا افتريت القرآن ~~واختلقته من عند نفسك وليس من عند الله، قاودهم على دعواهم وأرخى معهم ~~العنان وقال هبوا أني اختلقته من عند نفسي ولم يوح إلي وأن الأمر كما ~~قلتم، فأتوا أنتم أيضا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فأنتم عرب فصحاء ~~مثلي لا تعجزون عن مثل ما أقدر عليه من الكلام. فإن قلت كيف يكون ما ~~يأتون به مثله، وما يأتون به مفترى وهذا غير مفترى؟ قلت معناه مثله في ~~حسن البيان والنظم وإن كان مفترى. ### || [11.14] # فإن قلت ما وجه جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله { لكم فاعلموا } ~~بعد قوله { قل }؟ قلت معناه فإن لم يستجيبوا لك وللمؤمنين لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقد قال في موضع آخر # فإن لم يستجيبوا لك فاعلم # القصص 50 ويجوز أن يكون الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كقوله # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وووجه آخر وهو أن يكون الخطاب للمشركين، والضمير في { لم ~~يستجيبوا } لمن استطعتم، يعني فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون ~~الله إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم بالعجز عنه وأن طاقتهم أقصر من أن ~~تبلغه { فاعلموا أنما أنزل بعلم الله } أي أنزل ~~ملتبسا بما لا يعلمه ms0849 إلا الله، من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل ~~لهم إليه { و } اعلموا عند ذلك { و أن لا إله إلا } الله ~~وحده، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم { فهل أنتم ~~مسلمون } مبايعون بالإسلام بعد هذه الحجة القاطعة، وهذا وجه حسن ~~مطرد. ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه، ~~وازدادوا يقينا وثبات قدم على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد. ومعنى ~~{ فهل أنتم مسلمون } فهل أنتم مخلصون؟ ### || [11.15-16] # { نوف إليهم } نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس ~~في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق. وقيل هم أهل الرياء. ~~يقال للقراء منهم أردت أن يقال فلان قارىء، فقد قيل ذلك. ولمن وصل الرحم ~~وتصدق فعلت حتى يقال، فقيل ولمن قاتل فقتل قاتلت حتى يقال فلان جريء، ~~فقد قيل وعن أنس بن مالك هم اليهود والنصارى، إن أعطوا سائلا أو وصلوا ~~رحما، عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن. وقيل هم الذين ~~جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسهم لهم في ~~الغنائم. وقرىء «يوف» بالياء على أن الفعل لله عز وجل. وتوف إليهم ~~أعمالهم بالتاء، على البناء للمفعول. وفي قراءة الحسن «نوفي»، بالتخفيف ~~وإثبات الياء، لأن الشرط وقع ماضيا، كقوله # يقول لا غائب مالي ولا حرم # { وحبط ما صنعوا فيها } وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم، ~~يعني لم يكن له ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، ~~وقد وفي إليهم ما أرادوا { وبطل ما كانوا يعملون } أي ~~كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، والعمل الباطل لا ~~ثواب له. وقرىء «وبطل» على الفعل. وعن عاصم وباطلا بالنصب، وفيه وجهان أن ~~تكون ما إبهامية وينتصب بيعملون، ومعناه وباطلا، أي باطل كانوا يعملون. ~~وأن تكون بمعنى المصدر على وبطل بطلانا ما كانوا يعملون. ### || [11.17] # { أفمن كان على بينة } معناه أمن كان يريد الحياة الدنيا ~~كمن كان على بينة أي لا ms0850 يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أن بين ~~الفريقين تفاوتا بعيدا وتباينا بينا، وأراد بهم من آمن من اليهود ~~كعبد الله بن سلام وغيره، كان على بينة { من ربه } أي على برهان من ~~الله وبيان أن دين الإسلام حق وهو دليل العقل { ويتلوه } ويتبع ذلك ~~البرهان { شاهد منه } أي شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن { منه } ~~من الله، أو شاهد من للقرآن، فقد تقدم ذكره آنفا { ومن قبله } ~~ومن قبل القرآن { كتاب موسى } وهو التوراة، أي ويتلو ذلك البرهان ~~أيضا من قبل القرآن كتاب موسى. وقرىء «كتاب موسى» بالنصب، ومعناه كان ~~على بينة من ربه، وهو الدليل على أن القرآن حق، { ويتلوه } ويقرأ ~~القرآن { شاهد منه } شاهد ممن كان على بينة. كقوله # وشهد شاهد من بنى إسرءيل على مثله # الأحقاف 10، # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتب # الرعد 43، { ومن قبله كتاب موسى } ويتلو من قبل القرآن ~~والتوراة { إماما } كتابا مؤتما به في الدين قدوة فيه { ورحمة } ~~ونعمة عظيمة على المنزل إليهم { أولئك } يعني من كان على بينة { ~~يؤمنون به } يؤمنون بالقرآن { ومن يكفر به من ~~الأحزاب } يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { فالنار موعده فلا تك فى مرية } وقرىء ~~«مرية» بالضم وهما الشك { منه } من القرآن أو من الموعد. ### || [11.18-22] # { يعرضون على ربهم } يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم ويشهد ~~عليهم { الأشهد } من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله ~~بأنه اتخذ ولدا وشريكا، ويقال { ألا لعنة الله على ~~الظلمين } فوا خزياه ووا فضيحتاه. والأشهاد جمع شاهد أو شهيد، ~~كأصحاب أو أشراف { ويبغونها عوجا } يصفونها بالاعوجاج وهي ~~مستقيمة. أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد، وهم الثانية لتأكيد كفرهم ~~بالآخرة واختصاصهم به { أولئك لم يكونوا معجزين فى ~~الأرض } أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد ~~عقابهم، وما كان لهم من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه، ولكنه ~~أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام الأشهاد { ~~يضاعف ms0851 لهم العذاب } وقرىء «يضعف» { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } أراد أنهم لفرط تصامهم عن استماع الحق ~~وكراهتهم له، كأنهم لا يستطيعون السمع ولعل بعض المجبرة يتوثب إذا عثر ~~عليه فيوعوع به على أهل العدل، كأنه لم يسمع الناس يقولون في كل لسان هذا ~~كلام لا أستطيع أن أسمعه، وهذا مما يمجه سمعي. ويحتمل أن يريد بقوله { ~~وما كان لهم من دون الله أولياء } أنهم جعلوا آلهتهم أولياء ~~من دون الله، وولايتها ليست بشيء، فما كان لهم في الحقيقة من أولياء، ثم ~~بين نفي كونهم أولياء بقوله { ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون } فكيف يصلحون للولاية. وقوله { يضاعف ~~لهم العذاب } اعتراض بوعيد { خسروا أنفسهم } اشتروا عبادة ~~الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم ما لا خسران أعظم منه، وهو ~~أنهم خسروا أنفسهم { وضل عنهم } وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو { ~~ما كانوا يفترون } من الآلهة وشفاعتها { لا جرم } فسر في ~~مكان آخر { هم الأخسرون } لا ترى أحدا أبين خسرانا منهم. ### || [11.23] # { وأخبتوا إلى ربهم } واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته ~~بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة. ومنه قولهم للشيء الدنيء ~~الخبيت. قال # ينفع الطيب القليل من الرز ق ولا ينفع ~~الكثير الخبيت # وقيل التاء فيه بدل من الثاء. ### || [11.24] # شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم، وفريق المؤمنين بالبصير والسميع، وهو ~~من اللف والطباق. وفيه معنيان أن يشبه الفريق تشبيهين اثنين، كما شبه ~~امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب، وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى ~~والصمم، أو الذي جمع بين البصر والسمع. على أن تكون الواو في { ~~والأصم } وفي { والسميع } لعطف الصفة على الصفة، كقوله # الصابح فالغانم فالآيب # { هل يستويان } يعني الفريقين { مثلا } تشبيها. ### || [11.25-26] # أي أرسلنا نوحا بأني لكم نذير. ومعناه أرسلناه ملتبسا بهذا الكلام، ~~وهو قوله { إنى لكم نذير مبين } بالكسر، فلما اتصل به ~~الجار فتح كما فتح في { كان } والمعنى على الكسر، وهو قولك إن زيدا ~~كالأسد. وقرىء بالكسر على إرادة القول { أن لا تعبدوا } بدل من { ~~إنى لكم نذير ms0852 } أي أرسلناه بأن لا تعبدوا { إلا الله } أو ~~تكون «أن» مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير وصف اليوم بأليم من الإسناد ~~المجازي لوقوع الألم فيه. فإن قلت فإذا وصف به العذاب؟ قلت مجازي مثله، ~~لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيرهما قولك نهارك صائم، وجد جده. ### || [11.27] # { الملا } الأشراف من قولهم فلان مليء بكذا، إذا كان مطيقا له، وقد ~~ملؤا بالأمر لأنهم ملؤا بكفايات الأمور واضطلعوا بها وبتدبيرها. أو لأنهم ~~يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون أو لأنهم يملؤن القلوب هيبة والمجالس أبهة ~~أو لأنهم ملاء بالأحلام والآراء الصائبة { ما نراك إلا بشرا ~~مثلنا } تعريض بأنهم أحق منه بالنبوة وأن الله لو أراد أن يجعلها في ~~أحد من البشر لجعلها فيهم، فقالوا هب أنك واحد من الملأ ومواز لهم في ~~المنزلة، فما جعلك أحق منهم؟ ألا ترى إلى قولهم { وما نرى لكم ~~علينا من فضل }. أو أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكا لا بشر. ~~والأراذل جمع الأرذل كقوله # أكبر مجرميها # الأنعام 123 «أحاسنكم أخلاقا» وقرىء «بادي الرأي» بالهمز وغير الهمز، ~~بمعنى اتبعوك أول الرأي أو ظاهر الرأي، وانتصابه على الظرف، أصله وقت ~~حدوث أول رأيهم، أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه ~~مقامه. أرادوا أن اتباعهم لك إنما هو شيء عن لهم بديهة من غير روية ~~ونظر، وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية، ~~لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فكان ~~الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما ترى أكثر المتسمين بالإسلام يعتقدون ~~ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم، ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا ~~لا يقرب أحدا من الله وإنما يبعده، ولا يرفعه بل يضعه، فضلا أن يجعله ~~سببا في الاختيار للنبوة والتأهيل لها، على أن الأنبياء عليهم السلام ~~بعثوا مرغبين في طلب الآخرة ورفض الدنيا، مزهدين فيها، مصغرين لشأنها ~~وشأن من أخلد إليها، فما أبعد حالهم من الاتصاف بما يبعد من الله، ~~والتشرف بما هو ضعة عند الله { من فضل } من ms0853 زيادة شرف علينا تؤهلكم ~~للنبوة، { بل نظنكم كذبين } فيما تدعونه. ### || [11.28-31] # { أرءيتم } أخبروني { إن كنت على بينة } على برهان { من ~~ربى } وشاهد منه يشهد بصحة دعواي { وءاتني رحمة من عنده } ~~بإيتاء البينة على أن البينة في نفسها هي الرحمة، ويجوز أن يريد بالبينة ~~المعجزة، وبالرحمة النبوة. فإن قلت فقوله { فعميت } ظاهر على الوجه ~~الأول، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟ قلت الوجه أن ~~يقدر فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة ومعنى عميت ~~خفيت. وقرىء «فعميت» بمعنى أخفيت. وفي قراءة أبي «فعماها عليكم» فإن قلت ~~فما حقيقته؟ قلت حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأن ~~الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما ~~لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد. فإن قلت فما معنى ~~قراءة أبي؟ قلت المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله ~~وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله { ~~أنلزمكموها وأنتم لها كرهون } يعني أنكرهكم على ~~قبولها ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا ~~إكراه في الدين؟ وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعا. ويجوز أن يكون ~~الثاني منفصلا كقولك أنلزمكم إياها. ونحوه # فسيكفيكهم الله # البقرة 137 ويجوز فسيكفيك إياهم. وحكي عن أبي عمرو إسكان الميم. ووجهه ~~أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة، فظنها الراوي سكونا. والإسكان الصريح ~~لحن عند الخليل وسيبويه وحذاق البصريين لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ ~~طرحها إلا في ضرورة الشعر. والضمير في قوله { لا أسئلكم ~~عليه } راجع إلى قوله لهم # إنى لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله # هود 25. وقرىء «وما أنا بطارد الذين آمنوا» بالتنوين على الأصل. فإن قلت ~~ما معنى قوله { إنهم ملاقو ربهم }؟ قلت معناه أنهم يلاقون الله ~~فيعاقب من طردهم. أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ~~ثابت، كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم. أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم ~~به من ms0854 بناء إيمانهم على بادىء الرأي من غير نظر وتفكر. وما علي أن أشق عن ~~قلوبهم وأتعرف سر ذلك منهم حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون. ونحوه # ولا تطرد الذين يدعون ربهم # الآية الأنعام 52، أو هم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ~~ملاقوه لا محالة { تجهلون } تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل ~~من قوله # ألا لا يجهلن أحد علينا # أو تجهلون بلقاء ربكم. أو تجهلون أنهم خير منكم { من ينصرنى من ~~الله } من يمنعني من انتقامه { إن طردتهم } وكانوا يسألونه أن ~~يطردهم ليؤمنوا به، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء { أعلم ~~الغيب } معطوف على { عندى خزائن الله } أي لا أقول عندي ~~خزائن الله، ولا أقول أنا أعلم الغيب. # ومعناه لا أقول لكم عندي خزائن الله فأدعي فضلا عليكم في الغنى، حتى ~~تجحدوا فضلي بقولكم # وما نرى لكم علينا من فضل # هود 27 ولا أدعي علم الغيب حتى تنسبوني إلى الكذب والافتراء، أو حتى ~~أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم { ولا أقول إنى ملك } ~~حتى تقولوا لي ما أنت إلا بشر مثلنا، ولا أحكم على من استرذلتم من ~~المؤمنين لفقرهم أن الله لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة لهوانهم ~~عليه، كما تقولون، مساعدة لكم ونزولا على هواكم { إنى إذا لمن ~~الظلمين } إن قلت شيئا من ذلك، والازدراء افتعال من زري عليه إذا ~~عابه. وأزرى به قصر به، يقال ازدرته عينه، واقتحمته عينه. ### || [11.32] # { جادلتنا فأكثرت جدالنا } معناه أردت جدالنا وشرعت فيه ~~فأكثرته، كقولك جاد فلان فأكثر وأطاب { فأتنا بما تعدنا } من ~~العذاب المعجل. ### || [11.33-35] # { إنما يأتيكم به الله } أي ليس الإتيان بالعذاب إلي ~~إنما هو إلى من كفرتم به وعصيتموه { إن شاء } يعني إن اقتضت حكمته أن ~~يعجله لكم. وقرأ ابن عباس رضي الله عنه. «فأكثرت جدلنا» فإن قلت ما وجه ~~ترادف هذين الشرطين؟ قلت قوله { إن كان الله يريد أن ~~يغويكم } جزاؤه ما دل عليه قوله { لا ينفعكم نصحى } وهذا ~~الدال في حكم ما دل عليه، فوصل ms0855 بشرط كما وصل الجزاء بالشرط في قولك إن ~~أحسنت إلي أحسنت إليك إن أمكنني. فإن قلت فما معنى قوله { إن كان ~~الله يريد أن يغويكم }؟ قلت إذا عرف الله من الكافر الإصرار ~~فخلاه وشأنه ولم يلجئه، سمى ذلك إغواء وإضلالا، كما أنه إذا عرف منه أنه ~~يتوب ويرعوي فلطف به سمي إرشادا وهداية. وقيل { أن يغويكم } أن ~~يهلككم من غوى الفصيل غوي، إذا بشم فهلك، ومعناه أنكم إذا كنتم من ~~التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله ومواعظه وسائر ~~ألطافه، كيف ينفعكم نصحي؟ { فعلى إجرامى } وإجرامي بلفظ المصدر ~~والجمع. كقوله والله يعلم إسرارهم وأسرارهم. ونحو جرم وأجرام قفل وأقفال. ~~وينصر الجمع أن فسره الأولون بآثامي والمعنى إن صح وثبت أني افتريته، ~~فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي. وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عني وتتألبوا ~~علي { وأنا برىء } يعني ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى { ~~مما تجرمون } من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي فلا وجه ~~لإعراضكم ومعاداتكم. ### || [11.36-37] # { لن يؤمن } إقناط من إيمانهم، وأنه كالمحال الذي لا تعلق به ~~للتوقع { إلا من قد ءامن } إلا من قد وجد منه ما كان يتوقع من ~~إيمانه، وقد للتوقع وقد أصابت محزها { فلا تبتئس } فلا تحزن حزن ~~بائس مستكين، قال # ما يقسم الله فاقبل غير مبتئس منه واقعد ~~كريما ناعم البال # والمعنى فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك ومعاداتك، فقد حان وقت ~~الانتقام لك منهم { بأعيننا } في موضع الحال، بمعنى اصنعها ~~محفوظا، وحقيقته ملتبسا بأعيننا، كأن لله معه أعينا تكلؤه أن يزيغ في ~~صنعته عن الصواب، وأن لا يحول بينه وبين عمله أحد من أعدائه. ووحينا وأنا ~~نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع. عن ابن عباس رضي الله عنه لم يعلم كيف صنعة ~~الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر { ولا تخطبنى ~~فى الذين ظلموا } ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم ~~بشفاعتك { إنهم مغرقون } إنهم محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ~~ذلك وقضي به القضاء وجف القلم، فلا سبيل ms0856 إلى كفه، كقوله # يإبرهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك ~~وإنهم اتيهم عذاب غير مردود # هود 76. ### || [11.38-39] # { ويصنع الفلك } حكاية حال ماضية { سخروا منه } ومن ~~عمله السفينة، وكان يعملها في برية بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقت ~~عز الماء فيه عزة شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له يا نوح، صرت ~~نجارا بعد ما كنت نبيا { فإنا نسخر منكم } يعني في المستقبل ~~{ كما تسخرون } منا الساعة، أي نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا ~~وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. وقيل إن تستجهلونا فيما ~~نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله وعذابه، ~~فأنتم أولى بالاستجهال منا. أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، ~~لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناء على ظاهر الحال كما هو ~~عادة الجهلة في البعد عن الحقائق. وروي أن نوحا عليه السلام اتخذ ~~السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا، وطولها ~~في السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل ~~في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب ~~والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، ~~وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضا بين الرجال والنساء، وعن ~~الحسن كان طولها ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة. وقيل إن الحواريين ~~قالوا لعيسى عليه السلام لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها، ~~فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب فقال ~~أتدرون من هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم. قال هذا كعب بن حام. قال فضرب ~~الكثيب بعصاه فقال قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد ~~شاب فقال له عيسى عليه السلام هكذا أهلكت؟ قال لا، مت وأنا شاب، ولكنني ~~ظننت أنها الساعة فمن ثمت شبت. قال حدثنا عن سفينة نوح. قال كان طولها ~~ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات طبقة ms0857 للدواب ~~والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير. ثم قال له عد بإذن الله كما كنت، ~~فعاد ترابا { من يأتيه } في محل النصب بتعلمون، أي فسوف تعلمون ~~الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعني به إياهم، ويريد بالعذاب عذاب الدنيا وهو ~~الغرق { ويحل عليه } حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له ~~عنه { عذاب مقيم } وهو عذاب الآخرة. ### || [11.40-41] # { حتى } هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط ~~والجزاء. فإن قلت وقعت غاية لماذا؟ قلت لقوله ويصنع الفلك، أي وكان ~~يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد، فإن قلت فإذا اتصلت «حتى» بيصنع فما تصنع ~~بما بينهما من الكلام؟ قلت هو حال من يصنع، كأنه قال يصنعها والحال أنه ~~كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه. فإن قلت فما جواب كلما؟ قلت أنت ~~بين أمرين إما أن تجعل «سخروا» جوابا و «قال» استئنافا، على تقدير سؤال ~~سائل، أو تجعل «سخروا» بدلا من «مر» أو صفة «لملأ» و «قال» جوابا. { ~~وأهلك } عطف على اثنين، وكذلك { ومن ءامن } يعني واحمل أهلك ~~والمؤمنين من غيرهم. واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل ~~النار، وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره ~~عليه وإرادته به - تعالى الله عن ذلك - قال الضحاك أراد ابنه وامرأته { ~~إلا قليل } روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال 525 # " كانوا ثمانية نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم " # وعن محمد بن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة. وقيل كانوا اثنين ~~وسبعين رجلا وامرأة، وأولاد نوح سام وحام ويافث، ونساؤهم فالجميع ثمانية ~~وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء. ويجوز أن يكون كلاما واحدا وكلامين ~~فالكلام الواحد أن يتصل { بسم الله } ب اركبوا حالا من الواو، ~~بمعنى اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين بسم الله وقت إجرائها ووقت ~~إرسائها، إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء ~~والإرساء، حذف منهما الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج. ~~ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما ms0858 في { بسم ~~الله } من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول. والكلامان أن يكون ~~{ بسم الله مجراها ومرساها } جملة من مبتدأ وخبر مقتضبه، ~~أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها. يروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم ~~الله فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست، ويجوز أن يقحم الاسم، ~~كقوله # ثم اسم السلام عليكما # ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها، أي بقدرته وأمره. وقرىء { مجراها ~~ومرساها } بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين. ~~وقرأ مجاهد { مجريها ومرسيها } بلفظ اسم الفاعل، مجروري المحل، صفتين ~~لله. فإن قلت ما معنى قولك جملة مقتضبة؟ قلت معناه أن نوحا عليه السلام ~~أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم الله أو بأمره ~~وقدرته. ويحتمل أن تكون غير مقتضيه بأن تكون في موضع الحال كقوله # وجاؤنا بهم سكر علينا # فلا تكون كلاما برأسه، ولكن فضلة من فضلات الكلام الأول، وانتصاب هذه ~~الحال عن ضمير الفلك، كأنه قيل اركبوا فيها مجراة ومرساة بسم الله بمعنى ~~التقدير، كقوله تعالى # فادخلوها خالدين # الزمر 73. { إن ربى لغفور رحيم } لولا مغفرته لذنوبكم ~~ورحمته إياكم لما نجاكم. ### || [11.42-43] # فإن قلت بم اتصل قوله { وهى تجرى بهم }؟ قلت بمحذوف دل عليه # اركبوا فيها بسم الله # هود 41 كأنه قيل فركبوا فيها يقولون بسم الله، { وهى تجرى بهم ~~} أي تجري وهم فيها { فى موج كالجبال } يريد موج الطوفان، شبه ~~كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها. فإن قلت الموج ما يرتفع فوق ~~الماء عند اضطرابه وزخيره وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء ~~والأرض، وكانت الفلك تجري في جوف الماء كما تسبح السمكة، فما معنى جريها ~~في الموج؟ قلت كان ذلك قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال. ألا ~~ترى إلى قول ابنه سآوى إلى جبل يعصمني من الماء. قيل كان اسم ابنه كنعان. ~~وقيل يام. وقرأ علي رضي الله عنه ابنها، والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن ~~علي وعروة بن الزبير ابنه، بفتح الهاء، يريدان ابنها، ms0859 فاكتفيا بالفتحة عن ~~الألف، وبه ينصر مذهب الحسن. قال قتادة سألته فقال والله ما كان ابنه، ~~فقلت إن الله حكى عنه إن ابني من أهلي، وأنت تقول لم يكن ابنه، وأهل ~~الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، ~~واستدل بقوله # من أهلى # هود 45 ولم يقل مني، ولنسبته إلى أمه وجهان، أحدهما أن يكون ربيبا له، ~~كعمر بن أبي سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لغير رشدة، ~~وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء عليهم السلام. وقرأ السدي «ونادى نوح ~~ابناه» على الندبة والترثي. أي قال يا ابناه. والمعزل مفعل، من عزله عنه ~~إذا نحاه وأبعده، يعني وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب ~~المؤمنين. وقيل كان في معزل عن دين أبيه { يبنى } قرىء بكسر الياء ~~اقتصارا عليه من ياء الإضافة، وبالفتح اقتصارا عليه من الألف المبدلة ~~من ياء الإضافة في قولك «يا بنيا» أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين ~~لأن الراء بعدهما ساكنة { إلا من رحم } إلا الراحم وهو الله ~~تعالى، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله أي إلا مكان من رحم ~~الله من المؤمنين، وكان لهم غفورا رحيما في قوله # إن ربى لغفور رحيم # هود 41 وذلك أنه لما جعل الجبل عاصما من الماء قال له لا يعصمك اليوم ~~معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم الله ونجاهم ~~يعني السفينة. وقيل لا عاصم، بمعنى لاذا عصمة إلا من رحمه الله، كقوله # ماء دافق # الطارق 6 و # عيشة راضية # الحاقة 21 وقيل «إلا من رحم» استثناء منقطع، كأنه قيل ولكن من رحمه الله ~~فهو المعصوم، كقوله # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # النساء 157 وقرىء «إلا من رحم» على البناء للمفعول. ### || [11.44] # نداء الأرض والسماء بما ينادي به الحيوان المميز على لفظ التخصيص ~~والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله «يا أرض»، «ويا ~~سماء» ثم ms0860 أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله «ابلعي ماءك» و ~~«أقلعي» من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه ~~الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها ~~عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، ~~وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف ~~دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد ~~عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء. والبلع عبارة عن ~~النشف. والإقلاع الإمساك. يقال أقلع المطر وأقلعت الحمى { وغيض ~~الماء } من غاضه إذا نقصه { وقضى الأمر } وأنجز ما وعد الله ~~نوحا من هلاك قومه { واستوت } واستقرت السفينة { على الجودى ~~} وهو جبل بالموصل { وقيل بعدا } يقال بعد بعدا وبعدا، إذا أرادوا ~~البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ~~ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، ~~وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، ~~وأن فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول ~~غيره يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل ~~غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته ~~وإقراره، ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ~~ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله «ابلعي» و «أقلعي» وذلك ~~وإن كان لا يخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن ~~التي هي اللب وما عداها قشور. وعن قتادة استقلت بهم السفينة لعشر خلون من ~~رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرت بهم على الجودي شهرا، ~~وهبط بهم يوم عاشوراء. وروي أنها مرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد أعتقه ~~الله من الغرق. وروي أن نوحا صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكرا ~~لله تعالى. ### || [11.45-46] # نداؤه ربه دعاؤه له، وهو قوله { رب } مع ما بعده ms0861 من اقتضاء وعده في ~~تنجية أهله. فإن قلت فإذا كان النداء هو قوله «رب» فكيف عطف «قال رب» على ~~«نادى» بالفاء؟ قلت أريد بالنداء إرادة النداء، ولو أريد النداء نفسه ~~لجاء، كما جاء قوله # إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب # مريم 3 بغير فاء { إن ابنى من أهلى } أي بعض أهلي، لأنه كان ~~ابنه من صلبه، أو كان ريبيا له فهو بعض أهله { وإن وعدك ~~الحق } وأن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه ~~والوفاء به، وقد وعدتني أن تنجي أهلي، فما بال ولدي؟ { وأنت أحكم ~~الحكمين } أي أعلم الحكام وأعدلهم لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا ~~بالعلم والعدل. ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد ~~لقب أقضى القضاة، ومعناه أحكم الحاكمين فاعتبر واستعبر ويجوز أن يكون من ~~الحكمة على أن يبني من الحكمة حاكم بمعنى النسبة كما قيل دارع من الدرع، ~~وحائض وطالق على مذهب الخليل { إنه عمل غير صلح } تعليل ~~لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، ~~وأن نسيبك في دينك ومعتقدك من الأباعد في المنصب وإن كان حبشيا وكنت ~~قرشيا لصيقك وخصيصك. ومن لم يكن على دينك - وإن كان أمس أقاربك رحما - ~~فهو أبعد بعيد منك، وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمه، كقولها # فإنما هي إقبال وإدبار # وقيل الضمير لنداء نوح، أي إن نداءك هذا عمل غير صالح وليس بذاك - فإن ~~قلت فهلا قيل إنه عمل فاسد؟ قلت لما نفاه عن أهله، نفى عنه صفتهم بكلمة ~~النفي التي يستبقي معها لفظ المنفي، وآذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من ~~أهله لصلاحهم، لا لأنهم أهلك وأقاربك. وإن هذا لما انتفى عنه الصلاح لم ~~تنفعه أبوتك، كقوله # كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين ~~فخانتاهما فلم يغنينا عنهما من الله شيئا # التحريم10 وقرىء «عمل غير صالح» أي عمل عملا غير صالح. وقرىء «فلا ~~تسئلن» بكسر النون بغير ياء الإضافة وبالنون الثقيلة بياء ms0862 وبغير ياء، ~~يعني فلا تلتمس مني ملتمسا أو التماسا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، ~~حتى تقف على كنهه. وذكر المسألة دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق حين ~~خاف عليه. فإن قلت لم سمي نداؤه سؤالا ولا سؤال فيه؟ قلت قد تضمن دعاؤه ~~معنى السؤال وإن لم يصرح به، لأنه إذا ذكر الموعد بنجاة أهله في وقت ~~مشارفة ولده الغرق فقد استنجز. وجعل سؤال ما لا يعرف كنهه جهلا وغباوة، ~~ووعظه أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين. # فإن قلت قد وعده أن ينجي أهله، وما كان عنده أن ابنه ليس منهم دينا، ~~فلما أشفى على الغرق تشابه عليه الأمر، لأن العدة قد سبقت له وقد عرف ~~الله حكيما لا يجوز عليه فعل القبيح وخلف الميعاد، فطلب إماطة الشبهة ~~وطلب إماطة الشبهة واجب، فلم زجر وسمي سؤاله جهلا؟ قلت إن الله عز وعلا ~~قدم له الوعد بإنجاء أهله مع استثناء من سبق عليه القول منهم، فكان عليه ~~أن يعتقد أن في جملة أهله من هو مستوجب للعذاب لكونه غير صالح، وأن كلهم ~~ليسوا بناجين، وأن لا تخالجه شبهة حين شارف ولده الغرق في أنه من ~~المستثنين لا من المستثنى منهم، فعوتب على أن اشتبه عليه ما يجب أن لا ~~يشتبه. ### || [11.47] # { أن أسألك } من أن أطلب منك في المستقبل ما لا علم لي بصحته، ~~تأدبا بأدبك واتعاظا بموعظتك { وإلا تغفر لى } ما فرط مني من ~~ذلك { وترحمنى } بالتوبة علي { أكن من الخسرين } ~~أعمالا. ### || [11.48] # وقرىء «يا نوح اهبط» بضم الباء { بسلم منا } مسلما محفوظا من ~~جهتنا أو مسلما عليك مكرما { وبركت عليك } ومباركا عليك، ~~والبركات الخيرات النامية. وقرىء «وبركة» على التوحيد { وعلى أمم ~~ممن معك } يحتمل أن تكون من للبيان. فيراد الأمم الذين كانوا معه ~~في السفينة لأنهم كانوا جماعات. أو قيل لهم أمم، لأن الأمم تتشعب منهم، ~~وأن تكون لإبتداء الغاية أي على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر ~~الدهر وهو الوجه. ms0863 وقوله { وأمم } رفع بالابتداء. و { سنمتعهم ~~} صفة، والخبر محذوف تقديره وممن معك أمم سنمتعهم، وإنما حذف لأن قوله { ~~ممن معك } يدل عليه والمعنى أن السلام منا والبركات عليك وعلى ~~أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا منقلبون إلى ~~النار، وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن ~~كان معه في السفينة. وعن محمد بن كعب القرظي دخل في ذلك السلام كل مؤمن ~~ومؤمنة إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذاب كل كافر. وعن ابن ~~زيد هبطوا والله عنهم راض ثم أخرج منهم نسلا، منهم من رحم ومنهم من عذب ~~وقيل المراد بالأمم الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب. ### || [11.49] # { تلك } إشارة إلى قصة نوح عليه السلام. ومحلها الرفع على الابتداء، ~~والجمل بعدها أخبار، أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك، مجهولة ~~عندك وعند قومك { من قبل هذا } من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها. ~~أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي. أو من قبل هذا الوقت { فاصبر ~~} على تبليغ الرسالة وأذى قومك، كما صبر نوح وتوقع في العاقبة لك ولمن ~~كذبك نحو ما قيض لنوح ولقومه { إن العقبة } في الفوز والنصر ~~والغلبة { للمتقين } وقوله { ولا قومك } معناه إن قومك ~~الذين أنت منهم على كثرتهم ووفور عددهم إذا لم يكن ذلك شأنهم ولا سمعوه ~~ولا عرفوه، فكيف برجل منهم كما تقول لم يعرف هذا عبد الله ولا أهل بلده. ### || [11.50-52] # { أخهم } واحدا منهم، وانتصابه للعطف على أرسلنا نوحا، و { ~~هودا } عطف بيان. و { غيره } بالرفع صفة على محل الجار والمجرور. ~~وقرىء «غيره»، بالجر صفة على اللفظ { إن أنتم إلا مفترون } ~~تفترون على الله الكذب باتخاذكم الأوثان له شركاء. ما من رسول إلا واجه ~~قومه بهذا القول، لأن شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا ~~حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع { أفلا ~~تعقلون } إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها أجرا إلا من الله. وهو ~~ثواب الآخرة، ولا ms0864 شيء أنفى للتهمة من ذلك، قيل { استغفروا ~~ربكم } آمنوا به { ثم توبوا إليه } من عبادة غيره، لأن ~~التوبة لا تصلح إلا بعد الإيمان، والمدرار الكثير الدرور، كالمغزار. ~~وإنما قصد استمالتهم إلى الإيمان وترغيبهم فيه بكثرة المطر وزيادة القوة ~~لأن القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، حراصا عليها أشد الحرص، ~~فكانوا أحوج شيء إلى الماء. وكانوا مدلين بما أوتوا من شدة القوة ~~والبطش والبأس والنجدة، مستحرزين بها من العدو، مهيبين في كل ناحية. ~~وقيل أراد القوة في المال وقيل القوة على النكاح وقيل حبس عنهم القطر ~~ثلاث سنين وعقمت أرحام نسائهم. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه وفد ~~على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه فقال إني رجل ذو مال ولا يولد لي، ~~فعلمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا، فقال عليك بالاستغفار، فكان يكثر ~~الاستغفار حتى ربما استغفر في يوم واحد سبعمائة مرة، فولد له عشرة بنين، ~~فبلغ ذلك معاوية فقال هلا سألته مم قال ذلك، فوفد وفدة أخرى، فسأله ~~الرجل فقال ألم تسمع قول هود عليه السلام { ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم } وقول نوح عليه السلام # ويمددكم بأمول وبنين # نوح 12 { ولا تتولوا } ولا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه ~~وأرغبكم فيه { مجرمين } مصرين على إجرامكم وآثامكم. ### || [11.53] # { ما جئتنا ببينة } كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لولا أنزل عليه آية من ربه، مع فوت آياته الحصر { ~~عن قولك } حال من الضمير في تاركي آلهتنا، كأنه قيل وما نترك آلهتنا ~~صادرين عن قولك { وما نحن لك بمؤمنين } وما يصح من أمثالنا ~~أن يصدقوا مثلك فيما يدعوهم إليه، إقناطا له من الإجابة. ### || [11.54-55] # { اعتراك } مفعول نقول، وإلا لغو. والمعنى ما نقول إلا قولنا اعتراك ~~بعض آلهتنا بسوء، أي خبلك ومسك بجنون لسبك إياها وصدك عنها وعداوتك لها. ~~مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين ~~وتهذي بهذيان المبرسمين. وليس بعجب من أولئك أن يسموا التوبة والاستغفار ~~خبلا وجنونا وهم عاد ms0865 أعلام الكفر وأوتاد الشرك. وإنما العجب من قوم من ~~المتظاهرين بالإسلام سمعناهم يسمون التائب من ذنوبه مجنونا والمنيب إلى ~~ربه مخبلا، ولم نجدهم معه على عشر مما كانوا عليه في أيام جاهليته من ~~الموادة وما ذاك إلا لعرق من الإلحاد أبى إلا أن ينبض، وضب من الزندقة ~~أراد أن يطلع رأسه وقد دلت أجوبتهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة ~~غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت ولا يلتفتون إلى النصح. ولا تلين شكيمتهم ~~للرشد. وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبله متناه، حيث اعتقدوا في حجارة ~~أنها تنصر وتنتقم، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب. من ~~أعظم الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه. ~~يرمونه عن قوس واحدة، وذلك لثقته بربه وأنه يعصمه منهم، فلا تنشب فيه ~~مخالبهم. ونحو ذلك قال نوح عليه السلام لقومه # ثم اقضوا إلى ولا تنظرون # يونس 71 أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من ~~توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد، فيقول الرجل الله شهيد على ~~أني لا أفعل كذا ويقول لقومه كونوا شهداء على أني لا أفعله. فإن قلت هلا ~~قيل إني أشهد الله وأشهدكم؟ قلت لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك ~~إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد وشد معاقده، وأما إشهادهم فما ~~هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ ~~الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة، كما يقول ~~الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه. اشهد علي أني لا أحبك، تهكما به ~~واستهانة بحاله { مما تشركون به من دونه } من إشراككم آلهة ~~من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي أنتم تجعلونها شركاء له، ~~ولم يجعلها هو شركاء. ولم ينزل بذلك سلطانا { فكيدونى جميعا } ~~أنتم وآلهتكم أعجل ما تفعلون، من غير إنظار فإني لا أبالي بكم وبكيدكم، ~~ولا أخاف معرتكم وإن تعاونتم علي وأنتم الأقوياء الشداد، فكيف تضرني ~~آلهتكم، وما هي ms0866 إلا جماد لا تضر ولا تنفع، وكيف تنتقم مني إذا نلت منها ~~وصددت عن عبادتها، بأن تخبلني وتذهب بعقلي. ### || [11.56-57] # ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم، وصفه بما يوجب ~~التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم. من كون كل دابة في قبضته ~~وملكته وتحت قهره وسلطانه، والأخذ بنواصيها، تمثيل لذلك { إن ربى ~~على صرط مستقيم } يريد أنه على طريق الحق والعدل في ملكه، لا ~~يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به { فإن تولوا } فإن تتولوا. ~~فإن قلت الإبلاغ كان قبل التولي، فكيف وقع جزاء للشرط؟ قلت معناه فإن ~~تتولوا لم أعاتب على تفريط في الإبلاغ، وكنتم محجوجين بأن ما أرسلت به ~~إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول { ويستخلف ~~} كلام مستأنف، يريد ويهلككم الله ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم ~~وأموالكم { ولا تضرونه } بتوليكم { شيئا } من ضرر قط، لأنه لا ~~يجوز عليه المضار والمنافع، وإنما تضرون أنفسكم. وفي قراءة عبد الله { ~~ويستخلف } بالجزم وكذلك ولا تضروه، عطفا على محل { فقد ~~أبلغتكم } والمعنى إن يتولوا يعذرني ويستخلف قوما غيركم ولا ~~تضروا إلا أنفسكم { على كل شىء حفيظ } أي رقيب عليه مهيمن، فما ~~تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مؤاخذتكم. أو من كان رقيبا على الأشياء ~~كلها حافظا لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضار، لم يضر مثله مثلكم. ### || [11.58] # { والذين ءامنوا معه } قيل كانوا أربعة آلاف. فإن قلت ما ~~معنى تكرير التنجية؟ قلت ذكر أولا أنه حين أهلك عدوهم نجاهم ثم قال { ~~ونجيناهم من عذاب غليظ } على معنى وكانت تلك التنجية من ~~عذاب غليظ، وذلك أن الله عز وجل بعث عليهم السموم فكانت تدخل في أنوفهم ~~وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا عضوا. وقيل أراد بالثانية التنجية من ~~عذاب الآخرة، ولا عذاب أغلظ منه وأشد. وقوله برحمة منا، يريد بسبب ~~الإيمان الذي أنعمنا عليهم بالتوفيق له. ### || [11.59-60] # { وتلك عاد } إشارة إلى قبورهم وآثارهم، كأنه قال سيحوا في الأرض ~~فانظروا إليها واعتبروا، ثم استأنف وصف أحوالهم فقال ms0867 { جحدوا ~~بآيت ربهم وعصوا رسله } لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد ~~عصوا جميع رسل الله، # لا نفرق بين أحد من رسله # البقرة 285 قيل لم يرسل إليهم إلا هود وحده { كل جبار عنيد } ~~يريد رؤساءهم وكبراءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. ومعنى اتباع أمرهم ~~طاعتهم. ولما كانوا تابعين لهم دون الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في ~~الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله. و { ألا } وتكرارها مع النداء ~~على كفرهم والدعاء عليهم، تهويل لأمرهم وتفظيع له، وبعث على الاعتبار بهم ~~والحذر من مثل حالهم. فإن قلت { بعدا } دعاء بالهلاك، فما معنى الدعاء ~~به عليهم بعد هلاكهم؟ قلت معناه الدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له ألا ~~ترى إلى قوله # إخوتي لا تبعدوا أبدا وبلى والله قد بعدوا # { قوم هود } عطف بيان لعاد فإن قلت ما الفائدة في هذا البيان ~~والبيان حاصل بدونه؟ قلت الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما، وتجعل ~~فيهم أمرا محققا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأن عادا عادان الأولى ~~القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم. ### || [11.61-68] # { هو أنشأكم من الأرض } لم ينشئكم منها إلا هو، ولم ~~يستعمركم فيها غيره. وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب { ~~واستعمركم فيها } وأمركم بالعمارة، والعمارة متنوعة إلى واجب ~~وندب ومباح ومكروه، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس ~~الأشجار، وعمروا الأعمار الطوال، مع ما كان فيهم من عسف الرعايا، فسأل ~~نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم، فأوحى إليه إنهم عمروا بلادي ~~فعاش فيها عبادي. وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر ~~أمره، فقيل له، فقال ما حملني عليه إلا قول القائل # ليس الفتى بفتي لايستضاء به ولا تكون له في ~~الأرض آثار # وقيل استعمركم من العمر، نحو استبقاكم من البقاء، وقد جعل من العمرى. ~~وفيه وجهان، أحدهما أن يكون استعمر في معنى أعمر، كقولك استهلكه في معنى ~~أهلكه. ومعناه أعمركم فيها دياركم، ثم هو وارثها منكم عند انقضاء ~~أعماركم. والثاني أن ms0868 يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها، لأن الرجل ~~إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها ~~لغيره { قريب } داني الرحمة سهل المطلب { مجيب } لمن دعاه وسأله { ~~فينا } فيما بيننا { مرجوا } كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات ~~الرشد فكنا نرجوك لننتفع بك، وتكون مشاورا في الأمور ومسترشدا في ~~التدابير، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك. ~~وعن ابن عباس فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا. وقيل كنا نرجو أن تدخل في ~~ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه { يعبد ءاباؤنا } حكاية حال ماضية ~~{ مريب } من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء ~~الطمأنينة باليقين. أو من «أراب الرجل» إذا كان ذا ريبة على الإسناد ~~المجازي. قيل { إن كنت على بينة من ربى } بحرف الشك وكان ~~على يقين أنه على بينة، لأن خطابه للجاحدين، فكأنه قال قدروا أني على ~~بينة من ربي، وأني نبي على الحقيقة، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في ~~أوامره، فمن يمنعني من عذاب الله؟ { فما تزيدوننى } إذن حينئذ { ~~غير تخسير } يعني تخسرون أعمالي وتبطلونها. أو فما تزيدونني بما ~~تقولون لي وتحملونني عليه غير أن أخسركم، أي أنسبكم إلى الخسران وأقول ~~لكم إنكم خاسرون { ءاية } نصب على الحال قد عمل فيها ما دل عليه اسم ~~الإشارة من معنى الفعل. فإن قلت فبم يتعلق { لكم } قلت بآية حالا ~~منها متقدمة لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال ~~{ عذاب قريب } عاجل لا يستأخر عن مسكم لها بسوء إلا يسيرا، وذلك ~~ثلاثة أيام ثم يقع عليكم { تمتعوا } استمتعوا بالعيش { فى ~~داركم } في بلدكم. # وتسمى البلاد الديار لأنه يدار فيه أي يتصرف. يقال ديار بكر، لبلادهم. ~~وتقول العرب الذين حوالي مكة نحن من عرب الدار، يريدون من عرب البلد. ~~وقيل في دار الدنيا. وقيل عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت { غير ~~مكذوب } غير مكذوب فيه، فاتسع في الظرف بحذف الحرف واجرائه مجرى ~~المفعول به، كقولك يوم مشهود، من قوله ms0869 # ويوم شهدناه......... # أو على المجاز، كأنه قيل للوعد نفي بك، فإذا وفى به فقد صدق ولم يكذب. ~~أو وعد غير كذب، على أن المكذوب مصدر كالمجلود والمعقول، وكالمصدوقة ~~بمعنى الصدق { ومن خزى يومئذ } قرىء مفتوح الميم لأنه مضاف ~~إلى إذ، وهو غير متمكن، كقوله # على حين عاتبت المشيب على الصبا # فإن قلت علام عطف؟ قلت على نجينا، لأن تقديره ونجيناهم من خزي يومئذ، ~~كما قال # ونجيناهم من عذاب غليظ # هود 58 على وكانت التنجية من خزي يومئذ، أي من ذله ومهانته وفضيحته، ولا ~~خزي أعظم من خزي من كان هلاكه يغضب الله وانتقامه. ويجوز أن يريد بيومئذ ~~يوم القيامة، كما فسر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة. وقرىء «ألا إن ثمود» و ~~«لثمود» كلاهما بالصرف وامتناعه، فالصرف للذهاب إلى الحي أو الأب ~~الأكبر، ومنعه للتعريف والتأنيث، بمعنى القبيلة. ### || [11.69-73] # { أرسلنا } يريد الملائكة. عن ابن عباس جاءه جبريل عليه السلام ~~وملكان معه. وقيل جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل كانوا تسعة. وعن السدي ~~أحد عشر { بالبشرى } هي البشارة بالولد، وقيل بهلاك قوم لوط، ~~والظاهر الولد { سلما } سلمنا عليك سلاما { سلما } أمركم سلام. ~~وقرىء «فقالوا سلما قال سلم» بمعنى السلام. وقيل سلم وسلام، كحرم وحرام، ~~وأنشد # مررنا فقلنا إيه سلم فسلمت كما اكتل ~~بالبرق الغمام اللوائح # { فما لبث أن جاء } فما لبث في المجيء به، بل عجل فيه، أو فما ~~لبث مجيئه. والعجل ولد البقرة، ويسمى الحسيل والخبش بلغة أهل السراة، ~~وكان مال إبراهيم عليه الصلاة والسلام البقر { حنيذ } مشوي بالرضف في ~~أخدود. وقيل { حنيذ } يقطر دسمه، من حنذت الفرس إذا ألقيت عليها الجل ~~حتى تقطر عرقا، ويدل عليه # بعجل سمين # الذاريات 26. يقال نكره وأنكره واستنكره، ومنكور قليل في كلامهم، وكذلك ~~أنا أنكرك، ولكن منكر ومستنكر، وأنكرك. قال الأعشى # وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا ~~الشيب والصلعا # قيل كان ينزل في طرف من الأرض فخاف أن يريدوا به مكروها. وقيل كانت ~~عادتهم أنه إذامس من يطرقهم طعامهم أمنوه وإلا خافوه، والظاهر أنه أحس ~~بأنهم ms0870 ملائكة، ونكرهم لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه أو ~~لتعذيب قومه، ألا ترى إلى قولهم { لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط } وإنما ~~يقال هذا لمن عرفهم ولم يعرف فيم أرسلوا { فأوجس } فأضمر. وإنما ~~قالوا { لا تخف } لأنهم رأوا أثر الخوف والتغير في وجهه. أو عرفوه ~~بتعريف الله. أو علموا أن علمه بأنهم ملائكة موجب للخوف، لأنهم كانوا لا ~~ينزلون إلا بعذاب { وامرأته قآئمة } قيل كانت قائمة وراء الستر ~~تسمع تحاورهم. وقيل كانت قائمة على رؤسهم تخدمهم. وفي مصحف عبد الله ~~وامرأته قائمة وهو قاعد { فضحكت } سرورا بزوال الخيفة أو بهلاك أهل ~~الخبائث. أو كان ضحكها ضحك إنكار لغفلتهم وقد أظلهم العذاب. وقيل كانت ~~تقول لإبراهيم اضمم لوطا ابن أخيك إليك فإني أعلم أنه ينزل بهؤلاء القوم ~~عذاب، فضحكت سرورا لما أتى الأمر على ما توهمت. وقيل ضحكت فحاضت. وقرأ ~~محمد بن زياد الأعرابي «فضحكت» بفتح الحاء { يعقوب } رفع بالابتداء، ~~كأنه قيل ومن وراء إسحاق يعقوب مولود أو موجود، أي من بعده. وقيل الوراء ~~ولد الولد. وعن الشعبي أنه قيل له أهذا ابنك؟ فقال نعم، من الوراء، وكان ~~ولد ولده. وقرىء «يعقوب» بالنصب، كأنه قيل. ووهبنا لها إسحاق، ومن وراء ~~إسحاق يعقوب، على طريقة قوله # ...... ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب............ # الألف في { يا ويلتا } مبدلة من ياء الإضافة، وكذلك في «يالهفا» و ~~«ياعجبا» وقرأ الحسن «يا ويلتي» بالياء على الأصل. # و { شيخا } نصب بما دل عليه اسم الإشارة. وقرىء «شيخ» على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هذا بعلي هو شيخ. أو بعلي بدل من المبتدأ، وشيخ خبر، أو ~~يكونان معا خبرين. قيل بشرت ولها ثمان وتسعون سنة، ولإبراهيم مائة ~~وعشرون سنة { إن هذا لشىء عجيب } أن يولد ولد من هرمين، ~~وهو استبعاد من حيث العادة التي أجراها الله. وإنما أنكرت عليها الملائكة ~~تعجبها ف { قالوا أتعجبين من أمر الله } لأنها كانت ~~في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن ~~تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي ms0871 النساء الناشئآت في غير بيوت النبوة، وأن ~~تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم ~~في قولهم { رحمت الله وبركته عليكم } أرادوا أن هذه ~~وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، ~~فليست بمكان عجب. وأمر الله قدرته وحكمته وقوله { رحمت الله ~~وبركته عليكم } كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل ~~إياك والتعجب، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم. ~~وقيل الرحمة النبوة، والبركات الأسباط من بني إسرائيل، لأن الأنبياء ~~منهم، وكلهم من ولد إبراهيم { حميد } فاعل ما يستوجب به الحمد من ~~عباده { مجيد } كريم كثير الإحسان إليهم. وأهل البيت نصب على النداء ~~أو على الاختصاص لأن { أهل البيت } مدح لهم إذ المراد أهل بيت ~~خليل الرحمن. ### || [11.74-75] # { الروع } ما أوجس من الخيفة. حين نكر أضيافه. والمعنى أنه لما ~~اطمأن قلبه بعد الخوف وملىء سرورا بسبب البشرى بدل الغم، فرغ للمجادلة، ~~فإن قلت أين جواب لما؟ قلت هو محذوف كما حذف قوله # فلما ذهبوا به وأجمعوا # يوسف 15 وقوله { يجدلنا } كلام مستأنف دال على الجواب. وتقديره ~~اجترأ على خطابنا، أو فطن لمجادلتنا، أو قال كيت وكيت ثم ابتدأ فقال { ~~يجدلنا فى قوم لوط } وقيل في { يجدلنا } هو جواب ~~لما، وإنما جيء به مضارعا لحكاية الحال وقيل إن «لما» ترد المضارع إلى ~~معنى الماضي، كما ترد «إن» الماضي إلى معنى الاستقبال، وقيل معناه أخذ ~~يجادلنا، وأقبل يجادلنا. والمعنى يجادل رسلنا. ومجادلته إياهم أنهم قالوا # إنا مهلكوا أهل هذه القرية # العنكبوت 31 فقال أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين ~~أتهلكونها؟ قالوا لا، قال فأربعون؟ قالوا لا، قال فثلاثون؟ قالوا لا حتى ~~بلغ العشرة. قالوا لا. قال أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ ~~قالوا لا، فعند ذلك قال # إن فيها لوطا # العنكبوت 32 # قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله # العنكبوت 32. { فى قوم لوط } في معناهم. وعن ابن عباس قالوا له إن ~~كان فيها خمسة يصلون رفع ms0872 عنهم العذاب. وعن قتادة ما قوم لا يكون فيهم ~~عشرة فيهم خير. وقيل كان فيها أربعة آلاف ألف إنسان { إن إبرهيم ~~لحليم } غير عجول على كل من أساء إليه { أوه } كثير التأوه من ~~الذنوب { منيب } تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى. وهذه الصفات دالة ~~على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم ~~رجاء أن يرفع عنهم العذاب. ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما ~~حمله على الاستغفار لأبيه. ### || [11.76] # { يإبرهيم } على إرادة القول أي قالت له الملائكة { أعرض ~~عن هذآ } الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك، فلا فائدة فيه { إنه ~~قد جآء أمر ربك } وهو قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب ~~وحكمة، والعذاب نازل بالقوم لا محالة، لا مرد له بجدال ولا دعاء ولا غير ~~ذلك. ### || [11.77] # كانت مساءة لوط وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه وأن ~~يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم. روي أن الله تعالى قال لهم لا تهلكوهم حتى ~~يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله قال ~~لهم أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا وما أمرهم؟ قال أشهد بالله إنها ~~لشرقرية في الأرض عملا، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله ولم يعلم ~~بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها. يقال يوم عصيب، وعصوصب، إذا ~~كان شديدا من قولك عصبه، إذا شده. ### || [11.78-79] # { يهرعون } يسرعون كأنما يدفعون دفعا { ومن قبل كانوا ~~يعملون السيئات } ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ~~ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاؤا ~~يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل معناه وقد عرف لوط عادتهم في عمل ~~الفواحش قبل ذلك { هؤلآء بناتى } أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك ~~غاية الكرم، وأراد هؤلاء بناتي فتزوجوهن وكان تزويج المسلمات من الكفار ~~جائزا، كما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبي ~~لهب وأبي العاص بن وائل قبل الوحي وهما كافران وقيل كان لهم سيدان ~~مطاعان، فأراد ms0873 أن يزوجهما ابنتيه وقرأ ابن مروان «هن أطهر لكم» بالنصب، ~~وضعفه سيبويه وقال احتبى ابن مروان في لحنه. وعن أبي عمرو بن العلاء من ~~قرأ { هن أطهر } بالنصب فقد تربع في لحنه، وذلك أن انتصابه على ~~أن يجعل حالا قد عمل فيها ما في هؤلاء من معنى الفعل، كقوله # هذا بعلى شيخا # هود 72 أو ينصب هؤلاء بفعل مضمر، كأنه قيل خذوا هؤلاء، وبناتي بدل، ~~ويعمل هذا المضمر في الحال، و «هن» فصل، وهذا لا يجوز لأن الفصل مختص ~~بالوقوع بين جزأي الجملة، ولا يقع بين الحال وذي الحال، وقد خرج له وجه ~~لا يكون { هؤلاء } فيه فصلا، وذلك أن يكون هؤلاء مبتدأ و { ~~بناتى هن } جملة في موضع خبر المبتدأ، كقولك هذا أخي هو، ويكون { ~~أطهر } حالا { فاتقوا الله } بإيثارهن عليهم { ولا تخزوني ~~} ولا تهينوني ولا تفضحوني، من الخزي، أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي ~~الحياء { فى ضيفى } في حق ضيوفي فإنه إذا خزى ضيف الرجل أو جاره فقد ~~خزى الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة { أليس منكم ~~رجل رشيد } رجل واحد يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن ~~السوء. وقرىء «ولا تخزون» بطرح الياء. ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم ~~مبالغة في تواضعه لهم وإظهارا لشدة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعا في ~~أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر ~~واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثم { ~~قالوا لقد علمت } مستشهدين بعلمه { ما لنا فى بناتك ~~من حق } لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابري. وقيل لما تخذوا ~~إتيان الذكران مذهبا ودينا لتواطؤهم عليه، كان عندهم أنه هو الحق، وأن ~~نكاح الإناث من الباطل، فلذلك قالوا ما لنا في بناتك من حق قط لأن نكاح ~~الإناث أمر خارج من مذهبنا الذي نحن عليه. ويجوز أن يقولوه على وجه ~~الخلاعة، والغرض نفي الشهوة { لتعلم ما نريد } عنوا إتيان ~~الذكور وما لهم فيه من الشهوة. ### || [11.80] ms0874 # جواب «لو» محذوف، كقوله تعالى # ولو أن قرانا سيرت به الجبال # الرعد 31 يعني لو أن لي بكم قوة لفعلت بكم وصنعت. يقال ما لي به قوة، ~~وما لي به طاقة. ونحوه # لا قبل لهم بها # النمل 27 وما لي به يدان لأنه في معنى لا أضطلع به ولا أستقل به. ~~والمعنى لو قويت عليكم بنفسي، أو أويت إلى قوي أستند إليه وأتمنع به ~~فيحميني منكم. فشبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته، ~~ولذلك قالت الملائكة - وقد وجدت عليه - إن ركنك لشديد. وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم 526 # " رحم الله أخي لوطا، كان يأوي إلى ركن شديد " # وقرىء «أو آوى» بالنصب بإضمار «أن» كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو أويا، ~~كقولها # للبس عباءة وتقر عيني # وقرىء «إلى ركن» بضمتين. وروي أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل يرادهم ما ~~حكى الله عنه ويجادلهم، فتسوروا الجدار. ### || [11.81] # فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب قالوا يا لوط، إن ركنك لشديد { ~~إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } فافتح الباب ودعنا ~~وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم ~~فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه - وله جناحان وعليه ~~وشاح من در منظوم وهو براق الثنايا - فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم ~~فأعماهم، كما قال الله تعالى # فطمسنا أعينهم # القمر37 فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون النجاء النجاء، فإن ~~في بيت لوط قوما سحرة { لن يصلوا إليك } جملة موضحة للتي قبلها ~~لأنهم إذا كانوا رسل الله لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره. قرىء { ~~فأسر } بالقطع والوصل. و { إلا امرأتك } بالرفع والنصب. وروي ~~أنه قال لهم متى موعد هلاكهم؟ قالوا الصبح. فقال أريد أسرع من ذلك. ~~فقالوا { أليس الصبح بقريب } وقرىء { الصبح } بضمتين. ~~فإن قلت ما وجه قراءة من قرأ { إلا امرأتك } بالنصب؟ قلت ~~استثناها من قوله { فأسر بأهلك } والدليل عليه قراءة عبد الله ~~«فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك». ويجوز ms0875 أن ينتصب عن لا يلتفت، على ~~أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعني قراءة من قرأ بالرفع، ~~فأبدلها عن أحد. وفي إخراجها مع أهله روايتان روي أنه أخرجها معهم، وأمر ~~أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت يا ~~قوماه، فأدركها حجر فقتلها. وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها ~~إليهم، فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين. ### || [11.82-83] # { جعلنا عليها سافلها } جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم ~~رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السما نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها ~~عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم { من سجيل } قيل هي كلمة معربة من ~~سنككل، بدليل قوله { حجارة } من طين وقيل هي من أسجله إذا أرسله ~~لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله # لنرسل عليهم حجارة # الذاريات 33 وقيل مما كتب الله أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان { ~~منضود } نضد في السماء نضدا معدا للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر ~~بعض متتابعا { مسومة } معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياض ~~وحمرة وقيل عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل مكتوب ~~على كل واحد اسم من يرمي به { وما هى } من كل ظالم ببعيد. وفيه وعيد ~~لأهل مكة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 527 # " أنه سأل جبريل عليه السلام؟ فقال يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم ~~إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة ". # وقيل الضمير للقرى، أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم { ~~ببعيد } بشيء بعيد. ويجوز أن يراد وما هي بمكان بعيد لأنها وإن كانت ~~في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا ~~بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه. ### || [11.84-86] # { إنى أراكم بخير } يريد بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف. أو ~~أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون. أو أراكم بخير فلا ~~تزيلوه عنكم بما أنتم عليه، كقول مؤمن آل فرعون # يا يقوم ms0876 لكم الملك اليوم ظهرين فى الأرض فمن ~~ينصرنا من بأس الله إن جاءنا # غافر 29 { يوم محيط } مهلك من قوله # وأحيط بثمره # الكهف 42 وأصله من إحاطة العدو. فإن قلت وصف العذاب بالإحاطة أبلغ، أم ~~وصف اليوم بها؟ قلت بل وصف اليوم بها، لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، ~~فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط ~~بنعيمه. فإن قلت النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله أوفوا؟ ~~قلت نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، ~~لأن في التصريح بالقبيح نعيا على المنهي. وتعييرا له، ثم ورد الأمر ~~بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحا بلفظه، لزيادة ترغيب فيه وبعث ~~عليه، وجيء به مقيدا بالقسط أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية، من ~~غير زيادة ولا نقصان، أمرا بما هو الواجب، لأن ما جاوز العدل فضل وأمر ~~مندوب إليه. وفيه توقيف على أن الموفى عليه أن ينوي بالوفاء بالقسط لأن ~~الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل، فهذه ثلاث فوائد. البخس الهضم والنقص. ~~ويقال للمكس البخس. قال زهير # وفى كل ما باع آمرؤ بخس درهم # وروي مكس درهم، وكانوا يأخذون من كل شيء يباع شيئا، كما تفعل السماسرة. ~~أو كانوا يمكسون الناس. أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء، ~~فنهوا عن ذلك. والعثي في الأرض نحو السرقه والغارة وقطع السبيل. ويجوز أن ~~يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض { بقيت الله } ما يبقى ~~لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم { خير لكم إن ~~كنتم مؤمنين } بشرط أن تؤمنوا، وإنما خوطبوا بترك التطفيف ~~والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان. فإن قلت بقية الله خير ~~للكفرة، لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف، فلم شرط الإيمان؟ قلت ~~لظهور فائدتها مع الإيمان من حصول الثواب مع النجاة من العقاب، وخفاء ~~فائدتها مع فقده لانغماس صاحبها في غمرات الكفر. وفي ذلك استعظام ~~للإيمان، وتنبيه على جلالة شأنه. ويجوز ms0877 أن يراد إن كنتم مصدقين لي فيما ~~أقول لكم وأنصح به إياكم. ويجوز أن يراد. ما يبقى لكم عند الله من ~~الطاعات خير لكم، كقوله # والبقيات الصلحات خير عند ربك # الكهف 46 وإضافة البقية إلى الله من حيث أنها رزقه الذي يجوز أن يضاف ~~إليه. وأما الحرام فلا يضاف إلى الله ولا يسمى رزقا، وإذا أريد به ~~الطاعة فكما تقول طاعة الله. وقرىء «تقية الله» بالتاء وهي تقواه ~~ومراقبته التي تصرف عن المعاصي والقبائح { وما أنا عليكم ~~بحفيظ } وما بعثت لأحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها، وإنما بعثت ~~مبلغا ومنبها على الخير وناصحا، وقد أعذرت حين أنذرت. ### || [11.87] # كان شعيب عليه السلام كثير الصلوات، وكان قومه إذا رأوه يصلي تغامزوا ~~وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم { أصلوتك تأمرك } السخرية والهزء - ~~والصلاة وإن جاز أن تكون آمرة على طريق المجاز، كما كانت ناهية في قوله # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # العنكبوت 45 وأن يقال إن الصلاة تأمر بالجميل والمعروف، كما يقال تدعو ~~إليه وتبعث عليه - إلا أنهم ساقوا الكلام مساق الطنز وجعلوا الصلاة آمرة ~~على سبيل التهكم بصلاته، وأرادوا أن هذا الذي تأمر به من ترك عبادة ~~الأوثان باطل لا وجه لصحته، وأن مثله لا يدعوك إليه داعي عقل، ولا يأمرك ~~به آمر فطنة، فلم يبق إلا أن يأمرك به آمر هذيان ووسوسة شيطان، وهو ~~صلواتك التي تداوم عليها في ليلك ونهارك، وعندهم أنها من باب الجنون ومما ~~يتولع به المجانين والموسوسون من بعض الأقوال والأفعال. ومعنى تأمرك { ~~أن نترك } تأمرك بتكليف أن نترك { ما يعبد ءاباؤنا } لحذف ~~المضاف الذي هو التكليف، لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره. وقرىء { أصلاتك ~~} بالتوحيد. وقرأ ابن أبي عبلة «أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء» بتاء ~~الخطاب فيهما، وهو ما كان يأمرهم به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع ~~بالحلال القليل من الحرام الكثير. وقيل كان ينهاهم عن حذف الدراهم ~~والدنانير وتقطيمها، وأرادوا بقولهم { إنك لأنت الحليم ~~الرشيد } نسبته إلى غاية السفه والغي، فعكسوا ليتهكموا به، كما ~~يتهكم ms0878 بالشحيح الذي لا يبض حجره، فيقال له لو أبصرك حاتم لسجد لك. وقيل ~~معناه إنك للمتواصف بالحلم والرشد في قومك، يعنون أن ما تأمر به لا ~~يطابق حالك وما شهرت به. ### || [11.88] # { ورزقنى منه } أي من لدنه { رزقا حسنا } وهو ما رزقه من ~~النبوة والحكمة. وقيل { رزقا حسنا } حلالا طيبا من غير بخس ولا ~~تطفيف. فإن قلت أين جواب { أرءيتم } وما له لم يثبت كما أثبت في قصة ~~نوح ولوط؟ قلت جوابه محذوف، وإنما لم يثبت لأن إثباته في القصتين دل ~~على مكانه، ومعنى الكلام ينادي عليه. والمعنى أخبروني إن كنت على حجة ~~واضحة ويقين من ربي وكنت نبيا على الحقيقة، أيصح لي أن لا آمركم بترك ~~عبادة الأوثان والكف عن المعاصي والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك يقال ~~خالفني فلان إلى كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولي عنه ~~وأنت قاصده. ويلقاك الرجل صادرا عن الماء فتسأله عن صاحبه؟ فيقول خالفني ~~إلى الماء، يريد أنه قد ذهب إليه واردا وأنا ذاهب عنه صادرا. ومنه قوله ~~تعالى { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم ~~عنه } يعني أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لأستبد بها دونكم ~~{ إن أريد إلا الإصلح } ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ~~ونصيحتي وأمري بالمعروف ونهي عن المنكر { ما استطعت } ظرف، أي مدة ~~استطاعتي للإصلاح، وما دمت متمكنا منه لا آلو فيه جهدا. أو بدل من ~~الإصلاح، أي المقدار الذي استطعته منه. ويجوز أن يكون على تقدير حذف ~~المضاف على قولك إلا الإصلاح إصلاح ما استطعت. أو مفعول له كقوله # ضعيف النكاية أعداءه # أي ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم { وما توفيقى ~~إلا بالله } وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما آتي وأذر، ووقوعه ~~موافقا لرضا الله إلا بمعونته وتأييده والمعنى أنه استوفق ربه في إمضاء ~~الأمر على سننه، وطلب منه التأييد والإظهار على عدوه، وفي ضمنه تهديد ~~للكفار وحسم لأطماعهم فيه. ### || [11.89-90] # «جرم» مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد، ms0879 وإلى مفعولين تقول جرم ذنبا ~~وكسبه، وجرمته ذنبا وكسبته إياه، قال # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # ومنه قوله تعالى { لا يجرمنكم شقاقى أن يصيبكم } أي لا ~~يكسبنكم شقاقي إصابة العذاب. وقرأ ابن كثير بضم الياء، من أجرمته ذنبا، ~~إذا جعلته جارما له، أي كاسبا، وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول ~~واحد، كما نقل أكسبه المال، من كسب المال. وكما لا فرق بين كسبته ما لا ~~وأكسبته إياه، فكذلك لا فرق بين جرمته ذنبا وأجرمته إياه. والقراءتان ~~مستويتان في المعنى لا تفاوت بينهما. إلا أن المشهورة أفصح لفظا، كما إن ~~كسبته ما لا أفصح من أكسبته. والمراد بالفصاحة أنه على ألسنة الفصحاء من ~~العرب الموثوق بعربيتهم أدور، وهم له أكثر استعمالا. وقرأ أبو حيوة، ~~ورويت عن نافع { مثل ما أصاب } ، بالفتح لإضافته إلى غير متمكن، ~~كقوله # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # { وما قوم لوط منكم ببعيد } يعني أنهم أهلكوا في عهد قريب ~~من عهدكم، فهم أقرب الهالكين منكم. أو لا يبعدون منكم في الكفر والمساوي ~~وما يستحق به الهلاك. فإن قلت ما لبعيد لم يرد على ما يقتضيه قوم من حمله ~~على لفظه أو معناه؟ قلت إما أن يراد وما إهلاكهم ببعيد، أو ما هم بشيء ~~بعيد أو بزمان أو مكان بعيد. ويجوز أن يسوي في قريب وبعيد، وقليل وكثير، ~~بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي الصهيل والنهيق ~~ونحوهما { رحيم ودود } عظيم الرحمة للتائبين، فاعل بهم ما يفعل ~~البليغ المودة بمن يوده، من الإحسان والإجمال. ### || [11.91-95] # { ما نفقه } ما نفهم { كثيرا مما تقول } لأنهم كانوا لا ~~يلقون إليه أذهانهم رغبة عنه وكراهية له، كقوله # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه # الأنعام 25. أو كانوا يفقهونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه. ~~وقالوا ذلك على وجه الاستهانة به، كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ ~~بحديثه ما أدري ما تقول أو جعلوا كلامه هذيانا وتخليطا، لا ينفعهم كثير ~~منه، وكيف لا ينفعهم كلامه وهو خطيب الأنبياء، وقيل ms0880 كان ألثغ { فينا ~~ضعيفا } لا قوة لك ولا عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن ~~أردنا بك مكروها. وعن الحسن { ضعيفا } مهينا. وقيل { ضعيفا } ~~أعمى. وحمير تسمى المكفوف ضعيفا، كما يسمى ضريرا، وليس بسديد لأن { ~~فينا } يأباه. ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى، لم يكن كلاما ~~لأن الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم، ولذلك قللوا قومه حيث جعلوهم رهطا. ~~والرهط من الثلاثة إلى العشرة. وقيل إلى السبعة. وإنما قالوا ولولاهم، ~~احتراما لهم واعتدادا بهم لأنهم كانوا على ملتهم، لا خوفا من شوكتهم ~~وعزتهم { لرجمنك } لقتلناك شر قتلة { وما أنت علينا ~~بعزيز } أي لا تعز علينا ولا تكرم، حتى نكرمك من القتل ونرفعك عن ~~الرجم. وإنما يعز علينا رهطك، لأنهم من أهل ديننا لم يختاروك علينا ولم ~~يتبعوك دوننا، وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في ~~الفاعل لا في الفعل، كأنه قيل وما أنت علينا بعزيز، بل رهطك هم الأعزة ~~علينا، ولذلك قال في جوابهم { أرهطى أعز عليكم من الله ~~} ولو قيل وما عززت علينا، لم يصح هذا الجواب. فإن قلت فالكلام واقع فيه ~~وفي رهطه وأنهم الأعزة عليهم دونه، فكيف صح قوله { أرهطى أعز ~~عليكم من الله } قلت تهاونهم به - وهو نبي الله - تهاون بالله، ~~فحين عز عليهم رهطه دونه كان رهطه أعز عليهم من الله. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80، { واتخذتموه وراءكم ظهريا } ونسيتموه ~~وجعلتموه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهري منسوب إلى ~~الظهر والكسر من تغييرات النسب. ونظيره قولهم في النسبة إلى أمس أمسي { ~~بما تعملون محيط } قد أحاط بأعمالكم علما، فلا يخفى عليه شيء ~~منها { على مكانتكم } لا تخلو المكانة من أن تكون بمعنى المكان، ~~يقال مكان ومكانة، ومقام ومقامة. أو تكون مصدرا من مكن مكانة فهو مكين. ~~والمعنى اعملوا قارين على جهتكم التي أنتم عليها من الشرك والشنآن لي. ~~أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين لها { إنى عمل } على ms0881 حسب ما ~~يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني { من يأتيه } يجوز أن تكون ~~{ من } استفهامية، معلقة لفعل العلم عن عمله فيها كأنه قيل سوف تعلمون ~~أينا يأتيه عذاب يخزيه، وأينا هو كاذب، وأن تكون موصولة قد عمل فيها، ~~كأنه قيل سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه عذاب يخزيه والذي هو كاذب. # فإن قلت أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في { سوف تعلمون }؟ قلت ~~إدخال الفاء وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل، ونزعها وصل خفي تقديري ~~بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا فماذا يكون إن عملنا ~~نحن على مكانتنا وعملت أنت؟ فقال سوف تعلمون، فوصل تارة بالفاء وتارة ~~بالاستئناف، للتفنن في البلاغة كما هو عادة بلغاء العرب، وأقوى الوصلين ~~وأبلغهما الاستئناف، وهو باب من أبواب علم البيان تتكاثر محاسنه { ~~وارتقبوا } وانتظروا العاقبة وما أقول لكم { إنى معكم ~~رقيب } أي منتظر. والرقيب بمعنى الراقب، من رقبه، كالضريب والصريم ~~بمعنى الضارب والصارم. أو بمعنى المراقب، كالعشير والنديم، أو بمعنى ~~المرتقب، كالفقير والرفيع بمعنى المفتقر والمرتفع. فإن قلت قد ذكر عملهم ~~على مكانتهم وعمله على مكانته، ثم أتبعه ذكر عاقبة العاملين منه ومنهم، ~~فكان القياس أن يقول من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو صادق. حتى ينصرف من ~~يأتيه عذاب يخزيه إلى الجاحدين، ومن هو صادق إلى النبي المبعوث إليهم، ~~قلت القياس ما ذكرت، ولكنهم لما كانوا يدعونه كاذبا قال { ومن هو ~~كاذب } يعني في زعمكم ودعواكم، تجهيلا لهم. فإن قلت ما بال ساقتي قصة ~~عاد وقصة مدين جاءتا بالواو، والساقتان الوسطيان بالفاء؟ قلت قد وقعت ~~الوسطيان بعد ذكر الوعد، وذلك قوله # إن موعدهم الصبح # هود 81، # ذلك وعد غير مكذوب # هود 65 فجيء بالفاء الذي هو للتسبيب، كما تقول وعدته فلما جاء الميعاد ~~كان كيت وكيت. وأما الأخريان فلم تقعا بتلك المثابة. وإنما وقعتا ~~مبتدأتين، فكان حقهما أن تعطفا بحرف الجمع على ما قبلهما كما تعطف قصة ~~على قصة. الجاثم اللازم لمكانه لا يريم، كاللابد يعني أن جبريل صاح بهم ~~صيحة فزهق روح كل واحد ms0882 منهم بحيث هو قعصا { كأن لم يغنوا } كأن ~~لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين. البعد بمعنى البعد وهو ~~الهلاك، كالرشد بمعنى الرشد. ألا ترى إلى قوله { كما بعدت }؟ وقرأ ~~السلمي «بعدت» بضم العين، والمعنى في البناءين واحد، وهو نقيض القرب، إلا ~~أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره، فغيروا البناء ~~كما فرقوا بين ضماني الخير والشر فقالوا وعد وأوعد، وقراءة السلمي جاءت ~~على الأصل اعتبارا لمعنى البعد من غير تخصيص، كما يقال ذهب فلان ومضى، ~~في معنى الموت. وقيل معناه بعدا لهم من رحمة الله كما بعدت ثمود منها. ### || [11.96-99] # { بآيتنا وسلطن مبين } فيه وجهان أن يراد أن هذه ~~الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته، وأن يراد بالسلطان المبين ~~العصا لأنها أبهرها { وما أمر فرعون برشيد } تجهيل لمتبعيه ~~حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من ~~العقل، وذلك أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر ~~الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد، ومثله بمعزل من الإلهية ذاتا وأفعالا، ~~فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته. والأمر الرشيد الذي فيه ~~رشد أي وما في أمره رشد إنما هو غي صريح وضلال ظاهر مكشوف، وإنما يتبع ~~العقلاء من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم ويغويهم. وفيه أنهم عاينوا ~~الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام، وعلموا أن معه الرشد ~~والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط { يقدم ~~قومه } أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم ~~يتبعونه. ويجوز أن يريد بقوله { وما أمر فرعون برشيد } وما ~~أمره بصالح حميد العاقبة. ويكون قوله { يقدم قومه } تفسيرا لذلك ~~وإيضاحا. أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. والرشد مستعمل في كل ما يحمد ~~ويرتضى، كما استعمل الغي في كل ما يذم ويتسخط. ويقال قدمه بمعنى تقدمه. ~~ومنه قادمة الرحل، كما يقال قدمه بمعنى تقدمه، ومنه مقدمة الجيش. وأقدم ~~بمعنى ms0883 تقدم. ومنه مقدم العين. فإن قلت هلا قيل يقدم قومه فيوردهم؟ ولم ~~جيء بلفظ الماضي؟ قلت لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به، فكأنه قيل ~~يقدمهم فيوردهم النار لا محالة. و { الورد } المورود. و { ~~المورود } الذي وردوه شبه بالفارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء. ~~وشبه أتباعه بالواردة، ثم قيل بئس الورد الذي يردونه النار لأن الورد ~~إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضده { وأتبعوا فى ~~هذه } في هذه الدنيا { لعنة } أي يلعنون في الدنيا، ويلعنون في ~~الآخرة { بئس الرفد المرفود } رفدهم. أي بئس العون المعان. ~~وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد رفدت باللعنة في ~~الآخرة، وقيل بئس العطاء المعطى. ### || [11.100-101] # { ذلك } مبتدأ { من أنباء القرى نقصه عليك } خبر ~~بعد خبر، أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة مقصوص عليك { منها } ~~الضمير للقرى، أي بعضها باق وبعضها عافي الأثر، كالزرع القائم على ساقه ~~والذي حصد. فإن قلت ما محمل هذه الجملة؟ قلت هي مستأنفة لا محل لها { ~~وما ظلمنهم } بإهلاكنا إياهم { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } بارتكاب ما به أهلكوا { فما أغنت عنهم ~~ءالهتهم } فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله { يدعون } يعبدون وهي ~~حكاية حال ماضية. و { لما } منصوب بما أغنت { أمر ربك } عذابه ~~ونقمته { تتبيب } تخسير. يقال تب إذا خسر. وتببه غيره، إذا أوقعه في ~~الخسران. ### || [11.102] # محل الكاف الرفع، تقديره ومثل ذلك الأخذ { أخذ ربك } والنصب فيمن ~~قرأ وكذلك أخذ ربك، بلفظ الفعل. وقرىء «إذ أخذ القرى» { وهى ~~ظلمة } حال من القرى { أليم شديد } وجيع صعب على المأخوذ. ~~وهذا تحذير من وخامة عاقبه الظلم لكل أهل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها، ~~بل لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه. فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ~~ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة ولا يغتر بالإمهال. ### || [11.103] # { ذلك } إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبهم { لآية ~~لمن خاف } لعبرة له، لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في ~~الدنيا، وما هو ms0884 إلا أنموذج مما أعد لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمه وشدته ~~اعتبر به عظم العذاب الموعود، فيكون له عبرة وعظة ولطفا في زيادة التقوى ~~والخشية من الله تعالى. ونحوه # إن فى ذلك لعبرة لمن يخشى # النازعات 26 { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة، لأن عذاب الآخرة دل ~~عليه. و { الناس } رفع باسم المفعول الذي هو مجموع كما يرفع بفعله إذا ~~قلت يجمع له الناس. فإن قلت لأي فائدة أوأثر اسم المفعول على فعله؟ قلت ~~لما في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه يوم لا بد ~~من أن يكون ميعادا مضروبا لجمع الناس له، وأنه الموصوف بذلك صفة لازمة، ~~وهو أثبت أيضا لإسناد الجمع إلى الناس، وأنهم لا ينفكون منه، ونظيره قول ~~المتهدد إنك لمنهوب مالك محروب قومك، فيه من تمكن الوصف وثباته ما ليس في ~~الفعل، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله # يوم يجمعكم ليوم الجمع # التغابن 9 تعثر على صحة ما قلت لك. ومعنى يجمعون له يجمعون لما فيه من ~~الحساب والثواب والعقاب { يوم مشهود } مشهود فيه، فاتسع في الظرف ~~بإجرائه مجرى المفعول به، كقوله # ويوم شهدناه سليما وعامرا # أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد. والمراد بالمشهود الذي كثر ~~شاهدوه ومنه قولهم لفلان مجلس مشهود، وطعام محضور. قال # في محفل من نواصي الناس مشهود # فإن قلت فما منعك أن تجعل اليوم مشهودا في نفسه دون أن تجعله مشهودا ~~فيه، كما قال الله تعالى # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # البقرة 185؟ قلت الغرض وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين ~~الأيام، فإن جعلته مشهودا في نفسه فسائر الأيام كذلك مشهودات كلها، ولكن ~~يجعل مشهودا فيه حتى يحصل التميز كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع ~~بكونه مشهودا فيه دونها، ولم يجز أن يكون مشهودا في نفسه لأن سائر ~~أيام الأسبوع مثله يشهدها كل من يشهده، وكذلك قوله # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # البقرة 185 الشهر منتصب ظرفا لا مفعولا به، وكذلك الضمير في { ~~فليصمه ms0885 } والمعنى فمن شهد منكم في الشهر فليصم فيه، يعني فمن كان ~~منكم مقيما حاضرا لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه، ولو نصبته مفعولا ~~فالمسافر والمقيم كلاهما يشهدان الشهر، لا يشهده المقيم، ويغيب عنه ~~المسافر ### || [11.104] # الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها وعلى منتهاها، فيقولون انتهى الأجل، ~~وبلغ الأجل آخره، ويقولون حل الأجل # فإذا جاء أجلهم # الأعراف 34 يراد آخر مدة التأجيل، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ~~ومنتهاها، فمعنى قوله { وما نؤخره إلا لأجل معدود } ~~إلا لانتهاء مدة معدودة بحذف المضاف. وقرىء «وما يؤخره» بالياء. ### || [11.105] # قرىء «يوم يأت» بغير ياء. ونحوه قولهم لا أدر، حكاه الخليل وسيبويه. ~~وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل. فإن قلت فاعل يأتي ~~ما هو؟ قلت الله عز وجل، كقوله # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله # البقرة 210، # أو يأتى ربك # الأنعام 158، # وجاء ربك # الفجر 22 وتعضده قراءة «وما يؤخر» بالياء. وقوله { بإذنه } ويجوز ~~أن يكون الفاعل ضمير اليوم، كقوله تعالى # أو تأتيهم الساعة # يوسف 107. فإن قلت بما انتصب الظرف؟ قلت إما أن ينتصب بلا تكلم. وإما ~~بإضمار «اذكر» وإما بالانتهاء المحذوف في قوله # إلا لأجل معدود # هود 104 أي ينتهي الأجل يوم يأتي، فإن قلت فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم، ~~فقد جعلت اليوم وقتا لإتيان اليوم وحددت الشيء بنفسه قلت المراد إتيان ~~هوله وشدائده { لا تكلم } لا تتكلم، وهو نظير قوله # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن # النبأ 38. فإن قلت كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى # يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها # النحل 111 وقوله تعالى # هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 36، قلت ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن ~~أنفسهم، وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم ~~فيتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم { ~~فمنهم } الضمير لأهل الموقف ولم يذكروا لأن ذلك معلوم، ولأن قوله ~~{ لا تكلم نفس } يدل عليه، وقد مر ذكر الناس ms0886 في قوله # مجموع له الناس # هود 103 والشقى الذي وجبت له النار لإساءته، والسعيد الذي وجبت له الجنة ~~لإحسانه. ### || [11.106-107] # قراءة العامة بفتح الشين. وعن الحسن «شقوا» بالضم، كما قرىء «سعدوا» ~~والزفير إخراج النفس. والشهيق رده. قال الشماخ # بعيد مدى التطريب أول صوته زفير ويتلوه ~~شهيق محشرج # { ما دامت السموت والأرض } فيه وجهان، أحدهما أن تراد ~~سموات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد. والدليل على أن لها سموات ~~وأرضا قوله تعالى # يوم تبدل الأرض غير الأرض # إبراهيم 48 وقوله # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء # الزمر 74 ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم إما سماء يخلقها ~~الله، أو يظلهم العرش، وكل ما أظلك فهو سماء. والثاني أن يكون عبارة عن ~~التأييد ونفي الانقطاع. كقول العرب ما دام تعار، وما أقام ثبير، وما لاح ~~كوكب، وغير ذلك من كلمات التأبيد. فإن قلت فما معنى الاستثناء في قوله { ~~إلا ما شاء ربك } وقدثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير ~~استثناء؟ قلت هو استثناء من الخلود في عذاب النار، ومن الخلود في نعيم ~~الجنة وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده، بل يعذبون ~~بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى عذاب النار، وبما هو أغلظ منها كلها وهو ~~سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم. وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ~~ما هو أكبر منها وأجل موقعا منهم، وهو رضوان الله، كما قال # وعد الله المؤمنين والمؤمنت جنت تجري من ~~تحتها الانهر خلدين فيها ومسكن طيبة فى ~~جنات عدن ورضون من الله # التوبة 72 ولهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه ~~إلا هو، فهو المراد بالاستثناء. والدليل عليه قوله # عطاء غير مجذوذ # هود 108 ومعنى قوله في مقابلته { إن ربك فعال لما يريد ~~} أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة عطاءه الذي ~~لا انقطاع له، فتأمله فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، ولا يخدعنك عنه قول ~~المجبرة. ms0887 إن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة، ~~فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم. وما ظنك بقوم ~~نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~528 ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما ~~يلبثون فيها أحقابا، وقد بلغني أن من الضلال من اغتر بهذا الحديث، ~~فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار. وهذا ونحوه والعياذ بالله من ~~الخذلان المبين، زادنا الله هداية إلى الحق ومعرفة بكتابه، وتنبيها على ~~أن نعقل عنه، ولئن صح هذا عن ابن العاص، فمعناه أنهم يخرجون من حر النار ~~إلى برد الزمهرير فذلك خلو جهنم وصفق أبوابها، وأقول ما كان لابن عمرو ~~في سيفيه، ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ما يشغله عن ~~تسيير هذا الحديث. ### || [11.108-109] # { غير مجذوذ } غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية، كقوله # لهم أجر غير ممنون # فصلت 8 لما قص قصص عبدة الأوثان، وذكر ما أحل بهم من نقمه، وما أعد ~~لهم من عذابه قال { فلا تك فى مرية مما يعبد ~~هؤلاء } أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذ القصص في سوء عاقبة ~~عبادتهم وتعرضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعدة بالانتقام منهم ووعيدا لهم ثم قال { ما يعبدون ~~إلا كما يعبد ءابآؤهم } يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم ~~من غير تفاوت بين الحالين، وقد بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم مثله، ~~وهو استئناف معناه تعليل النهي عن المرية. و «ما» في مما، وكما يجوز أن ~~تكون مصدرية وموصولة، أي من عبادتهم، وكعبادتهم. أو مما يعبدون من ~~الأوثان، ومثل ما يعبدون منها { وإنا لموفوهم نصيبهم } ~~أي حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم. فإن قلت كيف نصب { غير ~~منقوص } حالا عن النصيب الموفى؟ قلت يجوز أن يوفى وهو ناقص، ويوفى ~~وهو كامل. ألا تراك تقول. وفيته شطر حقه، وثلث حقه، وحقه ms0888 كاملا وناقصا. ### || [11.110] # { فاختلف فيه } آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في القرآن { ~~ولولا كلمة } يعني كلمة الإنظار إلى يوم القيامة { لقضى ~~بينهم } بين قوم موسى أو قومك. وهذه من جملة التسلية أيضا. ### || [11.111] # { وإن كلا } التنوين عوض من المضاف إليه، يعني وإن كلهم، وإن ~~جميع المختلفين فيه { ليوفينهم } جواب قسم محذوف. واللام في { ~~لما } موطئة للقسم، و { ما } مزيدة والمعنى وإن جميعهم والله ~~ليوفينهم { ربك أعملهم } من حسن وقبيح وإيمان وجحود. وقرىء ~~«وإن كلا» بالتخفيف على إعمال المخففة عمل الثقيلة، اعتبارا لأصلها الذي ~~هو التثقيل. وقرأ أبي «وإن كل لما ليوفينهم» على أن إن نافية. ولما ~~بمعنى إلا. وقراءة عبد الله مفسرة لها. وإن كل إلا ليوفينهم، وقرأ الزهري ~~وسليمان بن أرقم «وإن كلا لما ليوفينهم» بالتنوين، كقوله # أكلا لما # الفجر 19 والمعنى وإن كلا ملمومين، بمعنى مجموعين، كأنه قيل وإن كلا ~~جميعا، كقوله # فسجد الملئكة كلهم أجمعون # الحجر 30. ### || [11.112] # { فاستقم كمآ أمرت } فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت ~~بها على جادة الحق، غير عادل عنها { ومن تاب معك } معطوف على ~~المستتر في استقم. وإنما جاز العطف عليه ولم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل ~~مقامه. والمعنى فاستقم أنت وليستقم من تاب على الكفر وآمن معك { ولا ~~تطغوا } ولا تخرجوا عن حدود الله { إنه بما تعملون ~~بصير } عالم فهو مجازيكم به، فاتقوه. وعن ابن عباس 529 ما نزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق ~~عليه من هذه الآية. ولهذا قال # " شيبتني هود والواقعة وأخواتهما " # 530 وروي أن أصحابه قالوا له لقد أسرع فيك الشيب. فقال # " شيبتني هود " # وعن بعضهم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له روي عنك ~~أنك قلت شيبتني هود. فقال نعم. فقلت ما الذي شيبك منها؟ أقصص الأنبياء ~~وهلاك الأمم؟ قال لا، ولكن قوله { فاستقم كما أمرت }. وعن ~~جعفر الصادق رضي الله عنه { فاستقم كما أمرت } قال افتقر إلى ~~الله بصحة العزم. ### || [11.113] ms0889 # قرىء «ولا تركنوا»، بفتح الكاف وضمها مع فتح التاء. وعن أبي عمرو بكسر ~~التاء وفتح الكاف، على لغة تميم في كسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ~~ما كان من باب علم يعلم. ونحوه قراءة من قرأ { فتمسكم النار } ~~بكسر التاء. وقرأ ابن أبي عبلة «ولا تركنوا»، على البناء للمفعول، من ~~أركنه إذا أماله، والنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ~~ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، ~~والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم. وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. وتأمل ~~قوله { ولا تركنوا } فإن الركون هو الميل اليسير. وقوله { إلى ~~الذين ظلموا } أي إلى الذين وجد منهم الظلم، ولم يقل إلى ~~الظالمين. وحكي أن الموفق صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية فغشي عليه، ~~فلما أفاق قيل له، فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم. وعن ~~الحسن رحمه الله جعل الله الدين بين لاءين # ولا تطغوا # هود 112، { ولا تركنوا } ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ ~~له في الدين عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي ~~لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله ~~بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق ~~على العلماء، قال الله سبحانه # لتبيننه للناس ولا تكتمونه # آل عمران 187 واعلم أن أيسر ما ارتكب وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة ~~الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين ~~أدناك اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم ~~وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون ~~بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ~~ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فيما يؤمنك أن تكون ممن قال ~~الله فيهم # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا ~~الشهوت فسوف يلقون غيا # مريم 59 فإنك تعامل من لا يجهل، ms0890 ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد ~~دخله سقم، وهيىء زادك فقد حضر السفر البعيد، وما يخفى على الله من شيء في ~~الأرض ولا في السماء، والسلام. وقال سفيان في جهنم واد لا يسكنه إلا ~~القراء الزائرون للملوك. وعن الأوزاعي ما من شيء أبغض إلى الله من عالم ~~يزور عاملا. وعن محمد بن مسلمة الذباب على العذرة، أحسن من قارىء على ~~باب هؤلاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 531 # " من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " # ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية، هل يسقى شربة ماء؟ ~~فقال لا، فقيل له يموت؟ فقال دعه يموت. { وما لكم من دون الله ~~من أولياء } حال من قوله { فتمسكم } أي فتمسكم النار وأنتم ~~على هذه الحال. ومعناه وما لكم من دون الله من أنصار يقدرون على منعكم من ~~عذابه، لا يقدر على منعكم من غيره { ثم لا تنصرون } ثم لا ينصركم ~~هو، لأنه وجب في حكمته تعذيبكم وترك الإبقاء عليكم. فإن قلت فما معنى ثم؟ ~~قلت معناها الاستبعاد، لأن النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب ~~واقتضاء حكمته له. ### || [11.114] # { طرفى النهار } غدوة وعشية { وزلفا من اليل } ~~وساعات من الليل وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قربه ~~وازدلف إليه، وصلاة الغدوة الفجر، وصلاة العشية الظهر والعصر لأن ما بعد ~~الزوال عشي. وصلاة الزلف المغرب والعشاء. وانتصاب طرفي النهار على ~~الظرف، لأنهما مضافان إلى الوقت، كقولك أقمت عنده جميع النهار، وأتيته ~~نصف النهار وأوله وآخره، تنصب هذا كله على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه. ~~ونحوه # وأطراف النهار # طه 130 وقرىء «وزلفا»، بضمتين. وزلفا، بسكون اللام. وزلفى بوزن قربى. ~~فالزلف جمع زلفة، كظلم في ظلمة. والزلف بالسكون نحو بسرة وبسر. والزلف ~~بضمتين نحو بسر في بسر. والزلفى بمعنى الزلفة، كما أن القربى بمعنى ~~القربة وهو ما يقرب من آخر النهار من الليل. وقيل وزلفا من الليل وقربا ~~من الليل، وحقها على هذا ms0891 التفسير أن تعطف على الصلاة، أي أقم الصلاة طرفي ~~النهار، وأقم زلفا من الليل، على معنى وأقم صلاة تتقرب بها إلى الله عز ~~وجل في بعض الليل { إن الحسنت يذهبن السيئت } فيه ~~وجهان، أحدهما أن يراد تكفير الصغائر بالطاعات، وفي الحديث 532 # " إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر " # والثاني إن الحسنات يذهبن السيئات، بأن يكن لطفا في تركها، كقوله # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # العنكبوت 45 وقيل 533 نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري، كان ~~يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها إن في البيت أجود من هذا ~~التمر. فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها، فقالت له اتق الله، ~~فتركها وندم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل، فقال ~~صلى الله عليه وسلم # " أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت، فقال نعم، اذهب فإنها كفارة ~~لما عملت " # 534 وروي أنه أتى أبا بكر فأخبره فقال استر على نفسك وتب إلى الله، فأتى ~~عمر رضي الله عنه فقال له مثل ذلك، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنزلت، فقال عمر أهذا له خاصة أم للناس عامة؟ فقال بل للناس عامة وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له 535 # " توضأ وضوءا حسنا وصل ركعتين { إن الحسنت يذهبن ~~السيئت } " # { ذلك } إشارة إلى قوله { فاستقم } فما بعده { ذكرى ~~للذكرين } عظة للمتعظين. ### || [11.115] # ثم كر إلى التذكير بالصبر بعد ما جاء بما هو خاتمة للتذكير، وهذا ~~الكرور لفضل خصوصية ومزية وتنبيه على مكان الصبر ومحله، كأنه قال وعليك ~~بما هو أهم مما ذكرت به وأحق بالتوصية، وهو الصبر على امتثال ما أمرت به ~~والانتهاء عما نهيت عنه، فلا يتم شيء منه إلا به { فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } جاء بما هو مشتمل على الاستقامة وإقامة ~~الصلوات والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظالمين والصبر وغير ذلك من ~~الحسنات. ### || [11.116] # { فلولا كان من القرون } فهلا كان وقد حكوا ms0892 عن الخليل كل ~~«لولا» في القرآن فمعناها «هلا» إلا التي في الصافات، وما صحت هذه ~~الحكاية ففي غير الصافات # لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء # القلم 49، # ولولا رجال مؤمنون # الفتح 25، # ولولا أن ثبتنك لقد كدت تركن إليهم # الإسراء 74، { أولوا بقيت } أولو فضل وخير. وسمى الفضل والجودة ~~بقية لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلا في الجودة ~~والفضل. ويقال فلان من بقية القوم، أي من خيارهم. وبه فسر بيت الحماسة # إن تذنبوا ثم يأتيني بقيتكم # ومنه قولهم في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا. ويجوز أن تكون البقية ~~بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى، أي فهلا كان منهم ذوو بقاء على ~~أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه، وقرىء «أولو بقية»، بوزن لقية، من ~~بقاه يبقيه إذا راقبه وانتظره ومنه 536 «بقينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» والبقية المرة من مصدره. والمعنى فلو كان منهم أولو مراقبة وخشية ~~من انتقام الله، كأنهم ينتظرون إيقاعه بهم لإشفاقهم { إلا قليلا } ~~استثناء منقطع، معناه ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، ~~وسائرهم تاركون للنهي. و { من } في { ممن أنجينا } حقها أن ~~تكون للبيان لا للتبعيض لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم، بدليل قوله ~~تعالى # أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ~~ظلموا # الأعراف 165. فإن قلت هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه يحمل عليه؟ قلت ~~إن جعلته متصلا على ما عليه ظاهر الكلام، كان المعنى فاسدا لأنه يكون ~~تخصيصا لأولى البقية على النهي عن الفساد، إلا للقليل من الناجين منهم ~~كما تقول هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من ~~المحضضين على قراءة القرآن وإن قلت في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى ~~نفيه عنهم، فكأنه قيل ماكان من القرون أولو بقية إلا قليلا، كان استثناء ~~متصلا ومعنى صحيحا، وكان انتصابه على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصح أن ~~يرفع على البدل { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ~~} أراد بالذين ظلموا تاركي النهي عن المنكرات، أي لم يهتموا ms0893 بما هو ركن ~~عظيم من أركان الدين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقدوا هممهم ~~بالشهوات، واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف، من حب الرياسة والثروة، ~~وطلب أسباب العيش الهنيء. ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم. وقرأ ~~أبو عمرو في رواية الجعفي، «واتبع الذين ظلموا»، يعني واتبعوا جزاء ما ~~أترفوا فيه. ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة أنهم اتبعوا جزاء ~~إترافهم. وهذا معنى قوي لتقدم الإنجاء، كأنه قيل إلا قليلا ممن أنجينا ~~منهم وهلك السائر. # فإن قلت علام عطف قوله { واتبع الذين ظلموا }؟ قلت إن كان ~~معناه واتبعوا الشهوات، كان معطوفا على مضمر، لأن المعنى إلا قليلا ~~ممن أنجينا منهم نهوا عن الفساد، واتبع الذين ظلموا شهواتهم، فهو عطف على ~~نهوا. وإن كان معناه واتبعوا جزاء الإتراف، فالواو للحال، كأنه قيل ~~أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم. فإن قلت فقوله { وكانوا ~~مجرمين }؟ قلت على أترفوا أي اتبعوا الإتراف وكونهم مجرمين لأن تابع ~~الشهوات مغمور بالآثام. أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر. أو على اتبعوا، ~~أي اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك. ويجوز أن يكون اعتراضا وحكما ~~عليهم بأنهم قوم مجرمون. ### || [11.117] # { كان } بمعنى صح واستقام. واللام لتأكيد النفي. و { بظلم } حال ~~من الفاعل. والمعنى واستحال في الحكمة أن يهلك الله القرى ظالما لها { ~~وأهلها } قوم { مصلحون } تنزيها لذاته عن الظلم، وإيذانا بأن ~~إهلاك المصلحين من الظلم. وقيل الظلم الشرك، ومعناه أنه لا يهلك القرى ~~بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ولا يضمون إلى شركهم ~~فسادا آخر. ### || [11.118-119] # { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } يعني ~~لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمة واحدة أي ملة واحدة وهي ملة الإسلام، ~~كقوله # إن هذه أمتكم أمة واحدة # الأنبياء 92 وهذا الكلام يتضمن نفي الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى ~~الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، ~~فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال { ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } إلا ناسا هداهم ~~الله ms0894 ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه { ولذلك ~~خلقهم } ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأول وتضمنه، يعني ولذلك ~~من التمكن والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن ~~اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره { وتمت كلمت ربك ~~} وهي قوله للملائكة { لأملان جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين } لعلمه بكثرة من يختار الباطل. ### || [11.120-122] # { وكلا } التنوين فيه عوض من المضاف إليه كأنه قيل. وكل نبأ { ~~نقص عليك } و { من أنباء الرسل } بيان لكل. { وما ~~نثبت به فؤادك } بدل من كلا. ويجوز أن يكون المعنى و كل ~~واقتصاص نقص عليك، على معنى وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك، يعني ~~على الأساليب المختلفة، و { ما نثبت به } مفعول نقص. ومعنى تثبيت ~~فؤاده زيادة يقينه وما فيه طمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب ~~وأرسخ للعلم { وجاءك فى هذه الحق } أي في هذه السورة. أو في ~~هذه الأنباء المقتصة فيها ما هو حق { وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين وقل للذين لا يؤمنون } من أهل مكة وغيرهم { ~~اعملوا } على حالكم وجهتكم التي أنتم عليها { إنا عاملون ~~وانتظروا } بنا الدوائر { إنا منتظرون } أن ينزل بكم نحو ~~ما اقتص الله من النقم النازلة بأشباهكم. ### || [11.123] # { ولله غيب السموت والأرض } لا تخفى عليه خافية مما ~~يجري فيهما، فلا تخفى عليه أعمالكم { وإليه يرجع الأمر ~~كله } فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم { ~~فاعبده وتوكل عليه } فإنه كافيك وكافلك { وما ربك ~~بغفل عما تعملون } وقرىء «تعملون» بالتاء أي أنت وهم على ~~تغليب المخاطب. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 537 # " من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن ~~كذب به، وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من ~~السعداء إن شاء الله تعالى ذلك " ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-3] # { تلك } إشارة إلى آيات السورة. و { الكتب المبين } ~~السورة، أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر ~~أمرها في إعجاز العرب ms0895 وتبكيتهم. أو التي تبين لمن تدبرها أنها من عند ~~الله لا من عند البشر. أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب معانيها ~~لنزولها بلسانهم. أو قد أبين فيها ما سألت عنه اليهود من قصة يوسف. فقد ~~روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين سلوا محمدا لم انتقل آل ~~يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن قصة يوسف { أنزلنه } أنزلنا هذا ~~الكتاب الذي فيه قصة يوسف في حال كونه { قرءانا عربيا } وسمى بعض ~~القرآن قرآنا، لأن القرآن اسم جنس يقع على كله وبعضه { لعلكم ~~تعقلون } إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم # ولو جعلنه قرءانا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت ءايته # فصلت 44. { القصص } على وجهين يكون مصدرا بمعنى الاقتصاص، تقول قص ~~الحديث يقصه قصصا، كقولك شله يشله شللا، إذا طرده. ويكون «فعلا» بمعنى ~~«مفعول» كالنفض والحسب. ونحوه النبأ والخبر في معنى المنبأ به والمخبر ~~به. ويجوز أن يكون من تسمية المفعول بالمصدر، كالخلق والصيد. وإن أريد ~~المصدر، فمعناه نحن نقص عليك أحسن القصص { بما أوحينا إليك ~~هذا القرءان } أي بإيحائنا إليك هذه السورة، على أن يكون أحسن ~~منصوبا نصب المصدر، لإضافته إليه، ويكون المقصوص محذوفا لأن قوله { ~~بما أوحينا إليك هذا القرءان } مغن عنه. ويجوز أن ~~ينتصب هذا القرآن بنقص، كأنه قيل نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن ~~بإيحائنا إليك. والمراد بأحسن الاقتصاص أنه اقتص على أبدع طريقة وأعجب ~~أسلوب. ألا ترى أن هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفي كتب التواريخ، ~~وألا ترى اقتصاصه في كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن. وإن أريد ~~بالقصص المقصوص. فمعناه نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث، وإنما كان ~~أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها ~~والظاهر أنه أحسن ما يقتص في بابه، كما يقال في الرجل هو أعلم الناس ~~وأفضلهم، يراد في فنه. فإن قلت مم اشتقاق القصص؟ قلت من قص أثره إذا ~~اتبعه، لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا، كما يقال ~~تلا ms0896 القرآن، إذا قرأه، لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية { وإن ~~كنت } إن مخففة من الثقيلة. واللام هي التي تفرق بينها وبين النافية. ~~والضمير في { قبله } راجع إلى قوله ما أوحينا والمعنى وإن الشأن ~~والحديث كنت من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عنه، أي من الجاهلين به، ما ~~كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه. ### || [12.4] # { إذ قال يوسف } بدل من أحسن القصص، وهو من بدل الاشتمال، لأن ~~الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص، فإذا قص وقته فقد قص. أو بإضمار ~~«اذكر» ويوسف اسم عبراني، وقيل عربي وليس بصحيح لأنه لو كان عربيا ~~لانصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف. فإن قلت فما تقول فيمن قرأ ~~«يوسف» بكسر السين، أو «يوسف» بفتحها، هل يجوز على قراءته أن يقال «هو ~~عربي» لأنه على وزن المضارع المبني للفاعل أو المفعول من آسف. وإنما منع ~~الصرف للتعريف ووزن الفعل؟ قلت لا لأن القراءة المشهورة قامت بالشهادة، ~~على أن الكلمة أعجمية، فلا تكون عربية تارة وأعجمية أخرى، ونحو يوسف ~~يونس، رويت فيه هذه اللغات الثلاث ولا يقال هو عربي لأنه في لغتين منها ~~بوزن المضارع من آنس وأونس. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 538 # " إذا قيل من الكريم؟ فقولوا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ~~يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم " # { يا أبت } قرىء بالحركات الثلاث. فإن قلت ما هذه التاء؟ قلت تاء تأنيث ~~وقعت عوضا من ياء الإضافة، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في ~~الوقف. فإن قلت كيف جاز إلحاق تاء التأنيث بالمذكر؟ قلت كما جاز نحو قولك ~~حمامة ذكر وشاة ذكر، ورجل ربعة، وغلام يفعة. فإن قلت فلم ساغ تعويض تاء ~~التأنيث من ياء الإضافة؟ قلت لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أن كل ~~واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره. فإن قلت فما هذه الكسرة؟ قلت ~~هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك يا أبي، قد زحلقت إلى التاء، ms0897 ~~لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحا فإن قلت فما بال الكسرة لم ~~تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء وتبقى التاء ساكنة؟ قلت امتنع ذلك فيها، ~~لأنها اسم، والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب، وإنما جاز تسكين ~~الياء وأصلها أن تحرك تخفيفا، لأنها حرف لين. وأما التاء فحرف صحيح نحو ~~كاف الضمير، فلزم تحريكها. فإن قلت يشبه الجمع بين التاء وبين هذه الكسرة ~~الجمع بين العوض والمعوض منه، لأنها في حكم الياء، إذا قلت يا غلام، ~~فكما لا يجوز «يا أبتي» لا يجوز «يا أبت». قلت الياء والكسرة قبلها شيآن ~~والتاء عوض من أحد الشيئين، وهو الياء والكسرة غير متعرض لها، فلا يجمع ~~بين العوض والمعوض منه، إلا إذا جمع بين التاء والياء لا غير. ألا ترى ~~إلى قولهم «يا أبتا» مع كون الألف فيه بدلا من التاء، كيف جاز الجمع ~~بينها وبين التاء، ولم يعد ذلك جمعا بين العوض والمعوض منه، فالكسرة ~~أبعد من ذلك. # فإن قلت فقد دلت الكسرة في يا غلام على الإضافة لأنها قرينة الياء ~~ولصيقتها. فإن دلت على مثل ذلك في «يا أبت» فالتاء المعوضة لغو وجودها ~~كعدمها. قلت بل حالها مع التاء كحالها مع الياء إذا قلت يا أبي. فإن قلت ~~فما وجه من قرأ بفتح التاء وضمها؟ قلت أما من فتح فقد حذف الألف من «يا ~~أبتا» واستبقى الفتحة قبلها، كما فعل من حذف الياء في «يا غلام» ويجوز أن ~~يقال حركها بحركة الباء المعوض منها في قولك «يا أبي». وأما من ضم فقد ~~رأى اسما في آخره تاء تأنيث، فأجراه مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء فقال ~~«يا أبت» كما تقول «ياتبة» من غير اعتبار لكونها عوضا من ياء الإضافة، ~~وقرىء «إني رأيت» بتحريك الياء. «وأحد عشر» بسكون العين، تخفيفا لتوالي ~~المتحركات فيما هو في حكم اسم واحد، وكذا إلى تسعة عشر، إلا اثني عشر ~~لئلا يلتقي ساكنان، ورأيت من الرؤيا، لا من الرؤية، لأن ما ذكره معلوم ~~أنه منام لأن الشمس والقمر لو ms0898 اجتمعا مع الكواكب ساجدة ليوسف في حال ~~اليقظة، لكانت آية عظيمة ليعقوب عليه السلام، ولما خفيت عليه وعلى الناس. ~~فإن قلت ما أسماء تلك الكواكب؟ قلت 539 روى جابر أن يهوديا جاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد، أخبرني عن النجوم التي رآهن ~~يوسف، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام فأخبره ~~بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي «إن أخبرتك هل تسلم»؟ قال ~~نعم. قال «جريان، والطارق، والذيال، وقابس، وعمودان، والفليق، والمصبح، ~~والضروح، والفرغ، ووثاب، وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من ~~السماء وسجدن له» فقال اليهودي إي والله، إنها لأسماؤها. وقيل الشمس ~~والقمر أبواه. وقيل أبوه وخالته. والكواكب إخوته وعن وهب أن يوسف رأى ~~وهو ابن سبع سنين أن إحدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة ~~الدارة، وإذا عصا صغير تثب عليها حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه ~~فقال إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرة سنة الشمس ~~والقمر والكواكب تسجد له، فقصها على أبيه فقال له لا تقصها عليهم، فيبغوا ~~لك الغوائل. وقيل كان بين رؤيا يوسف ومصير إخوته إليه أربعون سنة. وقيل ~~ثمانون. فإن قلت لم أخر الشمس والقمر؟ قلت أخرهما ليعطفهما على الكواكب ~~على طريق الاختصاص، بيانا لفضلهما واستبدادهما بالمزية على غيرهما من ~~الطوالع، كما أخر جبريل، وميكائيل عن الملائكة، ثم عطفهما عليها لذلك، ~~ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع، أي رأيت الكواكب مع الشمس والقمر. فإن قلت ~~ما معنى تكرار رأيت قلت ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال ~~وقع جوابا له، كأن يعقوب عليه السلام قال له عند قوله { إنى رأيت ~~أحد عشر كوكبا } كيف رأيتها سائلا عن حال رؤيتها؟ فقال { ~~رأيتهم لى ساجدين } فإن قلت فلم أجريت مجرى العقلاء في رأيتهم ~~لي ساجدين؟ قلت لأنه لما وصفها بماهو خاص بالعقلاء وهو السجود. أجرى ~~عليها حكمهم، كأنها عاقلة، وهذا كثير شائع في كلامهم، أن يلابس الشيء ms0899 ~~الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة ~~والمقاربة. ### || [12.5-6] # عرف يعقوب عليه السلام دلالة الرؤيا على أن يوسف يبلغه الله مبلغا من ~~الحكمة، ويصطفيه للنبوة، وينعم عليه بشرف الدارين، كما فعل بآبائه، فخاف ~~عليه حسد الإخوة وبغيهم، والرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان ~~منها في المنام دون اليقظة، فرق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل القربة ~~والقربى. وقرىء «روياك» بقلب الهمزة واوا. وسمع الكسائي «رياك» و ~~«رياك» بالإدغام وضم الراء وكسرها، وهي ضعيفة لأن الواو في تقدير ~~الهمزة فلا يقوى إدغامها كما لم يقو الإدغام في قولهم «اتزر» من الإزار، ~~و «اتجر» من الأجر { فيكيدوا } منصوب بإضمار «أن» والمعنى إن قصصتها ~~عليهم كادوك فإن قلت هلا قيل فيكيدوك، كما قيل فكيدوني؟ قلت ضمن معنى فعل ~~يتعدى باللام، ليفيد معنى فعل الكيد، مع إفادة معنى الفعل المضمن، فيكون ~~آكد وأبلغ في التخويف، وذلك نحو فيحتالوا لك. ألا ترى إلى تأكيده بالمصدر ~~{ عدو مبين } ظاهر العداوة لما فعل بآدم وحواء، ولقوله # لأقعدن لهم صرطك المستقيم # الأعراف 16 فهو يحمل على الكيد والمكر وكل شر، ليورط من يحمله، ولا ~~يؤمن أن يحملهم على مثله { وكذلك } ومثل ذلك الأجتباء { يجتبيك ~~ربك } يعني وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز ~~وكبرياء شأن، كذلك يجتبيك ربك لأمور عظام. وقوله { ويعلمك } كلام ~~مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه، كأنه قيل وهو يعلمك ويتم نعمته عليك. ~~والاجتباء، الاصطفاء، افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء ~~في الحوض جمعته. والأحاديث الرؤيا لأن الرؤيا إما حديث نفس أو ملك أو ~~شيطان. وتأويلها عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف عليه السلام أعبر الناس ~~للرؤيا، وأصحهم عبارة لها. ويجوز أن يراد بتأويل الأحاديث معاني كتب الله ~~وسنن الأنبياء، وما غمض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها ~~لهم ويشرحها ويدلهم على مودعات حكمها. وسميت أحاديث لأنه يحدث بها عن ~~الله ورسله. فيقال قال الله وقال الرسول كذا وكذا. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى # فبأي ms0900 حديث بعده يؤمنون # الأعراف 185، # الله نزل أحسن الحديث # الزمر 23 وهو اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة. ومعنى إتمام النعمة ~~عليهم أنه وصل لهم نعمة الدنيا بنعمة الآخرة، بأن جعلهم أنبياء في الدنيا ~~وملوكا. ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة. وقيل أتمها على ~~إبراهيم بالخلة، والإنجاء من النار، ومن ذبح الولد. وعلى إسحاق بإنجائه ~~من الذبح، وفدائه بذبح عظيم، وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه. وقيل علم ~~يعقوب أن يوسف يكون نبيا وإخوته أنبياء استدلالا بضوء الكواكب، فلذلك ~~قال { وعلى ءال يعقوب } وقيل لما بلغت الرؤيا إخوة يوسف حسدوه ~~وقالوا ما رضي أن سجد له إخوته حتى سجد له أبواه. # وقيل كان يعقوب مؤثرا له بزيادة المحبة والشفقة لصغره ولما يرى فيه من ~~المخايل وكان إخوته يحسدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة فكان يضمه كل ~~ساعة إلى صدره ولا يصبر عنه، فتبالغ فيهم الحسد. وقيل لما قص رؤياه على ~~يعقوب قال هذا أمر مشتت يجمع الله لك بعد دهر طويل. وآل يعقوب. أهله وهم ~~نسله وغيرهم. وأصل آل أهل، بدليل تصغيره على أهيل، إلا أنه لا يستعمل ~~إلا فيمن له خطر. يقال آل النبي، وآل الملك. ولا يقال آل الحائك، ولا آل ~~الحجام، ولكن أهلهما. وأراد بالأبوين الجد، وأبا الجد لأنهما في حكم الأب ~~في الأصالة. ومن ثم يقولون ابن فلان، وإن كان بينه وبين فلان عدة. و { ~~إبرهيم وإسحق } عطف بيان لأبويك { إن ربك عليم } ~~يعلم من يحق له الاجتباء { حكيم } لا يتم نعمته إلا على من يستحقها. ### || [12.7] # { فى يوسف وإخوته } أي في قصتهم وحديثهم { ءايت } علامات ~~ودلائل على قدرة الله وحكمته في كل شيء { للسائلين } لمن سأل عن ~~قصتهم وعرفها. وقيل آيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم للذين سألوه ~~من اليهود عنها، فأخبرهم بالصحة من غير سماع من أحد ولا قراءة كتاب. ~~وقرىء «آية»، وفي بعض المصاحف عبرة، وقيل إنما قص الله تعالى على النبي ~~عليه الصلاة والسلام خبر يوسف وبغي إخوته عليه، لما ms0901 رأى من بغي قومه عليه ~~ليتأسى به. وقيل أساميهم يهوذا وروبيل، وشمعون، ولاوي، وربالون، ويشجر، ~~ودينة، ودان، ونفتالي، وجاد، وآشر السبعة الأولون كانوا من ليا بنت خالة ~~يعقوب، والأربعة الآخرون من سريتين زلفة، وبلهة. فلما توفيت ليا تزوج ~~أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف. ### || [12.8] # { ليوسف } اللام للابتداء. وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة. ~~أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابت لا شبهة فيه { وأخوه } هو ~~بنيامين. وإنما قالوا أخوه وهم جيمعا إخوته، لأن أمهما كانت واحدة. ~~وقيل { أحب } في الاثنين، لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما ~~فوقه، ولا بين المذكر والمؤنث إذا كان معه «من» ولا بد من الفرق مع لام ~~التعريف، وإذا أضيف جاز الأمران. والواو في { ونحن عصبة } واو ~~الحال. يعني أنه يفضلهما في المحبة علينا، وهما اثنان صغيران لا كفاية ~~فيهما ولا منفعة، ونحن جماعة عشرة رجال كفأة نقوم بمرافقه، فنحن أحق ~~بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة والمنفعة عليهما { إن أبانا ~~لفى ضلل مبين } أي في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك. والعصبة ~~والعصابة العشرة فصاعدا. وقيل إلى الأربعين، سموا بذلك لأنهم جماعة تعصب ~~بهم الأمور ويستكفون النوائب. وروى النزال بن سبرة عن علي رضي الله عنه ~~«ونحن عصبة»، بالنصب. وقيل معناه ونحن نجتمع عصبة. وعن ابن الأنباري هذا ~~كما تقول العرب إنما العامري عمته، أي يتعهد عمته. ### || [12.9] # { اقتلوا يوسف } من جملة ما حكى بعد قوله إذ قالوا كأنهم أطبقوا ~~على ذلك إلا من قال { لا تقتلوا يوسف } وقيل الآمر بالقتل ~~شمعون، وقيل دان، والباقين كانوا راضين، فجعلوا آمرين { أرضا } أرضا ~~منكورة مجهولة بعيدة من العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الوصف، ~~ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة { يخل لكم وجه ~~أبيكم } يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم. والمراد ~~سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها، فكان ذكر الوجه لتصوير ~~معنى إقباله عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه. ويجوز أن ~~يراد بالوجه الذات، كما ms0902 قال تعالى # ويبقى وجه ربك # الرحمن 27 وقيل { يخل لكم } يفرغ لكم من الشغل بيوسف { من ~~بعده } من بعد يوسف، أي من بعد كفايته بالقتل أو التغريب، أو يرجع ~~الضمير إلى مصدر اقتلوا أو اطرحوا { قوما صلحين } تائبين إلى ~~الله مما جنيتم عليه. أو يصلح ما بينكم وبين أبيكم بعذر تمهدونه. أو تصلح ~~دنياكم وتنتظم أموركم بعده بخلو وجه أبيكم. و { تكونوا } إما مجزوم ~~عطفا على { يخل لكم } أو منصوب بإضمار أن والواو بمعنى مع، كقوله # وتكتموا الحق # البقرة 42. ### || [12.10] # { قائل منهم } هو يهوذا، وكان أحسنهم فيه رأيا. وهو الذي قال فلن ~~أبرح الأرض. قال لهم القتل عظيم { وألقوه فى غيابة الجب } ~~وهي غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله. قال المنخل # وإن أنا يوما غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في ~~العشيرة والأهل # أراد غيابة حفرته التي يدفن فيها. وقرىء «غيابات» على الجمع. و «غيابات» ~~بالتشديد. وقرأ الجحدري «غيبة» والجب البئر لم تطو، لأن الأرض تجب جبا ~~لا غير { يلتقطه } يأخذه بعض السيارة بعض الأقوام الذين يسيرون في ~~الطريق. وقرىء «تلتقطه» بالتاء على المعنى لأن بعض السيارة سيارة، كقوله # كما شرقت صدر القناة من الدم # ومنه ذهبت بعض أصابعه { إن كنتم فعلين } إن كنتم على أن ~~تفعلوا ما يحصل به غرضكم، فهذا هو الرأي. ### || [12.11-12] # { ملك لا تأمنا } قريء بإظهار النونين، وبالإدغام بإشمام ~~وبغير إشمام. و «تيمنا» بكسر التاء مع الإدغام. والمعنى لم تخافنا عليه ~~ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه؟ وما وجد منا في بابه ما يدل على ~~خلاف النصيحة والمقة وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن ~~رأيه وعادته في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحس منهم بما أوجب أن لا ~~يأمنهم عليه { نرتع } نتسع في أكل الفواكه وغيرها. وأصل الرتعة الخصب ~~والسعة. وقرىء «نرتع» من ارتعى يرتعي. وقرىء «يرتع ويلعب» بالياء، ويرتع، ~~من أرتع ماشيته. وقرأ العلاء بن سيابة يرتع بكسر العين، ويلعب، بالرفع ~~على الابتداء. فإن قلت كيف استجاز لهم ms0903 يعقوب عليه السلام اللعب؟ قلت كان ~~لعبهم الاستباق والانتضال. ليضروا أنفسهم بما يحتاج إليه لقتال العدو لا ~~للهو، بدليل قوله # إنا ذهبنا نستبق # يوسف 17 وإنما سموه لعبا لأنه في صورته. ### || [12.13] # { ليحزننى } اللام لام الابتداء، كقوله # إن ربك ليحكم بينهم # النحل 124 ودخولها أحد ما ذكره سيبويه من سبي المضارعة. اعتذر إليهم ~~بشيئين، أحدهما أن ذهابهم به ومفارقته إياه مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر ~~عنه ساعة. والثاني خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم، ~~أوقل به اهتمامهم ولم تصدق بحفظه عنايتهم. وقيل رأى في النوم أن الذئب ~~قد شد على يوسف فكان يحذره، فمن ثم قال ذلك فلقنهم العلة، وفي أمثالهم ~~البلاء موكل بالمنطق. وقرىء «الذئب» بالهمزة على الأصل وبالتخفيف. وقيل ~~اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة. ### || [12.14] # القسم محذوف تقديره والله { لئن أكله الذئب } واللام موطئة ~~للقسم. وقوله { إنا إذا لخسرون } جواب للقسم مجزىء عن جزاء ~~الشرط، والواو في { ونحن عصبة } واو الحال حلفوا له لئن كان ما ~~خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم - وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب ~~الأمور وتكفي الخطوب - إنهم إذا لقوم خاسرون، أي هالكون ضعفا وخورا ~~وعجزا. أو مستحقون أن يهلكوا لأنه لا غناء عندهم ولا جدوى في حياتهم. أو ~~مستحقون لأن يدعي عليهم بالخسارة والدمار، وأن يقال خسرهم الله ودمرهم ~~حين أكل الذئب بعضهم وهم حاضرون. وقيل إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت ~~مواشنا إذا وخسرناها فإن قلت قد اعتذر إليهم بعذرين، فلم أجابوا عن ~~أحدهما دون الآخر؟ قلت هو الذي كان يغيظهم ويذيقهم الأمرين فأعاروه ~~آذانا صما ولم يعبؤوا به. ### || [12.15] # { أن يجعلوه } مفعول { أجمعوا } من قولك أجمع الأمر وأزمعه # فأجمعوا أمركم # يونس 71. وقرىء «في غيابات» الجب وقيل هو بئر بيت المقدس. وقيل بأرض ~~الأردن وقيل بين مصر ومدين. وقيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. وجواب ~~«لما» محذوف. ومعناه فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي أنهم لما برزوا ms0904 ~~به إلى البرية أظهروا له العدواة وأخذوا يهنونه ويضربونه، وكلما استغاث ~~بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة والضرب، حتى كادوا يقتلونه. فجعل يصيح ~~يا أبتاه، لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء، فقال يهوذا أما أعطيتموني ~~موثقا أن لا تقتلوه؟ فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها ~~من يده، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه، فقال يا إخوتاه، ~~ردوا علي قميصي أتوارى به، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على ~~أبيهم، فقالوا له ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، ودلوه في ~~البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى ~~إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم، فأجابهم ~~فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام. ~~ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وجرد عن ثيابه أتاه ~~جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق ~~إلى يعقوب، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، فجاء جبريل فأخرجه ~~وألبسه إياه { وأوحينا إليه } قيل أوحي إليه في الصغر كما ~~أوحي إلى يحيى وعيسى وقيل كان إذا ذاك مدركا. وعن الحسن كان له سبع ~~عشرة سنة { لتنبئنهم بأمرهم هذا } وإنما أوحي إليه ~~ليؤنس في الظلمة والوحشة، ويبشر بما يؤول إليه أمره. ومعناه لتتخلصن مما ~~أنت فيه، ولتحدثن إخوتك بما فعلوا بك { وهم لا يشعرون } أنك ~~يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك، وبعد حالك عن أوهامهم، ولطول العهد ~~المبدل للهيئات والأشكال، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم ~~له منكرون، دعا بالصواع فوضعه على يده، ثم نقره فطن فقال إنه ليخبرني ~~هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، وكان يدنيه دونكم، ~~وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب، وقلتم لأبيكم أكله الذئب، ~~وبعتموه بثمن بخس. ويجوز أن يتعلق { وهم لا يشعرون } بقوله { ~~وأوحينا } على أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشة، وهم لا ~~يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش ms0905 لا أنيس له وقرىء «لننبئنهم» بالنون ~~على أنه وعيد لهم. وقوله { وهم لا يشعرون } متعلق بأوحينا لا ~~غير. ### || [12.16-17] # وعن الحسن «عشيا» على تصغير عشي يقال لقيته عشيا وعشيانا، وأصيلا ~~وأصيلانا ورواه ابن جني عشى، بضم العين والقصر. وقال عشوا من البكاء. ~~وروي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي يا أبا أمية، أما ~~تراها تبكي؟ فقال قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة ولا ينبغي لأحد أن ~~يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. وروي أنه لما سمع صوتهم ~~فزع وقال ما لكم يا بني؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا لا. قال فما لكم ~~وأين يوسف؟ { قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق } أي ~~نتسابق، والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل والارتماء ~~والترامي، وغير ذلك. والمعنى نتسابق في العدو أو في الرمي. وجاء في ~~التفسير ننتضل { بمؤمن لنا } بمصدق لنا { ولو كنا ~~صدقين } ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، لشدة محبتك ليوسف، ~~فكيف وأنت سيء الظن بنا، غير واثق بقولنا. ### || [12.18] # { بدم كذب } ذي كذب. أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب ~~وعينه، كما يقال للكذاب هو الكذب بعينه، والزور بذاته. ونحوه. # فهن به جود وأنتم به بخل # وقرىء «كذبا» نصبا على الحال، بمعنى جاءوا به كاذبين، ويجوز أن يكون ~~مفعولا له. وقرأت عائشة رضي الله عنها كدب، بالدال غير المعجمة، أي كدر. ~~وقيل طري، وقال ابن جني أصله من الكدب وهو الفوف البياض الذي يخرج على ~~أظفار الأحداث. كأنه دم قد أثر في قميصه. روي أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه ~~بدمها، وزل عنهم أن يمزقوه. وروي أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى ~~صوته وقال أين القميص؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم ~~القميص وقال تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق ~~عليه قميصه. وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات كان دليلا ليعقوب على ~~كذبهم، وألقاه على وجهه فارتد بصيرا، ودليلا على براءة يوسف حين ms0906 قد من ~~دبر. فإن قلت { على قميصه } ما محله؟ قلت محله النصب على الظرف، ~~كأنه قيل وجاءوا فوق قميصه بدم كما تقول جاء على جماله بأحمال. فإن قلت ~~هل يجوز أن تكون حالا متقدمة؟ قلت لا، لأن حال المجرور لا تتقدم عليه { ~~سولت } سهلت من السول وهو الاسترخاء، أي سهلت { لكم أنفسكم ~~أمرا } عظيما ارتكبتموه من يوسف وهونته في أعينكم استدل على فعلهم ~~به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص. أو أوحي إليه بأنهم قصدوه { ~~فصبر جميل } خبر أو مبتدأ لكونه موصوفا أي فأمري صبر جميل، أو ~~فصبر جميل أمثل، وفي قراءة أبي «فصبرا جميلا» والصبر الجميل جاء في ~~الحديث المرفوع 540 «أنه الذي لا شكوى فيه » ومعناه الذي لا شكوى فيه ~~إلى الخلق. ألا ترى إلى قوله # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله # يوسف 86 وقيل لا أعايشكم على كآبة الوجه، بل أكون لكم كما كنت وقيل سقط ~~حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة، فقيل له ما هذا؟ فقال طول ~~الزمان وكثرة الأحزان. فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني؟ قال يا ~~رب. خطيئة فاغفرها لي { والله المستعان } أي أستعينه { على ~~} احتمال { ما تصفون } من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه. ### || [12.19] # { وجاءت سيارة } رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة ~~أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا منه، وكان ~~الجب في قفرة بعيدة من العمران لم يكن إلا للرعاة. وقيل كان ماؤها ملحا. ~~فعذب حين ألقي فيه يوسف { فأرسلوا } رجلا يقال له مالك ابن ذعر ~~الخزاعي، ليطلب لهم الماء. والوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم { ~~يبشرى } نادى البشرى، كأنه يقول تعالى، فهذا من آونتك وقرىء «يا ~~بشراي» على إضافتها إلى نفسه. وفي قراءة الحسن وغيره «يا بشري» بالياء ~~مكان الألف، جعلت الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة وهي لغة للعرب ~~مشهورة سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم يا سيدي ومولي. وعن نافع يا ~~بشراي بالسكون، وليس بالوجه لما فيه من ms0907 التقاء الساكنين على غير حده، ~~إلا أن يقصد الوقف. وقيل لما أدلى دلوه أي أرسلها في الجب تعلق يوسف ~~بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون، فقال يا بشراي { هذا ~~غلام } وقيل ذهب به، فلما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به { ~~وأسروه } الضمير للوارد وأصحابه أخفوه من الرفقة. وقيل أخفوا أمره ~~ووجدانهم له في الجب، وقالوا لهم دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر. ~~وعن ابن عباس أن الضمير لإخوة يوسف، وأنهم قالوا للرفقة هذا غلام لنا قد ~~أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه. و { بضعة } نصب على ~~الحال، أي أخفوه متاعا للتجارة. والبضاعة ما بضع من المال للتجارة أي ~~قطع { والله عليم بما يعملون } لم يخف عليه أسرارهم، وهو ~~وعيد لهم حيث استبضعوا ما ليس لهم. أو والله عليم بما يعمل إخوة يوسف ~~بأبيهم وأخيهم من سوء الصنيع. ### || [12.20] # > { وشروه } وباعوه { بثمن بخس } مبخوس ناقص عن القيمة ~~نقصانا ظاهرا، أو زيف ناقص العيار { درهم } لا دنانير { ~~معدودة } قليلة تعد عدا ولا توزن، لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما ~~بلغ الأوقية وهي الأربعون، ويعدون ما دونها. وقيل للقليلة معدودة لأن ~~الكثيرة يمتنع من عدها لكثرتها. وعن ابن عباس كانت عشرين درهما. وعن ~~السدي اثنين وعشرين { وكانوا فيه من الزهدين } ممن يرغب عما ~~في يده فيبيعه بما طف من الثمن لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء متهاون به ~~لا يبالي بم باعه، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده فيبيعه من ~~أول مساوم بأوكس الثمن. ويجوز أن يكون معنى { وشروه } واشتروه، ~~يعني الرفقة من إخوته { وكانوا فيه من الزهدين } لأنهم ~~اعتقدوا أنه آن فخافوا أن يخطروا بما لهم فيه. ويروى أن إخوته اتبعوهم ~~يقولون لهم استوثقوا منه لا يأبق. وقوله { فيه } ليس من صلة { ~~الزهدين } لأن الصلة لا تتقدم على الموصول. ألا تراك لا تقول ~~وكانوا زيدا من الضاربين، وإنما هو بيان، كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟ ~~فقال زهدوا فيه. ### || [12.21] # { الذى اشتراه } قيل هو ms0908 قطفير أو أطفير، وهو العزيز الذي كان على ~~خزائن مصر، والملك يؤمئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق، وقد آمن ~~بيوسف ومات في حياة يوسف، فملك بعده قابوس بن مصعب، فدعاه يوسف إلى ~~الإسلام فأبى، واشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث ~~عشرة سنة، واستوزره ريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم ~~والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. وقيل ~~كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة بدليل قوله # ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينت # غافر 34 وقيل فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف. وقيل اشتراه العزيز ~~بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين. وقيل أدخلوه السوق يعرضونه ~~فترافعوا في ثمنه، حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا وحريرا، فابتاعه ~~قطفير بذلك المبلغ { أكرمى مثواه } اجعلي منزله ومقامه عندنا ~~كريما، أي حسنا مرضيا، بدليل قوله # إنه ربى أحسن مثواى # يوسف 23 والمراد تفقديه بالإحسان وتعهديه بحسن الملكة، حتى تكون نفسه ~~طيبة في صحبتنا، ساكنة في كنفنا. ويقال للرجل كيف أبو مثواك وأم مثواك ~~لمن ينزل به من رجل أو امرأة، يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده، وهل يراعى ~~حق نزولك به. واللام في { لامرأته } متعلقةبقال، لا باشتراه { ~~عسى أن ينفعنا } لعله إذا تدرب وراض الأمور وفهم مجاريها، ~~نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله، فينفعنا فيه بكفايته وأمانته. أو ~~نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قطفير عقيما لا يولد له، وقد تفرس فيه ~~الرشد فقال ذلك. وقيل أفرس الناس ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف، فقال ~~لامرأته { أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا } والمرأة التي أتت ~~موسى وقالت لأبيها # يأبت استجره # القصص 26 وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما. وروي أنه سأله عن ~~نفسه، فأخبره بنسبه فعرفه { وكذلك } الإشارة إلى ما تقدم من إنجائه ~~وعطف قلب العزيز عليه، والكاف منصوب تقديره ومثل ذلك الإنجاء والعطف { ~~مكنا } له، أي كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز، كذلك مكنا له في أرض ms0909 ~~مصر وجعلناه ملكا يتصرف فيها بأمره ونهيه { ولنعلمه من ~~تأويل الاحاديث } كان ذلك الإنجاء والتمكين لأن غرضنا ليس إلا ~~ما تحمد عاقبته من علم وعمل { والله غالب على أمره } على ~~أمر نفسه لا يمنع عما يشاء ولا ينازع ما يريد ويقضي. أو على أمر يوسف ~~يدبره لا يكله إلى غيره، قد أراد إخوته به ما أرادوا، ولم يكن إلا ما ~~أراد الله ودبره { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن ~~الأمر كله بيد الله. ### || [12.22] # قيل في الأشد ثماني عشرة، وعشرون، وثلاث وثلاثون، وأربعون. وقيل أقصاه ~~ثنتان وستون { حكما } حكمة وهو العلم بالعمل واجتناب ما يجهل فيه. ~~وقيل حكما بين الناس وفقها { وكذلك نجزى المحسنين } تنبيه ~~على أنه كان محسنا في عمله، متقيا في عنفوان أمره، وأن الله آتاه ~~الحكم والعلم جزاء على إحسانه. وعن الحسن من أحسن عبادة ربه في شبيبته ~~آتاه الله الحكمة في اكتهاله. ### || [12.23] # المراودة مفاعلة، من راد يرود إذا جاء وذهب، كأن المعني خادعته عن نفسه، ~~أي فعلت ما يفعل المخادع لصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، ~~يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التحمل لمواقعته إياها { ~~وغلقت الأبواب } قيل كانت سبعة. وقرىء «هيت» بفتح الهاء ~~وكسرها مع فتح التاء، وبناؤها كبناء أين، وعيط. وهيت كجير وهيت كحيث. ~~وهئت بمعنى تهيأت يقال هاء يهيء، كجاء يجيء إذا تهيأ. وهيئت لك واللام من ~~صلة الفعل وأما في الأصوات فللبيان كأنه قيل لك أقول هذا، كما تقول هلم ~~لك { معاذ الله } أعوذ بالله معاذا { إنه } إن الشأن والحديث ~~{ ربى } سيدي ومالكي، يريد قطفير { أحسن مثواى } حين قال لك ~~أكرمي مثواه، فما جزاؤه أن أخلفه في أهله سوء الخلافة وأخونه فيهم { ~~إنه لا يفلح الظلمون } الذين يجازون الحسن بالسيء. وقيل ~~أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم. وقيل أراد الله تعالى، لأنه مسبب ~~الأسباب. ### || [12.24] # هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه، قال # هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان ~~تبكي حلائله # ومنه قولك لا ms0910 أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما. أي ولا أكاد أن أفعله كيدا، ~~ولا أهم بفعله هما، حكاه سيبويه، ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بأمر ~~أمضاه ولم ينكل عنه. وقوله { ولقد همت به } معناه. ولقد همت ~~بمخالطته { وهم بها } وهم بمخالطتها { لولا أن رأى برهان ~~ربه } جوابه محذوف، تقديره لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف لأن ~~قوله { وهم بها } يدل عليه، كقولك هممت بقتله لولا أني خفت الله، ~~معناه لولا أني خفت اللهلقتلته. فإن قلت كيف جاز على نبي الله أن يكون ~~منه هم بالمعصية وقصد إليها؟ قلت المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ~~ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه، وكما ~~تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم. وهو يكسر ما به ~~ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب ~~المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ~~ممدوحا عند الله بالامتناع لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم ~~الابتلاء وشدته. ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من ~~عباده المخلصين. ويجوز أن يريد بقوله { وهم بها } وشارف أن يهم ~~بها، كما يقول الرجل قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته. ~~كأنه شرع فيه فإن قلت قوله { وهم بها } داخل تحت حكم القسم في قوله ~~{ ولقد همت به } أم هو خارج منه؟ قلت الأمران جائزان. ومن حق ~~القارىء إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاما برأسه أن يقف على قوله ~~{ ولقد همت به } ويبتدىء قوله { وهم بها لولا أن ~~رءا برهان ربه } وفيه أيضا إشعار بالفرق بين الهمين. فإن قلت ~~لم جعلت جواب لولا محذوفا يدل عليه هم بها وهلا جعلته هو الجواب مقدما ~~فإن قلت لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها، من قبل أنه في حكم الشرط، ~~وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، ولا ~~يجوز تقديم بعض الكلمة ms0911 على بعض. وأما حذف بعضها إذا دل الدليل عليه ~~فجائز، فإن قلت فلم جعلت «لولا» متعلقة بهم بها وحده ولم تجعلها متعلقة ~~بجملة قوله { ولقد همت به وهم بها } لأن الهم لا يتعلق ~~بالجواهر ولكن بالمعاني. فلا بد من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون ~~إلا من اثنين معا، فكأنه قيل ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع ~~أحدهما؟ قلت نعم ما قلت، ولكن الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على ~~سبيل التفصيل حيث قال { ولقد همت به وهم بها } فكان ~~إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير، ولقد همت بمخالطته وهم ~~بمخالطتها، على أن المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء ~~شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها { لولا أن ~~رءا برهان ربه } فترك التوصل إلى حظه من الشهوة فلذلك كانت ~~«لولا» حقيقة بأن تعلق بهم بها وحده، وقد فسرهم يوسف بأنه حل الهميان ~~وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي ~~مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتا إياك وإياها، فلم يكترث ~~له، فسمعه ثانيا فلم يعمل به، فسمع ثالثا أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى ~~مثل له يعقوب عاضا على أنملته. # وقيل ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقيل كل ولد يعقوب له ~~اثنا عشر ولدا إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولدا من أجل ما نقص من ~~شهوته حين هم، وقيل صيح به يا يوسف، لا تكن كالطائر كان له ريش، فلما ~~زنى قعد لا ريش له. وقيل بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب ~~فيها # وإن عليكم لحفظين كراما كتبين # الانفطار 11 فلم ينصرف، ثم رأى فيها # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا # الإسراء 32 فلم ينته، ثم رأى فيها # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # البقرة 281 فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل عليه السلام أدرك عبدي قبل ~~أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول ms0912 يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت ~~مكتوب في ديوان الأنبياء؟ وقيل رأى تمثال العزيز. وقيل قامت المرأة إلى ~~صنم كان هناك فسترته وقالت أستحي منه أن يرانا. فقال يوسف استحييت ممن لا ~~يسمع ولا يبصر، ولا أستحي من السميع البصير، العليم بذوات الصدور. وهذا ~~ونحوه. مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، ~~وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو ~~وجدت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنعيت عليه وذكرت توبته ~~واستغفاره، كما نعيت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، ~~وعلى ذي النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي ~~مخلصا، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة ~~أولي القوة والعزم، ناظرا في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من ~~الله الثناء فيما أنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على ~~سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب صورة كاملة ~~عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجده الخليل إبراهيم ~~عليه السلام، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار ~~والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن ~~يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ~~ليقتدي بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته ~~للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات ~~بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر ~~الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ~~ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة ~~وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجها لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ~~ذكروا، لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرك. # فيا له من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه { كذلك } الكاف منصوب ~~المحل، أي ms0913 مثل ذلك التثبيت ثبتناه. أو مرفوعه، أي الأمر مثل ذلك { ~~لنصرف عنه السوء } من خيانة السيد { والفحشاء } من الزنا ~~{ إنه من عبادنا المخلصين } الذين أخلصوا دينهم لله، ~~وبالفتح الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم. ويجوز أن يريد بالسوء. ~~مقدمات الفاحشة، من القبلة والنظر بشهوة، ونحو ذلك. وقوله { من ~~عبادنا } معناه بعض عبادنا، أي هو مخلص من جملة المخلصين. أو هو ~~ناشىء منهم، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم # إنا أخلصنهم بخالصة # ص 46. ### || [12.25-29] # { واستبقا الباب } وتسابقا إلى الباب على حذف الجار وإيصال ~~الفعل، كقوله # واختار موسى قومه # الأعراف 155 أو على تضمين «استبقا» معنى «ابتدرا» نفر منها يوسف، فأسرع ~~يريد الباب ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج. فإن قلت كيف وجد الباب، ~~وقد جمعه في قوله # وغلقت الأبواب # يوسف 23 قلت أراد الباب البراني الذي هو المخرج من الدار والمخلص من ~~العار، فقد روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى ~~خرج من الأبواب { وقدت قميصه من دبر } اجتذبته من خلفه ~~فانقد، أي انشق حين هرب منها إلى الباب وتبعته تمنعه { وألفيا ~~سيدها } وصادفا بعلها وهو قطفير، تقول المرأة لبعلها سيدي. وقيل ~~إنما لم يقل سيدهما، لأن ملك يوسف لم يصح، فلم يكن سيدا له على ~~الحقيقة. قيل ألفياه مقبلا يريد أن يدخل. وقيل جالسا مع ابن عم ~~للمرأة. لما اطلع منها زوجها على تلك الهيئة المريبة وهي مغتاظة على يوسف ~~إذ لم يؤاتها جاءت بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئة ساحتها عند زوجها ~~من الريبة والغضب على يوسف، وتخويفه طمعا في أن يؤاتيها خيفة منها ومن ~~مكرها، وكرها لما أيست من مؤاتاته طوعا. ألا ترى إلى قولها # ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن # يوسف 32 و «ما» نافية، أي ليس جزاؤه إلا السجن. ويجوز أن تكون ~~استفهامية، بمعنى أي شيء جزاؤه إلا السجن، كما تقول من في الدار إلا ~~زيد. فإن قلت كيف لم تصرح في قولها بذكر يوسف، وإنه أراد بها سوءا؟ قلت ~~قصدت ms0914 العموم، وأن كل من أراد بأهلك سوءا فحقه أن يسجن أو يعذب، لأن ~~ذلك أبلغ فيما قصدته من تخويف يوسف. وقيل العذاب الأليم الضرب بالسياط. ~~ولما أغرت به وعرضته للسجن والعذاب وجب عليه الدفع عن نفسه فقال { هى ~~راودتنى عن نفسى } ولولا ذلك لكتم عليها { وشهد شاهد ~~من أهلها } قيل كان ابن عم لها، إنما ألقى الله الشهادة على لسان ~~من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها، وأوثق لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة ~~عنه. وقيل هو الذي كان جالسا مع زوجها لدى الباب. وقيل كان حكيما يرجع ~~إليه الملك ويستشيره ويجوز أن يكون بعض أهلها كان في الدار فبصر بها من ~~حيث لا تشعر، فأغضبه الله ليوسف بالشهادة له والقيام بالحق. وقيل كان ابن ~~خال لها صبيا في المهد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 541 # " تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ~~" # فإن قلت لم سمي قوله شهادة وما هو بلفظ الشهادة؟ قلت لما أدى مؤدى ~~الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها سمي شهادة فإن قلت الجملة ~~الشرطية كيف جازت حكايتها بعد فعل الشهادة؟ قلت لأنها قول من القول، أو ~~على إرادة القول، كأنه قيل وشهد شاهد فقال إن كان قميصه. # فإن قلت إن دل قد قميصه من دبر على أنها كاذبة وأنها هي التي تبعته ~~واجتبذت ثوبه إليها فقدته، فمن أين دل قده من قبل على أنها صادقة، وأنه ~~كان تابعها؟ قلت من وجهين، أحدهما أنه إذا كان تابعها وهي دافعته عن ~~نفسها قدت قميصه من قدامه بالدفع. والثاني أن يسرع خلفها ليلحقها فيتعثر ~~في مقادم قميصه فيشقه. وقرىء «من قبل» ومن دبر، بالضم على مذهب الغايات. ~~والمعنى من قبل القميص ومن دبره. وأما التنكير فمعناه من جهة يقال لها ~~قبل، ومن جهة يقال لها دبر. وعن ابن أبي إسحاق أنه قرأ «من قبل» و «من ~~دبر» بالفتح، كأنه جعلهما علمين للجهتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث. ~~وقرئا بسكون العين. فإن ms0915 قلت كيف جاز الجمع بين «إن» الذي هو للاستقبال ~~وبين «كان»؟ قلت لأن المعنى أن يعلم أنه كان قميصه قد، ونحوه كقولك إن ~~أحسنت إلي فقد أحسنت إليك من قبل، لمن يمتن عليك بإحسانه، تريد إن تمتن ~~علي أمتن عليك { فلما رءا } يعني قطفير وعلم براءة يوسف وصدقه ~~وكذبها { قال إنه } إن قولك { ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا } أو إن الأمر وهو طمعها في يوسف { من كيدكن } الخطاب لها ~~ولأمتها. وإنما استعظم كيد النساء لأنه وإن كان في الرجال، إلا أن ~~النساء ألطف كيدا وأنفذ حيلة. ولهن في ذلك نيقة ورفق، وبذلك يغلبن ~~الرجال. ومنه قوله تعالى # ومن شر النفثت فى العقد # الفلق 4 والقصريات من بينهن معهن ما ليس مع غيرهن من البوائق وعن بعض ~~العلماء أنا أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن الله تعالى ~~يقول # إن كيد الشيطن كان ضعيفا # النساء 76 وقال للنساء { إن كيدكن عظيم }. { يوسف } حذف ~~منه حرف النداء لأنه منادى قريب مفاطن للحديث وفيه تقريب له وتلطيف لمحله ~~{ أعرض عن هذا } الأمر واكتمه ولا تحدث به { واستغفرى } ~~أنت { لذنبك إنك كنت من الخطئين } من جملة القوم ~~المتعمدين للذنب. يقال خطىء، إذا أذنب متعمدا، وإنما قال { من ~~الخطئين } بلفظ التذكير تغليبا للذكور على الإناث، وما كان ~~العزيز إلا رجلا حليما. وروي أنه كان قليل الغيرة. ### || [12.30-32] # { وقال نسوة } وقال جماعة من النساء وكن خمسا امرأة الساقي، ~~وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، وامرأة الحاجب. ~~والنسوة اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة، ولذلك لم ~~تلحق فعله تاء التأنيث. وفيه لغتان كسر النون وضمها { فى المدينة } ~~في مصر { امرأت العزيز } يردن قطفير، والعزيز الملك بلسان العرب ~~{ فتها } غلامها. يقال فتاي وفتاتي، أي غلامي وجاريتي { شغفها } ~~خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف حجاب القلب، وقيل جلدة ~~رقيقة يقال لها لسان القلب. قال النابغة # وقد حال هم دون ذلك والج مكان الشغاف ~~تبتغيه الأصابع # وقرىء «شعفها» بالعين، ms0916 من شعف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال # كما شعف المهنوءة الرجل الطالي # و { حبا } نصب على التمييز { فى ضلل مبين } في خطأ وبعد ~~عن طريق الصواب { بمكرهن } باغتيابهن وسوء قالتهن، وقولهن امرأة ~~العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها، وسمي الاغتياب مكرا لأنه في خفية ~~وحال غيبة، كما يخفي الماكر مكره. وقيل كانت استكتمتهن سرها فأفشينه ~~عليها { أرسلت إليهن } دعتهن. قيل دعت أربعين امرأة منهن ~~الخمس المذكورات { وأعتدت لهن متكئا } ما يتكئن عليه من ~~نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات والسكاكين في أيديهن أن ~~يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن ~~فيقطعنها، لأن المتكىء إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد ~~الجمع بين المكر به وبهن، فتضع الخناجر في أيديهن ليقطعن أيديهن، ~~فتبكتهن بالحجة، ولتهول يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات ~~في أيديهن الخناجر، وتوهمه أنهن يثبن عليه. وقيل متكأ مجلس طعام لأنهم ~~كانوا يتكؤن للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك. 542 # " نهى أن يأكل الرجل متكئا " # وأتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن. وقيل { متكئا } طعاما، من ~~قولك اتكأنا عند فلان طعمنا، على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك ~~اتخذت له تكأة يتكىء عليها. قال جميل # فظللنا بنعمة واتكأنا وشربنا الحلال من ~~قلله # وعن مجاهد { متكئا } طعاما يحز حزا، كأن المعنى يعتمد بالسكين ~~لأن القاطع يتكىء على المقطوع بالسكين. وقرىء «متكا» بغير همز. وعن ~~الحسن «متكاء» بالمد، كأنه مفتعال، وذلك لإشباع فتحة الكاف، كقوله ~~«بمنتزاح» بمعنى بمنتزح. ونحوه «ينباع» بمعنى ينبع. وقرىء «متكأ» ~~وهو الأترج، وأنشد # فأهدت متكة لبني أبيها تخب بها العثمثة ~~الوقاح # وكانت أهدت أترجة على ناقة، وكأنها الأترجة التي ذكرها أبو داود في سننه ~~أنها شقت بنصفين، وحملا كالعدلين على جمل. وقيل الزماورد وعن وهب أترجا ~~وموزا وبطيخا. # وقيل أعتدت لهن ما يقطع، من متك الشيء بمعنى بتكه إذا قطعه. وقرأ ~~الأعرج { متكئا } مفعلا، من تكىء يتكأ، إذا اتكأ { أكبرنه } ~~أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع ms0917 والجمال الفائق. قيل كان فضل يوسف على ~~الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 543 # " مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء، فقلت لجبريل من هذا؟ فقال ~~يوسف، فقيل يا رسول الله كيف رأيته؟ قال «كالقمر ليلة البدر " # وقيل كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران، كما يرى ~~نور الشمس من الماء عليها. وقيل ما كان أحد يستطيع وصف يوسف. وقيل كان ~~يشبه آدم يوم خلقه ربه. وقيل ورث الجمال من جدته سارة. وقيل أكبرن بمعنى ~~حضن، والهاء للسكت، يقال أكبرت المرأة إذا حاضت، وحقيقته دخلت في الكبر ~~لأنها بالحيض تخرج من حد الصغر إلى حد الكبر، وكأن أبا الطيب أخذ من ~~هذا التفسير قوله # خف الله واستر ذا الجمال ببرقع فإن لحت ~~حاضت في الخدور العواتق # { قطعن أيديهن } جرحنها، كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت ~~يدي، تريد جرحتها { حاشا } كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء. ~~تقول أساء القوم حاشا زيد. قال # حاشا أبي ثوبان إن به ضنا عن الملحاة والشتم # وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى «حاشا الله» ~~براءة الله وتنزيه الله، وهي قراءة ابن مسعود، على إضافة حاشا إلى الله ~~إضافة البراءة. ومن قرأ حاشا لله، فنحو قولك سقيا لك كأنه قال براءة، ثم ~~قال لله، لبيان من يبرأ وينزه. والدليل على تنزيل «حاشا» منزلة المصدر ~~قراءة أبي السمال { حاشا لله } بالتنوين. وقراءة أبي عمرو « { حاش ~~لله } » بحذف الألف الآخرة. وقراءة الأعمش « { حشا لله } » بحذف الألف ~~الأولى. وقرىء «حاش لله» بسكون الشين، على أن الفتحة تبعت الألف في ~~الإسقاط، وهي ضعيفة لما فيها من التقاء الساكنين على غير حده. وقرىء ~~«حاشا الإله». فإن قلت فلم جاز في حاشا لله أن لا ينون بعد إجرائه مجرى ~~براءة لله؟ قلت مراعاة لأصله الذي هو الحرفية. ألا ترى إلى قولهم جلست من ~~عن يمينه، كيف تركوا «عن» غير معرب على أصله؟ ms0918 وعلى قوله «غدت من عليه» ~~منقلب الألف إلى الياء مع الضمير؟ والمعنى تنزيه الله تعالى من صفات ~~العجز، والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله. وأما قوله # حاشا لله ما علمنا عليه من سوء # يوسف 51 فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله { ما هذا بشرا } ~~نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، ~~وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع ~~أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل ~~متناه في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك، كما ~~ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من ~~الملائكة، إلا ما عليه الفئة الخاسئة المجبرة من تفضيل الإنسان على ~~الملك، وما هو إلا من تعكيسهم للحقائق، وجحودهم للعلوم الضرورية، ~~ومكابرتهم في كل باب، وإعمال «ما» عمل «ليس» هي اللغة القدمى الحجازية ~~وبها ورد القرآن. # ومنها قوله تعالى # ما هن أمهتهم # المجادلة 2 ومن قرأ على سليقته من بني تميم، قرأ «بشر» بالرفع. وهي في ~~قراءة ابن مسعود. وقرىء «ما هذا بشرى» أي ما هو بعبد مملوك لئيم { إن ~~هذا إلا ملك كريم } تقول هذا بشرى، أي حاصل بشرى، بمعنى هذا ~~بشرى. وتقول هذا لك بشري أم بكري؟ والقراءة هي الأولى، لموافقتها المصحف ~~ومطابقة بشر لملك { قالت فذلكن } ولم يقل فهذا وهو حاضر، رفعا ~~لمنزلته في الحسن، واستحقاق أن يحب ويفتتن به، وربئا بحاله واستبعادا ~~لمحله، ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهن عشقت عبدها الكنعاني. ~~تقول هو ذلك العبد الكنعاني الذي صورتن في أنفسكن، ثم لمتننى فيه. تعني ~~أنكن لم تصورنه بحق صورته، ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتني في الافتنان ~~به. الاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد، كأنه ~~في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها. ونحوه استمسك واستوسع الفتق ~~واستجمع الرأي واستفحل الخطب. وهذا بيان لما كان من يوسف عليه ms0919 السلام لا ~~مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريء مما أضاف إليه أهل ~~الحشو مما فسروا به الهم والبرهان. فإن قلت الضمير في { ءامره } ~~راجع إلى الموصول، أم إلى يوسف؟ قلت بل إلى الموصول. والمعنى ما آمر به، ~~فحذف الجار كما في قولك أمرتك الخير، ويجوز أن تجعل «ما» مصدرية، فيرجع ~~إلى يوسف ومعناه ولئن لم يفعل أمري إياه، أي موجب أمري ومقتضاه. قرىء ~~«وليكونا» بالتشديد والتخفيف. والتخفيف أولى، لأن النون كتبت في المصحف ~~ألفا على حكم الوقف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة. ### || [12.33-34] # وقرىء « { السجن } » بالفتح على المصدر. وقال { يدعوننى } على ~~إسناد الدعوة إليهن جميعا، لأنهن تنصحن له وزين له مطاوعتها، وقلن له ~~إياك وإلقاء نفسك في السجن والصغار، فالتجأ إلى ربه عند ذلك وقال رب ~~نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية. فإن قلت نزول السجن مشقة على ~~النفس شديدة، وما دعونه إليه لذة عظيمة، فكيف كانت المشقة أحب إليه من ~~اللذة؟ قلت كانت أحب إليه وآثر عنده نظرا في حسن الصبر على احتمالها ~~لوجه الله، وفي قبح المعصية، وفي عاقبة كل واحدة منهما، لا نظرا في ~~مشتهى النفس ومكروهها { وإلا تصرف عنى كيدهن } فزع منه ~~إلى ألطاف الله وعصمته، كعادة الأنبياء والصالحين فيما عزم عليه ووطن ~~عليه نفسه من الصبر، لا أن يطلب منه الإجبار على التعفف والإلجاء إليه { ~~أصب إليهن } أمل إليهن. والصبوة الميل إلى الهوى. ومنها الصبا ~~لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وقرىء «أصب إليهن» من ~~الصبابة { من الجهلين } من الذين لا يعملون بما يعلمون. لأن من ~~لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء. أو من السفهاء، لأن الحكيم لا يفعل ~~القبيح. وإنما ذكر الاستجابة ولم يتقدم الدعاء، لأن قوله { وإلا ~~تصرف عنى } فيه معنى طلب الصرف والدعاء باللطف { السميع } ~~لدعوات الملتجئين إليه { العليم } بأحوالهم وما يصلحهم. ### || [12.35] # { بدا لهم } فاعله مضمر، لدلالة ما يفسره عليه وهو ليسجننه، ~~والمعنى بدالهم بداء، أي ظهر لهم رأي ليسجننه، والضمير في ms0920 { لهم } ~~للعزيز وأهله { من بعد ما رأوا الآيت } وهي الشواهد على ~~براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفتلها منه في الذروة ~~والغارب وكان مطواعة لها وجميلا ذلولا زمامه في يدها، حتى أنساه ذلك ما ~~عاين من الآيات وعمل برأيها في سجنه وإلحاق الصغار به كما أوعدته به، ~~وذلك لما أيست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يذلله السجن ويسخره لها. ~~وفي قراءة الحسن «لتسجننه» بالتاء على الخطاب خاطب به بعضهم العزيز ومن ~~يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم { حتى حين } إلى زمان، كأنها ~~اقترحت أن يسجن زمانا حتى تبصر ما يكون منه. وفي قراءة ابن مسعود «عتى ~~حين» وهي لغة هذيل، وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقرأ «عتى حين» ~~فقال من أقرأك؟ قال ابن مسعود فكتب إليه إن الله أنزل هذا القرآن فجعله ~~عربيا وأنزله بلغة قريش، فأقرىء الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل، ~~والسلام. ### || [12.36] # { مع } يدل على معنى الصحبة واستحداثها، تقول خرجت مع الأمير، تريد ~~مصاحبا له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له { فتيان } عبدان ~~للملك خبازه وشرابيه رقي إليه أنهما يسمانه، فأمر بهما إلى السجن، فأدخلا ~~ساعة أدخل يوسف عليه السلام { إنى أرانى } يعني في المنام، وهي ~~حكاية حال ماضية { أعصر خمرا } يعني عنبا، تسمية للعنب بما يؤول ~~إليه. وقيل الخمر - بلغة عمان - اسم للعنب. وفي قراءة ابن مسعود «أعصر ~~عنبا» { من المحسنين } من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي ~~يجيدونها، رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤولها له، فقالا له ~~ذلك. أو من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم. أو من ~~المحسنين إلى أهل السجن. فأحسن إلينا بأن تفرج عنا الغمة بتأويل ما ~~رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا. روي أنه كان إذا مرض رجل منهم قام ~~عليه، وإذا أضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له. وعن قتادة كان في السجن ناس ~~قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يقول أبشروا اصبروا ms0921 تؤجروا، إن لهذا ~~لأجرا، فقالوا بارك الله عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك ! ~~لقد بورك لنا في جوارك، فمن أنت يا فتى؟ قال أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ~~ابن ذبيح الله إسحاق ابن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن لو ~~استطعت خليت سبيلك، ولكني أحسن جوارك، فكن في أي بيوت السجن شئت. وروي أن ~~الفتيين قالا له إنا لنحبك من حين رأيناك، فقال أنشدكما بالله أن لا ~~تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء، لقد أحبتني ~~عمتي فدخل علي من حبها بلاء، ثم أحبني أبي فدخل علي من حبه بلاء، ثم ~~أحبتني زوجة صاحبي فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني - بارك الله فيكما ~~- وعن الشعبي أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي إني أراني في بستان، ~~فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب، فقطفتها وعصرتها في كأس ~~الملك، وسقيته. وقال الخباز إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع ~~الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها. فإن قلت إلام يرجع الضمير في قوله { ~~نبئنا بتأويله }؟ قلت إلى ما قصا عليه. والضمير يجري مجرى اسم ~~الإشارة في نحوه كأنه قيل نبئنا بتأويل ذلك. ### || [12.37-38] # لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترض ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق ~~علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من ~~الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما، ويقول اليوم يأتيكما طعام من ~~صفته كيت وكيت، فيجدانه كما أخبرهما، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما ~~التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله، ~~وهذه طريقة على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد ~~منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما ~~هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك، وفيه أن العالم ~~إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده - وغرضه أن يقتبس منه ~~وينتفع به في الدين - لم ms0922 يكن من باب التزيكة { بتأويله } ببيان ~~ماهيته وكيفيته لأن ذلك يشبه تفسير المشكل والإعراب عن معناه { ~~ذلكما } إشارة لهما إلى التأويل، أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ~~{ مما علمنى ربى } وأوحي به إلي ولم أقله عن تكهن وتنجم { ~~إنى تركت } يجوزأن يكون كلاما مبتدأ، وأن يكون تعليلا لما قبله. ~~أي علمني ذلك وأوحي إلي لأني رفضت ملة أولئك واتبعت ملة الأنبياء ~~المذكورين وهي الملة الحنيفية، وأراد بأولئك الذين لا يؤمنون أهل مصر ومن ~~كان الفتيان على دينهم، وتكريرهم للدلالة على أنهم خصوصا كافرون ~~بالآخرة، وأن غيرهم كانوا قوما مؤمنين بها، وهم الذين على ملة إبراهيم، ~~ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيها على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا ~~يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء، ويجوز أن يكون فيه تعريض بما مني به ~~من جهتهم حين أودعوه السجن، بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته، وأن ~~ذلك ما لا يقدم عليه إلا من هو شديد الكفر بالجزاء وذكر آباءه ليريهما ~~أنه من بيت النبوة بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه، بما ذكر من ~~إخباره بالغيوب ليقوي رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله { ما كان ~~لنا } ما صح لنا معشر الأنبياء { أن نشرك بالله } أي شيء ~~كان من ملك أو جني أو إنسي، فضلا عن أن نشرك به صنما لا يسمع ولا ~~يبصر، ثم قال { ذلك } التوحيد { من فضل الله علينا وعلى ~~الناس } أي على الرسل وعلى المرسل إليهم لأنهم نبهوهم عليه وأرشدوهم ~~إليه { ولكن أكثر الناس } المبعوث إليهم { لا يشكرون ~~} فضل الله فيشركون ولا ينتبهون وقيل إن ذلك من فضل الله علينا لأنه ~~نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدل بها. وقد نصب مثل تلك الأدلة ~~لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون ولا يستدلون ~~اتباعا لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين. ### || [12.39-40] # { يصاحبى السجن } يريد يا صاحبي في السجن، فأضافهما إلى السجن ~~كما تقول يا سارق الليلة، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة، فكذلك ~~السجن مصحوب ms0923 فيه غير مصحوب، وإنما المصحوب غيره وهو يوسف عليه السلام، ~~ونحوه قولك لصاحبيك يا صاحبي الصدق فتضيفهما إلى الصدق، ولا تريد أنهما ~~صحبا الصدق، ولكن كما تقول رجلا صدق، وسميتهما صاحبين لأنهما صحباك. ~~ويجوز أن يريد يا ساكني السجن، كقوله # أصحب النار وأصحب الجنة # الحشر 20 { ءأرباب متفرقون } يريد التفرق في العدد ~~والتكاثر. يقول أأن تكون لكما أرباب شتى، يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا { ~~خير } لكما { أم } أن يكون لكما رب واحد قهار لا يغالب ولا يشارك في ~~الربوبية، بل هو { القهار } الغالب، وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ~~ولعبادة الأصنام { ما تعبدون } خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل ~~مصر { إلا أسماء } يعني أنكم سميتم ما لا يستحق الإلهية آلهة، ثم ~~طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها. ~~ومعنى { سميتموها } سميتم بها. يقال سميته بزيد، وسميته زيدا { ~~ما أنزل الله بها } أي بتسميتها { من سلطن } من حجة { ~~إن الحكم } في أمر العبادة والدين { ألا لله } ثم بين ما حكم ~~به فقال { أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين ~~القيم } الثابت الذي دلت عليه البراهين. ### || [12.41] # { أما أحدكما } يريد الشرابي { فيسقى ربه } سيده. وقرأ ~~عكرمة «فيسقي ربه» أي يسقي ما يروي به على البناء للمفعول. روي أنه قال ~~للأول ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده وأما القضبان ~~الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن، ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه، ~~وقال للثاني ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتقتل { قضى ~~الأمر } قطع وتم ما { تستفتيان } فيه من أمركما وشأنكما. فإن ~~قلت ما استفتيا في أمر واحد، بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت ~~المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا من أجله، وظنا أن ما ~~رأياه في معنى ما نزل بهما، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل ~~بهما أعاقبته نجاة أم هلاك، فقال لهما قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، أي ~~ما يجر إليه من العاقبة، ms0924 وهي هلاك أحدهما ونجاة الآخر. وقيل جحدا وقالا ~~ما رأينا شيئا، على ما روي أنهما تحالما له، فأخبرهما أن ذلك كائن ~~صدقتما أو كذبتما. ### || [12.42] # { ظن أنه ناج } الظان هو يوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد، ~~وإن كان بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، ويكون الظن بمعنى اليقين { ~~اذكرنى عند ربك } صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي لعله ~~يرحمني وينتاشني من هذه الورطة { فأنساه الشيطن } فأنسى ~~الشرابي { ذكر ربه } أن يذكره لربه. وقيل فأنسي يوسف ذكر الله حين ~~وكل أمره إلى غيره { بضع سنين } البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ~~وأكثر الأقاويل على أنه لبث فيه سبع سنين. فإن قلت كيف يقدر الشيطان على ~~الإنسان؟ قلت يوسوس إلى العبد بما يشغله عن الشيء من أسباب النسيان، حتى ~~يذهب عنه ويزل عن قلبه ذكره، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله ~~عز وجل # ما ننسخ من ءاية أو ننسها # البقرة 106. فإن قلت ما وجه إضافة الذكر إلى ربه إذا أريد به الملك؟ وما ~~هي بإضافة المصدر إلى الفاعل ولا إلى المفعول؟ قلت قد لابسه في قولك ~~فأنساه الشيطان ذكر ربه، أو عند ربه فجازت إضافته إليه، لأن الإضافة ~~تكون بأدنى ملابسة. أو على تقدير فأنساه الشيطان ذكر أخبار ربه، فحذف ~~المضاف الذي هو الإخبار. فإن قلت لم أنكر على يوسف الاستعانة بغير الله ~~في كشف ما كان فيه، وقد قال الله تعالى # وتعاونوا على البر والتقوى # المائدة 2 وقال حكاية عن عيسى عليه السلام # من أنصارى إلى الله # آل عمران 52 وفي الحديث 544 # " الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم ". # 545 # " من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كربات الآخرة " # وعن عائشة رضي الله عنها 546 # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذه النوم ليلة من الليالي، ~~وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فسمعت غطيطه " # وهل ذلك إلا مثل التداوي بالأدوية والتقوى بالأشربة والأطعمة. وإن كان ~~ذلك لأن الملك ms0925 كان كافرا، فلا خلاف في جواز أن يستعان بالكفار في دفع ~~الظلم والغرق والحرق ونحو ذلك من المضار؟ قلت كما اصطفى الله تعالى ~~الأنبياء على خليقته فقد اصطفى لهم أحسن الأمور وأفضلها وأولاها والأحسن ~~والأولى بالنبي أن لا يكل أمره إذا ابتلي ببلاء إلا إلى ربه، ولا يعتضد ~~إلا به، خصوصا إذا كان المعتضد به كافرا لئلا يشمت به الكفار ويقولوا ~~لو كان هذا على الحق وكان له رب يغيثه لما استغاث بنا. وعن الحسن أنه كان ~~يبكي إذا قرأها ويقول نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس. ### || [12.43] # لما دنا فرج يوسف، رأى ملك مصر «الريان بن الوليد» رؤيا عجيبة هالته رأى ~~سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس. وسبع بقرات عجاف، فابتلعت العجاف ~~السمان. ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعا أخر يابسات قد ~~استحصدت وأدركت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاستعبرها ~~فلم يجد في قومه من يحسن عبارتها { سمان } جمع سمين وسمينة، وكذلك ~~رجال ونسوة كرام. فإن قلت هل من فرق بين إيقاع { سمان } صفة للمميز ~~وهو { بقرت } دون المميز وهو { سبع } وأن يقال سبع بقرات سمانا؟ ~~قلت إذا أوقعتها صفة لبقرات. فقد قصدت إلى أن تميز السبع بنوع من البقرات ~~وهي السمان منهن لا بجنسهن. ولو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز السبع ~~بجنس البقرات لا بنوع منها، ثم رجعت فوصفت المميز بالجنس بالسمن. فإن قلت ~~هلا قيل سبع عجاف على الإضافة؟ قلت، التمييز موضوع لبيان الجنس، والعجاف ~~وصف لا يقع البيان به وحده. فإن قلت فقد يقولون ثلاثة فرسان وخمسة أصحاب؟ ~~قلت الفارس والصاحب والراكب ونحوها صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها ~~وجاز فيها ما لم يجز في غيرها. ألا تراك لا تقول عندي ثلاثة ضخام وأربعة ~~غلاظ. فإن قلت ذاك مما يشكل وما نحن بسبيله لا إشكال فيه. ألا ترى أنه لم ~~يقل بقرات سبع عجاف، لوقوع العلم بأن المراد البقرات؟ قلت ترك الأصل لا ~~يجوز مع وقوع الاستغناء عما ms0926 ليس بأصل، وقد وقع الاستغناء بقولك { سبع ~~عجاف } عما تقترحه من التمييز بالوصف. والعجف الهزال الذي ليس بعده، ~~والسبب في وقوع «عجاف» جمعا «لعجفاء» وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال ~~حمله على سمان، لأنه نقيضه، ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض ~~على النقيض. فإن قلت هل في الآية دليل على أن السنبلات اليابسة كانت ~~سبعا كالخضر؟ قلت الكلام مبني على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات ~~السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب أن يتناول معنى الأخر السبع، ويكون ~~قوله { وأخر يبست } بمعنى وسبعا أخر. فإن قلت هل يجوز أن ~~يعطف قوله { وأخر يبست } على { سنبلت خضر } فيكون ~~مجرور المحل؟ قلت يؤدي إلى تدافع، وهو أن عطفها على { سنبلت خضر ~~} يقتضي أن تدخل في حكمها فتكون معها مميزا للسبع المذكورة، ولفظ الأخر ~~يقتضي أن تكون غير السبع، بيانه أنك تقول عندي سبعة رجال قيام وقعود، ~~بالجر، فيصح لأنك ميزت السبعة برجال موصوفين بالقيام والقعود، على أن ~~بعضهم قيام وبعضهم قعود فلو قلت عنده سبعة رجال قيام وآخرين قعود، تدافع ~~ففسد { يأيها الملا } كأنه أراد الأعيان من العلماء والحكماء. # واللام في قوله { للرؤيا } إما أن تكون للبيان، كقوله # وكانوا فيه من الزاهدين # يوسف 20 وإماأن تدخل لأن العامل إذا تقدم عليه معموله لم يكن في قوته ~~على العمل فيه مثله إذا تأخر عنه، فعضد بها كما يعضد بها اسم الفاعل، إذا ~~قلت هو عابر للرؤيا لانحطاطه عن الفعل في القوة. ويجوز أن يكون للرؤيا ~~خبر كان، كما تقول كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلا به متمكنا منه. و ~~{ تعبرون } خبر آخر، أو حال، وأن يضمن { تعبرون } معنى فعل ~~يتعدى باللام، كأنه قيل إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا. وحقيقة «عبرت ~~الرؤيا» ذكرت عاقبتها وآخر أمرها، كما تقول عبرت النهر، إذا قطعته حتى ~~تبلغ آخر عرضه وهو عبره. ونحوه أولت الرؤيا إذا ذكرت مآلها وهو مرجعها. ~~وعبرت الرؤيا - بالتخفيف، هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون «عبرت» ~~بالتشديد والتعبير والمعبر. وقد عثرت على بيت ms0927 أنشده المبرد في كتاب ~~الكامل لبعض الأعراب # رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا ### || [12.44] # { أضغث أحلام } تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث ~~نفس أو وسوسة شيطان. وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد ~~ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى «من» أي أضغاث من أحلام والمعنى هي ~~أضغاث أحلام. فإن قلت ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا أضغاث أحلام فجمعوا؟ ~~قلت هو كما تقول فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا ~~فرسا واحدا وما له إلا عمامة فردة، تزيدا في الوصف، فهؤلاء أيضا ~~تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام. ويجوز أن يكون قد قص ~~عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها { وما نحن بتأويل الأحلم ~~بعلمين } إما أن يريدوا بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا ~~ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، ~~وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير. ### || [12.45] # قرىء «وادكر» بالدال وهو الفصيح. وعن الحسن «واذكر»، بالذال المعجمة. ~~والأصل تذكر، أي تذكر الذي نجا من الفتيين من القتل يوسف وما شاهد منه { ~~بعد أمة } بعد مدة طويلة، وذلك أنه حين استفتى الملك في رؤياه ~~وأعضل على الملأ تأويلها، تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه، ~~وطلبه إليه أن يذكره عند الملك. وقرأ الأشهب العقيلي «بعد إمة» بكسر ~~الهمزة، والإمة النعمة. قال عدي # ثم بعد الفلاح والملك والإم ة وارتهم ~~هناك القبور # أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة. وقرىء «بعد أمه» بعد نسيان. يقال أمه يأمه ~~أمها، إذا نسي. ومن قرأ بسكون الميم فقد خطىء { أنا أنبئكم ~~بتأويله } أنا أخبركم به عمن عنده علمه. وفي قراءة الحسن «أنا ~~آتيكم بتأويله» { فأرسلون } فابعثوني إليه لأسأله، ومروني ~~باستعباره وعن ابن عباس لم يكن السجن في المدينة. ### || [12.46] # المعنى فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه فقال { يوسف أيها الصديق } ~~أيها البليغ في الصدق، وإنما قال له ذلك لأنه ذاق أحواله وتعرف صدقه في ~~تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه حيث جاء كما ms0928 أول، ولذلك كلمه كلام محترز فقال { ~~لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } لأنه ليس ~~على يقين من الرجوع، فربما اخترم دونه ولا من علمهم فربما لم يعلموا، أو ~~معنى { لعلهم يعلمون } لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم، ~~فيطلبوك ويخلصوك من محنتك. ### || [12.47-49] # { تزرعون } خبر في معنى الأمر، كقوله # تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون # الصف 11 وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب إيجاد ~~المأمور به، فيجعل كأنه يوجد، فهو يخبر عنه. والدليل على كونه في معنى ~~الأمر قوله { فذروه فى سنبله }. { دأبا } بسكون الهمزة ~~وتحريكها، وهما مصدرا دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي دائبين ~~إما على تدأبون دأبا، وإما على إيقاع المصدر حالا، بمعنى ذوي دأب { ~~فذروه فى سنبله } لئلا يتسوس. و { يأكلن } من الإسناد ~~المجازي جعل أكل أهلهن مسندا إليهن { تحصنون } تحرزون وتخبؤن { فيه ~~يغاث الناس } من الغوث أو من الغيث. يقال غيثت البلاد، إذا مطرت. ~~ومنه قول الأعرابية غثنا ماشئنا. { يعصرون } بالياء والتاء يعصرون ~~العنب والزيتون والسمسم. وقيل يحلبون الضروع. وقرىء «يعصرون»، على البناء ~~للمفعول، من عصره إذا أنجاه، وهو مطابق للإغاثة ويجوز أن يكون المبني ~~للفاعل بمعنى ينجون، كأنه قيل فيه يغاث الناس وفيه يغيثون أنفسهم، أي ~~يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضا وقيل { يعصرون } يمطرون، من أعصرت ~~السحابة. وفيه وجهان إما أن يضمن أعصرت معنى مطرت، فيعدى تعديته. وإما ~~أن يقال الأصل أعصرت عليهم فحذف الجار وأوصل الفعل. تأول البقرات السمان ~~والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم ~~بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا خصيبا كثير ~~الخير غزير النعم، وذلك من جهة الوحي. وعن قتادة زاده الله علم سنة. فإن ~~قلت معلوم أن السنين المجدبة إذا انتهت كان انتهاؤها بالخصب، وإلا لم ~~توصف بالانتهاء، فلم قلت إن علم ذلك من جهة الوحي؟ قلت ذلك معلوم علما ~~مطلقا لا مفصلا. وقوله { فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } ~~تفصيل لحال العام، وذلك لا يعلم إلا بالوحي. ### || [12.50-51] # إنما تأنى وتثبت ms0929 في إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته ~~عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ~~ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا ما خلد في السجن سبع ~~سنين إلا لأمر عظيم وجرم كبير حق به أن يسجن ويعذب ويستكف شره. وفيه ~~دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها، ~~قال عليه الصلاة و السلام 547 # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم " # ومنه. 548 # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمارين به في معتكفه وعنده بعض ~~نسائه - «هي فلانة» اتقاء للتهمة " # ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم 549 # " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره - والله يغفر له - حين سئل عن البقرات ~~العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد ~~عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك. ولو كنت مكانه ولبثت في ~~السجن ما لبث، لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر، إن كان ~~لحليما ذا أناة " # وإنما قال سل الملك عن حال النسوة ولم يقل سله أن يفتش عن شأنهن، لأن ~~السؤال مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث عما سئل عنه، فأراد أن يورد عليه ~~السؤال ليجد في التفتيش عن حقيقة القصة وفص الحديث حتى يتبين له براءته ~~بيانا مكشوفا يتميز فيه الحق من الباطل. وقرىء «النسوة» بضم النون ومن ~~كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن ~~والعذاب، واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن { إن ربى } إن الله ~~تعالى { بكيدهن عليم } أراد أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله، ~~لبعد غوره. أو استشهد بعلم الله على أنهن كدنه، وأنه بريء مما قرف به، ~~أو أراد الوعيد لهن، أي هو عليم بكيدهن فمجازيهن عليه { ما ~~خطبكن } ما شأنكن { إذ راودتن يوسف } هل وجدتن منه ~~ميلا إليكن { قلن حش لله } تعجبا من عفته وذهابه بنفسه عن ~~شيء من الريبة ومن نزاهته عنها { قالت ms0930 امرأت العزيز الأن حصحص ~~الحق } أي ثبت واستقر وقرىء «حصحص» على البناء للمفعول، وهو من حصحص ~~البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة. قال # فحصحص في صم الصفا ثفناته وناء بسلمى نوءة ~~ثم صمما # ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة واعترافهن على أنفسهن ~~بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهن خصومه. وإذا اعترف الخصم بأن ~~صاحبه على الحق وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال. وقالت المجبرة ~~والحشوية نحن قد بقي لنا مقال، ولا بد لنا من أن ندق في فروة من ثبتت ~~نزاهته. ### || [12.52] # { ذلك ليعلم } من كلام يوسف، أي ذلك التثبت والتشمر لظهور ~~البراءة ليعلم العزيز { أنى لم أخنه } بظهر الغيب في حرمته. ومحل ~~{ بالغيب } الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى وأنا غائب عنه خفي ~~عن عينه أو وهو غائب عني خفي عن عيني. ويجوز أن يكون ظرفا، أي بمكان ~~الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة { و } ليعلم { ~~إن الله لا يهدى كيد الخئنين } لا ينفذه ولا يسدده، ~~وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها، وبه في خيانته أمانة الله ~~حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه، ويجوز أن يكون تأكيدا لأمانته، ~~وأنه لو كان خائنا لما هدى الله كيده ولا سدده. ### || [12.53] # ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في ~~الأمانة معجبا ومفتخرا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. 550 # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه ~~وعصمته فقال { وما أبرىء نفسى } من الزلل، وما أشهد لها بالبراءة ~~الكلية ولا أزكيها. ولا يخلو، إما أن يريد في هذه الحادثة، لما ذكرنا من ~~الهم الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد ~~والعزم. وإما أن يريد به عموم الأحوال { إن النفس لامارة ~~بالسوء } أراد الجنس، أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما ~~فيه من الشهوات { إلا ما رحم ربى ms0931 } إلا البعض الذي رحمه ربي ~~بالعصمة كالملائكة. ويجوز أن يكون { ما رحم } في معنى الزمن، أي إلا ~~وقت رحمة ربي، يعني أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان، إلا وقت العصمة. ~~ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة، ~~كقوله # ولا هم ينقذون إلا رحمة # يس 43 وقيل معناه ذلك ليعلم أني لم أخنه لأن المعصية خيانة. وقيل هو من ~~كلام امرأة العزيز، أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب ~~عليه في حال الغيبة وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه وما أبريء نفسي مع ~~ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا إلا أن يسجن وأودعته السجن - تريد الاعتذار مما كان منها - إن كل ~~نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس ~~يوسف { إن ربى غفور رحيم } استغفرت ربها واسترحمته مما ~~ارتكبت. فإن قلت كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك؟ قلت كفى ~~بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلامه ونحوه قوله # قال الملا من قوم فرعون إن هذا لسحر عليم ~~يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره # الشعراء 35 ثم قال # فماذا تأمرون # الشعراء 35 وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم. وعن ابن جريج هذا من ~~تقديم القرآن وتأخيره، ذهب إلى أن # ذلك ليعلم # يوسف 52 متصل بقوله # فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن # يوسف 50 ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة، فزعموا أن يوسف حين قال # أنى لم أخنه بالغيب # يوسف 52 قال له جبريل ولا حين هممت بها، وقالت له امرأة العزيز ولا حين ~~حللت تكة سراويلك يا يوسف، وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله. ### || [12.54] # يقال استخلصه واستخصه، إذا جعله خالصا لنفسه وخاصا به { فلما ~~كلمه } وشاهد منه ما لم يحتسب { قال } أيها الصديق { إنك ~~اليوم لدينا مكين } ذو مكانة ومنزلة { أمين } مؤتمن على كل ~~شيء. روي أن الرسول جاءه فقال ms0932 أجب الملك، فخرج من السجن ودعا لأهله ~~اللهم أعطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس ~~بالأخبار في الواقعات. وكتب على باب السجن هذه منازل البلوى وقبور ~~الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء، ثم اغتسل وتنظف من درن السجن، ~~ولبس ثيابا جددا فلما دخل على الملك قال اللهم إني أسألك بخيرك من ~~خيره، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية، فقال ~~ما هذا اللسان؟ قال لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، فكلمه ~~بها فأجابه بجميعها، فتعجب منه وقال أيها الصديق، إني أحب أن أسمع رؤياي ~~منك. فقال رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن، ووصف السنابل ~~وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرفا، وقال له من ~~حقك أن تجمع الطعام في الأهراء، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ~~ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك. ### || [12.55] # { اجعلنى على خزائن الأرض } ولني خزائن أرضك { إنى ~~حفيظ عليم } أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرف، وصفا ~~لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه، وإنما قال ~~ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل، والتمكن ~~مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم ~~مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لا لحب الملك والدنيا. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 551 # " رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض، لاستعمله من ~~ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة " # فإن قلت كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر ويكون تبعا له وتحت أمره ~~وطاعته؟ قلت روى مجاهد أنه كان قد أسلم وعن قتادة. هو دليل على أنه يجوز ~~أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر، وقد كان السلف يتولون القضاء ~~من جهة البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم ~~بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق. فله أن يستظهر ms0933 ~~به. وقيل كان الملك يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في ~~حكم التابع له والمطيع. ### || [12.56] # { وكذلك } ومثل ذلك التمكين الظاهر { مكنا ليوسف } في أرض ~~مصر. روي أنها كانت أربعين فرسخا في أربعين { يتبوأ منها ~~حيث يشاء } قرىء بالنون والياء، أي كل مكان أراد أن يتخذه منزلا ~~ومتبوأ له، لم يمنع منه لا ستيلائه على جميعها ودخوله تحت ملكته ~~وسلطانه. روي أن الملك توجه، وختمه بخاتمه، ورداه بسيفه. ووضع له ~~سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت. روي أنه قال له أما السرير فأشد ~~به ملكك. وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا ~~لباس آبائي. فقال قد وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك. فجلس على السرير ~~ودانت له الملوك، وفوض الملك إليه أمره وعزل قطفير، ثم مات بعده، فزوجه ~~الملك امرأته زليخا، فلما دخل عليها قال أليس هذا خيرا مما طلبت؟ فوجدها ~~عذراء، فولدت له ولدين إفراثيم وميشا، وأقام العدل بمصر، وأحبته الرجال ~~والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس، وباع من أهل مصر في سني ~~القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء ~~منها، ثم بالحلي والجواهر، ثم بالدواب، ثم بالضياع والعقار، ثم برقابهم ~~حتى استرقهم جميعا، فقالوا والله ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم ~~منه فقال الملك كيف رأيت صنع الله بي فيما خولني فما ترى قال الرأي ~~رأيك قال فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم ~~أملاكهم، وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير، تقسيطا ~~بين الناس. وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب أرض مصر، فأرسل ~~يعقوب بنيه ليمتاروا واحتبس بنيامين { برحمتنا } بعطائنا في الدنيا ~~من الملك والغنى وغيرهما من النعم { من نشاء } من اقتضت الحكمة أن ~~نشاء له ذلك { ولا نضيع أجر المحسنين } أن نأجرهم في ~~الدنيا. ### || [12.57] # { ولأجر الأخرة خير } لهم. قال سفيان بن عيينة المؤمن يثاب ~~على حسناته في الدنيا ms0934 والآخرة، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا، وما له ~~في الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآية. ### || [12.58] # لم يعرفوه لطول العهد ومفارقته إياهم في سن الحداثة، ولاعتقادهم أنه قد ~~هلك، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه واهتمامهم بشأنه، ولبعد حاله ~~التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها طريحا في ~~البئر، مشريا بدراهم معدودة، حتى لو تخيل لهم أنه هو لكذبوا أنفسهم ~~وظنونهم، ولأن الملك مما يبدل الزي ويلبس صاحبه من التهيب والاستعظام ~~ما ينكر له المعروف. وقيل رأوه على زي فرعون عليه ثياب الحرير جالسا ~~على سرير في عنقه طوق من ذهب وعلى رأسه تاج، فما خطر ببالهم أنه هو. وقيل ~~ما رأوه إلا من بعيد بينهم وبينه مسافة وحجاب، وما وقفوا إلا حيث يقف ~~طلاب الحوائج، وإنما عرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ورأى زيهم قريبا من ~~زيهم إذ ذاك، ولأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم، فكان يتأمل ويتفطن. ~~وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرفوا له. ### || [12.59-60] # { ولما جهزهم بجهازهم } أي أصلحهم بعدتهم وهي عدة ~~السفر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون وأوقر ركائبهم بما جاؤا له من ~~الميرة. وقرىء «بجهازهم» بكسر الجيم { قال ائتونى بأخ لكم ~~من أبيكم } لا بد من مقدمة سبقت له معهم، حتى اجتر القول هذه ~~المسئلة. روي أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم أخبروني من أنتم ~~وما شأنكم؟ فإني أنكركم. قالوا نحن قوم من أهل الشام رعاة، أصابنا الجهد ~~فجئنا نمتار، فقال لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي؟ قالوا معاذ الله، ~~نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء، اسمه يعقوب. قال ~~كم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر، فهلك منا واحد. قال فكم أنتم ههنا؟ قالوا ~~عشرة. قال فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا هو عند أبيه يتسلى به من الهالك. ~~قال فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون وأن الذي تقولون حق؟ قالوا إنا ببلاد ~~لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا. قال فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني ~~بأخيكم من ms0935 أبيكم، وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم، فاقترعوا بينهم ~~فأصابت القرعة شمعون - وكان أحسنهم رأيا في يوسف - فخلفوه عنده، وكان قد ~~أحسن إنزالهم وضيافتهم { ولا تقربون } فيه وجهان، أحدهما أن يكون ~~داخلا في حكم الجزاء مجزوما، عطفا على محل قوله { فلا كيل لكم ~~} كأنه قيل فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا، وأن يكون بمعنى النهي. ### || [12.61] # { سنرود عنه أباه } سنخادعه عنه، وسنجتهد ونحتال حتى ننتزعه ~~من يده { وإنا لفعلون } وإنا لقادرون على ذلك لا نتعانى به، ~~أو وإنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى. ### || [12.62] # { لفتيانه } وقرىء «لفتيانه» وهما جمع فتى، كإخوة وإخوان في أخ، و ~~«فعلة» للقلة. و «فعلان» للكثرة، أي لغلمانه الكيالين { لعلهم ~~يعرفونها } لعلهم يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين { ~~إذا انقلبوا إلى أهلهم } وفرغوا ظروفهم { لعلهم ~~يرجعون } لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، وكانت بضاعتهم ~~النعال والأدم. وقيل تخوف أن لا يكون عند أبيه من المتاع ما يرجعون به. ~~وقيل لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا، وقيل علم أن ديانتهم ~~تحملهم على رد البضاعة لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها. وقيل معنى { ~~لعلهم يرجعون } لعلهم يردونها. ### || [12.63] # { منع منا الكيل } يريدون قول يوسف فإن لم تأتوني به فلا كيل ~~لكم عندي، لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل { نكتل } نرفع ~~المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه. وقرىء «يكتل» بمعنى ~~يكتل أخونا، فينضم اكتياله إلى اكتيالنا. أو يكن سببا للاكتيال فإن ~~امتناعه بسببه. ### || [12.64] # { هل امنكم عليه } يريد أنكم قلتم في يوسف # وإنا له لحفظون # يوسف 12- 63 كما تقولونه في أخيه، ثم خنتم بضمانكم، فما يؤمنني من مثل ~~ذلك. ثم قال { فالله خير حفظا } فتوكل على الله فيه ودفعه ~~إليهم. و { حفظا } تمييز، كقولك هو خيرهم رجلا، ولله دره فارسا. ~~ويجوز أن يكون حالا وقرىء «حفظا» وقرأ الأعمش «فالله خير حافظ». وقرأ ~~أبو هريرة «خير الحافظين» { وهو أرحم الراحمين } فأرجو أن ~~ينعم علي ms0936 بحفظه ولا يجمع علي مصيبتين. ### || [12.65] # وقرىء «ردت إلينا» بالكسر، على أن كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء، ~~كما في قيل وبيع، وحكى قطرب ضرب زيد. على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى ~~الضاد { ما نبغى } للنفي، أي ما نبغي في القول، وما نتزيد فيما وصفنا ~~لك من إحسان الملك وإكرامه، وكانوا قالوا له إنا قدمنا على خير رجل، ~~أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته. أو ما ~~نبتغي شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان. أو على الاستفهام، بمعنى أي شيء ~~نطلب وراء هذا؟ وفي قراءة ابن مسعود «ما تبغي»، بالتاء على مخاطبة يعقوب، ~~معناه أي شيء تطلب وراء هذا من الإحسان، أو من الشاهد على صدقنا؟ وقيل ~~معناه ما نريد منك بضاعة أخرى. وقوله { هذه بضعتنا ردت ~~إلينا } جملة مستأنفة موضحة لقوله { ما نبغى } والجمل بعدها ~~معطوفة عليها، على معنى إن بضاعتنا ردت إلينا، فنستظهر بها { ونمير ~~أهلنا } في رجوعنا إلى الملك { ونحفظ أخانا } فما يصيبه شيء ~~مما تخافه، ونزداد باستصحاب أخينا وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا، ~~فأي شيء نبتغي وراء هذه المباغي التي نستصلح بها أحوالنا ونوسع ذات ~~أيدينا وإنما قالوا { ونزداد كيل بعير } لما ذكرنا أنه كان لا ~~يزيد للرجل على حمل بعير للتقسيط فإن قلت هذا إذا فسرت البغي بالطلب، ~~فأما إذا فسرته بالكذب والتزيد في القول، كانت الجملة الأولى وهي قوله { ~~هذه بضعتنا ردت إلينا } بيانا لصدقهم وانتفاء ~~التزيد عن قيلهم، فما تصنع بالجمل البواقي؟ قلت أعطفها على قوله { ما ~~نبغى } على معنى لا نبغي فيما نقول { ونمير أهلنا } ونفعل كيت ~~وكيت. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، كقولك وينبغي أن نمير أهلنا، كما تقول ~~سعيت في حاجة فلان، واجتهدت في تحصيل غرضه. ويجب أن أسعى، وينبغي لي أن ~~لا أقصر. ويجوز أن يراد ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك ~~من تجهيزنا مع أخينا، ثم قالوا هذه بضاعتنا نستظهر بها ونمير أهلنا ونفعل ~~ونصنع. بيانا ms0937 لأنهم لا يبغون في رأيهم وأنهم مصيبون فيه، وهو وجه حسن ~~واضح { ذلك كيل يسير } أي ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون ما ~~يكال لهم. فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم. أو يكون ذلك إشارة ~~إلى كيل بعير، أي ذلك الكيل شيء قليل يجيبنا إليه الملك ولا يضايقنا فيه، ~~أو سهل عليه متيسر لا يتعاظمه. ويجوز أن يكون من كلام يعقوب، وأن حمل ~~بعير واحد شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد، كقوله # ذلك ليعلم # يوسف 52. ### || [12.66] # { لن أرسله معكم } مناف لحالي وقد رأيت منكم ما رأيت - ~~إرساله معكم { حتى تؤتون موثقا من الله } حتى تعطوني ما ~~أتوثق به من عند الله، أراد أن يحلفو له بالله وإنما جعل الحلف بالله ~~موثقا منه لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشدد. وقد أذن الله في ذلك ~~فهو إذن منه { لتأتننى به } جواب اليمين لأن المعنى حتى تحلفوا ~~لتأتنني به { إلا أن يحاط بكم } إلا أن تغلبوا فلم تطيقوا ~~الإتيان به. أو إلا أن تهلكوا. فإن قلت أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناء ~~ففيه إشكال؟ قلت { أن يحاط بكم } مفعول له، والكلام المثبت الذي ~~هو قوله { لتأتننى به } في تأويل النفي. معناه لا تمتنعون من ~~الإتيان به إلا للإحاطة بكم، أي لا تمتنعون منه لعلة من العلل إلا لعلة ~~واحدة وهي أن يحاط بكم، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له، ~~والاستثناء من أعم العام لا يكون إلا في النفي وحده، فلا بد من تأويله ~~بالنفي. ونظيره من الإثبات المتأول بمعنى النفي قولهم أقسمت بالله لما ~~فعلت وإلا فعلت، تريد ما أطلب منك إلا الفعل { على ما نقول } من ~~طلب الموثق وإعطائه { وكيل } رقيب مطلع. ### || [12.67-68] # وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد، لأنهم كانوا ذوي بهاء وشارة حسنة، ~~اشتهرهم أهل مصر بالقربة عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، ~~فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود، وأن يشار إليهم ~~بالأصابع. ويقال هؤلاء أضياف الملك، انظروا إليهم ما أحسنهم ms0938 من فتيان، ~~وما أحقهم بالإكرام، لأمر ما أكرمهم الملك وقربهم وفضلهم على الوافدين ~~عليه، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة، فيعانوا لجمالهم وجلالة أمرهم في ~~الصدور، فيصيبهم ما يسوؤهم ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرة الأولى، ~~لأنهم كانوا مجهولين مغمورين بين الناس. فإن قلت هل للإصابة بالعين وجه ~~تصح عليه؟ قلت يجوز أن يحدث الله عز وجل عند النظر إلى الشيء والإعجاب ~~به، نقصانا فيه وخللا من بعض الوجوه، ويكون ذلك ابتلاء من الله ~~وامتحانا لعباده، ليتميز المحققون من أهل الحشو فيقول المحقق هذا فعل ~~الله، ويقول الحشوي هو أثر العين، كما قال تعالى # وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا # المدثر 31 الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 552 # " أنه كان يعوذ الحسن والحسين فيقول أعيذكما بكلمات الله التامة، من ~~كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامة " # { وما أغنى عنكم من الله من شىء } يعني إن أراد الله ~~بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق، وهو ~~مصيبكم لا محالة { إن الحكم إلا لله } ثم قال { ولما ~~دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } أي متفرقين { ما كان ~~يغنى عنهم } رأي يعقوب ودخولهم متفرقين شيئا قط، حيث أصابهم ما ~~ساءهم مع تفرقهم، من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم ~~بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على أبيهم { إلا حاجة } ~~استثناء منقطع. على معنى ولكن حاجة { فى نفس يعقوب قضاها } ~~وهي شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به { وإنه لذو ~~علم } يعني قوله { وما أغنى عنكم } وعلمه بأن القدر لا يغني ~~عنه الحذر. ### || [12.69] # { آوى إليه أخاه } ضم إليه بنيامين. وروي أنهم قالوا له هذا ~~أخونا قد جئناك به، فقال لهم أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، فأنزلهم ~~وأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده ~~فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف بقي أخوكم ~~وحيدا، فأجلسه معه على مائدته وجعل يواكله، قال أنتم عشرة فلينزل كل ms0939 ~~اثنين منكم بيتا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويشم ~~رائحته حتى أصبح، وسأله عن ولده فقال لي عشرة بنين اشتققت أسماءهم من اسم ~~أخ لي هلك، فقال له أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال من يجد أخا ~~مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له ~~{ إنى أنا أخوك } يوسف { فلا تبتئس } فلا تحزن { بما ~~كانوا يعملون } بنا فيما مضى، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا على ~~خير، ولا تعلمهم بما أعلمتك. وعن ابن عباس تعرف إليه وعن وهب إنما قال ~~له أنا أخوك بدل أخيك المفقود، فلا تبتئس بما كنت تلقى منهم من الحسد ~~والأذى فقد أمنتهم. وروي أنه قال له أنا لا أفارقك. قال قد علمت اغتمام ~~والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى ما ~~لا يجمل. قال لا أبالي فافعل ما بدا لك. قال فإني أدس صاعي في رحلك، ثم ~~أنادي عليك بأنك قد سرقته، ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم. قال افعل. ### || [12.70-72] # { السقاية } مشربة يسقى بها وهي الصواع. قيل كان يسقى بها الملك، ثم ~~جعلت صاعا يكال به. وقيل كانت الدواب تسقي بها ويكال بها. وقيل كانت ~~إناء مستطيلا يشبه المكوك وقيل هي المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه تشرب ~~به الأعاجم. وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب، وقيل كانت من ذهب. وقيل ~~كانت مرصعة بالجواهر { ثم أذن مؤذن } ثم نادى مناد. يقال آذنه ~~أعلمه. وأذن أكثر الإعلام. ومنه المؤذن، لكثرة ذلك منه. روي أنهم ارتحلوا ~~وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا، ثم قيل لهم ذلك. ~~والعير الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير أي تذهب وتجيء. وقيل هي ~~قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير، كأنها جمع عير، وأصلها فعل ~~كسقف وسقف، فعل به ما فعل ببيض وعيد، والمراد أصحاب العير كقوله 553 «يا ~~خيل الله اركبي». وقرأ ابن مسعود «وجعل السقاية»، ms0940 على حذف جواب لما، كأنه ~~قيل فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه، أمهلهم حتى انطلقوا، ~~ثم أذن مؤذن. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي «تفقدون» من أفقدته إذا وجدته ~~فقيدا. وقرىء «صواع»، «وصاع»، «وصوع»، «وصوع» بفتح الصاد وضمها، والعين ~~معجمة وغير معجمة { وأنا به زعيم } يقوله المؤذن، يريد وأنا ~~بحمل البعير كفيل، أؤديه إلى من جاء به وأراد وسق بعير من طعام جعلا ~~لمن حصله. ### || [12.73] # { تالله } قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، وإنما قالوا { ~~لقد علمتم } فاستشهدوا بعلمهم. لما ثبت عندهم من دلائل دينهم ~~وأمانتهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك، ولأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم ~~مكعومة لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد من أهل السوق. ولأنهم ردوا ~~بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم { وما كنا سرقين } وما كنا قط ~~نوصف بالسرقة وهي منافية لحالنا. ### || [12.74-75] # { فما جزاؤه } الضمير للصواع، أي فما جزاء سرقته { إن كنتم ~~كذبين } في جحودكم وادعائكم البراءة منه { قالوا جزاؤه من ~~وجد فى رحله } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله، وكان حكم ~~السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة، فلذلك استفتوا في جزائه. وقولهم { ~~فهو جزاؤه } تقرير للحكم، أي فأخذ السارق نفسه وهو جزاؤه لا غير، ~~كقولك حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه، فذلك حقه، أي فهو حقه لتقرر ما ~~ذكرته من استحقاقه وتلزمه ويجوز أن يكون { جزاؤه } مبتدأ، والجملة ~~الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر فيها مقام المضمر. والأصل جزاؤه ~~من وجد في رحله فهو هو فوضع الجزاء موضع هو، كما تقول لصاحبك من أخو زيد ~~فيقول لك أخوه من يقعد إلى جنبه فهو هو يرجع الضمير الأول إلى من والثاني ~~إلى الأخ، ثم تقول «فهو أخوه» مقيما للمظهر مقام المضمر. ويحتمل أن يكون ~~جزاؤه خبر مبتدأ محذوف، أي المسؤل عنه جزاؤه، ثم أفتوا بقولهم من وجد في ~~رحله فهو جزاؤه، كما يقول من يستفتى في جزاء صيد المحرم جزاء صيد المحرم، ~~ثم يقول # ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ms0941 قتل من ~~النعم # المائدة 95. ### || [12.76] # { فبدأ بأوعيتهم } قيل قال لهم من وكل بهم لا بد من تفتيش ~~أوعيتكم، فانصرف بهم إلى يوسف، فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء بنيامين ~~لنفي التهمة حتى بلغ وعاءه فقال ما أظن هذا أخذ شيئا، فقالوا والله لا ~~نتركه حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فاستخرجوه منه وقرأ ~~الحسن «وعاء أخيه»، بضم الواو، وهي لغة. وقرأ سعيد ابن جبير «إعاء ~~أخيه»، بقلب الواو همزة. فإن قلت لم ذكر ضمير الصواع مرات ثم أنثه؟ قلت ~~قالوا رجع بالتأنيث على السقاية، أو أنث الصواع لأنه يذكر ويؤنث، ولعل ~~يوسف كان يسميه سقاية وعبيده صواعا، فقد وقع فيما يتصل به من الكلام ~~سقاية، وفيما يتصل بهم منه صواعا { كذلك كدنا } مثل ذلك الكيد ~~العظيم كدنا { ليوسف } يعني علمناه إياه وأوحينا به إليه { ما كان ~~ليأخذ أخاه فى دين الملك } تفسير للكيد وبيان له، لأنه ~~كان في دين ملك مصر، وما كان يحكم به في السارق أن يغرم مثلي ما أخذ، لا ~~أن يلزم ويستعبد { إلا أن يشاء الله } أي ما كان يأخذه إلا ~~بمشيئة الله وإذنه فيه { نرفع درجت من نشاء } في العلم ~~كما رفعنا درجة يوسف فيه. وقرىء «يرفع» بالياء. ودرجات بالتنوين { ~~وفوق كل ذى علم عليم } فوقه أرفع درجة منه في علمه، أو و ~~فوق العلماء كلهم عليم هم دونه في العلم، وهو الله عز وعلا. فإن قلت ما ~~أذن الله فيه يجب أن يكون حسنا، فمن أي وجه حسن هذا الكيد؟ وما هو إلا ~~بهتان، وتسريق لمن لم يسرق، وتكذيب لمن لم يكذب، وهو قوله # إنكم لسارقون # يوسف 70، # فما جزاؤه إن كنتم كذبين # يوسف 74؟ قلت هو في صورة البهتان وليس ببهتان في الحقيقة لأن قوله # إنكم لسارقون # يوسف 70 تورية عما جرى مجرى السرقة من فعلهم بيوسف. وقيل كان ذلك القول ~~من المؤذن لا من يوسف، وقوله # إن كنتم كذبين # يوسف 74 فرض لانتفاء براءتهم. وفرض التكذيب لا يكون تكذيبا، على أنه لو ~~صرح ms0942 لهم بالتكذيب، كما صرح لهم بالتسريق. لكان له وجه لأنهم كانوا ~~كاذبين في قولهم # وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب # يوسف 17 هذا وحكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية التي يتوصل بها إلى مصالح ~~ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب عليه السلام # وخذ بيدك ضغثا # ص 44 ليتخلص من جلدها ولا يحنث، وكقول إبراهيم عليه السلام هي أختي، ~~لتسلم من يد الكافر. وما الشرائع كلها إلا مصالح وطرق إلى التخلص من ~~الوقوع في المفاسد، وقد علم الله تعالى في هذه الحيلة التي لقنها يوسف ~~مصالح عظيمة فجعلها سلما وذريعة إليها، فكانت حسنة جميلة وانزاحت عنها ~~وجوه القبح لما ذكرنا. ### || [12.77] # { أخ له } أرادوا يوسف. روي أنهم لما استخرجوا الصاع من رحل ~~بنيامين نكس إخوته رؤوسهم حياء، وأقبلوا عليه وقالوا له ما الذي صنعت؟ ~~فضحتنا وسودت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت هذا ~~الصاع؟ فقال بنو راحيل الذين لا يزال منكم عليهم البلاء، ذهبتم بأخي ~~فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم. واختلف ~~فيما أضافوا إلى يوسف من السرقة، فقيل كان أخذ في صباه صنما لجده أبي ~~أمه فكسره وألقاه بين الجيف في الطريق. وقيل دخل كنيسة فأخذ تمثالا ~~صغيرا من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه. وقيل كان في المنزل عناق أو دجاجة ~~فأعطاها السائل. وقيل كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها أكابر ~~ولده، فورثها إسحاق ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده، فحضنت يوسف - ~~وهي عمته - بعد وفاة أمه وكانت لا تصبر عنه، فلما شب أراد يعقوب أن ~~ينتزعه منها، فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت فقدت ~~منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها، فوجدوها محزومة على يوسف، فقالت إنه لي ~~سلم أفعل به ما شئت، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت { فأسرها } إضمار ~~على شريطة التفسير، تفسيره { أنتم شر مكانا } وإنما أنث لأن ~~قوله { أنتم شر مكانا } جملة أو كلمة، على تسميتهم الطائفة من ~~الكلام كلمة، كأنه قيل فأسر الجملة أو الكلمة ms0943 التي هي قوله { أنتم ~~شر مكانا } والمعنى قال في نفسه أنتم شر مكانا لأن قوله { قال ~~أنتم شر مكانا } بدل من أسرها. وفي قراءة ابن مسعود ~~«فأسره»، على التذكير، يريد القول أو الكلام. ومعنى { أنتم شر ~~مكانا } أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سارقون بالصحة، لسرقتكم أخاكم ~~من أبيكم { والله أعلم بما تصفون } يعلم أنه لم يصح لي ولا ~~لأخي سرقة، وليس الأمر كما تصفون. ### || [12.78] # استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السن أو كبير ~~القدر، وأن بنيامين أحب إليه منهم، وكانوا قد أخبروه بأن ولدا له قد ~~هلك وهو عليه ثكلان، وأنه مستأنس بأخيه { فخذ أحدنا مكانه } ~~فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد { إنا نراك من ~~المحسنين } إلينا فأتمم إحسانك. أو من عادتك الإحسان فاجر على ~~عادتك ولا تغيرها. ### || [12.79] # { معاذ الله } هو كلام موجه، ظاهره أنه وجب على قضية فتواكم أخذ ~~من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلما في ~~مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم، وباطنه إن الله أمرني وأوحى إلي ~~بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك، فلو أخذت غير ~~من أمرني بأخذه كنت ظالما وعاملا على خلاف الوحي. ومعنى { معاذ ~~الله أن نأخذ } نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ، فأضيف المصدر إلى ~~المفعول به وحذف من. و { إذا } جواب لهم وجزاء لأن المعنى إن أخذنا ~~بدله ظلمنا. ### || [12.80] # { استيأسوا } يئسوا. وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مر ~~في استعصم. و النجي على معنيين يكون بمعنى المناجي، كالعشير والسمير ~~بمعنى المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى # وقربناه نجيا # مريم 52 وبمعنى المصدر الذي هو التناجي، كما قيل النجوى بمعناه. ومنه ~~قيل قوم نجى، كما قيل # وإذ هم نجوى # الإسراء 47 تنزيلا للمصدر منزلة الأوصاف. ويجوز أن يقال هم نجى، كما قيل ~~هم صديق، لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية. قال # إنى إذا ما القوم كانوا أنجيه # ومعنى { خلصوا } اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم ms0944 سواهم ~~{ نجيا } ذوي نجوى أو فوجا نجيا، أي مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا. ~~وأحسن منه أنهم تمحضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه بجد ~~واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير ~~أمرهم، على أي صفة يذهبون؟ وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم؟ كقوم ~~تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور { كبيرهم } في ~~السن وهو روبيل. وقيل رئيسهم وهو شمعون وقيل كبيرهم في العقل والرأي وهو ~~يهوذا { ما فرطتم فى يوسف } فيه وجوه أن تكون «ما» صلة، أي ومن ~~قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم. وأن تكون مصدرية، على ~~أن محل المصدر الرفع على الابتداء وخبره الظرف، وهو { من قبل } ~~ومعناه ووقع من قبل تفريطكم في يوسف. أو النصب عطفا على مفعول { ألم ~~تعلموا } وهو { أن أباكم } كأنه قيل ألم تعلموا أخذ أبيكم ~~عليكم موثقا وتفريطكم من قبل في يوسف، وأن تكون موصولة بمعنى ومن قبل ~~هذا ما فرطتموه، أي قدمتموه في حق يوسف من الجناية العظيمة، ومحله الرفع ~~أو النصب على الوجهين { فلن أبرح الأرض } فلن أفارق أرض مصر { ~~حتى يأذن لى أبى } في الانصراف إليه { أو يحكم الله ~~لى } بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده بسبب من ~~الأسباب { وهو خير الحكمين } لأنه لا يحكم أبدا إلا بالعدل ~~والحق. ### || [12.81] # وقرىء «سرق» أي نسب إلى السرقة { وما شهدنا } عليه بالسرقة { ~~إلا بما علمنا } من سرقته وتيقناه لأن الصواع استخرج من وعائه ~~ولا شيء أبين من هذا { وما كنا للغيب حفظين } وما علمنا ~~أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق. أو ما علمنا أنك تصاب به كما أصبت بيوسف. ~~ومن قرأ «سرق» فمعناه وما شهدنا إلا بقدر ما علمنا من التسريق، وما كنا ~~للغيب للأمر الخفي حافظين، أسرق بالصحة أم دس الصاع في رحله ولم يشعر. ### || [12.82-83] # { القرية التى كنا فيها } هي مصر، أي أرسل إلى أهلها فسلهم ~~عن كنه القصة { والعير التى أقبلنا فيها } وأصحاب العير، ~~وكانوا قوما من كنعان ms0945 من جيران يعقوب. وقيل من أهل صنعاء، معناه فرجعوا ~~إلى أبيهم فقالوا له ما قال لهم أخوهم ف { قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا } أردتموه وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن ~~السارق يؤخذ بسرقته لولا فتواكم وتعليمكم { بهم جميعا } بيوسف ~~وأخيه وروبيل أو غيره { إنه هو العليم } بحالي في الحزن والأسف ~~{ الحكيم } الذي لم يبتلني بذلك إلا لحكمة ومصلحة. ### || [12.84] # { وتولى عنهم } وأعرض عنهم كراهة لما جاؤا به { يا أسفى } ~~أضاف الأسف وهو أشد الحزن والحسرة إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، ~~والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف مما يقع مطبوعا غير متعمل فيملح ويبدع، ~~ونحوه # اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم # التوبة 38، # وهم ينهون عنه وينأون عنه # الأنعام 26. # يحسبون أنهم يحسنون # الكهف 104، # من سبإ بنبإ # النمل 22 وعن النبي صلى الله عليه وسلم 554 # " لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة ~~إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه ~~لم يسترجع. وإنما قال يا أسفى " # فإن قلت كيف تأسف على يوسف دون أخيه ودون الثالث، والرزء الأحدث أشد ~~على النفس وأظهر أثرا؟ قلت هو دليل على تمادي أسفه على يوسف، وأنه لم ~~يقع فائت عنده موقعه، وأن الرزء فيه مع تقادم عهده كان غضا عنده طريا. # ولم تنسني أوفى المصيبات بعده # ولأن الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ~~ولده، فكان الأسف عليه أسفا على من لحق به { وابيضت عيناه } ~~إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين وقلبته إلى بياض كدر. قيل قد ~~عمي بصره. وقيل كان يدرك إدراكا ضعيفا. قرىء «من الحزن» ومن الحزن، ~~الحزن كان سبب البكاء الذي حدث منه البياض، فكأنه حدث من الحزن. قيل ما ~~جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما، وما على ~~وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 555 ~~أنه سأل جبريل عليه السلام # " ما بلغ ms0946 من وجد يعقوب على يوسف؟ قال وجد سبعين ثكلى. قال «فما كان له ~~من الأجر»؟ قال أجر مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله ساعة قط " # فإن قلت كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ؟ قلت الإنسان ~~مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره وأن ~~يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن، ولقد 556 بكى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال # " القلب يجزع، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا ~~إبراهيم لمحزونون " # وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة، ولطم الصدور ~~والوجوه، وتمزيق الثياب. وعن النبي صلى الله عليه وسلم. 557 أنه بكى على ~~ولد بعض بناته وهو يجود بنفسه، فقيل يا رسول الله، تبكي وقد نهيتنا عن ~~البكاء؟ فقال # " ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أحمقين صوت عند الفرح، ~~وصوت عند الترح " # وعن الحسن أنه بكى على ولد أو غيره، فقيل له في ذلك، فقال ما رأيت الله ~~جعل الحزن عارا على يعقوب { فهو كظيم } فهو مملوء من الغيط على ~~أولاده ولا يظهر ما يسوؤهم، فعيل بمعنى مفعول، بدليل قوله # وهو مكظوم # القلم 48 من كظم السقاء إذا شده على ملئه، والكظم بفتح الظاء مخرج ~~النفس. يقال أخذ بأكظامه. ### || [12.85] # { تفتؤا } أراد لا تفتؤ، فحذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات، لأنه ~~لو كان إثباتا لم يكن بد من اللام والنون ونحوه # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ومعنىلا تفتؤ لا تزال. وعن مجاهد لا تفتر من حبه، كأنه جعل الفتوء ~~والفتور أخوين يقال ما فتىء يفعل. قال أوس # فما فتئت خيل تثوب وتدعي ويلحق منها لاحق ~~وتقطع # { تكون حرضا } مشفيا على الهلاك مرضا، وأحرضه المرض، ويستوي فيه ~~الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر. والصفة حرض، بكسر الراء، ~~ونحوهما دنف ودنف، وجاءت القراءة بهما جميعا. وقرأ الحسن «حرضا»، ~~بضمتين، ونحوه في الصفات رجل جنب وغرب. ### || [12.86] # البث أصعب ms0947 الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه، فيبثه إلى الناس أي ينشره. ~~ومنه باثه أمره، وأبثه إياه. ومعنى { إنما أشكو } إني لا أشكو إلى ~~أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعيا له وملتجئا إليه، فخلوني ~~وشكايتي. وهذا معنى توليه عنهم، أي فتولى عنهم إلى الله والشكاية إليه. ~~وقيل دخل على يعقوب جار له فقال يا يعقوب، قد تهشمت وفنيت وبلغت من السن ~~ما بلغ أبوك! فقال هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف، فأوحى ~~الله إليه يا يعقوب، أتشكوني إلى خلقي؟ قال يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر ~~لي، فغفر له، فكان بعد ذلك إذا سئل قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله. ~~وروي أنه أوحي إلى يعقوب إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم ~~مسكين فلم تطعموه، وإن أحب خلقي إلي الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع ~~طعاما وادع عليه المساكين. وقيل اشترى جارية مع ولدها، فباع ولدها فبكت ~~حتى عميت { وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أعلم من ~~صنعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. وروي أنه ~~رأى ملك الموت في منامه فسأله هل قبضت روح يوسف؟ فقال لا والله هو حي ~~فاطلبه. وقرأ الحسن «وحزني» بفتحتين «وحزني» بضمتين قتادة. ### || [12.87] # { فتحسسوا من يوسف وأخيه } فتعرفوا منهما وتطلبوا ~~خبرهما. وقرىء بالجيم، كما قرىء بهما في الحجرات، وهما تفعل من الإحساس ~~وهو المعرفة # فلما أحس عيسى منهم الكفر # آل عمران 52 ومن الجس، وهو الطلب. ومنه قالوا لمشاعر الإنسان الحواس، ~~والجواس { من روح الله } من فرجه وتنفيسه. وقرأ الحسن وقتادة «من ~~روح الله»، بالضم أي من رحمته التي يحيا بها العباد. ### || [12.88] # { الضر } الهزال من الشدة والجوع { مزجاة } مدفوعة يدفعها كل ~~تاجر رغبة عنها واحتقارا لها، من أزجيته إذا دفعته وطردته، والريح تزجي ~~السحاب، قيل كانت من متاع الأعراب صوفا وسمنا. وقيل الصنوبر وحبة ~~الخضراء، وقيل سويق المقل والأقط. وقيل دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة ~~{ فأوف لنا الكيل } الذي هو حقنا ms0948 { وتصدق علينا } ~~وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو زدنا على حقنا، ~~فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة، لأن الصدقات محظورة على ~~الأنبياء، وقيل كانت تحل لغير نبينا. وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال ألم ~~تسمع { وتصدق علينا } أراد أنها كانت حلالا لهم. والظاهر أنهم ~~تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدق عليهم، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة ~~عليهم، فلم يتمالك أن عرفهم نفسه. وقوله { إن الله يجزى ~~المتصدقين } شاهد لذلك لذكر الله وجزائه، والصدقة العطية التي ~~تبتغي بها المثوبة من الله ومنه قول الحسن لمن سمعه يقول اللهم تصدق علي ~~- إن الله تعالى لا يتصدق، إنما يتصدق الذي يبتغي الثواب، قل اللهم ~~أعطني، أو تفضل علي، أو ارحمني. ### || [12.89] # { قال هل علمتم } أتاهم من جهة الدين وكان حليما موفقا، ~~فكلمهم مستفهما عن وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب، فقال هل علمتم ~~قبح { ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جهلون } لا ~~تعلمون قبحه، فلذلك أقدمتم عليه، يعني هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه، ~~لأن علم القبح يدعو إلى الاستقباح، والاستقباح يجر إلى التوبة، فكان ~~كلامه شفقة عليهم وتنصحا لهم في الدين، لا معاتبة وتثريبا إيثارا لحق ~~الله على حق نفسه، في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث المصدور، ~~ويتشفى المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، فلله أخلاق الأنبياء ما ~~أوطأها وأسجحها ولله حصا عقولهم ما أرزنها وأرجحها. وقيل لم يرد نفي ~~العلم عنهم، لأنهم كانوا علماء، ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم ~~ولا يقدم عليه إلا جاهل، سماهم جاهلين. وقيل معناه إذ أنتم صبيان في حد ~~السفه والطيش قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة. روي أنهم لما قالوا ~~مسنا وأهلنا الضر، وتضرعوا إليه ارفضت عيناه، ثم قال هذا القول. وقيل ~~أدوا إليه كتاب يعقوب من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ~~إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر. أما بعد، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء ~~أما جدي فشدت يداه ورجلاه ورمي به ms0949 في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت ~~النار عليه بردا وسلاما، وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليقتل ففداه ~~الله. وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى ~~البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا قد أكله الذئب، فذهبت عيناي ~~من بكائي عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به، فذهبوا ~~به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق، وأنك حبسته لذلك، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا ~~نلد سارقا، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك ~~والسلام. فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره، فقال لهم ذلك وروي ~~أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. فإن ~~قلت ما فعلهم بأخيه؟ قلت تعريضهم إياه للغم والثكل بإفراده عن أخيه لأبيه ~~وأمه، وجفاؤهم به، حتى كان لا يستطيع أن يكلم أحدامنهم إلا كلام الذليل ~~للعزيز، وإيذاؤهم له بأنواع الأذى. ### || [12.90-93] # قرىء «أئنك» على الاستفهام. وأنك، على الإيجاب وفي قراءة أبي «أئنك أو ~~أنت يوسف»، على معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف، فحذف الأول لدلالة الثاني ~~عليه، وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع، فهو يكرر الاستثبات فإن قلت كيف ~~عرفوه؟ قلت رأوا في روائه وشمائله حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو، مع ~~علمهم بأن ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من سنخ إبراهيم، ~~لا عن بعض أعزاء مصر. وقيل تبسم عند ذلك فعرفوه بثناياه وكانت كاللؤلؤ ~~المنظوم. وقيل ما عرفوه حتى رفع التاج عن رأسه فنظروا إلى علامة بقرنه ~~كانت ليعقوب وسارة مثلها، تشبه الشامة البيضاء. فإن قلت قد سألوه عن نفسه ~~فلم أجابهم عنها وعن أخيه؟ عن أن أخاه كان معلوما لهم. قلت لأنه كان في ~~ذكر أخيه بيان لما سألوه عنه { من يتق } من يخف الله وعقابه { ~~ويصبر } عن المعاصي وعلى الطاعات { فإن الله لا يضيع } ~~أجرهم، فوضع المحسنين موضع الضمير لاشتماله على المتقين والصابرين { ~~لقد ءاثرك ms0950 الله علينا } أي فضلك علينا بالتقوى والصبر ~~وسيرة المحسنين. وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم، لم نتق ~~ولم نصبر، لا جرم أن الله أعزك بالملك وأذلنا بالتمسكن بين يديك { لا ~~تثريب عليكم } لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب ~~وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه إزالة الثرب، كما أن التجليد ~~والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف ~~الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه. ~~فإن قلت بم تعلق اليوم؟ قلت بالتثريب، أو بالمقدر في { عليكم } من ~~معنى الاستقرار. أو بيغفر. والمعنى لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو ~~مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال { يغفر ~~الله لكم } فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال غفر الله لك، ويغفر ~~الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعا، ومنه قول المشمت «يهديكم الله ~~ويصلح بالكم» و { اليوم يغفر الله لكم } بشارة بعاجل غفران ~~الله، لما تجدد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم. وروي 558 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش ~~ما ترونني فاعلا بكم؟ قالوا نظن خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت ~~فقال أقول ما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم. وروي 559 أن أبا سفيان ~~لما جاء ليسلم قال له العباس إذا أتيت الرسول فاتل عليه { لا تثريب ~~عليكم } ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " غفر الله لك ولمن علمك " # ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة ~~وعشية، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف إن أهل مصر وإن ملكت ~~فيهم، فإنهم ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبدا بيع ~~بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس ~~أنكم إخوتي. وأني من حفدة إبراهيم { اذهبوا بقميصى هذا } قيل ~~هو القميص المتوارث الذي كان ms0951 في تعويذ يوسف وكان من الجنة، أمره جبريل ~~عليه السلام أن يرسله إليه فإن فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى ولا ~~سقيم إلا عوفي { يأت بصيرا } يصر بصيرا، كقولك جاء البناء محكما، ~~بمعنى صار. ويشهد له # فارتد بصيرا # يوسف 96 أو يأت إلي وهو بصير. وينصره قوله { وأتونى بأهلكم ~~أجمعين } أي يأتني أبي، ويأتني آله جميعا وقيل يهوذا هو الحامل، ~~قال أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخا بالدم إليه، فأفرحه كما أحزنته، ~~وقيل حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا. ### || [12.94-96] # { فصلت العير } خرجت من عريش مصر، يقال فصل من البلد فصولا، إذا ~~انفصل منه وجاوز حيطانه. وقرأ ابن عباس «فلما انفصل العير» { قال } ~~لولد ولده ومن حوله من قومه { إنى لأجد ريح يوسف } أوجده الله ~~ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمان. والتفنيد النسبة إلى الفند، وهو ~~الخرف وإنكار العقل من هرم. يقال شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم ~~تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها. والمعنى لولا تفنيدكم إياي ~~لصدقتموني { لفى ضللك القديم } لفي ذهابك عن الصواب قدما في ~~إفراط محبتك ليوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات { ~~ألقه } طرح البشير القميص على وجه يعقوب. أو ألقاه يعقوب { ~~فارتد بصيرا } فرجع بصيرا. يقال رده فارتد، وارتده إذا ارتجعه ~~{ ألم أقل لكم } يعني قوله { إنى لأجد ريح يوسف } ~~أو قوله # ولا تيأسوا من روح الله # يوسف 87 وقوله { إني أعلم } كلام مبتدأ لم يقع عليه القول، ولك أن ~~توقعه عليه وتريد قوله # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون # يوسف 86 وروي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال هو ملك مصر فقال ما أصنع ~~بالملك؟ على أي دين تركته؟ قال على دين الإسلام. قال الآن تمت النعمة. ### || [12.97-98] # { سوف أستغفر لكم } قيل أخر الاستغفار إلى وقت السحر. وقيل ~~إلى ليلة الجمعة ليتعمد به وقت الإجابة. وقيل ليتعرف حالهم. في صدق ~~التوبة وإخلاصها. وقيل ms0952 أراد الدوام على الاستغفار لهم. فقد روي أنه كان ~~يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة. وقيل قام إلى الصلاة في وقت ~~السحر، فلما فرغ رفع يديه وقال اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري ~~عنه، واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم، فأوحى إليه إن الله قد غفر لك ولهم ~~أجمعين. وروي أنهم قالوا له وقد علتهم الكآبة ما يغني عنا عفوكما إن لم ~~يعف عنا ربنا، فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبدا، فاستقبل ~~الشيخ القبلة قائما يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة ~~خاشعين عشرين سنة. حتى بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة نزل جبريل عليه ~~السلام فقال إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على ~~النبوة، وقد اختلف في استنبائهم. ### || [12.99-100] # { فلما دخلوا على يوسف } قيل وجه يوسف إلى أبيه جهازا ~~ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه. وخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من ~~الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب وهو يمشي يتوكأ على ~~يهوذا، فنظر إلى الخيل والناس فقال يا يهوذا، أهذا فرعون مصر؟ قال لا، ~~هذا ولدك، فلما لقيه قال يعقوب عليه السلام السلام عليك يا مذهب الأحزان. ~~وقيل إن يوسف قال له لما التقيا يا أبت، بكيت علي حتى ذهب بصرك، ألم ~~تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال بلى، ولكن خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني ~~وبينك، وقيل إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون، ما بين رجل ~~وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ومقاتلتهم ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعون ~~رجلا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألف ألف ومائتي ألف { أوى ~~إليه أبويه } ضمهما إليه واعتنقهما. قال ابن أبي إسحاق كانت أمه ~~تحيى، وقيل هما أبوه وخالته. ماتت أمه فتزوجها وجعلها أحد الأبوين لأن ~~الرابة تدعى أما، لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم ~~أب. ومنه قوله # وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق # البقرة 133 فإن قلت ما معنى دخولهم عليه قبل دخولهم ms0953 مصر؟ قلت كأنه حين ~~استقبلهم نزل لهم في مضرب أو بيت ثم، فدخلوا عليه وضم إليه أبويه، ثم ~~قال لهم { ادخلوا مصر إن شآء الله ءامنين } ولما دخل ~~مصر وجلس في مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا إليه، أكرم أبويه فرفعهما ~~على السرير { وخروا له } يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين { ~~سجدا } ويجوز أن يكون قد خرج في قبة من قباب الملوك التي تحمل على ~~البغال، فأمر أن يرفع إليه أبواه، فدخلا عليه القبة. فآواهما إليه بالضم ~~والاعتناق وقربهما منه، وقال بعد ذلك ادخلوا مصر. فإن قلت بم تعلقت ~~المشيئة؟ قلت بالدخول مكيفا بالأمن، لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في ~~دخولهم، فكأنه قيل لهم اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله. ونظيره قولك ~~للغازي ارجع سالما غانما إن شاء الله، فلا تعلق المشيئة بالرجوع ~~مطلقا، ولكن مقيدا بالسلامة والغنيمة، مكيفا بهما. والتقدير ادخلوا ~~مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ~~ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال. ومن بدع التفاسير أن ~~قوله { إن شاء الله } من باب التقديم والتأخير وأن موضعها ما بعد ~~قوله # سوف أستغفر لكم ربى # يوسف 98 في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره. فإن قلت كيف ~~جاز لهم أن يسجدوا لغير الله؟ قلت كانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية ~~والتكرمة، كالقيام، والمصافحة وتقبيل اليد. # ونحوها مما جرت عليه عادة الناس، من أفعال شهرت في التعظيم والتوقير. ~~وقيل ما كانت إلا انحناء دون تعفير الجباه، وخرورهم سجدا يأباه. وقيل ~~معناه وخروا لأجل يوسف سجدا لله شكرا. وهذا أيضا فيه نبوة. يقال أحسن ~~إليه وبه، وكذلك أساء إليه وبه قال # أسيئي بنا أو أحسني لاملومة # { من البدو } من البادية لأنهم كانوا أهل عمد وأصحاب مواش ينتقلون ~~في المياه والمناجع { نزغ } أفسد بيننا وأغرى، وأصله من نخس الرائض ~~الدابة وحمله على الجري. يقال نزغه ونسغه، إذا نخسه { لطيف لما ~~يشاء } لطيف التدبير لأجله، رفيق حتى يجيء على وجه الحكمة والصواب. ~~وروي ms0954 أن يوسف أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه، فأدخله خزائن الورق ~~والذهب، وخزائن الحلي، وخزائن الثياب، وخزائن السلاح وغير ذلك، فلما ~~أدخله خزانة القراطيس قال يا بني، ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت ~~إلي على ثمان مراحل؟ قال أمرني جبريل. قال أو ما تسأله؟ قال أنت أبسط ~~إليه مني فسله. قال جبريل عليه السلام الله تعالى أمرني بذلك لقولك # وأخاف أن يأكله الذئب # يوسف 13 قال فهلا خفتني؟ وروي أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم ~~مات. وأوصى أن يدفه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق فمضى بنفسه ودفنه ثمة، ثم ~~عاد إلى مصر، وعاش بعدأبيه ثلاثا وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا ~~يدوم له، طلبت نفسه الملك الدائم الخالد، فتاقت نفسه إليه فتمنى الموت، ~~وقيل ما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيبا طاهرا، فتخاصم أهل ~~مصر وتشاحوا في دفنه كل يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال، فرأوا ~~من الرأي أن عملوا له صندوقا من مرمر وجعلوه فيه، ودفنوه في النيل بمكان ~~يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعا واحدا، وولد له ~~إفراثيم وميشا، وولد لإفراثيم نون ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثت ~~الفراعنة من العماليق بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على ~~بقايا دين يوسف وآبائه. إلى أن بعث الله موسى صلى الله عليه وسلم. ### || [12.101] # «من» في { من الملك } و { من تأويل الأحاديث } للتبعيض، ~~لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا، أو بعض ملك مصر وبعض التأويل { أنت ~~ولى } أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، وبوصل الملك الفاني ~~بالملك الباقي { توفنى مسلما } طلب للوفاة على حال الإسلام، ~~ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده # ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون # آل عمران 102 ويجوز أن يكون تمنيا للموت على ما قيل { وألحقنى ~~بالصلحين } من آبائي أو على العموم. وعن عمر ابن عبد العزيز أن ~~ميمون بن مهران بات عنده فرآه كثير البكاء والمسألة ms0955 للموت، فقال له صنع ~~الله على يديك خيرا كثيرا أحييت سننا وأمت بدعا وفي حياتك خير وراحة ~~للمسلمين، فقال أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقر الله عينه وجمع له أمره ~~قال توفني مسلما وألحقني بالصالحين. فإن قلت علام انتصب فاطر السموات؟ ~~قلت على أنه وصف لقوله { رب } كقولك أخا زيد حسن الوجه. أو على ~~النداء. ### || [12.102] # { ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومحله الابتداء. وقوله { من أنبآء الغيب نوحيه ~~إليك } خبر إن. ويجوز أن يكون اسما موصولا بمعنى الذي، و { من ~~أنبآءالغيب } صلته و { نوحيه } الخبر. والمعنى أن هذا النبأ غيب ~~لم يحصل لك إلا من جهة الوحي، لأنك لم تحضر بني يعقوب حين أجمعوا أمرهم ~~وهو إلقاؤهم أخاهم في البئر، كقوله # وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة الجب # يوسف 15 وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه ~~لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقي فيها أحدا ولا سمع منه. ولم ~~يكن من علم قومه. فإذا أخبر به وقص هذا القصص العجيب الذي أعجز حملته ~~ورواته، لم تقع شبهة في أنه ليس منه وأنه من جهة الوحي، فإذا أنكروه تهكم ~~بهم. وقيل لهم قد علمتم يا مكابرة أنه لم يكن مشاهدا لمن مضى من القرون ~~الخالية ونحوه # وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر # القصص 44، { وهم يمكرون } بيوسف ويبغون له الغوائل. ### || [12.103-104] # { ومآ أكثر الناس } يريد العموم، كقوله # ولكن أكثر الناس لا يؤمنون # هود 17 وعن ابن عباس رضي الله عنهما. أراد أهل مكة، أي وما هم بمؤمنين { ~~ولو حرصت } وتهالكت على إيمانهم لتصميمهم على الكفر وعنادهم { ~~وما تسئلهم } على ما تحدثهم به وتذكرهم أن ينيلوك منفعة وجدوى، ~~كما يعطى حملة الأحاديث والأخبار { إن هو إلا ذكر } عظة من ~~الله { للعلمين } عامة، وحث على طلب النجاة على لسان رسول من ~~رسله. ### || [12.105] # { من ءاية } من علامة ودلالة على الخالق وعلى صفاته وتوحيده ms0956 { ~~يمرون عليها } ويشاهدونها وهم معرضون عنها لا يعتبرون بها. ~~وقرىء «والأرض» بالرفع على الابتداء، ويمرون عليها خبره، وقرأ السدي ~~«والأرض» بالنصب على ويطؤن الأرض يمرون عليها. وفي مصحف عبد الله ~~والأرض يمشون عليها، برفع الأرض، والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة ~~وغير ذلك من العبر. ### || [12.106] # { وما يؤمن أكثرهم } في إقراره بالله وبأنه خلقه وخلق ~~السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن هم أهل الكتاب ~~معهم شرك وإيمان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين يشبهون الله ~~بخلقه. ### || [12.107] # { غشية } نقمة تغشاهم. وقيل ما يغمرهم من العذاب ويجللهم وقيل ~~الصواعق. ### || [12.108] # { هذه سبيلى } هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد ~~سبيلي. والسبيل والطريق يذكران ويؤنثان، ثم فسر سبيله بقوله { ادعوا ~~إلى الله على بصيرة } أي أدعو إلى دينه مع حجة واضحة غير ~~عمياء. و { أنا } تأكيد للمستتر في { أدعوا }. { ومن ~~اتبعنى } عطف عليه. يريد أدعو إليها أنا، ويدعو إليها من اتبعني ~~ويجوز أن يكون { أنا } مبتدأ، و { على بصيرة } خبرا مقدما، ~~{ ومن اتبعنى } عطفا على { أنا } إخبارا مبتدأ بأنه ومن ~~اتبعه على حجة وبرهان، لا على هوى، ويجوز أن يكون { على بصيرة } ~~حالا من { أدعو } عاملة الرفع في { أنا ومن اتبعنى } ، { ~~وسبحن الله } وأنزهه من الشركاء. ### || [12.109] # { إلا رجالا } لا ملائكة لأنهم كانوا يقولون # لو شآء ربنا لأنزل ملئكة # فصلت 14 وعن ابن عباس رضي الله عنهما يريد ليست فيهم امرأة. وقيل في ~~سجاح المتنبئة. # ولم تزل أنبياء الله ذكرانا # وقرىء «نوحي إليهم»، بالنون. { من أهل القرى } لأنهم أعلم ~~وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة { ولدار الأخرة ~~} ولدار الساعة، أو الحال الآخرة { خير للذين اتقوا } للذين ~~خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه. وقرىء «أفلا تعقلون»، بالتاء ~~والياء. ### || [12.110] # { حتى } متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام، كأنه قيل { وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا } فتراخى نصرهم حتى إذا ~~استيأسوا عن النصر { وظنوا أنهم قد كذبوا } أي كذبتهم ~~أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون، أو رجاؤهم لقولهم ms0957 رجاء صادق، ورجاء ~~كاذب. والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من ~~الله وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا ~~نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من ~~النصر وقال كانوا بشرا، وتلا قوله # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه ~~متى نصر الله # البقرة 214 فإن صح هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ~~ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية. وأما ~~الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من ~~المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم، وأنه متعال عن ~~خلف الميعاد، منزه عن كل قبيح؟ وقيل وظن المرسل إليهم أن الرسل قد ~~كذبوا، أي أخلفوا. أو وظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل، أي ~~كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدقوهم فيه. وقرىء «كذبوا» ~~بالتشديد على وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب ~~والنصرة عليهم. وقرأ مجاهد «كذبوا» بالتخفيف، على البناء للفاعل، على وظن ~~الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة، إما على تأويل ابن ~~عباس، وإما على أن قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثرا قالوا لهم إنكم قد ~~كذبتمونا فيكونون كاذبين عند قومهم. أو وظن المرسل إليهم أن الرسل قد ~~كذبوا. ولو قرىء بهذا مشددا لكان معناه وظن الرسل أن قومهم كذبوهم في ~~موعدهم. وقرىء «فننجى» بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه. وفنجى، على ~~لفظ الماضي المبني للمفعول، وقرأ ابن محيصن «فنجا» والمراد ب { من ~~نشاء } المؤمنون، لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم. وقد بين ذلك ~~بقوله { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين }. ### || [12.111] # الضمير في { قصصهم } للرسل، وينصره قراءة من قرأ «في قصصهم» بكسر ~~القاف. وقيل هو راجع إلى يوسف وإخوته. فإن قلت فالإم يرجع الضمير في { ~~ما ms0958 كان حديثا يفترى } فيمن قرأ بالكسر؟ قلت إلى القرآن، أي ما ~~كان القرآن حديثا يفترى { ولكن } كان { تصديق الذى بين ~~يديه } أي قبله من الكتب السماوية { وتفصيل كل شىء } يحتاج ~~إليه في الدين، لأنه القانون الذي يستند إليه السنة والإجماع والقياس بعد ~~أدلة العقل. وانتصاب ما نصب بعد { لكن } للعطف على خبر كان. وقرىء ذلك ~~بالرفع على «ولكن هو تصديق الذي بين يديه» عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 560 # " علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت ~~يمينه هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما " ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # { تلك } إشارة إلى آيات السورة. والمراد بالكتاب السورة، أي تلك ~~الآيات آيات السورة الكاملة العجيبة في بابها، ثم قال { والذى ~~أنزل إليك } من القرآن كله هو { الحق } الذي لا مزيد عليه، لا ~~هذه السور وحدها، وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية هم كالحلقة ~~المفرعة، لا يدرى أين طرفاها؟ تريد الكملة. ### || [13.2-3] # { الله } مبتدأ، و { الذى } خبره، بدليل قوله { وهو الذى ~~مد الأرض } ويجوز أن يكون صفة. وقوله { يدبر الأمر يفصل ~~الآيت } خبر بعد خبر. وينصره ما تقدمه من ذكر الآيات { رفع ~~السموات بغير عمد ترونها } كلام مستأنف استشهاد ~~برؤيتهم لها كذلك. وقيل هي صفة لعمد. ويعضده قراءة أبي «ترونه». وقرىء ~~«عمد»، بضمتين { يدبر الأمر } يدبر أمر ملكوته وربوبيته { ~~يفصل } آياته في كتبه المنزلة { لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون } بالجزاء وبأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه. ~~وقرأ الحسن «ندبر»، بالنون { جعل فيها زوجين اثنين } خلق ~~فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها، ثم تكاثرت بعد ذلك ~~وتنوعت. وقيل أراد بالزوجين الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير ~~والكبير، وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة { يغشى الليل النهار } يلبسه ~~مكانه، فيصير أسود مظلما بعد ما كان أبيض منيرا. وقرىء «يغشى» ~~بالتشديد. ### || [13.4] # { قطع متجورت } بقاع مختلفة، مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة ~~إلى سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة ms0959 للزرع لا للشجر إلى ~~أخرى على عكسها، مع انتظامها جميعا في جنس الأرضية. وذلك دليل على قادر ~~مريد، موقع لأفعاله على وجه دون وجه. وكذلك الزروع والكروم والنخيل ~~النابتة في هذه القطع، مختلفة الأجناس والأنواع، وهي تسقى بماء واحد، ~~وتراها متغايرة الثمر في الأشكال والألوان والطعوم والروائح، متفاضلة ~~فيها. وفي بعض المصاحف قطعا متجاورات على وجعل وقرىء «وجنات»، بالنصب ~~للعطف على زوجين. أو بالجر على كل الثمرات. وقرىء «وزرع ونخيل»، ~~بالجر عطفا على أعناب أو جنات والصنوان جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان، ~~وأصلها واحد. وقرىء بالضم. والكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة بني تميم ~~وقيس { تسقى } بالتاء والياء { ونفضل } بالنون وبالياء على ~~البناء للفاعل والمفعول جميعا { في الأكل } بضم الكاف وسكونها. ### || [13.5] # { وإن تعجب } يا محمد من قولهم في إنكار البعث، فقولهم عجيب حقيق ~~بأن يتعجب منه لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة ولم ~~يعي بخلقهن، كانت الإعادة أهون شيء عليه وأيسره، فكان إنكارهم أعجوبة من ~~الأعاجيب { أءذا كنا } إلى آخر قولهم يجوز أن يكون في محل الرفع ~~بدلا من قولهم، وأن يكون منصوبا بالقول. وإذا نصب بما دل عليه قوله { ~~إنكم لفى خلق جديد } ، { أولئك الذين كفروا ~~بربهم } أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم { وأولئك ~~الأغلل فى أعنقهم } وصف بالإصرار، كقوله # إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا # يس 8 ونحوه # لهم عن الرشد أغلال وأقياد # أو هو من جملة الوعيد. ### || [13.6] # { بالسيئة قبل الحسنة } بالنقمة قبل العافية، والإحسان ~~إليهم بالإمهال. وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم ~~بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره { وقد خلت من قبلهم ~~المثلت } أي عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها ~~فلا يستهزءوا والمثلة العقوبة، بوزن السمرة. والمثلة لما بين العقاب ~~والمعاقب عليه من المماثلة، # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40 ويقال أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه. والمثال القصاص. ~~وقرىء «المثلات» بضمتين لإتباع الفاء العين. و «المثلات»، بفتح الميم ~~وسكون الثاء، كما يقال السمرة. و ms0960 «المثلات» بضم الميم وسكون الثاء، ~~تخفيف «المثلات» بضمتين. والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات { لذو ~~مغفرة للناس على ظلمهم } أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب. ~~ومحله الحال، بمعنى ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه. أن يريد السيئات المكفرة ~~لمجتنب الكبائر. أو الكبائر بشرط التوبة. أو يريد بالمغفرة الستر ~~والإمهال. وروي أنها لما نزلت قال النبي عليه الصلاة والسلام 561 # " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل ~~أحد ". ### || [13.7] # { لولا أنزل عليه ءاية من ربه } لم يعتدوا بالآيات ~~المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا، فاقترحوا نحو آيات ~~موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى، فقيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنما أنت رجل أرسلت منذرا ومخوفا لهم من سوء العاقبة. ~~وناصحا كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، ~~وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوة بها ~~لا تفاوت بينها، والذي عنده كل شيء بمقدار يعطي كل نبي آية على حسب ما ~~اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره لها { ولكل قوم هاد } من الأنبياء ~~يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها، ولم ~~يجعل الأنبياء شرعا واحدا في آيات مخصوصة. ووجه آخر وهو أن يكون المعنى ~~أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك آيات ويعاندون، فلا يهمنك ذلك، إنما أنت ~~منذر، فما عليك إلا أن تنذر لا أن تثبت الإيمان في صدورهم، ولست بقادر ~~عليه، ولكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالإلجاء، وهو الله تعالى. ولقد دل ~~بما أردفه من ذكر آيات علمه وتقديره الأشياء على قضاء حكمته أن إعطاءه كل ~~منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة ~~الربانية، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيرا ومصلحة، لأجابهم إليه. ~~وأما على الوجه الثاني، فقد دل به على أن من هذه قدرته وهذا علمه، هو ~~القادر وحده على هدايتهم، العالم بأي طريق يهديهم، ولا سبيل إلى ذلك ~~لغيره. ### || [13.8-9] ms0961 # { الله يعلم } يحتمل أن يكون كلاما مستأنفا، وأن يكون المعنى ~~هو الله، تفسيرا لهاد على الوجه الأخير، ثم ابتدىء فقيل { يعلم ما ~~تحمل كل أنثى } «وما» في { ما تحمل } ، { وما تغيض } ~~، { وما تزداد } إما موصولة، وإما مصدرية. فإن كانت موصولة، ~~فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو. من ذكورة وأنوثة، ~~وتمام وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة ~~والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه. يقال غاض الماء وغضته أنا. ~~ومنه قوله تعالى # وغيض الماء # هود 44 وما تزداده أي تأخذه زائدا، تقول أخذت منه حقي، وازددت منه كذا ~~ومنه قوله تعالى # وازدادوا تسعا # الكهف 25 ويقال زدته فزاد بنفسه وازداد، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد ~~الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة. ويروى ~~أن شريكا كان رابع أربعة في بطن أمه. ومنه جسد الولد، فإنه يكون تاما ~~ومخدجا. ومنه مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى ~~سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، وقيل ~~إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين، ولذلك ~~سمي هرما. ومنه الدم، فإنه يقل ويكثر. وإن كانت مصدرية، فالمعنى أنه ~~يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ~~ذلك، ومن أوقاته وأحواله. ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، ~~فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أن الفعلين غير متعديين، ~~ويعضده قول الحسن الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد ~~أن تزيد على تسعة أشهر. وعنه الغيض الذي يكون سقطا لغير تمام، والازدياد ~~ما ولد لتمام { بمقدار } بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله # إنا كل شىء خلقنه بقدر # القمر 49 { الكبير } العظيم الشأن الذي كل شيء دونه { المتعال ~~} المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى ~~عنها. ### || [13.10-11] # { سارب } ذاهب في سربه - بالفتح ms0962 - أي في طريقه ووجهه. يقال سرب في الأرض ~~سروبا. والمعنى سواء عنده من استخفى أي طلب الخفاء في مختبأ بالليل في ~~ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهرا بالنهار يبصره كل أحد. فإن قلت كان ~~حق العبارة أن يقال ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول ~~معنى الاستواء المستخفي والسارب وإلا فقد تناول واحدا هو مستخف وسارب ~~قلت فيه وجهان أحدهما أن قوله { وسارب } عطف على من هو مستخف، لا ~~على مستخف، والثاني أنه عطف على مستخف إلا أن { من } في معنى الاثنين، ~~كقوله # نكن مثل من ياذئب يصطحبان # كأنه قيل سواء منكم اثنان مستخف بالليل، وسارب بالنهار. والضمير في { ~~له } مردود على { من } كأنه قيل لمن أسر ومن جهر، ومن استخفى ومن ~~سرب { معقبت } جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل ~~معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله # وجاء المعذرون # التوبة 90 بمعنى المعتذرون. ويجوز معقبات، بكسر العين ولم يقرأ به. أو ~~هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه، كما يقال قفاه، لأن بعضهم يعقب ~~بعضا أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه { يحفظونه من أمر ~~الله } هما صفتان جميعا وليس { من أمر الله } بصلة للحفظ، ~~كأنه قيل له معقبات من أمر الله. أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل ~~أن الله أمرهم بحفظه. والدليل عليه قراءة علي رضي الله عنه وابن عباس ~~وزيد بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة «يحفظونه بأمر الله». أو يحفظونه من ~~بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسئلتهم ربهم أن يمهله رجاء أن ~~يتوب وينيب، كقوله # قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمن # الأنبياء 42 وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في ~~توهمه وتقديره من أمر الله أي من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به، ~~وقرىء «له معاقيب» جمع معقب أو معقبة. والياء عوض من حذف إحدى القافين في ~~التكسير { إن الله لا يغير ما بقوم } من العافية والنعمة ~~{ حتى يغيروا ما بأنفسهم } من الحال الجميلة بكثرة ms0963 ~~المعاصي { من وال } ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم. ### || [13.12-13] # { خوفا وطمعا } لا يصح أن يكونا مفعولا لهما لأنهما ليسا بفعل ~~فاعل الفعل المعلل إلا على تقدير حذف المضاف، أي إرادة خوف وطمع. أو على ~~معنى إخافة وإطماعا، ويجوز أن يكونا منتصبين على الحال من البرق، كأنه ~~في نفسه خوف وطمع. أو على ذا خوف وذا طمع. أو من المخاطبين، أي خائفين ~~وطامعين. ومعنى الخوف والطمع أن وقوع الصواعق يخاف عند لمع البرق، ويطمع ~~في الغيث. قال أبو الطيب # فتى كالسحاب الجون تخشى وترتجى يرجى الحياء ~~منها ويخشى الصواعق # وقيل يخاف المطر من له فيه ضرر، كالمسافر، ومن له في جرينه التمر ~~والزبيب، ومن له بيت يكف، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، ~~ويطمع فيه من له فيه نفع، ويحيا به { السحاب } اسم الجنس، والواحدة ~~سحابة. و { الثقال } جمع ثقيلة لأنك تقول سحابة ثقيلة، وسحاب ثقال، ~~كما تقول امرأة كريمة ونساء كرام، وهي الثقال بالماء { ويسبح ~~الرعد بحمده } ويسبح سامع الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين ~~له. أي يضجون بسبحان الله والحمد لله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقول 562 # " سبحان من يسبح الرعد بحمده " # وعن علي رضي الله عنه سبحان من سبحت له. وإذا اشتد الرعد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 563 # " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك " # وعن ابن عباس. 564 أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ~~ما هو؟ فقال # " ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب " # وعن الحسن خلق من خلق الله ليس بملك. ومن بدع المتصوفة. الرعد صعقات ~~الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم، والمطر بكاؤهم { والملئكة من ~~خيفته } ويسبح الملائكة من هيبته وإجلاله ذكر علمه النافذ في كل شيء ~~واستواء الظاهر والخفي عنده، وما دل على قدرته الباهرة ووحدانيته ثم قال ~~{ وهم } يعني الذين كفروا وكذبوا رسول الله وأنكروا آياته { ~~يجدلون فى الله } حيث ينكرون على رسوله ms0964 ما يصفه به من القدرة ~~على البعث وإعاد، الخلائق بقولهم # من يحيى العظم وهى رميم # يس 78 ويردون الوحدانية باتخاذ الشركاء والأنداد، ويجعلونه بعض الأجسام ~~المتوالدة بقولهم { الملئكة * بنات الله } فهذا جدالهم ~~بالباطل، كقولهم # وجدلوا بالبطل ليدحضوا به الحق # غافر 5 وقيل الواو للحال. أي فيصيب بها من يشاء في حال جدالهم. وذلك. ~~565 أن أربد أخا لبيد ابن ربيعة العامري قال لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - حين وفد عليه مع عامر بن الطفيل قاصدين لقتله فرمى الله عامرا ~~بغدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، وأرسل على أربد صاعقة فقتلته - ~~أخبرنا عن ربنا أمن نحاس هو أم من حديد؟ { المحال } المماحلة، وهي ~~شدة المماكرة والمكايدة. # ومنه تمحل لكذا، إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان إذا ~~كاده وسعى به إلى السلطان. ومنه الحديث 566 # " ولا تجعله علينا ما حلا مصدقا " # وقال الأعشى # فرع نبع يهش في غصن المج د غزير الندى ~~شديد المحال # والمعنى أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، يأتيهم بالهلكة من حيث لا ~~يحتسبون. وقرأ الأعرج بفتح الميم، على أنه مفعل، من حال يحول محالا إذا ~~احتال. ومنه أحول من ذئب، أي أشد حيلة. ويجوز أن يكون المعنى شديد ~~الفقار، ويكون مثلا في القوة والقدرة كما جاء فساعد الله أشد، وموساه ~~أحد لأن الحيوان إذا اشتد محاله، كان منعوتا بشدة القوة والاضطلاع ~~بما يعجز عنه غيره. ألا ترى إلى قولهم فقرته الفواقر؟ وذلك أن الفقار ~~عمود الظهر وقوامه. ### || [13.14] # { دعوة الحق } فيه وجهان أحدهما أن تضاف الدعوة إلى الحق الذي هو ~~نقيض الباطل، كما تضاف الكلمة إليه في قولك كلمة الحق، للدلالة على أن ~~الدعوة ملابسة للحق مختصة به، وأنها بمعزل من الباطل. والمعنى أن الله ~~سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطي الداعي سؤاله إن كان مصلحة له، فكانت ~~دعوة ملابسة للحق، لكونه حقيقا بأن يوجه إليه الدعاء، لما في دعوته من ~~الجدوى والنفع، بخلاف ما لا ينفع ولا يجدي دعاؤه. والثاني أن تضاف إلى ~~الحق الذي ms0965 هو الله عز وعلا، على معنى دعوة المدعو الحق الذي يسمع فيجيب. ~~وعن الحسن الحق هو الله، وكل دعاء إليه دعوة الحق. فإن قلت ما وجه اتصال ~~هذين الوصفين بما قبله؟ قلت أما على قصة أربد فظاهر لأن إصابته بالصاعقة ~~محال من الله ومكر به من حيث لم يشعر. وقد 567 دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليه وعلى صاحبه بقوله اللهم اخسفهما بما شئت، فأجيب فيهما، ~~فكانت الدعوة دعوة حق. وأما على الأول فوعيد للكفرة على مجادلتهم رسول ~~الله بحلول محاله بهم، وإجابة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعا ~~عليهم فيهم { والذين يدعون } والآلهة الذين يدعوهم الكفار { ~~من } دون الله { لا يستجيبون لهم بشىء } من طلباتهم { ~~إلا كبسط كفيه } إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه، أي ~~كاستجابة الماء من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا ~~يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ ~~فاه، وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر ~~على نفعهم. وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف ~~الماء بيديه ليشربه، فبسطهما ناشرا أصابعه، فلم تلق كفاه منه شيئا ولم ~~يبلغ طلبته من شربه. وقرىء «تدعون» بالتاء. كباسط كفيه، بالتنوين { ~~إلا فى ضلل } إلا في ضياع لا منفعة فيه لأنهم إن دعوا الله لم ~~يجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم. ### || [13.15] # { ولله يسجد } أي ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله، ~~شاؤا أو أبوا. لا يقدرون أن يمتنعوا عليه، وتنقاد له { ظلالهم } أيضا ~~حيث تتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال. وقرىء ~~«بالغدو والإيصال»، من آصلوا إذا دخلوا في الأصيل. ### || [13.16] # { قل الله } حكاية لاعترافهم وتأكيد له عليهم لأنه إذا قال لهم من ~~رب السموات والأرض، لم يكن لهم بد من أن يقولوا الله. كقوله # قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله # المؤمنون 86 وهذا كما يقول المناظر لصاحبه أهذا ms0966 قولك فإذا قال هذا قولي ~~قال هذا قولك، فيحكي إقراره تقريرا له عليه واستيثاقا منه، ثم يقول له ~~فيلزمك على هذا القول كيت وكيت. ويجوز أن يكون تلقينا، أي إن كعوا عن ~~الجواب فلقنهم، فإنهم يتلقنونه ولا يقدرون أن ينكروه { أفاتخذتم ~~من دونه أولياء } أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من ~~دونه أولياء، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم ~~سبب الإشراك { لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا } لا ~~يستطيعون لأنفسهم أن ينفعوها أو يدفعوا عنها ضررا، فكيف يستطيعونه ~~لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق المثيب المعاقب، فما أبين ~~ضلالتكم { أم جعلوا } بل أجعلوا. ومعنى الهمزة الإنكار و { ~~خلقوا } صفة لشركاء، يعني أنهم لم يتخذوا لله شركاء خالقين قد خلقوا ~~مثل خلق الله { فتشابه } عليهم خلق الله وخلقهم، حتى يقولوا قدر ~~هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه، فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء ~~ونعبدهم كما يعبد، إذ لا فرق بين خالق وخالق ولكنهم اتخذوا له شركاه ~~عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلا أن يقدروا على ما يقدر ~~عليه الخالق { قل الله خلق كل شىء } لا خالق غير الله، ولا ~~يستقيم أن يكون له شريك في الخلق، فلا يكون له شريك في العبادة { وهو ~~الواحد } المتوحد بالربوبية { القهار } لا يغالب، وما عداه ~~مربوب ومقهور. ### || [13.17] # هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير ~~والظلمات والنور مثلا لهما، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من ~~السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز ~~الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، ولو ~~لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفي به، وأن ذلك ماكث في الأرض ~~باق بقاء ظاهرا، يثبت الماء في منافعه. وتبقى آثاره في العيون والبئار ~~والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدخر ويكنز، وكذلك الجواهر تبقى ~~أزمنة متطاولة. وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن ~~المنفعة، بزبد السيل ms0967 الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. ~~فإن قلت لم نكرت الأودية؟ قلت لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة ~~بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. فإن قلت فما معنى قوله { ~~بقدرها }؟ قلت بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ~~ضار. ألا ترى إلى قوله { وأما ما ينفع الناس } لأنه ضرب ~~المطر مثلا للحق، فوجب أن يكون مطرا خالصا للنفع خاليا من المضرة، ولا ~~يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف. فإن قلت فما فائدة قوله { ابتغاء ~~حلية أو متع }؟ قلت الفائدة فيه كالفائدة في قوله { ~~بقدرها } لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله { وأما ما ~~ينفع الناس } لأن المعنى وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه ~~الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب، وهو الحلية والمتاع. وقوله { ومما ~~يوقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متع } ~~عبارة جامعة لأنواع الفلز، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به ~~كما هو هجيرى الملوك، نحو ما جاء في ذكر الآجر # أوقد لى يهمن على الطين # القصص 38 و «من» لابتداء الغاية. أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء. أو ~~للتبعيض بمعنى وبعضه زبدا رابيا منفخا مرتفعا على وجه السيل { ~~جفآء } يجفؤه السيل، أي يرمي به. وجفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل ~~وأجفل. وفي قراءة رؤبة ابن العجاج جفالا وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة ~~رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر. وقرىء «يوقدون»، بالياء أي يوقد الناس. ### || [13.18] # { للذين استجابوا } اللام متعلقة بيضرب، أي كذلك يضرب الله ~~الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا، وللكافرين الذين لم يستجيبوا، أي هما ~~مثلا الفريقين. و { الحسنى } صفة لمصدر استجابوا، أي استجابوا ~~الاستجابة الحسنى. وقوله { لو أن لهم } كلام مبتدأ في ذكر ما ~~أعد لغير المستجيبين. وقيل قد تم الكلام عند قوله # كذلك يضرب الله الامثال # الرعد 17 وما بعده كلام مستأنف. والحسنى مبتدأ، خبره { للذين ~~استجابوا } والمعنى لهم المثوبة الحسنى، وهي الجنة { والذين ~~لم يستجيبوا } مبتدأ خبره، «لو» مع ما في ms0968 حيزه و { سوء ~~الحساب } المناقشة فيه. وعن النخعي أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر ~~منه شيء. ### || [13.19] # دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله { أفمن يعلم } لإنكار أن ~~تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أن حال من علم { أنما أنزل ~~إليك من ربك الحق } فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم ~~يستبصر فيستجيب كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز { إنما ~~يتذكر أولو الألبب } أي الذين عملوا على قضيات عقولهم، ~~فنظروا واستبصروا. ### || [13.20-24] # { والذين يوفون بعهد الله } مبتدأ. و { أولئك ~~لهم عقبى الدار } خبره كقوله والذين ينقضون عهد الله أولئك لهم ~~اللعنة. ويجوز أن يكون صفة لأولي الألباب، والأول أوجه. وعهد الله ما ~~عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته # وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى # الأعراف 172 { ولا ينقضون الميثق } ولا ينقضون كل ما وثقوه ~~على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله ~~وبين العباد، تعميم بعد تخصيص { ما أمر الله به أن يوصل } ~~من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين ~~الثابتة بسبب الإيمان # إنما المؤمنون إخوة # الحجرات 10 بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، ~~والشفقة عليهم، والنصيحة لهم، وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم، وإفشاء ~~السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، وشهود جنائزهم. ومنه مراعاة حق الأصحاب ~~والخدم والجيران والرفقاء في السفر، وكل ما تعلق منهم بسبب، حتى الهرة ~~والدجاجة. وعن الفضيل بن عياض أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال من أين ~~أنتم؟ قالوا من أهل خراسان. قال اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا ~~أن العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من ~~المحسنين { ويخشون ربهم } أي يخشون وعيده كله { ويخافون ~~} خصوصا { سوء الحساب } فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا { صبروا ~~} مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف { ~~ابتغاء وجه } الله، لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند ~~الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله ms0969 # وتجلدي للشامتين أريهم # ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مرد فيه للفائت، كقوله # ما أن جزعت ولا هلع ت ولا يرد بكاي زندا # وكل عمل له وجوه يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوي منها ما به كان حسنا ~~عند الله، وإلا لم يستحق به ثوابا، وكان فعلا كلا فعل { مما ~~رزقنهم } من الحلال لأن الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله ~~{ سرا وعلانية } يتناول النوافل، لأنها في السر أفضل والفرائض، ~~لوجوب المجاهرة بها نفيا للتهمة { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة } ويدفعونها عن ابن عباس يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد ~~عليهم من سيء غيرهم. وعن الحسن إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا ~~قطعوا وصلوا. وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا. وقيل إذا رأوا منكرا ~~أمروا بتغييره { عقبى الدار } عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي ~~أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها و { جنت عدن } بدل ~~من عقبى الدار. وقرىء «فنعم» بفتح النون. والأصل نعم فمن كسر النون فلنقل ~~كسرة العين إليها، ومن فتح فقد سكن العين ولم ينقل وقرىء «يدخلونها» على ~~البناء للمفعول. # وقرأ ابن أبي عبلة «صلح» بضم اللام، والفتح أفصح، أعلم أن الأنساب لا ~~تنفع إذا تجردت من الأعمال الصالحة. وآباؤهم جمع أبوي كل واحد منهم، ~~فكأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم { سلم عليكم } في موضع الحال، ~~لأن المعنى قائلين سلام عليكم أو مسلمين، فإن قلت بم تعلق قوله { بما ~~صبرتم }؟ قلت بمحذوف تقديره هذا بما صبرتم، يعنون هذا الثواب بسبب ~~صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه هذه الملاذ والنعم ~~والمعنى لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، كقوله # بما قد أرى فيها أوانس بدنا # وعن النبي صلى الله عليه وسلم 568 أنه كان يأتي قبور الشهداء على رأس كل ~~حول فيقول # " السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " # ويجوز أن يتعلق بسلام، أي نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم. ### || [13.25] # { من بعد ميثقه } من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول { ~~سوء الدار } يحتمل أن ms0970 يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة عقبى ~~الدار، ويجوز أن يراد بالدار جهنم، وبسوئها عذابها. ### || [13.26] # { الله يبسط الرزق } أي الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون ~~غيره، وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم { وفرحوا } بما بسط لهم ~~من الدنيا فرح بطر وأشر لافرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه ~~بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة، وخفي عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم ~~الآخرة ليس إلا شيئا نزرا يتمتع به كعجالة الراكب، وهو ما يتعجله من ~~تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك. ### || [13.27-29] # فإن قلت كيف طابق قولهم { لولا أنزل عليه ءاية من ربه ~~} قوله { قل إن الله يضل من يشاء }؟ قلت هو كلام يجري ~~مجرى التعجب من قولهم، وذلك أن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله، وكفى بالقرآن وحده آية ~~وراء كل آية، فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه ~~قط، كان موضعا للتعجب والاستنكار، فكأنه قيل لهم ما أعظم عنادكم وما أشد ~~تصميمكم على كفركم إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم ~~وشدة الشكيمة في الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية { ~~ويهدى إليه من } كان على خلاف صفتكم { أناب } أقبل إلى ~~الحق، وحقيقته دخل في نوبة الخير، و { الذين ءامنوا } بدل من { ~~من أناب } { وتطمئن قلوبهم بذكر الله } بذكر ~~رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، كقوله # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # الزمر 23 أو تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو تطمئن بالقرآن ~~لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها { الذين ءامنوا } ~~مبتدأ، و { طوبى لهم } خبره. ويجوز أن يكون بدلا من القلوب، على ~~تقدير حذف المضاف، أي تطمئن القلوب قلوب الذين آمنوا، وطوبى مصدر من طاب، ~~كبشرى وزلفى، ومعنى «طوبى لك» أصبت خيرا وطيبا، ومحلها النصب أو الرفع، ~~كقولك طيبا لك، وطيب لك، وسلاما لك، وسلام لك، والقراءة ms0971 في قوله «وحسن ~~مآب» بالرفع والنصب، تدلك على محليها. واللام في { لهم } للبيان مثلها ~~في سقيا لك، والواو في طوبى منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها، كموقن وموسر ~~وقرأ مكوزة الأعرابي «طيبى لهم»، فكسر الطاء لتسلم الياء، كما قيل بيض ~~ومعيشة. ### || [13.30] # { كذلك أرسلناك } مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني أرسلناك ~~إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات، ثم فسر كيف أرسله فقال { فى ~~أمة قد خلت من قبلها أمم } أي أرسلناك في أمة قد ~~تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء { لتتلو ~~عليهم الذى أوحينا إليك } لتقرأ عليهم الكتاب العظيم ~~الذي أوحينا إليك { وهم يكفرون } وحال هؤلاء أنهم يكفرون { ~~بالرحمن } بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء، وما بهم من ~~نعمة فمنه، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم وإنزال هذا القرآن المعجز ~~المصدق لسائر الكتب عليهم { قل هو ربى } الواحد المتعالي عن ~~الشركاء { عليه توكلت } في نصرتي عليكم { وإليه متاب } ~~فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم. ### || [13.31] # { ولو أن قرانا } جوابه محذوف، كما تقول لغلامك لو أني قمت ~~إليك، وتترك الجواب والمعنى ولو أن قرآنا { سيرت به الجبال } ~~عن مقارها، وزعزعت عن مضاجعها { أو قطعت به الأرض } حتى ~~تتصدع وتتزايل قطعا { أو كلم به الموتى } فتسمع وتجيب، لكان ~~هذا القرآن لكونه غاية في التذكير ونهاية في الإنذار والتخويف، كما قال # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته ~~خشعا متصدعا من خشية الله # الحشر 21 هذا يعضد ما فسرت به قوله # لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك # الرعد 30 من إرادة تعظيم ما أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~القرآن. وقيل معناه ولو أن قرآنا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض ~~وتكليم الموتى وتنبيههم، لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه كقوله # ولو أننا نزلنا إليهم الملئكة # الأنعام 111 الآية. وقيل إن أبا جهل بن هشام قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها البساتين ~~والقطائع، كما سخرت لداود عليه السلام ms0972 إن كنت نبيا كما تزعم، فلست بأهون ~~على الله من داود. وسخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ثم نرجع في ~~يومنا، فقد شق علينا قطع المسافة البعيدة كما سخرت لسليمان عليه السلام. ~~أو ابعث لنا به رجلين أو ثلاثة ممن مات من آبائنا منهم قصي بن كلاب فنزلت ~~ومعنى تقطيع الأرض على هذا قطعها بالسير ومجاوزتها. وعن الفراء هو متعلق ~~بما قبله. والمعنى وهم يكفرون بالرحمن { ولو أن قرانا سيرت ~~به الجبال } وما بينهما اعتراض، وليس ببعيد من السداد. وقيل { ~~قطعت به الارض } شققت فجعلت أنهارا وعيونا { بل لله ~~الأمر جميعا } على معنيين، أحدهما بل لله القدرة على كل شيء، وهو ~~قادر على الآيات التي اقترحوها إلا أن علمه بأن إظهارها مفسدة يصرفه. ~~والثاني بل لله أن يلجئهم إلى الإيمان، وهو قادر على الالجاء لولا أنه ~~بنى أمر التكليف على الاختيار. ويعضده قوله { أفلم يايئس ~~الذين ءامنوا أن لو يشاء الله } يعني مشيئة الإلجاء ~~والقسر { لهدى الناس جميعا } ومعنى { أفلم يايئس } ~~أفلم يعلم. قيل هي لغة قوم من النخع. وقيل إنما استعمل اليأس بمعنى العلم ~~لتضمنه معناه لأن اليائس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء ~~في معنى الخوف، والنسيان في معنى الترك لتضمن ذلك. قال سحيم بن وثيل ~~الرياحي # أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني ألم تيأسوا ~~أني ابن فارس زهدم # ويدل عليه أن عليا وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرؤا «أفلم ~~يتبين» وهو تفسير أفلم ييئس وقيل إنما كتبه الكاتب وهو ناعس مستوى ~~السينات، وهذا ونحوه مما لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتا بين دفتي ~~الإمام. # وكان متقلبا في أيدي أولئك الأعلام المحتاطين في دين الله المهيمنين ~~عليه لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصا عن القانون الذي إليه المرجع، ~~والقاعدة التي عليها البناء، وهذه والله فرية ما فيها مرية. ويجوز أن ~~يتعلق { أن لو يشاء } بآمنوا، على أو ms0973 لم يقنط عن إيمان هؤلاء ~~الكفرة الذين آمنوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولهداهم { ~~تصيبهم بما صنعوا } من كفرهم وسوء أعمالهم { قارعة } داهية ~~تقرعهم بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا والمصائب في نفوسهم ~~وأولادهم وأموالهم { أو تحل } القارعة { قريبا } منهم فيفزعون ~~ويضطربون ويتطاير إليهم شرارها، ويتعدى إليهم شرورها { حتى يأتى ~~وعد الله } وهو موتهم، أو القيامة. وقيل ولا يزال كفار مكة تصيبهم ~~بما صنعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من العداوة والتكذيب قارعة لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يزال يبعث السرايا فتغير حول مكة ~~وتختطف منهم، وتصيب من مواشيهم. أو تحل أنت يا محمد قريبا من دارهم ~~بجيشك، كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد ~~وعده ذلك. ### || [13.32] # الإملاء الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن، كالبهيمة يملي ~~لها في المرعى وهذا وعيد لهم وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم استهزاء به وتسلية له. ### || [13.33-34] # { أفمن هو قائم } احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني أفا ~~الله الذي هو قائم رقيب { على كل نفس } صالحة أو طالحة { بما ~~كسبت } يعلم خيره وشره، ويعد لكل جزاءه، كمن ليس كذلك. ويجوز أن ~~يقدر ما يقع خبرا للمبتدأ ويعطف عليه وجعلوا، وتمثيله أفمن هو بهذه ~~الصفة لم يوحدوه { وجعلوا } له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده { ~~شركاء قل سموهم } أي جعلتم له شركاء فسموهم له من هم ونبئوه ~~بأسمائهم، ثم قال { أم تنبئونه } على أم المنقطعة، كقولك للرجل ~~قل لي من زيد أم هو أقل من أن يعرف، ومعناه بل أتنبؤونه بشركاء لا يعلمهم ~~في الأرض وهو العالم بما في السموات والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ~~ليسوا بشيء يتعلق به العلم، والمراد نفي أن يكون له شركاء. ونحو # قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ~~ولا فى الأرض # يونس 18، { أم بظهر من القول } بل أتسمونهم شركاء بظاهر من ms0974 ~~القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، # ذلك قولهم بأفوههم # التوبة 30، # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها # يوسف 40 وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه ~~بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله ~~أحسن الخالقين. وقرىء «أتنبئونه» بالتخفيف { مكرهم } كيدهم للإسلام ~~بشركهم { وصدوا } قرىء بالحركات الثلاث. وقرأ ابن أبي إسحاق «وصد» ~~بالتنوين { ومن يضلل الله } ومن يخذله لعلمه أنه لا يهتدي { ~~فما له من هاد } فما له من أحد يقدر على هدايته { لهم ~~عذاب فى الحيوة الدنيا } وهو ما ينالهم من القتل والأسر ~~وسائر المحن، ولا يلحقهم إلا عقوبة لهم على الكفر، ولذلك سماه عذابا { ~~وما لهم من الله من واق } وما لهم من حافظ من عذابه. أو ما ~~لهم من جهته واق من رحمته. ### || [13.35] # { مثل الجنة } صفتها التي هي في غرابة المثل، وارتفاعه ~~بالابتداء والخبر محذوف على مذهب سيبويه، أي فيما قصصناه عليكم مثل ~~الجنة. وقال غيره الخبر { تجرى من تحتها الأنهر } كما تقول ~~صفة زيد أسمر، وقال الزجاج معناه مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، ~~على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد. وقرأ علي رضي الله عنه ~~«أمثال الجنة» على الجمع أي صفاتها { أكلها دائم } كقوله # لا مقطوعة ولا ممنوعة # الواقعة 33 { وظلها } دائم لا ينسخ، كما ينسخ في الدنيا بالشمس. ### || [13.36] # { والذين ءاتينهم الكتب } يريد من أسلم من اليهود، ~~كعبد الله بن سلام وكعب وأصحابهما، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا ~~أربعون بنجران، واثنان وثلاثون بأرض الحبشة، وثمانية من أهل اليمن، هؤلاء ~~{ يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب } يعني ومن ~~أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعداوة نحو كعب بن الأشرف وأصحابه، والسيد والعاقب أسقفي نجران ~~وأشياعهما { من ينكر بعضه } لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض ~~الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتبهم غير محرف، وكانوا ينكرون ما هو ~~نعت الإسلام ونعت رسول الله ms0975 صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما حرفوه ~~وبدلوه من الشرائع. فإن قلت كيف اتصل قوله { قل إنما أمرت ~~أن أعبد الله } بما قبله؟ قلت هو جواب للمنكرين معناه قل إنما ~~أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله ولا أشرك به. فإنكاركم له إنكار ~~لعبادة الله وتوحيده فانظروا ماذا تنكرون مع ادعائكم وجوب عبادة الله وأن ~~لا يشرك به # قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا # آل عمران 64 وقرأ نافع في رواية أبي خليد «ولا أشرك» بالرفع على ~~الاستئناف كأنه قال وأنا لا أشرك به ويجوز أن يكون في موضع الحال على ~~معنى أمرت أن أعبد الله غير مشرك به { إليه أدعو } خصوصا لا أدعو ~~إلى غيره { وإليه } لا إلى غيره مرجعي، وأنتم تقولون مثل ذلك، فلا ~~معنى لإنكاركم. ### || [13.37] # { وكذلك أنزلنه } ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأمورا فيه ~~بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء { ~~حكما عربيا } حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصابه على الحال. ~~كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يوافقهم عليها منها ~~أن يصلي إلى قبلتهم بعد ما حوله الله عنها، فقيل له لئن تابعتهم على دين ~~ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج القاطعة، ~~خذلك الله فلا ينصرك ناصر، وأهلكك فلا يقيك منه واق، وهذا من باب الإلهاب ~~والتهييج، والبعث للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه، وأن لا يزل ~~زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من شدة الشكيمة بمكان. ### || [13.38-39] # كانوا يعيبونه بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ فقيل كان الرسل قبله ~~بشرا مثله ذوي أزواج وذرية. وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا ~~يأتون بما يقترح عليهم، والشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات ~~فلكل وقت حكم يكتب على العباد، أي يفرض عليهم على ms0976 ما يقتضيه استصلاحهم { ~~يمحوا الله ما يشاء } ينسخ ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما يرى ~~المصلحة في إثباته، أو يتركه غير منسوخ، وقيل يمحو من ديوان الحفظة ما ~~ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل { ويثبت } ~~غيره. وقيل يمحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة، ويثبت إيمانهم وطاعتهم. ~~وقيل يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضا من الأناسي وسائر الحيوان والنبات ~~والأشجار وصفاتها وأحوالها، والكلام في نحو هذا واسع المجال { وعنده ~~أم الكتب } أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأن كل كائن مكتوب ~~فيه. وقرىء «ويثبت». ### || [13.40] # { وإن ما نرينك } وكيفما دارت الحال أريناك مصارعهم وما ~~وعدناهم من إنزال العذاب عليهم. أو توفيناك قبل ذلك، فما يجب عليك إلا ~~تبليغ الرسالة فحسب، وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم، فلا ~~يهمنك إعراضهم، ولا تستعجل بعذابهم. ### || [13.41] # { أو لم يروا أنا نأتى الأرض } أرض الكفر { ننقصها ~~من أطرافها } بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص دار الحرب ~~ونزيد في دار الإسلام، وذلك من آيات النصرة والغلبة ونحوه # أفلا يرون أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها # الأنبياء 44، # أفهم الغلبون # الأنبياء 44، # سنريهم ءايتنا فى الافاق # فصلت 53 والمعنى عليك بالبلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك فنحن ~~نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر، ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من ~~المصالح التي لا تعلمها ثم طيب نفسه ونفس عنها بما ذكر من طلوع تباشير ~~الظفر. وقرىء «ننقصها» بالتشديد { لا معقب لحكمه } لا راد ~~لحكمه. والمعقب الذي يكر على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يعقبه أي يقفيه ~~بالرد والإبطال. ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء ~~والطلب. قال لبيد # طلب المعقب حقه المظلوم # والمعنى أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار ~~والانتكاس { وهو سريع الحساب } فعما قليل يحاسبهم في الآخرة ~~بعد عذاب الدنيا. فإن قلت ما محل قوله لا معقب لحكمه؟ قلت هو جملة محلها ~~النصب على الحال، كأنه قيل والله يحكم نافذا حكمه، كما تقول جاءني زيد ~~لا عمامة على ms0977 رأسه ولا قلنسوة، تريد حاسرا. ### || [13.42] # { وقد مكر الذين من قبلهم } وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم ~~كلا مكر بالإضافة إلى مكره فقال { فلله المكر جميعا } ثم فسر ~~ذلك بقوله { يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم ~~الكفر لمن عقبى الدار } لأن من علم ما تكسب كل نفس، ~~وأعد لها جزاءها فهو المكر كله لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون. وهم في ~~غفلة مما يراد بهم. وقرىء «الكفار»، و «الكافرون». و «الذين كفروا». ~~والكفر أي أهله. والمراد بالكافر الجنس وقرأ جناح بن حبيش، و «سيعلم ~~الكافر»، من أعلمه أي سيخبر. ### || [13.43] # { كفى بالله شهيدا } لما أظهر من الأدلة على رسالتي { ومن ~~عنده علم الكتب } والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من ~~النظم المعجز الفائت لقوى البشر. وقيل ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين ~~أسلموا. لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم وقيل هو الله عز وعلا والكتاب اللوح ~~المحفوظ وعن الحسن لا والله ما يعني إلا الله. والمعنى كفى بالذي يستحق ~~العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو، شهيدا بيني وبينكم. ~~وتعضده قراءة من قرأ «ومن عنده علم الكتاب» على من الجارة، أي ومن لدنه ~~علم الكتاب، لأن علم من علمه من فضله ولطفه. وقرىء «ومن عنده علم الكتاب» ~~على من الجارة، وعلم، على البناء للمفعول وقرىء «وبمن عنده علم الكتاب». ~~فإن قلت بم ارتفع علم الكتاب؟ قلت في القراءة التي وقع فيها عنده صلة ~~يرتفع العلم بالمقدر في الظرف، فيكون فاعلا لأن الظرف إذا وقع صلة ~~أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول، فعمل عمل الفعل، كقولك، مررت ~~بالذي في الدار أخوه، فأخوه فاعل، كما تقول بالذي استقر في الدار أخوه. ~~وفي القراءة التي لم يقع فيها عنده صلة يرتفع العلم بالإبتداء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 569 # " من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب ~~يكون إلى يوم القيامة، وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله " ### | [14 - سورة ms0978 ابراهيم] ### || [14.1-3] # { كتب } هو كتاب، يعني السورة. وقرىء «ليخرج الناس». والظلمات والنور ~~استعارتان للضلال والهدى { بإذن ربهم } بتسهيله وتيسيره، ~~مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، وذلك ما يمنحهم من اللطف والتوفيق ~~{ إلى صراط العزيز الحميد } بدل من قوله إلى النور بتكرير ~~العامل، كقوله # للذين استضعفوا لمن ءامن منهم # الأعراف 75 ويجوز أن يكون على وجه الاستئناف، كأنه قيل إلى أي نور؟ فقيل ~~إلى صراط العزيز الحميد. وقوله { الله } عطف بيان للعزيز الحميد لأنه جرى ~~مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة كما ~~غلب النجم في الثريا. وقرىء بالرفع على «هو الله». الويل نقيض الوأل، وهو ~~النجاة اسم معنى، كالهلاك إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال ويلا له، ~~فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات، فيقال ويل له، ~~كقوله سلام عليك. ولما ذكر الخارجين من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان توعد ~~الكافرين بالويل. فإن قلت ما وجه اتصال قوله { من عذاب شديد } ~~بالويل؟ قلت لأن المعنى أنهم يولولون من عذاب شديد، ويضجون منه، ويقولون ~~يا ويلاه، كقوله # دعوا هنالك ثبورا # الفرقان 13 { الذين يستحبون } مبتدأ خبره أولئك في ضلال بعيد ~~ويجوز أن يكون مجرورا صفة للكافرين، ومنصوبا على الذم. أو مرفوعا على ~~أعني الذين يستحبون أو هم الذين يستحبون، والاستحباب الإيثار والاختيار، ~~وهو استفعال من المحبة لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن ~~يكون أحب إليه وأفضل عندها من الآخر. وقرأ الحسن «ويصدون»، بضم الياء ~~وكسر الصاد. يقال صده عن كذا، وأصده، قال # أناس اصدوا الناس بالسيف عنهم # والهمزة فيه داخلة على صد صدودا، لتنقله من غير التعدي إلى التعدي. ~~وأما صده، فموضوع على التعدية كمنعه، وليست بفصيحة كأوقفه لأن الفصحاء ~~استغنوا بصده ووقفه عن تكلف التعدية بالهمزة { ويبغونها عوجا } ~~ويطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجا، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ~~ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل ويبغون لها، فحذف الجار وأوصل الفعل { ~~فى ضلل بعيد } أي ضلوا عن طريق ms0979 الحق، ووقفوا دونه بمراحل. فإن ~~قلت فما معنى وصف الضلال بالبعد. قلت هو من الإسناد المجازي، والبعد في ~~الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله، كما تقول ~~جد جده، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد. أو فيه بعد لأن الضال قد يضل ~~عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا. ### || [14.4] # { إلا بلسان قومه ليبين لهم } أي ليفقهوا عنه ما ~~يدعوهم إليه، فلا يكون لهم حجة على الله ولا يقولوا لم نفهم ما خوطبنا ~~به، كما قال # ولو جعلنه قرءانا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت ءايته # فصلت 44 فإن قلت لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، ~~وإنما بعث إلى الناس جميعا # قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا # الأعراف 158 بل إلى الثقلين، وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم تكن للعرب ~~حجة فلغيرهم الحجة وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية، لم تكن للعرب ~~حجة أيضا. قلت لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا ~~حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة، لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل ~~فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب ~~إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر. قامت التراجم ببيانه ~~وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم ~~العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة ~~والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة، على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم ~~لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في ~~إتعاب النفوس وكد القرائح فيه، من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل ~~الثواب، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف، ~~ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها - مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلا ~~بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما ~~كلم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزا - لكان ذلك أمرا قريبا من ~~الإلجاء. ms0980 ومعنى { بلسان قومه } بلغة قومه. وقرىء «بلسن قومه». ~~واللسن واللسان كالريش والرياش، بمعنى اللغة. وقرىء «بلسن قومه» بضم ~~اللام والسين مضمومة أو ساكنة، وهو جمع لسان، كعماد وعمد وعمد على ~~التخفيف. وقيل الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم، ورووه عن ~~الضحاك. وأن الكتب كلها نزلت بالعربية، ثم أداها كل نبي بلغة قومه، ~~وليس بصحيح لأن قوله ليبين لهم ضمير القوم وهم العرب، فيؤدي إلى أن ~~الله أنزل التوراة من السماء بالعربية ليبين للعرب، وهذا معنى فاسد { ~~فيضل الله من يشآء ويهدى من يشآء } كقوله # فمنكم كافر ومنكم مؤمن # التغابن 2 لأن الله لا يضل إلا من يعلم أنه لن يؤمن. ولا يهدي إلا من ~~يعلم أنه يؤمن. والمراد بالإضلال التخلية ومنع الألطاف، وبالهداية ~~التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان { وهو العزيز } ~~فلا يغلب على مشيئته { الحكيم } فلا يخذل إلا أهل الخذلان، ولا يلطف ~~إلا بأهل اللطف. ### || [14.5] # { أن أخرج } بمعنى أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول، كأنه قيل ~~أرسلناه وقلنا له أخرج. ويجوز أن تكون أن الناصبة للفعل، وإنما صلح أن ~~توصل بفعل الأمر، لأن الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو ~~الفعل والأمر، وغيره سواء في الفعلية. والدليل على جواز أن تكون الناصبة ~~للفعل قولهم أوعز إليه بأن أفعل، فأدخلوا عليها حرف الجر. وكذلك التقدير ~~بأن أخرج قومك { وذكرهم بأيم الله } وأنذرهم بوقائعه ~~التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. ومنه أيام العرب لحروبها ~~وملاحمها، كيوم ذي قار، ويوم الفجار، ويوم قضة وغيرها، وهو الظاهر، وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما نعماؤه وبلاؤه. فأما نعماؤه، فإنه ظلل عليهم ~~الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. وفلق لهم البحر. وأما بلاؤه فإهلاك ~~القرون { لكل صبار شكور } يصبر على بلاء الله ويشكر نعماءه، ~~فإذا سمع بما أنزل الله من البلاء على الأمم، أو أفاض عليهم من النعم، ~~تنبه على ما يجب عليه من الصبر والشكر واعتبر وقيل أراد لكل مؤمن، لأن ~~الشكر والصبر من ms0981 سجاياهم، تنبيها عليهم. ### || [14.6] # { إذ أنجاكم } ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي إنعامه عليكم ذلك ~~الوقت. فإن قلت هل يجوز أن ينتصب بعليكم؟ قلت لا يخلو من أن يكون صلة ~~للنعمة بمعنى الإنعام، أو غير صلة إذا أردت بالنعمة العطية، فإذا كان صلة ~~لم يعمل فيه، وإذا كان غير صلة بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم عمل ~~فيه، ويتبين الفرق بين الوجهين أنك إذا قلت نعمة الله عليكم، فإن جعلته ~~صلة لم يكن كلاما حتى تقول فائضة أو نحوها، وإلا كان كلاما، ويجوز أن ~~يكون «إذ» بدلا من نعمة الله، أي اذكروا وقت إنجائكم، وهو من بدل ~~الاشتمال. فإن قلت في سورة البقرة { يذبحون } وفي الأعراف { ~~يقتلون } وههنا { ويذبحون } مع الواو، فما الفرق؟ قلت الفرق ~~أن التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيرا للعذاب وبيانا له، وحيث أثبت جعل ~~التذبيح لأنه أوفى على جنس العذاب، وزاد عليه زيادة ظاهرة كأنه جنس آخر. ~~فإن قلت كيف كان فعل آل فرعون بلاء من ربهم؟ قلت تمكينهم وإمهالهم، حتى ~~فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله. ووجه آخر وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء ~~وهو بلاء عظيم، والبلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا، قال تعالى # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # الأنبياء 35 وقال زهير # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلوا ### || [14.7] # { وإذ تأذن ربكم } من جملة ما قال موسى لقومه، وانتصابه ~~للعطف على قوله # نعمة الله عليكم # البقرة 231 كأنه قيل وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم، ~~واذكروا حين تأذن ربكم. ومعنى تأذن ربكم أذن ربكم. ونظير تأذن وأذن توعد ~~وأوعد، تفضل وأفضل. ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، كأنه قيل ~~وإذ أذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه. والمعنى ~~وإذ تأذن ربكم فقال { لئن شكرتم } أو أجرى { تأذن } مجرى، ~~قال لأنه ضرب من القول. وفي قراءة ابن مسعود «وإذ قال ربكم لئن شكرتم»، ~~أي لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم ~~بالإيمان الخالص ms0982 والعمل الصالح { لأزيدنكم } نعمة إلى نعمة، ~~ولأضاعفن لكم ما آتيتكم { ولئن كفرتم } وغمطتم ما أنعمت به عليكم ~~{ إن عذابى لشديد } لمن كفر نعمتي. ### || [14.8] # { وقال موسى } إن كفرتم أنتم يا بني إسرائيل والناس كلهم، فإنما ~~ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه وأنتم إليه محاويج، ~~والله غني عن شكركم { حميد } مستوجب للحمد بكثرة أنعمه وأياديه، وإن ~~لم يحمده الحامدون. ### || [14.9] # { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } جملة ~~من مبتدأ وخبر، وقعت اعتراضا أو عطف الذين من بعدهم على قوم نوح. و { ~~لا يعلمهم إلا الله } اعتراض. والمعنى أنهم من الكثرة بحيث ~~لا يعلم عددهم إلا الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما بين عدنان وإسماعيل ~~ثلاثون أبا لا يعرفون، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال كذب ~~النسابون، يعني أنهم يدعون علم الأنساب، وقد نفي الله علمها عن العباد { ~~فردوا أيديهم فى أفواههم } فعضوها غيظا وضجرا مما ~~جاءت به الرسل، كقوله # عضوا عليكم الانامل من الغيظ # آل عمران 119 أو ضحكا واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه. أو ~~وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم { إنا كفرنا ~~بما أرسلتم به } أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، إقناطا ~~لهم من التصديق. ألا ترى إلى قوله { فردوا أيديهم فى ~~أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به } ~~وهذا قول قوي. أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء أطبقوا أفواهكم ~~واسكتوا. أو ردوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت. أو وضعوها ~~على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون. وقيل الأيدي، جمع يد وهي ~~النعمة بمعنى الأيادي، أي ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من ~~مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم، لأنهم ~~إذا كذبوها ولم يقبلوها، فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوهاإلى حيث جاءت ~~منه على طريق المثل { مما تدعوننا إليه } من الإيمان بالله. ~~وقرىء «تدعونا» بإدغام النون { مريب } موقع في الريبة أو ذي ريبة، من ~~أرابه، وأراب الرجل، وهي قلق النفس وأن ms0983 لا تطمئن إلى الأمر. ### || [14.10] # { أفى الله شك } أدخلت همزة الإنكار على الظرف، لأن الكلام ليس ~~في الشك، إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة ~~وشهادتها عليه { يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } أي ~~يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم أو يدعوكم لأجل المغفرة كقوله دعوته ~~لينصرني، ودعوته ليأكل معي، وقال # دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور # فإن قلت ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم؟ قلت ما علمته جاء هكذا إلا ~~في خطاب الكافرين، كقوله # واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم # نوح 3 - 4، # يقومنا أجيبوا داعى الله وءامنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم # الأحقاف 31 وقال في خطاب المؤمنين # هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليم # الصف 10 إلى أن قال # يغفر لكم ذنوبكم # الصف 12 وغير ذلك مما يقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين ~~الخطابين، ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد، وقيل أريد أنه يغفر لهم ~~ما بينهم وبين الله، بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم ونحوها { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى } إلى وقت قد سماه الله وبين ~~مقداره، يبلغكموه إن آمنتم، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت { إن ~~أنتم } ما أنتم { إلا بشر مثلنا } لا فضل بيننا وبينكم، ولا ~~فضل لكم علينا، فلم تخصون بالنبوة دوننا، ولو أرسل الله إلى البشر رسلا ~~لجعلهم من جنس أفضل منهم وهم الملائكة { بسلطن مبين } بحجة ~~بينة، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والحجج، وإنما أرادوا بالسلطان المبين ~~آية قد اقترحوها تعنتا ولجاجا. ### || [14.11-12] # { إن نحن إلا بشر مثلكم } تسليم لقولهم، وأنهم بشر ~~مثلهم، يعنون أنهم مثلهم في البشرية وحدها، فأما ما وراء ذلك فما كانوا ~~مثلهم، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعا منهم، واقتصروا على قولهم { ~~ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } ~~بالنبوة، لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لاختصاصهم ~~بها، لخصائص فيهم قد استؤثروا بها على أبناء جنسهم { إلا بإذن ~~الله } أرادوا أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس إلينا ms0984 ولا في ~~استطاعتنا، وما هو إلا أمر يتعلق بمشيئة الله { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، ~~وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به، كأنهم قالوا ومن حقنا أن ~~نتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجري علينا منكم. ~~ألا ترى إلى قوله { وما لنا أن لا نتوكل على الله } ~~ومعناه وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه { وقد هدانا } وقد فعل ~~بنا ما يوجب توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا سبيله الذي يجب ~~عليه سلوكه في الدين، فإن قلت كيف كرر الأمر بالتوكل؟ قلت الأول ~~لاستحداث التوكل، وقوله { فليتوكل المتوكلون } معناه ~~فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم على ما ~~تقدم. ### || [14.13-14] # { لنخرجنكم } ، { أو لتعودن } ليكونن أحد الأمرين لا ~~محالة، إما إخراجكم إما عودكم حالفين على ذلك. فإن قلت كأنهم كانوا على ~~ملتهم حتى يعودوا فيها. قلت معاذ الله، ولكن العود بمعنى الصيرورة، وهو ~~كثير في كلام العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون صار، ولكن عاد، ~~ما عدت أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مال. أو خاطبوا به كل رسول ومن ~~آمن به، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد { لنهلكن ~~الظلمين } حكاية تقتضي إضمار القول، أو إجراء الإيجاء مجرى القول، ~~لأنه ضرب منه. وقرأ أبو حيوة «ليهلكن»، «وليسكننكم» بالياء اعتبارا ~~لأوحى، وأن لفظه لفظ الغيبة، ونحوه قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن. ~~والمراد بالأرض. أرض الظالمين وديارهم، ونحوه # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها # الأعراف 137، # وأورثكم أرضهم وديرهم # الأحزاب 27. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 570 # " من آذى جاره ورثه الله داره " # ولقد عاينت هذا في مدة قريبة كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا ~~منها ويؤذيني فيه، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته، فنظرت يوما إلى ~~أبناء خالي يترددون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون فذكرت ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثتهم به، وسجدنا شكرا لله { ~~ذلك } إشارة إلى ما قضى ms0985 به الله من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ~~ديارهم، أي ذلك الأمر حق { لمن خاف مقامى } موقفي وهو موقف ~~الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة، أو على إقحام ~~المقام. وقيل خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله. والمعنى أن ذلك حق للمتقين، ~~كقوله # والعقبة للمتقين # الأعراف 128. ### || [14.15-17] # { واستفتحوا } واستنصروا الله على أعدائهم # إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح # الأنفال 19 أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي ~~الحكومة، كقوله تعالى # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # الأعراف 89 وهو معطوف على { أوحي إليهم } وقرىء «واستفتحوا» بلفظ الأمر. ~~وعطفه على { لتهلكن } أي أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكن وقال لهم ~~استفتحوا { وخاب كل جبار عنيد } معناه فنصروا وظفروا ~~وأفلحوا، وخاب كل جبار عنيد، وهم قومهم. وقيل واستفتح الكفار على الرسل، ~~ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، وخاب كل جبار عنيد منهم ولم ~~يفلح باستفتاحه { من ورآئه } من بين يديه. قال # عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج ~~قريب # وهذا وصف حاله وهو في الدنيا، لأنه مرصد لجهنم، فكأنها بين يديه وهو على ~~شفيرها أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف، فإن قلت علام عطف { ~~ويسقى }؟ قلت على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ~~ويسقي من ماء صديد، كأنه أشد عذابها فخصص بالذكر مع قوله { ويأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت }. فإن قلت ما وجه قوله ~~تعالى { من مآء صديد }؟ قلت صديد عطف بيان لماء، قال { ويسقى ~~من مآء } فأبهمه إبهاما ثم بينه بقوله { صديد } وهو ما يسيل من ~~جلود أهل النار { يتجرعه } يتكلف جرعه { ولا يكاد يسيغه ~~} دخل كاد للمبالغة. يعني ولا يقارب أن يسيغه، فكيف تكون الإساغة، كقوله # لم يكد يراها # النور 40 أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها { ويأتيه الموت من ~~كل مكان } كأن أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به ~~من جميع الجهات، تفظيعا لما يصيبه من الآلام. وقيل { من كل مكان ~~} من جسده ms0986 حتى من إبهام رجله. وقيل من أصل كل شعرة { ومن ورآئه } ~~ومن بين يديه { عذاب غليظ } أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا ~~أشد مما قبله وأغلظ. وعن الفضيل هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ~~ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا أي استمطروا - والفتح المطر - في سني ~~القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا، ~~فذكر سبحانه ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل ~~سقياه ماء آخر، وهو صديد أهل النار. واستفتحوا - على هذا التفسير - كلام ~~مستأنف منقطع عن حديث الرسل وأممهم. ### || [14.18] # هو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه، تقديره وفيما يقص عليك { مثل ~~الذين كفروا بربهم } والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة ~~وقوله { أعملهم كرماد } جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل ~~يقول كيف مثلهم؟ فقيل أعمالهم كرماد. ويجوز أن يكون المعنى مثل أعمال ~~الذين كفروا بربهم. أو هذه الجملة خبرا للمبتدأ، أي صفة الذين كفروا ~~أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون وما له مبذول، أو يكون أعمالهم ~~بدلا من { مثل الذين كفروا } على تقدير مثل أعمالهم، وكرماد ~~الخبر وقرىء «الرياح» { في يوم عاصف } جعل العصف لليوم، وهو لما ~~فيه، وهو الريح أو الرياح، كقولك يوم ماطر وليلة ساكرة. وإنما السكور ~~لريحها وقرىء «في يوم عاصف»، بالإضافة وأعمال الكفرة المكارم التي كانت ~~لهم، من صلة الأرحام وعتق الرقاب، وفداء الأسارى، وعقر الإبل للأضياف، ~~وإغاثة الملهوفين، والإجازة، وغير ذلك من صنائعهم، شبهها في حبوطها ~~وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان به، ~~وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف { لا يقدرون } يوم القيامة ~~{ مما كسبوا } من أعمالهم { على شىء } أي لا يرون له أثرا ~~من ثواب، كما لا يقدر من الرماد المطير في الريح على شيء { ذلك هو ~~الضلل البعيد } إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الحق أو عن الثواب ~~{ بالحق } بالحكمة والغرض الصحيح والأمر العظيم، ولم يخلقها عبثا ~~ولا شهوة. ### || [14.19-20] # وقرىء «خالق السموات والأرض» ms0987 { إن يشأ يذهبكم } أي هو قادر ~~على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقا آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم، ~~إعلاما منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم، يقدر على الشيء ~~وجنس ضده { وما ذلك على الله بعزيز } بمتعذر، بل هو هين ~~عليه يسير، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له ~~الداعي إلى شيء وانتفى الصارف، تكون من غير توقف كتحريك أصبعك إذا دعاك ~~إليه داع ولم يعترض دونه صارف، وهذه الآيات بيان لإبعادهم في الضلال ~~وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته ~~الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد، ويخاف عقابه ويرجىثوابه ~~في دار الجزاء. ### || [14.21] # { وبرزوا لله } ويبرزون يوم القيامة. وإنما جيء به بلفظ الماضي، ~~لأن ما أخبر به عز وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد، ونحوه # ونادى أصحب الجنة # الأعراف 44، # ونادى أصحب النار # الأعراف 50 ونظائر له.ومعنى بروزهم لله - والله تعالى لا يتوارى عنه شيء ~~حتى يبرز له - أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون ~~أن ذلك خاف على الله،فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا ~~أن الله لا يخفى عليه خافية.أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله ~~وحكمه. فإن قلت لما كتب { الضعفؤا } بواو قبل الهمزة؟ قلت كتب على لفظ من ~~يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو. ونظيره # علمؤا بنى إسرءيل # الشعراء 197 والضعفاء الأتباع والعوام والذين استكبروا ساداتهم ~~وكبراؤهم، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء ~~وأتباعهم { تبعا } تابعين جمع تابع على تبع، كقولهم خادم وخدم وغائب ~~وغيب أو ذوي تبع. والتبع الأتباع، يقال تبعه تبعا. فإن قلت أي فرق بين ~~من في { من عذاب الله } وبينه في { من شىء }؟ قلت الأولى ~~للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي ~~هو عذاب الله. ويجوز أن تكونا للتبعيض معا، بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض ~~شيء هو بعض عذاب الله، أي بعض بعض عذاب الله ms0988 فإن قلت فما معنى قوله { ~~لو هدانا الله لهديناكم }؟ قلت الذي قال لهم الضعفاء كان ~~توبيخا لهم وعتابا على استتباعهم واستغوائهم. وقولهم { فهل أنتم ~~مغنون عنا } من باب التبكيت لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على ~~الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم بأن الله لو هداهم ~~إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على ~~الله، كما حكى الله عنهم وقالوا # لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا # الأنعام 148، # لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء # النحل 35 يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا. ويدل عليه ~~قوله حكاية عن المنافقين # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء # المجادلة 18. وإما أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا ~~واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان. وقيل معناه لو هدانا الله طريق النجاة من ~~العذاب لهديناكم، أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم ~~طريق الهلكة { سواء علينا أجزعنا أم صبرنا } مستويان ~~علينا الجزع والصبر. والهمزة وأم للتسوية. ونحوه # فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم # الطور 16 وروي أنهم يقولون تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ~~ينفعهم، فيقولون تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون سواء علينا. # فإن قلت كيف اتصل قوله سواء علينا بما قبله؟ اتصاله من حيث أن عتابهم ~~لهم كان جزعا مما هم فيه، فقالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، يريدون ~~أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، ~~يقولون ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر ~~والأمر من ذلك أطم. أو لما قالوا لو هدانا الله طريق النجاة لأغنينا ~~عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا { ما لنا من ~~محيص } أي منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون من كلام ~~الضعفاء والمستكبرين جميعا، كأنه قيل قالوا جميعا سواء علينا، كقوله # ذلك ليعلم أنى لم أخنه # يوسف 52 والمحيص يكون مصدرا كالمغيب والمشيب. ms0989 ومكانا كالمبيت والمصيف. ~~ويقال حاص عنه وجاض، بمعنى واحد. ### || [14.22] # { لما قضى الأمر } لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادر ~~الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار. وروي أن الشيطان يقوم ~~عند ذلك خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس فيقول ذلك { إن الله ~~وعدكم وعد الحق } وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما ~~وعدكم { ووعدتكم } خلاف ذلك { فأخلفتكم وما كان لى ~~عليكم من سلطن } من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ~~وألجئكم إليها { إلا أن دعوتكم } إلا دعائي إياكم إلى الضلالة ~~بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقولك ما تحيتهم إلا ~~الضرب. { فلا تلومونى ولوموا أنفسكم } حيث اغتررتم بي ~~وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أن ~~الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله ~~إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين. ولو كان الأمر كما تزعم ~~المجبرة لقال فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم ~~عليه. فإن قلت قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به. قلت لو كان هذا القول ~~منه باطلا لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق ~~بالباطل في ذلك المقام ألا ترى إلى قوله { إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } كيف أتى فيه بالحق ~~والصدق، وفي قوله { وما كان لى عليكم من سلطن } وهو ~~مثل قول الله تعالى # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن إلا من ~~اتبعك من الغاوين # الحجر 42، { ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخى } ~~لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه. والإصراخ الإغاثة. وقرىء ~~«بمصرخي» بكسر الياء وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول # قال لها هل لك ياتا في قالت له ما أنت بالمرضي # وكأنه قدر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحركها بالكسر لما ~~عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح، لأن ياء الإضافة لا تكون ~~إلا مفتوحة، حيث قبلها ألف في نحو عصاي، فما بالها وقبلها ياء؟ فإن قلت ms0990 ~~جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت ساكنة ~~بعد حرف صحيح ساكن، فحركت بالكسر على الأصل. قلت هذا قياس حسن، ولكن ~~الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات. ~~«ما» في { بما أشركتموني } مصدرية، و { من قبل } متعلقة ~~بأشركتموني، يعني كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي في ~~الدنيا، كقوله تعالى # ويوم القيمة يكفرون بشرككم # فاطر 14 ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى # إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله ~~كفرنا بكم # الممتحنة 4 وقيل { من قبل } يتعلق بكفرت. وما موصولة، أي كفرت من ~~قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل، تقول شركت ~~زيدا، فإذا نقلت بالهمزة قلت أشركنيه فلان، أي جعلني له شريكا. ونحو ~~«ما» هذه «ما» في قولهم سبحان ما سخركن لنا. ومعنى إشراكهم الشيطان ~~بالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها، وهذا آخر ~~قول إبليس، وقوله { إن الظلمين } قول الله عز وجل، ويحتمل أن ~~يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله عز وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ~~ليكون لطفا للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بد لهم من ~~الوصول إليه، وأن يتصوروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ~~ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجهم. وقرىء «فلا يلوموني»، ~~بالياء على طريقة الالتفات، كقوله تعالى # حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم # يونس 22. ### || [14.23] # وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد «وأدخل الذين آمنوا» على فعل المتكلم، بمعنى ~~وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله، لا من قول إبليس { بإذن ~~ربهم } متعلق بأدخل، أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره. فإن ~~قلت فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك وأدخلهم أنا بإذن ربهم، كلام غير ~~ملتئم؟ قلت الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله { بإذن ربهم } ~~بما بعده، أي { تحيتهم فيها سلم } بإذن ربهم، يعني أن ~~الملائكة يحيونهم بإذن ربهم. ### || [14.24-25] # قرىء ms0991 «ألم تر» ساكنة الراء، كما قرىء «من يتق»، وفيه ضعف { ضرب ~~الله مثلا } اعتمد مثلا ووضعه. و { كلمة طيبة } نصب ~~بمضمر، أي جعل كلمة طيبة { كشجرة طيبة } وهو تفسير لقوله { ~~ضرب الله مثلا } كقولك شرف الأمير زيدا كساه حلة، وحمله على ~~فرس. ويجوز أن ينتصب { مثل الذين } و { كلمة } بضرب، أي ضرب كلمة ~~طيبة مثلا، بمعنى جعلها مثلا ثم قال { كشجرة طيبة } على أنها ~~خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة { أصلها ثابت } يعني في ~~الأرض ضارب بعروقه فيها { وفرعها } وأعلاها ورأسها { فى السماء ~~} ويجوز أن يريد وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس. وقرأ أنس بن مالك ~~«كشجرة طيبة ثابت» أصلها فإن قلت أي فرق بين القراءتين؟ قلت قراءة ~~الجماعة أقوى معنى لأن في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت ~~مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك مررت برجل قائم أبوه لأن ~~المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل. والكلمة الطيبة كلمة التوحيد. وقيل كل ~~كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. وعن ابن عباس ~~شهادة أن لا إله إلا الله. وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، ~~كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك وعن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم 571 # " إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي " # فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبيا، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم. وروي فمنعني ~~مكان عمر واستحييت، فقال لي عمر يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من ~~حمر النعم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا إنها النخلة " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة في الجنة وقوله { فى السماء } ~~معناه في جهة العلو والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل طويل في ~~السماء تريد ارتفاعه وشموخه { تؤتى أكلها كل حين } تعطي ~~ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها { بإذن ربها } بتيسير خالقها ~~وتكوينه ms0992 { لعلهم يتذكرون } لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام ~~وتذكير وتصوير للمعاني. ### || [14.26] # { كشجرة خبيثة } كمثل شجرة خبيثة، أي صفتها كصفتها. وقرىء ~~«ومثل كلمة» بالنصب، عطفا على كلمة طيبة، والكلمة الخبيثة كلمة الشرك. ~~وقيل كل كلمة قبيحة. وأما الشجرة الخبيثة فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة ~~الحنظل والكشوث ونحو ذلك. وقوله { اجتثت من فوق الأرض } في ~~مقابلة قوله # أصلها ثابت # إبراهيم 24 ومعنى { اجتثت } استؤصلت، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة ~~كلها { ما لها من قرار } أي استقرار. يقال قر الشيء قرارا، ~~كقولك ثبت ثباتا شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت ~~والذي لا يبقى إنما يضمحل عن قريب لبطلانه، من قولهم الباطل لجلج. وعن ~~قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟ فقال ما أعلم لها في ~~الأرض مستقرا، ولا في السماء مصعدا، إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي ~~بها القيامة. ### || [14.27] # { القول الثابت } الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن ~~فيه، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه، وتثبيتهم به في الدنيا أنهم إذا فتنوا ~~في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا ~~بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما. ~~وتثبيتهم في الآخرة. أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ~~ودينهم، لم يتلعثموا ولم يبهتوا، ولم تحيرهم أهوال الحشر. وقيل معناه ~~الثبات عند سؤال القبر. وعن البراء ابن عازب رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 572 ذكر قبض روح المؤمن فقال # " ثم يعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له من ~~ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، ~~فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله " يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت " # { ويضل الله الظلمين } الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، ~~وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم، كما قلد المشركون آباءهم فقالوا # إنا وجدنآ ءابآءنا # الزخرف 22 - 23 وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في ms0993 مواقف الفتن وتزل ~~أقدامهم أول شيء، وهم في الآخرة أضل وأذل { ويفعل الله ما ~~يشآء } أي ما توجبه الحكمة لأن مشيئة الله تابعة للحكمة، من تثبيت ~~المؤمنين وتأييدهم، وعصمتهم عند ثباتهم وعزمهم، ومن إضلال الظالمين ~~وخذلانهم، والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم. ### || [14.28-30] # { بدلوا نعمت الله } أي شكر نعمة الله { كفرا } لأن ~~شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر ~~وبدلوه تبديلا، ونحوه # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # الواقعة 82 أي شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه. ووجه آخر وهو أنهم ~~بدلوا نفس النعمة كفرا على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة ~~موصوفين بالكفر، حاصلا لهم الكفر بدل النعمة. وهم أهل مكة أسكنهم الله ~~حرمه، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا نعمة ~~الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم. أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء ~~والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل ~~لهم الكفر بدل النعمة، كذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر وقد ذهبت عنهم ~~النعمة وبقي الكفر طوقا في أعناقهم، وعن عمر رضي الله عنه هم الأفجران ~~من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر. ~~وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين. وقيل هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم ~~وأصحابه { وأحلوا قومهم } ممن تابعهم على الكفر { دار ~~البوار } دار الهلاك. وعطف { جهنم } على دار البوار عطف بيان ~~قرىء «ليضلوا» بفتح الياء وضمها. فإن قلت الضلال والإضلال لم يكن غرضهم ~~في اتخاذ الأنداد فما معنى اللام قلت لما كان الضلال والإضلال نتيجة ~~اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام في قولك جئتك لتكرمني، نتيجة المجيء، ~~دخلته اللام وإن لم يكن غرضا، على طريق التشبيه والتقريب { تمتعوا ~~} إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر، وأنهم لا يعرفون غيره ولا ~~يريدونه، مأمورون به، قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون ~~لأنفسهم أمرا دونه، وهو أمر الشهوة. والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه ~~من الامتثال لأمر الشهوة { فإن ms0994 مصيركم إلى النار } ويجوز ~~أن يراد الخذلان والتخلية ونحوه # قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحب النار # الزمر 8. ### || [14.31] # المقول محذوف، لأن جواب { قل } يدل عليه، وتقديره { قل لعبادى ~~الذين ءامنوا } أقيموا الصلاة وأنفقوا { يقيموا الصلوة ~~وينفقوا } وجوزوا أن يكون يقيموا وينفقوا، بمعنى ليقيموا ولينفقوا، ~~ويكون هذا هو المقول، قالوا وإنما جاز حذف اللام، لأن الأمر الذي هو { ~~قل } عوض منه، ولو قيل يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام، لم يجز ~~فإن قلت علام انتصب { سرا وعلانية }؟ قلت على الحال، أي ذوي سر ~~وعلانية، بمعنى مسرين ومعلنين. أو على الظرف، أي وقتي سر وعلانية، أو على ~~المصدر، أي إنفاق سر وإنفاق علانية،و المعنى إخفاء المتطوع به من الصدقات ~~والإعلان بالواجب. والخلال المخالة. فإن قلت كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف ~~اليوم بأنه { لا بيع فيه ولا خلل } قلت من قبل أن الناس ~~يخرجون أموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلا ليأخذوا مثله، وفي ~~المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أمثالها أو خيرا منها. ~~وأما الإنفاق لوجه الله خالصا كقوله تعالى # وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ~~ربه الاعلى # الليل 19-20 فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في ~~يوم لا بيع فيه ولا خلال، أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة، ولا بما ~~ينفقون به أموالهم من المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق ~~لوجه الله، وقرىء «لا بيع فيه ولا خلال» بالرفع. ### || [14.32-34] # { الله } مبتدأ، و { الذى خلق } خبره، و { من الثمرت } ~~بيان للرزق، أي أخرج به رزقا هو ثمرات. ويجوز أن يكون { من ~~الثمرت } مفعول أخرج، و { رزقا } حالا من المفعول، أو نصبا على ~~المصدر من أخرج، لأنه في معنى رزق { بأمره } بقوله كن { دآئبين } ~~يدأبان في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما ما يصلحان من ~~الأرض والأبدان والنبات { وسخر لكم اليل والنهار } ~~يتعاقبان خلفة لمعاشكم وسباتكم { وءاتكم من كل ما سألتموه ~~} من للتبعيض، أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه، نظرا في مصالحكم. وقرىء ~~«من كل» بالتنوين، وما ms0995 سألتموه نفي ومحله النصب على الحال أي آتاكم من ~~جميع ذلك غير سائليه، ويجوز أن تكون { ما } موصولة، على وآتاكم من كل ~~ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه ~~أو طلبتموه بلسان الحال { لا تحصوها } لا تحصروها ولا تطيقوا عدها ~~وبلوغ آخرها، هذا إذا أرادوا أن يعدوها على الإجمال. وأما التفصيل فلا ~~يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله { لظلوم } يظلم النعمة بإغفال شكرها { ~~كفار } شديد الكفران لها. وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في ~~النعمة يجمع ويمنع. والإنسان للجنس، فيتناول الإخبار بالظلم والكفران من ~~يوجدان منه. ### || [14.35-36] # { هذا البلد } يعني البلد الحرام، زاده الله أمنا، وكفاه كل ~~باغ وظالم، وأجاب فيه دعوة خليله إبراهيم عليه السلام { ءامنا } ذا ~~أمن. فإن قلت أي فرق بين قوله # اجعل هذا بلدا آمنا # البقرة 126 وبين قوله { اجعل هذا البلد ءامنا }؟ قلت قد ~~سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي ~~الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال ~~هو بلد مخوف، فاجعله آمنا { واجنبنى } وقرىء «وأجنبني»، وفيه ثلاث ~~لغات جنبه الشر، وجنبه، وأجنبه فأهل الحجاز يقولون جنبني شره بالتشديد، ~~وأهل نجد جنبني وأجنبني، والمعنى ثبتنا وأدمنا على اجتناب عبادتها { ~~وبنى } أراد بنيه من صلبه وسئل ابن عيينة كيف عبدت العرب الأصنام؟ ~~فقال ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنما، واحتج بقوله { واجنبني وبني } { ~~أن نعبد الأصنام } إنما كانت أنصاب حجارة لكل قوم، قالوا البيت ~~حجر، فحيثما نصبنا حجرا فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ~~ويسمونه الدوار، فاستحب أن يقال طاف بالبيت، ولا يقال دار بالبيت { ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس } فأعوذ بك أن تعصمني ~~وبني من ذلك، وإنما جعلن مضلات لأن الناس ضلوا بسببهن، فكأنهن ~~أضللنهم، كما تقول فتنتهم الدنيا وغرتهم، أي افتتنوا بها واغتروا بسببها ~~{ فمن تبعنى } على ملتي وكان حنيفا مسلما مثلي { فإنه ~~منى } أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي وملابسته ms0996 لي، وكذلك قوله 573 # " من غشنا فليس منا " # أي ليس بعض المؤمنين، على أن الغش ليس من أفعالهم وأوصافهم { ومن ~~عصانى فإنك غفور رحيم } تغفر له ما سلف منه من عصياني إذا ~~بدا له فيه واستحدث الطاعة لي. وقيل معناه ومن عصاني فيما دون الشرك. ### || [14.37] # { من ذريتى } بعض أولادي وهم إسماعيل ومن ولد منه { بواد } هو ~~وادي مكة { غير ذى زرع } لا يكون فيه شيء من زرع قط، كقوله # قرءانا عربيا غير ذى عوج # الزمر 28 بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج، ما فيه إلا الاستقامة لا غير. وقيل ~~للبيت المحرم، لأن الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرما ~~لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعا عزيزا يهابه كل جبار، كالشيء المحرم الذي ~~حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرم ~~على الطوفان أي منع منه، كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه فلم يستول عليه { ~~ليقيموا الصلوة } اللام متعلقة بأسكنت، أي ما أسكنتهم هذا ~~الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق، إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك ~~المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين ~~بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك ~~بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة ~~التي آثرت بها سكان حرمك { أفئدة من الناس } أفئدة من أفئدة ~~الناس، ومن للتبعيض، ويدل عليه ما روي عن مجاهد لو قال أفئدة الناس ~~لزحمتكم عليه فارس والروم، وقيل لو لم يقل { من } لازدحموا عليه حتى ~~الروم والترك والهند ويجوز أن يكون { من } للابتداء، كقولك القلب مني ~~سقيم، تريد قلبي، فكأنه قيل أفئدة ناس، وإنما نكرت المضاف إليه في هذا ~~التمثيل لتنكير أفئدة، لأنها في الآية نكرة ليتناول بعض الأفئدة. وقرىء ~~«آفدة»، بوزن عاقدة. وفيه وجهان، أحدهما أن يكون من القلب كقولك آدر، في ~~أدؤر. والثاني أن يكون اسم فاعلة من أفدت الرحلة إذا عجلت، أي جماعة أو ~~جماعات يرتحلون إليهم ويعجلون نحوهم. وقرىء «أفدة»، وفيه ms0997 وجهان أن تطرح ~~الهمزة للتخفيف، وإن كان الوجه أن تخفف بإخراجها بين بين. وأن يكون من ~~أفد { تهوى إليهم } تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقا ونزاعا من ~~قوله # يهوي مخارمها هوى الأجدل # وقرىء «تهوى إليهم»، على البناء للمفعول، من هوى إليه وأهواه غيره. ~~وتهوى إليهم، من هوى يهوي إذا أحب، ضمن معنى تنزع فعدى تعديته { ~~وارزقهم من الثمرت } مع سكناهم واديا ما فيه شيء منها، بأن ~~تجلب إليهم من البلاد { لعلهم يشكرون } النعمة في أن يرزقوا ~~أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء لا جرم أن ~~الله عز وجل أجاب دعوته فجعله حرما آمنا تجبى إليه. ثمرات كل شيء ~~رزقا من لدنه، ثم فضله في وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب ~~البلاد وأكثرها ثمارا، وفي أي بلد من بلاد الشرق والغرب ترى الأعجوبة ~~التي يريكها الله بواد غير ذي زرع، وهي اجتماع البواكير والفواكه ~~المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك ~~من آياته بعجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه، وأدام لنا ~~التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم عليه السلام، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك ~~القلب السليم. ### || [14.38-39] # النداء المكرر دليل التضرع واللجأ إلى الله تعالى { إنك تعلم ~~ما نخفى وما نعلن } تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت ~~فيه، لأن غيبا من الغيوب لا يحتجب عنك. والمعنى أنك أعلم بأحوالنا وما ~~يصلحنا وما يفسدنا منا، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها، فلا ~~حاجة إلى الدعاء والطلب، وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وتخشعا ~~لعظمتك، وتذللا لعزتك، وافتقارا إلى ما عندك، واستعجالا لنيل أياديك، ~~وولها إلى رحمتك، وكما يتملق العبد بين يدي سيده، رغبة في إصابة معروفه، ~~مع توفر السيد على حسن الملكة. وعن بعضهم أنه رفع حاجته إلى كريم فأبطأ ~~عليه النجح، فأراد أن يذكره فقال مثلك لا يذكر استقصارا ولا توهما ~~للغفلة عن حوائج السائلين، ولكن ذا الحاجة لا تدعه حاجته أن لا يتكلم ms0998 ~~فيها. وقيل ما تخفي من الوجد لما وقع بيننا من الفرقة، وما نعلن من ~~البكاء والدعاء. وقيل ما نخفي من كآبة الافتراق، وما نعلن يريد ما جرى ~~بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع إلى من تكلنا؟ قال إلى الله ~~أكلكم. قالت الله أمرك بهذا؟ قال نعم. قالت إذن لا نخشى، تركتنا إلى كاف ~~{ وما يخفى على الله من شىء } من كلام الله عز وجل ~~تصديقا لإبراهيم عليه السلام، كقوله # وكذلك يفعلون # النمل 34 أو من كلام إبراهيم، يعني وما يخفى على الله الذي هو عالم ~~الغيب من شيء في كل مكان. «ومن» للاستغراق، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ~~ما. { على } في قوله { على الكبر } بمعنى مع كقوله # إني على ما ترين من كبرى أعلم من حيث تؤكل ~~الكتف # وهو في موضع الحال، معناه وهب لي وأنا كبير وفي حال الكبر. روي أن ~~إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة ~~وثنتي عشرة سنة، وقد روي أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين. وإسحاق لتسعين. ~~وعن سعيد بن جبير لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة، وإنما ~~ذكر حال الكبر لأن المنة بهبة الولد فيها أعظم، من حيث أنها حال وقوع ~~اليأس من الولادة. والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجل النعم وأحلاها ~~في نفس الظافر، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم { ~~إن ربى لسميع الدعاء } كان قد دعا ربه وسأله الولد، فقال ~~رب هب لي من الصالحين، فشكر لله ما أكرمه به من إجابته فإن قلت الله ~~تعالى يسمع كل دعاء، أجابه أو لم يجبه. قلت هو من قولك سمع الملك كلام ~~فلان إذا اعتد به وقبله ومنه سمع الله لمن حمده وفي الحديث. 574 # " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن " # فإن قلت ما هذه الإضافة إضافة السميع إلى الدعاء؟ قلت إضافة الصفة إلى ~~مفعولها، وأصله لسميع الدعاء. وقد ذكر سيبويه فعيلا في جملة أبنية ms0999 ~~المبالغة العاملة عمل الفعل، كقولك هذا ضروب زيدا، وضراب أخاه، ومنحار ~~إبله، وحذر أمورا، ورحيم أباه ويجوز أن يكون من إضافة فعيل إلى فاعله، ~~ويجعل دعاء الله سميعا على الإسناد المجازي. والمراد سماع الله. ### || [14.40-41] # { ومن ذريتى } وبعض ذريتي، عطفا على المنصوب في اجعلني، وإنما ~~بعض لأنه علم بإعلام الله أنه يكون في ذريته كفار، وذلك قوله # لا ينال عهدي الظلمين # البقرة 124. { وتقبل دعاء } أي عبادتي # وأعتزلكم وما تدعون من دون الله # مريم 48 في قراءة أبي «ولأبوي». وقرأ سعيد بن جبير «ولو الدي»، على ~~الإفراد، يعني أباه، وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما «ولولدي» يعني ~~إسماعيل وإسحاق. وقرىء «لولدي» بضم الواو. والولد بمعنى الولد، كالعدم ~~والعدم. وقيل جمع ولد، كأسد في أسد. وفي بعض المصاحف ولذريتي. فإن قلت ~~كيف جاز له أن يستغفر لأبويه وكانا كافرين؟ قلت هو من مجوزات العقل لا ~~يعلم امتناع جوازه إلا بالتوقيف. وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وقيل بشرط ~~الإسلام. ويأباه قوله # إلا قول إبرهيم لابيه لأستغفرن لك # الممتحنة 4 لأنه لو شرط الإسلام لكان استغفارا صحيحا لا مقال فيه، ~~فكيف يستثني الاستغفار الصحيح من جملة ما يؤتسى فيه بإبراهيم { يوم ~~يقوم الحساب } أي يثبت، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، ~~والدليل عليه قولهم قامت الحرب على ساقها. ونحوه قولهم ترجلت الشمس إذا ~~أشرقت وثبت ضوؤها، كأنها قامت على رجل. ويجوز أن يسند إلى الحساب قيام ~~أهله إسنادا مجازيا، أو يكون مثل # وسئل القرية # يوسف 82 وعن مجاهد قد استجاب الله له فيما سأل، فلم يعبد أحد من ولده ~~صنما بعد دعوته، وجعل البلد آمنا، ورزق أهله من الثمرات. وجعله إماما، ~~وجعل في ذريته من يقيم الصلاة، وأراه مناسكه، وتاب عليه، وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قال كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم # ربنآ إني أسكنت # الآية إبراهيم 37، رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم. ### || [14.42-43] # فإن قلت يتعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله صلى ms1000 الله ~~عليه وسلم وهو أعلم الناس به غافلا حتى قيل { ولا تحسبن الله ~~غفلا }؟ قلت إن كان خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففيه ~~وجهان. أحدهما التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلا، ~~كقوله # فلا تكونن من المشركين # الأنعام 14، # ولا تدع مع الله إلها ءاخر # الشعراء 213، كما جاء في الأمر # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله # النساء 136 والثاني أن المراد بالنهي عن حسبانه غافلا، الإيذان بأنه ~~عالم بما يفعل الظالمون، لا يخفى عليه منه شيء، وأنه معاقبهم على قليله ~~وكثيره على سبيل الوعيد والتهديد كقوله # والله بما تعملون عليم # البقرة 283 يريد الوعيد. ويجوز أن يراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة ~~الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم، المحاسب على النقير ~~والقطمير، وإن كان خطابا لغيره ممن يجوز أن يحسبه غافلا، لجهله بصفاته، ~~فلا سؤال فيه، وعن ابن عيينة تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له من ~~قال هذا؟ فغضب وقال إنما قاله من علمه وقرىء «يؤخرهم» بالنون والياء { ~~تشخص فيه الابصر } أي أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ~~ترى { مهطعين } مسرعين إلى الداعي. وقيل الإهطاع أن تقبل ببصرك على ~~المرئي تديم النظر إليه لا تطرف { مقنعى رؤوسهم } رافعيها { لا ~~يرتد إليهم طرفهم } لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم، أي ~~لا يطرفون، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان. أو لا يرجع ~~إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم. الهواء الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، ~~فوصف به فقيل قلب فلان هواء إذا كان جبانا لا قوة في قلبه ولا جرأة. ~~ويقال للأحمق أيضا قلبه هواء. قال زهير # من الظلمان جؤجؤه هواء # لأن النعام مثل في الجبن والحمق. وقال حسان # فأنت مجوف نخب هواء # وعن ابن جريج { وأفئدتهم هوآء } صفر من الخير خاوية منه، وقال ~~أبو عبيدة جوف لا عقول لهم. ### || [14.44-47] # { يوم يأتيهم العذاب } مفعول ثان لأنذر وهو يوم القيامة. ~~ومعنى { أخرنا إلى أجل قريب } ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى ~~أمد وحد من الزمان ms1001 قريب، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع ~~رسلك. أو أريد باليوم يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين ~~بشدة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ~~ربهم إلى أجل قريب، كقوله # لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق # المنافقون 10 { أو لم تكونوا أقسمتم } على إرادة القول، ~~وفيه وجهان أن يقولوا ذلك بطرا وأشرا، ولما استولى عليهم من عادة الجهل ~~والسفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديدا وأملوا بعيدا و { ما ~~لكم } جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله { أقسمتم } ولو ~~حكى لفظ المقسمين لقيل ما لنا { من زوال } والمعنى أقسمتم أنكم باقون ~~في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل لا تنتقلون إلى دار أخرى يعني ~~كفرهم بالبعث،كقوله # وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله ~~من يموت # النحل 38 يقال سكن الدار وسكن فيها. ومنه قوله تعالى { وسكنتم فى ~~مسكن الذين ظلموا أنفسهم } لأن السكنى من السكون ~~الذي هو اللبث، والأصل تعديه بفي، كقولك قر في الدار وغنى فيها وأقام ~~فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل سكن الدار كما قيل ~~تبوأها وأوطنها. ويجوز أن يكون سكنوا من السكون، أي قروا فيها واطمأنوا ~~طيبي النفوس، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدثونها بما ~~لقي الأولون من أيام الله وكيف كان عاقبة ظلمهم، فيعتبروا ويرتدعوا { ~~وتبين لكم } بالإخبار والمشاهدة { كيف } أهلكناهم وانتقمنا ~~منهم. وقرىء «ونبين لكم»، بالنون { وضربنا لكم الأمثال } أي ~~صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم { ~~وقد مكروا مكرهم } أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ~~{ وعند الله مكرهم } لا يخلو إما أن يكون مضافا إلى الفاعل ~~كالأول، على معنى ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم ~~منه، أو يكون مضافا إلى المفعول على معنى { وعند الله مكرهم ~~} الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ~~ولا يحتسبون { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ms1002 } وإن ~~عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته، ~~أي وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال، معدا لذلك، وقد جعلت إن نافية ~~واللام مؤكدة لها، كقوله تعالى # وما كان الله ليضيع إيمنكم # البقرة 143 والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أن الجبال مثل ~~لآيات الله وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا. # وتنصره قراءة ابن مسعود «وما كان مكرهم». وقرىء «لتزول»، بلام الابتداء، ~~على { وإن كان مكرهم } من الشدة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع ~~من أماكنها. وقرأ علي وعمر رضي الله عنهما «وإن كاد مكرهم» { مخلف ~~وعده رسله } يعني قوله # إنا لننصر رسلنا # غافر 51، # كتب الله لاغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21، فإن قلت هلا قيل مخلف رسله وعده؟ ولم قدم المعفول الثاني ~~على الأول؟ قلت قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا، كقوله # إن الله لا يخلف الميعاد # آل عمران 9 ثم قال { رسله } ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا - ~~وليس من شأنه إخلاف المواعيد - كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ ~~وقرىء «مخلف وعده رسله»، بحر الرسل ونصب الوعد. وهذه في الضعف كمن قرأ # قتل أولدهم شركائهم # الأنعام 137. { العزيز } غالب لا يماكر { ذو انتقام } لأوليائه ~~من أعدائه. ### || [14.48-51] # { يوم تبدل الأرض } انتصابه على البدل من يوم يأتيهم. أو على ~~الظرف للانتقام. والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى ~~غير هذه المعروفة، وكذلك السموات. والتبديل التغيير، وقد يكون في الذوات ~~كقولك بدلت الدراهم دنانير ومنه # بدلنهم جلودا غيرها # النساء 56 و # بدلناهم بجنتيهم جنتين # سبأ 16 وفي الأوصاف، كقولك بذلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وسويتها ~~خاتما، فنقلتها من شكل إلى شكل، ومنه قوله تعالى # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت # الفرقان 70 واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل تبدل أوصافها فتسير ~~عن الأرض جبالها وتفجر بحارها. وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت وعن ابن ~~عباس هي تلك الأرض وإنما تغير، وأنشد # وما الناس بالناس عهدتهم ولا الدار بالدار ~~التي كنت تعلم # وتبدل ms1003 السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، ~~وكونها أبوابا. وقيل يخلق بدلها أرض وسموات أخر. وعن ابن مسعود وأنس ~~يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة. وعن علي رضي الله ~~عنه تبدل أرضا من فضة، وسموات من ذهب. وعن الضحاك أرضا من فضة بيضاء ~~كالصحائف. وقرىء «يوم نبدل الأرض»، بالنون. فإن قلت كيف قال { ~~الواحد القهار }؟ قلت هو كقوله # لمن الملك اليوم لله الوحد القهار # غافر 16 لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب ولا يعاز فلا مستغاث ~~لأحد إلى غيره ولا مستجار، كان الأمر في غاية الصعوبة والشدة { ~~مقرنين } قرن بعضهم مع بعض. أو مع الشياطين. أو قرنت أيديهم إلى ~~أرجلهم مغللين. وقوله { فى الأصفاد } إما أن يتعلق بمقرنين، أي ~~يقرنون في الأصفاد. وإما أن لا يتعلق به، فيكون المعنى مقرنين مصفدين. ~~والأصفاد القيود وقيل الأغلال، وأنشد لسلامة بن جندل # وزيد الخيل قد لاقى صفادا يعض بساعد وبعظم ~~ساق # القطران فيه ثلاث لغات قطران، وقطران وقطران بفتح القاف وكسرها مع سكون ~~الطاء، وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنأ به الإبل الجربى، ~~فيحرق الجرب بحره وحدته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن ~~يسرع في اشتغال النار، وقد يستسرج به، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى ~~به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص، لتجتمع عليهم ~~الأربع لذع القطران. وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن ~~الريح. على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده ~~الله أو وعد به في الآخرة، فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر ~~قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة، فبكرمه الواسع نعوذ ~~من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه، وقرىء «من قطران» والقطر ~~النحاس أو الصفر المذاب. والآني المتناهي حره { وتغشى وجوههم ~~النار } كقوله تعالى # أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب # الزمر 24، # يوم يسحبون فى النار على وجوههم # القمر 48 لأن الوجه أعز موضع ms1004 في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ~~ولذلك قال # تطلع على الافئدة # الهمزة 7 وقرىء «وتغشى وجوههم»، بمعنى تتغشى أي يفعل بالمجرمين ما يفعل ~~{ ليجزى الله كل نفس } مجرمة { ما كسبت } أو كل نفس ~~من مجرمة ومطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين ~~لطاعتهم. ### || [14.52] # { هذا بلغ للناس } كفاية في التذكير والموعظة، يعني بهذا ~~ما وصفه من قوله { ولا تحسبن } إلى قوله # سريع الحساب # آل عمران 169. { ولينذروا } معطوف على محذوف، أي لينصحوا ولينذروا ~~{ به } بهذا البلاغ. وقرىء «ولينذروا» بفتح الياء من نذر به إذا علمه ~~واستعد له { وليعلموا أنما هو إله واحد } لأنهم ~~إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى ~~التوحيد، لأن الخشية أم الخير كله. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~575 # " من قرأ سورة إبراهيم أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام ~~وعدد من لم يعبد ". ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1] # { تلك } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات. والكتاب، والقرآن ~~المبين السورة وتنكير القرآن للتفخيم. والمعنى تلك آيات الكتاب الكامل في ~~كونه كتابا وأي قرآن مبين؟ كأنه قيل الكتاب الجامع للكمال والغرابة في ~~البيان. ### || [15.2-3] # قرىء «ربما» و «ربتما» بالتشديد. و «ربما»، «وربما» بالضم والفتح مع ~~التخفيف. فإن قلت لم دخلت على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟ ~~قلت لأن المترقب في إخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه، ~~فكأنه قيل ربما ود. فإن قلت متى تكون ودادتهم؟ قلت عند الموت، أو يوم ~~القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين. وقيل إذا رأوا المسلمين يخرجون ~~من النار، وهذا أيضا باب من الودادة. فإن قلت فما معنى التقليل؟ قلت هو ~~وارد على مذهب العرب في قولهم لعلك ستندم على فعلك، وربما ندم الإنسان ~~على ما فعل، ولا يشكون في تندمه، ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا ولو ~~كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لاتفعل هذا الفعل، لأن ~~العقلاء يتحرزون من التعرض للغم ms1005 المظنون، كما يتحرزون من المتيقن ومن ~~القليل منه، كما من الكثير، وكذلك المعنى في الآية لو كانوا يودون ~~الإسلام مرة واحدة، فبالحري أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه في كل ~~ساعة { لو كانوا مسلمين } حكاية ودادتهم، وإنما جيء بها على ~~لفظ الغيبة لأنهم مخبر عنهم، كقولك حلف بالله ليفعلن. ولو قيل حلف بالله ~~لأفعلن ولو كنا مسلمين لكان حسنا سديدا وقيل تدهشهم أهوال ذلك اليوم ~~فيبقون مبهوتين، فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات من سكرتهم تمنوا، ~~فلذلك قلل { ذرهم } يعني اقطع طمعك من ارعوائهم، ودعهم عن النهي عما ~~هم عليه والصد عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم { يأكلوا ~~ويتمتعوا } بدنياهم وتنفيذ شهواتهم، ويشغلهم أملهم وتوقعهم لطول ~~الأعمار واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة إلا خيرا { فسوف ~~يعلمون } سوء صنيعهم. والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم ~~لا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لا زاجر لهم ولا واعظ إلا معاينة ما ~~ينذرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك فأمر رسوله ~~بأن يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليتهم حتى ~~يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندما في العاقبة. وفيه إلزام للحجة ومبالغة في ~~الإنذار وإعذار فيه. وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي ~~إليه طول الأمل. وهذه هجيرى أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم ~~التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين. ### || [15.4-5] # { ولها كتب } جملة واقعة صفة لقرية، والقياس أن لا يتوسط الواو ~~بينهما كما في قوله تعالى # وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرين # الشعراء 208 وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال في الحال ~~جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب. كتاب { معلوم } مكتوب معلوم، ~~وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين، ألا ترى إلى قوله { ما تسبق ~~من أمة أجلها } في موضع كتابها، وأنث الأمة أولا ثم ذكرها ~~آخرا حملا على اللفظ والمعنى وقال { وما يستأخرون } بحذف «عنه» ~~لأنه معلوم. ### || [15.6] # قرأ الأعمش ms1006 «يا أيها الذي ألقي عليه الذكر»، وكأن هذا النداء منهم على ~~وجه الاستهزاء، كما قال فرعون # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # الشعراء 27 وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون. والتعكيس ~~في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع. وقد جاء في كتاب الله في مواضع، ~~منها # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21، # إنك لأنت الحليم الرشيد # هود 87 وقد يوجد كثيرا في كلام العجم، والمعنى إنك لتقول قول المجانين ~~حين تدعي أن الله نزل عليك الذكر. ### || [15.7] # { لو } ركبت مع «لا» و «لا» لمعنيين معنى امتناع الشيء لوجود غيره، ~~ومعنى التحضيض، وأما «هل» فلم تركب إلا مع «لا» وحدها للتحضيض قال ابن ~~مقبل # لوماالحياء ولوما الدين عبتكما ببعض ما ~~فيكما إذ عبتما عورى # والمعنى هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك، كقوله ~~تعالى # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # الفرقان 7 أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا ~~كما كانت تاتي الأمم المكذبة برسلها؟ ### || [15.8] # قرىء «تنزل»، بمعنى تتنزل «وتنزل» على البناء للمفعول من نزل، و { ~~ننزل الملئكة } بالنون ونصب الملائكة { إلا بالحق } ~~إلا تنزلا ملتبسا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا ~~تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، لأنكم حينئذ ~~مصدقون عن اضطرار ومثله قوله تعالى # وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق # الحجر 85 وقيل الحق الوحي أو العذاب. و { إذا } جواب وجزاء، لأنه جواب ~~لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر ~~عذابهم. ### || [15.9] # { إنا نحن نزلنا الذكر } رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم # يأيها الذى نزل عليه الذكر # الحجر 6 ولذلك قال إنا نحن، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع ~~والبتات، وأنه هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبين ~~يديه ومن خلفه رصد، حتى نزل وبلغ محفوظا من الشياطين وهو حافظه في كل ~~وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبدبل، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم ms1007 ~~يتول حفظها. وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا ~~فكان التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه. فإن قلت فحين كان قوله { ~~إنا نحن نزلنا الذكر } ردا لإنكارهم واستهزائهم، فكيف ~~اتصل به قوله { وإنا له لحفظون }؟ قلت قد جعل ذلك دليلا ~~على أنه منزل من عنده آية لأنه لو كان من قول البشر أو غير آية لتطرق ~~عليه الزيادة والنقصان كما يتطرق على كل كلام سواه. وقيل الضمير في { ~~له } لرسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى # والله يعصمك # المائدة 67. ### || [15.10-11] # { فى شيع الأولين } في فرقهم وطوائفهم. والشيعة الفرقة إذا ~~اتفقوا على مذهب وطريقة. ومعنى أرسلناه فيهم نبأناه فيهم وجعلناه رسولا ~~فيما بينهم { وما يأتيهم } حكاية حال ماضية، لأن «ما» لا تدخل على ~~مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال. ### || [15.12-13] # يقال سلكت الخيط في الإبرة، وأسلكته إذا أدخلته فيها ونظمته. وقرىء ~~«نسلكه»، والضمير للذكر، أي مثل ذلك السلك، ونحوه نسلك الذكر في { ~~قلوب المجرمين } على معنى أنه يلقيه في قلوبهم مكذبا مستهزءا ~~به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها فقلت كذلك أنزلها ~~باللئام، تعني مثل هذا الإنزال أنزلناها بهم مردودة غير مقضية. ومحل قوله ~~{ لا يؤمنون به } النصب على الحال، أي غير مؤمن به، أو هو بيان ~~لقوله { كذلك نسلكه }. { سنة الأولين } طريقتهم التي ~~سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا برسلهم وبالذكر المنزل عليهم، وهو وعيد ~~لأهل مكة على تكذيبهم. ### || [15.14-15] # قرىء «يعرجون» بالضم والكسر. و { سكرت } حيرت أو حبست من الإبصار، ~~من السكر أو السكر. وقرىء «سكرت» بالتخفيف أي حبست كما يحبس النهر من ~~الجري. وقرىء «سكرت» من السكر، أي حارت كما يحار السكران. والمعنى أن ~~هؤلاء المشركين بلغ من غلوهم في العناد أن لو فتح لهم باب من أبواب ~~السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا، ~~لقالوا هو شيء نتخايله لا حقيقة له، ولقالوا قد سحرنا محمد بذلك. وقيل ms1008 ~~الضمير للملائكة، أي لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا لقالوا ~~ذلك. وذكر الظلول ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرون. وقال ~~إنما، ليدل على أنهم يبتون القول بأن ذلك ليس إلا تسكيرا للأبصار. ### || [15.16-20] # { من استرق } في محل النصب على الاستثناء. وعن ابن عباس أنهم ~~كانوا لا يحجبون عن السموات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سموات، فلما ~~ولد محمد منعوا من السموات كلها { شهاب مبين } ظاهر للمبصرين { ~~موزون } وزن بميزان الحكمة، وقدر بمقدار تقتضيه، لا يصلح فيه زيادة ~~ولا نقصان، أو له وزن وقدر في أبواب النعمة والمنفعة، وقيل ما يوزن من ~~نحو الذهب والفضة والنحاس والحديد وغيرها { معيش } بياء صريحة، ~~بخلاف الشمائل والخبائث ونحوهما، فإن تصريح الياء فيها خطأ، والصواب ~~الهمزة، أو إخراج الياء بين بين. وقد قرىء «معائش» بالهمزة على التشبيه { ~~ومن لستم له برزقين } عطف على معايش، أو على محل لكم، كأنه ~~قيل وجعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم من لستم له برازقين، أو وجعلنا ~~لكم معايش ولمن لستم له برازقين. وأراد بهم العيال والمماليك والخدم ~~الذين يحسبون أنهم يرزقونهم ويخطئون، فإن الله هو الرزاق، يرزقهم ~~وإياهم، ويدخل فيه الأنعام والدواب وكل ما بتلك المثابة، مما الله رازقه، ~~وقد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرزاقون. ولا يجوز أن يكون مجرورا عطفا على ~~الضمير المجرور في { لكم } لأنه لا يعطف على الضمير المجرور. ### || [15.21] # ذكر الخزائن تمثيل. والمعنى وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون ~~على إيجاده وتكوينه والإنعام به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم نعلم أنه ~~مصلحة له، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور. ### || [15.22] # { لواقح } فيه قولان، أحدهما أن الريح لاقح إذا جاءت بخير، من ~~إنشاء سحاب ماطر كما قيل للتي لا تأتي بخير ريح عقيم. والثاني أن اللواقح ~~بمعنى الملاقح، كما قال # ومختبط مما تطيح الطوائح # يريد المطاوح جمع مطيحة. وقرىء «وأرسلنا الريح»، على تأويل الجنس { ~~فأسقيناكموه } فجعلناه لكم سقيا { ومآ أنتم له ~~بخزنين } نفى عنهم ما أثبته لنفسه في ms1009 قوله { وإن من شىء ~~إلا عندنا خزائنه } كأنه قال نحن الخازنون للماء، على معنى ~~نحن القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، وما أنتم عليه بقادرين ~~دلالة على عظيم قدرته وإظهارا لعجزهم. ### || [15.23-25] # { ونحن الورثون } أي الباقون بعد هلاك الخلق كله. وقيل للباقي ~~«وارث» استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فنائه. ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم في دعائه 576 # " اجعله الوارث منا " # { ولقد علمنا } من استقدم ولادة وموتا، ومن تأخر من الأولين ~~والآخرين. أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد. أو من تقدم في ~~الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر. وقيل المستقدمين في صفوف الجماعة ~~والمتسأخرين. وروي 577 أن امرأة حسناء كانت في المصليات خلف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها، وبعض يستأخر ~~ليبصرها فنزلت { هو يحشرهم } أي هو وحده القادر على حشرهم، ~~والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف عددهم { إنه حكيم ~~عليم } باهر الحكمة واسع العلم، يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة ~~والصواب، وقد أحاط علما بكل شيء. ### || [15.26-27] # الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار. ~~قالوا إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل، وإن توهمت فيه ترجيعا فهو ~~صلصلة. وقيل هو تضعيف «صل» إذا أنتن. والحمأ الطين الأسود المتغير. ~~والمسنون المصور، من سنة الوجه، وقيل المصبوب المفرغ، أي أفرغ صورة ~~إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها. وقيل المنتن، من ~~سننت الحجرعلى الحجر إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سنين، ولا يكون إلا ~~منتنا { من حمإ } صفة لصلصال، أي خلقه من صلصال كائن من حمأ وحق { ~~مسنون } بمعنى مصور، أن يكون صفة لصلصال، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها ~~تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صلصل، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر ~~{ والجآن } للجن كآدم للناس. وقيل هو إبليس. وقرأ الحسن وعمرو بن ~~عبيد «والجأن»، بالهمزة { من نار السموم } من نار الحر الشديد ~~النافذ في المسام. ms1010 قيل هذه السموم جزء من سبعين جزأ من سموم النار التي ~~خلق الله منها الجان. ### || [15.28-44] # { وإذ قال ربك } واذكر وقت قوله { سويته } عدلت خلقته ~~وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها. ومعنى { ونفخت فيه من روحى ~~} وأحييته، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به ~~فيه. واستثنى إبليس من الملائكة لأنه كان بينهم مأمورا معهم بالسجود، ~~فغلب اسم الملائكة، ثم استثنى بعد التغليب كقولك رأيتهم إلا هندا. و { ~~أبى } استئناف على تقدير قول قائل بقول هلا سجد؟ فقيل أبى ذلك واستكبر ~~عنه. وقيل معناه ولكن إبليس أبى. حرف الجر مع «أن» محذوف. وتقديره { ما ~~لك } في { ألا تكون مع السجدين } بمعنى أي غرض لك في ~~إبائك السجود. وأي داع لك إليه. اللام في { لأسجد } لتأكيد النفي. ~~ومعناه لا يصح مني وينافي حالي. ويستحيل أن أسجد لبشر { رجيم } ~~شيطان من الذين يرجمون بالشهب، أو مطرود من رحمة الله لأن من يطرد يرجم ~~بالحجارة. ومعناه ملعون لأن اللعن هو الطرد من الرحمة والإبعاد منها. ~~والضمير في { منها } راجع إلى الجنة أو السماء، أو إلى جملة الملائكة. ~~وضرب يوم الدين حدا للعنة، إما لأنه أبعد غاية يضربها الناس في كلامهم، ~~كقوله # ما دامت السموات والأرض # هود 107 في التأبيد. وإما أن يراد أنك مذموم مدعو عليك باللعن في ~~السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن تعذب، فإذا جاء ذلك اليوم عذبت ~~بما ينسى اللعن معه. و { يوم الدين } و { يوم يبعثون } و # يوم الوقت المعلوم # الحجر 38 في معنى واحد، ولكن خولف بين العبارات سلوكا بالكلام طريقة ~~البلاغة. وقيل إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت ~~لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك، وأنظر إلى آخر أيام ~~التكليف { بما أغويتني } الباء للقسم. و «ما» مصدرية وجواب القسم { ~~لأزينن } المعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم. ومعنى إغوائه إياه ~~تسبيبه لغيه، بأن أمره بالسجود لآدم عليه السلام، فأفضى ذلك إلى غيه. وما ~~الأمر بالسجود إلا ms1011 حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع لأمر الله، ولكن ~~إبليس اختار الإباء والاستكبار فهلك، والله تعالى بريء من غيه ومن إرادته ~~والرضا به، ونحو قوله { بمآ أغويتنى لأزينن لهم } قوله # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # ص 82 في أنه إقسام،إلا أن أحدهما إقسام بصفته والثاني إقسام بفعله، وقد ~~فرق الفقهاء بينهما. ويجوز أن لا يكون قسما، ويقدر قسم محذوف، ويكون ~~المعنى بسبب تسبيبك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب ~~لإغوائهم، بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم { فى ~~الأرض } في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى # أخلد إلى الأرض واتبع هواه # الأعراف 176 أو أراد أني أقدر على الاحتيال لآدم والتزيين له الأكل من ~~الشجرة وهو في السماء، فأنا على التزيين لأولاده في الأرض أقدر. أو أراد ~~لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض، ولأوقعن تزييني فيها، أي لأزيننها في ~~أعينهم ولأحدثنهم بأن الزينة في الدنيا وحدها، حتى يستحبوها على الآخرة ~~ويطمئنوا إليها دونها. ونحوه # يجرح في عراقيبها نصلي # استثنى المخلصين لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. أي { ~~هذا } طريق حق { على } أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك سلطان على ~~عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته وقرىء «علي» وهو من علو الشرف ~~والفضل { لموعدهم } الضمير للغاوين. وقيل أبواب النار أطباقها ~~وأدراكها، فأعلاها للموحدين، والثاني لليهود، والثالث للنصارى، والرابع ~~للصابئين، والخامس للمجوس، والسادس للمشركين، والسابع للمنافقين، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه إن جهنم لمن ادعى الربوبية، ولظى لعبدة النار، والحطمة ~~لعبدة الأصنام وسقر لليهود، والسعير للنصارى، والجحيم للصابئين، والهاوية ~~للموحدين. وقرىء «جزء»، بالتخفيف والتثقيل. وقرأ الزهري «جز»، بالتشديد ~~كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي، كقولك خب في خبء، ثم وقف عليه ~~بالتشديد، كقولهم الرجل، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف. ### || [15.45-48] # المتقي على الإطلاق من يتقي ما يجب اتقاؤه مما نهى عنه. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب تكفرها الصلوات وغيرها { ~~ادخلوها } على إرادة القول. وقرأ ms1012 الحسن «أدخلوها» { بسلام } ~~سالمين أو مسلما عليكم تسلم عليكم الملائكة. الغل الحقد الكامن في ~~القلب، من انغل في جوفه وتغلغل، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر. ~~نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم. وعن علي رضي الله عنه أرجو أن أكون ~~أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. وعن الحرث الأعور كنت جالسا عنده إذ جاء ~~ابن طلحة فقال له علي مرحبا بك يا ابن أخي. أما والله إني لأرجو أن ~~أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى { ونزعنا ما فى صدورهم ~~من غل } فقال له قائل كلا، الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان ~~واحد، فقال فلمن هذه الآية لا أم لك؟ وقيل معناه طهر الله قلوبهم من أن ~~يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، ونزع منها كل غل، وألقى فيها التواد ~~والتحاب. و { إخوانا } نصب على الحال. و { على سرر ~~متقبلين } كذلك. وعن مجاهد. تدور بهم الأسرة حيثما داروا، ~~فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. ### || [15.49-50] # لما أتم ذكر الوعد والوعيد أتبعه { فى عبادى } تقريرا لما ذكر ~~وتمكينا له في النفوس. وعن ابن عباس رضي الله عنه غفور لمن تاب، وعذابه ~~لمن لم يتب. وعطف { ونبئهم } على نبىء عبادي، ليتخذوا ما أحل من ~~العذاب يوم لوط عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، ~~ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم. ### || [15.51-56] # { سلاما } أي نسلم عليك سلاما، أو سلمت سلاما { وجلون } ~~خائفون، وكان خوفه لامتناعهم من الأكل. وقيل لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير ~~وقت. وقرأ الحسن «لا توجل» بضم التاء من أوجله يوجله إذا أخافه. وقرىء ~~«لا تأجل». «ولا تواجل»، من واجله بمعنى أوجله. وقرىء «نبشرك» بفتح النون ~~والتخفيف { إنا نبشرك } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ~~أرادوا أنك بمثابة الآمن المبشر فلا توجل. يعني { أبشرتمونى } مع ~~مس الكبر، بأن يولد لي. أي أن الولادة أمر عجيب مستنكر في العادة مع ~~الكبر { فبم تبشرون } هي ما الاستفهامية دخلها معنى التعجب، كأنه ~~قال فبأي أعجوبة تبشرونني أو أراد ms1013 أنكم تبشرونني بما هو غير مقصور في ~~العادة فبأي شيء تبشرون يعني لا تبشرونني في الحقيقة بشيء لأن البشارة ~~بمثل هذا بشارة بغير شيء. ويجوز أن لا يكون صلة لبشر، ويكون سؤالا عن ~~الوجه والطريقة يعني بأي طريقة تبشرونني بالولد، والبشارة لا طريقة لها ~~في العادة. وقوله { بشرنك بالحق } يحتمل أن تكون الباء فيه ~~صلة، أي بشرناك باليقين الذي لا لبس فيه، أو بشرناك بطريقة هي حق وهي قول ~~الله ووعده، وأنه قادر على أن يوجد ولدا من غير أبوين، فكيف من شيخ فان ~~وعجوز عاقر. وقرىء «تبشرون»، بفتح النون وبكسرها على حذف نون الجمع، ~~والأصل تبشرونن، «وتبشرون» بإدغام نون الجمع في نون العماد. وقرىء «من ~~القنطين» من قنط يقنط، وقرىء و «من يقنط»، بالحركات الثلاث في النون، ~~أراد ومن يقنط من رحمة ربه إلا المخطئون طريق الصواب، أو إلا الكافرون، ~~كقوله # لا ييئس من روح الله إلا القوم الكفرون # يوسف 87 يعني لم أستنكر ذلك قنوطا من رحمته، ولكن استبعادا له في ~~العادة التي أجراها الله. ### || [15.57-60] # فإن قلت قوله تعالى { إلا ءال لوط } استثناء متصل أو منقطع؟ قلت، لا ~~يخلو من أن يكون استثناء من قوم، فيكون منقطعا لأن القوم موصوفون ~~بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان وأن يكون استثناء من الضمير في مجرمين، ~~فيكون متصلا، كأنه قيل إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما ~~قال # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # الذاريات 36. فإن قلت فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت نعم، ~~وذلك أن آل لوط مخرجون في المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى ~~القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلا. ومعنى إرسالهم إلى ~~القوم المجرمين، كإرسال الحجر أو السهم إلى المرمي. في أنه في معنى ~~التعذيب والإهلاك، كأنه قيل إنا أهلكنا قوما مجرمين، ولكن آل لوط ~~أنجيناهم. وأما في المتصل فهم داخلون في حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة ~~أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإرسال ~~مخلصا بمعنى الإهلاك ms1014 والتعذيب كما في الوجه الأول. فإن قلت فقوله { ~~إنا لمنجوهم } بم يتعلق على الوجهين؟ قلت إذا انقطع الاستثناء ~~جرى مجرى خبر «لكن» في الاتصال بآل لوط، لأن المعنى. لكن آل لوط منجون، ~~وإذا اتصل كان كلاما مستأنفا، كأن إبراهيم عليه السلام قال لهم فما ~~حال آل لوط، فقالوا إنا لمنجوهم. فإن قلت فقوله { إلا امرأته } ~~مم استثني وهل هو استثناء من استثناء؟ قلت استثنى من الضمير المجرور في ~~قوله { لمنجوهم } وليس من الاستثاء في شيء لأن الاستثناء من ~~الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال أهلكناهم إلا آل لوط، ~~إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق أنت طالق ثلاثا، إلا اثنتين، ~~إلا واحدة. وفي قول المقر لفلان علي عشرة دراهم، إلا ثلاثة، إلا درهما. ~~فأما في الآية فقد اختلف الحكمان، لأن { إلا ءال لوط } متعلق ~~بأرسلنا، أو بمجرمين، و { إلا امرأته } قد تعلق بمنجوهم، فأنى ~~يكون استثناء من استثناء. وقرىء «لمنجوهم» بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت لم ~~جاز تعليق فعل التقدير في قوله { قدرنآ إنها لمن ~~الغبرين } والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت لتضمن فعل التقدير ~~معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم. فإن قلت ~~فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده - إلى أنفسهم، ولم يقولوا ~~قدر الله؟ قلت لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، ~~كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا ~~هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه. وقرىء «قدرنا»، ~~بالتخفيف. ### || [15.61-66] # { منكرون } أي تنكركم نفسي وتنفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشر، ~~بدليل قوله { بل جئنك بما كانوا فيه يمترون } أي ما ~~جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وتشفيك من عدوك، ~~وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون فيه ويكذبونك { بالحق } ~~باليقين من عذابهم { وإنا لصدقون } في الإخبار بنزوله بهم. ~~وقرىء «فأسر» بقطع الهمزة ووصلها، من أسرى وسرى. وروى صاحب الإقليد فسر، ~~من السير والقطع في آخر الليل. ms1015 قال # افتحى الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع ~~ليل بهيم # وقيل هو بعد ما يمضي شيء صالح من الليل. فإن قلت ما معنى أمره باتباع ~~أدبارهم ونهيهم عن الالتفات؟ قلت قد بعث الله الهلاك على قومه، ونجاه ~~وأهله إجابة لدعوته عليهم، وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد في ~~شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدمهم لئلا يشتغل بمن ~~خلفه قلبه، وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم، فلا تفرط منهم التفاتة ~~احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة، ولئلا ~~يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب، وليكون مسيره مسير الهارب الذي ~~يقدم سربه ويفوت به، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من ~~العذاب فيرقوا لهم، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم، ~~ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا ~~يزال يلوي إليه أخادعه، كما قال # تلفت نحو حيي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ~~ليتا وأخدعا # أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف، ~~لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة { حيث تؤمرون } قيل ~~هو مصر وعدي { وامضوا } الى { حيث } تعديته الى الظرف المبهم لأن { ~~حيث } مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في { تأمرون } وعدي { ~~قضينا } بإلى لأنه ضمن معنى أوحينا، كأنه قيل وأوحينا إليه مقضيا ~~مبتوتا. وفسر { ذلك الأمر } بقوله { أن دابر هؤلآء ~~مقطوع } وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم له. وقرأ الأعمش ~~«إن»، بالكسر على الاستئناف كأن قائلا قال أخبرنا عن ذلك الأمر، فقال ~~إن دابر هؤلاء. وفي قراءة ابن مسعود «وقلنا إن دابر هؤلاء». ودابرهم ~~آخرهم، يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد. ### || [15.67-77] # { أهل المدينة } أهل سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور، ~~مستبشرين بالملائكة { فلا تفضحون } بفضيحة ضيفي، لأن من أسيء إلى ~~ضيفه أو جاره فقد أسيء إليه، كما أن من أكرم من يتصل به فقد أكرم { ~~ولا تخزون } ولا ms1016 تذلون بإذلال ضيفي، من الخزي وهو الهوان. أو ولا ~~تشوروا بي، من الخزاية وهي الحياء { عن العلمين } عن أن تجير ~~منهم أحدا، أو تدفع عنهم، أو تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون ~~لكل أحد، وكان يقوم صلى الله عليه وسلم بالنهي عن المنكر، والحجر بينهم ~~وبين المتعرض له، فأوعدوه وقالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من ~~المخرجين. وقيل عن ضيافة الناس وإنزالهم، وكانوا نهوه أن يضيف أحدا قط { ~~هؤلآء بناتى } إشارة إلى النساء لأن كل أمة أولاد نبيها رجالهم ~~بنوه ونساؤهم بناته، فكأنه قال لهم هؤلاء بناتي فانكحوهن، وخلوا بني ~~فلا تتعرضوا لهم { إن كنتم فعلين } شك في قبولهم لقوله، كأنه ~~قال إن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون. وقيل إن كنتم تريدون قضاء ~~الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم { لعمرك } على إرادة القول، أي ~~قالت الملائكة للوط عليه السلام لعمرك { إنهم لفى سكرتهم } ~~أي غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين ~~الصواب الذي تشير به عليهم، من ترك البنين إلى البنات { يعمهون } ~~يتحيرون، فكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك، وقيل الخطاب لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له، ~~والعمر والعمر واحد، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه، ~~وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم، ولذلك حذفوا الخبر، وتقديره ~~لعمرك مما أقسم به، كما حذفوا الفعل في قولك بالله. وقرىء «في سكرهم وفي ~~سكراتهم» { الصيحة } صيحة جبريل عليه السلام { مشرقين } داخلين ~~في الشروق وهو بزوع الشمس { من سجيل } قيل من طين، عليه كتاب من ~~السجل، ودليله قوله تعالى # حجارة من طين مسومة عند ربك # الذاريات 33 - 34 أي معلمة بكتاب { للمتوسمين } للمتفرسين ~~المتأملين. وحقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة ~~سمة الشيء. يقال توسمت في فلان كذا، أي عرفت وسمه فيه. والضمير في { ~~عليها سافلها } لقرى قوم لوط { وإنها } وإن هذه القرى ~~يعني آثارها { لبسبيل مقيم } ثابت يسلكه الناس لم ms1017 يندرس بعد، ~~وهم يبصرون تلك الآثار، وهو تنبيه لقريش كقوله # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # الصافات 137. ### || [15.78-79] # { أصحب الأيكة } قوم شعيب { وإنهما } يعني قرى قوم لوط ~~والأيكة. وقيل الضمير للأيكة ومدين، لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما فلما ~~ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما { لبإمام مبين } ~~لبطريق واضح، والإمام اسم لما يؤتم به، فسمي به الطريق ومطمر البناء ~~واللوح الذي يكتب فيه، لأنها مما يؤتم به. ### || [15.80-84] # { أصحب الحجر } ثمود، والحجر واديهم، وهو بين المدينة والشأم { ~~المرسلين } يعني بتكذيبهم صالحا، لأن من كذب واحدا منهم فكأنما ~~كذبهم جميعا، أو أراد صالحا ومن معه من المؤمنين كما قيل الخبيبون في ~~ابن الزبير وأصحابه. وعن جابر 578 مررنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الحجر فقال لنا # " «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين، حذرا أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء " # ثم زجر النبي صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها { ءامنين } ~~لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها، ومن نقب اللصوص ~~ومن الأعداء وحوادث الدهر. أو آمنين من عذاب الله يحسبون أن الجبال ~~تحميهم منه { ما كانوا يكسبون } من بناء البيوت الوثيقة ~~والأموال والعدد. ### || [15.85] # { إلا بالحق } إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة، لا باطلا ~~وعبثا. أو بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال { وإن ~~الساعة لآتية } وإن الله ينتقم لك فيها من أعدائك، ويجازيك ~~وإياهم على حسناتك وسيآتهم فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا ~~لذلك { فاصفح } فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم ~~وإغضاء. وقيل هو منسوخ بآية السيف. ويجوز أن يراد به المخالقة فلا يكون ~~منسوخا. ### || [15.86] # { إن ربك هو الخلق } الذي خلقك وخلقهم، وهو { ~~العليم } بحالك وحالهم، فلا يخفى عليه ما يجري بينكم وهو يحكم بينكم. ~~أو إن ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، وقد علم أن الصفح ~~اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح. وفي مصحف أبي وعثمان إن ربك هو ~~الخالق وهو يصلح للقليل ms1018 والكثير، والخلاق للكثير لا غير، كقولك قطع ~~الثياب. وقطع الثوب والثياب. ### || [15.87] # { سبعا } سبع آيات وهي الفاتحة. أو سبع سور وهي الطوال، واختلف في ~~السابعة فقيل الأنفال وبراءة، لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل ~~بينهما بآية التسمية. وقيل سورة يونس. وقيل هي آل حم، أو سبع صحائف وهي ~~الأسباع. و { المثاني } من التثنية وهي التكرير لأن الفاتحة مما تكرر ~~قراءتها في الصلاة وغيرها، أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على ~~الله، الواحدة مثناة أو مثنية صفة للآية. وأما السور أو الأسباع فلما ~~وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من ~~الثناء، كأنها تثني على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. و «من» ~~إما للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال، وللبيان إذا ~~أردت الأسباع. ويجوز أن يكون كتب الله كلها مثاني، لأنها تثني عليه، ولما ~~فيها من المواعظ المكررة، ويكون القرآن بعضها، فإن قلت كيف صح عطف القرآن ~~العظيم على السبع، وهل هو إلا عطف الشيء على نفسه؟ قلت إذا عنى بالسبع ~~الفاتحة أو الطوال، فما وراءهن ينطلق عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على ~~البعض كما يقع على الكل. ألا ترى إلى قوله { بما أوحينا إليك ~~هذا القرءان } يعني سورة يوسف وإذا عنيت الأسباع فالمعنى ولقد ~~آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي الجامع لهذين ~~النعتين، وهو الثناء أو التثنية والعظم. ### || [15.88-89] # أي لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له { إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم } أصنافا من الكفار. فإن قلت كيف وصل هذا بما قبله؟ ~~قلت يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم قد أوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة ~~وإن عظمت فهي إليها حقيرة ضئيلة، وهي القرآن العظيم فعليك أن تستغني به، ~~ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا. ومنه الحديث 579 # " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " # ، وحديث أبي بكر 580 # " من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد ms1019 صغر ~~عظيما وعظم صغيرا " # وقيل وافت من بصرى وأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير، فيها ~~أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون لو كانت هذه ~~الأموال لنا لتقوينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال لهم الله عز ~~وعلا لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع { ولا تحزن ~~عليهم } أي لا تتمن أموالهم ولا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا فيتقوى ~~بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون، وتواضع لمن معك من فقراء المؤمنين ~~وضعفائهم، وطب نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء { وقل } لهم { إنى ~~أنا النذير المبين } أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل ~~بكم. ### || [15.90-91] # فإن قلت بم تعلق قوله { كمآ أنزلنا }؟ قلت فيه وجهان، أحدهما، أن ~~يتعلق بقوله # ولقد ءاتينك # الحجر 87 أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون { ~~الذين جعلوا القرءان عضين } حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم ~~بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق ~~وباطل، وعضوه. وقيل كانوا يستهزؤن به فيقول بعضهم سورة البقرة لي، ويقول ~~الآخر سورة آل عمران لي، ويجوز أن يراد بالقرآن ما يقرؤنه من كتبهم، وقد ~~اقتسموه بتحريفهم، وبأن اليهود أقرت ببعض التوراة وكذبت ببعض، والنصارى ~~أقرت ببعض الإنجيل وكذبت ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم، وقولهم سحر وشعر وأساطير، بأن غيرهم من ~~الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم. والثاني أن يتعلق بقوله # وقل إنى أنا النذير المبين # الحجر 89 أي وأنذر قريشا مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين، يعني ~~اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنضير، جعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو ~~من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان. ويجوز أن يكون الذين جعلوا ~~القرآن عضين منصوبا بالنذير، أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى ~~سحر وشعر وأساطير، مثل ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشر الذين ~~اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، فقعدوا في كل مدخل متفرقين لينفروا ~~الناس عن الإيمان برسول الله ms1020 صلى الله عليه وسلم، يقول بعضهم لا تغتروا ~~بالخارج منا فإنه ساحر. ويقول الآخر كذاب، والآخر شاعر، فأهلكهم الله يوم ~~بدر وقبله بآفات، كالوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب ~~وغيرهم، أو مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا ~~عليه السلام، والاقتسام بمعنى التقاسم. فإن قلت إذا علقت قوله { كمآ ~~أنزلنا } بقوله # ولقد ءاتينك # الحجر 87 فما معنى توسط # لا تمدن # الحجر 88 إلى آخره بينهما؟ قلت لما كان ذلك تسلية لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن تكذيبهم وعداوتهم، اعترض بما هو مدد لمعنى التسلية من النهي ~~عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم، ومن الأمر بأن يقبل بمجامعه ~~على المؤمنين { عضين } أجزاء، جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة ~~إذا جعلها أعضاء. قال رؤبة # وليس دين الله بالمعضي # وقيل هي فعلة، من عضهته إذا بهته. وعن عكرمة العضة السحر، بلغة قريش، ~~يقولون للساحر عاضهة. 581 ولعن النبي صلى الله عليه وسلم العاضهة ~~والمستعضهة، نقصانها على الأول واو، وعلى الثاني هاء. ### || [15.92-93] # { لنسئلنهم } عبارة عن الوعيد. وقيل يسألهم سؤال تقريع. وعن ~~أبي العالية يسأل العباد عن خلتين عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا ~~المرسلين. ### || [15.94] # { فاصدع بما تؤمر } فاجهر به وأظهره. يقال صدع بالحجة إذا ~~تكلم بها جهارا، كقولك صرح بها، من الصديع وهو الفجر، والصدع في الزجاجة ~~الإبانة. وقيل { فاصدع } فافرق بين الحق والباطل بما تؤمر، والمعنى ~~بما تؤمر به من الشرائع فحذف الجار، كقوله # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # ويجوز أن تكون ما مصدرية، أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول. ### || [15.95-96] # عن عروة بن الزبير في المستهزئين هم خمسة نفر ذوو أسنان وشرف الوليد بن ~~المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، ~~والحرث بن الطلاطلة. وعن ابن عباس رضي الله عنه ماتوا كلهم قبل بدر 582 ~~قال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أكفيكهم، فأومأ ~~إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه ms1021 سهم، فلم ينعطف تعظما لأخذه، ~~فأصاب عرقا في عقبه فقطعه فمات، وأومأ إلى أخمص العاص بن وائل، فدخلت ~~فيها شوكة، فقال لدغت لدغت وانتفخت رجله، حتى صارت كالرحى ومات، وأشار ~~إلى عيني الأسود بن المطلب، فعمى وأشار إلى أنف الحرث بن قيس، فامتخط ~~قيحا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة، فجعل ينطح ~~رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات. ### || [15.97-99] # { بما يقولون } من أقاويل الطاعنين فيك وفي القرآن { فسبح } ~~فافزع فيما نابك إلى الله، والفزع إلى الله هو الذكر الدائم وكثرة ~~السجود، يكفك ويكشف عنك الغم. ودم على عبادة ربك { حتى يأتيك ~~اليقين } أي الموت، أي ما دمت حيا فلا تخل بالعبادة. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 583 # " أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 584 # " من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين ~~والأنصار، والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم " ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة أو نزول العذاب بهم يوم بدر، ~~استهزاء وتكذيبا بالوعد، فقيل لهم { أتى أمر الله } الذي هو ~~بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظرا لقرب وقوعه { فلا تستعجلوه ~~} روي أنه لما نزلت # اقتربت الساعة # القمر 1 قال الكفار فيما بينهم إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا ~~عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا ما نرى شيئا، ~~فنزلت # اقترب للناس حسبهم # الأنبياء 1 فأشفقوا وانتظروا قربها، فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد، ~~ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فنزلت { أتى أمر الله } فوثب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم، فنزلت { فلا ~~تستعجلوه } فاطمأنوا وقرىء «تستعجلوه» بالتاء والياء { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون } تبرأ عز وجل عن أن يكون له ~~شريك، وأن تكون آلهتهم له شركاء، أو عن إشراكهم. على أن «ما» موصولة أو ~~مصدرية، فإن قلت كيف اتصل هذا باستعجالهم؟ قلت لأن استعجالهم استهزاء ms1022 ~~وتكذيب وذلك من الشرك. وقرىء «تشركون»، بالتاء والياء. ### || [16.2] # قرىء «ينزل» بالتخفيف والتشديد وقرىء «تنزل الملائكة» أي تتنزل { ~~بالروح من أمره } بما يحيي القلوب الميتة بالجهل من وحيه، أو ~~بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، و { أن أنذروا } بدل من ~~الروح، أي ينزلهم بأن أنذروا. وتقديره بأنه أنذروا، أي بأن الشأن أقول ~~لكم أنذروا. أو تكون «أن» مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى ~~القول. ومعنى أنذروا { أنه لا إله إلا أنا } أعلموا بأن ~~الأمر ذلك، من نذرت بكذا إذا علمته. والمعنى يقول لهم أعلموا الناس قولي ~~لا إله إلا أنا { فاتقون }. ### || [16.3-4] # ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر، مما لا يقدر عليه غيره ~~من خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وما يصلحه، ومالا بد له من خلق ~~البهائم لأكله وركوبه وجر أثقاله وسائر حاجاته، وخلق ما لا يعلمون من ~~أصناف خلائقه، ومثله متعال عن أن يشرك به غيره. وقرىء «تشركون»، بالتاء ~~والياء { فإذا هو خصيم مبين } فيه معنيان، أحدهما فإذا هو ~~منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم مبين للحجة، بعد ما كان نطفة من مني ~~جمادا لا حس به ولا حركة، دلالة على قدرته. والثاني فإذا هو خصيم لربه، ~~منكر على خالقه، قائل من يحيي العظام وهي رميم، وصفا للإنسان بالإفراط ~~في الوقاحة والجهل، والتمادي في كفران النعمة. وقيل نزلت في أبي بن خلف ~~الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~محمد، أترى الله يحيي هذا بعدما قد رم؟ ### || [16.5] # { الانعم } الأزواج الثمانية، وأكثر ما تقع على الإبل، وانتصابها ~~بمضمر يفسره الظاهر، كقوله # والقمر قدرنه # يس 39 ويجوز أن يعطف على الإنسان، أي خلق الإنسان والأنعام، ثم قال { ~~خلقها لكم } أي ما خلقها إلا لكم ولمصالحكم يا جنس الإنسان والدفء ~~اسم ما يدفأ به، كما أن الملء اسم ما يملأ به، وهو الدفاء من لباس معمول ~~من صوف أو وبر أو شعر. وقرىء «دف»، بطرح الهمزة وإلقاء ms1023 حركتها على الفاء ~~{ ومنفع } هي نسلها ودرها وغير ذلك. فإن قلت تقديم الظرف في قوله ~~{ ومنها تأكلون } مؤذن بالاختصاص، وقد يؤكل من غيرها. قلت الأكل ~~منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم. وأما الأكل من غيرها من ~~الدجاج والبط وصيد البر والبحر فكغير المعتد به وكالجاري مجرى التفكه، ~~ويحتمل أن طعمتكم منها، لأنكم تحرثون بالبقر فالحب والثمار التي ~~تأكلونها منها وتكتسبون بإكراء الإبل وتبيعون نتاجها وألبانها وجلودها. ### || [16.6] # من الله بالتجمل بها كما من بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب ~~المواشي، بل هو من معاظمها لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي وسرحوها ~~بالغداة - فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية وتجاوب فيها الثغاء والرغاء - ~~أنست أهلها وفرحت أربابها، وأجلتهم في عيون الناظرين إليها، وكسبتهم ~~الجاه والحرمة عند الناس. ونحوه # لتركبوها وزينة # النحل 8، # يواري سوآتكم وريشا # الأعراف 26. فإن قلت لم قدمت الإراحة على التسريح؟ قلت لأن الجمال في ~~الإراحة أظهر، إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع، ثم أوت إلى الحظائر ~~حاضرة لأهلها. وقرأ عكرمة «حينا تريحون وحينا تسرحون» على أن { ~~تريحون وتسرحون } وصف للحين. والمعنى تريحون فيه وتسرحون فيه، كقوله ~~تعالى # واخشوا يوما لا يجزى والد # لقمان 33. ### || [16.7] # قرىء «بشق الأنفس»، بكسر الشين وفتحها. وقيل هما لغتان في معنى المشقة، ~~وبينهما فرق وهي أن المفتوح مصدر شق الأمر عليه شقا، وحقيقته راجعة إلى ~~الشق الذي هو الصدع. وأما الشق فالنصف، كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من ~~الجهد. فإن قلت ما معنى قوله { لم تكونوا بلغيه } كأنهم ~~كانوا زمانا يتحملون المشاق في بلوغه حتى حملت الإبل أثقالهم. قلت معناه ~~وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه في التقدير لو لم تخلق الإبل إلا ~~بجهد أنفسكم، لا أنهم لم يكونوا بالغيه في الحقيقة. فإن قلت كيف طابق ~~قوله { لم تكونوا بلغيه } قوله { وتحمل أثقالكم ~~} وهلا قيل لم تكونوا حامليها إليه؟ قلت طباقه من حيث أن معناه وتحمل ~~أثقالكم إلى بلد بعيد قد علمتم أنكم لا تبلغونه بأنفسكم إلا بجهد ومشقة، ~~فضلا أن تحملوا على ظهوركم ms1024 أثقالكم. ويجوز أن يكون المعنى لم تكونوا ~~بالغيه بها إلا بشق الأنفس. وقيل أثقالكم أجرامكم. وعن عكرمة البلد مكة { ~~لرؤوف رحيم } حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح. ### || [16.8] # { والخيل والبغال والحمير } عطف على الأنعام، أي وخلق ~~هؤلاء للركوب والزينة، وقد احتج على حرمة أكل لحومهن بأن علل خلقها ~~بالركوب والزينة، ولم يذكر الأكل بعد ما ذكره في الأنعام. فإن قلت لم ~~انتصب { وزينة }؟ قلت لأنه مفعول له، وهو معطوف على محل لتركبوها. ~~فإن قلت فهلا ورد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد؟ قلت لأن الركوب ~~فعل المخاطبين، وأما الزينة ففعل الزائن وهو الخالق. وقرىء «لتركبوها ~~زينة»، بغير واو، أي وخلقها زينة لتركبوها. أو تجعل زينة حالا منها، أي ~~وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال { ويخلق ما لا تعلمون } يجوز ~~أن يريد به ما يخلق فينا ولنا مما لا نعلم كنهه وتفاصيله ويمن علينا ~~بذكره كما من بالأشياء المعلومة مع الدلالة على قدرته. ويجوز أن يخبرنا ~~بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به، ليزيدنا دلالة على اقتداره بالإخبار ~~بذلك، وإن طوى عنا علمه لحكمة له في طيه، وقد حمل على ما خلق في الجنة ~~والنار، مما لم يبلغه وهم أحد، ولا خطر على قلبه. ### || [16.9] # المراد بالسبيل الجنس، ولذلك أضاف إليها القصد وقال { ومنها جائر ~~} والقصد مصدر بمعنى الفاعل وهو القاصد. يقال سبيل قصد وقاصد، أي مستقيم، ~~كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه. ومعنى قوله { وعلى ~~الله قصد السبيل } أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة ~~عليه، كقوله # إن علينا للهدى # الليل 12. فإن قلت لم غير أسلوب الكلام في قوله { ومنها جائر }؟ ~~قلت ليعلم ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان الأمر ~~كما تزعم المجبرة لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه ~~الجائر. وقرأ عبد الله «ومنكم جائر» يعني ومنكم جائر جار عن القصد بسوء ~~اختياره، والله بريء منه { ولو شآء لهداكم أجمعين } قسرا ~~وإلجاء. ### || [16.10-11] # { لكم } متعلق بأنزل، ms1025 أو بشراب، خبرا له. والشراب ما يشرب { شجر ~~} يعني الشجر الذي ترعاه المواشي. وفي حديث عكرمةp> 585> لا تأكلوا ثمن ~~الشجر فإنه سحت. يعني الكلأ { تسيمون } من سامت الماشية إذا رعت، فهي ~~سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي ~~علامات في الأرض. وقرىء ««ينبت»، بالياء والنون. فإن قلت لم قيل { ومن ~~كل الثمرت }؟ قلت لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما ~~أنبت في الأرض بعض من كلها للتذكرة { يتفكرون } ينظرون فيستدلون ~~بها عليه وعلى قدرته وحكمته. والآية الدلالة الواضحة. وعن بعضهم ينبت ~~بالتشديد. وقرأ أبي بن كعب «ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب»، بالرفع. ### || [16.12] # قرئت كلها بالنصب على وجعل النجوم مسخرات أو على أن معنى تسخيرها للناس ~~تصييرها نافعة لهم، حيث يسكنون بالليل، ويبتغون من فضله بالنهار، ويعلمون ~~عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ويهتدون بالنجوم. فكأنه قيل ~~ونفعكم بها في حال كونها مسخرات لما خلقن له بأمره. ويجوز أن يكون المعنى ~~أنه سخرها أنواعا من التسخير جمع مسخر، بمعنى تسخير، من قولك سخره الله ~~مسخرا، كقولك سرحه مسرحا، كأنه قيل وسخرها لكم تسخيرات بأمره. وقرىء ~~بنصب «الليل والنهار» وحدهما، ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر. وقرىء ~~«والنجوم مسخرات»، بالرفع، وما قبله بالنصب، وقال { إن فى ذلك ~~لآيت لقوم يعقلون } فجمع الآية. وذكر العقل لأن الآثار ~~العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. ### || [16.13] # { وما ذرأ لكم } معطوف على الليل والنهار يعني ما خلق فيها من ~~حيوان وشجر وثمر وغير ذلك مختلف الهيآت والمناطر. ### || [16.14] # { لحما طريا } هو السمك، ووصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه، ~~فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه. فإن قلت ما بال الفقهاء قالوا إذا حلف ~~الرجل لا يأكل لحما، فأكل سمكا، لم يحنث. والله تعالى سماه لحما كما ~~ترى؟ قلت مبنى الأيمان على العادة، وعادة الناس إذا ذكر اللحم على ~~الإطلاق أن لا يفهم منه السمك، وإذا قال الرجل لغلامه اشتر بهذه الدراهم ~~لحما فجاء بالسمك، ms1026 كان حقيقا بالإنكار. ومثاله أن الله تعالى سمى ~~الكافر دابة في قوله إن شر الدواب عند الله الذين كفروا، فلو حلف حالف ~~لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث. { حلية } هي اللؤلؤ والمرجان. ~~والمراد بلبسهم لبس نسائهم، لأنهن من جملتهم، ولأنهن إنما يتزين بها ~~من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم. المخر شق الماء بحيزومها. وعن الفراء ~~هو صوت جري الفلك بالرياح. وابتغاء الفضل التجارة. ### || [16.15-16] # { أن تميد بكم } كراهة أن يميل بكم وتضطرب والمائد الذي يدار به ~~إذا ركب البحر. قيل خلق الله الأرض فجعلت تمور، فقالت الملائكة ما هي ~~بمقر أحد على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال، لم تدر الملائكة مم ~~خلقت { وأنهرا } وجعل فيها أنهارا، لأن { وألقى } فيه معنى ~~جعل ألا ترى إلى قوله # ألم نجعل الأرض مهدا والجبال أوتادا # النبأ 6. { وعلامت } هي معالم الطرق وكل ما تستدل به السابلة من ~~جبل ومنهل وغير ذلك. والمراد بالنجم الجنس، كقولك كثر الدرهم في أيدي ~~الناس. وعن السدي هو الثريا، والفرقدان وبنات نعش، والجدي. وقرأ الحسن ~~«وبالنجم»، بضمتين، وبضمة وسكون، وهو جمع نجم، كرهن ورهن، والسكون تخفيف. ~~وقيل حذف الواو من النجوم تخفيفا. فإن قلت قوله { وبالنجم هم ~~يهتدون } مخرج عن سنن الخطاب، مقدم فيه «النجم»، مقحم فيه «هم»، ~~كأنه قيل وبالنجم خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون، فمن المراد ب { هم }؟ ~~قلت كأنه أراد قريشا كان لهم اهتداء بالنجوم في مسايرهم، وكان لهم بذلك ~~علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم، والاعتبار ألزم لهم، ~~فخصصوا. ### || [16.17] # فإن قلت { من لا يخلق } أريد به الأصنام، فلم جيء بمن الذي هو ~~لأولي العلم؟ قلت فيه أوجه، أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها، فأجروها مجرى ~~أولي العلم. ألا ترى إلى قوله على أثره # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون # النحل 20 والثاني المشاكلة بينه وبين من يخلق. والثالث أن يكون المعنى ~~أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم، فكيف بما لا علم عنده كقوله # ألهم أرجل يمشون ms1027 بها # الأعراف 195 يعني أن الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان ~~وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة؟ لا أنها لو ~~صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. فإن قلت هو إلزام للذين عبدوا ~~الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله، فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق، ~~فكان حق الإلزام أن يقال لهم أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ قلت حين جعلوا غير ~~الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له وسووا بينه وبينه، فقد جعلوا ~~الله تعالى من جنس المخلوقات وشبيها بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله { ~~أفمن يخلق كمن لا يخلق }. ### || [16.18-19] # { لا تحصوها } لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلا أن تطيقوا ~~القيام بحقها من أداء الشكر، أتبع ذلك ما عدد من نعمه تنبيها على أن ~~وراءها ما لا ينحصر ولا ينعد { إن الله لغفور رحيم } حيث ~~يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعمة، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم، ولا ~~يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها { والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون } من أعمالكم، وهو وعيد. ### || [16.20-21] # { والذين يدعون } والآلهة الذين يدعوهم الكفار { من دون ~~الله } وقرىء بالتاء. وقرىء «يدعون»، على البناء للمفعول، نفى عنهم ~~خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، ~~وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب. ~~ومعنى { أموت غير أحياء } أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة ~~لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليها الموت كالحي الذي لا يموت ~~وأمرهم على العكس من ذلك. والضمير في { يبعثون } للداعين، أي لا ~~يشعرون متى تبعث عبدتهم. وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت ~~بعثهم، فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم. وفيه دلالة على أنه لا ~~بد من البعث وأنه من لوازم التكليف. ووجه آخر وهو أن يكون المعنى أن ~~الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير، وهم لا يقدرون على نحو ذلك، فهم أعجز من ~~عبدتهم أموات جمادات لا حياة فيها، غير أحياء يعني أن من الأموات ما ms1028 ~~يعقب موته حياة، كالنطف التي ينشئها الله حيوانا وأجساد الحيوان التي ~~تبعث بعد موتها. وأما الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة، وذلك أعرق في ~~موتها { وما يشعرون أيان يبعثون } أي وما يعلم هؤلاء ~~الآلهة متى تبعث الأحياء تهكم بحالها، لأن شعور الجماد محال، فكيف بشعور ~~ما لا يعلمه حي إلا الحي القيوم سبحانه. ووجه ثالث وهو أن يراد بالذين ~~يدعون الملائكة، وكان ناس منهم يعبدونهم، وأنهم أموات أي لا بد لهم من ~~الموت، غير أحياء غير باقية حياتهم. وما يشعرون ولا علم لهم بوقت بعثهم. ~~وقرىء «إيان»، بكسر الهمزة. ### || [16.22-23] # { إلهكم إله وحد } يعني أنه قد ثبت بما تقدم من إبطال ~~أن تكون الإلهية لغيره، وأنها له وحده لا شريك له فيها، فكان من نتيجة ~~ثبات الوحدانية ووضوح دليلها استمرارهم على شركهم، وأن قلوبهم منكرة ~~للوحدانية، وهم مستكبرون عنها وعن الإقرار بها { لا جرم } حقا { ~~أن الله يعلم } سرهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو وعيد { أنه ~~لا يجب1649;لمستكبرين } يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد ~~يعني المشركين. ويجوز أن يعم كل مستكبر. ويدخل هؤلاء تحت عمومه. ### || [16.24-25] # { ماذآ } منصوب بأنزل، بمعنى أي شيء { أنزل ربكم } أو مرفوع ~~بالابتداء بمعنى أي شيء أنزله ربكم، فإذا نصبت فمعنى { أسطير ~~الأولين } ما يدعون نزوله أساطير الأولين، وإذا رفعته فالمعنى ~~المنزل أساطير الأولين، كقوله # ماذا ينفقون قل العفو # البقرة 219 فيمن رفع. فإن قلت هو كلام متناقض، لأنه لا يكون منزل ربهم ~~وأساطير؟ قلت هو على السخرية كقوله # إن رسولكم # الشعراء 27 وهو كلام بعضهم لبعض، أو قول المسلمين لهم، وقيل هو قول ~~المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قالوا أحاديث الأولين وأباطيلهم { ليحملوا أوزارهم } أي ~~قالوا ذلك إضلالا للناس وصدا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحملوا ~~أو زاد ضلالهم { كاملة } وبعض أوزار من ضل بضلالهم، وهو وزر ~~الإضلال، لأن المضل والضال شريكان هذا يضله، ms1029 وهذا يطاوعه على إضلاله، ~~فيتحاملان الوزر، ومعنى اللام التعليل من غير أن يكون غرضا، كقولك خرجت ~~من البلد مخافة الشر { بغير علم } حال من المعفول أي يضلون من لا ~~يعلم أنهم ضلال وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم ~~لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز المحق والمبطل. ### || [16.26-29] # القواعد أساطين البناء التي تعمده. وقيل الأساس وهذا تمثيل، يعني أنهم ~~سووا منصوبات ليمكروا بها الله ورسوله، فجعل الله هلاكهم في تلك ~~المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من ~~الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا. ونحوه من حفر لأخيه جبا ~~وقع فيه منكبا. وقيل هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة ~~آلاف ذراع. وقيل فرسخان، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا. ~~ومعنى إتيان الله إتيان أمره { من القواعد } من جهة القواعد { ~~من حيث لا يشعرون } من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون. وقرىء ~~«فأتى الله بيتهم». «فخر عليهم السقف»، بضمتين { يخزيهم } يذلهم ~~بعذاب الخزي # ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته # آل عمران 192 يعني هذا لهم في الدنيا، ثم العذاب في الآخرة { ~~شركائى } على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها على ~~طريق الاستهزاء بهم { تشقون فيهم } تعادون وتخاصمون المؤمنين ~~في شأنهم ومعناهم. وقرىء «تشاقون»، بكسر النون، بمعنى تشاقونني لأن ~~مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله { قال الذين أوتوا العلم } ~~هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ~~ويعظونهم، فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم، يقولون ذلك شماتة ~~بهم وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفا لمن سمعه. وقيل هم الملائكة قرىء ~~«تتوفاهم»، بالتاء والياء. وقرىء «الذين توفاهم»، بإدغام التاء في التاء ~~{ فألقوا السلم } فسالموا وأخبتوا، وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه ~~في الدنيا من الشقاق والكبر، وقالوا { ما كنا نعمل من سوء } ~~وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان، فرد عليهم أولو العلم { إن ~~الله عليم بما كنتم تعملون } فهو يجازيكم عليه، وهذا ~~أيضا من الشماتة ms1030 وكذلك { فادخلوا أبواب جهنم }. ### || [16.30-32] # { خيرا } أنزل خيرا فإن قلت لم نصب هذا ورفع الأول؟ قلت فصلا بين ~~جواب المقر وجواب الجاحد، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا، وأطبقوا ~~الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال، فقالوا خيرا أي أنزل ~~خيرا، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير الأولين، وليس ~~من الإنزال في شيء. وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من ~~يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون ~~وأمروه بالانصراف وقالوا إن لم تلقه كان خيرا لك، فيقول أنا شر وافد إن ~~رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه، فيلقى أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه، وأنه نبي مبعوث، فهم الذين قالوا خيرا. ~~وقوله { للذين أحسنوا } وما بعده بدل من خيرا، حكاية لقوله { ~~للذين اتقوا } أي قالوا هذا القول، فقدم عليه تسميته خيرا ثم ~~حكاه. ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين، ويجعل قولهم من جملة ~~إحسانهم ويحمدوه عليه { حسنة } مكافأة في الدنيا بإحسانهم، ولهم في ~~الآخرة ما هو خير منها، كقوله # فاتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة # آل عمران 148 { ولنعم دار المتقين } دار الآخرة، فحذف ~~المخصوص بالمدح لتقدم ذكره. و { جنت عدن } خبر مبتدأ محذوف ~~ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح { طيبين } طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر ~~والمعاصي. لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم { يقولون سلم عليكم ~~} قيل إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فقال السلام عليك يا ~~ولي الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة. ### || [16.33-34] # { تأتيهم الملئكة } قرىء بالتاء والياء، يعني أن تأتيهم ~~لقبض الأرواح. و { أمر ربك } العذاب المستأصل، أو القيامة { ~~كذلك } أي مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب { فعل الذين من ~~قبلهم وما ظلمهم الله } بتدميرهم { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير { ~~سيئات ما علموا } جزاء سيئات أعمالهم. أو هم كقوله # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40. ### || [16.35] # هذا من جملة ما عدد من أصناف كفرهم ms1031 وعنادهم، من شركهم بالله وإنكار ~~وحدانيته بعد قيام الحجج وإنكار البعث واستعجاله، استهزاء منهم به ~~وتكذيبهم الرسول، وشقاقهم، واستكبارهم عن قبول الحق، يعني أنهم أشركوا ~~بالله وحرموا ما أحل الله، من البحيرة والسائبة وغيرهما، ثم نسبوا فعلهم ~~إلى الله وقالوا لو شاء لم نفعل، وهذا مذهب المجبرة بعينه { كذلك ~~فعل الذين من قبلهم } أي أشركوا وحرموا حلال الله فلما ~~نبهوا على قبح فعلهم وركوه على ربهم { فهل على الرسل } إلا أن ~~يبلغوا الحق، وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان، ويطلعوا ~~على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد، وأنهم فاعلوها ~~بقصدهم وإرادتهم واختيارهم والله تعالى باعثهم على جميلها وموفقهم له، ~~وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه. ### || [16.36] # ولقد أمد إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم ~~رسولا يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله، وباجتناب الشر الذي ~~هو طاعة الطاغوت { فمنهم من هدى الله } أي لطف به لأنه عرفه ~~من أهل اللطف { ومنهم من حقت عليه الضللة } أي ~~ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف، لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي ~~منه خير { فسيروا فى الأرض فانظروا } ما فعلت بالمكذبين حتى ~~لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه، حيث أفعل ما أفعل ~~بالأشرار. ### || [16.37] # ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمانهم، ~~وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة، وأنه { لا يهدى من يضل ~~} أي لا يلطف بمن يخذل، لأنه عبث، والله تعالى متعال عن العبث لأنه من ~~قبيل القبائح التي لا تجوز عليه. وقرىء «لا يهدى» أي لا تقدر أنت ولا ~~أحد على هدايته وقد خذله الله. وقوله { وما لهم من نصرين } ~~دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان الذي هو نقيض النصرة. ويجوز أن ~~يكون { لا يهدى } بمعنى لا يهتدي. يقال هداه الله فهدى. وفي قراءة ~~أبي «فإن الله لا هادي لمن يضل، ولمن أضل»، وهي معاضدة لمن قرأ «لا ms1032 ~~يهدي» على البناء للمفعول. وفي قراءة عبد الله «يهدي»، بإدغام تاء يهتدي، ~~وهي معاضدة للأولى. وقرىء «يضل» بالفتح. وقرأ النخعي «إن تحرص»، بفتح ~~الراء، وهي لغية. ### || [16.38-39] # { وأقسموا بالله } معطوف على # وقال الذين أشركوا # النحل 35 إيذانا بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان، حقيقتان بأن تحكيا ~~وتدونا توريك ذنوبهم على مشيئة الله، وإنكارهم البعث مقسمين عليه. و { ~~بلى } إثبات لما بعد النفي، أي بلى يبعثهم. ووعد الله مصدر مؤكد لما ~~دل عليه بلى، لأن يبعث موعد من الله، وبين أن الوفاء بهذا الموعد حق ~~واجب عليه في الحكمة { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } ~~أنهم يبعثون أو أنه وعد واجب على الله لأنهم يقولون لا يجب على الله شيء، ~~لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة { ليبين لهم } متعلق بما ~~دل عليه «بلى» أي يبعثهم ليبين لهم. والضمير لمن يموت، وهو عام للمؤمنين ~~والكافرين، والذين اختلفوا فيه هو الحق { وليعلم الذين ~~كفروا أنهم } كذبوا في قولهم لو شاء الله ما عبدنا من دونه من ~~شيء، وفي قولهم لا يبعث الله من يموت. وقيل يجوز أن يتعلق بقوله # ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا # النحل 36 أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة ~~قبله، مفترين على الله الكذب. ### || [16.40] # { قولنا } مبتدأ، و { إن نقول } خبره. { كن فيكون } من ~~كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود، أي إذا أردنا وجود شيء فليس إلا ~~أن نقول له احدث، فهو يحدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل لأن مرادا لا ~~يمتنع عليه، وأن وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف، كوجود المأمور به ~~عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول ثم. ~~والمعنى أن إيجاد كل مقدور على الله تعالى بهذه السهولة، فكيف يمتنع ~~عليه البعث الذي هو من شق المقدورات. وقرىء «فيكون»، عطفا على { ~~نقول }. ### || [16.41-42] # { والذين هجروا } هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله، منهم من هاجر إلى الحبشة ثم ms1033 إلى ~~المدينة فجمع بين الهجرتين. ومنهم من هاجر إلى المدينة. وقيل هم الذين ~~كانوا محبوسين معذبين بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلما ~~خرجوا تبعوهم فردوهم منهم بلال، وصهيب، وخباب، وعمار. وعن صهيب أنه قال ~~لهم أنا رجل كبير، إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم، ~~فافتدى منهم بماله وهاجر، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال له ربح ~~البيع يا صهيب. وقال له عمر نعم الرجل صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، وهو ~~ثناء عظيم يريد لو لم يخلق الله نارا لأطاعه، فكيف { فى الله } في ~~حقه ولوجهه { حسنة } صفة للمصدر، أي لنبوأنهم تبوئة حسنة. وفي قراءة ~~علي رضي الله عنه. «لنثوينهم» ومعناه أثوأة حسنة. وقيل لننزلهم في ~~الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم، وعلى العرب ~~قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب. وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى ~~رجلا من المهاجرين عطاء قال خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك ربك في ~~الدنيا. وما ذخر لك في الآخرة أكثر وقيل لنبوأنهم مباءة حسنة وهي ~~المدينة، حيث آواهم أهلها ونصروهم { لو كانوا يعلمون } الضمير ~~للكفار، أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم الدنيا ~~والآخرة، لرغبوا في دينهم. ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين، أي لو ~~كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم { الذين صبروا } على ~~هم الذين صبروا. أو أعني الذين صبروا، وكلاهما مدح، أي صبروا على العذاب ~~وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب، فكيف بقلوب قوم ~~هو مسقط رؤسهم، وعلى المجاهدة وبذل الأرواح في سبيل الله. ### || [16.43-44] # قالت قريش الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فقيل { وما أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم } على ألسنة الملائكة { ~~فاسئلوا أهل الذكر } وهم أهل الكتاب، ليعلموكم أن الله لم ~~يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرا. فإن قلت بم تعلق قوله { ~~بالبينت }؟ قلت له متعلقات شتى، فأما أن يتعلق ms1034 بما أرسلنا ~~داخلا تحت حكم الاستثناء مع رجالا أي وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، ~~كقولك ما ضربت إلا زيدا بالسوط لأن أصله ضربت زيدا بالسوط وإما برجالا، ~~صفة له أي رجالا ملتبسين بالبينات. وإما بأرسلنا مضمرا، كأنما قيل بما ~~أرسلوا؟ فقلت بالبينات، فهو على كلامين، والأول على كلام واحد، وإما ~~بيوحي، أي يوحي إليهم بالبينات. وإما بلا تعلمون، على أن الشرط في معنى ~~التبكيت والإلزام، كقول الأجير إن كنت عملت لك فأعطني حقي. وقوله { ~~فاسئلوا أهل الذكر } اعتراض على الوجوه المتقدمة، وأهل الذكر ~~أهل الكتاب. وقيل للكتاب الذكر لأنه موعظة وتنبيه للغافلين { ما نزل ~~إليهم } يعني ما نزل الله إليهم في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه ~~ووعدوا وأوعدوا { ولعلهم يتفكرون } وإرادة أن يصغوا إلى ~~تنبيهاته فيتنبهوا ويتأملوا. ### || [16.45-47] # { مكروا السيئات } أي المكرات السيئات، وهم أهل مكة، وما مكروا ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم { فى تقلبهم } متقلبين في ~~مسايرهم ومتاجرهم وأسباب دنياهم { على تخوف } متخوفين، وهو أن ~~يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأخذهم بالعذاب وهم متخوفون متوقعون، وهو ~~خلاف قوله { من حيث لا يشعرون } وقيل هو من قولك تخوفنه ~~وتخونته، إذا تنقصته قال زهير # تخوف الرحل منها تامكا قردا كما تخوف عود ~~النبعة السفن # أي يأخذهم على أن يتنقصهم شيئا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا. ~~وعن عمر رضي الله عنه. أنه قال على المنبر ما تقولون فيها؟ فسكتوا فقام ~~شيخ من هذيل فقال هذه لغتنا التخوف التنقص. قال فهل تعرف العرب ذلك في ~~أشعارها؟ قال نعم، قال شاعرنا. وأنشد البيت. فقال عمر أيها الناس، عليكم ~~بديوانكم لا يضل. قالوا وما ديواننا؟ قال شعر الجاهلية فإن فيه تفسير ~~كتابكم { فإن ربكم لرءوف رحيم } حيث يحلم عنكم، ولا ~~يعاجلكم مع استحقاقكم. ### || [16.48] # قرىء «أو لم يروا» و «يتفيؤا» بالياء والتاء. و { ما } موصولة بخلق ~~الله، وهو مبهم بيانه { من شىء يتفيؤا ظلله } واليمين، ~~بمعنى الأيمان. و { سجدا } حال من الظلال. { وهم دخرون } حال ~~من الضمير في ظلاله، لأنه في ms1035 معنى الجمع وهو ما خلق الله من كل شيء له ~~ظل، وجمع بالواو، لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من ~~يعقل فغلب. والمعنى أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال ~~متفيئة عن إيمانها وشمائلها، أي عن جانبي كل واحد منها. وشقيه استعارة من ~~يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب ~~منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في ~~أنفسها داخرة أيضا، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها، لا تمتنع. ### || [16.49-50] # { من دابة } يجوز أن يكون بيانا لما في السموات وما في الأرض ~~جميعا، على أن في السموات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في ~~الأرض، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات الخلق ~~الذي يقال له الروح، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده، ويراد بما في ~~السموات الملائكة وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصا من بين الساجدين ~~لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم. ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن. ~~وبقوله والملائكة ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، فإن قلت سجود المكلفين ~~مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم، فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ ~~قلت المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم انقياده لإرادة ~~الله وأنها غير ممتنعة عليها، وكلا السجودين يجمعها معنى الانقياد فلم ~~يختلفا، فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قلت فهلا جيء بمن دون ~~«ما» تغليبا للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ قلت لأنه لوجيء بمن لم يكن فيه ~~دليل على التغليب، فكان متناولا للعقلاء خاصة، فجيء بما هو صالح للعقلاء ~~وغيرهم، إرادة العموم { يخافون } يجوز أن يكون حالا من الضمير في { ~~لا يستكبرون } أي لا يستكبرون خائفين، وأن يكون بيانا لنفي ~~الاستكبار وتأكيدا له، لأن من خاف الله لم يستبكر عن عبادته { من ~~فوقهم } إن علقته بيخافون، فمعناه يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من ~~فوقهم، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه يخافون ربهم عاليا ms1036 لهم قاهرا، ~~كقوله # وهو القاهر فوق عباده # الأنعام 18، 61، # وإنا فوقهم قهرون # الأعراف 127 وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي ~~والوعد والوعيد كسائر المكلفين، وأنهم بين الخوف والرجاء. ### || [16.51] # فإن قلت إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، ~~فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة لأن المعدود عار عن الدلالة على ~~العدد الخاص. وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان، فمعدودان فيهما دلالة على ~~العدد، فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله إلهين ~~اثنين؟ قلت الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على ~~الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، ~~والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه ~~والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت إنما هو إله، ولم تؤكده بواحد لم يحسن، ~~وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية { فإيي فارهبون } نقل ~~للكلام عن الغيبة إلى التكلم، وجاز لأن الغالب هو المتكلم، وهو من طريقة ~~الالتفات، وهو أبلغ في الترهيب من قوله وإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما ~~قبله على لفظ المتكلم. ### || [16.52] # { الدين } الطاعة { واصبا } حال عمل فيه الظرف. والواصب الواجب ~~الثابت لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه. ويجوز أن ~~يكون من الوصب، أي وله الدين ذا كلفة ومشقة، ولذلك سمي تكليفا. أو وله ~~الجزاء ثابتا دائما سرمدا لا يزول، يعني الثواب والعقاب. ### || [16.53-55] # { وما بكم من نعمة } وأي شيء حل بكم، أو اتصل بكم من نعمة، ~~فهو من الله { فإليه تجئرون } فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار رفع ~~الصوت بالدعاء والاستغاثة. قال الأعشى يصف راهبا # يراوح من صلوات الملي ك طورا سجودا ~~وطورا جؤارا # وقرىء «تجرون»، بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم. وقرأ قتادة «كاشف ~~الضر» على فاعل بمعنى فعل، وهو أقوى من كشف لأن بناء المغالبة يدل على ~~المبالغة. فإن قلت فما معنى قوله { إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون }؟ قلت يجوز أن يكون الخطاب في ms1037 قوله { وما بكم من ~~نعمة فمن الله } عاما، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن يكون ~~الخطاب للمشركين ومنكم للبيان، لا للتبعيض، كأنه قال فإذا فريق كافر، وهم ~~أنتم. ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله # فلما نجهم إلى البر فمنهم مقتصد # لقمان 32 { ليكفروا بمآ ءاتينهم } من نعمة الكشف عنهم، ~~كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة { فتمتعوا فسوف ~~تعلمون } تخلية ووعيد. وقرىء «فيمتعوا»، بالياء مبنيا للمفعول، ~~عطفا على { ليكفروا } ويجوز أن يكون ليكفروا فيمتعوا، من الأمر ~~الوارد في معنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر. ### || [16.56] # { لما لا يعلمون } أي لآلهتهم. ومعنى لا يعلمونها أنه يسمونها ~~آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله، وليس كذلك. وحقيقتها ~~أنها جماد لا يضر ولا ينفع، فهم إذا جاهلون بها، وقيل الضمير في { لا ~~يعلمون } للآلهة. أي لأشياء غير موصوفة بالعلم، ولا تشعر أجعلوا لها ~~نصيبا في أنعامهم وزروعهم أم لا؟ وكانوا يجعلون لهم ذلك تقربا إليهم { ~~لتسئلن } وعيد { عما كنتم تفترون } من الإفك في ~~زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها. ### || [16.57-59] # كانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله { سبحنه } تنزيه ~~لذاته من نسبة الوالد إليه. أو تعجب من قولهم { ولهم ما ~~يشتهون } يعني البنين. ويجوز في { ما يشتهون } الرفع على ~~الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفا على البنات، أي وجعلوا لأنفسهم ما ~~يشتهون من الذكور. و { ظل } بمعنى صار كما يستعمل بات وأصبح وأمسى ~~بمعنى الصيرورة. ويجوز أن يجيء ظل لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، فيظل ~~نهاره مغتما مربد الوجه من الكآبة والحياء من الناس { وهو كظيم } ~~مملوء حنقا على المرأة { يتوارى من القوم } يستخفي منهم { ~~من } أجل { سوء } المبشر به، ومن أجل تعييرهم، ويحدث نفسه وينظر أيمسك ~~ما بشر به { على هون } على هوان وذل { أم يدسه فى ~~التراب } أم يئده. وقرىء «أيمسكها على هون أم يدسها»، على التأنيث. ~~وقرىء «على هوان» { ألا سآء ما يحكمون } حيث يجعلون الولد الذي ~~هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس ms1038 هذا الوصف. ### || [16.60] # { مثل السوء } صفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكرهة ~~الإناث ووأدهن خشية الإملاق، وإقرارهم على أنفسهم بالشح البالغ { ~~ولله المثل الأعلى } وهو الغني عن العالمين، والنزاهة عن ~~صفات المخلوقين وهو الجواد الكريم. ### || [16.61] # { بظلمهم } بكفرهم ومعاصيهم { ما ترك عليها } أي على ~~الأرض { من دابة } قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين. وعن أبي ~~هريرة أنه سمع رجلا يقول إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال بلى والله، ~~حتى أن الحباري لتموت في وكرها بظلم الظالم. وعن ابن مسعود كاد الجعل ~~يهلك في جحره بذنب ابن آدم. أو من دابة ظالمة. وعن ابن عباس { من ~~دابة } من مشرك يدب عليها. وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن ~~الأبناء. ### || [16.62] # { ويجعلون لله ما يكرهون } لأنفسهم من البنات ومن شركاء ~~في رياستهم، ومن الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم. ويجعلون له أرذل ~~أموالهم ولأصنامهم أكرمها { وتصف ألسنتهم } مع ذلك { أن ~~لهم الحسنى } عند الله كقوله # ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى # فصلت 50. وعن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة ~~إذا قال الله تعالى هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم، فيؤتى بالدواب ~~والثياب وأنواع الأموال الفاخرة. وإذا قال هاتوا ما دفع إلي فيؤتى ~~بالكسر والخرق وما لا يؤبه له، أما تستحي من ذلك الموقف؟ وقرأ هذه الآية ~~وعن مجاهد «أن لهم الحسنى». هو قول قريش لنا البنون، وأن لهم الحسنى بدل ~~من الكذب. وقرىء «الكذب» جمع كذوب، صفة للألسنة { مفرطون } قرىء ~~مفتوح الراء ومكسورها مخففا ومشددا، فالمفتوح بمعنى مقدمون إلى النار ~~معجلون إليها، من أفرطت فلانا، وفرطته في طلب الماء، إذا قدمته. وقيل ~~منسيون متروكون، من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته. والمكسور ~~المخفف، من الإفراط في المعاصي. والمشدد. من التفريط في الطاعات وما ~~يلزمهم. ### || [16.63] # { فهو وليهم اليوم } حكاية الحال الماضية التي كان يزين ~~لهم الشيطان أعمالهم فيها. أو فهو وليهم في الدنيا فجعل اليوم عبارة عن ~~زمان الدنيا. ومعنى { وليهم } قرينهم وبئس القرين. أو ms1039 يجعل { ~~فهو وليهم اليوم } حكاية للحال الآتية، وهي حال كونهم ~~معذبين في النار، أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره نفيا للناصر لهم ~~على أبلغ الوجوه ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، و أنه زين للكفار ~~قبلهم أعمالهم، فهو ولي وهؤلاء لأنهم منهم. ويجوز أن يكون على حذف ~~المضاف، أي فهو ولي أمثالهم اليوم. ### || [16.64-65] # { وهدى و رحمة } معطوفان على محل { لتبين } إلا أنهما ~~انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب. ودخل اللام ~~على لتبين لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل. وإنما ينتصب مفعولا له ما ~~كان فعل فاعل الفعل المعل. والذي اختلفوا فيه البعث لأنه كان فيهم من ~~يؤمن به، ومنهم عبد المطلب، وأشياء من التحريم والإنكار والإقرار { ~~لقوم يسمعون } سماع إنصاف وتدبر لأن من لم يسمع بقلبه، فكأنه ~~أصم لا يسمع. ### || [16.66] # ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على ~~أفعال، كقولهم ثوب أكياش ولذلك رجع الضمير إليه مفردا. وأما # فى بطونها # المؤمنون 21 في سورة المؤمنين فلأن معناه الجمع. ويجوز أن يقال في ~~الأنعام وجهان، أحدهما أن يكون تكسير نعم كأجبال في جبل، وأن يكون اسما ~~مفردا مقتضيا لمعنى الجمع كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر «نعم» في قوله # في كل عام نعم تحوونه يلقحه قوم وتنتجونه # وإذا أنث ففيه وجهان أنه تكسير نعم. وأنه في معنى الجمع. وقرىء ~~«نسقيكم» بالفتح والضم، وهو استئناف، كأنه قيل كيف العبرة، فقيل نسقيكم ~~{ من بين فرث ودم } أي يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم ~~يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغي أحدهما عليه بلون ولا ~~طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله. قيل إذا أكلت البهيمة العلف ~~فاستقر في كرشها طبخته، فكان أسفله فرثا، وأوسطه لبنا، وأعلاه دما. ~~والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها، فتجري الدم في العروق، ~~واللبن في الضرع، وتبقى الفرث في الكرش. فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف ~~حكمته لمن تفكر وتأمل. ms1040 وسئل شقيق عن الإخلاص فقال تمييز العمل من ~~العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم { سآئغا } سهل المرور في الحلق ~~ويقال لم يغص أحد باللبن قط. وقرىء «سيغا»، بالتشديد. و «سيغا»، ~~بالتخفيف. كهين ولين. فإن قلت أي فرق بين «من» الأولى والثانية؟ قلت ~~الأولى للتبعيض لأن اللبن بعض ما في بطونها، كقولك أخذت من مال زيد ~~ثوبا. والثانية لابتداء الغاية لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي ~~منه يبتدأ، فهو صلة لنسقيكم، كقولك سقيته من الحوض، ويجوز أن يكون حالا ~~من قوله { لبنا } مقدما عليه، فيتعلق بمحذوف، أي كائنا من بين فرث ~~ودم. ألا ترى أنه لو تأخر فقيل لبنا من بين فرث ودم كان صفة له، وإنما ~~قدم لأنه موضع العبرة، فهو قمن بالتقديم. وقد احتج بعض من يرى أن المني ~~طاهر على من جعله نجسا، لجريه في مسلك البول بهذه الآية، وأنه ليس ~~بمستنكر أن يسلك مسلك البول وهو طاهر، كما خرج اللبن من بين فرث ودم ~~طاهرا. ### || [16.67] # فإن قلت بم تعلق قوله { ومن ثمرت النخيل والأعنب }؟ ~~قلت بمحذوف تقديره ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي من عصيرها وحذف ~~لدلالة نسقيكم قبله عليه، وقوله { تتخذون منه سكرا } بيان ~~وكشف عن كنه الإسقاء. أو يتعلق بتتخذون، ومنه من تكرير الظرف للتوكيد، ~~كقولك زيد في الدار فيها، ويجوز أن يكون { تتخذون } صفة موصوف ~~محذوف، كقوله # جادت بكفى كان من أرمى البشر # تقديره ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~لأنهم يأكلون بعضها ويتخذون من بعضها السكر. فإن قلت فالإم يرجع الضمير ~~في منه إذا جعلته ظرفا مكررا؟ قلت إلى المضاف المحذوف الذي هو العصير ~~كما رجع في قوله تعالى # أو هم قائلون # الأعراف 4 إلى الأهل المحذوف، والسكر الخمر، سميت بالمصدر من سكر سكرا ~~وسكرا. نحو رشد رشدا ورشدا. قال # وجاؤنا بهم سكر علينا فأجلى اليوم والسكران ~~صاحى # وفيه وجهان أحدهما أن تكون منسوخة. وممن قال بنسخها الشعبي والنخعي. ~~والثاني أن يجمع بين العتاب والمنة. وقيل ms1041 السكر النبيذ. وهو عصير العنب ~~والزبيب والتمر إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد، وهو حلال عند ~~أبي حنيفة إلى حد السكر ويحتج بهذه الآية وبقوله صلى الله عليه وسلم. ~~586 # " الخمر حرام لعينها والسكر من كل شراب " # وبأخبار جمة. ولقد صنف شيخنا أبو علي الجبائي قدس الله روحه غير كتاب ~~في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السن العالية قيل له لو شربت منه ~~ما تتقوى به، فأبى. فقيل له فقد صنفت في تحليله، فقال تناولته الدعارة ~~فسمج في المروءة. وقيل السكر الطعم وأنشد # جعلت أعراض الكرام سكرا # أي تنقلت بأعراضهم. وقيل هو من الخمر، وإنه إذا ابترك في أعراض الناس، ~~فكأنه تخمر بها. والرزق الحسن الخل والرب والتمر والزبيب وغير ذلك. ويجوز ~~أن يجعل السكر رزقا حسنا، كأنه قيل تتخذون منه ما هو سكر ورزق حسن. ### || [16.68-69] # الإيحاء إلى النحل إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم ~~به، لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فنيقتها في صنعتها، ولطفها في ~~تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أن الله ~~أودعها علما بذلك وفطنها، كما أولى أولي العقول عقولهم. وقرأ يحيى بن ~~وثاب { إلى النحل } بفتحتين. وهو مذكر كالنحل، وتأنيثه على المعنى ~~{ أن اتخذى } هي أن المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول. وقرىء ~~«بيوتا» بكسر الباء لأجل الياء. و { يعرشون } بكسر الراء وضمها ~~يرفعون من سقوف البيوت. وقيل ما يبنون للنحل في الجبال والشجر والبيوت من ~~الأماكن التي تتعسل فيها. والضمير في { يعرشون } للناس فإن قلت ما معنى ~~«من» في قوله { أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن ~~الشجر ومما يعرشون } وهلا قيل في الجبال وفي الشجر؟ قلت ~~أريد معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ~~ولا في كل مكان منها { من كل الثمرت } إحاطة بالثمرات التي ~~تجرسها النحل وتعتاد أكلها، أي ابني البيوت، ثم كلي من كل ثمرة تشتهينها، ~~فإذا أكلتها { فاسلكى سبل ربك } أي الطرق ms1042 التي ألهمك وأفهمك في ~~عمل العسل. أو فاسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي في مسالكه التي يحيل فيها ~~بقدرته النور المر عسلا من أجوافك ومنافذ مآكلك. أو إذا أكلت الثمار في ~~المواضع البعيدة من بيوتك، فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك، لا تتوعر ~~عليك ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر ~~إلى البلد البعيد في طلب النجعة. أو أراد بقوله { ثم كلى } ثم اقصدي ~~أكل الثمرات فاسلكلي في طلبها في مظانها سبل ربك { ذللا } جمع ذلول، ~~وهي حال من السبل لأن الله ذللها لها ووطأها وسهلها، كقوله # هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا # الملك 15 أو من الضمير في { فاسلكى } أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت ~~به غير ممتنعة { شراب } يريد العسل، لأنه مما يشرب { مختلف ~~ألوانه } منه أبيض وأسود وأصفر وأحمر { فيه شفآء للناس } ~~لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين ~~لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل ~~دواء كذلك. وتنكيره إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، ~~وكلاهما محتمل. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 587 أن رجلا جاء إليه فقال ~~إن أخي يشتكي بطنه، فقال # " اذهب واسقه العسل " # فذهب ثم رجع فقال قد سقيته فما نفع، فقال # " اذهب واسقه عسلا» فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه فشفاه الله ~~فبرأ، كأنما أنشط من عقال " # وعن عبد الله بن مسعود 588 # " العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين ~~القرآن والعسل " # ومن بدع التأويلات الرافضة أن المراد بالنحل علي وقومه وعن بعضهم أنه ~~قال عند المهدي إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم العلم، فقال له رجل ~~جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم فضحك المهدي وحدث به المنصور، ~~فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم. ### || [16.70] # { إلى أرذل العمر } إلى أخسه وأحقره وهو خمس وسبعون سنة عن ~~علي رضي الله عنه وتسعون سنة عن قتادة ms1043 لأنه لا عمر أسوأ حالا من عمر ~~الهرم { لكيلا يعلم بعد علم شيئا } ليصير إلى حالة ~~شبيهة بحال الطفولة في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم يسرع في نسيانه فلا ~~يعلمه إن سئل عنه. وقيل لئلا يعقل من بعد عقله الأول شيئا وقيل لئلا ~~يعلم زيادة علم على علمه. ### || [16.71] # أي جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر ~~مثلكم وإخوانكم فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا ~~في الملبس والمطعم، كما يحكي عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول 589 # " إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تطعمون " # فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت { ~~أفبنعمة الله يجحدون } فجعل ذلك من جملة جحود النعمة. ~~وقيل هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شركاء، فقال لهم أنتم لا تسوون ~~بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ~~ترضون ذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء. وقيل المعنى أن ~~الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن ~~الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق. فإنما ذلك ~~رزقي أجريه إليهم على أيديهم. وقرىء «يجحدون»، بالتاء والياء. ### || [16.72] # { من أنفسكم } من جنسكم. وقيل هو خلق حواء من ضلع آدم. والحفدة ~~جمع حافد، وهو الذي يحفد، أي يسرع في الطاعة والخدمة. ومنه قول القانت. ~~وإليك نسعى ونحفد وقال # حفد الولائد بينهن وأسلمت بأكفهن أزمة ~~الأجمال # واختلف فيهم فقيل هم الأختان على البنات وقيل أولاد الأولاد، وقيل أولاد ~~المرأة من الزوج الأول، وقيل المعنى وجعل لكم حفدة، أي خدما يحفدون في ~~مصالحكم ويعينونكم ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم كقوله # سكرا ورزقا حسنا # النحل 67 كأنه قيل وجعل لكم منهن أولادا هم بنون وهم حافدون، أي ~~جامعون بين الأمرين { من الطيبات } يريد بعضها لأن كل الطيبات في ~~الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها { أفبالبطل ~~يؤمنون } وهو ms1044 ما يعتقدون من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها. وما هو ~~إلا وهم باطل لم يتوصلوا إليه بدليل ولا أمارة، فليس لهم إيمان إلا به، ~~كأنه شيء معلوم مستيقن. ونعمة الله المشاهدة المعاينة التي لا شبهة فيها ~~لذي عقل وتمييز هم كافرون بها منكرون لها كما ينكر المحال الذي لا يتصوره ~~العقول. وقيل الباطل يسول لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ~~وغيرهما. ونعمة الله ما أحل لهم. ### || [16.73] # الرزق يكون بمعنى المصدر، وبمعنى ما يرزق، فإن أردت المصدر نصبت به { ~~شيئا } كقوله # أو إطعام.... يتيما # البلد 14 على لا يملك أن يرزق شيئا. وإن أردت المرزوق كان شيئا بدلا ~~منه بمعنى قليلا ويجوز أن يكون تأكيدا للا يملك أي لا يملك شيئا من ~~الملك. و { من السموت والأرض } صلة للرزق إن كان مصدرا ~~بمعنى لا يرزق من السموات مطرا، ولا من الأرض نباتا. أو صفة إن كان ~~اسما لما يرزق. والضمير في { ولا يستطيعون } لما لأنه في معنى ~~الآلهة، بعد ما قيل { لا يملك } على اللفظ. ويجوز أن يكون للكفار، ~~يعني ولا يستطيع هؤلاء - مع أنهم أحياء متصرفون أولو ألباب - من ذلك ~~شيئا، فكيف بالجماد الذي لا حس به. فإن قلت ما معنى قوله ولا يستطيعون ~~بعد قوله { لا يملك }؟ وهل هما إلا شيء واحد؟ قلت ليس في { لا ~~يستطيعون } تقدير راجع، وإنما المعنى لا يملكون أن يرزقوا، ~~والاستطاعة منفية عنهم أصلا لأنهم موات، إلا أن يقدر الراجع ويراد بالجمع ~~بين نفي الملك والاستطاعة للتوكيد أو يراد أنهم لا يملكون الرزق ولا ~~يمكنهم أن يملكوه، ولا يتأتى ذلك منهم ولا يستقيم. ### || [16.74] # { فلا تضربوا لله الأمثال } تمثيل للإشراك بالله ~~والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة { أن ~~الله يعلم } كنه ما تفعلون وعظمه، وهو معاقبكم عليه بما يوازيه في ~~العظم لأن العقاب على مقدار الإثم { وأنتم لا تعلمون } كنهه ~~وكنه عقابه، فذاك هو الذي جركم إليه وجرأكم عليه، فهو تعليل للنهي عن ~~الشرك. ويجوز أن يراد فلا تضربوا ms1045 لله الأمثال، إن الله يعلم كيف يضرب ~~الأمثال، وأنتم لا تعلمون. ### || [16.75] # ثم علمهم كيف تضرب فقال مثلكم في إشراككم بالله الأوثان مثل من سوى بين ~~عبد مملوك عاجز عن التصرف، وبين حر مالك قد رزقه الله مالا فهو يتصرف ~~فيه وينفق منه كيف شاء. فإن قلت لم قال { مملوكا لا يقدر ~~على شىء } وكل عبد مملوك، وغير قادر على التصرف؟ قلت أما ذكر ~~المملوك فليميز من الحر لأن اسم العبد يقع عليهما جميعا، لأنهما من ~~عباد الله. وأما { لا يقدر على شىء } فليجعل غير مكاتب ولا ~~مأذون له لأنهما يقدران على التصرف. واختلفوا في العبد هل يصح له ملك؟ ~~والمذهب الظاهر أنه لا يصح له. فإن قلت { من } في قوله { ومن ~~رزقنه } ما هي؟ قلت الظاهر أنها موصوفة، كأنه قيل وحرا رزقناه ~~ليطابق عبدا. ولا يمتنع أن تكون موصولة. فإن قلت لم قيل { يستوون } ~~على الجمع؟ قلت معناه هل يستوي الأحرار والعبيد؟ ### || [16.76] # الأبكم الذي ولد أخرس، فلا يفهم ولا يفهم { وهو كل على ~~مولاه } أي ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله { أينما يوجهه ~~} حيثما يرسله ويصرفه في مطلب حاجة أو كفاية مهم، لم ينفع ولم يأت بنجح { ~~هل يستوى هو ومن } هو سليم الحواس نفاعا ذو كفايات، مع رشد ~~وديانة، فهو { يأمر } الناس { بالعدل } والخير { وهو } في ~~نفسه { على صرط مستقيم } على سيرة صالحة ودين قويم. وهذا مثل ~~ثان ضربه الله لنفسه ولما يفيض على عباده ويشملهم من آثار رحمته وألطافه ~~ونعمه الدينية والدنيوية، وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع وقرىء ~~«أينما يوجه»، بمعنى أينما يتوجه، من قولهم أينما أوجه ألق سعدا وقرأ ~~ابن مسعود «أينما يوجه»، على البناء للمفعول. ### || [16.77] # { ولله غيب السموت والأرض } أي يختص به علم ما غاب ~~فيهما عن العباد وخفي عليهم علمه. أو أراد بغيب السموات والأرض يوم ~~القيامة، على أن علمه غائب عن أهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم ~~{ إلا كلمح البصر أو هو أقرب } أي هو ms1046 عند الله وإن ~~تراخى، كما تقولون أنتم في الشيء الذي تستقربونه هو كلمح البصر أو هو ~~أقرب، إذا بالغتم في استقرابه. ونحوه قوله # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # الحج 47 أي هو عنده دان وهو عندكم بعيد. وقيل المعنى أن إقامة الساعة ~~وإماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، يكون في أقرب وقت ~~وأوحاه، { إن الله على كل شىء قدير } فهو يقدر على أن ~~يقيم الساعة ويبعث الخلق، لأنه بعض المقدورات. ثم دل على قدرته بما بعده. ### || [16.78] # قرىء «أمهاتكم» بضم الهمزة وكسرها، والهاء مزيدة في أمات، كما زيدت في ~~أراق، فقيل أهراق. وشذت زيادتها في الواحدة قال # أمهتي خندف وإلياس أبي # { لا تعلمون شيئا } في موضع الحال. ومعناه غير عالمين شيئا من ~~حق المنعم الذي خلقكم في البطون، وسواكم وصوركم، ثم أخرجكم من الضيق ~~إلى السعة. وقوله { وجعل لكم } معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء ~~إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر ~~المنعم، وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم. والأفئدة في ~~فؤاد، كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة، ~~والقلة إذا لم يرد في السماع غيرها، كما جاء شسوع في جمع شسع لا غير، ~~فجرت ذلك المجرى. ### || [16.79] # قرىء «ألم يروا»، بالتاء والياء { مسخرت } مذللات للطيران بما خلق ~~لها من الأجنحة والأسباب المواتية لذلك. والجو الهواء المتباعد من الأرض ~~في سمت العلو والسكاك أبعد منه، واللوح مثله { ما يمسكهن } في ~~قبضهن وبسطهن ووقوفهن { إلا الله } بقدرته. ### || [16.80] # { من بيوتكم } التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها. ~~والسكن فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف { ~~بيوتا } هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع { تستخفونها } ~~ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل { يوم ظعنكم ~~ويوم إقمتكم } أي يوم ترحلون خف عليكم حملها وثقلها، ويوم ~~تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها. أو هي خفيفة ms1047 عليكم في أوقات ~~السفر والحضر جيمعا، على أن اليوم بمعنى الوقت { ومتعا } وشيئا ~~ينتفع به { إلى حين } إلى أن تقضوا منه أوطاركم. أو إلى أن يبلى ~~ويفنى أو إلى أن تموتوا. وقرىء «يوم ظعنكم»، بالسكون. ### || [16.81] # { مما خلق } من الشجر وسائر المستظلات { أكننا } جمع كن، ~~وهو ما يستكن به من البيوت المنحوتة في الجبال والغيران والكهوف { ~~سرابيل } هي القمصان والثياب من الصوف والكتان والقطن وغيرها { ~~تقيكم الحر } لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم، ~~وقلما يهمهم البرد لكونه يسيرا محتملا. وقيل ما يقي من الحر يقي من ~~البرد فدل ذكر الحر على البرد { وسربيل تقيكم بأسكم } يريد ~~الدروع والجواشن والسربال عام يقع على كل ما كان من حديد وغيره { ~~لعلكم تسلمون } أي تنظرون في نعمه الفائضة فتؤمنون به ~~وتنقادون له. وقرىء «تسلمون»، من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب. ~~أو تسلم قلوبكم من الشرك. وقيل تسلمون من الجراح بلبس الدروع. ### || [16.82-83] # { فإن تولوا } فلم يقبلوا منك فقد تمهد عذرك بعدما أديت ما وجب ~~عليك من التبليغ، فذكر سبب العذر وهو البلاغ ليدل على المسبب { ~~يعرفون نعمت الله } التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من ~~الله { ثم ينكرونها } بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم هي من الله ~~ولكنها بشفاعة آلهتنا. وقيل إنكارهم قولهم ورثناها من آبائنا. وقيل قولهم ~~لولا فلان ما أصبت كذا لبعض نعم الله. وإنما لا يجوز التكلم بنحو هذا إذا ~~لم يعتقد أنها من الله وأنه أجراها على يد فلان وجعله سببا في نيلها { ~~وأكثرهم الكفرون } أي الجاحدون غير المعترفين. وقيل «نعمة ~~الله» نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، كانوا يعرفونها ثم ينكرونها ~~عنادا، وأكثرهم الجاحدون المنكرون بقلوبهم. فإن قلت ما معنى ثم؟ قلت ~~الدلالة على أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة لأن حق من عرف ~~النعمة أن يعترف لا أن ينكر. ### || [16.84-85] # { شهيدا } نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق، والكفر ~~والتكذيب { ثم لا يؤذن للذين كفروا } في الاعتذار. ~~والمعنى لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على ms1048 أن لا حجة لهم ولا عذر، وكذا عن ~~الحسن { ولا هم يستعتبون } ولا هم يسترضون، أي لا يقال لهم ~~أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل. فإن قلت فما معنى ثم هذه؟ قلت ~~معناها أنهم يمنون بعد شهادة الأنبياء بما هو أطم منها، وهو أنهم يمنعون ~~الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة. وانتصاب اليوم ~~بمحذوف تقديره واذكر يوم نبعث، أو يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، وكذلك ~~إذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم { فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون } كقوله # بل تأتيهم بغتة فتبهتهم # الأنبياء 40 الآية. ### || [16.86-87] # إن أرادوا بالشركاء آلهتهم، فمعنى { شركآؤنا } آلهتنا التي دعوناها ~~شركاء. وإن أرادوا الشياطين، فلأنهم شركاؤهم في الكفر وقرناؤهم في الغي ~~و { ندعو } بمعنى نعبد. فإن قلت لم قالوا { إنكم لكذبون } ~~وكانوا يعبدونهم على الصحة؟ قلت لما كانوا غير راضين بعبادتهم فكأن ~~عبادتهم لم تكن عبادة. والدليل عليه قول الملائكة # كانوا يعبدون الجن # سبأ 41 يعنون أن الجن كانوا راضين بعبادتهم لا نحن، فهم المعبودون ~~دوننا. أو كذبوهم في تسميتهم شركاء وآلهة تنزيها لله من الشريك. وإن أريد ~~بالشركاء الشياطين، جاز أن يكون «كاذبين» في قولهم { إنكم ~~لكذبون } كما يقول الشيطان إني كفرت بما أشركتموني من قبل { ~~وألقوا } يعني الذين ظلموا. وإلقاء السلم الاستسلام لأمر الله ~~وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا { وضل عنهم } وبطل عنهم { ~~ما كانوا يفترون } من أن لله شركاء، وأنهم ينصرونهم ويشفعون ~~لهم حين كذبوهم وتبرؤا منهم. ### || [16.88] # { الذين كفروا } في أنفسهم، وحملوا غيرهم على الكفر يضاعف الله ~~عقابهم كما ضاعفوا كفرهم. وقيل في زيادة عذابهم حيات أمثال البخت وعقارب ~~أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. وقيل ~~يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار { بما ~~كانوا يفسدون } بكونهم مفسدين الناس بصدهم عن سبيل الله. ### || [16.89] # { شهيدا عليهم من أنفسهم } يعني نبيهم لأنه كان يبعث ~~أنبياء الأمم فيهم منهم { وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على ~~هؤلآء } على أمتك ms1049 { تبيانا } بيانا بليغا ونظير «تبيان» «تلقاء» ~~في كسر أوله، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن. فإن قلت كيف كان القرآن ~~تبيانا { لكل شىء }؟ قلت المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث ~~كان نصا على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه باتباع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وطاعته. وقيل وما ينطق عن الهوى. وحثا على الإجماع في ~~قوله # ويتبع غير سبيل المؤمنين # النساء 115 وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته اتباع أصحابه ~~والاقتداء بآثارهم في قوله صلى الله عليه وسلم 590 # " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهديتم " # وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع ~~والقياس والاجتهاد، مستندة إلى تبيان الكتاب، فمن ثم كان تبيانا لكل ~~شيء. ### || [16.90] # العدل هو الواجب لأن الله تعالى عدل فيه على عباده فجعل ما فرضه عليهم ~~واقعا تحت طاقتهم { والإحسان } الندب وإنما علق أمره بهما جميعا ~~لأن الفرض لا بد من أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب، ولذلك 591 قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - لمن علمه الفرائض فقال والله لازدت فيها ولا ~~نقصت - # " أفلح إن صدق " # فعقد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من التفريط وقال صلى الله عليه وسلم ~~592 # " استقيموا ولن تحصوا " # فما ينبغي أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل. والفواحش ما جاوز ~~حدود الله { والمنكر } ما تنكره العقول { والبغى } طلب ~~التطاول بالظلم، وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين ~~علي رضي الله عنه، أقيمت هذه الآية مقامها. ولعمري إنها كانت فاحشة ~~ومنكرا وبغيا، ضاعف الله لمن سنها غضبا ونكالا وخزيا، إجابة لدعوة ~~نبيه 593 «وعاد من عاداه» وكانت سبب إسلام عثمان بن مظعون. ### || [16.91-92] # عهد الله هي البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # الفتح 10. { ولا تنقضوا } إيمان البيعة { بعد توكيدها } ~~أي بعد توثيقها باسم الله. وأكد ووكد لغتان فصيحتان، والأصل الواو، ~~والهمزة بدل { كفيلا } شاهدا ورقيبا لأن الكفيل مراع لحال ms1050 المكفول ~~به مهيمن عليه { ولا تكونوا } في نقض الأيمان كالمرأة التي أنحت ~~على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته { أنكثا } جمع نكث وهو ما ~~ينكث فتله. قيل هي ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلا قدر ~~ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من ~~الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ماغزلن { تتخذون } حال و { ~~دخلا } أحد مفعولي اتخذ. يعني ولا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلا { ~~بينكم } أي مفسدة ودغلا { أن تكون أمة } بسبب أن تكون أمة ~~يعني جماعة قريش { هى أربى من أمة } هي أزيد عددا وأوفر ~~مالا. من أمة من جماعة المؤمنين { إنما يبلوكم الله به } ~~الضمير لقوله أن تكون أمة لأنه في معنى المصدر، أي إنما يختبركم بكونهم ~~أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم ~~من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أم تغترون بكثرة قريش ~~وثروتهم وقوتهم وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم؟ { وليبينن لكم ~~} إنذار وتحذير من مخالفة ملة الإسلام. ### || [16.93] # { ولو شاء الله لجعلكم أمة وحدة } حنيفة مسلمة على ~~طريق الإلجاء والاضطرار، وهو قادر على ذلك { ولكن } الحكمة اقتضت أن ~~يضل { من يشآء } وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه { ~~ويهدى من يشاء } وهو أن يلطف بمن علم أنه يختار الإيمان. يعني أنه ~~بنى الأمر على الاختيار وعلى ما يستحق به اللطف والخذلان والثواب والعقاب ~~ولم يبنه على الإجبار الذي لا يستحق به شيء من ذلك، وحققه بقوله { ~~ولتسئلن عما كنتم تعملون } ولو كان هو المضطر إلى ~~الضلال والاهتداء، لما أثبت لهم عملا يسئلون عنه. ### || [16.94] # ثم كرر النهي عن اتخاذ الأيمان دخلا بينهم، تأكيدا عليهم وإظهارا لعظم ~~ما يركب منه { فتزل قدم بعد ثبوتها } فتزل أقدامكم عن ~~محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها { وتذوقوا السوء } في الدنيا ~~بصدودكم { عن سبيل الله } وخروجكم من الدين. أو بصدكم غيركم ~~لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا، لا تخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون ~~بها { ولكم ms1051 عذاب عظيم } في الآخرة. ### || [16.95] # كان قوما ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان - لجزعهم مما رأوا من غلبة ~~قريش واستضعافهم المسلمين، وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم إن رجعوا من ~~المواعيد - أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فثبتهم الله، { ولا تشتروا } ولا تستبدلوا { بعهد الله } ~~وبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثمنا قليلا } عرضا من ~~الدنيا يسيرا، وهو ما كانت قريش يعدونهم ويمنونهم إن رجعوا { إنما ~~عند الله } من إظهاركم وتغنيمكم، ومن ثواب الآخرة { خير لكم ~~}. ### || [16.96] # { ما عندكم } من أعراض الدنيا { ينفد وما عند الله } من ~~خزائن رحمته { باق } لا ينفد وقرىء «لنجزين» بالنون والياء { الذين ~~صبروا } على أذى المشركين ومشاق الإسلام. فإن قلت لم وحدت القدم ~~ونكرت؟ قلت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، ~~فكيف بأقدام كثيرة؟ ### || [16.97] # فإن قلت { من } متناول في نفسه للذكر والأنثى، فما معنى تبيينه بهما؟ ~~قلت هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله ~~للذكور، فقيل { من ذكر أو أنثى } على التبيين، ليعم الموعد ~~النوعين جميعا { حيوة طيبة } يعني في الدنيا وهو الظاهر، لقوله ~~{ ولنجزينهم } وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله # فاتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة # آل عمران 148 وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا ~~يعيش عيشا طيبا إن كان موسرا، فلا مقال فيه. وإن كان معسرا، فمعه ما ~~يطيب عيشه وهو القناعة والرضا بقسمة الله. وأما الفاجر فأمره على العكس ~~إن كان معسرا فلا إشكال في أمره، وإن كان موسرا فالحرص لا يدعه أن ~~يتهنأ بعيشه. وعن ابن عباس رضي الله عنه الحياة الطيبة الرزق الحلال. وعن ~~الحسن القناعة. وعن قتادة يعني في الجنة. وقيل هي حلاوة الطاعة والتوفيق ~~في قلبه. ### || [16.98-100] # لما ذكر العمل الصالح ووعد عليه، وصل به قوله { فإذا قرأت ~~القرءان فاستعذ بالله } إيذانا بأن الاستعاذة من جمله ~~الأعمال الصالحة التي يجزل الله عليها الثواب. والمعنى فإذا ms1052 أردت قراءة ~~القرآن فاستعذ كقوله # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # المائدة 6 وكقولك إذا أكلت فسم الله. فإن قلت لم عبر عن إرادة الفعل ~~بلفظ الفعل؟ قلت لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه، ~~فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~594 قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أعوذ بالسميع العليم من ~~الشيطان الرجيم، فقال لي # " يا ابن أم عبد، قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ~~عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ " # { ليس له سلطان } أي تسلط وولاية على أولياء الله، يعني أنهم ~~لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته { إنما ~~سلطنه } على من يتولاه ويطيعه { به مشركون } الضمير يرجع ~~إلى ربهم. ويجوز أن يرجع إلى الشيطان، على معنى بسببه وغروره ووسوسته. ### || [16.101] # تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع ~~لأنها مصالح، وما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم، وخلافه مصلحة. ~~والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء ~~بحكمته. وهذا معنى قوله { والله أعلم بما ينزل قالوا ~~إنمآ أنت مفتر } وجدوا مدخلا للطعن فطعنوا، وذلك لجهلهم وبعدهم ~~عن العلم بالناسخ والمنسوخ وكانوا يقولون إن محمدا يسخر من أصحابه ~~يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، فيأتيهم بما هو أهون ولقد افتروا، ~~فقد كان ينسخ الأشق بالأهون، والأهون بالأشق، والأهون بالأهون، والأشق ~~بالأشق، لأن الغرض المصلحة، لا الهوان والمشقة. فإن قلت هل في ذكر تبديل ~~الآية بالآية دليل على أن القرآن إنما ينسخ بمثله،ولا يصح بغيره من السنة ~~والإجماع والقياس؟ قلت فيه أن قرآنا ينسخ بمثله وليس فيه نفي نسخه ~~بغيره، على أن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن في إيجاب العلم، ~~فنسخه بها كنسخه بمثله، وأما الإجماع والقياس والسنة غير المقطوع بها ~~فلا يصح نسخ القرآن بها. ### || [16.102] # في { ينزل } و { نزله } وما فيهما من التنزيل شيئا على حسب ~~الحوادث ms1053 والمصالح إشارة إلى أن التبديل من باب المصالح كالتنزيل، وأن ترك ~~النسخ بمنزلة إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة. و { روح القدس ~~} جبريل عليه السلام، أضيف إلى القدس وهو الطهر، كما يقال حاتم الجود ~~وزيد الخير، والمراد الروح المقدس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدس ~~المطهر من المآثم. وقرىء بضم الدال وسكونها { بالحق } في موضع ~~الحال، أي نزله ملتبسا بالحكمة، يعني أن النسخ من جملة الحق { ~~ليثبت الذين ءامنوا } ليبلوهم بالنسخ، حتى إذا قالوا فيه ~~هو الحق من ربنا والحكمة، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة ~~القلوب، على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب { وهدى ~~وبشرى } مفعول لهما معطوفان على محل ليثبت. والتقدير تثبيتا لهم ~~وإرشادا وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. وقرىء ~~«ليثبت»، بالتخفيف. ### || [16.103] # أرادوا بالبشر غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه ~~عائش أو يعيش وكان صاحب كتب. وقيل هو جبر، غلام رومي كان لعامر بن ~~الحضرمي. وقيل عبدان جبر ويسار، كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة ~~والإنجيل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر وقف عليهما يسمع ما ~~يقرآن، فقالوا يعلمانه، فقيل لأحدهما، فقال بل هو يعلمني. وقيل هو سلمان ~~الفارسي. واللسان اللغة. ويقال ألحد القبر ولحده، وهو ملحد وملحود، إذا ~~أمال حفره عن الاستقامة، فحفر في شق منه ثم استعير لكل إمالة عن استقامة، ~~فقالوا ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه. ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه ~~عن الأديان كلها، لم يمله عن دين إلى دين. والمعنى لسان الرجل الذي ~~يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان { أعجمى } غير بين { ~~وهذا } القرآن { لسان عربى مبين } ذو بيان وفصاحة ردا ~~لقولهم وإبطالا لطعنهم وقرىء «يلحدون» بفتح الياء والحاء. وفي قراءة ~~الحسن «اللسان الذي يلحدون إليه» بتعريف اللسان. فإن قلت الجملة التي هي ~~قوله { لسان الذى يلحدون إليه أعجمى } ما محلها؟ ~~قلت لا محل لها لأنها مستأنفة جواب لقولهم. ومثله قوله # الله أعلم حيث يجعل ms1054 رسالته # الأنعام 124 بعد قوله # وإذا جاءتهم ءاية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل ما أوتى رسل الله # الأنعام 124. ### || [16.104-105] # { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله } أي يعلم الله منهم ~~أنهم لا يؤمنون { لا يهديهم الله } لا يلطف بهم لأنهم من أهل الخذلان في ~~الدنيا والعذاب في الآخرة، لا من أهل اللطف والثواب { إنما يفترى ~~الكذب } رد لقولهم # إنما أنت مفتر # النحل 101 يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب ~~عقابا عليه { وأولئك } إشارة إلى قريش { هم الكاذبون } أي هم ~~الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون، أو إلى الذين لا يؤمنون. أي أولئك هم ~~الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب ~~أو أولئك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه ~~مروءة ولا دين. أو أولئك هم الكاذبون في قولهم # إنما أنت مفتر # النحل 101. ### || [16.106-109] # { من كفر } بدل من الذين لا يؤمنون بآيات الله، على أن يجعل # وأولئك هم الكذبون # النحل 105 اعتراضا بين البدل والمبدل منه. والمعنى إنما يفتري الكذب من ~~كفر بالله من بعد إيمانه واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ~~ثم قال { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي طاب به نفسا ~~واعتقده { فعليهم غضب من الله } ويجوز أن يكون بدلا من ~~المبتدأ الذي هو { أولئك } على ومن كفر بالله من بعد إيمانه هم ~~الكاذبون. أو من الخبر الذي هو الكاذبون، على وأولئك هم من كفر بالله من ~~بعد إيمانه. ويجوز أن ينتصب على الذم. وقد جوزوا أن يكون { من كفر ~~بالله } شرطا مبتدأ، ويحذف جوابه لأن جواب { من شرح } دال ~~عليه، كأنه قيل من كفر بالله فعليهم غضب، إلا من أكره، ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب، روي 595 أن ناسا من أهل مكة فتنوا فارتدوا عن ~~الإسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه ~~وهو معتقد للإيمان، منهم عمار، وأبواه - ياسر وسمية - وصهيب، وبلال، ~~وخباب، ms1055 وسالم عذبوا، فأما سمية فقد ربطت بين بعيرين ووجىء في قبلها ~~بحربة، وقالوا إنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت، وقتل ياسر وهما أول قتيلين ~~في الإسلام، وأما عمار فقد أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها. فقيل يا ~~رسول الله، إن عمارا كفر، فقال «كلا، إن عمارا مليء إيمانا من قرنه ~~إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال «مالك إن ~~عادوا لك فعد لهم بما قلت» ومنهم جبر مولى الحضرمي. أكرهه سيده فكفر ثم ~~أسلم مولاه وأسلم، وحسن إسلامهما، وهاجرا فإن قلت أي الأمرين أفضل، أفعل ~~عمار أم فعل أبويه؟ قلت بل فعل أبويه لأن في ترك التقية والصبر على ~~القتل إعزازا للإسلام. وقد روي 596 أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما ~~ما تقول في محمد؟ قال رسول الله. قال فما تقول في؟ قال أنت أيضا، ~~فخلاه. وقال للآخر ما تقول في محمد؟ قال رسول الله. قال فما تقول في؟ ~~قال أنا أصم. فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال # " أما الأول فقد أخذ برخصة الله. وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا ~~له " # { ذلك } إشارة إلى الوعيد، وأن الغضب والعذاب يلحقانهم بسبب ~~استحبابهم الدنيا على الآخرة، واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم { ~~وأولئك هم الغفلون } الكاملون في الغفلة الذين لا أحد ~~أغفل منهم لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها. ### || [16.110-111] # { ثم إن ربك } دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك، وهم ~~عمار وأصحابه. ومعنى إن ربك لهم، أنه لهم لا عليهم، بمعنى أنه وليهم ~~وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم، كما يكون الملك للرجل لا عليه، فيكون محميا ~~منفوعا غير مضرور { من بعد ما فتنوا } بالعذاب والإكراه على ~~الكفر. وقرىء «فتنوا» على البناء للفاعل، أي بعد ما عذبوا المؤمنين ~~كالحضرمي وأشباهه { من بعدها } من بعد هذه الأفعال وهي الهجرة ~~والجهاد والصبر { يوم تأتى } منصوب برحيم. أو ms1056 بإضمار اذكر. فإن قلت ~~ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟ قلت يقال لعين الشيء وذاته نفسه، وفي ~~نقيضه غيره، والنفس الجملة كما هي، فالنفس الأولى هي الجملة، والثانية ~~عينها وذاتها، فكأنه قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن ~~غيره، كل يقول نفسي نفسي. ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقوله # هؤلاء أضلونا # الأعراف 38، # ما كنا مشركين # الأنعام 23 ونحو ذلك. ### || [16.112-113] # { وضرب الله مثلا قرية } أي جعل القرية التي هذه حالها ~~مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل ~~الله بهم نقمته. فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة، وأن تكون في ~~قرى الأولين قرية كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل ~~عاقبتها { مطمئنة } لا يزعجها خوف، لأن الطمأنينة مع الأمن، ~~والانزعاج والقلق مع الخوف { رغدا } واسعا. والأنعم جمع نعمة، على ~~ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع. أو جمع نعم، كبؤس وأبؤس. وفي الحديث ~~597 نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم بالموسم بمنى # " إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا " # فإن قلت الإذاقة واللباس استعارتان، فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة ~~موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ قلت أما الإذاقة ~~فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس ~~منها، فيقولون ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر ~~الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع. وأما اللباس فقد شبه به ~~لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث. وأما ~~إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى ~~منهما ويلابس، فكأنه قيل فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف، ولهم في نحو ~~هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما، ~~أحدهما أن ينظروا فيه إلى المستعار له، كما نظر إليه ههنا. ونحوه قول ~~كثير # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته ~~رقاب المال # استعارة الرداء للمعروف، لأنه يصون عرض صاحبه ms1057 صون الرداء لما يلقى عليه. ~~ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا صفة الرداء، نظر إلى ~~المستعار له. والثاني أن ينظروا فيه إلى المستعار، كقوله # ينازعني ردائي عبد عمرو رويدك يا أخا عمرو ~~بن بكر لي الشطر الذي ملكت يميني ودونك ~~فاعتجر منه بشطر # أراد بردائه سيفه، ثم قال فاعتجر منه بشطر، فنظر إلى المستعار في لفظ ~~الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل فكساهم لباس الجوع والخوف، ~~ولقال كثير ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكا { وهم ظلمون } في حال ~~التباسهم بالظلم، كقوله الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم نعوذ بالله ~~من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة. وقرىء «والخوف» عطفا على اللباس، ~~أو على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. أصله ولباس الخوف. ~~وقرىء «لباس الخوف والجوع». ### || [16.114-115] # لما وعظهم بما ذكر من حال القرية وما أوتيت به من كفرها وسوء صنيعها، ~~وصل بذلك بالفاء في قوله { فكلوا } صدهم عن أفعال الجاهلية ومذاهبهم ~~الفاسدة التي كانوا عليها، بأن أمرهم بأكل ما رزقهم الله من الحلال ~~الطيب، وشكر إنعامه بذلك، وقال { إن كنتم إياه تعبدون } ~~يعني تطيعون. أو إن صح زعمكم أنكم تعبدون الله بعبادة الآلهة، لأنها ~~شفعاؤكم عنده. ثم عدد عليهم محرمات الله، ونهاهم عن تحريمهم وتحليلهم ~~بأهوائهم وجهالاتهم، دون اتباع ما شرع الله على لسان أنبيائه. ### || [16.116-117] # وانتصاب { الكذب } بلا تقولوا، على ولا تقولوا الكذب لما تصفه ~~ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم # ما فى بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ~~ومحرم على أزوجنا # الأنعام 139 من غير استناد ذلك الوصف إلى وحي من الله أو إلى قياس مستند ~~إليه، واللام مثلهافي قولك ولا تقولوا لما أحل الله هو حرام. وقوله { ~~هذا حلل وهذا حرام } بدل من الكذب. ويجوز أن يتعلق بتصف ~~على إرادة القول، أي ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول هذا حلال ~~وهذا حرام. ولك أن تنصب الكذب بتصف، وتجعل «ما» مصدرية، وتعلق { هذا ~~حلل وهذا حرام } بلا تقولوا على ولا تقولوا هذا حلال وهذا ms1058 ~~حرام لوصف ألسنتكم الكذب، أي لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ~~ألسنتكم ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينة، ولكن قول ساذج ودعوى ~~فارغة. فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت هو من فصيح الكلام ~~وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت ~~الكذب بحليته وصورته بصورته، كقولهم وجهها يصف الجمال. وعينها تصف ~~السحر. وقرىء «الكذب» بالجر صفة لما المصدرية، كأنه قيل لوصفها الكذب، ~~بمعنى الكاذب، كقوله تعالى # بدم كذب # يوسف 18 والمراد بالوصف وصفها البهائم بالحل والحرمة. وقرىء «الكذب» جمع ~~كذوب بالرفع، صفة للألسنة، وبالنصب على الشتم. أو بمعنى الكلم الكواذب، ~~أو هو جمع الكذاب من قولك كذب كذابا، ذكره ابن جني. واللام في { ~~لتفتروا } من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض { متع قليل ~~} خبر مبتدأ محذوف، أي منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة ~~قليلة وعقابها عظيم. ### || [16.118] # { ما قصصنا عليك } يعني في سورة الأنعام. ### || [16.119] # { بجهالة } في موضع الحال، أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله ~~وبعقابه، أو غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم { من بعدها } ~~من بعد التوبة. ### || [16.120-122] # { كان أمة } فيه وجهان، أحدهما أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله ~~في جميع صفات الخير كقوله # وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في ~~واحد # وعن مجاهد كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار. والثاني أن يكون أمة ~~بمعنى مأموم، أي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتم به ~~كالرحلة والنخبة، وما أشبه ذلك مما جاء من فعلة بمعنى مفعول، فيكون مثل ~~قوله # قال إنى جعلك للناس إماما # البقرة 124 وروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي عن ابن مسعود أنه قال ~~إن معاذا كان أمة قانتا لله، فقلت غلطت، إنما هو إبراهيم. فقال ~~الأمة الذي يعلم الخير. والقانت المطيع لله ورسوله، وكان معاذ كذلك. وعن ~~عمر رضي الله عنه أنه قال - حين قيل له ألا تستخلف؟- لو كان أبو عبيدة ~~حيا لاستخلفته ولو كان معاذ حيا لاستخلفته. ms1059 ولو كان سالم حيا ~~لاستخلفته فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول 598 # " أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة قانت لله، ليس بينه وبين الله ~~يوم القيامة إلا المرسلون، وسالم شديد الحب لله، لو كان لا يخاف الله لم ~~يعصه " # وهو ذلك المعنى، أي كان إماما في الدين لأن الأئمة معلموا الخير. ~~والقانت القائم بما أمره الله. والحنيف المائل إلى ملة الإسلام غير ~~الزائل عنه. ونفى عنه الشرك تكذيبا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة ~~أبيهم إبراهيم { شاكرا لأنعمه } روي أنه كان لا يتغدى إلا مع ~~ضيف، فلم يجد ذات يوم ضيفا، فأخر غداءه، فإذا هو بفوج من الملائكة في ~~صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاما؟ فقال الآن وجبت ~~مواكلتكم شكرا لله على أنه عافاني وابتلاكم { اجتبه } اختصه ~~واصطفاه للنبوة { وهداه إلى صرط مستقيم } إلى ملة ~~الإسلام { حسنة } عن قتادة هي تنويه الله بذكره، حتى ليس من أهل دين ~~إلا وهم يتولونه. وقيل الأموال والأولاد، وقيل قول المصلي منا كما صليت ~~على إبراهيم { لمن الصلحين } لمن أهل الجنة. ### || [16.123] # { ثم أوحينا إليك } في «ثم» هذه ما فيها من تعظيم منزلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتي ~~خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجل ما أولي من النعمة اتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ملته. من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في ~~المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها. ### || [16.124] # { السبت } مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها. إنما جعل وبال السبت ~~وهو المسخ { على الذين اختلفوا فيه } واختلافهم فيه أنهم ~~أحلوا الصيد فية تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في ~~تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم الله عليهم الصبر عن الصيد فيه ~~وتعظيمه. والمعنى في ذكر ذلك، نحو المعنى في ضرب القرية التي كفرت بأنعم ~~الله مثلا، وغير ما ذكر، وهو الإنذار من سخط الله على العصاة والمخالفين ms1060 ~~لأوامره والخالعين ربقة طاعته. فإن قلت ما معنى الحكم بينهم إذا كانوا ~~جميعا محلين أو محرمين؟ قلت معناه أنه يجازيهم جزاء اختلاف فعلهم في ~~كونهم محلين تارة ومحرمين أخرى ووجه آخر وهو أن موسى عليه السلام أمرهم ~~أن يجعلوا في الأسبوع يوما للعبادة وأن يكون يوم الجمعة، فأبوا عليه ~~وقالوا نريد اليوم الذي فرغ الله فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت، ~~إلا شرذمة منهم قد رضوا بالجمعة، فهذا اختلافهم في السبت لأن بعضهم ~~اختاره وبعضهم اختار عليه الجمعة، فأذن الله لهم في السبت وابتلاهم ~~بتحريم الصيد فيه، فأطاع أمر الله الراضون بالجمعة، فكانوا لا يصيدون ~~فيه، وأعقابهم لم يصبروا عن الصيد فمسخهم الله دون أولئك، وهو يحكم { ~~بينهم يوم القيمة } فيجازي كل واحد من الفريقين بما ~~يستوجبه. ومعنى جعل السبت فرض عليهم تعظيمه وترك الاصطياد فيه. وقرىء ~~«إنما جعل السبت»، على البناء للفاعل وقرأ عبد الله «إنا أنزلنا السبت». ### || [16.125] # { إلى سبيل ربك } إلى الإسلام { بالحكمة } بالمقالة ~~المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة { ~~والموعظة الحسنة } وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها ~~وتقصد ما ينفعهم فيها. ويجوزأن يريد القرآن، أي ادعهم بالكتاب الذي هو ~~حكمة وموعظة حسنة { وجدلهم بالتى هى أحسن } بالطريقة ~~التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين، من غير فظاظة ولا تعنيف { ~~إن ربك هو أعلم } بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل ~~والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في ~~حديد بارد. ### || [16.126-128] # سمي الفعل الأول باسم الثاني للمزاوجة. والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من ~~قتل أو نحوه، فقابلوه بمثله ولا تزيدوا عليه. وقرىء «وإن عقبتم فعقبوا»، ~~أي وإن قفيتم بالانتصار فقفوا بمثل ما فعل بكم. روي 599 أن المشركين ~~مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحدا ~~غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على حمزة وقد مثل به، وروي فرآه مبقور البطن فقال ms1061 # " أما والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك " # فنزلت، فكفر عن يمينه وكف عما أراده، ولا خلاف في تحريم المثلة. وقد ~~وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور. إما أن يرجع الضمير في { ~~لهو } إلى صبرهم وهو مصدر صبرتم. ويراد بالصابرين المخاطبون، أي ولئن ~~صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع الصابرون موضع الضمير ثناء من الله عليهم ~~بأنهم صابرون على الشدائد. أو وصفهم بالصفة التي تحصل لهم إذا صبروا عن ~~المعاقبة. وإما أن يرجع إلى جنس الصبر - وقد دل عليه صبرتم - ويراد ~~بالصابرين جنسهم، كأنه قيل وللصبر خير وللصابرين ونحوه قوله تعالى # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # الشورى 40. # وأن تعفوا أقرب للتقوى # البقرة 237 ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم { واصبر } أنت فعزم ~~عليه بالصبر { وما صبرك إلا بالله } أي بتوفيقه وتثبيته ~~وربطه على قلبك { ولا تحزن عليهم } أي على الكافرين، كقوله # فلا تأس على القوم الكفرين # المائدة 68 أو على المؤمنين وما فعل بهم الكافرون { ولا تك فى ~~ضيق } وقرىء «ولا تكن في ضيق» أي ولا يضيقن صدرك من مكرهم والضيق ~~تخفيف الضيق، أي في أمر ضيق. ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدرين، كالقيل ~~والقول { إن الله مع الذين اتقوا } أي هو ولي الذين ~~اجتنبوا المعاصي { و } ولي { الذين هم محسنون } في أعمالهم. ~~وعن هرم ابن حيان أنه قيل له حين احتضر أوص. فقال إنما الوصية من المال ~~ولا مال لي، وأوصيكم بخواتم سورة النحل. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~600 # " من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن ~~مات في يوم تلاها أو ليلته، كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية ". ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # { سبحان } علم للتسبيح كعثمان للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك ~~إظهاره، تقديره أسبح الله سبحان، ثم نزل سبحان منزلة الفعل فسد مسده، ~~ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله. و ~~{ أسرى } وسرى لغتان. و { ليلا } نصب ms1062 على الظرف فإن قلت الإسراء ~~لا يكون إلا بالليل، فما معنى ذكر الليل؟ قلت أراد بقوله { ليلا } ~~بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى ~~الشأم مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية. ~~ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة «من الليل»، أي بعض الليل، كقوله # ومن اليل فتهجد به نافلة # الإسراء 79 يعني الأمر بالقيام في بعض الليل. واختلف في المكان الذي ~~أسرى منه فقيل هو المسجد الحرام بعينه، وهو الظاهر. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. 601 # " بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ ~~أتاني جبريل عليه السلام بالبراق " # وقيل أسري به من دار أم هانىء بنت أبي طالب والمراد بالمسجد الحرام ~~الحرم، لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس الحرم كله مسجد وروي ~~602 أنه كان نائما في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ~~ليلته، وقص القصة على أم هانيء. وقال مثل لي النبيون فصليت بهم وقام ~~ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال مالك؟ قالت أخشى أن يكذبك ~~قومك إن أخبرتهم، قال وإن كذبوني، فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراء، فقال أبو جهل يا معشر بني كعب بن ~~لؤي، هلم فحدثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا. ~~وارتد ناس ممن كان قد آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال ~~إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا أتصدقه على ذلك؟ قال إني لأصدقه على أبعد ~~من ذلك، فسمي الصديق. وفيهم من سافر إلى ماثم، فاستنعتوه المسجد فجلى ~~له بيت المقدس، فطفق ينظر إليه وينعته لهم، فقالوا أما النعت فقد أصاب، ~~فقالوا أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها، وقال تقدم يوم ~~كذا مع طلوع الشمس، يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو ~~الثنية، فقال قائل منهم هذه والله الشمس ms1063 قد شرقت، فقال آخر وهذه والله ~~العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد. ثم لم يؤمنوا وقالوا ما ~~هذا إلا سحر مبين، وقد عرج به إلى السماء في تلك الليلة، وكان العروج به ~~من بيت المقدس وأخبر قريشا أيضا بما رأى في السماء من العجائب وأنه لقي ~~الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى واختلفوا في وقت الإسراء فقيل ~~كان قبل الهجرة بسنة. # وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعث واختلف في أنه كان في اليقظة أم في ~~المنام فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «والله ما فقد جسد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولكن عرج بروحه» وعن معاوية إنما عرج بروحه. وعن ~~الحسن. كان في المنام رؤيا رآها. وأكثر الأقاويل بخلاف ذلك. والمسجد ~~الأقصى بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد { باركنا حوله ~~} يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ومهبط ~~الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقرأ الحسن «ليريه» ~~بالياء، ولقد تصرف الكلام على لفظ الغائب والمتكلم فقيل أسرى به ثم ~~باركنا ليريه، على قراءة الحسن، ثم من آياتنا، ثم إنه هو، وهي طريقة ~~الالتفات التي هي من طرق البلاغة { إنه هو السميع } لأقوال ~~محمد { البصير } بأفعاله، العالم بتهذبها وخلوصها، فيكرمه ويقربه على ~~حسب ذلك. ### || [17.2-3] # { ألا تتخذوا } قرىء بالياء على «لئلا يتخذوا»، وبالتاء على أي ~~«لا تتخذوا» كقولك كتبت إليه أن أفعل كذا { وكيلا } ربا تكلون إليه ~~أموركم { ذرية من حملنا } نصب على الاختصاص. وقيل على النداء ~~فيمن قرأ «لا تتخذوا» بالتاء على النهي، يعني قلنا لهم لا تتخذوا من دوني ~~وكيلا يا ذرية من حملنا { مع نوح } وقد يجعل { وكيلا ذرية ~~من حملنا } مفعولي تتخذوا، أي لا تجعلوهم أربابا كقوله { ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين ~~أربابا } ومن ذرية المحمولين مع نوح عيسى وعزير عليهم السلام وقرىء ~~«ذرية من حملنا» بالرفع بدلا من واو { تتخذوا } وقرأ زيد بن ثابت ~~«ذرية»، بكسر الذال. وروي عنه أنه قد فسرها بولد ms1064 الولد، ذكرهم الله ~~النعمة في إنجاء آبائهم من الغرق { إنه } إن نوحا { كان عبدا ~~شكورا } قيل كان إذا أكل قال الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني. ~~وإذا شرب قال الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني. وإذا اكتسى قال ~~الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني. وإذا احتذى قال الحمد لله الذي ~~حذاني، ولو شاء أحفاني. وإذا قضى حاجته قال الحمد لله الذي أخرج عني أذاه ~~في عافية، ولو شاء حبسه. وروي أنه كان إذا أراد الإفطار عرض طعامه على من ~~آمن به، فإن وجده محتاجا آثره به. فإن قلت قوله إنه كان عبدا شكورا ما ~~وجه ملاءمته لما قبله؟ قلت كأنه قيل لا تتخذوا من دوني وكيلا، ولا ~~تشركوا بي، لأن نوحا عليه السلام كان عبدا شكورا، وأنتم ذرية من آمن ~~به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم. ويجوز أن يكون ~~تعليلا لاختصاصهم والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح، فهم ~~متصلون به، فاستأهلوا لذلك الاختصاص. ويجوز أن يقال ذلك عند ذكره على ~~سبيل الاستطراد. ### || [17.4-6] # { وقضينآ إلى بنى إسرءيل } وأوحينا إليهم وحيا مقضيا، أي ~~مقطوعا مبتوتا بأنهم يفسدون في الأرض لا محالة، ويعلون، أي يتعظمون ~~ويبغون { فى الكتب } في التوراة، و { لتفسدن } جواب قسم ~~محذوف. ويجوز أن يجري القضاء المبتوت مجرى القسم، فيكون { لتفسدن ~~} جوابا له، كأنه قال وأقسمنا لتفسدن. وقرىء «لتفسدن»، على البناء ~~للمفعول. «ولتفسدن» بفتح التاء من فسد { مرتين } أولاهما قتل ~~زكريا وحبس أرميا حين أنذرهم سخط الله، والآخرة قتل يحيى بن زكريا وقصد ~~قتل عيسى ابن مريم { عبادا لنآ } وقرىء «عبيدا لنا» وأكثر ما يقال ~~عباد الله وعبيد الناس سنحاريب وجنوده وقيل بختنصر. وعن ابن عباس جالوت. ~~قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة، وخربوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفا. ~~فإن قلت كيف جاز أن يبعث الله الكفرة على ذلك ويسلطهم عليه، قلت معناه ~~خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، على أن الله عز وعلا أسند بعث ~~الكفرة عليهم إلى نفسه، فهو كقوله تعالى ms1065 # وكذلك نولى بعض الظلمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # الأنعام 129 وكقول الداعي. وخالف بين كلمهم. وأسند الجوس وهو التردد ~~خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس ~~المسند إليهم. وقرأ طلحة «فحاسوا» بالحاء. وقرىء «فجوسو»، و «خلل ~~الديار». فإن قلت ما معنى { وعد أولهما }؟ قلت معناه وعد عقاب ~~أولاهما { وكان وعدا مفعولا } يعني وكان وعد العقاب وعدا لا ~~بد أن يفعل { ثم رددنا لكم الكرة } أي الدولة والغلبة على ~~الذين بعثوا عليكم حين تبتم ورجعتم عن الفساد والعلو. قيل هي قتل بختنصر ~~واستنقاذ بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وقيل هي قتل ~~داود جالوت { أكثر نفيرا } مما كنتم. والنفير، من ينفر مع الرجل ~~من قومه، وقيل جمع نفر كالعبيد والمعيز. ### || [17.7] # أي الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم، لا يتعدى النفع والضرر إلى ~~غيركم. وعن علي رضي الله عنه ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه، وتلاها { ~~فإذا جآء وعد } المرة { الأخرة } بعثناهم { ليسئوا ~~وجوهكم } حذف لدلالة ذكره أولا عليه. ومعنى { ليسئوا ~~وجوهكم } ليجعلوها بادية آثار المساءة والكآبة فيها، كقوله # سيئت وجوه الذين كفروا # الملك 27 وقرىء «ليسوء» والضمير لله تعالى، أو للوعد، أو للبعث «ولنسوء» ~~بالنون. وفي قراءة علي «لنسوأن» «وليسوأن» وقرىء «لنسوأن»، بالنون ~~الخفيفة. واللام في { ليدخلوا } على هذا متعلق بمحذوف وهو وبعثناهم ~~ليدخلوا ولنسو أن جواب إذا جاء { ما علوا } مفعول ليتبروا، أي ~~ليهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه. أو بمعنى مدة علوهم. ### || [17.8] # { عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الثانية إن تبتم توبة ~~أخرى وانزجرتم عن المعاصي { وإن عدتم } مرة ثالثة { عدنا } إلى ~~عقوبتكم وقد عادوا، فأعاد الله إليهم النقمة بتسليط الأكاسرة وضرب ~~الأتاوة عليهم وعن الحسن عادوا فبعث الله محمدا، فهم يعطون الجزية عن يد ~~وهم صاغرون وعن قتادة ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم هذا الحي من ~~العرب، فهم منهم في عذاب إلى يوم القيامة { حصيرا } محبسا يقال للسجن ~~محصر وحصير. وعن الحسن بساطا كما يبسط الحصير المرمول. ### || [17.9-10] ms1066 # { للتى هى أقوم } للحالة التي هي أقوم الحالات وأسدها. أو ~~للملة. أو للطريقة. وأينما قدرت لم تجد مع الإثبات ذوق البلاغة الذي تجده ~~مع الحذف، لما في إبهام الموصوف بحذفه من فخامة تفقد مع إيضاحه. وقرىء ~~«ويبشر»، بالتخفيف، فإن قلت كيف ذكر المؤمنين الأبرار والكفار ولم يذكر ~~الفسقة؟ قلت كان الناس حينئذ إما مؤمن تقي، وإما مشرك، وإنما حدث أصحاب ~~المنزلة بين المنزلتين بعد ذلك. فإن قلت علام عطف { وأن الذين لا ~~يؤمنون }؟ قلت على { أن لهم أجرا كبيرا } على معنى أنه ~~بشر المؤمنين ببشارتين اثنتين بثوابهم، وبعقاب أعدائهم ويجوز أن يراد ~~ويخبر بأن الذين لا يؤمنون معذبون. ### || [17.11] # أي ويدعو الله عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله، كما يدعوه لهم ~~بالخير، كقوله # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير # يونس 11. { وكان الإنسن عجولا } يتسرع إلى طلب كل ما يقع في ~~قلبه ويخطر بباله، لا يتأنى فيه تأني المتبصر. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. 603 أنه دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا، فأقبل يئن بالليل، فقالت له ~~مالك تئن؟ فشكا ألم القد، فأرخت من كتافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، ~~فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم دعا به فأعلم بشأنه، فقال صلى الله ~~عليه وسلم «اللهم اقطع يديها» فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة، وأن يقطع ~~الله يديها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إني سألت الله أن يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة ~~لأني بشر أغضب كما يغضب البشر فلترد سودة يديها " # ويجوز أن يريد بالإنسان الكافر، وأنه يدعو بالعذاب استهزاء ويستعجل به، ~~كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة. { وكان الإنسان عجولا } يعني أن ~~العذاب آتيه لا محالة، فما هذا الاستعجال، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~هو النضر بن الحرث قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية، فأجيب ~~له، فضربت عنقه صبرا. ### || [17.12] # فيه وجهان، أحدهما أن يراد أن الليل والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون ~~الإضافة في آية الليل ms1067 وآية النهار للتبيين، كإضافة العدد إلى المعدود، أي ~~فمحونا الآية التي هي الليل وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة. والثاني ~~أن يراد وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين، يريد الشمس والقمر. { فمحونا ~~آية الليل } أي جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه مظلما، لا يستبان فيه ~~شيء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو، وجعلنا النهار مبصرا أي تبصر ~~فيه الأشياء وتستبان. أو فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق لها ~~شعاعا كشعاع الشمس، فترى به الأشياء رؤية بينة، وجعلنا الشمس ذات شعاع ~~يبصر في ضوئها كل شيء { لتبتغوا فضلا من ربكم } ~~لتتوصلوا ببياض النهار إلى استبانة أعمالكم والتصرف في معايشكم { ~~ولتعلموا } باختلاف الجديدين { عدد السنين و } جنس { ~~الحساب } وما يحتاجون إليه منه ولولا ذلك لما علم أحد حسبان الأوقات، ~~ولتعطلت الأمور { وكل شىء } مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم { ~~فصلنه } بيناه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم، وما تركنا لكم حجة ~~علينا. ### || [17.13-14] # { طئره } عمله وقد حققنا القول فيه في سورة النمل. وعن ابن عيينة ~~هو من قولك طار له سهم، إذا خرج، يعني ألزمناه ما طار من عمله. والمعنى ~~أن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا يفك عنه، ومنه مثل العرب ~~تقلدها طوق الحمامة. وقولهم الموت في الرقاب. وهذا وبقة في رقبته. عن ~~الحسن يا ابن آدم بسطت لك صحيفة إذا بعثت قلدتها في عنقك. وقرىء «في ~~عنقه» بسكون النون. وقرىء «نخرج» بالنون. «ويخرج» بالياء، والضمير لله عز ~~وجل «ويخرج»، على البناء للمفعول. ويخرج من خرج، والضمير للطائر. أي يخرج ~~الطائر كتابا، وانتصاب { كتبا } على الحال. وقرىء «يلقاه»، ~~بالتشديد مبنيا للمفعول. و { يلقه منشورا } صفتان للكتاب. أو { ~~يلقه } صفة و { منشورا } حال من يلقاه { اقرأ } على إرادة ~~القول. وعن قتادة يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا. و { ~~بنفسك } فاعل كفى. و { حسيبا } تمييز وهو بمعنى حاسب كضريب ~~القداح بمعنى ضاربها وصريم بمعنى صارم ذكرهما سيبويه. وعلى متعلق به من ~~قولك حسب عليه كذا. ويجوز أن ms1068 يكون بمعنى الكافي وضع موضع الشهيد فعدي ~~بعلى لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه. فإن قلت لم ذكر حسيبا؟ قلت لأنه ~~بمنزلة الشهيد والقاضي والأمير لأن الغالب أن هذه الأمور يتولاها ~~الرجال، فكأنه قيل كفى بنفسك رجلا حسيبا. ويجوز أن يتأول النفس ~~بالشخص، كما يقال ثلاثة أنفس. وكان الحسن إذا قرأها قال يا ابن آدم، ~~أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك. ### || [17.15] # أي كل نفس حاملة وزرا، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى { وما ~~كنا معذبين } وما صح منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما ~~إلا بعد أن { نبعث } إليهم { رسولا } فتلزمهم الحجة. فإن قلت ~~الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل، لأن معهم أدلة العقل التي بها يعرف ~~الله، وقد أغفلوا النظر وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم ~~النظر فيما معهم، وكفرهم لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا ~~بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. قلت بعثة الرسل من جملة ~~التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة، لئلا يقولوا كنا غافلين فلو ~~لا بعث إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل. ### || [17.16] # { وإذا أردنا } وإذا دنا وقت إهلاك قوم ولم يبق من زمان إمهالهم ~~إلا قليل، أمرناهم { ففسقوا } أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، والأمر ~~مجاز لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لا يكون فبقي أن ~~يكون مجازا، ووجه المجاز أنه صب عليهم النعمة صبا، فجعلوها ذريعة إلى ~~المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، ~~وإنما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير ويتمكنوا من الإحسان ~~والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم ~~إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو ~~كلمة العذاب فدمرهم. فإن قلت هلا زعمت أن معناه أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ ~~قلت لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف يحذف ما الدليل قائم على ~~نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف لأن فسقوا يدل عليه، وهو كلام ~~مستفيض، ms1069 يقال أمرته فقام وأمرته فقرأ لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام ~~أو قراءة، ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا يلزم ~~على هذا قولهم أمرته فعصاني، أو فلم يمتثل أمري. لأن ذلك مناف للأمر ~~مناقض له، ولا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به، فكان محالا أن يقصد ~~أصلا حتى يجعل دالا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير ~~مدلول عليه ولا منوي لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره ~~مأمورا به، وكأنه يقول كان مني أمر فلم تكن منه طاعة، كما أن من يقول ~~فلان يعطي ويمنع، ويأمر وينهى، غير قاصد إلى مفعول. فإن قلت هلا كان ثبوت ~~العلم بأن الله لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقصد والخير، دليلا على ~~أن المراد أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت لا يصح ذلك لأن قوله { ~~ففسقوا } يدافعه، فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدعي إضمار خلافه، فكان ~~صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه، ونظير { أمر } شاء في أن مفعوله ~~استفاض فيه الحذف، لدلالة ما بعده عليه، تقول لو شاء لأحسن إليك، ولو شاء ~~لأساء إليك. تريد لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة، فلو ذهبت تضمر خلاف ما ~~أظهرت وقلت قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من ~~أهل الإساءة، فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه حال صاحب ~~المشيئة - لم تكن على سداد. وقد فسر بعضهم { أمرنا } بكثرنا، وجعل ~~أمرته فأمر من باب فعلته ففعل. كثبرته فثبر. وفي الحديث 604 # " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " # أي كثيرة النتاج وروي 605 أن رجلا من المشركين قال لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إني أرى أمرك هذا حقيرا فقال صلى الله عليه وسلم إنه سيأمر. ~~أي سيكثر وسيكبر. ### || [17.17] # وقرىء «آمرنا» من أمر وأمره غيره. «وأمرنا» بمعنى أمرنا. أو من أمر ~~إمارة، وأمره الله. أي جعلناهم أمراء وسلطناهم { كم } مفعول { ~~أهلكنا } و { من القرون } بيان لكم وتمييز له، كما يميز ms1070 العدد ~~بالجنس. يعني عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا. ونبه بقوله { وكفى ~~بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا } على أن الذنوب هي ~~أسباب الهلكة لا غير، وأنه عالم بها ومعاقب عليها. ### || [17.18-19] # من كانت العاجلة همه ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة، تفضلنا عليه ~~من منافعها بما نشاء لمن نريد، فقيد الأمر تقييدين، أحدهما تقييد المعجل ~~بمشيئته. والثاني تقييد المعجل له بإرادته، وهكذا الحال ترى كثيرا من ~~هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه وكثيرا منهم يتمنون ذلك ~~البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، وأما المؤمن ~~التقي فقد اختار مراده وهو غنى الآخرة، فما يبالي أوتي حظا من الدنيا أو ~~لم يؤت فإن أوتي فبها وإلا فربما كان الفقر خيرا له وأعون على مراده. ~~وقوله { لمن نريد } بدل من له، وهو بدل البعض من الكل لأن الضمير ~~يرجع إلى «من» وهو في معنى الكثرة. وقرىء «يشاء» وقيل الضمير لله تعالى، ~~فلا فرق إذا بين القراءتين في المعنى ويجوز أن يكون للعبد، على أن ~~للعبد ما يشاء من الدنيا. وأن ذلك لواحد من الدهماء يريد به الله ذلك. ~~وقيل هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة، كالمنافق، والمرائي، والمهاجر ~~للدنيا، والمجاهد للغنيمة والذكر، كما قال صلى الله عليه وسلم 606 # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " # { مدحورا } مطرودا من رحمة الله { سعيها } حقها من السعي ~~وكفاءها من الأعمال الصالحة. اشترط ثلاث شرائط في كون السعي مشكورا ~~إرادة الآخرة بأن يعقد بها همه ويتجافى عن دار الغرور، والسعي فيما كلف ~~من الفعل والترك. والإيمان الصحيح الثابت. وعن بعض المتقدمين من لم يكن ~~معه ثلاث لم ينفعه عمله إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل مصيب. وتلا هذه ~~الآية. وشكر الله الثواب على الطاعة. ### || [17.20] # { كلا } كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه { ~~نمد } هم نزيدهم من عطائنا، ونجعل الآنف منه مددا للسالف ms1071 لا نقطعه. ~~فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل { وما كان عطاء ~~ربك } وفضله { محظورا } أي ممنوعا، لا يمنعه من عاص لعصيانه. ### || [17.21] # { انظر } بعين الاعتبار { كيف } جعلناهم متفاوتين في التفضل. وفي ~~الآخرة التفاوت أكبر، لأنها ثواب وأعواض وتفضل، وكلها متفاوتة. وروي أن ~~قوما من الأشراف فمن دونهم اجتمعوا بباب عمر رضي الله عنه، فخرج الإذن ~~لبلال وصهيب، فشق على أبي سفيان، فقال سهيل بن عمرو إنما أتينا من قبلنا ~~أنهم دعوا ودعينا يعني إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا وهذا باب عمر فكيف ~~التفاوت في الآخرة. ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في ~~الجنة أكثر. وقرىء «وأكثر تفضيلا»، وعن بعضهم «أيها المباهي» بالرفع منك ~~في مجالس الدنيا «أما ترغب في المباهاة» بالرفع في مجالس الآخرة وهي أكبر ~~وأفضل؟ ### || [17.22] # { فتقعد } من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت، ~~يعني فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان ~~والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكا له. ### || [17.23-24] # { وقضى ربك } وأمر أمرا مقطوعا به { ألا تعبدوا } أن ~~مفسرة ولا تعبدوا نهي. أو بأن لا تعبدوا { وبالولدين إحسنا ~~} وأحسنوا بالوالدين إحسانا. أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وقرىء ~~«وأوصى» وعن ابن عباس رضي الله عنهما «ووصى». وعن بعض ولد معاذ بن جبل ~~وقضاء ربك. ولا يجوز أن يتعلق الباء في بالوالدين بالإحسان لأن المصدر لا ~~يتقدم عليه صلته { إما } هي «إن» الشرطية زيدت عليها «ما» تأكيدا ~~لها، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، ولو أفردت «إن» لم يصح دخولها، ~~لا تقول إن تكرمن زيدا يكرمك، ولكن إما تكرمنه. و { أحدهما } فاعل ~~يبلغن، وهو فيمن قرأ «يبلغان» بدل من ألف الضمير الراجع إلى الوالدين و ~~{ كلاهما } عطف على أحدهما فاعلا وبدلا. فإن قلت لو قيل إما يبلغان ~~كلاهما، كان كلاهما توكيدا لا بدلا، فمالك زعمت أنه بدل؟ قلت لأنه معطوف ~~على ما لا يصح أن يكون توكيدا للاثنين، فانتظم في حكمه، فوجب أن يكون ~~مثله. فإن قلت ما ms1072 ضرك لو جعلته توكيدا مع كون المعطوف عليه بدلا، ~~وعطفت التوكيد على البدل؟ قلت لو أريد توكيد التثنية لقيل كلاهما، فحسب، ~~فلما قيل أحدهما أو كلاهما، علم أن التوكيد غير مراد، فكان بدلا مثل ~~الأول { أف } صوت يدل على تضجر. وقرىء «أف» بالحركات الثلاث منونا ~~وغير منون الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كثم، والضم ~~إتباع كمنذ. فإن قلت ما معنى عندك؟ قلت هو أن يكبرا ويعجزا، وكانا كلا ~~على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه ~~وأشد احتمالا وصبرا، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال ~~الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب والاحتمال، ~~حتى لا يقول لهما إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما أف، ~~فضلا عما يزيد عليه. ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما حيث افتتحها بأن ~~شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معا، ثم ضيق ~~الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات ~~الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في استطاعة { ~~ولا تنهرهما } ولا تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك. والنهي ~~والنهر والنهم أخوات { وقل لهما } بدل التأفيف والنهر { قولا ~~كريما } جميلا، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقيل هو ~~أن يقول يا أبتاه، يا أماه، كما قال إبراهيم لأبيه ياأبت، مع كفره، ولا ~~يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفا وسوء الأدب وعادة الدعار. قالوا ولا بأس ~~به في غير وجهه، كما قالت عائشة رضي الله عنها نحلني أبو بكر كذا. # وقرىء «جناح الذل»، الذل بالضم والكسر فإن قلت ما معنى قوله { جناح ~~الذل }؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن يكون المعنى واخفض لهما جناحك كما ~~قال # واخفض جناحك للمؤمنين # الحجر 88 فأضافه إلى الذل أو الذل، كما أضيف حاتم إلى الجود على معنى ~~واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول. والثاني أن تجعل لذله أو لذله لهما ~~جناحا خفيضا، ms1073 كما جعل لبيد للشمال يدا، وللقوة زماما، مبالغة في ~~التذلل والتواضع لهما { من الرحمة } من فرط رحمتك لهما وعطفك ~~عليهما، لكبرهما وافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما ~~بالأمس، ولا تكتف برحمتك عليهم التي لا بقاء لها وادع الله بأن يرحمهما ~~رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك وتربيتهما لك. فإن ~~قلت الاسترحام لهما إنما يصح إذا كانا مسلمين. قلت وإذا كانا كافرين فله ~~أن يسترحم لهما بشرط الإيمان، وأن يدعو الله لهما بالهداية والارشاد، ومن ~~الناس من قال كان الدعاء للكفار جائزا ثم نسخ. وسئل ابن عيينة، عن ~~الصدقة عن الميت فقال كل ذلك واصل إليه، ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ~~ولو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين. ولقد كرر الله سبحانه في ~~كتابه الوصية بالوالدين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 607 # " رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما " # وروي 608 «يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما ~~يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة» وروي سعيد بن المسيب إن البار لا يموت ~~ميتة سوء. 609 وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبوي بلغا من ~~الكبر أني ألي منهما ماوليا مني في الصغر، فهل قضيتهما؟ قال لا، فإنهما ~~كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما. 610 ~~وشكا رجل إلى رسول الله أباه وأنه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكأ على ~~عصا، فسأله فقال إنه كان ضعيفا وأنا قوي، وفقيرا وأنا غني، فكنت لا ~~أمنعه شيئا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قوي، وأنا فقير وهو غني، ~~ويبخل علي بماله، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال # " ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلا بكى، ثم قال للولد أنت ومالك لأبيك، ~~أنت ومالك لأبيك " # 611 وشكا إليه آخر سوء خلق أمه فقال لم تكن سيئة الخلق حين حملتك تسعة ~~أشهر؟ قال إنها سيئة الخلق. قال لم ms1074 تكن كذلك حين أرضعتك حولين؟ قال إنها ~~سيئة الخلق. قال لم تكن كذلك حين أسهرت لك ليلها وأظمأت نهارها؟ قال لقد ~~جازيتها. قال ما فعلت؟ قال حججت بها على عاتقي. # قال ما جزيتها ولو طلقة وعن ابن عمر أنه رأى رجلا في الطواف يحمل أمه ~~ويقول # إني لها مطية لا تذعر إذا الركاب نفرت لا ~~تنفر ما حملت وأرضعتني أكثر الله ربي ذو ~~الجلال الأكبر # ثم قال تظنني جازيتها يا ابن عمر؟ قال لا ولو زفرة واحدة وعنه عليه ~~الصلاة والسلام 612 # " إياكم وعقوق الوالدين، فإن الجنة توجد ريحها من مسيرة ألف عام، ولا ~~يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء، إن ~~الكبرياء لله رب العالمين " # وقال الفقهاء لا يذهب بأبيه إلى البيعة، وإذا بعث إليه منها ليحمله فعل، ~~ولا يناوله الخمر. ويأخذ الإناء منه إذا شربها وعن أبي يوسف إذا أمره أن ~~يوقد تحت قدره وفيها لحم الخنزير أوقد. وعن حذيفة 613 أنه استأذن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال دعه يليه غيرك. ~~وسئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين فقال أن لا تقوم إلى خدمتهما عن ~~كسل. وسئل بعضهم فقال أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزرا إليهما، ~~ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو ~~لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما. فعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. 614 # " إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه ". ### || [17.25] # { بما فى نفوسكم } بما في ضمائركم من قصد البر إلى الوالدين ~~واعتقاد ما يجب لهما من التوقير { إن تكونوا صلحين } قاصدين ~~الصلاح والبر، ثم فرطت منكم - في حال الغضب، وعند حرج الصدر وما لا يخلو ~~منه البشر، أو لحمية الإسلام - هنة تؤدي إلى أذاهما، ثم أنبتم إلى الله ~~واستغفرتم منها، فإن الله غفور { للأوابين } للتوابين. وعن سعيد ~~بن جبير هي في البادرة تكون من الرجل إلى ms1075 أبيه لا يريد بذلك إلا الخير. ~~وعن سعيد بن المسيب الأواب الرجل كلما أذنب بادر بالتوبة. ويجوز أن يكون ~~هذا عاما لكل من فرطت منه جناية ثم تاب منها، ويندرج تحته الجاني على ~~أبويه التائب من جنايته، لوروده على أثره. ### || [17.26-27] # { وءات ذا القربى حقه } وصى بغير الوالدين من الأقارب بعد ~~التوصية بهما، وأن يؤتوا حقهم وحقهم إذا كانوا محارم كالأبوين والولد، ~~وفقراء عاجزين عن الكسب، وكان الرجل موسرا أن ينفق عليهم عند أبي حنيفة. ~~والشافعي لا يرى النفقة إلا على الولد والوالدين فحسب. وإن كانوا مياسير، ~~أو لم يكونوا محارم كأبناء العم، فحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن ~~المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك { ~~والمسكين وابن السبيل } يعني وآت هؤلاء حقهم من الزكاة، ~~وهذا دليل على أن المراد بما يؤتي ذوي القرابة من الحق هو تعهدهم بالمال. ~~وقيل أراد بذي القربى أقرباء رسول الله صلى الله عليه وسلم. التبذير ~~تفريق المال فيما لا ينبغي. وإنفاقه على وجه الإسراف. وكانت الجاهلية ~~تنحر إبلها وتتياسر عليها وتبذر أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك في ~~أشعارها، فأمر الله بالنفقة في وجوهها مما يقرب منه ويزلف. وعن عبد الله ~~هو إنفاق المال في غير حقه. وعن مجاهد لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا ~~وقد أنفق بعضهم نفقة في خير فأكثر، فقال له صاحبه لا خير في السرف، فقال ~~لاسرف في الخير. وعن عبد الله بن عمرو 615 مر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف يا سعد؟ قال أوف الوضوء سرف؟ قال ~~نعم وإن كنت على نهر جار { إخون الشيطين } أمثالهم في الشرارة ~~وهي غاية المذمة لأنه لا شر من الشيطان. أو هم إخوانهم وأصدقاؤهم لأنهم ~~يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف. أو هم قرناؤهم في النار على سبيل ~~الوعيد { وكان الشيطن لربه كفورا } فما ينبغي أن يطاع، ~~فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. وقرأ الحسن «إخوان الشيطان». ### || [17.28] # وإن أعرضت عن ذي القربى ms1076 والمسكين وابن السبيل حياء من الرد { فقل ~~لهم قولا ميسورا } فلا تتركهم غير مجابين إذا سألوك. 616 ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئا وليس عنده أعرض عن السائل ~~وسكت حياء. قوله { ابتغاء رحمة من ربك } إما أن يتعلق بجواب ~~الشرط مقدما عليه، أي فقل لهم قولا سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا، ~~رحمة لهم وتطييبا لقلوبهم، ابتغاء رحمة من ربك، أي ابتغ رحمة الله التي ~~ترجوها برحمتك عليهم. وإما أن يتعلق بالشرط، أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق ~~من ربك ترجو أن يفتح لك، فسمى الرزق رحمة، فردهم ردا جميلا، فوضع ~~الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له، فكان الفقد سبب الابتغاء ~~والابتغاء مسببا عنه، فوضع المسبب موضع السبب. ويجوز أن يكون معنى { ~~وإما تعرضن عنهم } وإن لم تنفعهم ولم ترفع خصاصتهم لعدم ~~الاستطاعة، ولا يريد الإعراض بالوجه كناية بالإعراض عن ذلك لأن من أبى أن ~~يعطي أعرض بوجهه. يقال يسر الأمر وعسر، مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول. ~~وقيل معناه فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله، على أنه دعاء لهم ييسر ~~عليهم فقرهم، كأن معناه قولا ذا ميسور، وهو اليسر، أي دعاء فيه يسر. ### || [17.29] # هذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذي هو بين ~~الاسراف والتقتير { فتقعد ملوما } فتصير ملوما عند الله، لأن ~~المسرف غير مرضي عنده وعند الناس، يقول المحتاج أعطى فلانا وحرمني. ~~ويقول المستغني ما يحسن تدبير أمر المعيشة. وعند نفسك إذا احتجت فندمت ~~على ما فعلت { محسورا } منقطعا بك لا شيء عندك، من حسره السفر إذا ~~بلغ منه وحسره بالمسألة. وعن جابر 617 بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالس أتاه صبي فقال إن أمي تستكسيك درعا، فقال من ساعة إلى ساعة يظهر، ~~فعد إلينا، فذهب إلى أمه فقالت له قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي ~~عليك، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا، وأذن بلال وانتظروا فلم ~~يخرج للصلاة. وقيل 618 أعطى الأقرع بن حابس مائة من ms1077 الإبل وعيينة بن حصن، ~~فجاء عباس بن مرداس، وأنشأ يقول # أتجعل نهيبي ونهب العبيد بين عيينة ~~والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان جدي في ~~مجمع وما كنت دون امريء منهما ومن تضع ~~اليوم لا يرفع # فقال يا أبا بكر، اقطع لسانه عني، أعطه مائة من الإبل فنزلت. ### || [17.30] # ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة، بأن ~~ذلك ليس لهوان منك عليه، ولا لبخل به عليك ولكن لأن مشيئته في بسط ~~الأرزاق وقدرها تابعة للحكمة والمصلحة. ويجوز أن يريد أن البسط والقبض ~~إنما هما من أمر الله الذي الخزائن في يده، فأما العبيد فعليهم أن ~~يقتصدوا. ويحتمل أنه عز وعلا بسط لعباده أو قبض، فإنه يراعي أوسط ~~الحالين، لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده، ولا بالمقبوض عليه أقصى ~~مكروهه، فاستنوا بسنته. ### || [17.31] # قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم، كانوا يئدونهن خشية الفاقة وهي ~~الاملاق، فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم. وقرىء «خشية» بكسر الخاء. وقرىء ~~«خطأ» وهو الإثم. يقال خطيء خطأ، كاثم إثما، وخطأ وهو ضد الصواب، اسم ~~من أخطأ. وقيل والخطأ كالحذر والحذر، وخطاء بالكسر والمد. وخطاء بالفتح ~~والمد. وخطا بالفتح والسكون. وعن الحسن خطأ بالفتح وحذف الهمزة كالخب. ~~وعن أبي رجاء بكسر الخاء غير مهموز. ### || [17.32] # { فحشة } قبيحة زائدة على حد القبح { وساء سبيلا } وبئس ~~طريقا طريقة، وهو أن تغصب على غيرك امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، ~~والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله. ### || [17.33] # { إلا بالحق } إلا بإحدى ثلاث إلا بأن تكفر، أو تقتل مؤمنا ~~عمدا، أو تزني بعد إحصان. { مظلوما } غير راكب واحدة منهن { ~~لوليه } الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له ~~ولي فالسلطان وليه { سلطنا } تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه. أو ~~حجة يثب بها عليه { فلا يسرف } الضمير للولي. أي فلا يقتل غير ~~القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد، كعادة الجاهلية كان إذا قتل منهم واحد ~~قتلوا به جماعة، حتى قال مهلهل حين قتل ms1078 بجير بن الحارث بن عباد بؤبشسع ~~نعل كليب وقال # كل قتيل في كليب غره حتى ينال القتل آل ~~مره # وكانوا يقتلون غير القاتل إذا لم يكن بواء. وقيل الإسراف المثلة. وقرأ ~~أبو مسلم صاحب الدولة «فلا يسرف»، بالرفع على أنه خبر في معنى الأمر. ~~وفيه مبالغة ليست في الأمر. وعن مجاهد أن الضمير للقاتل الأول. وقرىء ~~«فلا تسرف» على خطاب الولي أو قاتل المظلوم. وفي قراءة أبي «فلا تسرفوا» ~~رده على ولا تقتلوا { إنه كان منصورا } الضمير إما للولي، ~~يعني حسبه أن الله قد نصره بأن أوجب له القصاص فلا يستزد على ذلك، وبأن ~~الله قد نصره بمعونة السلطان وبإظهار المؤمنين على استيفاء الحق، فلا يبغ ~~ما وراء حقه. وإما للمظلوم لأن الله ناصره وحيث أوجب القصاص بقتله، ~~وينصره في الآخرة بالثواب. وإما الذي يقتله الولي بغير حق ويسرف في قتله، ~~فإنه منصور بإيجاب القصاص على المسرف. ### || [17.34] # { بالتى هى أحسن } بالخصلة أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه ~~عليه وتثميره { إن العهد كان مسئولا } أي مطلوبا يطلب من ~~المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد لم ~~نكثت؟ وهلا وفي بك؟ تبكيتا للناكث، كما يقال للموؤدة بأي ذنب قتلت؟ ~~ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسئولا. ### || [17.35] # وقرىء «بالقسطاس» بالضم والكسر، وهو القرسطون. وقيل كل ميزان صغر أو كبر ~~من موازين الدراهم وغيرها { وأحسن تأويلا } وأحسن عاقبة، وهو ~~تفعيل، من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه. ### || [17.36] # { ولا تقف } ولا تتبع. وقرىء «ولا تقف». يقال قفا أثره وقافه، ومنه ~~القافة، يعني ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع ~~مسلكا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال. والمراد النهي عن أن يقول ~~الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهي عن التقليد ~~دخولا ظاهرا. لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده. وعن ابن الحنفية ~~شهادة الزور وعن الحسن لا ms1079 تقف أخاك المسلم إذا مر بك، فتقول هذا يفعل ~~كذا، ورأيته يفعل، وسمعته، ولم تر ولم تسمع. وقيل القفو شبيه بالعضيهة ~~ومنه الحديث 619 # " من قفى مؤمنا بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج ~~" # وأنشد # ومثل الدمى شم العرانين ساكن بهن الحياء لا ~~يشعن التقافيا # أي التقاذف. وقال الكميت # ولا أرمي البري بغير ذنب ولا أقفو الحواصن إن ~~قفينا # وقد استدل به مبطل الاجتهاد ولم يصح لأن ذلك نوع من العلم، فقد أقام ~~الشرع غالب الظن مقام العلم، وأمر بالعمل به { أولئك } إشارة إلى ~~السمع والبصر والفؤاد، كقوله # والعيش بعد أولئك الأيام # و { عنه } في موضع الرفع بالفاعلية، أي كل واحد منها كان مسؤلا عنه، ~~فمسئول مسند إلى الجار والمجرور، كالمغضوب في قوله # غير المغضوب عليهم # الفاتحة 7 يقال للإنسان لم سمعت ما لم يحل لك سماعه ولم نظرت إلى ما لم ~~يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟ وقرىء ~~«والفواد» بفتح الفاء والواو، قلبت الهمزة واوا بعد الضمة في الفؤاد، ثم ~~استصحب القلب مع الفتح. ### || [17.37-38] # { مرحا } حال، أي ذا مرح. وقرىء «مرحا» وفضل الأخفش المصدر على اسم ~~الفاعل لما فيه من التأكيد { لن تخرق الأرض } لن تجعل فيها خرقا ~~بدوسك لها وشدة وطأتك. وقرىء «لن تخرق»، بضم الراء { ولن تبلغ ~~الجبال طولا } بتطاولك. وهو تهكم بالمختال. قرىء «سيئة» و «سيئه» ~~على إضافة سيء إلى ضمير كل، وسيئا في بعض المصاحف، وسيئات. وفي قراءة ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه. كان شأنه. فإن قلت كيف قيل سيئه مع قوله ~~مكروها؟ قلت السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم ~~الصفات، فلا اعتبار بتأنيثه. ولا فرق بين من قرأ سيئة وسيئا. ألا تراك ~~تقول الزنا سيئة، كما تقول السرقة سيئة، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر ~~ومؤنث. فإن قلت فما ذكر من الخصال بعضها سيء وبعضها حسن، ولذلك قرأ من ~~قرأ «سيئه» بالإضافة، فما وجه من قرأ سيئة؟ ms1080 قلت كل ذلك إحاطة بما نهى عنه ~~خاصة لا بجميع الخصال المعدودة. ### || [17.39] # { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من قوله # لا تجعل مع الله إلها ءاخر # الإسراء 22 إلى هذه الغاية. وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه ~~للفساد بوجه. وعن ابن عباس هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى، ~~أولها لا تجعل مع الله إلها آخر، قال الله تعالى # وكتبنا له فى الألواح من كل شىء موعظة # الأعراف 145 وهي عشر آيات في التوراة، ولقد جعل الله فاتحتها وخاتمتها ~~النهي عن الشرك لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه ~~حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء. وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن ~~الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن دين الله أضل من النعم. ### || [17.40] # { أفأصفكم } خطاب للذين قالوا { الملئكة بنات ~~الله } والهمزة للإنكار. يعني أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء ~~بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه. واتخذ أدونهم وهي ~~البنات؟ وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم، فإن العبيد لا ~~يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويكون أردؤها وأدونها للسادات { ~~إنكم لتقولون قولا عظيما } بإضافتكم إليه الأولاد وهي ~~خاصة بالأجسام، ثم بأنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم ~~بأن تجعلوا الملائكة وهم أعلى خلق الله وأشرفهم أدون خلق الله وهم ~~الإناث. ### || [17.41] # { ولقد صرفنا فى هذا القرءان } يجوز أن يريد بهذا ~~القرآن إبطال إضافتهم إلى الله البنات لأنه مما صرفه وكرر ذكره، والمعنى ~~ولقد صرفنا القول في هذا المعنى. أو أوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا ~~للتكرير. ويجوز أن يشير بهذا القرآن إلى التنزيل ويريد. ولقد صرفناه. ~~يعني «هذا المعنى في مواضع من التنزيل، فترك الضمير لأنه معلوم. وقرىء ~~«صرفنا» بالتخفيف وكذلك { ليذكروا } قرىء «مشددا ومخففا»، أي ~~كررناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم { وما ~~يزيدهم إلا نفورا } عن الحق وقلة طمأنينة إليه. وعن سفيان كان ~~إذا قرأها قال زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا. ### || [17.42-43] # قرىء ms1081 «كما تقولون» بالتاء والياء. و { إذا } دالة على أن ما بعدها وهو ~~{ لابتغوا } جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل لو ومعنى { ~~لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا } لطلبوا إلى من له الملك ~~والربوبية سبيلا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض، كقوله # لو كان فيهما الهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22 وقيل لتقربوا إليه، كقوله # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة # الإسراء 57. { علوا } في معنى تعاليا. والمراد البراءة عن ذلك ~~والنزاهة. ومعنى وصف العلو بالكبر المبالغة في معنى البراءة والبعد مما ~~وصفوه به. ### || [17.44] # والمراد أنها تسبح له بلسان الحال، حيث تدل على الصانع وعلى قدرته ~~وحكمته، فكأنها تنطق بذلك، وكأنها تنزه الله عز وجل مما لا يجوز عليه من ~~الشركاء وغيرها. فإن قلت فما تصنع بقوله { ولكن لا تفقهون ~~تسبيحهم } وهذا التسبيح مفقوه معلوم؟ قلت الخطاب للمشركين، وهم وإن ~~كانوا إذا سئلوا عن خالق السموات والأرض قالوا الله إلا أنهم لما جعلوا ~~معه آلهة مع إقرارهم، فكأنهم لم ينظروا ولم يقروا لأن نتيجة النظر ~~الصحيح والإقرار الثابت خلاف ما كانوا عليه، فإذا لم يفقهوا التسبيح ولم ~~يستوضحوا الدلالة على الخالق. فإن قلت من فيهن يسبحون على الحقيقة وهم ~~الملائكة والثقلان، وقد عطفوا على السموات والأرض، فما وجهه؟ قلت التسبيح ~~المجازي حاصل في الجميع فوجب الحمل عليه، وإلا كانت الكلمة الواحدة في ~~حالة واحدة محمولة عل الحقيقة والمجاز { إنه كان حليما غفورا ~~} حين لا يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء نظركم وجهلكم بالتسبيح ~~وشرككم. ### || [17.45-48] # { حجابا مستورا } ذا ستر كقولهم. سيل مفعم ذو إفعام. وقيل هو ~~حجاب لا يرى فهو مستور. ويجوز أن يراد أنه حجاب من دونه حجاب أو حجب، فهو ~~مستور بغيره. أو حجاب يستر أن يبصر، فكيف يبصر المحتجب به، وهذه حكاية ~~لما كانوا يقولونه # وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفى ~~ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب # فصلت 5 كأنه قال وإذا قرأت القرآن جعلنا على زعمهم { أن يفقهوه } ~~كراهة أن يفقهوه. أو لأن قوله { وجعلنا ms1082 على قلوبهم ~~أكنة } فيه معنى المنع من الفقه، فكأنه قيل ومنعناهم أن يفقهوه. ~~يقال وحد يحد وحدا وحدة، نحو وعد يعد وعدا وعدة، و { وحده } من باب ~~رجع عوده على بدئه، وافعله جهدك وطاقتك في أنه مصدر ساد مسد الحال، ~~أصله يحد وحده بمعنى واحدا، وحده. والنفور مصدر بمعنى التولية. أو جمع ~~نافر كقاعد وقعود، أي يحبون أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا سمعوا ~~بالتوحيد نفروا { بما يستمعون به } من الهزؤ بك وبالقرآن، ومن ~~اللغو كان يقوم عن يمينه إذا قرأ رجلان من عبد الدار، ورجلان منهم عن ~~يساره، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار. و { به } في موضع الحال ~~كما تقول يستمعون بالهزؤ أي هازئين. و { إذ يستمعون } نصب بأعلم، ~~أي أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون { وإذ هم نجوى } وبما ~~يتناجون به، إذ هم ذوو نجوى { إذ يقول } بدل من إذ هم { مسحورا ~~} سحر فجن. وقيل هو من السحر وهو الرئة، أي هو بشر مثلكم { ضربوا ~~لك الأمثال } مثلوك بالشاعر والساحر والمجنون { فضلوا } في ~~جميع ذلك ضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه فلا يقدر عليه، فهو متحير ~~في أمره لا يدري ما يصنع. ### || [17.49-51] # لما قالوا أئذا كنا عظاما قيل لهم { كونوا حجارة أو حديدا ~~} فرد قوله كونوا، على قولهم كنا، كأنه قيل كونوا حجارة أو حديدا ولا ~~تكونوا عظاما، فإنه يقدر على إحيائكم والمعنى أنكم تستبعدون أن يجدد ~~الله خلقكم، ويرده إلى حال الحياة وإلى رطوبة الحي وغضاضته بعدما كنتم ~~عظاما يابسة، مع أن العظام بعض أجزاء الحي، بل هي عمود خلقه الذي يبني ~~عليه سائره، فليس ببدع أن يردها الله بقدرته إلى حالتها الأولى، ولكن لو ~~كنتم أبعد شيء من الحياة ورطوبة الحي ومن جنس ما ركب منه البشر - وهو أن ~~تكونوا حجارة يابسة أو حديدا مع أن طباعها الجسارة والصلابة - لكان ~~قادرا على أن يردكم إلى حال الحياة { أو خلقا مما يكبر فى ~~صدوركم } يعني أو خلقا مما يكبر عندكم عن قبول الحياة ويعظم ms1083 في ~~زعمكم على الخالق إحياؤه فإنه يحييه. وقيل ما يكبر في صدورهم الموت. وقيل ~~السموات والأرض { فسينغضون } فسيحركونها نحوك تعجبا واستهزاء. ### || [17.52] # والدعاء والاستجابة كلاهما مجاز. والمعنى يوم يبعثكم فتنبعثون مطاوعين ~~منقادين لا تمتنعون. وقوله { بحمده } حال منهم، أي حامدين، وهي ~~مبالغة في انقيادهم للبعث، كقولك لمن تأمره بركوب ما يشق عليه فيتأبى ~~ويتمنع ستركبه وأنت حامد شاكر، يعني أنك تحمل عليه وتقسر قسرا حتى أنك ~~تلين لين المسمح الراغب فيه الحامد عليه، وعن سعيد بن جبير ينفضون التراب ~~عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك { وتظنون } وترون الهول، ~~فعنده تستقصرون مدة لبثكم في الدنيا، وتحسبونها يوما أو بعض يوم. وعن ~~قتادة تحاقرت الدنيا في أنفسهم حين عاينوا الآخرة. ### || [17.53-54] # { وقل لعبادى } وقل للمؤمنين { يقولوا } للمشركين الكلمة { ~~التى هى أحسن } وألين ولا يخاشنوهم، كقوله وجادلهم بالتي هي ~~أحسن. وفسر التي هي أحسن بقوله { ربكم أعلم بكم إن يشأ ~~يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم } يعني يقولوا لهم هذه الكلمة ~~ونحوها، ولا يقولوا لهم إنكم من أهل النار وإنكم معذبون وما أشبه ذلك مما ~~يغيظهم ويهيجهم على الشر. وقوله { إن الشيطن ينزغ ~~بينهم } اعتراض، يعني يلقي بينهم الفساد ويغري بعضهم على بعض ليقع ~~بينهم المشارة والمشاقة { وما أرسلنك عليهم وكيلا } ~~أي ربا موكولا إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه، وإنما ~~أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالمداراة والاحتمال وترك ~~المحاقة والمكاشفة، وذلك قبل نزول آية السيف. وقيل نزلت في عمر رضي الله ~~عنه شتمه رجل فأمره الله بالعفو. وقيل أفرط إيذاء المشركين للمسلمين ~~فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقيل الكلمة التي هي أحسن ~~أن يقولوا يهديكم الله، يرحمكم الله. وقرأ طلحة «ينزغ» بالكسر وهما ~~لغتان، نحو يعرشون ويعرشون. ### || [17.55] # هو رد على أهل مكة في إنكارهم واستبعادهم أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، ~~وأن تكون العراة الجوع أصحابه، كصهيب وبلال وخباب وغيرهم، دون أن يكون ~~ذلك في بعض أكابرهم وصناديدهم، يعني وربك أعلم بمن في السموات والأرض ~~وبأحوالهم ms1084 ومقاديرهم وبما يستأهل كل واحد منهم، وقوله { ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض } إشارة إلى تفضيل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقوله { وءاتينا داوود زبورا } دلالة ~~على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم لأن ذلك ~~مكتوب في زبور داود. قال الله تعالى # ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض ~~يرثها عبادى الصلحون # الأنبياء 105 وهم محمد وأمته. فإن قلت هلا عرف الزبور كما عرف في قوله # ولقد كتبنا فى الزبور # الأنبياء 105 قلت يجوز أن يكون الزبور وزبور كالعباس وعباس، والفضل ~~وفضل، وأن يريد وآتينا داود بعض الزبر وهي الكتب، وأن يريد ما ذكر فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزبور، فسمى ذلك زبورا، لأنه بعض ~~الزبور كما سمى بعض القرآن قرآنا. ### || [17.56-57] # { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } هم الملائكة، وقيل ~~عيسى ابن مريم، وعزير، وقيل نفر من الجن، عبدهم ناس من العرب ثم أسلم ~~الجن ولم يشعروا، أي ادعوهم فهم لا يستطيعون أن يكشفوا عنكم الضر من مرض ~~أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر أو يبدلوه. و { ~~أولئك } مبتدأ، و { الذين يدعون } صفته، و { يبتغون } ~~خبره، يعني أن آلهتهم أولئك يبتغون الوسيلة وهي القربة إلى الله تعالى. و ~~{ أيهم } بدل من واو يبتغون، وأي موصولة، أي يبتغي من هو أقرب منهم ~~وأزلف الوسيلة إلى الله، فكيف بغير الأقرب. أو ضمن يبتغون الوسيلة معنى ~~يحرصون، فكأنه قيل يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بالطاعة وازدياد ~~الخير والصلاح، ويرجون، ويخافون، كما غيرهم من عباد الله فكيف يزعمون ~~أنهم آلهة؟ { إن عذاب ربك كان } حقيقا بأن يحذره كل أحد من ~~ملك مقرب ونبي مرسل، فضلا عن غيرهم. ### || [17.58] # { نحن مهلكوها } بالموت والاستئصال { أو معذبوها } ~~بالقتل وأنواع العذاب. وقيل الهلاك للصالحة، والعذاب للطالحة. وعن مقاتل ~~وجدت في كتب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها أما مكة فيخربها الحبشة، وتهلك ~~المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق ~~والرواجف. ms1085 وأما خراسان فعذابها ضروب، ثم ذكرها بلدا بلدا { فى ~~الكتب } في اللوح المحفوظ. ### || [17.59] # استعير المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة. و «أن» الأولى ~~منصوبة والثانية مرفوعة، تقديره وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب ~~الأولين. والمراد الآيات التي اقترحتها قريش من قلب الصفا ذهبا ومن ~~إحياء الموتى وغير ذلك وعادة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب ~~إليها ثم لم يؤمن أن يعاجل بعذاب الاستئصال، فالمعنى وما صرفنا عن إرسال ~~ما يقترحونه من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على ~~قلوبهم كعاد وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك وقالوا هذا ~~سحر مبين كما يقولون في غيرها، واستوجبوا العذاب المستأصل، وقد عزمنا أن ~~نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة، ثم ذكر من تلك الآيات - التي ~~اقترحها الأولون ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا - واحدة وهي ناقة صالح ~~لأن آثار هلاكهم في بلاد العرب قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم { ~~مبصرة } بينة. وقرىء «مبصرة» بفتح الميم { فظلموا بها } ~~فكفروا بها { وما نرسل بالأيت } إن أراد بها الآيات المقترحة ~~فالمعنى لا نرسلها { إلا تخويفا } من نزول العذاب العاجل كالطليعة ~~والمقدمة له، فإن لم يخافوا وقع عليهم وإن أراد غيرها فالمعنى وما نرسل ~~ما نرسل من الآيات كآيات القرآن وغيرها إلا تخويفا وإنذارا بعذاب ~~الآخرة. ### || [17.60] # { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } واذكر إذ ~~أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش، يعني بشرناك بوقعة بدر وبالنصرة عليهم. ~~وذلك قوله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # القمر 45، # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون # آل عمران 12 وغير ذلك، فجعله كأن قد كان ووجد، فقال أحاط بالناس على ~~عادته في إخباره. 620 وحين تزاحف الفريقان يوم بدر والنبي صلى الله عليه ~~وسلم في العريش مع أبي بكر رضي الله عنه كان يدعو ويقول # " اللهم إني أسألك عهدك ووعدك " # ثم خرج وعليه الدرع يحرض الناس ويقول { سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } ولعل الله تعالى أراه مصارعهم في منامه. 621 ms1086 ~~فقد كان يقول حين ورد ماء بدر # " والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم " # وهو يوميء إلى الأرض ويقول هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، فتسامعت قريش ~~بما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر يوم بدر وما أري» في ~~منامه من مصارعهم، فكانوا يضحكون ويستسخرون ويستعجلون به استهزاء وحين ~~سمعوا بقوله # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # الدخان 43 جعلوها سخرية وقالوا إن محمدا يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة، ~~ثم يقول ينبت فيها الشجر. وما قدر الله حق قدره من قال ذلك، وما أنكروا ~~أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار! فهذا وبر السمندل وهو دويبة ~~ببلاد الترك تتخذ منه مناديل، إذا اتسخت طرحت في النار فذهب الوسخ وبقي ~~المنديل سالما لا تعمل فيه النار. وترى النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد ~~الحمر كالجمر بإحماء النار فلا تضرها، ثم أقرب من ذلك أنه خلق في كل شجرة ~~نارا فلا تحرقها، فما أنكروا أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى ~~أن الآيات إنما يرسل بها تخويفا للعباد، وهؤلاء قد خوفوا بعذاب الدنيا ~~وهو القتل يوم بدر. فما كان ما { أرينك } منه في منامك بعد الوحي ~~إليك { إلا فتنة } لهم حيث اتخذوه سخريا وخوفوا بعذاب الآخرة ~~وشجرة الزقوم فما أثر فيهم، ثم قال فيهم { ونخوفهم } أي نخوفهم ~~بمخاوف الدنيا والآخرة { فما يزيدهم } التخويف { إلا ~~طغيانا كبيرا } فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من ~~الآيات. وقيل الرؤيا هي الإسراء، وبه تعلق من يقول كان الإسراء في ~~المنام، ومن قال كان في اليقظة، فسر الرؤيا بالرؤية. وقيل إنما سماها ~~رؤيا على قول المكذبين حيث قالوا له لعلها رؤيا رأيتها، وخيال خيل إليك، ~~استبعادا منهم، كما سمى أشياء بأساميها عند الكفرة، نحو قوله # فراغ إلى ءالهتهم # الصافات 91، # أين شركائى # النحل 27، # ذق إنك أنت العزيز الكريم # الدخان 49 وقيل هي رؤياه أنه سيدخل مكة. # وقيل رأى في المنام أن ولد الحكم يتداولون منبره كما يتداول الصبيان ~~الكرة. فإن قلت أين ms1087 لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ قلت لعنت حيث لعن ~~طاعموها من الكفرة والظلمة لأن الشجرة لا ذنب لها حتى تلعن على الحقيقة، ~~وإنما وصفت بلعن أصحابها على المجاز. وقيل وصفها الله باللعن، لأن اللعن ~~الإبعاد من الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة، وقيل تقول ~~العرب لكل طعام مكروه ضار ملعون، وسألت بعضهم فقال نعم الطعام الملعون ~~القشب الممحوق. وعن ابن عباس هي الكشوث التي تتلوى بالشجر يجعل في ~~الشراب. وقيل هي الشيطان وقيل أبو جهل. وقرىء «والشجرة الملعونة» ~~بالرفع، على أنها مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قيل والشجرة الملعونة في ~~القرآن كذلك. ### || [17.61-65] # { طينا } حال إما من الموصول والعامل فيه أسجد، على أأسجد له وهو طين، ~~أي أصله طين. أو من الراجع إليه من الصلة على أأسجد لمن كان في وقت خلقه ~~طينا { أرءيتك } الكاف للخطاب، و { هذا } مفعول به. والمعنى ~~أخبرني عن هذا { الذى كرمت } ه { على } أي فضلته، لم ~~كرمته علي وأنا خير منه؟ فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثم ابتدأ فقال { ~~لئن أخرتنى } واللام موطئة للقسم المحذوف { لأحتنكن ~~ذريته } لأستأصلنهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما ~~عليها أكلا، وهو من الحنك. ومنه ما ذكر سيبويه من قولهم أحنك الشاتين أي ~~أكلهما. فإن قلت من أين علم أن ذلك يتسهل له وهو من الغيب؟ قلت إما أن ~~سمعه من الملائكة وقد أخبرهم الله به، أو خرجه من قولهم أتجعل فيها من ~~يفسد فيها، أو نظر إليه فتوسم في مخايله أنه خلق شهواني. وقيل قال ذلك ~~لما عملت وسوسته في آدم، والظاهر أنه قال ذلك قبل أكل آدم من الشجرة { ~~اذهب } ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء، إنما معناه امض لشأنك الذي ~~اخترته خذلانا وتخلية، وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره في قوله { فمن ~~تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم } كما قال موسى عليه ~~السلام للسامري # فاذهب فإن لك فى الحيوة أن تقول لا مساس # طه 97. فإن قلت أما كان من حق الضمير في الجزاء ms1088 أن يكون على لفظ الغيبة ~~ليرجع إلى من تبعك؟ قلت بلى، ولكن التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك، ثم ~~غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم. ويجوز أن يكون للتابعين على طريق ~~الالتفات، وانتصب { جزاء موفورا } بما في { فإن جهنم ~~جزاؤكم } من معنى تجازون. أو بإضمار تجازون. أو على الحال لأن ~~الجزاء موصوف بالموفور، والموفور الموفر. يقال فر لصاحبك عرضه فرة. ~~استفزه استخفه. والفز الخفيف { وأجلب } من الجلبة وهي الصياح. ~~والخيل الخيالة. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم 622 # " يا خيل الله اركبي " # والرجل اسم جمع للراجل. ونظيره الركب والصحب. وقرىء «ورجلك»، على أن ~~فعلا بمعنى فاعل، نحو تعب وتاعب. ومعناه وجمعك الرجل، وتضم جيمه أيضا ~~فيكون مثل حدث وحدث، وندس وندس، وأخوات لهما. يقال رجل رجل. وقرىء ~~«ورجالك ورجالك» فإن قلت ما معنى استفزاز إبليس بصوته وإجلابه بخيله ~~ورجله؟ قلت هو كلام ورد مورد التمثيل، مثلت حاله في تسلطه على من يغويه ~~بمغوار أوقع على قوم فصوت بهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ويقلقهم عن ~~مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم. وقيل بصوته، ~~بدعائه إلى الشر. # وخيله ورجله كل راكب وماش من أهل العيث، وقيل يجوز أن يكون لإبليس خيل ~~ورجال. وأما المشاركة في الأموال والأولاد فكل معصية يحملهم عليها في ~~بابهما، كالربا والمكاسب المحرمة، والبحيرة والسائبة، والإنفاق في ~~الفسوق، والإسراف. ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالسبب الحرام، ~~ودعوى ولد بغير سبب، والتسمية بعبد العزى وعبد الحرث، والتهويد والتنصير، ~~والحمل على الحرف الذميمة والأعمال المحظورة، وغير ذلك { وعدهم } ~~المواعيد الكاذبة. من شفاعة الآلهة والكرامة على الله بالأنساب الشريفة، ~~وتسويف التوبة ومغفرة الذنوب بدونها، والاتكال على الرحمة، وشفاعة الرسول ~~في الكبائر والخروج من النار بعد أن يصيروا حمما، وإيثار العاجل على ~~الآجل { إن عبادى } يريد الصالحين { ليس لك عليهم ~~سلطن } أي لا تقدر أن تغويهم { وكفى بربك وكيلا } لهم ~~يتوكلون به في الاستعاذة منك، ونحوه قوله { إلا عبادك منهم ~~المخلصين } فإن قلت كيف جاز أن يأمر الله إبليس بأن يتسلط ms1089 على ~~عباده مغويا مضلا، داعيا إلى الشر، صادا عن الخير؟ قلت هو من الأوامر ~~الواردة على سبيل الخذلان والتخلية، كما قال للعصاة اعملوا ما شئتم. ### || [17.66-67] # { يزجى } يجري ويسير. والضر خوف الغرق { ضل من تدعون إلا ~~إياه } ذهب عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه ~~وحده، فإنكم لا تذكرون سواه، ولا تدعونه في ذلك الوقت ولا تعقدون برحمته ~~رجاءكم، ولا تخطرون ببالكم أن غيره يقدر على إغاثتكم، أو لم يهتد ~~لإنقاذكم أحد غيره من سائر المدعوين. ويجوز أن يراد ضل من تدعون من ~~الآلهة عن إغاثتكم، ولكن الله وحده هو الذي ترجونه وحده على الاستثناء ~~المنقطع. ### || [17.68-69] # { أفأمنتم } الهمزة للإنكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره ~~أنجوتم فأمنتم، فحملكم ذلك على الإعراض. فإن قلت بم انتصب { جانب ~~البر }؟ قلت بيخسف مفعولا به، كالأرض في قوله # فخسفنا به وبداره الأرض # القصص 81. و { بكم } حال. والمعنى أن يخسف جانب البر، أي يقلبه وأنتم ~~عليه. فإن قلت فما معنى ذكر الجانب؟ قلت معناه أن الجوانب والجهات كلها ~~في قدرته سواء، وله في كل جانب برا كان أو بحرا سبب مرصد من أسباب ~~الهلكة، ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك، بل إن كان الغرق في جانب ~~البحر، ففي جانب البر ما هو مثله وهو الخسف لأنه تغييب تحت التراب كما ~~أن الغرق تغييب تحت الماء، فالبر والبحر عنده سيان يقدر في البر على ~~نحو ما يقدر عليه في البحر، فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع ~~الجوانب وحيث كان { أو يرسل عليكم حاصبا } وهي الريح التي ~~تحصب أي ترمي بالحصباء، يعني أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، ~~أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون ~~أشد عليكم من الغرق في البحر { وكيلا } من يتوكل بصرف ذلك عنكم { ~~أم أمنتم } أن يقوي دواعيكم ويوفر حوائجكم إلى أن ترجعوا فتركبوا ~~البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم، فينتقم منكم بأن يرسل { عليكم ~~قاصفا } وهي الريح التي لها قصيف ms1090 وهو الصوت الشديد، كأنها تتقصف أي ~~تتكسر. وقيل التي لا تمر بشيء إلا قصفته { فيغرقكم } وقرىء ~~«بالتاء» أي الريح «وبالنون» وكذلك نخسف، ونرسل، ونعيدكم، قرئت بالياء ~~والنون. التبيع المطالب، من قوله # فاتباع بالمعروف # البقرة 178 أي مطالبة. قال الشماخ # كما لاذ الغريم من التبيع # يقال فلان على فلان تبيع بحقه، أي مصيطر عليه مطالب له بحقه. والمعنى ~~أنا نفعل ما نفعل بهم، ثم لا تجد أحدا يطالبنا بما فعلنا انتصارا منا ~~ودركا للثأر من جهتنا. وهذا نحو قوله # ولا يخاف عقبها # الشمس 15. { بما كفرتم } بكفرانكم النعمة، يريد إعراضهم حين ~~نجاهم. ### || [17.70] # قيل في تكرمة ابن آدم كرمه الله بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط، ~~والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد. وقيل ~~بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم. وقيل كل شيء يأكل بفيه إلا ابن ~~آدم، وعن الرشيد أنه أحضر طعاما فدعا بالملاعق وعنده أبو يوسف، فقال له ~~جاء في تفسير جدك ابن عباس قوله تعالى { ولقد كرمنا بنى ~~ءادم } جعلنا لهم أصابع يأكلون بها، فأحضرت الملاعق فردها وأكل ~~بأصابعه { على كثير ممن خلقنا } هو ما سوى الملائكة وحسب بني آدم تفضيلا ~~أن ترفع عليهم الملائكة وهم هم ومنزلتهم عند الله منزلتهم. والعجب من ~~المجبرة كيف عكسوا في كل شيء وكابروا، حتى جسرتهم عادة المكابرة على ~~العظيمة التي هي تفضيل الإنسان على الملك، وذلك بعد ما سمعوا تفخيم الله ~~أمرهم وتكثيره مع التعظيم ذكرهم، وعلموا أين أسكنهم، وأنى قربهم، وكيف ~~نزلهم من أنبيائه منزلة أنبيائه من أممهم، ثم جرهم فرط التعصب عليهم إلى ~~أن لفقوا أقوالا وأخبارا منها 623 قالت الملائكة ربنا إنك أعطيت بني ~~آدم الدنيا يأكلون منها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال ~~وعزتي وجلالي، لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان. ورووا عن ~~أبي هريرة أنه قال لمؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده. ومن ~~ارتكابهم أنهم فسروا { كثيرا } بمعنى «جميع» في هذه الآية، وخذلوا حتى ~~سلبوا الذوق فلم يحسوا ms1091 ببشاعة قولهم وفضلناهم على جميع ممن خلقنا، على أن ~~معنى قولهم { على جميع ممن خلقنا } أشجى لحلوقهم وأقذى ~~لعيونهم، ولكنهم لا يشعرون. فانظر إلى تمحلهم وتشبثهم بالتأويلات البعيدة ~~في عداوة الملأ الأعلى، كأن جبريل عليه السلام غاظهم حين أهلك مدائن قوم ~~لوط، فتلك السخيمة لا تنحل عن قلوبهم. ### || [17.71] # قرىء «يدعو»، بالياء والنون. ويدعى كل أناس، على البناء للمفعول. وقرأ ~~الحسن «يدعوا كل أناس»، على قلب الألف واوا في لغة من يقول افعوا. ~~والظرف نصب بإضمار اذكر. ويجوز أن يقال إنها علامة الجمع، كما في # وأسروا النجوى الذين ظلموا # الأنبياء 3 والرفع مقدر كما في يدعى، ولم يؤت بالنون قلة مبالاة بها، ~~لأنها غير ضمير، ليست إلا علامة { بإممهم } بمن ائتموا به من ~~نبي أو مقدم في الدين، أو كتاب، أو دين، فيقال يا أتباع فلان، يا أهل ~~دين كذا وكتاب كذا، وقيل بكتاب أعمالهم، فيقال يا أصحاب كتاب الخير، ويا ~~أصحاب كتاب الشر. وفي قراءة الحسن «بكتابهم» ومن بدع التفاسير أن الإمام ~~جمع أم، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء ~~بالأمهات دون الاباء رعاية حق عيسى عليه السلام، وإظهار شرف الحسن ~~والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنا. وليت شعري أيهما أبدع؟ أصحة لفظه أم ~~بهاء حكمته؟ { فمن أوتى } من هؤلاء المدعوين { كتبه ~~بيمينه فأولئك يقرءون كتبهم } قيل أولئك، لأن من ~~أوتي في معنى الجمع. فإن قلت لم خص أصحاب اليمين بقراءة كتابهم؟ كأن ~~أصحاب الشمال لا يقرؤن كتابهم؟ قلت بلى، ولكن إذا اطلعوا على ما في ~~كتابهم، أخذهم ما يأخذ المطالب بالنداء على جناياته، والاعتراف بمساويه، ~~أمام التنكيل به والانتقام منه، من الحياء والخجل والانخزال، وحبسة ~~اللسان، والتتعتع، والعجز عن إقامة حروف الكلام، والذهاب عن تسوية القول ~~فكأن قراءتهم كلا قراءة. وأما أصحاب اليمين فأمرهم على عكس ذلك، لا جرم ~~أنهم يقرؤن كتابهم أحسن قراءة وأبينها، ولا يقنعون بقراءتهم وحدهم حتى ~~يقول القارىء لأهل المحشر # هاؤم اقرؤا كتبيه # الحاقة 19. { ولا يظلمون فتيلا } ولا ينقصون من ms1092 ثوابهم أدنى ~~شيء، كقوله # ولا يظلمون شيئا # مريم 60، # فلا يخاف ظلما ولا هضما # طه 112. ### || [17.72] # معناه ومن كان في الدنيا أعمى، فهو في الآخرة أعمى كذلك { وأضل ~~سبيلا } من الأعمى والأعمى مستعار ممن لا يدرك المبصرات لفساد حاسته، ~~لمن لا يهتدي إلى طريق النجاة أما في الدنيا فلفقد النظر. وأما في ~~الآخرة، فلأنه لا ينفعه الاهتداء إليه، وقد جوزوا أن يكون الثاني بمعنى ~~التفضيل. ومن ثم قرأ أبو عمرو الأول ممالا، والثاني مفخما، لأن أفعل ~~التفضيل تمامه بمن، فكانت ألفه في حكم الواقعة في وسط الكلام، كقولك ~~أعمالكم وأما الأول فلم يتعلق به شيء، فكانت ألفه واقعة في الطرف معرضة ~~للإمالة. ### || [17.73-75] # 624 روي أن ثقيفا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم لا ندخل في أمرك حتى ~~تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا نحشر، ولا نجبي في ~~صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا ~~باللات سنة، ولا نكسرها بأيدينا عند رأس الحول، وأن تمنع من قصد وادينا ~~وج فعضد شجره، فإذا سألتك العرب لم فعلت ذلك؟ فقل إن الله أمرني به، ~~وجاؤا بكتابهم فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله ~~لثقيف لا يعشرون ولا يحشرون، فقالوا ولا يجبون. فسكت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قالوا للكاتب اكتب ولا يجبون، والكاتب ينظر إلى رسول الله، ~~فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسل سيفه وقال أسعرتم قلب نبينا يا معشر ~~ثقيف أسعر الله قلوبكم نارا، فقالوا لسنا نكلم إياك، إنما نكلم محمدا. ~~فنزلت. وروي أن قريشا قالوا له اجعل آية رحمة آية عذاب، وآية عذاب آية ~~رحمة، حتى نؤمن بك. فنزلت { وإن كادوا ليفتنونك } إن مخففة ~~من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى أن الشأن ~~قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين { عن الذى أوحينا إليك ~~} من أوامرنا ونواهينا ووعدنا ووعيدنا { لتفترى علينا } لتقول ~~علينا ما لم نقل، يعني ما أرادوه عليه من تبديل ms1093 الوعد وعيدا والوعيد ~~وعدا، وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزله عليه { وإذا ~~لاتخذوك } أي ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك { خليلا } ولكنت لهم ~~وليا وخرجت من ولايتي { ولولا أن ثبتنك } ولولا تثبيتنا لك ~~وعصمتنا { لقد كدت تركن إليهم } لقاربت أن تميل إلى خدعهم ~~ومكرهم، وهذا تهييج من الله له وفضل تثبيت، وفي ذلك لطف للمؤمنين { إذا ~~} لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة { لأذقنك ضعف الحيوة ~~وضعف الممات } أي لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين. فإن ~~قلت كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، ~~لأن العذاب عذابان عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في الحياة ~~الآخرة وهو عذاب النار. والضعف يوصف به، نحو قوله # فآتهم عذابا ضعفا من النار # الأعراف 38 بمعنى مضاعفا، فكان أصل الكلام لأذقناك عذابا ضعفا في ~~الحياة، وعذابا ضعفا في الممات. ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو ~~الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل ضعف الحياة وضعف الممات، كما ~~لو قيل لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. ويجوز أن يراد بضعف الحياة ~~عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب ~~النار، والمعنى لضاعفنا لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا، وما ~~نؤخره لما بعد الموت، وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد ~~الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين - دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه ~~بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل ~~والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله - تعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا - وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ~~ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله. # فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها، فهي جديرة ~~بالتدبر، وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت كان يقول 625 # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ". ### || [17.76-77] # { وإن كادوا } وإن كاد أهل مكة { ليستفزونك ms1094 } ليزعجونك ~~بعداوتهم ومكرهم { من الأرض } من أرض مكة { وإذا لا ~~يلبثون } لا يبقون بعد إخراجك { إلا } زمانا { قليلا } فإن ~~الله مهلكهم وكان كما قال، فقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل. وقيل معناه ~~ولو أخرجوك لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم. ولم يخرجوه، بل هاجر بأمر ربه. وقيل ~~من أرض العرب. وقيل من أرض المدينة، وذلك. 626 أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما هاجر حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فاجتمعوا إليه وقالوا ~~يا أبا القاسم، إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام وهي بلاد مقدسة وكانت ~~مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لآمنا بك واتبعناك، وقد علمنا أنه لا ~~يمنعك من الخروج إلا خوف الروم، فإن كنت رسول الله فالله مانعك منهم، ~~فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة، وقيل بذي ~~الحليفة، حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشام ~~لحرصه على دخول الناس في دين الله، فنزلت، فرجع وقرىء «لا يلبثون» وفي ~~قراءة أبي «لا يلبثوا» على إعمال «إذا». فإن قلت ما وجه القراءتين؟ قلت ~~أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل. وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد، ~~والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم. وأما قراءة أبي ففيها الجملة برأسها ~~التي هي إذا لا يلبثوا، عطف على جملة قوله { وإن كادوا ~~ليستفزونك } وقرىء «خلافك» قال # عفت الديار خلافهم فكأنما بسط الشواطب ~~بينهن حصيرا # أي بعدهم { سنة من قد أرسلنا } يعني أن كل قوم أخرجوا ~~رسولهم من بين ظهرانيهم، فسنة الله أن يهلكهم، ونصبت نصب المصدر المؤكد، ~~أي سن الله ذلك سنة. ### || [17.78-79] # دلكت الشمس غربت. وقيل زالت. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم 627 # " أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس. فصلى بي الظهر " # واشتقاقه من الدلك، لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها، فإن كان ~~الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وإن كان الغروب فقد خرجت منها ~~الظهر والعصر. والغسق الظلمة، وهو وقت صلاة العشاء { وقرءان ~~الفجر } صلاة الفجر، سميت ms1095 قرآنا وهو القراءة، لأنها ركن، كما سميت ~~ركوعا وسجودا وقنوتا. وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن ~~القراءة ليست بركن { مشهودا } يشهده ملائكة الليل والنهار، ينزل ~~هؤلاء، ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، أو يشهده ~~الكثير من المصلين في العادة. أو من حقه أن يكون مشهودا بالجماعة ~~الكثيرة. ويجوز أن يكون { وقرءان الفجر } حثا على طول القراءة ~~في صلاة الفجر، لكونها مكثورا عليها، ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب ~~ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة { ومن اليل } وعليك بعض ~~الليل { فتهجد به } والتهجد ترك الهجود للصلاة، ونحو التأثم ~~والتحرج. ويقال أيضا في النوم تهجد { نافلة لك } عبادة زائدة لك ~~على الصلوات الخمس، وضع نافلة موضع تهجدا لأن التهجد عبادة زائدة فكان ~~التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. والمعنى أن التهجد زيد لك على ~~الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوع لهم { مقاما ~~محمودا } نصب على الظرف، أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما ~~محمودا. أو ضمن يبعثك معنى يقيمك. ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا ~~مقام محمود. ومعنى المقام المحمود المقام الذي يحمده القائم فيه، وكل من ~~رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجب الحمد من أنواع الكرامات، وقيل المراد ~~الشفاعة، وهي نوع واحد مما يتناوله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما مقام ~~يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى، ~~وتشفع فتشفع، ليس أحد إلا تحت لوائك. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 628 # " هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي " # وعن حذيفة 629 يجمع الناس في صعيد واحد، فلا تتكلم نفس، فأول مدعو ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيقول # " لبيك وسعديك والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك وبك ~~وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت ~~" # قال فهذا قوله { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }. ### || [17.80] # قرىء «مدخل ومخرج» بالضم والفتح بمعنى المصدر. ومعنى الفتح ms1096 أدخلني فأدخل ~~مدخل صدق، أي أدخلني القبر مدخل صدق إدخالا مرضيا على طهارة وطيب من ~~السيئات، وأخرجني منه عند البعث إخراجا مرضيا، ملقى بالكرامة، آمنا من ~~السخط، يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث. وقيل نزلت حين أمر بالهجرة، ~~يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة. وقيل إدخاله مكة ظاهرا عليها ~~بالفتح، وإخراجه منها آمنا من المشركين، وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه ~~سالما. وقيل إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر - وهو النبوة - وإخراجه ~~منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط. وقيل الطاعة. وقيل هو عام في كل ما ~~يدخل فيه ويلابسه من أمر ومكان { سلطنا } حجة تنصرني على من ~~خالفني. أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر مظهرا له عليه، ~~فأجيب دعوته بقوله # والله يعصمك من الناس # المائدة 67. # فإن حزب الله هم الغلبون # المائدة 56، # ليظهره على الدين كله # التوبة 33، # ليستخلفنهم فى الارض # النور 55 ووعده لينزعن ملك فارس والروم، فيجعله له. وعنه صلى الله عليه ~~وسلم 630 أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال # " انطلق فقد استعملتك على أهل الله " # فكان شديدا على المريب، لينا على المؤمن وقال لا والله لا أعلم ~~متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلف عن ~~الصلاة إلا منافق. فقال أهل مكة يا رسول الله، لقد استعملت على أهل الله ~~عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا، فقال صلى الله عليه وسلم # " إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة، فأخذ ~~بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها، فأعز الله به ~~الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم، فذلك السلطان النصير ". ### || [17.81] # كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما ضم كل قوم بحيالهم. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما كانت لقبائل العرب يحجون إليها وينحرون لها، فشكا البيت ~~إلى الله عز وجل فقال أي رب، حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك، فأوحى ~~الله إلى البيت إني سأحدث لك نوبة جديدة، فأملأك خدودا سجدا، يدفون ~~إليك ms1097 دفيف النسور، يحنون إليك حنين الطير إلى بيضها. لهم عجيج حولك ~~بالتلبية.. 631 ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل عليه السلام ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم خذ مخصرتك ثم ألقها، فجعل يأتي صنما ~~صنما وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول جاء الحق وزهق الباطل، فينكب ~~الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من ~~قوارير صفر فقال يا علي، ارم به، فحمله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون ما رأينا رجلا أسحر من ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وشكاية البيت والوحي إليه تمثيل وتخييل { ~~وزهق البطل } ذهب وهلك، من قولهم زهقت نفسه، إذا خرجت. والحق ~~الإسلام. والباطل الشرك { كان زهوقا } كان مضمحلا غير ثابت في كل ~~وقت. ### || [17.82] # { وننزل } قرىء «بالتخفيف والتشديد» { من القرءان } من ~~للتبيين، كقوله { من الأوثن } أو للتبعيض، أي كل شيء نزل من ~~القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يزدادون به إيمانا، ويستصلحون به دينهم، ~~فموقعه منهم موقع الشفاء من المرضى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 632 # " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " # ولا يزداد به الكافرون { إلا خسارا } أي نقصانا لتكذيبهم به ~~وكفرهم، كقوله تعالى { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } التوبة ~~125. ### || [17.83-84] # { وإذا أنعمنا على الإنسن } بالصحة والسعة { أعرض } ~~عن ذكر الله، كأنه مستغن عنه مستبد بنفسه { ونأى بجانبه } تأكيد ~~للإعراض لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه. والنأي بالجانب أن ~~يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين ~~{ وإذا مسه الشر } من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل { كان ~~يئوسا } شديد اليأس من روح الله { إنه لاييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون } وقرىء «وناء بجانبه» بتقديم اللام على العين، كقوله «راء» في ~~«رأى» ويجوز أن يكون من «ناء» بمعنى «نهض» { قل كل } أحد { يعمل ~~على شاكلته } أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى ~~والضلالة، من قولهم «طريق ذو شواكل» وهي الطرق ms1098 التي تتشعب منه، والدليل ~~عليه قوله { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } أي ~~أسد مذهبا وطريقة. ### || [17.85] # الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان. سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من ~~أمر الله، أي مما استأثر بعلمه. وعن عبد الله بن بريدة. 633 لقد مضى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح. وقيل هو خلق عظيم روحاني أعظم ~~من الملك. وقيل جبريل عليه السلام. وقيل القرآن و { من أمر ربى } ~~أي من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر. 634 بعثت اليهود إلى قريش أن سلوه ~~عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت فليس ~~بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي، فبين لهم القصتين وأبهم ~~أمر الروح وهو مبهم في التوراة، فندموا على سؤالهم { وما أوتيتم } ~~الخطاب عام. 635 وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك ~~قالوا نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟ فقال بل نحن وأنتم لم نؤت ~~من العلم إلا قليلا، فقالوا ما أعجب شأنك ساعة تقول # ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # البقرة 269 وساعة تقول هذا، فنزلت # ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام # لقمان 27 وليس ما قالوه بلازم لأن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة، ~~فيوصف الشيء بالقلة مضافا إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافا إلى ما تحته، ~~فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم ~~الله فهي قليلة. وقيل هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة، وقد تلوت # ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # البقرة 269 فقيل لهم إن علم التوراة قليل في جنب علم الله. ### || [17.86-87] # { لنذهبن } جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط. واللام ~~الداخلة على إن موطئة للقسم. والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن ~~الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت لا تدري ما الكتاب ms1099 { ~~ثم لا تجد لك } بعد الذهاب { به } من يتوكل علينا باسترداده ~~وإعادته محفوظا مستورا { إلا رحمة من ربك } إلا أن يرحمك ~~ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه بالرد، أو يكون على الاستثناء ~~المنقطع بمعنى ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان من الله ~~تعالى ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه، فعلى ~~كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما، وهما منة الله ~~عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره، ومنته عليه في بقاء المحفوظ. وعن ابن ~~مسعود إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ~~وليصلين قوم ولا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما فيكم منه شيء. ~~فقال رجل كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه ~~أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم؟ فقال يسري عليه ليلا فيصبح الناس منه ~~فقراء ترفع المصاحف وينزع ما في القلوب. ### || [17.88] # { لا يأتون } جواب قسم محذوف، ولولا اللام الموطئة، لجاز أن يكون ~~جوابا للشرط، كقوله # يقول لا غائب ما لي ولا حرم # أن الشرط وقع ماضيا، أي لو تظاهروا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في ~~بلاغته وحسن نظمه وتأليفه، وفيهم العرب العاربة أرباب البيان لعجزوا عن ~~الإتيان بمثله، والعجب من النوابت ومن زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم ~~بأنه معجز، وإنما يكون العجز حيث تكون القدرة، فيقال الله قادر على خلق ~~الأجسام والعباد عاجزون عنه. وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة، ولا ~~مدخل لها فيه كثاني القديم، فلا يقال للفاعل. قد عجز عنه، ولا هو معجز، ~~ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز. لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال، إلا ~~أن يكابروا فيقولوا هو قادر على المحال، فإن رأس مالهم المكابرة وقلب ~~الحقائق. ### || [17.89] # { ولقد صرفنا } رددنا وكررنا { من كل مثل } من كل معنى ~~هو كالمثل في غرابته وحسنه. والكفور الجحود. فإن قلت كيف جاز { فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا } ولم يجز ضربت إلا زيدا؟ قلت لأن ms1100 ~~أبى متأول بالنفي، كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا. ### || [17.90-93] # لما تبين إعجاز القرآن وانضمت إليه المعجزات الأخر والبينات ولزمتهم ~~الحجة وغلبوا، أخذوا يتعللون باقتراح الآيات فعل المبهوت المحجوج المتعثر ~~في أذيال الحيرة، فقالوا لن نؤمن لك حتى... وحتى { تفجر } تفتح. ~~وقرىء «تفجر» بالتخفيف { من الأرض } يعنون أرض مكة { ينبوعا } ~~عينا غزيرة من شأنها أن تنبع بالماء لا تقطع «يفعول» من نبع الماء، ~~كيعبوب من عب الماء { كما زعمت } يعنون قول الله تعالى # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السماء # سبأ9 وقرىء كسفا،بسكون السين جمع كسفة، كسدرة وسدر وبفتحة { قبيلا } ~~كفيلا بما تقول شاهدا بصحته. والمعنى أو تأتي بالله قبيلا، وبالملائكة ~~قبيلا، كقوله # ...... كنت منه ووالدي بريا......... ... فإني ~~وقيار بها لغريب # أو مقابلا، كالعشير بمعنى المعاشر، ونحوه # لولا أنزل علينا الملئكة أو نرى ربنا # الفرقان 21 أو جماعة حالا من الملائكة { من زخرف } من ذهب { فى ~~السماء } في معارج السماء، فحذف المضاف. يقال رقى في السلم وفي الدرجة ~~{ ولن نؤمن لرقيك } ولن نؤمن لأجل رقيك { حتى تنزل ~~علينا كتابا } من السماء فيه تصديقك. عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال عبد الله بن أبي أمية لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما. ثم ترقى ~~فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك منشور، معه أربعة من الملائكة ~~يشهدون لك أنك كما تقول. وما كانوا يقصدون بهذه الاقتراحات إلا العناد ~~واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا هذا سحر، كما قال عز وجل # ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس # الأنعام 7، # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون # الحجر 14 وحين أنكروا الآية الباقية التي هي القرآن وسائر الآيات وليست ~~بدون ما اقترحوه - بل هي أعظم - لم يكن إلى تبصرتهم سبيل { قل ~~سبحن ربى } وقرىء «قال سبحان ربي» أي قال الرسول. و «سبحان ربي» ~~تعجب من اقتراحاتهم عليه { هل كنت إلا } رسولا كسائر الرسل { ~~بشرا } مثلهم، وكان الرسل لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله ms1101 عليهم من ~~الآيات، فليس أمر الآيات إلي، إنما هو إلى الله فما بالكم تتخيرونها ~~علي. ### || [17.94-95] # { أن } الأولى نصب مفعول ثان لمنع. والثانية رفع فاعل له. و { الهدى ~~} الوحي. أي وما منعهم الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~إلا شبهة تلجلجت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله البشر. والهمزة في ~~{ أبعث الله } للإنكار، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند الله، ~~لأن قضية حكمته أن لا يرسل ملك الوحي إلا إلى أمثاله، أو إلى الأنبياء، ~~ثم قرر ذلك بأنه { لو كان فى الأرض ملئكة يمشون } على ~~أقدامهم كما يمشي الإنس ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء فيسمعوا من أهلها ~~ويعلموا ما يجب علمه { مطمئنين } ساكنين في الأرض قارين { ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } يعلمهم الخير ~~ويهديهم المراشد. فأما الإنس فماهم بهذه المثابة، إنما يرسل الملك إلى ~~مختار منهم للنبوة، فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم. فإن قلت هل يجوز ~~أن يكون بشرا وملكا، منصوبين على الحال من رسولا؟ قلت وجه حسن والمعنى ~~له أجوب. ### || [17.96] # { شهيدا بينى وبينكم } على أني بلغت ما أرسلت به إليكم، ~~وأنكم كذبتم وعاندتم { إنه كان بعباده } المنذرين والمنذرين { ~~خبيرا } عالما بأحوالهم، فهو مجازيهم. وهذه تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ووعيد للكفرة. وشهيدا تمييز أو حال. ### || [17.97-98] # { ومن يهد الله } ومن يوفقه ويلطف به { فهو المهتدى } ~~لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه { ومن يضلل } ومن يخذل ~~{ فلن تجد لهم أولياء } أنصارا { على وجوههم } ~~كقوله # يوم يسحبون فى النار على وجوههم # القمر 48. 636 وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يمشون على وجوههم ~~قال # " إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم " # { عميا وبكما وصما } كما كانوا في الدنيا، لا يستبصرون ولا ~~ينطقون بالحق، ويتصامون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما ~~يقر أعينهم، ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم. ومن ~~كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى. ويجوز ms1102 أن يحشروا مؤقي الحواس من ~~الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرؤن ~~ويتكلمون { كلما خبت } كما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن ~~لهبها، بدلوا غيرها، فرجعت ملتهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد ~~الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم ~~يعيدها، ولا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على ~~تكذيبهم البعث ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد، وقد دل على ذلك بقوله { ~~ذلك جزاؤهم } إلى قوله { أءنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا قل }. ### || [17.99] # فإن قلت علام عطف قوله { وجعل لهم أجلا }؟ قلت على قوله { ~~أو لم يروا } لأن المعنى قد علموا بدليل العقل أن من قدر على ~~خلق السموات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس، لأنهم ليسوا بأشد ~~خلقا منهن كما قال أأنتم أشد خلقا أم السماء { وجعل لهم أجلا ~~لا ريب فيه } وهو الموت أو القيامة، فأبوا مع وضوح الدليل إلا ~~جحودا. ### || [17.100] # { لو } حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء، فلا بد من فعل بعدها في ~~{ لو أنتم تملكون } وتقديره لو تملكون تملكون، فأضمر تملك ~~إضمارا على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير ~~منفصل، وهو أنتم، لسقوط ما يتصل به من اللفظ، فأنتم فاعل الفعل المضمر، ~~وتملكون تفسيره! وهذا هو الوجه الذي يقتضيه علم الإعراب. فأما ما يقتضيه ~~علم البيان، فهو أن أنتم تملكون فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم ~~المختصون بالشح المتبالغ ونحوه قول حاتم # لو ذات سوار لطمتني # وقول المتلمس # ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي # وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر، برز الكلام في صورة المبتدأ ~~والخبر. ورحمة الله رزقه وسائر نعمه على خلقه، ولقد بلغ هذا الوصف بالشح ~~الغاية التي لا يبلغها الوهم. وقيل هو لأهل مكة الذين اقترحوا ما اقترحوا ~~من الينبوع والأنهار وغيرها، وأنهم لو ملكوا، خزائن الأرزاق لبخلوا بها { ~~قتورا } ضيقا بخيلا. فإن قلت هل يقدر { لأمسكتم } مفعول؟ قلت ~~لا لأن معناه ms1103 لبخلتم، من قولك للبخيل ممسك. ### || [17.101] # عن ابن عباس رضي الله عنهما هي العصا، واليد، والجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، والحجر، والبحر، والطور الذي نتقه على بني إسرائيل. وعن ~~الحسن الطوفان، والسنون، ونقص الثمرات مكان الحجر، والبحر، والطور. وعن ~~عمر بن عبد العزيز أنه سأل محمد بن كعب فذكر اللسان والطمس، فقال له عمر ~~كيف يكون الفقيه إلا هكذا، أخرج يا غلام ذلك الجراب، فأخرجه فنفضه، فإذا ~~بيض مكسور بنصفين، وجوز مكسور، وفوم وحمص وعدس، كلها حجارة. وعن صفوان بن ~~عسال 637 أن بعض اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال # " أوحى الله إلى موسى أن قل لبني إسرائيل لا تشركوا بالله شيئا، ولا ~~تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ~~تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا ~~تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في ~~السبت " # { فسئل بنى إسرءيل } فقلنا له سل بني إسرائيل، أي سلهم من ~~فرعون وقل له أرسل معي بني إسرائيل. أو سلهم عن إيمانهم وعن حال دينهم. ~~أو سلهم أن يعاضدوك وتكون قلوبهم وأيديهم معك. وتدل عليه قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسال بني إسرائيل، على لفظ الماضي بغير همز، وهي ~~لغة قريش وقيل فسل يا رسول الله المؤمنين من بني إسرائيل، وهم عبد الله ~~بن سلام وأصحابه عن الآيات ليزدادوا يقينا وطمأنينة قلب لأن الأدلة إذا ~~تظاهرت كان ذلك أقوى وأثبت، كقول إبراهيم { ولكن ليطمئن ~~قلبى }. فإن قلت بم تعلق { إذ جاءهم }؟ قلت أما على الوجه الأول ~~فبالقول المحذوف، أي فقلنا لهم سلهم حين جاءهم، أو ب اسأل في القراءة ~~الثانية. وأما على الأخير فبآتينا. أو بإضمار اذكر، أو يخبروك. ومعنى { ~~إذ جاءهم } إذ جاء آباءهم { مسحورا } سحرت فخولط عقلك. ### || [17.102-104] # { لقد علمت } يا فرعون { ما أنزل هؤلاء } الآيات إلا الله ~~عز وجل { بصائر } بينات مكشوفات، ولكنك معاند ماكبر ونحوه # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ms1104 وعلوا # النمل 14 وقرىء «علمت» بالضم، على معنى إني لست بمسحور كما وصفتني، بل ~~أنا عالم بصحة الأمر. وأن هذه الآيات منزلها رب السموات والأرض. ثم قارع ~~ظنه بظنه، كأنه قال إن ظننتني مسحورا فأنا أظنك { مثبورا } هالكا، ~~وظني أصح من ظنك لأن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما عرفت صحته، ومكابرتك ~~لآيات الله بعد وضوحها. وأما ظنك فكذب بحت لأن قولك مع علمك بصحة أمري، ~~إني لأظنك مسحورا قول كذاب. وقال الفراء { مثبورا } مصروفا عن ~~الخير مطبوعا على قلبك، من قولهم ما ثبرك عن هذا؟ أي ما منعك وصرفك؟ ~~وقرأ أبي بن كعب «وإن إخالك يا فرعون لمثبورا» على إن المخففة واللام ~~الفارقة { فأراد } فرعون أن يستخف موسى وقومه من أرض مصر ويخرجهم ~~منها، أو ينفيهم عن ظهر الأرض بالقتل والاستئصال، فحاق به مكره بأن ~~استفزه الله بإغراقه مع قبطه { اسكنوا الأرض } التي أراد فرعون أن ~~يستفزكم منها { فإذا جاء وعد الأخرة } يعني قيام الساعة { ~~جئنا بكم لفيفا } جمعا مختلطين إياكم وإياهم، ثم يحكم بينكم ~~ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم واللفيف الجماعات من قبائل شتى. ### || [17.105] # { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } وما أنزلنا القرآن ~~إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله وما نزل إلا ملتبسا بالحق والحكمة ~~لاشتماله على الهداية إلى كل خير، أو ما أنزلناه من السماء إلا بالحق ~~محفوظا بالرصد من الملائكة، وما نزل على الرسول إلا محفوظا بهم من ~~تخليط الشياطين { وما أرسلنك } إلا لتبشرهم بالجنة وتنذرهم من ~~النار، ليس إليك وراء ذلك شيء، من إكراه على الدين أو نحو ذلك. ### || [17.106] # { وقرءانا } منصوب بفعل يفسره { فرقنه } وقرأ أبي «فرقناه» ~~بالتشديد، أي جعلنا نزوله مفرقا منجما وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه ~~قرأ مشددا وقال لم ينزل في يومين أو ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره ~~عشرون سنة، يعني أن فرق بالتخفيف يدل على فصل متقارب { على مكث } ~~بالفتح والضم على مهل وتؤدة وتثبت { ونزلنه تنزيلا } على ~~حسب الحوادث. ### || [17.107-109] # { قل ءامنوا به أو لا تؤمنوا } أمر بالإعراض عنهم ~~واحتقارهم ms1105 والإزدراء بشأنهم، وأن لا يكترث بهم وبإيمانهم وبامتناعهم عنه، ~~وأنهم إن لم يدخلوا في الإيمان ولم يصدقوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك، ~~فإن خيرا منهم وأفضل - وهم العلماء الذين قرؤا الكتب وعلموا ما الوحي ~~وما الشرائع - قد آمنوا به وصدقوه، وثبت عندهم أنه النبي العربي ~~الموعود في كتبهم، فإذا تلي عليهم خروا سجدا وسبحوا الله تعظيما لأمره ~~ولإنجازه ما وعد في الكتب المنزلة وبشر به من بعثه محمد صلى الله عليه ~~وسلم وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في قوله { إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا.... ويزيدهم خشوعا } أي يزيدهم القرآن لين ~~قلب ورطوبة عين - فإن قلت { إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله } تعليل لماذا؟ قلت يجوز أن يكون تعليلا لقوله { ءامنوا ~~به أو لا تؤمنوا } وأن يكون تعليلا لقل على سبيل التسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطييب نفسه، كأنه قيل تسل عن إيمان ~~الجهلة بإيمان العلماء، وعلى الأول إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو ~~خير منكم. فإن قلت ما معنى الخرور للذقن؟ قلت السقوط على الوجه، وإنما ~~ذكر الذقن وهو مجتمع اللحيين، لأن الساجد أول ما يلقى به الأرض من وجهه ~~الذقن، فإن قلت حرف الاستعلاء ظاهر المعنى إذا قلت خر على وجهه وعلى ~~ذقنه، فما معنى اللام في خر لذقنه ولوجهه؟ قال # فخر صريعا لليدين وللفم # قلت معناه جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به لأن اللام للاختصاص. فإن قلت ~~لم كرر يخرون للأذقان؟ قلت لاختلاف الحالين وهما خرورهم في حال كونهم ~~ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين. ### || [17.110] # عن ابن عباس رضي الله عنهما سمعه أبو جهل يقول يا ألله يا رحمن، فقال ~~إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر. وقيل إن أهل الكتاب قالوا ~~إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. والدعاء ~~بمعنى التسمية لا بمعنى النداء، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول دعوته ~~زيدا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال دعوت زيدا. والله والرحمن، ~~المراد بهما ms1106 الاسم لا المسمى. وأو للتخيير، فمعنى { ادعوا الله ~~أو ادعوا الرحمن } سموا بهذا الاسم أو بهذا، واذكروا إما هذا ~~وإما هذا. والتنوين في { أيا } عوض من المضاف إليه. و { ما } صلة ~~للإبهام المؤكد لما في أي، أي أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم { فله ~~الأسماء الحسنى } والضمير في { فله } ليس براجع إلى أحد ~~الاسمين المذكورين، ولكن إلى مسماهما وهو ذاته تعالى لأن التسمية للذات ~~لا للاسم. والمعنى أياما تدعوا فهو حسن، فوضع موضعه قوله { فله ~~الأسماء الحسنى } لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان ~~لأنهما منها، ومعنى كونهما أحسن الأسماء. أنها مستقلة بمعاني التحميد ~~والتقديس والتعظيم. بصلاتك بقراءة صلاتك على حذف المضاف لأنه لا يلبس، من ~~قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير، والصلاة أفعال ~~وأذكار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعها ~~المشركون لغوا وسبوا، فأمر بأن يخفض من صوته، والمعنى ولا تجهر حتى تسمع ~~المشركين { ولا تخافت } حتى لا تسمع من خلفك { وابتغ بين } ~~الجهرو المخافتة { سبيلا } وسطا. 638 وروي أن أبا بكر رضي الله عنه ~~كان يخفي صوته بالقراءة في صلاته ويقول أناجي ربي وقد علم حاجتي، وكان ~~عمر رضي الله عنه يرفع صوته ويقول أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان، فأمر أبا ~~بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلا. وقيل معناه ولا تجهر بصلاتك ~~كلها ولا تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل ~~وتخافت بصلاة النهار، وقيل { بصلاتك } بدعائك. وذهب قوم إلى أن ~~الآية منسوخة بقوله # ادعوا ربكم تضرعا وخفية # الأعراف 55 وابتغاء السبيل مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة { ~~ولى من الذل } ناصر من الذل ومانع له منه لاعتزازه به، أو لم ~~يوال أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. ### || [17.111] # فإن قلت كيف لاق وصفه بنفي الولد والشريك والذل بكلمة التحميد؟ قلت لأن ~~من هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كل نعمة، فهو الذي يستحق جنس الحمد. ~~639 وكان النبي صلى الله ms1107 عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب ~~علمه هذه الآية. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 640 # " من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين كان له قنطار في ~~الجنة، والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية " # رزقنا الله بفضله العميم وإحسانه الجسيم. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # لقن الله عباده وفقههم كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم ~~وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب ~~الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم { ولم يجعل له عوجا } ولم يجعل له ~~شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي ~~الاختلاف والتناقض عن معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة والإصابة فيه. فإن ~~قلت بم انتصب { قيما }؟ قلت الأحسن أن ينتصب بمضمر ولا يجعل حالا من ~~الكتاب لأن قوله { ولم يجعل } معطوف على أنزل، فهو داخل في حيز ~~الصلة، فجاعله حالا من الكتاب فاصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة، ~~وتقديره ولم يجعل له عوجا جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له ~~الاستقامة. فإن قلت ما فائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة، وفي ~~أحدهما غنى عن الآخر؟ قلت فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له ~~بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح. وقيل قيما على سائر ~~الكتب مصدقا لها، شاهدا بصحتها. وقيل قيما بمصالح العباد وما لا بد ~~لهم منه من الشرائع وقرىء «قيما» «أنذر» متعد إلى مفعولين، كقوله # إنا أنذرنكم عذابا قريبا # النبأ 40 فاقتصر على أحدهما، وأصله { لينذر } الذين كفروا { ~~بأسا شديدا } والبأس من قوله # بعذاب بئيس # الأعراف 165 وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسا وبآسة { من لدنه } ~~صادرا من عنده. وقرىء «من لدنه» بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون ~~{ ويبشر } بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت لم اقتصر على أحد مفعولى ~~أنذر؟ قلت قد جعل المنذر به هو الغرض المسبوق إليه، فوجب الاقتصار عليه. ~~والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله { وينذر الذين قالوا ~~اتخذ ms1108 الله ولدا 4 } متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به، ~~كما ذكر المبشر به في قوله { أن لهم أجرا حسنا } استغناء ~~بتقدم ذكره. والأجر الحسن الجنة { ما لهم به من علم } أي ~~بالولد أو باتخاذه، يعني أن قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط ~~وتقليد للآباء، وقد اشتملته آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت اتخاذ ~~الله ولدا في نفسه محال، فكيف قيل ما لهم به من علم؟ قلت معناه ما لهم ~~به من علم لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إما للجهل ~~بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به. ~~قرىء «كبرت كلمة»، وكلمة بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية، والنصب ~~أقوى وأبلغ. وفيه معنى التعجب، كأنه قيل ما أكبرها كلمة. و { تخرج ~~من أفواههم } صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق بها ~~وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ~~ويحدثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوهوا به ويطلقوا به ~~ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشورا من إظهاره، فكيف بمثل هذا المنكر؟ وقرىء ~~«كبرت» بسكون الباء مع إشمام الضمة. فإن قلت إلام يرجع الضمير في كبرت؟ ~~قلت إلى قولهم { اتخذ الله ولدا } وسميت كلمة كما يسمون ~~القصيدة بها. ### || [18.6] # شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف ~~على توليهم، برجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع ~~نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم. وقرىء «باخع نفسك»، على الأصل، ~~وعلى الإضافة أي قاتلها ومهلكها، وهو للاستقبال فيمن قرأ «إن لم يؤمنوا» ~~وللمضي فيمن قرأ «أن لم يؤمنوا» بمعنى لأن لم يؤمنوا { بهذا ~~الحديث } بالقرآن { أسفا } مفعول له، أي لفرط الحزن. ويجوز أن ~~يكون حالا والأسف المبالغة في الحزن والغضب. يقال رجل أسف وأسيف. ### || [18.7-11] # { ما على الأرض } يعني ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف ~~الدنيا وما يستحسن منها { لنبلوهم أيهم أحسن عملا } ~~وحسن العمل الزهد فيها ms1109 وترك الاغترار بها، ثم زهد في الميل إليها بقوله { ~~وإنا لجاعلون ما عليها } من هذه الزينة { صعيدا جرزا ~~} يعني مثل أرض بيضاء لانبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة، في إزالة ~~بهجته، وإماطه حسنه، وإبطال ما به كان زينة من إماتة الحيوان وتجفيف ~~النبات والأشجار، ونحو ذلك ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض مما خلق ~~فوقها من الأجناس التي لا حصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، ثم قال { ~~أم حسبت } يعني أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف وإبقاء حياتهم مدة ~~طويلة. والكهف الغار الواسع في الجبل { والرقيم } اسم كلبهم. قال ~~أمية ابن أبي الصلت # وليس بها إلا الرقيم مجاورا وصيدهم والقوم ~~في الكهف همد # وقيل هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف. وقيل إن الناس ~~رقموا حديثهم نقرا في الجبل. وقيل هو الوادي الذي فيه الكهف. وقيل ~~الجبل. وقيل قريتهم. وقيل مكانهم بين غضبان وأيلة دون فلسطين { كانوا ~~} آية { عجبا } من آياتنا وصفا بالمصدر، أو على ذات عجب { من ~~لدنك رحمة } أي رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن ~~من الأعداء { وهيىء لنا من أمرنا } الذي نحن عليه من مفارقة ~~الكفار { رشدا } حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا ~~كله، كقولك رأيت منك أسدا { فضربنا على ءاذانهم } أي ضربنا ~~عليها حجابا من أن تسمع، يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها ~~الأصوات، كما ترى المستثقل في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه، فحذف ~~المفعول الذي هو الحجاب كما يقال بنى على امرأته، يريدون بنى عليها القبة ~~{ سنين عددا } ذوات عدد، فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة لأن ~~الكثير قليل عنده، كقوله # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار # الأحقاف 35 وقال الزجاج إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعد، وإذا ~~كثر احتاج إلى أن يعد. ### || [18.12] # { أي } يتضمن معنى الاستفهام، فعلق عنه { لنعلم } فلم يعمل فيه. ~~وقرىء «ليعلم» وهو معلق عنه أيضا لأن ارتفاعه بالابتداء لا بإسناد ms1110 ~~«يعلم» إليه وفاعل «يعلم» مضمون الجملة كما أنه مفعول «نعلم» { أي ~~الحزبين } المختلفين منهم في مدة لبثهم لأنهم لما انتبهوا اختلفوا ~~في ذلك، وذلك قوله # قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم # الكهف 19 وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم هم الذين علموا أن لبثهم ~~قد تطاول أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم، و { أحصى } فعل ماض أي ~~أيهم ضبط { أمدا } لأوقات لبثهم. فإن قلت فما تقول فيمن جعله من أفعل ~~التفضيل؟ قلت ليس بالوجه السديد، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ~~ليس بقياس. ونحو «أعدى من الجرب»، و «أفلس من ابن المذلق» شاذ. والقياس ~~على الشاذ في غير القرآن ممتنع، فكيف به؟ ولأن { أمدا } لا يخلو إما ~~أن ينتصب بأفعل فأفعل لا يعمل. وإما أن ينصب بلبثوا، فلا يسد عليه ~~المعنى. فإن زعمت أني أنصبه بإضمار فعل يدل عليه أحصى، كما أضمر في قوله # وأضرب منا بالسيوف القوانسا # على نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيت أن يكون أحصى ~~فعلا، ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره. فإن قلت كيف جعل الله تعالى ~~العلم بإحصاءهم المدة غرضا في الضرب على آذانهم؟ قلت الله عز وجل لم ~~يزل عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر لهم، ~~ليزدادوا إيمانا واعتبارا، ويكون لطفا لمؤمني زمانهم، وآية بينة ~~لكفاره. ### || [18.13-15] # { وزدنهم هدى } بالتوفيق والتثبيت { وربطنا على ~~قلوبهم } وقويناها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين ~~إلى بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام { ~~إذ قاموا } بين يدي الجبار وهو دقيانوس، من غير مبالاة به حين ~~عاتبهم على ترك عبادة الصنم { فقالوا ربنا رب السموات ~~والأرض..... شططا } قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد ~~فيه، من شط إذا بعد. ومنه أشط في السوم وفي غيره { هؤلاء } مبتدأ، و { ~~قومنا } عطف بيان { واتخذوا } خبر وهو إخبار في معنى إنكار { ~~لولا يأتون عليهم } هلا يأتون على عبادتهم، ms1111 فحذف المضاف { ~~بسلطن بين } وهو تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة ~~الأوثان محال، وهو دليل على فساد التقليد، وأنه لا بد في الدين من الحجة ~~حتى يصح ويثبت { افترى على الله كذبا } بنسبة الشريك إليه. ### || [18.16] # { وإذ اعتزلتموهم } خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم ~~على الفرار بدينهم { وما يعبدون } نصب، عطف على الضمير، يعني وإذ ~~اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم { إلا الله } يجوز أن يكون استثناء ~~متصلا، على ما روي أنهم كانوا يقرون بالخالق ويشركون معه كما أهل مكة. ~~وأن يكون منقطعا. وقيل هو كلام معترض إخبار من الله تعالى عن الفئة أنهم ~~لم يعبدوا غير الله { مرفقا } قرىء «بفتح الميم وكسرها» وهو ما يرتفق ~~به أي ينتفع، إما أن يقولوا ذلك ثقة بفضل الله وقوة في رجائهم لتوكلهم ~~عليه ونصوع يقينهم. وإما أن يخبرهم به نبي في عصرهم، وإما أن يكون بعضهم ~~نبيا. ### || [18.17] # { تزاور } أي تمايل، أصله تتزاور فخفف بإدغام التاء في الزاي أو ~~حذفها. وقد قرىء «بهما». وقرىء «تزور وتزوار» بوزن تحمر وتحمار، ~~وكلها من الزور وهو الميل. ومنه زاره إذا مال إليه. والزور الميل عن ~~الصدق { ذات اليمين } جهة اليمين وحقيقتها. الجهة المسماة باليمين ~~{ تقرضهم } تقطعهم لا تقربهم من معنى القطيعة والصرم. قال ذو ~~الرمة # إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف شمالا وعن ~~أيمانهن الفوارس # { وهم فى فجوة منه } وهم في متسع من الكهف. والمعنى أنهم في ~~ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها، مع أنهم في مكان ~~واسع منفتح معرض لإصابة الشمس لولا أن الله يحجبها عنهم. وقيل في متفسح ~~من غارهم ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم ولا يحسون كرب الغار { ~~ذلك منءايت الله } أي ما صنعه الله بهم - من ازورار الشمس ~~وقرضها طالعة وغاربة - آية من آياته، يعني أن ما كان في ذلك السمت تصيبه ~~الشمس ولا تصيبهم، اختصاصا لهم بالكرامة. وقيل باب الكهف شمالي مستقبل ~~لبنات نعش، فهم في مقنأة أبدا ومعنى ذلك من آيات الله أن شأنهم وحديثهم ~~من آيات ms1112 الله { من يهد الله فهو المهتد } ثناء عليهم ~~بأنهم جاهدوا في الله وأسلموا له وجوههم، فلطف بهم وأعانهم، وأرشدهم إلى ~~نيل تلك الكرامة السنية والاختصاص بالآية العظيمة، وأن كل من سلك طريقة ~~المهتدين الراشدين فهو الذي أصاب الفلاح، واهتدى إلى السعادة، ومن تعرض ~~للخذلان، فلن يجد من يليه ويرشده بعد خذلان الله. ### || [18.18] # { وتحسبهم } بكسر السين وفتحها خطاب لكل أحد والأيقاظ جمع يقظ، ~~كأنكاد في نكد. قيل عيونهم مفتحة وهم نيام، فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظا ~~وقيل لكثرة تقلبهم وقيل لهم تقلبتان في السنة وقيل تقلبة واحدة في يوم ~~عاشوراء. وقرىء «ويقلبهم» بالياء والضمير لله تعالى. وقرىء «وتقلبهم» على ~~المصدر منصوبا، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه { وتحسبهم ~~أيقاظا } كأنه قيل وترى وتشاهد تقلبهم. وقرأ جعفر الصادق «وكالبهم» ~~أي وصاحب كلبهم { بسط ذراعيه } حكاية حال ماضية لأن اسم ~~الفاعل لا يعمل إذا كان في معنى المضي، وإضافته إذا أضيف حقيقية معرفة، ~~كغلام زيد، إلا إذا نويت حكاية الحال الماضية. والوصيد الفناء، وقيل ~~العتبة. وقيل الباب. وأنشد # بأرض فضاء لا يسد وصيدها على ومعروفي بها ~~غير منكر # وقرىء «ولملئت» بتشديد اللام للمبالغة. وقرىء «بتخفيف الهمزة وقلبها ~~ياء». و { رعبا } بالتخفيف والتثقيل، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي ~~يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل لطول أظفارهم وشعورهم وعظم ~~أجرامهم. وقيل لوحشة مكانهم. وعن معاوية أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال ~~لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقال له ابن عباس رضي الله عنه ليس لك ~~ذلك، قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال { لو اطلعت ~~عليهم لوليت منهم فرارا } فقال معاوية، لا أنتهي حتى ~~أعلم علمهم، فبعث ناسا وقال لهم اذهبوا فانظروا، ففعلوا، فلما دخلوا ~~الكهف بعث الله عليهم ريحا فأحرقتهم. وقرىء «لو اطلعت»، بضم الواو. ### || [18.19-20] # { وكذلك بعثنهم } وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، ~~إدكارا بقدرته على الإنامة والبعث جميعا ليسأل بعضهم بعضا ويعرفوا ~~حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ~~ويزدادوا ms1113 يقينا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به { قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم } جواب مبني على غالب الظن. وفيه ~~دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذبا وإن جاز ~~أن يكون خطأ { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } إنكار ~~عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدة لبثهم، كأن هؤلاء قد علموا بالأدلة ~~أو بإلهام من الله أن المدة متطاولة، وأن مقدارها مبهم لا يعلمه إلا ~~الله. وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم ~~في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. فإن قلت كيف ~~وصلوا قولهم { فابعثوا } بتذاكر حديث المدة؟ قلت كأنهم قالوا ربكم ~~أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم. والورق ~~الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة. ومنه الحديث. 641 # " أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن، فأمره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب " # وقرىء «بورقكم» بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة. وقرأ ابن كثير ~~«بورقكم»، بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف. وعن ابن محيصن أنه كسر ~~الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده. ~~وقيل المدينة طرسوس. قالوا وتزودهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم ~~دليل على أن حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله، ~~دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات. ومنه قول ~~عائشة رضي الله عنها - لمن سألها عن محرم يشد عليه هميانه - أوثق عليك ~~نفقتك. وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق ~~حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج ~~على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد ~~إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده ما لهذا السفر إلا شيئان شد ~~الهميان، والتوكل على الرحمن { بينهم } أي أهلها، فحذف الأهل ms1114 كما ~~في قوله # واسئل القرية # يوسف 82، { أزكى طعاما } أحل وأطيب وأكثر وأرخص { ~~وليتلطف } وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة ~~حتى لا يغبن. أو في أمر التخفي حتى لا يعرف { ولا يشعرن بكم ~~أحدا } يعني ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ~~ذلك إشعارا منه بهم لأنه سبب فيه الضمير في { إنهم } راجع إلى ~~الأهل المقدر في { أيها }. { يرجموكم } يقتلوكم أخبث القتلة ~~وهي الرجم، وكانت عادتهم { أو يعيدوكم } أو يدخلوكم { فى ~~ملتهم } بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها. والعود في معنى الصيرورة ~~أكثر شيء في كلامهم، يقولون ما عدت أفعل كذا، يريدون ابتداء الفعل { ~~ولن تفلحوا إذا أبدا } إذ دخلتم في دينهم. ### || [18.21] # { وكذلك أعثرنا عليهم } وكما أنمناهم وبعثناهم، لما في ~~ذلك من الحكمة أطلعنا عليهم، ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم { أن ~~وعد الله حق } وهو البعث لأن حالهم في نومتهم وانتباهتهم بعدها ~~كحال من يموت ثم يبعث. و { إذ يتنزعون } متعلق بأعثرنا. أي ~~أعثرناهم عليهم حين يتنازعون بينهم أمر دينهم ويختلفون في حقيقة البعث، ~~فكان بعضهم يقول تبعث الأرواح دون الأجساد. وبعضهم يقول تبعث الأجساد مع ~~الأرواح، ليرتفع الخلاف، وليتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها ~~أرواحها كما كانت قبل الموت { فقالوا } حين توفى الله أصحاب الكهف { ~~ابنوا عليهم بنينا } أي على باب كهفهم. لئلا يتطرق إليهم ~~الناس ضنا بتربتهم ومحافظة عليها كما حفظت تربة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالحظيرة { قال الذين غلبوا على أمرهم } من ~~المسلمين وملكهم وكانوا أولى بهم وبالبناء عليهم { لنتخذن } على ~~باب الكهف { مسجدا } يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. وقيل إذ ~~يتنازعون بينهم أمرهم أي يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف، ويتكلمون ~~في قصتهم وما أظهر الله من الآية فيهم. أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم ~~حين توفوا، كيف يخفون مكانهم؟ وكيف يسدون الطريق إليهم، فقالوا ابنوا ~~على باب كهفهم بنيانا، روي أن أهل الإنجيل عظمت فيهم الخطايا وطغت ملوكهم ~~حتى عبدوا الأصنام وأكرهوا على عبادتها، وممن شدد في ذلك ms1115 دقيانوس، فأراد ~~فتية من أشراف قومه على الشرك وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على ~~الإيمان والتصلب فيه، ثم هربوا إلى الكهف ومروا بكلب فتبعهم فطردوه، ~~فأنطقه الله فقال ما تريدون مني، أنا أحب أحباء الله، فناموا وأنا ~~أحرسكم. وقيل مروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم، ودخلوا الكهف فكانوا ~~يعبدون الله فيه، ثم ضرب الله على آذانهم، وقبل أن يبعثهم الله ملك ~~مدينتهم رجل صالح مؤمن. وقد اختلف أهل مملكته في البعث معترفين وجاحدين، ~~فدخل الملك بيته وأغلق بابه ولبس مسحا وجلس على رماد، وسأل ربه أن يبين ~~لهم الحق، فألقى الله في نفس رجل من رعيانهم فهدم ماسد به فم الكهف ~~ليتخذه حظيرة لغنمه، ولما دخل المدينة من بعثوه لابتياع الطعام وأخرج ~~الورق وكان من ضرب دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزا فذهبوا به إلى الملك ~~فقص عليه القصة، فانطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم، وحمدوا الله ~~على الآية الدالة على البعث، ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك ~~به من شر الجن والإنس، ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى ~~الملك عليهم ثيابه، وأمر فجعل لكل واحد تابوت من ذهب، فرآهم في المنام ~~كارهين للذهب، فجعلها من الساج، وبنى على باب الكهف مسجدا { ربهم ~~أعلم بهم } من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا ~~الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك ~~قالوا ربهم أعلم بهم. أو هو من كلام الله عز وجل رد لقول الخائضين في ~~حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا فيهم على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. ### || [18.22] # { سيقولون } الضمير لمن خاض في قصتهم في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أهل الكتاب والمؤمنين، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عنهم فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه فيهم، فنزلت إخبارا بما سيجري بينهم ~~من اختلافهم في عددهم، وأن المصيب منهم من يقول سبعة وثامنهم كلبهم. قال ~~ابن عباس رضي الله عنه أنا ms1116 من أولئك القليل. وروي أن السيد والعاقب ~~وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجرى ذكر ~~أصحاب الكهف، فقال السيد وكان يعقوبيا كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقال ~~العاقب وكان نسطوريا كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون كانوا سبعة ~~وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين. وإنما عرفوا ذلك بإخبار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن لسان جبريل عليه السلام. وعن علي رضي الله ~~عنه هم سبعة نفر أسماؤهم يمليخا، ومكشليتيا، ومشلينيا هؤلاء أصحاب يمين ~~الملك، وكان عن يساره مرنوش، ودبرنوش، وشادنوش. وكان يستشير هؤلاء الستة ~~في أمره والسابع الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس. واسم ~~مدينتهم أفسوس. واسم كلبهم قطمير. فإن قلت لم جاء بسين الاستقبال في ~~الأول دون الآخرين؟ قلت فيه وجهان أن تدخل الآخرين في حكم السين، كما ~~تقول قد أكرم وأنعم، تريد معنى التوقع في الفعلين جميعا، وأن تريد بيفعل ~~معنى الاستقبال الذي هو صالح له { رجما بالغيب } رميا بالخبر ~~الخفي وإتيانا به كقوله # ويقذفون بالغيب # سبأ 53 أي يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظن، فكأنه قيل ظنا بالغيب ~~لأنهم أكثروا أن يقولوا رجم بالظن مكان قولهم ظن، حتى لم يبق عندهم فرق ~~بين العبارتين، ألا ترى إلى قول زهير # وما هو عنها بالحديث المرجم # أي المظنون. وقرىء «ثلاث رابعهم» بإدغام الثاء في تاء التأنيث. و { ~~ثلثة } خبر مبتدأ محذوف، أي هم ثلاثة. وكذلك { خمسة } و { ~~سبعة } و { رابعهم كلبهم } جملة من مبتدأ وخبر واقعة صفة ~~لثلاثة، وكذلك { سادسهم كلبهم } ، { وثامنهم كلبهم ~~}. فإن قلت فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها ~~دون الأولين؟ قلت هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، ~~كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك جاءني رجل ومعه آخر. ~~ومررت بزيد وفي يده سيف. ومنه قوله تعالى # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتب معلوم # الحجر 4 وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه ~~بها أمر ثابت ms1117 مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة ~~وثامنهم كلبهم، قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما ~~غيرهم. # والدليل عليه أن الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله { رجما ~~بالغيب } وأتبع القول الثالث قوله { ما يعلمهم إلا ~~قليل } وقال ابن عباس رضي الله عنه حين وقعت الواو انقطعت العدة، أي ~~لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها. وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على ~~القطع والبتات. وقيل إلا قليل من أهل الكتاب. والضمير في { سيقولون ~~} على هذا لأهل الكتاب خاصة، أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا، ولا علم ~~بذلك إلا في قليل منهم، وأكثرهم على ظن وتخمين { فلا تمار فيهم ~~} فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق ~~فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل ~~لهم ولا تعنيف بهم في الرد عليهم، كما قال # وجدلهم بالتى هى أحسن # النحل 125. { ولا تستفت } ولا تسأل أحدا منهم عن قصتهم سؤال ~~متعنت له، حتى يقول شيئا فترده عليه وتزيف ما عنده لأن ذلك خلاف ما ~~وصيت به من المداراة والمجاملة، ولا سؤال مسترشد لأن الله قد أرشدك بأن ~~أوحى إليك قصتهم. ### || [18.23-24] # { ولا تقولن لشاىء } ولا تقولن لأجل شيء تعزم عليه { إنى ~~فاعل ذلك } الشيء { غدا } أي فيما يستقبل من الزمان. ولم يرد ~~الغد خاصة { إلا أن يشاء الله } متعلق بالنهي لا بقوله إني فاعل ~~لأنه لو قال إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله، كان معناه إلا أن تعترض ~~مشيئة الله دون فعله، وذلك مما لا مدخل فيه للنهي، وتعلقه بالنهي على ~~وجهين، أحدهما ولا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله، بأن يأذن ~~لك فيه. والثاني ولا تقولنه إلا بأن يشاء الله، أي إلا بمشيئة الله، وهو ~~في موضع الحال. يعني إلا ملتبسا بمشيئة الله قائلا إن شاء الله وفيه ~~وجه ثالث، وهو أن يكون { أن يشاء الله } في معنى كلمة تأبيد، ms1118 كأنه قيل ~~ولا تقولنه أبدا. ونحوه قوله # وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله # الأعراف 89 لأن عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله. وهذا نهي تأديب من ~~الله لنبيه حين قالت اليهود لقريش سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف، وذي ~~القرنين. فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن، فأبطأ عليه الوحي ~~حتى شق عليه وكذبته قريش { واذكر ربك } أي مشيئة ربك وقل إن شاء ~~الله إذا فرط منك نسيان لذلك. والمعنى إذا نسيت كلمة الاستثناء ثم تنبهت ~~عليها فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنه ولو بعد سنة ما لم ~~تحنث. وعن سعيد بن جبير ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وعن طاوس هو ~~على ثنياه ما دام في مجلسه. وعن الحسن نحوه. وعن عطاء يستثني على مقدار ~~حلب ناقة غزيرة. وعند عامة الفقهاء أنه لا أثر له في الأحكام ما لم يكن ~~موصولا. ويحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة خالف ابن عباس رضي الله عنه ~~في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة هذا يرجع ~~عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا ~~فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه. ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك ~~بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، تشديدا في البعث على ~~الاهتمام بها. وقيل واذكر ربك إذا تركت بعض ما أمرك به. وقيل واذكره إذا ~~اعتراك النسيان ليذكرك المنسي، وقد حمل على أداء الصلاة المنسية عند ~~ذكرها. و { هذا } إشارة إلى نبإ أصحاب الكهف. ومعناه لعل الله يؤتيني ~~من البينات والحجج على أني نبي صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا ~~من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار ~~بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدل، والظاهر أن يكون المعنى إذا نسيت شيئا ~~فاذكر ربك. وذكر ربك عند نسيانه أن تقول عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل ~~هذا المنسي أقرب منه { رشدا } وأدنى خيرا ومنفعة. ms1119 ولعل النسيان كان ~~خيرة، كقوله # أو ننسها نأت بخير منها # البقرة 106. ### || [18.25-26] # { ولبثوا فى كهفهم ثلث مائة سنين } يريد لبثهم ~~فيه أحياء مضروبا على آذانهم هذه المدة، وهو بيان لما أجمل في قوله { ~~فضربنا على ءاذانهم فى الكهف سنين عددا } ومعنى ~~قوله { قل الله أعلم بما لبثوا } أنه أعلم من الذين ~~اختلفوا فيهم بمدة لبثهم، والحق ما أخبرك الله به. وعن قتادة أنه حكاية ~~لكلام أهل الكتاب. و { قل الله أعلم } رد عليهم. وقال في حرف ~~عبد الله وقالوا لبثوا. وسنين عطف بيان لثلثمائة. وقرىء «ثلثمائة سنين»، ~~بالإضافة، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله # بالاخسرين أعملا # الكهف 103 وفي قراءة أبي «ثلثمائة سنة» { تسعا } تسع سنين لأن ما ~~قبله يدل عليه. وقرأ الحسن «تسعا» بالفتح، ثم ذكر اختصاصه بما غاب في ~~السموات والأرض وخفي فيها من أحوال أهلها ومن غيرها وأنه هو وحده العالم ~~به، وجاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات، للدلالة على ~~أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه إدراك السامعين والمبصرين، لأنه ~~يدرك ألطف الأشياء وأصغرها كما يدرك أكبرها حجما وأكثفها جرما، ويدرك ~~البواطن كما يدرك الظواهر { ما لهم } الضمير لأهل السموات والأرض { ~~من ولى } من متول لأمورهم { ولا يشرك فى حكمه } في قضائه ~~{ أحدا } منهم. وقرأ الحسن ولا تشرك، بالتاء والجزم على النهي. ### || [18.27] # كانوا يقولون له ائت بقرآن غير هذا أو بدله، فقيل له { واتل ما ~~أوحى إليك } من القرآن ولا تسمع لما يهذون به من طلب التبديل، ~~فلا مبدل لكمات ربك، أي لا يقدر أحد على تبديلها وتغييرها، وإنما يقدر ~~على ذلك هو وحده # وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية # النحل 101. { ولن تجد من دونه ملتحدا } ملتجأ تعدل إليه ~~إن هممت بذلك. ### || [18.28] # وقال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم نح هؤلاء ~~الموالي الذين كأن ريحهم ريح الضأن، وهم صهيب وعمار وخباب وغيرهم من ~~فقراء المسلمين، حتى نجالسك كما قال نوح # أنؤمن لك واتبعك الأرذلون ms1120 # الشعراء 111 فنزلت { واصبر نفسك } وأحبسها معهم وثبتها. قال أبو ~~ذؤيب # فصبرت عارفة لذلك حرة ترسوا إذا نفس ~~الجبان تطلع # { بالغداة والعشى } دائبين على الدعاء في كل وقت. وقيل المراد ~~صلاة الفجر والعصر. وقرىء «بالغدوة» وبالغداة أجود لأن غدوة علم في أكثر ~~الاستعمال. وإدخال اللام على تأويل التنكير كما قال # ...... والزيد زيد المعارك # ونحوه قليل في كلامهم، يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم. عدا طوره. ~~وجاءني القوم عدا زيدا. وإنماعدي بعن، لتضمين عدا معنى نبا وعلا، في ~~قولك نبت عنه عينه وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت أي ~~غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم؟ ~~قلت الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ ألا ترى ~~كيف رجع المعنى إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم؟ ونحوه ~~قوله تعالى # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # النساء 2 أي ولا تضموها إليها أكلين لها. وقرىء «ولا تعد عينيك، ولا ~~تعد عينيك» من أعداه نقلا بالهمزة وتثقيل الحشو. ومنه قوله # فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له # لأن معناه فعد همك عما ترى. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزدرى ~~بفقراء المؤمنين، وأن تنبو عينه عن رثاثة زيهم طموحا إلى زي الأغنياء ~~وحسن شارتهم { تريد زينة الحيوة الدنيا } في موضع الحال { ~~من أغفلنا قلبه } من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر بالخذلان. أو ~~وجدناه غافلا عنه، كقولك أجبنته وأفحمته وأبخلته، إذا وجدته كذلك. أو من ~~أغفل إبله إذا تركها بغير سمة، أي لم نسمه بالذكر ولم نجعلهم من الذين ~~كتبنا في قلوبهم الإيمان وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله { واتبع ~~هواه } وقرىء «أغفلنا قلبه» بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا ~~قلبه غافلين، من أغفلته إذا وجدته غافلا { فرطا } متقدما للحق ~~والصواب نابذا له وراء ظهره من قولهم «فرس فرط» متقدم للخيل. ### || [18.29] # { وقل الحق من ربكم } الحق خبر مبتدأ محذوف. والمعنى جاء ~~الحق وزاحت العلل فلم ms1121 يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق ~~النجاة أو في طريق الهلاك. وجيء بلفظ الأمر والتخيير، لأنه لما مكن من ~~اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين. شبه ما ~~يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت ~~مسردق ذو سرادق وقيل هو دخان يحيط بالكفار قبل دخولهم النار. وقيل حائط ~~من نار يطيف بهم { يغاثوا بماء كالمهل } كقوله # ...... فأعتبوا بالصيلم # وفيه تهكم. والمهل ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل دردي الزيت { يشوى ~~الوجوه } إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته. عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 642 # " هو كعكر الزيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه " # { بئس الشراب } ذلك { وساءت } النار { مرتفقا } متكأ من ~~المرفق، وهذا لمشاكلة قوله # وحسنت مرتفقا # الكهف 31 وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء، إلا أن يكون من قوله # إني أرقت فبت الليل مرتفقا كأن عيني فيها ~~الصاب مذبوح ### || [18.30-31] # { أولئك } خبر إن و { إنا لا نضيع } اعتراض، ولك أن تجعل ~~{ إنا لا نضيع } و { أولئك } خبرين معا. أو تجعل { ~~أولئك } كلاما مستأنفا بيانا للأجر المبهم. فإن قلت إذا جعلت { ~~إنا لا نضيع } خبرا، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت { ~~من أحسن عملا } و { الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } ينتظمهما معنى واحد، فقام { من أحسن } مقام ~~الضمير. أو أردت من أحسن عملا منهم، فكان كقولك السمن منوان بدرهم. من ~~الأولى للابتداء. والثانية للتبيين وتنكير { أساور } لإبهام أمرها في ~~الحسن. وجمع بين السندس وهو مارق من الديباج، وبين الإستبرق وهو الغليظ ~~منه، جمعا بين النوعين وخص الاتكاء، لأنه هيئة المنعمين والملوك على ~~أسرتهم. ### || [18.32-34] # { واضرب لهم مثلا رجلين } أي ومثل حال الكافرين ~~والمؤمنين، بحال رجلين وكانا أخوين في بني إسرائيل أحدهما كافر اسمه ~~قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا. وقيل هما المذكوران في سورة الصافات في ~~قوله # قال قائل منهم إنى كان لى قرين # الصافات 51 ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها. فاشترى الكافر ms1122 ~~أرضا بألف، فقال المؤمن اللهم إن أخي اشترى أرضا بألف دينار، وأنا ~~أشتري منك أرضا في الجنة بألف، فتصدق به. ثم بنى أخوه دارا بألف، فقال ~~اللهم إني أشتري منك دارا في الجنة بألف فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة ~~بألف، فقال اللهم إني جعلت ألفا صداقا للحور. ثم اشترى أخوه خدما ~~ومتاعا بألف، فقال اللهم إني اشتريت منك الولدان المخلدين بألف، فتصدق ~~به ثم أصابته حاجة، فجلس لأخيه على طريقه فمر به في حشمه، فتعرض له، ~~فطرده ووبخه على التصدق بماله، وقيل هما مثل لأخوين من بني مخزوم مؤمن ~~وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأشد، وكان زوج أم سلمة قبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكافر وهو الأسود بن عبد الأشد { جنتين من ~~أعنب } بستانين من كروم { وحففناهما بنخل } وجعلنا ~~النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين في كرومهم أن يجعلوها ~~مؤزرة بالأشجار المثمرة. يقال حفوه، إذا أطافوا به وحففته بهم. أي جعلتهم ~~حافين حوله، وهو متعد إلى مفعول واحد فتزيده الباء مفعولا ثانيا، ~~كقولك غشيه، وغشيته به { وجعلنا بينهما زرعا } جعلناها ~~أرضا جامعة للأقوات والفواكه. ووصف العمارة بأنها متواصلة متشابكة لم ~~يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها، مع الشكل الحسن والترتيب الأنيق، ونعتهما ~~بوفاء الثمار وتمام الأكل من غير نقص، ثم بماء وهو أصل الخير ومادته من ~~أمر الشرب فجعله أفضل ما يسقى به، وهو السيح بالنهر الجاري فيها. والأكل ~~الثمر. وقرىء «بضم الكاف» { ولم تظلم } ولم تنقص. وآتت حمل على ~~اللفظ، لأن { كلتا } لفظه لفظ مفرد، ولو قيل آتتا على المعنى لجاز ~~وقرىء «وفجرنا» على التخفيف وقرأ عبد الله «كل الجنتين آتى أكله» برد ~~الضمير على كل { وكان له ثمر } أي أنواع من المال، من ثمر ماله ~~إذا كثر. وعن مجاهد الذهب والفضة، أي كانت له إلى الجنتين الموصوفتين ~~الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه، ~~متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء { وأعز نفرا } يعني أنصارا ~~وحشما. وقيل أولادا ذكورا، ms1123 لأنهم ينفرون معه دون الإناث، يحاوره ~~يراجعه الكلام، من حار يحور إذا رجع، وسألته فما أحار كلمة. ### || [18.35-36] # يعني قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ~~ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه. فإن قلت فلم أفرد الجنة بعد ~~التثنية؟ قلت معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها، يعني أنه لا نصيب له ~~في الجنة التي وعد المؤمنون، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، ولم ~~يقصد الجنتين ولا واحدة منهما { وهو ظالم لنفسه } وهو معجب ~~بما أوتي مفتخر به كافر لنعمة ربه، معرض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش ~~الظلم. إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته لطول أمله واستيلاء الحرص ~~عليه وتمادي غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله. وترى ~~أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم، فإن ألسنة ~~أحوالهم ناطقة به منادية عليه { ولئن رددت إلى ربى } إقسام ~~منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه ~~ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله، ~~وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه ~~واستئهاله، وأن معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله # إن لى عنده للحسنى # فصلت 50، # لاوتين مالا وولدا # مريم 77. وقرىء «خيرا منهما» ردا على الجنتين { منقلبا } مرجعا ~~وعاقبة. وانتصابه على التمييز، أي منقلب تلك، خير من منقلب هذه، لأنها ~~فانية وتلك باقية. ### || [18.37] # { خلقك من تراب } أي خلق أصلك، لأن خلق أصله سبب في خلقه، فكان ~~خلقه خلقا له { سواك } عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ ~~الرجال. جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في البعث، كما يكون المكذب ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم كافرا. ### || [18.38] # { لكن هو الله ربى } أصله لكن أنا، فحذفت الهمزة وألقيت ~~حركتها على نون لكن، فتلاقت النونان فكان الإدغام. ونحوه قول القائل # وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن ~~إياك لا أقلي # أي لكن أنا لا أقليك وهو ms1124 ضمير الشأن، والشأن الله ربي، والجملة خبر أنا، ~~والراجع منها إليه ياء الضمير. وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل ~~والوقف جميعا، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة. وغيره لا ~~يثبتها إلا في الوقف. وعن أبي عمرو أنه وقف بالهاء لكنه. وقرىء «لكن هو ~~الله ربي»، بسكون النون وطرح أنا. وقرأ أبي بن كعب «لكن أنا» على الأصل. ~~وفي قراءة عبد الله «لكن أنا لا إله إلا هو ربي». فإن قلت هو استدراك ~~لماذا؟ قلت لقوله { أكفرت } قال لأخيه أنت كافر بالله، لكني مؤمن ~~موحد، كما تقول زيد غائب، لكن عمرا حاضر. ### || [18.39-41] # { ما شاء الله } يجوز أن تكون { ما } موصولة مرفوعة المحل على ~~أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر ما شاء الله. أو شرطية منصوبة الموضع ~~والجزاء محذوف، بمعنى أي شيء شاء الله كان. ونظيرها في حذف الجواب { لو ~~} في قوله # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال # الرعد 31 والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها ~~الأمر ما شاء الله، اعترافا بأنها وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله ~~وفضله، وأن أمرها بيده إن شاء تركها عامرة وإن شاء خربها، وقلت { لا ~~قوة إلا بالله } إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير ~~أمرها إنما هو بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده ~~إلا بالله تعالى. وعن عروة بن الزبير أنه كان يثلم حائطه أيام الرطب، ~~فيدخل من شاء. وكان إذا دخله ردد هذه الآية حتى يخرج. من قرأ { أقل } ~~بالنصب فقد جعل أنا فصلا، ومن رفع جعله مبتدأ وأقل خبره، والجملة ~~مفعولا ثانيا لترني. وفي قوله { وولدا } نصرة لمن فسر النفر ~~بالأولاد في قوله # وأعز نفرا # الكهف 34 والمعنى إن ترني أفقر منك فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما ~~بي وما بك من الفقر والغنى، فيرزقني لإيماني جنة { خيرا من جنتك ~~} ويسلبك لكفرك نعمته ويخرب بستانك. والحسبان مصدر كالغفران والبطلان، ~~بمعنى الحساب، أي مقدارا ms1125 قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها وقال ~~الزجاج عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك. وقيل حسبانا مرامي ~~الواحدة حسبانة وهي الصواعق { صعيدا زلقا } أرضا بيضاء يزلق عليها ~~لملاستها زلقا. و { غورا } كلاهما وصف بالمصدر. ### || [18.42-43] # { وأحيط } به عبارة عن إهلاكه. وأصله من أحاط به العدو لأنه إذا ~~أحاط به فقد ملكه واستولى عليه، ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى # إلا أن يحاط بكم # يوسف 66 ومثله قولهم أتى عليه، إذا أهلكه، من أتى عليهم العدو إذا ~~جاءهم مستعليا عليهم. وتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر، لأن ~~النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن، كنى عن ذلك بعض الكف والسقوط في اليد، ~~ولأنه في معنى الندم عدى تعديته بعلى، كأنه قيل فأصبح يندم { على ما ~~أنفق فيها } أي أنفق في عمارتها { وهى خاوية على ~~عروشها } يعني أن كرومها المعرشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت ~~فوقها الكروم. قيل أرسل الله عليها نارا فأكلتها { يويلتا ~~ليتنى } تذكر موعظة أخيه فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو ~~لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه. ويجوز أن يكون توبة من الشرك، ~~وندما على ما كان منه، ودخولا في الإيمان. وقرىء «ولم يكن» بالياء ~~والتاء، وحمل { ينصرونه } على المعنى دون اللفظ، كقوله # فئة تقتل فى سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم # آل عمران 13. فإن قلت ما معنى قوله { ينصرونه من دون الله }؟ ~~قلت معناه يقدرون على نصرته من دون الله، أي هو وحده القادر على نصرته لا ~~يقدر أحد غيره أن ينصره إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل { ~~وما كان منتصرا } وما كان ممتنعا بقوته عن انتقام الله. ### || [18.44] # { الولية } بالفتح النصرة والتولي، وبالكسر السلطان والملك، وقد ~~قرىء بهما. والمعنى هنالك، أي في ذلك المقام وتلك الحال النصرة لله وحده، ~~لا يملكها غيره، ولا يستطيعها أحد سواه، تقريرا لقوله # ولم يكن له فئة ينصرونه من دون الله # الكهف 43 أو هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه. ms1126 أو في مثل ~~تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر. يعني أن قوله # يليتنى لم أشرك بربى أحدا # الكهف 42 كلمة ألجيء إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ~~ذلك لم يقلها. ويجوز أن يكون المعنى هالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه ~~المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم، ويشفي صدورهم من أعدائهم، يعني أنه نصر ~~فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدق قوله # عسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل ~~عليها حسبانا من السماء # الكهف 40 ويعضده قوله { خير ثوابا وخير عقبا } أي لأوليائه ~~وقيل { هنالك } إشارة إلى الآخرة أي في تلك الدار الولاية لله، كقوله # لمن الملك اليوم # غافر 16 وقرىء «الحق» بالرفع والجر صفة للولاية والله. وقرأ عمرو بن ~~عبيد بالنصب على التأكيد، كقولك هذا عبد الله الحق لا الباطل، وهي قراءة ~~حسنة فصيحة، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم. وقرىء «عقبا» بضم ~~القاف وسكونها، وعقبى على فعلى، وكلها بمعنى العاقبة. ### || [18.45] # { فاختلط به نبات الأرض } فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط ~~بعضه بعضا. وقيل نجع في النبات الماء فاختلط به حتى روي ورف رفيفا، ~~وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض. ووجه صحته أن كل ~~مختلطين موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه. والهشيم ما تهشم وتحطم، الواحدة ~~هشيمة. وقرىء «تذروه الريح» وعن ابن عباس تذريه الرياح، من أذرى شبه حال ~~الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء، بحال النبات ~~يكون أخضر وارفا ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن { وكان الله ~~على كل شىء } من الإنشاء والإفناء { مقتدرا }. ### || [18.46] # { والبقيات; الصلحات } أعمال الخير التي تبقى ثمرتها ~~للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا. وقيل هي الصلوات ~~الخمس، وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وعن ~~قتادة كل ما أريد به وجه الله { خير عند ربك ثوابا } أي ما ~~يتعلق بها من الثواب وما يتعلق بها من الأمل لأن صاحبها يأمل في ms1127 الدنيا ~~ثواب الله، ويصيبه في الآخرة. ### || [18.47-48] # قرىء «تسير» من سيرت، ونسير من سيرنا «وتسير» من سارت، أي تسير في الجو. ~~أو يذهب بها، بأن تجعل هباء منبثا. وقرىء «وترى الأرض» على البناء ~~للمفعول { بارزة } ليس عليها ما يسيرها مما كان عليها { ~~وحشرنهم } وجمعناهم إلى الموقف. وقرىء «فلم نغادر» بالنون ~~والياء، يقال غادره وأغدره إذا تركه. ومنه الغدر. ترك الوفاء. والغدير ما ~~غادره السيل. وشبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان { صفا } ~~مصطفين ظاهرين، يرى جماعتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحدا { لقد ~~جئتمونا } أي قلنا لهم لقد جئتمونا. وهذا المضمر هو عامل النصب في ~~يوم نسير. ويجوز أن ينصب بإضمار اذكر. والمعنى لقد بعثناكم كما أنشأناكم ~~{ أول مرة } وقيل جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولا، ~~كقوله # ولقد جئتمونا فرادى # الأنعام 94. فإن قلت لم جيء بحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى؟ قلت للدلالة ~~على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظائم، ~~كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك { موعدا } وقتا لإنجاز ما وعدتم على ~~ألسنة الأنبياء من البعث والنشور. ### || [18.49] # { الكتاب } للجنس وهو صحف الأعمال { يويلتنا } ينادون هلكتهم ~~التي هلكوها خاصة من بين الهلكات { صغيرة ولا كبيرة } هنة ~~صغيرة ولا كبيرة، وهي عبارة عن الإحاطة، يعني لا يترك شيئا من المعاصي ~~إلا أحصاه، أي أحصاها كلها كما تقول ما أعطاني قليلا ولا كثيرا لأن ~~الأشياء إما صغار وإما كبار. ويجوز أن يريد وإما كان عندهم صغائر ~~وكبائر. وقيل لم يجتنبوا الكبائر فكتبت عليهم الصغائر وهي المناقشة. وعن ~~ابن عباس الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة. وعن سعيد بن جبير الصغيرة ~~المسيس، والكبيرة الزنا. وعن الفضيل كان إذا قرأها قال ضجوا والله من ~~الصغائر قبل الكبائر { إلا أحصاها } إلا ضبطها وحصرها { ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا } في الصحف عتيدا. أو جزاء ما عملوا ~~{ ولا يظلم ربك أحدا } فيكتب عليه ما لم يعمل. أو يزيد في ~~عقاب المستحق، أو يعذبه بغير جرم، كما يزعم من ظلم الله في تعذيب أطفال ~~المشركين ms1128 بذنوب آبائهم. ### || [18.50-51] # { كان من الجن } كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس ~~من الساجدين، كأن قائلا قال ما له لم يسجد؟ فقيل كان من الجن { ففسق ~~عن أمر ربه } والفاء للتسبيب أيضا، جعل كونه من الجن سببا في ~~فسقه لأنه لو كان ملكا كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأن ~~الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال # لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون # الأنبياء 27 وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن ~~وقوع شبهة في عصمتهم. فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ~~ضاده وزعم أنه كان ملكا ورئيسا على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ ~~شيطانا، ثم وركه على ابن عباس. ومعنى { ففسق عن أمر ربه } ~~خرج عما أمره به ربه من السجود. قال # فواسقا عن قصدها جوائرا # أو صار فاسقا كافرا بسبب أمر ربه الذي هو قوله { اسجدوا لآدم }. ~~{ أفتتخذونه } الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل أعقيب ما وجد ~~منه تتخذونه { وذريته أولياء من دونى } وتستبدلونهم بي، ~~بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته { ما ~~أشهدتهم } وقرىء «ما أشهدناهم»، يعني أنكم اتخذتموهم شركاء لي في ~~العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى ~~مشاركتهم في الإلهية بقوله { ما أشهدتهم خلق السموت ~~والأرض } لأعتضد بهم في خلقها { ولا خلق أنفسهم } أي ولا ~~أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله # ولا تقتلوا أنفسكم # النساء 29. { وما كنت متخذ المضلين } بمعنى وما كنت ~~متخذهم { عضدا } أي أعوانا، فوضع المضلين موضع الضمير ذما لهم ~~بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضدا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي ~~في العبادة؟ وقرىء «وما كنت» بالفتح الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. وقرأ ~~علي رضي الله عنه «وما كنت متخذا المضلين» بالتنوين على الأصل. وقرأ ~~الحسن «عضدا» بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين. وقرىء ms1129 «عضدا» بالفتح ~~وسكون الضاد. و «عضدا» بضمتين و «عضدا» بفتحتين جمع عاضد، كخادم ~~وخدم، وراصد ورصد، ومن عضده إذا قواه وأعانه. ### || [18.52-53] # { يقول } بالياء والنون. وإضافة الشركاء إليه على زعمهم توبيخا لهم ~~وأراد الجن والموبق المهلك، من وبق يبق وبوقا، ووبق يوبق وبقا إذا ~~هلك. وأوبقه غيره. ويجوز أن يكون مصدرا كالمورد والموعد، يعني وجعلنا ~~بينهم واديا من أودية جهنم هو مكان الهلاك والعذاب الشديد مشتركا ~~يهلكون فيه جميعا. وعن الحسن { موبقا } عداوة. والمعنى عداوة هي في ~~شدتها هلاك، كقوله لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا. وقال الفراء البين ~~الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة. ويجوز أن يريد ~~الملائكة وعزيرا وعيسى ومريم، وبالموبق البرزخ البعيد، أي وجعلنا بينهم ~~أمدا بعيدا تهلك فيه الأشواط لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى ~~الجنان { فظنوا } فأيقنوا { مواقعوها } مخالطوها واقعون فيها ~~{ مصرفا } معدلا. قال # أزهير هل عن شيبة من مصرف ### || [18.54] # { أكثر شىء جدلا } أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن ~~فصلتها واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل. وانتصاب { جدلا } على ~~التمييز، يعني أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل شيء. ونحوه # فإذا هو خصيم مبين # النحل 4. ### || [18.55] # { أن } الأولى نصب. والثانية رفع، وقبلها مضاف محذوف تقديره { وما ~~منع الناس } الإيمان والاستغفار { إلا } انتظار { أن ~~تأتيهم سنة الأولين } وهي الإهلاك { أو } انتظار أن { ~~يأتيهم العذاب } يعني عذاب الآخرة { قبلا } عيانا. وقرىء ~~«قبلا» أنواعا جمع قبيل. و «قبلا»، بفتحتين مستقبلا. ### || [18.56] # { ليدحضوا } ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها ~~وإزالتها عن موطئها { وما أنذروا } يجوز أن تكون { ما } موصولة، ~~ويكون الراجع من الصلة محذوفا، أي وما أنذروه من العذاب. أو مصدرية ~~بمعنى وإنذارهم. وقرىء «هزأ»، بالسكون، أي اتخذوها موضع استهزاء. وجدالهم ~~قولهم للرسل # ما أنتم إلا بشر مثلنا ولو شاء الله لأنزل ~~ملئكة # المؤمنون 24 وما أشبه ذلك. ### || [18.57] # { بأيت ربه } بالقرآن، ولذلك رجع إليها الضمير مذكرا في قوله { ~~أن يفقهوه }. { فأعرض عنها } فلم يتذكر حين ذكر ولم يتدبر ms1130 ~~{ ونسى } عاقبة { ما قدمت يداه } من الكفر والمعاصي، غير ~~متفكر فيها ولا ناظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء. ثم علل ~~إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، وجمع بعد الافراد حملا على ~~لفظ من ومعناه { فلن يهتدوا } فلا يكون منهم اهتداء البتة، كأنه ~~محال منهم لشدة تصميمهم { أبدا } مدة التكليف كلها. و { إذا } ~~جزاء وجواب، فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول، بمعنى أنهم جعلوا ما ~~يجب أن يكون سبب وجود الاهتداء سببا في انتفائه، وعلى أنه جواب للرسول ~~على تقدير قوله ما لي لا أدعوهم حرصا على إسلامهم؟ فقيل وإن تدعهم إلى ~~الهدى فلن يهتدوا. ### || [18.58] # { الغفور } البليغ المغفرة { ذو الرحمة } الموصوف بالرحمة، ثم ~~استشهد على ذلك بترك مؤاخذة أهل مكة عاجلا من غير إمهال مع إفراطهم في ~~عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم { بل لهم موعد } وهو يوم ~~بدر { لن يجدوا من دونه موئلا } منجى ولا ملجأ. يقال «وأل» ~~إذا نجا، و «وأل إليه» إذا لجأ إليه. ### || [18.59] # { وتلك القرى } يريد قرى الأولين من ثمود وقوم لوط وغيرهم أشار ~~لهم إليها ليعتبروا. { تلك } مبتدأ، و { القرى } صفة لأن أسماء ~~الإشارة توصف بأسماء الأجناس، و { أهلكنهم } خبر. ويجوز أن يكون ~~{ تلك القرى } نصبا بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير. والمعنى ~~وتلك أصحاب القرى أهلكناهم { لما ظلموا } مثل ظلم أهل مكة { ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا } وضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما ~~لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر والمهلك الإهلاك ووقته. وقرىء ~~«لمهلكهم» بفتح الميم، واللام مفتوحة أو مكسورة، أي لهلاكهم أو وقت ~~هلاكهم. والموعد وقت، أو مصدر. ### || [18.60-65] # { لفته } لعبده. وفي الحديث 643 # " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي " # ، ولا يقل عبدي وأمتي. وقيل هو يوشع بن نون. وإنما قيل فتاه لأنه كان ~~يخدمه ويتبعه. وقيل كان يأخذ منه العلم. فإن قلت { لا أبرح } إن كان ~~بمعنى لا أزول - من برح المكان - فقد دل على الإقامة لا على السفر. وإن ~~كان بمعنى لا أزال، فلا بد من الخبر، قلت هو ms1131 بمعنى لا أزال، وقد حذف ~~الخبر لأن الحال والكلام معا يدلان عليه. أما الحال فلأنها كانت حال ~~سفر. وأما الكلام فلأن قوله { حتى أبلغ مجمع البحرين ~~} غاية مضروبة وتستدعي ما هي غاية له، فلا بد أن يكون المعنى لا أبرح ~~أسير حتى أبلغ مجمع البحرين. ووجه آخر وهو أن يكون المعنى لا يبرح مسيري ~~حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه ~~مقامه وهو ضمير المتكلم، فانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، ~~وهو وجه لطيف. ويجوز أن يكون. المعنى لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى ألزم ~~المسير والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ، كما تقول لا أبرح المكان. ~~ومجمع البحرين المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر عليهما السلام، وهو ~~ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق. وقيل طنجة. وقيل أفريقية. ومن ~~بدع التفاسير أن البحرين موسى والخضر، لأنهما كانا بحرين في العلم. وقرىء ~~«مجمع» بكسر الميم، وهي في الشذوذ من يفعل، كالمشرق والمطلع من يفعل { ~~أو أمضى حقبا } أو أسير زمانا طويلا. والحقب ثمانون سنة. وروي ~~أنه لما ظهر موسى على مصر مع بني إسرائيل واستقروا بها بعد هلاك القبط، ~~أمره الله أن يذكر قومه النعمة، فقام فيهم خطيبا فذكر نعمة الله وقال ~~إنه اصطفى نبيكم وكلمه. فقالوا له قد علمنا هذا، فأي الناس أعلم؟ قال ~~أنا. فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إلى الله، فأوحى إليه بل أعلم منك ~~عبد لي عند مجمع البحرين وهو الخضر، وكان الخضر في أيام أفريدون قبل ~~موسى عليه السلام، وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر، وبقي إلى أيام ~~موسى. وقيل إن موسى سأل ربه أي عبادك أحب إليك؟ قال الذي يذكرني ولا ~~ينساني. قال فأي عبادك أقضى؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال ~~فأي عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة ~~تدله على هدى، أو ترده عن ردى. فقال إن كان في عبادك من ms1132 هو أعلم مني ~~فادللني عليه. قال أعلم منك الخضر. قال أين أطلبه؟ قال على الساحل عند ~~الصخرة. # قال يا رب، كيف لي به؟ قال تأخذ حوتا في مكتل، فحيث فقدته فهو هناك. ~~فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني، فذهبا يمشيان، فرقد موسى، فاضطرب ~~الحوت ووقع في البحر، فلما جاء وقت الغداء طلب موسى الحوت، فأخبره فتاه ~~بوقوعه في البحر، فأتيا الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، ~~فقال وأني بأرضنا السلام، فعرفه نفسه، فقال يا موسى، أنا على علم علمنيه ~~الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا. فلما ركبا ~~السفينة جاء عصفور فوقع على حرفها فنقر في الماء فقال الخضر ما ينقص علمي ~~وعلمك من علم الله إلا مقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر { نسيا ~~حوتهما } أي نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على الظفر ~~بالطلبة. وقيل نسي يوشع أن يقدمه، ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل ~~كان الحوت سمكة مملوحة. وقيل إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل، فنزلا ~~ليلة على شاطىء عين تسمى عين الحياة، ونام موسى، فلما أصاب السمكة برد ~~الماء وروحه عاشت. وروي أنهما أكلا منها. وقيل توضأ يوشع من تلك العين ~~فانتضح الماء على الحوت فعاش ووقع في الماء { سربا } أمسك الله جرية ~~الماء على الحوت فصار عليه مثل الطاق، وحصل منه في مثل السرب معجزة لموسى ~~أو للخضر { فلما جاوزا } الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر ~~الحوت وما كان منه. ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رأى من حياته ووقوعه في ~~البحر. وقيل سارا بعد مجاوزة الصخرة الليلة والغد إلى الظهر، وألقي على ~~موسى النصب والجوع حين جاوز الموعد، ولم ينصب ولا جاع قبل ذلك، فتذكر ~~الحوت وطلبه. وقوله { من سفرنا هذا } إشارة إلى مسيرهما وراء ~~الصخرة. فإن قلت كيف نسي يوشع ذلك، ومثله لا ينسى لكونه أمارة لهما على ~~الطلبة التي تناهضا من أجلها لكونه معجزتين ثنتين وهما حياة السمكة ~~المملوحة ms1133 المأكول منها - وقيل ما كانت إلا شق سمكة - وقياء الماء ~~وانتصابه مثل الطاق ونفوذها في مثل السرب منه؟ ثم كيف استمر به النسيان ~~حتى خلفا الموعد وسارا مسيرة ليلة إلى ظهر الغد، وحتى طلب موسى عليه ~~السلام الحوت؟ قلت قد شغله الشيطان بوساوسه فذهب بفكره كل مذهب حتى ~~اعتراه النسيان وانضم إلى ذلك أنه ضري بمشاهدة أمثاله عند موسى عليه ~~السلام من العجائب، واستأنس بإخوانه فأعان الإلف على قلة الاهتمام { ~~أرأيت } بمعنى أخبرني. فإن قلت ما وجه التئام هذا الكلام، فإن كل ~~واحد من { أرأيت } و { إذ أوينا } و { فإنى نسيت ~~الحوت } لا متعلق له؟ قلت لما طلب موسى عليه السلام الحوت، ذكر يوشع ~~ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى ~~عليه السلام عن سبب ذلك، كأنه قال أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة؟ ~~فإني نسيت الحوت، فحذف ذلك. # وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت. و { أن أذكره } بدل من الهاء ~~في { أنسانيه } أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان. وفي قراءة عبد ~~الله «أن اذكركه» و { عجبا } ثاني مفعولي اتخذ، مثل { سربا } يعني ~~واتخذ سبيله سبيلا عجبا، وهو كونه شبيه السرب. أو قال عجبا في آخر ~~كلامه، تعجبا من حاله في رؤية تلك العجيبة ونسيانه لها أو مما رأى من ~~المعجزتين، وقوله { أنسنيه إلا الشيطن أن أذكره } ~~اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وقيل إن { عجبا } حكاية لتعجب موسى ~~عليه السلام، وليس بذاك { ذلك } إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أي ذلك الذي ~~كنا نطلب، لأنه أمارة الظفر بالطلبة من لقاء الخضر عليه السلام. وقرىء ~~«نبغ» لغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي عمرو، وأما ~~الوقف، فالأكثر فيه طرح الياء اتباعا لخط المصحف { فارتدا } فرجعا ~~في أدراجهما { قصصا } يقصان قصصا، أي يتبعان آثارهما اتباعا. أو ~~فارتدا مقتصين { رحمة من عندنا } هي الوحي والنبوة { من ~~لدنا } مما يختص بنا من العلم، وهو الإخبار عن الغيوب. ### || [18.66] # { رشدا } قرىء «بفتحتين» و «بضمة وسكون» أي ms1134 علما ذا رشد، أرشد به في ~~ديني. فإن قلت أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه - كما قيل - ~~موسى بن ميشا، لا موسى بن عمران لأن النبي يجب أن يكون أعلم أهل زمانه ~~وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين؟ قلت لا غضاضة بالنبي في أخذ العلم ~~من نبي مثله وإنما يغض منه أن يأخذه ممن دونه. وعن سعيد ابن جبير أنه ~~قال لابن عباس إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، ~~وأن موسى هو موسى بن ميشا، فقال كذب عدو الله. ### || [18.67-68] # نفي استطاعة الصبر على وجه التأكيد، كأنهما مما لا يصح ولا يستقيم، ~~وعلل ذلك بأنه يتولى أمورا هي في ظاهرها مناكير. والرجل الصالح فكيف ~~إذا كان نبيا لا يتمالك أن يشمئز ويمتعض ويجزع إذا رأى ذلك ويأخذ في ~~الإنكار. و { خبرا } تمييز، أي لم يحط به خبركأو لأن لم تحط به بمعنى ~~لم تخبره، فنصبه نصب المصدر. ### || [18.69] # { ولا أعصى } في محل النصب عطفا على { صابرا } أي ستجدني ~~صابرا وغير عاص. أو لا في محل، عطفا على ستجدني. رجا موسى عليه السلام ~~لحرصه على العلم وازدياده، أن يستطيع معه صبرا بعد إفصاح الخضر عن حقيقة ~~الأمر، فوعده بالصبر معلقا بمشيئة الله، علما منه بشدة الأمر وصعوبته، ~~وإن الحمية التي تأخذ المصلح عند مشاهدة الفساد شيء لا يطاق، هذا مع علمه ~~أن النبي المعصوم الذي أمره الله بالمسافرة إليه واتباعه واقتباسه العلم ~~منه، بريء من أن يباشر ما فيه غميزة في الدين، وأنه لا بد لما يستسمج ~~ظاهره من باطن حسن جميل، فكيف إذا لم يعلم. ### || [18.70] # قرىء «فلا تسئلني» بالنون الثقيلة، يعني فمن شرط اتباعك لي أنك إذا رأيت ~~مني شيئا - وقد علمت أنه صحيح إلا أنه غبي عليك وجه صحته فحميت وأنكرت ~~في نفسك - أن لا تفاتحني بالسؤال، ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح ~~عليك. وهذا من آداب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع. ### || [18.71-72] # { فانطلقا } على ساحل البحر ms1135 يطلبان السفينة، فلما ركبا قال أهلها ~~هما من اللصوص، وأمروهما بالخروج، فقال صاحب السفينة أرى وجوه الأنبياء. ~~وقيل عرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فلما لججوا أخذ الخضر الفأس فخرق ~~السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها مما يلي الماء فجعل موسى يسد الخرق ~~بثيابه ويقول { أخرقتها لتغرق أهلها } وقرىء «لتغرق» ~~بالتشديد و «ليغرق أهلها» من غرق وأهلها مرفوع { جئت شيئا إمرا ~~} أتيت شيئا عظيما، من أمر الأمر إذا عظم، قال # داهية دهياء إدا إمرا ### || [18.73] # { بما نسيت } بالذي نسيته، أو بشيء نسيته، أو بنسياني أراد أنه نسي ~~وصيته و لا مؤاخذة على الناسي. أو أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة ~~بالنسيان يوهمه أنه قد نسي ليبسط عذره في الإنكار وهو من معاريض الكلام ~~التي يتقي بها الكذب، مع التوصل إلى الغرض، كقول إبراهيم هذه أختي، وإني ~~سقيم. أو أراد بالنسيان الترك، أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول ~~مرة. يقال رهقه إذا غشيه، وأرهقه إياه. أي ولا تغشني { عسرا } من ~~أمري، وهو اتباعه إياه، يعني ولا تعسر علي متابعتك، ويسرها علي ~~بالإغضاء وترك المناقشة. وقرىء «عسرا»، بضمتين. ### || [18.74-75] # { فقتله } قيل كان قتله فتل عنقه. وقيل ضرب برأسه الحائط، وعن سعيد ~~بن جبير أضجعه ثم ذبحه بالسكين. فإن قلت لم قيل { حتى إذا ركبا ~~فى السفينة خرقها } بغير فاء و { حتى إذا لقيا ~~غلاما فقتله } قلت جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة ~~الشرط معطوفا عليه، والجزاء { قال أقتلت }. فإن قلت فلم خولف ~~بينهما؟ قلت لأن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لقاء ~~الغلام. وقرىء «زاكية» و «زكية»، وهي الطاهرة من الذنوب، إما لأنها ظاهرة ~~عنده لأنه لم يرها قد أذنبت، وإما لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث { بغير ~~نفس } يعني لم تقتل نفسا فيقتص منها. وعن ابن عباس 644 أن نجدة ~~الحروري كتب إليه كيف جاز قتله، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~قتل الولدان؟ فكتب إليه إن علمت من حال الولدان ما علمه ms1136 عالم موسى فلك أن ~~تقتل { نكرا }. وقرىء «بضمتين» وهو المنكر وقيل النكر أقل من الإمر ~~لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة. وقيل معناه جئت شيئا أنكر ~~من الأول، لأن ذلك كان خرقا يمكن تداركه بالسد، وهذا لا سبيل إلى ~~تداركه. فإن قلت ما معنى زيادة { لك }؟ قلت زيادة المكافحة بالعتاب على ~~رفض الوصية، والوسم بقلة الصبر عند الكرة الثانية. ### || [18.76] # { بعدها } بعد هذه الكرة أو المسألة { فلا تصاحبنى } فلا ~~تقاربني، وإن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك. وقرىء «فلا تصحبني» فلا ~~تكن صاحبي. وقرىء «فلا تصحبني» أي فلا تصحبني إياك ولا تجعلني صاحبك { ~~من لدنى عذرا } قد أعذرت. وقرىء «لدني»، بتخفيف النون «ولدني» ~~بسكون الدال وكسر النون، كقولهم في عضد عضد. وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 645 # " رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك " # ، وقال 646 # " رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب ~~". ### || [18.77] # { أهل قرية } هي إنطاكية. وقيل الأبلة، وهي أبعد أرض الله من ~~السماء { أن يضيفوهما }. وقرىء «يضيفوهما» يقال ضافه إذا كان له ~~ضيفا. وحقيقته مال إليه، من ضاف السهم عن الغرض، ونظيره زاره من ~~الازورار. وأضافه وضيفه أنزله وجعله ضيفه وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~647 # " كانوا أهل قرية لئاما " # وقيل شر القرى التي لا يضاف الضيف فيها ولا يعرف لابن السبيل حقه { ~~يريد أن ينقض } استعيرت الإرادة للمداناة والمشارفة، كما استعير ~~الهم والعزم لذلك. قال الراعي # في مهمه قلقت به هاماتها قلق الفئوس إذا ~~أردن نصولا # وقال # يريد الرمح صدر أبي براء ويعدل عن دمار بني ~~عقيل # وقال حسان # إن دهرا يلف شملي بجمل لزمان يهم ~~بالإحسان # وسمعت من يقول عزم السراج أن يطفأ، وطلب أن يطفأ. وإذا كان القول والنطق ~~والشكاية والصدق والكذب والسكوت والتمرد والإباء والعزة والطواعية وغير ~~ذلك مستعار للجماد ولما لا يعقل، فما بال الإرادة؟ قال # إذا قالت الأنساع للبطن الحق تقول سني ~~للنواة طني لا ينطق اللهو حتى ينطق ms1137 العود ~~وشكا إلي بعبرة وتحمحم فإن يك ظني صادقا ~~وهو صادقي # ولما سكت عن موسى الغضب # الأعراف154 # تمرد مارد وعز الأبلق # ولبعضهم # يأبى على أجفانه إغفاءه هم إذا انقاد الهموم ~~تمردا أبت الروادف والثدي لقمصها مس ~~البطون وأن تمس ظهورا # قالتا أتينا طائعين # فصلت11 ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله تعالى ممن لا يعلم، كان ~~يجعل الضمير للخضر لأن ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم، أراه أعلى ~~الكلام طبقة أدناه منزلة،فتمحل ليرده إلى ما هو عنده أصح وأفصح،وعنده ~~أن ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز. وانقض إذا أسرع سقوطه،من ~~انقضاض الطائر وهو انفعل، مطاوع قضضته. وقيل افعل من النقض، كاحمر من ~~الحمرة. وقرىء «أن ينقض» من النقض، «وأن ينقاص» من انقاصت السن إذا انشقت ~~طولا، قال ذو الرمة # ......... منقاص ومنكثب # بالصاد غير معجمة { فأقامه } قيل أقامه بيده. وقيل مسحه بيده فقام ~~واستوى. وقيل أقامه بعمود عمده به. وقيل نقضه وبناه. وقيل كان طول الجدار ~~في السماء مائة ذراع، كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، ولقد ~~لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدا مواسيا، فلما ~~أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن { قال ~~لو شئت لتخذت عليه أجرا } وطلبت على عملك جعلا حتى ~~ننتعش ونستدفع به الضرورة وقرىء «لتخذت»، والتاء في تخذ، أصل كما في تبع، ~~واتخذ افتعل منه، كاتبع من تبع، وليس من الأخذ في شيء. ### || [18.78] # فإن قلت { هذا } إشارة إلى ماذا؟ قلت قد تصور فراق بينهما عند حلول ~~ميعاده على ما قال موسى عليه السلام إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، ~~فأشار إليه وجعله مبتدأ وأخبر عنه، كما تقول هذا أخوك، فلا يكون «هذا» ~~إشارة إلى غير الأخ، ويجوز أن يكون إشارة إلى السؤال الثالث، أي هذا ~~الاعتراض سبب الفراق، والأصل هذا فراق بيني وبينك. وقد قرأ به ابن أبي ~~عبلة، فأضيف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به. ### || [18.79] # { لمسكين ms1138 } قيل كانت لعشرة إخوة، خمسة منهم زمنى، وخمسة يعملون ~~في البحر { وراءهم } أمامهم، كقوله تعالى # من ورائهم برزخ # المؤمنون 100 وقيل خلفهم، وكان طريقهم في رجوعهم عليه وما كان عندهم ~~خبره، فأعلم الله به الخضر وهو «جلندي». فإن قلت قوله { فأردت أن ~~أعيبها } مسبب عن خوف الغصب عليها فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلم ~~قدم عليه؟ قلت النية به التأخير، وإنما قدم للعناية، ولأن خوف الغصب ليس ~~هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلة قولك زيد ظني مقيم. ~~وقيل في قراءة أبي وعبد الله كل سفينة صالحة. ### || [18.80-82] # وقرأ الجحدري «وكان أبواه مؤمنان» على أن «كان» فيه ضمير الشأن { ~~فخشينا أن يرهقهما طغينا وكفرا } فخفنا أن يغشى ~~الوالدين المؤمنين طغيانا عليهما، وكفرا لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ~~ويلحق بهما شرا وبلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره، فيجتمع في بيت ~~واحد مؤمنان وطاغ كافر. أو يعديهما بدائه ويضلهما بضلاله فيرتدا بسببه ~~ويطغيا ويكفرا بعد الإيمان وإنما خشي الخضر منه ذلك لأن الله تعالى أعلمه ~~بحاله وأطلعه على سر أمره. وأمره إياه بقتله كاخترامه لمفسدة عرفها في ~~حياته. وفي قراءة أبي «فخاف ربك» والمعنى فكره ربك كراهة من خاف سوء ~~عاقبة الأمر فغيره. ويجوز أن يكون قوله { فخشينا } حكاية لقول الله ~~تعالى، بمعنى فكرهنا، كقوله # لأهب لك # مريم 19. وقرىء «يبدلهما» بالتشديد. والزكاة الطهارة والنقاء من ~~الذنوب. والرحم الرحمة والعطف. وروي أنه ولدت لهما جارية نزوجها نبي، ~~فولدت نبيا هدى الله على يديه أمة من الأمم. وقيل ولدت سبعين نبيا. ~~وقيل أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما. قيل اسما الغلامين أصرم، وصريم. ~~والغلام المقتول اسمه الحسين. واختلف في الكنز، فقيل مال مدفون من ذهب ~~وفضة. وقيل لوح من ذهب مكتوب فيه 648 عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، ~~وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت ~~لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل. وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف ~~يطمئن إليها. لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقيل ms1139 صحف فيها علم. ~~والظاهر لإطلاقه أنه مال. وعن قتادة أحل الكنز لمن قبلنا وحرم علينا، ~~وحرمت الغنيمة عليهم وأحلت لنا أراد قوله تعالى # والذين يكنزون الذهب والفضة # التوبة 34. { وكان أبوهما صلحا } اعتداد بصلاح أبيهما وحفظ ~~لحقه فيهما. وعن جعفر بن محمد الصادق كان بين الغلامين وبين الأب الذي ~~حفظا فيه سبعة آباء. وعن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه قال ~~لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما بم حفظ الله الغلامين؟ قال بصلاح ~~أبيهما. قال فأبي وجدي خير منه. فقال قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون { ~~رحمة } مفعول له. أو مصدر منصوب بأراد ربك، لأنه في معنى رحمهما { ~~وما فعلته } وما فعلت ما رأيت { عن أمرى } عن اجتهادي ورأيي، ~~وإنما فعلته بأمر الله. ### || [18.83-88] # ذو القرنين هو الإسكندر الذي ملك الدنيا. قيل ملكها مؤمنان ذو القرنين، ~~وسليمان. وكافران نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمرود. واختلف فيه فقيل كان ~~عبدا صالحا ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة وسخر ~~له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ~~ورائه. وقيل نبيا. وقيل ملكا من الملائكة. وعن عمر رضي الله عنه أنه ~~سمع رجلا يقول يا ذا القرنين، فقال اللهم غفرا ما رضيتم أن تتسموا ~~بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علي رضي الله عنه. سخر ~~له السحاب، ومدت له الأسباب، وبسط له النور وسئل عنه فقال أحبه الله ~~فأحبه. وسأله ابن الكوا ما ذو القرنين أملك أم نبي؟ فقال ليس بملك ولا ~~نبي، ولكن كان عبدا صالحا، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثم ~~بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم ~~مثله. قيل كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 649 # " سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها " # وقيل كان له قرنان، أي ضفيرتان. وقيل انقرض في وقته قرنان من الناس. وعن ~~وهب لأنه ملك الروم وفارس. ms1140 وروي الروم والترك. وعنه كانت صفحتا رأسه من ~~نحاس. وقيل كان لتاجه قرنان. وقيل كان على رأسه ما يشبه القرنين. ويجوز ~~أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشا لأنه ينطح أقرانه، وكان من ~~الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره. والسائلون هم اليهود سألوه على جهة ~~الامتحان. وقيل سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في { عليكم } لأحد ~~الفريقين { من كل شىء } أي من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ~~ومقاصده في ملكه { سببا } طريقا موصلا إليه، والسبب ما يتوصل به إلى ~~المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب { فأتبع سببا ~~} يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سببا، وأراد بلوغ ~~السدين فاتبع سببا. وقرىء «فأتبع» قرىء «حمئة»، من حمئت البئر إذا صار ~~فيها الحمأة. وحامية بمعنى حارة. وعن أبي ذر 650 كنت رديف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت فقال يا أبا ذر، ~~أتدري أين تغرب هذه؟ فقلت الله ورسوله أعلم. قال فإنها تغرب في عين ~~حامية، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن. وقرأ ابن ~~عباس حمئة. وكان ابن عباس عند معاوية فقرأ معاوية حامية فقال ابن عباس ~~حمئة. فقال معاوية لعبد الله بن عمرو كيف تقرأ؟ قال كما يقرأ أمير ~~المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار. # كيف تجد الشمس تغرب؟ قال في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة. وروي في ~~ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع # فرأى مغيب الشمس عند مآبها في عين ذي خلب ~~وثاط حرمد # أي في عين ماء ذي طين وحمإ أسود، ولا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز ~~أن تكون العين جامعه للوصفين جميعا. كانوا كفرة فخيره الله بين أن ~~يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في ~~استمالتهم فقال أما من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو ~~الشرك فذلك هو المعذب في الدارين { وأما من آمن وعمل } ما ~~يقتضيه الإيمان { فله ms1141 جزآء #1649;لحسنى } وقيل خيره بين القتل ~~والأسر، وسماه إحسانا في مقابلة القتل { فله جزآء الحسنى } ~~فله أن يجازي المثوبة الحسنى. أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة ~~الشهادة. وقرىء «فله جزاء الحسنى» أي فله الفعلة الحسنى جزاء. وعن قتادة ~~كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر. ومن آمن أعطاه وكساه { ~~من أمرنا يسرا } أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر ~~من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره ذا يسر، كقوله # قولا ميسورا # الإسراء 28 وقرىء «يسرا»، بضمتين. ### || [18.89-91] # وقرىء «مطلع» فتح اللام وهو مصدر. والمعنى بلغ مكان مطلع الشمس، كقوله # كأن مجر الرامسات ذيولها # يريد كأن آثار مجر الرامسات { على قوم } قيل هم الزنج. والستر ~~الأبنية، وعن كعب أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس ~~دخلوها. فإذا ارتفع النهار خرجوا إلى معايشهم، وعن بعضهم خرجت حتى جاوزت ~~الصين، فسألت عن هؤلاء فقيل بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة، فبلغتهم فإذا ~~أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى، ومعي صاحب يعرف لسانهم فقالوا له جئتنا ~~تنظر كيف تطلع الشمس؟ قال فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصة فغشي ~~علي، ثم أفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي ~~فوق الماء كهيئة الزيت، فأدخلوها سربا لهم، فلما ارتفع النهار خرجوا إلى ~~البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم. وقيل الستر ~~اللباس. وعن مجاهد من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من ~~جميع أهل الأرض { كذلك } أي أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه ~~تعظيما لأمره { وقد أحطنا بما لديه } من الجنود والآلات ~~وأسباب الملك { خبرا } تكثيرا لذلك. وقيل لم نجعل لهم من دونها سترا ~~مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كل ~~جنس، والثياب من كل صنف. وقيل بلغ مطلع الشمس مثل ذلك، أي كما بلغ ~~مغربها. وقيل تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم، يعني أنهم ~~كفرة مثلهم وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن ms1142 بقي منهم على الكفر، وإحسانه ~~إلى من آمن منهم. ### || [18.90-93] # { بين السدين } بين الجبلين وهما جبلان سد ذو القرنين مما ~~بينهما. قرىء «بالضم والفتح». وقيل ما كان من خلق الله تعالى فهو مضموم، ~~وما كان من عمل العباد فهو مفتوح لأن السد بالضم فعل بمعنى مفعول، أي ~~هو مما فعله الله تعالى وخلقه. والسد - بالفتح - مصدر حدث يحدثه الناس. ~~وانتصب { بين } على أنه مفعول به مبلوغ، كما انجر على الإضافة في قوله # هذا فراق بينى وبينك # الكهف 78 وكما ارتفع في قوله # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94 لأنه من الظروف التي تستعمل أسماء وظروفا، وهذا المكان في ~~منقطع أرض الترك مما يلي المشرق { من دونهما قوما } هم الترك { ~~لا يكادون يفقهون قولا } لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ~~ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم إلبكم وقرىء «يفقهون» أي لا يفهمون ~~السامع كلامهم ولا يبينونه، لأن لغتهم غريبة مجهولة. ### || [18.94] # { يأجوج ومأجوج } اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقرىء ~~«مهموزين». وقرأ رؤبة «آجوج وماجوج»، وهما من ولد يافث. وقيل يأجوج من ~~الترك، ومأجوج من الجيل والديلم. { مفسدون فى الأرض } قيل كانوا ~~يأكلون الناس، وقيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا ~~أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه، وكانوا يلقون منهم قتلا وأذى شديدا. ~~651 وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم # " لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح " # وقيل هم على صنفين، طوال مفرطو الطول، وقصار مفرطو القصر. وقرىء «خرجا» ~~و «خراجا»، أي جعلا نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال. وقرىء ~~«سدا» و «سدا»، بالفتح والضم. ### || [18.95-97] # { ما مكنى فيه ربى خير } ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال ~~واليسار، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة بي إليه، كما قال سليمان ~~صلوات الله عليه # فما ءاتنى الله خير مما ءاتكم # النمل 36. قرىء بالإدغام وبفكه. { فأعينونى بقوة } بفعله ~~وصناع يحسنون البناء والعمل، وبالآلات { ردما } حاجزا حصينا موثقا. ~~والردم أكبر من السد، من ms1143 قولهم ثوب مردم، رقاع فوق رقاع. وقيل حفر ~~الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من ~~زبر الحديد، بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم ~~وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، صب النحاس المذاب على الحديد المحمي ~~فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا. وقيل بعد ما بين السدين مائة ~~فرسخ. وقرىء «سوى»، و «سووى». وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 652 أن ~~رجلا أخبره به فقال كيف رأيته؟ قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة ~~حمراء. قال «قد رأيته» والصدفان - بفتحتين - جانبا الجبلين، لأنهما ~~يتصادقان أي يتقابلان، وقرىء «الصدفين» بضمتين. و «الصدفين» بضمة وسكون. ~~«الصدفين» بفتحة وضمة. والقطر، النحاس المذاب لأنه يقطر و { قطرا } ~~منصوب بأفرغ وتقديره آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا فحذف الأول لدلالة ~~الثاني عليه. وقرىء «قال ائتوني»، أي جيئوني { فما اسطاعوا } بحذف ~~التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من الطاء. وقرىء «فما اصطاعوا»، ~~بقلب السين صادا. وأما من قرأ بإدغام التاء في الطاء، فملاق بين ساكنين ~~على غير الحد { أن يظهروه } أي يعلوه، أي لا حيلة لهم فيه من ~~صعود. لارتفاعه وانملاسه، ولا نقب لصلابته وثخانته. ### || [18.98] # { هذا } إشارة إلى السد أي هذا السد نعمة من الله و { رحمة } ~~على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته { فإذا جاء وعد ~~ربى } يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد { دكا ~~} أي مدكوكا مبسوطا مستوي بالأرض، وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد ~~اندك. ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام. وقرىء «دكاء» بالمد أي أرضا ~~مستوية { وكان وعد ربى حقا } آخر حكاية قول ذي القرنين. ### || [18.99] # { وتركنا } وجعلنا { بعضهم } بعض الخلق { يموج فى بعض ~~} أي يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى. ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ~~ومأجوج، وأنهم يموجون حين يخرجون من وراء السد مزدحمين في البلاد. وروي ~~يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر، ومن ظفروا به ~~ممن لم يتحصن منهم من الناس، ولا يقدرون ms1144 أن يأتوا مكة والمدينة وبيت ~~المقدس، ثم يبعث الله نغفا في أقفائهم فيدخل في آذانهم فيموتون. ### || [18.100-101] # { وعرضنا جهنم } وبرزناها لهم فرأوها وشاهدوها { عن ذكرى ~~} عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم. أو عن القرآن وتأمل معانيه ~~وتبصرها، ونحوه # صم بكم عمى # البقرة 18. { وكانوا لا يستطيعون سمعا } يعني وكانوا صما ~~عنه، إلا أنه أبلغ لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء ~~كأنهم أصميت أسماعهم فلا استطاعة بهم للسمع. ### || [18.102] # { عبادى من دونى أولياء } هم الملائكة، يعني أنهم لا يكونون ~~لهم أولياء، كما حكى عنهم # سبحنك أنت ولينا من دونهم # سبأ 41. وقرأ ابن مسعود «أفظن الذين كفروا»، وقراءة علي رضي الله عنه ~~أفحسب الذين كفروا، أي أفاكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء ~~والخبر. أو على الفعل والفاعل لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى ~~الفعل في العمل، كقولك أقائم الزيدان. والمعنى أن ذلك لا يكفيهم ولا ~~ينفعهم عند الله كما حسبوا. وهي قراءة محكمة جيدة النزل ما يقام للنزيل ~~وهو الضيف، ونحوه # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21. ### || [18.103-106] # { ضل سعيهم } ضاع وبطل وهم الرهبان. عن علي رضي الله عنه، كقوله # عاملة ناصبة # الغاشية 3 وعن مجاهد أهل الكتاب. وعن علي رضي الله عنه أن ابن الكوا ~~سأله عنهم؟ فقال منهم أهل حروراء. وعن أبي سعيد الخدري يأتي ناس بأعمال ~~يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا { ~~فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا } فنزدري بهم ولا ~~يكون لهم عندنا وزن ومقدار. وقيل لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما ~~يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين. وقرىء «فلا يقيم»، بالياء. فإن ~~قلت الذين ضل سعيهم في أي محل هو؟ قلت الأوجه أن يكون في محل الرفع، ~~على هم الذين ضل سعيهم لأنه جواب عن السؤال. ويجوز أن يكون نصبا على ~~الذم، أو جر على البدل { جهنم } عطف بيان لقوله { جزآؤهم }. ### || [18.107-108] # الحول التحول. يقال حال من مكانه حولا، كقولك عادني حبها عودا، يعني ms1145 ~~لا مزيد عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم. وهذه غاية ~~الوصف لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان فهو طامح الطرف إلى أرفع ~~منه. ويجوز أن يراد نفي التحول وتأكيد الخلود. ### || [18.109] # المداد اسم ما تمد به الدواة من الحبر وما يمد به السراج من السليط. ~~ويقال السماد مداد الأرض. والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمته وكان ~~البحر مدادا لها، والمراد بالبحر الجنس { لنفد البحر قبل أن ~~تنفد } الكلمات { ولو جئنا } بمثل البحر مدادا لنفد أيضا. ~~والكلمات غير نافدة. و { مدادا } تمييز، كقولك لي مثله رجلا. والمدد ~~مثل المداد، وهو ما يمد به. وعن ابن عباس رضي الله عنه بمثله مدادا. ~~وقرأ الأعرج مددا، بكسر الميم جمع مدة، وهي ما يستمده الكاتب فيكتب به. ~~وقرىء «ينفد» بالياء. وقيل قال حيي بن أخطب في كتابكم # ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا # البقرة 269 ثم تقرءون # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا # الإسراء 85 فنزلت، يعني أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات ~~الله. ### || [18.110] # { فمن كان يرجو لقاء ربه } فمن كان يؤمل حسن لقاء ربه، وأن ~~يلقاه لقاء رضا وقبول. وقد فسرنا اللقاء. أو أفمن كان يخاف سوء لقائه. ~~والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغي به ~~إلا وجه ربه خالصا لا يخلط به غيره. وقيل 653 نزلت في جندب بن زهير، ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أعمل العمل لله، فإذا اطلع عليه سرني، ~~فقال إن الله لا يقبل ما شورك فيه. 654 وروي أنه قال # " لك أجران أجر السر، وأجر العلانية " # وذلك إذا قصد أن يقتدى به. وعنه صلى الله عليه وسلم 655 # " اتقوا الشرك الأصغر " # قالوا وما الشرك الأصغر؟ قال «الرياء» وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~656 # " من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن ~~قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء " # وعنه صلى الله ms1146 عليه وسلم 657 # " من قرأ عند مضجعه { قل إنما أنا بشر مثلكم } كان له ~~من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى ~~يقوم، وإن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت ~~المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ " # والله أعلم. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-3] # { كهيعص } قرأ بفتح الهاء وكسر الياء حمزة، وبكسرهما عاصم، وبضمهما ~~الحسن. وقرأ الحسن «ذكر رحمة ربك» أي هذا المتلو من القرآن ~~ذكر رحمة ربك وقرىء «ذكر» على الأمر. راعى سنة الله في إخفاء ~~دعوته، لأن الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى، لأنه أبعد ~~من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن نداء لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا ~~يلام على طلب الولد في إبان الكبرة والشيخوخة. أو أسره من مواليه الذين ~~خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه، كما جاء في صفة الشيخ صوته خفات، وسمعه ~~تارات. واختلف في سن زكريا عليه السلام، فقيل ستون، وخمس وستون، وسبعون، ~~وخمس وسبعون، وخمس وثمانون. ### || [19.4] # قرىء «وهن» بالحركات الثلاث، وإنما ذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه ~~وهو أصل بنائه، فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه، ~~فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحده لأن الواحد هو الدال على معنى ~~الجنسية، وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام وأشد ما تركب ~~منه الجسد قد أصابه الوهن، ولو جمع لكان قصدا إلى معنى آخر، وهو أنه لم ~~يهن منه بعض عظامه ولكن كلها واشتعل الرأس شيبا. إدغام السين في الشين عن ~~أبي عمرو. شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر ~~وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ، باشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ~~ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس. وأخرج الشيب مميزا ~~ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه ~~الجملة وشهد لها بالبلاغة. توسل إلى الله بما سلف له معه من الاستجابة. ms1147 ~~وعن بعضهم أن محتاجا سأله وقال أنا الذي أحسنت إلي وقت كذا. فقال ~~مرحبا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته. ### || [19.5-6] # كان مواليه - وهم عصبته إخوته وبنو عمه - شرار بني إسرائيل، فخافهم على ~~الدين أن يغيروه ويبدلوه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبا ~~من صلبه صالحا يقتدى به في إحياء الدين ويرتسم مراسمه فيه { من ~~ورائى } بعد موتي. وقرأ ابن كثير «من وراي» بالقصر، وهذا الظرف لا ~~يتعلق ب خفت لفساد المعنى، ولكن بمحذوف. أو بمعنى الولاية في الموالي أي ~~خفت فعل الموالي وهو تبديلهم وسوء خلافتهم من ورائي. أو خفت الذين يلون ~~الأمر من ورائي. وقرأ عثمان ومحمد بن علي وعلي بن الحسين رضي الله عنهم ~~«خفت الموالي من ورائي» وهذا على معنيين، أحدهما أن يكون { ورائى ~~} بمعنى خلفي وبعدي، فيتعلق الظرف بالموالي أي قلوا وعجزوا عن إقامة أمر ~~الدين، فسأل ربه تقويتهم ومظاهرتهم بولي يرزقه. والثاني أن يكون بمعنى ~~قدامي، فيتعلق بخفت، ويريد أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم من به ~~تقو واعتضاد { من لدنك } تأكيد لكونه وليا مرضيا، بكونه مضافا ~~إلى الله تعالى وصادرا من عنده، وإلا - فهب لي وليا يرثني - كاف، أو ~~أراد اختراعا منك بلا سبب لأني وامرأتي لا نصلح للولادة { يرثنى ~~ويرث } الجزم جواب الدعاء، والرفع صفة. ونحوه # ردءا يصدقنى # القصص 34 وعن ابن عباس والجحدري يرثني وأرث آل يعقوب، نصب على الحال. ~~وعن الجحدري أويرث، على تصغير وأرث، وقال غليم صغير. وعن علي رضي الله ~~عنه وجماعة وارث من آل يعقوب أي يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم ~~البيان، والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم، لأن الأنبياء لا تورث المال. ~~وقيل يرثني الحبورة وكان حبرا، ويرث من آل يعقوب الملك. يقال ورثته ~~وورثت منه لغتان. وقيل «من» للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا ~~كلهم أنبياء ولا علماء، وكان زكريا عليه السلام من نسل يعقوب بن إسحاق. ~~وقيل هو يعقوب بن ماتان أخو زكريا. وقيل يعقوب هذا وعمران أبو ms1148 مريم أخوان ~~من نسل سليمان بن داود. ### || [19.7] # { سميا } لم يسم أحد ب يحيى قبله، وهذا شاهد على أن الأسامي ~~السنع جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية لكونها أنبه ~~وأنوه وأنزه عن النبز، حتى قال القائل في مدح قوم # سنع الأسامي مسبلي أزر حمر تمس الأرض ~~بالهدب # وقال رؤبة للنسابة البكري - وقد سأله عن نسبه - أنا ابن العجاج فقال ~~قصرت وعرفت. وقيل مثلا وشبيها عن مجاهد، كقوله # هل تعلم له سميا # مريم 65 وإنما قيل للمثل «سمي» لأن كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما ~~باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي لصاحبه، ونحو ~~«يحيى» في أسمائهم «يعمر، ويعيش» إن كانت التسمية عربية وقد سموا بيموت ~~أيضا وهو يموت ابن المزرع، قالوا لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم ~~بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصورا. ### || [19.8] # أي كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد لاختلال أحد ~~السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه؟ فإن قلت لم طلب أولا وهو ~~وامرأته على صفة العتي والعقر، فلما أسعف بطلبته استبعد واستعجب؟ قلت ~~ليجاب بما أجيب به، فيزداد المؤمنون إيقانا ويرتدع المبطلون، وإلا ~~فمعتقد زكريا أولا وآخرا كان على منهاج واحد في أن الله غني عن ~~الأسباب، أي بلغت عتيا وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام كالعود ~~القاحل يقال عتا العود وعسا من أجل الكبر والطعن في السن العالية. أو ~~بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى عتيا. وقرأ ابن وثاب وحمزة ~~والكسائي بكسر العين، وكذلك # صليا # مريم 70 وابن مسعود بفتحهما فيهما. وقرأ أبي ومجاهد «عسيا». ### || [19.9] # { كذلك } الكاف رفع، أي الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ { قال ~~ربك } أو نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره { هو على هين ~~} ونحوه # وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء ~~مقطوع مصبحين # الحجر 66 وقرأ الحسن «وهو علي هين»، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول ~~أي الأمر كما ms1149 قلت، وهو على ذلك يهون علي. ووجه آخر وهو أن يشار بذلك إلى ~~ما تقدم من وعد الله، لا إلى قول زكريا. و«قال» محذوف في كلتا القراءتين ~~أي قال هو علي هين قال وهو علي هين، وإن شئت لم تنوه، لأن الله هو ~~المخاطب، والمعنى أنه قال ذلك ووعده وقوله الحق { وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا } لأن المعدوم ليس بشيء. أو شيئا يعتد به، ~~كقولهم عجبت من لا شيء، وقوله # إذا رأى غير شيء ظنه رجلا # وقرأ الأعمش والكسائي وابن وثاب «خلقناك». ### || [19.10] # أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به. قال علامتك أن تمنع الكلام ~~فلا تطيقه، وأنت سليم الجوارح سوي الخلق ما بك خرس ولا بكم. دل ذكر ~~الليالي هنا، والأيام في آل عمران، على أن المنع من الكلام استمر به ~~ثلاثة أيام ولياليهن. ### || [19.11] # أوحى أشار عن مجاهد، ويشهد له # إلا رمزا # آل عمران 41 وعن ابن عباس كتب لهم على الأرض { سبحوا } صلوا، أو على ~~الظاهر، وأن هي المفسرة. ### || [19.12] # أي خذ التوراة بجد واستظهار بالتوفيق والتأييد الحكم الحكمة. ومنه # وآحكم كحكم فتاة الحي # يقال حكم حكما كحلمحلما، وهو الفهم للتوراة والفقه في الدين عن ابن ~~عباس. وقيل دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي فقال ما للعب خلقنا، عن ~~الضحاك. وعن معمر العقل، وقيل النبوة، لأن الله تعالى أحكم عقله في ~~صباه وأوحى إليه. ### || [19.13-14] # { حنانا } رحمة لأبويه وغيرهما، وتعطفا وشفقة. أنشد سيبويه # وقالت حنان ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت ~~بالحي عارف # وقيل حنانا من الله عليه. وحن في معنى ارتاح واشتاق، ثم استعمل في ~~العطف والرأفة، وقيل لله «حنان» كما قيل «رحيم» على سبيل الاستعارة. ~~والزكاة الطهارة، وقيل الصدقة، أي يتعطف على الناس ويتصدق عليهم. ### || [19.15] # سلم الله عليه في هذه الأحوال، قال ابن عيينة إنها أوحش المواطن. ### || [19.16-17] # { إذ } بدل من { مريم } بدل الاشتمال، لأن الأحيان مشتملة على ما ~~فيها. وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقتها ms1150 هذا، لوقوع هذه القصة ~~العجيبة فيه. والانتباذ الاعتزال والانفراد، تخلت للعبادة في مكان مما ~~يلي شرقي بيت المقدس، أو من دارها معتزلة عن الناس. وقيل قعدت في مشرفة ~~للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو بشيء يسترها، وكان موضعها المسجد، ~~فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، فإذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي ~~في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي ~~الخلق، لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئا. أو حسن الصورة مستوي الخلق، ~~وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها ~~في الصورة الملكية لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه. ودل على عفافها ~~وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة الحسن، وكان ~~تمثيله على تلك الصفة ابتلاء لها وسبرا لعفتها. وقيل كانت في منزل زوج ~~أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها ~~الباب، فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت ~~فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك. وقيل قام بين يديها في صورة ~~ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس. وقيل إن النصارى اتخذت المشرق ~~قبله لانتباذ مريم مكانا شرقيا الروح جبريل، لأن الدين يحيا به ~~وبوحيه. أو سماه الله روحه على المجاز محبة له وتقريبا، كما تقول لحبيبك ~~أنت روحي. وقرأ أبو حيوة «روحنا» بالفتح لأنه سبب لما فيه روح العباد، ~~وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المقربين في قوله # فأما إن كان من المقربين فروح وريحان # الواقعة 89 أو لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح، أي مقربنا وذا ~~روحنا. ### || [19.18] # أرادت إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه وتحفل بالاستعاذة به، فإني ~~عائذة به منك كقوله تعالى # بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين # هود 86. ### || [19.19] # أي إنما أنا رسول من استعذت به { لأهب لك } لأكون سببا في هبة ~~الغلام بالنفخ في الدرع. وفي بعض المصاحف إنما أنا رسول ربك أمرني ms1151 أن أهب ~~لك. أو هي حكاية لقول الله تعالى. ### || [19.20-21] # جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، لأنه كناية عنه، كقوله تعالى # من قبل أن تمسوهن # البقرة 237 # أو لمستم النساء # النساء 43 والزنا ليس كذلك، إنما يقال فيه فجربها وخبث بها وما أشبه ~~ذلك، وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. والبغي الفاجرة التي ~~تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد «بغوي» فأدغمت الواو في الياء. وقال ~~ابن جني في كتاب التمام هي فعيل، ولو كانت فعولا لقيل «بغو» كما قيل ~~فلان نهو عن المنكر { ولنجعله ءاية } تعليل معلله محذوف أي ~~ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به ~~قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه # وخلق الله السموت والأرض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت # الجاثية 22 وقوله # وكذلك مكنا ليوسف فى الارض ولنعلمه # يوسف 21. { مقضيا } مقدرا مسطورا في اللوح لا بد لك من جريه ~~عليه. أو كان أمرا حقيقا بأن يكون ويقضي لكونه آية ورحمة. والمراد ~~بالآية العبرة والبرهان على قدرة الله تعالى. وبالرحمة الشرائع والألطاف، ~~وما كان سببا في قوة الاعتقاد والتوصل إلى الطاعة والعمل الصالح، فهو ~~جدير بالتكوين. ### || [19.22] # عن ابن عباس فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها، فوصلت ~~النفخة إلى بطنها فحملت. وقيل كانت مدة الحمل ستة أشهر. وعن عطاء وأبي ~~العالية والضحاك سبعة أشهر. وقيل ثمانية، ولم يعش مولود وضع لثمانية إلا ~~عيسى عليه الصلاة والسلام. وقيل ثلاث ساعات. وقيل حملته في ساعة، وصور ~~في ساعة، ووضعته في ساعة، حين زالت الشمس من يومها. وعن ابن عباس كانت ~~مدة الحمل ساعة واحدة، كما حملته نبذته. وقيل حملته وهي بنت ثلاث عشرة ~~سنة. وقيل بنت عشر، وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل. وقالوا ما من ~~مولود إلا يستهل غيره { فانتبذت به } أي اعتزلت وهو في بطنها، ~~كقوله # تدوس بنا الجماجم والتريبا # أي تدوس الجماجم ونحن على ظهورها، ونحوه قوله تعالى # تنبت بالدهن # المؤمنون 20 أي تنبت ودهنها فيها الجار ms1152 والمجرور في موضع الحال { ~~قصيا } بعيدا من أهلها وراء الجبل. وقيل أقصى الدار. وقيل كانت سميت ~~لابن عم لها اسمه يوسف، فلما قيل حملت من الزنا، خاف عليها قتل الملك، ~~فهرب بها فلما كان ببعض الطريق حدثته نفسه بأن يقتلها، فأتاه جبريل فقال ~~له إنه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها. ### || [19.23] # { فأجاءها } أجاء منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل ~~إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول ~~بلغته وأبلغنيه. ونظيره «آتي» حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل ~~أتيت المكان وآتانيه فلان. قرأ ابن كثير في رواية «المخاض» بالكسر. ~~يقال مخضت الحامل مخاضا ومخاضا، وهو تمخض الولد في بطنها. طلبت الجذع ~~لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وكان جذع نخلة يابسة في الصحراء ليس ~~لها رأس ولا ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف لا يخلو إما أن ~~يكون من تعريف الأسماء الغالبة كتعريف النجم والصعق، كأن تلك الصحراء كان ~~فيها جذع نخلة متعالم عند الناس، فإذا قيل جذع النخلة فهم منه ذلك دون ~~غيره من جذوع النخل. وإما أن يكون تعريف الجنس، أي جذع هذه الشجرة خاصة، ~~كأن الله تعالى إنما أرشدها إلى النخلة ليطعمها منها الرطب الذي هو حرسة ~~النفساء الموافقة لها. ولأن النخلة أقل شيء صبرا على البرد، وثمارها ~~إنما هي من جمارها، فلموافقتها لها مع جمع الآيات فيها اختارها لها ~~وألجأها إليها. { قالت يليتني مت قبل هذا } قرىء ~~«مت» بالضم والكسر، يقال مات يموت ومات يمات. النسي ما من حقه أن ~~يطرح وينسى، كخرقة الطامث ونحوها، كالذبح اسم ما من شأنه أن يذبح في قوله ~~تعالى # وفدينه بذبح عظيم # الصافات 107 وعن يونس العرب إذا ارتحلوا عن الدار قالوا انظروا أنساءكم، ~~أي الشيء اليسير نحو العصا والقدح والشظاظ، تمنت لو كانت شيئا تافها لا ~~يؤبه له، من شأنه وحقه أن ينسى في العادة وقد نسي وطرح فوجد فيه النسيان ~~الذي هو حقه، وذلك لما لحقها من ms1153 فرط الحياء والتشور من الناس على حكم ~~العادة البشرية، لا كراهة لحكم الله، أو لشدة التكليف عليها إذا بهتوها ~~وهي عارفة ببراءة الساحة وبضد ما قرفت به، من اختصاص الله إياها بغاية ~~الإجلال والإكرام لأنه مقام دحض قلما تثبت عليه الأقدام أن تعرف اغتباطك ~~بأمر عظيم وفضل باهر تستحق به المدح وتستوجب التعظيم، ثم تراه عند الناس ~~لجهلهم به عيبا يعاب به ويعنف بسببه، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله ~~بسببها. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة وحفص «نسيا» بالفتح. قال الفراء ~~هما لغتان كالوتر والوتر، والجسر والجسر. ويجوز أن يكون مسمى بالمصدر. ~~كالحمل. وقرأ محمد بن كعب القرظي «نسأ» بالهمز وهو الحليب المخلوط ~~بالماء، ينسؤه أهله لقلته ونزارته. وقرأ الأعمش «منسيا» بالكسر على ~~الإتباع، كالمغيرة والمنخر. ### || [19.24] # { من تحتها } هو جبريل عليه السلام. قيل كان يقبل الولد كالقابلة. ~~وقيل هو عيسى، وهي قراءة عاصم وأبي عمرو. وقيل { تحتها } أسفل من ~~مكانها، كقوله # تجرى من تحتها الأنهر # البقرة 25 وقيل كان أسفل منها تحت الأكمة، فصاح بها لا تحزني وقرأ نافع ~~وحمزة والكسائي وحفص «من تحتها» وفي ناداها ضمير الملك أو عيسى. وعن ~~قتادة الضمير في تحتها للنخلة. وقرأ زر وعلقمة فخاطبها من تحتها. 658 ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السري فقال «هو الجدول» قال لبيد # فتوسطا عرض السري فصدعا مسجورة متجاور ~~قلامها # وقيل هو من السرو. والمراد عيسى وعن الحسن كان والله عبدا سريا. فإن ~~قلت ما كان حزنها لفقد الطعام والشراب حتى تسلى بالسري والرطب؟ قلت لم ~~تقع التسلية بهما من حيث أنهما طعام وشراب، ولكن من حيث أنهما معجزتان ~~تريان الناس أنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، وأن مثلها مما قرفوها ~~به بمعزل، وأن لها أمورا إلهية خارجة عن العادات خارقة لما ألفوا ~~واعتادوا، حتى يتبين لهم أن ولادها من غير فحل ليس ببدع من شأنها. ### || [19.25-26] # { تسقط } فيه تسع قرآت «تساقط» بإدغام التاء. و«تتساقط» بإظهار ~~التاءين. و«تساقط» بطرح التاء الثانية. و«يساقط»، بالياء وإدغام ms1154 التاء. ~~و«تساقط» و«تسقط» و«يسقط»، و«تسقط»، و«يسقط» التاء للنخلة، والياء للجذع. ~~ورطبا تمييز أو مفعول على حسب القراءة. وعن المبرد جواز انتصابه ب هزي ~~وليس بذاك. والباء في { بجذع النخلة } صلة للتأكيد، كقوله تعالى # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة 195 أو على معنى افعلي الهز به، كقوله # يجرح في عراقيبها نصلي # قالوا التمر للنفساء عادة من ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقالوا كان من ~~العجوة. وقيل ما للنفساء خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل، وقيل ~~إذا عسر ولادها لم يكن لها خير من الرطب. عن طلحة بن سليمان { جنيا } ~~بكسر الجيم للإتباع، أي جمعنا لك في السري والرطب فائدتين، إحداهما ~~الأكل والشرب، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزتين. وهو معنى قوله { ~~فكلى واشربى وقرى عينا } أي وطيبي نفسا ولا تغتمي وارفضي ~~عنك ما أحزنك وأهمك. وقرئ و«قري» بالكسر لغة نجد { فإما ~~ترين } بالهمز ابن الرومي. عن أبي عمرو وهذا من لغة من يقول لبأت ~~بالحج، وحلأت السويق، وذلك لتآخ بين الهمزة وحرف اللين في الإبدال { ~~صوما } صمتا. وفي مصحف عبد الله صمتا. وعن أنس بن مالك مثله. وقيل ~~صياما، إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد 659 «نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن صوم الصمت»، لأنه نسخ في أمته، أمرها الله بأن ~~تنذر الصوم لئلا تشرع مع البشر المتهمين لها في الكلام لمعنيين، أحدهما ~~أن عيسى صلوات الله عليه يكفيها الكلام بما يبريء به ساحتها. والثاني ~~كراهة مجادلة السفهاء ومناقلتهم. وفيه أن السكوت عن السفيه واجب. ومن أذل ~~الناس سفيه لم يجد مسافها. قيل أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة. وقيل ~~سوغ لها ذلك بالنطق { إنسيا } أي أكلم الملائكة دون الإنس. ### || [19.27-28] # الفري البديع، وهو من فري الجلد { ي أخت هرون } كان أخاها من ~~أبيها من أمثل بني إسرائيل. وقيل هو أخو موسى صلوات الله عليهما. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 660 # " إنما عنوا هرون النبي " # وكانت من أعقابه في طبقة الإخوة، بينها وبينه ألف سنة وأكثر. ms1155 وعن السدي ~~كانت من أولاده. وإنما قيل يا أخت هرون، كما يقال يا أخا همدان، أي يا ~~واحدا منهم. وقيل رجل صالح أو طالح في زمانها، شبهوها به، أي كنت عندنا ~~مثله في الصلاح، أو شتموها به، ولم ترد إخوة النسب، ذكر أن هرون الصالح ~~تبع جنازته أربعون ألفا كلهم يسمي هرون تبركا به وباسمه، فقالوا كنا ~~نشبهك بهرون هذا، وقرأ عمر بن لجأ التيمي «ما كان أباك امرؤ سوء» وقيل ~~احتمل يوسف النجار مريم وابنها إلى غار، فلبثوا فيه أربعين يوما حتى ~~تعلت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال يا أماه، ~~أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت به على قومها وهم أهل بيت صالحون ~~تباكوا وقالوا ذلك. وقيل هموا برجمها حتى تكلم عيسى عليه السلام. ~~فتركوها. ### || [19.29] # { فأشارت إليه } أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه. وقيل كان ~~المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام. وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا ~~وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناها. وروي أنه كان يرضع، فلما سمع ~~ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته. وقيل ~~كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان { كان } ~~لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو ههنا ~~لقريبه خاصة، والدال عليه مبنى الكلام، وأنه مسوق للتعجب. ووجه آخر أن ~~يكون { نكلم } حكاية حال ماضية، أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ~~صبيا في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا. ### || [19.30-33] # أنطقه الله أولا بأنه عبد الله ردا لقول النصارى و { الكتب } ~~هو الإنجيل. واختلفوا في نبوته، فقيل أعطيها في طفوليته أكمل الله عقله، ~~واستنبأه طفلا نظرا في ظاهر الآية. وقيل معناه إن ذلك سبق في قضائه. ~~أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد { وجعلنى مباركا أين ما ~~كنت } عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 661 # " نفاعا حيث كنت " # وقيل معلما للخير. وقرىء «وبرا» عن أبي نهيك، جعل ذاته برا ms1156 لفرط ~~بره. أو نصبه بفعل في معنى أوصاني وهو كلفني لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها ~~واحد { والسلم على } قيل أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر ~~قبله، كقولك جاءنا رجل، فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى ذلك السلام ~~الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي. والصحيح أن يكون هذا ~~التعريف تعريضا باللعنة على متهمي مريم عليها السلام، وأعدائها من ~~اليهود. وتحقيقه أن اللام للجنس، فإذا قال وجنس السلام علي خاصة فقد عرض ~~بأن ضده عليكم. ونظيره قوله تعالى # والسلم على من اتبع الهدى # طه 47 يعني أن العذاب على من كذب وتولى، وكان المقام مقام مناكرة ~~وعناد، فهو مئنة لنحو هذا من التعريض. ### || [19.34] # قرأ عاصم وابن عامر { قول الحق } بالنصب. وعن ابن مسعود «قال ~~الحق» وقال الله. وعن الحسن «قول الحق»، بضم القاف، وكذلك في الأنعام # قوله الحق # الأنعام 73 والقول والقال والقول بمعنى واحد، كالرهب والرهب ~~والرهب. وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف. ~~وأما انتصابه فعلى المدح إن فسر بكلمة الله، وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون ~~الجملة إن أريد قول الثبات والصدق، كقولك هو عبد الله حقا. والحق لا ~~الباطل، وإنما قيل لعيسى «كلمة الله» و«قول الحق» لأنه لم يولد إلا بكلمة ~~الله وحدها، وهي قوله «كن» من غير واسطة أب، تسمية للمسبب باسم السبب، ~~كما سمى العشب بالسماء، والشحم بالندا. ويحتمل إذا أريد بقول الحق عيسى، ~~أن يكون الحق اسم الله عز وجل، وأن يكون بمعنى الثبات والصدق، ويعضده ~~قوله { الذى فيه يمترون } أي أمره حق يقين وهم فيه شاكون { ~~يمترون } يشكون. والمرية الشك. أو يتمارون يتلاحون، قالت اليهود ~~ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة. وقرأ علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه «تمترون»، على الخطاب. وعن أبي بن كعب «قول الحق الذي كان ~~الناس فيه يتمرون». ### || [19.35] # كذب النصارى وبكتهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتأتى ~~ولا يتصور في العقول وليس بمقدور عليه، إذ من المحال غير ms1157 المستقيم أن ~~تكون ذاته كذات من ينشأ منه الولد، ثم بين إحالة ذلك بأن من إذا أراد ~~شيئا من الأجناس كلها أوجده ب كن، كان منزها من شبه الحيوان الوالد. ~~والقول ههنا مجاز، ومعناه أن إرادته للشيء يتبعها كونه لا محالة من غير ~~توقف، فشبه ذلك بأمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور الممتثل. ### || [19.36] # قرأ المدنيون وأبو عمرو بفتح إن ومعناه ولأنه ربي وربكم فاعبدوه، كقوله # وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # الجن 18 والاستار وأبو عبيد بالكسر على الابتداء. وفي حرف أبي «إن ~~الله»، بالكسر بغير واو، و«بأن الله»، أي بسبب ذلك فاعبدوه. ### || [19.37] # { الاحزاب } اليهود والنصارى عن الكلبي. وقيل النصارى لتحزبهم ثلاث ~~فرق نسطورية ويعقوبية وملكانية. وعن الحسن الذين تحزبوا على الأنبياء لما ~~قص عليهم قصة عيسى اختلفوا فيه من بين الناس { من مشهد يوم ~~عظيم } أي من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة أو من مكان ~~الشهود فيه وهو الموقف. أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم، ~~وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر وسوء ~~الأعمال. أو من مكان الشهادة أو وقتها. وقيل هو ما قالوه وشهدوا به في ~~عيسى وأمه. ### || [19.38-40] # لا يوصف الله تعالى بالتعجب وإنما المراد أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ ~~جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صما وعميا في الدنيا. وقيل معناه ~~التهديد بما سيسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدع قلوبهم أوقع الظاهر أعني ~~الظالمين موقع الضمير إشعارا بأن لا ظلم أشد من ظلمهم، حيث أغفلوا ~~الاستماع والنظر حين يجدي عليهم ويسعدهم. والمراد بالضلال المبين إغفال ~~النظر والاستماع { قضى الأمر } فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى ~~الجنة والنار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنه - أي عن ~~قضاء الأمر- فقال 662 # " حين يذبح الكبش والفريقان ينظران " # وإذ بدل من يوم الحسرة. أو منصوب بالحسرة { وهم فى غفلة } متعلق ~~بقوله في ضلال مبين عن الحسن. وأنذرهم اعتراض. أو هو متعلق بأنذرهم، أي ~~وأنذرهم على هذه ms1158 الحال غافلين غير مؤمنين يحتمل أنه يميتهم ويخرب ديارهم، ~~وأنه يفني أجسادهم ويفني الأرض ويذهب بها. ### || [19.41-45] # الصديق من أبنية المبالغة. ونظيره الضحيك والنطيق. والمراد، فرط صدقه ~~وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله، وكان الرجحان والغلبة ~~في هذا التصديق للكتب والرسل أي كان مصدقا بجميع الأنبياء وكتبهم، وكان ~~نبيا في نفسه، كقوله تعالى # بل جاء بالحق وصدق المرسلين # الصافات 37 أو كان بليغا في الصدق، لأن ملاك أمر النبوة الصدق، ومصدق ~~الله بآياته ومعجزاته حري أن يكون كذلك، وهذه الجملة وقعت اعتراضا بين ~~المبدل منه وبدله، أعني إبراهيم. و { إذ قال } نحو قولك رأيت زيدا، ~~ونعم الرجل أخاك. ويجوز أن يتعلق إذ ب كان أو ب صديقا نبيا، أي كان ~~جامعا لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات. والمراد ~~بذكر الرسول إياه وقصته في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس ويبلغه إياهم، ~~كقوله # واتل عليهم نبأ إبرهيم # الشعراء 69 وإلا فالله عز وجل هو ذاكره ومورده في تنزيله. التاء في { يا ~~أبت } عوض من ياء الإضافة، ولا يقال يا أبتي، لئلا يجمع بي العوض والمعوض ~~منه. وقيل يا أبتا، لكون الألف بدلا من الياء، وشبه ذلك سيبويه بأينق، ~~وتعويض الياء فيه عن الواو الساقطة. انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه ~~فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه ~~أمر العقل وانسلخ عن قضية التمييز، ومن الغباوة التي ليس بعدها غباوة كيف ~~رتب الكلام معه في أحسن اتساق، وساقه أرشق مساق، مع استعمال المجاملة ~~واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصحا في ذلك بنصيحة ~~ربه عز وعلا، حدث أبو هريرة قال 663 قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم # " أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام إنك خليلي، حسن خلقك ولو مع ~~الكفار، تدخل مداخل الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أظله تحت ~~عرشي، وأسكنه حظيرة القدس، وأدنيه من جواري " # وذلك أنه طلب منه أولا العلة في خطئه طلب ms1159 منبه على تماديه، موقظ لإفراطه ~~وتناهيه، لأن المعبود لو كان حيا مميزا، سميعا بصيرا، مقتدرا على ~~الثواب والعقاب، نافعا ضارا، إلا أنه بعض الخلق لاستخف عقل من أهله ~~للعبادة ووصفه بالربوبية، ولسجل عليه بالغي المبين والظلم العظيم وإن ~~كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة كالملائكة والنبيين قال الله تعالى # ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون # آل عمران 80 وذلك أن العبادة هي غاية التعظيم، فلا تحق، إلا لمن له غاية ~~الإنعام وهو الخالق الرازق، المحيي المميت، المثيب المعاقب، الذي منه ~~أصول النعم وفروعها. فإذا وجهت إلى غيره - وتعالى علوا كبيرا أن تكون ~~هذه الصفة لغيره - لم يكن إلا ظلما وعتوا وغيا وكفرا وجحودا، ~~وخروجا عن الصحيح النير إلى الفاسد المظلم، فما ظنك بمن وجه عبادته إلى ~~جماد ليس به حس ولا شعور؟ فلا يسمع - يا عابده - ذكرك له وثناءك عليه، ~~ولا يرى هيآت خضوعك وخشوعك له. # فضلا أن يغني عنك بأن تستدفعه بلاء فيدفعه، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها. ~~ثم ثنى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا فلم يسم أباه بالجهل المفرط، ~~ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنه قال إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس ~~معك، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي فلا تستنكف، وهب أني وإياك في ~~مسير وعندي معرفة بالهداية دونك، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلث ~~بتثبيطه ونهيه عما كان عليه بأن الشيطان - الذي استعصى على ربك الرحمن ~~الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، وهو عدوك الذي لا يريد بك إلا كل ~~هلاك وخزي ونكال وعدو أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم - هو الذي ورطك في هذه ~~الضلالة وأمرك بها وزينها لك، فأنت إن حققت النظر عابد الشيطان، إلا أن ~~إبراهيم عليه السلام لإمعانه في الإخلاص ولارتقاء همته في الربانية لم ~~يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منهما برب العزة من عصيانه ~~واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذريته كأن النظر في عظم ما ~~ارتكب ms1160 من ذلك غمر فكره وأطبق على ذهنه. ثم ربع بتخويفه سوء العاقبة وبما ~~يجره ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب، حيث لم ~~يصرح بأن العقاب لاحق له وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال أخاف أن يمسك ~~عذاب، فذكر الخوف والمس ونكر العذاب، وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة ~~أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وذلك أن رضوان الله أكبر من الثواب ~~نفسه، وسماه الله تعالى المشهود له بالفوز العظيم حيث قال # ورضون من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم # التوبة 72 فكذلك ولاية الشيطان التي هي معارضة رضوان الله، أكبر من ~~العذاب نفسه وأعظم، وصدر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله { يا أبت } ~~توسلا إليه واستعطافا ف { ما } في { ما لا يسمع } و { ما ~~لم يأتك } يجوز أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في { لا ~~يسمع ولا يبصر } منسي غير منوي، كقولك ليس به استماع ولا إبصار ~~{ شيئا } يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون في موضع المصدر، أي شيئا من ~~الغناء، ويجوز أن يقدر نحوه مع الفعلين السابقين. والثاني أن يكون ~~مفعولا به من قولهم أغن عني وجهك { إنى قد جاءنى من العلم ~~ما لم يأتك } فيه تجدد العلم عنده. ### || [19.46] # لما أطلعه على سماجة صورة أمره، وهدم مذهبه بالحجج القاطعة، وناصحه ~~المناصحة العجيبة مع تلك الملاطفات، أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر وغلظة ~~العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل { يا أبت } ب يابني، وقدم الخبر على ~~المبتدأ في قوله { أراغب أنت عن الهتى يإبرهيم } لأنه ~~كان أهم عنده وهو عنده أعني، وفيه ضرب من التعجب والإنكار لرغبته عن ~~آلهته، وأن آلهته، ما ينبغي أن يرغب عنها أحد. وفي هذا سلوان وثلج لصدر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه { ~~لأرجمنك } لأرمينك بلساني، يريد الشتم والذم، ومنه الرجيم ~~المرمي باللعن. أو لأقتلنك، من رجم الزاني. أو لأطردنك رميا بالحجارة. ~~وأصل الرجم الرمي بالرجام { مليا } زمانا طويلا من الملاوة أو مليا ~~بالذهاب ms1161 عني والهجران قبل أن أثخنك بالضرب، حتى لا تقدر أن تبرح. يقال ~~فلان ملي بكذا، إذا كان مطيقا له مضطلعا به. فإن قلت علام عطف { ~~واهجرنى }؟ قلت على معطوف عليه محذوف يدل عليه { لأرجمنك } ~~أي فاحذرني واهجرني، لأن { لأرجمنك } تهديد وتقريع. ### || [19.47-48] # { قال سلم عليك } سلام توديع ومتاركة، كقوله تعالى # لنا أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم لا ~~نبتغى الجهلين # القصص 55 وقوله # وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما # الفرقان 63 وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح له والحال هذه. ويجوز أن ~~يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له. ألا ترى أنه وعده الاستغفار. فإن ~~قلت كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده ذلك؟ قلت قالوا أراد اشتراط ~~التوبة عن الكفر، كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار والمراد ~~اشتراط الإيمان، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط ~~الوضوء والنصاب. وقالوا إنما استغفر له بقوله # واغفر لأبى إنه كان من الضالين # الشعراء 86 لأنه وعده أن يؤمن. واستشهدوا عليه بقوله تعالى # وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدها إياه # التوبة 114 ولقائل أن يقول إن الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو ~~السمع، فأما القضية العقلية فلا تأباه، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار ~~والوفاء به قبل ورود السمع، بناء على قضية العقل، والذي يدل على صحته ~~قوله تعالى # إلا قول إبرهيم لأبيه لأستغفرن لك # الممتحنة 4 فلو كان شارطا للإيمان لم يكن مستنكرا ومستثنى عما وجبت ~~فيه الأسوة. وأما عن موعدة وعدها إياه فالواعد هو إبراهيم لا آزر، أي ما ~~قال واغفر لأبي إلا عن قوله لأستغفرن لك وتشهد له قراءة حماد الراوية ~~وعدها أباه. والله أعلم { حفيا } الحفي البليغ في البر والإلطاف، ~~حفي به وتحفى به { وأعتزلكم } أراد بالاعتزال المهاجرة إلى ~~الشام.وأدعو ربي المراد بالدعاء العبادة، لأنه منها ومن وسائطها. ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم 664 # " الدعاء هو العبادة " # ويدل عليه قوله تعالى { فلما اعتزلهم وما يعبدون من ~~دون الله } ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه ms1162 الله في سورة الشعراء. ~~عرض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله { عسى ألا أكون بدعآء ~~ربى شقيا } مع التواضع لله بكلمة { عسى } وما فيه من هضم النفس. ### || [19.49-50] # ما خسر على الله أحد ترك الكفار الفسقة لوجهه، فعوضه أولادا مؤمنين ~~أنبياء. { من رحمتنا } هي النبوة عن الحسن. وعن الكلبي المال ~~والولد، وتكون عامة في كل خير ديني ودنيوي أوتوه. لسان الصدق الثناء ~~الحسن. وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما يطلق باليد وهي ~~العطية. قال # إني أتتني لسان لا أسر بها # يريد الرسالة. ولسان العرب لغتهم وكلامهم. استجاب الله دعوته # واجعل لى لسان صدق فى الأخرين # الشعراء 84 فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم. وقال عز وجل # ملة أبيكم إبرهيم # الحج 78 و # ملة إبرهيم حنيفا # البقرة 135، # ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا # النحل 123 وأعطى ذلك ذريته فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم، كما أعلى ذكره ~~وأثنى عليه. ### || [19.51] # المخلص - بالكسر - الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء. أو أخلص نفسه ~~وأسلم وجهه لله. وبالفتح الذي أخلصه الله. الرسول الذي معه كتاب من ~~الأنبياء والنبي الذي ينبىء عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب كيوشع. ### || [19.52] # الأيمن من اليمين أي من ناحيته اليمنى. أو من اليمن صفة للطور، أو ~~للجانب. شبهه بمن قربه بعض العظماء للمناجاة، حيث كلمه بغير واسطة ملك. ~~وعن أبي العالية قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة. ### || [19.53] # { من رحمتنا } من أجل رحمتنا له وترأفنا عليه وهبنا له هرون. أو ~~بعض رحمتنا، كما في قوله { ووهبنا لهم من رحمتنا }. و { ~~أخاه } على هذا الوجه بدل. و { هرون } عطف بيان، كقولك رأيت ~~رجلا أخاك زيدا. وكان هرون أكبر من موسى، فوقعت الهبة على معاضدته ~~وموازرته كذا عن ابن عباس رضي الله عنه. ### || [19.54-55] # ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد وإن كان ذلك موجودا في غيره من ~~الأنبياء، تشريفا له وإكراما، كالتلقيب بنحو الحليم، والأواه، ~~والصديق ولأنه المشهور المتواصف من خصاله عن ms1163 ابن عباس رضي الله عنه أنه ~~وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان، فانتظره سنة. وناهيك أنه وعد من نفسه ~~الصبر على الذبح فوفى، حيث قال # ستجدنى إن شاء الله من الصبرين # الصافات 102 كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن ~~وراءهم، ولأنهم أولى من سائر الناس # وأنذر عشيرتك الأقربين # الشعراء 214، # وأمر أهلك بالصلوة # طه 132، # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # التحريم 6 ألا ترى أنهم أحق بالتصدق عليهم فالإحسان الديني أولى. وقيل ~~{ أهله } أمته كلهم من القرابة وغيرهم لأن أمم النبيين في عداد ~~أهاليهم. وفيه أن من حق الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب فضلا عن ~~الأقارب والمتصلين به، وأن يحظيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في شيء من ~~ذلك. ### || [19.56-57] # قيل سمي إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عز وجل، وكان اسمه أخنوخ، وهو ~~غير صحيح لأنه لو كان أفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو ~~العلمية، فكان منصرفا فامتناعه من الصرف دليل العجمة. وكذلك إبليس ~~أعجمي. وليس من الإبلاس كما يزعمون، ولا يعقوب من العقب، ولا إسرائيل ~~بإسرال كما زعم ابن السكيت، ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة كثرت منه ~~أمثال هذه الهنات. ويجوز أن يكون معنى { إدريس } في تلك اللغة قريبا ~~من ذلك، فحسبه الراوي مشتقا من الدرس { ورفعناه مكانا عليا ~~}. المكان العلي شرف النبوة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين ~~صحيفة، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وأول من خاط ~~الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~يرفعه 665 # " إنه رفع إلى السماء الرابعة " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما إلى السماء السادسة. وعن الحسن رضي الله ~~عنه إلى الجنة لا شيء أعلى من الجنة. وعن النابغة الجعدي أنه لما أنشد ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا وإنا لنرجو ~~فوق ذلك مظهرا # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 666 # " إلى أين يا أبا ms1164 ليلى " # قال إلى الجنة. ### || [19.58] # { أولئك } إشارة إلى المذكورين في السورة من لدن زكريا إلى إدريس ~~عليه السلام. و«من» في { من النبيين } للبيان مثلها في قوله ~~تعالى في آخر سورة الفتح # وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~منهم مغفرة # الفتح29 لأن جميع الأنبياء منعم عليهم. ومن الثانية للتبعيض، وكان إدريس ~~من ذرية آدم لقربه منه لأنه جد أبي نوح. وإبراهيم عليه السلام من ذرية من ~~حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح، وإسماعيل من ذرية إبراهيم. وموسى ~~وهرون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل. وكذلك عيسى لأن مريم من ذريته { ~~وممن هدينا } يحتمل العطف على من الأولى والثانية. إن جعلت ~~الذين خبرا لأولئك كان { إذا تتلى } كلاما مستأنفا. وإن جعلته ~~صفة له كان خبرا. قرأ شبل بن عباد المكي «يتلى» بالتذكير لأن التأنيث ~~غير حقيقي مع وجود الفاصل البكي جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد ~~وقاعد. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 667 # " اتلوا القرآن وابكوا. فإن لم تبكوا فتباكوا " # وعن صالح المري رضي الله عنه قرأت القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المنام فقال لي # هذه القراءة يا صالح، فأين البكاء # ؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا ~~بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه. وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 668 # " إن القرآن أنزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا " # وقالوا يدعو في سجدة التلاوة بما يليق بآيتها، فإن قرأ آية تنزيل السجدة ~~قال اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من ~~المستكبرين عن أمرك. وإن قرأ سجدة سبحان قال اللهم اجعلني من الباكين ~~إليك الخاشعين لك. وإن قرأ هذه قال اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم ~~المهتدين، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك. ### || [19.59] # خلفه إذا عقبه، ثم قيل في عقب الخير «خلف» بالفتح، وفي عقب السوء خلف، ~~بالسكون، كما قالوا «وعد» في ضمان الخير، و«عيد» في ضمان الشر. عن ms1165 ابن ~~عباس رضي الله عنه هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، ~~واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وعن إبراهيم ومجاهد رضي الله عنهما أضاعوها ~~بالتأخير. وينصر الأول قوله { إلا من تاب وءامن } يعني الكفار. ~~وعن علي رضي الله عنه في قوله { واتبعوا الشهوت } من بني ~~الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور. وعن قتادة رضي الله عنه هو في هذه ~~الأمة. وقرأ ابن مسعود والحسن والضحاك رضي الله عنهم «الصلوات» بالجمع. ~~كل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد. قال المرقش # فمن يلق خيرا تحمد الناس أمره ومن يغو لا ~~يعدم على الغي لائما # وعن الزجاج جزاء غي، كقوله تعالى # يلق أثاما # الفرقان68 أي مجازاة أثام. أو غيا عن طريق الجنة. وقيل «غي» واد في ~~جهنم تستعيذ منه أوديتها. وقرأ الأخفش «يلقون». ### || [19.60] # قرىء «يدخلون» «ويدخلون» أي لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم ولا ~~يمنعونه، بل يضاعف لهم، بيانا لأن تقدم الكفر لا يضرهم إذا تابوا من ~~ذلك، من قولك ما ظلمك أن تفعل كذا، بمعنى ما منعك، أو لا يظلمون البتة، ~~أي شيئا من الظلم. ### || [19.61] # لما كانت الجنة مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك ~~القاعة والعلالي. و«عدن» معرفة علم، بمعنى العدن وهو الإقامة، كما جعلوا ~~فينة، وسحر، وأمس - فيمن لم يصرفه - أعلاما لمعاني الفينة والسحر، ~~والأمس، فجرى مجرى العدن لذلك. أو هو علم لأرض الجنة لكونها مكان إقامة، ~~ولولا ذلك لما ساغ الإبدال لأن النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ~~ولما ساغ وصفها بالتي. وقرىء «جنات عدن» «وجنة عدن» بالرفع على ~~الابتداء. أي وعدها وهي غائبة عنهم غير حاضرة. أو هم غائبون عنها لا ~~يشاهدونها. أو بتصديق الغيب والإيمان به. قيل في { مأتيا } مفعول ~~بمعنى فاعل. والوجه أن الوعد هو الجنة وهم يأتونها. أو هو من قولك أتى ~~إليه إحسانا، أي كان وعده مفعولا منجزا. ### || [19.62] # اللغو فضول الكلام ومالا طائل تحته. وفيه تنبيه ظاهر على وجوب تجنب ~~اللغو واتقائه، حيث نزه الله عنه الدار التي ms1166 لا تكليف فيها. وما أحسن ~~قوله سبحانه # وإذا مروا باللغو مروا كراما # الفرقان 72 # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم لا ~~نبتغى الجهلين # القصص 55 نعوذ بالله من اللغو والجهل والخوض فيما لا يعنينا، أي إن كان ~~تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا، فلا يسمعون لغوا ~~إلا ذلك، فهو من وادي قوله # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من ~~قراع الكتائب # أو لا يسمعون فيها إلا قولا يسلمون فيه من العيب والنقيصة، على ~~الاستثناء المنقطع. أو لأن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة. ودار السلام ~~هي دار السلامة، وأهلها عن الدعاء بالسلامة أغنياء، فكان ظاهره من باب ~~اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. من الناس من يأكل ~~الوجبة. ومنهم من يأكل متى وجد - وهي عادة المنهومين. ومنهم من يتغدى ~~ويتعشى - وهي العادة الوسطى المحمودة، ولا يكون ثم ليل ولا نهار، ولكن ~~على التقدير ولأن المتنعم عند العرب من وجد غداء وعشاء. وقيل أراد دوام ~~الرزق ودروره، كما تقول أنا عند فلان صباحا ومساء وبكرة وعشيا، يريد ~~الديمومة، ولا تقصد الوقتين المعلومين. ### || [19.63] # { نورث } وقرىء «نورث» استعارة، أي نبقي عليه الجنة كما نبقي على ~~الوارث مال المورث ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت ~~أعمالهم وثمرتها باقية وهي الجنة، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من ~~تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفي. وقيل أورثوا من الجنة المساكن ~~التي كانت لأهل النار لو أطاعوا. ### || [19.64] # { وما نتنزل } حكاية قول جبريل صلوات الله عليه حين استبطأه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. روي 669 أنه احتبس أربعين يوما. وقيل ~~خمسة عشر يوما، وذلك حين سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، ~~فلم يدر كيف يجيب ورجا أن يوحى إليه فيه، فشق ذلك عليه مشقة شديدة وقال ~~المشركون ودعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم «أبطأت حتى ساء ظني واشتقت إليك. ms1167 قال إني كنت أشوق ~~ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» وأنزل الله ~~سبحانه هذه الآية وسورة الضحى. والتنزل على معنيين معنى النزول على مهل، ~~ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله # فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء ~~يصوب # لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، وبمعنى التدريج، واللائق بهذا ~~الموضع هو النزول على مهل والمراد أن نزولنا في الأحايين وقتاغب وقت ليس ~~إلا بأمر الله، وعلى ما يراه صوابا وحكمة، وله ما قدامنا { وما ~~خلفنا } من الجهات والأماكن { وما بين ذلك } وما نحن فيها ~~فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومكان إلى مكان إلا بأمر المليك ~~ومشيئته، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون، وما يحدث ويتجدد من الأحوال، ~~لا يجوز عليه الغفلة والنسيان، فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا رأى ~~ذلك مصلحة وحكمة، وأطلق لنا الإذن فيه. وقيل ما سلف من أمر الدنيا وما ~~يستقبل من أمر الآخرة، وما بين ذلك ما بين النفختين وهو أربعون سنة. وقيل ~~ما مضى من أعمارنا وما غبر منها، والحال التي نحن فيها. وقيل ما قبل ~~وجودنا وما بعد فنائنا. وقيل الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا، والسماء ~~التي وراءنا، وما بين السماء والأرض، والمعنى أنه المحيط بكل شيء لا تخفى ~~عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادرا ~~عما توجبه حكمته ويأمرنا به ويأذن لنا فيه. وقيل معنى { وما كان ~~ربك نسيا } وما كان تاركا لك، كقوله تعالى # ما ودعك ربك وما قلى # الضحى 3 أي ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به. وأما احتباس ~~الوحي فلم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إياك، ولكن لتوقفه على المصلحة، ~~وقيل هي حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، أي وما ننزل الجنة إلا بأن ~~من الله علينا بثواب أعمالنا وأمرنا بدخولها، وهو المالك لرقاب الأمور ~~كلها السالفة. والمترقبة والحاضرة، اللاطف في أعمال الخير والموفق لها ~~والمجازي عليها، ثم قال الله تعالى ms1168 - تقريرا لقولهم - وما كان ربك نسيا ~~لأعمال العاملين غافلا عما يجب أن يثابوا به، وكيف يجوز النسيان والغفلة ~~على ذي ملكوت السماء والأرض وما بينهما؟ ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحين عرفته على هذه الصفة، فأقبل على العمل واعبده يثبك كما أثاب ~~غيرك من المتقين. وقرأ الأعرج رضي الله عنه «وما يتنزل» بالياء على ~~الحكاية عن جبريل عليه السلام والضمير للوحي. وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~«إلا بقول ربك» يجب أن يكون الخلاف في النسي مثله في البغي. ### || [19.65] # { رب السموت والأرض } بدل من ربك، ويجوز أن يكون خبر ~~مبتدأ محذوف، أي هو رب السموات والأرض { فاعبده } كقوله # وقائلة خولان فانكح فتاتهم # وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون # وما كان ربك نسيا # مريم 64 من كلام المتقين، وما بعده من كلام رب العزة. فإن قلت هلا عدي ~~{ واصطبر } بعلى التي هي صلته، كقوله تعالى # واصطبر عليها # طه 132؟ قلت لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب اصطبر ~~لقرنك، أي اثبت له فيما يورد عليك من شداته أريد أن العبادة تورد عليك ~~شدائد ومشاق، فاثبت لها ولاتهن، ولا يضق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل ~~الكتاب إليك الأغاليط، وعن احتباس الوحي عليك مدة وشماتة المشركين بك. أي ~~لم يسم شيء بالله قط، وكانوا يقولون لأصنامهم آلهة، والعزى إله وأما الذي ~~عوض فيه الألف واللام من الهمزة، فمخصوص به المعبود الحق غير مشارك فيه. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يسمى أحد الرحمن غيره. ووجه آخر هل تعلم ~~من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأن التسمية على الباطل في كونها غير ~~معتد بها كلا تسمية. وقيل مثلا وشبيها، أي إذا صح أن لا معبود يوجه ~~إليه العباد العبادة إلا هو وحده، لم يكن بد من عبادته والاصطبار على ~~مشاقها وتكاليفها. ### || [19.66-67] # يحتمل أن يراد بالإنسان الجنس بأسره، وأن يراد بعض الجنس وهم الكفرة. ~~فإن قلت لم جازت إرادة الأناسي كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك؟ قلت لما ms1169 كانت ~~هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم، صح إسناده إلى جميعهم، كما يقولون ~~بنو فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل رجل منهم. قال الفرزدق # فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء ~~عن رأس خالد # فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله «نبا بيدي ورقاء» وهو ورقاء بن زهير ~~بن جذيمة العبسي. فإن قلت بم انتصب { إذا } وانتصابه ب أخرج ممتنع ~~لأجل اللام لا تقول اليوم لزيد قائم؟ قلت بفعل مضمر يدل عليه المذكور. ~~فإن قلت لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت ~~حرف الاستقبال؟ قلت لم تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا ~~ألله للتعويض واضمحل عنها معنى التعريف. و«ما» في { أءذا ما } ~~للتوكيد أيضا، فكأنهم قالوا أحقا أنا سنخرج أحياء حين يتمكن فينا الموت ~~والهلاك؟ على وجه الاستنكار والاستبعاد. والمراد الخروج من الأرض، أو من ~~حال الفناء. أو هو من قولهم خرج فلان عالما، وخرج شجاعا إذا كان نادرا ~~في ذلك، يريد سأخرج حيا نادرا على سبيل الهزؤ. وقرأ الحسن وأبو حيوة ~~«لسوف أخرج» وعن طلحة بن مصرف رضي الله عنه «لسأخرج» كقراءة ابن مسعود ~~رضي الله عنه «ولسيعطيك» وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإنكار من قبل أن ما ~~بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم، فهو كقولك للمسيء ~~إلى المحسن أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه. الواو عطفت { أولا ~~يذكر } على { يقول } ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف ~~العطف، يعني أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى ~~فإن تلك أعجب وأغرب وأدل على قدرة الخالق؟؟ حيث أخرج الجواهر والأعراض ~~من العدم إلى الوجود، ثم أوقع التأليف مشحونا بضروب الحكم التي تحار ~~الفطن فيها، من غير حذو على مثال واقتداء بمؤلف. ولكن اختراعا وإبداعا ~~من عند قادر جلت قدرته ودقت حكمته. وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وعادت ~~لها كالمثال المحتذى عليه، وليس فيها إلا تأليف الأجزاء الموجودة الباقية ~~وتركيبها، وردها إلى ما كانت ms1170 عليه مجموعة بعد التفكيك والتفريق. وقوله ~~تعالى { ولم يك شيئا } دليل على هذا المعنى، وكذلك قوله تعالى # وهو أهون عليه # الروم 27 على أن رب العزة سواء عليه النشأتان، لا يتفاوت في قدرته ~~الصعب والسهل، ولا يحتاج إلى احتذاء على مثال ولا استعانة بحكيم، ولا نظر ~~في مقياس، ولكن يواجه جاحد البعث بذلك دفعا في بحر معاندته، وكشفا عن ~~صفحة جهله. القراء كلهم على { لا يذكر } بالتشديد إلا نافعا وابن عامر ~~وعاصما رضي الله عنهم، فقد خففوا. وفي حرف أبي «يتذكر» { من قبل } ~~من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه. ### || [19.68-70] # في إقسام الله تعالى باسمه تقدست أسماؤه مضافا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تفخيم لشأن رسول الله ورفع منه، كما رفع من شأن السماء والأرض ~~في قوله تعالى # فورب السماء والأرض إنه لحق # الذاريات 23 والواو في { والشيطين } يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى ~~مع، وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين ~~الذين أغووهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة. فإن قلت هذا إذا أريد ~~بالإنسان الكفرة خاصة، فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم ~~مع الشياطين؟ قلت إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا وفيهم الكفرة مقرونين ~~بالشياطين. فقد حشروا مع الشياطين كم حشروا الكفرة. فإن قلت هلا عزل ~~السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء؟ قلت لم يفرق ~~بينهم وبينهم في المحشر، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم، وأوردوا معهم ~~النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم، فيزدادوا ~~لذلك غبطة إلى غبطة وسرورا إلى سرور، ويشمتوا بأعداء الله وأعدائهم، ~~فتزداد مساءتهم وحسرتهم وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم. ~~فإن قلت ما معنى إحضارهم جثيا؟ قلت أما إذا فسر الإنسان بالخصوص، ~~فالمعنى أنهم يقبلون من المحشر إلى شاطىء جهنم عتلا على حالهم التي كانوا ~~عليها في الموقف، جثاة على ركبهم، غير مشاة على أقدامهم، وذلك أن أهل ~~الموقف وصفوا بالجثو. قال الله تعالى # وترى ms1171 كل أمة جاثية # الجاثية 28 على العادة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات، من ~~تجاثي أهلها على الركب، لما في ذلك من الاستيفاز والقلق وإطلاق الحبا ~~وخلاف الطمأنينة. أو لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها ~~القيام على أرجلهم، فيحبون على ركبهم حبوا. وإن فسر بالعموم، فالمعنى ~~أنهم يتجاثون عند موافاة شاطيء جهنم، على أن جثيا حال مقدرة كما كانوا ~~في الموقف متجاثين لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التوصل إلى الثواب ~~والعقاب والمراد بالشيعة - وهي «فعلة» كفرقة وفتية - الطائفة التي شاعت، ~~أي تبعت غاويا من الغواة. قال الله تعالى # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا # الأنعام 159 يريد نمتاز من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم ~~فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم. فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب. ~~نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم. أو أراد بالذين هم أولى به صليا المنتزعين ~~كما هم، كأنه قال ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء، وهم أولى بالصلي من بين ~~سائر الصالين، ودركاتهم أسفل، وعذابهم أشد. ويجوز أن يريد بأشدهم عتيا ~~رؤساء الشيع وأئمتهم، لتضاعف جرمهم بكونهم ضلالا ومضلين. قال الله تعالى # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 88، # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13 واختلف في إعراب { أيهم أشد } فعن الخليل أنه ~~مرتفع على الحكاية. تقديره لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، وسيبويه ~~على أنه مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به ~~لأعرب. وقيل أيهم هو أشد. ويجوز أن يكون النزع واقعا على { من كل ~~شيعة } ، كقوله سبحانه # ووهبنا لهم من رحمتنا # مريم50 أي لننزعن بعض كل شيعة، فكأن قائلا قال من هم؟ فقيل أيهم أشد ~~عتيا. وأيهم أشد بالنصب عن طلحة بن مصرف وعن معاذ بن مسلم الهراء ~~أستاذ الفراء. فإن قلت بم يتعلق على والباء، فإن تعلقهما بالمصدرين لا ~~سبيل إليه؟ قلت هما للبيان لا الصلة. أو يتعلقان بأفعل، أي عتوهم أشد ~~على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم ms1172 هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. ### || [19.71-72] # { وإن منكم } التفات إلى الإنسان، يعضده قراءة ابن عباس وعكرمة ~~رضي الله عنهما «وإن منهم» أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، فإن ~~أريد الجنس كله فمعنى الورود دخولهم فيها وهي خامدة، فيعبرها المؤمنون ~~وتنهار بغيرهم. عن ابن عباس رضي الله عنه يردونها كأنها إهالة. وروي ~~دواية. وعن جابر بن عبد الله. 670 أنه سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك؟ فقال # " إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ~~ربنا أن نرد النار، فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة " # وعنه رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال 671 سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على ~~المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ~~ضجيجا من بردها " # وأما قوله تعالى # أولئك عنها مبعدون # الأنبياء 101 فالمراد عن عذابها. وعن ابن مسعود والحسن وقتادة هو الجواز ~~على الصراط لأن الصراط ممدود عليها. وعن ابن عباس قد يرد الشيء الشيء ~~ولا يدخله، كقوله تعالى # ولما ورد ماء مدين # القصص 23 ووردت القافلة البلد، وإن لم تدخله ولكن قربت منه. وعن مجاهد ~~ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا، بقوله عليه الصلاة ~~والسلام 672 # " الحمى من فيح جهنم " # وفي الحديث 673 # " الحمى حظ كل مؤمن من النار " # ويجوز أن يراد بالورود جثوهم حولها. وإن أريد الكفار خاصة، فالمعنى ~~بين. {كان على ربك حتما مقضيا } الحتم مصدر حتم الأمر ~~إذا أوجبه، فسمى به الموجب، كقولهم خلق الله، وضرب الأمير، أي كان ورودهم ~~واجبا على الله، أوجبه على نفسه وقضى به، وعزم على أن لا يكون غيره { ~~ثم ننجي ا لذين ا تقوا } قرىء { ننجى } و«ننجى» ~~و«ينجى» و«ينجى» على ما لم يسم فاعله. إن أريد الجنس بأسره فهو ظاهر، وإن ~~أريد الكفرة وحدهم فمعنى { ثم ننجى الذين اتقوا } أن ~~المتقين يساقون إلى الجنة ms1173 عقيب ورود الكفار، لا أنهم يواردونهم ثم ~~يتخلصون. وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس والجحدري وابن أبي ليلى «ثم ~~ننجى» بفتح الثاء، أي هناك. وقوله { ونذر الظلمين فيها ~~جثيا } دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها، وأن المؤمنين ~~يفارقون الكفرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الكفرة في مكانهم جاثين. ### || [19.73] # { بينت } مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني مبينات المقاصد إما ~~محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا ~~أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججا ~~وبراهين. والوجه أن تكون حالا مؤكدة كقوله تعالى # وهو الحق مصدقا # البقرة91 لأن آيات الله لا تكون إلا واضحة وحججا { للذين ~~ءامنو ا } يحتمل أنهم يناطقون المؤمنين بذلك ويواجهونهم به، وأنهم ~~يفوهون به لأجلهم وفي معناهم، كقوله تعالى # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونا إليه # الأحقاف 11. قرأ ابن كثير «مقاما» بالضم وهو موضع الإقامة والمنزل، ~~والباقون بالفتح وهو موضع القيام، والمراد المكان والموضع.والندى المجلس ~~ومجتمع القوم، وحيث ينتدون. والمعنى أنهم إذا سمعوا الآيات وهم جهلة لا ~~يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وذلك مبلغهم من العلم، قالوا أي ~~الفريقين من المؤمنين بالآيات والجاحدين لها أوفر حظا من الدنيا حتى ~~يجعل ذلك عيارا على الفضل والنقص، والرفعة والضعة؟ ويروى أنهم كانوا ~~يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون بالزين الفاخرة، ثم يدعون ~~مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله منهم. ### || [19.74] # { كم } مفعول { أهلكنا } و { من } تبيين لإبهامها، أي كثيرا ~~من القرون أهلكنا، وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. و { هم ~~أحسن } في محل النصب صفة ل كم. ألا ترى أنك لو تركت { هم } لم يكن ~~لك بد من نصب { أحسن } على الوصفية. الأثاث متاع البيت. وقيل هو ~~ماجد من الفرش. والخرثي ما لبس منها. وأنشد الحسن بن علي الطوسي # تقادم العهد من أم الوليد بنا دهرا وصار ~~أثاث البيت خرثيا # قرىء على خمسة أوجه { رءيا } وهو المنظر والهيئة فعل بمعنى مفعول، من ~~رأيت ms1174 «وريئا» على القلب كقولهم راء في رأي «وريا» على قلب الهمزة ياء ~~والإدغام، أو من الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم ريان من النعيم. ~~«وريا» على حذف الهمزة رأسا، ووجهه أن يخفف المقلوب وهو «رئيا» بحذف ~~همزته وإلقاء حركتها على الياء الساكنة قبلها «وزيا» واشتقاقه من الزي ~~وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة، والمعنى أحسن من هؤلاء. ### || [19.75] # أي مد له الرحمن، يعني أمهله وأملى له في العمر، فأخرج على لفظ الأمر ~~إيذانا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل، لتقطع ~~معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة # أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر # فاطر 37 أو كقوله تعالى # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # آل عمران 178 أو { من كان فى الضللة فليمدد له ~~الرحمن مدا } في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة ~~حياته. في هذه الآية وجهان، أحدهما أن تكون متصلة بالآية التي هي ~~رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي قالوا أي الفريقين خير مقاما ~~وأحسن نديا. { حتى إذا رأوا ما يوعدون } أي لا يبرحون ~~يقولون هذا القول ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعود رأي ~~عين { إما العذاب } في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم ~~إياهم قتلا وأسرا وإظهار الله دينه على الدين كله على أيديهم. وإما يوم ~~القيامة وما ينالهم من الخزي والنكال، فحينئذ يعلمون عند المعاينة أن ~~الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم شر مكانا وأضعف جندا، لا خير مقاما ~~وأحسن نديا. وأن المؤمنين على خلاف صفتهم. والثاني أن تتصل بما يليها. ~~والمعنى أن الذين في الضلالة ممدود لهم في ضلالتهم، والخذلان لاصق بهم ~~لعلم الله بهم، وبأن الألطاف لا تنفع فيهم وليسوا من أهلها. والمراد ~~بالضلالة ما دعاهم من جهلهم وغلوهم في كفرهم إلى القول الذي قالوه. ولا ~~ينفكون عن ضلالتهم إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين أو يشاهدوا الساعة ~~ومقدماتها. فإن قلت حتى هذه ما هي؟ قلت هي التي تحكى بعدها الجمل ألا ~~ترى الجملة الشرطية واقعة ms1175 بعدها وهي قوله { إذا رأوا ما ~~يوعدون... فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف ~~جندا } في مقابلة { خير مقاما وأحسن نديا } لأن مقامهم ~~هو مكانهم ومسكنهم. والندي المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم ~~وأنصارهم. والجند هم الأنصار والأعوان. ### || [19.76] # { ويزيد } معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر، تقديره من ~~كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن. ويزيد أي يزيد في ضلال الضال ~~بخذلانه، ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه { والبقيات الصلح ~~ت } أعمال الآخرة كلها. وقيل الصلوات. وقيل سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر، أي هي خير ثوابا من مفاخرات الكفار { ~~وخير مردا } أي مرجعا وعاقبة، أو منفعة، من قولهم ليس لهذا ~~الأمر مرد # وهل يرد بكاى زندا # فإن قلت كيف قيل خير ثوابا كأن لمفاخراتهم ثوابا، حتى يجعل ثواب ~~الصالحات خيرا منه؟ قلت كأنه قيل ثوابهم النار. على طريقة قوله # فأعتبوا بالصيلم # وقوله # شجعاء جرتها الذميل تلوكه أصلا إذا راح ~~المطي عراثا # وقوله # تحية بينهم ضرب وجيع # ثم بنى عليه خير ثوابا. وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن ~~يقال له عقابك النار. فإن قلت فما وجه التفضيل في الخير كأن لمفاخرهم ~~شركا فيه؟ قلت هذا من وجيز كلامهم، يقولون الصيف أحر من الشتاء، أي ~~أبلغ في حره من الشتاء في برده. ### || [19.77-80] # لما كانت مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقا إلى الإحاطة بها علما وصحة ~~الخبر عنها، استعملوا «أرأيت» في معنى «أخبر» والفاء جاءت لإفادة معناها ~~الذي هو التعقيب، كأنه قال أخبر أيضا بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقيب ~~حديث أولئك { أطلع الغيب } من قولهم أطلع الجبل إذا ارتقى إلى ~~أعلاه وطلع الثنية. قال جرير # لاقيت مطلع الجبال وعورا # ويقولون مر مطلعا لذلك الأمر، أي عاليا له مالكا له، ولاختيار هذه ~~الكلمة شأن، يقول أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى علم الغيب الذي ~~توحد به الواحد القهار. والمعنى أن ما ادعى أن يؤتاه وتألى عليه لا يتوصل ~~إليه إلا بأحد هذين الطريقين ms1176 إما علم الغيب، وإما عهد من عالم الغيب، ~~فبأيهما توصل إلى ذلك؟ قرأ حمزة والكسائي «ولدا» وهو جمع ولد، كأسد في ~~أسد. أو بمعنى الولد كالعرب في العرب. وعن يحيى بن يعمر «ولدا» بالكسر. ~~وقيل في العهد كلمة الشهادة. وعن قتادة هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو ~~بذلك ما يقول؟ وعن الكلبي هل عهد الله إليه أنه يؤتيه ذلك؟ عن الحسن رحمه ~~الله نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاصي بن وائل. قال ~~خباب بن الأرت 674 كان لي عليه دين فاقتضيته، فقال لا والله حتى تكفر ~~بمحمد. قلت لا والله لا أكفر بمحمد حيا ولا ميتا ولا حين تبعث. قال ~~فإني إذا مت بعثت؟ قلت نعم. قال إذا بعثت جئتني وسيكون لي ثم مال وولد ~~فأعطيك وقيل 675 «صاغ له خباب حليا فاقتضاه الأجر، فقال إنكم تزعمون ~~أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا، فأنا أقضيك ثم فإني ~~أوتى مالا وولدا حينئذ { كلا } ردع وتنبيه على الخطأ أي هو مخطيء ~~فيما يصوره لنفسه ويتمناه فليرتدع عنه. فإن قلت كيف قيل { سنكتب } ~~بسين التسويف، وهو كما قاله كتب من غير تأخير، قال الله تعالى # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # ق 18؟ قلت فيه وجهان، أحدهما سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله، على طريقة ~~قوله # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. والثاني أن المتوعد يقول ~~للجاني سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان ~~واستأخر، فجرد ههنا لمعنى الوعيد. { ونمد له من العذاب ~~مدا } أي نطول له من العذاب ما يستأهله ونعذبه بالنوع الذي يعذب به ~~الكفار المستهزؤن. أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد. يقال مده ~~وأمده بمعنى، وتدل عليه قراءة علي بن أبي طالب ونمد له بالضم، وأكد ذلك ~~بالمصدر، وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به من التعرض لما نستوجب به غضبه. # { ونرثه ما يقول } أي نزوي عنه ما ms1177 زعم أنه يناله في الآخرة ~~ونعطيه من يستحقه. والمعنى مسمى ما يقول. ومعنى { ما يقول } وهو ~~المال والولد. يقول الرجل أنا أملك كذا، فتقول له ولي فوق ما تقول، ~~ويحتمل أنه قد تمنى وطمع أن يؤتيه الله في الدنيا مالا وولدا، وبلغت به ~~أشعبيته أن تألى على ذلك في قوله { لأوتين } لأنه جواب قسم مضمر، ~~ومن يتأل على الله يكذبه، فيقول الله عز وجل هب أنا أعطيناه ما اشتهاه، ~~إما نرثه منه في العاقبة ويأتينا فردا غدا بلا مال ولا ولد، كقوله عز ~~وجل # ولقد جئتمونا فرادى.... # الآية الأنعام 94 فما يجدي عليه تمنيه وتأليه. ويحتمل أن هذا القول إنما ~~يقوله ما دام حيا، فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضا ~~له منفردا عنه غير قائل له، أو لا ننسى قوله هذا ولا نلغيه، بل نثبته في ~~صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به { ويأتينا } على فقره ~~ومسكنته { فردا } من المال والولد، لم نوله سؤله ولم نؤته متمناه، ~~فيجتمع عليه الخطبان تبعة قوله ووباله، وفقد المطموع فيه. فردا على ~~الوجه الأول حال مقدرة نحو # فادخلوها خلدين # الزمر 73 لأنه وغيره سواء في إتيانه فردا حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ~~ذلك. ### || [19.81-82] # أي ليتعززوا بآلهتهم حيث يكونون لهم عند الله شفعاء وأنصارا ينقذونهم ~~من العذاب { كلا } ردع لهم وإنكار لتعززهم بالآلهة. وقرأ ابن نهيك ~~«كلا» { سيكفرون بعبادتهم } أي سيجحدون كلا سيكفرون ~~بعبادتهم، كقولك زيدا مررت بغلامه. وفي محتسب ابن جني كلا بفتح الكاف ~~والتنوين، وزعم أن معناه كل هذا الرأي والاعتقاد كلا. ولقائل أن يقول إن ~~صحت هذه الرواية فهيكلا التي هي للردع، قلب الواقف عليها ألفها نونا كما ~~في قواريرا. والضمير في { سيكفرون } للآلهة، أي سيجحدون عبادتهم ~~وينكرونها ويقولون والله ما عبدتمونا وأنتم كاذبون. قال الله تعالى # وإذا رءا الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا ه ~~ ؤلآء شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك ~~فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون # النحل 86 أو للمشركين أي ينكرون لسوء العاقبة أن يكونوا ms1178 قد عبدوها. قال ~~الله تعالى # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # الأنعام 23 { عليهم ضدا } في مقابلة { لهم عزا } والمراد ~~ضد العز وهو الذل والهوان، أي يكونون عليهم ضدا لما قصدوه وأرادوه، ~~كأنه قيل ويكونون عليهم ذلا، لا لهم عزا أو يكونون عليهم عونا، والضد ~~العون. يقال من أضدادكم أي أعوانكم وكأن العون سمي ضدا لأنه يضاد عدوك ~~وينافيه بإعانته لك عليه. فإن قلت لم وحد؟ قلت وحد توحيده قوله عليه ~~الصلاة والسلام 676 # " وهم يد على من سواهم " # لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامهم وتوافقهم ومعنى كون الآلهة ~~عونا عليهم أنهم وقود النار وحصب جهنم، ولأنهم عذبوا بسبب عبادتها ~~وإن رجعت الواو في سيكفرون ويكونون إلى المشركين، فإن المعنى ويكونون ~~عليهم - أي أعداءهم - ضدا، أي كفرة بهم، بعد أن كانوا يعبدونها. ### || [19.83] # الأز، والهز، والاستفزاز أخوات، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج، أي ~~تغريهم على المعاصي وتهيجهم لها بالوساوس والتسويلات. والمعنى خلينا ~~بينهم وبينهم ولم نمنعهم ولو شاء لمنعهم قسرا، والمراد تعجيب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد الآيات التي ذكر فيها العتاة والمردة من الكفار، ~~وأقاويلهم، وملاحتهم، ومعاندتهم للرسل، واستهزاؤهم بالدين من تماديهم في ~~الغي وإفراطهم في العناد، وتصميمهم على الكفر، واجتماعهم على دفع الحق ~~بعد وضوحه وانتفاء الشك عنه، وإنهماكهم لذلك في اتباع الشياطين وما ~~تسول لهم. ### || [19.84] # عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه، أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا ويبيدوا، ~~حتى تستريح أنت والمسلمون من شرورهم، وتطهر الأرض بقطع دابرهم، فليس بينك ~~وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة، كأنها في سرعة ~~تقضيها الساعة التي تعد فيها لو عدت. ونحوه قوله تعالى # ولا تستعجل لهم # الأحقاف 35، # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار # الأحقاف 35 وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال آخر ~~العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك. وعن ابن ~~السماك أنه ms1179 كان عند المأمون فقرأها، فقال إذا كانت الأنفاس بالعدد ~~ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد. ### || [19.85] # نصب { يوم } بمضمر، أي يوم { نحشر } ونسوق نفعل بالفريقين ما لا ~~يحيط به الوصف. أو اذكر يوم نحشر. ويجوز أن ينتصب ب لايملكون. ذكر ~~المتقون بلفظ التبجيل. وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته وخصهم ~~برضوانه وكرامته، كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين للكرامة عندهم، وعن ~~علي رضي الله عنه. 677 ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكنهم على نوق ~~رحالها ذهب، وعلى نجائب سروجها ياقوت. ### || [19.86] # وذكر الكافرون بأنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نعم عطاش ~~تساق إلى الماء. والورود العطاش لأن من يرد الماء لايرده إلا لعطش ~~وحقيقة الورد المسير إلى الماء، قال # ردي ردي ورد قطاة صما كدرية أعجبها برد ~~الما # فسمى به الواردون. وقرأ الحسن «يحشر المتقون»، و«يساق المجرمون». ### || [19.87] # الواو في { لا يملكون } إن جعل ضميرا فهو للعباد، ودل عليه ذكر ~~المتقين والمجرمين لأنهم على هذه القسمة. ويجوز أن تكون علامة للجمع، ~~كالتي في «أكلوني البراغيث» والفاعل { من اتخذ } لأنه في معنى ~~الجمع، ومحل { من اتخذ } رفع على البدل، أو على الفاعلية. ويجوز أن ~~ينتصب على تقدير حذف المضاف، أي إلا شفاعة من اتخذ. والمراد لا يملكون أن ~~يشفع لهم، واتخاذ العهد الاستظهار بالإيمان والعمل. وعن ابن مسعود أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم. 678 # " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا، ~~قالوا وكيف ذلك؟ قال «يقول كل صباح ومساء اللهم فاطر ~~السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك بأني ~~أشهد أن لا إله إلا انت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ~~ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدوني ~~من الخير، وأني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا ~~توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف المعياد. فإذا قال ذلك ~~طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد أين الذين ms1180 لهم عند الرحمن عهد، فيدخلون الجنة " # وقيل كلمة الشهادة. أو يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا. إذا أمره ~~به، أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها. وتعضده مواضع في ~~التنزيل # وكم من ملك فى السموت لا تغنى شفعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى # النجم 26، # ولا تنفع الشفعة عنده إلا لمن أذن له # سبأ 23، و # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضى له قولا # طه 109. ### || [19.88-91] # قرىء «إدا» بالكسر والفتح. قال ابن خالويه الإد والأد العجب. وقيل ~~العظيم المنكر. والإدة الشدة. وأدني الأمر وآدني أثقلني وعظم علي ~~إدا «يكاد» قراءة الكسائي ونافع بالياء. وقرىء «ينفطرن» الأنفطار من ~~فطره إذا شقه. والتفطر من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه. وقرأ ابن مسعود ~~«ينصدعن» أي تهد هدا، أو مهدودة، أو مفعول له أي لأنها تهد. فإن قلت ~~ما معنى انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ ومن أين تؤثر هذه ~~الكلمة في الجمادات؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن الله سبحانه يقول كدت أفعل ~~هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضبا مني على من تفوه ~~بها، لولا حلمي ووقاري، وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # فاطر 41 والثاني أن يكون استعظاما للكلمة، وتهويلا من فظاعتها، ~~وتصويرا لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر في ~~المحسوسات أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه ~~وتنشق وتخر وفي قوله { لقد جئتم } وما فيه من المخاطبة بعد ~~الغيبة، وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم ~~بالجرأة على الله، والتعرض لسخطه، وتنبيه على عظم ما قالوا. في { أن ~~دعوا } ثلاثة أوجه أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في منه، كقوله # على حالة لو أن في القوم حاتما على جوده ~~لضن بالماء حاتم # ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء ms1181 الفعل، أي هذا لأن دعوا، علل الخرور ~~بالهد، والهد بدعاء الولد للرحمن. ومرفوعا بأنه فاعل هدا، أي ~~هدها دعاء الولد للرحمن. وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات من الفائدة ~~أنه هو الرحمن وحده، لا يستحق هذا الاسم غيره. من قبل أن أصول النعم ~~وفروعها منه خلق العالمين، وخلق لهم جميع ما معهم، كما قال بعضهم فلينكشف ~~عن بصرك غطاؤه. فأنت وجميع ما عندك عطاؤه. فمن أضاف إليه ولدا فقد جعله ~~كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن. هو من دعا بمعنى سمى ~~المتعدي إلى مفعولين، فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني، طلبا للعموم ~~والإحاطة بكل ما دعى له ولدا. أو من دعا بمعنى نسب، الذي مطاوعه ما في ~~قوله عليه السلام. 679 # " من ادعى إلى غير مواليه " # وقول الشاعر # إنا بني نهشل لا ندعي لأب # أي لا ننتسب إليه. ### || [19.92] # انبغى مطاوع «بغي» إذا طلب، أي ما يتأتى له اتخاذ الولد وما يتطلب لو ~~طلب مثلا، لأنه محال غير داخل تحت الصحة. أما الولادة المعروفة فلا مقال ~~في استحالتها. وأما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى، وليس ~~للقديم سبحانه جنس، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ### || [19.93-95] # موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة، وقوعها بعد رب في قوله رب من ~~أنضجت غيظا صدره وقرأ ابن مسعود وأبوحيوة «آت الرحمن» على ~~أصله قبل الإضافة. الإحصاء الحصر والضبط يعني حصرهم بعلمه وأحاط بهم { ~~وعدهم عدا } الذين اعتقدوا في الملائكة وعيسى وعزير أنهم أولاد ~~الله، كانوا بين كفرين، أحدهما القول بأن الرحمن يصح أن يكون والدا. ~~والثاني إشراك الذين زعموهم لله أولادا في عبادته، كما يخدم الناس أبناء ~~الملوك خدمتهم لآبائهم، فهدم الله الكفر الأول فيما تقدم من الآيات ثم ~~عقبه بهدم الكفر الآخر. والمعنى ما من معبود لهم في السموات والأرض من ~~الملائكة ومن الناس إلا وهو يأتي الرحمن، أي يأوي إليه ويلتجيء إلى ~~ربوبيته عبدا منقادا مطيعا خاشعا خاشيا راجيا، كما يفعل العبيد ~~وكما يجب عليهم، لا يدعي ms1182 لنفسه ما يدعيه له هؤلاء الضلال. ونحوه قوله ~~تعالى # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخفون ~~عذابه # الإسراء 57 وكلهم متقلبون في ملكوته مقهورون بقهره وهو مهيمن عليهم محيط ~~بهم ويجمل أمورهم وتفاصيلها وكيفيتهم وكميتهم لا يفوته شيء من أحوالهم، ~~وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفردا ليس معه من هؤلاء المشركين أحد ~~وهم برآء منهم. ### || [19.96] # قرأ جناح بن حبيش «ودا» بالكسر، والمعنى سيحدث لهم في القلوب مودة ~~ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي توجب الود ~~ويكتسب بها الناس مودات القلوب، من قرابة أو صداقة أو اصطناع بمبرة أو ~~غير ذلك، وإنما هو اختراع منه ابتداء اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة، ~~كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم. ~~والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة ~~فوعدهم الله تعالى ذلك إذا دجا الإسلام. وإما أن يكون ذلك يوم القيامة ~~يحببهم الله إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم. وروي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه 680 # " يا علي قل اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدور ~~المؤمنين مودة " # فأنزل الله هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما يعني يحبهم الله ~~ويحببهم إلى خلقه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 681 # " يقول الله عز وجل يا جبريل قد أحببت فلانا فأحبه، ~~فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء، إن الله قد أحب فلانا ~~فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يضع له المحبة في أهل الأرض ~~" # وعن قتادة ما أقبل العبد إلى الله إلا أقبل الله بقلوب ~~العباد إليه. ### || [19.97-98] # هذه خاتمة السورة ومقطعها، فكأنه قال بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر، ~~فإنما أنزلناه { بلسانك } أي بلغتك وهو اللسان العربي المبين، ~~وسهلناه وفصلناه { لتبشر به } وتنذر. واللد الشداد الخصومة ~~بالباطل، الآخذون في كل لديد أي في كل شق من المراء والجدال لفرط ms1183 لجاجهم، ~~يريد أهل مكة. وقوله { وكم أهلكنا } تخويف لهم وإنذار. وقرىء ~~«تحس» من حسه إذا شعر به. ومنه الحواس والمحسوسات. وقرأ حنظلة ~~«تسمع» مضارع أسمعت. والركز الصوت الخفي. ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه ~~في الأرض. والركاز المال المدفون. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 682 # " من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق ~~به، ويحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهرون ~~وإسماعيل وإدريس، وعشر حسنات بعدد من دعا الله في الدنيا ~~وبعدد من لم يدع الله ". ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-4] # { طه 1 } أبو عمرو فخم الطاء لاستعلائها. وأمال الهاء وفخمها ابن كثير ~~وابن عامر على الأصل، والباقون أمالوهما وعن الحسن رضي الله عنه طه، وفسر ~~بأنه أمر بالوطء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم في تهجده ~~على إحدى رجليه فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معا وأن الأصل طأ، ~~فقلبت همزته هاء أو قلبت ألفا في يطأ فيمن قال # لا هناك المرتع # ثم بني عليه الأمر، والهاء للسكت ويجوز أن يكتفي بشطري الاسمين وهما ~~الدالان بلفظهما على المسميين، والله أعلم بصحة ما يقال إن «طاها» في لغة ~~عك في معنى يا رجل، ولعل عكا تصرفوا في «يا هذا» كأنهم في لغتهم قالبون ~~الياء طاء، فقالوا في «يا» «طا»، واختصروا هذا فاقتصروا على ها، وأثر ~~الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به # إن السفاهة طاها في خلائقكم لاقدس الله أخلاق ~~الملاعين # الأقوال الثلاثة في الفواتح أعني التي قدمتها في أول الكاشف عن حقائق ~~التنزيل، هي التي يعول عليها الألباء المتقنون { مآ أنزلنا } إن ~~جعلت { طه1 } تعديدا لأسماء الحروف على الوجه السابق ذكره فهو ابتداء ~~كلام. وإن جعلتها اسما للسورة احتملت أن تكون خبرا عنها وهي في موضع ~~المبتدأ، و { القرءان } ظاهر أوقع موقع الضمير لأنها قرآن، وأن يكون ~~جوابا لها وهي قسم. وقرىء «ما نزل عليك القرآن» { لتشقى } لتتعب ~~بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا كقوله تعالى # لعلك بخع ms1184 نفسك # الشعراء 3 والشقاء يجيء في معنى التعب. ومنه المثل أشقى من رائض مهر، أي ~~ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة، بعد أن لم ~~تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة. وقيل إن أبا جهل والنضر بن الحرث ~~قالا له إنك شقى لأنك تركت دين آبائك، فأريد رد ذلك بأن دين الإسلام ~~وهذا القرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في درك كل سعادة، وما فيه ~~الكفرة هو الشقاوة بعينها. وروي. 683 أنه عليه الصلاة والسلام صلى بالليل ~~حتى اسمغدت قدماه، فقال له جبريل عليه السلام أبق على نفسك ~~فإن لها عليك حقا. أي ما أنزلناه لتنهك نفسك بالعبادة وتذيقها ~~المشقة الفادحة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة، وكل واحد من { ~~لتشقى } و { تذكرة } علة للفعل، إلا أن الأول وجب مجيئه مع ~~اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، ~~والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط. فإن قلت أما يجوز أن ~~تقول ما أنزلنا عليك القرآن أن تشقى، كقوله تعالى # أن تحبط أعملكم # الحجرات 2؟ قلت بلى، ولكنها نصبة طارئة، كالنصبة في # واختار موسى قومه # الأعراف 155 وأما النصبة في تذكرة فهي كالتي في ضربت زيدا، لأنه أحد ~~المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها. فإن قلت هل يجوز أن يكون { ~~تذكرة } بدلا من محل { لتشقى }؟ قلت لا، لاختلاف الجنسين، ~~ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي «إلا» فيه بمعنى «لكن» ويحتمل أن ~~يكون المعنى إنا أنزلنا عليك القرآن لتحتمل متاعب التبليغ ومقاولة العتاة ~~من أعداء الإسلام ومقاتلتهم وغير ذلك من أنواع المشاق وتكاليف النبوة، ~~وما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز ~~أن يكون تذكرة حالا ومفعول له { لمن يخشى } لمن يؤول أمره إلى ~~الخشية، ولمن يعلم الله منه أنه يبدل بالكفر إيمانا وبالقسوة خشية. في ~~نصب { تنزيلا } وجوه أن يكون بدلا من تذكرة إذا جعل حالا، لا إذا ~~كان مفعولا له لأن الشيء لا ms1185 يعلل بنفسه، وأن ينصب بنزل مضمرا، وأن ينصب ~~بأنزلنا لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرة أنزلنا تذكرة، وأن ينصب على المدح ~~والاختصاص وأن ينصب ب يخشى مفعولا به. أي أنزله الله تذكرة لمن يخشى ~~تنزيل الله، وهو معنى حسن وإعراب بين. وقرىء «تنزيل» بالرفع على خبر ~~مبتدأ محذوف. ما بعد { تنزيلا } إلى قوله { له الأسماء ~~الحسنى } تعظيم وتفخيم لشأن المنزل، لنسبته إلى من هذه أفعاله ~~وصفاته، ولا يخلو من أن يكون متعلقه إما { تنزيلا } نفسه فيقع صلة له، ~~وإما محذوفا فيقع صفة له. فإن قلت ما فائدة النقلة من لفظ المتكلم إلى ~~لفظ الغائب؟ قلت غير واحدة منهاعادة الافتنان في الكلام وما يعطيه من ~~الحسن والروعة. ومنها أن هذه الصفات إنما تسردت مع لفظ الغيبة. ومنها ~~أنه قال أولا { أنزلنا } ففخم بالإسناد إلى ضمير الواحد المطاع، ثم ~~ثنى بالنسبة إلى المختص بصفات العظمة والتمجيد فضوعفت الفخامة من طريقين ~~ويجوز أن يكون { أنزلنا } حكاية لكلام جبريل والملائكة النازلين معه. ~~{ والسموات العلى } وصف السموات بالعلى دلالة على عظم قدرة من يخلق ~~مثلها في علوها وبعد مرتقاها. ### || [20.5-6] # قرىء «الرحمن» مجرورا صفة لمن خلق والرفع أحسن، لأنه إما أن يكون ~~رفعا على المدح على تقدير هو الرحمن، وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه ~~إلى من خلق. فإن قلت الجملة التي هي { على العرش استوى } ما ~~محلها - إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟ قلت إذا جررت فهي خبر ~~مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن تكون كذلك وأن تكون مع الرحمن خبرين ~~للمبتدأ لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك، ~~جعلوه كناية عن الملك فقالوا استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم ~~يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك ~~في مؤداه وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر. ونحوه قولك يد فلان ~~مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين ~~إلا فيما قلت. حتى أن من ms1186 لم يبسط يده قط بالنوال أو لم تكن له يد رأسا ~~قيل فيه يده مبسوطة لمساواته عندهم قولهم هو جواد. ومنه قول الله عز وجل # وقالت اليهود يد الله مغلولة # المائدة 64 أي هو بخيل، # بل يداه مبسوطتان # المائدة 64 أي هو جواد، من غير تصور يد ولا غل ولا بسط، والتفسير ~~بالنعمة والتمحل للتثنية من ضيق الطعن والمسافرة عن علم البيان مسيرة ~~أعوام { وما تحت الثرى } ما تحت سبع الأرضين. عن محمد بن كعب ~~وعن السدي هو الصخرة التي تحت الأرض السابعة. ### || [20.7-8] # أي يعلم ما أسررته إلى غيرك وأخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، أو ما ~~أسررته في نفسك { وأخفى } منه وهو ما ستسره فيها. وعن بعضهم أن أخفى ~~فعل ماضي، لا أفعل تفضيل يعنىأنه يعلم أسرار العباد وأخفى عنهم ما ~~يعلمه، هو كقوله تعالى # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~به علما # طه 110 وليس بذاك. فإن قلت كيف طابق الجزاء الشرط؟ قلت معناه وإن تجهر ~~بذكر الله من دعاء أو غيره فأعلم أنه غني عن جهرك، فإماأن يكون نهيا عن ~~الجهر كقوله تعالى # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول # الأعراف 205 وإما تعليما للعباد أن الجهر ليس لإسماع الله وإنما هو ~~لغرض آخر { الحسنى } تأنيث الأحسن، وصفت بها الأسماء لأن حكمها حكم ~~المؤنث كقولك الجماعة الحسنى، ومثلها # مآرب أخرى # طه 18، و # من ءايتنا الكبرى # طه 23. والذي فضلت به أسماؤه في الحسن على سائر الأسماء دلالتها على ~~معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في ~~الحسن. ### || [20.9-10] # قفاه بقصة موسى عليه السلام ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة وتكاليف ~~الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، حتى ينال عند الله الفوز والمقام ~~المحمود. يجوز أن ينتصب { إذ } ظرفا للحديث، لأنه حدث أو لمضمر، أي ~~حين { رءا نارا } كان كيت وكيت. أو مفعولا ل ذكر استأذن موسى ~~شعيبا عليهما السلام في الخروج إلى أمه وخرج بأهله، فولد له في الطريق ~~ابن ms1187 في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولاماء ~~عنده، وقدح فصلد زنده فرأى النار عند ذلك. قيل كانت ليلة جمعة { ~~امكثو ا } أقيموا في مكانكم. الإيناس الإبصار البين الذي لا شبهة ~~فيه، ومنه إنسان العين لأنه يتبين به الشيء، والإنس لظهورهم، كما قيل ~~الجن لاستتارهم وقيل هو إبصار ما يؤنس به. لما وجد منه الإيناس فكان ~~مقطوعا متيقنا، حققه لهم بكلمة «إن» ليوطن أنفسهم، ولما كان الإتيان ~~بالقبس ووجود الهدى مترقبين متوقعين، بني الأمر فيهما على الرجاء والطمع ~~وقال { لعلى } ولم يقطع فيقول إني { ءاتيكم } لئلا يعد ما ليس ~~بمستيقن الوفاء به. القبس النار المقتبسة في رأس عود أو فتيلة أو غيرهما. ~~ومنه قيل المقبسة، لما يقتبس فيه من سعفة أو نحوها { هدى } أي قوما ~~يهدونني الطريق أو ينفعونني بهداهم في أبواب الدين، عن مجاهد وقتادة وذلك ~~لأن أفكار الأبرار مغمورة بالهمة الدينية في جميع أحوالهم لا يشغلهم ~~عنها شاغل. والمعنى ذوي هدى. و إذا وجد الهداة فقدوجد الهدى. ومعنى ~~الاستعلاء في { على النار } أن أهل النار يستعلون المكان القريب ~~منها، كما قال سيبويه في مررت بزيد انه لصوق بمكان يقرب من زيد. أو لأن ~~المصطلين بها والمستمتعين بها إذا تكنفوها قياما وقعودا كانوا مشرفين ~~عليها، ومنه قول الأعشى # وبات على النار الندى والمحلق ### || [20.11-14] # قرأ أبو عمرو وابن كثير «أني» بالفتح، أي نودي بأني { أنا ربك ~~} وكسر الباقون، أي نودي فقيل يا موسى، أو لأن النداء ضرب من القول ~~فعومل معاملته. تكرير الضمير في { إنى أنا ربك } لتوكيد ~~الدلالة وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. روي أنه لما نودي { يموسى } ~~قال من المتكلم؟ فقال له الله عز وجل { إنى أنا ربك } ، وأن ~~إبليس وسوس إليه فقال لعلك تسمع كلام شيطان. فقال أنا عرفت أنه كلام الله ~~بأني أسمعه من جميع جهاتي الست، وأسمعه بجميع أعضائي. وروي أنه حين انتهى ~~رأى شجرة خضراء، من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء تتقد. وسمع تسبيح ~~الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وبهت، ms1188 فألقيت عليه السكينة ثم نودي، ~~وكانت الشجرة عوسجة، وروي كلما دنا أو بعد لم يختلف ما كان يسمع من ~~الصوت. وعن ابن إسحاق لما دنا استأخرت عنه، فلما رأى ذلك رجع وأوجس في ~~نفسه خيفة، فلما أراد الرجعة دنت منه، ثم كلم. قيل أمر بخلع النعلين ~~لأنهما كانتا من جلد حمار ميت غير مدبوغ عن السدي وقتادة. وقيل ليباشر ~~الوادي بقدميه متبركا به. وقيل لأن الحفوة تواضع لله، ومن ثم طاف السلف ~~بالكعبة حافين، ومنهم من استعظم دخول المسجد بنعليه، وكان إذا ندر منه ~~الدخول منتعلا تصدق، والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها ~~وتشريف لقدسها. وروي أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي { طوى } ~~بالضم والكسر منصرف وغير منصرف بتأويل المكان والبقعة. وقيل مرتين، نحو ~~ثنى أي نودي نداءين أو قدس الوادي كرة بعد كرة { وأنا اخترتك } ~~اصطفيتك للنبوة. وقرأ حمزة «وإنا اخترناك» لما يوحى للذي يوحى. ~~أو للوحي. تعلق اللام باستمع، أو باخترتك { لذكرى } لتذكرني فإن ~~ذكري أن أعبد ويصلى لي. أو لتذكرني فيها لاشتمال الصلاة على الأذكار عن ~~مجاهد. أو لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها. أو لأن أذكرك بالمدح والثناء ~~وأجعل لك لسان صدق. أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري أو لإخلاص ذكري ~~وطلب وجهي لا ترائي بها ولا تقصد بها غرضا آخر. أو لتكون لي ذاكرا غير ~~ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربهم على بال منهم وتوكيل هممهم، وأفكارهم ~~به، قال # لا تلهيهم تجرة ولا بيع عن ذكر الله # النور 37 أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة، كقوله تعالى # إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا # النساء 103 واللام مثلها في قولك جئتك لوقت كذا، وكان ذلك لست ليال ~~خلون. وقوله تعالى # يليتنى قدمت لحياتى # الفجر 24 وقد حمل على ذكر الصلاة بعد نسيانها من قوله عليه الصلاة و ~~السلام 684 # " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " # وكان حق العبارة أن يقال لذكرها، كما قال رسول الله صلى ms1189 الله عليه وسلم ~~«إذا ذكرها» ومن يتمحل له يقول إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله. ~~أو بتقدير حذف المضاف، أي لذكر صلاتي. أو لأن الذكر والنسيان من الله عز ~~وجل في الحقيقة. وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «للذكرى». ### || [20.15] # أي أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها ولولا ما في ~~الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به. وقيل معناه أكاد ~~أخفيها من نفسي، ولا دليل في الكلام على هذا المحذوف، ومحذوف لا دليل ~~عليه مطرح. والذي غرهم منه أن في مصحف أبي أكاد أخفيها من نفسي. وفي بعض ~~المصاحف أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها وعن أبي الدرداء وسعيد بن ~~جبير «أخفيها» بالفتح، من خفاه إذا أظهره، أي قرب إظهارها كقوله تعالى # اقتربت الساعة # القمر 1 وقد جاء في بعض اللغات أخفاه بمعنى خفاه. وبه فسر بيت امرىء ~~القيس # فإن تدفنوا الداء لانخفه وإن تبعثوا الحرب لا ~~نقعد # فأكاد أخفيها محتمل للمعنيين { لتجزى } متعلق بآية { بما ~~تسعى } بسعيها. ### || [20.16] # أي لا يصدنك عن تصديقها والضمير للقيامة، ويجوز أن يكون للصلاة. فإن ~~قلت العبارة لنهي من لا يؤمن عن صد موسى، والمقصود نهي موسى عن التكذيب ~~بالبعث أو أمره بالتصديق فكيف صلحت هذه العبارة لأداء هذا المقصود؟ قلت ~~فيه وجهان، أحدهما أن صد الكافر عن التصديق بها سبب للتكذيب. فذكر السبب ~~ليدل على المسبب. والثاني أن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ~~ولين شكيمته، فذكر المسبب ليدل على السبب، كقولهم لا أرينك ههنا، المراد ~~نهيه عن مشاهدته والكون بحضرته. وذلك سبب رؤيته إياه، فكان ذكر المسبب ~~دليلا على السبب، كأنه قيل فكن شديد الشكيمة صليب المعجم حتى لا يتلوح ~~منك لمن يكفر بالبعث أنه يطمع في صدك عما أنت عليه، يعني أن من لا يؤمن ~~بالآخرة هم الجم الغفير إذ لا شيء أطم على الكفرة ولا هم أشد له نكيرا ~~من البعث، فلا يهولنك وفور دهمائهم ولا عظم سوادهم، ولا تجعل ms1190 الكثرة مزلة ~~قدمك، واعلم أنهم وإن كثروا تلك الكثرة فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى ~~واتباعه، لا البرهان وتدبره. وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل، وزجر ~~بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله. ### || [20.17-18] # { وما تلك بيمينك يموسى17 } كقوله تعالى # وهذا بعلى شيخا # هود 72 في انتصاب الحال بمعنى الإشارة ويجوز أن تكون { تلك } اسما ~~موصولا صلته { بيمينك } إنما سأله ليريه عظم ما يخترعه عز وعلا في ~~الخشبة اليابسة من قلبها حية نضناضة وليقرر في نفسه المباينة البعيدة بين ~~المقلوب عنه والمقلوب إليه، وينبهه على قدرته الباهرة. ونظيره أن يريك ~~الزراد زبرة من حديد ويقول لك ما هي؟ فتقول زبرة حديد، ثم يريك بعد أيام ~~لبوسا مسردا فيقول لك هي تلك الزبرة صيرتها إلى ما ترى من عجيب الصنعة ~~وأنيق السرد. قرأ ابن أبي إسحاق «عصي» على لغة هذيل. ومثله # يا بشرى # يوسف 19 أرادوا كسر ما قبل ياء المتكلم فلم يقدروا عليه، فقبلوا الألف ~~إلى أخت الكسرة وقرأ الحسن «عصاي» بكسر الياء لالتقاء الساكنين، وهو مثل ~~قراءة حمزة # بمصرخى # إبراهيم 22 وعن ابن أبي إسحاق سكون الياء { أتوكؤا عليها } ~~أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع وعند الطفرة.وأهش بها على ~~غنمي هش الورق خبطه أي أخبطه على رؤس غنمي تأكله. وعن لقمان ابن عاد ~~أكلت حقا وابن لبون وجذع، وهشة نخب وسيلا دفع، والحمد لله من غير شبع، ~~سمعته من غير واحد من العرب. ونخب واد قريب من الطائف كثير السدر. وفي ~~قراءة النخعي أهش، وكلاهما من هش الخبز يهش إذا كان ينكسر لهشاشته. وعن ~~عكرمة أهس بالسين، أي أنحى عليها زاجرا لها. والهس زجر الغنم. { ولى ~~فيها مئارب أخرى } ذكر على التفصيل والإجمال المنافع المتعلقة ~~بالعصا، كأنه أحس بما يعقب هذا السؤال من أمر عظيم يحدثه الله تعالى فقال ~~ما هي إلا عصا لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان. ليكون ~~جوابه مطابقا للغرض الذي فهمه من فحوى كلام ربه، ms1191 ويجوز أن يريد عز وجل ~~أن يعدد المرافق الكثيرة التي علقها بالعصا ويستكثرها ويستعظمها، ثم ~~يريه على عقب ذلك الآية العظيمة، كأنه يقول له أين أنت عن هذه المنفعة ~~العظمى والمأربة الكبرى المنسية عندها كل منفعة ومأربة كنت تعتد بها ~~وتحتفل بشأنها؟ وقالوا إنما سأله ليبسط منه ويقلل هيبته. وقالوا إنما ~~أجمل موسى ليسأله عن تلك المآرب فيزيد في إكرامه، وقالوا انقطع لسانه ~~بالهيبة فأجمل، وقالوا اسم العصا نبعة. وقيل في المآرب كانت ذات شعبتين ~~ومحجن، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا طلب كسره لواه بالشعبتين، وإذا ~~سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته من القوس والكنانة والحلاب وغيرها، ~~وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء ~~واستظل وإذا قصر رشاؤه وصله بها، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه. وقيل ~~كان فيها من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطول بطول البئر وتصير شعبتاها ~~دلوا، وتكونان شمعتين بالليل، وإذا ظهر عدو حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ~~ركزها فأورقت وأثمرت، وكان يحمل عليها زاده وسقاءه فجعلت تماشيه، ويركزها ~~فينبع الماء، فإذا رفعها نضب، وكانت تقيه الهوام. ### || [20.19-20] # السعي المشي بسرعة وخفة حركة. فإن قلت كيف ذكرت بألفاظ مختلفة بالحية، ~~والجان، والثعبان؟ قلت أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى ~~والصغير والكبير. وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان ~~العظيم من الحيات، والجان الدقيق. وفي ذلك وجهان أحدهما أنها كانت وقت ~~انقلابها حيه تنقلب حية صفراء دقيقة، ثم تتورم ويتزايد جرمها حتى تصير ~~ثعبانا، فأريد بالجان، أول حالها، وبالثعبان مآلها. الثاني أنها كانت ~~في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان. والدليل عليه قوله تعالى # فلما رءاها تهتز كأنها جآن # النمل 10. وقيل كان لها عرف كعرف الفرس. وقيل كان بين لحييها أربعون ~~ذراعا. ### || [20.21] # لما رأى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه من الفزع والنفاز ما يملك البشر ~~عند الأهوال والمخاوف وعن ابن عباس انقلبت ثعبانا ذكرا يبتلع الصخر ~~والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خاف ونفر. وعن بعضهم إنما خافها ms1192 لأنه عرف ~~ما لقي آدم منها. وقيل لما قال له ربه { لا تخف } بلغ من ذهاب خوفه ~~وطمأنينة نفسه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيها. { سيرتها } السيرة ~~من السير، كالركبة من الركوب. يقال سار فلان سيرة حسنة، ثم اتسع فيها ~~فنقلت إلى معنى المذهب والطريقة، وقيل سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على ~~الظرف، أي سنعيدها في طريقتها الأولى، أي في حال ما كانت عصا، وأن يكون ~~أعاد منقولا من «عاده» بمعنى عاد إليه. ومنه بيت زهير # وعادك أن تلاقيها عداء # فيتعدى إلى مفعولين. ووجه ثالث حسن وهو أن يكون { سنعيدها } ~~مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها، بمعنى أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا، ~~ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية، فسنعيدها بعد ذهابها كما أنشأناها أولا. ~~ونصب سيرتها بفعل مضمر، أي تسير سيرتها الأولى يعني سنعيدها سائرة سيرتها ~~الأولى حيث كنت تتوكأ عليها ولك فيها المآرب التي عرفتها. ### || [20.22-23] # قيل لكل ناحيتين جناحان، كجناحي العسكر لمجنبتيه، وجناحا الإنسان جنباه، ~~والأصل المستعار منه جناحا الطائر. سميا جناحين لأنه يجنحهما عند ~~الطيران. والمراد إلى جنبك تحت العضد، دل على ذلك قوله { تخرج } ~~السوء الرداءة والقبح في كل شيء، فكني به عن البرص كما كنى عن العورة ~~بالسوأة، وكان جذيمة صاحب الزباء أبرص فكنوا عنه بالأبرش. والبرص أبغض ~~شيء إلى العرب. وبهم عنه نفرة عظيمة، وأسماعهم لاسمه مجاجة، فكان جديرا ~~بأن يكنى عنه، ولا نرى أحسن ولا ألطف ولا أحز للمفاصل من كنايات القرآن ~~وآدابه. يروي أنه كان آدم فأخرج يده من مدرعته بيضاء لها شعاع كشعاع ~~الشمس يعشي البصر. { بيضآء } و { ءاية } حالان معا. و { من ~~غير سو ء } من صلة ل بيضاء، كما تقول ابيضت من غير سوء، وفي نصب { ~~ءاية } وجه آخر، وهو أن يكون بإضمار نحو خذ، ودونك، وما أشبه ذلك. حذف ~~لدلالة الكلام، وقد تعلق بهذا المحذوف { لنريك } أي خذ هذه الآية ~~أيضا بعد قلب العصا حية لنريك بهاتين الآيتين بعض آياتنا الكبرى. أو ~~لنريك بهما الكبرى من آياتنا. أو ms1193 لنريك من آياتنا الكبرى فعلنا ذلك. ### || [20.24-35] # لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي لعنه الله عرف أنه كلف أمرا عظيما ~~وخطبا جسيما يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر ~~فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره ويفسح قلبه، ويجعله حليما حمولا يستقبل ~~ما عسى يرد عليه من الشدائد التي يذهب معها صبر الصابر بجميل الصبر وحسن ~~الثبات، وأن يسهل عليه في الجملة أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما ~~يصحبها من مزاولة معاظم الشؤون ومقاساة جلائل الخطوب. فإن قلت { لى } في ~~قوله { اشرح لى صدرى ويسر لى أمرى 26 } ما جدواه ~~والكلام بدونه مستتب؟ قلت قد أبهم الكلام أولا فقيل اشرح لي ويسر لي، ~~فعلم أن ثم مشروحا وميسرا، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما، فكان آكد لطلب ~~الشرح والتيسير لصدره وأمره، من أن يقول اشرح صدري ويسر أمري على الإيضاح ~~الساذج، لأنه تكرير للمعنى الواحد من طريقي الإجمال والتفصيل. عن ابن ~~عباس كان في لسانه رتة لما روي من حديث الجمرة ويروي أن يده احترقت، وأن ~~فرعون اجتهد في علاجها فلم تبرأ، ولما دعاه قال إلى أي رب تدعوني؟ قال ~~إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنها. وعن بعضهم إنما لم تبرأ يده لئلا ~~يدخلها مع فرعون في قصعة واحدة فتنعقد بينهما حرمة المواكلة. واختلف في ~~زوال العقدة بكمالها فقيل ذهب بعضها وبقي بعضها، لقوله تعالى # وأخى هرون هو أفصح منى لسانا # القصص 34 وقوله تعالى # ولا يكاد يبين # الزخرف 52 وكان في لسان الحسين بن علي رضي الله عنهما رتة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 685 # " ورثها من عمه موسى " # وقيل زالت بكمالها لقوله تعالى # قد أوتيت سؤلك يموسى # طه 36 وفي تنكير العقدة - وإن لم يقل عقدة لساني - أنه طلب حل بعضها ~~إرادة أن يفهم عنه فهما جيدا، ولم يطلب الفصاحة الكاملة، و { من ~~لسانى } صفة للعقدة كأنه قيل عقدة من عقد لساني. { واجعل لي وزيرا ~~من أهلي هارون أخي } الوزير ms1194 من الوزر، لأنه يتجمل عن الملك أوزاره ومؤنه. ~~أو من الوزر، لأن الملك يعتصم برأيه ويلجيء إليه في أموره. أو من ~~المؤازرة وهي المعاونة. عن الأصمعي قال وكان القياس أزيرا، فقلبت الهمزة ~~إلى الواو، ووجه قلبها أن فعيلا جاء في معنى مفاعل مجيئا صالحا، ~~كقولهم عشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم، فلما قلبت في أخيه قلبت فيه ~~وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز، ونظرا إلى يوازر وأخواته، وإلى ~~الموازرة. { وزيرا } و { هرون } مفعولا قوله { واجعل } قدم ~~ثانيهما على أولهما عناية بأمر الوزارة. أو { لى وزيرا } مفعولاه، ~~وهرون عطف بيان للوزير. # و { أخى } في الوجهين بدل من هرون، وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن. ~~قرؤوا جميعا { اشدد } { وأشركه } على الدعاء. وابن عامر وحده ~~«اشدد» و«أشركه» على الجواب. وفي مصحف ابن مسعود «أخي واشدد» وعن أبي ~~بن كعب «أشركه في أمري واشدد به أزري» ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر أن ~~يجعل { أخى } مرفوعا على الابتداء و { اشدد به } خبره، ويوقف على ~~{ هرون } الأزر القوة. وأزره قواه، أي اجعله شريكي في الرسالة حتى ~~نتعاون على عبادتك وذكرك، فإن التعاون - لأنه مهيج الرغبات - يتزايد به ~~الخير ويتكاثر { إنك كنت بنا بصيرا 35 } أي عالما بأحوالنا ~~وبأن التعاضد مما يصلحنا، وأن هرون نعم المعين والشاد لعضدي، بأنه أكبر ~~مني سنا وأفصح لسانا. ### || [20.36] # السؤل الطلبة، فعل بمعنى مفعول، كقولك خبز، بمعنى مخبوز. وأكل، بمعنى ~~مأكول. ### || [20.37-39] # الوحي إلى أم موسى إما أن يكون على لسان نبي في وقتها، كقوله تعالى # وإذ أوحيت إلى الحواريين # المائدة 111 أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة، كما بعث إلى مريم. ~~أو يريها ذلك في المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله تعالى # وأوحى ربك إلى النحل # النحل 68 أي أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ولا إلى العلم ~~به إلا بالوحي، وفيه مصلحة دينية فوجب أن يوحي ولا يخل به، أي هو مما ~~يوحى لا محالة وهو أمر عظيم، مثله يحق بأن يوحي { أن ms1195 } هي المفسرة لأن ~~الوحي بمعنى القول. القذف مستعمل في معنى الإلقاء والوضع. ومنه قوله ~~تعالى # وقذف فى قلوبهم الرعب # الأحزاب 26 وكذلك الرمي قال # غلام رماه الله بالحسن يافعا # أي حصل فيه الحسن ووضعه فيه، والضمائر كلها راجعة إلى موسى. ورجوع بعضها ~~إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة، لما يؤدي إليه من تنافر النظم. فإن ~~قلت المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل. قلت ما ضرك ~~لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت؟ حتى لا تفرق الضمائر ~~فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه ~~التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. لما كانت مشيئة الله تعالى ~~وإرادته أن لا تخطيء جرية ماء اليم الوصول به إلى الساحل وألقاه إليه، ~~سلك في ذلك سبيل المجاز، وجعل اليم كأنه ذو تمييز، أمر بذلك ليطيع الأمر ~~ويمتثل رسمه، فقيل { فليلقه اليم بالساحل } روي أنها جعلت ~~في التابوت قطنا محلوجا، فوضعته فيه وجصصته وقيرته، ثم ألقته في اليم ~~وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر كبير، فبينا هو جالس على رأس بركة مع ~~آسية إذا بالتابوت، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا صبي أصبح الناس وجها، ~~فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه. وظاهر اللفظ على ~~أن البحر ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله أي يقشره وقذف به ثمة ~~فالتقط من الساحل، إلا أن يكون قد ألقاه اليم بموضع من الساحل فيه فوهة ~~نهر فرعون، ثم أداه النهر إلى حيث البركة وألقيت عليك محبة مني { ~~منى } لا يخلو إما أن يتعلق بألقيت، فيكون المعنى على أني أحببتك ومن ~~أحبه الله أحبته القلوب. وإما أن يتعلق بمحذوف هو صفة لمحبة، أي محبة ~~حاصلة أو واقعة مني، قد ركزتها أنا في القلوب وزرعتها فيها، فلذلك أحبك ~~فرعون وكل من أبصرك. روي أنه كانت على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، ~~لا يكاد يصبر عنه من رآه { ولتصنع على عينى } لتربى ويحسن ~~إليك وأنا مراعيك ms1196 وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، ~~وتقول للصانع اصنع هذا على عيني أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادي ~~وبغيتي. ولتصنع معطوف على علة مضمرة، مثل ليتعطف عليك وترأم ونحوه. أو ~~حذف معلله، أي ولتصنع فعلت ذلك. وقريء «ولتصنع» و لتصنع، بكسر اللام ~~وسكونها. والجزم على أنه أمر وقرىء «ولتصنع» بفتح التاء والنصب، أي ~~وليكون عملك وتصرفك على عين مني. ### || [20.40-41] # العامل في { إذ تمشى } ألقيت أو لتصنع ويجوز أن يكون بدلا من { ~~إذ أوحينآ } فإن قلت كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ ~~قلت كما يصح - وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه - أن يقول لك الرجل لقيت ~~فلانا سنة كذا، فتقول وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت ~~في آخرها. يروى أن أخته واسمها مريم جاءت متعرفة خبره، فصادفتهم يطلبون ~~له مرضعة يقبل ثديها، وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة فقالت هل أدلكم؟ ~~فجاءت بالأم فقبل ثديها. ويروى أن آسية استوهبته من فرعون وتبنته، وهي ~~التي أشفقت عليه وطلبت له المراضع. { وقتلت نفسا } هي نفس القبطي ~~الذي استغاثه عليه الإسرائيلي. قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة اغتم بسبب ~~القتل خوفا من عقاب الله ومن اقتصاص فرعون، فغفر الله له باستغفاره حين ~~قال # رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى # القصص 16 ونجاه من فرعون أن ينشب فيه أظفاره حين هاجر به إلى مدين { ~~فتونا } يجوز أن يكون مصدرا على فعول في المتعدي، كالثبور والشكور ~~والكفور. وجمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، ~~في حجزة وبدرة أي فتناك ضروبا من الفتن. سأل سعيد بن جبير بن عباس رضي ~~الله عنه، فقال خلصناك من محنة بعد محنة ولد في عام كان يقتل فيه ~~الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير. وألقته أمه في البحر. وهم فرعون ~~بقتله. وقتل قبطيا وأجر نفسه عشر سنين. وضل الطريق وتفرقت غنمه في ~~ليلة مظلمة، وكان يقول عند كل واحدة فهذه فتنة يا ابن جبير، والفتنة ~~المحنة، وكل ما ms1197 يشق على الإنسان وكل ما يبتلي الله به عباده فتنة قال # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # الأنبياء 35. { مدين } على ثماني مراحل من مصر. وعن وهب أنه لبث عند ~~شعيب ثمانيا وعشرين سنة، منها مهر ابنته، وقضى أوفى الأجلين { ثم ~~جئت على قدر ي موسى } أي سبق في قضائي وقدري أن أكلمك ~~وأستنبئك وفي وقت بعينه قد وقته لذلك، فما جئت إلا على ذلك القدر غير ~~مستقدم ولا مستأخر. وقيل على مقدار من الزمان يوحي فيه إلى الأنبياء، وهو ~~رأس أربعين سنة { واصطنعتك لنفسى }. هذا تمثيل لما خوله من ~~منزلة التقريب والتكريم والتكليم. مثل حاله بحال من يراه بعض الملوك ~~لجوامع خصال فيه وخصائص، أهلا لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه، ولا ~~ألطف محلا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، ولا يبصر ولا ~~يسمع إلا بعينه وأذنه، ولا يأتمن على مكنون سره إلا سواء ضميره. ### || [20.42-44] # الونى. الفتور والتقصير. وقرىء «تنيا» بكسر حرف المضارعة للإتباع، أي لا ~~تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما تقلبتما، واتخذا ذكري جناحا ~~تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد مني، معتقدين أن أمرا من الأمور ~~لا يتمشى لأحد إلا بذكري. ويجوز أن يريد بالذكر تبليغ الرسالة، فإن الذكر ~~يقع على سائر العبادات، وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها، فكان جديرا ~~بأن يطلق عليه اسم الذكر. روي أن الله تعالى أوحى إلى هرون وهو بمصر أن ~~يتلقى موسى. وقيل سمع بمقبله. وقيل ألهم ذلك. قرىء «لينا» بالتخفيف ~~والقول اللين. نحو قوله تعالى # هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى # النازعات 18 لأن ظاهره الاستفهام والمشورة، وعرض ما فيه من الفوز ~~العظيم. وقيل عداه شبابا لا يهرم بعده، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، ~~وأن تبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته. وقيل لا تجبهاه ~~بما يكره، وألطفا له في القول، لما له من حق تربية موسىعليه الصلاة ~~والسلام، ولما ثبت له من مثل حق الأبوة. وقيل كنياه وهو من ذوي الكنى ~~الثلاث أبو العباس، وأبو ms1198 الوليد، وأبو مرة والترجي لهما، أي اذهبا على ~~رجائكما وطمعكما، وباشرا الأمر مباشرة من يرجو ويطمع أن يثمر عمله ولا ~~يخيب سعيه. فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد بأقصى وسعه. وجدوى إرسالهما إليه مع ~~العلم بأن لن يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة # ولو أنآ أهلكنهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولآ أرسلت إلينا رسولا فنتبع ءايتك # طه 134 أي يتذكر ويتأمل فيبذل النصفة من نفسه والإذعان للحق { أو ~~يخشى } أن يكون الأمر كما تصفان، فيجره إنكاره إلى الهلكة. ### || [20.45] # فرط سبق وتقدم. ومنه الفارط الذي يتقدم الواردة. وفرس فرط يسبق الخيل، ~~أي نخاف أن يعجل علينا بالعقوبة ويبادرنا بها. وقرىء «يفرط» من أفرطه ~~غيره إذا حمله على العجلة. خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعقاب من ~~شيطان، أو من جبروته واستكباره وادعائه بالربوبية. أو من حبه الرياسة، ~~أو من قومه القبط المتمردين الذين حكى عنهم رب العزة # قال الملا من قومه # الأعراف 60 # قال الملأ من قومه # المؤمنون 33 وقرىء «يفرط» من الإفراط في الأذية، أي نخاف أن يحول بيننا ~~وبين تبليغ الرسالة بالمعاجلة. أو يجاوز الحد في معاقبتنا إن لم يعاجل، ~~بناء على ما عرفا وجربا من شرارته وعتوه { أو أن يطغى } بالتخطي ~~إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي، لجرأته عليك وقسوة قلبه. وفي المجيء به ~~هكذا على الإطلاق وعلى سبيل الرمز باب من حسن الأدب وتحاش عن التفوه ~~بالعظيمة. ### || [20.46-48] # { معكما } أي حافظكما وناصركما { أسمع وأرى } ما يجري ~~بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل ما يوجبه حفظي ونصرتي لكما، فجائز أن ~~يقدر أقوالكم وأفعالكم، وجائز أن لا يقدر شيء، وكأنه قيل أنا حافظ لكما ~~وناصر سامع مبصر. وإذا كان الحافظ والناصر كذلك، تم الحفظ وصحت النصرة، ~~وذهبت المبالاة بالعدو. كانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون والقبط، ~~يعذبونهم بتكليف الأعمال الصعبة من الحفر والبناء ونقل الحجارة، والسخرة ~~في كل شيء، مع قتل الولدان، واستخدام النساء { قد جئنك ~~بئاية من ربك } جملة جارية من الجملة الأولى وهي { إنا ~~رسولا ربك } مجرى ms1199 البيان والتفسير، لأن دعوى الرسالة لاتثبت إلا ~~ببينتها التي هي المجيء بالآية، إنما وحد قوله { بآية } ولم يثن ومعه ~~آيتان لأن المراد في هذا الموضع تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قال قد ~~جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة، وكذلك # قد جئتكم ببينة من ربكم # الأعراف 105، # فأت بآية إن كنت من الصادقين # الشعراء 154، # أو لو جئتك بشىء مبين # الشعراء 30 والسلام على من أتبع الهدى يريد وسلام الملائكة الذين هم ~~خزنة الجنة على المهتدين، وتوبيخ خزنة النار والعذاب على المكذبين. ### || [20.49-50] # خاطب الاثنين، ووجه النداء إلى أحدهما وهو موسى لأنه الأصل في النبوة، ~~وهرون وزيره وتابعه. ويحتمل أن يحمله خبثه ودعارته على استدعاء كلام ~~موسى دون كلام أخيه. لما عرف من فصاحة هرون والرتة في لسان موسى. ويدل ~~عليه قوله # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # الزخرف 52 { خلقه } أول مفعولي أعطى، أي أعطى خليقته كل شيء يحتاجون ~~إليه ويرتفقون به. أو ثانيهما، أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق ~~المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن ~~الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك الأنف واليد والرجل واللسان كل واحد ~~منها مطابق لما علق به من المنفعة، غير ناب عنه. أو أعطى كل حيوان نظيره ~~في الخلق والصورة، حيث جعل الحصان والحجر. زوجين، والبعير والناقة، ~~والرجل والمرأة، فلم يزاوج منها شيئا غير جنسه وما هو على خلاف خلقه. ~~وقرىء «خلقه» صفة للمضاف أو للمضاف إليه، أي كل شيء خلقه الله لم ~~يخله من عطائه وإنعامه { ثم هدى } أي عرف كيف يرتفق بما أعطى، وكيف ~~يتوصل إليه. ولله در هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه، وما أبينه لمن ألقى ~~الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالبا للحق. ### || [20.51-54] # سأله عن حال من تقدم وخلا من القرون، وعن شقاء من شقي منهم وسعادة من ~~سعد، فأجابه بأن هذا سؤال عن الغيب، وقد استأثر الله به لا يعلمه إلا ~~هو، وما أنا إلا عبد مثلك ms1200 لا أعلم منه إلا ما أخبرني به علام الغيوب، ~~وعلم أحوال القرون مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ، لا يجوز على الله أن ~~يخطيء شيئا أو ينساه. يقال ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له، ~~كقولك ضللت الطريق والمنزل. وقرىء «يضل» من أضله إذا ضيعه. وعن ابن عباس ~~لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا يترك من وحده حتى يجازيه. ويجوز أن ~~يكون فرعون قد نازعه في إحاطة الله بكل شيء وتبينه لكل معلوم، فتعنت، ~~وقال ما تقول في سوالف القرون، وتمادي كثرتهم، وتباعد أطراف عددهم، كيف ~~أحاط بهم وبأجزائهم وجواهرهم؟ فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه، وهو مثبت ~~عنده في كتاب، ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان، كما يجوزان عليك أيها العبد ~~الذليل والبشر الضئيل، أي لا يضل كما تضل أنت، ولا ينسى كما تنسى يا ~~مدعي الربوبية بالجهل والوقاحة { الذى جعل } مرفوع صفة لربي. أو ~~خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح، وهذا من مظانه ومجازه { مهدا } ~~قراءة أهل الكوفة، أي مهدها مهدا. أو يتمهدونها فهي لهم كالمهد وهو ما ~~يمهد للصبي { وسلك } من قوله تعالى # ما سلككم فى سقر # المدثر 42، # سلكناه # الشعراء 200، # نسلكه فى قلوب المجرمين # الحجر 12 أي حصل لكم فيها سبلا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري { ~~فأخرجنا } انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع، لما ~~ذكرت من الافتنان والإيذان بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره، ~~وتذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، لا يمتنع شيء عن إرادته. ومثله قوله ~~تعالى # وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات ~~كل شىء # الأنعام 99، # ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها # فاطر 27، # أمن خلق السموت والارض وأنزل لكم من ~~السماء مآء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة # النمل 60 وفيه تخصيص أيضا بأنا نحن نقدر على مثل هذا، ولا يدخل تحت ~~قدرة أحد { أزوجا } أصنافا، سميت بذلك لأنها مزدوجة ومقترنة بعضها ~~مع بعض { شتى } صفة للأزواج، جمع شتيت، كمريض ms1201 ومرضى. ويجوز أن يكون ~~صفة للنبات. والنبات مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت، فاستوى فيه ~~الواحد والجمع، يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة ~~والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. قالوا من نعمته عز وعلا أن ~~أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام. وقد جعل الله علفها مما يفضل عن ~~حاجتهم ولا يقدرون على أكله، أي قائلين { كلوا وارعوا } حال من ~~الضمير في { فأخرجنا } المعنى أخرجنا أصناف النبات آذنين في ~~الانتفاع بها، مبيحين أن تأكلوا بعضها وتعلفوا بعضها. ### || [20.55] # أراد بخلقهم من الأرض خلق أصلهم هو آدم عليه السلام منها. وقيل إن ~~الملك لينطلق فيأخذ من تربة المكان الذي يدفن فيه فيبددها على النطفة ~~فيخلق من التراب والنطفة معا. وأراد بإخراجهم منها أنه يؤلف أجزاءهم ~~المتفرقة المختلطة بالتراب، ويردهم كما كانوا أحياء، ويخرجهم إلى المحشر # يوم يخرجون من الأجداث سراعا # المعارج 43 عدد الله عليهم ما علق بالأرض من مرافقهم، حيث جعلها لهم ~~فراشا ومهادا يتقبلون عليها، وسوى لهم فيها مسالك يترددون فيها كيف ~~شاؤوا، وأنبت فيها أصناف النبات التي منها أقواتهم وعلوفات بهائمهم، وهي ~~أصلهم الذي منه تفرعوا، وأمهم التي منها ولدوا، ثم هي كفاتهم إذا ماتوا ~~ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 686 # " تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة ". ### || [20.56] # { أرينه } بصرناه أو عرفناه صحتها ويقناه بها. وإنما كذب لظلمه، ~~كقوله تعالى # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا # النمل 14 وقوله تعالى # لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموت ~~والأرض بصائر # الإسراء 102 وفي قوله تعالى { كلها فكذب } وجهان، أحدهما أن ~~يحذي بهذا التعريف الإضافي حذو التعريف باللام لو قيل الآيات كلها، أعني ~~أنها كانت لا تعطي إلا تعريف العهد، والإشارة إلى الآيات المعلومة التي ~~هي تسع الآيات المختصة بموسى عليه السلام العصا، واليد، وفلق البحر، ~~والحجر، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل. والثاني أن يكون ~~موسى قد أراه آياته وعدد عليه ما أوتيه غيره من الأنبياء من آياتهم ~~ومعجزاتهم، وهو نبي صادق لا ms1202 فرق بين ما يخبر عنه وبين ما يشاهد به، ~~فكذبها جميعا { وأبى } أن يقبل شيئا منها. وقيل فكذب الآيات وأبى ~~قبول الحق. ### || [20.57] # يلوح من جيب قوله { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~بسحرك } أن فرائصه كانت ترعد خوفا مما جاء به موسى عليه السلام، ~~لعلمه وإيقانه أنه على الحق، وأن المحق لو أراد قود الجبال لانقادت وأن ~~مثله لا يخذل ولا يقل ناصره، وأنه غالبه على ملكه لا محالة. وقوله { ~~بسحرك } تعلل وتحير وإلا فكيف يخفى عليه أن ساحرا لا يقدر أن يخرج ~~ملكا مثله من أرضه ويغلبه على ملكه بالسحر؟. ### || [20.58-60] # لا يخلو الموعد في قوله { فاجعل بيننا وبينك موعدا } ~~من أن يجعل زمانا أو مكانا أو مصدرا. فإن جعلته زمانا نظرا في أن ~~قوله تعالى { موعدكم يوم الزينة } مطابق له، لزمك شيئان أن ~~تجعل الزمان مخلفا، وأن يعضل عليك ناصب مكانا وإن جعلته مكانا لقوله ~~تعالى { مكانا سوى } لزمك. أيضا أن توقع الإخلاف على المكان، وأن ~~لا يطابق قوله { موعدكم يوم الزينة } وقراءة الحسن غير ~~مطابقة له مكانا وزمانا جميعا، لأنه قرأ { يوم الزينة } بالنصب، ~~فبقي أن يجعل مصدرا بمعنى الوعد، ويقدر مضاف محذوف، أي مكان موعد، ويجعل ~~الضمير في { نخلفه } للموعد و { مكانا } بدل من المكان المحذوف. ~~فإن قلت فكيف طابقه قوله { موعدكم يوم الزينة } ولا بد من أن ~~تجعله زمانا، والسؤال واقع عن المكان لاعن الزمان؟ قلت هو مطابق معنى ~~وإن لم يطابق لفظا، لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان ~~بعينه، مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم، فبذكر الزمان علم المكان. وأما ~~قراءة الحسن فالموعد فيها مصدر لا غير. والمعنى إنجاز وعدكم يوم الزينة. ~~وطباق هذا أيضا من طريق المعنى. ويجوز أن لا يقدر مضاف محذوف، ويكون ~~المعنى اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه. فإن قلت فيم ينتصب مكانا؟ قلت ~~بالمصدر. أو بفعل يدل عليه المصدر. فإن قلت فكيف يطابقه الجواب؟ قلت أما ~~على قراءة الحسن فظاهر. وأما على قراءة العامة فعلى ms1203 تقدير وعدكم وعد يوم ~~الزينة. ويجوز على قراءة الحسن أن يكون «موعدكم» مبتدأ، بمعنى الوقت. و { ~~ضحى } خبره، على نية التعريف فيه لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه. وقيل في ~~يوم الزينة يوم عاشوراء، ويوم النيروز، ويوم عيد كان لهم في كل عام، ~~ويوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم. قرىء «نخلفه» بالرفع ~~على الوصف للموعد. وبالجزم على جواب الأمر. وقرىء «سوى» وسوى، بالكسر ~~والضم، ومنونا وغير منون. ومعناه منصفا بيننا وبينك عن مجاهد، وهو من ~~الاستواء لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية لا تفاوت فيها. ومن ~~لم ينون فوجهه أن يجري الوصل مجرى الوقف. قرىء «وأن تحشر الناس» بالتاء ~~والياء. يريد وأن تحشر يا فرعون. وأن يحشر اليوم. ويجوز أن يكون فيه ضمير ~~فرعون ذكره بلفظ الغيبة إما على العادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب ~~القوم بقوله { موعدكم } وجعل { يحشر } لفرعون. ومحل { وأن ~~يحشر } الرفع أو الجر، عطفا على اليوم أو الزينة وإنما واعدهم ذلك ~~اليوم ليكون علو كلمة الله وظهور دينه وكبت الكافر، وزهوق الباطل على ~~رؤوس الأشهاد وفي المجمع الغاص لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكل ~~حد المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر، ~~ويشيع في جميع أهل الوبر والمدر. ### || [20.61] # { لا تفتروا على الله كذبا } أي لا تدعو آياته ومعجزاته ~~سحرا قرىء فيسحتكم والسحت لغة أهل الحجاز. والإسحات لغة أهل نجد ~~وبني تميم. ومنه قول الفرزدق # ...... إلا مسحتا أو مجلف # في بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. ### || [20.62-64] # عن ابن عباس إن نجواهم إن غلبنا موسى اتبعناه. وعن قتادة إن كان ساحرا ~~فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر. وعن وهب لما قال { ويلكم } ~~الآية قالوا ما هذا بقول ساحر. والظاهر أنهم تشاوروا في السر وتجاذبوا ~~أهداب القول، ثم قالوا إن هذان لساحران. فكانت نجواهم في تلفيق هذا ~~الكلام وتزويره، خوفا من غلبتهما، وتثبيطا للناس عن اتباعهما. قرأ أبو ~~عمرو «إن هذين لساحران» على الجهة الظاهرة ms1204 المكشوفة. وابن كثير وحفص «إن ~~هذان لساحران» على قولك إن زيد لمنطلق. واللام هي الفارقة بين إن ~~النافية والمخففة من الثقيلة. وقرأ أبي «إن ذان إلا ساحران» وقرأ ابن ~~مسعود «أن هذان ساحران» بفتح أن وبغير لام، بدل من النجوى. وقيل في ~~القراءة المشهورة { إن هذن لساحرن } هي لغة بلحرث بن كعب، ~~جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف، كعصا وسعدى، فلم يقلبوها ~~ياء في الجر والنصب. وقال بعضهم { إن } بمعنى نعم. و { لس حر ن ~~} خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة تقديره لهما ساحران. وقد ~~أعجب به أبو إسحاق سموا مذهبهم الطريقة { المثلى } والسنة الفضلى، ~~وكل حزب بما لديهم فرحون. وقيل أرادوا أهل طريقتهم المثلى، وهم بنو ~~إسرائيل، لقول موسى { فأرسل معنا بنى إسر ءيل } وقيل ~~«الطريقة» اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم. يقال هم طريقة ~~قومهم. ويقال للواحد أيضا هو طريقة قومه { فأجمعوا كيدكم } ~~يعضده قوله فجمع كيده وقرىء { فأجمعوا كيدكم } أي أزمعوه ~~واجعلوه مجمعا عليه، حتى لا تختلفوا ولا يخلف عنه واحد منكم، كالمسألة ~~المجمع عليها. أمروا بأن يأتوا صفا لأنه أهيب في صدور الرائين. وروي ~~أنهم كانوا سبعين ألفا مع كل واحد منهم حبل وعصا وقد أقبلوا إقبالة ~~واحدة. وعن أبي عبيدة أنه فسر الصف بالمصلى، لأن الناس يجتمعون فيه ~~لعيدهم وصلاتهم مصطفين. ووجه صحته أن يقع علما لمصلى بعينه، فأمروا بأن ~~يأتوه أو يراد. ائتوا مصلى من المصليات { وقد أفلح اليوم من ~~استعلى } اعتراض. يعني وقد فاز من غلب. ### || [20.65-66] # { أن } مع ما بعده إما منصوب بفعل مضمر. أو مرفوع بأنه خبر مبتدإ ~~محذوف. معناه اختر أحد الأمرين أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا. وهذا التخيير ~~منهم استعمال أدب حسن معه، وتواضع له وخفض جناح، وتنبيه على إعطائهم ~~النصفة من أنفسهم، وكأن الله عز وعلا ألهمهم ذلك، وعلم موسى صلوات الله ~~عليه اختيار إلقائهم أولا، مع ما فيه من مقابلة أدب بأدب، حتى يبرزوا ما ~~معهم من مكايد السحر. ويستنفدوا أقصى طوقهم، ms1205 ومجهودهم، فإذا فعلوا أظهر ~~الله سلطانه وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلط المعجزة على السحر ~~فمحقته، وكانت آية نيرة للناظرين، وعبرة بينة للمعتبرين. يقال في { إذا ~~} هذه إذا المفاجأة والتحقيق فيها أنها إذا الكائنة بمعنى الوقت، الطالبة ~~ناصبا لها وجملة تضاف إليها، خصت في بعض المواضع بأن يكون ناصبها فعلا ~~مخصوصا وهو فعل المفاجأة والجملة ابتدائية لا غير، فتقدير قوله تعالى { ~~فإذا حبالهم وعصيهم } ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم ~~وعصيهم. وهذا تمثيل. والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلة إليه ~~السعي. وقرىء «عصيهم» بالضم وهو الأصل بالكسر إتباع ونحوه دلي ودلي، ~~وقسي وقسي وقرىء«تخيل» على إسناده إلى ضمير الحبال والعصي وإبدال ~~قوله { أنها تسعى } من الضمير بدل الاشتمال، كقولك أعجبني زيد ~~كرمه، وتخيل على كون الحبال والعصي مخيلة سعيها. وتخيل. بمعنى تتخيل. ~~وطريقه طريق تخيل. ونخيل على أن الله تعالى هو المخيل للمحنة والابتلاء. ~~يروى أنهم لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت. فخيلت ~~ذلك. ### || [20.67-69] # إيجاس الخوف إضمار شيء منه، وكذلك توجس الصوت تسمع نبأة يسيرة منه، وكان ~~ذلك لطبع الجبلة البشرية، وأنه لا يكاد يمكن الخلو من مثله. وقيل خاف أن ~~يخالج الناس شك فلا يتبعوه { إنك أنت الأعلى } فيه تقرير ~~لغلبته وقهره، وتوكيد بالاستئناف وبكلمة التشديد وبتكرير الضمير وبلام ~~التعريف وبلفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة وبالتفضيل. وقوله { ما فى ~~يمينك } ولم يقل عصاك جائز أن يكون تصغيرا لها، أي لا تبال بكثرة ~~حبالهم وعصيهم، وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك، فإنه ~~بقدرة الله يتلقفها على وحدته وكثرتها، وصغره وعظمها، وجائز أن يكون ~~تعظيما لها أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة، فإن في يمينك ~~شيئاأعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عنده، فألقه ~~يتلقفها بإذن الله ويمحقها. وقرىء { تلقف } بالرفع على الاستئناف أو ~~على الحال، أي ألقها متلقفة وقرىء «تلقف» بالتخفيف. { صنعوا } ههنا ~~بمعنى زوروا وافتعلوا كقوله تعالى # تلقف ما يأفكون # الأعراف 117 قرىء { كيد ساحر } بالرفع والنصب. فمن رفع فعلى أن ms1206 ~~ما موصولة. ومن نصب فعلى أنها كافة. وقرىء «كيد سحر» بمعنى ذي سحر، أو ~~ذوي سحر. أو هم لتوغلهم في سحرهم كأنهم السحر بعينه وبذاته. أو بين ~~الكيد، لأنه يكون سحرا وغير سحر، كما تبين المائة بدرهم. ونحوه علم فقه، ~~وعلم نحو. فإن قلت لم وحد ساحر ولم يجمع؟ قلت لأن القصد في هذا الكلام ~~إلى معنى الجنسية، لا إلى معنى العدد، فلو جمع، لخيل أن المقصود هو ~~العدد. ألا ترى إلى قوله { ولا يفلح الساحر } أي هذا الجنس. ~~فإن قلت فلم نكر أولا وعرف ثانيا؟ قلت إنما نكر من أجل تنكير المضاف، ~~لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجاج # في سعي دنيا طالما قد مدت # وفي حديث عمر رضي الله عنه لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة المراد تنكير ~~الأمر، كأنه قيل إن ما صنعوا كيد سحري. وفي سعي دنيوي. وأمر دنيوي وأخروي ~~{ حيث أتى } كقولهم حيث سير، وأية سلك، وأينما كان. ### || [20.70] # سبحان الله ما أعجب أمرهم. قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود ثم ~~ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين وروي ~~أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأو الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها. وعن عكرمة ~~لما خروا سجدا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في ~~الجنة. ### || [20.71] # { لكبيركم } لعظيمكم، يريد أنه أسحرهم وأعلاهم درجة في صناعتهم. ~~أو لمعلمكم، من قول أهل مكة للمعلم أمرني كبيري، وقال لي كبيري كذا ~~يريدون معلمهم وأستاذهم في القرآن وفي كل شيء. قرىء «فلأقطعن» «ولأصلبن» ~~بالتخفيف والقطع من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لأن كل واحد ~~من العضوين خالف الآخر، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال. و«من» ~~لابتداء الغاية لأن القطع مبتدأ وناشيء من مخالفة العضو العضو، لا من ~~وفاقه إياه. ومحل الجار والمجرور النصب على الحال، أي لأقطعنها مختلفات ~~لأنها إذا خالف بعضها بعضا فقد اتصفت بالاختلاف. شبه تمكن المصلوب في ~~الجذع بتمكن الشيء الموعى في وعائه، فلذلك ms1207 قيل { فى جذوع النخل ~~}. { أينآ } يريد نفسه لعنه الله وموسى صلوات الله عليه بدليل قوله { ~~ءامنتم له } واللام مع الإيمان في كتاب الله لغير الله تعالى، ~~كقوله تعالى # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين # التوبة 61 وفيه نفاجة باقتداره وقهره، وما ألفه وضرى به من تعذيب الناس ~~بأنواع العذاب. وتوضيع لموسى عليه السلام، واستضعاف له مع الهزء به لأن ~~موسى لم يكن قط من التعذيب في شيء. ### || [20.72-76] # { والذى فطرنا } عطف على ما جاءنا أو قسم. قرىء { تقضى ~~هذه الحيوة الدنيآ } ووجهها أن الحياة في القراءة المشهورة ~~منتصبة على الظرف، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به، كقولك في ~~«صمت يوم الجمعة» «صيم يوم الجمعة» وروي أن السحرة - يعني رؤوسهم - كانوا ~~اثنين وسبعين الاثنان من القبط، والسائر من بني إسرائيل، وكان فرعون ~~أكرههم على تعلم السحر. وروي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائما ففعل، ~~فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا ما هذا بسحر الساحر لأن الساحر إذا نام بطل ~~سحره، فأبى إلا أن يعارضوه { تزكى } تطهر من أدناس الذنوب. وعن ابن ~~عباس قال لا إله إلا الله. قيل في هذه الآيات الثلاث هي حكاية قولهم. ~~وقيل خبر من الله لا على وجه الحكاية. ### || [20.77-79] # { فاضرب لهم طريقا } فاجعل لهم، من قولهم ضرب له في ماله ~~سهما. وضرب اللبن عمله. اليبس مصدر وصف به. يقال يبس يبسا ويبسا ~~ونحوهما العدم والعدم. ومن ثم وصف به المؤنث فقيل شاتنا يبس، وناقتنا يبس ~~إذا جف لبنها. وقرىء «يبسا» و«يابسا» ولا يخلو اليبس من أن يكون مخففا ~~عن اليبس. أو صفة على فعل. أو جمع يابس، كصاحب وصحب، وصف به الواحد ~~تأكيدا، كقوله # ...... ومعى جياعا # جعله لفرط جوعه كجماعة جياع { لا تخافآ } حال من الضمير في فاضرب ~~وقرىء «لا تخف» على الجواب. وقرأ أبو حيوة «دركا» بالسكون. والدرك ~~والدرك اسمان من الإدراك، أي لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك. في { ~~ولا تخشى } إذا قرىء «لا تخف» ثلاثة أوجه أن يستأنف، كأنه قيل وأنت ~~لا تخشى، أي ومن شأنك ms1208 أنك آمن لا تخشى، وأن لا تكون الألف المنقلبة عن ~~الياء هي لام الفعل ولكن زائدة للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله # فأضلونا السبيلا # الأحزاب67، # وتظنون بالله الظنونا # الأحزاب 10 وأن يكون مثله قوله # كأن لم ترى قبلي أسيرا يما نيا # { ما غشيهم } من باب الاختصار. ومن جوامع الكلم التي تستقل مع ~~قلتها بالمعاني الكثيرة، أي غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله. وقرىء ~~«فغشاهم من اليم ما غشاهم» والتغشية التغطية. وفاعل غشاهم إما الله ~~سبحانه. أو ما غشاهم. أو فرعون لأنه الذي ورط جنوده وتسبب لهلاكهم. ~~وقوله { وما هدى } تهكم به في قوله # وما أهديكم إلا سبيل الرشاد # غافر 29. ### || [20.80-81] # { يبنى إسرءيل } خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك آل ~~فرعون، وقيل هو للذين كانوا منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الله عليهم بما فعل بآبائهم والوجه هو الأول، أي قلنا يا بني ~~إسرائيل، وحذف القول كثير في القرآن. وقرىء «أنجيتكم» إلى رزقتكم، وعلى ~~لفظ الوعد والمواعدة. وقرىء { الأيمن } بالجر على الجوار، نحو «جحر ~~ضب خرب». ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى صلوات ~~الله عليه من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة في الألواح. وإنما عدى ~~المواعدة إليهم لأنها لابستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، ~~وإليهم رجعت منافعها التي قام بها دينهم وشرعهم، وفيما أفاض عليهم من ~~سائر نعمه وأرزاقه ولا تطغوا فيه طغيانهم في النعمة أن يتعدوا حدود الله ~~فيها بأن يكفروها ويشغلهم اللهو والتنعم عن القيام بشكرها، وأن ينفقوها ~~في المعاصي وأن يزووا حقوق الفقراء فيها، وأن يسرفوا في إنفاقها وأن ~~يبطروا فيها ويأشروا ويتكبروا. قرىء { فيحل } وعن عبد الله «لا ~~يحلن» { ومن يحلل } المكسور في معنى الوجوب، من حل الدين يحل إذا ~~وجب أداؤه. ومنه قوله تعالى # حتى يبلغ الهدى محله # البقرة 196 والمضموم في معنى النزول. وغضب اللهعقوباته ولذلك وصف ~~بالنزول { هوى } هلك. وأصله أن يسقط من جبل فيهلك. قالت # هوى من رأس مرقبة ففتت تحتها كبده # ويقولون هوت ms1209 أمه. أو سقط سقوطا لا نهوض بعده. ### || [20.82] # الاهتداء هو الاستقامة والثبات على الهدى المذكور وهو التوبة والإيمان ~~والعمل الصالح، ونحوه قوله تعالى # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا # فصلت 30 وكلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين ~~الوقتين في «جاءني زيد ثم عمرو» أعني أن منزلة الاستقامة على الخير ~~مباينة لمنزلة الخير نفسه لأنها أعلى منها وأفضل. ### || [20.83-84] # { وما أعجلك } أي شيء عجل بك عنهم على سبيل الإنكار، وكان قد مضى ~~مع النقباء إلى الطور على الموعد المضروب. ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه ~~وتنجز ما وعد به، بناء على اجتهاده وظنه أن ذلك أقرب إلى رضا الله تعالى. ~~وزل عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظرا إلى دواعي الحكمة، وعلما ~~بالمصالح المتعلقة بكل وقت، فالمراد بالقوم النقباء. وليس لقول من جوز ~~أن يراد جميع قومه وأن يكون قد فارقهم قبل الميعاد وجه صحيح، يأباه قوله ~~{ هم أولاء على أثرى } وعن أبي عمرو ويعقوب «إثري» بالكسر وعن ~~عيسى بن عمر «أثرى» بالضم. وعنه أيضا «أولى» بالقصر. والإثر أفصح من ~~الأثر. وأما الأثر فمسموع في فرند السيف مدون في الأصول يقال إثر السيف ~~وأثره، وهو بمعنى الأثر غريب. فإن قلت { وما أعجلك } سؤال عن سبب ~~العجلة فكان الذي ينطبق عليه من الجواب أن يقال طلب زيادة رضاك أو الشوق ~~إلى كلامك وتنجز موعدك. وقوله { هم أولاء على أثرى } كما ترى ~~غير منطبق عليه. قلت قد تضمن ما واجهه به رب العزة شيئين، أحدهما إنكار ~~العجلة في نفسها. والثاني السؤال عن سبب المستنكر والحامل عليه، فكان ~~أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه، ~~فاعتل بأنه لم يوجد مني إلا تقدم يسير، مثله لا يعتد به في العادة ولا ~~يحتفل به. وليس بيني وبين من سبقته إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد ~~رأسهم ومقدمهم، ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال { وعجلت ~~إليك رب لترضى } ولقائل أن يقول حار لما ورد ms1210 عليه من التهيب ~~لعتاب الله، فأذهله ذلك عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام. ### || [20.85] # أراد بالقوم المفتونين الذي خلفهم مع هرون وكانوا ستمائة ألف مانجا من ~~عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا. فإن قلت في القصة أنهم أقاموا بعد ~~مفارقته عشرين ليلة، وحسبوها أربعين مع أيامها، وقالوا قد أكملنا العدة، ~~ثم كان أمر العجل بعد ذلك، فكيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى لموسى ~~عند مقدمه { فإنا قد فتنا قومك }؟ قلت قد أخبر الله تعالى ~~عن الفتنة المترقبة. بلفظ الموجودة الكائنة على عادته. أو افترص السامري ~~غيبته فعزم على إضلالهم غب انطلاقه، وأخذ في تدبير ذلك. فكان بدء ~~الفتنة موجودا. قرىء «وأضلهم السامري» أي هو أشدهم ضلالا ~~لأنه ضال مضل، وهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. ~~وقيل السامرة قوم من اليهود يخالفونهم في بعض دينهم وقيل كان من أهل ~~باجرما. وقيل كان علجا من كرمان. واسمه موسى بن ظفر، وكان منافقا قد ~~أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر. ### || [20.86-88] # الأسف الشديد الغضب. ومنه قوله عليهالصلاة و السلام في موت الفجأة. 686 # " رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر " # وقيل الحزين. فإن قلت متى رجع إلى قومه؟ قلت بعد ما استوفى الأربعين ذا ~~القعدة وعشر ذي الحجة. وعدهم الله سبحانه أن يعطيهم التوراة التي فيها ~~هدى ونور، ولا وعد أحسن من ذاك وأجمل، حكي لنا أنها كانت ألف سورة كل ~~سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملا { العهد } الزمان، يريد مدة ~~مفارقته لهم. يقال طال عهدي بك، أي طال زماني بسبب مفارقتك. وعدوه أن ~~يقيموا على أمره وما تركهم عليه من الإيمان، فأخلفوا موعده بعبادتهم ~~العجل { بملكنا } قرىء بالحركات الثلاث، أي ما أخلفنا موعدك بأن ~~ملكنا أمرنا، أي لو ملكنا أمرنا وخلينا وراءنا لما أخلفناه، ولكنا غلبنا ~~من جهة السامري وكيده. أي حملنا أحمالا من حلي القبط التي استعرناها ~~منهم. أو أرادوا بالأوزار أنها آثام وتبعات، لأنهم كانوا معهم في حكم ~~المستأمنين في دار الحرب. وليس ms1211 للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، على أن ~~الغنائم لم تكن تحل حينئذ { فقذفناها } في نار السامري، التي ~~أوقدها من الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي وقرىء «حملنا» { فكذلك ~~ألقى السامرى } أراهم أنه يلقي حليا في يده مثل ما ألقوا. ~~وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطيء حيزوم فرس جبريل. أوحى إليه وليه ~~الشيطان أنها إذا خالطت مواتا صار حيوانا { فأخرج لهم } السامري ~~من الحفرة عجلا خلقه الله من الحلي التي سبكتها النار يخور كما تخور ~~العجاجيل. فإن قلت كيف أثرت تلك التربة في إحياء الموات؟ قلت أما يصح أن ~~يؤثر الله سبحانه روح القدس بهده الكرامة الخاصة كما آثره بغيرها من ~~الكرامات. وهي أن يباشر فرسه بحافره تربة إذا لاقت تلك التربة جمادا ~~أنشأه الله إن شاء عند مباشرته حيوانا ألا ترى كيف أنشأ المسيح من غير ~~أب عند نفخه في الدرع. فإن قلت فلم خلق الله العجل من الحلي حتى صار ~~فتنة لبني إسرائيل وضلالا؟ قلت ليس بأول محنة محن الله بها عباده ليثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين. ومن عجب من خلق العجل، فليكن من خلق إبليس أعجب. والمراد بقوله ~~{ فإنا قد فتنا قومك } هو خلق العجل للامتحان، أي امتحناهم ~~بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال، وأوقعهم فيه حين قال لهم { ~~هذا إلهكم وإله موسى فنسى } أي فنسي موسى أن ~~يطلبه ههنا، وذهب يطلبه عند الطور. أو فنسي السامري أي ترك ما كان عليه ~~من الإيمان الظاهر. ### || [20.89-91] # { يرجع } من رفعه فعلى أن أن مخففة من الثقيلة ومن نصب فعلى أنها ~~الناصبة للأفعال { من قبل } من قبل أن يقول لهم السامري ما قال، ~~كأنهم أول ما وقعت عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتتنوا به ~~واستحسنوه، فقبل أن ينطق السامري بادرهم هرون عليه السلام بقوله { ~~إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن }. ### || [20.92-93] # لا مزيدة. والمعنى ما منعك أن تتبعني في الغضب لله وشدة الزجر عن الكفر ~~والمعاصي؟ وهلا قاتلت من ms1212 كفر بمن آمن؟ ومالك لم تباشر الأمر كما كنت ~~أباشره أنا لو كنت شاهدا؟ أو مالك لم تلحقني. ### || [20.94] # قرىء { بلحيتى } بفتح اللام وهي لغة أهل الحجاز، كان موسى صلوات ~~الله عليه رجلا حديدا مجبولا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، ~~شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلا من دون ~~الله بعد ما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوارة لما غلب ذهنه ~~من الدهشة العظيمة، غضبا لله واستنكافا وحمية، وعنف بأخيه وخليفته على ~~قومه، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف قابضا على شعر رأسه - وكان أفرع ~~- وعلى شعر وجهه يجره إليه. أي لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، ~~فاستأنيتك أن تكون أنت المتدارك بنفسك، المتلافي برأيك وخشيت عتابك على ~~إطراح ما وصيتني به من ضم النشر وحفظ الدهماء ولم يكن لي بد من رقبة ~~وصيتك والعمل على موجبها. ### || [20.95-96] # الخطب مصدر خطب الأمر إذا طلبه، فإذا قيل لمن يفعل شيئا ما خطبك؟ ~~فمعناه ما طلبك له؟ قرىء { بصرت بما لم يبصروا به } ~~بالكسر، والمعنى علمت ما لم تعلموه، وفطنت ما لم تفطنوا له. قرأ الحسن { ~~قبضة } بضم القاف وهي اسم المقبوض، كالغرفة والمضغة. وأما القبضة ~~فالمرة من القبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر، كضرب ~~الأمير. وقرأ أيضا فقبصت قبصة، بالصاد المهملة الضاد بجميع الكف والصاد ~~بأطراف الأصابع. ونحوهما الخضم، والقضم الخاء بجميع الفم والقاف بمقدمه ~~قرأ ابن مسعود «من أثر فرس الرسول» فإن قلت لم سماه الرسول دون جبريل ~~وروح القدس؟ قلت حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبريل ~~راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال إن لهذا شأنا، ~~فقبض قبضة من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال قبضت من أثر فرس ~~المرسل إليك يوم حلول الميعاد. ولعله لم يعرف أنه جبريل. ### || [20.97] # عوقب في الدنيا بعقوبة لا شيء أطم منها وأوحش، وذلك أنه منع من مخالطة ~~الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ms1213 ومبايعته ومواجهته وكل ~~ما يعايش به الناس بعضهم بعضا، وإذا اتفق أن يماس أحدا رجلا أو امرأة، ~~حم الماس والممسوس، فتحامى الناس وتحاموه، وكان يصيح لا مساس، وعاد في ~~الناس أوحش من القاتل اللاجىء إلى الحرم، ومن الوحشي النافر في البرية. ~~ويقال إن قومه باق فيهم ذلك إلى اليوم. وقرىء { لا مساس } بوزن فجار. ~~ونحوه قولهم في الظباء. إذا وردت الماء فلا عباب، وإن فقدته فلا أباب وهي ~~أعلام للمسة والعبة والأبة، وهي المرة من الأب وهو الطلب { لن ~~تخلفه } أي لن يخلفك الله موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في ~~الأرض، ينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك بذلك في الدنيا، فأنت ممن خسر ~~الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وقرىء «لن تخلفه» وهذا من أخلفت ~~الموعد إذا وجدته خلفا قال الأعشى # أثوى وأقصر ليله ليزودا فمضى وأخلف من ~~قتيلة موعدا # وعن ابن مسعود «نخلفه» بالنون، أي لن يخلفه الله، كأنه حكى قوله عز وجل ~~كما مر في { لاهب لك } مريم19. { ظلت } وظلت، وظللت والأصل ظللت، ~~فحذفوا اللام الأولى ونقلوا حركتها إلى الظاء، ومنهم من لم ينقل { ~~لنحرقنه } ولنحرقنه ولنحرقنه. وفي حرف ابن مسعود «لنذبحنه»، ~~و«لنحرقنه» و«لنحرقنه» القراءتان من الإحراق. وذكر أبو علي الفارسي في ~~لنحرقنه أنه يجوز أن يكون حرق مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد. وعليه ~~القراءة الثالثة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه { ~~لننسفنه } بكسر السين وضمها، وهذه عقوبة ثالثة وهي إبطال ما افتتن ~~به وفتن، وإهدار سعيه، وهدم مكره # ومكروا ومكر الله والله خير المكرين # آل عمران 54. ### || [20.98] # قرأ طلحة الله الذي لا إله إلا هو الرحمن رب العرش الكريم { وسع ~~كل شىء علما } وعن مجاهد وقتادة وسع، ووجهه أن وسع متعد إلى ~~مفعول واحد، وهو كل شيء. وأما { علما } فانتصابه على التمييز. وهو في ~~المعنى فاعل، فلما ثقل نقل إلى التعدية إلى مفعولين، فنصبهما معا على ~~المفعولية لأن المميز فاعل في المعنى، كما تقول في «خاف زيد عمرا» ~~خوفت زيدا عمرا، ms1214 فترد بالنقل ما كان فاعلا مفعولا. ### || [20.99-101] # الكاف في { كذلك } منصوب المحل، وهذا موعد من الله عز وجل لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، أي مثل ذلك الاقتصاص ونحو ما اقتصصنا عليك قصة موسى ~~وفرعون، نقص عليك من سائر أخبار الأمم وقصصهم وأحوالهم، تكثيرا ~~لبيناتك، وزيادة في معجزاتك، وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في دينه ~~بصيرة. وتتأكد الحجة على من عاند وكابر، وأن هذا الذكر الذي آتيناك يعني ~~القرآن مشتملا على هذه الأقاصيص والأخبار الحقيقة بالتفكر والاعتبار، ~~لذكر عظيم وقرآن كريم، فيه النجاة والسعادة لمن أقبل عليه، ومن أعرض عنه ~~فقد هلك وشقي. يريد بالوزر العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرا تشبيها ~~في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل، وينقض ~~ظهره، ويلقي عليه بهره أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم. وقرىء «يحمل» جمع. ~~{ خلدين } على المعنى، لأن من مطلق متناول لغير معرض واحد. وتوحيد ~~الضمير في أعرض وما بعده للحمل على اللفظ. ونحوه قوله تعالى # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خلدين فيها # الجن 23 { فيه } أي في ذلك الوزر. أو في احتماله { وساء } في حكم ~~بئس. والضمير الذي فيه يجب أن يكون مبهما يفسره { حملا } والمخصوص ~~بالذم محذوف لدلالة الوزر السابق عليه، تقديره ساء حملا وزرهم، كما حذف ~~في قوله تعالى # نعم العبد إنه أواب # ص 30، 44 أيوب هو المخصوص بالمدح. ومنه قوله تعالى # وساءت مصيرا # النساء 97، 115 أي وساءت مصيرا جهنم. فإن قلت اللام في لهم ما هي؟ وبم ~~تتعلق؟ قلت هي للبيان، كما في # هيت لك # يوسف 23. فإن قلت ما أنكرت أن يكون في ساء ضمير الوزر؟ قلت لا يصح أن ~~يكون في ساء وحكمه حكم بئس ضمير شيء بعينه غير مبهم فإن قلت فلا يكن ساء ~~الذي حكمه حكم بئس، وليكن ساء الذي منه قوله تعالى # سيئت وجوه الذين كفروا # الملك 27 بمعنى أهم وأحزن؟ قلت كفاك صادا عنه أن يؤول كلام الله إلى ~~قولك وأحزن الوزر لهم يوم القيامة حملا، وذلك بعد أن ms1215 تخرج عن عهدة هذا ~~اللام وعهدة هذا المنصوب. ### || [20.102-104] # أسند النفخ إلى الآمربه فيمن قرأ «ننفخ» بالنون. أو لأن الملائكة ~~المقربين وإسرافيل منهم بالمنزلة التي هم بها من رب العزة، فصح لكرامتهم ~~عليه وقربهم منه أن يسند ما يتولونه إلى ذاته تعالى. وقرىء «ينفخ» بلفظ ~~ما لم يسم فاعله. وينفخ. ويحشر، بالياء المفتوحة على الغيبة والضمير لله ~~عز وجل أو لإسرافيل عليه السلام. وأما يحشر المجرمون فلم يقرأ به إلا ~~الحسن. وقرىء في الصور بفتح الواو جمع صورة، وفي الصور قولان، أحدهما أنه ~~بمعنى الصور وهذه القراءة تدل عليه. والثاني أنه القرن. قيل في الزرق ~~قولان، أحدهما أن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب لأن الروم ~~أعداؤهم وهم زرق العيون ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد، أصهب ~~السبال، أزرق العين. والثاني أن المراد العمى لأن حدقة من يذهب نور ~~بصره تزراق يتخافتون تخافتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول، ~~يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا إما لما يعاينون من الشدائد التي تذكرهم ~~أيام النعمة والسرور فيتأسفون عليها ويصفونها بالقصر لأن أيام السرور ~~قصار، وإما لأنها ذهبت عنهم وتقضت، والذاهب وإن طالت مدته قصير ~~بالانتهاء ومنه توقيع عبد الله بن المعتز تحت «أطال الله بقاءك» «كفى ~~بالانتهاء قصرا» وإما لاستطالتهم الآخرة وأنها أبد سرمد يستقصر إليها ~~عمر الدنيا، ويتقال لبث أهلها فيها بالقياس إلى لبثهم في الآخرة. وقد ~~استرجح الله قول من يكون أشد تقاولا منهم في قوله تعالى { إذ يقول ~~أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما } ونحوه قوله ~~تعالى # قل كم لبثتم فى الأرض عدد سنين قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم فاسأل العادين # المؤمنون 112 - 113 وقيل المراد لبثهم في القبور. ويعضده قوله عز وجل # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون # الروم 55، # وقال الذين أوتوا العلم والإيمن لقد لبثتم ~~فى كتب الله إلى يوم البعث # الروم 56. ### || [20.105-107] # { ينسفها } يجعلها كالرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها كما يذرى ~~الطعام { فيذرها } أي فيذر ms1216 مقارها ومراكزها. أو يجعل الضمير للأرض ~~وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى # ما ترك على ظهرها من دابة # فاطر 45. فإن قلت قد فرقوا بين العوج والعوج، فقالوا العوج بالكسر في ~~المعاني. والعوج بالفتح في الأعيان، والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور ~~العين؟قلت اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء ~~والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى ~~قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، ~~واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها ~~وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية، لعثر فيها على عوج في ~~غير موضع، لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله عز ~~وعلا ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي ~~يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون ~~الإحساس لحق بالمعاني، فقيل فيه عوج بالكسر. الأمت النتو اليسير، يقال ~~مد حبله حتى ما فيه أمت. ### || [20.108-109] # أضاف اليوم إلى وقت نسف الجبال في قوله { يومئذ } أي يوم إذ نسفت، ~~ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل من يوم القيامة. والمراد الداعي إلى المحشر. ~~قالوا هو إسرافيل قائما على صخرة بيت المقدس يدعو الناس، فيقبلون من كل ~~أوب إلى صوبه لا يعدلون { لا عوج له } أي لا يعوج له مدعو، بل ~~يستوون إليه من غير انحراف متبعين لصوته. أي خفضت الأصوات من شدة الفزع ~~وخفتت { فلا تسمع إلا همسا } وهو الركز الخفي. ومنه الحروف ~~المهموسة. وقيل هو من همس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي لا يسمع إلا ~~خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر { من } يصلح أن يكون مرفوعا ومنصوبا، ~~فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف، أي لا تنفع الشفاعة إلا ~~شفاعة من { أذن له الرحمن } والنصب على المفعولية. ومعنى أذن ~~له { ورضى له } لأجله. أي أذن للشافع ورضي قوله لأجله. ونحو هذه ~~اللام اللام في قوله ms1217 تعالى # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ~~ماسبقونا إليه # الأحقاف 11. ### || [20.110] # أي يعلم ما تقدمهم من الأحوال وما يستقبلونه، ولا يحيطون بمعلوماته ~~علما. ### || [20.111] # المراد بالوجوه وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة ~~والشقوة وسوء الحساب، صارت، وجوههم عانية، أي ذليلة خاشعة، مثل وجوه ~~العناة وهم الأسارى. ونحوه قوله تعالى # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا # الملك 27، # ووجوه يومئذ باسرة # القيامة 24. وقوله تعالى { وقد خاب } وما بعده اعتراض، كقولك خابوا ~~وخسروا. وكل من ظلم فهو خائب خاسر. ### || [20.112] # الظلم أن يأخذ من صاحبه فوق حقه. والهضم أن يكسر من حق أخيه فلا يوفيه ~~له، كصفة المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ويسترجحون. وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون. أي فلا يخاف جزاء ظلم ولا هضم، لأنه لم يظلم ~~ولم يهضم. وقرىء «فلا يخف» على النهي. ### || [20.113] # { وكذلك } عطف على كذلك نقص أي ومثل ذلك الإنزال، وكما أنزلنا عليك ~~هؤلاء الآيات المضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة. مكررين ~~فيه آيات الوعيد ليكونوا بحيث يراد منهم ترك المعاصي أو فعل الخير ~~والطاعة. والذكر - كما ذكرنا - يطلق على الطاعة والعبادة. وقرىء «نحدث» ~~و«تحدث» بالنون والتاء، أي تحدث أنت. وسكن بعضهم الثاء للتخفيف، كما في # فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا ~~واغل ### || [20.114] # { فتعلى الله الملك الحق } استعظام له ولما يصرف ~~عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده والإدارة بين ثوابه وعقابه ~~على حسب أعمالهم، وغير ذلك مما يجري عليه أمر ملكوته ولما ذكر القرآن ~~وإنزاله قال على سبيل الاستطراد وإذا لقنك جبريل ما يوحى إليك من القرآن، ~~فتأن عليك ريثما يسمعك ويفهمك. ثم أقبل عليه بالتحفظ بعد ذلك. ولا تكن ~~قراءتك مساوقة لقراءته. ونحوه قوله تعالى # لا تحرك به لسانك لتعجل به # القيامة 16 وقيل معناه لا تبلغ ما كان منه مجملا حتى يأتيك البيان. ~~وقرىء «حتى تقضى إليك وحيه». وقوله تعالى { رب زدنى علما } ~~متضمن للتواضع لله تعالى والشكر له عندماعلم من ترتيب التعلم، ms1218 أي علمتني ~~يا رب لطيفة في باب التعلم وأدبا جميلا ما كان عندي. فزدني علما إلى ~~علم، فإن لك في كل شيء، حكمة وعلما. وقيل ما أمر الله رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. ### || [20.115] # يقال في أوامر الملوك ووصاياهم تقدم الملك إلى فلان وأوعز إليه، وعزم ~~عليه، وعهد إليه عطف الله سبحانه قصة آدم على قوله # وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون # طه 113 والمعنى وأقسم قسما لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب ~~الشجرة، وتوعدناه بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك من قبل وجودهم ~~ومن قبل أن نتوعدهم، فخالف إلى ما نهي عنه، وتوعد في ارتكابه مخالفتهم، ~~ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا يلتفتون، كأنه يقول إن أساس أمر بني آدم ~~على ذلك، وعرقهم راسخ فيه. فإن قلت ما المراد بالنسيان؟ قلت يجوز أن يراد ~~النسيان الذي هو نقيض الذكر، وأنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة، ولم ~~يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس، حتى تولد من ذلك النسيان. وأن ~~يراد الترك وأنه ترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها. وقرىء ~~«فنسى» أي نساه الشيطان. العزم التصميم والمضي على ترك الأكل، وأن يتصلب ~~في ذلك تصلبا يؤيس الشيطان من التسويل له. والوجود يجوز أن يكون بمعنى ~~العلم، ومفعولاه { له عزما } وأن يكون نقيض العدم كأنه قال وعدمنا ~~له عزما. ### || [20.116] # { إذ } منصوب بمضمر، أي واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس ~~ووسوسته إليه وتزيينه له الأكل من الشجرة، وطاعته له بعد ما تقدمت معه ~~النصيحة والموعظة البليغة والتحذير من كيده، حتى يتبين لك أنه لم يكن من ~~أولي العزم والثبات. فإن قلت إبليس كان جنيا بدليل قوله تعالى # كان من الجن ففسق عن أمر ربه # الكهف 50 فمن أين تناوله الأمر وهو للملائكة خاصة؟ قلت كان في صحبتهم، ~~وكان يعبد الله تعالى عبادتهم، فلما أمروا بالسجود لآدم والتواضع له ~~كرامة له، كان الجني الذي معهم أجدر ms1219 بأن يتواضع، كما لو قام لمقبل على ~~المجلس علية أهله وسراتهم، كان القيام على واحد بينهم هو دونهم في ~~المنزلة أوجب، حتى إن لم يقم عنف. وقيل له قد قام فلان وفلان، فمن أنت ~~حتى تترفع عن القيام؟ فإن قلت فكيف صح استثناؤه وهو جني عن الملائكة؟ ~~قلت عمل على حكم التغليب في إطلاق اسم الملائكة عليهم وعليه، فأخرج ~~الاستثناء على ذلك، كقولك خرجوا إلا فلانة، لامرأة بين الرجال { أبى } ~~جملة مستأنفة، كأنه جواب قائل قال لم لم يسجد؟ والوجه أن لا يقدر له ~~مفعول، وهو السجود المدلول عليه بقوله { فسجدوا } وأن يكون معناه ~~أظهر الإباء وتوقف وتثبط. ### || [20.117] # { فلا يخرجنكما } فلا يكونن سببا لإخراجكما. وإنما أسند إلى ~~آدم وحده فعل الشقاء دون حواء بعد إشراكهما في الخروج لأن في ضمن شقاء ~~الرجل وهو قيم أهله وأميرهم شقاءهم، كما أن في ضمن سعادته سعادتهم، ~~فاختصر الكلام بإسناده إليه دونها. مع المحافظة على الفاصلة. أو أريد ~~بالشقاء التعب في طلب القوت، وذلك معصوب برأس الرجل وهو راجع إليه. وروي ~~أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويمسح العرق من جبينه. ### || [20.118-119] # قرىء «وإنك» بالكسر والفتح. ووجه الفتح العطف على «أن لا تجوع». فإن قلت ~~إن لا تدخل على أن، فلا يقال إن أن زيدا منطلق، والواو نائبة عن إن ~~وقائمة مقامها فلم أدخلت عليها؟ قلت الواو لم توضع لتكون أبدا نائبة عن ~~إن، إنما هي نائبة عن كل عامل، فلما لم تكن حرفا موضوعا للتحقيق خاصة ~~- كإن - لم يمتنع اجتماعهما كما امتنع اجتماع إن وأن. الشبع والري ~~والكسوة والكن هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره ~~استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب ~~كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي ~~الجوع والعري والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره ~~منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها. ### || [20.120] # فإن قلت كيف عدى وسوس ms1220 تارة باللام في قوله # فوسوس لهما الشيطن # الأعراف 20 وأخرى بإلى قلت وسوسة الشيطان كولولة الثكلى ووعوعة الذئب ~~ووقوقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات وحكمها حكم صوت وأجرس. ومنه وسوس ~~المبرسم، وهو موسوس بالكسر. والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي # وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # فإذا قلت وسوس له، فمعناه لأجله، كقوله # أجرس لها يا ابن أبي كباش # ومعنى «وسوس إليه» أنهى إليه الوسوسة، كقولك. حدث إليه وأسر إليه. ~~أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود، لأن من أكل منها خلد بزعمه، كما قيل ~~لحيزوم فرس الحياة، لأن من باشر أثره حيي { وملك لا يبلى } ~~دليل عى قراءة الحسن بن علي وابن عباس رضي الله عنهم # إلا أن تكونا ملكين # الأعراف 20 بالكسر. ### || [20.121] # «طفق يفعل كذا» مثل جعل يفعل، وأخذ، وأنشأ. وحكمها حكم كاد في وقوع ~~الخبر فعلا مضارعا، وبينها وبينه مسافة قصيرة هي للشروع في أول الأمر. ~~وكاد لمشارفته والدنو منه. قرىء { يخصفان } للتكثير والتكرير، من ~~خصف النعل وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي يلزقان الورق بسوآتهما للتستر ~~وهو ورق التين. وقيل كان مدورا فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما. ~~وقيل كان لباسهما الظفر، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما وتركت هذه البقايا ~~في أطراف الأصابع، عن ابن عباس لا شبهة في أن آدم لم يمتثل ما رسم الله ~~له، وتخطى فيه ساحة الطاعة، وذلك هو العصيان. ولما عصى خرج فعله من أن ~~يكونفعلا رشدا وخيرا، فكان غيا لا محالة لأن الغي خلاف الرشد، ولكن ~~قوله { وعصى ءادم ربه فغوى } بهذا الإطلاق وبهذا التصريح، ~~وحيث لم يقل وزل آدم وأخطأ وما أشبه ذلك، مما يعبر به عن الزلات والفرطات ~~فيه لطف بالمكلفين ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم انظروا ~~واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله الذي لا يجوز عليه إلا ~~اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلطة و بهذا اللفظ الشنيع، فلا ~~تتهاونوا بما يفرط منكم من السيآت والصغائر، فضلا أن تجسروا على التورط ~~في الكبائر. وعن ms1221 بعضهم فغوى فبشم من كثرة الأكل، وهذا - وإن صح على لغة ~~من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفا فيقول في «فني، وبقي» «فنا، وبقا» ~~وهم بنوطي - تفسير خبيث. ### || [20.122] # فإن قلت ما معنى { ثم اجتبه ربه }؟ قلت ثم قبله بعد التوبة ~~وقربه إليه، من جبى إلي كذا فاجتبيته. ونظيره جليت علي العروس ~~فاجتليتها. ومنه قوله عز وجل # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها # الأعراف 203 أي هلا جبيت إليك فاجتبيتها. وأصل الكلمة الجمع. ويقولون ~~اجتبت الفرس نفسها إذا اجتمعت نفسها راجعة بعد النفار. و { هدى } أي ~~وفقه لحفظ التوبة وغيره. من أسباب العصمة والتقوى. ### || [20.123] # لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصلي البشر، والسببين اللذين منها نشؤا ~~وتفرعوا جعلا كأنهما البشر في أنفسهما، فخوطبا مخاطبتهم، فقيل { فإما ~~يأتينكم } على لفظ الجماعة. ونظيره إسنادهم الفعل إلى السبب، وهو ~~في الحقيقة للمسبب { هدى } كتاب وشريعة. وعن ابن عباس ضمن الله لمن ~~اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله { ~~فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى } والمعنى أن ~~الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب ~~الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه. ### || [20.124-126] # الضنك مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث. وقرىء «ضنكى» على فعلى. ~~ومعنى ذلك أن مع الدين التسليم والقناعة والتوكل على الله وعلى قسمته ~~فصاحبه ينفق ما رزقه بسماح، وسهولة، فيعيش عيشا رافعا كما قال عز وجل # فلنحيينه حيوة طيبة # النحل 97 والمعرض عن الدين، مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى ~~الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك ~~وحاله مظلمة، كما قال بعض المتصوفة لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم ~~عليه وقته وتشوش عليه رزقه. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة ~~لكفره. قال الله تعالى # وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب ~~من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون ms1222 بآيات الله # البقرة 61 وقال # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # المائدة 66 وقال # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السماء والأرض # الأعراف 96وقال # استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء ~~عليكم مدرارا # نوح 11 وقال # وألو استقموا على الطريقةلأسقينهم ماء ~~غدقا # الجن 16 وعن الحسن هو الضريع والزقوم في النار. وعن أبي سعيد الخدري 687 ~~«عذاب القبر» وقرىء { ونحشره } بالجزم عطفا على محل { فإن ~~له معيشة ضنكا } لأنه جواب الشرط. وقرىء «ونحشره» بسكون الهاء ~~على لفظ الوقف، وهذا مثل قوله # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # الإسراء 97وكما فسر الزرق بالعمى { كذلك } أي مثل ذلك فعلت أنت، ثم ~~فسر بأن آياتنا أتتك واضحة مستنيرة، فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم ~~تتبصر. وتركتها وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه ~~عن عينيك. ### || [20.127] # لما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى ~~في الآخرة - ختم آيات الوعيد بقوله { ولعذاب الأخرة أشد ~~وأبقى } كأنه قال وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشد من ضيق ~~العيش المنقضي. أو أراد ولتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه ~~لآياتنا. ### || [20.128] # فاعل { لم يهد } الجملة بعده يريد ألم يهد لهم هذا بمعناه ومضمونه ~~ونظيره قوله تعالى # وتركنا عليه فى الأخرين سلم على نوح فى ~~العلمين # الصافات 79 أي تركنا عليه هذا الكلام. ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو ~~الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون. وقرىء { يمشون } يريد أن قريشا ~~يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويمشون { فى مسكنهم } ويعاينون آثار ~~هلاكهم. ### || [20.129] # الكلمة السابقة هي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة، يقول لولا هذه العدة ~~لكان مثل إهلاكنا عادا وثمودا لازما لهؤلاء الكفرة. واللزام إما مصدر ~~لازم وصف به، وإما فعال بمعنى مفعل، أي ملزم، كأنه آلة اللزوم لفرط ~~لزومه، كما قالوا لزاز خصم { وأجل مسمى } لا يخلو من أن يكون ~~معطوفا على ms1223 { كلمة } أو على الضمير في { كان } أي لكان الأخذ ~~العاجل وأجل مسمى لازمين لهم كم كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل ~~المسمى دون الأخذ العاجل. ### || [20.130] # { بحمد ربك } في موضع الحال، أي وأنت حامد لربك على أن وفقك ~~للتسبيح وأعانك عليه والمراد بالتسبيح الصلاة. أو على ظاهره قدم الفعل ~~على الأوقات أولا، والأوقات على الفعل آخرا فكأنه قال صل لله قبل طلوع ~~الشمس يعني الفجر، وقبل غروبها يعني الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في ~~النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها، وتعمد آناء الليل وأطراف ~~النهار مختصا لهما بصلاتك، وذلك أن أفضل الذكر ما كان بالليل، لاجتماع ~~القلب وهدو الرجل والخلو بالرب. وقال الله عز وجل # إن ناشئة اليل هى أشد وطأ وأقوم قيلا # المزمل 6 وقال # أمن هو قانت ءاناء اليل سجدا وقائما # الزمر 9 ولأن الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على ~~النفس أشد وأشق وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف وأفضل عند ~~الله. وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العتمة، وفي أطراف النهار ~~صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار، إرادة الاختصاص، كما اختصت في قوله # حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى # البقرة 238 عند بعض المفسرين. فإن قلت ما وجه قوله { وأطراف ~~النهار } على الجمع، وإنما هما طرفان كما قال # أقم الصلوة طرفى النهار # هود 114؟ قلت الوجه أمن الإلباس، وفي التثنية زيادة بيان. ونظير مجيء ~~الأمرين في الآيتين مجيئهما في قوله # ظهراهما مثل ظهور الترسين # وقرىء «وأطراف النهار» عطفا على آناء الليل لعلك ترضى . ولعل للمخاطب، ~~أي اذكر الله في هذه الأوقات، طمعا ورجاء أن تنال عند الله ما به ترضي ~~نفسك ويسر قلبك. وقرىء «ترضى» أي يرضيك ربك. ### || [20.131] # { ولا تمدن عينيك } أي نظر عينيك ومد النظر تطويله، وأن ~~لا يكاد يرده، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنيا أن يكون له، ~~كما فعل نظارة قارون حين قالوا # يليت لنا مثل ما أوتى قرون إنه لذو حظ ~~عظيم # القصص 79 حتى ms1224 واجههم أولو العلم والإيمان ب # ويلكم ثواب الله خير لمن ءامن وعمل صلحا # القصص 80 وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده ~~الشيء بالنظر ثم غض الطرف، ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في ~~الطباع، وأن من أبصر منها شيئا أحب أن يمد إليه نظره ويملأ منه عينيه ~~قيل { ولا تمدن عينيك } أي لا تفعل ما أنت معتاد له وضار ~~به، ولقد شدد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة ~~وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لأنهم إنما اتخذوا هذه الأشياء ~~لعيون النظارة فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها { ~~أزوجا منهم } أصنافا من الكفرة ويجوز أن ينتصب حالا من هاء ~~الضمير، والفعل واقع على { منهم } كأنه قال إلى الذي متعنا به وهو ~~أصناف بعضهم وناسا منهم. فإن قلت علام انتصب { زهرة }؟ قلت على أحد ~~أربعة أوجه على الذم وهو النصب على الاختصاص. وعلى تضمين { متعنا } ~~معنى أعطينا وخولنا، وكونه مفعولا ثانيا له. وعلى إبداله من محل الجار ~~والمجرور. وعلى إبداله من أزواجا، على تقدير ذوي زهرة. فإن قلت ما معنى ~~الزهرة فيمن حرك؟ قلت معنى الزهرة بعينه وهو الزينة والبهجة، كما جاء في ~~الجهرة الجهرة. وقرىء # أرنا الله # النساء 153. وأن تكون جمع زاهر، وصفا لهم بأنهم زاهرو هذه الدنيا، ~~لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتنعمون وتهلل وجوههم وبهاء زيهم وشارتهم بخلاف ~~ما عليه المؤمنون والصلحاء من شحوب الألوان والتقشف في الثياب { ~~لنفتنهم } لنبلوهم حتى يستوجبوا العذاب، لوجود الكفران منهم. أو ~~لنعذبهم في الآخرة بسببه { ورزق ربك } هو ما ادخر له من ثواب ~~الآخرة الذي هو خير منه في نفسه وأدوم. وأو ما رزقه من نعمة الإسلام ~~والنبوة. أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض ~~الوجوه، والحلال { خير وأبقى } لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما ~~حل وطاب دون ما حرم وخبث، والحرام لا يسمى رزقا أصلا وعن يزيد بن عبد ~~الله بن قسيط عن أبي ms1225 رافع قال 688 بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى يهودي وقال # " قل له يقول لك رسول الله أقرضني إلى رجب " # ، فقال والله لا أقرضته إلا برهن، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إني لأمين في السماء وإني لأمين في الأرض، احمل إليه درعي ~~الحديد " # فنزلت ولا تمدن عينيك. ### || [20.132] # { وأمر أهلك بالصلوة } أي وأقبل أنت مع أهلك على عبادة ~~الله والصلاة واستعينوا بها على خصاصتكم ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، ~~فإن رزقك مكفى من عندنا، ونحن رازقوك ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك ~~ففرغ بالك لأمر الآخرة. وفي معناه قول الناس من كان في عمل الله كان ~~الله في عمله. وعن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ { ~~ولا تمدن عينيك } ثم ينادي الصلاة الصلاة رحمكم الله. وعن ~~بكر بن عبد الله المزني كان إذا أصابت أهله خصاصة قال قوموا فصلوا، بهذا ~~أمر الله رسوله، ثم يتلو هذه الآية. ### || [20.133] # اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، فقيل لهم أو لم تأتكم ~~آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز يعني القرآن، من قبل أن ~~القرآن برهان ما في سائر الكتب المنزلة ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست ~~بمعجزات، فهي مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى ~~شهادة الحجة. وقرىء «الصحف» بالتخفيف. ذكر الضمير الراجع إلى البينة ~~لأنها في معنى البرهان والدليل. ### || [20.134] # قرىء { نذل ونخزى } على لفظ ما لم يسم فاعله. ### || [20.135] # { كل } أي كل واحد منا ومنكم { متربص } للعاقبة ولما يؤول إليه ~~أمرنا وأمركم. وقرىء «السواء» بمعنى الوسط والجيد. أو المستوى والسوء ~~والسوأي والسوي تصغير السوء. وقرىء «فتمتعوا فسوف تعلمون» قال أبو رافع ~~حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 689 # " من قرأ سورة طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار. ~~" # وقال 690 # " لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلا طه ويس ". ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # هذه ms1226 اللام لا تخلو من أن تكون صلة لاقترب، أو تأكيدا لإضافة الحساب ~~إليهم، كقولهم «أزف للحي رحيلهم» الأصل أزف رحيل الحي ثم أزف للحي ~~الرحيل، ثم أزف للحي رحيلهم. ونحوه ما أورده سيبويه في «باب ما يثني فيه ~~المستقر توكيدا» عليك زيد حريص عليك. وفيك زيد راغب فيك. ومنه قولهم لا ~~أبالك لأن اللام مؤكدة لمعنى الإضافة، وهذا الوجه أغرب من الأول. ~~والمراد اقتراب الساعة، وإذا اقتربت الساعة فقد اقترب ما يكون فيها من ~~الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك. ونحوه # واقترب الوعد الحق # الأنبياء 97 فإن قلت كيف وصف بالاقتراب وقد عدت دون هذا القول أكثر من ~~خمسمائة عام؟ قلت هو مقترب عند الله والدليل عليه قوله عز وجل # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # الحج 47 ولأن كل آت - وإن طالت أوقات استقباله وترقبه - قريب، إنما ~~البعيد هو الذي وجد وانقرض، ولأن ما بقي في الدنيا أقصر وأقل مما سلف ~~منها، بدليل انبعاث خاتم النبيين الموعود مبعثه في آخر الزمان. وقال عليه ~~الصلاة والسلام حذاء، ولم تبق إلا صبابة كصبابة الإناء. وإذا كانت بقية ~~الشيء وإن كثرت في نفسها قليلة بالإضافة إلى معظمه، كانت خليقة بأن توصف ~~بالقلة وقصر الذرع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس ~~المشركون. وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم. وهو ما يتلوه ~~من صفات المشركين. وصفهم بالغفلة مع الإعراض، على معنى أنهم غافلون عن ~~حسابهم ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، ولا يتفطنون لما ترجع إليه خاتمة ~~أمرهم، مع اقتضاء عقولهم أنه لا بد من جزاء للمحسن والمسيء. وإذا قرعت ~~لهم العصا ونبهوا عن سنة الغفلة وفطنوا لذلك بما يتلى عليهم من الآيات ~~والنذر. أعرضوا وسدوا أسماعهم ونفروا. ### || [21.2-3] # قرر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ بأن الله يجدد لهم الذكر ~~وقتا فوقتا، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، ليكرر على ~~أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم استماع الآي ms1227 والسور ~~وما فيها من فنون المواعظ والبصائر - التي هي أحق الحق وأجد الجد - إلا ~~لعبا وتلهيا واستسخارا والذكر هو الطائفة النازلة من القرآن. وقرأ ابن ~~أبي عبلة { محدث } بالرفع صفة على المحل. قوله { وهم يلعبون ~~لاهية قلوبهم } حالان مترادفتان أو متداخلتان ومن قرأ { ~~لاهية } بالرفع فالحال واحدة، لأن { لاهية قلوبهم } خبر بعد ~~خبر، لقوله { وهم } واللاهية من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعني أنهم وإن ~~فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلا، وثبتوا على رأس ~~غفلتهم، وذهولهم عن التأمل والتبصر بقلوبهم وأسروا النجوى فإن قلت ~~النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية، فما معنى قوله { ~~وأسروا }؟ قلت معناه وبالغوا في إخفائها. أو جعلوها بحيث لا يفطن ~~أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون، أبدل { الذين ظلموا } من ~~واو وأسروا، إشعارا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به. أو ~~جاء على لغة من قال «أكلوني البراغيث» أو هو منصوب المحل على الذم. أو هو ~~مبتدأ خبره { وأسروا النجوى } قدم عليه. والمعنى وهؤلاء ~~أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلا على فعلهم بأنه ظلم { ~~هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون } هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من النجوى، أي وأسروا ~~هذا الحديث. ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمرا اعتقدوا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر ~~وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار ~~أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر. فإن قلت لم أسروا هذا ~~الحديث وبالغوا في إخفائه؟ قلت كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور ~~في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه وعادة ~~المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم، ويتجاهدوا في طي ~~سرهم عنهم ما أمكن واستطيع. ومنه قول الناس 692 # " استعينوا على حوائجكم بالكتمان " # ويرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يسروا نجواهم بذلك ~~ثم يقولوا لرسول ms1228 الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إن كان ما تدعونه ~~حقا فأخبرونا بما أسررنا. ### || [21.4] # فإن قلت هلا قيل يعلم السر لقوله # وأسروا النجوى # الأنبياء 3 قلت القول عام يشمل السر والجهر؟ فكان في العلم به العلم ~~بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول يعلم ~~السر، كما أن قوله يعلم السر، آكد من أن يقول يعلم سرهم. ثم بين ذلك ~~بأنه السميع العليم لذاته فكيف تخفى عليه خافية. فإن قلت فلم ترك هذا ~~الآكد في سورة الفرقان في قوله # قل أنزله الذى يعلم السر فى السموت والارض # الفرقان 6؟ قلت ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع. ولكن يجيء بالوكيد ~~تارة وبالآكد أخرى، كما يجيء بالحسن في موضع وبالأحسن في غيره ليفتن ~~الكلام افتنانا، وتجمع الغاية وما دونها، على أن أسلوب تلك الآية خلاف ~~أسلوب هذه، من قبل أنه قدم ههنا أنهم أسروا النجوى. فكأنه أراد أن يقول ~~إن ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصف ذاته ~~بأن أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، فهو كقوله علام الغيوب # علم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة # سبأ 3 وقرىء { قال ربى } حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لهم. ### || [21.5] # أضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام، ثم إلى أنه كلام مفترى من ~~عنده، ثم إلى أنه قول شاعر، وهكذا الباطل لجلج، والمبطل متحير رجاع غير ~~ثابت على قول واحد. ويجوز أن يكون تنزيلا من الله تعالى لأقوالهم في درج ~~الفساد وأن قولهم الثاني أفسد من الأول، والثالث أفسد من الثاني، وكذلك ~~الرابع من الثالث، صحة التشبيه في قوله { كما أرسل الأولون } ~~من حيث أنه في معنى كما أتى الأولون بالآيات، لأن إرسال الرسل متضمن ~~للإتيان بالآيات ألا ترى أنه لا فرق بين أن تقول أرسل محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبين قولك أتى محمد بالمعجزة. ### || [21.6] # { أفهم يؤمنون } فيه أنهم أعتى من الذين اقترحوا على أنبيائهم ms1229 ~~الآيات وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا و خالفوا، فأهلكهم ~~الله. فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أنكث وأنكث. ### || [21.7] # أمرهم أن يستعلموا أهل الذكر وهم أهل الكتاب، حتى يعلموهم أن رسل الله ~~الموحى إليهم كانوا بشرا ولم يكونوا ملائكة كما اعتقدوا، وإنما أحالهم ~~على أولئك لأنهم كانوا يشايعون المشركين في معاداة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. قال الله تعالى # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا # آل عمران 186 فلا يكاذبونهم فيما هم فيه ردء لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [21.8] # { لا يأكلون الطعام } صفة لجسدا والمعنى وما جعلنا الأنبياء ~~عليهم السلام قبله ذوي جسد غير طاعمين. ووحد الجسد لإرادة الجنس، كأنه ~~قال ذوي ضرب من الأجساد وهذا رد لقولهم # ما لهذا الرسول يأكل الطعام # الفرقان 7. فإن قلت نعم قد رد إنكارهم أن يكون الرسول بشرا يأكل ويشرب ~~بما ذكرت، فماذا رد من قولهم بقوله { وما كانوا خلدين }؟ قلت ~~يحتمل أن يقولوا إنه بشر مثلنا يعيش كما نعيش ويموت كما نموت. أو يقولوا ~~هلا كان ملكا لا يطعم ويخلد إما معتقدين أن الملائكة لا يموتون. أو ~~مسمين حياتهم المتطاولة وبقاءهم الممتد خلودا. ### || [21.9] # { صدقنهم الوعد } مثل واختار موسى قومه. والأصل في الوعد ~~ومن قومه. ومنه صدقوهم القتال. وصدقني سن بكره { ومن نشاء } هم ~~المؤمنون ومن في بقائه مصلحة. ### || [21.10] # { ذكركم } شرفكم وصيتكم، كما قال # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44 أو موعظتكم. أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها ~~الثناء أو حسن الذكر كحسن الجوار، والوفاء بالعهد، وصدق الحديث، وأداء ~~الأمانة، والسخاء وما أشبه ذلك ### || [21.11-15] # { وكم قصمنا من قرية } واردة عن غضب شديد ومنادية على سخط ~~عظيم لأن القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف ~~الفصم. وأراد بالقرية أهلها، ولذلك وصفها بالظلم، وقال { قوما ~~ءاخرين } لأن المعنى أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين. وعن ابن عباس ~~أنها «حضور» وهي و«سحول» قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب. وفي الحديث. ~~693 ms1230 # " كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين " # وروي «حضوريين». بعث الله إليهم نبيا فقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر ~~كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. وروي أنهم لما أخذتهم السيوف ~~ونادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء ندموا واعترفوا بالخطأ. وذلك ~~حين لم ينفعهم الندم. وظاهر الآية على الكثرة. ولعل ابن عباس ذكر «حضور» ~~بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. فلما علموا شدة عذابنا ~~وبطشتنا علم حس ومشاهدة، لم يشكوا فيها، ركضوا من ديارهم، والركض ضرب ~~الدابة بالرجل. ومنه قوله تعالى # اركض برجلك # ص 42 فيجوز أن يركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم لما ~~أدركتهم مقدمة العذاب. ويجوز أن يشبهوا في سرعة عدوهم على أرجلهم ~~بالراكبين الراكضين لدوابهم، فقيل لهم، { لا تركضوا } والقول ~~محذوف. فإن قلت من القائل؟ قلت يحتمل أن يكون بعض الملائكة أو من ثم من ~~المؤمنين أو يجعلوا خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل. أو يقوله رب ~~العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم. أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم ~~{ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } من العيش الرافه والحال ~~الناعمة. والإتراف إبطار النعمة وهي الترفة { لعلكم تسألون } ~~تهكم بهم وتوبيخ، أي ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسئلون غدا عما ~~جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. أو ~~ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم. وترتبوا في مراتبكم حتى يسألكم ~~عبيدكم وحشمكم ومن تملكون أمره وينفذ فيه أمركم ونهيكم ويقول لكم بم ~~تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأتي ونذر كعادة المنعمين المخدمين؟ أو ~~يسألكم الناس في أنديتكم المعاون في نوازل الخطوب، ويستشيرونكم في ~~المهمات والعوارض ويستشفون بتدابيركم، ويستضيئون بآرائكم أو يسألكم ~~الوافدون عليكم والطماع ويستمطرون سحائب أكفكم، ويمترون أخلاف معروفكم ~~وأياديكم إما لأنهم كانوا أسخياء ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلب الثناء. ~~أو كانوا بخلاء فقيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ { ~~تلك } إشارة إلى يا ولينا، لأنها دعوى، كأنه قيل فما زالت تلك الدعوى ~~{ دعواهم } والدعوى بمعنى الدعوة. ms1231 قال تعالى # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # يونس 10. فإن قلت لم سميت دعوى؟ قلت لأن المولول كأنه يدعو الويل، فيقول ~~تعالى يا ويل فهذا وقتك. و { تلك } مرفوع أو منصوب اسما أو خبرا ~~وكذلك دعواهم.حصيدا الحصيد الزرع المحصود. أي جعلناهم مثل الحصيد، شبههم ~~به في استئصالهم واصطلامهم كما تقول جعلناهم رمادا، أي مثل الرماد. ~~والضمير المنصوب هو الذي كان مبتدأ والمنصوبان بعده كانا خبرين له، فلما ~~دخل عليها جعل نصبها جميعا على المفعولية. فإن قلت كيف ينصب «جعل» ثلاثة ~~مفاعيل؟ قلت حكم الاثنين الآخرين حكم الواحد لأن معنى قولك «جعلته حلوا ~~حامضا» جعلته جامعا للطعمين. وكذلك معنى ذلك جعلناهم جامعين لمماثلة ~~الحصيد والخمود. ### || [21.16-17] # أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من ~~أصناف الخلائق مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوي الجبابرة سقوفهم ~~وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية ~~والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ~~ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعد والمرافق التي لا تحصى. ثم بين ~~أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب وانتفائه عن أفعالي هو أن الحكمة ~~صارفة عنه، وإلا فأنا قادر على اتخاذه إن كنت فاعلا لأني على كل شيء ~~قدير. وقوله { لاتخذنه من لدنا } ، كقوله # رزقا من لدنا # القصص 57 أي من جهة قدرتنا وقيل اللهو الولد بلغة اليمن. وقيل المرأة. ~~وقيل من لدنا، أي من الملائكة لا من الإنس، ردا لولادة المسيح وعزير. ### || [21.18] # { بل } إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، كأنه قال ~~سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب، بل من عادتنا وموجب حكمتنا واستغنائنا عن ~~القبيح أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق. واستعار لذلك القذف ~~والدمغ، تصويرا لإبطاله وإهداره ومحقه فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة ~~مثلا، قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، ثم قال { ولكم الويل ~~مما تصفون } ه به مما لا يجوز عليه وعلى حكمته. وقرىء «فيدمغه» ~~بالنصب، وهو في ضعف قوله # سأترك منزلي ms1232 لبني تميم وألحق بالحجاز ~~فأستريحا ### || [21.19-20] # { ومن عنده } هم الملائكة. والمراد أنهم مكرمون، منزلون - ~~لكرامتهم عليه - منزلة المقربين عند الملوك على طريق التمثيل والبيان ~~لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه. فإن قلت الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان ~~الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت في الاستحسار بيان أن ما ~~هم فيه يوجب غاية لحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن ~~يستحسروا فيما يفعلون. { يسبحون اليل والنهار لا ~~يفترون } أي تسبيحهم متصل دائم في جميع أوقاتهم، لا يتخلله فترة ~~بفراغ أو شغل آخر. ### || [21.21] # هذه أم المنقطة الكائنة بمعنى بل والهمزة، قد آذنت بالإضراب عما قبلها ~~والإنكار لما بعدها، والمنكر هو اتخاذهم { ءالهة من الأرض هم ~~ينشرون } الموتى، ولعمري أن من أعظم المنكرات أن ينشر الموتى بعض ~~الموات. فإن قلت كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعون ذلك ~~لآلهتهم؟ وكيف وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى وذلك أنهم كانوا - مع إقرارهم ~~لله عز وجل بأنه خالق السموات والأرض # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # لقمان 25 وبأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى - منكرين ~~البعث ويقولون من يحيى العظام وهي رميم، وكان عندهم من قبيل المحال ~~الخارج عن قدرة القادر كثاني القديم، فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف ~~بالقدرة رأسا؟ قلت الأمر كما ذكرت، ولكنهم بادعائهم لها الإلهية، ~~يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على ~~كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات. وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ ~~والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده لأن الإلهية ~~لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة. ونحو قوله { من ~~الأرض } قولك فلان من مكة أو من المدينة، تريد مكي أو مدني. ومعنى ~~نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض لأن الآلهة ~~على ضربين أرضية وسماوية. ومن ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 694 # " أين ربك " # ؟ فأشارت إلى السماء، ms1233 فقال # " إنها مؤمنة " # لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات ~~السماء مكانا لله عز وجل. ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض لأنها إما ~~أن تنحت من بعض الحجارة، أو تعمل من بعض جواهر الأرض. فإن قلت لا بد من ~~نكتة في قوله { هم } قلت النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية، كأنه قيل أم ~~اتخذوا آلهة لا يقدر على الإنشار إلا هم وحدهم. وقرأ الحسن { ينشرون ~~} وهما لغتان أنشر الله الموتى، ونشرها. لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون وصفت آلهة بالإ كما توصف بغير، لو ~~قيل آلهة غير الله. ### || [21.22] # فإن قلت ما منعك من الرفع على البدل؟ قلت لأن «لو» بمنزلة «إن» في أن ~~الكلام معه موجب، والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب، كقوله تعالى # ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك # هود 81 وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه. والمعنى لو كان ~~يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما لفسدتا. وفيه ~~دلالة على أمرين، أحدهما وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا. والثاني أن ~~لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله { إلا الله } فإن قلت لم ~~وجب الأمران؟ قلت لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما ~~من التغالب والتناكر والاختلاف. وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو ابن ~~سعيد الأشدق كان والله أعز علي من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في ~~شول وهذا ظاهر وأما طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجاول وطراد، ولأن ~~هذه الأفعال محتاجة إلى تلك الذات المتميزة بتلك الصفات حتى تثبت ~~وتستقر. ### || [21.23] # إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم ~~وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيبا وإجلالا، مع جواز الخطأ ~~والزلل وأنواع الفساد عليهم - كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ~~ورازقهم أولى بأن لا يسئل عن أفعاله، مع ما علم واستقر في العقول من أن ms1234 ~~ما يفعله كله مفعول بدواعي الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأ ولا فعل القبائح ~~{ وهم يسئلون } أي هم مملوكون مستعبدون خطاؤن، فما خلقهم بأن ~~يقال لهم لم فعلتم؟ في كل شيء فعلوه. ### || [21.24] # كرر { أم اتخذوا من دونه ءالهة } استفظاعا لشأنهم ~~واستعظاما لكفرهم، أي وصفتم الله تعالى بأن له شريكا، فهاتوا برهانكم ~~على ذلك إما من جهة العقل، وإما من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتابا ~~من كتب الأولين إلا وتوحيد الله وتنزيهه عن الأنداد مدعو إليه، ~~والإشراك به منهي عنه متوعد عليه. أي { هذا } الوحي الوارد في معنى ~~توحيد الله ونفي الشركاء عنه، كما ورد علي فقد ورد على جميع الأنبياء، ~~فهو ذكر أي عظة للذين معي يعني أمته، وذكر للذين من قبلي يريد أمم ~~الأنبياء عليهم السلام. وقرىء { ذكر من معى وذكر من قبلى ~~} بالتنوين ومن مفعول منصوب بالذكر كقوله # أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما # البلد 14 15 وهو الأصل والإضافة من إضافة المصدر إلى المفعول كقوله # غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون # الروم 3 وقرىء «من معي» و«من قبلي» على من الإضافية في هذه القراءة. ~~وإدخال الجار على «مع» غريب، والعذر فيه أنه اسم هو ظرف، نحو قبل، وبعد، ~~وعند، ولدن، وما أشبه ذلك، فدخل عليه «من» كما يدخل على أخواته. وقرىء ~~«ذكر معي وذكر قبلي» كأنه قيل بل عندهم ما هو أصل الشر والفساد كله وهو ~~الجهل وفقد العلم، وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثم جاء هذا ~~الإعراض، ومن هناك ورد هذا الإنكار. وقرىء { الحق } بالرفع على توسيط ~~التوكيد بين السبب والمسبب. والمعنى أن إعراضهم بسبب الجهل هو الحق لا ~~الباطل. ويجوز أن يكون المنصوب أيضا على هذا المعنى، كما تقول هذا عبد ~~الله الحق لا الباطل. ### || [21.25] # { يوحى } ونوحي مشهورتان. وهذه الآية مقررة لما سبقها من آي التوحيد. ### || [21.26-29] # نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله. نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر ~~عنهم بأنهم عباد والعبودية تنافي الولادة، ms1235 إلا أنهم { مكرمون } ~~مقربون عندي مفضلون على سائر العباد، لما هم عليه من أحوال وصفات ليست ~~لغيرهم، فذلك هو الذي غر منهم من زعم أنهم أولادي، تعاليت عن ذلك علوا ~~كبيرا. وقريء «مكرمون» و { لا يسبقونه } بالضم، من سابقته ~~فسبقته أسبقه. والمعنى أنهم يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا ~~يسبق قولهم قوله. والمراد بقولهم، فأنيب اللام مناب الإضافة، أي لا ~~يتقدمون قوله بقولهم، كما تقول سبقت بفرسي فرسه، وكما أن قولهم تابع ~~لقوله، فعملهم أيضا كذلك مبني على أمره لا يعملون عملا ما لم يؤمروا ~~به. وجميع ما يأتون ويذرون مما قدموا وأخروا بعين الله، وهو مجازيهم ~~عليه، فلإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم، ويراعون أحوالهم، ويعمرون أوقاتهم. ~~ومن تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة ~~في ازدياد الثواب والتعظيم، ثم أنهم مع هذا كله من خشية الله { ~~مشفقون } أي متوقعون من أمارة ضعيفة، كائنون على حذر ورقبة لا ~~يأمنون مكر الله. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 695 أنه رأى جبريل ~~عليه السلام ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية الله. وبعد أن وصف ~~كرامتهم عليه، وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال ~~السنية والأعمال المرضية. فاجأ بالوعيد الشديد، وأنذر بعذاب جهنم من أشرك ~~منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون، ~~كما قال # ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون # الأنعام 88 قصد بذلك تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد. ### || [21.30] # قرىء { ألم يروا } بغير واو. و { رتقا } بفتح التاء، وكلاهما ~~في معنى المفعول، كالخلق والنقض، أي كانتا مرتوقتين. فإن قلت الرتق صالح ~~أن يقع موقع مرتوقتين لأنه مصدر، فما بال الرتق؟ قلت هو على تقرير موصوف، ~~أي كانتا شيئا رتقا ومعنى ذلك أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء ~~بينهما. أو كانت السموات متلاصقات، وكذلك الأرضون لا فرج بينها ففتقها ~~الله وفرج بينها. وقيل ففتقناها بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة، ~~وإنما قيل كانتا ms1236 دون كن، لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرض، ونحوه ~~قولهم لقاحان سوداوان، أي جماعتان، فعل في المضمر نحو ما فعل في المظهر. ~~فإن قلت متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك؟ قلت فيه وجهان، أحدهما ~~أنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئي المشاهد. ~~والثاني أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلا بد ~~للتباين دون التلاصق من مخصص وهو القديم سبحانه { وجعلنا } لا يخلو ~~أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن تعدى إلى واحد، فالمعنى خلقنا من الماء ~~كل حيوان، كقوله # والله خلق كل دابة من ماء # النور 45 أو كأنما خلقناه من الماء لفرط احتياجه إليه وحبه له وقلة صبره ~~عنه، كقوله تعالى # خلق الإنسان من عجل # الأنبياء 37 وإن تعدى إلى اثنين فالمعنى صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء ~~لا بد له منه. و«من» هذا نحو «من» في قوله عليه السلام 696 # " ما أنا من دد ولا الدد مني " # وقرىء «حيا» وهو المفعول الثاني. والظرف لغو. ### || [21.31-32] # أي كراهة { أن تميد بهم } وتضطرب. أو لئلا تميد بهم، فحذف «لا» ~~واللام. وإنما جاز حذف «لا» لعدم الالتباس، كما تزاد لذلك في نحو قوله # لئلا يعلم # الحديد 29 وهذا مذهب الكوفيين.فجاجا الفج الطريق الواسع. فإن قلت في ~~الفجاج معنى الوصف، فما لها قدمت على السبل ولم تؤخر كما في قوله تعالى # لتسلكوا منها سبلا فجاجا # نوح 20 قلت لم تقدم وهي صفة، ولكن جعلت حالا كقوله # لعزة موحشا طلل قديم # فإن قلت ما الفرق بينهما من جهة المعنى؟ قلت أحدهما الإعلام بأنه جعل ~~فيها طرقا واسعة. والثاني بأنه حين خلقها خلقها على تلك الصفة، فهو بيان ~~لما أبهم ثمة، محفوظا حفظه بالإمساك بقدرته من أن يقع على الأرض ~~ويتزلزل، أو بالشهب عن تسمع الشياطين على سكانه من الملائكة { عن ~~ءايتها } أي عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر ~~وسائر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها على الحساب القويم والترتيب ~~العجيب، الدال على ms1237 الحكمة البالغة والقدرة الباهرة، وأي جهل أعظم من جهل ~~من أعرض عنها ولم يذهب به وهمه إلى تدبرها والاعتبار بها، والاستدلال على ~~عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها ~~مما لا يعرف كنهه إلا هو عزت قدرته ولطف علمه. وقرىء «عن آيتها» على ~~التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس أي هم متفطنون لما يرد ~~عليهم من السماء من المنافع الدنيوية، كالاستضاءة بقمريها، والاهتداء ~~بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها، وهم عن كونها آية بينة على ~~الخالق { معرضون }. ### || [21.33] # { كل } التنوين فيه عوض من المضاف إليه، أي كلهم { فى فلك ~~يسبحون } والضمير للشمس والقمر، والمراد بهما جنس الطوالع كل يوم ~~وليلة، جعلوها متكاثرة لتكاثر مطالعها وهو السبب في جمعهما بالشموس ~~والأقمار، وإلا فالشمس واحدة والقمر واحد، وإنما جعل الضمير واو العقلاء ~~للوصف بفعلهم وهو السباحة. فإن قلت الجملة ما محلها؟ قلت محلها النصب على ~~الحال من الشمس والقمر. فإن قلت كيف استبد بهما دون الليل والنهار بنصب ~~الحال عنهما؟ قلت كما تقول رأيت زيدا وهندا متبرجة ونحو ذلك إذا جئت ~~بصفة يختص بها بعض ما تعلق به العامل. ومنه قوله تعالى في هذه السورة # ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة # الأنبياء 72 أو لا محل لها لاستئنافها. فإن قلت لكل واحد من القمرين فلك ~~على حدة، فكيف قيل جميعهم يسبحون في فلك؟ قلت هذا كقولهم «كساهم الأمير ~~حلة وقلدهم سيفا» أي كل واحد منهم، أو كساهم وقلدهم هذين الجنسين، ~~فاكتفى بما يدل على الجنس اختصارا، ولأن الغرض الدلالة على الجنس. ### || [21.34-35] # كانوا يقدرون أنه سيموت فيشمتون بموته، فنفى الله تعالى عنه الشماتة ~~بهذا، أي قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشرا، فلا أنت ولا هم إلا عرضة ~~للموت، فإذا كان الأمر كذلك فإن مت أنت أيبقى هؤلاء؟ وفي معناه قول ~~القائل # فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما ~~لقينا # { ونبلوكم } أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب ~~فيه الشكر من النعم، وإلينا ms1238 مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من ~~الصبر أو الشكر، وإنما سمى ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال ~~العاملين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار. و { فتنة } مصدر مؤكد ~~لنبلوكم من غير لفظه. ### || [21.36] # الذكر يكون بخير وبخلافه، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، ~~كقولك للرجل سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان ~~عدوا فذم. ومنه قوله تعالى # سمعنا فتى يذكرهم # الأنبياء 60 وقوله { أهذا الذى يذكر الهتكم } والمعنى ~~أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم وما يجب أن لا تذكر به، من كونهم ~~شفعاء وشهداء. ويسوءهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك. وأما ذكر الله وما يجب ~~أن يذكر به من الوحدانية، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا فهم أحق بأن ~~يتخذوا هزؤا منك، فإنك محق وهم مبطلون. وقيل معنى { بذكر ~~الرحمن } قولهم ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة. وقولهم # وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا # الفرقان 60 وقيل { بذكر الرحمن } بما أنزل عليك من القرآن. ~~والجملة في موضع الحال، أي يتخذونك هزؤا. وهم على حال هي أصل الهزء ~~والسخرية وهي الكفر بالله. ### || [21.37-38] # كانوا يستعجلون عذاب الله ونزول آياته الملجئة إلى العلم والإقرار { ~~ويقولون متى هذا الوعد } فأراد نهيهم عن الاستعجال ~~وزجرهم، فقدم أولا ذم الإنسان على إفراط العجلة، وأنه مطبوع عليها، ثم ~~نهاهم وزجرهم، كأنه قال ليس ببدع منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك ~~وهو طبعكم وسجيتكم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أراد بالإنسان آدم ~~عليه السلام، وأنه حين بلغ الروح صدره ولم يتبالغ فيه أراد أن يقوم. وروي ~~أنه لما دخل الروح في عينه نظر إلى ثمار الجنة، ولما دخل جوفه اشتهى ~~الطعام. وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس، ~~فأسرع في خلقه قبل مغيبها. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه النضر بن ~~الحرث. والظاهر أن المراد الجنس. وقيل «العجل» الطين، بلغة حمير. ~~وقال شاعرهم # والنخل ينبت بين الماء والعجل # والله ms1239 أعلم بصحته. فإن قلت لم نهاهم عن الاستعجال مع قوله { خلق ~~الإنسان من عجل } وقوله # وكان الإنسن عجولا # الإسراء 11 أليس هذا من تكليف ما لا يطاق؟ قلت هذا كما ركب في الشهوة ~~وأمره أن يغلبها. لأنه أعطاه القدرة التي يستطيع بها قمع الشهوة وترك ~~العجلة. وقرىء «خلق الإنسان». ### || [21.39-40] # جواب { لو } محذوف.و { حين } مفعول به ليعلم،أي لو يعلمون الوقت ~~الذي يستعلمون عنه بقولهم { متى هذا الوعد } وهو وقت صعب شديد ~~تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام، فلا يقدرون على دفعها ومنعها من ~~أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم لما كانوا بتلك الصفة من الكفر ~~والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذي هونه عندهم. ويجوز أن ~~يكون { يعلم } متروكا بلا تعدية، بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا ~~جاهلين لما كانوا مستعجلين. وحين منصوب بمضمر، أي حين { لا يكفون ~~عن وجوههم النار } يعلمون أنهم كانوا على الباطل وينتفي عنهم ~~هذا الجهل العظيم، أي لا يكفونها، بل تفجؤهم فتغلبهم يقال للمغلوب في ~~المحاجة مبهوت ومنه # فبهت الذي كفر # البقرة 253، أي غلب إبراهيم عليه السلام الكافر. وقرأ الأعمش يأتيهم. ~~فيبهتهم، على التذكير. والضمير للوعد أو للحين. فإن قلت فإلام يرجع ~~الضمير المؤنث في هذه القراءة؟ قلت إلى النار أو إلى الوعد، لأنه في معنى ~~النار وهي التي وعدوها أو على تأويل العدة أو الموعدة. أو إلى الحين، ~~لأنه في معنى الساعة. أو إلى البغتة. وقيل في القراءة الأولى الضمير ~~للساعة. وقرأ الأعمش بغتة، بفتح الغين { ولا هم ينظرون } تذكير ~~بإنظاره إياهم وإمهاله، وتفسيح وقت التذكر عليهم، أي لا يمهلون بعد طول ~~الإمهال. ### || [21.41] # سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء ~~عليهم السلام أسوة وأن ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين ~~بالأنبياء عليهم السلام ما فعلوا. ### || [21.42] # { من الرحمن } أي من بأسه وعذابه { بل هم } معرضون عن ذكره ~~لا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا رزقوا الكلاءة منه ~~عرفوا من الكاليء وصلحوا ms1240 للسؤال عنه. والمراد أنه أمر رسوله عليه الصلاة ~~والسلام بسؤالهم عن الكاليء، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك لإعراضهم عن ذكر ~~من يكلؤهم. ### || [21.43] # ثم أضرب عن ذلك بما في «أم» من معنى «بل» وقال { أم لهم الهة ~~تمنعهم } من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا. ثم استأنف فبين أن ما ~~ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد، كيف ~~يمنع غيره وينصره؟ ### || [21.44] # ثم قال بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم ~~من إهلاكنا، وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا ~~وإمهالا، كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم { حتى طال ~~عليهم } الأمد، وامتدت بهم أيام الروح والطمأنينة، فحسبوا أن لا ~~يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم، وذلك طمع ~~فارغ وأمد كاذب { أفلا يرون أنا } ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ~~ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها دار ~~إسلام. فإن قلت أي فائدة في قوله { نأتى الأرض }؟ قلت فيه تصوير ما ~~كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض ~~المشركين وتأتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها. ### || [21.45-46] # قرىء { ولا يسمع الصم } ولا تسمع الصم، بالتاء والياء، أي لا ~~تسمع أنت الصم، ولا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يسمع الصم، ~~من أسمع. فإن قلت الصم لا يسمعون دعاء المبشر كما لا يسمعون دعاء المنذر. ~~فكيف قيل { إذا ما ينذرون }؟ قلت اللام في الصم إشارة إلى هؤلاء ~~المنذرين، كائنة للعهد لا للجنس. والأصل ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع ~~الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إذا أنذروا. أي هم ~~على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصام من آيات الأنذار { ~~ولئن مستهم } من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء، لأذعنوا وذلوا، ~~وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا. وفي المس والنفحة ثلاث ~~مبالغات، لأن النفح في معنى القلة والنزارة. يقال نفحته الدابة وهو رمح ~~يسير، ms1241 ونفحه بعطية رضخه. ولبناء المرة. ### || [21.47] # وصفت { الموزين } بالقسط وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط. ~~أو على حذف المضاف، أي ذوات القسط. واللام في { ليوم القيمة } ~~مثلها في قولك جئته لخمس ليال خلون من الشهر. ومنه بيت النابغة # ترسمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا ~~العام سابع # وقيل لأهل يوم القيامة، أي لأجلهم. فإن قلت ما المراد بوضع الموازين؟ ~~قلت فيه قولان، أحدهما إرصاد الحساب السوي، والجزاء على حسب الأعمال ~~بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم عباده مثقال ذرة، فمثل ذلك بوضع ~~الموازين لتوزن بها الموزونات. والثاني أنه يضع الموازين الحقيقية ويزن ~~بها الأعمال. عن الحسن هو ميزان له كفتان ولسان. ويروى أن داود عليه ~~السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما رآه غشي عليه، ثم أفاق فقال يا ~~إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال يا داود، إني إذا رضيت عن ~~عبدي ملأتها بتمرة. فإن قلت كيف توزن الأعمال وإنما هي أعراض؟ قلت فيه ~~قولان، أحدهما توزن صحائف الأعمال. والثاني تجعل في كفة الحسنات جواهر ~~بيض مشرقة، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة. وقرىء مثقال حبة ~~على «كان» التامة، كقوله تعالى # وإن كان ذو عسرة # البقرة 280 وقرأ ابن عباس ومجاهد { أتينا بها } وهي مفاعلة من ~~الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء ~~وقرأ حميد «أثبنا بها» من الثواب. وفي حرف أبي «جئنا بها». وأنث ضمير ~~المثقال لإضافته إلى الحبة، كقولهم ذهبت بعض أصابعه، أي آتيناهما. ### || [21.48] # أي آتيناهما { ا لفرقان } وهو التوراة وأتينا به { ضياء ~~وذكرا للمتقين } والمعنى أنه في نفسه ضياء وذكر. أو آتيناهما ~~بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكرا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~الفرقان الفتح، كقوله # يوم الفرقان # الأنفال 41 وعن الضحاك فلق البحر. وعن محمد بن كعب المخرج من الشبهات. ~~وقرأ ابن عباس «ضياء» بغير واو وهو حال عن الفرقان. والذكر الموعظة، أو ~~ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم، أو الشرف. ### || [21.49] # محل { الذين } جر على ms1242 الوصفية. أو نصب على المدح. أو رفع عليه. ### || [21.50] # { وهذا ذكر مبارك } هو القرآن. وبركته كثرة منافعه، وغزارة ~~خيره. ### || [21.51-54] # الرشد الاهتداء لوجوه الصلاح. قال الله تعالى # فإن آنستم منهم رشدا فادفغوا إليهم أموالهم # النساء 6 وقرىء «رشده» والرشد والرشد، كالعدم والعدم. ومعنى إضافته إليه ~~أنه رشد مثله. وأنه رشد له شأن { من قبل } أي من قبل موسى وهرون ~~عليهما السلام. ومعنى علمه به أنه علم منه أحوالا بديعة وأسرارا عجيبة ~~وصفات قد رضيها وأحمدها، حتى أهله لمخالته ومخالصته، وهذا كقولك في خير ~~من الناس أنا عالم بفلان، فكلامك هذامن الاحتواء على محاسن الأوصاف بمنزل ~~{ إذ } إما أن يتعلق بآتينا، أو برشده، أو بمحذوف، أي اذكر من أوقات ~~رشده هذا الوقت. قوله { ما هذه التمثيل } تجاهل لهم وتغاب، ~~ليحقر آلهتهم ويصغر شأنها، مع علمه بتعظيمهم وإجلالهم لها. لم ينو ~~للعاكفين مفعولا، وأجراه مجرى ما لا يتعدى، كقولك فاعلون العكوف لها أو ~~واقفون لها. فإن قلت هلا قيل عليها عاكفون، كقوله تعالى # يعكفون على أصنام لهم # الأعراف 138؟ قلت لو قصد التعدية لعداه بصلته التي هي «على». ما أقبح ~~التقليد والقول المتقبل بغير برهان، وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حين ~~استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم، وهم ~~معتقدون أنهم على شيء، وجادون في نصرة مذهبهم، ومجادلون لأهل الحق عن ~~باطلهم، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأصنام منهم { أنتم } من ~~التأكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير هو في ~~حكم بعض الفعل ممتنع. ونحوه اسكن أنت وزوجك الجنة، أراد أن المقلدين ~~والمقلدين جميعا، منخرطون في سلك ضلال لا يخفى على من به أدنى مسكة، ~~لاستناد الفريقين إلى غير دليل، بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع، لاستبعادهم ~~أن يكون ما هم عليه ضلالا. ### || [21.55] # بقوا متعجبين من تضليله إياهم، وحسبوا أن ما قاله إنما قاله على وجه ~~المزاح والمداعبة، لا على طريق الجد. فقالوا له هذا الذي جئتنا به، أهو ~~جد وحق، أم ms1243 لعب وهزل؟ ### || [21.56] # الضمير في { فطرهن } للسموات والأرض. أو للتماثيل، وكونه للتماثيل ~~أدخل في تضليلهم، وأثبت للاحتجاج عليهم. وشهادته على ذلك إدلاؤه بالحجة ~~عليه. وتصحيحه بها كما تصحح الدعوى بالشهادة، كأنه قال وأنا أبين ذلك ~~وأبرهن عليه كما تبين الدعاوى بالبينات، لأني لست مثلكم، فأقول ما لا ~~أقدر على إثباته بالحجة. كما لم تقدروا على الاحتجاج لمذهبكم، ولم تزيدوا ~~على أنكم وجدتم عليه آباءكم. ### || [21.57-58] # قرأ معاذ بن جبل «بالله» وقرىء «تولوا» بمعنى تتولوا. ويقويها قوله # فتولوا عنه مدبرين # الصافات 90. فإن قلت ما الفرق بين الباء والتاء؟ قلت أن الباء هي الأصل، ~~والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وأن التاء فيها زيادة معنى وهو ~~التعجب، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده وتأتيه، لأن ذلك كان أمرا ~~مقنوطا منه لصعوبته وتعذره. ولعمري إن مثله صعب متعذر في كل زمان. ~~خصوصا في زمن نمروذ مع عتوه واستكباره وقوة سلطانه وتهالكه على نصرة ~~دينه ولكن # إذا الله سنى عقد شيء تيسرا # روي أن آزر خرج به في يوم عيد لهم، فبدؤا ببيت الأصنام فدخلوه وسجدوا ~~لها ووضعوا بينها طعاما خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع بركت الآلهة ~~على طعامنا، فذهبوا وبقي إبراهيم فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنما ~~مصطفة، وثم صنم عظيم مستقبل الباب، وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان ~~بالليل فكسرها، كلها بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلا الكبير علق الفأس ~~في عنقه، عن قتادة قال ذلك سرا من قومه، وروي سمعه رجل واحد { جذاذا } ~~قطاعا، من الجذ وهو القطع. وقرىء بالكسر والفتح. وقرىء «جذذا» جمع ~~جذيذ، و«جذذا» جمع جذة. وإنما استبقى الكبير لأنه غلب في ظنه أنهم لا ~~يرجعون إلا إليه، لما تسامعوه من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم، فيبكتهم ~~بما أجاب به من قوله { بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسئلوهم } وعن الكلبي { إليه } إلى كبيرهم. ومعنى هذا لعلهم ~~يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات، فيقولون له ما لهؤلاء ~~مكسورة ومالك صحيحا والفأس على عاتقك؟ ms1244 قال هذا بناء على ظنه بهم، لما ~~جرب وذاق من مكابرتهم لعقولهم واعتقادهم في آلهتهم وتعظيمهم لها. أو قاله ~~مع علمه أنهم لا يرجعون إليه استهزاء بهم واستجهالا، وأن قياس حال من ~~يسجد له ويؤهله للعبادة أن يرجع إليه في حل كل مشكل. فإن قلت فإذا رجعوا ~~إلى الصنم بمكابرتهم لعقولهم ورسوخ الإشراك في أعراقهم، فأي فائدة دينية ~~في رجوعهم إليه حتى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه غرضا؟ قلت إذا رجعوا ~~إليه تبين أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، وظهر أنهم في عبادته على جهل عظيم. ### || [21.59] # أي أن من فعل هذا الكسر والحطم لشديد الظلم، معدود في الظلمة إما ~~لجرأته على الآلهة الحقيقة عندهم بالتوقير والإعظام، وإما لأنهم رأوا ~~إفراطا في حطمها وتماديا في الاستهانة بها. ### || [21.60-61] # فإن قلت ما حكم الفعلين بعد { سمعنا فتى } وأي فرق بينهما؟ قلت ~~هما صفتان لفتى، إلا أن الأول وهو { يذكرهم } لا بد منه لسمع، ~~لأنك لا تقول سمعت زيدا وتسكت، حتى تذكر شيئا مما يسمع. وأما الثاني ~~فليس كذلك. فإن قلت { إبراهيم } ما هو؟ قلت قيل هو خبر مبتدأ محذوف، ~~أو منادى. والصحيح أنه فاعل يقال، لأن المراد الاسم لا المسمى { على ~~أعين الناس } في محل الحال، بمعنى معاينا مشاهدا، أي بمرأى منهم ~~ومنظر. فإن قلت فما معنى الاستعلاء في على؟ قلت هو وارد على طريق المثل، ~~أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن فيها ثبات الراكب على المركوب وتمكنه ~~منه { لعلهم يشهدون } عليه بما سمع منه. وبما فعله أو يحضرون ~~عقوبتنا له. روي أن الخبر بلغ نمروذ وأشراف قومه، فأمروا بإحضاره. ### || [21.62-63] # هذا من معاريض الكلام ولطائف هذا النوع لا يتغلغل فيها إلا أذهان الراضة ~~من علماء المعاني. والقول فيه أن قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن ~~إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته ~~لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم، وهذا كما ~~لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط ms1245 رشيق وأنت شهير بحسن الخط أأنت كتبت ~~هذا وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة ~~فاسدة؟! فقلت له بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب ~~تقريره لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش، ~~لأن إثباته - والأمر دائر بينكما للعاجز منكما - استهزاء به وإثبات ~~للقادر، ولقائل أن يقول غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مرتبة، وكان ~~غيظ كبيرها أكبر وأشد لم رأى من زيادة تعظيمهم له. فأسند الفعل إليه ~~لأنه هو الذي تسبب لاستهانته بها وحطمه لها، والفعل كما يسند إلى مباشره ~~يسند إلى الحامل عليه. ويجوز أن يكون حكاية لما يقول إلى تجويزه مذهبهم، ~~كأنه قال لهم ما تنكرون أن يفعله كبيرهم. فإن من حق من يعبد ويدعى إلها ~~أن يقدر على هذا وأشد منه. ويحكى أنه قال فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد ~~معه هذه الصغار وهو أكبر منها. وقرأ محمد بن السميقع «فعله كبيرهم»، ~~يعني فلعله، أي فلعل الفاعل كبيرهم. ### || [21.64] # فلما ألقمهم الحجر وأخذ بمخانقهم، رجعوا إلى أنفسهم فقالوا أنتم ~~الظالمون على الحقيقة، لا من ظلمتموه حين قلتم من فعل هذا بآلهتنا إنه ~~لمن الظالمين. ### || [21.65] # نكسته قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس انقلب، أي استقاموا حين رجعوا ~~إلى أنفسهم وجاؤا بالفكرة الصالحة، ثم انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة، ~~فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة، وأن هؤلاء - مع تقاصر حالها عن ~~حال الحيوان الناطق - آلهة معبودة، مضارة منهم. أو انتكسوا عن كونهم ~~مجادلين لإبراهيم عليه السلام مجادلين عنه، حين نفوا عنها القدرة على ~~النطق. أو قلبوا على رؤسهم حقيقة، لفرط إطراقهم خجلا وانكسارا ~~وانخزالا مما بهتهم به إبراهيم عليه السلام، فما أحاروا جوابا ما هو ~~حجة عليهم. وقرىء «نكسوا» بالتشديد ونكسوا، على لفظ ما سمي فاعله، أي ~~نكسوا أنفسهم على رؤوسهم. قرأ به رضوان ابن عبد المعبود. ### || [21.66-67] # { أف } صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر، أضجره ما رأى من ثباتهم ~~على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، ms1246 فتأفف بهم. ~~واللام لبيان المتأفف به. أي لكم ولآلهتكم هذا التأفف. ### || [21.68-70] # أجمعوا رأيهم - لما غلبوا - بإهلاكه وهكذا المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة ~~وافتضح، لم يكن أحد أبغض إليه من المحق. ولم يبق له مفزع إلا مناصبته، ~~كما فعلت قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم حين عجزوا عن المعارضة ~~والذي أشار بإحراقه نمروذ. وعن ابن عمر رضي الله عنهما رجل من أعراب ~~العجم يريد الأكراد. وروي أنهم حين هموا بإحراقه، حبسوه ثم بنوا بيتا ~~كالحظيرة بكوثى، وجمعوا شهرا أصناف الخشب الصلاب، حتى إن كانت المرأة ~~لتمرض فتقول إن عافاني الله لأجمعن خطبا لإبراهيم عليه السلام، ثم ~~أشعلوا نارا عظيمة كادت الطير تحترق في الجو من وهجها. ثم وضعوه في ~~المنجنيق مقيدا مغلولا فرموا به فيها، فناداها جبريل عليه السلام { ~~قلنا ينار كونى بردا وسلما } ويحكى. ما أحرقت منه إلا ~~وثاقه. وقال له جبريل عليه السلام حين رمي به هل لك حاجة؟ فقال أما إليك ~~فلا. قال فسل ربك. قال حسبي من سؤالي علمه بحالي. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما إنما نجا بقوله حسبي الله ونعم الوكيل، وأطل عليه نمروذ من الصرح ~~فإذا هو في روضة ومعه جليس له من الملائكة، فقال إني مقرب إلى إلهك، ~~فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه ~~عليه إذ ذاك ابن ست عشرة سنة. واختاروا المعاقبة بالنار لأنها أهول ما ~~يعاقب به وأفظعه، ولذلك جاء 697 # " لا يعذب بالنار إلا خالقها " # ومن ثم قالوا { إن كنتم فعلين } أي إن كنتم ناصرين آلهتكم ~~نصرا مؤزرا، فاختاروا له أهول المعاقبات وهي الإحراق بالنار، وإلا ~~فرطتم في نصرتها. ولهذا عظموا النار وتكلفوا في تشهير أمرها وتفخيم ~~شأنها، ولم يألوا جهدا في ذلك. جعلت النار لمطاوعتها فعل الله وإرادته ~~كمأمور أمر بشيء فامتثله. والمعنى ذات برد وسلام، فبولغ في ذلك، كأن ~~ذاتها برد وسلام. والمراد ابردي فيسلم منك إبراهيم. أو ابردي بردا غير ~~ضار. وعن ابن عباس رضي الله عنه لو لم ms1247 يقل ذلك لأهلكته ببردها. فإن قلت ~~كيف بردت النار وهي نار؟ قلت نزع الله عنها طبعها الذي طبعها عليه من ~~الحر والإحراق، وأبقاها على الإضاءة والإشراق والاشتعال كما كانت، والله ~~على كل شيء قدير. ويجوز أن يدفع بقدرته عن جسم إبراهيم عليه السلام أذى ~~حرها ويذيقه فيها عكس ذلك، كما يفعل بخزنة جهنم، ويدل عليه قوله { ~~على إبرهيم } وأرادوا أن يكيدوه ويمكروا به، فما كانوا إلا ~~مغلوبين مقهورين غالبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمبكت، وفزعوا إلى ~~القوة والجبروت، فنصره وقواه. ### || [21.71] # نجيا من العراق إلى الشام. وبركاته الواصلة إلى العالمين أن أكثر ~~الأنبياء عليهم السلام بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم وآثارهم ~~الدينية وهي البركات الحقيقية. وقيل بارك الله فيه بكثرة الماء والشجر ~~والثمر والخصب وطيب عيش الغني والفقير. وعن سفيان أنه خرج إلى الشام ~~فقيل له إلى أين؟ فقال إلى بلد يملأ فيه الجراب بدرهم. وقيل ما من ماء ~~عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس وروي أنه نزل ~~بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. ### || [21.72] # النافلة ولد الولد. وقيل سأل إسحاق فأعطيه، وأعطي يعقوب نافلة، أي زيادة ~~وفضلا من غير سؤال. ### || [21.73] # { يهدون بأمرنا } فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله ~~فالهداية محتومة عليه مأمور هو بها من جهة الله، ليس له أن يخل بها ~~ويتثاقل عنها، وأول ذلك أن يهتدي بنفسه لأن الانتفاع بهداه أعم، والنفوس ~~إلى الاقتداء بالمهدي أميل { فعل الخيرت } أصله أن تفعل الخيرات، ~~ثم فعلا الخيرات، ثم فعل الخيرات. وكذلك إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ### || [21.74-75] # { حكما } حكمة وهو ما يجب فعله. أو فصلا بين الخصوم. وقيل هو ~~النبوة. والقرية سدوم، أي في أهل رحمتنا. أو في الجنة. ومنه الحديث 698 # " هذه رحمتي أرحم بها من أشاء. " ### || [21.76-77] # { من قبل } من قبل هؤلاء المذكورين. هو «نصر» الذي مطاوعه «انتصر» ~~وسمعت هذليا يدعو على سارق اللهم انصرهم منه، أي اجعلهم منتصرين منه. ~~والكرب الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه. ms1248 ### || [21.78-80] # أي واذكرهما. وإذ بدل منهما. والنفش الانتشار بالليل. وجمع الضمير لأنه ~~أرادهما والمتحاكمين إليهما. وقرىء «لحكمهما» والضمير في { ~~ففهمنها } للحكومة أو الفتوى. وقرىء «فأفهمناها» حكم داود ~~بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان عليه السلام وهو ابن إحدى عشرة سنة غير ~~هذا أرفق بالفريقين، فعزم عليه ليحكمن، فقال أرى أن تدفع الغنم إلى أهل ~~الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الشاء ~~يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد، ثم يترادان. فقال القضاء ما ~~قضيت، وأمضى الحكم بذلك. فإن قلت أحكما بوحي أم باجتهاد؟ قلت حكما جميعا ~~بالوحي، إلا أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان. وقيل اجتهدا جميعا، فجاء ~~اجتهاد سليمان عليه السلام أشبه بالصواب. فإن قلت ما وجه كل واحدة من ~~الحكومتين؟ قلت أما وجه حكومة داود عليه السلام، فلأن الضرر لما وقع ~~بالغنم سلمت بجنايتها إلى المجني عليه، كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه ~~في العبد إذ جنى على النفس يدفعه المولى بذلك أو يفديه، وعند الشافعي رضي ~~الله عنه يبيعه في ذلك أو يفديه. ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان ~~في الحرث. ووجه حكومة سليمان عليه السلام أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ~~ما فات من الانتفاع بالحرث، من غير أن يزول ملك المالك عن الغنم، وأوجب ~~على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، مثاله ما قال ~~أصحاب الشافعي فيمن غصب عبدا فأبق من يده أنه يضمن القيمة فينتفع بها ~~المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد، فإذا ظهر ترادا، فإن ~~قلت فلو وقعت هذه الواقعة في شريعتنا ما حكمها؟ قلت أبو حنيفة وأصحابه ~~رضي الله عنهم لا يرون فيه ضمانا بالليل أو بالنهار إلا أن يكون مع ~~البهيمة سائق أو قائد والشافعي رضي الله عنه يوجب الضمان بالليل. وفي ~~قوله { ففهمنها سليمن } دليل على أن الأصوب كان مع ~~سليمان عليه السلام. وفي قوله { وكلا ءاتينا حكما وعلما } ~~دليل على أنهما جميعا كانا على الصواب { يسبحن } حال بمعنى مسبحات. ~~أو ms1249 استئناف. كأن قائلا قال كيف سخرهن؟ فقال يسبحن { والطير } إما ~~معطوف على الجبال، أو مفعول معه، فإن قلت لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت ~~لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز، لأنها ~~جماد والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق. روي أنه كان يمر بالجبال مسبحا ~~وهي تجاوبه. وقيل كانت تسير معه حيث سار. فإن قلت كيف تنطق الجبال وتسبح؟ ~~قلت بأن يخلق الله فيها الكلام كما خلقه في الشجرة حين كلم موسى وجواب ~~آخر وهو أن يسبح من رآها تسير بتسيير الله، فلما حملت على التسبيح وصفت ~~به { وكنا فعلين } أي قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا ~~عندكم وقيل وكنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك. اللبوس الباس. قال # سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز ~~فأستريحا # والمراد الدرع قال قتادة كانت صفائح فأول من سردها وحلقها داود، فجمعت ~~الخفة والتحصين { لتحصنكم } قرىء بالنون والياء والتاء، وتخفيف ~~الصاد وتشديدها فالنون لله عز وجل، والتاء للصنعة أو للبوس على تأويل ~~الدرع، والياء لداود أو للبوس. ### || [21.81-82] # قرىء «الريح» و«الرياح» بالرفع والنصب فيهما فالرفع على الابتداء، ~~والنصب على العطف على الجبال. فإن قلت وصفت هذه الرياح بالعصف تارة ~~وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت كانت في نفسها رخية طيبة ~~كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال # غدوها شهر ورواحها شهر # سبأ 12 فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها وعاصفة في عملها، ~~مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم آية إلى آية ومعجزة ~~إلى معجزة. وقيل كانت في وقت رخاء، وفي وقت عاصفا لهبوبها على حكم ~~إرادته وكنا بكل شيء عالمين، وقد أحاط علمنا بكل شيء فنجري الأشياء كلها ~~على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا. أي يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر، ~~ويتجاوزون ذلك إلى الأعمال والمهن وبناء المدائن والقصور واختراع الصنائع ~~العجيبة، كما قال # يعملون له ما يشاء من محريب وتمثيل # سبأ 13 والله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا ms1250 أو يغيروا، أو يوجد ~~منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه. ### || [21.83-84] # أي ناداه بأني مسني الضر. وقرىء «إني» بالكسر على إضمار القول أو لتضمن ~~النداء معناه والضر - بالفتح - الضرر في كل شيء، وبالضم الضرر في النفس ~~من مرض وهزال، فرق بين البناءين لافتراق المعنيين. ألطف في السؤال حيث ~~ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب. ~~ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت يا أمير المؤمنين، ~~مشت جرذان بيتي على العصي ! فقال لها ألطفت في السؤال، لا جرم لأردنها ~~تثب وثب الفهود وملأ بيتها حبا. كان أيوب عليه السلام روميا من ولد ~~إسحاق بن يعقوب عليهم السلام، وقد استنبأه الله وبسط عليه الدنيا وكثر ~~أهله وماله كان له سبعة بنين وسبع بنات، وله أصناف البهائم، وخمسمائة ~~فدان يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ونخيل، فابتلاه الله بذهاب ~~ولده - انهدم عليهم البيت فهلكوا - وبذهاب ماله، وبالمرض في بدنه ثماني ~~عشرة سنة. وعن قتادة ثلاث عشرة سنة. وعن مقاتل سبعا وسبعة أشهر وسبع ~~ساعات، وقالت له امرأته يوما لو دعوت الله، فقال لها كم كانت مدة الرخاء ~~فقالت ثمانين سنة، فقال أنا أستحي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي ~~مدة رخائي فلما كشف الله عنه أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم. وروي أن ~~امرأته ولدت بعد ستة وعشرين ابنا أي لرحمتنا العابدين وأنا نذكرهم ~~بالإحسان لا ننساهم أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا ~~كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. ### || [21.85-86] # قيل في ذي الكفل هو إلياس. وقيل زكريا. وقيل يوشع بن نون، وكأنه سمي ~~بذلك لأنه ذو الحظ من الله والمجدود على الحقيقة. وقيل كان له ضعف عمل ~~الأنبياء في زمانه وضعف ثوابهم. وقيل خمسة من الأنبياء ذوو اسمين إسرائيل ~~ويعقوب. إلياس وذو الكفل. عيسى والمسيح. يونس وذو النون. محمد وأحمد ~~صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ### || [21.87] # { النون } الحوت، فأضيف إليه. برم بقومه لطول ما ms1251 ذكرهم فلم يذكروا ~~وأقاموا على كفرهم، فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبا ~~لله وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من ~~الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت. ومعنى مغاضبته لقومه أنه ~~أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. وقرأ أبو شرف «مغضبا» ~~قريء «نقدر» و«نقدر» مخففا ومثقلا ويقدر، بالياء بالتخفيف. ويقدر. ~~ويقدر، على البناء للمفعول مخففا ومثقلا. وفسرت بالتضييق عليه، ~~وبتقدير الله عليه عقوبة. وعن ابن عباس أنه دخل على معاوية فقال لقد ~~ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك. ~~قال وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية وقال أو يظن نبي الله أن لا يقدر ~~عليه؟ قال هذا من القدر لامن القدرة. والمخفف يصح أن يفسر بالقدرة، على ~~معنى أن لن نعمل فيه قدرتنا، وأن يكون من باب التمثيل، بمعنى فكانت حاله ~~ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمر ~~الله. ويجوز أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم يردعه ويرده ~~بالبرهان، كما يفعل المؤمن المحقق بنزغات الشيطان وما يوسوس إليه في كل ~~وقت. ومنه قوله تعالى # وتظنون بالله الظنونا # الأحزاب 10 والخطاب للمؤمنين { فى الظلمت } أي في الظلمة ~~الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت، كقوله # ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمت # البقرة 17 وقوله # يخرجونهم من النور إلى الظلمت # البقرة 257 وقيل ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل ابتلع حوته حوت ~~أكبر منه، فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمة البحر. { أن } أي بأنه { ~~لا إله إلا أنت } أو بمعنى «أي» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~699 # " ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له " # وعن الحسن ما نجاه والله إلا إقراره على نفسه بالظلم. ### || [21.88] # { ننجى } «وننجي» «ونجي» والنون لا تدغم في الجيم، ومن تمحل لصحته ~~فجعله فعل وقال نجى النجاء المؤمنين - فأرسل الياء وأسنده إلى مصدره ونصب ~~المؤمنين بالنجاء - فمتعسف بارد التعسف. ### || [21.89-90] # سأل ms1252 ربه أن يرزقه ولدا يرثه ولا يدعه وحيدا بلا وارث، ثم رد أمره إلى ~~الله مستسلما فقال { وأنت خير الورثين } أي إن لم ترزقني من ~~يرثني فلا أبالي، فإنك خير وارث. إصلاح زوجه أن جعلها صالحة للولادة بعد ~~عقرها. وقيل تحسين خلقها وكانت سيئة الخلق إنهم الضمير للمذكورين من ~~الأنبياء عليهم السلام يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا ~~لمبادرتهم أبواب الخير ومسارعتهم في تحصيلها كما يفعل الراغبون في الأمور ~~الجادون. وقرىء { رغبا ورهبا } بالإسكان، وهو كقوله تعالى # يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه # الزمر 9. { خشعين } قال الحسن ذللا لأمر الله. وعن مجاهد الخشوع ~~الخوف الدائم في القلب. وقيل متواضعين. وسئل الأعمش فقال أما إني سألت ~~إبراهيم فقال ألا تدري؟ قلت أفدني. قال بينه وبين الله إذا أرخى ستره ~~وأغلق بابه، فلير الله منه خيرا، لعلك ترى أنه أن يأكل خشنا ويلبس ~~خشنا ويطأطيء رأسه. ### || [21.91] # { أحصنت فرجها } إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا كما ~~قالت # ولم يمسسنى بشر ولم أك بغيا # مريم 20. فإن قلت نفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه. قال الله تعالى # فإذا سويته ونفخت فيه من روحى # الحجر 29 أي أحييته. وإذا ثبت ذلك كان قوله { فنفخنا فيها من ~~روحنا } ظاهر الإشكال لأنه يدل على إحياء مريم قلت معناه نفخنا الروح ~~في عيسى فيها، أي أحييناه في جوفها. ونحو ذلك أن يقول الزمار نفخت في بيت ~~فلان، أي نفخت في المزمار في بيته. ويجوز أن يراد وفعلنا النفخ في مريم ~~من جهة روحنا وهو جبريل عليه السلام لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ ~~إلى جوفها. فإن قلت هلا قيل آيتين كما قال # وجعلنا اليل والنهار ءايتين # الإسراء 12؟ قلت لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة، وهي ولادتها إياه من ~~غير فحل. ### || [21.92] # الأمة الملة، و { هذه } إشارة إلى ملة الإسلام، أي إن ملة الإسلام ~~هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشارإليها ملة واحدة ~~غير مختلفة { وأنا } إلهكم إله واحد { فاعبدون } ونصب الحسن ~~أمتكم ms1253 على البدل من هذه، ورفع أمة خبرا. وعنه رفعهما جميعا خبرين ~~لهذه. أو نوى للثاني مبتدأ، والخطاب للناس كافة. ### || [21.93] # والأصل وتقطعتم، إلا أن الكلام حرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ~~ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم ألا ترون ~~إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله. والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما ~~بينهم قطعا، كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه، فيطير لهذا نصيب ولذاك ~~نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى. ثم توعدهم ~~بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم. ### || [21.94] # الكفران مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله ~~شكور. وقد نفى نفي الجنس ليكون أبلغ من أن يقول فلا نكفر سعيه { ~~وإنا له كتبون } أي نحن كاتبو ذلك السعي ومثبتوه في صحيفة ~~عمله، وما نحن مثبتوه فهو غير ضائع ومثاب عليه صاحبه. ### || [21.95-96] # استعير الحرام للممتنع وجوده. ومنه قوله عز وجل # إن الله حرمهما على الكفرين # الأعراف 50 أي منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم. وقرىء «حرم» و«حرم»، ~~بالفتح والكسر. وحرم وحرم. ومعنى { أهلكنها } عزمنا على ~~إهلاكها. أو قدرنا إهلاكها. ومعنى الرجوع الرجوع من الكفر إلى الإسلام ~~والإنابة ومجاز الآية أن قوما عزم الله على إهلاكهم غير متصور أن ~~يرجعوا وينيبوا، إلى أن تقوم القيامة فحينئذ يرجعون ويقولون # يويلنا قد كنا فى غفلة من هذا بل كنا ~~ظلمين # الأنبياء 97 يعني أنهم مطبوع على قلوبهم فلا يزالون على كفرهم ويموتون ~~عليه حتى يروا العذاب. وقرىء «إنهم» بالكسر. وحق هذا أن يتم الكلام ~~قبله، فلا بد من تقدير محذوف، كأنه قيل وحرام على قرية أهلكناها ذاك. ~~وهو المذكور في الآية المتقدمة من العمل الصالح والسعي المشكور غير ~~المكفور، ثم علل فقيل إنهم لا يرجعون عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك. ~~والقراءة بالفتح يصح حملها على هذا؟ أي لأنهم لا يرجعون ولا صلة على ~~الوجه الأول. فإن قلت بم تعلقت { حتى } واقعة غاية له، وآية الثلاث ~~هي؟ ms1254 قلت هي متعلقة بحرام، وهي غاية له لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى ~~تقوم القيامة، وهي { حتى } التي يحكى بعدها الكلام، والكلام المحكي ~~الجملة من الشرط والجزاء، أعني «إذا» وما في حيزها حذف المضاف إلى { ~~يأجوج ومأجوج } وهو سدهما، كما حذف المضاف إلى القرية وهو ~~أهلها. وقيل فتحت كما قيل { أهلكنها } وقرىء «آجوج» وهما قبيلتان ~~من جنس الإنس، يقال الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج { وهم } ~~راجع إلى الناس المسوقين إلى المحشر وقيل هم يأجوج ومأجوج يخرجون حين ~~يفتح السد. الحدب النشز من الأرض. وقرأ ابن عباس رضي الله عنه «من كل ~~جدث» وهو القبر، الثاء حجازية، والفاء تميمية. وقرىء { ينسلون } بضم ~~السين ونسل وعسل أسرع. ### || [21.97] # و { إذا } هي إذا المفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء، ~~كقوله تعالى # إذا هم يقنطون # الروم 36 فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ~~ولو قيل إذا هي شاخصة. أو فهي شاخصة، كان سديدا { هى } ضمير مبهم ~~توضحه الأبصار وتفسره، كما فسر الذين ظلموا وأسروا { يويلنآ } ~~متعلق بمحذوف تقديره يقولون يا ويلنا، ويقولون في موضع الحال من الذين ~~كفروا. ### || [21.98-100] # { ما تعبدون من دون الله } يحتمل الأصنام وإبليس وأعوانه، ~~لأنهم بطاعتهم لهم واتباعهم خطواتهم في حكم عبدتهم. ويصدقه ما روي 700 ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، ~~وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحرث ~~فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليهم { إنكم ~~وما تعبدون من دون الله } الآية، فأقبل عبد الله بن الزبعرى ~~فرآهم يتهامسون، فقال فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله أما والله لو وجدته لخصمته، ~~فدعوه. فقال ابن الزبعرى أأنت قلت ذلك؟ قال نعم. قال قد خصمتك ورب ~~الكعبة. أليس اليهود عبدوا عزيرا، والنصارى عبدوا المسيح، وبنو مليح ~~عبدوا الملائكة؟ فقال صلى الله عليه وسلم # " بل هم عبدوا ms1255 الشياطين التي أمرتهم بذلك " # فأنزل الله تعالى # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # الأنبياء 101 يعني عزيرا والمسيح والملائكة عليهم السلام. فإن قلت لم ~~قرنوا بآلهتهم؟ قلت لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة، حيث ~~أصابهم ما أصابهم بسببهم. والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب، ولأنهم ~~قدروا، أنهم يستشفعون بهم في الآخرة ويستنفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا ~~الأمر على عكس ما قدروا لم يكن شيء أبغض إليهم منهم. فإن قلت إذا عنيت ~~بما تعبدون الأصنام، فما معنى { لهم فيها زفير }؟ قلت إذا كانوا ~~هم وأصنامهم في قرن واحد، جاز أن يقال لهم زفير، وإن لم يكن الزافرين إلا ~~هم دون الأصنام للتغليب ولعدم الإلباس. والحصب المحصوب، أي يحصب بهم في ~~النار. والحصب الرمي. وقرىء بسكون الصاد، وصفا بالمصدر. وقرىء «حطب» ~~و«حضب» بالضاد متحركا وساكنا وعن ابن مسعود يجعلون في توابيت من نار ~~فلا يسمعون. ويجوز أن يصمهم الله كما يعميهم. ### || [21.101-103] # { الحسنى } الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن إما السعادة، ~~وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة، يروى أن عليا رضي الله عنه ~~قرأ هذه الآية ثم قال أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد ~~وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه وهو يقول { ~~لا يسمعون حسيسها } والحسيس الصوت يحس، والشهوة طلب النفس ~~اللذة. وقرىء { لا يحزنهم } من أحزن. و { الفزع الأكبر } ~~قيل النفخة الأخيرة، لقوله تعالى # يوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموت ومن فى ~~الأرض # النمل 87 وعن الحسن الانصراف إلى النار. وعن الضحاك حين يطبق على النار. ~~وقيل حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، أيوتتلقاهم تستقبلهم { ~~الملئكة } مهنئين على أبواب الجنة. ويقولون هذا وقت ثوابكم الذي ~~وعدكم ربكم قد حل. ### || [21.104] # العامل في { يوم نطوى } لا يحزنهم. أو الفزع. أو تتلقاهم. وقرىء ~~«تطوى السماء» على البناء للمفعول و { السجل } بوزن العتل والسجل ~~بلفظ الدلو. وروي فيه الكسر وهو الصحيفة، أي كما يطوى الطومار للكتابة، ~~أي ليكتب فيه، أو لما ms1256 يكتب فيه لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء ثم يوقع ~~على المكتوب، ومن جمع فمعناه للمكتوبات، أي لما يكتب فيه من المعاني ~~الكثيرة. وقيل { السجل } ملك يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. وقيل ~~كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والكتاب - على هذا - اسم ~~الصحيفة المكتوب فيها { أول خلق } مفعول نعيد الذي يفسره { ~~نعيده } والكاف مكفوفة بما. والمعنى نعيد أول الخلق كما بدأناه، ~~تشبيها للإعادة بالإبداء في تناول القدرة لهما على السواء فإن قلت وما ~~أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟ قلت أوله إيجاده عن العدم، فكما أوجده ~~أولا عن عدم، يعيده ثانيا عن عدم فإن قلت ما بال { خلق } منكرا؟ قلت ~~هو كقولك هو أول رجل جاءني، تريد أول الرجال، ولكنك وحدته ونكرته إرادة ~~تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى { أول خلق } أول الخلق، بمعنى ~~أول الخلائق، لأن الخلق مصدر لا يجمع. ووجه آخر، وهو أن ينتصب الكاف ~~بفعل مضمر يفسره { نعيده } وما موصولة، أي نعيد مثل الذي بدأناه ~~نعيده. وأول خلق ظرف لبدأنا، أي أول ما خلق، أو حال من ضمير الموصول ~~الساقط من اللفظ، الثابت في المعنى { وعدا } مصدر مؤكد، لأن قوله { ~~نعيده } عدة للإعادة { إنا كنا فعلين } أي قادرين على ~~أن نفعل ذلك. ### || [21.105] # عن الشعبي رحمة الله عليه زبور داود عليه السلام، والذكر التوراة. وقيل ~~اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب. والذكر أم الكتاب، يعني اللوح، ~~أي يرثها المؤمنون بعد إجلاء الكفار، كقوله تعالى # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها # الأعراف 137، # قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن ~~الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعقبة ~~للمتقين # الأعراف 128 وعن ابن عباس رضي الله عنه هي أرض الجنة. وقيل الأرض ~~المقدسة، ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [21.106] # الإشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ ~~البالغة. والبلاغ الكفاية وما تبلغ به البغية. ### || [21.107] # أرسل صلى الله عليه وسلم { رحمة للعلمين } لأنه جاء بما ~~يسعدهم إن اتبعوه. ms1257 ومن خالف ولم يتبع. فإنما أتى من عند نفسه حيث ضيع ~~نصيبه منها. ومثاله أن يفجر الله عينا غديقة، فيسقي ناس زروعهم ومواشيهم ~~بمائها فيفلحوا، ويبقى ناس مفرطون عن السقي فيضيعوا، فالعين المفجرة في ~~نفسها، نعمة من الله ورحمة للفريقين، ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث ~~حرمها ما ينفعها. وقيل كونه رحمة للفجار، من حيث أن عقوبتهم أخرت بسببه ~~وأمنوا به عذاب الاستئصال. ### || [21.108] # إنما لقصر الحكم على شيء، أو لقصر الشيء على حكم، كقولك إنما زيد قائم، ~~وإنما يقوم زيد. وقد اجتمع المثالان في هذه الآية، لأن { إنما ~~يوحى إلى } مع فاعله، بمنزلة إنما يقوم زيد. و { أنما ~~إلهكم إله وحد } بمنزلة إنما زيد قائم. وفائدة اجتماعهما ~~الدلالة على أن الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصور على ~~استئثار الله بالوحدانية وفي قوله { فهل أنتم مسلمون } أن ~~الوحي الوارد على هذا السنن موجب أن تخلصوا التوحيد لله، وأن تخلعوا ~~الأنداد. وفيه أن صفة الوحدانية يصح أن تكون طريقها السمع. ويجوز أن يكون ~~المعنى أن الذي يوحي إلي، فتكون «ما» موصولة. ### || [21.109-111] # آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله في الجري مجرى الإنذار. ~~ومنه قوله تعالى # فأذنوا بحرب من الله ورسوله # البقرة 279 وقول ابن حلزة # آذنتنا ببينها أسماء # والمعنى أني بعد توليكم وإعراضكم عن قبول ما عرض عليكم من وجوب توحيد ~~الله وتنزيهه عن الأنداد والشركاء، كرجل بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم ~~بغدرة فنبذ إليهم العهد، وشهر النبذ وأشاعه وآذنهم جميعا بذلك { على ~~سواء } أي مستوين في الإعلام به، لم يطوه عن أحد منهم وكاشف كلهم، وقشر ~~العصا عن لحائها و { ما توعدون } من غلبة المسلمين عليكم كائن لا ~~محالة، ولا بد من أن يلحقكم بذلك الذلة والصغار، وإن كنت لا أدري متى ~~يكون ذلك لأن الله لم يعلمني علمه ولم يطلعني عليه، والله عالم لا يخفى ~~عليه ما تجاهرون به من كلام الطعانين في الإسلام، و { ما تكتمون } ~~في صدوركم من الإحن والأحقاد ms1258 للمسلمين، وهو يجازيكم عليه. وما أدري لعل ~~تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعلمون. أو تمتيع لكم { إلى ~~حين } ليكون ذلك حجة عليكم وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة. ### || [21.112] # قرىء «قل» وقال، على حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. و { رب ~~احكم } على الاكتفاء بالكسرة «ورب احكم» على الضم «وربي أحكم»، على ~~أفعل التفضيل «وربي أحكم» من الإحكام، أمر باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ~~ببدر. ومعنى { بالحق } لاتحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم، كما قال 701 # " اشدد وطأتك على مضر " # قرىء { تصفون } بالتاء والياء. كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت ~~عليه، وكانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم وخيب ~~آمالهم، ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وخذلهم. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم 702 # " من قرأ اقترب للناس حسابهم حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم ~~عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن ". ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1] # الزلزلة شدة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف زليل الأشياء عن مقارها ~~ومراكزها ولا تخلو { الساعة } من أن تكون على تقدير الفاعلة لها، ~~كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدرا ~~مضافا إلى فاعله، أو على تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف ~~وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله تعالى # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33 وهي الزلزلة المذكورة في قوله # إذا زلزلت الأرض زلزالها # الزلزلة 1 واختلف في وقتها، فعن الحسن أنها تكون يوم القيامة وعن علقمة ~~والشعبي عند طلوع الشمس من مغربها. أمر بني آدم بالتقوى، ثم علل وجوبها ~~عليهم بذكر الساعة ووصفها بأهول صفة، لينظروا إلى تلك الصفة ببصائرهم ~~ويتصوروها بعقولهم، حتى يبقوا على أنفسهم ويرحموها من شدائد ذلك اليوم، ~~بامتثال ما أمرهم به ربهم من التردي بلباس التقوى، الذي لا يؤمنهم من تلك ~~الأفزاع إلا أن يتردوا به وروي 703 أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في ~~غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ms1259 ير أكثر ~~باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم ~~يضربوا الخيام وقت النزول، ولم يطبخوا قدرا، وكانوا ما بين حزين وباك ~~ومفكر. ### || [22.2] # { يوم ترونها } منصوب بتذهل. والضمير للزلزلة. وقرىء «تذهل كل ~~مرضعة» على البناء للمفعول وتذهل كل مرضعة أي تذهلها الزلزلة. والذهول ~~الذهاب عن الأمر مع دهشة فإن قلت لم قيل { مرضعة } دون مرضع؟ قلت ~~المرضعة التي هي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي. والمرضع التي شأنها ~~أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به فقيل مرضعة ليدل على أن ~~ذلك الهول إذا فوجئت به هذه وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه لما ~~يلحقها من الدهشة { عما أرضعت } عن إرضاعها، أو عن الذي أرضعته ~~وهو الطفل وعن الحسن تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في ~~بطنها لغير تمام. قرىء { وترى } بالضم من أريتك قائما. أو رؤيتك ~~قائما. و { الناس } منصوب ومرفوع، والنصب ظاهر. ومن رفع جعل الناس ~~اسم ترى، وأنثه على تأويل الجماعة. وقرىء «سكرى» و«بسكرى» وهو نظير جوعى ~~وعطشى، في جوعان وعطشان. وسكارى وبسكارى، نحو كسالى وعجالى. وعن الأعمش ~~«سكرى» و«بسكرى» بالضم، وهو غريب. والمعنى وتراهم سكارى على التشبيه، وما ~~هم بسكارى على التحقيق ولكن ما رهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب ~~عقولهم وطير تمييزهم وردهم في نحو حال من يذهب السكر بعقله وتمييزه. ~~وقيل وتراهم سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب. فإن قلت لم قيل ~~أولا ترون، ثم قيل ترى، على الإفراد؟ قلت لأن الرؤية أولا علقت ~~بالزلزلة فجعل الناس جميعا رائين لها، وهي معلقة أخيرا بكون الناس على ~~حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائيا لسائرهم. ### || [22.3-4] # قيل نزلت في النضر بن الحرث، وكان جدلا يقول الملائكة بنات الله، ~~والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار ترابا. ~~وهي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وما لا يجوز من ~~الصفات والأفعال، ms1260 ولا يرجع إلى علم ولا يعض فيه بضرس قاطع، وليس فيه ~~اتباع للبرهان ولا نزول على النصفة، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين ~~الحق والباطل { ويتبع } في ذلك خطوات { كل شيطن } عات، علم ~~من حاله وظهر وتبين أنه من جعله وليا له لم تثمر له ولايته إلا الإضلال ~~عن طريق الجنة والهداية إلى النار. وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع ~~والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت كل هذا دخولا ~~أوليا، بل هم أشد الشياطين إضلالا وأقطعهم لطريق الحق، حيث دونوا ~~الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا، وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم، ~~وإياهم عنى من قال # ويا رب مقفو الخطا بين قومه طريق نجاة ~~عندهم مستو نهج ولو قرؤا في اللوح ما خط فيه ~~من بيان اعوجاج في طريقته عجوا # اللهم ثبتنا على المعتقد الصحيح الذي رضيته لملائكتك في سمواتك، ~~وأنبيائك في أرضك، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. والكتبة عليه مثل، ~~أي كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه ورقم به لظهور ذلك في حاله. وقرىء ~~«أنه» فأنه بالفتح والكسر فمن فتح فلأن الأول فاعل كتب، والثاني عطف ~~عليه. ومن كسر فعلى حكاية المكتوب كما هو، كأنما كتب عليه هذا الكلام، ~~كما تقول كتبت إن الله هو الغني الحميد. أو على تقدير قيل أو على أن كتب ~~فيه معنى القول. ### || [22.5] # قرأ الحسن { من البعث } بالتحريك ونظيره الجلب والطرد، في الجلب ~~والطرد، كأنه قيل إن ارتبتم في البعث فمزيل ريبكم أن تنظروا في بدء ~~خلقكم. والعلقة قطعة الدم الجامدة. والمضغة اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ. ~~والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب. يقال خلق السواك والعود، ~~إذا سواه وملسه، من قولهم صخرة خلقاء، وإذا كانت ملساء، كأن الله تعالى ~~يخلق المضغ متفاوتة منها ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها ما هو ~~على عكس ذلك فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم ~~وقصرهم، وتمامهم ونقصانهم. وإنما نقلناكم من حال إلى حال ومن خلقة إلى ~~خلقة { لنبين لكم } بهذا ms1261 التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن من قدر على ~~خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا ولا تناسب بين الماء والتراب ~~وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر، ثم يجعل العلقة مضغة ~~والمضغة عظاما قدر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة من تلك، ~~وأهون في القياس. وورود الفعل غير معدي إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه ~~يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر ولا يحيط به الوصف وقرأ ابن ~~أبي عبلة ليبين لكم. ويقر، بالياء وقرىء «ونقر» ونخرجكم، بالنون والنصب ~~ويقر، ويخرجكم، ويقر، ويخرجكم بالنصب والرفع. وعن يعقوب نقر بالنون ~~وضم القاف، من قر الماء إذا صبه فالقراءة بالرفع إخبار بأنه يقر { فى ~~الأرحام ما يشاء } أن يقره من ذلك { إلى أجل مسمى } ~~وهو وقت الوضع آخر ستة أشهر، أو تسعة، أو سنتين، أو أربع، أو كما شاء ~~وقدر. وما لم يشأ إقراره محته الأرحام أو أسقطته. والقراءة بالنصب تعليل ~~معطوف على تعليل. ومعناه خلقناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين، أحدهما أن ~~نبين قدرتنا. والثاني أن نقر في الأرحام من نقر، حتى يولدوا وينشؤا ~~ويبلغوا حد التكليف فأكلفهم. ويعضد هذه القراءة قوله { ثم ~~لتبلغوا أشدكم } وحده لأن الغرض الدلالة عل الجنس. ويحتمل ~~نخرج كل واحد منكم طفلا. الأشد كمال القوة والعقل والتمييز، وهو من ~~ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد كالأسدة والقتود والأباطيل وغير ~~ذلك، وكأنها شدة في غير شيء واحد، فبنيت لذلك على لفظ الجمع. وقرىء ~~«ومنكم من يتوفى» أي يتوفاه الله { أرذل العمر } الهرم والخرف، ~~حتى يعود كهيئته الأولى في أوان طفولته ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل ~~الفهم، بين أنه كما قدر على أن يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه حد ~~التمام، فهو قادر على أن يحطه حتى ينتهي به إلى الحالة السفلى { ~~لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } أي ليصير نساء بحيث إذ ~~كسب علما في شيء لم ينشب إن ينساه ويزل عنه علمه حتى يسأل عنه من ساعته، ~~يقول ms1262 لك من هذا؟ فتقول فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه. وقرأ أبو عمرو ~~العمر، بسكون الميم. الهامدة الميتة اليابسة. وهذه دلالة ثانية على ~~البعث، ولظهورها وكونها مشاهدة معاينة، كررها الله في كتابه { اهتزت ~~وربت } تحركت بالنبات وانتفخت، وقرىء «ربأت»، أي ارتفعت. البهيج ~~الحسن السار للناظر إليه. ### || [22.6-7] # أي ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من ~~أصناف الحكم واللطائف، حاصل بهذا وهو السبب في حصوله، ولولاه لم يتصور ~~كونه، وهو { أن الله هو الحق } أي الثابت الموجود، وأنه قادر ~~على إحياء الموتى وعلى كل مقدور، وأنه حكيم لا يخلف ميعاده، وقد وعد ~~الساعة والبعث، فلا بد أن يفي بما وعد. ### || [22.8-10] # عن ابن عباس أنه أبو جهل بن هشام. وقيل كرر كما كررت سائر الأقاصيص. ~~وقيل الأول في المقلدين، وهذا في المقلدين. والمراد بالعلم العلم ~~الضروري. وبالهدى الاستدلال والنظر لأنه يهدي إلى المعرفة. وبالكتاب ~~المنير الوحي، أي يجادل بظن وتخمين، لا بأحد هذه الثلاثة. وثنى العطف ~~عبارة عن الكبر والخيلاء، كتصعير الخد ولي الجيد. وقيل عن الإعراض عن ~~الذكر. وعن الحسن ثاني عطفه، بفتح العين، أي مانع تعطفه { ليضل } ~~تعليل للمجادلة. قرىء بضم الياء وفتحها. فإن قلت ما كان غرضه من جداله ~~الضلال { عن سبيل الله } فكيف علل به؟ وما كان أيضا مهتديا حتى ~~إذا جادل خرج بالجدال من الهدى إلى الضلال؟ قلت لما أدى جداله إلى ~~الضلال، جعل كأنه غرضه، ولما كان الهدى معرضا له فتركه وأعرض عنه وأقبل ~~على الجدال بالباطل، جعل كالخارج من الهدى إلى الضلال. وخزيه ما أصابه ~~يوم بدر من الصغار والقتل، والسبب فيما مني به من خزي الدنيا وعذاب ~~الآخرة هو ما قدمت يداه، وعدل الله في معاقبته الفجار وإثابته الصالحين. ### || [22.11-13] # على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في ~~دينهم، لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس ~~بظفر وغنيمة قر واطمأن، وإلا فر ms1263 وطار على وجهه. قالوا نزلت في أعاريب ~~قدموا المدينة، وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا، وولدت ~~امرأته غلاما سويا، وكثر ماله وما شيته قال ما أصبت منذ دخلت في ديني ~~هذا إلا خيرا، واطمأن. وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شرا، ~~وانقلب وعن أبي سعيد الخدري 704 أن رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب، ~~فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقلني، فقال «إن ~~الإسلام لا يقال فنزلت. المصاب بالمحنة بترك التسليم لقضاء الله والخروج ~~إلى ما يسخط الله جامع على نفسه محنتين، إحداهما ذهاب ما أصيب به. ~~والثانية ذهاب ثواب الصابرين، فهو خسران الدارين. وقرىء «خاسر الدنيا ~~والآخرة» بالنصب والرفع، فالنصب على الحال، والرفع على الفاعلية. ووضع ~~الظاهر موضع الضمير، وهو وجه حسن. أو على أنه خبر مبتدأ محذوف استعير { ~~الضلل البعيد } من ضلال من أبعد في التيه ضالا، فطالت وبعدت ~~مسافة ضلالته. فإن قلت الضرر والنفع منفيان عن الأصنام مثبتان لها في ~~الآيتين، وهذا تناقض قلت إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم، وذلك أن الله ~~تعالى سفه الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا، وهو يعتقد ~~فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به حين يستشفع به، ثم قال يوم القيامة يقول ~~هذا الكافر بدعاء وصراخ، حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار ~~بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها { لمن ضره ~~أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير } و ~~كرر يدعو، كأنه قال يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ثم ~~قال لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى. وفي ~~حرف عبد الله «من ضره» بغير لام. المولى الناصر. والعشير الصاحب، كقوله # فبئس القرين # الزخرف 38. ### || [22.14-15] # هذا كلام قد دخله اختصار. والمعنى إن الله ناصر رسوله في الدنيا والأخرة ~~فمن كان يظن من حاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك ويطمع فيه، ويغيظه ~~أنه يظفر بمطلوبه، فليستقص وسعه وليستفرغ مجهوده في إزالة ms1264 ما يغيظه، بأن ~~يفعل ما يفعل من بلغ منه الغيط كل مبلغ حتى مد حبلا إلى سماء بيته ~~فاختنق، فلينظر وليصور في نفسه أنه إن فعل ذلك هل يذهب نصر الله الذي ~~يغيظه؟ وسمي الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. ومنه ~~قيل للبهر القطع وسمي فعله كيدا لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على ~~غيره. أو على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده إنما كاد به نفسه. ~~والمراد ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه. وقيل فليمدد بحبل إلى ~~السماء المظلة، وليصعد عليه فليقطع الوحي أو ينزل عليه. وقيل كان قوم من ~~المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤن ما وعد الله رسوله من ~~النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يثبت أمره. فنزلت. ~~وقد فسر النصر بالرزق، وقيل معناه أن الأرزاق بيد الله لا تنال إلا ~~بمشيئته ولا بد للعبد من الرضا بقسمته، فمن ظن أن الله غير رازقه وليس ~~به صبر واستسلام، فليبلغ غاية الجزع وهو الاختناق، فإن ذلك لا يقلب ~~القسمة ولا يرده مرزوقا. ### || [22.16] # أي ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله { آيات بينات و } ل { أن الله ~~يهدي } به الذين يعلم أنهم يؤمنون. أو يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى، ~~أنزله كذلك مبينا. ### || [22.17] # الفصل مطلق يحتمل الفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعا، فلا يجازيهم ~~جزاء واحدا بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد. وقيل الأديان خمسة ~~أربعة للشيطان وواحد للرحمن جعل الصابئون مع النصارى لأنهم نوع منهم. ~~وقيل { يفصل بينهم } يقضي بينهم، أي بين المؤمنين والكافرين. ~~وأدخلت { إن } على كل واحد من جزأي الجملة لزيادة التوكيد. ونحوه قول ~~جرير # إن الخليفة إن الله سربله سربال ملك به ~~ترجى الخواتيم ### || [22.18] # سميت مطاوعتها له فيما يحدث فيها من أفعاله ويجريها عليه من تدبيره ~~وتسخيره لها سجودا له، تشبيها لمطاوعتها بإدخال أفعال المكلف في باب ~~الطاعة والانقياد، وهو السجود الذي كل خضوع دونه، فإن قلت فما تصنع بقوله ~~{ وكثير من ms1265 الناس } وبما فيه من الاعتراضين، أحدهما أن السجود ~~على المعنى الذي فسرته به، لا يسجده بعض الناس دون بعض. والثاني أن ~~السجود قد أسند على سبيل العموم إلى من في الأرض من الإنس والجن أولا، ~~فإسناده إلى كثير منهم آخرا مناقضة؟ قلت لا أنظم كثيرا في المفردات ~~المتناسقة الداخلة تحت حكم الفعل، وإنما أرفعه بفعل مضمر يدل عليه قوله { ~~يسجد } أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة. ولم أقل أفسر ~~يسجد الذي هو ظاهر بمعنى الطاعة والعبادة في حق هؤلاء لأن اللفظ الواحد ~~لا يصح استعماله في حالة واحدة على معنيين مختلفين، أو أرفعه على ~~الابتداء والخبر محذوف وهو مثاب، لأن خبر مقابله يدل عليه، وهو قوله { ~~حق عليه العذاب } ويجوز أن يجعل من الناس خبرا له، أي من ~~الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون. ويجوز أن يبالغ ~~في تكثير المحقوقين بالعذاب، فيعطف كثير على كثير، ثم يخبر عنهم بحق ~~عليهم العذاب، كأنه قيل وكثير وكثير من الناس حق عليهم العذاب، وقرىء ~~«حق» بالضم. وقرىء «حقا» أي حق عليهم العذاب حقا. ومن أهانه الله - ~~بأن كتب عليه الشقاوة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه - فقد بقي مهانا ~~لن تجد له مكرما. وقرىء «مكرم» بفتح الراء بمعنى الإكرام. إنه { ~~يفعل ما يشاء } من الإكرام والإهانة ولا يشاء من ذلك إلا ما ~~يقتضيه عمل العاملين واعتقاد المعتقدين. ### || [22.19-22] # الخصم صفة وصف بها الفوج أو الفريق، فكأنه قيل هذان فوجان أو فريقان ~~مختصمان وقوله { هذان } للفظ. و { اختصموا } للمعنى، كقوله # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا # محمد 16 ولو قيل هؤلاء خصمان. أو اختصما جاز يراد المؤمنون والكافرون. ~~قال ابن عباس رجع إلى أهل الأديان الستة { فى ربهم } أي في دينه ~~وصفاته. وروي أن أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أحق بالله، وأقدم منكم ~~كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون نحن أحق بالله، آمنا بمحمد، ~~وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ms1266 ثم ~~تركتموه وكفرتم به حسدا، فهذه خصومتهم في ربهم { فالذين كفروا ~~} هو فصل الخصومة المعني بقوله تعالى # إن الله يفصل بينهم يوم القيمة # الحج 17 وفي رواية عن الكسائي «خصمان» بالكسر، وقرىء «قطعت» بالتخفيف، ~~كأن الله تعالى يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم تشتمل عليهم كما ~~تقطع الثياب الملبوسة. ويجوز أن تظاهر على كل واحد منهم تلك النيران ~~كالثياب المظاهرة على اللابس بعضها فوق بعض. ونحوه # سرابيلهم من قطران # إبراهيم 50. { الحميم } الماء الحار عن ابن عباس رضي الله عنه لو ~~سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها { يصهر } يذاب وعن الحسن ~~بتشديد الهاء للمبالغة، أي إذا صب الحميم على رؤوسهم كان تأثيره في ~~الباطن نحو تأثيره في الظاهر، فيذيب أحشاءهم وأمعاءهم كما يذيب جلودهم، ~~وهو أبلغ من قوله # وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم # محمد 15 والمقامع السياط. في الحديث 705 # " لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها " # ، وقرأ الأعمش «ردوا فيها» والإعادة والرد لا يكون إلا بعد الخروج. ~~فالمعنى كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم فخرجوا أعيدوا فيها. ومعنى ~~الخروج ما يروى عن الحسن أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا ~~في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا وقيل لهم { ذوقوا ~~عذاب الحريق } والحريق الغليظ من النار المنتشر العظيم الإهلاك. ### || [22.23-25] # { يحلون } عن ابن عباس من حليت المرأة فهي حال { ولؤلؤا ~~} بالنصب على ويؤتون لؤلؤا، كقوله وحورا عينا. ولؤلؤا بقلب الهمزة ~~الثانية واوا. ولوليا بقلبهما واوين، ثم بقلب الثانية ياء كأدل. ولول ~~كأدل فيمن جر. ولولؤ، وليليا، بقلبهما ياءين، عن ابن عباس وهداهم الله ~~وألهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم إلى طريق الجنة. ~~يقال فلان يحسن إلى الفقراء وينعش المضطهدين، لا يراد حال ولا استقبال، ~~وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه والنعشة في جميع أزمنته وأوقاته. ~~ومنه قوله تعالى { ويصدون عن سبيل الله } أي الصدود منهم ~~مستمر دائم { للناس } أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين ~~حاضر ms1267 وباد وتانيء وطاريء ومكي وآفاقي. وقد استشهد به أصحاب أبي حنيفة ~~قائلين إن المراد بالمسجد الحرام مكة، على امتناع جواز بيع دور مكة ~~وإجارتها. وعند الشافعي لا يمتنع ذلك. وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتج ~~بقوله # الذين أخرجوا من ديرهم # الحج 40، الحشر 8 وقال أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟ واشترى ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟ { ~~سوآء } بالنصب قراءة حفص. والباقون على الرفع. ووجه النصب أنه ثاني ~~مفعولي جعلناه، أي جعلناه مستويا { العكف فيه والباد } وفي ~~القراءة بالرفع. الجملة مفعول ثان. الإلحاد العدول عن القصد، وأصله إلحاد ~~الحافر. وقوله { بإلحاد بظلم } حالان مترادفتان. ومفعول { ~~يرد } متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال ومن يرد فيه مرادا ما ~~عادلا عن القصد ظالما { نذقه من عذاب أليم } يعني أن ~~الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما ~~يهم به ويقصده. وقيل الإلحاد في الحرم منع الناس عن عمارته. وعن سعيد بن ~~جبير الاحتكار. وعن عطاء قول الرجل في المبايعة «لا والله، وبلى والله، ~~وعن عبد الله بن عمر و أنه كان له فسطاطان، أحدهما في الحل، والآخر في ~~الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال كنا نحدث ~~أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله». وقرىء «يرد» بفتح ~~الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بإلحاد ظالما. وعن الحسن ومن يرد ~~إلحاده بظلم. أراد إلحادا فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كمكر الليل ~~ومعناه من يرد أن يلحد فيه ظالما. وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط ~~عليه، تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب ~~أليم وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. عن ابن مسعود الهمة في الحرم تكتب ~~ذنبا. ### || [22.26] # واذكر حين جعلنا { لإبرهيم مكان البيت } مباءة، أي مرجعا ~~يرجع إليه للعمارة والعبادة. رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان وكان من ~~ياقوتة حمراء، ms1268 فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج، ~~كنست ما حوله، فبناه على أسه القديم. وأن هي المفسرة. فإن قلت كيف يكون ~~النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيرا للتبوئة؟ قلت كانت التبوئة ~~مقصودة من أجل العبادة، فكأنه قيل تعبدنا إبراهيم قلنا له { لا ~~تشرك بى شيئا وطهر بيتى } من الأصنام والأوثان والأقذار ~~أن تطرح حوله. وقرىء «يشرك» بالياء على الغيبة. ### || [22.27] # { وأذن فى الناس } ناد فيهم. وقرأ ابن محيصن «وآذن» والنداء بالحج ~~أن يقول حجوا، أو عليكم بالحج. وروي أنه صعد أبا قبيس فقال يا أيها ~~الناس حجوا بيت ربكم. وعن الحسن أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع { رجالا } مشاة جمع راجل، كقائم وقيام. ~~وقرىء «رجالا» بضم الراء مخفف الجيم ومثقلة، ورجالي كعجالي عن ابن عباس ~~{ وعلى كل ضامر } حال معطوفة على حال، كأنه قال رجالا وركبانا ~~{ يأتين } صفة لكل ضامر، لأنه في معنى الجمع. وقرىء «يأتون» صفة ~~للرجال والركبان. والعميق البعيد، وقرأ ابن مسعود «معيق». يقال بئر بعيدة ~~العمق والمعق. ### || [22.28] # نكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد ~~في غيرها من العبادات. وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه كان يفاضل بين ~~العبادات قبل أن يحج، فلما حج فضل الحج على العبادات كلها، لما شاهد من ~~تلك الخصائص، وكنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله، لأن أهل الإسلام لا ~~ينفكون عن ذكر اسمه إذا نحروا أو ذبحوا. وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي ~~فيما يتقرب به إلى الله أن يذكر اسمه، وقد حسن الكلام تحسينا بينا أن ~~جمع بين قوله { ويذكروا اسم الله } ، وقوله { على ما ~~رزقهم } ولو قيل لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام، لم تر ~~شيئا من ذلك الحسن والروعة. الأيام المعلومات الأيام العشر عند أبي ~~حنيفة، وهو قول الحسن وقتادة. وعند صاحبيه أيام النحر. البهيمة مبهمة في ~~كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن ~~والمعز. فكلوا ms1269 الأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأن أهل الجاهلية كانوا لا ~~يأكلون من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من مساواة الفقراء ~~ومواساتهم ومن استعمال التواضع. ومن ثمة استحب الفقهاء أن يأكل الموسع من ~~أضحيته مقدار الثلث. وعن ابن مسعود أنه بعث بهدي وقال فيه إذا نحرته فكل ~~وتصدق وابعث منه إلى عتبة، يعني ابنه. وفي الحديث 706 # " كلوا وادخروا وائتجروا " # { البائس } الذي أصابه بؤس أي شدة و { الفقير } الذي أضعفه ~~الإعسار. ### || [22.29] # قضاء التفث قص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، والتفث الوسخ، ~~فالمراد قضاء إزالة التفث.وليوفوا وقرىء «وليوفوا» بتشديد الفاء { ~~نذورهم } مواجب حجهم، أو ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم { ~~وليطوفوا } طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة الذي هو من أركان ~~الحج، ويقع به تمام التحلل. وقيل طواف الصدر، وهو طواف الوداع { ~~العتيق } القديم، لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن. وعن قتادة أعتق ~~من الجبابرة، كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله. وعن مجاهد لم يملك ~~قط. وعنه أعتق من الغرق. وقيل بيت كريم، من قولهم عتاق الخيل والطير. فإن ~~قلت قد تسلط عليه الحجاج فلم يمنع. قلت ما قصد التسلط على البيت، وإنما ~~تحصن به ابن الزبير، فاحتال لإخراجه ثم بناه. ولما قصد التسلط عليه ~~أبرهة، فعل به ما فعل. ### || [22.30-31] # { ذلك } خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر والشأن ذلك، كما يقدم الكاتب ~~جملة من كتابه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا ~~وقد كان كذا.ومن يعظم حرمات الله والحرمة ما لا يحل هتكه. وجميع ما كلفه ~~الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، فيحتمل أن يكون عاما في ~~جميع تكاليفه، ويحتمل أن يكون خاصا فيما يتعلق بالحج. وعن زيد بن أسلم ~~الحرمات خمس الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والشهر ~~الحرام، والمحرم حتى يحل. { فهو خير له } أي فالتعظيم خير له. ~~ومعنى التعظيم العلم بأنها واجبة المراعاة والحفظ والقيام بمراعاتها. ~~المتلو لا يستثنى من الأنعام، ولكن المعنى { إلا ما ms1270 يتلى ~~عليكم } آية تحريمه، وذلك قوله في سورة المائدة # حرمت عليكم الميتة والدم # المائدة 3 والمعنى أن الله قد أحل لكم الأنعام كلها إلا ما استثناه في ~~كتابه، فحافظوا عل حدوده، وإياكم أن تحرموا مما أحل شيئا، كتحريم عبدة ~~الأوثان البحيرة والسائبة وغير ذلك، وأن تحلوا مما حرم الله، كإحلالهم ~~أكل الموقوذة والميتة وغير ذلك. فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور حنفاء لله غير مشركين به لما حث على تعظيم حرماته وأحمد من ~~يعظمها أتبعه الأمر باجتناب الأوثان وقول الزور لأن توحيد الله ونفي ~~الشركاء عنه وصدق القول أعظم الحرمات وأسبقها خطوا. وجمع الشرك وقول ~~الزور في قران واحد، وذلك أن الشرك من باب الزور لأن المشرك زاعم أن ~~الوثن تحق له العبادة، فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس ~~الزور، واجتنبوا قول الزور كله لا تقربوا شيئا منه لتماديه في القبح ~~والسماجة. وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان. وسمى الأوثان رجسا ~~وكذلك الخمر والميسر والأزلام، على طريق التشبيه. يعني أنكم كما تنفرون ~~بطباعكم عن الرجس وتجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك ~~النفرة. ونبه على هذا المعنى بقوله # رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه # المائدة 90 جعل العلة في اجتنابه أنه رجس، والرجس مجتنب { من ~~الأوثن } بيان للرجس وتمييز له، كقولك عندي عشرون من الدراهم لأن ~~الرجس مبهم يتناول غير شيء، كأنه قيل فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان. ~~والزور من الزور والأزورار وهو الانحراف، كما أن الإفك من أفكه إذا ~~صرفه. وقيل # قول الزور # الحج 30 قولهم هذا حلال وهذا حرام، وما أشبه ذلك من افترائهم. وقيل ~~شهادة الزور. عن النبي صلى الله عليه وسلم 707 أنه صلى الصبح فلما سلم ~~قام قائما واستقبل الناس بوجهه وقال # " عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك ~~بالله، عدلت شهادة الزور الإشراك بالله " # ، وتلا هذه الآية. وقيل الكذب والبهتان. وقيل قول أهل الجاهلية في ~~تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. ms1271 ويجوز في هذا ~~التشبيه أن يكون من المركب والمفرق. فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال من ~~أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعده نهاية، بأن صور حاله بصورة ~~حال من خر من السماء فاختطفته الطير، فتفرق مزعا في حواصلها، أو عصفت ~~به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح البعيدة. وإن كان مفرقا فقد شبه ~~الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من ~~السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي ~~يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي ~~المتلفة. وقرىء «فتخطفه» بكسر الخاء والطاء. وبكسر التاء مع كسرهما، وهي ~~قراءة الحسن. وأصلها تختطفه. وقرىء «الرياح». ### || [22.32-33] # تعظيم الشعائر - وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج - أن يختارها عظام ~~الأجرام حسانا سماتا غالية الأثمان، ويترك المكاس في شرائها، فقدكانوا ~~يغالون في ثلاث - ويكرهون المكاس فيهن - الهدي، والأضحية، والرقبة. وروى ~~ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما 708 أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة ~~دينار، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعها ويشتري بثمنها ~~بدنا، فنهاه عن ذلك وقال # " بل أهدها " # 709 وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة، فيها جمل لأبي جهل ~~في أنفه برة من ذهب. وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي فيتصدق ~~بلحومها وبجلالها، ويعتقد أن طاعة الله في التقرب بها وإهدائها إلى بيته ~~المعظم أمر عظيم لا بد أن يقام به ويسارع فيه { فإنها من تقوى ~~القلوب } أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحدفت هذه ~~المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لا بد من راجع من ~~الجزاء إلى { من } ليرتبط به، وإنما ذكرت القلوب لأنها مراكز التقوى ~~التي إذا ثبتت فيها وتمكنت ظهر أثرها في سائر الأعضاء. { إلى أجل ~~مسمى } إلى أن تنحر ويتصدق بلحومها ويؤكل منها. و { ثم } ~~للتراخي في الوقت. فاستعيرت للتراخي في الأحوال. والمعنى أن لكم في ~~الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وإنما يعتد الله ms1272 بالمنافع ~~الدينية، قال سبحانه # تريدون عرض الدنيا والله يريد الأخرة # الأنفال 67 وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطا في النفع { محلها إلى البيت ~~} أي وجوب نحرها. أو وقت وجوب نحرها في الحرم منتهية إلى البيت، كقوله # هديا بلغ الكعبة # المائدة 95 والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت لأن الحرم هو ~~حريم البيت. ومثل هذا في الاتساع قولك بلغنا البلد، وإنما شارفتموه واتصل ~~مسيركم بحدوده. وقيل المراد بالشعائر المناسك كلها، و { محلها ~~إلى البيت العتيق } يأباه. ### || [22.34-35] # شرع الله لكل أمة أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على وجه التقرب، وجعل ~~العلة في ذلك أن يذكر اسمه تقدست أسماؤه على النسائك قرىء { منسكا } ~~بفتح السين وكسرها، وهو مصدر بمعنى النسك، والمكسور يكون بمعنى الموضع { ~~فله أسلموا } أي أخلصوا له الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالما، أي ~~خالصا لا تشوبوه بإشراك.وبشر المخبتين المخبتون المتواضعون الخاشعون، من ~~الخبث وهو المطمئن من الأرض. وقيل هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ~~ينتصروا. وقرأ الحسن والمقيمي الصلاة بالنصب على تقدير النون. وقرأ ابن ~~مسعود «والمقيمين الصلاة» على الأصل. ### || [22.36] # { والبدن } جمع بدنة، سميت لعظم بدنها وهي الإبل خاصة، ولأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألحق البقر بالإبل حين قال 710 # " البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة " # فجعل البقر في حكم الإبل، صارت البدنة في الشريعة متناولة للجنسين عند ~~أبي حنيفة وأصحابه، وإلا فالبدن هي الإبل وعليه تدل الآية، وقرأ الحسن ~~«والبدن»، بضمتين، كثمر في جمع ثمرة. وابن أبي إسحاق بالضمتين وتشديد ~~النون على لفظ الوقف. وقرىء بالنصب والرفع كقوله # والقمر قدرنه # يس 39. { من شعائر الله } أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله. ~~وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها { لكم فيها خير } كقوله { لكم ~~فيها منفع } ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع ~~بشهادة الله تعالى. عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير، فاشترى ~~بها بدنة، فقيل له في ذلك، فقالإني سمعت ربي يقول { لكم فيها خير ~~} وعن ابن عباس ms1273 دنيا وآخرة. وعن إبراهيم من احتاج إلى ظهرها ركب، ومن ~~احتاج إلى لبنها شرب. وذكر اسم الله أن يقول عند النحر الله أكبر لا إله ~~إلا الله والله أكبر، اللهم منك وإليك { صواف } قائمات قد صففن ~~أيديهن وأرجلهن. وقرىء «صوافن» من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث ~~وينصب الرابعة على طرف سنبكه لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث. ~~وقرىء «صوافي» أي خوالص لوجه الله. وعن عمرو بن عبيد صوافنا، بالتنوين ~~عوضا من حرف الإطلاق عند الوقف. وعن بعضهم صواف نحو مثل العرب. أعط ~~القوس باريها، بسكون الياء. فإذا وجبت جنوبها وجوب الجنوب وقوعها على ~~الأرض، ومن وجب الحائط وجبة إذا سقط. ووجبت الشمس جبة غربت. والمعنى فإذا ~~وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الأكل منها والإطعام { القنع } ~~السائل، من قنعت إليه وكنعت إذا خضعت له وسألته قنوعا { والمعتر ~~} المعترض بغير سؤال، أو القانع الراضي بما عنده وبما يعطى من غير سؤال، ~~من قنعت قنعا وقناعة. والمعتر المعترض بسؤال. وقرأ الحسن والمعتري. ~~وعره وعراه واعتراه واعتره بمعنى. وقرأ أبو رجاء القنع، وهو الراضي لا ~~غير. يقال قنع فهو قنع وقانع. كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون من الله على ~~عبادة واستحمد إليهم بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا، ~~ويأخذونها منقادة للأخذ طيعة فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم ~~يطعنون في لبانها. ولولا تسخير الله لم تطق، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش ~~التي هي أصغر منها جرما وأقل قوة، وكفى بما يتأبد من الإبل شاهدا ~~وعبرة. ### || [22.37] # أي لن يصيب رضا الله اللحوم المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر، ~~والمراد أصحاب اللحوم والدماء، والمعنى لن يرضي المضحون والمقربون ربهم ~~إلا بمراعاة النية والإخلاص والاحتفاظ بشروط التقوى في حل ما قرب به، ~~وغير ذلك من المحافظات الشرعية وأوامر الورع. فإذا لم يراعوا ذلك، لم تغن ~~عنهم التضحية والتقريب وإن كثر ذلك منهم. وقرىء «لن تنال الله، ولكن ~~تناله» بالتاء والياء. وقيل كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا ms1274 ~~الدماء حول البيت ولطخوه بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك، ~~فنزلت. كرر تذكير النعمة بالتسخير ثم قال لتشكروا الله على هدايته إياكم ~~لأعلام دينه ومناسك حجه، بأن تكبروا وتهللوا، فاختصر الكلام بأن ضمن ~~التكبير معنى الشكر، وعدى تعديته. ### || [22.38] # خص المؤمنين بدفعه عنهم ونصرته لهم، كما قال # إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا # غافر 51 وقال # إنهم لهم المنصورون # الصافات 172 و قال # وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب # الصف 13 وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم وهم الخونة الكفرة الذين ~~يخونون الله والرسول ويخونون أماناتهم ويكفرون نعم الله ويغمطونها. ومن ~~قرأ { يدافع } فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه ~~لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ. ### || [22.39-41] # { أذن } و { يقتلون } قرئا على لفظ المبني للفاعل والمفعول ~~جميعا والمعنى أذن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه لدلالة يقاتلون عليه ~~{ بأنهم ظلموا } أي بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 711 كان مشركو مكة يؤذونهم أذى شديدا، وكانوا يأتون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، فيقول ~~لهم # " اصبروا فإني لم أومر بالقتال " # ، حتى هاجر فأنزلت هذه الآية، وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى ~~عنه في نيف وسبعين آية. وقيل نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو ~~مكة فأذن لهم في مقاتلتهم. والإخبار بكونه قادرا على نصرهم عدة منه ~~بالنصر واردة على سنن كلام الجبابرة، وما مر من دفعه عن الذين آمنوا ~~مؤذن بمثل هذه العدة أيضا { أن يقولوا } في محل الجر على الإبدال ~~من { حق } أي بغير موجب سوى التوحيد الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار ~~والتمكين لا موجب الإخراج والتسيير. ومثله # هل تنقمون منا إلا أن ءامنا بالله # المائدة 59. دفع الله بعض الناس ببعض إظهاره وتسليطه المسلمين منهم على ~~الكافرين بالمجاهدة، ولولا ذلك لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة ~~في أزمنتهم، وعلى متعبداتهم فهدموها، ولم يتركوا للنصارى بيعا، ولا ~~لرهبانهم صوامع، ولا ms1275 لليهود صلوات، ولا للمسلمين مساجد. أو لغلب المشركون ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على المسلمين وعلى أهل الكتاب الذين في ~~ذمتهم وهدموا متعبدات الفريقين. وقرىء «دفاع» ولهدمت بالتخفيف. وسميت ~~الكنيسة «صلاة» لأنه يصلى فيها. وقيل هي كلمة معربة، أصلها بالعبرانية ~~صلوثا { من ينصره } أي ينصر دينه وأولياءه هو إخبار من الله عز ~~وجل بظهر الغيب عما ستكون عليه سيرة المهاجرين رضي الله عنهم إن مكنهم ~~في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين. وعن عثمان رضي ~~الله عنه هذا والله ثناء قبل بلاء. يريد أن الله قد أثنى عليهم قبل أن ~~يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا فيه دليل على صحة أمر الخلفاء ~~الراشدين لأن الله لم يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم ~~من المهاجرين، لاحظ في ذلك للأنصار والطلقاء. وعن الحسن هم أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل { الذين } منصوب بدل من قوله من ينصره. والظاهر ~~أنه مجرور، تابع للذين أخرجوا { ولله عقبة الأمور } أي ~~مرجعها إلى حكمه وتقديره. وفيه تأكيد لما وعده من إظهار أوليائه وإعلاء ~~كلمتهم. ### || [22.42-44] # يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم تسلية له لست بأوحدي في التكذيب، فقد ~~كذب الرسل قبلك أقوامهم، وكفاك بهم أسوة. فإن قلت لم قيل { وكذب ~~موسى } ولم يقل قوم موسى؟ قلت لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل، ~~وإنما كذبه غير قومه وهم القبط. وفيه شيء آخر، كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب ~~كل قوم رسولهم وكذب موسى أيضا مع وضوح آياته وعظم معجزاته، فما ظنك ~~بغيره. { نكير } التنكير بمعنى الإنكار والتغيير، حيث أبدلهم بالنعمة ~~محنة، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابا. ### || [22.45] # كل مرتفع أظلك من سقف بيت أو خيمة أو ظلة أو كرم فهو «عرش» والخاوي ~~الساقط، من خوى النجم إذا سقط. أو الخالي، من خوى المنزل إذا خلا من ~~أهله. وخوى بطن الحامل وقوله { على عروشها } لا يخلو من أن يتعلق ~~بخاوية، فيكون المعنى أنها ساقطة على سقوفها، أي خرت سقوفها على ms1276 الأرض، ~~ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. أو أنها ساقطة أو خالية مع بقاء ~~عروشها وسلامتها. وإما أن يكون خبرا بعد خبر، كأنه قيل هي خالية، وهي ~~على عروشها أي قائمة مطلة على عروشها، على معنى أن السقوف سقطت إلى ~~الأرض فصارت في قرار الحيطان وبقيت الحيطان ماثلة فهي مشرفة على السقوف ~~الساقطة. فإت قلت ما محل الجملتين من الإعراب أعني { وهى ظالمة ~~فهى خاوية }؟ قلت الأولى في محل النصب على الحال، والثانية لا ~~محل لها لأنها معطوفة على أهلكناها، وهذا الفعل ليس له محل وبئر معطلة ~~وقرأ الحسن معطلة، من أعطله بمعنى عطله. ومعنى المعطلة أنها عامرة فيها ~~الماء، ومعها آلات الاستقاء إلا أنها عطلت، أي تركت لا يستقى منها لهلاك ~~أهلهاوقصر مشيد والمشيد المجصص أو المرفوع البنيان. والمعنى كم قرية ~~أهلكنا؟ وكم بئر عطلنا عن سقاتها؟ وقصر مشيد أخليناه عن ساكنيه؟ فترك ذلك ~~لدلالة معطلة عليه. وفي هذا دليل على أن { على عروشها } بمعنى ~~«مع» أوجه. روي أن هذه بئر نزل عليها صالح عليه السلام مع أربعة آلاف ~~نفر ممن آمن به. ونجاهم الله من العذاب، وهي بحضرموت. وإنما سميت بذلك ~~لأن صالحا حين حضرها مات، وثمة بلدة عند البئر اسمها «حاضوراء» بناها ~~قوم صالح، وأمروا عليهم جلهس بن جلاس، وأقاموا بها زمانا ثم كفروا ~~وعبدوا صنما، وأرسل الله إليهم حنظلة ابن صفوان نبيا فقتلوه، فأهلكهم ~~الله وعطل بئرهم وخرب قصورهم. ### || [22.46] # يحتمل أنهم لم يسافروا فحثوا على السفر ليروا مصارع من أهلكهم الله ~~بكفرهم، ويشاهدوا آثارهم فيعتبروا. وأن يكونوا قد سافروا ورأوا ذلك ولكن ~~لم يعتبروا، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا. وقرىء «فيكون لهم قلوب» ~~بالياء، أي يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد، ويسمعون ما يجب سماعه من ~~الوحي { فإنها } الضمير ضمير الشأن والقصة، يجيء مذكرا ومؤنثا، ~~وفي قراءة ابن مسعود فإنه. ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره { ~~الأبصر } وفي تعمى ضمير راجع إليه. والمعنى أن أبصارهم صحيحة ~~سالمة لا عمى بها. وإنما العمى بقلوبهم. ms1277 أولا يعتد بعمى الأبصار، فكأنه ~~ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب. فإن قلت أي فائدة في ذكر الصدور؟ قلت ~~الذي قد تعورف واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب ~~الحدقة بما يطمس نورها. واستعماله في القلب استعارة ومثل، فلما أريد ~~إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن ~~الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرر أن ~~مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول ليس المضاء للسيف ولكنه ~~للسانك الذي بين فكيك، فقولك «الذي بين فكيك» تقرير لما ادعيته للسانه ~~وتثبيت لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت ما نفيت المضاء عن ~~السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهوا مني، ولكن تعمدت به إياه بعينه ~~تعمدا. ### || [22.47-48] # أنكر استعجالهم بالمتوعد به من العذاب العاجل أو الآجل، كأنه قال ولم ~~يستعجلون به؟ كأنهم يجوزون الفوت، وإنما يجوز ذلك على ميعاد من يجوز ~~عليه الخلف، والله عز وعلا لا يخلف الميعاد وما وعده ليصيبنهم ولو بعد ~~حين، وهو سبحانه حليم لا يعجل، ومن حلمه ووقاره واستقصاره المدد الطوال ~~أن يوما واحدا عنده كألف سنة عندكم. قيل معناه كيف يستعجلون بعذاب من ~~يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم لأن أيام الشدائد ~~مستطالة. أو كأن ذلك اليوم الواحد لشدة عذابه كألف سنة من سني العذاب. ~~وقيل ولن يخلف الله وعده في النظرة والإمهال. وقرىء «تعدون» بالتاء ~~والياء، ثم قال وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أنظرتهم حينا ثم ~~أخذتهم بالعذاب والمرجع إلي وإلى حكمي. فإن قلت لم كانت الأولى معطوفة ~~بالفاء، وهذه بالواو؟ قلت الأولى وقعت بدلا عن قوله # فكيف كان نكير # الحج 44، سبأ 45، فاطر 26، الملك 18 وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من ~~الجملتين المعطوفتين بالواو، أعني قوله { ولن يخلف الله ~~وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة }. ### || [22.49-51] # يقال سعيت في أمر فلان، إذا أصلحه أو أفسده بسعيه. وعاجزه سابقه لأن كل ~~واحد ms1278 منهما في طلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه. ~~والمعنى سعوا في معناها بالفساد من الطعن فيها، حيث سموها سحرا وشعرا ~~وأساطير، ومن تثبيط الناس عنها سابقين أو مسابقين في زعمهم، وتقديرهم ~~طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم. فإن قلت كأن القياس أن يقال إنما أنا ~~لكن بشير ونذير، لذكر الفريقين بعده. قلت الحديث مسوق إلى المشركين. و { ~~يأيها الناس } نداء لهم، وهم الذين قيل فيهم # أفلم يسيروا فى الأرض # يوسف 109، الحج 46، غافر 82، محمد 10 ووصفوا بالاستعجال. وإنما أفحم ~~المؤمنون وثوابهم ليغاظوا. ### || [22.52] # { من رسول ولا نبى } دليل بين على تغاير الرسول والنبي. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأنبياء فقال 712 # " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا " # قيل فكم الرسل منهم؟ قال # " ثلثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا " # والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل ~~عليه. والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس ~~إلى شريعة من قبله. والسبب في نزول هذه الآية 713 أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما أعرض عنه قوم وشاقوه وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما ~~جاء به تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل ~~عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم ~~وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة «والنجم» وهو في نادي ~~قومه، وذلك التمني في نفسه، فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله # ومنوة الثالثة الأخرى # النجم 20 { ألقى الشيطن فى أمنيته } التي تمناها، أي ~~وسوس إليه بما شيعها به، فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال ~~تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وروي الغرانقة، ولم يفطن له ~~حتى أدركته العصمة فتنبه عليه، وقيل نبهه جبريل عليه السلام. أو تكلم ~~الشيطان بذلك فأسمعه الناس قيل فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في ~~النادي وطابت نفوسهم، وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من ms1279 الله وابتلاء، ~~زاد المنافقون به شكا وظلمة، والمؤمنون نورا وإيقانا. والمعنى أن ~~الرسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك إذا تمنوا مثل ما تمنيت، مكن ~~الله الشيطان ليلقي في أمانيهم مثل ما ألقى في أمنيتك، إرادة امتحان من ~~حولهم، والله سبحانه له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع ~~الفتن، ليضاعف ثواب الثابتين، ويزيد في عقاب المذبذبين. وقيل { تمنى ~~} قرأ. وأنشد # تمنى كتاب الله أول ليلة تمني داود ~~الربور على رسل # وأمنيته قراءته. وقيل تلك الغرانيق إشارة إلى الملائكة، أي هم الشفعاء ~~لا الأصنام { فينسخ الله ما يلقى الشيطن } أي يذهب به ~~ويبطله { ثم يحكم الله ءايته } أي يثبتها. ### || [22.53-54] # والذين { فى قلوبهم مرض } المنافقون والشاكون { ~~والقاسية قلوبهم } المشركون المكذبون { وإن ~~الظلمين } يريد وإن هؤلاء المنافقين والمشركين. وأصله وإنهم، فوضع ~~الظاهر موضع الضمير قضاء عليهم بالظلم { أنه الحق من ربك } ~~أي ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق من ربك والحكمة { وإن ~~الله لهاد الذين ءامنوا إلى } أن يتأولوا ما يتشابه في ~~الدين بالتأويلات الصحيحة، ويطلبوا لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه ~~الأصول والمحكمة والقوانين الممهدة، حتى لا تلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة ~~ولا تزل أقدامهم. وقرىء «لهاد الذين آمنوا» بالتنوين. ### || [22.55] # الضمير في { مرية منه } للقرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~اليوم العقيم يوم بدر، وإنما وصف يوم الحرب بالعقيم لأن أولاد النساء ~~يقتلون فيه، فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو لأن المقاتلين يقال لهم أبناء ~~الحرب، فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بالعقيم على سبيل المجاز. وقيل هو الذي ~~لا خير فيه، يقال ريح عقيم إذا لم تنشيء مطرا ولم تلقح شجرا. وقيل لا ~~مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة عليهم السلام فيه. وعن الضحاك أنه يوم ~~القيامة، وأن المراد بالساعة مقدماته، ويجوز أن يراد بالساعة وبيوم عقيم ~~يوم القيامة، كأنه قيل حتى تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها، فوضع { ~~يوم عقيم } موضع الضمير. ### || [22.56-57] # فإن قلت التنوين في { يومئذ } عن أي جملة ينوب؟ قلت ms1280 تقديره الملك ~~يوم يؤمنون. أو يوم تزول مريتهم، لقوله # ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى ~~تأتيهم الساعة # الحج 55. ### || [22.58-59] # لما جمعتهم المهاجرة في سبيل الله سوى بينهم في الموعد، وأن يعطى من ~~مات منهم مثل ما يعطي من قتل تفضلا منه وإحسانا. والله عليم بدرجات ~~العاملين ومراتب استحقاقهم { حليم } عن تفريط المفرط منهم بفضله ~~وكرمه، روي أن طوائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ~~قالوا يا نبي الله، هؤلاء الذي قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير ~~ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله هاتين ~~الآيتين. ### || [22.60] # تسمية الابتداء بالجزاء لملابسته له من حيث أنه سبب وذاك مسبب عنه كما ~~يحملون النظير على النظير والنقيض على النقيض للملابسة. فإن قلت كيف طابق ~~ذكر العفو الغفور هذا الموضع؟ قلت المعاقب مبعوث من جهة الله عز وجل ~~على الإخلال بالعقاب، والعفو عن الجاني - على طريق التنزيه لا التحريم - ~~ومندوب إليه، ومستوجب عند الله المدح إن آثر ما ندب إليه وسلك سبيل ~~التنزيه، فحين لم يؤثر ذلك وانتصر وعاقب، ولم ينظر في قوله تعالى # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # الشورى 40، # وأن تعفوا أقرب للتقوى # البقرة 237، # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # الشورى 43 إن الله لعفو غفور، أي لا يلومه على ترك ما بعثه عليه، وهو ~~ضامن لنصره في كرته الثانية من إخلاله بالعفو وانتقامه من الباغي عليه. ~~ويجوز أن يضمن له النصر على الباغي، ويعرض مع ذلك بما كان أولى به من ~~العفو، ويلوح به بذكر هاتين الصفتين. أو دل بذكر العفو والمغفرة على ~~أنه قادر على العقوبة، لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده. ### || [22.61] # { ذلك } أي ذلك النصر بسبب أنه قادر. ومن آيات قدرته البالغة أنه { ~~يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى اليل } أو ~~بسبب أنه خالق الليل والنهار ومصرفهما فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على ~~أيدي عباده من الخير والشر والبغي ms1281 والإنصاف، وأنه { سميع } لما ~~يقولون { بصير } بما يفعلون. فإن قلت ما معنى إيلاج أحد الملوين في ~~الآخر؟ قلت تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء، ذاك بغيبوبة الشمس. وضياء ذاك ~~في مكان ظلمة هذا بطلوعها، كما يضيء السرب بالسراج ويظلم بفقده. وقيل هو ~~زيادته في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات. ### || [22.62] # وقرىء { تدعون } بالتاء والياء. وقرأ اليماني. وأن ما تدعون. بلفظ ~~المبني للمفعول، والواو راجعة إلى «ما» لأنه في معنى الآلهة، أي ذلك ~~الوصف بخلق الليل والنهار والإحاطة بما يجري فيهما وإدراك كل قول وفعل، ~~بسبب أنه الله الحق الثابت إلهيته، وأن كل ما يدعي إلها دونه باطل ~~الدعوة، وأنه لا شيء أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا. ### || [22.63-64] # قرىء { مخضرة } أي ذات خضر، على مفعلة، كمقبلة ومسبعة. فإن قلت ~~هلا قيل فأصبحت؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع؟ قلت لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء ~~أثر المطر زمانا بعد زمان، كما تقول أنعم علي فلان عام كذا، فأروح ~~وأغدوا شاكرا له. ولو قلت فرحت وغدوت ولم يقع ذلك الموقع، فإن قلت فما ~~له رفع لم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض، ~~لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن ~~تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك ~~تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له ~~من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله { لطيف } وأصل علمه أو ~~فضله إلى كل شيء { خبير } بمصالح الخلق ومنافعهم. ### || [22.65-66] # { ما فى الأرض } من البهائم مذللة للركوب في البر، ومن المراكب ~~جارية في البحر، وغير ذلك من سائر المسخرات. وقرىء { والفلك } ~~بالرفع على الابتداء { أن تقع } كراهة أن تقع { إلا } بمشيئته { ~~أحياكم } بعد أن كنتم جمادا ترابا، ونطفة، وعلقة، ومضغة { ~~لكفور } لجحود لما أفاض عليه من ضروب النعم. ### || [22.67] # هو نهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لا تلتفت إلى قولهم ولا ~~تمكنهم من ms1282 أن ينازعوك. أو هو زجر لهم عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمنازعة في الدين وهم جهال لا علم عندهم وهم كفار خزاعة. روى أن ~~بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان الخزاعيين وغيرهما قالوا للمسلمين ما لكم ~~تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله! يعنون الميتة. وقال الزجاج هو ~~نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعته، كما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا ~~تضاربه. وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا بين اثنين { فى الأمر } ~~في أمر الدين. وقيل في أمر النسائك، وقرىء «فلا ينزعنك» أي اثبت في دينك ~~ثباتا لا يطمعون أن يجذبوك ليزيلوك عنه. والمراد زيادة التثبيت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بما يهيج حميته ويلهب غضبه لله ولدينه. ومنه قوله # ولا يصدنك عن ءايت الله # القصص 87، # ولا تكونن من المشركين # الأنعام 14، يونس 105، القصص 87، # فلا تكونن ظهيرا للكفرين # القصص 86. وهيهات أن ترتع همة رسول الله صلى الله عليه وسلم حول ذلك ~~الحمى، ولكنه وارد على ما قلت لك من إرادة التهييج والإلهاب. وقال الزجاج ~~هو من نازعته فنزعته أنزعه، أي غلبته، أي لا يغلبنك في المنازعة. فإن قلت ~~لم جاءت نظيرة هذه الآية معطوفة بالواو وقد نزعت عن هذه؟ قلت لأن تلك ~~وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك، فعطفت على ~~أخواتها. وأما هذه فواقعة مع أباعد عن معناها فلم تجد معطفا. ### || [22.68] # أي وإن أبوا للجاجهم إلا المجادلة بعد اجتهادك أن لا يكون بينك وبينهم ~~تنازع، فادفعهم بأن الله أعلم بأعمالكم وبقبحها وبما تستحقون عليها من ~~الجزاء فهو مجازيكم به. وهذا وعيد وإنذار، ولكن برفق ولين. ### || [22.69-70] # { الله يحكم بينكم } خطاب من الله للمؤمنين والكافرين، أي ~~يفصل بينكم بالثواب والعقاب ومسلاة للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان ~~يلقى منهم، وكيف يخفى عليه ما يعملون، ومعلوم عند العلماء بأن الله يعلم ~~كل ما يحدث في السموات والأرض، وقد كتبه في اللوح قبل حدوثه. والإحاطة ~~بذلك وإثباته وحفظه عليه ms1283 { يسير } لأن العالم بالذات لا يتعذر عليه ~~ولا يمتنع تعلق بمعلوم. ### || [22.71] # { ويعبدون من دون } ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي ~~من جهة الوحي والسمع، ولا ألجأهم إليها علم ضروري، ولا حملهم عليها دليل ~~عقلي { وما } للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم من أحد ينصرهم ويصوب ~~مذهبهم. ### || [22.72] # { المنكر } الفظيع من التجهم والبسور. أو الإنكار، كالمكرم بمعنى ~~الإكرام. وقرىء «يعرف» والمنكر. والسطو الوثب والبطش. وقرىء { النار } ~~بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلا قال ما هو؟ فقيل النار، أي ~~هو النار. وبالنصب على الاختصاص. وبالجر على البدل من { بشر من ~~ذلكم } من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم. أو مما أصابكم من الكراهة ~~والضجر بسبب ما تلي عليكم { وعدها الله } استئناف كلام. ويحتمل أن ~~تكون { النار } مبتدأ و { وعدها } خبرا، وأن يكون حالا عنها إذا ~~نصبتها أو جررتها بإضمار «قد». ### || [22.73] # فإن قلت الذي جاء به ليس بمثل، فكيف سماه مثلا؟ قلت قد سميت الصفة أو ~~القصة الرائعة الملتقاة بالاستحسان والاستغراب مثلا، تشبيها لها ببعض ~~الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم. قرىء «تدعون» بالتاء ~~والياء ويدعون مبنيا للمفعول { لن } أخت «لا» في نفي المستقبل، إلا أن ~~«لن» تنفيه نفيا مؤكدا، وتأكيده ههنا الدلالة على أن خلق الذباب منهم ~~مستحيل مناف لأحوالهم، كأنه قال محال أن يخلقوا، فإن قلت ما محل. { ~~ولو اجتمعوا له }؟ قلت النصب على الحال، كأنه قال مستحيل أن ~~يخلقوا الذباب مشروطا عليهم اجتماعهم جميعا لخلقه وتعاونهم عليه، وهذا ~~من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن ~~الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية - التي تقتضي الاقتدار على ~~المقدورات كلها، والإحاطة بالمعلومات عن آخرها - صورا وتماثيل يستحيل ~~منها أن تقدر على أقل ما خلقهالله وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا ~~لذلك وتساندوا. وأدل من ذلك على عجزهم وانتفاء قدرتهم أن هذا الخلق ~~الأقل الأذل لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه لم ~~يقدروا. وقوله { ضعف الطالب والمطلوب } كالتسوية بينهم وبين ~~الذباب ms1284 في الضعف. ولو حققت وجدت الطالب أضعف وأضعف، لأن الذباب حيوان، ~~وهو جماد، وهو غالب وذاك مغلوب. وعن ابن عباس أنهم كانوا يطلونها ~~بالزعفران، ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوي ~~فيأكله. ### || [22.74] # { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عرفوه حق معرفته، حتى ~~لا يسموا باسمه من هو منسلخ عن صفاته بأسرها، ولا يؤهلوه للعبادة، ولا ~~يتخذوه شريكا له إن الله قادر غالب، فكيف يتخذ العاجز المغلوب شبيها ~~به؟ ### || [22.75-76] # هذا رد لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن رسل الله على ~~ضربين ملائكة وبشر، ثم ذكر أنه تعالى دراك للمدركات، عالم بأحوال ~~المكلفين ما مضي منها وما غبر، لا تخفى عليه منهم خافية. وإليه مرجع ~~الأمور كلها، والذي هو بهذه الصفات، لا يسأل عما يفعل، وليس لأحد أن ~~يعترض عليه في حكمه وتدابيره واختيار رسله. ### || [22.77] # للذكر شأن ليس لغيره من الطاعات. وفي هذه السورة دلالات على ذلك، فمن ~~ثمة دعا المؤمنين أولا إلى الصلاة التي هي ذكر خالص، ثم إلى العبادة ~~بغير الصلاة كالصوم والحج والغزو، ثم عم بالحث على سائر الخيرات. وقيل ~~كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع ويركعون بلا سجود، فأمروا أن ~~تكون صلاتهم بركوع وسجود. وقيل معنى { واعبدوا ربكم } اقصدوا ~~بركوعكم وسجودكم وجه الله. وعن ابن عباس في قوله { وافعلوا ~~الخير } صلة الأرحام ومكارم الأخلاق { لعلكم تفلحون } أي ~~افعلوا هذا كله وأنتم راجون للفلاح طامعون فيه، غير مستيقنين ولا تتكلوا ~~على أعمالكم، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال 714 قلت يا رسول الله في ~~سورة الحج سجدتان؟ قال # " نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما " # وعن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما فضلت سورة الحج بسجدتين. وبذلك ~~احتج الشافعي رضي الله عنه، فرأى سجدتين في سورة الحج، وأبو حنيفة ~~وأصحابه رضي لله عنهم لا يرون فيها إلا سجدة واحدة، لأنهم يقولون قرن ~~السجود بالركوع، فدل ذلك على أنها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة. ### || [22.78] # { وجهدوا ms1285 } أمر بالغزو وبمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر. ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجع من بعض غزواته فقال 715 # " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # { فى الله } أي في ذات الله ومن أجله. يقال هو حق عالم، وجد عالم، ~~أي عالم حقا وجدا. ومنه { حق جهده }. فإن قلت ما وجه هذه ~~الإضافة، وكان القياس حق الجهاد فيه، أو حق جهادكم فيه، كما قال { ~~وجهدوا فى الله }؟ قلت الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص، ~~فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث أنه مفعول لوجهه ومن أجله، صحت ~~إضافته إليه. ويجوز أن يتسع في الظرف كقوله # ويوما شهدناه سليما وعامرا # { اجتبكم } اختاركم لدينه ولنصرته { وما جعل عليكم فى ~~الدين من حرج } فتح باب التوبة للمجرمين، وفسح بأنواع الرخص ~~والكفارات والديات والأروش. ونحوه قوله تعالى # يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # البقرة 185 وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هي الأمة المرحومة الموسومة ~~بذلك في الكتب المتقدمة. نصب الملة بمضمون ما تقدمها، كأنه قيل وسع ~~دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. أو على ~~الاختصاص، أي أعني بالدين ملة أبيكم كقولك الحمد الله الحميد. فإن قلت لم ~~يكن { إبرهيم } أبا للأمة كلها. قلت هو أبو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكان أبا لأمته، لأن أمة الرسول في حكم أولاده { هو } ~~يرجع إلى الله تعالى. وقيل إلى إبراهيم. ويشهد للقول الأول قراءة أبي ~~بن كعب «الله سماكم» { من قبل وفى هذا } أي من قبل القرآن في ~~سائر الكتب وفي القرآن، أي فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم { ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم } أنه قد بلغكم { وتكونوا ~~شهداء على الناس } بأن الرسل قد بلغتهم وإذ خصكم بهذه الكرامة ~~والأثرة. فاعبدوه وثقوا به ولا تطلبوا النصرة والولاية إلا منه، فهو خير ~~مولى وناصر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 716 # " من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من ~~حج واعتمر فيما ms1286 مضى وفيما بقي ". ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-2] # { قد } نقيضه «لما» هي تثبت المتوقع و«لما» تنفيه، ولا شك أن ~~المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، ~~فخوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والفلاح الظفر بالمراد، وقيل البقاء ~~في الخير. و { أفلح } دخل في الفلاح، كأبشر دخل في البشارة. ويقال ~~أفلحه أصاره إلى الفلاح. وعليه قراءة طلحة بن مصرف أفلح، على البناء ~~للمفعول. وعنه «أفلحوا» على أكلوني البراغيث. أو على الإبهام والتفسير. ~~وعنه «أفلح» بضمة بغير واو، اجتزاء بها عنها، كقوله # فلو أن الاطبا كان حولي # فإن قلت ما المؤمن؟ قلت هو في اللغة المصدق. وأما في الشريعة فقد اختلف ~~فيه على قولين، أحدهما أن كل من نطق بالشهادتين مواطئا قلبه لسانه فهو ~~مؤمن. والآخر أنه صفة مدح لا يستحقها إلا البر التقي دون الفاسق ~~الشقي. { خشعون } الخشوع في الصلاة خشية القلب وإلباد البصر عن ~~قتادة وهو إلزامه موضع السجود. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 717 أنه كان ~~يصلي رافعا بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية رمى ببصره نحو مسجده، ~~وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره إلى ~~شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شأن الدنيا. وقيل هو جمع الهمة لها، والإعراض ~~عما سواها. ومن الخشوع أن يستعمل الآداب، فيتوقى كف الثوب، والعبث بجسده ~~وثيابه والالتفات، والتمطي، والتثاؤب، والتغميض، وتغطية الفم، والسدل، ~~والفرقعة، والتشبيك، والاختصار، وتقليب الحصا. روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 718 أنه أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال # " لو خشع قلبه خشعت جوارحه " # ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا وهو يقول اللهم زوجني الحور العين، ~~فقال بئس الخاطب أنت! تخطب وأنت تعبث. فإن قلت لم أضيفت الصلاة إليهم؟ ~~قلت لأن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى له، فالمصلي هو المنتفع بها ~~وحده، وهي عدته وذخيرته فهي صلاته وأما المصلى له، فغني متعال عن ~~الحاجة إليها والانتفاع بها. ### || [23.3] # اللغو ما لا يعنيك من قول أو ms1287 فعل، كاللعب والهزل وما توجب المروءة ~~إلغاءه وإطراحه يعني أن بهم من الجد ما يشغلهم عن الهزل. لما وصفهم ~~بالخشوع في الصلاة، أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل ~~والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف. ### || [23.4] # الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من ~~النصاب إلى الفقير والمعنى فهل المزكي الذي هو التزكية، وهو الذي أراده ~~الله، فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا ~~يعبر عن معناه بالفعل ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب فاعل الضرب، ~~وللقاتل فاعل القتل، وللمزكي فاعل التزكية. وعلى هذا الكلام كله والتحقيق ~~فيه أنك تقول في جميع الحوادث من فاعل هذا؟ فيقال لك فاعله الله أو بعض ~~الخلق. ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها فاعلون، لخروجها ~~من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأن الخلق ليسوا بفاعليها. وقد أنشد ~~لأمية ابن أبي الصلت # المطمعون الطعام في السنة الأزمة والفاعلون ~~للزكوات # ويجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء، وحمل البيت ~~على هذا أصح، لأنها فيه مجموعة. ### || [23.5-7] # { على أزوجهم } في موضع الحال، أي الأوالين على أزواجهم أو ~~قوامين عليهن، من قولك كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان. ~~ونظيره كان زياد على البصرة، أي واليا عليها. ومنه قولهم فلانة تحت ~~فلان، ومن ثمة سميت المرأة فراشا والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة ~~الأحوال، إلا في حال تزوجهم أو تسريهم، أو تعلق { على } بمحذوف يدل ~~عليه # غير ملومين # المعارج 30 كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم، أي يلامون على كل مباشر ~~إلا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه. أو تجعله صلة لحافظين، من ~~قولك احفظ علي عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم نشدتك ~~بالله إلا فعلت معنى ما طلبت منك إلا فعلك. فإن قلت هلاقيل من ملكت؟ قلت ~~لأنه أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث جعل ~~المستثنى ms1288 حدا أوجب الوقوف عنده، ثم قال فمن أحدث ابتغاء وراء هذا الحد ~~مع فسحته واتساعه، وهو إباحة أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شئت { ~~فأولئك هم } الكاملون في العدوان المتناهون فيه. فإن قلت هل فيه ~~دليل على تحريم المتعة؟ قلت لا لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة ~~الأزواج إذا صح النكاح. ### || [23.8] # وقرىء «لأمانتهم» سمى الشيء المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا. ~~ومنه قوله تعالى # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت إلى ~~أهلها # النساء 58 وقال # وتخونوا أمنتكم # الأنفال 27 وإنما تؤدى العيون لا المعاني، ويخان المؤتمن عليه، لا ~~الأمانة في نفسها. والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم ~~وراعي الرعية. ويقال من راعي هذا الشيء؟ أي متوليه وصاحبه ويحتمل العموم ~~في كل ما ائتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الخلق، والخصوص ~~فيما حملوه من أمانات الناس وعهودهم. ### || [23.9] # وقرىء «على صلاتهم». فإن قلت كيف كرر ذكر الصلاة أولا وآخرا؟ قلت ~~هما ذكران مختلفان فليس بتكرير. وصفوا أولا بالخشوع في صلاتهم، وآخرا ~~بالمحافظة عليها. وذلك أن لا يسهوا عنها، ويؤدوها في أوقاتها، ويقيموا ~~أركنها، ويوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها وبما ينبغي أن تتم به أوصافها. ~~وأيضا فقد وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة أي صلاة كانت، وجمعت ~~آخرا لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس، والوتر، والسنن ~~المرتبة مع كل صلاة وصلاة الجمعة، والعيدين، والجنازة، والاستسقاء، ~~والكسوف والخسوف، وصلاة الضحى، والتهجد وصلاة التسبيح، وصلاة الحاجة. ~~وغيرها من النوافل. ### || [23.10-11] # أي { أولئك } الجامعون لهذه الأوصاف { هم الورثون } ~~الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم، ثم ترجم الوارثين بقوله { ~~الذين يرثون الفردوس } فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم لا تخفى ~~على الناظر. ومعنى الإرث ما مر في سورة مريم. أنث الفردوس على تأويل ~~الجنة، وهو البستان الواسع الجامع لأصناف الثمر. روي أن الله عز وجل ~~بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل خلالها المسك والأذفر. ~~وفي رواية ولبنة من مسك مذري وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد ms1289 الريحان. ### || [23.12-14] # السلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر، وفعالة، بناء للقلة كالقلامة ~~والقمامة. وعن الحسن ماء بين ظهراني الطين. فإن قلت ما الفرق بين من ومن؟ ~~قلت الأول للابتداء، والثاني للبيان، كقوله # من الأوثن # الحج 30. فإن قلت ما معنى { جعلنا } الإنسان نطفة؟ قلت معناه أنه ~~خلق جوهر الإنسان أولا طينا، ثم جعل جوهره بعذ ذلك نطفة. القرار ~~المستقر، والمراد الرحم. وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، ~~كقولك. طريق سائر. أو بمكانتها في نفسها لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت. قرىء ~~«عظما فكسونا العظم» و «عظاما فكسونا العظام» و «عظما فكسونا العظم» ~~وضع الواحد مكان الجمع لزوال اللبس لأن الإنسان ذو عظام كثيرة { خلقا ~~ءاخر } أي خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها، حيث جعله ~~حيوانا وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا ~~وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من ~~أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف ولا تبلغ بشرح ~~الشارح وقد احتج به أبو حنيفة فيمن غصب بيضة فأفرخت عنده قال يضمن ~~البيضة ولا يرد الفرخ لأنه خلق أخر سوى البيضة { فتبارك الله } ~~فتعالى أمره في قدرته وعلمه { أحسن الخلقين } أي أحسن ~~المقدرين تقديرا، فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه. ونحوه طرح ~~المأذون فيه في قوله # أذن للذين يقتلون # الحج 39 لدلالة الصلة. وروي عن عمر رضي الله عنه 719 أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما بلغ قوله خلقا آخر، قال # " فتبارك الله أحسن الخالقين " # وروي 720 أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنطق بذلك قبل إملائه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «اكتب، ~~هكذا نزلت» فقال عبد الله إن كان محمد نبيا يوحى إليه فأنا نبي يوحى ~~إلي، فلحق بمكة كافرا، ثم أسلم يوم الفتح. ### || [23.15-16] # قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن لمائتون. والفرق بين الميت والمائت أن ~~الميت كالحي صفة ثابتة. وأما المائت، فيدل على ms1290 الحدوث. تقول زيد مائت ~~الآن، ومائت غدا، كقولك يموت. ونحوهما ضيق وضائق، وفي قوله تعالى # وضائق به صدرك # هود 12 { لميتون } جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة، والبعث الذي ~~هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضا على اقتدار عظيم بعد الإنشاء ~~والاختراع. فإن قلت فإذا لا حياة إلا حياة الإنشاء وحياة البعث. قلت ليس ~~في ذكر الحياتين نفي الثالثة وهي حياة القبر، كما لو ذكرت ثلثي ما عندك ~~وطويت ذكر ثلثه لم يكن دليلا على أن الثلث ليس عندك. وأيضا فالغرض ذكر ~~هذه الأجناس الثلاثة الإنشاء والإماتة والإعادة، والمطوي ذكرها من جنس ~~الإعادة. ### || [23.17] # الطرائق السموات، لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه ~~مثله فهو طريقة أو لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم وقيل الأفلاك لأنها ~~طرائق الكواكب فيها مسيرها أراد بالخلق السموات، كأنه قال خلقناهم فوقهم ~~{ وما كنا } عنها { غفلين } وعن حفظها وإمساكها أن تقع فوقهم ~~بقدرتنا أو أراد به الناس وأنه أنما خلقها فوقهم ليفتح عليهم الأرزاق ~~والبركات منها، وينفعهم بأنواع منافعها، وما كان غافلا عنهم وما يصلحهم. ### || [23.18] # { بقدر } بتقدير يسلمون معه من المضرة، ويصلون إلى المنفعة. أو ~~بمقدار ما علمناه من حاجاتهم ومصالحهم. { فأسكناه فى الأرض } ~~كقوله # فسلكه ينابيع فى الأرض # الزمر 21 وقيل جعلناه ثابتا في الأرض. وقيل إنها خمسة أنهار سيحون نهر ~~الهند. وجيحون نهر بلخ، ودجلة والفرات نهرا العراق. والنيل نهر مصر، ~~أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في ~~الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معيشهم. وكما قدر على أنزاله فهو ~~قادر على رفعه وإزالته. وقوله { على ذهاب به } من أوقع النكرات ~~وأحزها للمفصل. والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه. وفيه ~~إيذان باقتدار المذهب، وأنه لا يتعايى عليه شيء إذا أراده، وهو أبلغ في ~~الإيعاد، من قوله # قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بماء معين # الملك 30 فعلى العباد أن يستعظموا النعمة في الماء ويقيدوها بالشكر ~~الدائم، ويخافوا نفارها إذا ms1291 لم تشكر. ### || [23.19-20] # خص هذه الأنواع الثلاثة، لأنها أكرم الشجر وأفضلها وأجمعها للمنافع. ~~ووصف النخل والعنب بأن ثمرهما جامع بين أمرين بأنه فاكهة يتفكه بها، ~~وطعام يؤكل رطبا ويابسا، رطبا وعنبا، وتمرا وزبيبا. والزيتون بأن ~~دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا، ويجوز أن يكون قوله { ومنها ~~تأكلون } من قولهم يأكل فلان من حرفة يحترفها، ومن ضيعة يغتلها ومن ~~تجارة يتربح بها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه، كأنه قال ~~وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم، منها ترتزقون وتتعيشون { وشجرة ~~} عطف على جنات. وقرئت مرفوعة على الابتداء، أي ومما أنشيء لكم شجرة و { ~~طور سينآء } وطور سنين، لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة ~~اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف ~~إليه، كامريء القيس، وكبعلبك، فيمن أضاف. فمن كسر سين سيناء فقد منع ~~الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة، وفعلاء لا يكون ألفه ~~للتأنيث كعلباء وحرباء. ومن فتح فلم يصرف لأن الألف للتأنيث كصحراء. ~~وقيل هو جبل فلسطين. وقيل بين مصر وإيلة. ومنه نودي موسى عليه السلام. ~~وقرأ الأعمش «سينا» على القصر { بالدهن } في موضع الحال، أي تنبت ~~وفيها الدهن. وقرىء «تنبت» وفيه وجهان، أحدهما أن أنبت بمعنى نبت. وأنشد ~~لزهير # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا لهم حتى ~~إذا أنبت البقل # والثاني أن مفعوله محذوف، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت. وقرىء «تنبت» ~~بضم التاء وفتح الباء، وحكمه حكم تنبت. وقرأ ابن مسعود تخرج الدهن وصبع ~~الآكلين. وغيره تخرج بالدهن وفي حرف أبي «تثمر الدهن» وعن بعضهم تنبت ~~بالدهان. وقرأ الأعمش «وصبغا» وقرىء «وصباغ » ونحوهما دبغ ودباغ. والصبغ ~~الغمس للائتدام. وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان، ووصفها الله تعالى ~~بالبركة في قوله # يوقد من شجرة مبركة # النور 35. ### || [23.21-22] # قرىء «تسقيكم» بتاء مفتوحة، أي تسقيكم الأنعام { ومنها تأكلون ~~} أي تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك، كما تتعلق بما لا يؤكل ~~لحمه من الخيل والبغال والحمير. وفيها منفعة زائدة، وهي الأكل الذي ms1292 هو ~~انتفاع بذواتها، والقصد بالأنعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في ~~العادة، وقرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البر. قال ~~ذو الرمة # سفينة بر تحت خدي زمامها # يريد صيدحه. ### || [23.23-25] # { غيره } بالرفع على المحل، وبالجر على اللفظ، والجملة استئناف ~~تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة { أفلا تتقون } أفلا تخافون أن ~~ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم، وشكر نعمته التي لا ~~تحصونها واجب عليكم، ثم تذهبوا فتعبدوا غيره مما ليس من استحقاق العبادة ~~في شيء { أن يتفضل عليكم } أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم، ~~كقوله تعالى # وتكون لكما الكبرياء فى الأرض # يونس 78. { بهذا } إشارة إلى نوح عليه السلام، أو إلى ما كلمهم به ~~من الحث على عبادة الله، أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل هذا الذي ~~يدعي وهو بشر أنه رسول الله، وما أعجب شأن الضلال لم يرضوا للنبوة ببشر ~~وقد رضوا للإلهية بحجر وقولهم { ما سمعنا بهذا } يدل على ~~أنهم وآباؤهم كانوا في فترة متطاولة. أو تكذبوا في ذلك لأنهماكهم في ~~الغي، وتشمرهم لأن يدفعوا الحق بما أمكنهم وبما عن لهم، من غير تمييز ~~منهم بين صدق وكذب. ألا تراهم كيف جننوه وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا ~~وأوزنهم قولا. والجنة الجنون أو الجن، أي به جن يخبلونه { حتى ~~حين } أي احتملوه واصبروا عليه إلى زمان، حتى ينجلي أمره عن عاقبة، فإن ~~أفاق من جنونه وإلا قتلتموه. ### || [23.26-30] # في نصرته إهلاكهم، فكأنه قال أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي، أو انصرني بدل ~~ما كذبوني، كما تقول هذا بذاك، أي بدل ذاك ومكانه. والمعنى أبدلني من غم ~~تكذيبهم، سلوة النصرة عليهم، أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ~~ما كذبوه فيه حين قال لهم # إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # الأعراف 59، الشعراء 135، الأحقاف 21. { بأعيننا } بحفظنا ~~وكلاءتنا، كأن معه من الله حفاظا يكلؤونه بعيونهم، لئلا يتعرض له ولا ~~يفسد عليه مفسد عمله. ومنه قولهم عليه من الله عين كالئة { ووحينا } ~~أي نأمرك كيف تصنع ونعلمك. روي أنه أوحى إليه ms1293 أن يصنعها على مثال جؤجؤ ~~الطائر. روي أنه قيل لنوح عليه السلام إذا رأيت الماء يفور من التنور ~~فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته ~~فركب. وقيل كان تنور آدم عليه السلام، وكان من حجارة، فصار إلى نوح. ~~واختلف في مكانه، فعن الشعبي في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب ~~كندة، وكان نوح عمل السفينة وسط المسجد. وقيل بالشام بموضع يقال له عين ~~وردة. وقيل بالهند. وعن ابن عباس رضي الله عنه التنور وجه الأرض. وعن ~~قتادة أشرف موضع في الأرض، أي أعلاه. وعن علي رضي الله عنه فار التنور ~~طلع الفجر. وقيل معناه أن فوران التنور كان عند تنوير الفجر. وقيل هو مثل ~~كقولهم حمي الوطيس. والقول هو الأول. يقال سلك فيه دخله. وسلك غيره، ~~وأسلكه. قال # حتى إذا أسلكوهم في قتائده # { من كل زوجين } من كل أمتي زوجين، وهما أمة الذكر وأمة ~~الأنثى، كالجمال، والنوق، والحصن والرماك { اثنين } واحدين مزدوجين، ~~كالجمل والناقة، والحصان والرمكة روي أنه لم يحمل إلا ما يلد ويبيض. ~~وقرىء «من كل» بالتنوين، أي من كل أمة زوجين. واثنين تأكيد وزيادة بيان. ~~جيء بعلى مع سبق الضار، كما جيء باللام مع سبق النافع. قال الله تعالى # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # الأنبياء 101، # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين # الصافات 171، ونحو قوله تعالى # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # البقرة 286 وقول عمر رضي الله عنه ليتها كانت كفافا، لا علي ولا لي. ~~فإن قلت لم نهاه عن الدعاء لهم بالنجاة؟ قلت لما تضمنته الآية من كونهم ~~ظالمين، وإيجاب الحكمة أن يغرقوا لا محالة، لما عرف من المصلحة في ~~إغراقهم، والمفسدة في استبقائهم، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول فلم ~~يزيدوا إلا ضلالا، ولزمتهم الحجة البالغة لم يبق إلا أن يجعلوه عبرة ~~للمعتبرين. ولقد بالغ في ذلك حيث أتبع النهي عنه، الأمر بالحمد على ~~هلاكهم والنجاة منهم، كقوله # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العلمين # الأنعام ms1294 45، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أهم وأنفع له، وهو طلب أن ينزله ~~في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها، منزلا يبارك له فيه ويعطيه ~~الزيادة في خير الدارين، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، ~~وهو قوله { وأنت خير المنزلين }. فإن قلت هلا قيل فقولوا ~~لقوله { فإذا استويت أنت ومن معك } لأنه في معنى فإذا ~~استويتم؟ قلت لأنه نبيهم وإمامهم، فكان قوله قولهم، مع ما فيه من الإشعار ~~بفضل النبوة وإظهار كبرياء الربوبية، وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى ~~إليها إلا ملك أو نبي. وقرىء «منزلا» بمعنى إنزالا، أو موضع إنزال، ~~كقوله { ليدخلهم مدخلا يرضونه }. { إن } هي المخففة من الثقيلة، واللام ~~هي الفارقة بين النافية وبينها في المعنى، وإن الشأن والقصة { كنا ~~لمبتلين } أي مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم وعقاب شديد. أو مختبرين ~~بهذه الآيات عبادنا لننظر من يعتبر ويذكر، كقوله تعالى # ولقد تركنها ءاية فهل من مدكر # القمر 15 ### || [23.31-32] # { قرنا ءاخرين } هم عاد قوم هود عن ابن عباس رضي الله عنهما. ~~وتشهد له حكاية الله تعالى قول هود # واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح # الأعراف 69 ومجيء قصة هود على أثر قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود ~~والشعراء. فإن قلت حق أرسل أن يعدى بإلى، كأخواته التي هي وجه، وأنفذ، ~~وبعث. فما باله عدي في القرآن بإلى تارة، وبقي أخرى، كقوله # كذلك أرسلناك فى أمة # الرعد 30، و # وما أرسلنا فى قرية من نذير # سبأ 34. { فأرسلنا فيهم رسولا } أي في عاد. وفي موضع آخر # وإلى عاد أخاهم هودا # الأعراف 65، هود 50؟ قلت لم يعد بفي كما عدي بإلى، ولم يجعل صلة مثله، ~~ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعا للإرسال، كما قال رؤبة # أرسلت فيها مصعبا ذا إقحام # وقد جاء «بعث» على ذلك في قوله # ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا # الفرقان 51. { أن } مفسرة لأرسلنا، أي قلنا لهم على لسان الرسول { ~~اعبدوا الله }. ### || [23.33-34] # فإن قلت ذكر مقال قوم هود في جوابه في سورة الأعراف ms1295 وسورة هود بغير واو # قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنراك في ~~سفاهة # الأعراف 66، # قالوا يا هود ما جئتنا ببينة # هود 53 وههنا مع الواو، فأي فرق بينهما؟ قلت الذي بغير واو على تقدير ~~سؤال سائل قال فما قال قومه؟ فقيل له قالوا كيت وكيت. وأما الذي مع ~~الواو، فعطف لما قالوه على ما قاله. ومعناه أنه اجتمع في الحصول هذا الحق ~~وهذا الباطل، وشتان بينهما { بلقاء الأخرة } بلقاء ما فيها من ~~الحساب والثواب والعقاب، كقولك يا حبذا جوار مكة أي جوار الله في مكة. ~~حذف الضمير، والمعنى من مشروبكم، أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه { إذا ~~} واقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قومهم، أي تخسرون عقولكم ~~وتغبنون في آرائكم. ### || [23.35-38] # ثنى { أنكم } للتوكيد، وحسن ذلك لفصل ما بين الأول والثاني ~~بالظرف. ومخرجون خبر عن الأول. أو جعل { أنكم مخرجون } مبتدأ، ~~و { إذا متم } خبرا، على معنى إخراجكم إذا متم، ثم أخبر بالجملة ~~عن إنكم، أو رفع { أنكم مخرجون } بفعل هو جزاء للشرط، كأنه قيل إذا متم ~~وقع إخراجكم. ثم أوقعت الجملة الشرطية خبرا عن إنكم. وفي قراءة ابن ~~مسعود «أيعدكم إذا متم». قرىء «هيهات» بالفتح والكسر والضم، كلها بتنوين ~~وبلا تنوين، وبالسكون على لفظ الوقف فإن قلت ما توعدون هو المستبعد، ومن ~~حقه أن يرتفع بهيهات، كما ارتفع في قوله # فهيهات هيهات العقيق وأهله # فما هذه اللام قلت قال الزجاج في تفسيره البعد لما توعدون، أو بعد لما ~~توعدون فيمن نون فنزله منزلة المصدر. وفيه وجه آخر وهو أن يكون اللام ~~لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما جاءت اللام في # هيت لك # يوسف 23 لبيان المهيت به. { إن هى } هذا ضمير لا يعلم ما يعني به ~~إلا بما يتلوه من بيانه. وأصله إن الحياة { إلا حياتنا الدنيا ~~} ثم وضع { هى } موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليها ويبينها. ومنه هي ~~النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت. والمعنى لا حياة إلا ms1296 هذه ~~الحياة لأن «إن» النافية دخلت على «هي» التي في معنى الحياة الدالة على ~~الجنس فنفتها، فوازنت «لا» التي نفت ما بعدها نفي الجنس { نموت ~~ونحيا } أي يموت بعض ويولد بعض، ينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ثم قالوا ~~ما هو إلا مفتر على الله فيما يدعيه من استنبائه له، وفيما بعدنا من ~~البعث، وما نحن بمصدقين. ### || [23.39-41] # { قليل } صفة للزمان، كقديم وحديث، في قولك ما رأيته قديما ولا ~~حديثا. وفي معناه عن قريب. و { ما } توكيد قلة المدة وقصرها { ~~الصيحة } صيحة جبريل عليه السلام صاح عليهم فدمرهم { بالحق } ~~بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك. أو بالعدل من الله، من قولك فلان يقضي ~~بالحق إذا كان عادلا في قضاياه { فجعلنهم غثآء } شبههم في ~~دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي واسود من العيدان والورق. ومنه ~~قوله تعالى # فجعله غثاء أحوى # الأعلى 5 وقد جاء مشددا في قول امريء القيس # من السيل والغثاء فلكة مغزل # بعدا، وسحقا، ودفرا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها، وهي من جملة ~~المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها. ومعنى { ~~فبعدا } بعدوا، أي هلكوا يقال بعد بعدا وبعدا، نحو رشد رشدا ~~ورشدا. و { للقوم الظلمين } بيان لمن دعي عليه بالبعد، نحو # هيت لك # يوسف 23. و # لما توعدون # المؤمنون 36. ### || [23.42-43] # { قرونا } قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~بني إسرائيل { أجلها } الوقت الذي حد لهلاكها وكتب. ### || [23.44] # { تترى } فعلى الألف للتأنيث لأن الرسل جماعة. وقرىء «تترى»، بالتنوين، ~~والتاء بدل من الواو، كما في تولج، وتيقور، أي متواترين واحدا بعد واحد، ~~من الوتر وهو الفرد أضاف الرسل إليه تعالى وإلى أممهم # ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت # المائدة 32 # ولقد جاءتهم رسلهم بالبينت # الأعراف 101 لأن الإضافة تكون الملابسة، والرسول ملابس المرسل والمرسل ~~إليه جميعا بالملابسة { فأتبعنا } الأمم أو القرون { بعضهم ~~بعضا } في الإهلاك { وجعلنهم } أخبارا يسمر بها ويتعجب ~~منها. الأحاديث تكون اسم جمع للحديث. ومنه أحاديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وتكون جمعا للأحدوثة التي ms1297 هي مثل الأضحوكة والألعوبة ~~والأعجوبة. وهي مما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا، وهو المراد ههنا. ### || [23.45-46] # فإن قلت ما المراد بالسلطان المبين؟ قلت يجوز أن تراد العصا، لأنها كانت ~~أم آيات موسى وأولاها، وقد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية، ~~وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر ~~بضربهما بها، وكونها حارسا، وشمعة، وشجرة خضراء مثمرة، ودلوا ورشاء. ~~وجعلت كأنها ليست بعضها لما استبدت به من الفضل، فلذلك عطفت عليها كقوله ~~تعالى # وجبريل وميكل # البقرة 98 ويجوز أن تراد الآيات أنفسها، أي هي آيات وحجة بينة { ~~علين } متكبرين # إن فرعون علا فى الأرض # القصص 4، # لا يريدون علوا فى الأرض # القصص 83 أو متطاولين على الناس قاهرين بالبغي والظلم. ### || [23.47-48] # البشر يكون واحدا وجمعا # بشرا سويا # مريم 17، { لبشرين } ، # فإما ترين من البشر # مريم 26 و«مثل» و«غير» يوصف بهما الاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث # إنكم إذا مثلهم # النساء 140، # ومن الأرض مثلهن # الطلاق 12 ويقال أيضا هما مثلاه، وهم أمثاله # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم # الأعراف 194. { وقومهما } يعني بني إسرائيل، كأنهم يعبدوننا ~~خضوعا وتذللا. أو لأنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة، وأن ~~طاعتهم له عبادة على الحقيقة. ### || [23.49] # { موسى الكتب } أي قوم موسى التوراة { لعلهم } يعملون ~~بشرائعها ومواعظها، كما قال # على خوف من فرعون وملئهم # يونس 83 يريد آل فرعون، وكما يقولون هاشم، وثقيف، وتميم، ويراد قومهم. ~~ولا يجوز أن يرجع الضمير في { لعلهم } إلى فرعون وملئه، لأن ~~التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملئه # ولقد ءاتينا موسى الكتب من بعد ما أهلكنا ~~القرون الأولى # القصص 43. ### || [23.50] # فإن قلت لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه؟ قلت نعم، لأن مريم ولدت من ~~غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقي إليها، وقد تكلم في المهد وكان يحيي ~~الموتى مع معجزات أخر، فكان آية من غير وجه، واللفظ محتمل للتثنية على ~~تقدير { وجعلنا ابن مريم } آية { وأمه ءاية } ثم حذفت ~~الأولى لدلالة الثانية عليها. الربوة والرباوة ms1298 في رائهما الحركات. وقرىء ~~«ربوة ورباوة» بالضم. و «رباوة» بالكسر وهي الأرض المرتفعة. قيل هي إيليا ~~أرض بيت المقدس، وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ~~ميلا عن كعب. وقيل دمشق وغوطتها. وعن الحسن فلسطين والرملة. وعن أبي ~~هريرة الزموا هذه الرملة رملة فلسطين، فإنها الربوة التي ذكرها الله. ~~وقيل مصر. والقرار المستقر من أرض مستوية منبسطة. وعن قتادة ذات ثمار ~~وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها. والمعين الماء الظاهر ~~الجاري على وجه الأرض. وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله ~~مفعولا أنه مدرك بالعين لظهوره، من عانه إذا أدركه بعينه، نحو ركبه، إذا ~~ضربته بركبته. ووجه من جعله فعيلا أنه نفاع بظهوره وجريه، من الماعون ~~وهو المنفعة. ### || [23.51] # هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما، وكيف والرسل إنما أرسلوا متفرقين ~~في أزمنة مختلفة. وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي لذلك ~~ووصى به، ليعتقد السامع أن أمرا نودي له جميع الرسل ووصوا به، حقيق أن ~~يؤخذ به ويعمل عليه. والمراد بالطيبات ما حل وطاب. وقيل طيبات الرزق ~~حلال وصاف وقوام، فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى ~~الله فيه، والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل. أو أريد ما يستطاب ويستلذ ~~من المآكل والفواكه. ويشهد له مجيئه على عقب قوله # وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين # المؤمنون 50 ويجوز أن يقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة، ~~فذكر على سبيل الحكاية، أي أويناهما وقلنا لهما هذا، أي أعلمناهما أن ~~الرسل كلهم خوطبوا بهذا، فكلا مما رزقناكما واعملا صالحا اقتداء بالرسل. ### || [23.52] # قرىء «وإن» بالكسر على الاستئناف. وأن بمعنى ولأن. وأن مخففة من ~~الثقيلة، و { أمتكم } مرفوعة معها. ### || [23.53] # وقرىء { زبرا } جمع زبور، أي كتبا مختلفة، يعني جعلوا دينهم ~~أديانا، وزبرا قطعا استعيرت من زبر الفضة والحديد، وزبرا مخففة ~~الباء، كرسل في رسل، أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين ~~دينهم، فرح بباطله، مطمئن النفس، معتقد أنه على ms1299 الحق. ### || [23.54] # الغمرة. الماء الذي يغمر القامة فضربت مثلا لما هم مغمورون فيه من ~~جهلهم وعمايتهم. أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من ~~الباطل. قال # كأنني ضارب في غمرة لعب # وعن علي رضي الله عنه في غمراتهم { حتى حين } إلى أن يقتلوا أو ~~يموتوا. ### || [23.55-56] # سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بذلك، ونهى عن الاستعجال بعذابهم ~~والجزع من تأخيره. وقرىء «يمدهم» ويسارع، ويسرع، بالياء، والفاعل الله ~~سبحانه وتعالى. ويجوز في يسارع، ويسرع أن يتضمن ضمير الممد به. ويسارع، ~~مبنيا للمفعول. والمعنى أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجا لهم إلى ~~المعاصي، واستجرارا إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة لهم في ~~الخيرات، وفيما لهم فيه نفع وإكرام، ومعاجلة بالثواب قبل وقته. ويجوز أن ~~يراد في جزاء الخيرات كما يفعل بأهل الخير من المسلمين. و { بل } ~~استدراك لقوله { أيحسبون } يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة بهم ~~ولا شعور، حتى يتأملوا ويتفكروا في ذلك أهو استدراج، أم مسارعة في الخير؟ ~~فإن قلت أين الراجع من خبر أن لها اسمها إذا لم يستكن فيه ضميره؟ قلت هو ~~محذوف تقديره نسارع به، ويسارع به، ويسارع الله به، كقوله # إن ذلك من عزم الأمور # الشورى 43 أي إن ذلك منه، وذلك لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس. ### || [23.57-61] # { يؤتون ما ءاتوا } يعطون ما أعطوا، وفي قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعائشة 721 «يأتون ما أتوا»، أي يفعلون ما فعلوا. وعنها ~~أنها قالت 722 قلت يا رسول الله، هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ~~ذلك يخاف الله؟ قال «لا يا ابنة الصديق، ولكن هو الذي يصلي ويصوم ~~ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله؟ قال لا يا ابنة الصديق، ولكن هو ~~الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه. { ~~يسرعون فى الخيرت } يحتمل معنيين، أحدهما أن يراد يرغبون في ~~الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها. والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا المنافع ~~ووجوه الإكرام، كما قال # فاتهم الله ms1300 ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة # آل عمران 148، # وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين # العنكبوت 27 لأنهم إذا سورع بها لهم، فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها، ~~وهذا الوجه أحسن طباقا للآية المتقدمة، لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار ~~للمؤمنين. وقرىء «يسرعون في الخيرات» { لها سبقون } أي فاعلون ~~السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، أو إياها سابقون، أي ينالونها قبل ~~الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. ويجوز أن يكون { لها سبقون } ~~خبرا بعد خبر. ومعنى { وهم لها } كمعنى قوله # أنت لها أحمد من بين البشر ### || [23.62-63] # يعني أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة، وكذلك ~~كل ما كلفه عباده وما عملوه من الأعمال فغير ضائع عنده، بل هو مثبت لديه ~~في كتاب، يريد اللوح، أو صحيفة الأعمال ناطق بالحق لا يقرؤون منه يوم ~~القيامة إلا ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان ولا يظلم منهم أحد. ~~أو أراد أن الله لا يكلف إلا الوسع، فإن لم يبلغ المكلف أن يكون على صفة ~~هؤلاء السابقين بعد أن يستفرغ وسعه ويبذل طاقته فلا عليه، ولدينا كتاب ~~فيه عمل السابق والمقتصد، ولا نظلم أحدا ولا نحطه دون درجته، بل قلوب ~~الكفرة في غفلة غامرة لها { من هذا } أي مما عليه هؤلاء الموصوفون ~~من المؤمنين { ولهم أعمل } متجاوزة متخطية لذلك، أي لما وصف به ~~المؤمنون { هم لها عملون } معتادون وبها ضارون، لا يفطمون عنها ~~حتى يأخذهم الله بالعذاب. ### || [23.64-67] # حتى هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية، والعذاب. ~~قتلهم يوم بدر. أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال 723 # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقد ~~والأولاد. الجؤار الصراخ باستغاثة قال # جئار ساعات النيام لربه # أي يقال لهم حينئذ { لا تجئروا } فإن الجؤار غير نافع لكم، { ~~منا لا تنصرون } لا تغاثون ولا تمنعون منا أو ms1301 من جهتنا، لا ~~يلحقكم نصر ومغوثة. قالوا الضمير في { به } للبيت العتيق أو للحرم، ~~كانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم. والذي سوغ هذا الأضمار ~~شهرتهم بالاستكبار بالبيت، وأنه لم تكن لهم مفخرة إلا أنهم ولاته ~~والقائمون به. ويجوز أن يرجع إلى آياتي، إلا أنه ذكر لأنها في معنى ~~كتابي، ومعنى استكبارهم بالقرآن تكذيبهم به استكبارا. ضمن مستكبرين معنى ~~مكذبين، فعدي تعديته. أو يحدث لكم استماعه استكبارا وعتوا، فأنتم ~~مستكبرون بسببه، أو تتعلق الباء بسامرا، أي يسمرون بذكر القرآن وبالطعن ~~فيه، وكانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون. وكانت عامة سمرهم ذكر ~~القرآن وتسميته سحرا وشعرا وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو ~~يتهجرون. والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع. وقرىء «سمرا» و ~~«سمارا» وتهجرون وتهجرون، من أهجر في منطقه إذا أفحش. والهجر - بالضم - ~~الفحش، ومن هجر الذي هو مبالغة في هجر إذا هذي. والهجر - بالفتح - ~~الهذيان. ### || [23.68-70] # { القول } القرآن، يقول أفلم يتدبروه ليعلموا أنه الحق المبين ~~فيصدقوا به وبمن جاء به، بل { جآءهم ما لم يأت ءاباءهم } ~~فلذلك أنكروه واستبدعوه، كقوله # لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غفلون # يس 6 أو ليخافوا عنه تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من ~~المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت أباءهم حين خافوا الله فآمنوا به ~~وبكتبه ورسله وأطاعوه؟ وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 724 # " لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين، ولا تسبوا قسا ~~فإنه كان مسلما، ولا تسبوا الحارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ~~ولا تميم بن مر. فإنهم كانوا على الإسلام، وما شككتم فيه من شيء ~~فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما " # وروي في أن ضبة كان مسلما، وكان على شرطة سليمان بن داود { أم لم ~~يعرفوا } محمدا وصحة نسبه، وحلوله في سطة هاشم، وأمانته، وصدقه، ~~وشهامته، وعقله واتسامه بأنه خير فتيان قريش، والخطبة التي خطبها أبو ~~طالب في نكاح خديجة بنت خويلد، ms1302 كفى برغائها مناديا. الجنة الجنون وكانوا ~~يعلمون أنه بريء منها وأنه أرجحهم عقلا وأثقبهم ذهنا، ولكنه جاءهم بما ~~خالف شهواتهم وأهواءهم، ولم يوافق ما نشأوا عليه، وسيط بلحومهم ودمائهم ~~من اتباع الباطل، ولم يجدوا له مردا ولا مدفعا لأنه الحق الأبلج ~~والصراط المستقيم، فأخلدوا إلى البهت وعولوا على الكذب من النسبة إلى ~~الجنون والسحر والشعر. فإن قلت قوله { وأكثرهم } فيه أن أقلهم ~~كانوا لا يكرهون الحق. قلت كان فيهم من يترك الإيمان به أنفة واستنكافا ~~من توبيخ قومه وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه، لا كراهة للحق، كما يحكى ~~عن أبي طالب. فإن قلتيزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه. قلت يا ~~سبحان الله، كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~حتى يشتهر إسلام حمزة والعباس رضي الله عنهما، ويخفى إسلام أبي طالب. ### || [23.71] # دل بهذا على عظم شأن الحق، وأن السموات والأرض ما قامت ولا من فيهن ~~إلا به، فلو اتبع أهواءهم لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم فلا ~~يبقى له بعده قوام. أو أراد أن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم وهو الإسلام، لو اتبع أهواءهم وانقلب شركا، لجاء الله بالقيامة ~~ولأهلك العالم ولم يؤخر. وعن قتادة أن الحق هو الله. ومعناه لو كان الله ~~إلها يتبع أهواءهم ويأمر بالشرك والمعاصي، لما كان إلها ولكان ~~شيطانا، ولما قدر أن يمسك السموات والأرض { بذكرهم } أي بالكتاب ~~الذي هو ذكرهم، أي وعظهم أو وصيتهم وفخرهم أو بالذكر الذي كانوا يتمنونه ~~ويقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين. وقرىء ~~«بذكراهم». ### || [23.72] # قرىء «خراجا فخراج» و«خرجا فخرج» و«خرجا فخراج» وهو ما تخرجه إلى ~~الإمام من زكاة أرضك. وإلى كل عامل من أجرته وجعله. وقيل الخرج ما تبرعت ~~به. والخراج ما لزمك أداؤه. والوجه أن الخرج أخص من الخراج، كقولك خراج ~~القرية، وخرج الكردة، زيادة اللفظ لزيادة المعنى ولذلك حسنت قراءة من قرأ ~~خرجا فخراج ربك، يعني أم تسألهم ms1303 على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، ~~فالكثير من عطاء الخالق خير. ### || [23.73-74] # قد ألزمهم الحجة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أرسل ~~إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سره وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله ~~للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى ~~العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلما إلى النيل من دنياهم واستعطاء ~~أموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، مع ~~إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين ~~الآباء الضلال من غير براهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق ~~وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق، ~~وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر، يحتمل أن هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون ~~بالآخرة { لنكبون } أي عادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو قوله { ~~إلى صرط مستقيم } وأن كل من لا يؤمن بالآخرة فهو عن القصد ~~ناكب. 725 لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من ~~أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال له أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت ~~رحمة للعالمين فقال بلى، فقال قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. ### || [23.75-77] # والمعنى لو كشف الله عنهم هذا الضر وهو الهزال والقحط الذي أصابهم ~~برحمته عليهم ووجدوا الخصب لارتدوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار ~~وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإفراطهم فيها، ولذهب ~~عنهم هذا الإبلاس وهذا التملق بين يديه ويسترحمونه، واستشهد على ذلك بأنا ~~أخذناهم أولا بالسيوف وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، ~~فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع ~~الذي هو أشد من الأسر والقتل وهو أطم العذاب، فأبسلوا الساعة وخضعت ~~رقابهم، وجاء أعتاهم وأشدهم شكيمة في العناد يستعطفك. أو محناهم بكل ~~محنة من القتل والجوع فما رؤي فيهم لين مقادة وهم كذلك، حتى إذا عذبوا ~~بنار جهنم فحينئذ ms1304 يبلسون، كقوله # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون # الروم 12، # لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون # الزخرف 75. والإبلاس اليأس من كل خير. وقيل السكوت مع التحير. فإن قلت ~~ما وزن استكان؟ قلت استفعل من الكون، أي انتقل من كون إلى كون، كما قيل ~~استحال، إذا انتقل من حال إلى حال. ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت ~~فتحة عينه، كما جاء بمنتزاح. فإن قلت هلا قيل وما تضرعوا. أو فما ~~يستكينون؟ قلت لأن المعنى محناهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة. ~~وما من عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب ~~الشديد. وقرىء «فتحنا». ### || [23.78-80] # إنما خص السمع والأبصار والأفئدة، لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية ~~والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها. ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم ~~وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم. ومن لم ~~يعملها فيما خلفت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله تعالى # فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ولا ~~أفئدتهم من شىء # الأحقاف 26 إذ كانوا يجحدون بآيات الله، ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار ~~بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ند ولا شريك،قليلا ما تشكرون أي تشكرون ~~شكرا قليلا، و { ما } مزيدة للتأكيد بمعنى حقا { ذرأكم } خلقكم ~~وبثكم بالتناسل { وإليه } تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم { وله ~~اختلف اليل والنهار } أي هو مختص به وهو متوليه، ولا يقدر ~~على تصريفهما غيره. وقرىء «يعقلون» بالياء عن أبي عمرو. ### || [23.81-83] # أي قال أهل مكة كما قال الكفار قبلهم. الأساطير جمع أسطار جمع سطر. قال ~~رؤبة # إني وأسطار سطرن سطرا # وهي ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له. وجمع أسطورة أوفق. ### || [23.84-89] # أي أجيبوني عما استعلمتكم منه إن كان عندكم فيه علم، وفي استهانة بهم ~~وتجويز لفرط جهالتهم بالديانات أن يجهلوا مثل هذا الظاهر البين. وقرىء ~~«تذكرون» بحذف التاء الثانية ومعناه أفلا تتذكرون فتعلموا أن من فطر ~~الأرض، ومن فيها اختراعا، كان قاردا على إعادة الخلق، وكان حقيقا بأن ~~لا يشرك به بعض خلقه في الربوبية. قرىء الأول ms1305 باللام لا غير. والأخيران ~~باللام، وهو هكذا في مصاحف أهل الحرمين والكوفة والشام، وبغير اللام وهو ~~هكذا في مصاحف أهل البصرة، فباللام على المعنى لأن قولك من ربه، ولمن هو ~~في معنى واحد، وبغير اللام على اللفظ. ويجوز قراءة الأول بغير لام، ~~ولكنها لم تثبت في الرواية { أفلا تتقون } أفلا تخافونه فلا ~~تشركوا به وتعصوا رسله. أجرت فلانا على فلان إذا أغثته منه ومنعته، يعني ~~وهو يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا { تسحرون } ~~تخدعون عن توحيده وطاعته. والخادع هو الشيطان والهوى. ### || [23.90-92] # وقرىء «أتيتهم» و «أتيتهم» بالفتح والضم { بالحق } بأن نسبة الولد ~~إليه محال والشرك باطل { وإنهم لكذبون } حيث يدعون له ولدا ~~ومعه شريكا { لذهب كل إله بما خلق } لانفرد كل واحد ~~من الآلهة بخلقه الذي خلقه واستبد به، ولرأيتم ملك كل واحد منهم متميزا ~~من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضا كما ترون حال ملوك الدنيا ممالكهم ~~متمايزة وهم متغالبون، وحين لن تروا أثرا لتمايز الممالك وللتغالب، ~~فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء. فإن قلت إذا لا تدخل إلا على ~~كلام هو جزاء وجواب، فكيف وقع قوله لذهب جزاء وجوابا ولم يتقدمه شرط ولا ~~سؤال سائل؟ قلت الشرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة. وإنما حذف لدلالة ~~قوله { وما كان معه من إله } عليه. وهو جواب لمن معه ~~المحاجة من المشركين { عما يصفون } من الأنداد والأولاد { ~~علم الغيب } بالجر صفة لله. وبالرفع خبر مبتدأ محذوف. ### || [23.93-95] # ما والنون مؤكدتان، أي إن كان لا بد من أن تريني ما تعدهم من العذاب في ~~الدنيا أو في الآخرة { فلا تجعلنى } قرينا لهم ولا تعذبني ~~بعذابهم. عن الحسن أخبره الله أن له في أمته نقمة ولم يخبره أفي حياته أم ~~بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء. فإن قلت كيف يجوز أن يجعل الله ~~نبيه المعصوم مع الظالمين، حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلت يجوز أن يسأل ~~العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به ms1306 مما علم أنه لا يفعله، ~~إظهارا للعبودية وتواضعا لربه، وإخباتا له. واستغفاره صلى الله عليه ~~وسلم إذا قام من مجلسه سبعين مرة أو مائة مرة لذلك، وما أحسن قول الحسن ~~في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنهما «وليتكم ولست بخيركم» كان يعلم أنه ~~خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه. وقرىء «إما ترئنهم» بالهمز مكان تريني كما ~~قرىء «فإما ترئن»، و «لترؤن الجحيم» وهي ضعيفة. وقوله { رب } مرتين ~~قبل الشرط وقبل الجزاء حث على فضل تضرع وجؤار. وكانوا ينكرون الموعد ~~بالعذاب ويضحكون منه واستعجالهم له لذلك، فقيل لهم إن الله قادر على ~~إنجاز ما وعد إن تأملتم، فما وجه هذا الإنكار؟. ### || [23.96] # هو أبلغ من أن يقال بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، كأنه قال ادفع ~~بالحسنى السيئة. والمعنى الصفح عن إساءتهم ومقابلتها بما أمكن من ~~الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة ~~مضاعفة بإزاء سيئة. وهذه قضية قوله { بالتى هى أحسن }. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما هي شهادة إن لا إله إلا الله. والسيئة الشرك. وعن ~~مجاهد السلام يسلم عليه إذا لقيه. وعن الحسن الإغضاء والصفح. وقيل هي ~~منسوخة بآية السيف. وقيل محكمة لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى ~~ثلم دين وإزراء بمروءة { بما يصفون } بما يذكرونه من أحوالك بخلاف ~~صفتها. أو بوصفهم لك وسوء ذكرهم، والله أعلم بذلك منكم وأقدر على جزائهم. ### || [23.97-98] # الهمز النخس. والهمزات جمع المرة منه. ومنه مهماز الرائض. والمعنى أن ~~الشياطين يحثون الناس على المعاصي ويغرونهم عليها، كما تهمز الراضة ~~الدواب حثا لها على المشي. ونحو الهمز الأز في قوله تعالى # تؤزهم أزا # مريم 83 أمر بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المبتهل إلى ربه، المكرر لندائه، ~~وبالتعوذ من أن يحضروه أصلا ويحوموا حوله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~عند تلاوة القرآن. وعن عكرمة عند النزع. ### || [23.99-100] # { حتى } يتعلق بيصفون، أي لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقف. ~~والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد للإغضاء عنهم، مستعينا ms1307 ~~بالله على الشيطان أن يستزله عن الحلم ويغريه على الانتصار منهم. أو على ~~قوله وإنهم لكاذبون.قال رب ارحبون خطاب الله بلفظ الجمع للتعظيم، كقوله # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وقوله # ألا فارحموني يا إله محمد # إذا أيقن بالموت واطلع على حقيقة الأمر، أدركته الحسرة على ما فرط فيه ~~من الإيمان والعمل الصالح فيه، فسأل ربه الرجعة وقال { لعلى أعمل ~~صلحا } في الإيمان الذي تركته، والمعنى لعلي آتي بما تركته من ~~الإيمان، وأعمل فيه صالحا، كما تقول لعلي أبني على أس، تريد أأسس ~~أسا وأبني عليه. وقيل فيما تركت من المال. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا نرجعك إلى الدنيا، فيقول إلى ~~دار الهموم والأحزان! بل قدوما إلى الله. وأما الكافر فيقول ~~رب ارجعون " # { كلا } ردع عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد. { إنها كلمة } ~~والمراد بالكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض، وهي قوله { ~~لعلى أعمل صلحا فيما تركت }. { هو قائلها } لا ~~محالة، لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه وتسلط الندم. أو هو ~~قائلها وحده لا يجاب إليها ولا تسمع منه { ومن ورائهم برزخ } ~~والضمير للجماعة. أي أمامهم حائل بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث، وليس ~~المعنى أنهم يرجعون يوم البعث، وإنما هو إقناط كلي لما علم أنه لا رجعة ~~يوم البعث إلا إلى الآخرة. ### || [23.101] # الصور بفتح الواو عن الحسن. والصور بالكسر والفتح عن ~~أبي رزين. وهذا دليل لمن فسر الصور بجمع الصورة، ونفي الأنساب يحتمل أن ~~التقاطع يقع بينهم حيث يتفرقون معاقبين ومثابين، ولا يكون التواصل بينهم ~~والتآلف إلا بالأعمال، فتلغوا الأنساب وتبطل، وأنه لا يعتد بالأنساب ~~لزوال التعاطف والتراحم بين الأقارب، إذ يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ~~وصاحبته وبنيه. وعن ابن مسعود «لا يساءلون» بإدغام التاء في السين. فإن ~~قلت قد ناقض هذا ونحو قوله # ولا يسئل حميم حميما # المعارج 10 قوله # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # الصافات 27، الطور 25، وقوله # يتعارفون بينهم # يونس 45 فكيف التوفيق بينهما؟ قلت فيه جوابان، ms1308 أحدهما أن يوم القيامة ~~مقداره خمسون ألف سنة، ففيه أزمنة وأحوال مختلفة يتساءلون ويتعارفون في ~~بعضها، وفي بعضها لا يفطنون لذلك لشدة الهول والفزع، والثاني أن ~~التناكر يكون عند النفخة الأولى، فإذا كانت الثانية قاموا فتعارفوا ~~وتساءلوا. ### || [23.102-104] # عن ابن عباس الموازين جمع موزون؟ وهي الموزونات من الأعمال أي الصالحات، ~~التي لها وزن وقدر عند الله، من قوله تعالى # فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا # الكهف 105. { فى جهنم خلدون } بدل من خسروا أنفسهم، ولا ~~محل للبدل والمبدل منه لأن الصلة لا محل لها. أو خبر بعد خبر لأولئك. ~~أو خبر مبتدأ محذوف { تلفح } تسفع. وقال الزجاج اللفح والنفح واحد، ~~إلا أن اللفح أشد تأثيرا. والكلوح أن تتقلص الشفتان وتتشمرا عن ~~الأسنان، كما ترى الرؤوس المشوية. وعن مالك بن دينار كان سبب توبة عتبة ~~الغلام أنه مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ~~وليالهن. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال 726 # " تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، ~~وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته " # وقرىء «كلحون». ### || [23.105-108] # { غلبت علينا } ملكتنا، من قولك غلبني فلان على كذا، إذا أخذه ~~منك وامتلكه. والشقاوة سوء العاقبة التي علم الله أنهم يستحقونها بسوء ~~أعمالهم. قرىء { شقوتنا } وشقاوتنا بفتح الشين وكسرها فيهما { ~~اخسئوا فيها } ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت. يقال ~~خسأ الكلب وخسأ بنفسه. { ولا تكلمون } في رفع العذاب، فإنه لا ~~يرفع ولا يخفف. قيل هو آخر كلام يتكلمون به، ثم لا كلام بعد ذلك إلا ~~الشهيق والزفير والعواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون. وعن ابن ~~عباس إن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار قالوا ألف سنة # ربنا أبصرنا وسمعنا # السجدة 12 فيجابون # حق القول منى # السجدة 12، فينادون ألفا # ربنا أمتنا اثنتين # غافر 11، فيجابون # ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم # غافر 12، فينادون ألفا # ونادوا يملك ليقض علينا ربك # الزخرف 77، فيجابون # إنكم مكثون # الزخرف 77 فينادون ألفا # ربنا أخرنا # إبراهيم 44، فيجابون { أو لم ms1309 تكونوا } ، فينادون ألفا # ربنا أخرجنا نعمل صلحا # فاطر 37، فيجابون # أو لم نعمركم # فاطر 37، فينادون # رب ارجعون # المؤمنون 99، فيجابون # اخسئوا فيها # المؤمنون 108. ### || [23.109-111] # في حرف أبي «أنه كان فريق» بالفتح، بمعنى لأنه. السخري - بالضم والكسر ~~- مصدر سخر كالسخر، إلا أن في ياء النسب زيادة قوة في الفعل، كما قيل ~~الخصوصية في الخصوص. وعن الكسائي والفراء أن المكسور من الهزء، والمضموم ~~من السخرة والعبودية، أي تسخروهم واستعبدوهم، والأول مذهب الخليل ~~وسيبويه. قيل هم الصحابة وقيل أهل الصفة خاصة. ومعناه اتخذتموهم هزؤا ~~وتشاغلتم بهم ساخرين { حتى أنسوكم } بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ~~{ ذكرى } فتركتموه، أي تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي. وقرىء { ~~أنهم } بالفتح، والكسر استئناف، أي قد فازوا حيث صبروا، فجزوا ~~بصبرهم أحسن الجزاء. وبالفتح على أنه مفعول جزيتهم، كقولك جزيتهم فوزهم. ### || [23.112-114] # { قل } في مصاحف أهل الكوفة. وقل في مصاحف أهل الحرمين والبصرة ~~والشام ففي { قال } ضمير الله أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وفي { ~~قل } ضمير الملك أو بعض رؤساء أهل النار. استقصروا مدة لبثهم في ~~الدنيا بالإضافة إلى خلودهم ولما هم فيه من عذابها، لأن الممتحن يستطيل ~~أيام محنته ويستقصر ما مر عليه من أيام الدعة إليها. أو لأنهم كانوا في ~~سرور، وأيام السرور قصار، أو لأن المنقضي في حكم ما لم يكن، وصدقهم الله ~~في تقالهم لسني لبثهم في الدنيا ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. ~~وقرىء «فسل العادين» والمعنى لا نعرف من عدد تلك السنين إلا أنا نستقله ~~ونحسبه يوما أو بعض يوم لما نحن فيه من العذاب، وما فينا أن نعدهاكم ~~هي، فسل من فيه أن يعد، ومن يقدر أن يلقي إليه فكره. وقيل فسل الملائكة ~~الذين يعدون أعمار العباد ويحصون أعمالهم. وقرىء «العادين» بالتخفيف، أي ~~الظلمة، فإنهم يقولون كما نقول. وقرىء «العاديين» أي القدماء المعمرين، ~~فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟ وعن ابن عباس أنساهم ما كانوا فيه من ~~العذاب بين النفختين. ### || [23.115-118] # { عبثا } حال، أي عابثين، كقوله { لاعبين } أو مفعول له، أي ما ~~خلقناكم للعبث، ولم ms1310 يدعنا إلى خلقكم إلا حكمة اقتضت ذلك، وهي أن نتعبكم ~~ونكلفكم المشاق من الطاعات وترك المعاصي، ثم نرجعكم من دار التكليف إلى ~~دار الجزاء، فنثيب المحسن ونعاقب المسيء { وأنكم إلينا لا ~~ترجعون } معطوف على { أنما خلقنكم } ويجوز أن يكون ~~معطوفا على { عبثا } أي للعبث، ولترككم غير مرجوعين. وقرىء «ترجعون» ~~بفتح التاء { الحق } الذي يحق له الملك لأن كل شيء منه وإليه. أو ~~الثابت الذي لا يزول ولا يزول ملكه. وصف العرش بالكرم لأن الرحمة تنزل ~~منه والخير والبركة. أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين، كما يقال بيت كريم، ~~إذا كان ساكنوه كراما. وقرىء الكريم، بالرفع. ونحوه # ذو العرش المجيد # البروج 15. { لا برهان له به } كقوله # ما لم ينزل به سلطنا # آل عمران 115 وهي صفة لازمة، نحو قوله # يطير بجناحيه # الأنعام 38 جيء بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه ~~برهان. ويجوز أن يكون اعتراضا بين الشرط والجزاء كقولك من أحسن إلى زيد ~~لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه. وقرىء أنه لا يفلح بفتح الهمزة. ~~ومعناه حسابه عدم الفلاح، والأصل حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع الكافرون ~~موضع الضمير لأن { من يدع } في معنى الجمع، وكذلك حسابه.... ~~إنه لا يفلح في معنى «حسابهم أنهم لا يفلحون». جعل فاتحة ~~السورة { قد أفلح المؤمنون } وأورد في خاتمتها { إنه لا ~~يفلح الكفرون } فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة. عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 727 # " من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالروح والريحان ~~وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت " # وروي 728 أن أول سورة قد أفلح وآخرها من كنوز العرش، من عمل بثلاث ~~آيات من أولها، واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا وأفلح. وعن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه 729 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه ~~الوحي يسمع عنده دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يده ~~وقال # " اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، ~~وآثرنا ولا ms1311 تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا " # ثم قال # " لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " # ، ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # { سورة } خبر مبتدأ محذوف. و { أنزلنها } صفة. أو هي مبتدأ ~~موصوف والخبر محذوف، أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. وقرىء بالنصب ~~على زيدا ضربته، ولا محل لأنزلناها، لأنها مفسرة للمضمر فكانت في حكمه. ~~أو على دونك سورة أو اتل سورة وأنزلناها صفة. ومعنى { وفرضناها } فرضنا ~~أحكامها التي فيها. وأصل الفرض القطع، أي جعلناها واجبة مقطوعا بها، ~~والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده. أو لأن فيها فرائض شتى، وأنك ~~تقول فرضت الفريضة، وفرضت الفرائض. أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن ~~بعدهم { تذكرون } بتشديد الذال وتخفيفها، رفعهما على الابتداء، ~~والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه، على معنى فيما فرض عليكم. ### || [24.2] # { الزانية والزانى } أي جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر { ~~فاجلدوا } ، وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه ~~معنى الشرط، تقديره التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول من زنى ~~فاجلدوه، وكقوله # والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم # النور 4. وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وهو أحسن من سورة ~~أنزلناها لأجل الأمر. وقرىء «والزان» بلا ياء. والجلد ضرب الجلد، يقال ~~جلده، كقولك ظهره وبطنه ورأسه. فإن قلت أهذا حكم جميع الزناة والزواني، ~~أم حكم بعضهم؟ قلت بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإن المحصن حكمه الرجم. ~~وشرائط الإحصان عند أبي حنيفة ست الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، ~~والتزوج بنكاح صحيح، والدخول. إذا فقدت واحدة منها فلا إحصان. وعند ~~الشافعي الإسلام ليس بشرط، لما روي 730 أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجم يهوديين زنيا. وحجة أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم 731 # " من أشرك بالله فليس بمحصن " # فإن قلت اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني، لأن قوله { ~~الزانية والزانى } عام في الجميع، يتناول المحصن وغير المحصن. ~~قلت الزانية والزاني يدلان على الجنسين المنافيين لجنسي العفيف والعفيفة ~~دلالة مطلقة ms1312 والجنسية قائمة في الكل والبعض جميعا، فأيهما قصد المتكلم ~~فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشتركولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله. ~~وقرىء «ولا يأخذكم» بالياء. ورأفة، بفتح الهمزة. ورآفة على فعالة. ~~والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجد ~~والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده. وكفى برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أسوة في ذلك حيث قال 732 # " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " # وقوله { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر } من ~~باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه وقيل لا تترحموا عليهما حتى لا ~~تعطلوا الحدود أو حتى لا توجعوهما ضربا. وفي الحديث 733 # " يؤتى بوال نقص من الحد سوطا، فيقول رحمة لعبادك، فيقال ~~له أأنت أرحم بهم مني، فيؤمر به إلى النار. ويؤتى بمن زاد سوطا ~~فيقول لينتهوا عن معاصيك فيؤمر به إلى النار " # ، وعن أبي هريرة 734 # " إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة " # وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلا عالما بصيرا يعقل كيف يضرب. والرجل ~~يجلد قائما على مجرده ليس عليه إلا إزاره ضربا وسطا لا مبرحا ولا ~~هينا، مفرقا على الأعضاء كلها لا يستثنى منها إلا ثلاثا الوجه ~~والرأس، والفرج، وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه ينبغي أن يتجاوز الألم إلى ~~اللحم. والمرأة تجلد قاعدة، ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو، وبهذه ~~الآية استشهد أبو حنيفة على أن الجلد حد غير المحصن بلا تغريب. # وما احتج به الشافعي على وجوب التغريب من قوله صلى الله عليه وسلم 735 # " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " # وما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ عنده وعند أصحابه بالآية، ~~أو محمول على وجه التعزيز، والتأديب من غير وجوب. وقول الشافعي في تغريب ~~الحر واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل يغرب سنة كالحر، ويغرب نصف سنة ~~كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب كما قال أبو حنيفة. وبهذه الآية نسخ الحبس ~~والأذى في قوله تعالى # فأمسكوهن فى البيوت # النساء 15، وقوله ms1313 تعالى { فآذوهما }. قيل تسميته عذابا دليل على أنه ~~عقوبة. ويجوز أن يسمى عذابا، لأنه يمنع من المعاودة كما سمي نكالا. ~~الطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة ~~غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها أربعة ~~إلى أربعين رجلا من المصدقين بالله. وعن الحسن عشرة. وعن قتادة ثلاثة ~~فصاعدا. وعن عكرمة رجلان فصاعدا. وعن مجاهد الواحد فما فوقه. وفضل قول ~~ابن عباس، لأن الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحد والصحيح أن ~~هذه الكبيرة من أمهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في ~~قوله # ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما # الفرقان 68، وقال # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا # الإسراء 32 وعن النبي صلى الله عليه وسلم 736 # " يا معشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ست خصال ثلاث في ~~الدنيا، وثلاث في الآخرة. فأما اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ~~ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة، ~~وسوء الحساب، والخلود في النار " # ولذلك وفى الله فيه عقد المائة بكماله، بخلاف حد القذف وشرب الخمر. ~~وشرع فيه القتلة الهولة وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود ~~فيه. وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، ~~والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح، ~~والفاسق بين صلحاء قومه أخجل. ويشهد له قول ابن عباس رضي الله عنهما إلى ~~أربعين رجلا من المصدقين بالله. ### || [24.3] # الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والتقحب، لا يرغب في نكاح الصوالح من ~~النساء اللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو في ~~مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة، كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من ~~الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو ~~المشركين. ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها وانخراطه ~~بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنى محرم عليه محظور لما فيه من التشبه ~~بالفساق، وحضور موقع ms1314 التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة وأنواع ~~المفاسد. ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام، فكيف ~~بمزاوجة الزواني والقحاب وقد نبه على ذلك بقوله # وأنكحوا الأيمى منكم والصلحين من عبادكم ~~وإمائكم # النور 32 وقيل كان بالمدينة موسرات من بغايا المشركين، فرغب فقراء ~~المهاجرين في نكاحهن، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت. ~~وعن عائشة رضي الله عنها أن الرجل إذا زنى بامرأة، ليس له أن يتزوجها ~~لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانيا. وقد أجازه ابن عباس رضي الله عنهما ~~وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. 737 وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل عن ذلك؟ فقال # " أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال " # ، وقيل المراد بالنكاح الوطء، وليس بقول لأمرين، أحدهما أن هذه الكلمة ~~أينما وردت في القرآن لم ترد إلا في معنى العقد. والثاني فساد المعنى ~~وأداؤه إلى قولك الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا يزني بها إلا ~~زان.وقيل كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام ثم نسخ، والناسخ قوله # وأنكحوا الأيمى منكم # النور 32. وقيل الإجماع، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه. فإن ~~قلت أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية؟ قلت معنى الأولى صفة ~~الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر. ومعنى الثانية صفة ~~الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة، وهما معنيان ~~مختلفان. فإن قلت كيف قدمت الزانية على الزاني أولا، ثم قدم عليها ~~ثانيا؟ قلت سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة ~~التي منها نشأت الجناية لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم ~~يطمع ولم يتمكن. فلما كانت أصلا وأولا في ذلك بديء بذكرها. وأما ~~الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه، لأنه هو الراغب والخاطب، ~~ومنه يبدأ الطلب. وعن عمرو بن عبيد رضي الله عنه لا ينكح، بالجزم على ~~النهي. والمرفوع فيه أيضا معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد، كما أن «رحمك ~~الله» و «يرحمك» أبلغ ms1315 من «ليرحمك» ويجوز أن يكون خبرا محضا على معنى أن ~~عادتهم جارية على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ~~ويتصون عنها. وقرىء «وحرم» بفتح الحاء. ### || [24.4-5] # القذف يكون بالزنى وبغيره، والذي دل على أن المراد قذفهن بالزنى ~~شيئان، أحدهما ذكر المحصنات عقيب الزواني. والثاني اشتراط أربعة شهداء ~~لأن القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان، والقذف بالزنى أن يقول الحر ~~العاقل البالغ لمحصنة يا زانية، أو لمحصن يا زاني، يا ابن الزاني، يا ابن ~~الزانية، يا ولد الزنا، لست لأبيك، لست لرشدة. والقذف بغير الزنا أن يقول ~~يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا فاسق، يا خبيث، يا ~~ماص بظر أمه. فعليه التعزير، ولا يبلغ به أدنى حد العبيد وهو أربعون، ~~بل ينقص منه. وقال أبو يوسف يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون. وقال للإمام أن ~~يعزر إلى المائة. وشروط إحصان القذف خمسة الحرية، والبلوغ، والعقل، ~~والإسلام، والعفة. وقرىء «بأربعة شهداء» بالتنوين. وشهداء صفة. فإن قلت ~~كيف يشهدون مجتمعين أو متفرقين؟ قلت الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه رضي ~~الله عنهم أن يحضروا في مجلس واحد، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة. وعند ~~الشافعي رضي الله عنه يجوز أن يحضروا متفرقين. فإن قلت هل يجوز أن يكون ~~زوج المقذوفة واحدا منهم؟ قلت يجوز عند أبي حنيفة خلافا للشافعي. فإن ~~قلت كيف يجلد القاذف؟ قلت كما جلد الزاني، إلا أنه لا ينزع عنه من ثيابه ~~إلا ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو. والقاذفة أيضا كالزانية، وأشد ~~الضرب ضرب التعزير، ثم ضرب الزنا، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف. ~~قالوا لأن سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلا أنه عوقب صيانة للأعراض ~~وردعا عن هتكها. فإن قلت فإذا لم يكن المقذوف محصنا؟ قلت يعزر القاذف ~~ولا يحد، إلا أن يكون المقذوف معروفا بما قذف به فلا حد ولا تعزير. ~~رد شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة رضي الله عنه باستيفاء الحد، فإذا ~~شهد قبل الحد أو ms1316 قبل تمام استيفائه قبلت شهادته، فإذا استوفى لم تقبل ~~شهادته أبدا وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء. وعند الشافعي رضي الله ~~عنه يتعلق رد شهادته بنفس القذف، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه، عاد ~~مقبول الشهادة، وكلاهما متمسك بالآية، فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل جزاء ~~الشرط الذي هو الرمي الجلد، ورد الشهادة عقيب الجلد على التأبيد، فكانوا ~~مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدة حياتهم، وجعل قوله { ~~وأولئك هم الفسقون } كلاما مستأنفا غير داخل في حيز ~~جزاء الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية. ~~و { إلا الذين تابوا } استثناء من الفاسقين. ويدل عليه قوله { ~~فإن الله غفور رحيم } والشافعي رضي الله عنه جعل جزاء ~~الشرط الجملتين أيضا، غير أنه صرف الأبد إلى مدة كونه قاذفا، وهي ~~تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف وجعل الاستثناء متعلقا بالجملة الثانية. # وحق المستثنى عنده أن يكون مجرورا بدلا من «هم» في { لهم } وحقه ~~عند أبي حنيفة رضي الله عنه أن يكون منصوبا لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ~~ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، كأنه قيل ~~ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم أي فاجمعوا لهم الجلد ~~والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإن الله يغفر لهم ~~فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. فإن قلت الكافر يقذف فيتوب ~~عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا ~~تقبل شهادته عند أبي حنيفة رضي الله عنه. كأن القذف مع الكفر أهون من ~~القذف مع الإسلام؟ قلت المسلمون لا يعبئون بسب الكفار لأنهم شهروا ~~بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين ~~والشنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله، فشدد على القاذف من المسلمين ردعا ~~وكفا عن إلحاق الشنار. فإن قلت هل للمقذوف أو للإمام أن يعفو عن حد ~~القاذف؟ قلت لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحد، والمقذوف مندوب ~~إلى أن لا يرافع القاذف ولا يطالبه بالحد. ويحسن ms1317 من الأمام أن يحمل ~~المقدوف على كظم الغيظ ويقول له أعرض عن هذا ودعه لوجه الله قبل ثبات ~~الحد فإذا ثبت لم يكن لواحد منهما أن يعفو لأنه خالص حق الله، ولهذا لم ~~يصح أن يصالح عنه بمال. فإن قلت هل يورث الحد؟ قلت عند أبي حنيفة رضي ~~الله عنه لا يورث، لقوله صلى الله عليه وسلم 738 # " الحد لا يورث " # ، وعند الشافعي رضي الله عنه يورث، وإذا تاب القاذف قبل أن يثبت الحد ~~سقط. وقيل نزلت هذه الآية في حسان بن ثابت رضي الله عنه حين تاب مما قال ~~في عائشة رضي الله عنها. ### || [24.6-9] # قاذف امرأته إذا كان مسلما حرا بالغا عاقلا، غير محدود في القذف، ~~والمرأة بهذه الصفة مع العفة صح اللعان بينهما، إذا قذفها بصريح الزنى، ~~وهو أن يقول لها يا زانية، أو زنيت، أو رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج ~~عبدا، أو محدودا في قذف، والمرأة محصنة حد كما في قذف الأجنبيات، وما ~~لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان أن يبدأ الرجل فيشهد أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة ~~أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول ~~المرأة أربع مرات أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ~~ثم تقول في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به ~~من الزنى. وعند الشافعي رضي الله عنه يقام الرجل قائما حتى يشهد والمرأة ~~قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على ~~فيه ويقول له إني أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله، وقال اللعان ~~بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وبيت المقدس في مسجده، ~~ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا ~~في المسجد الحرام، لقوله تعالى # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام # التوبة 28 ثم يفرق القاضي بينهما، ولا ms1318 تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه ~~عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم، إلا عند زفر فإن الفرقة تقع ~~باللعان. وعن عثمان البتي لا فرقة أصلا. وعند الشافعي رضي الله عنه تقع ~~بلعان الزوج، وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبي حنيفة ~~ومحمد رضي الله عنهما ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك ~~فحد جاز أن يتزوجها. وعند أبي يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رضي ~~الله عنهم هي فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبدا، ليس لهما أن يجتمعا ~~بعد ذلك بوجه. وروي 739 أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر، فقام عاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنه فقال ~~جعلني الله فداك، إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين وردت ~~شهادته أبدا وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن ~~يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى اللهم افتح. وخرج فاستقبله ~~هلال بن أمية أو عويمر فقال ما وراءك؟ قال شر وجدت على بطن امرأتي خولة ~~- وهي بنت عاصم - شريك ابن سحماء، فقال هذا والله سؤالي، ما أسرع ما ~~ابتليت به فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم خولة ~~فقالت لا أدري، ألغيرة أدركته؟ أم بخلا على الطعام - وكان شريك نزيلهم - ~~وقال هلال لقد رأيته على بطنها. # فنزلت، ولاعن بينهما. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قوله ~~وقولها أن لعنة الله عليه، إن غضب الله عليها آمين، وقال ~~القوم آمين، وقال لها # " إن كنت ألممت بذنب فاعترفي به، فالرجم أهون عليك من ~~غضب الله، إن غضبه هو النار. وقال تحينوا بها الولادة فإن ~~جاءت به أصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به ~~أورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به " # قال ابن عباس رضي الله عنهما فجاءت بأشبه خلق الله لشريك. فقال ~~صلى الله عليه وسلم # " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ms1319 " # وقرىء «ولم تكن» بالتاء لأن الشهداء جماعة، أو لأنهم في معنى الأنفس ~~التي هي بدل. ووجه من قرأ أربع أن ينتصب لأنه في حكم المصدر والعامل فيه ~~المصدر الذي هو { فشهدة أحدهم } وهي مبتدأ محذوف الخبر، ~~تقديره فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات بالله. وقرىء أن لعنة الله، وأن ~~غضب الله على تخفيف أن ورفع ما بعدها. وقرىء «أن غضب الله» على فعل ~~الغضب. وقرىء بنصب الخامستين، على معنى وتشهد الخامسة. فإن قلت لم خصت ~~الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت تغليظا عليها لأنها هي أصل الفجور ~~ومنبعه بخلابتها وإطماعها، ولذلك كانت مقدمة في آية الجلد. ويشهد لذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم لخولة # " فالرجم أهون عليك من غضب الله ". ### || [24.10] # الفضل التفضل، وجواب «لولا» متروك، وتركه دال على أمر عظيم لا يكتنه، ~~ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به. ### || [24.11] # الإفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى ~~يفجأك. وأصله الأفك، وهو القلب لأنه قول مأفوك عن وجهه. والمراد ما أفك ~~به على عائشة رضي الله عنها. والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ~~وكذلك العصابة. واعصو صبوا اجتمعوا، وهم عبد الله بن أبي رأس النفاق، ~~وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ~~ساعدهم. وقرىء «كبره» بالضم والكسر، وهو عظمه. والذي تولاه عبد الله، ~~لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه ~~سبيلا إلى الغميزة. أي يصيب كل خائض في حديث الإفك من تلك العصبة نصيبه ~~من الإثم على مقدار خوضه. والعذاب العظيم لعبد الله، لأن معظم الشر كان ~~منه. يحكى أن صفوان رضي الله عنه مر بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه ~~فقال من هذه؟ فقالوا عائشة رضي الله عنها، فقال والله ما نجت منه ولا نجا ~~منها، وقال امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها. والخطاب في ~~قوله { هو خير لكم } لمن ساءه ذلك من المؤمنين، وخاصة رسول الله ms1320 ~~صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعائشة، وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم. ~~ومعنى كونه خيرا لهم أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم لأنه كان بلاء ~~مبينا ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية كل واحدة منها مستقلة ~~بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتنزيه لأم ~~المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك ~~أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم ~~القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها. ### || [24.12] # { بأنفسهم } أي بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله # ولا تلمزوا أنفسكم # الحجرات 11 وذلك نحو ما يروى أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب ألا ~~ترين ما يقال؟ فقال لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سوءا؟ قال لا. قالت ولو كنت أنا بدل عائشة رضي الله عنها ما ~~خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك. فإن ~~قلت هلا قيل لولا إذ سمعتموه ظننتم بإنفسكم خيرا وقلتم؟ ولم عدل عن ~~الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر؟ قلت ليبالغ في التوبيخ بطريقة ~~الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض أن لا ~~يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن. وفيه تنبيه ~~على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في أخيه، أن يبني الأمر فيها على الظن لا ~~على الشك. وأن يقول بملء فيه بناء على ظنه بالمؤمن الخير { هذا ~~إفك مبين } هكذا بلفظ المصرح ببراءة ساحته، كما يقول المستيقن ~~المطلع على حقيقة الحال. وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ ~~له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بأخوات. ### || [24.13] # جعل الله التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب ثبوت شهادة الشهود الأربعة ~~وانتفاءها والذين رموا عائشة رضي الله عنها لم تكن لهم بينة على قولهم، ~~فقامت عليهم الحجة وكانوا { عند الله } أي ms1321 في حكمه وشريعته كاذبين. ~~وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاج ~~عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، ~~والتنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين، فكيف بأم ~~المؤمنين الصديقة بنت الصديق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبة ~~حبيب الله؟. ### || [24.14-15] # لولا الأولى للتحضيض، وهذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى ولولا أني ~~قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال ~~للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب ~~على ما خضتم فيه من حديث الإفك، يقال أفاض في الحديث، واندفع، وهضب، وخاض ~~{ إذ } ظرف لمسكم، أو لأفضتم { تلقونه } يأخذه بعضكم من بعض. ~~يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه. ومنه قوله تعالى # فتلقى ءادم من ربه كلمات # البقرة 37 وقرىء على الأصل «تتلقونه» إذ تلقونه بإدغام الذال في التاء. ~~و «تلقونه» من لقيه بمعنى لقفه، و«تلقونه»، من إلقائه بعضهم على بعض. و ~~«تلقونه» و «تألقونه»، من الولق والألق وهو الكذب، و «تلقونه» محكية ~~عن عائشة رضي الله عنها، وعن سفيان سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه، وكان أبوها ~~يقرأ بحرف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فإن قلت ما معنى قوله { ~~بأفوهكم } والقول لا يكون إلا بالفم؟ قلت معناه أن الشيء المعلوم ~~يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان. وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري ~~على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب، كقوله ~~تعالى # يقولون بأفوههم ما ليس فى قلوبهم # آل عمران 167، وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم أي تحسبونه صغيرة وهو ~~عند الله كبيرة وموجبة. وعن بعضهم أنه جزع عند الموت، فقيل له فقال أخاف ~~ذنبا لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم. وفي كلام بعضهم لا تقولن ~~لشيء من سيئاتك حقير، فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير. وصفهم بارتكاب ~~ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها، أحدها تلقى الإفك بألسنتهم، ms1322 وذلك ~~أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع ~~وانتشر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه. والثاني التكلم مما لا علم ~~لهم به. والثالث استصغارهم لذلك وهو عظيمة من العظائم. ### || [24.16] # فإن قلت كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم؟ قلت للظروف شأن وهو تنزلها من ~~الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ~~ما لا يتسع في غيرها. فإن قلت فأي فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع ~~فاصلا؟ قلت الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أول ما ~~سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. فإن ~~قلت فما معنى يكون، والكلام بدونه متلئب لو قيل ما لنا أن نتكلم بهذا؟ ~~قلت معناه معنى ينبغي ويصح،أي ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، وما يصح ~~لنا. ونحوه ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. و { سبحنك } للتعحب ~~من عظم الأمر. فإن قلت ما معنى التعجب في كلمة التسبيح؟ قلت الأصل في ذلك ~~أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب ~~منه أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه السلام فاجرة. فإن ~~قلت كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط عليهما الصلاة ~~والسلام، ولم يجز أن تكون فاجرة؟ قلت لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم ~~عنهم، ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر. وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات. ### || [24.17-18] # أي كراهة { أن تعودوا } أو في أن تعودوا، من قولك وعظت فلانا في ~~كذا فتركه. وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين. و { إن كنتم مؤمنين } ~~فيه تهييج لهم ليتعظوا، وتذكير بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان ~~الصاد عن كل مقبح، ويبين الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل ~~عليكم من الشرائع، ويعلمكم من الآداب الجميلة، ويعظكم به من المواعظ ms1323 ~~الشافية، والله عالم بكل شيء، فاعل لما يفعله بدواعي الحكمة. ### || [24.19] # المعنى يشيعون الفاحشة عن قصد إلى الإشاعة، وإرادة ومحبة لها، وعذاب ~~الدنيا الحد، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ~~وحسانا ومسطحا، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف، وكف بصره. وقيل ~~هو المراد بقوله # والذى تولى كبره منهم # النور 11 { والله يعلم } ما في القلوب من الأسرار والضمائر { ~~وأنتم لا تعلمون } يعني أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو ~~معاقبه عليها. ### || [24.20] # وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب، حاذفا جواب لولا كما حذفه ثمة. وفي ~~هذا التكرير مع حذف الجواب مبالغة عظيمة، وكذلك في التواب والرءوف ~~والرحيم. ### || [24.21] # الفحشاء والفاحشة ما أفرط قبحه. قال أبو ذؤيب # ضرائر حرمي تفاحش غارها # أي أفرطت غيرتها. والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه. وقرىء ~~«خطوات» بفتح الطاء وسكونها. وزكى بالتشديد، والضمير لله تعالى، ولولا ~~أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة، لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس ~~إثم الإفك، ولكن الله يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها، وهو { ~~سميع } لقولهم { عليم } بضمائرهم وإخلاصهم. ### || [24.22] # وهو من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية. وقيل من قولهم ما ألوت جهدا، ~~إذا لم تدخر منه شيئا. ويشهد للأول قراءة الحسن ولا يتأل. والمعنى لا ~~يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان. أو لا يقصروا في أن ~~يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها، فليعودوا ~~عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع ~~كثرة خطاياهم وذنوبهم، نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنهما، وكان فقيرا من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق ~~عليه، فلما فرط منه ما فرط آلى أن لا ينفق عليه، وكفى به داعيا إلى ~~المجاملة وترك الاشتغال بالمكافأة للمسىء.ويروى740 أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأها على أبي بكر، فقال بلى أحب أن يغفر الله لي، ورجع ~~إلى مسطح نفقته وقال ms1324 والله لا أنزعها أبدا. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب ~~«أن تؤتوا»، بالتاء على الالتفات. ويعضده قوله { ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم }. ### || [24.23] # { الغفلت } السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن ~~دهاء، ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال، فلا يفطن لما ~~تفطن له المجربات العرافات. قال # ولقد لهوت بطفلة ميالة بلهاء تطلعني على ~~أسرارها # وكذلك البله من الرجال في قوله عليه الصلاة والسلام 741 # " أكثر أهل الجنة البله ". ### || [24.24-25] # وقرىء «يشهد» بالياء. والحق بالنصب صفة للدين وهو الجزاء، وبالرفع صفة ~~لله، ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله تعالى قد ~~غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات ~~القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، ~~واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرق ~~مختلفة وأساليب مفتنة. كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلا هذه ~~الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم ~~بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما ~~أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا ~~عند ذلك { أن الله هو الحق المبين } فأوجز في ذلك وأشبع، ~~وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان ~~إلا ما هو دونه في الفظاعة، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن، حتى سئل عن ~~هذه الآيات فقال من أذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر ~~عائشة، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعة ~~بأربعة برأ يوسف بلسان الشاهد # وشهد شاهد من أهلها # يوسف 26. وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه. وبرأ ~~مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها إني عبد الله. وبرأ عائشة بهذه ~~الآيات العظام في ms1325 كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة ~~بهذه المبالغات. فانظر، كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلا لإظهار ~~علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محل سيد ~~ولد آدم، وخيرة الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين. ومن أراد أن ~~يتحقق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم وتقدم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون ~~كل سابق، فليتلق ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته، ~~وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه. فإن قلت إن كانت عائشة هي المرادة ~~فكيف قيل المحصنات؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن يراد بالمحصنات أزواج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأن يخصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به، ~~وإذا أردن عائشة كبراهن منزلة وقربة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كانت المرادة أولا، والثاني أنها أم المؤمنين فجمعت إرادة لها ~~ولبناتها من نساء الأمة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان، كما قال # قدني من نصر الخبيبين قدي # أراد عبد الله بن الزبير وأشياعه، وكان أعداؤه يكنونه بخبيب ابنه، وكان ~~مضعوفا، وكنيته المشهورة أبو بكر، إلا أن هذا في الاسم وذاك في الصفة، ~~فإن قلت ما معنى قوله # هو الحق المبين # النور 25؟ قلت معناه ذو الحق البين، أي العادل الظاهر العدل، الذي لا ~~ظلم في حكمه، والمحق الذي لا يوصف بباطل. ومن هذه صفته لم تسقط عنده ~~إساءة مسيء، ولا إحسان محسن، فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه. ### || [24.26] # أي { الخبيثت } من القول تقال أو تعد { للخبيثين } من ~~الرجال والنساء { والخبيثون } منهم يتعرضون { للخبيثت } من ~~القول، وكذلك الطيبات والطيبون. و { أولئك } إشارة إلى الطيبين، ~~وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم، وهو كلام جار مجرى ~~المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب. ~~ويجوز أن يكون { أولئك } إشارة إلى أهل البيت، وأنهم مبرؤون مما ~~يقول أهل الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات النساء، أي الخبائث يتزوجن ~~الخباث، والخباث الخبائث. وكذلك أهل الطيب. وذكر ms1326 الرزق الكريم ها هنا ~~مثله في قوله # وأعتدنا لها رزقا كريما # الأحزاب 31 وعن عائشة لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة لقد نزل جبريل ~~عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يتزوجني، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، ولقد توفي وإن رأسه ~~لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيني، وإن الوحي ~~لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، ~~وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند ~~طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما. ### || [24.27] # { تستأنسوا } فيه وجهان أحدهما أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ~~خلاف الاستيحاش لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو ~~كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى حتى يؤذن لكم ~~كقوله # لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم # الأحزاب 53 وهذا من باب الكناية والإرداف لأن هذا النوع من الاستئناس ~~يردف الإذن. فوضع موضع الإذن. والثاني أن يكون من الاستئناس الذي هو ~~الاستعلام والاستكشاف استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا. ~~والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يراد دخولكم أم لا؟ ومنه قولهم ~~استأنس هل ترى أحدا، واستأنست فلم أر أحدا، أي تعرفت واستعلمت. ومنه ~~بيت النابغة # على مستأنس وحد # ويجوز أن يكون من الإنس، وهو أن يتعرف هل ثمة إنسان؟ وعن أبي أيوب ~~الأنصاري رضي الله عنه قلنا يا رسول الله، ما الاستئناس؟ قال # " يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة ويتنحنح يؤذن أهل البيت. ~~والتسليم أن يقول السلام عليكم، أأدخل؟ ثلاث مرات فإن أذن له وإلا رجع " # 742 وعن أبي موسى الأشعري أنه أتى باب عمر رضي الله عنهما فقال السلام ~~عليكم أأدخل؟ قالها ثلاثا ثم رجع وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول # " الاستئذان ثلاثا " # 743 واستأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أألج؟ فقال صلى ~~الله عليه ms1327 وسلم لامرأة يقال لها روضة # " قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن أن يستأذن. قولي له يقول ~~السلام عليكم أأدخل " # ، فسمعها الرجل فقالها، فقال «ادخل». وكان أهل الجاهلية يقول الرجل ~~منهم إذا دخل بيتا غير بيته حييتم صباحا، وحييتم مساء، ثم يدخل، فربما ~~أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن ~~والأجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد ~~تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك بينا أنت في بيتك، إذا رعف عليك ~~الباب. بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايى إسلام ولا جاهلية، وهو ~~ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ~~أين الأذن الواعية؟ وفي قراءة عبد الله «حتى تسلموا على أهلها ~~وتستأذنوا». وعن ابن عباس وسعيد بن جبير إنما هو حتى تستأذنوا، فأخطأ ~~الكاتب. ولا يعول على هذه الرواية. وفي قراءة أبي «حتى تستأذنوا» { ~~ذلكم } الاستئذان والتسليم { خير لكم } من تحية الجاهلية ~~والدمور - وهو الدخول بغير إذن - واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك، كأن ~~صاحبه دامر لعظم ما ارتكب. وفي الحديث 744 # " من سبقت عينه استئذانه فقد دمر " # وروي 745 أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي؟ قال ~~«نعم»، قال إنها ليس لها خادم غيري، أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال ~~«أتحب أن تراها عريانة» قال الرجل لا. قال «فاستأذن». { ~~لعلكم تذكرون } أي أنزل عليكم. أو قيل لكم هذا إرادة أن ~~تذكروا وتتعظوا وتتعلموا بما أمرتم به في باب الاستئذان. ### || [24.28] # يحتمل { فإن لم تجدوا فيها أحدا } من الآذنين { فلا ~~تدخلوها } واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها، وذلك أن ~~الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا ~~يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس ~~في العادة عن غيرهم ويتحفظون ms1328 من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك ~~غيرك فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب { فارجعوا ~~} أي لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على ~~الأبواب منتظرين لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصا ~~إذا كانوا ذوي مروءة ومرتاضين بالآداب الحسنة وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى ~~الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف، والتصييح ~~بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس، وعن ~~أبي عبيد والله ما قرعت بابا على عالم قط. وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما ~~نزل فيها من قوله # إن الذين ينادونك من وراء الحجرت أكثرهم لا ~~يعقلون # الحجرات 4. فإن قلت هل يصح أن يكون المعنى وإن لم يؤذن لكم وأمرتم ~~بالرجوع فامتثلوا، ولا تدخلوا مع كراهتهم؟ قلت بعد أن جزم النهي عن ~~الدخول مع فقد الإذن وحده من أهل الدار حاضرين وغائبين، لم تبق شبهة في ~~كونه منهيا عنه مع انضمام الأمر بالرجوع إلى فقد الإذن، فإن قلت فإذا ~~عرض أمر في دار من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره؟ قلت ذاك ~~مستثنى بالدليلهو أزكى لكم أي الرجوع أطيب لكم وأطهر، لما فيه من سلامة ~~الصدور والبعد من الريبة، أو أنفع وأنمى خيرا. ثم أوعد المخاطبين بذلك ~~بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه. ### || [24.29] # استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها ما ليس بمسكون منها، ~~وذلك نحو الفنادق وهي الخانات والربط وحوانيت البياعين. والمتاع المنفعة، ~~كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع. ويروى ~~746 أن أبا بكر رضي الله عنه قال يا رسول الله، إن الله تعالى قد أنزل ~~عليك آية في الاستئذان، وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ~~ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت، وقيل الخربات يتبرز فيها. والمتاع التبرز { ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } وعيد للذين يدخلون ms1329 ~~الخربات والدور الخالية من أهل الريبة. ### || [24.30] # من للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل ~~وجوز الأخفش أن تكون مزيدة، وأباه سيبويه. فإن قلت كيف دخلت في غض ~~البصر دون حفظ الفروج؟ قلت دلالة على أن أمر النظر أوسع. ألا ترى أن ~~المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثديهن وأعضادهن وأسوقهن ~~وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها ~~وقدميها في إحدى الروايتين. وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقا أن أبيح ~~النظر إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ويجوز أن ~~يراد - مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحل - حفظها عن الإبداء. وعن ابن ~~زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا، إلا هذا فإنه أراد به ~~الاستتار. ثم أخبر أنه { خبير } بأفعالهم وأحوالهم، وكيف يجيلون ~~أبصارهم؟ وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم؟ فعليهم - إذا عرفوا ذلك - ~~أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون. ### || [24.31] # النساء مأمورات أيضا بغض الأبصار، ولا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي ~~إلى ما تحت سرته إلى ركبته، وإن اشتهت غضت بصرها رأسا، ولا تنظر من ~~المرأة إلا إلى مثل ذلك. وغضها بصرها من الأجانب أصلا أولى بها وأحسن. ~~ومنه حديث ابن أم مكتوم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت 747 كنت عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم - وذلك بعد أن ~~أمرنا بالحجاب - فدخل علينا فقال احتجبا، فقلنا يا رسول الله، أليس أعمى ~~لا يبصر؟ قال # " أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ " # فإن قلت لم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج؟ قلت لأن النظر بريد الزنى ~~ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه، ~~الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها ~~كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها ~~كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه ~~إلا ms1330 لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر ~~بالتصون والتستر، لأن هذا الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر ~~إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر ~~والأذن، فنهى عن إبداء الزين نفسها. ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها ~~لملابستها تلك المواقع - بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في ~~حله - كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في ~~الحرمة، شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في ~~الكشف عنها. فإن قلت ما تقول في القراميل، هل يحل نظر هؤلاء إليها؟ قلت ~~نعم. فإن قلت أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها، ~~وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذي ما تحت السرة؟ قلت الأمر ~~كما قلت، ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي، لأنه لا يقع إلا فوق ~~اللباس، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلا عن ~~هؤلاء. إلا إذا كان يصف لرقته فلا يحل النظر إليه، فلا يحل النظر إلى ~~القراميل واقعة عليه. فإن قلت ما المراد بموقع الزينة؟ ذلك العضو كله، أم ~~المقدار الذي تلابسه الزينة منه؟ قلت الصحيح أنه العضو كله كما فسرت ~~مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة الوجه موقع الكحل في ~~عينيه، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربيه، والغمرة في خديه، والكف ~~والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب بالحناء. فإن قلت لم سومح مطلقا في ~~الزينة الظاهرة؟ قلت لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدا من ~~مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصا في الشهادة ~~والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة ~~الفقيرات منهن، وهذا معنى قوله { إلا ما ظهر منها } يعني إلا ~~ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما سومح في ~~الزينة الخفية، أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة ~~إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع ms1331 من ~~النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول ~~والركوب وغير ذلك. # كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكن يسدلن ~~الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهن حتى ~~يغطينها، ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور تسمية بما يليها ويلابسها. ومنه ~~قولهم ناصح الجيب وقولك ضربت بخمارها على جيبها، كقولك ضربت بيدي على ~~الحائط، إذا وضعتها عليه، وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت نساءا خيرا ~~من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها ~~المرحل فصدعت منه صدعة، فاختمرن، فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان. وقرىء ~~«جيوبهن» بكسر الجيم لأجل الياء، وكذلك { بيوتا غير بيوتكم } ~~قيل في نسائهن هن المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة ~~أو كتابية. عن ابن عباس رضي الله عنهما. والظاهر أنه عنى بنسائهن وما ~~ملكت أيمانهن من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والإماء والنساء، كلهن ~~سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض. وقيل ما ملكت أيمانهن هم الذكور والإناث ~~جميعا. وعن عائشة رضي الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها، وقالت ~~لذكوان إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر. وعن سعيد بن المسيب ~~مثله، ثم رجع وقال لا تغرنكم آية النور، فإن المراد بها الإماء. وهذا هو ~~الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصيا كان أو فحلا. وعن ~~ميسون بنت بحدل الكلبية أن معاوية دخل عليها ومعه خصي، فتقنعت منه، ~~فقال هو خصي فقالت يا معاوية، أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله؟ ~~وعند أبي حنيفة لا يحل استخدام الخصيان وإمساكهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ~~ينقل عن أحد من السلف إمساكهم. فإن قلت روي 748 أنه أهدي لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خصي فقبله، قلت لا يقبل فيما تعم به البلوى إلا حديث ~~مكشوف، فإن صح فلعله قبله ليعتقه، أو لسبب من الأسباب. { الإربة } ~~الحاجة قيل هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم في ~~النساء، لأنهم ms1332 بله لا يعرفون شيئا من أمرهن. أو شيوخ صلحاء إذا كانوا ~~معهن غضوا أبصارهم، أو بهم عنانة. وقرىء { غير } بالنصب على ~~الاستثناء أو الحال، والجر على الوصفية. # وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أن المراد به ~~الجمع. ونحوه # نخرجكم طفلا # الحج 5 { لم يظهروا } إما من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه، أي لا ~~يعرفون ما العورة ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان إذا ~~قوي عليه، وظهر على القرآن أخذه وأطاقه، أي لم يبلغوا أوان القدرة على ~~الوطء. وقرىء «عورات» وهي لغة هذيل. فإن قلت لم لم يذكر الله الأعمام ~~والأخوال؟ قلت سئل الشعبي عن ذلك؟ فقال لئلا يصفها العم عند ابنه، والخال ~~كذلك. ومعناه أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العم ~~والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم، فيداني ~~تصوره لها بالوصف نظره إليها وهذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب ~~الاحتياط عليهن في التستر. كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع ~~خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى، ~~ليعلم أنها ذات خلخالين. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن ~~إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. وتوبوا ~~إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون أوامر الله ونواهيه في كل ~~باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها. وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا ~~يخلو من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعا بالتوبة والاستغفار، ~~وبتأميل الفلاح، إذا تابوا واستغفروا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما توبوا ~~مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة فإن قلت قد ~~صحت التوبة بالإسلام، والإسلام يجب ما قبله، فما معنى هذه التوبة؟ قلت ~~أراد بها ما يقوله العلماء إن من أذنب ذنبا ثم تاب عنه، يلزمه كلما ~~تذكره أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن ~~يلقى ربه. وقرىء «أيه المؤمنون»، ms1333 بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة ~~لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ~~ما قبلها. ### || [24.32] # { الأيمى } واليتامى أصلهما أيائم ويتائم، فقلبا، والأيم للرجل ~~والمرأة، وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى ~~منكم أتأيم # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والغيمة والأيمة والكزم ~~والقرم " # ، والمراد أنكحوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح ~~من غلمانكم وجواريكم. وقرىء «من عبيدكم» وهذا الأمر للندب لما علم من أن ~~النكاح أمر مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ~~ذلك، وعند أصحاب الظواهر النكاح واجب. ومما يدل على كونه مندوبا إليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم 750 # " من أحب فطرتي فليستن بسنتي وهي النكاح " # وعنه عليه الصلاة والسلام 751 # " من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا " # وعنه عليه الصلاة والسلام 752 # " إذا تزوج أحدكم عج شيطانه يا ويله، عصم ابن آدم مني ثلثي دينه " # وعنه عليه الصلاة والسلام 753 # " يا عياض لا تزوجن عجوزا ولا عاقرا، فإني مكاثر " # والأحاديث فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار كثيرة. وربما كان ~~واجب الترك إذا أدى إلى معصية أو مفسدة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~754 # " إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزوبة ~~والعزلة والترهب على رؤوس الجبال " # وفي الحديث 755 # " يأتي على الناس زمان لا تنال فيه المعيشة إلا بالمعصية، فإذا ~~كان ذلك الزمان حلت العزوبة " # فإن قلت لم خص الصالحين؟ قلت ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ولأن ~~الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة ~~الأولاد في الأثرة والمودة، فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم ~~وتقبل الوصية فيهم. وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك. ~~أو أريد بالصلاح القيام بحقوق النكاح. إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من ~~فضله ينبغي أن تكون ms1334 شريطة الله غير منسية في هذا الموعد ونظائره، وهي ~~مشيئته، ولا يشاء الحكيم إلا ما اقتضته الحكمة وما كان مصلحة، ونحوه # ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # الطلاق 3. وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شاء إن الله عليم حكيم # التوبة 28 ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضا بعزب كان غنيا ~~فأفقره النكاح، وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكينا. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم 756 # " التمسوا الرزق بالنكاح " # 757 وشكا إليه رجل الحاجة فقال # " عليك بالباءة " # وعن عمر رضي الله عنه عجبت لمن لا يطلب الغنى بالباءة. ولقد كان ~~عندنا رجل رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته؟ ~~فقال كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أرزق ولدا، فلما رزقت ~~بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيرا، فلما تتاموا ~~ثلاثة صب الله علي الخير صبا، فأصبحت إلى ما ترى { والله وسع } ~~أي غني ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه { عليم } يبسط الرزق ~~ولمن يشاء ويقدر. ### || [24.33] # { وليستعفف } وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالب من ~~نفسه العفاف وحاملها عليه { لا يجدون نكاحا } أي استطاعة تزوج. ~~ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال { حتى يغنيهم ~~الله } ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون ~~انتظار ذلك وتأميله لطفا لهم في استعفافهم، وربطا على قلوبهم، وليظهر ~~بذلك أن فضله أولى بالأعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه ~~الأوامر حيث أمر أولا بما يعصم من الفتنة ويبعدمن مواقعة المعصية وهو ~~غض البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن ~~الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة ~~عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه { والذين يبتغون ~~} مرفوع على الابتداء. أو منصوب بفعل مضمر يفسره { فكتبوهم ms1335 } ~~كقولك زيدا فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة، ~~كالعتاب والمعاتبة وهو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على ألف درهم، فإن ~~أداها عتق. ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت ~~لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق. ~~ويجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه حالا ومؤجلا، ومنجما وغير منجم لأن ~~الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياسا على سائر العقود. وعند الشافعي رضي ~~الله عنه لا يجوز إلا مؤجلا منجما. لا يجوز عنده بنجم واحد لأن العبد ~~لا يملك شيئا، فعقده حالا منع من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء ~~البدل عاجلا، ويجوز عقده على مال قليل وكثير، وعلى خدمة في مدة معلومة، ~~وعلى عمل معلوم مؤقت مثل حفر بئر في مكان بعينه معلومة الطول والعرض ~~وبناء دار قد أراه آجرها وجصها وما تبنى به. وإن كاتبه على قيمته لم يجز. ~~فإن أداها عتق، وإن كاتبه على وصيف، جاز، لقلة الجهالة ووجب الوسط، وليس ~~له أن يطأ المكاتبة، وإذا أدى عتق، وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه ~~بالكسب الذي هو في الأصل له، وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء. وعن ~~الحسن رضي الله عنه ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر ~~رضي الله عنه هي عزمة من عزمات الله. وعن ابن سيرين مثله وهو مذهب داود { ~~خيرا } قدرة على أداء ما يفارقون عليه. وقيل أمانة وتكسبا. وعن سلمان ~~رضي الله عنه أن مملوكا له ابتغى أن يكاتبه فقال أعندك مال؟ قال لا، قال ~~أفتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس { وءاتوهم } أمر للمسلمين على وجه ~~الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ~~كقوله تعالى # وفي الرقاب # البقرة 177، التوبة 60 عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم. فإن قلت هل ~~يحل لمولاه إذا كان غنيا أن يأخذ ما تصدق به عليه؟ قلت نعم. وكذلك إذا ~~لم تف الصدقة بجميع ms1336 البدل وعجز عن أداء الباقي طاب للمولى ما أخذه لأنه ~~لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد المكاتبة كمن اشترى الصدقة من ~~الفقير أو ورثها أو وهبت له، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة ~~758 # " هو لها صدقة ولنا هدية " # ، وعند الشافعي رضي الله عنه هو إيجاب على الموالي أن يحطوا لهم من مال ~~الكتابة. وإن لم يفعلوا أجبروا. وعن علي رضي الله عنه يحط له الربع. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما يرضخ له من كتابته شيئا، وعن عمر رضي الله عنه ~~أنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية، وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه ~~بأول نجم فدفعه إليه عمر رضي الله عنه وقال استعن به على مكاتبتك فقال ~~لو أخرته إلى آخر نجم؟ قال أخاف أن لا أدرك ذلك. وهذا عند أبي حنيفة رضي ~~الله عنه على وجه الندب وقال إنه عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة ~~كالبيع. وقيل معنى { وءاتوهم } أسلفوهم. وقيل أنفقوا عليهم بعد أن ~~يؤدوا ويعتقوا. وهذا كله مستحب. وروي أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك ~~يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى، فنزلت.ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا كانت إماء أهل الجاهلية ~~يساعين على مواليهن،/ 759 وكان لعبد الله بن أبي رأس النفاق ست جوار، ~~معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب ~~عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت، ~~ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة. وفي الحديث 760 # " ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي " # والبغاء مصدر البغي. فإن قلت لم أقحم قوله { إن أردن تحصنا } ~~قلت لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وآمر الطيعة المواتية ~~للبغاء لا يسمى مكرها ولا أمره إكراها. وكلمة { إن } وإيثارها على ~~«إذا» إيذان بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد ~~من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر { غفور رحيم } لهم ms1337 أو لهن، ~~أو لهم ولهن إن تابوا وأصلحوا. وفي قراءة ابن عباس «لهن غفور رحيم» فإن ~~قلت لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره ~~عليه في أنها غير آثمة. قلت لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من ~~إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو، من ضرب عنيف أو غيره ~~حتى تسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة. ### || [24.34] # { مبينت } هي الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت في معاني ~~الأحكام والحدود. ويجوز أن يكون الأصل مبينا فيها فاتسع في الظرف. وقرىء ~~بالكسر، أي بينت هي الأحكام والحدود، جعل الفعل لها على المجاز، أو من ~~«بين» بمعنى تبين. ومنه المثل قد بين الصبح لذي عينين. { ومثلا من ~~} أمثال من { قبلكم } أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم، يعني ~~قصة عائشة رضي الله عنها. { وموعظة } ما وعظ به في الآيات والمثل، ~~من نحو قوله # ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله # النور 2، # لولا إذ سمعتموه # النور 12، # ولولا إذ سمعتموه # النور 16، # يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا # النور 17. ### || [24.35] # نظير قوله { الله نور السموت والأرض } مع قوله { مثل ~~نوره } ، و { يهدى الله لنوره } قولك زيد كرم وجود، ثم تقول ~~ينعش الناس بكرمه وجوده. والمعنى ذو نور السموات. وصاحب نور السموات، ~~ونور السموات والأرض الحق، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه، كقوله تعالى # الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمت ~~إلى النور # البقرة 257 أي من الباطل إلى الحق. وأضاف النور إلى السموات والأرض ~~لأحد معنيين إما للدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له ~~السموات والأرض. وإما أن يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به { ~~مثل نوره } أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة { كمشكاة } ~~كصفة مشكاة وهي الكوة في الجدار غير النافذة { فيها مصباح } سراج ~~ضخم ثاقب { فى زجاجة } أراد قنديلا من زجاج شامي أزهر. شبهه في ~~زهرته بأحد الدراري من الكواكب وهي المشاهير، كالمشتري والزهرة والمريخ ms1338 ~~وسهيل ونحوها { يوقد } هذا المصباح { من شجرة } أي ابتدأ ثقوبه ~~من شجرة الزيتون، يعني زويت ذبالته بزيتها { مبركة } كثيرة ~~المنافع. أو لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. وقيل بارك ~~فيها سبعون نبيا، منهم إبراهيم عليه السلام. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 761 # " عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به، فإنه مصحة من ~~الباسور " # { لا شرقية ولا غربية } أي منبتها الشام. وأجود الزيتون ~~زيتون الشام. وقيل لا في مضحى ولافي مقنأة. ولكن الشمس والظل يتعاقبان ~~عليها وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~762 # " لا خير في شجرة في مقنأة، ولا نبات في مقنأة، ولا خير فيهما في ~~مضحى " # وقيل ليست مما تطلع عليه الشمس وفي وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها ~~بالغداة والعشي جميعا، فهي شرقية وغربية، ثم وصف الزيت بالصفاء والوبيص ~~وأنه لتلألئه { يكاد } يضيء من غير نار { نور على نور } أي ~~هذا الذي شبهت به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة ~~والمصباح والزيت، حتى لم يبق مما يقوى النور ويزيده إشراقا ويمده ~~بإضاءة بقية، وذلك أن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ ~~له وأجمع لنوره، بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينبث فيه، وينتشر، ~~والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه { يهدى ~~الله } لهذا النور الثاقب { من يشآء } من عباده، أي يوفق لإصابة ~~الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه، ولم يذهب عن الجادة ~~الموصلة إليه يمينا وشمالا. ومن لم يتدبر فهو كالأعمى الذي سواء عليه ~~جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس. وعن علي رضي الله عنه «الله نور ~~السموات والأرض» أي نشر فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها ~~به، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه مثل نور من آمن به. وقرىء «زجاجة ~~الزجاجة» بالفتح والكسر ودري منسوب إلى الدر أي أبيض متلألىء. ودرىء ~~بوزن سكيت يدرأ الظلام بضوئه. ودرىء كمريق. ودري كالسكينة، عن أبي زيد. ~~وتوقد ms1339 بمعنى تتوقد. والفعل للزجاجة. ويوقد، وتوقد، بالتخفيف. ويوقد، ~~بالتشديد. ويوقد بحذف التاء وفتح الياء، لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب. ~~ويمسه بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي، والضمير فاصل. ### || [24.36-38] # { فى بيوت } يتعلق بما قبله. أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي ~~المساجد، كأنه قيل مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها ~~كيت وكيت. أو بما بعده، وهو يسبح، أي يسبح له رجال في بيوت. وفيها تكرير، ~~كقولك زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله # في تسع آيات # النمل 12 أي سبحوا في بيوت. والمراد بالإذن الأمر. ورفعها بناؤها، كقوله # بنها رفع سمكها فسواها # النازعات27- 28، # وإذ يرفع إبرهيم القواعد # البقرة 127 وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي المساجد، أمر الله أن تبنى، ~~أو تعظيمها والرفع من قدرها. وعن الحسن رضي الله عنه ما أمر الله أن ترفع ~~بالبناء، ولكن بالتعظيم { ويذكر فيها اسمه } أوفق له، وهو عام ~~في كل ذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما وأن يتلى فيها كتابه. وقرىء ~~«يسبح» على البناء للمفعول، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني { له ~~فيها بالغدو } ، و { رجال } مرفوع بما دل عليه { يسبح } ~~وهو يسبح له، وتسبح، بالتاء وكسر الباء. وعن أبي جعفر رضي الله عنه ~~بالتاء وفتح الباء. ووجهها أن يسند إلى أوقات الغدو والآصال على زيادة ~~الباء، وتجعل الأوقات مسبحة. والمراد ربها، كصيد عليه يومان. والمراد ~~وحشهما. والآصال جمع أصل وهو العشي. والمعنى بأوقات الغدو، أي بالغدوات. ~~وقرىء «والإيصال» وهو الدخول في الأصيل. يقال آصل، كأظهر وأعتم. التجارة ~~صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، فإما أن يريد لا يشغلهم نوع ~~من هذه الصناعة، ثم خص البيع لأنه في الإلهاء أدخل. من قبل أن التاجر ~~إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته ألهته ما لا يلهيه ~~شراء شيء يتوقع فيه الربح في الوقت الثاني، لأن هذا يقين وذاك مظنون، ~~وإما أن يسمى الشراء تجارة، إطلاقا لاسم الجنس على النوع، كما تقول رزق ~~فلان تجارة ms1340 رابحة، إذا اتجه له بيع صالح أو شراء. وقيل التجارة لأهل ~~الجلب، اتجر فلان في كذا إذا جلبه. التاء في إقامة، عوض من العين الساقطة ~~للإعلال، والأصل «إقوام» فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، ~~فأسقطت، ونحوه # وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا # وتقلب القلوب والأبصار إما أن تتقلب وتتغير في أنفسها وهو أن تضطرب من ~~الهول والفزع وتشخص، كقوله # وإذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر # الأحزاب 10. وإما أن تتقلب أحوالها وتتغير فتفقه القلوب بعد أن كانت ~~مطبوعا عليها لا تفقه، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عميا لا تبصر { ~~أحسن ما عملوا } أي أحسن جزاء أعمالهم، كقوله # للذين أحسنوا الحسنى # يونس 26 والمعنى يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفا ويزيدهم على ~~الثواب تفضلا. وكذلك معنى قوله # الحسنى وزيادة # يونس 26 المثوبة وزيادة عليها من التفضل. وعطاء الله تعالى إما تفضل ~~وإما ثواب، وإما عوض { والله يرزق } ما يتفضل به { بغير ~~حساب } فأما الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق. ### || [24.39] # السراب ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض ~~كأنه ماء يجري. والقيعة بمعنى القاع أو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من ~~الأرض، كجيرة في جار. وقرىء «بقيعات» بتاء ممطوطة، كديمات وقيمات، في ~~ديمة وقيمة. وقد جعل بعضهم بقيعاة بتاء مدورة، كرجل عزهاة، شبه ما يعمله ~~من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه ~~عند الله وتنجيه من عذابه ثم تخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر، ~~بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه العطش يوم القيامة فيحسبه ماء، ~~فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم ~~فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم # عاملة ناصبة # الغاشية 3، # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # الكهف 104، # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # الفرقان 23 وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، وقد كان تعبد ولبس ~~المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام. ### || [24.40] ms1341 # اللجي العميق الكثير الماء. منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر. وفي { ~~أخرج } ضمير الواقع فيه { لم يكد يراها } مبالغة في لم يرها ~~أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها. ومثله قول ذي الرمة # إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى ~~من حب مية يبرح # أي لم يقرب من البراح فما باله يبرح؟ شبه أعمالهم أولا في فوات نفعها ~~وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئا، ولم يكفه خيبة وكمدا ~~أن لم يجد شيئا كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى ~~النار، ولا يقتل ظمأه بالماء. وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها ~~باطلة، وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج ~~والسحاب، ثم قال ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة ~~الباطل لا نور له. وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات لأن الألطاف إنما ~~تردف الإيمان والعمل الصالح. أو كونهما مترقبين، ألا ترى إلى قوله # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # العنكبوت 69 وقوله # ويضل الله الظلمين # إبراهيم 27 وقرىء «سحاب ظلمات» على الإضافة. وسحاب ظلمات، برفع { ~~سحاب } وتنوينه وجر { ظلمت } بدلا من { ظلمت } الأولى. ### || [24.41-42] # { صافت } يصففن أجنحتهن في الهواء. والضمير في { علم } لكل أو ~~لله. وكذلك في { صلاته وتسبيحه } والصلاة الدعاء. ولا يبعد أن ~~يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا ~~يكاد العقلاء يهتدون إليها. ### || [24.43-44] # { يزجى } يسوق. ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد لا يرضاها. ~~والسحاب يكون واحدا كالعماء، وجمعا كالرباب. ومعنى تأليف الواحد أنه ~~يكون قزعا فيضم بعضه إلى بعض. وجاز بينه وهو واحد لأن المعنى بين ~~أجزائه، كما قيل في قوله # ... بين الدخول فحومل # والركام المتراكم بعضه فوق بعض. والودق المطر { من خلله } من ~~فتوقه ومخارجه جمع خلل، كجبال في جبل. وقرىء «من خلله» { وينزل } ~~بالتشديد، ويكاد سنا على الإدغام. وبرقه جمع برقة، وهي المقدار من البرق، ~~كالغرفة واللقمة. وبرقه بضمتين للإتباع، كما قيل في جمع فعلة ms1342 فعلات ~~كظلمات. و «سناء برقة» على المد المقصور، بمعنى الضوء، والممدود بمعنى ~~العلو والارتفاع، من قولك سني، مرتفع. و { يذهب بالأبصر } ~~على زيادة الباء، كقوله # ولا تلقوا بأيديكم # البقرة 195 عن أبي جعفر المدني وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته وظهور ~~أمره، حيث ذكر تسبيح من في السموات والأرض وكل ما يطير بين السماء ~~والأرض ودعاءهم له وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه ~~وما يحدث فيه من أفعاله حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه ~~ويقبضها ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب الذي يكاد ~~يخطف أبصارهم، ليعتبروا ويحذروا. ويعاقب بين الليل والنهار، ويخالف ~~بينهما بالطول والقصر. وما هذه إلا براهين في غاية الوضوح على وجوده ~~وثباته. ودلائل منادية على صفاته، لمن نظر وفكر وتبصر وتدبر. فإن قلت متى ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح من في السموات ودعاءهم، وتسبيح ~~الطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال برد في السماء، حتى قيل له ألم تر؟ ~~قلت علمه من جهة إخبار الله إياه بذلك على طريق الوحي. فإن قلت ما الفرق ~~بين من الأولى والثانية والثالثة في قوله { من السماء من جبال } ~~، { من برد }؟ قلت الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض. ~~والثالثة للبيان. أو الأوليان للابتداء والآخرة للتبعيض. ومعناه أنه ينزل ~~البرد من السماء من جبال فيها، وعلى الأول مفعول «ينزل» «من جبال». فإن ~~قلت ما معنى { من جبال فيها من برد }؟ قلت فيه معنيان. أحدهما ~~أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأرض جبال حجر. والثاني أن ~~يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقال فلان يملك جبالا من ذهب. ### || [24.45] # وقرىء «خالق كل دابة». ولما كان اسم الدابة موقعا على المميز وغير ~~المميز، غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه، كأن الدواب كلهم مميزون، فمن ~~ثمة قيل فمنهم، وقيل من يمشي في الماشي على بطن والماشي على أربع قوائم. ~~فإن قلت لم نكر الماء في قوله { من مآء }؟ قلت لأن المعنى أنه خلق ms1343 كل ~~دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلقها من ماء مخصوص وهو ~~النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة، فمنها هوام ومنها بهائم ومنها ~~ناس. ونحوه قوله تعالى # يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض فى ~~الاكل # الرعد 4. فإن قلت فما باله معرفا في قوله # وجعلنا من الماء كل شىء حى # الأنبياء 30؟ قلت قصد ثمة معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من ~~هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها ~~وسائط، قالوا خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجن من نار خلقها ~~منه، وآدم من تراب خلقه منه. فإن قلت لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا ~~الترتيب؟ قلت قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل ~~أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع فإن قلت لم سمي الزحف ~~على البطن مشيا؟ قلت على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمر قد ~~مشى هذا الأمر، ويقال فلان لا يتمشى له أمر. ونحوه استعارة الشقة مكان ~~الجحفلة، والمشفر مكان الشفة. ونحو ذلك. أو على طريق المشاكلة لذكر ~~الزاحف مع الماشين. ### || [24.46-47] # { وما أولئك بالمؤمنين } إشارة إلى القائلين آمنا ~~وأطعنا. أو إلى الفريق المتولي، فمعناه على الأول إعلام من الله بأن ~~جميعهم منتف عنهم الإيمان لا الفريق المتولي وحده. وعلى الثاني إعلام بأن ~~الفريق المتولي لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيمانا، إنما كان ادعاء ~~باللسان من غير مواطأة القلب لأنه لو كان صادرا عن صحة معتقد وطمأنينة ~~نفس لم يتعقبه التولي والإعراض. والتعريف في قوله { بالمؤمنين } ~~دلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت وهم الثابتون المستقيمون على ~~الإيمان، والموصوفون في قوله تعالى # إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا # الحجرات 15. ### || [24.48-49] # معنى { إلى الله ورسوله } إلى رسول الله كقولك أعجبني زيد ~~وكرمه، تريد كرم زيد. ومنه قوله # غلسنه قبل القطا وفرطه # أراد قبل فرط القطا. روي 763 أنها نزلت ms1344 في بشر المنافق وخصمه اليهودي ~~حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله، والمنافق يجره ~~إلى كعب بن الأشرف ويقول إن محمدا يحيف علينا. وروي أن المغيرة بن وائل ~~كان بينه وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه خصومة في ماء وأرض، فقال ~~المغيرة أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن ~~يحيف علي { إليه } صلة يأتوا، لأن «أتى» و«جاء» قد جاءا معديين ~~بإلى، أو يتصل بمذعنين لأنه في معنى مسرعين في الطاعة. وهذا أحسن لتقدم ~~صلته ودلالته على الاختصاص. والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق ~~المر والعدل البحت. يزورون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق، لئلا ~~تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا ~~إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذ لهم ما ذاب لهم في ذمة الخصم. ### || [24.50] # ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا ~~مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في ~~قضائه. ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله { بل أولئك هم الظلمون ~~} أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون أن ~~يظلموا من له الحق عليهم ويتم لهم جحوده، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ثمة يأبون المحاكمة إليه. ### || [24.51] # وعن الحسن« قول المؤمنين»، بالرفع والنصب أقوى، لأن أولى الإسمين بكونه ~~اسما لكان. أو غلهما في التعريف وأن يقولوا أوغل، لأنه لا سبيل عليه ~~للتنكير، بخلاف قول المؤمنين، وكان هذا من قبيل كان في قوله # ما كان لله أن يتخذ من ولد # مريم 35، # ما يكون لنا أن نتكلم بهذا # النور 16 وقرىء «ليحكم» على البناء للمفعول. فإن قلت إلام أسند يحكم؟ ~~ولا بد له من فاعل. قلت هو مسند إلى مصدره، لأن معناه ليفعل الحكم ~~بينهم، ومثله جمع بينهما وألف بينهما. ومثله # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94 فيمن قرأ «بينكم» منصوبا أي ms1345 وقع التقطع بينكم. وهذه القراءة ~~مجاوبة لقوله { دعوا }. ### || [24.52] # قرىء «ويتقه»، بكسر القاف والهاء مع الوصل وبغير وصل. وبسكون الهاء، ~~وبسكون القاف وكسر الهاء شبه تقه بكتف فخفف، كقوله # قالت سليمى اشتر لنا سويقا # ولقد جمع الله في هذه الآية أسباب الفوز. وعن ابن عباس في تفسيرها { ~~ومن يطع الله } في فرائضه { ورسوله } في سننه { ويخش ~~الله } على ما مضى من ذنوبه { ويتقه } فيما يستقبل. وعن بعض ~~الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية. ### || [24.53] # جهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في ~~اليمين وبلغ غاية شدتها ووكادتها. وعن ابن عباس رضي الله عنه من قال ~~بالله،فقد جهد يمينه. وأصل أقسم جهد اليمين أقسم يجهد اليمين جهدا، فحذف ~~الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافا إلى المفعول كقوله # فضرب الرقاب # محمد 4 وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال جاهدين أيمانهم. و { ~~طاعة معروفة } خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي أمركم ~~والذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشك فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص ~~من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم ~~وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة، بأنها القول دون الفعل. أو ~~طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة. وقرأ اليزيدي «طاعة ~~معروفة» بالنصب على معنى أطيعوا طاعة { إن الله خبير } يعلم ما ~~في ضمائركم ولا يخفى عليه شيء من سرائركم، وأنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم ~~على نفاقكم. ### || [24.54] # صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات وهو أبلغ في ~~تبكيتهم. يريد فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم فإن الرسول ~~ليس عليه إلا ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن ~~عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن ~~لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد ~~أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضرر عائدان ms1346 ~~إليكم، وما الرسول إلا ناصح وهاد، وما عليه إلا أن يبلغ ما له نفع في ~~قبولكم، ولا عليه ضرر في توليكم، والبلاغ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى ~~التأدية. ومعنى المبين كونه مقرونا بالآيات والمعجزات. ### || [24.55] # الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن معه. ومنكم للبيان، كالتي في ~~آخر سورة الفتح وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ~~ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل، حين أورثهم مصر والشام بعد ~~إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكينه تثبيته ~~وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك 764 أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما ~~هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل ما يأتي ~~علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال صلى الله عليه وسلم # " لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ~~ليس معه حديدة " # ، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق ~~والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، ثم ~~خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعم وفسقوا، وذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم 765 # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يملك الله من يشاء فتصير ملكا، ثم تصير ~~بزيزي قطع سبيل، وسفك دماء، وأخذ أموال بغير حقها " # وقرىء «كما استخلف» على البناء للمفعول «وليبدلنهم» بالتشديد. فإن قلت ~~أين القسم الملتقى باللام والنون في { ليستخلفنهم }؟ قلت هو ~~محذوف تقديره وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم، أو نزل وعد الله في تحققه ~~منزلة القسم، فتلقى بما يتلقى به القسم، كأنه قيل أقسم الله ليستخلفنهم. ~~فإن قلت ما محل { يعبدوننى }؟ قلت إن جعلته استئنافا لم يكن له ~~محل، كأن قائلا قال ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟ فقال يعبدونني. وإن جعلته ~~حالا عن وعدهم، أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم، فمحله النصب ~~{ ومن كفر } يريد كفران النعمة كقوله # فكفرت بأنعم الله # النحل 112. { فأولئك هم الفسقون } أي هم ms1347 الكاملون في ~~فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة العظيمة وجسروا على غمطها. فإن قلت هل في ~~هذه الآية دليل على أمر الخلفاء الراشدين؟ قلت أوضح دليل وأبينه لأن ~~المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم. ### || [24.56] # { وأقيموا الصلوة } معطوف على { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال ~~لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. وكررت طاعة الرسول تأكيدا ~~لوجوبها. ### || [24.57] # وقرىء «لا يحسبن» بالياء. وفيه أوجه أن يكون { معجزين فى الأرض ~~} هما المفعولان. والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أحدا يعجز الله في الأرض ~~حتى يطمعوا في مثل ذلك. وهذا معنى قوي جيد. وأن يكون فيه ضمير الرسول ~~لتقدم ذكره في قوله { وأطيعوا الرسول } وأن يكون الأصل لا ~~يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان ~~الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر ~~اثنين عن ذكر الثالث وعطف قوله { ومأواهم النار } على لا يحسبن ~~الذين كفروا معجزين كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار. ~~والمراد بهم المقسمون جهد أيمانهم. ### || [24.58] # أمر بأن يستأذن العبيد. وقيل العبيد والإماء والأطفال الذين لم يحتلموا ~~من الأحرار { ثلث مرات } في اليوم والليلة قبل صلاة الفجر لأنه ~~وقت قيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة. ~~وبالظهيرة لأنها وقت وضع الثياب للقائلة. وبعد صلاة العشاء لأنه وقت ~~التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم. وسمى كل واحدة من هذه ~~الأحوال عورة لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها. والعورة الخلل. ومنها ~~أعور الفارس، وأعور المكان، والأعور المختل العين. ثم عذرهم في ترك ~~الاستئذان وراء هذه المرات، وبين وجه العذر في قوله { طوفون ~~عليكم } يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة يطوفون عليكم ~~بالخدمة، وتطوفون عليهم للاستخدام فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت، ~~لأدى إلى الحرج. وروي 766 أن مدلج بن عمرو وكان غلاما أنصاريا أرسله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ms1348 الظهر إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو ~~نائم، وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا ~~وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق معه ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية. وهي إحدى ~~الآيات المنزلة بسبب عمر رضي الله تعالى عنه. وقيل 767 نزلت في أسماء بنت ~~أبي مرثد، قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف ~~واحد. وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله، فأتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها. ~~وعن أبي عمرو { الحلم } بالسكون وقرىء { ثلاث عورات } بالنصب ~~بدلا عن ثلاث مرات، أي أوقات ثلاث عورات. وعن الأعمش عورات على لغة ~~هذيل. فإن قلت ما محل ليس عليكم؟ قلت إذا رفعت ثلاث عورات كان ذلك في ~~محل الرفع على الوصف. والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا ~~نصبت لم يكن له محل وكان كلاما مقررا للأمر بالاستئذان في تلك ~~الأحوال خاصة فإن قلت بم ارتفع { بعضكم }؟ قلت بالابتداء وخبره { ~~على بعض } على معنى طائف على بعض، وحذف لأن طوافون يدل عليه. ~~ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمرا لتلك الدلالة. ### || [24.59] # { الأطفال منكم } أي من الأحرار دون المماليك { الذين من ~~قبلهم } يريد الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال. أو الذين ~~ذكروا من قبلهم في قوله # يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا # الآية النور 27 والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا ~~في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حد الطفولة بأن ~~يحتلموا أو يبلغوا السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن ~~تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كما الرجال الكبار ~~الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن وهذا مما الناس منه في غفلة، ~~وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، وعن ابن عباس آية لا يؤمن ms1349 بها أكثر الناس ~~آية الإذن، وإني لآمر جارتي أن تستأذن علي. وسأله عطاء أأستأذن على ~~أختي؟ قال نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية. وعنه ثلاث آيات ~~جحدهن الناس الإذن كله. وقوله # إن أكرمكم عند الله أتقكم # الحجرات 13 فقال ناس أعظمكم بيتا. وقوله # وإذا حضر القسمة # النساء 8. وعن ابن مسعود عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم ~~وأخواتكم. وعن الشعبي ليست منسوخة، فقيل له إن الناس لا يعملون بها، فقال ~~الله المستعان. وعن سعيد بن جبير يقول هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ~~ولكن الناس تهاونوا بها. فإن قلت ما السن التي يحكم فيها بالبلوغ؟ قلت ~~قال أبو حنيفة ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة في الجارية. وعامة ~~العلماء على خمس عشرة فيهما. وعن علي رضي الله عنه أنه كان يعتبر القامة ~~ويقدره بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله # ما زال مذ عقدت يداه إزاره فسما فأدرك خمسة ~~الأشبار # واعتبر غيره الإنبات. وعن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن غلام، فقال هل ~~اخضر إزاره؟. ### || [24.60] # القاعد التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها { لا يرجون نكاحا } لا ~~يطمعن فيه والمراد بالثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار { ~~غير متبرجت بزينة } غير مظهرات زينة، يريد الزينة الخفيفة ~~التي أرادها في قوله # ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن # النور 31 أو غير قاصدات بالوضع التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه. ~~والاستعفاف من الوضع خير لهن لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب، بعثا منه ~~عن اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله # وأن تعفوا أقرب للتقوى # البقرة 237، # وأن تصدقوا خير لكم # البقرة 280. فإن قلت ما حقيقة التبرج؟ قلت تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من ~~قولهم سفينة بارج، لا غطاء عليها. والبرج سعة العين، يرى بياضها محيطا ~~بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلا أنه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال ~~بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. وبدأ، وبرز بمعنى ظهر، من أخوات تبرج ~~وتبلج، كذلك. ### || [24.61] # كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم ms1350 وأولادهم ~~وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين ~~والمطعمين ريبة في ذلك، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج وكرهوا أن يكون أكلا ~~بغير حق لقوله تعالى # ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل # البقرة 188 فقيل لهم ليس على الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من ~~في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك. وعن عكرمة كانت الأنصار في أنفسها ~~قزازة. فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، وقيل كان هؤلاء يتوقون ~~مجالسة الناس ومؤاكلتهم لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم، ولأن الأعمى ~~ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله وهو لا يشعر، والأعرج يتفسح في ~~مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة ~~تؤذي أو جرح يبض أو أنف يذن ونحو ذلك. وقيل كانوا يخرجون إلى الغزو ~~ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن ~~يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون. حكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازيا ~~وخلف مالك بن زيد في بيته وماله، فلما رجع رآه مجهودا فقال ما أصابك؟ ~~قال لم يكن عندي شيء، ولم يحل لي أن آكل من مالك، فقيل ليس على هؤلاء ~~الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت، وهذا ~~كلام صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الغزو، ~~ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل ~~واحدة منهما منفي عنها الحرج. ومثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في ~~رمضان. وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر، فقلت ليس على المسافر حرج أن ~~يفطر، ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر، فإن قلت هلا ذكر ~~الأولاد قلت دخل ذكرهم تحت قوله { من بيوتكم } لأن ولد الرجل بعضه، ~~وحكمه حكم نفسه. وفي الحديث 768 # " إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه " # ومعنى { من بيوتكم } من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ولأن ~~الولد أقرب ممن عدد من القرابات، ms1351 فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان ~~الذي هو أقرب منهم أولى. فإن قلت ما معنى { أو ما ملكتم ~~مفاتحه }؟ قلت أموال الرجل إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها له أن ~~يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح كونها في يده ~~وحفظه. وقيل بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه. وقرىء «مفتاحه»، فإن ~~قلت فما معنى { أو صديقكم }؟ قلت معناه أو بيوت أصدقائكم. والصديق ~~يكون واحدا وجمعا، وكذلك الخليط والقطين والعدو، يحكى عن الحسن أنه ~~دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها ~~الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه ~~سرورا وضحك وقال هكذا وجدناهم،هكذا وجدناهم. # يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم. وكان الرجل ~~منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ منه ما شاء، فإذا ~~حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك. وعن جعفر بن محمد الصادق رضي ~~الله عنهما من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والإنبساط ~~وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا ~~بالآباء والأمهات، فقالوا فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. وقالوا إذا ~~دل ظاهر الحال على رضا المالك، قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج ~~الاستئذان وثقل، كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه { ~~جميعا أو أشتاتا } أي مجتمعين أو متفرقين. نزلت في بني ليث بن ~~عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظرا نهاره ~~إلى الليل، فإن لم يجد من يواكله أكل ضرورة. وقيل في قوم من الأنصار إذا ~~نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم وقيل تحرجوا عن الاجتماع على الطعام ~~لا ختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض { فإذا دخلتم ~~بيوتا } من هذه البيوت لتأكلوا فبدئوا بالسلام على أهلها الذين هم ~~منكم دينا وقرابة { تحية من عند الله ms1352 } أي ثابتة بأمره، ~~مشروعة من لدنه. أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه ~~والمحيا من عند اللهمباركة طيبة ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن ~~لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق. وعن أنس رضي الله عنه ~~قال 769 خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين - وروي تسع سنين - ~~فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء كسرته لم كسرته؟ وكنت ~~واقفا على رأسه أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال # " ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها " # ؟ قلت بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال # " متى لقيت من أمتي أحدا فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم ~~عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار والأوابين " # وقالوا إن لم يكن في البيت أحد فليقل السلام علينا من ربنا، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وعن ~~ابن عباس إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تحية ~~من عند الله، وانتصب تحية بسلموا، لأنها في معنى تسليما، كقولك قعدت ~~جلوسا. ### || [24.62] # أراد عز وجل أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ~~بغير إذنه { وإذا كانوا معه على أمر جامع } فجعل ترك ~~ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الأيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما ~~كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين ~~مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده ~~توكيدا وتشديدا، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله { إن الذين ~~يستئذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله } وضمنه شيئا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة ~~الإيمانين، وعرض بحال المنافقين وتسللهم لواذا. ومعنى قوله { لم ~~يذهبوا حتى يستئذنوه } لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن ~~لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن ~~استصوب أن يأذن له. والأمر الجامع الذي يجمع له الناس، فوصف الأمر بالجمع ~~على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدو، ms1353 أو تشاور في خطب مهم، أو تضام ~~لإرهاب مخالف، أو تماسح في حلف وغير ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو ~~بنفعه. وقرىء «أمر جميع» وفي قوله { وإذا كانوا معه على ~~أمر جامع } أنه خطب جليل لا بد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ~~من ذوي رأي وقوة، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم ~~وتجاربهم في كفايته، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه ~~ويشعث عليه رأيه، فمن ثمة غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، ومع ~~العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله { ~~لبعض شأنهم }. وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأحسن ~~الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه. وقيل نزلت في حفر ~~الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن. وقالوا كذلك ينبغي أن يكون الناس مع ~~أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من ~~النوازل ولا يتفرقون عنهم. والأمر في الإذن مفوض إلى الإمام إن شاء أذن ~~وإن شاء لم يأذن، على حسب ما اقتضاه رأيه. ### || [24.63] # إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم ~~فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا ~~ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم ~~كما يسمي بعضكم بعضا، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، ولا تقولوا يا ~~محمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقيرو التعظيم والصوت ~~المخفوض والتواضع. ويحتمل لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم ~~وكبيركم وفقيركم وغنيكم، يسأله حاجة فربما أجابه وربما رده، فإن دعوات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة مستجابة { يتسللون } ينسلون ~~قليلا قليلا. ونظير «تسلل» «تدرج وتدخل» واللواذ الملاوذة، وهو أن ~~يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل ~~الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. و { لواذا } حال، أي ملاوذين، وقيل كان ~~بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيأذن له، فينطلق الذي ms1354 لم يؤذن له معه. ~~وقرىء «لواذا» بالفتحفليحذر الذن يخلفون عن أمره. ~~يقال خالفه إلى الأمر، إذا ذهب إليه دونه، ومنه قوله تعالى # وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه # هود 88 وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه. ومعنى { الذين ~~يخلفون عن أمره } الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين وهم ~~المنافقون، فحذف المفعول لأن الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه. الضمير في ~~أمره لله سبحانه أو للرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى عن طاعته ودينه { ~~فتنة } محنة في الدنيا { أو يصيبهم عذاب أليم } في ~~الآخرة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما فتنة قتل. وعن عطاء زلازل وأهوال. ~~وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر. ### || [24.64] # أدخل { قد } ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ~~ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن { قد } إذا دخلت على ~~المضارع كانت بمعنى «ربما» فوافقت «ربما» في خروجها إلى معنى التكثير في ~~نحو قوله # فإن تمس مهجور الفناء فربما أقام به بعد ~~الوفود وفود # ونحوه قول زهير # أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ولكنه قد ~~يهلك المال نائله # والمعنى أن جميع ما في السموات والأرض مختصة به خلقا وملكا وعلما، ~~فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون ~~وإخفائها، وسينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم وسيجازيهم حق ~~جزائهم. والخطاب والغيبة في قوله { قد يعلم ما أنتم عليه ~~ويوم يرجعون إليه } يجوز أن يكونا جميعا للمنافقين على ~~طريق الالتفات. ويجوز أن يكون { ما أنتم عليه } عاما و { ~~يرجعون } للمنافقين، والله أعلم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~770 # " من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقى ". ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-2] # البركة كثرة الخير وزيادته. ومنها # تبارك الله # الأعراف 54 وفيه معنيان تزايد خيره، وتكاثر. أو تزايد عن كل شيء وتعالى ~~عنه في صفاته وأفعاله. والفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما ~~وسمي به القرآن ms1355 لفصله بين الحق والباطل. أو لأنه لم ينزل جملة واحدة، ~~ولكن مفروقا، مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال. ألا ترى إلى قوله # وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلنه تنزيلا # الإسراء 106 وقد جاء الفرق بمعناه. قال # ومشركي كافر بالفرق # وعن ابن الزبير رضي الله عنه على عباده، وهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأمته، كما قال # لقد أنزلنا إليكم # الأنبياء 10، # قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا # البقرة 136. والضمير في { ليكون } لعبده أو للفرقان. ويعضد رجوعه ~~إلى الفرقان قراءة ابن الزبير { للعلمين } للجن والإنس { ~~نذيرا } منذرا أي مخوفا أو إنذارا، كالنكير بمعنى الإنكار. ومنه ~~قوله تعالى # فكيف كان عذابى ونذر # القمر 16، 18، 21، 30 { الذى له } رفع على الإبدال من الذي نزل أو ~~رفع على المدح، أو نصب عليه. فإن قلت كيف جاز الفصل بين البدل والمبدل ~~منه؟ قلت ما فصل بينهما بشيء لأن المبدل منه صلته نزل. و «ليكون» تعليل ~~له، فكأن المبدل منه لم يتم إلا به. فإن قلت في الخلق معنى التقدير، ~~فما معنى قوله { وخلق كل شىء فقدره تقديرا } كأنه قال ~~وقدر كل شيء فقدره؟ قلت المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعي فيه ~~التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على ~~هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة ~~به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة ~~المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما ومصلحة ~~مطابقا لما قدر له غير متجاف عنه، أو سمي إحداث الله خلقا لأنه لا يحدث ~~شيئا لحكمته إلا على وجه التقدير من غير تفاوت، فإذا قيل خلق الله كذا ~~فهو بمنزلة قولك أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل ~~وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتا. وقيل فجعل له غاية ~~ومنتهى. ومعناه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم. ### || [25.3] # الخلق بمعنى الافتعال، كما في قوله تعالى # إنما تعبدون من دون الله أوثنا وتخلقون ~~إفكا ms1356 # العنكبوت 17 والمعنى أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة آلهة لا ~~عجز أبين من عجزهم، لا يقدرون على شيء من أفعال الله ولا من أفعال ~~العباد، حيث لا يفتعلون شيئا وهم يفتعلون، لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحث ~~والتصوير، { ولا يملكون } أي لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها أو ~~جلب نفع إليها وهم يستطيعون، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع الضرر وجلب ~~النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا ~~يقدر عليها إلا الله أعجز. ### || [25.4] # { قوم ءاخرون } قيل هم اليهود. وقيل عداس مولى حويطب بن عبد ~~العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي قال ذلك النضر ~~بن الحرث بن عبد الدار. «جاء» و «أتى» يستعملان في معنى فعل، فيعديان ~~تعديته، وقد يكون على معنى وردوا ظلما، كما تقول جئت المكان. ويجوز أن ~~يحذف الجار ويوصل الفعل. وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي ~~كلاما عربيا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور أن بهتوه بنسبة ما ~~هو بريء منه إليه. ### || [25.5] # { أسطير الاولين } ما سطره المتقدمون من نحو أحاديث رستم ~~واسفنديار، جمع أسطار أو أسطورة كأحدوثة { اكتتبها } كتبها لنفسه ~~وأخذها، كما تقول استكب الماء واصطبه إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه. وقرىء ~~«اكتتبها» على البناء للمفعول. والمعنى اكتتبها كاتب له، لأنه كان ~~أميا لا يكتب بيده، وذلك من تمام إعجازه، ثم حذفت اللام فأفضى الفعل ~~إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب، كقوله # واختار موسى قومه # الأعراف 155 ثم بنى الفعل للضمير الذي هو إياه فانقلب مرفوعا مستترا ~~بعد أن كان بارزا منصوبا، وبقي ضمير الأساطير على حاله، فصار { ~~اكتتبها } كما ترى. فإن قلت كيف قيل اكتتبها { فهى تملى ~~عليه } وإنما يقال أمليت عليه فهو يكتتبها؟ قلت فيه وجهان، أحدهما ~~أراد اكتتابها أو طلبه فهي تملى عليه. أو كتبت له وهو أمي فهي تملى عليه ~~أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة ~~الإلقاء على الكاتب. وعن الحسن أنه قول الله سبحانه يكذبهم ms1357 وإنما يستقيم ~~أن لو فتحت الهمزة للاستفهام الذي في معنى الإنكار. ووجهه أن يكون نحو ~~قوله # أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذودا شصائصا ~~نبلا # وحق الحسن أن يقف على الأولين، { بكرة وأصيلا } أي دائما، أو ~~في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم. ### || [25.6] # أي يعلم كل سر خفي في السموات والأرض، ومن جملته ما تسرونه أنتم من ~~الكيد لرسوله صلى الله عليه وسلم مع علمكم أن ما تقولونه باطل وزور، ~~وكذلك باطن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءته مما تبهتونه به، ~~وهو يجازيكم ويجازيه على ما علم منكم وعلم منه. فإن قلت كيف طابق قوله { ~~إنه كان غفورا رحيما } هذا المعنى؟ قلت لما كان ما تقدمه ~~في معنى الوعيد عقبه بما يدل على القدرة عليه، لأنه لا يوصف بالمغفرة ~~والرحمة إلا القادر على العقوبة، أو هو تنبيه على أنهم استوجبوا ~~بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبا، ولكن صرف ذلك عنهم إنه غفور ~~رحيم يمهل ولا يعاجل. ### || [25.7-8] # وقعت اللام في المصحف مفصولة عن هذا خارجة عن أوضاع الخط العربي، وخط ~~المصحف سنة لا تغير. وفي هذا استهانة وتصغير لشأنه وتسميته بالرسول سخرية ~~منهم وطنز، كأنهم قالوا ما لهذا الزاعم أنه رسول. ونحوه قول فرعون # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # الشعراء 27 أي إن صح أنه رسول الله فما باله حاله مثل حالنا { يأكل ~~الطعام } كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد، يعنون ~~أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش. ثم نزلوا عن ~~اقتراحهم أن يكون ملكا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك، حتى يتساندا ~~في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا فقالوا وإن لم يكن مرفودا بملك ~~فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل ~~المعاش. ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق كما ~~الدهاقين والمياسير، أو يأكلون هم من ذلك البستان فينتفعون به في دنياهم ~~ومعاشهم. وأراد ms1358 بالظالمين إياهم بأعيانهم وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل ~~عليهم بالظلم فيما قالوا وقرىء «فيكون» بالرفع، أو يكون له جنة، بالياء، ~~ونأكل، بالنون. فإن قلت ما وجها الرفع والنصب في فيكون؟ قلت النصب لأنه ~~جواب «لولا» بمعنى «هلا» وحكمه حكم الاستفهام. والرفع على أنه معطوف على ~~أنزل، ومحله الرفع، ألا تراك تقول لولا ينزل بالرفع، وقد عطف عليه يلقى، ~~وتكون مرفوعين، ولا يجوز النصب فيهما لأنهما في حكم الواقع بعد لولا، ولا ~~يكون إلا مرفوعا. والقائلون هم كفار قريش النضر بن الحرث، وعبد الله بن ~~أبي أمية، ونوفل بن خويلد ومن ضامهم { مسحورا } سحر فغلب على عقله. ~~أو ذا سحر، وهو الرئة عنوا أنه بشر لا ملك. ### || [25.9] # { ضربوا لك الامثال } أي قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك ~~تلك الصفات والأحوال النادرة. من نبوة مشتركة بين إنسان وملك. وإلقاء ~~كنز عليك من السماء وغير ذلك، فبقوا متحيرين ضلالا، لا يجدون قولا ~~يستقرون عليه. أو فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقا إليه. ### || [25.10] # تكاثر خير { الذى إن شاء } وهب لك في الدنيا { خيرا } مما ~~قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. وقرىء ~~«ويجعل» بالرفع عطفا على جعل لأن الشرط إذا وقع ماضيا، جاز في جزائه ~~الجزم، والرفع، كقوله # وإن أتاه خليل يوم مسئلة يقول لا غائب مالي ~~ولا حرم # ويجوز في { ويجعل لك } إذا أدغمت أن تكون اللام في تقدير الجزم ~~والرفع جميعا. وقرىء بالنصب، على أنه جواب الشرط بالواو. ### || [25.11-14] # { بل كذبوا } عطف على ما حكي عنهم يقول بل أتوا بأعجب من ذلك كله ~~وهو تكذيبهم بالساعة. ويجوز أن يتصل بما يليه، كأنه قال بل كذبوا ~~بالساعة، فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك ~~في الآخرة وهم لا يؤمنون بالآخرة. السعير النار الشديدة الاستعار. وعن ~~الحسن رضي الله عنه أنه اسم من أسماء جهنم { رأتهم } من قولهم دورهم ~~تترا، أي وتتناظر. ومن قوله صلى الله عليه وسلم 771 # " لا تراءى ناراهما ms1359 " # كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز. والمعنى إذا كانت منهم بمرأى ~~الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها. وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر. ~~ويجوز أن يراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضبا على الكفار وشهوة ~~للانتقام منهم. الكرب مع الضيق، كما أن الروح مع السعة، ولذلك وصف الله ~~الجنة بأن عرضها السموات والأرض. وجاء في الأحاديث أن لكل مؤمن من ~~القصور والجنان كذا وكذا. ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق ~~والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصا، كما روي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما في تفسيره أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، ~~وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرنون في السلاسل، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في ~~الجوامع. وقيل يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد. ~~والثبور الهلاك، ودعاؤه أن يقال واثبوراه، أي تعال يا ثبور فهذا حينك ~~وزمانك { لا تدعوا } أي يقال لهم ذلك أو هم أحقاء بأن يقال لهم، ~~وإن لم يكن ثمة قول ومعنى { وادعوا ثبورا كثيرا } أنكم وقعتم ~~فيما ليس ثبوركم فيه واحدا، إنما هو ثبور كثير إما لأن العذاب أنواع ~~وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم ~~بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم. ### || [25.15-16] # الراجح إلى الموصولين محذوف، يعني وعدها المتقون وما يشاؤونه. وإنما قيل ~~كانت، لأن ما وعده الله وحده فهو في تحققه كأنه قد كان. أو كان مكتوبا ~~في اللوح قبل أن برأهم بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم. فإن قلت ~~ما معنى قوله { كانت لهم جزاء ومصيرا }؟ قلت هو كقوله # نعم الثواب وحسنت مرتفقا # الكهف 31 فمدح الثواب ومكانه، كما قال # بئس الشراب وساءت مرتفقا # الكهف 29 قدم العقاب ومكانه لأن النعيم لا يتم للمتنعم إلا بطيب ~~المكان وسعته وموافقته للمراد والشهوة، وأن لا تنغص، وكذلك العقاب يتضاعف ~~بغثاثة الموضع وضيقه وظلمته وجمعه لأسباب الاجتواء والكراهة، فلذلك ذكر ~~المصير مع ذكر الجزاء. والضمير في { كان } لما يشاؤون. والوعد الموعود، ~~أي ms1360 كان ذلك موعودا واجبا على ربك إنجازه، حقيقا أن يسئل ويطلب، لأنه ~~جزاء وأجر مستحق. وقيل قد سأله الناس والملائكة في دعواتهم # ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك # آل عمران 194، # ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة # البقرة 201، # ربنا وأدخلهم جنت عدن التى وعدتهم # غافر 8. ### || [25.17-18] # يحشرهم. فيقول كلاهما بالنون والياء، وقرىء «يحشرهم»، بكسر الشين، { ~~وما يعبدون } يريد المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير. وعن ~~الكلبي الأصنام ينطقها الله. ويجوز أن يكون عاما لهم جميعا. فإن قلت ~~كيف صح استعمال { ما } في العقلاء؟ قلت هو موضوع على العموم للعقلاء ~~وغيرهم، بدليل قولك - إذا رأيت شبحا من بعيد - ما هو؟ فإذا قيل لك ~~إنسان، قلت حينئذ من هو؟ ويدلك قولهم «من» لما يعقل. أو أريد به الوصف، ~~كأنه قيل ومعبوديهم، ألا تراك تقول إذا أردت السؤال عن صفة زيد؟ ما زيد ~~تعني أطويل أم قصير؟ أفقيه أم طبيب؟ فإن قلت ما فائدة أنتم وهم؟ وهلا قيل ~~أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل؟ قلت ليس السؤال عن الفعل ~~ووجوده، لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه، فلا ~~بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام، حتى يعلم أنه المسؤول عنه، فإن قلت ~~فالله سبحانه قد سبق علمه بالمسؤول عنه، فما فائدة هذا السؤال؟ قلت ~~فائدته أن يجيبوا بما أجابوا به، حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم، ~~فيبهتوا وينخذلوا وتزيد حسرتهم، ويكون ذلك نوعا مما يلحقهم من غضب الله ~~وعذابه، ويغتبط المؤمنون ويفرحوا بحالهم ونجاتهم من فضيحة أولئك، وليكون ~~حكاية ذلك في القرآن لطفا للمكلفين. وفيه كسر بين لقول من يزعم أن الله ~~يضل عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه أأنتم أضللتموهم، أم ~~هم ضلوا بإنفسهم؟ فيتبرؤون من إضلالهم ويستعيذون به أن يكونوا مضلين، ~~ويقولون بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وآبائهم تفضل جواد كريم، ~~فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر، سبب الكفر ونسيان الذكر، ~~وكان ذلك سبب هلاكهم، فإذا برأت الملائكة والرسل أنفسهم من ms1361 نسبة الإضلال ~~الذي هو عمل الشياطين إليهم واستعاذوا منه، فهم لربهم الغني العدل أشد ~~تبرئة وتنزيها منه، ولقد نزهوه حين أضافوا إليه التفضل بالنعمة والتمتيع ~~بها. وأسندوا نسيان الذكر والتسبب به للبوار إلى الكفرة، فشرحوا الإضلال ~~المجازي الذي أسنده الله تعالى إلى ذاته في قوله # يضل من يشاء # الرعد 27، النحل 93، فاطر 8 ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب ~~العتيد أن يقولوا بل أنت أضللتهم. والمعنى أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن ~~طريق الحق؟ أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ وضل مطاوع «أضله» وكان القياس ضل عن ~~السبيل، إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هذه الطريق. والأصل إلى ~~الطريق وللطريق. وقولهم أضل البعير، في معنى جعله ضالا، أي ضائعا، ~~لما كان أكثر ذلك بتفريط من صاحبه وقلة احتياط في حفظه، قيل أضله، سواء ~~كان منه فعل أو لم يكن { سبحنك } تعجب منهم، قد تعجبوا مما قيل ~~لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون، فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص ~~بإبليس وحزبه. # أو نطقوا بسبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون المتقدسون الموسومون بذلك. ~~فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟ أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد، وأن ~~يكون له نبي أو ملك أو غيرهما ندا، ثم قالوا ما كان يصح لنا ولا ~~يستقيم ونحن معصومون أن نتولى أحدا دونك، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا ~~على أن يتولونا دونك. أو ما كان ينبغي لنا أن نكون أمثال الشياطين في ~~توليهم الكفار كما تولاهم الكفار. قال الله تعالى # فقتلوا أولياء الشيطن # النساء 76 يريد الكفرة وقال # والذين كفروا أولياؤهم الطغوت # البقرة 257 وقرأ أبو جعفر المدني نتخذ، على البناء للمفعول. وهذا الفعل ~~أعني «اتخذ» يتعدى إلى مفعول واحد، كقولك اتخذ وليا وإلى مفعولين كقولك ~~اتخذ فلانا وليا. قال الله تعالى # أم اتخذوا الهة من الأرض # الأنبياء 1 وقال # واتخذ الله إبرهيم خليلا # النساء 125 فالقراءة الأولى من المتعدي إلى واحد وهو { من أولياء ~~} والأصل أن نتخذ أولياء، فزيدت { من } لتأكيد معنى النفي، والثانية من ~~المتعدي ms1362 إلى مفعولين. فالأول ما بني له الفعل. والثاني { من ~~أولياء }. ومن للتبعيض، أي لا نتخذ بعض أولياء. وتنكير { ~~أولياء } من حيث أنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام. والذكر ~~ذكر الله والإيمان به، أو القرآن والشرائع. والبور الهلاك. يوصف به ~~الواحد والجمع ويجوز أن يكون جمع بائر، كعائذ وعوذ. ### || [25.19] # هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها ~~الالتفات وحذف القول ونحوها قوله تعالى # يأهل الكتب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ~~ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير # المائدة 19 وقول القائل # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول ~~فقد جئنا خراسانا # وقرىء «يقولون» بالتاء والياء. فمعنى من قرأ بالتاء فقد كذبوكم بقولكم ~~أنهم آلهة. ومعنى من قرأ بالياء فقد كذبوكم بقولهم # سبحنك ما كان ينبغى لنا أن نتخذ من دونك من ~~أولياء # الفرقان 18. فإن قلت هل يختلف حكم الباء مع التاء والياء؟ قلت إي والله، ~~وهي مع التاء كقوله # بل كذبوا بالحق # ق 5 والجار والمجرور بدل من الضمير، كأنه قيل فقد كذبوا بما تقولون وهي ~~مع الياء كقولك كتبت بالقلم. وقرىء «يستطيعون» بالتاء والياء أيضا. يعني ~~فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم. وقيل الصرف التوبة وقيل ~~الحيلة، من قولهم إنه ليتصرف، أي يحتال أو فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا ~~عنكم العذاب، أو أن يحتالوا لكم. { ومن يظلم منكم،نذقه ~~عذابا كبيرا } الخطاب على العموم للمكلفين، والعذاب الكبير لاحق ~~بكل من ظلم، والكافر ظالم لقوله # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13 والفاسق ظالم. لقوله # ومن لم يتب فأولئك هم الظلمون # الحجرات 11. وقرىء «يذقه» بالياء. وفيه ضمير الله، أو ضمير مصدر يظلم. ### || [25.20] # الجملة بعد «إلا» صفة لموصوف محذوف. والمعنى وما أرسلنا قبلك أحدا من ~~المرسلين إلا آكلين وماشين. وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور. أعني من ~~المرسلين ونحوه قوله عز من قائل # وما منا إلا له مقام معلوم # الصافات 164 على معنى وما منا أحد. وقرىء «ويمشون» على ms1363 البناء للمفعول، ~~أي تمشيهم حوائجهم أو الناس. ولو قرىء «يمشون»، لكان أوجه لولا الرواية. ~~وقيل هو احتجاج على من قال # ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى ~~الاسواق # الفرقان 7. { فتنة } أي محنة وابتلاء. وهذا تصبير لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ما قالوه واستبدعوه، من أكله الطعام ومشيه في الأسواق ~~بعد ما احتج عليهم بسائر الرسل، يقول وجرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء ~~بعضكم أيها الناس ببعض. والمعنى أنه أبتلى المرسلين منهم بالمرسل إليهم، ~~وبمناصبتهم لهم العداوة، وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف، وأنواع ~~أذاهم، وطلب منهم الصبر الجميل، ونحوه # ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا ~~وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور # آل عمران 186 وموقع { أتصبرون } بعد ذكر الفتنة موقع { أيكم ~~} بعد الابتلاء في قوله # ليبلوكم أيكم أحسن عملا # هود 27، الملك 2 { بصيرا } عالما بالصواب فيما يبتلي به وغيره فلا ~~يضيقن صدرك، ولا يستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليها سعادتك وفوزك في ~~الدارين. وقيل هو تسلية له عليه الصلاة والسلام عما عيروه به من الفقر، ~~حين قالوا أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة، وأنه جعل الأغنياء فتنة ~~للفقراء لينظر هل يصبرون؟ وأنها حكمته ومشيئته يغني من يشاء ويفقر من ~~يشاء. وقيل جعلناك فتنة لهم لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنان لكان ~~ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا، أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيرا ~~ليكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي. وقيل كان أبو جهل ~~والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون إن إسلمنا وقد ~~أسلم قبلنا عمار وصهيب، وبلال وفلان وفلان ترفعوا علينا إدلالا ~~بالسابقة، فهو افتتان بعضهم ببعض. ### || [25.21] # أي لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة. أو لا يخافون لقاءنا بالشر. ~~والرجاء في لغة تهامة الخوف، وبه فسر قوله تعالى # لا ترجون لله وقارا # نوح 13 جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقيا.. ~~اقترحوا من الآيات أن ينزل ms1364 الله عليهم الملائكة فتخبرهم بأن محمدا ~~صادقا حتى يصدقوه. أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه. ولا يخلو ~~إما أن يكونوا عالمين بأن الله لا يرسل الملائكة إلى غير الأنبياء، وأن ~~الله لا يصح أن يرى. وإنما علقوا إيمانهم عالمين بأن الله لا يكون. وإما ~~أن لا يكونوا عالمين بذلك وإنما أرادوا التعنت باقتراح آيات سوى الآيات ~~التي نزلت وقامت بها الحجة عليهم، كما فعل قوم موسى حين قالوا لن نؤمن لك ~~حتى نرى الله جهرة. فإن قلت ما معنى { فى أنفسهم }؟ قلت معناه أنهم ~~أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم واعتقدوه. كما قال # إن فى صدورهم إلا كبر ما هم ببلغيه # غافر 56. { وعتوا } وتجاوزوا الحد في الظلم. يقال عتا علينا فلان. ~~وقد وصف العتو بالكبير، فبالغ في إفراطه يعني أنهم لم يجسروا على هذا ~~القول العظيم، إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو، واللام جواب ~~قسم محذوف. وهذه الجملة في حسن استئنافها غاية. وفي أسلوبها قول القائل # وجارة جساس أبأنا بنابها كليبا غلت ناب ~~كليب بواؤها # وفي فحوى هذا الفعل دليل على التعجب من غير لفظ التعجب. ألا ترى أن ~~المعنى ما أشد استكبارهم، وما أكبر عتوهم، وما أغلى نابا بواؤها كليب. ### || [25.22] # { يوم يرون } منصوب بأحد شيئين إما بما دل عليه { لا بشرى ~~} أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها. ويومئذ للتكرير وإما ~~بإضمار «اذكر» أي اذكر يوم يرون الملائكة ثم قال { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين }.وقوله للمجرمينإما ظاهر في موضع ضمير وإما ~~لأنه عام فقدتنا ولهم بعمومه وقوله { حجرا محجورا } ذكره سيبويه ~~في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ ~~الله، وقعدك الله، وعمرك الله. وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء ~~عدو موتور أو هجوم نازلة، أو نحو ذلك. يضعونها موضع الاستعاذة. قال ~~سيبويه ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا وكذا، فيقول حجرا، وهي من حجره إذا ~~منعه لأن المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه فلا يلحقه فكان المعنى ms1365 ~~أسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا. ومجيئه على فعل أو فعل في ~~قراءة الحسن، تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، كما كان قعدك وعمرك كذلك، ~~وأنشدت لبعض الرجاز # قالت وفيها حيدة وذعر عوذ بربي منكم وحجر # فإن قلت فإذ قد ثبت أنه من باب المصادر، فما معنى وصفه بمحجور؟ قلت جاءت ~~هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر، كما قالوا. ذيل ذائل، والذيل الهوان. وموت ~~مائت. والمعنى في الآية أنهم يطلبون نزول الملائكة ويقترحونه، وهم إذا ~~رأوهم عند الموت أو يوم القيامة كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم، لأنهم لا ~~يلقونهم إلا بما يكرهون، قالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء ~~العدو الموتور وشدة النازلة. وقيل هو من قول الملائكة ومعناه حراما ~~محرما عليكم الغفران والجنة والبشرى، أي جعل الله ذلك حراما عليكم. ### || [25.23] # ليس ههنا قدوم ولا ما يشبه القدوم، ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي ~~عملوها في كفرهم من صلة رحم، وإغاثة ملهوف، وقرى ضيف، ومن على أسير، ~~وغير ذلك من مكارمهم ومحاسنهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه، ~~فقدم إلى أشيائهم، وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها ومزقها كل ممزق، ولم ~~يترك لها أثرا ولا عثيرا، والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه ~~الغبار. وفي أمثالهم أقل من الهباء { منثورا } صفة للهباء، شبهه ~~بالهباء في قلته وحقارته عنده، وأنه لا ينتفع به، ثم بالمنثور منه، لأنك ~~تراه منتظما مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب. ~~ونحوه قوله # كعصف مأكول # الفيل 5 لم يكف أن شبههم بالعصف حتى جعله مؤوفا بالأكال ولا أن شبه ~~عملهم بالهباء حتى جعله متناثرا، أو مفعول ثالث لجعلناه جامعا لحقارة ~~الهباء والتناثر، كقوله # كونوا قردة خسئين # البقرة 65، الأعراف 166 أي جامعين للمسخ والخسء. ولام الهباء واو، بدليل ~~الهبوة. ### || [25.24] # المستقر المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين يتجالسون ~~ويتحادثون. والمقيل المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم ~~والتمتع بمغازلتهن وملامستهن، كما أن المترفين في الدنيا يعيشون على ~~ذلك ms1366 الترتيب. وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة ~~في الجنة وأهل النار في النار. وفي معناه قوله تعالى # إن أصحب الجنة اليوم فى شغل فكهون هم ~~وأزوجهم فى ظلل على الارائك متكئون # يس 55 - 56 قيل في تفسير الشغل افتضاض الأبكار، ولا نوم في الجنة. وإنما ~~سمي مكان دعتهم واسترواحهم إلى الحور مقيلا على طريق التشبيه. وفي لفظ ~~الأحسن رمز إلى ما يتزين له مقيلهم. من حسن الوجوه وملاحة الصور، إلى غير ~~ذلك من التحاسين والزين. ### || [25.25] # وقرىء { تشقق } والأصل تتشقق، فحذف بعضهم التاء، وغيره أدغمها. ~~ولما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها، جعل الغمام كأنه الذي ~~تشقق به السماء، كما تقول شق السنام بالشفرة وانشق بها. ونظيره قوله ~~تعالى # السماء منفطر به # المزمل 18. فإن قلت أي فرق بين قولك انشقت الأرض بالنبات، وانشقت عن ~~النبات؟ قلت معنى انشقت به أن الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى انشقت ~~عنه أن التربة ارتفعت عنه عند طلوعه. والمعنى أن السماء تنفتح بغمام يخرج ~~منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، وروي ~~تنشق سماء سماء، وتنزل الملائكة إلى الأرض. وقيل هو غمام أبيض رقيق، مثل ~~الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. وفي معناه قوله تعالى # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملئكة # البقرة 210. وقرىء وننزل الملائكة، وتنزل الملائكة، ونزل الملائكة، ~~ونزلت الملائكة، وأنزل الملائكة، ونزل الملائكة، ونزل الملائكة، ~~على حذف النون الذي هو فاء الفعل من ننزل قراءة أهل مكة. ### || [25.26] # الحق الثابت لأن كل ملك يزول يومئذ ويبطل، ولا يبقى إلا ملكه. ### || [25.27-29] # عض اليدين والأنامل، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الأسنان ~~والأرم، وقرعها كنايات عن الغيظ والحسرة، لأنها من روادفها، فيذكر ~~الرادفة ويدل بها على المردوف، فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد ~~السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان، ما لا يجده عند لفظ المكنى ~~عنه. وقيل 772 نزلت في عقبة بن أبي معيط ms1367 بن أمية بن عبد شمس، وكان يكثر ~~مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين. ~~ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت يا عقبة؟ قال لا، ولكن آلى ~~أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي، فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست ~~في نفسي، فقال وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق في ~~وجهه وتلطم عينه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك. فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم «لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف»، ~~فقتل يوم بدر أمر عليا رضي الله عنه بقتله. وقيل قتله عاصم بن ثابت ~~بن أفلح الأنصاري وقال يا محمد، إلى من السبية قال إلى النار. وطعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبيا بأحد، فرجع إلى مكة فمات. واللام في { ~~الظالم } يجوز أن تكون للعهد، يراد به عقبة خاصة. ويجوز أن تكون ~~للجنس فيتناول عقبة وغيره. تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه طريقا واحدا ~~وهو طريق الحق ولم يتشعب به طرق الضلالة والهوى. أو أراد أني كنت ضالا ~~لم يكن لي سبيل قط، فليتني حصلت بنفسي في صحبة الرسول سبيلا، وقرىء «يا ~~ويلتي» بالياء، وهو الأصل لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته، ويقول لها ~~تعالي فهذا أوانك. وإنما قلبت الياء ألفا كما في صحارى، ومدارى. فلان ~~كناية عن الأعلام، كما أن الهن كناية عن الأجناس فإن أريد بالظالم عقبة، ~~فالمعنى ليتني لم أتخذ أبيا خليلا، فكنى عن اسمه. وإن أريد به الجنس، ~~فكل من اتخذ من المضلين خليلا كان لخليله اسم علم لا محالة، فجعله كناية ~~عنه { عن الذكر } عن ذكر الله، أو القرآن، أو موعظة الرسول. ويجوز ~~أن يريد نطقه بشهادة الحق، وعزمه على الإسلام. والشيطان إشارة إلى خليله، ~~سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان، ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة، ~~أو أراد إبليس، ms1368 وأنه هو الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول، ثم ~~خذله. أو أراد الجنس. وكل من تشيطن من الجن والإنس. ويحتمل أن يكون { ~~وكان الشيطن } حكاية كلام الظالم، وأن يكون كلام الله. اتخذت ~~يقرأ على الإدغام والإظهار والإدغام أكثر. ### || [25.30] # الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقومه قريش، حكى الله عنه شكواه قومه ~~إليه. وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء كانوا ~~إذا التجئوا إليه وشكوا إليه قومهم حل بهم العذاب ولم ينظروا. ### || [25.31] # ثم أقبل عليه مسليا ومواسيا وواعدا النصرة عليهم، فقال { وكذلك ~~} كان كل نبي قبلك مبتلى بعداوة قومه. وكفاك بي هاديا إلى طريق قهرهم ~~والانتصار منهم. وناصرا لك عليهم مهجورا تركوه وصدوا عنه وعن الإيمان ~~به. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 773 # " من تعلم القرآن وعلمه وعلق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم ~~القيامة متعلقا به يقول يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورا، اقضي ~~بيني وبينه " # ، وقيل هو من هجر، إذا هذي، أي جعلوه مهجورا فيه. فحذف الجار وهو على ~~وجهين، أحدهما زعمهم أنه هذيان وباطل وأساطير الأولين. والثاني أنهم ~~كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، كقوله تعالى # لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه # فصلت 26 ويجوز أن يكون المهجور بمعنى الهجر، كالمجلود والمعقول. والمعنى ~~اتخذوه هجرا والعدو يجوز أن يكون واحدا وجمعا. كقوله # فإنهم عدو لى # الشعراء 77 وقيل المعنى وقال الرسول يوم القيامة. ### || [25.32-34] # { نزل } ههنا بمعنى أنزل لا غير، كخبر بمعنى أخبر، وإلا كان ~~متدفعا. وهذا أيضا من اعتراضاتهم واقتراحاتهم الدالة على شرادهم عن ~~الحق وتجافيهم عن اتباعه. قالوا هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد ~~كما أنزلت الكتب الثلاثة، وما له أنزل على التفاريق. والقائلون قريش. ~~وقيل اليهود. وهذا فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته لأن أمر ~~الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو مفرقا. وقوله { ~~كذلك } جواب لهم، أي كذلك أنزل مفرقا. والحكمة فيه أن نقوي ~~بتفريقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه لأن ms1369 المتلقن إنما يقوى قبله على حفظ ~~العلم شيئا بعد شيء، وجزأ عقيب جزء. ولو ألقى عليه جملة واحدة لبعل به ~~وتعيا بحفظه، والرسول صلى الله عليه وسلم فارقت حاله حال موسى وداود ~~وعيسى عليهم السلام، حيث كان أميا لا يقرأ ولا يكتب وهم كانوا قارئين ~~كاتبين، فلم يكن له بد من التلقن والتحفظ، فأنزل عليه منجما في عشرين ~~سنة. وقيل في ثلاث وعشرين. وأيضا فكان ينزل على حسب الحوادث وجوابات ~~السائلين، ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل ~~مفرقا. فإن قلت ذلك في« كذلك» يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدمه، والذي ~~تقدم هو إنزاله جملة واحدة، فكيف فسرته بكذلك أنزلناه مفرقا؟ قلت لأن ~~قولهم لولا أنزل عليه جملة معناه لم أنزل مفرقا؟ والدليل على فساد هذا ~~الاعتراض أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من نجومه، وتحدوا بسورة ~~واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم وسجلوا به على أنفسهم حين لاذوا ~~بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة، ثم قالوا هلا نزلعليه جملة واحدة، كأنهم ~~قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملته { ورتلناه } معطوف على ~~الفعل الذي تعلق به كذلك، كأنه قال كذلك فرقناه ورتلناه. ومعنى ترتيله ~~أن قدره آية بعد آية، ووقفه عقيب وقفه، ويجوز أن يكون المعنى وأمرنا ~~بترتيل قراءته، وذلك قوله # ورتل القرءان ترتيلا # المزمل 4 أي اقرأه بترسل وتثبت. ومنه حديث عائشة رضي الله عنها في صفة ~~قراءته صلى الله عليه وسلم 774 # " لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها " # وأصله الترتيل في الأسنان وهو تفليجها. يقال ثغر رتل ومرتل، ويشبه بنور ~~الأقحوان في تفليجه. وقيل هو أن نزله مع كونه متفرقا على تمكث وتمهل في ~~مدة متباعدة وهي عشرون سنة. ولم يفرقه في مدة متقاربة { ولا ~~يأتونك } بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان ~~ إلا أتيناك نحن بالجواب الحق الذي لا محيد عنه وبما هو أحسن معنى، ~~ومأدى من سؤالهم. # ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه ms1370 الكلام، وضع موضع معناه ~~فقالوا تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل معناه كذا وكذا. أو لا يأتونك ~~بحال وصفة عجيبة يقولون هلا كانت هذه صفتك وحالك، نحو أن يقرن بك ملك ~~ينذر معك، أو يلقى إليك كنز، أو تكون لك جنة، أو ينزل عليك القرآن جملة، ~~إلا أعطيناك نحن من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا ومشيئتنا أن تعطاه، وما ~~هو أحسن تكشيفا لما بعثت عليه ودلالة على صحته، يعني أن تنزيله مفرقا ~~وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز ~~وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة ويقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في ~~فصاحته مع بعد ما بين طرفيه، كأنه قيل لهم إن حاملكم على هذه السؤالات ~~أنكم تضللون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم ~~من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم، لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه ~~وسبيلكم أضل من سبيله. وفي طريقته قوله # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه # الآية المائدة 60. ويجوز أن يراد بالمكان الشرف والمنزلة، وأن يراد ~~الدار والمسكن، كقوله # أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # مريم 73 ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 775 # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث أثلاث ثلث على الدواب ~~وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا ". ### || [25.35-36] # الوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء يؤمرون ~~بأن يوازر بعضهم بعضا. والمعنى فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، كقوله # اضرب بعصاك البحر فانفلق # الشعراء 63 أي فضرب فانفلق. أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها ~~وآخرها، لأنهما المقصود بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق ~~التدمير بتكذيبهم. وعن علي رضي الله عنه فدمرتهم. وعنه فدمراهم. وقرىء ~~«فدمرانهم»، على التأكيد بالنون الثقيلة. ### || [25.37] # كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا. أو كان تكذيبهم لواحد منهم ~~تكذيب للجميع أو لم يروا بعثة الرسل أصلا كالبراهمة { وجعلنهم ~~} وجعلنا ms1371 إغراقهم أو قصتهم { للظلمين } إما أن يعني بهم قوم ~~نوح، وأصله وأعتدنا لهم، إلا أنه قصد تظليمهم فأظهر. وإما إن يتناولهم ~~بعمومه. ### || [25.38-39] # عطف عادا على { هم } في جعلناهم أو على الظالمين، لأن المعنى ووعدنا ~~الظالمين. وقرىء «وثمود» على تأويله القبلة. وأما المنصرف فعلى تأويل ~~الحي أو لأنه اسم الأب الأكبر. قيل في أصحاب الرس كانوا قوما من عبدة ~~الأصنام أصحاب آبار ومواش، فبعث الله إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام. ~~فتمادوا في طغيانهم وفي إيذانه، فبيناهم حول الرس وهو البئر غير المطوية. ~~عن أبي عبيدة انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم. وقيل الرس قرية بفلج ~~اليمامة، قتلوا نبيهم فهلكوا، وهم بقية ثمود قوم صالح. وقيل هم أصحاب ~~النبي حنظلة بن صفوان، كانوا مبتلين بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير، ~~سميت لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح، وهي تنقض على ~~صبيانهم فتخطفهم، إن أعوزها الصيد، فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ~~ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا، وقيل هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود، ~~وقيل الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار. وقيل كذبوا نبيهم ورسوه في ~~بئر، أي دسوه فيها { بين ذلك } أي بين ذلك المذكور، وقد يذكر ~~الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها ب ذلك، ويحسب الحاسب أعدادا ~~متكاثرة ثم يقول فذلك كيت وكيت على معنى فذلك المحسوب أو المعدود { ~~ضربنا له الامثال } بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين، ~~ووصفنا لهم ما أجروا إليه من تكذيب الأنبياء وجرى عليهم من عذاب الله ~~وتدميره. والتتبير التفتيت والتكسير. ومنه التبر، وهو كسار الذهب والفضة ~~والزجاج. و { وكلا } الأول منصوب بما دل عليه { ضربنا له ~~الامثال } وهو أنذرنا. أو حذرنا. والثاني بتبرنا، لأنه فارغ له. ### || [25.40] # أراد بالقرية «سدوم» من قرى قوم لوط، وكانت خمسا أهلك الله تعالى ~~أربعا بأهلها وبقيت واحدة. ومطر السوء الحجارة، يعني أن قريشا مروا ~~مرارا كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة ~~من السماء { أفلم يكونوا } في مرار مرورهم ينظرون إلى آثار ms1372 عذاب ~~الله ونكاله ويذكرون { بل كانوا } قوما كفرة بالبعث لا يتوقعون { ~~نشورا } وعاقبة، فوضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من ~~يؤمن فمن ثم لم ينظروا ولم يذكروا، ومروا بها كما مرت ركابهم. أو لا ~~يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم، أو ~~لا يخافون، على اللغة التهامية. ### || [25.41-42] # { إن } الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة. واللام هي الفارقة ~~بينهما. واتخذه هزوا في معنى استهزأ به، والأصل اتخذه موضع هزؤ، أو ~~مهزوءا به { أهذا } محكى بعد القول المضمر. وهذا استصغار، و { ~~بعث الله رسولا } وإخراجه في معرض التسليم والإقرار، وهم على ~~غاية الجحود والإنكار سخرية واستهزاء، ولو لم يستهزؤا لقالوا أهذا الذي ~~زعم أو ادعى أنه مبعوث من عند الله رسولا،. وقولهم { إن كاد ~~ليضلنا } دليل على فرط مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~دعوتهم، وبذله قصارى الوسع والطاقة في استعطافهم، مع عرض الآيات ~~والمعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، ~~لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم، و { لولا } في مثل ~~هذاالكلام جار من حيث المعنى - لا من حيث الصنعة - مجرى التقييد للحكم ~~المطلق { وسوف يعلمون } وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن ~~طالت مدة الإمهال، ولا بد للوعيد أن يلحقهم فلا يغرنهم التأخير. وقوله ~~{ من أضل سبيلا } كالجواب عن قولهم { إن كاد ليضلنا } ~~لأنه نسبة لرسول الله إلى الضلال من حيث لا يضل غيره إلا من هو ضال في ~~نفسه. ويروي أنه من قول أبي جهل لعنه الله. ### || [25.43] # من كان في طاعة الهوى في دينه يتبعه في كل ما يأتي ويذر لا يتبصر دليلا ~~ولا يصغي إلى برهان. فهو عابد هواه وجاعله آلهة، فيقول لرسوله هذا الذي ~~لا يرى معبودا إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى أفتتوكل عليه ~~وتجبره على الإسلام وتقول لا بد أن تسلم شئت أو أبيت - ولا إكراه في ~~الدين؟ وهذا كقوله # وما أنت عليهم بجبار # ق 45، # لست عليهم بمسيطر # الغاشية 22 ms1373 ويروى أن الرجل منهم كن يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه رمى ~~به وأخذ آخر. ومنهم الحارث بن قيس السهمي. ### || [25.44] # أم هذه منقطعة، معناه بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها ~~حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا ~~يلقون إلى استماع الحق أذنا ولا إلى تدبره عقلا، ومشبهين بالأنعام التي ~~هي مثل في الغفلة والضلال، ثم أرجح ضلالة منها. فإن قلت لم أخر هواه ~~والأصل قولك اتخذ الهوى إلها؟ قلت ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على ~~الأول للعناية، كما تقول علمت منطلقا زيدا لفضل عنايتك بالمنطلق. فإن ~~قلت ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت كان فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا داء ~~واحد وهو حب الرياسة، وكفى به داء عضالا. فإن قلت كيف جعلوا أضل من ~~الإنعام؟ قلت لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من ~~يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها «وتهتدي ~~لمراعيها ومشاربها». وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم ~~من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم ~~المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون ~~للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي. ### || [25.45-46] # { ألم تر إلى ربك } ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته، ومعنى مد ~~الظل أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس { ولو شاء لجعله ~~ساكنا } أي لاصقا بأصل كل مظل من جبل وبناء وشجرة. غير منبسط فلم ~~ينتفع به أحد سمي انبساط الظل وامتداده تحركا منه وعدم ذلك سكونا، ~~ومعنى كون الشمس دليلا أن الناس يستدلون بالشمس وبأحوالها في مسيرها ~~على أحوال الظل، من كونه ثابتا في مكان و زائلا، ومتسعا ومتقلصا، ~~فيبنون حاجتهم إلى الظل واستغناءهم عنه على حسب ذلك. وقبضه إليه أنه ~~ينسخه بضح الشمس { يسيرا } أي على مهل. وفي هذا القبض اليسير شيئا ~~بعد شيء من المنافع ما لا يعد ولا يحصر، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر ~~مرافق ms1374 الناس بالظل والشمس جميعا. فإن قلت ثم في هذين الموضعين كيف ~~موقعها؟ قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاثة كان الثاني أعظم من ~~الأول، والثالث أعظم منهما، تشبيها لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ~~ما بين الحوادث في الوقت. ووجه آخر وهو أنه مد الظل حين بنى السماء ~~كالقبة المضروبة، ودحا الأرض تحتها فألقت القبة ظلها على الأرض فينانا ~~ما في أديمه جوب لعدم النير، ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك ~~الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل، أي سلطها عليه ونصبها دليلا ~~متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد بها وينقص، ويمتد ~~ويتقلص، ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير. ويحتمل أن يريد ~~قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام التي تبقى الظل فيكون قد ~~ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، كما ذكر إنشاءه بإنشاء إسبابه، وقوله قبضناه ~~إلينا يدل عليه، وكذلك قوله يسيرا، كما قال # ذلك حشر علينا يسير # ق 44. ### || [25.47] # شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. والسبات الموت. والمسبوت ~~الميت لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله # وهو الذى يتوفكم باليل # الأنعام 60. فإن قلت هلا فسرته بالراحة؟ قلت النشور في مقابلته يأباه ~~إباء العيوف الورد وهو مرنق. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق ~~فيها إظهار لنعمته على خلقه لأن الاحتجاب بستر الليل، كم فيه لكثير من ~~الناس من فوائد دينية ودنيوية، والنوم واليقظة وشبههما بالموت والحياة، ~~أي عبرة فيها لمن اعتبر، وعن لقمان أنه قال لابنه يا بني، كما تنام ~~فتوقظ، كذلك تموت فتنشر. ### || [25.48] # قرىء «الريح» و «الرياح نشرا» إحياء. ونشرا جمع نشور، وهي المحيية. ~~ونشرا تخفيف نشر، وبشرا تخفيف بشر جمع بشور وبشرى. و { بين يدى ~~رحمته } استعارة مليحة، أي قدام المطر { طهورا } بليغا في ~~طهارته. وعن أحمد بن يحيى هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، فإن ~~كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة كان سديدا. ويعضده قوله تعالى # وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به # الأنفال 11 ms1375 وإلا فليس «فعول» من التفعيل في شيء. والطهور على وجهين في ~~العربية صفة، واسم غير صفة فالصفة قولك ماء طهور، كقولك طاهر، والاسم ~~قولك لما يتطهر به طهور، كالوضوء والوقود، لما يتوضأ به وتوقد به النار. ~~وقولهم تطهرت طهورا حسنا، كقولك وضوأ حسنا، ذكره سيبويه ومنه قوله ~~صلى الله عليه وسلم 776 # " لا صلاة إلا بطهور " # أي طهارة. فإن قلت ما الذي يزيل عن الماء اسم الطهور؟ قلت تيقن مخالطة ~~النجاسة أو غلبتها على الظن، تغير أحد أوصافه الثلاثة أو لم يتغير. أو ~~استعماله في البدن لأداء عبادة عند أبي حنيفة وعند مالك بن أنس رضي الله ~~عنهما ما لم يتغير أحد أوصافه فهو طهور. فإن قلت فما تقول في قوله صلى ~~الله عليه وسلم حين سئل عن بئر بضاعة فقال 777 # " الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه " # ؟ قلت قال الواقدي كان بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين. ### || [25.49] # وإنما قال { ميتا } لأن البلدة في معنى البلد في قوله # فسقناه إلى بلد ميت # فاطر 9، وأنه غير جار على الفعل كفعول ومفعال ومفعيل. وقرىء «نسقيه» ~~بالفتح. وسقى، وأسقى لغتان. وقيل أسقاه جعل له سقيا. الأناسي جمع إنسي ~~أو إنسان. ونحوه ظرابي في ظربان، على قلب النون ياء، والأصل أناسين ~~وظرابين. وقرىء بالتخفيف بحذف ياء أفاعيل، كقولك أناعم، في أناعيم. فإن ~~قلت إنزال الماء موصوفا بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن ~~الطهارة شرط في صحة ذلك، كما تقول حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه ~~الوحش. قلت لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء، وصفه بالطهور ~~إكراما لهم، وتتميما للمنة عليهم، وبيانا أن من حقهم حين أراد الله ~~لهم الطهارة وأرادهم عليها أن يؤثروها في بواطنهم ثم في ظواهرهم، وأن ~~يربئوا بأنفسهم عن مخالطة القاذورات كلها كما ربأ بهم ربهم. فإن قلت لم ~~خص الأنعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب؟ قلت لأن الطير والوحش تبعد ~~في طلب الماء فلا يعوزها ms1376 الشرب بخلاف الأنعام ولأنها قنية الأناسي، وعامة ~~منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم. ~~فإن قلت فما معنى تنكير الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة؟ قلت معنى ذلك ~~أن علية الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية والأنهار ومنابع الماء، ~~ففيهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ~~ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه، وكذلك قوله { لنحيى به ~~بلدة ميتا } يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين من مظان الماء. فإن ~~قلت لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي؟ قلت لأن حياة ~~الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على ~~سقيهم، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم، لم يعدموا ~~سقياهم. ### || [25.50] # يريد ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف ~~التي أنزلت على الرسل عليهم السلام وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال ~~القطر ليفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا { فأبى } ~~أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها. وقيل صرفنا المطر ~~بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من ~~وابل وطل. وجود ورذاذ وديمة ورهام، فأبوا إلا الكفور وأن يقولوا مطرنا ~~بنوء كذا، ولا يذكروا صنع الله ورحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ما ~~من عام أقل مطرا من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء، ~~وتلا هذه الآية. وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام، ~~لأنه لا يختلف ولكن تختلف فيه البلاد. وينتزع من ههنا جواب في تنكير ~~البلدة والأنعام والأناسي، كأنه قال لنحيي به بعض البلاد الميتة، ونسقيه ~~بعض الأنعام والأناسي، وذلك البعض كثير. فإن قلت هل يكفر من ينسب الأمطار ~~إلى الأنواء؟ قلت إن كان لا يراها إلا من الأنواء ويجحد أن تكون هي ~~والأنواء من خلق الله فهو كافر. وإن كان يرى أن الله خالقها وقد نصب ~~الأنواء دلائل وأمارات عليها لم يكفر. ### || [25.51-52] # يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم { ولو شئنا ms1377 } لخففنا عنك أعباء ~~نذارة جميع القرى. و { لبعثنا فى كل قرية } نبيا ينذرها. ~~وإنما قصرنا الأمر عليك وعظمناك به، وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، ~~فقابل ذلك بالتشدد والتصبر { فلا تطع الكفرين } فيما يريدونك ~~عليه، وإنما أراد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم { به } والضمير ~~للقرآن أو لترك الطاعة الذي يدل عليه { فلا تطع } والمراد أن ~~الكفار يجدون ويجتهدون في توهين أمرك، فقابلهم من جدك واجتهادك وعضك على ~~نواجذك بما تغلبهم به وتعلوهم، وجعله جهادا كبيرا لما يحتمل فيه من ~~المشاق العظام. ويجوز أن يرجع الضمير في { به } إلى ما دل عليه { ~~ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا } من كونه نذير ~~كافة القرى، لأنه لو بعث في كل قرية نذيرا لوجبت على كل نذير مجاهدة ~~قريته، فاجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المجاهدات كلها، ~~فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم، فقال له { وجهدهم } بسبب كونك نذير ~~كافة القرى { جهادا كبيرا } جامعا لكل مجاهدة. ### || [25.53] # سمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين، والفرات البليغ العذوبة حتى يضرب ~~إلى الحلاوة. والأجاج نقيضه. ومرجهما خلاهما متجاورين متلاصقين، وهو ~~بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج. وهذا من عظيم اقتداره. وفي كلام ~~بعضهم وبحران أحدهما مع الآخر ممروج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج { ~~برزخا } حائلا من قدرته، كقوله تعالى # بغير عمد ترونها # الرعد 2، لقمان 10 يريد بغير عمد مرئية، وهو قدرته. وقرىء «ملح» على ~~فعل. وقيل كأنه حذف من مالح تخفيفا، كما قال وصليانا بردا، يريد ~~باردا. فإن قلت { وحجرا محجورا } ما معناه؟ قلت هي الكلمة التي ~~يقولها المتعوذ وقد فسرناها، وهي ههنا واقعة على سبيل المجاز، كأن كل ~~واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجرا محجورا، كما قال # لا يبغيان # الرحمن 20 أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة، فانتفاء البغي ثمة ~~كالتعوذ ههنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه، فهو يتعوذ ~~منه. وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة. ### || [25.54] # أراد فقسم البشر قسمين ذوي نسب، أي ذكورا ينسب ms1378 إليهم، فيقال فلان بن ~~فلان وفلانة بنت فلانة، وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن، ونحوه قوله ~~تعالى # فجعل منه الزوجين الذكر والانثى # القيامة 39. { وكان ربك قديرا } حيث خلق من النطفة الواحدة ~~بشرا نوعين ذكرا وأنثى. ### || [25.55] # الظهير والمظاهر، كالعوين والمعاون. و «فعيل» بمعنى مفاعل غير عزيز. ~~والمعنى أن الكافر يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك. روي أنها ~~أنزلت في أبي جهل، ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة، كقوله # والملئكة بعد ذلك ظهير # التحريم 4 كما جاء الصديق والخليط، يريد بالكافر الجنس، وأن بعضهم ~~مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله. وقيل معناه وكان الذي يفعل هذا الفعل ~~- وهو عبادة ما لا ينفع ولا يضر - على ربه هينا مهينا، من قولهم ظهرت ~~به، إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه، وهذا نحو قوله # أولئك لا خلق لهم فى الأخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم # آل عمران 77. ### || [25.56-57] # مثال { إلا من شاء } المراد إلا فعل من شاء واستثنائه عن الأجر ~~قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثوابا على ما سعيت ~~إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه. فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب، ~~ولكن صوره هو بصورة الثواب وسماه باسمه، فأفاد فائدتين، إحداهما قلع ~~شبهة الطمع في الثواب من أصله، كأنه يقول لك إن كان حفظك لمالك ثوابا ~~فإني أطلب الثواب، والثانية إظهار الشفقة البالغة وأنك إن حفظت مالك ~~اعتد بحفظك ثوابا ورضي به كما يرضى المثاب بالثواب. ولعمري إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان مع المبعوث إليهم بهذا الصدد وفوقه. ومعنى ~~اتخاذهم إلى الله سبيلا تقربهم إليه وطلبهم عنده الزلفى بالإيمان ~~والطاعة. وقيل المراد التقرب بالصدقة والنفقة في سبيل الله. ### || [25.58] # أمره بأن يثق به ويسند أمره إليه في استكفاء شرورهم، مع التمسك بقاعدة ~~التوكل وأساس الالتجاء وهو طاعته وعبادته وتنزيهه وتحميده، وعرفه أن ~~الحي الذي لا يموت، حقيق بأن يتوكل عليه وحده ولا يتكل على غيره من ~~الأحياء الذين يموتون. ms1379 وعن بعض السلف أنه قرأها فقال لا يصح لذي عقل أن ~~يثق بعدها بمخلوق، ثم أراه أن ليس إليه من أمر عباده شيء. آمنوا أم ~~كفروا، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم. ### || [25.59] # { في ستة أيام } يعني في مدة مقدارها هذه المدة، لأنه لم يكن ~~حينئذ نهار ولا ليل، وقيل ستة أيام من أيام الآخرة، وكل يوم ألف سنة. ~~والظاهر أنها من أيام الدنيا. وعن مجاهد أولها يوم الأحد، وآخرها يوم ~~الجمعة. ووجهه أن يسمي الله لملائكته تلك الأيام المقدرة بهذه الأسماء ~~فلما خلق الشمس وأدارها وترتب أمر العالم على ما هو عليه، جرت التسمية ~~على هذه الأيام. وأما الداعي إلى هذا العدد أعني الستة دون سائر ~~الأعداد فلا نشك أنه داعي حكمة لعلمنا أنه لا يقدر تقديرا إلا ~~بداعي حكمة، وإن كنا لا نطلع عليه ولا نهتدي إلى معرفته. ومن ذلك تقدير ~~الملائكة الذين هم أصحاب النار تسعة عشر، وحملة العرش ثمانية، والشهور ~~أثني عشر، والسموات سبعا والأرض كذلك، والصلوات خمسا، وأعداد النصب ~~والحدود والكفارات وغير ذلك. والإقرار بدواعي الحكمة في جميع أفعاله، ~~وبأن ما قدره حق وصواب هو الإيمان. وقد نص عليه في قوله # وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن ~~الذين أوتوا الكتب ويزداد الذين ءامنوا ~~إيمنا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ~~والكفرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا # المدثر 31 ثم قال # وما يعلم جنود ربك إلا هو # المدثر31 وهو الجواب أيضا في أن لم يخلقها في لحظة، وهو قادر على ذلك. ~~وعن سعيد بن جبير رضي الله عنهما. إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على ~~أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبت. وقيل اجتمع خلقها يوم ~~الجمعة فجعله الله عيدا للمسلمين. الذي خلق مبتدأ. و { الرحمن } ~~خبره. أو صفة للحي، والرحمن خبر مبتدأ محذوف. أو بدل عن المستتر في ~~استوى. وقرىء «الرحمن» بالجر صفة للحي. وقرىء «فسل» والباء في به ms1380 صلة ~~سل، كقوله تعالى # سأل سائل بعذاب واقع # المعارج 1 كما تكون عن صلته في نحو قوله # ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم # التكاثر 8 فسأل به كقوله اهتم به، واعتني به، واشتغل به. وسأل عنه ~~كقولك بحث عنه فتش عنه، ونقر عنه. أو صلة خبيرا وتجعل خبيرا مفعول سل، ~~يريد فسل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو فسل رجلا خبيرا به ~~وبرحمته. أو فسل بسؤاله خبيرا كقولك رأيت به أسدا، أي برؤيته، والمعنى ~~إن سألته وجدته خبيرا. أو تجعله حالا عن الهاء، تريد فسل عنه عالما ~~بكل شيء. وقيل الرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكتب المتقدمة، ولم ~~يكونوا يعرفونه فقيل فسل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب، حتى يعرف من ~~ينكره. ومن ثمة كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة، يعنون ~~مسيلمة. وكان يقال له رحمن اليمامة. ### || [25.60] # { وما الرحمن } يجوز أن يكون سؤالا عن المسمى به لأنهم ما ~~كانوا يعرفونه بهذا الاسم والسؤال عن المجهول ب «ما». ويجوز أن يكون ~~سؤالا عن معناه، لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم كما استعمل الرحيم ~~والرحوم والراحم. أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله تعالى { لما ~~تأمرنا } أي للذي تأمرناه، بمعنى تأمرنا سجوده على قوله أمرتك ~~الخير. أو لأمرك لنا. وقرىء بالياء، كأن بعضهم قال لبعض أنسجد لما يأمرنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو. وفي ~~{ زادهم } ضمير { اسجدوا للرحمن } لأنه هو المقول. ### || [25.61] # البروج منازل الكواكب السبعة السيارة الحمل، والثور، والجوزاء، ~~والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، ~~والحوت وسميت بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب ~~كالمنازل لسكانها. واشتقاق البرج من التبرج لظهوره. والسراج الشمس كقوله ~~تعالى # وجعل الشمس سراجا # نوح 16 وقرىء «سرجا» وهي الشمس والكواكب الكبار معها. وقرأ الحسن ~~والأعمش «وقمرا منيرا» وهي جمع ليلة قمراء، كأنه قال وذا قمر منيرا ~~لأن الليالي تكون قمرا بالقمر، فأضافه إليها. ونظيره في بقاء حكم ~~المضاف بعد سقوطه وقيام ms1381 المضاف إليه مقامه قول حسان # بردى يصفق بالرحيق السلسل # يريد ماء بردى، ولا يبعد أن يكون القمر بمعنى القمر كالرشد والرشد، ~~والعرب والعرب. ### || [25.62] # الخلفة من خلف، كالركبة من ركب. وهي الحالة التي يخلف عليها الليل ~~والنهار كل واحد منهما الآخر. والمعنى جعلهما ذوي خلفة، أي ذوي عقبة، أي ~~يعقب هذا ذاك وذاك هذا. ويقال الليل والنهار يختلفان، كما يقال يعتقبان. ~~ومنه قوله # واختلف اليل والنهار # البقرة 164، آل عمران 190، الجاثية 5 ويقال بفلان خلفة واختلاف. إذا ~~اختلف كثيرا إلى متبرزه. وقرىء «يذكر» و «يذكر». وعن أبي بن كعب رضي ~~الله عنه يتذكر. والمعنى لينظر في اختلافهما الناظر، فيعلم أن لا بد ~~لانتقالهما من حال إلى حال، وتغيرهما من ناقل و مغير. ويستدل بذلك على ~~عظم قدرته، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف ~~بالنهار، كما قال عز وعلا # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # القصص 73 أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين، من فاته في أحدهما ورده ~~من العبادة قام به في الآخر. وعن الحسن رضي الله عنه من فاته عمله من ~~التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب. ومن فاته بالليل كان له ~~في النهار مستعتب. ### || [25.63] # { وعباد الرحمن } مبتدأ خبره في آخر السورة، كأنه قيل وعباد ~~الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة. ويجوز أن يكون خبره { ~~الذين يمشون } وأضافهم إلى الرحمن تخصيصا وتفضيلا. وقرىء ~~«وعباد الرحمن» وقرىء «يمشون» { هونا } حال، أو صفة للمشي، بمعنى ~~هينين. أو مشيا هينا إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة. والهون ~~الرفق واللين. ومنه الحديث 778 # " أحبب حبيبك هونا ما " # وقوله 879 # " المؤمنون هينون لينون " # والمثل إذا عز أخوك فهن. ومعناه إذا عاسر فياسر. والمعنى أنهم يمشون ~~بسكينة ووقار وتواضع، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا ~~وبطرا، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله # ويمشون فى الاسواق # الفرقان 20. { سلاما } تسلما منكم لانجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ~~ولا شر، أي نتسلم منكم تسلما، ms1382 فأقيم السلام مقام التسلم. وقيل قالوا ~~سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء، والإثم. والمراد بالجهل السفه ~~وقلة الأدب وسوء الرعة، من قوله # ألا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل ~~الجاهلينا # وعن أبي العالية نسختها آية القتال، ولا حاجة إلى ذلك، لأن الإغضاء عن ~~السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض ~~والورع. ### || [25.64] # البيتوتة خلاف الظلول، وهو أن يدركك الليل، نمت أو لم تنم، وقالوا من ~~قرأ شيئا من القرآن في صلاته وإن قل فقد بات ساجدا وقائما. وقيل هما ~~الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء، والظاهر أنه وصف لهم بإحياء ~~الليل أو بأكثره. يقال فلان يظل صائما ويبيت قائما. ### || [25.65-66] # { غراما } هلاكا وخسرانا ملحا لازما قال # ويوم النسار ويوم الجفا ركانا عذابا وكانا ~~غراما # وقال # إن يعاقب يكن غراما وإن يع ط جزيلا فإنه ~~لا يبالي # ومنه الغريم لإلحاحه ولزامه. وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم ~~عقبه بذكر دعوتهم هذه، إيذانا بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى ~~الله تعالى في صرف العذاب عنهم، كقوله تعالى # والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة # المؤمنون 60. { ساءت } في حكم «بئست»، وفيها ضمير مبهم يفسره ~~مستقرا، والمخصوص بالذم محذوف، معناه ساءت مستقرا ومقاما هي. وهذا ~~الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبرا لها. ويجوز أن يكون { ~~ساءت } بمعنى أحزنت. وفيها ضمير اسم إن. و { مستقرا } حال أو ~~تمييز، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين، وأن يكونا من كلام ~~الله وحكاية لقولهم. ### || [25.67] # قرىء «يقتروا» بكسر التاء وضمها. و «يقتروا»، بتخفيف التاء وتشديدها. ~~والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف. والإسراف مجاوزة ~~الحد في النفقة. ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير. وبمثله أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط # الإسراء 29 وقيل الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، فأما في القرب فلا ~~إسراف. وسمع رجل رجلا يقول لا خير في الإسراف. فقال لا إسراف في الخير، ~~وعن عمر ms1383 بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه شكر عبد الملك بن مروان حين ~~زوجه ابنته وأحسن إليه، فقال وصلت الرحم وفعلت وصنعت، وجاء بكلام حسن، ~~فقال ابن لعبد الملك إنما هو كلام أعده لهذا المقام،فسكت عبدالملك فلما ~~كان بعد أيام دخل عليه والابن حاضر، فسأله عن نفقته وأحواله فقال الحسنة ~~بين السيئتين، فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية فقال لابنه يا ~~بني، أهذا مما أعده؟ وقيل أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا ~~لايأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة، ولكن ~~كانوا يأكلون ما يسد جوعتهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر ~~عوراتهم ويكنهم من الحر والقر، وقال عمر رضي الله عنه كفى سرفا أن لا ~~يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله. والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة ~~الطرفين واعتدالهما. ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء. ~~وقرىء «قواما» بالكسر، وهو ما يقام به الشيء. يقال أنت قوامنا، بمعنى ما ~~تقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص، والمنصوبان أعني { بين ذلك ~~قواما } جائز أن يكونا خبرين معا، وأن يحتمل بين ذلك لغوا، وقواما ~~مستقرا. وأن يكون الظرف خبرا، وقواما حالا مؤكدة. وأجاز الفراء أن ~~يكون { بين ذلك } اسم كان، على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، ~~كقوله # لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت # وهو من جهة الإعراب لا بأس به، ولكن المعنى ليس بقوي لأن ما بين ~~الإسراف والتقتير قوام لا محالة، فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة ~~فائدة. ### || [25.68-70] # { حرم الله } أي حرمها. والمعنى حرم قتلها. و { إلا ~~بالحق } متعلق بهذا القتل المحذوف. أوب «لا يقتلون»، ونفي هذه ~~المقبحات العظام على الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين، للتعريض ~~بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم، كأنه قيل والذين برأهم الله ~~وطهرهم مما أنتم عليه. والقتل بغير الحق يدخل فيه الوأد وغيره. وعن ابن ~~مسعود رضي الله عنه 780 قلت يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال # " أن تجعل لله ms1384 ندا هو خلقك " # قلت ثم أي؟ قال # " أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك " # قلت ثم أي؟ وقال # " أن تزاني حليلة جارك " # فأنزل الله تصديقه. وقرىء «يلق فيه أثاما». وقرىء «يلقى» بإثبات الألف، ~~وقد مر مثله. والآثام جزاء الإثم، بوزن الوبال والنكال ومعناهما، قال # جزي الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق ~~له أثام # وقيل هو الإثم. ومعناه يلق جزاء أثام. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه ~~«أياما»، أي شدائد. يقال يوم ذو أيام لليوم العصيب. { يضعف } بدل ~~من يلق لأنهما في معنى واحد. كقوله # متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ~~ونارا تأججا # وقرىء «يضعف»، و «نضعف له العذاب»، بالنون ونصب العذاب. وقرىء بالرفع ~~على الاستئناف أو على الحال، وكذلك { ويخلد } وقرىء «ويخلد»، على ~~البناء للمفعول مخففا ومثقلا، من الإخلاد والتخليد. وقرىء «وتخلد»، ~~بالتاء على الالتفات { يبدل } مخفف ومثقل، وكذلك سيئاتهم. فإن قلت ~~ما معنى مضاعفة العذاب وإبدال السيئات حسنات؟ قلت إذا ارتكب المشرك معاصي ~~مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعا، فتضاعف العقوبة لمضاعفة ~~المعاقب عليه. وإبدال السيئات حسنات أنه يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها ~~الحسنات الإيمان، والطاعة، والتقوى. وقيل يبدلهم بالشرك إيمانا. وبقتل ~~المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا. ### || [25.71] # يريد ومن يترك المعاصي ويندم عليها ويدخل في العمل الصالح فإنه بذلك ~~تائب إلى الله { متابا } مرضيا عنده مكفرا للخطايا محصلا للثواب. أو ~~فإنه تائب متابا إلى الله الذي يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يستوجبون، ~~والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين. وفي كلام بعض العرب لله أفرح بتوبة ~~العبد من المضل الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد. أو فإنه يرجع ~~إلى الله وإلى ثوابه مرجعا حسنا وأي مرجع. ### || [25.72] # يحتمل أنهم ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يحضرونها ولا ~~يقربونها، تنزها عن مخالطة الشر وأهله، وصيانة لدينهم عما يثلمه لأن ~~مشاهدة الباطل شركة فيه، ولذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه ~~الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، ms1385 ~~وسبب وجوده، والزيادة فيه لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ~~ورغبتهم في النظر إليه، وفي مواعظ عيسى بن مريم عليه السلام إياكم ~~ومجالسه الخطائين. ويحتمل أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه. وعن قتادة مجالس الباطل. وعن ابن الحنفية اللهو ~~والغناء. وعن مجاهد أعياد المشركين. { وإذامروا باللغو ~~مروا كراما } اللغو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح. والمعنى وإذا مروا ~~بأهل اللغو والمشتغلين به. مروا معرضين عنهم، مكرمين أنفسهم عن التوقف ~~عليهم والخوض معهم، كقوله تعالى # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا ~~أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم لا ~~نبتغى الجهلين # القصص 55 وعن الحسن رضي الله عنه لم تسفههم المعاصي. وقيل إذا سمعوا من ~~الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا. وقيل إذا ذكروا النكاح كنوا عنه. ### || [25.73] # { لم يخروا عليها } ليس بنفي للخرور. وإنما هو إثبات له، ~~ونفي للصمم والعمى، كما تقول لا يلقاني زيد مسلما، هو نفي للسلام لا ~~للقاء. والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها. ~~وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها، سامعون بآذان واعية، ~~مبصرون بعيون راعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على ~~من يذكر بها، مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم العميان حيث ~~لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها كالمنافقين وأشباههم. ### || [25.74] # قرىء ذريتنا و«ذرياتنا» و«قرة أعين»، و «قرات أعين». سألوا ربهم أن ~~يرزقهم أزواجا وأعقابا عمالا لله، يسرون بمكانهم، وتقر بهم عيونهم. ~~وعن محمد بن كعب ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده ~~مطيعين لله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الولد إذا رآه يكتب الفقه. ~~وقيل سألوا أن يلحق الله بهم أزواجهم وذريتهم في الجنة ليتم لهم ~~سرورهمواجعلنا للمتقين إماما. أراد أئمة، فاكتفى بالواحد لدلالته على ~~الجنس ولعدم اللبس، كقوله تعالى # ثم يخرجكم طفلا # غافر 67 أو أرادوا اجعل كل واحد منا إماما. أو أراد جمع آم، كصائم ~~وصيام. أو أرادوا اجعلنا إماما واحدا لاتحادنا واتفاق ms1386 كلمتنا. وعن ~~بعضهم في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها. ~~وقيل نزلت هذه الآيات في العشرة المبشرين بالجنة. فإن قلت { من } في ~~قوله { من أزوجنا } ما هي؟ قلت يحتمل أن تكون بيانية كأنه قيل هب ~~لنا قرة أعين، ثم بينت القرة وفسرت بقوله من أزواجنا وذرياتنا. ومعناه ~~أن يجعلهم الله لهم قرة أعين، وهو من قولهم رأيت منك أسدا، أي أنت أسد ~~وأن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة ~~وصلاح. فإن قلت لم قال { قرة أعين } فنكر وقلل؟ قلت أما التنكير ~~فلأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف ~~إليه، كأنه قيل هب لنا منهم سرورا وفرحا. وإنما قيل { أعين } دون ~~عيون لأنه أراد أعين المتقين. وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم. قال ~~الله تعالى # وقليل من عبادى الشكور # سبأ 13، ويجوز أن يقال في تنكير { أعين } أنها أعين خاصة وهي أعين ~~المتقين. ### || [25.75-76] # المراد يجزون الغرفات وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصارا على الواحد ~~الدال على الجنس، والدليل على ذلك قوله # وهم فى الغرفت ءامنون # سبأ 37 وقراءة من قرأ في الغرفة { بما صبروا } بصبرهم على ~~الطاعات، وعن الشهوات، وعن أذى الكفار ومجاهدتهم، وعلى الفقر وغير ذلك. ~~وإطلاقه لأجل الشياع في كل مصبور عليه. ويلقون وقرىء «يلقون» كقوله تعالى # ولقهم نضرة وسرورا # الإنسان 11 ويلقون، كقوله تعالى # يلق أثاما # الفرقان 68. والتحية دعاء بالتعمير. والسلام دعاء بالسلامة، يعني أن ~~الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم. أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه أو ~~يعطون التبقية والتخليد مع السلامة عن كل آفة. اللهم وفقنا لطاعتك، ~~واجعلنا مع أهل رحمتك، وارزقنا مما ترزقهم في دار رضوانك. ### || [25.77] # لما وصف عبادة العباد، وعدد صالحاتهم وحسناتهم، وأثنى عليهم من أجلها، ~~ووعدهم الرفع من درجاتهم في الجنة أتبع ذلك بيان أنه إنما اكترث لأولئك ~~وعبأ بهم وأعلى ذكرهم ووعدهم ما وعدهم، لأجل عبادتهم، فأمر رسوله أن ~~يصرح للناس، ويجزم لهم ms1387 القول بأن الاكتراث لهم عند ربهم، إنما هو ~~للعبادة وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث لهم البتة ولم يعتد ~~بهم ولم يكونوا عنده شيء يبالي به. والدعاء العبادة. و { ما } متضمنة ~~لمعنى الاستفهام، وهي في محل النصب، وهي عبارة عن المصدر، كأنه قيل وأي ~~عبء يعبأ بكم لولا دعاؤكم. يعني أنكم لا تستأهلون شيئا من العبء بكم ~~لولا عبادتكم. وحقيقة قولهم ما عبأت به ما اعتددت به من فوادح همومي ومما ~~يكون عبئا علي، كما تقول ما اكترثت له، أي ما اعتددت به من كوارثي ومما ~~يهمني. وقال الزجاج في تأويل { ما يعبؤا بكم ربى } أي وزن يكون ~~لكم عنده؟ ويجوز أن تكون { ما } نافيه، ويجوز أن تكون { ما } نافية، { ~~فقد كذبتم } يقول إذا أعلمتكم أن حكمي أني لا أعتد بعبادي إلا ~~عبادتهم، فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي، فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم حتى يكبكم ~~في النار. ونظيره في الكلام أن يقول الملك لمن استعصى عليه إن من عادتي ~~أن أحسن إلى من يطيعني ويتبع أمري، فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب ~~عصيانك. وقيل معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. وقيل ~~ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، فإن قلت إلى من يتوجه هذا الخطاب؟ ~~قلت إلى الناس على الإطلاق، ومنهم مؤمنون عابدون ومكذبون عاصون، فخوطبوا ~~بما وجدوا في جنسهم من العبادة والتكذيب. وقرىء «فقد كذب الكافرون» وقيل ~~يكون العذاب لزاما. وعن مجاهد رضي الله عنه هو القتل يوم بدر، أنه لوزم ~~بين القتلى لزاما. وقرىء «لزاما» بالفتح بمعنى اللزوم، كالثبات ~~والثبوت. والوجه أن ترك اسم كان غير منطوق به بعدما علم أنه مما توعد به، ~~لأجل الابهام وتناول ما لا يكتنهه الوصف، والله أعلم بالصواب. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 781 # " من قرأ سورة الفرقان لقي الله يوم القيامة وهو مؤمن بأن الساعة آتية ~~لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب ". ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-2] # { طسم } بتفخيم الألف وإمالتها، وإظهار النون، ms1388 وإدغامها { الكتب ~~المبين } الظاهر إعجازه، وصحة أنه من عند الله، والمراد به السورة أو ~~القرآن، والمعنى آيات هذا المؤلف من الحروف المبسوطة تلك آيات الكتاب ~~المبين. ### || [26.3] # البخع أي يبلغ بالذبح البخاع بالباء، وهو عرق مستبطن الفقار، وذلك أقصى ~~حد الذبح ولعل للإشفاق، يعني أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك ~~من إسلام قومك { ألا يكونوا مؤمنين } لئلا يؤمنوا، أو ~~لامتناع إيمانهم، أو خفية أن لا يؤمنوا. وعن قتادة رضي الله عنه باخع ~~نفسك على الإضافة. ### || [26.4] # أراد آية ملجئة إلى الإيمان قاصرة عليه. { فظلت } معطوف على الجزاء ~~الذي هو ننزل، لأنه لو قيل أنزلنا، لكان صحيحا. ونظيره فأصدق وأكن، كأنه ~~قيل أصدق. وقد قرىء «لو شئنا لأنزلنا». وقرىء «فتظل أعناقهم» فإن قلت كيف ~~صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق قلت أصل الكلام فظلوا لها خاضعين، ~~فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله، كقوله ذهبت أهل ~~اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. أو لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء، ~~قيل خاضعين، كقوله تعالى # لى ساجدين # يوسف 4. وقيل أعناق الناس رؤسائهم ومقدموهم، شبهوا بالأعناق كما قيل ~~لهم هم الرؤوس والنواصي والصدور. قال # في محفل من نواصي الناس مشهود # وقيل جماعات الناس. يقال جاءنا عنق من الناس لفوج منهم. وقرىء «فظلت ~~أعناقهم لها خاضعة». وعن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت هذه الآية فينا ~~وفي بني أمية. قال ستكون لنا عليهم الدولة، فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة، ~~ويلحقهم هوان بعد عزة. ### || [26.5-6] # أي وما يجدد لهم الله بوحيه موعظة وتذكيرا، إلا جددوا إعراضا عنه ~~وكفرا به. فإن قلت كيف خولف بين الألفاظ والغرض واحد، وهي الأعراض ~~والتكذيب والاستهزاء؟ قلت إنما خولف بينها لاختلاف الإعراض، كأنه قيل حين ~~أعرضوا عن الذكر فقد كذبوا به، وحين كذبوا به فقد خف عندهم قدره وصار ~~عرضة للاستهزاء والسخرية لأن من كان قابلا للحق مقبلا عليه، كان ~~مصدقا به لا محالة ولم يظن به التكذيب. ومن كان مصدقا به، كان موقرا ~~له { فسيأتيهم } وعيد ms1389 لهم وإنذار بأنهم سيعلمون إذا مسهم عذاب ~~الله يوم بدر أو يوم القيامة { ما } الشيء الذي كانوا يستهزءون به وهو ~~القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم. ### || [26.7-9] # وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم، والكريم صفة لكل ما يرضي ويحمد ~~في بابه، يقال وجه كريم، إذا رضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم مرضي في ~~معانيه وفوائده، وقال # حتى يشق الصفوف من كرمه # أي من كونه مرضيا في شجاعته وبأسه. والنبات الكريم المرضي فيما يتعلق ~~به من المنافع { إن فى } إنبات تلك الأصناف { لآية } على أن منبتها ~~قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله أن أكثرهم مطبوع على قلوبهم، غير ~~مرجو إيمانهم { وإن ربك لهو العزيز } في انتقامه من ~~الكفرة { الرحيم } لمن تاب وآمن وعمل صالحا. فإن قلت ما معنى الجمع ~~بين كم وكل، ولو قيل كم أنبتنا فيها من زوج كريم؟ قلت قد دل { كل } ~~على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و { كم } على أن هذا ~~المحيط متكاثر مفرط الكثرة، فهذا معنى الجمع بينهما، وبه نبه على كمال ~~قدرته. فإن قلت فما معنى وصف الزوج بالكريم؟ قلت يحتمل معنيين، أحدهما أن ~~النبات على نوعين نافع وضار، فذكر كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف ~~النبات النافع، وخلى ذكر الضار. والثاني أن يعم جميع النبات نافعه ~~وضاره. ويصفهما جميعا بالكرم وينبه على أنه ما أنبت شيئا إلا وفيه ~~فائدة، لأن الحكيم لا يفعل فعلا إلا لغرض صحيح ولحكمة بالغة، وإن غفل ~~عنها الغافلون، ولم يتوصل إلى معرفتها العاقلون. فإن قلت فحين ذكر ~~الأزواج ودل عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكانت بحيث لا يحصيها إلا ~~عالم الغيب، كيف قال { إن فى ذلك لآية } وهلا قال آيات؟ قلت فيه ~~وجهان أن يكون ذلك مشارا به إلى مصدر أنبتنا، فكأنه قال إن في الإنبات ~~لآية أي آية. وأن يراد أن في كل واحدة من تلك الأزواج لآية. وقد سبقت ~~لهذا الوجه نظائر. ### || [26.10-11] # سجل عليهم بالظلم بأن قدم القوم الظالمين، ثم ms1390 عطفهم عليهم عطف البيان، ~~كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون وكأنهما عبارتان تعتقبان على ~~مؤدى واحد إن شاء ذاكرهم عبر عنهم بالقوم الظالمين، وإن شاء عبر بقوم ~~فرعون. وقد استحقوا هذا الاسم من جهتين من جهة ظلمهم أنفسهم بالكفر ~~وشرارتهم، ومن جهة ظلمهم لبني إسرائيل باستعبادهم لهم. قرىء «ألا يتقون» ~~بكسر النون، بمعنى ألا يتقونني فحذفت النون لاجتماع النونين، والياء ~~للاكتفاء بالكسرة. فإن قلت بما تعلق قوله ألا يتقون؟ قلت هو كلام مستأنف ~~أتبعه عز وجل إرساله إليهم للإنذار، والتسجيل عليهم بالظلم. تعجيبا ~~لموسى من حالهم التي شنعت في الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم ~~وحذرهم من أيام الله. ويحتمل أن يكون { ألا يتقون } حالا من ~~الضمير في الظالمين، أي يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة ~~الإنكار على الحال. وأما من قرأ ألا تتقون. على الخطاب. فعلى طريقة ~~الالتفات إليهم، وجبههم، وضرب وجوههم بالإنكار، والغضب عليهم، كما ترى من ~~يشكو من ركب جناية إلى بعض أخصائه والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية ~~وحر مزاجه وحمى غضبه قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنف به ~~ويقول له ألم تتق الله،ألم تستح من الناس. فإن قلت فما فائدة هذا ~~الإلتفات، والخطاب مع موسى عليه الصلاة والسلام في وقت المناجاة، ~~والملتفت إليهم غيب لا يشعرون؟ قلت إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في ~~معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغه ومنهيه وناشره بين ~~الناس، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية أنزلت في شأن ~~الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين، تدبرا لها واعتبارا بموردها. وفي { ~~ألا يتقون } بالياء وكسر النون وجه آخر، وهو أن يكون المعنى ألا يا ~~ناس اتقون، كقوله # ألا يسجدوا # النمل 25 ### || [26.12-13] # ويضيق وينطلق، بالرفع لأنهما معطوفان على خبر إن، وبالنصب لعطفهما على ~~صلة أن. والفرق بينهما في المعنى أن الرفع يفيد أن فيه ثلاث علل خوف ~~التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصب على أن خوفه متعلق ~~بهذه الثلاثة. فإن قلت ms1391 في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جملتها ~~نفي انطلاق اللسان. وحقيقة الخوف إنما هي غم يلحق الإنسان لأمر سيقع، ~~وذلك كان واقعا، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت قد علق الخوف بتكذيبهم ~~وبما يحصل له بسببه من ضيق الصدر،والحبسة في اللسان زائدة على ما كان به، ~~على أن تلك الحبسة التي كانت به قد زالت بدعوته. وقيل بقيت منها بقية ~~يسيرة. فإن قلت أعتذارك هذا يرده الرفع، لأن المعنى إني خائف ضيق الصدر ~~غير منطلق اللسان. قلت يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها، ويجوز أن ~~يريد القدر اليسير الذي بقي به، ويجوز أن لا يكون مع حل العقدة من لسانه ~~من الفصحاء المصاقع الذين أوتوا سلاطة الألسنة وبسطة المقال، وهارون كان ~~بتلك الصفة، فأراد أن يقرن به. ويدل عليه قوله تعالى # وأخى هرون هو أفصح منى لسانا # القصص 34 ومعنى { فأرسل إلى هرون } أرسل إليه جبريل، ~~واجعله نبيا، وآزرني به، واشدد به عضدي، وهذا كلام مختصر. وقد بسطه في ~~غير هذا الموضع، وقد أحسن في الاختصار حيث قال { فأرسل إلى ~~هرون } فجاء بما يتضمن معنى الاستنباء، ومثله في تقصير الطويلة ~~والحسن قوله تعالى # فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ~~بئايتنا فدمرنهم تدميرا # الفرقان 36 حيث اقتصر على ذكر طرفي القصة أولها وآخرها، وهما الإنذار ~~والتدمير، ودل بذكرهما على ما هو الغرض من القصة الطويلة كلها، وهو أنهم ~~قوم كذبوا بآيات الله، فأراد الله إلزام الحجة عليهم، فبعث إليهم رسولين ~~فكذبوهما، فأهلكهم. فإن قلت كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يأمره الله ~~بأمر فلا يتقبله بسمع وطاعة من غير توقف وتشبث بعلل، وقد علم أن الله من ~~ورائه؟ قلت قد امتثل وتقبل، ولكنه التمس من ربه أن يعضده بأخيه حتى ~~يتعاونا على تنفيذ أمره وتبليغ رسالته، فمهد قبل التماسه عذره فيما ~~التمسه، ثم التمس بعد ذلك، وتمهيد العذر في التماس المعين على تنفيذ ~~الأمر ليس بتوقف في امتثال الأمر،ولا بتعلل فيه وكفى بطلب العون دليلا ~~على التقبل لا على ms1392 التعلل. ### || [26.14] # أراد بالذنب قتله القبطي. وقيل كان خباز فرعون واسمه فاتون. يعني ولهم ~~علي تبعة ذنب، وهي قود ذلك القتل، فأخاف أن يقتلوني به، فحذف المضاف. أو ~~سمي تبعة الذنب ذنبا، كما سمى جزاء السيئة سيئة. فإن قلت قد أبيت أن ~~تكون تلك الثلاث عللا، وجعلتها تمهيدا للعذر فيما التمسه، فما قولك في ~~هذه الرابعة؟ قلت هذه استدفاع للبلية المتوقعة. وفرق من أن يقتل قبل أداء ~~الرسالة، فكيف يكون تعللا. والدليل عليه ما جاء بعده من كلمة الردع، ~~والموعد بالكلاءة والدفع. ### || [26.15-22] # جمع الله له الاستجابتين معا في قوله { كلا فاذهبا } لأنه ~~استدفعه بلاءهم فوعده الدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه الموازرة بأخيه ~~فأجابه بقوله { فاذهبا } أي اذهب أنت والذي طلبته وهو هارون. فإن قلت ~~علام عطف قوله { فاذهبا }؟ قلت على الفعل الذي يدل عليه { كلا } ~~كأنه قيل ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت وهارون. وقوله { معكم ~~مستمعون } من مجاز الكلام، يريد أنا لكما ولعدوكما كالناصر ~~الظهير لكما عليه إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه. فأظهركما ~~وأغلبكما وأكسر شوكته عنكما وأنكسه. ويجوز أن يكونا خبرين لأن، أو يكون ~~{ مستمعون } مستقرا، و { معكم } لغوا. فإن قلت لم جعلت { ~~مستمعون } قرينة { معكم } في كونه من باب المجاز، والله ~~تعالى يوصف على الحقيقة بأنه سميع وسامع؟ قلت ولكن لا يوصف بالمستمع على ~~الحقيقة لأن الاستماع جار مجرى الإصغاء، والاستماع من السمع بمنزلة ~~النظر من الرؤية. ومنه قوله تعالى # قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا ~~إنا سمعنا قرءانا عجبا # الجن 1 ويقال استمع إلى حديثه وسمع حديثه، أي أصغى إليه وأدركه بحاسة ~~السمع. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم 782 # " من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه البرم " # فإن قلت هلا ثنى الرسول كما ثنى في قوله # إنا رسولا ربك # طه 47؟ قلت الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثم بمعنى ~~المرسل فلم يكن بد من تثنيته، وجعل ههنا بمعنى الرسالة فجاز التسوية فيه ms1393 ~~- إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر، ~~نحو صوم، وزور. قال # ألكني إليها وخبر الرسو ل أعلمهم بنواحي ~~الخبر # فجعله للجماعة. والشاهد في الرسول بمعنى الرسالة قوله # لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا ~~أرسلتهم برسول # ويجوز أن يوحد، لأن حكمهما لتساندهما، واتفاقهما على شريعة واحدة، ~~واتحادهما لذلك وللإخوة كان حكما واحدا، فكأنهما رسول واحد. أو أريد ~~أن كل واحد منا { أن أرسل } بمعنى أي أرسل لتضمن الرسول معنى ~~الإرسال. وتقول أرسلت إليك أن أفعل كذا، لما في الإرسال من معنى القول، ~~كما في المناداة والكتابة ونحو ذلك. ومعنى هذا الإرسال التخلية والإطلاق ~~كقولك أرسل البازي، يريد خلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما. ~~ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البواب إن ~~ههنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال ائذن له لعلنا نضحك منه، ~~فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى فقال له { ألم نربك } حذف فأتيا ~~فرعون فقالا له ذلك، لأنه معلوم لا يشتبه. # وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل. الوليد الصبي لقرب عهده من ~~الولادة.«ولبثت فينا من عمرك» وفي رواية عن أبي عمرو من عمرك، بسكون ~~الميم { سنين } قيل مكث عندهم ثلاثين سنة. وقيل وكز القطبي وهو ابن ~~ثنتي عشرة سنة، وفر منهم على أثرها، والله أعلم بصحيح ذلك. وعن الشعبي ~~فعلتك بالكسر، وهي قتلة القبطي، لأنه قتله بالوكزة وهو ضرب من القتل. ~~وأما الفعلة فلأنها كانت وكزة واحدة. عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه ~~مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل خبازه، وعظم ذلك وفظعه بقوله ~~{ وفعلت فعلتك التى فعلت وأنت من الكفرين } ~~يجوز أن يكون حالا،أي قتلته وأنت لذاك من الكافرين بنعمتي. أو أنت إذ ~~ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره لأنه كان يعايشهم ~~بالتقية، فإن الله تعالى عاصم من يريد أن يستنبئه من كل كبيرة ومن بعض ~~الصغائر، فما بال الكفر. ويجوز أن يكون قوله { وأنت من ~~الكفرين ms1394 } حكما عليه بأنه من الكافرين بالنعم، ومن كانت عادته ~~كفران النعم لم يكن قتل خواص المنعم عليه بدعا منه. أو بأنه من الكافرين ~~لفرعون وإلهيته. أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة ~~يعبدونهم، يشهد لذلك قوله تعالى # ويذرك وءالهتك # الأعراف 127 وقرىء «إلهتك»، فأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه ~~وهو { من الضالين } أي الجاهلين. وقراءة ابن مسعود «من الجاهلين»، ~~مفسرة. والمعنى من الفاعلين فعل أولى الجهل والسفه. كما قال يوسف لإخوته # هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جهلون # يوسف 89 أو المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. أو الذاهبين عن ~~الصواب. أو الناسين، من قوله # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى # البقرة 282 وكذب فرعون ودفع الوصف بالكفر عن نفسه، وبرأ ساحته، بأن وضع ~~الضالين موضع الكافرين ربئا بمحل من رشح للنبوة عن تلك الصفة، ثم كر ~~على امتنانه عليه بالتربية، فأبطله من أصله واستأصله من سنخه، وأبى أن ~~يسمى نعمته إلا نقمة. حيث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بني إسرائيل ~~لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه ~~امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت، وتعبيدهم تذليلهم واتخاذهم عبيدا. يقال ~~عبدت الرجل وأعبدته، إذا اتخذته عبدا. قال # علام يعبدني قومي وقد كثرت فيهم أباعر ما ~~شاءوا وعبدان # فإن قلت إذا جواب وجزاء معا، والكلام وقع جوابا لفرعون، فكيف وقع ~~جزاء؟ قلت قول فرعون { وفعلت فعلتك } فيه معنى إنك جازيت نعمتي ~~بما فعلت، فقال له موسى نعم فعلتها مجازيا لك، تسليما لقوله، لأن ~~نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء. فإن قلت لم جمع الضمير ~~في منكم وخفتكم؟ مع إفراده في تمنها وعبدت؟ قلت الخوف والفرار لم يكونا ~~منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله، بدليل قوله # إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك # القصص 20 وأما الامتنان فمنه وحده. وكذلك التعبيد. فإن قلت { تلك } ~~إشارة إلى ماذا،و { أن عبدت } ما محلها من الإعراب؟ قلت ms1395 تلك إشارة ~~إلى خصلة شنعاء مبهمة، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها ومحل { أن عبدت ~~}. الرفع عطف بيان لتلك، ونظيره قوله تعالى # وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء ~~مقطوع # الحجر 66 والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها على. وقال الزجاج ويجوز ~~أن يكون { أن } في موضع نصب، المعنى إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني ~~إسرائيل أي لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم. ### || [26.23] # لما قال له بوابه إن ههنا من يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند ~~دخوله { وما رب العلمين } يريد أي شيء رب العالمين. وهذا ~~السؤال لا يخلو إما أن يريد به أي شيء هو من الأشياء التي شوهدت وعرفت ~~أجناسها، فأجاب بما يستدل به عليه من أفعاله الخاصة، ليعرفه أنه ليس ~~بشيء مما شوهد وعرف من الأجرام والأعراض، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء، # ليس كمثله شىء # الشورى 11 وإما أن يريد به أي شيء هو على الإطلاق، تفتيشا عن حقيقته ~~الخاصة ما هي، فأجابه بأن الذي إليه سبيل وهو الكافي في معرفته معرفة ~~ثباته بصفاته، استدلالا بأفعاله الخاصة على ذلك. وأما التفتيش عن ~~حقيقته الخاصة التي هي فوق فطر العقول، فتفتيش عما لا سبيل إليه، والسائل ~~عنه متعنت غير طالب للحق. والذي يليق بحال فرعون ويدل عليه الكلام أن ~~يكون سؤاله هذا إنكارا لأن يكون للعالمين رب سواه لادعائه الإلهية، فلما ~~أجاب موسى بما أجاب، عجب قومه من جوابه حيث نسب الربوبية إلى غيره، فلما ~~ثنى بتقرير قوله، جننه إلى قومه وطنز به، حيث سماه رسولهم. فلما ثلث ~~بتقرير آخر احتد واحتدم وقال لئن اتخذت إلها غيري. وهذا يدل على صحة ~~هذا الوجه الأخير. ### || [26.24] # فإن قلت كيف قيل { وما بينهما } على التثنية، والمرجوع إليه ~~مجموع؟ قلت أريد وما بين الجنسين، فعل بالمضمر ما فعل بالظاهر من قال # ... في الهيجا جمالين # فإن قلت ما معنى قوله { إن كنتم موقنين } وأين عن فرعون وملئه ~~الإيقان؟ قلت معناه إن كان يرجى منكم ms1396 الإيقان الذي يؤدي إليه النظر ~~الصحيح نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع. أو إن كنتم موقنين بشيء قط فهذا ~~أولى ما توقنون به، لظهوره وإنارة دليله. ### || [26.25-28] # فإن قلت ومن كان حوله؟ قلت أشراف قومه قيل كانوا خمسمائة رجل عليهم ~~الأساور وكانت للملوك خاصة. فإن قلت ذكر السموات والأرض وما بينهما قد ~~استوعب به الخلائق كلها، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق ~~والمغرب؟ قلت قد عمم أولا، ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم. لأن ~~أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه، وما شاهد وعاين من الدلائل ~~على الصانع، والناقل من هيئة إلى هيئة وحال إلى حال من وقت ميلاده إلى ~~وقت وفاته، ثم خصص المشرق والمغرب، لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين ~~وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم في فصول السنة وحساب مستو من أظهر ما ~~استدل به ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليل الله، عن الاحتجاج بالإحياء ~~والإماتة على نمروذ بن كنعان، فبهت الذي كفر. وقرىء «رب المشارق ~~والمغارب». الذي أرسل إليكم بفتح الهمزة. فإن قلت كيف قال أولا { إن ~~كنتم موقنين } وآخرا { إن كنتم تعقلون }؟ قلت لاين ~~أولا، فلما رأى منهم شدة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض ~~الحجج خاشن وعارض إن رسولكم لمجنون، بقوله { إن كنتم تعقلون ~~}. ### || [26.29] # فإن قلت ألم يكن لأسجننك، أخصر من { لاجعلنك من المسجونين ~~} ومؤديا مؤداه؟ قلت أما أخصر فنعم. وأما مؤد مؤداه فلا لأن معناه ~~لأجعلنك واحدا ممن عرفت حالهم في سجوني. وكان من عادته أن يأخذ من يريد ~~سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فردا لا يبصر فيها ولا ~~يسمع، فكأن ذلك أشد من القتل وأشد. ### || [26.30-31] # الواو في قوله { أو لو جئتك } واو الحال دخلت عليها همزة ~~الاستفهام. معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين، أي جائيا بالمعجزة. ~~وفي قوله { إن كنت من الصدقين } أنه لا يأتي بالمعجزة إلا ~~الصادق في دعواه، لأن المعجزة تصديق من الله لمدعي النبوة، ms1397 والحكيم لا ~~يصدق الكاذب. ومن العجب أن مثل فرعون لم يخف عليه هذا، وخفي على ناس من ~~أهل القبلة حيث جوزوا القبيح على الله تعالى حتى لزمهم تصديق الكاذبين ~~بالمعجزات، وتقديره إن كنت من الصادقين في دعواك أتيت به، فحذف الجزاء، ~~لأن الأمر بالإتيان به يدل عليه. ### || [26.32-33] # { ثعبان مبين } ظاهر الثعبانية، لا شيء يشبه الثعبان، كما تكون ~~الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر. وروي أنها انقلبت حية ارتفعت في ~~السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، وجعلت تقول يا موسى، مرني بما ~~شئت. ويقول فرعون أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا { ~~للنظرين } دليل على أن بياضها كان شيئا يجتمع النظارة على النظر ~~إليه، لخروجه عن العادة، وكان بياضا نوريا. روى أن فرعون لما أبصر ~~الآية الأولى قال فهل غيرها؟ فأخرج يده فقال له ما هذه؟ قال يدك فما ~~فيها؟ فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشى الأبصار ويسد ~~الأفق. ### || [26.34-35] # فإن قلت ما العامل في { حوله }؟ قلت هو منصوب نصبين نصب في اللفظ، ~~ونصب في المحل فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف، والعامل في ~~النصب المحلي وهو النصب على الحال قال ولقد تحير فرعون لما أبصر الآيتين، ~~وبقي لا يدري أي طرفيه أطول، حتى ذل عنه ذكر دعوى الإلهية، وحط عن ~~منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه، وانتفخ سحره خوفا وفرقا وبلغت ~~به الاستكانة لقومه الذين هم بزعمه عبيده وهو إلههم أن طفق يؤامرهم ~~ويعترف لهم بما حذر منه وتوقعه وأحس به من جهة موسى عليه السلام وغلبته ~~على ملكه وأرضه، وقوله { إن هذا لسحر عليم } قول باهت ~~إذا غلب ومتمحل إذا لزم { تأمرون } من المؤامرة وهي المشاورة. أو من ~~الأمر الذي هو ضد النهي جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا لما استولى عليه ~~من فرط الدهش والحيرة. وماذا منصوب إما لكونه في معنى المصدر، وإما لأنه ~~مفعول به من قوله أمرتك الخير. ### || [26.36-37] # قرىء «أرجئه وأرجه» بالهمز والتخفيف، وهما لغتان. يقال أرجأته وأرجيته، ~~إذا أخرته. ms1398 ومنه المرجئة، وهم الذين لا يقطعون بوعيد الفساق ويقولون هم ~~مرجئون لأمر الله. والمعنى أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل احبسه ~~{ حشرين } شرطا يحشرون السحرة، وعارضوا قوله إن هذا لساحر، بقولهم ~~بكل سحار، فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصفة المبالغة، ليطامنوا من نفسه ويسكنوا ~~بعض قلقه. وقرأ الأعمش بكل ساحر. ### || [26.38-40] # اليوم المعلوم يوم الزينة. وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقته لهم ~~موسى صلوات الله عليه من يوم الزينة في قوله # موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى # طه 59 والميقات ما وقت به، أي حدد من زمان أو مكان. ومنه مواقيت الإحرام ~~{ هل أنتم مجتمعون } استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه ~~استعجالهم واستحثاثهم، كما يقول الرجل لغلامه هل أنت منطلق إذا أراد أن ~~يحرك منه ويحثه على الانطلاق، كأنما يخيل له أن أن الناس قد انطلقوا وهو ~~واقف. ومنه قول تأبط شرا # هل أنت باعث دينار لحاجتنا أو عبد رب أخا ~~عون بن مخراق # يريد ابعثه إلينا سريعا ولا تبطىء به { لعلنا نتبع ~~السحرة } أي في دينهم إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه. وليس ~~غرضهم باتباع السحرة، وإنما الغرض الكلي أن لا يتبعوا موسى، فساقوا ~~الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يكونوا متبعين لموسى عليه ~~السلام. ### || [26.41-42] # وقرىء «نعم» بالكسر، وهما لغتان. ولما كان قوله { أإن لنا ~~لاجرا } في معنى جزاء الشرط، لدلالته عليه، وكان قوله { وإنكم ~~إذا لمن المقربين } معطوفا عليه ومدخلا في حكمه، دخلت ~~إذا قارة في مكانها الذي تقتضيه من الجواب والجزاء، وعدهم أن يجمع لهم ~~إلى الثواب على سحرهم الذي قدروا أنهم يغلبون به موسى القربة عنده ~~والزلفى. ### || [26.43-44] # أقسموا بعزة فرعون وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله، ولا ~~يصح في الإسلام إلا الحلف بالله معلقا ببعض أسمائه أو صفاته، كقولك ~~بالله، والرحمن، وربي، ورب العرش، وعزة الله، وقدرة الله، وجلال الله، ~~وعظمة الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 783 # " لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت، ~~ولا ms1399 تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم ~~صادقون " # ولقد استحدث الناس في هذا الباب في إسلامهم جاهلية نسيت لها الجاهلية ~~الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله كلها وصفاته على شيء ~~لم يقبل منه، ولم يعتد بها حتى يقسم برأس سلطانه، فإذا أقسم به فتلك ~~عندهم جهد اليمين التي ليس وراءها حلف لحالف. ### || [26.45-48] # { ما يأفكون } ما يقلبونه عن وجهه وحقيقته بسحرهم وكيدهم، ~~ويزورونه فيخيلون في حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى، بالتمويه على ~~الناظرين أو إفكهم سمى تلك الأشياء إفكا مبالغة. روي أنهم قالوا إن يك ~~ما جاء به موسى سحرا فلن يغلب، وإن كان من عند الله فلن يخفى علينا، ~~فلما قذف عصاه فتلقفت ما أتوا به، علموا أنه من الله فآمنوا. وعن عكرمة ~~رضي الله عنه أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء. وإنما عبر عن الخرور بالإلقاء، ~~لأنه ذكر مع الإلقاآت، فسلك به طريق المشاكلة. وفيه أيضا مع مراعاة ~~المشاكلة أنهم حين رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ~~ساجدين، كأنهم أخذوا فطرحوا طرحا. فإن قلت فاعل الإلقاء ما هو لو صرح ~~به؟ قلت هو الله عز وجل بما خولهم من التوفيق. أو إيمانهم. أو ما ~~عاينوا من المعجزات الباهرة، ولك أن لا تقدر فاعلا لأن { ألقوا } ~~بمعنى خروا وسقطوا { رب موسى وهرون } عطف بيان لرب ~~العالمين، لأن فرعون لعنة الله عليه كان يدعي الربوبية، فأرادوا أن ~~يعزلوه. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام أنه الذي يدعو إليه هذان، ~~والذي أجرى على أيديهما ما أجرى. ### || [26.49] # { فلسوف تعلمون } أي وبال ما فعلتم. ### || [26.50-51] # الضر والضير والضور واحد، أرادوا لا ضرر علينا في ذلك، بل لنا فيه أعظم ~~النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله، من تكفير الخطايا والثواب ~~العظيم، مع الأعواض الكثيرة. أو لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل ~~أنه لا بد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت. والقتل أهون ~~أسبابه وأرجاها. أو لا ضير علينا في ms1400 قتلك، إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ~~ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ويرجو رحمته، لما رزقنا من السبق إلى ~~الإيمان وخبر { لا } محذوف. والمعنى لا ضير في ذلك، أو علينا { أن ~~كنا } معناه لأن كنا، وكانوا أول جماعة مؤمنين من أهل زمانهم، أو من ~~رعية فرعون، أو من أهل المشهد. وقرىء «إن كنا» بالكسر وهو من الشرط الذي ~~يجيء به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم أول ~~المؤمنين. ونظيره قول العامل لمن يؤخر جعله إن كنت عملت لك فوفني حقي ~~ومنه قوله تعالى # إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى وابتغاء مرضاتى # الممتحنة 1 مع علمه أنهم لم يخرجوا إلا لذلك. ### || [26.52-56] # قرىء «أسر»، بقطع الهمزة ووصلها. وسر { إنكم متبعون } علل ~~الأمر بالإسراع باتباع فرعون وجنوده آثارهم. والمعنى أني بنيت تدبير ~~أمركم وأمرهم على أن تتقدموا ويتبعوكم، حتى يدخلوا مدخلكم، ويسلكوا ~~مسلككم من طريق البحر، فأطبقه عليهم فأهلكهم. وروي أنه مات في تلك الليلة ~~في كل بيت من بيوتهم ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه، وروي أن ~~الله أوحى إلى موسى أن أجمع بني إسرائيل، كل أربعة أبيات في بيت، ثم ~~اذبحوا الجداء. واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة، أن لا ~~يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط، واخبزوا خبزا ~~فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري، ~~فأرسل فرعون في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور، مع كل ملك ألف، ~~وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى ~~رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضى الله عنهما خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى ~~الإناث، فلذلك استقل قوم موسى عليه السلام وكانوا ستمائة ألف وسبعين ~~ألفا، وسماهم شرذمة قليلين { إن هؤلآء } محكي بعد قول مضمر. ~~والشرذمة الطائفة القليلة. ومنها قولهم ثوب شراذم، للذي بلي وتقطع قطعا، ~~ذكرهم بالاسم الدال على القلة. ثم جعلهم قليلا بالوصف، ثم جمع القليل ~~فجعل كل حزب منهم قليلا، ms1401 واختار جمع السلامة الذي هو للقلة، وقد يجمع ~~القليل على أقله وقلل. ويجوز أن يريد بالقلة الذلة والقماءة، ولا يريد ~~قلة العدد. والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالى بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ~~ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ ~~والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج، سارعنا إلى حسم ~~فساده وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن، لئلا يظن به ما يكسر من ~~قهره وسلطانه. وقرىء «حذرون» و«حاذرون» و«حادرون»، بالدال غير المعجمة. ~~فالحذر اليقظ، والحاذر الذي يجدد حذره. وقيل المؤدي في السلاح، وإنما ~~يفعل ذلك حذرا واحتياطا لنفسه. والحادر السمين القوي. قال # أحب الصبي السوء من أجل أمه وأبغضه من ~~بغضها وهو حادر # أراد أنهم أقوياء أشداء. وقيل مدججون في السلاح، قد كسبهم ذلك حدارة في ~~أجسامهم. ### || [26.57-60] # وعن مجاهد سماها كنوزا لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله. والمقام ~~المكان، يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية. وعن الضحاك المنابر. وقيل ~~السر في الحجال { كذلك } يحتمل ثلاثة أوجه النصب على أخرجناهم مثل ~~ذلك الإخراج الذي وصفناه. والجر على أنه وصف لمقام، أي مقام كريم مثل ذلك ~~المقام الذي كان لهم. والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك. { ~~فأتبعوهم } فلحقوهم. وقرىء «فاتبعوهم» { مشرقين } داخلين في ~~وقت الشروق، من شرقت الشمس شروقا إذا طلعت. ### || [26.61-68] # { سيهدين } طريق النجاة من إدراكهم وإضرارهم. وقرىء «فلما تراءت ~~الفئتان». «إنا لمدركون» بتشديد الدال وكسر الراء، من أدرك الشيء إذا ~~تتابع ففني. ومنه قوله تعالى # بل ادارك علمهم فى الأخرة # النمل 66 قال الحسن جهلوا علم الآخرة. وفي معناه بيت الحماسة # أبعد بني أمي الذين تتابعوا أرجى الحياة أم ~~من الموت أجزع # والمعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم، حتى لا يبقى منا أحد. ~~الفرق الجزء المتفرق منه. وقرىء «كل فلق» والمعنى واحد. الطود الجبل ~~العظيم المنطاد في السماء { وأزلفنا ثم } حيث انفلق البحر { ~~الاخرين } قوم فرعون، أي قربناهم من بني إسرائيل أو أدنينا بعضهم من ~~بعض، وجمعناهم حتى لا ms1402 ينجو منهم أحد، أو قدمناهم إلى البحر. وقرىء ~~«وأزلقنا»، بالقاف، أي أزللنا أقدامهم. والمعنى أذهبنا عزهم، كقوله # تداركتما عبسا وقد ثل عرشها وذبيان إذ ~~زلت بأقدامها النعل # ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل ~~يبسا فيزلقهم فيه. عن عطاء بن السائب أن جبريل عليه السلام كان بين بني ~~إسرائيل وبين آل فرعون، فكان يقول لبني إسرائيل ليلحق آخركم بأولكم. ~~ويستقبل القبط فيقول رويدكم يلحق آخركم. فلما انتهى موسى عليه السلام إلى ~~البحر قال له مؤمن آل فرعون وكان بين يدي موسى أين أمرت فهذا البحر ~~أمامك وقد غشيك آل فرعون؟ قال أمرت بالبحر ولا يدري موسى ما يصنع، فأوحى ~~الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر، فضربه فصار فيه اثنا عشر طريقا ~~لكل سبط طريق. وروي أن يوشع قال يا كليم الله، أين أمرت فقد غشينا فرعون ~~والبحر أمامنا؟ قال موسى ههنا. فخاض يوشع الماء وضرب موسى بعصاه البحر ~~فدخلوا. وروي أن موسى قال عند ذلك يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل ~~شيء، والكائن بعد كل شيء. ويقال هذا البحر هو بحر القلزم. وقيل هو بحر من ~~وراء مصر، يقال له أساف { إن فى ذلك لآية } أية آية، وآية لا ~~توصف، وقد عاينها الناس وشاع أمرها فيهم، وما تنبه عليها أكثرهم، ولا آمن ~~بالله. وبنو إسرائيل الذين كانوا أصحاب موسى المخصوصين بالإنجاء قد سألوه ~~بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل، وطلبوا رؤية الله جهرة { وإن ربك ~~لهو العزيز } المنتقم من أعدائه { الرحيم } بأوليائه. ### || [26.69-71] # كان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ~~ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء، كما تقول للتاجر ما مالك؟ ~~وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول له الرقيق جمال وليس بمال. فإن قلت { ~~ما تعبدون } سؤال عن المعبود فحسب، فكان القياس أن يقولوا أصناما، ~~كقوله تعالى # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # البقرة 219، # ماذا قال ربكم قالوا الحق # سبأ 23، # ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا # النحل ms1403 30. قلت هؤلاء قد جاءوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها ~~والمفتخرين، فاشتملت على جواب إبراهيم، وعلى ما قصدوه من إظهار ما في ~~نفوسهم من الابتهاج والافتخار. ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم نعبد { ~~فنظل لها عكفين } ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده. ومثاله ~~أن تقول لبعض الشطار ما تلبس في بلادك؟ فيقول ألبس البرد الأتحمى، فأجر ~~ذيله بين جواري الحي. وإنما قالوا نظل، لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون ~~الليل. ### || [26.72-73] # لا بد في { يسمعونكم } من تقدير حذف المضاف، معناه هل يسمعون ~~دعاءكم. وقرأ قتادة «يسمعونكم»، أي هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم؟ وهل ~~يقدرون على ذلك؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه في إذ على حكاية الحال الماضية. ~~ومعناه استحضروا الأحوال الماضية التي كنتم تدعونها فيها، وقولوا هل ~~سمعوا أو أسمعوا قط. وهذا أبلغ في التبكيت. ### || [26.74-82] # لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم رقوا أمر تقليدكم هذا إلى ~~أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأولين من آبائكم، فإن التقدم ~~والأولية لا يكون برهانا على الصحة، والباطل لا ينقلب حقا بالقدم، وما ~~عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له، ومعنى العداوة قوله تعالى # كلا سيكفرون بعبدتهم ويكونون عليهم ضدا # مريم 82 ولأن المغري على عبادتها أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان، ~~وإنما قال { عدو لى } تصويرا للمسألة في نفسه، على معنى أني فكرت ~~في أمرى فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو، فاجتنبتها وآثرت عبادة من الخير ~~كله منه، وأراهم بذلك أنها نصيحة نصح بها نفسه أولا وبني عليها تدبير ~~أمره، لينظروا فيقولوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، وما أراد ~~لنا إلا ما أراد لروحه، ليكون ادعى لهم إلى القبول، وأبعث على الاستماع ~~منه. ولو قال فإنه عدو لكم لم يكن بتلك المثابة، ولأنه دخل في باب من ~~التعريض، وقد يبلغ التعريض للنصوح ما لا يبلغه التصريح لأنه يتأمل فيه، ~~فربما قاده التأمل إلى التقبل. ومنه ما يحكى عن الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه أن رجلا واجهه بشيء فقال لو كنت بحيث أنت، ms1404 لاحتجت إلى أدب، وسمع ~~رجل ناسا يتحدثون في الحجر فقال ما هو ببيتي ولا بيتكم. والعدو والصديق ~~يجيئان في معنى الوحدة والجماعة. قال # وقوم علي ذوي مرة أراهم عدوا وكانوا ~~صديقا # ومنه قوله تعالى # وهم لكم عدو # الكهف 50 شبها بالمصادر للموازنة، كالقبول والولوع، والحنين والصهيل { ~~إلا رب العلمين } استثناء منقطع، كأنه قال ولكن رب العالمين ~~{ فهو يهدين } يريد أنه حين أتم خلقه ونفخ فيه الروح، عقب ذلك ~~هدايته المتصلة التي لا تنقطع إلى كل ما يصلحه ويعنيه، وإلا فمن هداه ~~إلى أن يغتذي بالدم في البطن امتصاصا، ومن هداه إلى معرفة الثدي عند ~~الولادة، وإلى معرفة مكانه، ومن هداه لكيفية الارتضاع، إلى غير ذلك من ~~هدايات المعاش والمعاد، وإنما قال { مرضت } دون «أمرضني» لأن كثيرا ~~من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك. ومن ~~ثم قالت الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم؟ لقالوا التخم. وقرىء ~~«خطاياي»، والمراد ما يندر منه من بعض الصغائر لأن الأنبياء معصومون ~~مختارون على العالمين. وقيل هي قوله # إنى سقيم # الصافات 89 وقوله # بل فعله كبيرهم # الأنبياء 63 وقوله لسارة هي أختي. وما هي إلا معاريض كلام، وتخييلات ~~للكفرة، وليست بخطايا يطلب لها الاستغفار. فإن قلت إذا لم يندر منهم إلا ~~الصغائر وهي تقع مكفرة، فما له أثبت لنفسه خطيئة أو خطايا وطمع أن تغفر ~~له؟ قلت الجواب ما سبق لي أن استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم ~~لأنفسهم، ويدل عليه قوله { أطمع } ولم يجزم القول بالمغفرة. وفيه ~~تعليم لأممهم، وليكون لطفا لهم في اجتناب المعاصي والحذر منها، وطلب ~~المغفرة مما يفرط منهم. فإن قلت لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، وإنما ~~تغفر في الدنيا؟ قلت لأن أثرها يتبين يومئذ وهو الآن خفي لا يعلم. ### || [26.83-89] # الحكم الحكمة، أو الحكم بين الناس بالحق. وقيل النبوة لأن النبي ذو ~~حكمة وذو حكم بين عباد الله. والإلحاق بالصالحين أن يوفقه لعمل ينتظم به ~~في جملتهم، أو يجمع بينه وبينهم في الجنة. ms1405 ولقد أجابه حيث قال # وإنه فى الاخرة لمن الصلحين # البقرة 130، النحل 122، العنكبوت 27. والإخزاء من الخزي وهو الهوان. ومن ~~الخزاية وهي الحياء. وهذا أيضا من نحو استغفارهم مما علموا أنه مغفور ~~وفي { يبعثون } ضمير العباد، لأنه معلوم. أو ضمير الضالين. وأن يجعل ~~من جملة الاستغفار لأبيه، يعني ولا تخزني يوم يبعث الضالون وأبي فيهم { ~~إلا من أتى الله } إلا حال من أتى الله { بقلب سليم } ~~وهو من قولهم # تحية بينهم ضرب وجيع # وما ثوابه إلا السيف. وبيانه أن يقال لك هل لزيد مال وبنون؟ فتقول ماله ~~وبنوه سلامة قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له ~~بدلا عن ذلك. وإن شئت حملت الكلام على المعنى وجعلت المال والبنين في ~~معنى الغنى، كأنه قيل يوم لا ينفع غنى إلا غني من أتى الله بقلب سليم لأن ~~غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. ولك ~~أن تجعل الاستثناء منقطعا. ولا بد لك مع ذلك من تقدير المضاف وهو ~~الحال، والمراد بها سلامة القلب، وليست هي من جنس المال والبنين، حتى ~~يؤول المعنى إلى أن المال والبنين لا ينفعان، وإنما ينفع سلامة القلب. ~~ولو لم يقدر المضاف، لم يتحصل للاستثناء معنى. وقد جعل { من } مفعولا ~~لينفع، أي لا ينفع مال ولا بنون، إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه ~~في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. ويجوز على ~~هذا { إلا من أتى الله بقلب سليم } من فتنة المال ~~والبنين. ومعنى سلامة القلب سلامته من آفات الكفر والمعاصي، ومما أكرم ~~الله تعالى به خليله ونبه على جلالة محله في الإخلاص أن حكى استثناءه هذا ~~حكاية راض بإصابته فيه. ثم جعله صفة له في قوله # وإن من شيعته لإبرهيم إذ جاء ربه بقلب سليم # الصافات 84 ومن بدع التفاسير تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله. ~~وقول آخر هو الذي سلم وسلم وأسلم وسالم واستسلم. وما أحسن ما رتب إبراهيم ~~عليه السلام كلامه ms1406 مع المشركين، حين سألهم أولا عما يعبدون سؤال مقرر ~~لا مستفهم، ثم أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا ~~تبصر ولا تسمع على تقليدهم آباءهم الأقدمين، فكسره وأخرجه من أن يكون ~~شبهة فضلا أن يكون حجة، ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها ~~إلى ذكر الله عز وعلا، فعظم شأنه وعدد نعمته، من لدن خلقه وإنشائه إلى ~~حين وفاته، مع ما يرجى في الآخرة من رحمته، ثم أتبع ذلك أن دعاه بدعوات ~~المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب ~~الله وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما ~~كانوا فيه من الضلال وتمني الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا. ### || [26.90-95] # الجنة تكون قريبة من موقف السعداء ينظرون إليها ويغتبطون بأنهم ~~المحشورون إليها، والنار تكون بارزة مكشوفة للأشقياء بمرأى منهم، يتحسرون ~~على أنهم المسوقون إليها قال الله تعالى # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # ق 31 وقال # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا # الملك 27 يجمع عليهم الغموم كلها والحسرات، فتجعل النار بمرأى منهم، ~~فيهلكون غما في كل لحظة، ويوبخون على إشراكهم، فيقال لهم أين آلهتكم؟ هل ~~ينفعونكم بنصرتهم لكم. أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود ~~النار، وهو قوله { فكبكبوا فيها هم } أي الآلهة { ~~والغاوون } وعبدتهم الذين برزت لهم الجحيم. والكبكبة تكرير الكب، ~~جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقى في ~~جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها، اللهم أجرنا منها يا خير ~~مستجار { وجنود إبليس } شياطينه، أو متبعوه من عصاة الجن والإنس. ### || [26.96-104] # يجوز أن ينطق الله الأصنام حتى يصح التقاول والتخاصم. ويجوز أن يجري ذلك ~~بين العصاة والشياطين. والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم رؤساؤهم وكبراؤهم، ~~كقوله # ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا # الأحزاب 67 وعن السدي الأولون الذين اقتدينا بهم. وعن ابن جريج إبليس، ~~وابن آدم القاتل، لأنه أول من سن القتل وأنواع المعاصي، { فما لنا ~~من شفعين ms1407 } كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيين { ~~ولا صديق } كما نرى لهم أصدقاء، لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا ~~المؤمنون. وأما أهل النار فبينهم التعادي والتباغض، قال الله تعالى # الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين # الزخرف 67 أو فمالنا من شافعين ولا صديق حميم من الذين كنا نعدهم شفعاء ~~وأصدقاء، لأنهم كانوا يعتقدون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وكان ~~لهم الأصدقاء من شياطين الإنس. أو أرادوا أنهم وقعوا في مهلكة علموا أن ~~الشفعاء والأصدقاء لا ينفعونهم ولا يدفعون عنهم، فقصدوا بنفيهم نفي ما ~~يتعلق بهم من النفع لأن ما لا ينفع حكمه حكم المعدوم. والحميم من ~~الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من الحامة بمعنى ~~الخاصة، وهو الصديق الخاص. فإن قلت لم جمع الشافع ووحد الصديق؟ قلت لكثرة ~~الشفعاء في العادة وقلة الصديق. ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم ~~نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة، وإن لم يسبق له ~~بأكثرهم معرفة. وأما الصديق - وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهملك - ~~فأعز من بيض الأنوق. وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى ~~له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع. الكرة الرجعة إلى الدنيا. ولو في مثل ~~هذا الموضع في معنى التمني، كأنه قيل فليت لنا كرة.وذلك لما بين معنى ~~«لو» و«ليت» من التلاقي في التقدير. ويجوز أن تكون على أصلها ويحذف ~~الجواب، وهو لفعلنا كيت وكيت. ### || [26.105-110] # القوم مؤنثة، وتصغيرها قويمة. ونظير قوله { المرسلين } والمراد ~~نوح عليه السلام قولك فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة ~~وبرد. قيل أخوهم لأنه كان منهم، من قول العرب يا أخا بني تميم، يريدون يا ~~واحدا منهم. ومنه بيت الحماسة # لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ~~ما قال برهانا # كان أمينا فيهم مشهورا بالأمانة، كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش { ~~وأطيعون } في نصحي لكم وفيما أدعوكم إليه من الحق { عليه } على ~~هذا الأمر، وعلى ما ms1408 أنا فيه، يعني دعاءه ونصحه ومعنى { فاتقوا ~~الله وأطيعون } فاتقوا الله في طاعتي، وكرره ليؤكده عليهم ~~ويقرره في نفوسهم، مع تعليق كل واحدة منهما بعلة، جعل علة الأول كونه ~~أمينا فيما بينهم،وفي الثاني حسم طمعه عنهم. ### || [26.111] # وقرىء «وأتباعك» جمع تابع، كشاهد وأشهاد. أو جمع تبع، كبطل وأبطال. ~~والواو للحال. وحقها أن يضمر بعدها «قد» في واتبعك. وقد جمع الأرذل على ~~الصحة وعلى التكسير في قوله # الذين هم أراذلنا # هود 27 والرذالة والنذالة الخسة والدناءة. وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم ~~وقلة نصيبهم من الدنيا. وقيل كانوا من أهل الصناعات الدنية كالحياكة ~~والحجامة. والصناعة لا تزري بالديانة، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زالت أتباع الأنبياء كذلك، حتى صارت ~~من سماتهم وأماراتهم. ألا ترى إلى هرقل حين سأل أبا سفيان عن أتباع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما قال ضعفاء الناس وأراذلهم قال ما زالت ~~أتباع الأنبياء كذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الغاغة. وعن عكرمة ~~الحاكة والأساكفة. وعن مقاتل السفلة. ### || [26.112-115] # { وما علمى } وأي شيء علمي؟ والمراد انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم ~~لله واطلاعه على سر أمرهم وباطنه. وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع ~~استرذالهم في إيمانهم، وأنهم لم يؤمنوا على نظر وبصيرة، وإنما آمنوا ~~هوى وبديهة، كما حكى الله عنهم في قوله # الذين هم أراذلنا بادى الرأى # هود 27 ويجوز أن يتغابى لهم نوح عليه السلام. فيفسر قولهم الأرذلين، بما ~~هو الرذالة عنده، من سوء الأعمال وفساد العقائد، ولا يلتفت إلى ما هو ~~الرذالة عندهم، ثم يبني جوابه على ذلك فيقول ما علي إلا اعتبار الظواهر، ~~دون التفتيش عن أسرارهم والشق عن قلوبهم، وإن كان لهم عمل سيء، فالله ~~محاسبهم ومجازيهم عليه، وما أنا إلا منذر لا محاسب ولا مجاز { لو ~~تشعرون } ذلك، ولكنكم تجهلون فتنساقون مع الجهل حيث سيركم، وقصد ~~بذلك رد اعتقادهم وإنكار أن يسمى المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس ~~وأوضعهم نسبا، فإن الغني غني الدين، والنسب ms1409 نسب التقوى { وما أنا ~~بطارد المؤمنين } يريد ليس من شأني أن أتبع شهواتكم وأطيب ~~نفوسكم بطرد المؤمنين الذين صح إيمانهم طمعا في إيمانكم وما علي إلا أن ~~أنذركم إنذارا بينا بالبرهان الصحيح الذي يتميز به الحق من الباطل، ثم ~~أنتم أعلم بشأنكم. ### || [26.116-122] # ليس هذا بإخبار بالتكذيب، لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه ~~أراد أني لا أدعوك عليهم لما غاظوني وآذوني، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل ~~دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك، فاحكم { بينى وبينهم } ~~والفتاحة الحكومة. والفتاح الحاكم، لأنه يفتح المستغلق كما سمى فيصلا، ~~لأنه يفصل بين الخصومات. الفلك السفينة، وجمعه فلك قال الله تعالى # وترى الفلك مواخر # النحل 14 فالواحد بوزن قفل، والجمع بوزن أسد، كسروا فعلا على فعل، كما ~~كسروا فعلا على فعل، لأنهما أخوان في قولك العرب والعرب، والرشد والرشد. ~~فقالوا أسد وأسد، وفلك وفلك. ونظيره بعير هجان، وإبل هجان، ودرع دلاص، ~~ودروع دلاص، فالواحد بوزن كناز، والجمع بوزن كرام. والمشحون المملوء. ~~يقال شحنها عليهم خيلا ورجالا. ### || [26.123-131] # قرىء «بكل ريع»، بالكسر والفتح وهو المكان المرتفع. قال المسيب بن علس # في الآل يرفعها ويخفضها ريع يلوح كأنه سحل # ومنه قولهم كم ريع أرضك؟ وهو ارتفاعها. والآية العلم وكانوا ممن يهتدون ~~بالنجوم في أسفارهم. فاتخذوا في طرقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك، لأنهم ~~كانوا مستغنين عنها بالنجوم. وعن مجاهد بنو بكل ريع بروج الحمام. ~~والمصانع مآخذ الماء. وقيل القصور المشيدة والحصون { لعلكم ~~تخلدون } ترجون الخلود في الدنيا. أو تشبه حالكم حال من يخلد. وفي ~~حرف أبي كأنكم. وقرىء «تخلدون» بضم التاء مخففا ومشددا { وإذا ~~بطشتم } بسوط أو سيف كان ذلك ظلما وعلوا، وقيل الجبار الذي يقتل ~~ويضرب على الغضب. وعن الحسن تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في ~~العواقب. ### || [26.132-135] # بالغ في تنبيههم على نعم الله، حيث أجملها ثم فصلها مستشهدا بعلمهم، ~~وذلك أنه أيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حين قال { أمدكم بما ~~تعلمون } ثم عددها عليهم وعرفهم المنعم بتعديد ما يعلمون من ~~نعمته، وأنه كما قدر أن ms1410 يتفضل عليكم بهذه النعمة، فهو قادر على الثواب ~~والعقاب، فاتقوه. ونحوه قوله تعالى # ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد # آل عمران 30. فإن قلت كيف قرن البنين بالأنعام؟ قلت هم الذين يعينونهم ~~على حفظها والقيام عليها. ### || [26.136-140] # فإن قلت لو قيل { أوعظت } أو لم تعظ، كان أخصر. والمعنى واحد. قلت ~~ليس المعنى بواحد وبينهما فرق، لأن المراد سواء علينا أفعلت هذا الفعل ~~الذي هو الوعظ، أو لم تكن أصلا من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة ~~اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ. من قرأ خلق الأولين بالفتح، فمعناه ~~أن ما جئت به اختلاق الأولين وتخرصهم، كما قالوا أساطير الأولين. أو ~~ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الخالية، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا، ~~ولا بعث ولا حساب. ومن قرأ «خلق»، بضمتين، وبواحدة، فمعناه. ما هذا الذي ~~نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم، كانوا يدينونه ويعتقدونه، ~~ونحن بهم مقتدون. أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم ~~يزل عليها الناس في قديم الدهر أو ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة ~~الأولين، كانوا يلفقون مثله ويسطرونه. ### || [26.141-152] # { أتتركون } يجوز أن يكون إنكارا لأن يتركوا مخلدين في نعيمهم لا ~~يزالون عنه، وأن يكون تذكيرا بالنعمة في تخلية الله إياهم وما يتنعمون ~~فيه من الجنات وغير ذلك، مع الأمن والدعة { فى ما هاهنا } في الذي ~~استقر في هذا المكان من النعيم، ثم فسره بقوله { فى جنت وعيون ~~وزروع ونخل طلعها هضيم } وهذا أيضا إجمال ثم تفصيل. فإن ~~قلت لم قال { ونخل } بعد قوله في جنات، والجنة تتناول النخل أول شيء ~~كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج، حتى أنهم ليذكرون الجنة ولا ~~يقصدون إلا النخيل كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل. قال زهير # .... تسقي جنة سحقا # قلت فيه وجهان أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر ~~تنبيها على انفراده عنها بفضله عليها، وأن يريد بالجنات غيرها من الشجر ~~لأن اللفظ ms1411 يصلح لذلك، ثم يعطف عليها النخل. الطلعة هي التي تطلع من ~~النخلة، كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو. والقنو اسم للخارج من الجذع ~~كما هو بعرجونه وشماريخه. والهضيم اللطيف الضامر، من قولهم كشح هضيم، ~~وطلع إناث النخل فيه لطف، وفي طلع الفحاحيل جفاء، وكذلك طلع البرني ألطف ~~من طلع اللون، فذكرهم نعمة الله في أن وهب لهم أجود النخل وأنفعه. لأن ~~الإناث ولادة التمر، والبرني أجود التمر وأطيبه ويجوز أن يريد أن نخيلهم ~~أصابت جودة المنابت وسعة الماء، وسلمت من العاهات، فحملت الحمل الكثير، ~~وإذا كثر الحمل هضم، وإذا قل جاء فاخرا. وقيل الهضيم اللين النضيج، كأنه ~~قال ونخل قد أرطب ثمره. قرأ الحسن «وتنحتون» بفتح الحاء. وقرىء «فرهين»، ~~وفارهين. والفراهة الكيس والنشاط. ومنه خيل فرهة، استعير لامتثال الأمر، ~~وارتسامه طاعة الآمر المطاع. أو جعل الأمر مطاعا على المجاز الحكمي، ~~والمراد الآمر. ومنه قولهم لك علي إمرة مطاعة. وقوله تعالى # وأطيعوا أمرى # طه 90. فإن قلت ما فائدة قوله { ولا يصلحون }؟ قلت فائدته أن ~~فسادهم فساد مصمت ليس معه شيء من الصلاح، كما تكون حال بعض المفسدين ~~مخلوطة ببعض الصلاح. ### || [26.153-154] # المسحر الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله. وقيل هو من السحر الرئة، وأنه ~~بشر. ### || [26.155-156] # الشرب النصيب من الماء، نحو السقي والقيت، للحظ من السقي والقوت، وقرىء ~~بالضم. روي أنهم قالوا نريد ناقة عشراء تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا. ~~فقعد صالح يتفكر، فقال له جبريل عليه السلام صل ركعتين وسل ربك الناقة، ~~ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم ونتجت سقبا مثلها في العظم. وعن أبي ~~موسى رأيت مصدرها فإذا هو ستون ذراعا. وعن قتادة إذا كان يوم شربها شربت ~~ماءهم كله، ولهم شرب يوم لا تشرب فيه الماء { بسوء } بضرب أو عقر أو ~~غير ذلك. فيأخذكم عذاب يوم عظيم اليوم لحلول العذاب فيه ووصف اليوم به ~~أبلغ من وصف العذاب، لأن الوقت إذا عظم بسببه كان موقعه من العظم أشد. ### || [26.157-159] # وروي أن مسطعا ألجأها إلى مضيق في ms1412 شعب، فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت ~~ثم ضربها قدار. وروي أن عاقرها قال لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين، فكانوا ~~يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون أترضين؟ فتقول نعم، وكذلك صبيانهم. ~~فإن قلت لم أخذهم العذاب وقد ندموا؟ قلت لم يكن ندمهم ندم تائبين، ولكن ~~ندم خائفين أن يعاقبوا على العقر عقابا عاجلا، كمن يرى في بعض الأمور ~~رأيا فاسدا ويبني عليه، ثم يندم ويتحسر كندامة الكسعي أو ندموا ندم ~~تائبين ولكن في غير وقت التوبة،وذلك عند معاينة العذاب.وقال تعالى # وليست التوبة للذين يعملون السيئت # الآية التوبة 18. وقيل كانت ندامتهم على ترك الولد، وهو بعيد. واللام في ~~العذاب إشارة إلى عذاب يوم عظيم. ### || [26.160-166] # أراد بالعالمين الناس أي أتأتون من بين أولاد آدم عليه السلام على ~~فرط كثرتهم وتفاوت أجناسهم وغلبة إناثهم على ذكورهم في الكثرة ~~ذكرانهم كأن الإناث قد أعوزتكم. أو أتأتون أنتم من بين من عداكم من ~~العالمين الذكران، يعني أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة. ~~والعالمون على هذا القول كل ما ينكح من الحيوان { من أزوجكم } ~~يصلح أن يكون تبيينا لما خلق، وأن يكون للتبعيض، ويراد بما خلق العضو ~~المباح منهن. وفي قراءة ابن مسعود «ما أصلح لكم ربكم من أزواجكم»، ~~وكأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم.بل أنتم قوم عادون العادي المتعدي ~~في ظلمة، المتجاوز فيه الحد، ومعناه أترتكبون هذه المعصية على عظمها، بل ~~أنتم قوم عادون في جميع المعاصي، فهذا من جملة ذاك، أو بل أنتم قوم أحقاء ~~بأن توصفوا بالعدوان، حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة. ### || [26.167] # { لئن لم تنته } عن نهينا وتقبيح أمرنا { لتكونن } من ~~جملة من أخرجناه من بين أظهرنا وطردناه، من بلدنا، ولعلهم كانوا يخرجون ~~من أخرجوه على أسوأ حال من تعنيف به، واحتباس لأملاكه. وكما يكون حال ~~الظلمة إذا أجلوا بعض من يغضبون عليه، وكما كان يفعل أهل مكة بمن يريد ~~المهاجرة. ### || [26.168-175] # و { من القلين } أبلغ من أن يقول إني لعملكم قال كما تقول فلان ~~من العلماء، فيكون أبلغ من ms1413 قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدودا في ~~زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم. ويجوز أن يريد من الكاملين في ~~قلاكم. والقلي البغض الشديد، كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد. وفي هذا دليل ~~على عظم المعصية، والمراد القلي من حيث الدين والتقوى، وقد تقوى همة ~~الدين في دين الله حتى تقرب كراهته للمعاصي من الكراهة الجبلية { ~~مما يعملون } من عقوبة عملهم وهو الظاهر. ويحتمل أن يريد ~~بالتنجية العصمة. فإن قلت فما معنى قوله { فنجينه وأهله ~~أجمعين إلا عجوزا }؟ قلت معناه أنه عصمه وأهله من ذلك إلا ~~العجوز، فإنها كانت غير معصومة منه، لكونها راضية به ومعينة عليه ومحرشة، ~~والراضي بالمعصية في حكم العاصي. فإن قلت كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما ~~طلب لهم النجاة، فكيف استثنيت الكافرة منهم قلت الاستثناء إنما وقع من ~~الأهل وفي هذا الاسم لها معهم شركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في ~~الإيمان. فإن قلت { فى الغبرين } صفة لها، كأنه قيل إلا عجوزا ~~غابرة، ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم قلت معناه إلا عجوزا مقدرا ~~غبورها. ومعنى الغابرين في العذاب والهلاك غير الناجين. قيل إنها هلكت مع ~~من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة. والمراد بتدميرهم الائتفاك ~~بهم، وأما الإمطار فعن قتادة أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء ~~فأهلكم. وعن ابن زيد لم يرض بالائتفاك حتى أتبعه مطرا من حجارة، وفاعل { ~~فسآء مطر المنذرين } ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم، إنما ~~هو للجنس، والمخصوص بالذم محذوف، وهو مطرهم. ### || [26.176-180] # قرىء «أصحاب الأيكة» بالهمزة وبتخفيفها، وبالجر على الإضافة وهو الوجه. ~~ومن قرأ بالنصب وزعم أن «ليكة» بوزن ليلة اسم بلد، فتوهم قاد إليه خط ~~المصحف، حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة ص بغير ألف. وفي المصحف ~~أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه، وإنما كتبت في هاتين ~~السورتين على حكم لفظ اللافظ، كما يكتب أصحاب النحو لان، ولولى على هذه ~~الصورة لبيان لفظ المخفف، وقد كتبت في سائر القرآن على الأصل، ms1414 والقصة ~~واحدة، على أن «ليكة» اسم لا يعرف. وروي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ~~ملتف. وكان شجرهم الدوم. فإن قلت هلا قيل أخوهم شعيب. كما في سائر ~~المواضع؟ قلت قالوا إن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة. وفي الحديث 784 # " أن شعيبا أخا مدين، أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة ". ### || [26.181-184] # الكيل على ثلاثة أضرب واف، وطفيف، وزائد. فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء، ~~ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف، ولم يذكر الزائد، وكأن تركه عن الأمر ~~والنهي دليل على أنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا عليه. قرىء ~~«بالقسطاس» مضمونا ومكسورا وهو الميزان وقيل القرسطون، فإن كان من ~~القسط وهو العدل وجعلت العين مكررة فوزنه فعلاس وإلا فهو رباعي. ~~وقيل وهو بالرومية العدل. يقال بخسته حقه، إذا نقصته إياه. ومنه قيل ~~للمكس البخس، وهو عام في كل حق ثبت لأحد أن لا يهضم، وفي كل ملك أن لا ~~يغصب عليه مالكه ولا يتحيف منه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفا شرعيا. ~~يقال عثا في الأرض وعثى وعاث، وذلك نحو قطع الطريق، والغارة، وإهلاك ~~الزروع، وكانوا يفعلون ذلك مع توليهم أنواع الفساد فنهوا عن ذلك. وقرىء ~~«الجبلة»، بوزن الأبلة. والجبلة، بوزن الخلقة. ومعناهن واحد، أي ذوي ~~الجبلة، وهو كقولك والخلق الأولين. ### || [26.185-186] # فإن قلت هل اختلف المعنى بإدخال الواو ههنا وتركها في قصة ثمود؟ قلت إذا ~~أدخلت الواو فقد قصد معنيان كلاهما مناف للرسالة عندهم التسحير والبشرية، ~~وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا ولا يجوز أن يكون بشرا، وإذا تركت ~~الواو فلم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا ~~مثلهم، فإن قلت إن المخففة من الثقيلة ولامها كيف تفرقتا على فعل الظن ~~وثاني مفعولية؟ قلت أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر، كقولك إن زيد ~~لمنطلق، فلما كان البابان أعني باب كان وباب وظننت من جنس باب ~~المبتدإ والخبر، فعل ذلك في البابين فقيل إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته ~~لمنطلقا. ### || [26.187] # قرىء «كسفا» بالسكون ms1415 والحركة، وكلاهما جمع كسفة، نحو قطع وسدر. وقيل ~~الكسف والكسفة، كالريع والريعة، وهي القطعة. وكسفه قطعه. والسماء السحاب، ~~أو المظلة. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب. ولو كان ~~فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا أن يطلبوه. والمعنى ~~إن كنت صادقا أنك نبي، فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء. ### || [26.188] # { ربى أعلم بما تعملون } يريد أن الله أعلم بأعمالكم وبما ~~تستوجبون عليها من العقاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء ~~فعل، وإن أراد عقابا آخر فإليه الحكم والمشيئة. ### || [26.189-191] # { فأخذهم } الله بنحو ما اقترحوا من عذاب الظلة إن أرادوا بالسماء ~~السحاب، وإن أرادوا المظلة فقد خالف بهم عن مقترحهم. يروى أنه حبس عنهم ~~الريح سبعا، وسلط عليهم الومد. فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا ~~سرب، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ~~ونسيما، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وروي أن شعيبا ~~بعث إلى أمتين أصحاب مدين، وأصحاب الأيكة، فأهلكت مدين بصيحة جبريل، ~~وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة. فإن قلت كيف كرر في هذه السورة في أول ~~كل قصة وآخرها ما كرر؟ قلت كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار ~~مثل ما في غيرها، فكانت كل واحدة منها تدلي بحق في أن تفتتح بما افتتحت ~~به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به، ولأن في التكرير تقريرا للمعاني ~~في الأنفس، وتثبيتا لها في الصدور. ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم ~~إلا ترديد ما يراد تحفظه منها، وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلب ~~وأرسخ في الفهم وأثبت للذكر وأبعد من النسيان، ولأن هذه القصص طرقت بها ~~آذان وقر عن الإنصات للحق، وقلوب غلف عن تدبره، فكوثرت بالوعظ والتذكير، ~~وروجعت بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح أذنا، أو يفتق ذهنا، أو يصقل ~~عقلا طال عهده بالصقل، أو يجلو فهما قد غطى عليه تراكم الصدأ. ### || [26.192-196] # { وإنه } وإن هذا التنزيل، يعني ما نزل من هذه ms1416 القصص والآيات. ~~والمراد بالتنزيل المنزل. والباء في { نزل به الروح } ونزل به ~~الروح، على القراءتين للتعدية. ومعنى { نزل به الروح } جعل الله ~~الروح نازلا به { على قلبك } أي حفظكه وفهمك إياه، وأثبته في ~~قلبك إثبات مالا ينسى، كقوله تعالى # سنقرئك فلا تنسى # الأعلى 6 { بلسان عربى } إما أن يتعلق بالمنذرين، فيكون ~~المعنى لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة هود، وصالح، وشعيب، ~~وإسمعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وإما أن يتعلق بنزل، فيكون المعنى ~~نزله باللسان العربي لتنذر به لأنه لو نزله باللسان الأعجمي، لتجافوا عنه ~~أصلا، ولقالوا ما نصنع بمالا نفهمه فيتعذر الإنذار به وفي هذا الوجه أن ~~تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك، لأنك تفهمه ~~ويفهمه قومك. ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك، لأنك تسمع ~~أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها، وقد يكون الرجل عارفا بعدة ~~لغات، فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع بها، لم يكن ~~قلبه إلا إلى معاني الكلام يتلقاها بقلبه ولا يكاد يفطن للألفاظ كيف جرت، ~~وإن كلم بغير تلك اللغة وإن كان ماهرا بمعرفتها كان نظره أولا في ~~ألفاظها ثم في معانيها، فهذا تقرير أنه نزل على قلبه لنزوله بلسان عربي ~~مبين { وإنه } وإن القرآن يعني ذكره مثبت في سائر الكتب ~~السماوية. وقيل إن معانيه فيها. وبه يحتج لأبي حنيفة في جواز القراءة ~~بالفارسية في الصلاة على أن القرآن قرآن إذا ترجم بغير العربية حيث قيل { ~~وإنه لفى زبر الاولين } لكون معانيه فيها. وقيل الضمير ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك في { أن يعلمه } وليس بواضح. ### || [26.197] # وقرىء «يكن»، بالتذكير. وآية، بالنصب على أنها خبره، و { أن يعلمه ~~} هو الاسم. وقرىء «تكن» بالتأنيث، وجعلت { ءاية } اسما، و { أن ~~يعلمه } خبرا، وليست كالأولى لوقوع النكرة اسما والمعرفة خبرا، ~~وقد خرج لها وجه آخر لتخلص من ذلك، فقيل في { يكن } ضمير القصة، و { ~~ءاية أن يعلمه } جملة واقعة موقع الخبر. ويجوز على هذا ms1417 أن يكون ~~{ لهم ءاية } هي جملة الشأن، { أن يعلمه } بدلا عن آية. ~~ويجوز مع نصب الآية تأنيث { يكن } كقوله تعالى # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا # الأنعام 23 ومنه بيت لبيد # فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت ~~أقدامها # وقرىء «تعلمه»، بالتاء. { علماء بنى إسرءيل } عبد الله بن سلام ~~وغيره. قال الله تعالى # وإذا يتلى عليهم قالوا ءامنا به إنه الحق ~~من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين # القصص 53. فإن قلت كيف خط في المصحف { علمؤا } بواو قبل الألف؟ ~~قلت خط على لغة من يميل الألف إلى الواو وعلى هذه اللغة كتبت الصلوة ~~والزكوة والربوا. ### || [26.198-207] # الأعجم الذي لا يفصح وفي لسانه عجمة واستعجام. والأعجمي مثله. إلا أن ~~فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد. وقرأ الحسن الأعجميين. ولما كان من ~~يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له أعجم وأعجمي، شبهوه ~~بمن لا يفصح ولا يبين، وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها ~~أعجم، قال حميد # ولا عربيا شاقه صوت أعجما # { سلكناه } أدخلناه ومكناه. والمعنى إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل ~~عربي بلسان عربي مبين، فسمعوا به وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا ~~يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك اتفاق علماء أهل الكتب المنزلة قبله على ~~أن البشارة بإنزاله وتحلية المنزل عليه وصفته في كتبهم، وقد تضمنت معانيه ~~وقصصه، وصح بذلك أنها من عند الله وليست بأساطير كما زعموا، فلم يؤمنوا ~~به وجحدوه، وسموه شعرا تارة، وسحرا أخرى، وقالوا هو من تلفيق محمد ~~وافترائه { ولو نزلنه على بعض } الأعاجم الذي لا يحسن ~~العربية، فضلا أن يقدر على نظم مثله { فقرأه عليهم } هكذا ~~فصيحا معجزا متحدي به، لكفروا به كما كفروا، ولتمحلوا لجحودهم عذرا، ~~ولسموه سحرا، ثم قال { كذلك سلكناه } أي مثل هذا السلك سلكناه ~~في قلوبهم، وهكذا مكناه وقررناه فيها، وعلى مثل هذه الحال وهذه الصفة من ~~الكفر به والتكذيب له وضعناه فيها، فكيفما فعل بهم وصنع وعلى أي وجه دبر ~~أمرهم، فلا سبيل أن يتغيروا ms1418 عما هم عليه من جحوده وإنكاره، كما قال # ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين # الأنعام 7 فإن قلت كيف أسند السلك بصفة التكذيب إلى ذاته؟ قلت أراد به ~~الدلالة على تمكنه مكذبا في قلوبهم أشد التمكن، وأثبته فجعله بمنزلة ~~أمر قد جبلوا عليه وفطروا. ألا ترى إلى قولهم هو مجبول على الشح، يريدون ~~تمكن الشح فيه لأن الأمور الخلقية أثبت من العارضة، والدليل عليه أنه ~~أسند ترك الإيمان به إليهم على عقبه، وهو قوله { لا يؤمنون به }. ~~فإن قلت ما موقع { لا يؤمنون به } من قوله { سلكناه في ~~قلوب المجرمين }؟ قلت موقعه منه موقع الموضح والملخص لأنه مسوق ~~لثباته مكذبا مجحودا في قلوبهم، فأتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا ~~يزالون على التكذيب به وجحوده حتى يعاينوا الوعيد. ويجوز أن يكون حالا، ~~أي سلكناه فيها غير مؤمن به. وقرأ الحسن «فتأتيهم»، بالتاء يعني الساعة. ~~وبغتة، بالتحريك. وفي حرف أبي «ويروه بغتة». فإن قلت ما معنى التعقيب في ~~قوله { فيأتيهم بغتة.... فيقولوا }؟ قلت ليس المعنى ترادف رؤية ~~العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في ~~الشدة، كأنه قيل لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد ~~منها وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة. # ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله، فإنك لا ~~تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ~~ترتيب شدة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، ~~فما هو أشد من مقتهم وهو مقت الله، وترى ثم يقع هذا الأسلوب فيحل موقعه ~~{ أفبعذابنا يستعجلون } تبكيت لهم بإنكار وتهكم، ومعناه ~~كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب يسأل فيه من جنس ما هو فيه اليوم من ~~النظرة والإمهال طرفة عين فلا يجاب إليها. ويحتمل أن يكون هذا حكاية ~~توبيخ يوبخون به عند استنظارهم يومئذ، و { يستعجلون ms1419 } على هذا ~~الوجه حكاية حال ماضية. ووجه آخر متصل بما بعده، وذلك أن استعجالهم ~~بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم، وأنهم ممتعون ~~بأعمار طوال في سلامة وأمن، فقال تعالى أفبعذابنا يستعجلون أشرا وبطرا ~~واستهزاء واتكالا على الأمل الطويل، ثم قال هب أن الأمر كما يعتقدون من ~~تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من ~~طول أعمارهم وطيب معايشهم. وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف ~~وكان يتمنى لقاءه فقال له عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية. فقال ~~ميمون لقد وعظت فأبلغت. وقرىء «يمتعون»، بالتخفيف. ### || [26.208-209] # { منذرون } رسل ينذرونهم { ذكرى } منصوبة بمعنى تذكرة. إما لأن ~~«أنذر، وذكر» متقاربان، فكأنه قيل مذكرون تذكرة. وإما لأنها حال من ~~الضمير في منذرون أي، ينذرونهم ذوي تذكرة. وإما لأنها مفعول له على معنى ~~أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة. أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف، ~~بمعنى هذه ذكرى. والجملة اعتراضية. أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى. أو ~~جعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة وإطنابهم فيها. ووجه آخر وهو أن يكون ~~ذكرى متعلقة بأهلكنا مفعولا له. والمعنى وما أهلكنا من أهل قرية ظالمين ~~إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم، ليكون إهلاكهم تذكرة ~~وعبرة لغيرهم، فلا يعصوا مثل عصيانهم { وما كنا ظلمين } فنهلك ~~قوما غير ظالمين. وهذا الوجه عليه المعول. فإن قلت كيف عزلت الواو عن ~~الجملة بعد «إلا» ولم تعزل عنها في قوله # ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتب معلوم # الحجر 4؟ قلت الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية، وإذا زيدت فلتأكيد ~~وصل الصفة بالموصوف كما في قوله # سبعة وثامنهم كلبهم # الكهف 22. ### || [26.210-212] # كانوا يقولون إن محمدا كاهن وما يتنزل عليه من جنس ما يتنزل به ~~الشياطين على الكهنة، فكذبوا بأن ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون ~~عليه لأنهم مرجومون بالشهب معزولون عن استماع كلام أهل السماء. وقرأ ~~الحسن «الشياطون». ووجهه أنه رأى آخره كآخر يبرين وفلسطين، فتخير بين أن ~~يجري الإعراب ms1420 على النون، وبين أن يجريه على ما قبله، فيقول الشياطين ~~والشياطون، كما تخيرت العرب بين أن يقولوا. هذه يبرون ويبرين، وفلسطون ~~وفلسطين. وحقه أن تشتقه من الشيطوطة وهي الهلاك كما قيل له الباطل. وعن ~~الفراء غلط الشيخ في قراءته «الشياطون» ظن أنها النون التي على هجاءين، ~~فقال النضر بن شميل إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤبة، فهلا جاز أن يحتج ~~بقول الحسن وصاحبه يريد محمد ابن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم ~~يقرآ به إلا وقد سمعا فيه. ### || [26.213-214] # قد علم أن ذلك لا يكون، ولكنه أراد أن يحرك منه لازدياد الإخلاص ~~والتقوى. وفيه لطف لسائر المكلفين، كما قال # ولو تقول علينا بعض الأقاويل # الحاقة 44، فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فيه وجهان أحدهما أن يؤمر ~~بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، ويبدأ في ذلك بمن هو أولى بالبداءة، ثم ~~بمن يليه وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم، كما روي عنه عليه السلام ~~أنه لما دخل مكة قال 785 # " كل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ما أضعه ~~ربا العباس " # والثاني أن يؤمر بأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة، ~~ولا يحابيهم في الإنذار والتخويف. وروي 786 # " أنه صعد الصفا لما نزلت فنادى الأقرب فالأقرب ~~فخذا فخذا، وقال يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد ~~مناف، يا عباس عم النبي يا صفية عمة رسول الله، إني لا ~~أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم " # وروي 787 # " أنه صلى الله عليه وسلم جمع بني عبد المطلب وهم يومئذ ~~أربعون رجلا الرجل منهم يأكل الجذعة، ويشرب العس على رجل ~~شاة وقعب من لبن، فأكلوا وشربوا حتى صدروا، ثم أنذرهم ~~فقال «يا بني عبد المطلب، لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا ~~أكنتم مصدقي؟ قالوا نعم. قال فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد " # ، وروي أنه قال 788 # " يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، افتدوا أنفسكم ms1421 ~~من النار فإني لا أغني عنكم شيئا " # ثم قال # " يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ~~ويا صفية عمة محمد، اشترين أنفسكن من النار فإني لا أغني عنكن ~~شيئا ". ### || [26.215-216] # الطائر إذا أراد أن ينحط للوقوع كسر جناحه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض ~~للطيران رفع جناحه، فجعل خفض جناحه عند الانحطاط مثلا في التواضع ولين ~~الجانب، ومنه قول بعضهم # وأنت الشهير بخفض الجناح فلا تك في رفعه ~~أجدلا # ينهاه عن التكبر بعد التواضع. فإن قلت المتبعون للرسول هم المؤمنون، ~~والمؤمنون هم المتبعون للرسول، فمامعنى قوله { لمن اتبعك من ~~المؤمنين }؟ قلت فيه وجهان أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين ~~لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان صنف ~~صدق واتبع رسول الله فيما جاء به، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب، ثم ~~إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما ~~الجناح. والمعنى من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، يعني أنذر قومك فإن ~~اتبعوك وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم ومن ~~أعمالهم من الشرك بالله وغيره. ### || [26.217-220] # { وتوكل } على الله يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم. والتوكل ~~تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره ويقدر على نفعه وضره. وقالوا المتوكل ~~من إن دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية لله، فعلى هذا إذا ~~وقع الإنسان في محنة ثم سأل غيره خلاصه، لم يخرج من حد التوكل لأنه لم ~~يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله. وفي مصاحف أهل المدينة والشام ~~«فتوكل»، وبه قرأ نافع وابن عامر، وله محملان في العطف أن يعطف على فقل. ~~أوفلا تدع. { على العزيز الرحيم } على الذي يقهر أعداءك بعزته ~~وينصرك عليهم برحمته. ثم اتبع كونه رحيما على رسوله ما هو من أسباب ~~الرحمة وهو ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد، وتقلبه في ~~تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه ليطلع عليهم من حيث لا ms1422 يشعرون، ويستبطن ~~سر أمرهم، وكيف يعبدون الله، وكيف يعملون لآخرتهم، كما يحكى أنه حين نسخ ~~فرض قيام الليل، طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه ~~عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات، فوجدها كبيوت ~~الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله والتلاوة. والمراد بالساجدين ~~المصلون. وقيل معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة. وتقلبه في ~~الساجدين تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن ~~مقاتل أنه سأل أبا حنيفة رحمه الله، هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ ~~فقال لا يحضرني، فتلا له هذه الآية. ويحتمل أنه لا يخفى عليه حالك كلما ~~قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين { إنه هو السميع } ~~لما تقوله { العليم } بما تنويه وتعمله. وقيل هو تقلب بصره فيمن يصلي ~~خلفه، من قوله صلى الله عليه وسلم 789 # " أتموا الركوع والسجود، فوالله إني لأراكم من خلف ظهري إذا ~~ركعتم وسجدتم " # ، وقرىء «ويقلبك». ### || [26.221-223] # { كل أفاك أثيم } هم الكهنة والمتنبئة، كشق، وسطيح، ومسيلمة، ~~وطليحة { يلقون السمع } هم الشياطين، كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما أطلعوا عليه من ~~الغيوب، ثم يوحون به إلى أوليائهم من أولئك { وأكثرهم كذبون ~~} فيما يوحون به إليهم لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا. وقيل يلقون إلى ~~أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة. وقيل الأفاكون يلقون السمع إلى ~~الشياطين فيتلقون وحيهم إليهم. أو يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس، ~~وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم، وترى أكثر ~~ما يحكمون به باطلا وزورا. وفي الحديث 790 # " الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من ~~مائة كذبة " # والقر الصب. فإن قلت كيف دخل حرف الجر على «من» المتضمنة لمعنى ~~الاستفهام والاستفهام له صدر الكلام؟ ألا ترى إلى قولك أعلى زيد مررت؟ ~~ولا تقول على أزيد مررت؟ قلت ليس معنى التضمن أن الاسم دل على معنيين ~~معا معنى الاسم، ومعنى الحرف. وإنما معناه ms1423 أن الأصل أمن، فحذف حرف ~~الاستفهام واستمر الاستعمال على حذفه، كما حذف من «هل» والأصل أهل. قال # أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم # فإذا أدخلت حرف الجر على «من» فقدر الهمزة قبل حرف الجر في ضميرك، ~~كأنك تقول أعلى من تنزل الشياطين، كقولك أعلى زيد مررت. فإن قلت { ~~يلقون } ما محله؟ قلت يجوز أن يكون في محل النصب على الحال، أي تنزل ~~ملقين السمع، وفي محل الجر صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع، وأن لا ~~يكون له محل بأن يستأنف، كأن قائلا قال لم تنزل على الأفاكين؟ فقيل ~~يفعلون كيت وكيت. فإن قلت كيف قيل { وأكثرهم كذبون } بعد ما ~~قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك؟ قلت الأفاكون هم الذين يكثرون الإفك، ~~ولا يدل ذلك على أنهم لا ينطقون إلا بالإفك، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل ~~من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني وأكثرهم مفتر عليه. فإن قلت # وإنه لتنزيل رب العلمين # الشعراء 192، # وما تنزلت به الشيطين # الشعراء 210، { هل أنبئكم على من تنزل الشيطين ~~} لم فرق بينهن وهن أخوات؟ قلت أريد التفريق بينهن بآيات ليست في ~~معناهن، ليرجع إلى المجيء بهن وتطرية ذكر ما فيهن كرة بعد كرة فيدل ~~بذلك على أن المعنى الذي نزلن فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله ~~لخلافها. ومثاله أن يحدث الرجل بحديث وفي صدره اهتمام بشيء منه وفضل ~~عناية، فتراه يعيد ذكره ولا ينفك عن الرجوع إليه. ### || [26.224-226] # { والشعراء } مبتدأ. و { يتبعهم الغاوون } خبره ومعناه ~~أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء ~~وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب، والنسيب بالحرم والغزل والابتهار، ~~ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم ولا يطرب على قولهم إلا ~~الغاوون والسفهاء والشطار. وقيل الغاوون الراوون. وقيل الشياطين، وقيل هم ~~شعراء قريش عبد الله بن الزبعري، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن ~~عبد مناف، وأبو عزة الجمحي. ومن ثقيف أمية ابن أبي الصلت. قالوا نحن ~~نقول مثل قول محمد وكانوا يهجونه، ms1424 ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم ~~يستمعون أشعارهم وأهاجيهم وقرأ عيسى بن عمر والشعراء، بالنصب على ~~إضمار فعل يفسره الظاهر. قال أبو عبيد كان الغالب عليه حب النصب. قرأ # حمالة الحطب # المسد 4 # والسارق والسارقة # المائدة 38 و # سورة أنزلنها # النور 1 وقرىء «يتبعهم»، على التخفيف. ويتبعهم، بسكون العين تشبيها ~~«لبعه بعضد». ذكر الوادي والهيوم فيه تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول ~~واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه، حتى ~~يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يبهتوا البري، ~~ويفسقوا التقي. وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله # فبتن بجانبي مصرعات وبت أفض أغلاق ~~الختام # فقال قد وجب عليك الحد، فقال يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد ~~بقوله { وأنهم يقولون ما لا يفعلون }. ### || [26.227] # استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، ~~وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله ~~والثناء عليه، والحكمة والموعظة، والزهد والآداب الحسنة، ومدح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والصحابة وصلحاء الأمة، وما لا بأس به من المعاني ~~التي لا يتلطخون فيها بذنب ولا يتلبسون بشائنة ولا منقصة، وكان هجاؤهم ~~على سبيل الانتصار ممن يهجوهم. قال الله تعالى # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # النساء 148 وذلك من غير اعتداء ولا زيادة على ما هو جواب لقوله تعالى # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # البقرة 194 وعن عمرو بن عبيد أن رجلا من العلوية قال له إن صدري ليجيش ~~بالشعر، فقال فما يمنعك منه فيما لا بأس به؟ والقول فيه أن الشعر باب من ~~الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. وقيل المراد بالمستثنين ~~عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، والكعبان كعب بن مالك، وكعب بن زهير ~~والذين كانوا ينافحون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكافحون هجاة ~~قريش. وعن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms1425 له 791 # " اهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل " # وكان يقول لحسان 792 # " قل وروح القدس معك " # ختم السورة بآية ناطقة بما لا شيء أهيب منه وأهول، ولا أنكى لقلوب ~~المتأملين ولا أصدع لأكباد المتدبرين، وذلك قوله { وسيعلم } وما ~~فيه من الوعيد البليغ، وقوله { الذين ظلموا } وإطلاقه. وقوله { ~~أى منقلب ينقلبون } وإبهامه، وقد تلاها أبو بكر لعمر رضي ~~الله عنهما حين عهد إليه وكان السلف الصالح يتواعظون بها ويتناذرون ~~شدتها. وتفسير الظلم بالكفر تعليل، ولأن تخاف فتبلغ الأمن خير من أن تأمن ~~فتبلغ الخوف. وقرأ ابن عباس «أي منفلت ينفلتون» ومعناها إن الذين ظلموا ~~يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله، وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه ~~الانفلات وهو النجاة اللهم اجعلنا ممن جعل هذه الآية بين عينيه فلم يغفل ~~عنها وعلم أن من عمل سيئة فهو من الذين ظلموا، والله أعلم بالصواب. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 793 # " من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من ~~صدق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم وبعدد من ~~كذب بعيسى وصدق بمحمد عليهم الصلاة والسلام " ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-3] # { طس } قرىء بالتفخيم والإمالة، و { تلك } إشارة إلى آيات السورة ~~والكتاب المبين إما اللوح، وإبانته أنه قد خط فيه كل ما هو كائن فهو ~~يبينه للناظرين فيه إبانة. وإما الصورة. وإما القرآن، وإبانتهما أنهما ~~يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع، وأن إعجازهما ظاهر مكشوف، ~~وإضافة الآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل التفخيم لها والتعظيم، ~~لأن المضاف إلى العظيم يعظم بالإضافة إليه. فإن قلت لم نكر الكتاب ~~المبين؟ قلت ليبهم بالتنكير فيكون أفخم له، كقوله تعالى # فى مقعد صدق عند مليك مقتدر # القمر 55. فإن قلت ما وجه عطفه على القرآن إذا أريد به القرآن؟ قلت كما ~~تعطف إحدى الصفتين على الأخرى في نحو قولك هذا فعل السخي والجواد الكريم، ~~لأن القرآن هو المنزل المبارك المصدق لما بين يديه، فكان حكمه حكم ~~الصفات المستقلة ms1426 بالمدح، فكأنه قيل تلك الآيات آيات المنزل المبارك آي ~~كتاب مبين. وقرأ ابن أبي عبلة «وكتاب مبين» بالرفع على تقدير وآيات ~~كتاب مبين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. فإن قلت ما الفرق بين ~~هذا وبين قوله # الر تلك ءايت الكتب وقرءان مبين # الحجر 1؟ قلت لا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من ~~التقدم والتأخر، وذلك على ضربين ضرب جار مجرى التثنية لا يترجح فيه جانب ~~على جانب، وضرب فيه ترجح، فالأول نحو قوله تعالى # وقولوا حطة # البقرة 58، الأعراف 161، # وادخلوا الباب سجدا # البقرة 58، الأعراف 161 ومنه ما نحن بصدده. والثاني نحو قوله تعالى # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملئكة ~~وأولوا العلم # آل عمران 18، { هدى وبشرى } في محل النصب أو الرفع، فالنصب على ~~الحال، أي هادية ومبشرة والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، والرفع ~~على ثلاثة أوجه، على هي هدى وبشرى، وعلى البدل من الآيات، وعلى أن يكون ~~خبرا بعد خبر، أي جمعت أنها آيات، وأنها هدى وبشرى. والمعنى في كونها ~~هدى للمؤمنين أنها زائدة في هداهم. قال الله تعالى # فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا # التوبة 124 فإن قلت { وهم بالأخرة هم يوقنون } كيف يتصل ~~بما قبله؟ قلت يحتمل أن يكون من جملة صلة الموصول، ويحتمل أن تتم الصلة ~~عنده ويكون جملة اعتراضية، كأنه قيل وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون ~~الصالحات من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة، وهو الوجه. ~~ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو { وهم } ~~حتى صار معناها وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين ~~الإيمان والعمل الصالح، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. ### || [27.4-5] # فإن قلت كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسنده إلى الشيطان في ~~قوله # وزين لهم الشيطن أعملهم # النمل 24، العنكبوت 38؟ قلت بين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى ~~الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله عز وجل مجاز، وله طريقان في علم البيان. ~~أحدهما أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة. والثاني ms1427 أن يكون من ~~المجاز الحكمي، فالطريق الأول أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق. ~~وجعلوا إنعام الله بذلك عليهم وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم ~~وبطرهم وإيثارهم الروح والترفة، ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة ~~والمشاق المتعبة، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم. وإليه أشارت الملائكة ~~صلوات الله وسلامه عليهم في قولهم # ولكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر # الفرقان 18 والطريق الثاني أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ~~ملابسة ظاهرة للتزيين، فأسند إليه لأن المجاز الحكمي يصححه بعض ~~الملابسات، وقيل هي أعمال الخير التي وجب عليهم أن يعملوها زينها لهم ~~الله فعمهوا عنها وضلوا، وعزى إلى الحسن. والعمه التحير والتردد، كما ~~يكون حال الضال عن الطريق. وعن بعض الأعراب أنه دخل السوق وما أبصرها قط، ~~فقال رأيت الناس عمهين، أراد مترددين في أعمالهم وأشغالهم { سوء ~~العذاب } القتل والأسر يوم بدر. و { الأخسرون } أشد الناس ~~خسرانا لأنهم لو آمنوا لكانوا من الشهداء على جميع الأمم، فخسروا ذلك مع ~~خسران النجاة وثواب الله. ### || [27.6] # { لتلقى القرءان } لتؤتاه وتلقنه { من } عند أي { حكيم } ~~وأي { عليم } وهذا معنى مجيئهما نكرتين. وهذه الآية بساط وتمهيد، لما ~~يريد أن يسوق بعدها من الأقاصيص وما في ذلك من لطائف حكمته ودقائق علمه. ### || [27.7] # { إذ } منصوب بمضمر، وهو اذكر، كأنه قال على أثر ذلك خذ من آثار حكمته ~~وعلمه قصة موسى. ويجوز أن ينتصب بعليم. وروي أنه لم يكن مع موسى عليه ~~السلام غير امرأته، وقد كنى الله عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على ~~لفظ الجمع، وهو قوله # امكثوا # طه10. الشهاب الشعلة. والقبس النار المقبوسة، وأضاف الشهاب إلى القبس ~~لأنه يكون قبسا وغير قبس. ومن قرأ بالتنوين جعل القبس بدلا، أو صفة لما ~~فيه من معنى القبس. والخبر ما يخبر به عن حال الطريق، لأنه كان قد ضله. ~~فإن قلت سآتيكم منها بخبر، ولعلي آتيكم منها بخبر كالمتدافعين لأن ~~أحدهما ترج والآخر تيقن. قلت قد يقول الراجي إذا قوي رجاؤه سأفعل كذا، ~~وسيكون كذا مع تجويزه الخيبة. ms1428 فإن قلت كيف جاء بسين التسويف؟ قلت عدة ~~لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ، أو كانت المسافة بعيدة. فإن قلت فلم جاء ~~بأو دون الواو؟ قلت بنى الرجاء على أنه إن لم يظفر بحاجتيه جميعا لم ~~يعدم واحدة منهما إما هداية الطريق وإما اقتباس النار، ثقة بعادة الله ~~أنه لا يكاد يجمع بين حرمانين على عبده، وما أدراه حين قال ذلك أنه ظافر ~~على النار بحاجتيه الكليتين جميعا، وهما العزان عز الدنيا، وعز ~~الآخرة. ### || [27.8] # { أن } هي المفسرة لأن النداء فيه معنى القول. والمعنى قيل له بورك ~~فإن قلت هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة وتقديره نودي بأنه بورك. ~~والضمير ضمير الشأن؟ قلت لا، لأنه لا بد من «قد». فإن قلت فعلى إضمارها؟ ~~قلت لا يصح لأنها علامة لا تحذف. ومعنى { بورك من فى النار ~~ومن حولها } بورك من في مكان النار، ومن حول مكانها. ومكانها ~~البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى # نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى البقعة ~~المباركة # القصص 30 وتدل عليه قراءة أبي. «تباركت الأرض ومن حولها». وعنه «بوركت ~~النار» والذي بوركت له البقعة، وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني ~~فيها وهو تكليم الله موسى واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه ورب خير ~~يتجدد في بعض البقاع، فينشر الله بركة ذلك الخير في أقاصيها، ويبث آثار ~~يمنه في أباعدها، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي جرى في تلك البقعة. ~~وقيل المراد بالمبارك فيهم موسى والملائكة الحاضرون. والظاهر أنه عام في ~~كل من كان في تلك الأرض وفي تلك الوادي وحواليهما من أرض الشام، ولقد جعل ~~الله أرض الشام بالبركات موسومة في قوله # ونجينه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها ~~للعلمين # الأنبياء 71 وحقت أن تكون كذلك، فهي مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم ومهبط الوحي إليهم وكفاتهم أحياء وأمواتا. فإن قلت فما معنى ~~ابتداء خطاب الله موسى بذلك عند مجيئه؟ قلت هي بشارة له بأنه قد قضى بأمر ~~عظيم تنتشر منه ms1429 في أرض الشام كلها البركة { وسبحن الله رب ~~العلمين } تعجيب لموسى عليه السلام من ذلك، وإيذان بأن ذلك الأمر ~~مريده ومكونه رب العالمين، تنبيها على أن الكائن من جلائل الأمور ~~وعظائم الشؤون. ### || [27.9] # الهاء في { إنه } يجوز أن يكون ضمير الشأن، والشأن { أنا الله ~~} مبتدأ وخبر. و { العزيز الحكيم } صفتان للخبر. وأن يكون راجعا ~~إلى ما دل عليه ما قبله، يعني أن مكلمك أنا، والله بيان لأنا. والعزيز ~~الحكيم صفتان للمبين، وهذا تمهيد لما أراد أن يظهره على يده من المعجزة، ~~يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية، الفاعل ~~كل ما أفعله بحكمة وتدبير. ### || [27.10-11] # فإن قلت علام عطف قوله { وألق عصاك }؟ قلت على بورك لأن المعنى ~~نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي. والمعنى قيل ~~له بورك من في النار، وقيل له { ألق عصاك }. والدليل على ذلك قوله ~~تعالى # وأن ألق عصاك # القصص 31 بعد قوله # أن يا موسى إنى أنا الله # القصص 30 على تكرير حرف التفسير، كما تقول كتبت إليك أن حج وأن اعتمر، ~~وإن شئت أن حج واعتمر. وقرأ الحسن جأن على لغة من يجد في الهرب من ~~التقاء الساكنين، فيقول شأبة ودأبة. ومنها قراءة عمرو بن عبيد «ولا ~~الضألين» { ولم يعقب } لم يرجع، يقال عقب المقاتل، إذا كر بعد ~~الفرار. قال # فما عقبوا إذ قيل هل من معقب ولا نزلوا يوم ~~الكريهة منزلا # وإنما رعب لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه { إنى لا يخاف ~~لدى المرسلون } و { إلا } بمعنى «لكن» لأنه لما أطلق نفي ~~الخوف عن الرسل، كان ذلك مظنة لطرو الشبهة، فاستدرك ذلك.والمعنى ولكن من ~~ظلم منهم أي فرطت منه صغيرة مما يجوز على الأنبياء، كالذي فرط من آدم ~~ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى بوكزة القبطي، ويشك أن يقصد ~~بهذا التعريض بما وجد من موسى، وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها. وسماه ~~ظلما، كما قال موسى # رب إنى ظلمت نفسى ms1430 فاغفر لى # القصص 16 والحسن، والسوء حسن التوبة، وقبح الذنب. وقرىء «ألا من ظلم»، ~~بحرف التنبيه. وعن أبي عمرو في رواية عصمة حسنا. ### || [27.12] # و { فى تسع ءايت } كلام مستأنف، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف. ~~والمعنى اذهب في تسع آيات { إلى فرعون } ونحوه # فقلت إلى الطعام فقال منهم فريق نحسد الإنس ~~الطعاما # ويجوز أن يكون المعنى وألق عصاك، وأدخل يدك في تسع آيات، أي في جملة تسع ~~آيات وعدادهن. ولقائل أن يقول كانت الآيات إحدى عشرة ثنتان منها اليد ~~والعصا، والتسع الفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ~~والطمسة، والجدب في بواديهم، والنقصان في مزارعهم. ### || [27.13] # المبصرة الظاهرة البينة. جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها، ~~لأنهم لابسوها وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها. ويجوز أن يراد ~~بحقيقة الإبصار كل ناظر فيها من كافة أولي العقل، وأن يراد إبصار فرعون ~~وملئه. لقوله # واستيقنتها أنفسهم # النمل 14 أو جعلت كأنها تبصر فتهدي، لأن العمي لا تقدر على الاهتداء، ~~فضلا أن تهدي غيرها. ومنه قولهم كلمة عيناء، وكلمة عوراء، لأن الكلمة ~~الحسنة ترشد، والسيئة تغوي. ونحوه قوله تعالى # لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموت ~~والأرض بصائر # الإسراء 102 فوصفها بالبصارة، كما وصفها بالإبصار. وقرأ علي بن الحسين ~~رضي الله عنهما وقتادة «مبصرة»، وهي نحو مجبنة ومبخلة ومجفرة، أي مكانا ~~يكثر فيه التبصر. ### || [27.14] # الواو في { واستيقنتها } واو الحال، وقد بعدها مضمرة، والعلو ~~الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى، كقوله تعالى # فاستكبروا وكانوا قوما علين # المؤمنون 46، # فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عبدون # المؤمنون 47 وقرىء «عليا» و«عليا» بالضم والكسر، كما قرىء «عتيا»، ~~و«عتيا»، وفائدة ذكر الأنفس أنهم جحدوها بألسنتهم، واستيقنوها في قلوبهم ~~وضمائرهم والاستيقان أبلغ من الإيقان، وقد قوبل بين المبصرة والمبين، وأي ~~ظلم أفحش من ظلم من اعتقد واستيقن أنها آيات بينة واضحة جاءت من عند ~~الله، ثم كابر بتسميتها سحرا بينا مكشوفا لا شبهة فيه. ### || [27.15] # { علما } طائفة من العلم أو علما سنيا غزيرا. فإن قلت أليس ms1431 هذا ~~موضع الفاء دون الواو، كقولك أعطيته فشكر، ومنعته فصبر؟ قلت بلى، ولكن ~~عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من ~~مواجبه، فأضمر ذلك ثم عطف عليه التحميد، كأنه قال ولقد آتيناهما علما ~~فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة { وقالا الحمد ~~لله الذى فضلنا }. والكثير المفضل عليه من لم يؤت علما. أو ~~من لم يؤت مثل علمهما. وفيه أنهما فضلا على كثير وفضل عليهما كثير. وفي ~~الآية دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم ~~من أجل النعم. وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من ~~عباد الله، كما قال # والذين أوتوا العلم درجت # المجادلة 11، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم 794 «ورثة ~~الأنبياء» إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم القوام بما ~~بعثوا من أجله. وفيها أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة لوازم، منها أن ~~يحمدوا الله على ما أوتوه من فضلهم على غيرهم. وفيها التذكير بالتواضع، ~~وأن يعتقد العالم أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه مثلهم. وما أحسن قول ~~عمر كل الناس أفقه من عمر. ### || [27.16] # ورث منه النبوة والملك دون سائر بنيه - وكانوا تسعة عشر - وكان داود ~~أكثر تعبدا، وسليمان أقضى وأشكر لنعمة الله { وقال يأيها ~~الناس } تشهيرا لنعمة الله، وتنويها بها، واعترافا بمكانها، ودعاء ~~للناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك مما ~~أوتيه من عظائم الأمور. والمنطق كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، المفيد ~~وغير المفيد. وقد ترجم يعقوب بن السكيت كتابه بإصلاح المنطق، وما أصلح ~~فيه إلا مفردات الكلم، وقالت العرب نطقت الحمامة، وكل صنف من الطير ~~يتفاهم أصواته، والذي علمه سليمان من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض ~~من معانيه وأغراضه. ويحكى أنه مر على بلبل في شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، ~~فقال لأصحابه أتدرون ما يقول؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال يقول أكلت نصف ~~تمرة فعلى الدنيا ms1432 العفاء. وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول ليت ذا الخلق لم ~~يخلقوا. وصاح طاووس، فقال يقول كما تدين تدان. وصاح هدهد، فقال يقول ~~استغفروا الله يا مذنبين. وصاح طيطوي، فقال يقول كل حي ميت، وكل جديد ~~بال. وصاح خطاف فقال يقول قدموا خيرا تجدوه. وصاحت رخمة، فقال تقول ~~سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. وصاح قمري، فأخبر أنه يقول سبحان ربي ~~الأعلى. وقال الحدأ يقول كل شيء هالك إلا الله. والقطاة تقول من سكت سلم. ~~والببغاء تقول ويل لمن الدنيا همه. والديك يقول اذكروا الله يا غافلين. ~~والنسر يقول يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت. والعقاب يقول في البعد من ~~الناس أنس. والضفدع يقول سبحان ربي القدوس. وأراد بقوله { من كل شىء ~~} كثرة ما أوتي، كما تقول فلان يقصده كل أحد، ويعلم كل شيء، تريد كثرة ~~قصاده ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه. ومثله قوله # وأوتيت من كل شىء # النمل 23. { إن هذا لهو الفضل المبين } قول وارد على ~~سبيل الشكر والمحمدة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 795 # " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " # أي أقول هذا القول شكرا ولا أقوله فخرا. فإن قلت كيف قال علمنا ~~وأوتينا وهو من كلام المتكبرين؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن يريد نفسه ~~وأباه. والثاني أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع - وكان ملكا ~~مطاعا - فكلم أهل طاعته على صفته وحاله التي كان عليها، وليس التكبر من ~~لوازم ذلك، وقد يتعلق بتجمل الملك وتفخمه، وإظهار آيينه وسياسته مصالح، ~~فيعود تكلف ذلك واجبا. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل نحوا ~~من ذلك إذا وفد عليه وفد أو احتاج أن يرجح في عين عدو. ألا ترى كيف أمر ~~العباس رضي الله عنه بأن يحبس أبا سفيان حتى تمر عليه الكتائب. ### || [27.17] # روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون ~~للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من ~~قوارير على ms1433 الخشب، فيها ثلثمائة منكوحة. وسبعمائة سرية، وقد نسجت له ~~الجن بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه ~~وهو من ذهب، فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد ~~الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول ~~الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه الشمس، ~~وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. ويروى أنه كان يأمر الريح ~~العاصف تحمله، ويأمر الرخاء تسيره، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء ~~والأرض إني قد زدت في ملكك لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، ~~فيحكى أنه مر بحراث فقال لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فألقته الريح ~~في أذنه، فنزل ومشى إلى الحراث وقال إنما مشيت إليك لئلا تتمنى مالا ~~تقدر عليه، ثم قال لتسبيحة واحدة يقبلها الله، خير مما أوتي آل داود { ~~يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم، أي توقف سلاف العسكر حتى تلحقهم ~~التوالي فيكونوا مجتمعين لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة. ### || [27.18] # قيل هو واد بالشام كثير النمل. فإن قلت لم عدي { أتوا } بعلى؟ قلت ~~يتوجه على معنيين أحدهما أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء، ~~كما قال أبو الطيب # ولشد ما قربت عليك الأنجم # لما كان قربا من فوق. والثاني أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره، من قولهم ~~أتى على الشيء إذا أنفذه وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع ~~الوادي، لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف حطمهم. وقرىء ~~«نملة يا أيها النمل»، بضم الميم وبضم النون والميم، وكان الأصل النمل، ~~بوزن الرجل، والنمل الذي عليه الاستعمال تخفيف عنه، كقولهم «السبع» في ~~السبع. قيل كانت تمشي وهي عرجاء تتكاوس، فنادت { يأيها النمل } ~~الآية، فسمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. وقيل كان اسمها طاخية. وعن ~~قتادة أنه دخل الكوفة فالتف عليه الناس، فقال سلوا عما شئتم، وكان أبو ~~حنيفة رحمه الله حاضرا - وهو غلام حدث -. فقال سلوه عن نملة ms1434 سليمان، ~~أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة كانت أنثى، فقيل له ~~من أين عرفت؟ قال من كتاب الله، وهو قوله { قالت نملة } ولو كانت ~~ذكرا لقال قال نملة. وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على ~~الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم حمامة ذكر، وحمامة أنثى، ~~وهو وهي. وقرىء «مسكنكم ولا يحطمنكم» بتخفيف النون، وقرىء «لا يحطمنكم» ~~بفتح الحاء وكسرها. وأصله يحتطمنكم. ولما جعلها قائلة والنمل مقولا لهم ~~كما يكون في أولي العقل أجرى خطابهم مجرى خطابهم. فإن قتل لا يحطمنكم ما ~~هو؟ قلت يحتمل أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر، ~~والذي جوز أن يكون بدلا منه أنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، ~~على طريقة لا أرينك ههنا، أراد لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو ~~أبلغ، ونحوه عجبت من نفسي ومن إشفاقها. ### || [27.19] # ومعنى { فتبسم ضحكا } تبسم شارعا في الضحك وآخذا فيه، يعني ~~أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك، وكذلك ضحك الأنبياء عليهم الصلاة ~~السلام. وأما ما روي 796 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت ~~نواجذه فالغرض المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك النبوي، وإلا فبدو ~~النواجذ على الحقيقة إنما يكون عند الاستغراب، وقرأ ابن السميفع «ضحكا» ~~فإن قلت ما أضحكه من قولها؟ قلت شيئان، إعجابه بما دل من قولهما على ظهور ~~رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك ~~قولها { وهم لا يشعرون } تعني أنهم لو شعروا لم يفعلوا. وسروره ~~بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا من إدراكه بسمعه ما همس به بعض الحكل ~~الذي هو مثل في الصغر والقلة، ومن إحاطته بمعناه، ولذلك اشتمل دعاؤه على ~~استيزاع الله شكر ما أنعم به عليه من ذلك، وعلى استيفاقه لزيادة العمل ~~الصالح والتقوى. وحقيقة { أوزعنى } اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، ~~وأكفه وأرتبطه لا ينفلت عني، حتى لا أنفك شاكرا لك. وإنما أدرج ذكر ~~والديه لأن النعمة ms1435 على الولد نعمة على الوالدين، خصوصا النعمة الراجعة ~~إلى الدين، فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته وبدعاء المؤمنين ~~لهما كلما دعوا له، وقالوا رضي الله عنك وعن والديك. وروي أن النملة أحست ~~بصوت الجنود ولا تعلم أنهم في الهواء، فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا ~~يذعرن حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة. ومعنى { وأدخلنى ~~برحمتك فى عبادك الصلحين } واجعلني من أهل الجنة. ### || [27.20-21] # { أم } هي المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره، فقال { مالي ~~لا أرى } على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك، ثم ~~لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما ~~لاح له. ونحوه قولهم إنها لإبل أم شاء، وذكر من قصة الهدهد أن سليمان ~~حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج بحشرة، فوافى الحرم وأقام به ما ~~شاء، وكان يقرب كل يوم طول مقامه بخمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة ~~وعشرين ألف شاة، ثم عزم على السير إلى اليمن فخرج من مكة صباحا يؤم ~~سهيلا فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء أعجبته ~~خضرتها، فنزل ليتغدى ويصلي فلم يجدوا الماء، وكان الهدهد قناقنه، وكان ~~يرى الماء من تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فيجيء الشياطين ~~فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء، فتفقده لذلك، وحين نزل ~~سليمان حلق الهدهد فرأى هدهدا واقعا، فانحط إليه فوصف له ملك سليمان ~~وما سخر له من كل شيء، وذكر له صاحبه ملك بلقيس، وأن تحت يدها اثنى عشر ~~ألف قائد تحت كل قائد مائة ألف وذهب معه لينظر فما رجع إلا بعد العصر، ~~وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال ~~فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه، ثم قال لسيد ~~الطير وهو العقاب علي به، فارتفعت فنظرت، فإذا هو مقبل فقصدته. فناشدها ~~الله وقال بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتيني، فتركته وقالت ثكلتك ms1436 ~~أمك، إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال وما استثنى؟ قالت بلى قال ~~أوليأتيني بعذر مبين، فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على ~~الأرض تواضعا له، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه، فقال يا نبي الله ~~اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله. تعذيبه أن ~~يؤدب بما يحتمله حاله ليعتبر به أبناء جنسه. وقيل كان عذاب سليمان للطير ~~أن ينتف ريشه ويشمسه. وقيل أن يطلي بالقطران ويشمس. وقيل أن يلقى للنمل ~~تأكله. وقيل إيداعه القفص. وقيل التفريق بينه وبين إلفه. وقيل لألزمنه ~~صحبة الأضداد. وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد. وقيل لألزمنه خدمة ~~أقرانه. فإن قلت من أين حل له تعذيب الهدهد؟ قلت يجوز أن يبيح له الله ~~ذلك. لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة كما أباح ذبح البهائم والطيور ~~للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر له من أجله إلا ~~بالتأديب والسياسة جاز أن يباح له ما يستصلح به. # وقرىء «ليأتينني» و «ليأتينن» والسلطان الحجة والعذر. فإن قلت قد حلف ~~على أحد ثلاثة أشياء فحلفه على فعليه لا مقال فيه، ولكن كيف صح حلفه على ~~فعل الهدهد؟ ومن أين درى أنه يأتي بسلطان، حتى يقول والله ليأتيني ~~بسلطان؟ قلت لما نظم الثلاثة «بأو» في الحكم الذي هو الحلف آل كلامه إلى ~~قولك ليكونن أحد الأمور، يعني إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ~~ذبح، وإن لم يكن كان أحدهما، وليس في هذا ادعاء دراية، على أنه يجوز أن ~~يتعقب حلفه بالفعلين وحي من الله بأنه سيأتيه بسلطان مبين، فثلث بقوله ~~{ أو ليأتينى بسلطن مبين } عن دراية وإيقان. ### || [27.22] # { فمكث } قرىء بفتح الكاف وضمها { غير بعيد } غير زمان بعيد، ~~كقوله عن قريب. ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من ~~سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخرا له، ولبيان ما أعطي من المعجزة ~~الدالة على نبوته وعلى قدرة الله تعالى { أحطت } بإدغام الطاء في ~~التاء بإطباق وبغير ms1437 إطباق ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام على ~~ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات ~~الكثيرة، ابتلاء له في علمه، وتنبيها على أن في أدنى خلقه وأضعفه من ~~أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه، ويكون ~~لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء وأعظم بها فتنة، والإحاطة ~~بالشيء علمها أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه معلوم. قالوا وفيه دليل ~~على بطلان قول الرافضة إن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه ~~أحد أعلم منه «سبأ». قرىء بالصرف ومنعه. وقد روي بسكون الباء. وعن ابن ~~كثير في رواية «سبا»، بالألف كقولهم ذهبوا أيدي سبا. وهو سبأ بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرف، ومن جعله اسما للحي أو ~~الأب الأكبر صرف. قال # من سبإ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله ~~العرما # وقال # الواردون وتيم في ذري سبإ قد عض أعناقهم ~~جلد الجواميس # ثم سميت مدينة مأرب بسبإ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث، كما سميت معافر ~~بمعافر بن أد. ويحتمل أن يراد المدينة والقوم. بنبأ يقين والنبأ الخبر ~~الذي له شأن. وقوله { من سبإ بنبإ } من جنس الكلام الذي سماه ~~المحدثون البديع، وهو من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ، بشرط أن يجيء ~~مطبوعا. أو يصنعه عالم بجوهر الكلام يحفظ معه صحة المعنى وسداده، ولقد ~~جاء ههنا زائدا على الصحة فحسن وبدع لفظا ومعنى. ألا ترى أنه لو وضع ~~مكان بنبإ بخبر، لكان المعنى صحيحا، وهو كما جاء أصح، لما في النبإ من ~~الزيادة التي يطابقها وصف الحال. ### || [27.23] # المرأة بلقيس بنت شراحيل، وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، وقد ولده ~~أربعون ملكا ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت على الملك، وكانت هي وقومها ~~مجوسا يعبدون الشمس. والضمير في { تملكهم } راجع إلى سبإ، فإن ~~أريد به القوم بالأمر ظاهر، وإن أريدت المدينة فمعناه تملك أهلها. وقيل ~~في وصف عرشها كان ثمانين ذراعا ms1438 في ثمانين وسمكه ثمانين. وقيل ثلاثين ~~مكان ثمانين، وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر، وكانت قوائمه من ~~ياقوت أحمر وأخضر ودر وزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. ~~فإن قلت كيف استعظم عرشها مع ما كان يرى من ملك سليمان؟ قلت يجوز أن ~~يستصغر حالها إلى حال سليمان، فاستعظم لها ذلك العرش. ويجوز أن لا يكون ~~لسليمان مثله وإن عظمت مملكته في كل شيء، كما يكون لبعض أمراء الأطراف ~~شيء لا يكون مثله للملك الذي يملك عليهم أمرهم ويستخدمهم. ومن نوكي ~~القصاص من يقف على قوله { ولها عرش } ثم يبتدىء { عظيم ~~وجدتها } يريد أمر عظيم، أن وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فر من ~~استعظام الهدهد عرشها، فوقع في عظيمة وهي مسخ كتاب الله. فإن قلت كيف قال ~~{ وأوتيت من كل شىء } مع قول سليمان # وأوتينا من كل شىء # النمل 16 كأنه سوي بينهما؟ قلت بينهما فرق بين لأن سليمان عليه السلام ~~عطف قوله على ما هو معجزة من الله، وهو تعليم منطق الطير، فرجع أولا ~~إلى ما أوتي من النبوة والحكمة وأسباب الدين، ثم إلى الملك وأسباب ~~الدنيا، وعطفه الهدهد على الملك فلم يرد إلا ما أوتيت من أسباب الدنيا ~~اللائقة بحالها فبين الكلامين بون بعيد. فإن قلت كيف خفي على سليمان ~~مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة، وهي مسيرة ثلاث بين ~~صنعاء ومأرب؟ قلت لعل الله عز وجل أخفى عنه ذلك لمصلحة رآها، كما أخفى ~~مكان يوسف على يعقوب. ### || [27.24-26] # فإن قلت من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله، ووجوب السجود له، وإنكار ~~سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه؟ قلت لا يبعد أن يلهمه الله ~~ذلك كما ألهمه وغيره من الطيور وسائر الحيوان المعارف اللطيفة التي لا ~~يكاد العقلاء الرجاح العقول يهتدون لها، ومن أراد استقراء ذلك فعليه ~~بكتاب الحيوان، خصوصا في زمن نبي سخرت له الطيور وعلم منطقها، وجعل ذلك ~~معجزة له. من قرأ بالتشديد أراد «فصدهم عن السبيل» لئلا يسجدوا فحذف ~~الجار مع ms1439 أن. ويجوز أن تكون «لا» مزيدة، ويكون المعنى فهم لا يهتدون إلى ~~أن يسجدوا. ومن قرأ بالتخفيف، فهو «ألا يسجدوا». ألا للتنبيه، ويا حرف ~~النداء، ومناداه محذوف، كما حذفه من قال # ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى # وفي حرف عبد الله وهي قراءة الأعمش «هلا»، و«هلا» بقلب الهمزتين هاء. ~~وعن عبد الله «هلا تسجدون» بمعنى ألا تسجدون على الخطاب. وفي قراءة أبي ~~«ألا تسجدون لله الذي يخرج الخبء من السماء والأرض ويعلم سركم وما ~~تعلنون»، وسمي المخبوء بالمصدر وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه عز ~~وعلا من غيوبه. وقرىء «الخب»، على تخفيف الهمزة بالحذف. والخبا، على ~~تخفيفها بالقلب، وهي قراءة ابن مسعود ومالك بن دينار. ووجهها أن تخرج على ~~لغة من يقول في الوقف هذا الخبو، رأيت الخبا، ومررت بالخبي، ثم أجري ~~الوصل مجرى الوقف، لا على لغة من يقول الكمأة والحمأة لأنها ضعيفة ~~مسترذلة. وقرىء «يخفون ويعلنون» بالياء والتاء. وقيل من أحطت إلى العظيم ~~هو كلام الهدهد. وقيل كلام رب العزة. وفي إخراج الخبء أمارة على أنه من ~~كلام الهدهد لهندسته ومعرفته الماء تحت الأرض، وذلك بإلهام من يخرج الخبء ~~في السموات والأرض جلت قدرته ولطف علمه، ولا يكاد تخفى على ذي الفراسة ~~النظار بنور الله مخائل كل مختص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه ~~وشمائله، ولهذا ورد ما عمل عبد عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله. فإن ~~قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما؟ قلت هي ~~واجبة فيهما جميعا، لأن مواضع السجدة إما أمر بها، أو مدح لمن أتى ~~بها، أو ذم لمن تركها، وإحدى القراءتين أمر بالسجود، والأخرى ذم للتارك. ~~وقد اتفق أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله على أن سجدات القرآن أربع ~~عشرة، وإنما اختلفا في سجدة ص فهي عند أبي حنيفة سجدة تلاوة. وعند ~~الشافعي سجدة شكر. وفي سجدتي سورة الحج وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة ~~مع التخفيف دون التشديد، فغير مرجوع إليه. فإن قلت هل يفرق ms1440 الواقف بين ~~القراءتين؟ قلت نعم إذا خفف وقف على { فهم لا يهتدون } ثم ~~ابتداء { ألا يسجدوا } ، وإن شاء وقف على «ألا» ثم ابتدأ { ~~يسجدوا } وإذا شدد لم يقف إلا على { العرش العظيم }. فإن ~~قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف ب العظيم؟ قلت ~~بين الوصفين بون عظيم، لأن وصف عرشها بالعظم تعظيم له بالإضافة إلى عروش ~~أبناء جنسها من الملوك. ووصف عرش الله بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ~~ما خلق من السموات والأرض. وقرىء «العظيم» بالرفع. ### || [27.27-28] # { سننظر } من النظر الذي هو التأمل والتصفح. وأراد أصدقت أم كذبت، ~~إلا أن { كنت من الكذبين } أبلغ، لأنه إذا كان معروفا ~~بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبا لا محالة، وإذا كان كاذبا اتهم ~~بالكذب فيما أخبر به فلم يوثق به، { تول عنهم } تنح عنهم إلى ~~مكان قريب تتوارى فيه، ليكون ما يقولونه بمسمع منك. و { يرجعون } من ~~قوله تعالى # يرجع بعضهم إلى بعض القول # سبأ 31 يقال دخل عليها من كوة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة. ~~فإن قلت لم قال فألقه إليهم، على لفظ الجمع؟ قلت لأنه قال وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس، فقال فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، ~~واشتغالا به عن غيره. وبني الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك. ### || [27.29-31] # { كريم } حسن مضمونة وما فيه، أو وصفته بالكرم، لأنه من عند ملك كريم ~~أو مختوم. قال صلى الله عليه وسلم 797 # " كرم الكتاب ختمه ". # 798 # " وكان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى العجم، فقيل له إنهم لا يقبلون إلا ~~كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما " # عن ابن المقفع من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به. وقيل ~~مصدر ببسم الله الرحمن الرحيم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم هو استئناف وتبيين لما ألقي إليها، كأنها لما قالت إني ~~ألقي إلي كتاب كريم، قيل لها ممن هو؟ وما هو؟ فقالت إنه من سليمان ~~وإنه كيت وكيت. وقرأ عبد الله «وإنه ms1441 من سليمان وإنه» عطفا على إني. ~~وقرىء «أنه من سليمان وأنه»، بالفتح على أنه بدل من كتاب، كأنه قيل ألقى ~~إلي أنه من سليمان. ويجوز أن تريد لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت ~~كرمه بكونه من سليمان، وتصديره باسم الله. وقرأ أبي «أن من سليمان وأن ~~بسم الله»، على أن المفسرة. وأن في { ألا تعلوا } مفسرة أيضا. لا ~~تعلوا لا تتكبروا كما يفعل الملوك. وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما بالغين ~~معجمة من الغلو وهو مجاوزة الحد. يروى أن نسخة الكتاب من عبد الله ~~سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى، أما بعد ~~فلا تعلوا علي وائتوني مسلمين، وكانت كتب الأنبياء عليهم السلام جملا ~~لا يطيلون ولا يكثرون، وطبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه، فوجدها الهدهد ~~راقدة في قصرها بمأرب، وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت ~~رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على نحرها وهي مستلقية. وقيل نقرها ~~فانتبهت فزعة. وقيل أتاها والقادة والجنود حواليها، فرفرف ساعة والناس ~~ينظرون حتى رفعت رأسها، فألقى الكتاب في حجرها، وكانت قارئة كاتبة عربية ~~من نسل تبع بن شراحيل الحميري فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت،وقالت لقومها ~~ما قالت { مسلمين } منقادين أو مؤمنين. ### || [27.32] # الفتوى الجواب في الحادثة، اشتقت على طريق الاستعارة من الفتى في السن. ~~والمراد بالفتوى ههنا الإشارة عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي ~~والتدبير، وقصدت بالانقطاع إليهم والرجوع إلى استشارتهم واستطلاع آرائهم ~~استعطافهم وتطييب نفوسهم ليمالئوها ويقوموا معها { قاطعة أمرا } ~~فاصلة. وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه «قاضية» أي لا أبت أمرا إلا ~~بمحضركم. وقيل كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل واحد على ~~عشرة آلاف. ### || [27.33] # أرادوا بالقوة قوة الأجساد وقوة الآلات والعدد. وبالبأس النجدة ~~والبلاء في الحرب { والأمر إليك } أي هو موكول إليك، ونحن مطيعون ~~لك، فمرينا بأمرك نطعك ولا نخالفك كأنهم أشاروا عليها بالقتال. أو أرادوا ~~نحن من أبناء الحرب لا من أبناء الرأي والمشورة، وأنت ذات الرأي ~~والتدبير، ms1442 فانظري ماذا ترين نتبع رأيك. ### || [27.34-36] # لما أحست منهم الميل إلى المحاربة، رأت من الرأي الميل إلى الصلح ~~والابتداء بما هو أحسن، ورتبت الجواب، فزيفت أولا ما ذكروه وأرتهم الخطأ ~~فيه ب { إن الملوك إذا دخلوا قرية } عنوة وقهرا { ~~أفسدوها } أي خربوها - ومن ثمة قالوا للفساد الخربة -، وأذلوا ~~أعزتها، وأهانوا أشرافها وقتلوا وأسروا، فذكرت لهم عاقبة الحرب وسوء ~~مغبتها ثم قالت { وكذلك يفعلون } أرادت وهذه عادتهم المستمرة ~~الثابتة التي لا تتغير، لأنها كانت في بيت الملك القديم، فسمعت نحو ذلك ~~ورأت، ثم ذكرت بعد ذلك حديث الهدية وما رأت من الرأي السديد. وقيل هو ~~تصديق من الله لقولها، وقد يتعلق الساعون في الأرض بالفساد بهذه الآية ~~ويجعلونها حجة لأنفسهم. ومن استباح حراما فقد كفر، فإذا احتج له بالقرآن ~~على وجه التحريف فقد جمع بين كفرين { مرسلة إليهم بهدية ~~} أي مرسلة رسلا بهدية أصانعه بها عن ملكي { فناظرة } ما يكون منه ~~حتى أعمل على حسب ذلك، فروي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري، ~~وحليهن الأساور والأطواق، والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج محلاة ~~اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي ~~الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع ~~والمسك والعنبر، وحقا فيه درة عذراء، وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رجلين ~~من أشراف قومها المنذر بن عمرو، وآخر ذا رأي وعقل، وقالت إن كان نبيا ~~ميز بين الغلمان والجواري، وثقب الدرة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة ~~خيطا، ثم قالت للمنذر إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن ~~رأيته بشا لطيفا فهو نبي، فأقبل الهدهد فأخبر سليمان، فأمر الجن ~~فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، ~~وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في ~~البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن ~~وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين واليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من ~~جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ، والإنس ms1443 صفوفا فراسخ، والوحش ~~والسباع والهوام والطيور كذلك، فلما دنا القوم ونظروا بهتوا، ورأوا ~~الدواب تروث على اللبن، فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا ~~بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال ما وراءكم؟ وقال أين الحق؟ وأخبره ~~جبريل عليه السلام بما فيه فقال لهم إن فيه كذا وكذا، ثم أمر الأرضة ~~فأخذت شعرة ونفذت فيها،فجعل رزقها في الشجرة. وأخذت دودة بيضاء الخيط ~~بفيها ونفذت فيها، فجعل رزقها في الفواكه. ودعا بالماء فكانت الجارية ~~تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه ~~يضرب به وجهه، ثم رد الهدية وقال للمنذر ارجع إليهم، فقالت هو نبي وما ~~لنا به طاقة، فشخصت إليه في اثني عشر ألف قيل، تحت كل قيل ألوف. # وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه «فلما جاءوا» { أتمدونن } ~~وقرىء بحذف الياء والاكتفاء بالكسرة بالإدغام، كقوله { أتحجونى ~~} وبنون واحدة أتمدوني. الهدية اسم المهدي كما أن العطية اسم المعطي، ~~فتضاف إلى المهدي والمهدى إليه، تقول هذه هدية فلان، تريد هي التي أهداها ~~أو أهديت إليه، والمضاف إليه ههنا هو المهدي إليه. والمعنى أن ما عندي ~~خير مما عندكم، وذلك أن الله آتاني الدين الذي فيه الحظ الأوفر والغنى ~~الأوسع، وآتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه، فكيف يرضى مثلي بأن يمد ~~بمال ويصانع به { بل أنتم } قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة ~~الدنيا فلذلك { تفرحون } بما تزادون ويهدي إليكم، لأن ذلك مبلغ ~~همتكم وحالي خلاف حالكم وما أرضى منكم بشيء ولا أفرح به إلا بالإيمان ~~وترك المجوسية. فإن قلت ما الفرق بين قولك أتمدني بمال وأنا أغنى منك، ~~وبين أن تقوله بالفاء؟ قلت إذا قلته بالواو، فقد جعلت مخاطبي عالما ~~بزيادتي عليه في الغنى واليسار، وهو مع ذلك يمدني بالمال. وإذا قلته ~~بالفاء، فقد جعلته ممن خفيت عليه حالي، فأنا أخبره الساعة بما لا أحتاج ~~معه إلى إمداده، كأني أقول له أنكر عليك ما فعلت، فإني غني عنه. وعليه ~~ورد قوله { فما ءاتني الله ms1444 }. فإن قلت فما وجه الإضراب؟ قلت ~~لما أنكر عليهم الإمداد وعلل إنكاره، أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي ~~حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون سبب رضا ولا فرح إلا أن يهدي إليهم حظ من ~~الدنيا التي لا يعلمون غيرها. ويجوز أن تجعل الهدية مضافة إلى المهدي، ~~ويكون المعنى بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون فرح افتخار على ~~الملوك، بأنكم قدرتم على إهداء مثلها. ويحتمل أن يكون عبارة عن الرد، ~~كأنه قال بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها. ### || [27.37] # { ارجع } خطاب للرسول. وقيل للهدهد محملا كتابا آخر { لا قبل ~~} لا طاقة. وحقيقة القبل المقاومة والمقابلة، أي لا يقدرون أن يقابلوهم. ~~وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه لا قبل لهم بهم. الضمير في منها لسبأ. والذل ~~أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك. والصغار أن يقعوا في أسر ~~واستعباد، ولا يقتصر بهم على أن يرجعوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا. ### || [27.38] # يروي أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان عليه السلام، فجعل عرشها في آخر ~~سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من قصور سبعة لها. وغلقت الأبواب ~~ووكلت به حرسا يحفظونه، ولعله أوحى إلى سليمان عليه السلام باستيثاقها ~~من عرشها، فأراد أن يغرب عليها ويريها بذلك بعض ما خصه الله به من إجراء ~~العجائب على يده، مع إطلاعها على عظيم قدرة الله وعلى ما يشهد لنبوة ~~سليمان عليه السلام ويصدقها. وعن قتادة أراد أن يأخذه قبل أن تسلم، لعلمه ~~أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها. وقيل أراد أن يؤتى به فينكر ويغير، ~~ثم ينظر أتثبته أم تنكره؟ اختبارا لعقلها. ### || [27.39] # وقرىء «عفرية» والعفر، والعفريت، والعفرية، والعفراة، والعفارية من ~~الرجال الخبيث المنكر، الذي يعفر أقرانه. ومن الشياطين الخبيث المارد. ~~وقالوا كان اسمه ذكوان { لقوى } على حمله { أمين } آتى به كما هو ~~لا اختزل منه شيئا ولا أبدله. ### || [27.40] # { الذى عنده علم من الكتب } هو رجل كان عنده اسم الله ~~الأعظم، وهو يا حي ms1445 يا قيوم، وقيل يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا ~~إله إلا أنت. وقيل يا ذا الجلال والإكرام، وعن الحسن رضي الله عنه الله. ~~والرحمن. وقيل هو آصف بن برخيا كاتب سليمان عليه السلام، وكان صديقا ~~عالما. وقيل اسمه أسطوم. وقيل هو جبريل. وقيل ملك أيد الله به سليمان. ~~وقيل هو سليمان نفسه، كأنه استبطأ العفريت فقال له أنا أريك ما هو أسرع ~~مما تقول. وعن ابن لهيعة بلغني أنه الخضر عليه السلام علم من الكتاب من ~~الكتاب المنزل، وهو علم الوحي والشرائع. وقيل هو اللوح. والذي عنده علم ~~منه جبريل عليه السلام. وآتيك - في الموضعين - يجوز أن يكون فعلا واسم ~~فاعل. الطرف تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر. ولما كان الناظر ~~موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله # وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما ~~أتعبتك المناظر # وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد. ومعنى قوله { قبل أن ~~يرتد إليك طرفك } أي أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده ~~أبصرت العرش بين يديك ويروى أن آصف قال لسليمان عليه السلام مد عينيك ~~حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه فنظر نحو اليمين. ودعا آصف فغار العرش في ~~مكانه بمأرب، ثم نبغ عند مجلس سليمان عليه السلام بالشام بقدرة الله، قبل ~~أن يرد طرفه. ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجيء به، كما ~~تقول لصاحبك افعل كذا في لحظة، وفي ردة طرف، والتفت ترني، وما أشبه ذلك ~~تريد السرعة. { يشكر لنفسه } لأنه يحط به عنها عبء الواجب، ~~ويصونها عن سمة الكفران، وترتبط به النعمة ويستمد المزيد. وقيل الشكر، ~~قيد للنعمة الموجودة، وصيد للنعمة المفقودة. وفي كلام بعض المتقدمين إن ~~كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت ناقرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها ~~بالشكر، واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما ~~قريب إذا أنت لم ترج لله وقارا { غنى } عن الشكر { كريم } ~~بالإنعام على من يكفر نعمته، والذي قاله سليمان عليه السلام عند رؤية ~~العرش شاكرا لربه، جرى على ms1446 شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين ~~من عباده يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر، كما يشيعون النعمة المودعة ~~بجميل الصبر. ### || [27.41-43] # { نكروا } اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله، كما يتنكر ~~الرجل للناس لئلا يعرفوه، قالوا وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره، وأعلاه ~~أسفله. وقرىء «ننظر» بالجزم على الجواب، وبالرفع على الاستئناف { ~~أتهتدى } لمعرفته، أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين ~~والإيمان بنبوة سليمان عليه السلام إذا رأت تلك المعجزة البينة، من ~~تقدم عرشها وقد خلفته وأغلقت عليه الأبواب ونصبت عليه الحراس. هكذا ~~ثلاث كلمات حرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة. لم يقل أهذا عرشك، ~~ولكن أمثل هذا عرشك لئلا يكون تلقينا { قالت كأنه هو } ولم ~~تقل هو هو، ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، حيث لم تقطع في المحتمل { ~~وأوتينا العلم } من كلام سليمان وملئه فإن قلت علام عطف هذا ~~الكلام، وبم اتصل؟ قلت لما كان المقام - الذي سئلت فيه عن عرشها وأجابت ~~بما أجابت به - مقاما أجرى فيه سليمان وملؤه ما يناسب قولهم { ~~وأوتينا العلم } نحو أن يقولوا عند قولها كأنه هو قد أصابت في ~~جوابها وطبقت المفصل، وهي عاقلة لبيبة، وقد رزقت الإسلام، وعلمت قدرة ~~الله وصحة النبوة بالآيات التي تقدمت عند وفدة المنذر، وبهذه الآية ~~العجيبة من أمر عرشها - عطفوا على ذلك قولهم وأوتينا نحن العلم بالله ~~وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها، ولم نزل على دين الإسلام شكرا ~~لله على فضلهم عليها وسبقهم إلى العلم بالله والإسلام قبلها { وصدها ~~} عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشؤها بين ظهراني الكفرة ويجوز أن ~~يكون من كلام بلقيس موصولا بقولها { كأنه هو } والمعنى وأوتينا ~~العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان عليه السلام قبل هذه المعجزة أو ~~قبل هذه الحالة، تعني ما تبينت من الآيات عند وفدة المنذر ودخلنا في ~~الإسلام، ثم قال الله تعالى وصدها قبل ذلك عما دخلت فيه ضلالها عن سواء ~~السبيل. وقيل وصدها الله - أو سليمان - عما كانت تعبد بتقدير حذف الجار ~~وإيصال الفعل ms1447 إنها وقرى «أنها» بالفتح على أنه بدل من فاعل صد. أو بمعنى ~~لأنها. ### || [27.44] # الصرح القصر. وقيل صحن الدار. وقرأ ابن كثير «سأقيها» بالهمزة. ووجهه ~~أنه سمع سؤقا، فأجري عليه الواحد. والممرد المملس، وروي أن سليمان عليه ~~السلام أمر قبل قدومها فبني له على طريقها قصر من زجاج أبيض، وأجرى من ~~تحته الماء، وألقي فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في صدره، ~~فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس، وإنما فعل ذلك ليزيدها ~~استعظاما لأمره، وتحققا لنبوته، وثباتا على الدين. وزعموا أن الجن ~~كرهوا أن يتزوجها فتفضي إليه بأسرارهم، لأنها كانت بنت جنية. وقيل خافوا ~~أن يولد له منها ولد تجتمع له فطنة الجن والإنس، فيخرجون من ملك سليمان ~~إلى ملك هو أشد وأفظع، فقالوا له إن في عقلها شيئا، وهي شعراء الساقين، ~~ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش، واتخذ الصرح ليتعرف ~~ساقها ورجلها، فكشفت عنهما فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما لا أنها ~~شعراء، ثم صرف بصره وناداها { إنه صرح ممرد من قوارير ~~} وقيل هي السبب في اتخاذ النورة أمر بها الشياطين فاتخذوها، واستنكحها ~~سليمان عليه السلام، وأحبها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا لها ~~سيلحين وغمدان، وكان يزورها في الشهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت ~~له. وقيل بل زوجها ذا تبع ملك همدان، وسلطة على اليمن، وأمر زوبعة أمير ~~جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان { ~~ظلمت نفسى } تريد بكفرها فيما تقدم، وقيل حسبت أن سليمان عليه ~~السلام يغرقها في اللجة فقالت ظلمت نفسي بسوء ظني بسليمان عليه السلام. ### || [27.45-46] # وقرىء «أن اعبدوا»، بالضم على إتباع النون الباء { فريقان } فريق ~~مؤمن وفريق كافر. وقيل أريد بالفريقين صالح عليه السلام وقومه قبل أن ~~يؤمن منهم أحد { يختصمون } يقول كل فريق الحق معي. السيئة العقوبة، ~~والحسنة التوبة، فإن قلت ما معنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة؟ وإنما ~~يكون ذلك إذا كانتا متوقعتين إحداهما قبل الأخرى؟ قلت كانوا يقولون ~~لجهلهم إن العقوبة ms1448 التي يعدها صالح عليه السلام إن وقعت على زعمه، تبنا ~~حينئذ واستغفرنا - مقدرين أن التوبة مقبولة في ذلك الوقت -. وإن لم ~~تقع، فنحن على ما نحن عليه، فخاطبهم صالح عليه السلام على حسب قولهم ~~واعتقادهم، ثم قال لهم هلا تستغفرون الله قبل نزول العذاب؟ { لعلكم ~~ترحمون } تنبيها لهم على الخطأ فيما قالوه وتجهيلا فيما اعتقدوه. ### || [27.47] # وكان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحا تيمن، وإن مر ~~بارحا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما ~~من قدر الله وقسمته أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة. ~~ومنه قالوا طائر الله لا طائرك، أي قدر الله الغالب الذي ينسب إليه الخير ~~والشر، لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، فلما قالوا اطيرنا بكم، أي ~~تشاءمنا وكانوا قد قحطوا { قال طئركم عند الله } أي سببكم ~~الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمته، إن شاء رزقكم وإن ~~شاء حرمكم. ويجوز أن يريد عملكم مكتوب عند الله، فمنه نزل بكم ما نزل، ~~عقوبة لكم وفتنة. ومنه قوله # طئركم معكم # يس 19، # وكل إنسن ألزمنه طائره فى عنقه # الإسراء 13. وقرىء «تطيرنا بكم»، على الأصل. ومعنى تطير به تشاءم به. ~~وتطير منه نفر منه { تفتنون } تختبرون. أو تعذبون. أو يفتنكم ~~الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة. ### || [27.48-53] # { المدينة } الحجر. وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى ~~الجماعة، فكأنه قيل تسعة أنفس. والفرق بين الرهط والنفر أن الرهط من ~~الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة. والنفر من الثلاثة إلى ~~التسعة وأسماؤهم عن وهب الهذيل بن عبد رب. غنم بن غنم. رباب بن مهرج. ~~مصدع بن مهرج. عمير بن كردبة. عاصم بن مخرمة. سبيط بن صدقة. سمعان بن ~~صيفي. قدار بن سالف وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح ~~عليه السلام، وكانوا من أبناء أشرافهم { ولا يصلحون } يعني أن ~~شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين ~~قد يندر ms1449 منه بعض الصلاح { تقاسموا } يحتمل أن يكون أمرا وخبرا في ~~محل الحال بإضمار قد، أي قالوا متقاسمين وقرىء «تقسموا» وقرىء «لتبيتنه»، ~~بالتاء والياء والنون، فتقاسموا - مع النون والتاء - يصح فيه الوجهان. ~~ومع الياء لا يصح إلا أن يكون خبرا. والتقاسم، والتقسم كالتظاهر، ~~والتظهر التحالف. والبيات مباغتة العدو ليلا. وعن الإسكندر أنه أشير ~~عليه بالبيات فقال ليس من آيين الملوك استراق الظفر، وقرىء «مهلك» بفتح ~~الميم واللام وكسرها من هلك. ومهلك بضم الميم من أهلك. ويحتمل المصدر ~~والزمان والمكان، فإن قلت كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا ~~بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ قلت كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا ~~وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله فذكروا ~~أحدهما كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما وفي هذا ~~دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ~~ولا يخطر ببالهم. ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم بأن ~~يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب. { ~~مكرهم } ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر ~~الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون. شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. روي ~~أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فقالوا زعم صالح عليه ~~السلام أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث. ~~فخرجوا إلى الشعب وقالوا إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله ~~فقتلناهم، فبعث الله صخرة من الهضب حيالهم، فبادروا، فطبقت الصخرة ~~عليهم فم الشعب. فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب ~~الله كلا منهم في مكانه، ونجى صالحا ومن معه. وقيل جاءوا بالليل شاهري ~~سيوفهم، وقد أرسل الله الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة يرون ~~الحجارة ولا يرون راميا { أنا دمرنهم } استئناف. ومن قرأ ~~بالفتح رفعه بدلا من العاقبة، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره هي تدميرهم. أو ~~نصبه على معنى لأنا. أو ms1450 على أنه خبر كان، أي كان عاقبة مكرهم الدمار { ~~خاوية } حال عمل فيها ما دل عليه تلك. وقرأ عيسى بن عمر «خاوية» ~~بالرفع على خبر المبتدإ المحذوف. ### || [27.54-55] # { و } اذكر { لوطا } أو أرسلنا لوطا لدلالة ولقد أرسلنا عليه. و { ~~إذ } بدل على الأول ظرف على الثاني. { وأنتم تبصرون } من بصر ~~القلب، أي تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأن الله إنما خلق الأنثى ~~للذكر ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادة لله في حكمته ~~وحكمه، وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة. وفيه دليل على ~~أن القبيح من الله أقبح منه من عبادة لأنه أعلم العالمين وأحكم الحاكمين. ~~أو تبصرونها بعضكم من بعض، لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها، ~~لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة، وإنهماكا في المعصية، وكأن أبا ~~نواس بني على مذهبهم قوله # وبح باسم ما تأتي وذرني من الكنى فلا خير في ~~اللذات من دونها ستر # أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. فإن قلت فسرت تبصرون بالعلم ~~وبعده { بل أنتم قوم تجهلون } فكيف يكونون علماء وجهلاء؟ ~~قلت أراد تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك. أو تجهلون ~~العاقبة. أو أراد بالجهل. السفاهة والمجانة التي كانوا عليها فإن قلت { ~~تجهلون } صفة لقوم، والموصوف لفظه لفظ الغائب، فهلا طابقت الصفة ~~الموصوف فقرىء بالياء دون التاء؟ وكذلك بل أنتم قوم تفتنون؟ قلت اجتمعت ~~الغيبة والمخاطبة، فغلبت المخاطبة، لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة. ### || [27.56-58] # وقرأ الأعمش «جواب قومه»، بالرفع. والمشهورة أحسن { يتطهرون } ~~يتنزهون عن القاذورات كلها، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو استهزاء { قدرنها } قدرنا كونها ~~{ من الغبرين } كقوله # قدرنآ إنها لمن الغبرين # الحجر 60 فالتقدير واقع على الغبور في المعنى. ### || [27.59] # أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على ~~وحدانيته وقدرته على كل شيء وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على ~~أنبيائه والمصطفين من عباده. وفيه تعليم حسن، وتوقيف على ms1451 أدب جميل، وبعث ~~على التيمن بالذكرين، والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما ~~يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها ~~المسمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، ~~فحمدوا الله عز وجل وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم ~~مفاد وقبل كل عظة وتذكرة،وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا ~~عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. ~~وقيل هو متصل بما قبله، وأمر بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم ~~والصلاة على الأنبياء عليهم السلام وأشياعهم الناجين. وقيل هو خطاب للوط ~~عليه السلام، وأن يحمد الله على هلاك كفار قومه، ويسلم على من اصطفاه ~~الله ونجاه من هلكتهم وعصمه من ذنوبهم آلله خير ما يشركون معلوم أن لا ~~خير فيما أشركوه أصلا حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، ~~وإنما هو إلزام لهم وتبكيت وتهكم بحالهم، وذلك أنهم آثروا عبادة الأصنام ~~على عبادة الله، ولا يؤثر عاقل شيئا على شيء إلا لداع يدعوه إلى إيثاره ~~من زيادة خير ومنفعة، فقيل لهم، مع العلم بأنه لا خير فيما آثروه، وأنهم ~~لم يؤثروه لزيادة الخير ولكن هوى وعبثا، لينبهوا على الخطأ المفرط ~~والجهل المورط وإضلالهم التمييز ونبذهم المعقول وليعلموا أن الإيثار يجب ~~أن يكون للخير الزائد. ونحوه ما حكاه عن فرعون # أم أنا خير من هذا الذى هو مهين # الزخرف 52 مع علمه أنه ليس لموسى مثل أنهاره التي كانت تجري تحته. ثم ~~عدد سبحانه الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، كما عددها في ~~موضع آخر ثم قال هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء. وقرىء «يشركون» ~~بالياء والتاء. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 799 أنه كان إذا قرأها ~~يقول # " بل الله خير وأبقى وأجل أكرم ". ### || [27.60] # فإن قلت ما الفرق بين أم وأم في { أم ما تشركون } و { أمن ~~خلق السموت }؟ قلت تلك متصلة لأن المعنى أيهما ms1452 خير. وهذه ~~منقطعة بمعنى بل والهمزة، لما قال تعالى آلله خير أم الآلهة؟ قال بل أمن ~~خلق السموات والأرض خير؟ تقريرا لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من ~~جماد لا يقدر على شيء. وقرأ الأعمش أمن، بالتخفيف. ووجهه أن يجعل بدلا ~~من الله، كأنه قال أمن خلق السموات والأرض خير أم ما تشركون؟ فإن قلت أي ~~نكتة في نقل الإخبار عن الغيبة إلى التكلم عن ذاته في قوله ~~فأنبتنا؟ قلت تأكيد معنى اختصاص الفعل بذاته، والإيذان بأن إنبات ~~الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والروائح والأشكال مع حسنها ~~وبهجتها بماء واحد. لا يقدر عليه إلا هو وحده. ألا ترى كيف رشح معنى ~~الاختصاص بقوله { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها } ومعنى ~~الكينونة الانبغاء. أراد أن تأتي ذلك محال من غيره، وكذلك قوله { بل ~~هم } بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم. والحديقة البستان عليه حائط من ~~الإحداق وهو الإحاطة. وقيل ذات لأن المعنى جماعة حدائق ذات بهجة، كما ~~يقال النساء ذهبت. والبهجة الحسن، لأن الناظر يبتهج به { أءله مع ~~الله } أغيره يقرن به ويجعل شريكا له. وقرىء «أإلها مع الله»، بمعنى ~~أتدعون، أو أتشركون. ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدة، وتخرج ~~الثانية بين بين { يعدلون } به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو ~~التوحيد. ### || [27.61] # { أمن جعل } وما بعده بدل من أمن خلق فكان حكمهما حكمه { ~~قرارا } دحاها وسواها للاستقرار عليها { حاجزا } كقوله برزخا. ### || [27.62] # الضرورة الحالة المحوجة إلى اللجإ. والإضرار افتعال منها. يقال اضطره ~~إلى كذا، والفاعل والمفعول مضطر. والمضطر الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة ~~من نوازل الدهر إلى اللجإ والتضرع إلى الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~هو المجهود. وعن السدي الذي لا حول له ولا قوة. وقيل المذنب إذا استغفر. ~~فإن قلت قد عم المضطرين بقوله { يجيب المضطر إذا دعاه } ~~وكم من مضطر يدعوه فلا يجاب؟ قلت الإجابة موقوفة على أن يكون المدعو به ~~مصلحة، ولهذا لا يحسن دعاء العبد إلا شارطا فيه ms1453 المصلحة. وأما المضطر ~~فمتناول للجنس مطلقا، يصلح لكله ولبعضه، فلا طريق إلى الجزم على أحدهما ~~إلا بدليل، وقد قام الدليل على البعض وهو الذي أجابته مصلحة، فبطل ~~التناول على العموم { خلفآء الأرض } خلفاء فيها، وذلك توارثهم ~~سكناها والتصرف فيها قرنا بعد قرن. أو أراد بالخلافة الملك والتسلط. ~~وقرىء «يذكرون» بالياء مع الإدغام. وبالتاء مع الإدغام والحذف. وما ~~مزيدة، أي يذكرون تذاكرا قليلا. والمعنى نفي التذكر، والقلة تستعمل في ~~معنى النفي. ### || [27.63] # { يهديكم } بالنجوم في السماء، والعلامات في الأرض إذا جن الليل ~~عليكم مسافرين في البر والبحر. ### || [27.64] # فإن قلت كيف قيل لهم { أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده } ~~وهم منكرون للإعادة؟ قلت قد أزيحت علتهم بالتمكين من المعرفة والإقرار، ~~فلم يبق لهم عذر في الإنكار { من السمآء } الماء { و } من { ~~الأرض } النبات { إن كنتم صدقين } أن مع الله إلها، فأين ~~دليلكم عليه؟ ### || [27.65] # فإن قلت لم رفع اسم الله، والله يتعالى أن يكون ممن في السموات والأرض؟ ~~قلت جاء على لغة بني تميم، حيث يقولون ما في الدار أحد إلا حمار، يريدون ~~ما فيها إلا حمار، كأن أحدا لم يذكر. ومنه قوله # عشية ما تغني الرماح مكانها ولا النبل إلا ~~المشرفي المصمم # وقولهم ما أتاني زيد إلا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلا إخوانه. فإن قلت ~~ما الداعي إلى اختيار المذهب التميمي على الحجازي؟ قلت دعت إليه نكتة ~~سرية. حيث أخرج المستثنى مخرج قوله إلا اليعافير، بعد قوله ليس بها ~~أنيس، ليؤول المعنى إلى قولك إن كان الله ممن في السموات والأرض، فهم ~~يعلمون الغيب، يعني أن علمهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله ~~منهم، كما أن معنى ما في البيت إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس، ~~بتا للقول بخلوها عن الأنيس. فإن قلت هلا زعمت أن الله ممن في السموات ~~والأرض، كما يقول المتكلمون الله في كل مكان، على معنى أن علمه في ~~الأماكن كلها، فكأن ذاته فيها حتى لا تحمله على مذهب بني تميم؟ قلت يأبى ~~ذلك أن كونه ms1454 في السموات والأرض مجاز، وكونهم فيهن حقيقة، وإرادة المتكلم ~~بعبارة واحدة حقيقة ومجازا غير صحيحة، على أن قولك من في السموات ~~والأرض، وجمعك بينه وبينهم في إطلاق اسم واحد فيه إيهام تسوية، ~~والإيهامات مزالة عنه وعن صفاته تعالى. ألا ترى كيف قال صلى الله عليه ~~وسلم لمن قال 800 ومن يعصهما فقد غوى # " بئس خطيب ا لقوم أنت " # وعن عائشة رضي الله عنها 801 # " من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية " # ، والله تعالى يقول { قل لا يعلم من فى السموت ~~والأرض الغيب إلا الله }. وعن بعضهم أخفى غيبه عن الخلق ولم ~~يطلع عليه أحدا لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل نزلت في المشركين حين ~~سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الساعة { أيان } بمعنى ~~متى، ولو سمي به لكان فعالا، من آن يئين ولا نصرف. وقرىء «إيان» بكسر ~~الهمزة. ### || [27.66] # وقرىء «بل أدرك»، «بل ادراك»، «بل ادارك»، «بل تدارك»، «بل أأدرك» ~~بهمزتين «بل آأدرك»، بألف بينهما. «بل أدرك»، بالتخفيف والنقل «بل ادرك» ~~بفتح اللام وتشديد الدال. وأصله بل أدرك؟ على الاستفهام «بلى أدرك»، ~~«بلى أأدرك»، «أم تدارك»، «أم أدرك» فهذه ثنتا عشرة قراءة وأدارك أصله ~~تدارك، فأدغمت التاء في الدال. وادرك افتعل. ومعنى أدرك علمهم انتهى ~~وتكامل. وادارك تتابع واستحكم. وهو على وجهين، أحدهما أن أسباب استحكام ~~العلم وتكامله بأن القيامة كائنة لا ريب فيه، قد حصلت لهم ومكنوا من ~~معرفته، وهم شاكون جاهلون، وهو قوله { بل هم فى شك منها ~~بل هم منها عمون } يريد المشركين ممن في السموات والأرض لأنهم ~~لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال بنو فلان فعلوا كذا ~~وإنما فعله ناس منهم. فإن قلت إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب، ~~وأن العباد لا علم لهم بشيء منه وأن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم ~~لا يشعرون به، فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع ~~استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة؟ ms1455 قلت لما ذكر أن العباد لا ~~يعلمون الغيب، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه، وكان هذا ~~بيانا لعجزهم ووصفا لقصور علمهم وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه، وهو ~~أنهم يقولون للكائن الذي لا بد أن يكون - وهو وقت جزاء أعمالهم - لا ~~يكون، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به. والوجه الثاني أن ~~وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكم بهم، كما تقول لأجهل الناس ما ~~أعلمك!على سبيل الهزؤ، وذلك حيث شكوا وعموا عن إثباته الذي الطريق إلى ~~علمه مسلوك، فضلا أن يعرفوا وقت كونه الذي لا طريق إلى معرفته وفي أدرك ~~علمهم، وادارك علمهم وجه آخر، وهو أن يكون أدرك بمعنى انتهى وفنى، من ~~قولك أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم وقد فسره الحسن رضي ~~الله عنه باضمحل علمهم وتدارك، من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك ~~فإن قلت، فما وجه قراءة من قرأ بل أأدرك على الاستفهام؟ قلت هو استفهام ~~على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ أم أدرك. وأم تدارك لأنها أم ~~التي بمعنى بل والهمزة. فإن قلت فمن قرأ بلى أدرك، وبلى أأدرك؟ قلت لما ~~جاء ببلى، بعد قوله { وما يشعرون } كان معناه بلى يشعرون، ثم فسر ~~الشعور بقوله أدرك علمهم في الآخرة على سبيل التهكم الذي معناه المبالغة ~~في نفي العلم، فكأنه قال شعورهم بوقت الآخرة أنهم لا يعلمون كونها، فيرجع ~~إلى نفي الشعور على أبلغ ما يكون. # وأما من قرأ بلى أأدرك؟ على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم ~~أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور بوقت كونها ~~لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن { فى الأخرة } في ~~شأن الآخرة ومعناه. فإن قلت هذه الاضرابات الثلاث ما معناها؟ قلت ما هي ~~إلا تنزيل لأحوالهم وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم بأنهم لا ~~يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه ~~والإزالة مستطاعة. ألا ترى أن من ms1456 لم يسمع اختلاف المذاهب وتضليل أربابها ~~بعضهم لبعض كان أمره أهون ممن سمع بها وهو جاثم لا يشخص به طلب التمييز ~~بين الحق والباطل، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة ~~قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حقا ولا باطلا. ولا يفكر في ~~عاقبة. وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه فلذلك عداه بمن دون عن لأن ~~الكفر بالعاقبة والجزاء هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون ولا يتبصرون. ### || [27.67-68] # العامل في { إذآ } ما دل عليه { أئنا لمخرجون } وهو نخرج ~~لأن بين يدي عمل اسم الفاعل فيه عقابا وهي همزة الاستفهام، وإن ولام ~~الابتداء وواحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمعن؟ والمراد الإخراج من الأرض. ~~أو من حال الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على «إذا» ~~و«إن» جميعا إنكار على إنكار، وجحود عقيب جحود، ودليل على كفر مؤكد ~~مبالغ فيه. والضمير في إن لهم ولآبائهم لأن كونهم ترابا قد تناولهم ~~وآبائهم. فإن قلت قدم في هذه الآية { هذا } على { نحن ~~وءابآؤنا } وفي آية أخرى قدم { نحن وءابآؤنا } على { هذا ~~}؟ قلت التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المتعمد بالذكر، وإن الكلام ~~إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين دل على أن اتخاذ البعث هو الذي تعمد ~~بالكلام، وفي الأخرى على أن اتخاذ المبعوث بذلك الصدد. ### || [27.69-70] # لم تلحق علامة التأنيث بفعل العاقبة لأن تأنيثها غير حقيقي ولأن ~~المعنى كيف كان آخر أمرهم؟ وأراد بالمجرمين الكافرين، وإنما عبر عن الكفر ~~بلفظ الإجرام ليكون لطفا للمسلمين في ترك الجرائم وتخوف عاقبتها ألا ~~ترى إلى قوله # فدمدم عليهم ربهم بذنبهم # الشمس 14 وقوله # مما خطيئتهم أغرقوا # نوح 25. { ولا تحزن عليهم } لأنهم لم يتبعوك، ولم يسلموا ~~فيسلموا وهم قومه قريش، كقوله تعالى # فلعلك بخع نفسك على ءاثرهم إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث أسفا # الكهف 6. { فى ضيق } في حرج صدر من مكرهم وكيدهم لك، ولا تبال بذلك ~~فإن الله يعصمك من الناس. يقال ضاق الشيء ضيقا وضيقا، بالفتح والكسر. ~~وقد قرىء ms1457 بهما والضيق أيضا تخفيف الضيق. قال الله تعالى # ضيقا حرجا # الأنعام 125 قرىء مخففا ومثقلا ويجوز أن يراد في أمر ضيق من مكرهم. ### || [27.71-72] # استعجلوا العذاب الموعود فقيل لهم { عسى أن يكون } ردفكم بعضه ~~وهو عذاب يوم بدر فزيدت اللام للتأكيد كالباء في # ولا تلقوا بأيديكم # البقرة 195 أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو دنا لكم وأزف لكم، ومعناه ~~وتبعكم ولحقكم، وقد عدي. بمن قال # فلما ردفنا من عمير وصحبه تولوا سراعا ~~والمنية تعنق # يعني دنونا من عمير، وقرأ الأعرج ردف لكم، بوزن ذهب، وهما لغتان، والكسر ~~أفصح. وعسى ولعل وسوف - في وعد الملوك ووعيدهم - يدل على صدق الأمر وجده ~~وما لا مجال للشك بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم وأنهم لا يعجلون ~~بالانتقام لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أن عدوهم لا يفوتهم، وأن ~~الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده. ### || [27.73] # الفضل والفاضلة الإفضال. ولفلان فواضل في قومه وفضول. ومعناه أنه مفضل ~~عليهم بتأخير العقوبة، وأنه لا يعاجلهم بها، وأكثرهم لا يعرفون حق النعمة ~~فيه ولا يشكرونه ولكنهم بجهلهم يستعجلون وقوع العقاب وهم قريش. ### || [27.74] # قرىء تكن. يقال كننت الشيء وأكننته إذا سترته وأخفيته، يعني أنه يعلم ~~ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكايدهم، ~~وهو معاقبهم على ذلك بما يستوجبونه. ### || [27.75] # سمي الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية، فكانت التاء فيهما بمنزلتها في ~~العافية والعاقبة. ونظائرهما النطيحة، والرمية، والذبيحة في أنها أسماء ~~غير صفات. ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة، كالراوية في قولهم ويل ~~للشاعر من راوية السوء، كأنه قال وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا ~~وقد علمه الله وأحاط به وأثبته في اللوح. المبين الظاهر البين لمن ينظر ~~فيه من الملائكة. ### || [27.76-77] # قد اختلفوا في المسيح فتحزبوا فيه أحزابا، ووقع بينهم التناكر في أشياء ~~كثيرة حتى لعن بعضهم بعضها، وقد نزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه لو ~~أنصفوا وأخذوا به وأسلموا، يريد اليهود والنصارى { للمؤمنين } أي ms1458 ~~لمن أنصف منهم وآمن، أي من بني إسرائيل. أو منهم ومن غيرهم. ### || [27.78] # { بينهم } بين من آمن بالقرآن ومن كفر به. فإن قلت ما معنى يقضي ~~بحكمه؟ ولا يقال زيد يضرب بضربه ويمنع بمنعه؟ قلت. معناه بما يحكم به وهو ~~عدله، لأنه لا يقضي إلا بالعدل، فسمى المحكوم به حكما. أو أراد بحكمته - ~~وتدل عليه قراءة من قرأ بحكمه جمع حكمة. { وهو العزيز } فلا ~~يرد قضاؤه { العليم } بمن يقضي له وبمن يقضي عليه، أو العزيز في ~~انتقامه من المبطلين، العليم بالفصل بينهم وبين المحقين. ### || [27.79-81] # أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين، وعلل التوكل بأنه ~~على الحق الأبلج الذي لا يتعلق به الشك والظن. وفيه بيان أن صاحب الحق ~~حقيق بالوثوق بصنع الله وبنصرته، وأن مثله لا يخذل. فإن قلت { إنك ~~لا تسمع الموتى } يشبه أن يكون تعليلا آخر للتوكل، فما وجه ~~ذلك؟ قلت وجهه أن الأمر بالتوكل جعل مسببا عما كان يغيظ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من جهة المشركين وأهل الكتاب من ترك اتباعه وتشييع ذلك ~~بالأذى والعداوة، فلاءم ذلك أن يعلل توكل متوكل مثله، بأن اتباعهم أمر قد ~~يئس منه، فلم يبق إلا الاستنصار عليهم لعداوتهم واستكفاء شرورهم وأذاهم، ~~وشبهوا بالموتى وهم أحياء صحاح الحواس، لأنهم إذا سمعوا ما يتلى عليهم من ~~آيات الله - فكانوا أقماع القول لا تعيه آذانهم وكان سماعهم كلا سماع - ~~كانت حالهم - لانتفاء جدوى السماع - كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع ~~وكذلك تشبيههم بالصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون. وشبهوا بالعمى حيث ~~يضلون الطريق ولا يقدر أحد أن ينزع ذلك عنهم، وأن يجعلهم هداة بصراء إلا ~~الله عز وجل. فإن قلت ما معنى قوله { إذا ولوا مدبرين }؟ قلت ~~هو تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن يولي عنه مدبرا كان ~~أبعد عن إدراك صوته. وقرىء «ولا يسمع الصم» «وما أنت بهاد العمى»، على ~~الأصل. وتهدي العمى. وعن ابن مسعود «وما أن تهدي العمى»، وهداه عن ~~الضلال. كقولك سقاه عن ms1459 العيمة أي أبعده عنها بالسقي، وأبعده عن الضلال ~~بالهدى { إن تسمع } أي ما يجدي إسماعك إلا على الذين علم الله أنهم ~~يؤمنون بآياته، أي يصدقون بها { فهم مسلمون } أي مخلصون من قوله # بلى من أسلم وجهه لله # البقرة 112 يعني جعله سالما لله خالصا له. ### || [27.82] # سمى معنى القول ومؤداه بالقول، وهو ما وعدوا من قيام الساعة والعذاب، ~~ووقوعه حصوله. والمراد مشارفة الساعة وظهور أشراطها وحين لا تنفع التوبة. ~~ودابة الأرض الجساسة. جاء في الحديث 802 أن طولها ستون ذراعا، لا ~~يدركها طالب، ولا يفوتها هارب. وروي لها أربع قوائم وزغب وريش ~~وجناحان وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، ~~وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هر، وذنب كبش، وخف بعير. وما ~~بين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السلام. وروي لا تخرج إلا ~~رأسها، ورأسها يبلغ أعنان السماء، أو يبلغ السحاب. وعن أبي هريرة فيها من ~~كل لون، وما بين قرنيها فرسخ للراكب. وعن الحسن رضي الله عنه لا يتم ~~خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. وعن علي رضي الله عنه أنها تخرج ثلاثة أيام، ~~والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ~~803 من أين تخرج الدابة؟ فقال # " من أعظم المساجد حرمة على الله " # يعني المسجد الحرام. وروي 804 أنها تخرج ثلاث خرجات تخرج بأقصى اليمن ثم ~~تتمكن، ثم تخرج بالبادية ثم تتكمن دهرا طويلا، فبينا الناس في أعظم ~~المساجد حرمة وأكرمها على الله، فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء ~~دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. ~~وقيل تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية بلسان ذلق فتقول { أن الناس ~~كانوا بئايتنا لا يوقنون } يعني أن الناس كانوا لا يوقنون ~~بخروجي لأن خروجها من الآيات، وتقول ألا لعنة الله على الظالمين. وعن ~~السدي تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وعن ابن عمرو رضي ~~الله عنه تستقبل المغرب فتصرخ ms1460 صرخة تنفذه، ثم تستقبل المشرق، ثم الشام ثم ~~اليمن فتفعل مثل ذلك. وروي تخرج من أجياد. وروي 805 بينا عيسى عليه ~~السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى تحرك ~~القنديل، وينشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا ~~موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده، أو فيما بين عينيه بعصا موسى ~~عليه السلام، فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها ~~وجهه أو فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينيه مؤمن وتنكت الكافر ~~بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه وتكتب بين عينيه كافر. ~~وروي 806 فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم أنف الكافر بالخاتم، ثم تقول لهم ~~يا فلان، أنت من أهل الجنة. ويا فلان، أنت من أهل النار. وقرىء «تكلمهم» ~~من الكلم وهو الجرح. # والمراد به الوسم بالعصا والخاتم. ويجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضا، ~~على معنى التكثير. يقال فلان مكلم، أي مجرح. ويجوز أن يستدل بالتخفيف ~~على أن المراد بالتكليم التجريح، كما فسر لنحرقنه، بقراءة علي رضي الله ~~عنه لنحرقنه، وأن يستدل بقراءة أبي تنبئهم. وبقراءة ابن مسعود تكلمهم ~~بأن الناس، على أنه من الكلام. والقراءة بإن مكسورة حكاية لقول الدابة، ~~إما لأن الكلام بمعنى القول. أو بإضمار القول، أي تقول الدابة ذلك. أو ~~هي حكاية لقوله تعالى عند ذلك. فإن قلت إذا كانت حكاية لقول الدابة فكيف ~~تقول بآياتنا قلت قولها حكاية لقول الله تعالى.أو على معنى بآيات ربنا. ~~أو لاختصاصها بالله وأثرتها عنده، وأنها من خواص خلقه أضافت آيات الله ~~إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك خيلنا وبلادنا، وإنما هي خيل مولاه ~~وبلاده. ومن قرأ بالفتح فعلى حذف الجار، أي تكلمهم بأن. ### || [27.83] # { فهم يوزعون } يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في ~~النار. وهذه عبارة عن كثرة العدد وتباعد أطرافه، كما وصفت جنود سليمان ~~بذلك. وكذلك قوله { فوجا } فإن الفوج الجماعة الكثيرة. ومنه قوله ~~تعالى # يدخلون فى دين الله أفواجا # النصر ms1461 2 وعن ابن عباس رضي الله عنهما أبو جهل والوليد بن المغيرة، وشيبة ~~بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم ~~إلى النار. فإن قلت أي فرق بين من الأولى والثانية؟ قلت الأولى للتبعيض، ~~والثانية للتبيين، كقوله # من الأوثن # الحج 30. ### || [27.84-85] # الواو للحال، كأنه قال أكذبتم بها باديء الرأي من غير فكر ولا نظر يؤدي ~~إلى إحاطة العلم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق أو بالتكذيب. أو للعطف، أي ~~أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتحققها وتبصرها فإن المكتوب إليه ~~قد يجحد أن يكون الكتاب من عند من كتبه، ولا يدع مع ذلك أن يقرأ ويتفهم ~~مضامينه ويحيط بمعانيه { أما كنتم تعملون } بها للتبكيت لا ~~غير. وذلك أنهم لم يعملوا إلا التكذيب، فلا يقدرون أن يكذبوا ويقولوا قد ~~صدقنا بها وليس إلا التصديق بها أو التكذيب. ومثاله أن تقول لراعيك - ~~وقد عرفته رويعي سوء - أتأكل نعمي، أم ماذا تعمل بها؟ فتجعل ما تبتدىء به ~~وتجعله أصل كلامك وأساسه هو الذي صح عندك من أكله وفساده، وترمي بقولك ~~أم ماذا تعمل بها، مع علمك أنه لا يعمل بها إلا الأكل لتبهته وتعلمه علمك ~~بأنه لا يجيء منه إلا أكلها، وأنه لا يقدر أن يدعي الحفظ والإصلاح لما ~~شهر من خلاف ذلك. أو أراد أما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب ~~بآيات الله، أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك؟ يعني أنه لم يكن لهم عمل ~~غيره، كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعصية، وإنما خلقوا للإيمان والطاعة ~~يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها، وذلك قوله { ووقع ~~القول عليهم } يريد أن العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم، وهو ~~التكذيب بآيات الله، فيشغلهم عن النطق والاعتذار، كقوله تعالى # هذا يوم لا ينطقون # المرسلات 35. ### || [27.86] # جعل الإبصار للنهار وهو لأهله. فإن قلت ما للتقابل لم يراع في قوله { ~~ليسكنوا } و { مبصرا } حيث كان أحدهما علة والآخر حالا؟ قلت ~~هو مراعي من حيث المعنى، وهكذا النظم المطبوع غير ms1462 المتكلف لأن معنى ~~مبصرا ليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب. ### || [27.87] # فإن قلت لم قيل { ففزع } دون فيفزع؟ قلت لنكتة وهي الإشعار بتحقق ~~الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السموات والأرض لأن ~~الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به. والمراد فزعهم عند ~~النفخة الأولى حين يصعقون { إلا من شآء الله } إلا من ثبت الله ~~قلبه من الملائكة، قالوا هم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت - ~~عليهم السلام. وقيل الشهداء. وعن الضحاك الحور، وخزنة النار، وحملة ~~العرش. وعن جابر منهم موسى عليه السلام، لأنه صعق مرة. ومثله قوله تعالى # ونفخ فى الصور فصعق من فى السموت ومن فى ~~الأرض إلا من شآء الله # الزمر 68. وقرىء «أتوه». «وأتاه» «ودخرين»، فالجمع على المعنى والتوحيد ~~على اللفظ. والداخر والدخر الصاغر. وقيل مع الإتيان حضورهم الموقف بعد ~~النفخة الثانية. ويجوز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له. ### || [27.88-90] # { جامدة } من جمد في مكانه إذا لم يبرح. تجمع الجبال فتسير كما تسير ~~الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفه ثابتة في مكان واحد { ~~وهى تمر } مرا حثيثا كما يمر السحاب. وهكذا الأجرام العظام ~~المتكاثرة العدد إذا تحركت لا تكاد تتبين حركتها، كما قال النابغة في ~~وصف جيش # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم وقوف لحاج ~~والركاب تهملج # { صنع الله } من المصادر المؤكدة، كقوله # وعد الله # النساء 95. و # صبغة الله # البقرة 138 إلا أن مؤكده محذوف، وهو الناصب ليوم ينفخ، والمعنى ويوم ~~ينفخ في الصور وكان كيت وكيت أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين، ثم قال ~~صنع الله، يريد به الإثابة والمعاقبة. وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء ~~التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب، حيث قال صنع الله { الذى ~~أتقن كل شىء } يعني أن مقابلته الحسنة بالثواب والسيئة بالعقاب ~~من جملة إحكامه للأشياء وإتقانه لها، وإجرائه لها على قضايا الحكمة أنه ~~عالم بما يفعل العباد وبما يستوجبون عليه، فيكافئهم على حسب ذلك. ثم لخص ~~ذلك بقوله { من جآء بالحسنة } إلى آخر الآيتين، فانظر ms1463 إلى بلاغة ~~هذا الكلام، وحسن نظمه وترتيبه، ومكانة إضماده، ورصانة تفسيره وأخذ بعضه ~~بحجزة بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا ولأمر ما أعجز القوي وأخرس ~~الشقاشق. ونحو هذا المصدر إذا جاء عقيب كلام، جاء كالشاهد بصحته والمنادي ~~على سداده، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما قد كان. ألا ترى إلى قوله ~~{ صنع الله } ، و # صبغة الله # البقرة 138، و # وعد الله # النساء 95 و # فطرة الله # الروم 30 بعدما وسمها بإضافتها إليه بسمة التعظيم، كيف تلاها بقوله { ~~الذى أتقن كل شىء } ، # ومن أحسن من الله صبغة # البقرة 138 # لا يخلف الله الميعاد # الزمر20 # لا تبديل لخلق الله # الروم 30 وقرىء «تفعلون»، على الخطاب. { فله خير منها } يريد ~~الإضعاف وأن العمل يتقضى والثواب يدوم، وشتان ما بين فعل العبد وفعل ~~السيد. وقيل فله خير منها، أي له خير حاصل من جهتها وهو الجنة، وعن ابن ~~عباس الحسنة كلمة الشهادة. وقرىء { يومئذ } مفتوحا مع الإضافة لأنه ~~أضيف إلى غير متمكن. ومنصوبا مع تنوين فزع. فإن قلت ما الفرق بين ~~الفزعين؟ قلت الفزع الأول هو ما لا يخلو منه أحد عند الإحساس بشدة تقع ~~وهول يفجأ، من رعب وهيبة، وإن كان المحسن يأمن لحاق الضرر به كما يدخل ~~الرجل على الملك بصدر هياب وقلب وجاب وإن كان ساعة إعزاز وتكرمة وإحسان ~~وتولية. وأما الثاني فالخوف من العذاب. فإن قلت فمن قرأ { من فزع ~~} بالتنوين ما معناه؟ قلت يحتمل معنيين. من فزع واحد وهو خوف العقاب، ~~وأما ما يلحق الإنسان من التهيب والرعب لما يرى من الأهوال والعظائم، ~~فلا يخلون منه لأن البشرية تقتضي ذلك. وفي الأخبار والآثار ما يدل عليه. ~~ومن فزع شديد مفرط الشدة لا يكتنهه الوصف وهو خوف النار. أمن يعدي ~~بالجار وبنفسه، كقوله تعالى # أفأمنوا مكر الله # الأعراف 99. وقيل السيئة الإشراك. يعبر عن الجملة بالوجه والرأس ~~والرقبة، فكأنه قيل فكبوا في النار، كقوله تعالى # فكبكبوا فيها # الشعراء 94 ويجوز أن يكون ذكر الوجوه إيذانا بأنهم يكبون على وجوههم ~~فيها منكوسين ms1464 { هل تجزون } يجوز فيه الالتفات وحكاية ما يقال لهم ~~عند الكب بإضمار القول. ### || [27.91-93] # أمر رسوله بأن يقول { أمرت } أن أخص الله وحده بالعبادة، ولا أتخذ ~~له شريكا كما فعلت قريش، وأن أكون من الحنفاء الثابتين على ملة الإسلام ~~{ وأن أتلوا القرءان } من التلاوة أو من التلو كقوله # واتبع ما يوحى إليك # يونس 109، الأحزاب 2. والبلدة مكة حرسها الله تعالى اختصها من بين سائر ~~البلاد بإضافة اسمه إليها لأنها أحب بلاده إليه، وأكرمها عليه وأعظمها ~~عنده. وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج في مهاجره، فلما بلغ ~~الحزورة استقبلها بوجهه الكريم فقال 807 # " إني أعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله. ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت ~~" # وأشار إليها إشارة تعظيم لها وتقريب، دالا على أنها موطن نبيه ومهبط ~~وحيه. ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها، فأجزل بذلك قسمها في الشرف ~~والعلو، ووصفها بأنها محرمة لا ينتهك حرمتها إلا ظالم مضاد لربه # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # الحج 25 لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها. واللاجىء ~~إليها آمن. وجعل دخول كل شيء تحت ربوبيته وملكوته كالتابع لدخولها ~~تحتهما. وفي ذلك إشارة إلى أن ملكا ملك مثل هذه البلدة عظيم الشأن قد ~~ملكها وملك إليها كل شيء اللهم بارك لنا في سكناها، وآمنا فيها شر كل ~~ذي شر، ولا تنقلنا من جوار بيتك إلا إلى دار رحمتك. وقرىء «التي ~~حرمها». واتل عليهم هذا القرآن عن أبي «وأن أتل» عن ابن مسعود. { ~~فمن اهتدى } باتباعه إياي فيما أنا بصدده من توحيد الله ونفي ~~الأنداد عنه، والدخول في الملة الحنيفية، واتباع ما أنزل علي من الوحي ~~فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلي { ومن ضل } ولم يتبعني فلا علي، ~~وما أنا إلا رسول منذر، وما على الرسول إلا البلاغ. ثم أمره أن يحمد الله ~~على ما خوله من نعمة النبوة التي لا توازيها نعمة، وأن يهدد أعداءه ~~بما سيريهم الله من آياته التي تلجئهم إلى ms1465 المعرفة، والإقرار بأنها آيات ~~الله. وذلك حين لا تنفعهم المعرفة. يعني في الآخرة. عن الحسن وعن الكلبي ~~الدخان، وانشقاق القمر. وما حل بهم من نقمات الله في الدنيا. وقيل هو ~~كقوله # سنريهم ءايتنا فى الأفاق وفى أنفسهم # الآية فصلت 53. وكل عمل يعملونه، فالله عالم به غير غافل عنه لأن. ~~الغفلة والسهو لا يجوزان على عالم الذات، وهو من وراء جزاء العالمين. ~~قرىء «تعملون»، بالتاء والياء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 808 # " من قرأ طس سليمان كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من ~~صدق سليمان وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره ~~وهو ينادي لا إله إلا الله ". ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-3] # { من نبإ موسى وفرعون } مفعول نتلو، أي نتلو عليك بعض ~~خبرهما { بالحق } محقين، كقوله تنبت بالدهن { لقوم يؤمنون ~~} لمن سبق في علمنا أنه يؤمن، لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم. ### || [28.4] # { إن فرعون } جملة مستأنفة كالتفسير للمجمل، كأن قائلا قال ~~وكيف كان نبؤهما فقال إن فرعون { علا فى الارض } يعني أرض مملكته ~~قد طغى فيها وجاوز الحد في الظلم والعسف { شيعا } فرقا يشيعونه على ~~ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه. قال الأعشى # وبلدة يرهب الجواب دلجتها حتى تراه ~~عليها يبتغي الشيعا # أو يشيع بعضهم بعضا في طاعته. أو أصنافا في استخدامه يتسخر صنفا في ~~بناء وصنفا في حرث وصنفا في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو ~~فرقا مختلفة قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط. والطائفة ~~المستضعفة بنو إسرائيل وسبب ذبح الأبناء أن كاهنا قال له يولد مولود في ~~بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. وفيه دليل بين على ثخانة حمق فرعون، ~~فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن، وإن كذب فما وجه القتل؟ و { ~~يستضعف } حال من الضمير في { وجعل } أو صفة لشيعا. أو كلام ~~مستأنف. و { يذبح } بدل من يستضعف. وقوله { إنه كان من ~~المفسدين } بيان أن القتل ما كان إلا فعل المفسدين ms1466 فحسب، لأنه فعل ~~لا طائل تحته، صدق الكاهن أو كذب. ### || [28.5-6] # فإن قلت علام عطف قوله { ونريد أن نمن } وعطفه على { نتلو } و ~~{ يستضعف } غير سديد؟ قلت هي جملة معطوفة على قوله { إن ~~فرعون علا فى الأرض } لأنها نظيرة «تلك» في وقوعها تفسيرا ~~لنبأ موسى وفرعون، واقتصاصا له. { ونريد } حكاية حال ماضية. ويجوز ~~أن يكون حالا من يستضعف، أي يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن نمن عليهم. ~~فإن قلت كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المنة عليهم؟ وإذا أراد الله ~~شيئا كان ولم يتوقف إلى وقت آخر، قلت لما كانت منة الله بخلاصهم من ~~فرعون قريبة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم { ~~أئمة } مقدمين في الدين والدنيا، يطأ الناس أعقابهم. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما قادة يقتدى بهم في الخير. وعن مجاهد رضي الله عنه دعاة ~~إلى الخير، وعن قتادة رضي الله عنه ولاة، كقوله تعالى # وجعلكم ملوكا # المائدة 20. { الورثين } يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم. ~~مكن له إذا جعل له مكانا يقعد عليه أو يرقد، فوطأه ومهده ونظيره أرض ~~له. ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام أن يجعلها بحيث لا ~~تنبو بهم ولا تغث عليهم كما كانت في أيام الجبابرة، وينفذ أمرهم، ويطلق ~~أيديهم ويسلطهم. وقرىء «ويرى فرعون وهامان وجنودهما»، أي يرون { منهم ~~ما } حذروه من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. ### || [28.7] # اليم البحر. قيل هو نيل مصر. فإن قلت ما المراد بالخوفين حتى أوجب ~~أحدهما ونهى عن الآخر؟ قلت أما الأول فالخوف عليه من القتل لأنه كان إذا ~~صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه. وأما الثاني، فالخوف عليه من ~~الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون في ~~تطلب الولدان، وغير ذلك من المخاوف. فإن قلت ما الفرق بين الخوف والحزن؟ ~~قلت الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع. والحزن غم يلحقه لواقع وهو فراقه ~~والإخطار به، فنهيت عنهما جميعا، وأومنت بالوحي إليها، ووعدت ما يسليها ms1467 ~~ويطامن قلبها ويملؤها غبطة وسرورا وهو رده إليها وجعله من المرسلين. ~~وروي أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعون ألف وليد. وروي أنها حين ~~أقربت وضربها الطلق وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل ~~مصافية لها، فقالت لها لينفعني حبك اليوم، فعالجتها، فلما وقع إلى الأرض ~~هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها، ودخل حبه قلبها، ثم قالت ما ~~جئتك إلا لأقبل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله ~~فاحفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون، فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور، ~~لم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، فخرجوا وهي ~~لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار ~~عليه بردا وسلاما. فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحى الله إليها ~~فألقته في اليم. وقد روي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من بردي مطلي ~~بالقار من داخله. ### || [28.8] # اللام في { ليكون } هي لام كي التي معناها التعليل، كقولك جئتك ~~لتكرمني سواء بسواء ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون ~~الحقيقة، لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا، ~~ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه ~~بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، وهو الإكرام الذي هو نتيجة ~~المجيء، والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك ضربته ليتأدب. وتحريره أن ~~هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لما يشبه التعليل، كما يستعار ~~الأسد لمن يشبه الأسد. وقرىء «وحزنا» وهما لغتان كالعدم والعدم { ~~كانوا خطئين } في كل شيء، فليس خطؤهم في تربية عدوهم ببدع ~~منهم. أو كانوا مذنبين مجرمين، فعاقبهم الله بأن ربي عدوهم ومن هو ~~سبب هلاكهم على أيديهم. وقرىء «خاطين»، تخفيف خاطئين، أو خاطين ~~الصواب إلى الخطأ. ### || [28.9] # روي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فعالجوا ~~كسره فأعياهم، فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا، فعالجته ففتحته، ~~فإذا بصبي نوره بين ms1468 عينيه وهو يمص إبهامه لبنا فأحبوه، وكانت لفرعون ~~بنت برصاء، وقالت له الأطباء لا تبرأ إلا من، قبل البحر، يوجد فيه شبه ~~إنسان دواؤها ريقه، فلطخت البرصاء برصها بريقه فبرأت. وقيل لما نظرت إلى ~~وجهه برأت، فقالت إن هذه لنسمة مباركة، فهذا أحد ما عطفهم عليه، فقال ~~الغواة من قومه هو الصبي الذي نحذر منه، فأذن لنا في قتله، فهم بذلك ~~فقالت آسية { قرة عين لى ولك } فقال فرعون لك لا لي. وروي في ~~حديث 809 # " لو قال هو قرة عين لي كما هو لك، لهداه الله كما هداها " # ، وهذا على سبيل الفرض والتقدير، أي لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية ~~لقال مثل قولها، ولأسلم كما أسلمت هذا إن صح الحديث تأويله، والله أعلم ~~بصحته. وروي أنها قالت له لعله من قوم آخرين ليس من بني إسرائيل. { ~~قرة عين } خبر مبتدأ محذوف ولا يقوى أن تجعله مبتدأ و { لا ~~تقتلوه } خبرا، ولو نصب لكان أقوى. وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ~~دليل على أنه خبر، قرأ «لا تقتلوه قرة عين لي ولك»، بتقديم لا تقتلوه. { ~~عسى أن ينفعنا } فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع لأهله، وذلك ~~لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء، ولعلها توسمت في سيماه ~~النجابة المؤذنة بكونه نفاعا. أو نتبناه، فإنه أهل للتبني، ولأن يكون ~~ولدا لبعض الملوك. فإن قلت { وهم لا يشعرون } حال، فما ذو ~~حالها؟ قلت ذو حالها آل فرعون. وتقدير الكلام فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا، وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في ~~التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. وقوله { إن فرعون } الآية جملة ~~اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدة لمعنى خطئهم. وماأحسن ~~نظم هذا الكلام عند المرتاض بعلم محاسن النظم. ### || [28.10-11] # { فارغا } صفرا من العقل. والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون ~~طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش. ونحو قوله تعالى # وأفئدتهم هواء # إبراهيم 43 أي جوف لا عقول فيها ومنه ms1469 بيت حسان # ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب ~~هواء # وذلك أن القلوب مراكز العقول. ألا ترى إلى قوله # فتكون لهم قلوب يعقلون بها # الحج 46 ويدل عليه قراءة من قرأ فرغا. وقرىء «قرعا» أي خاليا من ~~قولهم أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء. وفرغا، من قولهم دماؤهم ~~بينهم فرغ، أي هدر، يعني بطل قلبها وذهب، وبقيت لا قلب لها من شدة ما ~~ورد عليها { لتبدى به } لتصحر به. والضمير لموسى والمراد بأمره ~~وقصته، وأنه ولدها { لولا أن ربطنا على قلبها } بإلهام ~~الصبر، كما يربط على الشيء المنفلت ليقر ويطمئن { لتكون من ~~المؤمنين } من المصدقين بوعد الله، وهو قوله { إنا رادوه ~~إليك } إليك ويجوز وأصبح فؤادها فارغا من الهم، حين سمعت أن فرعون ~~عطف عليه وتبناه إن كادت لتبدي بأن ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحا ~~وسرورا بما سمعت، لولا أنا طامنا قلبها وسكنا قلقه الذي حدث به من ~~شدة الفرح والابتهاج، لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني ~~فرعون وتعطفه. وقرىء «مؤسى»، بالهمزة جعلت الضمة في جارة الواو وهي ~~الميم كأنها فيها، فهمزت كما تهمز واو وجوه { قصيه } اتبعي أثره ~~وتتبعي خبره. وقرىء «فبصرت» بالكسر يقال بصرت به عن جنب وعن جنابة، ~~بمعنى عن بعد. وقرىء «عن جانب»، «وعن جنب». والجنب الجانب. يقال قعد إلى ~~جنبه وإلى جانبه، أي نظرت إليه مزورة متجانفة مخاتلة. { وهم لا يشعرون } ~~وهم لا يحسون بأنها أخته، وكان اسمها مريم. ### || [28.12-13] # التحريم استعارة للمنع لأن من حرم عليه الشيء فقد منعه. ألا ترى إلى ~~قولهم محظور. وحجر، وذلك لأن الله منعه أن يرضع ثديا، فكان لا يقبل ثدي ~~مرضع قط، حتى أهمهم ذلك. والمراضع جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع. أو ~~جمع مرضع، وهو موضع الرضاع يعني الثدي أو الرضاع { من قبل } من قبل ~~قصصها أثره. روي أنها لما قالت { وهم له نصحون } قال هامان ~~أنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت إنما أردت وهم للمك ناصحون والنصح إخلاص ~~العمل من شائب الفساد، ms1470 فانطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها والصبي على ~~يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس ~~والتقم ثديها، فقال لها فرعون ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي؟ إلا ثديك؟ ~~قالت إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أوتي بصبي إلا قبلني، فدفعه ~~إليها وأجرى عليها، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله وعهده في الرد، ~~فعندها ثبت واستقر في علمها أن سيكون نبيا. وذلك قوله { ولتعلم ~~أن وعد الله حق } يريد. وليثبت علمها ويتمكن. فإن قلت كيف حل ~~لها أن تأخذ الأجر إلى إرضاع ولدها؟ قلت ما كانت تأخذه على أنه أجر على ~~الرضاع، ولكنه مال حربي كانت تأخذه على وجه الاستباحة. وقوله { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } داخل تحت علمها. المعنى ~~لتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه حق فيرتابون. ويشبه ~~التعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى، فجزعت وأصبح فؤادها فارغا ~~يروى أنها حين ألقت التابوت في اليم جاءها الشيطان فقال لها يا أم موسى، ~~كرهت أن يقتل فرعون موسى فتؤجري، ثم ذهبت فتوليت قتله، فلما أتاها الخبر ~~بأن فرعون أصابه قالت وقع في يد العدو، فنسيت وعد الله. ويجوز أن يتعلق ~~{ ولكن } بقوله { ولتعلم } ومعناه أن الرد إنما كان لهذا ~~الغرض الديني، وهو علمها بصدق وعد الله. ولكن الأكثر لا يعلمون بأن هذا ~~هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن. ### || [28.14] # { واستوى } واعتدل وتم استحكامه، وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه، ~~كما قال لقيط # واستحملوا أمركم لله دركمو شزر المريرة ~~لاقمحاولا ضرعا # وذلك أربعون سنة، ويروى 810 أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة. ~~العلم. التوراة. والحكم السنة. وحكمة الأنبياء سنتهم. قال الله تعالى # واذكرن ما يتلى فى بيوتكن من ءايت الله ~~والحكمة # الأحزاب 34 وقيل معناه أتيناه سيرة الحكماء العلماء، وسمتهم قبل البعث، ~~فكان لا يفعل فعلا يستجهل فيه. ### || [28.15-17] # المدينة مصر. وقيل مدينة منف من أرض مصر. وحين ms1471 غفلتهم ما بين العشاءين. ~~وقيل وقت القائلة. وقيل يوم عيد لهم هم مشتغلون فيه بلهوهم. وقيل لما شب ~~وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم، فأخافوه، فلا يدخل قرية إلا على تغفل. ~~وقرأ سيبويه «فاستعانه» { من شيعته } ممن شايعه على دينه من بني ~~إسرائيل. وقيل هو السامري { من عدوه } من مخالفيه من القبط، وهو ~~فاتون، وكان يتسخر الإسرائيلي لحمل الحطب إلى مطبخ فرعون. والوكز الدفع ~~بأطراف الأصابع. وقيل بجمع الكف، وقرأ ابن مسعود «فلكزه» باللام { ~~فقضى عليه } فقتله. فإن قلت لم جعل قتل الكافر من عمل الشيطان ~~وسماه ظلما لنفسه واستغفر منه؟ قلت لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، ~~فكان ذنبا يستغفر منه. وعن ابن جريج ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر { ~~بما أنعمت على } يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف، تقديره أقسم ~~بإنعامك علي بالمغفرة لأتوبن { فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين } وأن يكون استعطافا، كأنه قال رب اعصمني بحق ما أنعمت ~~علي من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. وأراد ~~بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث ~~كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون. وإما مظاهرة من ~~أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل ~~الذي لم يحل له. وعن ابن عباس لم يستثن فابتلى به مرة أخرى. يعني لم يقل ~~فلن أكون إن شاء الله. وهذا نحو قوله # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # هود 113 وعن عطاء أن رجلا قال له إن أخي يضرب بقلمه ولا يعدو رزقه. ~~قال فمن الرأس، يعني من يكتب له؟ قال خالد بن عبد الله القسري قال فأين ~~قول موسى؟ وتلا هذه الآية. وفي الحديث 811 # " ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة، حتى ~~من لاق لهم دواة أو بري لهم قلما، فيجمعون في تابوت من حديد فيرمي به في ~~جهنم " # وقيل معناه بما أنعمت علي من القوة، فلن استعملها إلا في مظاهرة ~~أوليائك وأهل طاعتك والإيمان بك. ولا ms1472 أدع قبطيا يغلب أحدا من بني ~~إسرائيل. ### || [28.18-19] # { يترقب } المكروه وهو الاستقادة منه، أو الإخبار وما يقال فيه، ~~ووصف الإسرائيلي بالغي لأنه كان سبب قتل رجل، وهو يقاتل آخر. وقرىء ~~«يبطش»، بالضم. والذي هو عدو لهما القبطي لأنه ليس على دينهما، ولأن ~~القبط كانوا أعداء بني إسرائيل. والجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب ~~والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحس وقيل المتعظم ~~الذي لا يتواضع لأمر الله، ولما قال هذا أفشى على موسى فانتشر الحديث في ~~المدينة ورقي إلى فرعون، وهموا بقتله. ### || [28.20] # قيل الرجل مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، و { يسعى } يجوز ~~ارتفاعه وصفا لرجل، واتتصابه حالا عنه لأنه قد تخصص بأن وصف بقوله { ~~من أقصى المدينة } وإذا جعل صلة لجاء، لم يجز في { يسعى } ~~إلا الوصف. والائتمار التشاور. يقال الرجلان يتآمران ويأتمران، لأن كل ~~واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر. والمعنى يتشاورون بسببك { ~~لك } بيان، وليس بصلة الناصحين. ### || [28.21-22] # { يترقب } التعرض له في الطريق. أو أن يلحق. { تلقاء مدين ~~} قصدها ونحوها. ومدين قرية شعيب عليه السلام، سميت بمدين بن إبراهيم، ~~ولم تكن في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمان، وكان موسى لا يعرف ~~إليها الطريق قال ابن عباس خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه. و ~~{ سواء السبيل } وسطه ومعظم نهجه. وقيل خرج حافيا لا يعيش إلا ~~بورق الشجر، فما وصل حتى سقط خف قدمه. وقيل جاءه ملك على فرس بيده عنزة، ~~فانطلق به إلى مدين. ### || [28.23-28] # { ماء مدين } ماءهم الذي يستقون منه، وكان بئرا فيما روي. ووروده ~~مجيئه والوصول إليه { وجد عليه } وجد فوق شفيره ومستقاه { أمة ~~} جماعة كثيفة العدد { من الناس } من أناس مختلفين { من دونهم ~~} في مكان أسفل من مكانهم. والذود الطرد والدفع وإنما كانتا تذودان لأن ~~على الماء من هو أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي. وقيل كانتا تكرهان ~~المزاحمة على الماء. وقيل لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل تذودان عن ~~وجوههما ms1473 نظر الناظر لتسترهما { ما خطبكما } ما شأنكما. وحقيقته ما ~~مخطوبكما، أي مطلوبكما من الذياد، فسمى المخطوب خطبا، كما سمى المشئون ~~شأنا في قولك ما شأنك؟ يقال شأنت شأنه، أي قصدت قصده. وقرىء «لا نسقي» ~~و«يصدر». و«الرعاء» بضم النون والياء والراء. والرعاء اسم جمع كالرخال ~~والثناء. وأما الرعاء بالكسر فقياس، كصيام وقيام { كبير } كبير السن { ~~فسقى لهما } فسقى غنمهما لأجلهما. وروي أن الرعاة كانوا يضعون على ~~رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال. وقيل عشرة. وقيل أربعون. وقيل ~~مائة، فأقله وحده. وروي أنه سألهم دلوا من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا استق ~~بها، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا ~~بالبركة، وروىغنمهما وأصدرهما وروي أنه دفعهم عن الماء حتى سقى لهما. ~~وقيل كانت بئرا أخرى عليها الصخرة. وإنما فعل هذا رغبة في المعروف ~~وإغاثة للملهوف. والمعنى أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمة من ~~أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما ~~مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به ~~من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر ~~السقي في مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده، وما آتاه الله من الفضل ~~في متانة الفطرة ورصانة الجبلة وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتي من ~~البطش والقوة وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب، ~~ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين ~~والأخذ بسيرهم ومذاهبهم. فإن قلت لم ترك المفعول غير مذكور في قوله { ~~يسقون } و { تذودان } و { نسقى }؟ قلت لأن الغرض هو الفعل لا ~~المفعول. ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على ~~السقي. ولم يرحمها لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلا، وكذلك قولهما { ~~لا نسقى حتى يصدر الرعاء } المقصود فيه السقي لا المسقي. ~~فإن قلت كيف طابق جوابهما سؤاله قلت سألهما عن سبب الذود فقالتا السبب في ~~ذلك أنا امرأتان ضعيفتان ms1474 مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم، ~~فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا ~~شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به أبلتا إليه عذرهما في توليهما ~~السقي بأنفسهما. # فإن قلت كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لابنتيه ~~بسقي الماشية؟ قلت الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه. وأما ~~المروءة، فالناس مختلفون في ذلك، والعادات متباينة فيه، وأحوال العرب فيه ~~خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصا ~~إذاكانت الحالة حالة ضرورة { إنى } لأي شيء { أنزلت إلى } قليل ~~أو كثير، غث أو سمين ل { فقير } وإنما عدي فقير باللام لأنه ضمن ~~معنى سائل وطالب. قيل ذكر ذلك وإن خضرة البقل يتراءى في بطنه من الهزال، ~~ما سأل الله إلا أكلة. ويحتمل أن يريد إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت ~~إلي من خير الدين وهو النجاة من الظالمين. لأنه كان عند فرعون في ملك ~~وثروة قال ذلك رضا بالبدل السني، وفرحا به، وشكرا له، وكان الظل ظل سمرة ~~{ على استحياء } في موضع الحال، أي مستحيية متخفرة وقيل. قد ~~استترت بكم درعها. روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما ~~حفل بطان قال لهما ما أعجلكما؟ قالتا وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا، ~~فقال لإحداهما اذهبي فادعيه لي، فتبعها موسى فألزقت الريح ثوبها بجسدها ~~فوصفته، فقال لها امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلما قص عليه قصته قال له. ~~لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا. فإن قلت كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول ~~امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبيه؟ قلت أما العمل بقول امرأة فكما يعمل ~~بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت ~~إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا ~~بأس بها في نظائر تلك الحال، مع ذلك الاحتياط والتورع. فإن قلت كيف صح ~~له أخذ الأجر على البر والمعروف؟ قلت ms1475 يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله ~~وعلى سبيل البر والمعروف. وقيل إطعام شعيب وإحسانه لا على سبيل أخذ ~~الأجر، ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدإ. كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه ~~أنه من بيت النبوة من أولاد يعقوب؟ ومثله حقيق بأن يضيف ويكرم خصوصا ~~في دار نبي من أنبياء الله، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر ~~والفاقة طلبا للأجر. وقد روي ما يعضد كلا القولين روي أنها لما قالت ~~ليجزيك، كره ذلك، ولما قدم إليه الطعام امتنع وقال إنا أهل بيت لا نبيع ~~ديننا بطلاع الأرض ذهبا، ولا نأخذ على المعروف ثمنا، حتى قال شعيب هذه ~~عادتنا مع كل من ينزل بنا. # وعن عطاء ابن السائب رفع صوته بدعائه ليسمعهما، فلذلك قيل له ليجزيك أجر ~~ما سقيت، أي جزاء سقيك. والقصص مصدر كالعلل، سمي به المقصوص. كبراهما ~~كانت تسمى صفراء، والصغرى صفيراء. وصفراء هي التي ذهبت به وطلبت إلى ~~أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها. وعن ابن عباس أن شعيبا أحفظته الغيرة ~~فقال وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوب ~~رأسه حين بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه. وقولها { إن خير من ~~استجرت القوى الامين } كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه ~~إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد ~~فرغ بالك وتم مرادك وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل، ~~والحكمة أن تقول استأجره لقوته وأمانته. فإن قلت كيف جعل خير من استأجرت ~~اسما لإن والقوي الأمين خبرا؟ قلت هو مثل قوله # ألا إن خير الناس حيا وهالكا أسير ثقيف ~~عندهم في السلاسل # في أن العناية هي سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون ~~خبرا اسما، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. ~~ومنه قولهم أهون ما أعملت لسان ممخ. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أفرس ~~الناس ثلاثة بنت شعيب، وصاحب يوسف، في قوله # عسى أن ينفعنا # يوسف ms1476 21 وأبو بكر في عمر. روي أنه أنكحه صفراء. وقوله { هاتين } فيه ~~دليل على أنه كانت له غيرهما { تأجرنى } من أجرته إذا كنت له ~~أجيرا، كقولك أبوته إذا كنت له أبا، و { ثمانى حجج } ظرفه. أو من ~~أجرته كذا، إذا أثبته إياه. ومنه تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم 812 # " أجركم الله ورحمكم " # وثماني حجج مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج فإن قلت كيف صح أن ينكحه ~~إحدى ابنتيه من غير تمييز؟ قلت لم يكن ذلك عقدا للنكاح، ولكن مواعدة ~~ومواصفة أمر قد عزم عليه،ولو كان عقدا لقال قد أنكحتك ولم يقل إني أريد ~~أن أنكحك. فإن قلت فكيف صح أن يمهرها إجارة نفسه في رعية الغنم، ولا بد ~~من تسليم ما هو مال؟ ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن ~~يخدمها سنة وجوز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة، ~~لأنه في الأول مسلم نفسه وليس بمال، وفي الثاني هو مسلم مالا وهو العبد ~~أو الدار، قلت الأمر على مذهب أبي حنيفة على ما ذكرت. وأما الشافعي فقد ~~جوز التزوج على الإجارة لبعض الأعمال والخدمة، إذا كان المستأجر له أو ~~المخدوم فيه أمرا معلوما، ولعل ذلك كان جائزا في تلك الشريعة. ويجوز ~~أن يكون المهر شيئا آخر، وإنما أراد أن يكون راعي غنمه هذه المدة، ~~وأراد أن ينكحه ابنته، فذكر له المرادين، وعلق الإنكاح بالرعية على معنى ~~إني أفعل هذا إذا فعلت ذاك على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة. # ويجوز أن يستأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ويوفيه إياه، ثم ينكحه ~~ابنته به، ويجعل قوله { على أن تأجرنى ثمانى حجج } عبارة ~~عما جرى بينهما { فإن أتممت } عمل عشر حجج { فمن عندك } ~~فإتمامه من عندك. ومعناه فهو من عندك لا من عندي، يعني لا ألزمكه ولا ~~أحتمه عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وإلا فلا عليك { وما ~~أريد أن أشق عليك } بإلزام أتم الأجلين وإيجابه. فإن قلت ~~ما حقيقة ms1477 قولهم شققت عليه، وشق عليه الأمر؟ قلت حقيقته أن الأمر إذا ~~تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة أطيقه، وتارة لا أطيقه. أو ~~وعده المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من ~~رعي غنمه، ولا يفعل نحو ما يفعل المعاسرون من المسترعين، من المناقشة في ~~مراعاة الأوقات، والمداقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالا ~~خارجة عن حد الشرط، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في ~~معاملات الناس. ومنه الحديث 813 # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكان خير شريك لا يداري ولا ~~يشاري ولا يماري " # وقوله { ستجدنى إن شاء الله من الصلحين } يدل على ~~ذلك، يريد بالصلاح حسن المعاملة ووطأة الخلق ولين الجانب. ويجوز أن يريد ~~الصلاح على العموم. ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئة الله ~~بما وعد من الصلاح الاتكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنه يستعمل الصلاح ~~إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه { ذلك } مبتدأ، و { بينى ~~وبينك } خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب، يريد. ذلك الذي ~~قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعا، لا نخرج كلانا عنه، ~~لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك. ثم قال أي أجل من ~~الأجلين قضيت أطولهما الذي هو العشر، أو أقصرهما الذي هو الثمان { فلا ~~عدوان على } أي لا يعتدي علي في طلب الزيادة عليه. فإن قلت ~~تصور العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر وهو المطالبة بتتمة ~~العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعا؟ قلت معناه كما أني إن طولبت ~~بالزيادة على العشر كان عدوانا لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على ~~الثمان. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأن الأجلين على ~~السواء إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء وأما التتمة ~~فموكولة إلى رأيي إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها. # وقيل معناه فلا أكون متعديا، وهو في نفي العدوان عن نفسه، كقولك ms1478 لا ~~إثم علي، ولا تبعة علي. وفي قراءة ابن مسعود أي الأجلين ما قضيت. وقرىء ~~«أيما» بسكون الياء، كقوله # تنظرت نصرا والسماكين أيهما علي من ~~الغيث استهلت مواطره # وعن ابن قطيب عدوان، بالكسر. فإن قلت ما الفرق بين موقعي ما المزيدة في ~~القراءتين؟ قلت وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، أي زائدة في شياعها وفي ~~الشاذة تأكيدا للقضاء، كأنه قال أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي ~~له. الوكيل الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن ~~والمقيت، عدي بعلى لذلك. روي أن شعيبا كانت عنده عصى الأنبياء فقال ~~لموسى بالليل ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي. فأخذ عصا هبط بها آدم ~~من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب، فمسها ~~وكان مكفوفا، فضن بها فقال غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، ~~فعلم أن له شأنا. وقيل أخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها ~~موسى ليلا. وقيل أودعها شعيبا ملك في صورة رجل، فأمر بنته أن تأتيه ~~بعصا، فأتته بها فردها سبع مرات فلم يقع في يدها غيرها، فدفعها إليه ثم ~~ندم لأنها وديعة، فتبعه فاختصما فيها، ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع، ~~فأتاهما الملك فقال ألقياها فمن رفعها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها ~~ورفعها موسى. وعن الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا. وعن ~~الكلبي الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه. ولما أصبح ~~قال له شعيب إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإن الكلأ وإن ~~كان بها أكثر، إلا أن فيها تنينا أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ~~ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله، ~~فنام فإذا بالتنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى ~~دامية، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا أرتاح لذلك، ولما رجع إلى شعيب ~~مس الغنم، فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، فأخبره موسى ففرح وعلم أن ms1479 ~~لموسى والعصا شأنا، وقال له إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ~~ودرعاء، فأوحى إليه في المنام أن أضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل ثم سقى ~~فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء، فوفى له بشرطه. ### || [28.29-32] # 814 سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ فقال # " أبعدهما وأبطأهما " # وروي أنه قال 815 # " قضى أوفاهما، وتزوج صغراهما " # وهذا خلاف الرواية التي سبقت. الجذوة باللغات الثلاث. وقرىء بهن ~~جميعا العود الغليظ، كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال كثير # باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذى غير ~~خوار ولا دعر # وقال # وألقى على قبش من النار جذوة شديدا عليه ~~حرها والتهابها # { من } الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي أتاه النداء من شاطىء ~~الوادي من قبل الشجرة. و { من الشجرة } بدل من قوله من شاطىء ~~الوادي، بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطىء، كقوله تعالى # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم # الزخرف 33 وقرىء { البقعة } بالضم والفتح. و { الرهب } ~~بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم وسكون وهو الخوف. فإن قلت ما معنى قوله ~~{ واضمم إليك جناحك من الرهب }؟ قلت فيه معنيان، ~~أحدهما أن موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية فزع واضطرب، فاتقاها ~~بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له إن إتقاءك بيدك فيه غضاضة عند ~~الأعداء. فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك ~~بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار ~~معجزة أخرى. والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر. ~~وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضم جناحه إليه. والثاني ~~أن يراد بضم جناحه إليه تجلده وضبطه نفسه. وتشدده عند انقلاب العصا حية ~~حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه ~~وأرخاهما. وإلا فجناحاه مضمومتان إليه مشمران. ومنه ما يحكى عن عمر بن ~~عبد العزيز أن كاتبا له كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح، ms1480 فخجل ~~وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر خذ قلمك، واضمم إليك جناحك، ~~وليفرخ روعك، فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. ومعنى قوله ~~من الرهب من أجل الرهب، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك ~~جناحك جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه ~~إليه. ومعنى { واضمم إليك جناحك } ، وقوله { اسلك يدك ~~فى جيبك } على أحد التفسيرين واحد. ولكن خولف بين العبارتين، وإنما ~~كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد ~~بيضاء وفي الثاني إخفاء الرهب. فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد ~~الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه، وذلك قوله { واضمم ~~إليك جناحك } وقوله # واضمم يدك إلى جناحك # طه 22 فما التوفيق بينهما؟ قلت المراد بالجناح المضموم. هو اليد اليمنى، ~~وبالمضموم إليه اليد اليسرى وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح. ~~ومن بدع التفاسير أن الرهب الكم، بلغة حمير وأنهم يقولون أعطني مما في ~~رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغة؟ وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ~~ترتضي عربيتهم؟ ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية؟ وكيف تطبيقه المفصل ~~كسائر كلمات التنزيل؟ على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة ~~إلا زرمانقة من صوف لا كمي لها { فذانك } قرىء مخففا ومشددا، ~~فالمخفف مثنى ذاك. والمشدد مثنى ذلك، { برهنان } حجتان بينتان ~~نيرتان. فإن قلت لم سميت الحجة برهانا؟ قلت لبياضها وإنارتها من قولهم ~~للمرأة البيضاء. برهرهة، بتكرير العين واللام معا. والدليل على زيادة ~~النون قولهم أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان. ونظيره تسميتهم إياها سلطانا ~~من السليط وهو الزيت، لإنارتها. ### || [28.33-34] # يقال ردأته أعنته. والردء اسم ما يعان به، فعل بمعنى مفعول كما أن الدفء ~~اسم لما يدفأ به. قال سلامة بن جندل # وردئي كل أبيض مشرفي شحيذ الحد عضب ذي ~~فلول # وقرىء «ردا» على التخفيف، كما قرىء «الخب» { ردءا يصدقنى } ~~بالرفع والجزم صفة وجواب، ونحو { وليا يرثنى } سواء. فإن قلت ms1481 ~~تصديق أخيه ما الفائدة فيه؟ قلت ليس الغرض بتصديقه أن يقول له صدقت، أو ~~يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ~~ويجادل به الكفار، كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة، فذلك جار مجرى ~~التصديق المفيد، كما يصدق القول بالبرهان. ألا ترى إلى قوله «وأخى ~~هرون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى »، وفضل ~~الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله صدقت، فإن سحبان وباقلا يستويان ~~فيه، أو يصل جناح كلامه بالبيان، حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه، فأسند ~~التصديق إلى هرون، لأنه السبب فيه إسنادا مجازيا. ومعنى الإسناد ~~المجازي أن التصديق حقيقة في المصدق، فإسناده إليه حقيقة وليس في السبب ~~تصديق، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه ~~الفاعل بالمباشرة. والدليل على هذا الوجه قوله { إنى أخاف أن ~~يكذبون } وقراءة من قرأ «ردءا يصدقوني». وفيها تقوية للقراءة بجزم ~~يصدقني. ### || [28.35] # العضد قوام اليد، وبشدتها تشتد. قال طرفة # أبني لبينى لستمو بيد إلا يدا ليست لها ~~عضد # ويقال في دعاء الخير شد الله عضدك. وفي ضده فت الله في عضدك. ومعنى { ~~سنشد عضدك بأخيك } سنقويك به ونعينك، فإما أن يكون ذلك لأن ~~اليد تشتد بشدة العضد. والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور. وإما ~~لأن الرجل شبة باليد في اشتدادها باشتداد العضد، فجعل كأنه يد مشتدة ~~بعضد شديدة { سلطنا } غلبة وتسلطا. أو حجة واضحة { بأايتنآ } ~~متعلق بنحو ما تعلق به في تسع آيات، أي اذهبا بآياتنا. أو بنجعل لكما ~~سلطانا، أي نسلطكما بآياتنا. أو بلا يصلون، أي تمتنعون منهم بآياتنا. أو ~~هو بيان للغالبون لا صلة، لامتناع تقدم الصلة على الموصول. ولو تأخر لم ~~يكن إلا صله له. ويجوز أن يكون قسما جوابه لا يصلون، مقدما عليه. أو من ~~لغو القسم. ### || [28.36] # { سحر مفترى } سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله. أو سحر ظاهر ~~افتراؤه. أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله ~~{ وفي آياتنا } حال منصوبة عن هذا، أي كائنا ms1482 في زمانهم وأيامهم، يريد ما ~~حدثنا بكونه فيهم، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك، وقد سمعوا ~~وعلموا بنحوه. أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته. أو ما كان ~~الكهان يخبرون بظهور موسى ومجيئه بما جاء به. وهذا دليل على أنهم حجوا ~~وبهتوا، وما وجدوا ما يدفعون به ما جاءهم من الآيات إلا قولهم هذا سحر ~~وبدعة لم يسمعوا بمثلها. ### || [28.37] # يقول { ربى أعلم } منكم بحال من أهله الله للفلاح الأعظم، حيث ~~جعله نبيا وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى يعني نفسه، ولو كان كما ~~تزعمون كاذبا ساحرا مفتريا لما أهله لذلك، لأنه غني حكيم لا يرسل ~~الكاذبين، ولا ينبىء الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون. و { عقبة ~~الدار } هي العاقبة المحمودة. والدليل عليه قوله تعالى # أولئك لهم عقبى الدار جنت عدن # الرعد 22-23وقوله # وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار # الرعد 42 والمراد بالدار الدنيا، وعاقبتها وعقباها أن يختم للعبد ~~بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت. فإن قلت العاقبة ~~المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار لأن الدنيا إما أن ~~تكون خاتمتها بخير أو بشر، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون ~~خاتمتها بالشر؟ قلت قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازا إلى الآخرة وأراد ~~بعباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير، وما خلقهم إلا لأجله ليتلقوا خاتمة ~~الخير وعاقبة الصدق، ومن عمل فيها خلاف ما وضعها الله فقد حرف فإذا ~~عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير. وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها لأنها ~~من نتائج تحريف الفجار. وقرأ ابن كثير «قال موسى» بغير واو، على ما في ~~مصاحف أهل مكة، وهي قراءة حسنة لأن الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم به ~~موسى عليه السلام عند تسميتهم مثل تلك الآيات الباهرة سحرا مفترى. ووجه ~~الأخرى أنهم قالوا ذلك. وقال موسى عليه السلام هذا، ليوازن الناظر بين ~~القول والمقول، ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر # وبضدها تتبين الأشياء # وقرىء «تكون»، بالياء والتاء. ### || [28.38] # روى أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى ms1483 اجتمع خمسون ألف ~~بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب ~~المسامير، فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان الباني ~~لا يقدر أن يقف على رأسه يبني، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند ~~غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ~~ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله ~~إلا قد هلك. ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو ~~السماء، فأراد الله أن يفتنهم فردت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال قد قتلت ~~إله موسى، فعندها بعث الله جبريل عليه السلام لهدمه، والله أعلم بصحته. ~~قصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده، معناه # ما لكم من إله غيرى # الأعراف 59 كما قال الله تعالى # قل أتنبئون الله بما لا يعلم فى السموات ~~ولا فى الارض # يونس 18 معناه بما ليس فيهن، وذلك لأن العلم تابع للمعلوم لا يتعلق به ~~إلا على ما هو عليه، فإذا كان الشيء معدوما لم يتعلق به موجود، فمن ثمة ~~كان انتفاء العلم بوجوده لا انتفاء وجوده. وعبر عن انتفاء وجوده بانتفاء ~~العلم بوجوده. ويجوز أن يكون على ظاهره، وأن إلها غيره غير معلوم ~~عنده، ولكنه مظنون بدليل قوله { وإنى لاظنه من الكذبين } ~~، وإذا ظن موسى عليه السلام كاذبا في إثباته إلها غيره ولم يعلمه ~~كاذبا، فقد ظن أن في الوجود إلها غيره، ولو لم يكن المخذول ظانا ظنا ~~كاليقين، بل عالما بصحة قول موسى عليه السلام لقول موسى له # لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات ~~والأرض بصائر # الإسراء 102 لما تكلف ذلك البنيان العظيم، ولما تعب في بنائه ما تعب، ~~لعله يطلع بزعمه إلى إله موسى عليه السلام، وإن كان جاهلا مفرط الجهل به ~~وبصفاته، حيث حسب أنه في مكان كما كان هو في مكان، وأنه يطلع إليه كما ~~كان يطلع إليه إذا قعد في عليته، وأنه ملك السماء كما ms1484 أنه ملك الأرض. ولا ~~ترى بينة أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته وجهل ملئه وغباوتهم من أنهم ~~راموا نيل أسباب السموات بصرح يبنونه، وليت شعري أكان يلبس على أهل بلاده ~~ويضحك من عقولهم، حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن وأشبههم ~~بالبهائم بذلك؟ أم كان في نفسه بتلك الصفة؟ وإن صح ما حكى من رجوع ~~النشابة إليه ملطوخة بالدم، فتهكم به بالفعل، كما جاء التهكم بالقول في ~~غير موضع من كتاب الله بنظرائه من الكفرة. ويجوز أن يفسر الظن على القول ~~الأول باليقين، كقوله # فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج # ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادعاه من العلم واليقين، وقد خفيت على قومه ~~لغباوتهم وبلههم. أولم تخف عليهم، ولكن كلا كان يخاف على نفسه سوطه، ~~وسيفه، وإنما قال { فأوقد لى يهمن على الطين } ولم يقل ~~اطبخ لي الآجر واتخذه، لأنه أول من عمل الآجر، فهو يعلمه الصنعة، ولأن ~~هذه العبارة أحسن طباقا لفصاحة القرآن وعلو طبقته وأشبه بكلام ~~الجبابرة. وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه ~~بيا في وسط الكلام. دليل التعظيم والتجبر. وعن عمر رضي الله عنه أنه حين ~~سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر فقال ما علمت أن أحدا بنى ~~بالآجر غير فرعون. والطلوع والإطلاع الصعود. يقال طلع الجبل وأطلع بمعنى. ### || [28.39-40] # الاستكبار بالحق إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر على الحقيقة، أي ~~المتبالغ في كبرياء الشأن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ~~ربه 816 # " الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في ~~النار " # وكل مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق { يرجعون } بالضم والفتح { ~~فأخذنه وجنوده فنبذنهم فى اليم } من الكلام ~~الفخم الذي دل به على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه. شبههم استحقارا لهم ~~واستقلالا لعددهم، وإن كانوا الكثر الكثير والجم الغفير، بحصيات أخذهن ~~آخذ في كفه فطرحهن في البحر. ونحو ذلك قوله # وجعلنا فيها رواسى شمخت # المرسلات 27، # وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة وحدة # الحاقة 14، # وما قدروا الله حق قدره والارض ms1485 جميعا ~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويت ~~بيمينه # الزمر 67 وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور وإن عظم ~~وجل، فهو مستصغر إلى جنب قدرته. ### || [28.41-42] # فإن قلت ما معنى قوله { وجعلنهم أئمة يدعون إلى ~~النار }؟ قلت معناه ودعوناهم أئمة دعاة إلى النار، وقلنا إنهم أئمة ~~دعاة إلى النار، كما يدعي خلفاء الحق أئمة دعاة إلى الجنة. وهو من قولك ~~جعله بخيلا وفاسقا، إذا دعاه وقال إنه بخيل وفاسق. ويقول أهل اللغة في ~~تفسير فسقه وبخله جعله بخيلا وفاسقا. ومنه قوله تعالى # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # الزخرف 19 ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر ~~والمعاصي { ويوم القيمة لا ينصرون } كما ينصر الأئمة ~~الدعاة إلى الجنة. ويجوز خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر. ومعنى الخذلان ~~منع الألطاف، وإنما يمنعها من علم أنها لا تنفع فيه، وهو المصمم على ~~الكفر الذي لا تغني عنه الآيات والنذر، ومجراه مجرى الكناية لأن منع ~~الألطاف يردف التصميم، والغرض بذكره التصميم نفسه، فكأنه قيل صمموا على ~~الكفر حتى كانوا أئمة فيه دعاة إليه وإلى سوء عاقبته. فإن قلت فأي فائدة ~~في ترك المردوف إلى الرادفة؟ قلت ذكر الرادفة يدل على وجود المردوف فيعلم ~~وجود المردوف مع الدليل الشاهد بوجوده، فيكون أقوى لإثباته من ذكره. ألا ~~ترى أنك تقول لولا أنه مصمم على الكفر مقطوع أمره مثبوت حكمه لما منعت ~~منه الألطاف، فبذكر منع الألطاف يحصل العلم بوجود التصميم على الكفر ~~وزيادة، وهو قيام الحجة على وجوده. وينصر هذا الوجه قوله { ويوم ~~القيمة لا ينصرون } كأنه قيل وخذلناهم في الدنيا وهم يوم ~~القيامة مخذولون، كما قال { وأتبعنهم فى هذه الدنيا ~~لعنة } أي طردا وإبعادا عن الرحمة { ويوم القيمة هم ~~من المقبوحين } أي من المطرودين المبعدين. ### || [28.43] # { بصائر } نصب على الحال. والبصيرة نور القلب الذي يستبصر به، كما ~~أن البصر نور العين الذي تبصر به، يريد آتيناه التوراة أنوارا للقلوب، ~~لأنها كانت عمياء لا تستبصر ولا تعرف حقا من باطل. وإرشادا لأنهم ms1486 كانوا ~~يخبطون في ضلال { ورحمة } لأنهم لو عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة ~~{ لعلهم يتذكرون } إرادة أن يتذكروا، شبهت الإرادة بالترجي ~~فاستعير لها. ويجوز أن يراد به ترجي موسى عليه السلام لتذكرهم، كقوله ~~تعالى # لعله يتذكر # طه 44. ### || [28.44] # { الغربى } المكان الواقع في شق الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ~~ميقات موسى عليه السلام من الطور وكتب الله له في الألواح. والأمر المقضي ~~إلى موسى عليه السلام الوحي الذي أوحى إليه والخطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول وما كنت حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه ~~السلام، ولا كنت { من } جملة { الشهدين } للوحي إليه، أو على ~~الوحي إليه وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات، حتى تقف من جهة المشاهدة ~~على ما جرى من أمر موسى عليه السلام في ميقاته. وكتبة التوراة له في ~~الألواح، وغير ذلك. ### || [28.45] # فإن قلت كيف يتصل قوله { ولكنا أنشأنا قرونا } بهذا الكلام؟ ~~ومن أي وجه يكون استدراكا له؟ قلت اتصاله به وكونه استدراكا له، من حيث ~~أن معناه ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا كثيرة { فتطاول ~~} على آخرهم وهو القرن الذي أنت فيهم { العمر } أي أمد انقطاع الوحي ~~واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وكسبناك العلم بقصص ~~الأنبياء وقصة موسى عليهم السلام، كأنه قال وما كنت شاهدا لموسى وما جرى ~~عليه، ولكنا أوحينا إليك. فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ودل به ~~على المسبب على عادة الله عز وجل في اختصاراته فإذا هذا الاستدراك شبيه ~~الاستدراكين بعده { وما كنت ثاويا } أي مقيما { فى أهل ~~مدين } وهم شعيب والمؤمنون به { تتلو عليهم ءايتنا } ~~تقرؤها عليهم تعلما منهم، يريد الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه، ولكنا ~~أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها. ### || [28.46] # { إذ نادينا } يريد مناداة موسى عليه السلام ليلة المناجاة ~~وتكليمه، و { لكن } علمناك { رحمة } وقرىء «رحمة»، بالرفع أي هي ~~رحمة { ما ءاتهم } من نذير في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهي ~~خمسمائة وخمسون سنة، ونحوه قوله # لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم # يس ms1487 6. ### || [28.47] # { لولا } الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثاني تحضيضية، وإحدى ~~الفاءين للعطف، والأخرى جواب لولا، لكونها في حكم الأمر، من قبل أن الأمر ~~باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد. والمعنى ولولا أنهم ~~قائلون إذا عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي هلا أرسلت إلينا رسولا، ~~محتجين علينا بذلك لما أرسلنا إليهم، يعني أن إرسال الرسول إليهم إنما هو ~~ليلزموا الحجة ولا يلزموها، كقوله # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل # النساء 165، # أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير # المائدة 19، { لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~ءايتك }. فإن قلت كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب ~~في الإرسال لا القول، لدخول حرف الامتناع عليها دونه؟ قلت القول هو ~~المقصود بأن يكون سببا لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب ~~للقول وكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول، ~~فأدخلت عليها لولا، وجيء بالقول معطوفا عليها بالفاء المعطية معنى ~~السببية، ويؤول معناه إلى قولك ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما ~~أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلا على ~~كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين لم يقولوا { لولا ~~أرسلت إلينا رسولا } وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا ~~غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم. وفي هذا من الشهادة ~~القوية على استحكام كفرهم ورسخوه فيهم ما لا يخفى، كقوله تعالى # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي جعل كل عمل معبرا ~~عنه باجتراح الأيدي وتقدم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، وهذا من ~~الاتساع في الكلام وتصيير الأقل تابعا للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل. ### || [28.48] # { فلما جاءهم الحق } وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع ~~سائر المعجزات وقطعت معاذيرهم وسد طريق احتجاجهم { قالوا لولا ~~أوتى مثل ما أوتى موسى } من الكتاب المنزل جملة واحدة، ومن ~~قلب العصا حية وفلق البحر وغيرهما من الآيات فجاءوا بالاقتراحات المبنية ~~على التعنت والعناد، كما ms1488 قالوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، وما ~~أشبه ذلك { أو لم يكفروا } يعني أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم ~~وعنادهم عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام { بما أوتى ~~موسى } وعن الحسن رحمه الله قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه ~~السلام، فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم { قالوا } في موسى وهرون { ~~سحران تظهرا } أي تعاونا. وقرىء «إظهارا» على الإدغام. ~~وسحران. بمعنى ذوا سحر. أو جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر. أو ~~أرادوا نوعان من السحر { بكل } بكل واحد منهما. فإن قلت بم علقت قوله ~~من قبل في هذا التفسير؟ قلت ب أولم يكفروا، ولي أن أعلقه بأوتي، فينقلب ~~المعنى إلى أن أهل مكة الذين قالوا هذه المقالة كما كفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبالقرآن فقد كفروا بموسى عليه السلام وبالتوراة، وقالوا في ~~موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ساحران تظاهرا. أو في الكتابين سحران ~~تظاهرا وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه نعته وصفته، وأنه في كتابهم، فرجع الرهط ~~إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا. ### || [28.49] # { هو أهدى منهما } مما أنزل على موسى عليه السلام ومما أنزل ~~علي. هذا الشرط من نحو ما ذكرت أنه شرط المدل بالأمر المتحقق لصحته لأن ~~امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين أمر معلوم متحقق لا مجال فيه ~~للشك. ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم. ### || [28.50] # فإن قلت ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية، وبينه في قوله # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # حيث عدى بغير اللام؟ قلت هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء بنفسه وإلى ~~الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدي إلى الداعي في الغالب، فيقال ~~استجاب الله دعاءه أو استجابة له، ولا يكاد يقال استجاب له دعاءه. وأما ~~البيت فمعناه فلم يستجب دعاءه، على حذف المضاف. فإن قلت فالاستجابة تقتضي ~~دعاء ولا دعاء ههنا. قلت قوله فأتوا بكتاب أمر بالإتيان والأمر بعث على ms1489 ~~الفعل ودعاء إليه، فكأنه قال فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب ~~الأهدى، فاعلم أنهم قد ألزموا ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى، ثم قال { ~~ومن أضل ممن } لا يتبع في دينه إلا { هواه بغير هدى ~~من الله } أي مطبوعا على قلبه ممنوع الألطاف { إن الله لا ~~يهدى } أي لا يلطف بالقوم الثابتين على الظلم الذين اللاطف بهم عابث. ~~وقوله بغير هدى في موضع الحال، يعني مخذولا مخلى بينه وبين هواه. ### || [28.51] # قرىء { وصلنا } بالتشديد والتخفيف. والمعنى أن القرآن أتاهم ~~متتابعا متواصلا، وعدا ووعيدا، وقصصا وعبرا، ومواعظ ونصائح إرادة ~~أن يتذكروا فيفلحوا. أو نزل عليهم نزولا متصلا بعضه في أثر بعض. كقوله # وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا ~~كانوا عنه معرضين # الشعراء 5 ### || [28.52] # نزلت في مؤمني أهل الكتاب وعن رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا أحدهم. ~~وقيل في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل اثنان وثلاثون جاؤوا مع جعفر من أرض ~~الحبشة، وثمانية من الشام، والضمير في { من قبله } للقرآن. ### || [28.53] # فإن قلت أي فرق بين الاستئنافين إنه وإنا؟ قلت الأول تعليل للإيمان به، ~~لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن به. والثاني بيان لقوله { ءامنا ~~به } لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن ~~إيمانهم به متقادم لأن آباءهم القدماء قرؤوا في الكتب الأول ذكره ~~وأبناءهم من بعدهم { من قبله } من قبل وجوده ونزوله { مسلمين } ~~كائنين على دين الإسلام لأن الإسلام صفة كل موحد مصدق للوحي. ### || [28.54] # { بما صبروا } بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن. أو ~~بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وبعد نزوله. أو بصبرهم على أذى ~~المشركين وأهل الكتاب. ونحوه # يؤتكم كفلين من رحمته # الحديد 28، { بالحسنة السيئة } بالطاعة المعصية المتقدمة. أو ~~بالحلم الأذى. ### || [28.55] # { سلم عليكم } توديع ومتاركة. وعن الحسن رضي الله عنه كلمة ~~حلم من المؤمنين { لا نبتغى الجهلين } لا نريد مخالطتهم ~~وصحبتهم فإن قلت من خاطبوا بقولهم { ولكم أعملكم }؟ قلت ~~اللاغين الذين دل عليهم قوله { وإذا سمعوا اللغو ms1490 }. ### || [28.56] # { لا تهدى من أحببت } لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من ~~أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم، لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من ~~غيره { ولكن الله } يدخل في الإسلام { من يشآء } وهو الذي ~~علم أنه غير مطبوع على قلبه، وأن الألطاف تنفع فيه، فيقرن به ألطافه حتى ~~تدعوه إلى القبول { وهو أعلم بالمهتدين } بالقابلين من ~~الذين لا يقبلون. قال الزجاج أجمع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب، وذلك ~~أن أبا طالب قال عند موته 817 يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمدا وصدقوه ~~تفلحوا وترشدوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك " # ؟ قال فما تريد يا ابن أخي؟ قال # " أريد منك كلمة واحدة فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله ~~إلا الله، أشهد لك بها عند الله " # قال يا ابن أخي، قد علمت إنك لصادق، ولكني أكره أن يقال خرع عند الموت، ~~ولولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي، لقلتها، ولأقررت بها ~~عينك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكني سوف أموت على ملة ~~الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف. ### || [28.57] # قالت قريش، وقيل إن القائل الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف نحن نعلم ~~أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن ~~أكلة رأس، أي قليلون أن يتخطفونا من أرضنا، فألقمهم الله الحجر. بأنه ~~مكن لهم في الحرم الذي آمنه بحرمة البيت وآمن قطانه بحرمته، وكانت العرب ~~في الجاهلية حولهم يتغاورون ويتناحرون، وهم آمنون في حرمهم لا يخافون، ~~وبحرمة البيت هم قارون بواد غير ذي زرع، والثمرات والأرزاق تجبى إليهم ~~من كل أوب، فإذا خولهم الله ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها ~~وهم كفرة عبدة أصنام فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخوف والتخطف، ويسلبهم ~~الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام وإسناد الأمن إلى أهل الحرم ~~حقيقة، وإلى الحرم مجاز { يجبى إليه } تجلب وتجمع. قرىء ms1491 بالياء ~~والتاء. وقرىء «تجنى»، بالنون، من الجني. وتعديته بإلى كقوله يجني إلي ~~فيه، ويجني إلى الخافة. وثمرات بضمتين وبضمة وسكون. ومعنى الكلية الكثرة ~~كقوله # وأوتيت من كل شىء # النمل 23 { ولكن أكثرهم لا يعلمون } متعلق بقوله { ~~من لدنا } أي قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم ~~جهلة لا يعلمون ذلك ولا يفطنون له ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن ~~الخوف والأمن من عنده. ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به وخلعوا أنداده. ~~فإن قلت بم انتصب رزقا؟ قلت إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله ~~لأن معنى { يجبى إليه ثمرات كل شىء } ويرزق ثمرات كل ~~شيء واحد، وأن يكون مفعولا له. وإن جعلته بمعنى مرزوق، كان حالا من ~~الثمرات لتخصصها بالإضافة، كما تنتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة. ### || [28.58] # هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله ~~عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فغمطوا النعمة وقابلوها بالأشر ~~والبطر، فدمرهم الله وخرب ديارهم. وانتصبت { معيشتها } إما بحذف ~~الجار وإيصال الفعل، كقوله تعالى # واختار موسى قومه # الأعراف 155 وإما على الظرف بنفسها، كقولك زيد ظني مقيم. أو بتقدير حذف ~~الزمان المضاف، أصله بطرت أيام معيشتها، كخفوق النجم، ومقدم الحاج وإما ~~بتضمين { بطرت } معنى كفرت وغمطت. وقيل البطر سوء احتمال الغنى وهو ~~أن لا يحفظ حق الله فيه { إلا قليلا } من السكنى. قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة ويحتمل أن ~~شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق ~~فيها إلا قليلا { وكنا نحن الورثين } لتلك المساكن من ~~ساكنيها، أي تركناها على حال لا يسكنها أحد، أو خربناها وسويناها ~~بالأرض. # تتخلف الآثار عن أصحابها حينا ويدركها ~~الفناء فتتبع ### || [28.59] # وما كانت عادة ربك أن يهلك القرى في كل وقت { حتى يبعث فى } ~~القرية التي هي أمها، أي أصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها { ~~رسولا } لإلزام الحجة ms1492 وقطع المعذرة، مع علمه أنهم لا يؤمنون أو وما ~~كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أمر ~~القرى يعني مكة رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم ~~الأنبياء. وقرىء «أمها» بضم الهمزة وكسرها لا تباع الجر، وهذا بيان ~~لعدله وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر بأنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الهلاك ~~بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة ~~الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم، ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ~~ظالمين، كما قال تعالى # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # هود 117 فنص في قوله { بظلم } أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلما ~~منه، وأن حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دل على ذلك بحرف النفي مع ~~لامه، كما قال الله تعالى # وما كان الله ليضيع إيمنكم # البقرة 143. ### || [28.60] # وأي شيء أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياما قلائل، ~~وهي مدة الحياة المتقضية { وما عند الله } وهو ثوابه { خير } ~~في نفسه من ذلك { وأبقى } لأن بقاءه دائم سرمد وقرىء «يعقلون» ~~بالياء، وهو أبلغ في الموعظة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله خلق ~~الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف المؤمن، والمنافق، والكافر فالمؤمن ~~يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. ### || [28.61] # هذه الآية تقرير وإيضاح للتي قبلها. والوعد الحسن الثواب لأنه منافع ~~دائمة على وجه التعظيم والاستحقاق، وأي شيء أحسن منها، ولذلك سمى الله ~~الجنة بالحسنى. و { لاقيه } كقوله تعالى { ولقهم نضرة ~~وسرورا } ، وعكسه # فسوف يلقون غيا # مريم 59 { من المحضرين } من الذين أحضروا النار. ونحوه # لكنت من المحضرين # الصافات 57، # فكذبوه فإنهم لمحضرون # الصافات 127 قيل نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقيل ~~في علي وحمزة وأبي جهل. وقيل في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة. فإن ~~قلت فسر لي الفاءين وثم، وأخبرني عن مواقعها. قلت قد ذكر في الآية التي ~~قبلها متاع الحياة الدنيا وما عند الله ms1493 وتفاوتهما، ثم عقبه بقوله { ~~أفمن وعدنه } على معنى أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوي بين ~~أبناء الآخرة وأبناء الدنيا، فهذا معنى الفاء الأولى وبيان موقعها. وأما ~~الثانية فللتسبيب لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد الذي هو الضمان في ~~الخير. وأما «ثم» فلتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع، لا لتراخي وقته ~~عن وقته. وقرىء «ثم هو» بسكون الهاء، كما قيل عضد في عضد. تشبيها ~~للمنفصل بالمتصل، وسكون الهاء في فهو وهو، ولهو أحسن لأن الحرف الواحد ~~لا ينطق به وحده فهو كالمتصل. ### || [28.62] # { شركائى } مبني على زعمهم، وفيه تهكم، فإن قلت زعم يطلب مفعولين، ~~كقوله # .... ولم أزعمك عن ذاك معزلا # فأين هما؟ قلت محذوفان، تقديره الذين كنتم تزعمونهم شركائي. ويجوز حذف ~~المفعولين في باب ظننت، ولا يصح الاقتصار على أحدهما. ### || [28.63] # { الذين حق عليهم القول } الشياطين أو أئمة الكفر ~~ورؤوسه. ومعنى حق عليهم القول وجب عليهم مقتضاه وثبت، وهو قوله # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # هود 119، السجدة 13 و { هؤلاء } مبتدأ، و { الذين أغوينا } ~~صفته، والراجع إلى الموصول محذوف، و { أغوينهم } الخبر، والكاف ~~صفة مصدر محذوف، تقديره أغويناهم، فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنا لم ~~نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أو دعونا ~~إلى الغي وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم لأن إغواءنا لهم لم ~~يكن إلا وسوسة وتسويلا لا قسرا وإلجاء، فلا فرق إذا بين غينا وغيهم. ~~وإن كان تسويلنا داعيا لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم ~~إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل وأنزل ~~عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك ~~صارفا عن الكفر وداعيا إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # إبراهيم 22 والله تعالى قدم هذا المعنى أول شيء، حيث قال لإبليس # إن عبادى ms1494 ليس لك عليهم سلطن إلا من ~~اتبعك من الغاوين # الحجر 42. { تبرأنا إليك } منهم وما اختاروه من الكفر ~~بأنفسهم، هوى منهم للباطل ومقتا للحق، لا بقوة منا على استكراههم ولا ~~سلطان { ما كانوا إيانا يعبدون } إنما كانوا يعبدون أهواءهم ~~ويطيعون شهواتهم. وإخلاء الجملتين من العاطف، لكونهما مقررتين لمعنى ~~الجملة الأولى. ### || [28.64-66] # { لو أنهم كانوا يهتدون } لوجه من وجوه الحيل يدفعون به ~~العذاب. أو لو أنهم كانوا مهتدين مؤمنين، لما رأوه. أو تمنوا لو كانوا ~~مهتدين. أو تحيروا عند رؤيته وسدروا فلا يهتدون طريقا. حكى أولا ما ~~يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند ~~توبيخهم لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأن الشياطين هم الذي ~~استغووهم وزينوا لهم عبادتها، ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم ~~آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج ~~عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل { فعميت عليهم الانباء } ~~فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا لا تهتدي إليهم { فهم لا ~~يتساءلون } لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات، ~~لأنهم يتساوون جميعا في عمى الأنباء عليهم والعجز عن الجواب. وقرىء ~~«فعميت»، والمراد بالنبأ الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله، وإذاكانت ~~الأنبياء لهول ذلك اليوم يتتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، ويفوضون ~~الأمر إلى علم الله، وذلك قوله تعالى # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ~~قالوا لا علم لنا إنك أنت علم الغيوب # المائدة 109 فما ظنك بالضلال من أممهم. ### || [28.67] # { فأما من تاب } من المشركين من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل ~~الصالح { فعسى أن } يفلح عند الله، و«عسى» من الكرام تحقيق. ويجوز ~~أن يراد ترجي التائب وطمعه، وكأنه قال فليطمع أن يفلح. ### || [28.68] # الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير تستعمل بمعنى المصدر هو التخير، ~~وبمعنى المتخير كقولهم محمد خيرة الله من خلقه { ما كان لهم ~~الخيرة } بيان لقوله { ويختار } لأن معناه ويختار ما يشاء، ~~ولهذا لم يدخل العاطف. والمعنى أن الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو ms1495 أعلم ~~بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. قيل السبب فيه قول ~~الوليد بن المغيرة # لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين ~~عظيم # الزخرف 31 يعني لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم. وقيل معناه ~~ويختار الذي لهم فيه الخيرة، أي يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو ~~أعلم بمصالحهم من أنفسهم، من قولهم في الأمرين ليس فيهما خيرة لمختار. ~~فإن قلت فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ما موصولة؟ قلت أصل ~~الكلام ما كان لهم فيه الخيرة، فحذف «فيه» كما حذف، منه في قوله # إن ذلك لمن عزم الامور # الشورى 43 لأنه مفهوم { سبحن الله } أي الله بريء من إشراكهم ~~ومايحملهم عليه من الجراءة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار. ### || [28.69-70] # { ما تكن صدورهم } من عداوة رسول الله وحسده { وما ~~يعلنون } من مطاعنهم فيه. وقولهم هلا اختير عليه غيره في النبوة { ~~وهو الله } وهو المستأثر بالإلهية المختص بها، و { لا إله ~~إلا هو } تقرير لذلك، كقولك الكعبة القبلة، لا قبلة إلا هي. فإن قلت ~~الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة؟ قلت هو قولهم # الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن # فاطر 34، # الحمد لله الذى صدقنا وعده # الزمر 74 # وقيل الحمد لله رب العلمين # الزمر 75 والتحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة. وفي الحديث 818 # " يلهمون التسبيح والتقديس " # { وله الحكم } القضاء بين عباده. ### || [28.71-73] # { أرءيتم } وقرىء «أريتم» بحذف الهمزة، وليس بحذف قياسي. ومعناه ~~أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة. ~~ومنه قولهم في الأشهر الحرم ثلاثة سرد، وواحد فرد، والميم مزيدة. ووزنه ~~فعمل. ونظيره. دلامص، من الدلاص. فإن قلت هلا قيل بنهار تتصرفون فيه، كما ~~قيل { بليل تسكنون فيه }؟ قلت ذكر الضياء وهو ضوء الشمس لأن ~~المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس ~~بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء { أفلا تسمعون } لأن السمع ~~يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر ms1496 منافعه ووصف فوائده، وقرن بالليل { أفلا ~~تبصرون } لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره. وأنت من السكون ~~ونحوه { ومن رحمته } زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة ~~لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار ~~ولإرادة شكركم. ### || [28.74] # وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذان ~~بأن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من ~~توحيده. اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك، فأدخلنا في الناجين من وعيدك. ### || [28.75] # { ونزعنا } وأخرجنا { من كل أمة شهيدا } وهو نبيهم لأن ~~أنبياء الأمم شهداء عليهم، يشهدون بما كانوا عليه { فقلنا } للأمة { ~~هاتوا برهنكم } فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول { ~~فعلموا } حينئذ { أن الحق لله } ولرسوله، لا لهم ~~ولشياطينهم { وضل عنهم } وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع { ما ~~كانوا يفترون } من الكذب والباطل. ### || [28.76-77] # { قرون } اسم أعجمي مثل هرون، ولم ينصرف للعجمة والتعريف، ولو كان ~~فاعولا من قرن لانصرف. وقيل معنى كونه من قومه أنه آمن به. وقيل كان ~~إسرائيليا ابن عم موسى هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. ~~وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل كان موسى ابن أخيه، وكان يسمى المنور لحسن ~~صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري وقال ~~إذا كانت النبوة لموسى عليه السلام، والمذبح والقربان إلى هرون فمالي؟ ~~وروي أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة والحبورة لهرون يقرب ~~القربان ويكون رأسا فيهم وكان القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه ~~ وجد قارون في نفسه وحسدهما، فقال لموسى الأمر لكما ولست على شيء، إلى ~~متى أصبر؟ قال موسى هذا صنع الله قال والله لا أصدق حتى تأتي بآية، فأمر ~~رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي ~~كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل، فأصبحوا وإذا ~~بعصا هرون تهتز ولها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز، فقال قارون ما ms1497 هو ~~بأعجب مما تصنع من السحر { فبغى عليهم } من البغي وهو الظلم. ~~قيل ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. وقيل من البغي وهو الكبر والبذخ ~~تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده. وقيل زاد عليهم في الثياب شبرا. المفاتح ~~جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به. وقيل هي الخزائن، وقياس واحدها مفتح ~~بالفتح. ويقال ناء به الحمل، إذا أثقله حتى أماله. والعصبة الجماعة ~~الكثيرة والعصابة مثلها. واعصوصبوا اجتمعوا. وقيل كانت تحمل مفاتيح ~~خزائنه ستون بغلا، لكل خزانة مفتاح، ولا يزيد المفتاح على أصبع. وكانت ~~من جلود. قال أبو رزين يكفي الكوفة مفتاح، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ ~~الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة. وقرأ بديل بن ميسرة ~~لينوء بالياء. ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن، ويعطيها حكم ما أضيفت ~~إليه للملابسة والاتصال، كقولك ذهبت أهل اليمامة. ومحل إذ منصوب بتنوء { ~~لا تفرح } كقوله # ولا تفرحوا بما ءاتكم # الحديد 23 وقول القائل # ولست بمفراح إذا الدهر سرني # وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن. وأما من قلبه إلى ~~الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب، لم تحدثه نفسه بالفرح. وما أحسن ~~ما قال القائل # أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه ~~انتقالا # { وابتغ فيما ءاتاك الله } من الغنى والثروة { الدار ~~الاخرة } بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب والمندوب إليه، ~~وتجعله زادك إلى الآخرة { ولا تنس نصيبك } وهو أن تأخذ منه ما ~~يكفيك ويصلحك { وأحسن } إلى عباد الله { كما أحسن الله ~~إليك } أوأحسن بشكرك وطاعتك لله كما أحسن إليك. والفساد في الأرض ما ~~كان عليه من الظلم والبغي. وقيل إن القائل موسى عليه السلام. وقرىء ~~«واتبع». ### || [28.78] # { على علم } أي على استحقاق واستيجاب لما في من العلم الذي فضلت ~~به الناس، وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة. وقيل هو علم ~~الكيمياء. عن سعيد بن المسيب كان موسى عليه السلام يعلم علم الكيمياء، ~~فأفاد يوشع بن نون ثلثه، وكالب بن يوفنا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما ~~قارون حتى ms1498 أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا. ~~وقيل علم الله موسى علم الكيمياء، فعلمه موسى أخته، فعلمته أخته قارون. ~~وقيل هو بصره بأنواع التجارة والدهقنة وسائر المكاسب. وقيل { عندى } ~~معناه في ظني، كا تقول الأمر عندي كذا، كأنه قال إنما أوتيته على علم، ~~كقوله تعالى # ثم إذا خولنه نعمة منا قال إنما أوتيته ~~على علم # الزمر 49 ثم زاد { عندى } أي هو في ظني ورأيي هكذا. يجوز أن يكون ~~إثباتا لعلمه بأن الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، ~~لأنه قد قرأه في التوراة، وأخبر به موسى، وسمعه من حفاظ التواريخ والأيام ~~كأنه قيل { أو لم يعلم } في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا ~~يغتر بكثرة ماله وقوته. ويجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك لأنه لما قال ~~أوتيته على علم عندي، فتنفج بالعلم وتعظم به. قيل أعنده مثل ذلك العلم ~~الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع ~~حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين { وأكثر جمعا } للمال، أو أكثر ~~جماعة وعددا. فإن قلت ما وجه اتصال قوله { ولا يسأل عن ~~ذنوبهم المجرمون } بما قبله؟ قلت لما ذكر قارون من أهلك من ~~قبله من القرون الذي كانوا أقوى منه وأغنى، قال على سبيل التهديد له ~~والله مطلع على ذنوب المجرمين، لا يحتاج إلى سؤالهم عنها واستعلامهم. وهو ~~قادر على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى # والله خبير بما تعملون # آل عمران 153 وغيرها، # والله بما تعملون عليم # البقرة 283، المؤمنون 51، النور 28 وما أشبه ذلك. ### || [28.79] # { فى زينته } قال الحسن في الحمرة والصفرة. وقيل خرج على بغلة ~~شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه. وقيل ~~عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ~~ثلثمائة جارية، بيض عليهن الحلي والديباج. وقيل في تسعين ألفا عليهم ~~المعصفرات، وهو أول يوم رؤي فيه المعصفر كان المتمنون قوما مسلمين ~~وإنما تمنوه على سبيل الرغبة في ms1499 اليسار والاستغناء كما هو عادة البشر. ~~وعن قتادة تمنوه ليتقربوا به إلى الله وينفقوه في سبل الخير. وقيل كانوا ~~قوما كفارا. الغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه. ~~والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه فمن الغبطة قوله تعالى ~~{ يليت لنا مثل ما أوتى قرون } ومن الحسد قوله # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض # النساء 32 وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم 819 هل يضر الغبط؟ فقال # " لا إلا كما يضر العضاه....... الخبط " # والحظ الجد، وهو البخت والدولة وصفوه بأنه رجل مجدود مبخوت، يقال فلان ~~ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ وجدود. ### || [28.80-81] # ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما ~~لا يرتضى، كما استعمل لا أبا لك. وأصله الدعاء على الرجل بالأقراف في ~~الحث على الفعل. والراجع في { ولا يلقاها } للكلمة التي تكلم بها ~~العلماء. أو للثواب، لأنه في معنى المثوبة أو الجنة، أو للسيرة والطريقة، ~~وهي الإيمان والعمل الصالح { الصبرون } على الطاعات وعن الشهوات ~~وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير. كان قارون يؤذي نبي الله موسى ~~عليه السلام كل وقت، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة ~~فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه ~~فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال إن موسى أرادكم على كل ~~شيء، وهو يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا أنت كبيرنا وسيدنا، فمر بما شئت، ~~قال نبرطل فلانة البغي حتى ترميه بنفسها فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ~~ألف دينار. وقيل طستا من ذهب. وقيل طستا من ذهب مملوءة ذهبا. وقيل ~~حكمها فلما كان يوم عيد قام موسى فقال يا بني إسرائيل، من سرق قطعناه، ~~ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه، فقال ~~قارون وإن كنت أنت؟ قال وإن كنت أنا، قال فإن بني إسرائيل يزعمون أنك ~~فجرت بفلانة، فأحضرت، ms1500 فناشدها موسى بالذي فلق البحر، وأنزل التوراة أن ~~تصدق، فتداركها الله فقالت كذبوا، بل جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك ~~لنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي وقال يا رب، إن كنت رسولك فاغضب لي. فأوحى ~~إليه أن مر الأرض بما شئت، فإنها مطيعة لك. فقال يا بني إسرائيل، إن ~~الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ~~ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعا غير رجلين ثم قال يا أرض خذيهم، ~~فأخذتهم إلى الركب، ثم قال خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال خذيهم، ~~فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ~~ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال خذيهم، ~~فانطبقت عليهم. وأوحى الله إلى موسى ما أفظك استغاثوا بك مرارا فلم ~~ترحمهم، أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريبا مجيبا، فأصبحت ~~بنو إسرائيل يتناجون بينهم إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه، ~~فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله { من المنتصرين } من المنتقمين ~~من موسى عليه السلام، أو من الممتنعين من عذاب الله. يقال نصره من عدوه ~~فانتصر، أي منعه منه فامتنع. ### || [28.82] # قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت المستقرب ~~على طريق الاستعارة { مكانه } منزلته من الدنيا وي مفصولة عن كأن، ~~وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم. ومعناه أن القوم قد تنبهوا على ~~خطئهم في تمنيهم وقولهم { يليت لنا مثل ما أوتى قرون } ~~وتندموا ثم قالوا { ويكأنه لا يفلح الكفرون } أي ما ~~أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح، وهو مذهب الخليل وسيبويه. قال # وي كأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر ~~يعش عيش ضر # وحكى الفراء أن أعرابية قالت لزوجها أين ابنك؟ فقال وي كأنه وراء ~~البيت. وعند الكوفيين أن «ويك» بمعنى ويلك، وأن المعنى ألم تعلم أنه لا ~~يفلح الكافرون. ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي، كقوله # ... ويك عنتر أقدم # وأنه بمعنى لأنه، واللام لبيان ms1501 المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح ~~الكافرون كان ذلك، وهو الخسف بقارون، ومن الناس من يقف على وي ويبتدىء ~~كأنه ومنهم من يقف على «ويك». وقرأ الأعمش «لولا من الله علينا». ~~وقرىء { لخسف بنا } وفيه ضمير الله. ولا نخسف بنا، كقولك انقطع به. ~~ولتخسف بنا. ### || [28.83] # { تلك } تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني تلك التي سمعت بذكرها وبلغك ~~وصفها. لم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل ~~القلوب إليهما، كما قال # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا # هود 113 فعلق الوعيد بالركون. وعن علي رضي الله عنه إن الرجل ليعجبه أن ~~يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها. وعن الفضيل أنه ~~قرأها ثم قال ذهبت الأماني ههنا. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يرددها ~~حتى قبض. ومن الطماع من يجعل العلو لفرعون، والفساد لقارون، متعلقا ~~بقوله # إن فرعون علا فى الأرض # القصص 4، # ولا تبغ الفساد فى الأرض # القصص 77 ويقول من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة، ولا ~~يتدبر قوله { والعقبة للمتقين } كما تدبره علي والفضيل ~~وعمر. ### || [28.84] # معناه فلا يجزون، فوضع { الذين عملوا السيئات } موضع ~~الضمير لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررا. فضل تهجين لحالهم، وزيادة ~~تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين { إلا ما كانوا يعملون } إلا ~~مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم وكرمه الواسع أن لا يجزي ~~السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة، وهو معنى قوله ~~{ فله خير منها }. ### || [28.85] # { فرض عليك القرءان } أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما ~~فيه، يعني أن الذي حملك صعوبة هذا التكليف لمثيبك عليها ثوابا لا يحيط ~~به الوصف. و { لرادك } بعد الموت { إلى معاد } أي معاد ليس ~~لغيرك من البشر وتنكير المعاد لذلك وقيل المراد به مكة ووجهه أن يراد رده ~~إليها يوم الفتح ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادا له شأن، ~~ومرجعا له اعتداد لغلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وقهره ~~لأهلها، ولظهور عز ms1502 الإسلام وأهله وذل الشرك وحزبه. والسورة مكية، فكأن ~~الله وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر به منها، ويعيده ~~إليها ظاهرا ظافرا. وقيل نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره. وقد ~~اشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم، فنزل جبريل فقال له أتشتاق ~~إلى مكة؟ قال نعم، فأوحاها إليه. فإن قلت كيف اتصل قوله تعالى { قل ~~ربى أعلم } بما قبله؟ قلت لما وعد رسوله الرد إلى معاد، قال قل ~~للمشركين { ربى أعلم من جاء بالهدى } يعني نفسه وما يستحقه ~~من الثواب في معاده { ومن هو فى ضلل مبين } يعنيهم وما ~~يستحقونه من العقاب في معادهم. ### || [28.86] # فإن قلت قوله { إلا رحمة من ربك } ما وجه الاستثناء فيه؟ ~~قلت هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل وما ألقى عليك الكتاب إلا رحمه ~~من ربك. ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن للاستدراك، أي ولكن لرحمة من ربك ~~ألقي إليك. ### || [28.87] # وقرىء «يصدنك»، من أصده بمعنى صده، وهي في لغة كلب. وقال # أناس أصدوا الناس بالسيف عنهمو صدود السواقي ~~عن أنوف الحوائم # { بعد إذ أنزلت إليك } بعد وقت إنزاله وإذ تضاف إليه أسماء ~~الزمان، كقولك حينئذ وليلتئذ ويومئذ وما أشبه ذلك. والنهي عن مظاهرة ~~الكافرين ونحو ذلك من باب التهييج الذي سبق ذكره. ### || [28.88] # { إلا وجهه } إلا إياه. والوجه يعبر به عن الذات. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 820 # " من قرأ طسم القصص كان له الأجر بعدد من صدق موسى ~~وكذب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلا شهد له يوم ~~القيامة أنه كان صادقا أن كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم ~~وإليه ترجعون ". ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات، ولكن بمضامين الجمل. ألا ترى ~~أنك لو قلت حسبت زيدا وظننت الفرس لم يكن شيئا حتى تقول حسبت زيدا ~~عالما وظننت الفرس جوادا، لأن قولك زيد عالم، أو الفرس جواد كلام دال ~~على مضمون، فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتا عندك على ms1503 وجه الظن لا ~~اليقين، فلم تجد بدا في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه، من ذكر ~~شطري الجملة مدخلا عليهما فعل الحسبان، حتى يتم لك غرضك. فإن قلت فأين ~~الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية؟ قلت هو في قوله ~~{ أن يتركوا أن يقولوا ءامنا وهم لا يفتنون } ~~وذلك أن تقديره أحسبوا تركهم غير مفتونين، لقولهم آمنا، فالترك أول ~~مفعولي حسب ولقولهم آمنا، هو الخبر. وأما «غير مفتونين» فتتمة الترك، ~~لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله # فتركته جزر السباع ينشنه # ألا ترى أنك قبل المجيء بالحسبان، تقدر أن تقول تركهم غير مفتونين، ~~لقولهم آمنا، على تقدير حاصل ومستقر، قبل اللام. فإن قلت { أن ~~يقولوا } هو علة تركهم غير مفتونين، فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ؟ قلت ~~كما تقول خروجه لمخافة الشر، وضربه للتأديب، وقد كان التأديب والمخافة في ~~قولك خرجت مخافة الشر، وضربته تأديبا تعليلين. وتقول أيضا حسبت خروجه ~~لمخافة الشر، وظننت ضربه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ ~~وخبرا. والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان، ومجاهدة ~~الأعداء، وسائر الطاعات الشاقة، وهجر الشهوات والملاذ، وبالفقر والقحط، ~~وأنواع المصائب في الأنفس والأموال، وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم ~~وضرارهم. والمعنى أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا ~~القول بالإيمان أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين، بل يمحنهم الله بضروب ~~المحن، حتى يبلو صبرهم، وثبات أقدامهم، وصحة عقائدهم، ونصوع نياتهم، ~~ليتميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب، والمتمكن من ~~العابد على حرف، كما قال # لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ~~ذلك من عزم الأمور # آل عمران 186 وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد جزعوا من أذى المشركين. وقيل في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله. ~~وقيل في ناس أسلموا بمكة، فكتب إليهم المهاجرون لا يقبل منكم إسلامكم حتى ~~تهاجروا، فخرجوا فتبعهم ms1504 المشركون فردوهم، فلما نزلت كتبوا بها إليهم ~~فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا. وقيل في ~~مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أول قتيل من ~~المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 821 # " سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " # فجزع عليه أبواه وامرأته { ولقد فتنا } موصول بأحسب أو بلا ~~يفتنون، كقولك ألا يمتحن فلان وقد امتحن من هو خير منه، يعني أن أتباع ~~الأنبياء عليهم السلام قبلهم، قد أصابهم من الفتن والمحن نحو ما أصابهم. ~~أو ما هو أشد منه فصبروا، كما قال # وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا... # الآية آل عمران 146 وعن النبي صلى الله عليه وسلم 822 # " قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين، وما ~~يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، ما ~~يصرفه ذلك عن دينه " # { فليعلمن الله } بالامتحان { الذين صدقوا } في ~~الإيمان { وليعلمن الكذبين } فيه. فإن قلت كيف وهو عالم ~~بذلك فيما لم يزل؟ قلت لم يزل يعلمه معدوما، ولا يعلمه موجودا إلا إذا ~~وجد، والمعنى وليتميزن الصادق منهم من الكاذب. ويجوز أن يكون وعدا ~~ووعيدا، كأنه قال وليثيبن الذي صدقوا وليعاقبن الكاذبين. وقرأ علي رضي ~~الله عنه والزهري وليعلمن، من الإعلام، أي وليعرفنهم الله الناس من هم. ~~أو ليسمنهم بعلامة يعرفون بها من بياض الوجوه وسوادها، وكحل العيون ~~وزرقتها. ### || [29.4] # { أن يسبقونا } أي يفوتونا، يعني أن الجزاء يلحقهم لا محالة، وهم ~~لم يطمعوا في الفوت، ولم يحدثوا به نفوسهم، ولكنهم لغفلتهم وقلة فكرهم ~~في العاقبة وإصرارهم على المعاصي في صورة من يقدر ذلك ويطمع فيه. ونظيره # وما أنتم بمعجزين فى الأرض # العنكبوت 22، # ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا ~~يعجزون # الأنفال 59. فإن قلت أين مفعولا «حسب»؟ قلت اشتمال صلة أن على مسند ~~ومسند إليه سد مسد المفعولين كقوله ms1505 تعالى # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة # البقرة 214 ويجوز أن يضمن حسب معنى قدر وأم منقطعة. ومعنى الإضراب فيها ~~أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذاك يقدر أنه لا يمتحن ~~لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه { ساء ما يحكمون } بئس ~~الذي يحكمونه حكمهم هذا. أو بئس حكما يحكمونه حكمهم هذا، فحذف المخصوص ~~بالذم. ### || [29.5] # لقاء الله مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقي ملك الموت، والبعث، والحساب، ~~والجزاء مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد اطلع ~~مولاه على ما كان يأتي ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من ~~أفعاله، أو بضد ذلك لما سخطه منها، فمعنى قوله { من كان يرجو ~~لقاء الله } من كان يأمل تلك الحال. وأن يلقى فيها الكرامة من الله ~~والبشر { فإن أجل الله } وهو الموت { لآت } لا محالة فليبادر ~~العمل الصالح الذي يصدق رجاءه، ويحقق أمله، ويكتسب به القربة عند الله ~~والزلفى { وهو السميع العليم } الذي لا يخفى عليه شيء مما ~~يقوله عباده ومما يفعلونه، فهو حقيق بالتقوى والخشية. وقيل { يرجو } ~~يخاف من قول الهذلي في صفة عسال # إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها # فإن قلت فإن أجل الله لآت، كيف وقع جوابا للشرط؟ قلت إذا علم أن لقاء ~~الله عنيت به تلك الحال الممثلة والوقت الذي تقع فيه تلك الحال هو الأجل ~~المضروب للموت فكأنه قال من كان يرجو لقاء الله فإن لقاء الله لآت، لأن ~~الأجل واقع فيه اللقاء، كما تقول من كان يرجو لقاء الملك فإن يوم الجمعة ~~قريب، إذا علم أنه يقعد للناس يوم الجمعة. ### || [29.6] # { ومن جاهد } نفسه في منعها ما تأمر به وحملها على ما تأباه { ~~فإنما يجهد } لها، لأن منفعة ذلك راجعة إليها، وإنما أمر الله ~~عز وجل ونهى، رحمة لعباده وهو الغني عنهم وعن طاعتهم. ### || [29.7] # إما أن يريد قوما مسلمين صالحين قد أساءوا في بعض أعمالهم وسيئاتهم ~~مغمورة بحسناتهم فهو يكفرها عنهم، أي يسقط عقابها بثواب الحسنات ويجزيهم ms1506 ~~أحسن الذي كانوا يعملون، أي أحسن جزاء أعمالهم وإما قوما مشركين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، فالله عز وجل يكفر سيئاتهم بأن يسقط عقاب ما تقدم لهم ~~من الكفر والمعاصي ويجزيهم أحسن جزاء أعمالهم في الإسلام. ### || [29.8] # «وصى» حكمه حكم «أمر» في معناه وتصرفه. يقال وصيت زيدا بأن يفعل خيرا، ~~كما تقول أمرته بأن يفعل. ومنه بيت الإصلاح # وذبيانية وصت بنيها بأن كذب القراطف ~~والقروف # كما لو قال أمرتهم بأن ينتهبوها. ومنه قوله تعالى # ووصى بها إبرهيم بنيه # البقرة 132 أي وصاهم بكلمة التوحيد وأمرهم بها، وقولك وصيت زيدا بعمرو، ~~معناه وصيته بتعهد عمرو ومراعاته ونحو ذلك، وكذلك معنى وقوله { ~~ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } وصيناه بإيتاء والديه ~~حسنا، أو بإيلاء والديه حسنا أي فعلا ذا حسن، أو ما هو في ذاته حسن ~~لفرط حسنه، كقوله تعالى # وقولوا للناس حسنا # البقرة 83 وقرىء «حسنا»، و«إحسانا» ويجوز أن تجعل «حسنا» من باب قولك ~~زيدا، بإضمار «أضرب» إذا رأيته متهيئا للضرب، فتنصبه بإضمار أولهما. أو ~~أفعل بهما، لأن التوصية بهما دالة عليه، وما بعده مطابق له، كأنه قال ~~قلنا أو لهما معروفا و { فلا تطعهما } في الشرك إذا حملاك ~~عليه. وعلى هذا التفسير إن وقف على { بولديه } وابتدأ { حسنا } ~~حسن الوقف، وعلى التفسير الأول لا بد من إضمار القول، معناه وقلنا إن ~~جاهداك أيها الإنسان { ما ليس لك به علم } أي لا علم لك ~~بإلهيته. والمراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال لتشرك بي شيئا لا ~~يصح أن يكون إلها ولا يستقيم وصاه بوالديه وأمره بالإحسان إليهما، ثم ~~نبه بنهيه عن طاعتهما إذا أراداه على ما ذكره، على أن كل حق وإن عظم ساقط ~~إذاجاء حق الله، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم قال إلي مرجع ~~من آمن منكم ومن أشرك، فأجازيكم حق جزائكم. وفيه شيئان، أحدهما أن الجزاء ~~إلي، فلا تحدث نفسك بجفوة والديك وعقوقهما لشركهما، ولا تحرمهما برك ~~ومعروفك في الدنيا، كما أني لا أمنعهما رزقي. والثاني التحذير من ~~متابعتهما على ms1507 الشرك، والحث على الثبات والاستقامة في الدين بذكر المرجع ~~والوعيد. روي 823 أن سعد بن أبي وقاص الزهري رضي الله عنه حين أسلم قالت ~~أمه وهي حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس يا سعد، بلغني ~~أنك قد صبأت، فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح وإن الطعام والشراب ~~علي حرام حتى تكفر بمحمد وكان أحب ولدها إليها فأبى سعد وبقيت ~~ثلاث أيام كذلك، فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه، ~~فنزلت هذه الآية والتي في لقمان والتي في الأحقاف، فأمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يداريها ويترضاها بالإحسان. وروي أنهانزلت في عياش بن ~~أبي ربيعة المخزومي، وذلك 824 أنه هاجر مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~مترافقين حتى نزلا المدينة، فخرج أبو جهل بن هشام والحرث بن هشام ~~أخواه لأمه أسماء بنت مخرمة أمرأة من بني تميم من بني حنظلة فنزلا ~~بعياش وقالا له إن من دين محمد صلة الأرحام وبر الوالدين، وقد تركت أمك ~~لا تطعم ولا تشرب ولا تأوي بيتا حتى تراك، وهي أشد حبا لك منا فاخرج ~~معنا، وفتلا منه في الذروة والغارب فاستشار عمر رضي الله عنه فقال هما ~~يخدعانك، ولك علي أن أقسم مالي بيني وبينك، فما زالا به حتى أطاعهما ~~وعصى عمر، فقال له عمر أما إذ عصيتني فخذ ناقتي، فليس في الدنيا بعير ~~يلحقها، فإن رابك منهما ريب فارجع، فلما انتهوا إلى البيداء قال أبو جهل ~~إن ناقتي قد كلت فاحملني معك. # قال نعم، فنزل ليوطىء لنفسه وله، فأخذاه وشداه وثاقا، وجلده كل واحد ~~منهما مائة جلدة، وذهبا به إلى أمه فقالت لا تزال في عذاب حتى ترجع عن ~~دين محمد، فنزلت. ### || [29.9] # { فى الصلحين } في جملتهم. والصلاح من أبلغ صفات المؤمنين، وهو ~~متمني أنبياء الله. قال الله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام # وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصلحين # النمل 19 وقال في إبراهيم عليه السلام # وإنه فى الاخرة لمن الصلحين # البقرة ms1508 130، النحل 122، العنكبوت 27 أو في مدخل الصالحين وهي الجنة، ~~وهذا نحو قوله تعالى # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم # الآية النساء 69. ### || [29.10-11] # هم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذى من الكفار وهو المراد ~~بفتنة الناس، كان ذلك صارفا لهم عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف ~~للمؤمنين عن الكفر. أو كما يجب أن يكون عذاب الله صارفا، وإذا نصر الله ~~المؤمنين وغنمهم اعترضوهم وقالوا { إنا كنا معكم } أي مشايعين ~~لكم في دينكم، ثابتين عليه ثباتكم، ما قدر أحد أن يفتننا، فأعطونا نصيبنا ~~من المغنم. ثم أخبر سبحانه أنه أعلم { بما فى صدور العلمين ~~} من العالمين بما في صدورهم، ومن ذلك ما تكن صدور هؤلاء من النفاق، وهذا ~~إطلاع منه للمؤمنين على ما أبطنوه، ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين، ~~وقرىء «ليقولن» بفتح اللام. ### || [29.12-13] # أمروهم باتباع سبيلهم وهي طريقتهم التي كانوا عليها في دينهم، وأمروا ~~أنفسهم بحمل خطاياهم فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا ليجتمع هذان الأمران ~~في الحصول أن تتبعوا سبيلنا وأن نحمل خطاياكم. والمعنى تعليق الحمل ~~بالاتباع، وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن ~~ولا أنتم، فإن عسى كان ذلك فإنا نتحمل عنكم الإثم. ونرى في المتسمين ~~بالإسلام من يستن بأولئك فيقول لصاحبه - إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب ~~بعض العظائم افعل هذا وإثمه في عنقي. وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ~~ضعفة العامة وجهلتهم - ومنه ما يحكى أن أبا جعفر المنصور رفع إليه بعض ~~أهل الحشو حوائجه، فلما قضاها قال يا أمير المؤمنين، بقيت الحاجة العظمى. ~~قال وما هي؟ قال شفاعتك يوم القيامة، فقال له عمرو بن عبيد رحمه الله ~~إياك وهؤلاء، فإنهم قطاع الطريق في المأمن. فإن قلت كيف سماهم كاذبين، ~~وإنما ضمنوا شيئا علم الله أنهم لا يقدرون على الوفاء به، وضامن ما لا ~~يعلم اقتداره على الوفاء به، لا يسمى كاذبا لا حين ضمن ولا حين عجز، ~~لأنه في الحالين لا يدخل تحت حد الكاذب ms1509 وهو المخبر عن الشيء لا على ما ~~هو عليه؟ قلت شبه الله حالهم حيث علم أن ما ضمنوه لا طريق لهم إلى أن ~~يفوا به، فكان ضمانهم عنده لا على ما عليه المضمون بالكاذبين الذين خبرهم ~~لا على ما عليه المخبر، عنه. ويجوز أن يريد أنهم كاذبون، لأنهم قالوا ذلك ~~وقلوبهم على خلافه، كالكاذبين الذين يعدون الشيء وفي قلوبهم نية الخلف { ~~وليحملن أثقالهم } أي أثقال أنفسهم { وأثقالا } يعني ~~أثقالا أخر غير الخطايا التي ضمنوا للمؤمنين حملها، وهي أثقال الذين ~~كانوا سببا في ضلالهم { وليسئلن } سؤال تقريع { عما ~~كانوا يفترون } أي يختلقون من الأكاذيب والأباطيل. وقرىء «من ~~خطيآتهم». ### || [29.14-15] # كان عمر نوح عليه السلام ألفا وخمسين سنة، بعث على رأس أربعين، ولبث في ~~قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستين. وعن وهب أنه عاش ألفا ~~وأربعمائة سنة. فإن قلت هلا قيل تسعمائة وخمسين سنة؟ قلت ما أورده الله ~~أحكم. لأنه لو قيل كما قلت، لجاز أن يتوهم إطلاق هذا العدد على أكثره، ~~وهذا التوهم زائل مع مجيئه كذلك، وكأنه قيل تسعمائة وخمسين سنة كاملة ~~وافية العدد، إلا أن ذلك أخصر وأعذب لفظا وأملأ بالفائدة، وفيه نكتة ~~أخرى وهي أن القصة مسوقة لذكر ما ابتلي به نوح عليه السلام من أمته وما ~~كابده من طول المصابرة، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتا ~~له، فكان ذكر رأس العدد الذي لا رأس أكثر منه، أوقع وأوصل إلى الغرض من ~~استطالة السامع مدة صبره. فإن قلت فلم جاء المميز أولا بالسنة وثانيا ~~بالعام؟ قلت لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في ~~البلاغة، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو ~~تنويه أو نحو ذلك. و { الطوفان } ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة، من سيل ~~أو ظلام ليل أو نحوهما. قال العجاج # وغم طوفان الظلام الأثأبا # { وأصحب السفينة } كانوا ثمانية وسبعين نفسا نصفهم ذكور، ~~ونصفهم إناث، منهم أولاد نوح عليه السلام سام، وحام، ويافث، ونساؤهم. وعن ~~محمد ms1510 بن إسحق كانوا عشرة. خمسة رجال وخمس نسوة. وقد روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 825 # " كانوا ثمانية نوح وأهله وبنوه الثلاثة " # والضمير في { وجعلنها } للسفينة أو للحادثة والقصة. ### || [29.16-18] # نصب { إبراهيم } بإضمار اذكر، وأبدل عنه { إذ } بدل الاشتمال ~~لأن الأحيان تشتمل على ما فيها. أو هو معطوف على { نوحا } وإذ ظرف ~~لأرسلنا، يعني أرسلناه حين بلغ من السن والعلم مبلغا صلح فيه لأن يعظ ~~قومه وينصحهم ويعرض عليهم الحق ويأمرهم بالعبادة والتقوى وقرأ إبراهيم ~~النخعي وأبو حنيفة رحمهما الله. «وإبراهيم»، بالرفع على معنى ومن ~~المرسلين إبراهيم { إن كنتم تعلمون } يعني إن كان فيكم علم بما ~~هو خير لكم مما هو شر لكم. أو إن نظرتم بعين الدراية المبصرة دون عين ~~الجهل العمياء علمتم أنه خير لكم وقرىء «تخلقون من خلق» بمعنى التكثير في ~~خلق. وتخلقون، من تخلق بمعنى تكذب وتخرص. وقرىء «إفكا»، و فيه وجهان أن ~~يكون مصدرا، نحو كذب ولعب. والإفك مخفف منه، كالكذب واللعب من أصلهما، ~~وأن يكون صفة على فعل، أي خلقا إفكا، أي ذا إفك وباطل. واختلاقهم الإفك ~~تسميتهم الأوثان آلهة وشركاء لله أو شفعاء إليه. أو سمى الأصنام إفكا، ~~وعملهم لها ونحتهم خلقا للإفك. فإن قلت لم نكر الرزق ثم عرفه؟ قلت لأنه ~~أراد لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق ~~كله. فإنه هو الرزاق وحده لا يرزق غيره { إليه ترجعون } وقرىء ~~بفتح التاء، فاستعدوا للقائه بعبادته والشكر له على أنعمه، وإن تكذبونني ~~فلا تضرونني بتكذيبكم، فإن الرسل قبلي قد كذبتهم أممهم، وما ضروهم ~~وإنما ضروا أنفسهم، حيث حل بهم ما حل بسبب تكذيب الرسل وأما الرسول فقد ~~تم أمره حين بلغ البلاغ المبين الذي زال معه الشك، وهو اقترانه بآيات ~~الله ومعجزاته. أو وإن كنت مكذبا فيما بينكم فلي في سائر الأنبياء أسوة ~~وسلوة حيث كذبوا، وعلى الرسول أن يبلغ وما عليه أن يصدق ولا يكذب، وهذه ~~الآية والآيات التي بعدها إلى قوله { فما كان جواب قومه } ~~محتملة ms1511 أن تكون من جملة قول إبراهيم صلوات الله عليه لقومه، وأن تكون ~~آيات وقعت معترضة في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشأن قريش بين ~~أول قصة إبراهيم وآخرها. فإن قلت إذا كانت من قول إبراهيم فما المراد ~~بالأمم قبله؟ قلت قوم شيث وإدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة في ~~معنى أمم جمة مكذبة، ولقد عاش إدريس ونوح وغيرهم، وكفى بقوم نوح أمة في ~~معنى أمم جمة مكذبة، ولقد عاش إدريس ألف سنة في قومه إلى أن رفع إلى ~~السماء. وآمن به ألف إنسان منهم على عدد سنيه، وأعقابهم على التكذيب. ### || [29.19-22] # فإن قلت فما تصنع بقوله { قل سيروا فى الارض }؟ قلت هي حكاية ~~كلام حكاه إبراهيم عليه السلام لقومه، كما يحكي رسولنا صلى الله عليه ~~وسلم كلام الله على هذا المنهاج في أكثر القرآن فإن قلت فإذا كانت خطابا ~~لقريش فما وجه توسطهما بين طرفي قصة إبراهيم والجملة؟ أو الجمل ~~الاعتراضية لا بد لها من اتصال بما وقعت معترضة فيه؟ ألا تراك لا تقول ~~مكة وزيد أبوه قائم خير بلاد الله؟ قلت إيراد قصة إبراهيم ليس ~~إلا إرادة للتنفيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون مسلاة له ~~ومتفرجا بأن أباه إبراهيم خليل الله كان ممنوا بنحو مامني به من شرك ~~قومه وعبادتهم الأوثان، فاعترض بقوله وإن تكذبوا، على معنى إنكم يا معشر ~~قريش إن تكذبوا محمدا فقد كذب إبراهيم قومه وكل أمة نبيها لأن قوله { ~~فقد كذب أمم من قبلكم } لا بد من تناوله لأمه إبراهيم، ~~وهو كما ترى اعتراض واقع متصل، ثم سائر الآيات الواطئة عقبها من أذيالها ~~وتوابعها، لكونها ناطقة بالتوحيد ودلائله، وهدم الشرك وتوهين قواعده، ~~وصفة قدرة الله وسلطانه، ووضوح حجته وبرهانه قرىء { يروا } بالياء ~~والتاء. ويبدىء ويبدأ. وقوله { ثم يعيده } ليس بمعطوف على يبدىء، ~~وليست الرؤية واقعة عليه، وإنما هو إخبار على حياله بالإعادة بعد الموت، ~~كما وقع النظر في قوله تعالى { فانظروا كيف بدأ الخلق ~~ثم الله ينشىء النشأة ms1512 الأخرة } على البدء دون الإنشاء، ~~ونحوه قولك ما زلت أوثر فلانا وأستخلفه على من أخلفه، فإن قلت هو معطوف ~~بحرف العطف، فلا بد له من معطوف عليه، فما هو؟ قلت هو جملة قوله { ~~أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق } وكذلك وأستخلفه، ~~معطوف على جملة قوله ما زلت أوثر فلانا ذلك يرجع إلى ما يرجع إليه هو في ~~قوله # وهو أهون عليه # الروم 27 من معنى يعيد. دل بقوله { النشأة الاخرة } على أنهما ~~نشأتان، وأن كل واحدة منهما إنشاء، أي ابتداء واختراع، وإخراج من العدم ~~إلى الوجود، لا تفاوت بينهما إلا أن الآخر إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ~~ليست كذلك. وقرىء «النشأة» و«النشاءة» كالرأفة والرآفة، فإن قلت ما معنى ~~الإفصاح باسمه مع إيقاعه مبتدأ في قوله { ثم الله ينشىء ~~النشأة الأخرة } بعد إضماره في قوله كيف بدأ الخلق؟ وكان القياس ~~أن يقال كيف بدأ الله الخلق ثم ينشىء النشأة الآخرة؟ قلت الكلام معهم كان ~~واقعا في الإعادة، وفيها كانت تصطك الركب، فلما قررهم في الإبداء بأنه ~~من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، فإذا كان الله الذي ~~لا يعجزه شيء هو الذي لم يعجزه الإبداء، فهو الذي وجب أن لا تعجزه ~~الإعادة، فكأنه قال ثم ذاك الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشىء النشأة ~~الآخرة، فللدلالة والتنبيه على هذا المعنى أبرز اسمه وأوقعه مبتدأ { ~~يعذب من يشاء } تعذيبه { ويرحم من يشاء } رحمته، ~~ومتعلق المشيئتين مفسر مبين في مواضع من القرآن وهو من يستوجبهما من ~~الكافر والفاسق إذا لم يتوبا، ومن المعصوم والتائب { تقلبون } تردون ~~وترجعون { وما أنتم بمعجزين } ربكم أي لا تفوتونه إن هربتم من ~~حكمه وقضائه { فى الارض } الفسيحة { ولا فى السماء } التي هي ~~أفسح منها وأبسط لو كنتم فيها، كقوله تعالى # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطر السموات ~~والأرض فانفذوا # الرحمن 33، وقيل ولا من في السماء كما قال حسان رضي الله عنه # أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره ~~سواء # ويحتمل أن يراد لا تعجزونه كيفما هبطتم ms1513 في مهاوي الأرض وأعماقها، أو ~~علوتم في البروج والقلاع الذاهبة في السماء، كقوله تعالى # ولو كنتم فى بروج مشيدة # النساء 78 أو لا تعجزون أمره الجاري في السماء والأرض أن يجري عليكم، ~~فيصيبكم ببلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ومالكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير. ### || [29.23] # { بأايت الله } بدلائله على وحدانيته وكتبه ومعجزاته ولقائه ~~والبعث { يئسوا من رحمتى } وعيد، أي ييأسون يوم القيامة، كقوله # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون # الروم 12. أو هو وصف لحالهم لأن المؤمن إنما يكون راجيا خاشيا، فأما ~~الكافر فلا يخطر بباله رجاء ولا خوف. أو شبه حالهم في انتفاء الرحمة عنهم ~~بحال من يئس من الرحمة وعن قتادة رضي الله عنه إن الله ذم قوما هانوا ~~عليه فقال { أولئك يئسوا من رحمتى } وقال # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون # يوسف 87 فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح الله ولا من رحمته، وأن لا ~~يأمن عذابه وعقابه صفة المؤمن أن يكون راجيا لله عز وجل خائفا. ### || [29.24] # قرىء «جواب قومه» بالنصب والرفع { قالوا } قال بعضهم لبعض. أو قاله ~~واحد منهم وكان الباقون راضين، فكانوا جميعا في حكم القائلين. وروي أنه ~~لم ينتفع في ذلك اليوم بالنار، نعني يوم ألقي إبراهيم في النار، وذلك ~~لذهاب حرها. ### || [29.25] # قرىء على النصب بغير إضافة وبإضافة، وعلى الرفع كذلك، فالنصب على وجهين ~~على التعليل، أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا، لاجتماعكم على عبادتها ~~واتفاقكم عليها وائتلافكم، كما يتفق الناس على مذهب فيكون ذلك سبب تحابهم ~~وتصادقهم. وأن يكون مفعولا ثانيا، كقوله # اتخذ إلهه # الفرقان 43، الجاثية 23 أي اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم، على تقدير ~~حذف المضاف. أو اتخذتموها مودة بينكم، بمعنى مودودة بينكم، كقوله تعالى # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله # البقرة 165 وفي الرفع وجهان أن يكون خبرا لأن على أن ما موصولة. وأن ~~يكون خبر مبتدأ محذوف. والمعنى أن الأوثان مودة بينكم، أي مودودة، أو ~~سبب مودة. وعن ms1514 عاصم مودة بينكم بفتح بينكم مع الإضافة، كما قرىء # لقد تقطع بينكم # الأنعام 94 ففتح وهو فاعل. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه أوثانا إنما ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا، أي إنما تتوادون عليها، أو تودونها في ~~الحياة الدنيا { ثم يوم القيمة } يقوم بينكم التلاعن ~~والتباغض والتعادي يتلاعن العبدة. ويتلاعن العبدة والأصنام، كقوله تعالى # ويكونون عليهم ضدا # مريم 82. ### || [29.26] # كان لوط ابن أخت إبراهيم عليهما السلام، وهو أول من آمن له حين رأى ~~النار لم تحرقه { وقال } يعني إبراهيم { إنى مهاجر } من «كوثى» ~~وهي من سواد الكوفة إلى «حران» ثم منها إلى فلسطين، ومن ثمة قالوا لكل ~~نبي هجرة ولإبراهيم هجرتان، وكان معه في هجرته لوط، وامرأته سارة، وهاجر ~~وهو ابن خمس وسبعين سنة { إلى ربى } إلى حيث أمرني بالهجرة إليه { ~~إنه هو العزيز } الذي يمنعني من أعدائي { الحكيم } الذي لا ~~يأمرني إلا بما هو مصلحتي. ### || [29.27] # { أجره } الثناء الحسن، والصلاة عليه آخر الدهر والدرية الطيبة ~~والنبوة، وأن أهل الملل كلهم يتولونه. فإن قلت ما بال إسماعيل عليه ~~السلام لم يذكر، وذكر إسحق وعقبه؟ قلت قد دل عليه في قوله { وجعلنا ~~فى ذريته النبوة والكتب } وكفى الدليل لشهرة أمره ~~وعلو قدره. فإن قلت ما المراد بالكتاب؟ قلت قصد به جنس الكتاب، حتى دخل ~~تحته ما نزل على ذريته من الكتب الأربعة التي هي التوراة والزبور ~~والإنجيل والقرآن؟ ### || [29.28-30] # { ولوطا } معطوف على إبراهيم، أو على ما عطف عليه. و { الفحشة ~~} الفعلة البالغة في القبح. و { ما سبقكم بها من أحد من ~~العلمين } جملة مستأنفة مقررة لفحاشة تلك الفعلة، كأن قائلا قال ~~لم كانت فاحشة؟ فقيل له لأن أحدا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازا منها في ~~طباعهم لإفراط قبحها، حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم وقذر طباعهم. ~~قالوا لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط قط. وقريء إنكم، بغير استفهام في ~~الأول دون الثاني قال أبو عبيدة وجدته في الإمام بحرف واحد بغير ياء، ~~ورأيت الثاني بحرفين الياء والنون وقطع ms1515 السبيل عمل قطاع الطريق، من قتل ~~الأنفس وأخذ الأموال. وقيل اعتراضهم السابلة بالفاحشة. وعن الحسن قطع ~~النسل بإتيان ما ليس بحرث. و { المنكر } عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~هو الخذف بالحصى، والرمي بالبنادق، والفرقعة، ومضغ العلك، والسواك بين ~~الناس، وحل الأزرار، والسباب، والفحش في المزاح. وعن عائشة رضي الله عنها ~~كانوا يتحابقون وقيل السخرية بمن مر بهم. وقيل المجاهرة في ناديهم بذلك ~~العمل، وكل معصية فإظهارها أقبح من سترها، ولذلك جاء من خرق جلباب الحياء ~~فلا غيبة له. ولا يقال للمجلس ناد، إلا ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه ~~لم يبق ناديا { إن كنت من الصدقين } فيما تعدناه من نزول ~~العذاب. كانوا يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من المعاصي ~~والفواحش طوعا وكرها ولأنهم ابتدعوا الفاحشة وسنوها فيمن بعدهم، وقال ~~الله تعالى # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # النحل 88 فأراد لوط عليه السلام أن يشتد غضب الله عليهم، فذكر لذلك صفة ~~المفسدين في دعائه. ### || [29.31-32] # { بالبشرى } هي البشارة بالولد. والنافلة وهما إسحق ويعقوب. ~~وإضافة مهلكو إضافة تخفيف لا تعريف. والمعنى الاستقبال. والقرية سدوم ~~التي قيل فيها أجور من قاضي سدوم { كانوا ظلمين } معناه أن ~~الظلم قد استمر منهم إيجاده في الأيام السالفة، وهم عليه مصرون، وظلمهم ~~كفرهم وألوان معاصيهم { إن فيها لوطا } ليس إخبارا لهم بكونه ~~فيها، وإنما هو جدال في شأنه لأنهم لما عللوا إهلاك أهلها بظلمهم اعترض ~~عليهم بأن فيها من هو بريء من الظلم، وأراد بالجدال إظهار الشفقة عليهم، ~~وما يجب للمؤمن من التحزن لأخيه، والتشمر في نصرته وحياطته، والخوف من أن ~~يمسه أذى أو يلحقه ضرر. قال قتادة لا يرى المؤمن ألا يحوط المؤمن، ألا ~~ترى إلى جوابهم بأنهم أعلم منه { بمن فيها } يعنون نحن أعلم منك ~~وأخبر بحال لوط وحال قومه، وامتيازه منهم الامتياز البين، وأنه لا يستأهل ~~ما يستأهلون، فخفض على نفسك وهون عليك الخطب. وقريء { لننجينه } ~~بالتشديد والتخفيف، وكذلك منجوك. ### || [29.33] # { أن ms1516 } صلة أكدت وجود الفعلين مترتبا أحدهما على الآخر في وقتين ~~متجاورين لا فاصل بينهما كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان، كأنه قيل ~~كما أحس بمجيئهم فاجأته المساءة من غير ريث، خيفة عليهم من قومه { ~~وضاق بهم ذرعا } وضاق بشأنهم وبتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته، وقد ~~جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا رحب الذراع ~~بكذا، إذا كان مطيقا له، والأصل فيه أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا ~~يناله القصير الذراع، فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة. ### || [29.34-35] # الرجز والرجس العذاب، من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب، لما يلحق المعذب ~~من القلق والاضطراب. وقريء { منزلون } مخففا ومشددا { منها } ~~من القرية { ءاية بينة } هي آثار منازلهم الخربة. وقيل بقية ~~الحجارة. وقيل الماء الأسود على وجه الأرض. وقيل الخبر عما صنع بهم { ~~لقومه } متعلق بتركنا أو ببينة. ### || [29.36-37] # { وارجوا } وافعلوا ما ترجون به العاقبة. فأقيم المسبب مقام السبب. ~~أو أمروا بالرجاء والمراد اشتراط ما يسوغه من الإيمان، كما يؤمر الكافر ~~بالشرعيات على إرادة الشرط. وقيل هو من الرجاء بمعنى الخوف. والرجفة ~~الزلزلة الشديدة. وعن الضحاك صيحة جبريل عليه السلام لأن القلوب رجفت ~~لها { في دارهم } في بلدهم وأرضهم. أو في ديارهم، فاكتفى بالواحد ~~لأنه لا يلبس { جثمين } باركين على الركب ميتين. ### || [29.38] # { وعادا } منصوب بإضمار «أهلكنا»لأن قوله { فأخذتهم ~~الرجفة } يدل عليه، لأنه في معنى الإهلاك { وقد تبين لكم ~~} ذلك يعني ما وصفه من إهلاكهم { من } جهة { مسكنهم } إذا ~~نظرتم إليها عند مروركم بها. وكان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم ~~فيبصرونها { وكانوا مستبصرين } عقلاء متمكنين من النظر ~~والافتكار. ولكنهم لم يفعلوا. أو كانوا متبينين أن العذاب نازل بهم لأن ~~الله تعالى قد بين لهم على ألسنة الرسل عليهم السلام، ولكنهم لجوا حتى ~~هلكوا. ### || [29.39-40] # { سبقين } فائتين، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. الحاصب لقوم لوط، ~~وهي ريح عاصف فيها حصباء. وقيل ملك كان يرميهم. والصيحة لمدين وثمود. ~~والخسف لقارون. والغرق لقوم نوح وفرعون. ### || [29.41-42] # الغرض تشبيه ما ms1517 اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم وتولوه من دون الله، ~~بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة. وهو نسج العنبكوت. ألا ترى ~~إلى مقطع التشبيه وهو قوله { وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت }؟ فإن قلت ما معنى قوله { لو كانوا يعلمون } ~~وكل أحد يعلم وهن بيت العنكبوت؟ قلت معناه لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم ~~وأن أمر دينهم بالغ هذه الغاية من الوهن. ووجه آخر وهو أنه إذا صح تشبيه ~~ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت، وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، ~~فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعملون. أو أخرج الكلام بعد ~~تصحيح التشبيه مخرج المجاز، فكأنه قال وإن أوهن ما يعتمد عليه في الدين ~~عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. ولقائل أن يقول مثل المشرك الذي يعبد ~~الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل عنكبوت يتخذ بيتا، ~~بالإضافة إلى رجل يبني بيتا بآجر وجص أو ينحته من صخر، وكما أن أوهن ~~البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت، كذلك أضعف الأديان إذا ~~استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون. قرىء «تدعون» ~~بالتاء والياء. وهذا توكيد للمثل وزيادة عليه، حيث لم يجعل ما يدعونه ~~شيئا { وهو العزيز الحكيم } فيه تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس ~~بشيء لأنه جماد ليس معه مصحح العلم والقدرة أصلا، وتركوا عبادة القادر ~~القاهر على كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل شيئا إلا بحكمة وتدبير. ### || [29.43] # كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون إن رب محمد يضرب المثل بالذباب ~~والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فلذلك قال { وما يعقلها إلا ~~العلمون } أي لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم، لأن الأمثال ~~والتشبيهات إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار حتى تبرزها ~~وتكشف عنها وتصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرق ~~وحال الموحد وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية فقال 826 # " العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه " ### || [29.44] # { بالحق } أي بالغرض الصحيح الذي هو ms1518 حق لا باطل، وهو أن تكونا ~~مساكن عبادة وعبرة للمعتبرين منهم، ودلائل على عظم قدرته ألا ترى إلى ~~قوله { إن فى ذلك لآية للمؤمنين } ونحوه قوله تعالى # وما خلقنا السماء والارض وما بينهما بطلا # ص 27 ثم قال # ذلك ظن الذين كفروا # ص 27. ### || [29.45] # الصلاة تكون لطفا في ترك المعاصي، فكأنها ناهية عنها. فإن قلت كم من ~~مصل يرتكب ولا تنهاه صلاته؟ قلت الصلاة التي هي الصلاة عند الله المستحق ~~بها الثواب أن يدخل فيها مقدما للتوبة النصوح، متقيا لقوله تعالى # إنما يتقبل الله من المتقين # المائدة 27 ويصليها خاشعا بالقلب والجوارح، فقد روي عن حاتم كأن رجلي ~~على الصراط والجنة عن يميني والنار عن يساري وملك الموت من فوقي، وأصلي ~~بين الخوف والرجاء ثم يحوطها بعد أن يصليها فلا يحبطها، فهي الصلاة التي ~~تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما 827 # " من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله ~~إلا بعدا " # وعن الحسن رحمه الله من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فليست صلاته ~~بصلاة، وهي وبال عليه. وقيل من كان مراعيا للصلاة جره ذلك إلى أن ينتهي ~~عن السيئات يوما ما، فقد روي أنه 828 قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال # " إن صلاته لتردعه " # وروي 829 أن فتى من الأنصار كان يصلي معه الصلوات، ولا يدع شيئا من ~~الفواحش إلا ركبه، فوصف له فقال # " إن صلاته ستنهاه " # فلم يلبث أن تاب. وعلى كل حال إن المراعي للصلاة لا بد أن يكون أبعد ~~من الفحشاء والمنكر ممن لا يراعيها. وأيضا فكم من مصلين تنهاهم الصلاة ~~عن الفحشاء والمنكر، واللفظ لا يقتضي أن لا يخرج واحد من المصلين عن ~~قضيتها، كما تقول إن زيدا ينهى عن المنكر فليس غرضك أنه ينهى عن جميع ~~المناكير، وإنما تريد أن هذه الخصلة موجودة فيه وحاصلة منه من غير ~~اقتضاء للعموم { ولذكر الله أكبر } يريد وللصلاة أكبر من ms1519 ~~غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله كما قال # فاسعوا إلى ذكر الله # الجمعة 9 وإنما قال ولذكر الله ليستقل بالتعليل، كأنه قال وللصلاة ~~أكبر، لأنها ذكر الله. أو ولذكر الله عند الفحشاء والمنكر وذكر نهيه ~~عنهما ووعيده عليهما أكبر، فكان أولى بأن ينهى من اللطف الذي في الصلاة. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه ~~بطاعته { والله يعلم ما تصنعون } من الخير والطاعة، ~~فيثيبكم أحسن الثواب. ### || [29.46] # { بالتى هى أحسن } بالخصلة التي هي أحسن وهي مقابلة الخشونة ~~باللين، والغضب بالكظم. والسورة بالأناة، كما قال # ادفع بالتى هى أحسن # المؤمنون 96، { إلا الذين ظلموا } فأفرطوا في الاعتداء ~~والعناد ولم يقبلوا النصح ولم ينفع فيهم الرفق. فاستعملوا معهم الغلظة، ~~وقيل إلا الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل إلا الذين أثبتوا ~~الولد والشريك وقالوا يد الله مغلولة. وقيل معناه ولا تجادلوا الداخلين ~~في الذمة المؤدين للجزية إلا بالتي هي أحسن، إلا الذين ظلموا فنبذوا ~~الذمة ومنعوا الجزية، فإن أولئك مجادلتهم بالسيف. وعن قتادة الآية ~~منسوخة بقوله تعالى # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الاخر # التوبة 29 ولا مجادلة أشد من السيف وقوله { وقولوا ءامنا ~~بالذى أنزل إلينا } من جنس المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 830 # " ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله ~~وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم، وإن كان حقا لم تكذبوهم ". ### || [29.47] # ومثل ذلك الإنزال { أنزلنا إليك الكتب } أي أنزلناه ~~مصدقا لسائر الكتب السماوية، تحقيقا لقوله آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم. وقيل كما أنزلنا الكتب إلى من كان قبلك أنزلنا إليك الكتاب ~~{ فالذين ءاتينهم الكتب } هم عبد الله بن سلام ومن آمن ~~معه { ومن هؤلاء } من أهل مكة وقيل أراد بالذين أوتوا الكتاب ~~الذين تقدموا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. ومن هؤلاء ~~ممن في عهده منهم { وما يجحد بايتنآ } مع ظهورها وزوال ~~الشبهة عنها، إلا ms1520 المتوغلون في الكفر المصممون عليه. وقيل هم كعب بن ~~الأشرف وأصحابه. ### || [29.48-49] # وأنت أمي ما عرفك أحد قط بتلاوة كتاب ولا خط { إذا } لو كان شيء من ~~ذلك، أي، من التلاوة والخط { لارتب المبطلون } من أهل ~~الكتاب وقالوا الذي نجده في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. أو ~~لارتاب مشركو مكة وقالوا لعله تعلمه أو كتبه بيده. فإن قلت لم سماهم ~~مبطلين، ولو لم يكن أميا وقالوا ليس بالذي نجده في كتبنا لكانوا صادقين ~~محقين؟ ولكان أهل مكة أيضا على حق في قولهم لعله تعلمه أو كتبه فإنه رجل ~~قارىء كاتب؟ قلت سماهم مبطلين لأنهم كفروا به وهو أمي بعيد من الريب، ~~فكأنه قال هؤلاء المبطلون في كفرهم به لو لم يكن أميا لارتابوا أشد ~~الريب، فحين ليس بقارىء كاتب فلا وجه لارتيابهم. وشيء آخر وهو أن سائر ~~الأنبياء عليهم السلام لم يكونوا أميين، ووجب الإيمان بهم وبما جاؤوا ~~به، لكونهم مصدقين من جهة الحكيم بالمعجزات، فهب أنه قارىء كاتب فمالهم ~~لم يؤمنوا به من الوجه الذي آمنوا منه بموسى وعيسى عليهما السلام؟ على أن ~~المنزلين ليسا بمعجزين، وهذا المنزل معجز، فإذا هم مبطلون حيث لم يؤمنوا ~~به وهو أمي، ومبطلون لو لم يؤمنوا به وهو غير أمي. فإن قلت ما فائدة قوله ~~{ بيمينك } قلت ذكر اليمين وهي الجارحة التي يزاول بها الخط زيادة ~~تصوير لما نفى عنه من كونه كاتبا. ألا ترى أنك إذا قلت في الإثبات رأيت ~~الأمير يخط هذا الكتاب بيمينه، كان أشد لإثباتك أنه تولى كتبته، فكذلك ~~النفي { بل } القرآن { ءايت بينت فى صدور } العلماء به ~~وحفاظه، وهما من خصائص القرآن كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في ~~الصدور يتلوه أكثر الأمة ظاهرا بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات، ~~وما كانت تقرأ إلا من المصاحف. ومنه ما جاء في صفة هذه الأمة 831 ~~«صدورهم أناجيلهم» { وما يجحد } بآيات الله الواضحة، إلا المتوغلون ~~في الظلم المكابرون. ### || [29.50-52] # قرىء «آية» و«آيات» أرادوا هلا أنزل عليه ms1521 آية مثل ناقة صالح ومائدة عيسى ~~عليهما السلام ونحو ذلك { إنما الايت عند الله } ينزل ~~أيتها شاء، ولو شاء أن ينزل ما تقترحونه لفعل { وإنما أنا ~~نذير } كلفت الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات، وليس لي أن أتخير ~~على الله آياته فأقول أنزل علي آية كذا دون آية كذا، مع علمي أن الغرض ~~من الآية ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك، ثم قال { ~~أولم يكفهم } آية مغنية عن سائر الآيات - إن كانوا طالبين للحق ~~غير متعنتين -هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان فلا ~~يزال معهم آية ثابتة لا تزول ولا تضمحل. كما تزول كل آية بعد كونها، ~~وتكون في مكان دون مكانإن في ذلك إن في مثل هذه الآية الموجودة في كل ~~مكان وزمان إلى آخر الدهر { لرحمة } لنعمة عظيمة لا تشكروذكرى ~~وتذكرة { لقوم يؤمنون } وقيل أولم يكفهم، يعني اليهود أنا ~~أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك. ~~وقيل 832 إن ناسا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف ~~قد كتبوا فيها بعض ما يقود اليهود، فلما أن نظر إليها ألقاها وقال كفى ~~بها حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به ~~غير نبيهم، فنزلت. والوجه ما ذكرناه { كفى بالله بينى ~~وبينكم شهيدا } أني قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم وأنذرتكم، ~~وأنكم قابلتموني بالجحد والتكذيب { يعلم ما فى السموت ~~والارض } فهو مطلع على أمري وأمركم، وعالم بحقي وباطلكم { ~~والذين ءامنوا بالبطل } منكم وهو ما تعبدون من دون الله { ~~وكفروا بالله } وآياته { أولئك هم الخسرون } ~~المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان، إلا أن الكلام ورد مورد ~~الإنصاف، كقوله # وإنا أو إياكم لعلى هدى أو فى ضلل مبين # سبأ 24 وكقول حسان # فشركما لخيركما الفداء # وروي أن كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا يا محمد، من يشهد لك بأنك رسول ~~الله، فنزلت. ### || [29.53-55] # كان استعجال العذاب استهزاء منهم ms1522 وتكذيبا، والنضر بن الحرث هو الذي قال ~~اللهم أمطر علينا حجارة من السماء، كما قال أصحاب الأيكة فأسقط علينا ~~كسفا من السماء { ولولا أجل } قد سماه الله وبينه في اللوح ~~لعذابهم، وأوجبت الحكمة تأخيره إلى ذلك الأجل المسمى { لجاءهم ~~العذاب } عاجلا. والمراد بالأجل الآخرة، لما روي 833 أن الله ~~تعالى وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يعذب قومه ولا يستأصلهم، ~~وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة. وقيل يوم بدر. وقيل وقت فنائهم بآجالهم ~~{ لمحيطة } أي ستحيط بهم { يوم يغشهم العذاب } أو هي ~~محيطة بهم في الدنيا لأن المعاصي التي توجبها محيطة بهم. أو لأنها مآلهم ~~ومرجعهم لا محالة فكأنها الساعة محيطة بهم. و { يوم يغشهم } ~~على هذا منصوب بمضمر، أي يوم يغشاهم العذاب كان كيت وكيت. { من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم } كقوله تعالى # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # الزمر 16، { ويقول } قرىء بالنون والياء { ما كنتم تعملون ~~} أي جزاءه. ### || [29.56] # معنى الآية أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش ~~له أمر دينه كما يحب فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلبا وأصح ~~دينا وأكثر عبادة وأحسن خشوعا. ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت ~~الكثير، ولقد جربنا وجرب أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا أعون على ~~قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب المتلفت وأضم للهم المنتشر وأحث على ~~القناعة وأطرد للشيطان وأبعد من كثير من الفتن وأضبط للأمر الديني في ~~الجملة - من سكنى حرم الله وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ~~ذلك وقرب، ورزق من الصبر وأوزع من الشكر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~834 # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من ~~الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد " # وقيل هي في المستضعفين بمكة الذين نزل فيهم # ألم تكن أرض الله وسعة فتهجروا فيها # النساء 97 وإنما كان ذلك لأن أمر دينهم ما كان يستتب لهم بين ظهراني ms1523 ~~الكفرة { فإياى فاعبدون } في المتكلم، نحو إياه ضربته، في ~~الغائب وإياك عضتك، في المخاطب. والتقدير فإياي فاعبدوا فاعبدون. فإن قلت ~~ما معنى الفاء في { فاعبدون } وتقديم المفعول؟ قلت الفاء جواب شرط ~~محذوف لأن المعنى إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض ~~فاخلصوها لي في غيرها، ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول، مع ~~إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. ### || [29.57] # لما أمر عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام بها حتى يتطلبوا لها ~~أوفق البلاد وإن شسعت، أتبعه قوله { كل نفس ذائقة الموت } ~~أي واجدة مرارته وكربه كما يجد الذائق طعم المذوق. ومعناه إنكم ميتون ~~فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته لم يكن له بد من التزود لها ~~والاستعداد بجهده. ### || [29.58-59] # { لنبوئنهم } لننزلنهم { من الجنة } علالي. وقرىء ~~«لنثوينهم» من الثواء وهو النزول للإقامة. يقال ثوى في المنزل، وأثوى ~~هو، وأثوى غيره وثوى غير متعد، فإذا تعدى بزيادة همزة النقل لم يتجاوزه ~~مفعولا واحدا، نحو ذهب، وأذهبته. والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين ~~وإلى الغرف إما إجراؤه مجرى لننزلنهم ونبوئنهم. أو حذف الجار وإيصال ~~الفعل أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم. وقرأ يحيى بن وثاب «فنعم»، فزيادة ~~الفاء { الذين صبروا } على مفارقة الأوطان والهجرة لأجل الدين. ~~وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي وعلى ~~ربهم يتوكلون ولم يتوكلوا في جميع ذلك إلا على الله تعالى. ### || [29.60] # لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلم بمكة بالهجرة، خافوا ~~الفقر والضيعة. فكان يقول الرجل منهم كيف أقدم بلدة ليس لي فيها معيشة، ~~فنزلت. والدابة كل نفس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل. { تحمل ~~رزقها } لا تطيق أن تحمله لضعفها على حمله { الله يرزقها ~~وإياكم } أي لا يرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، ولا يرزقكم أيضا ~~أيها الأقوياء إلا هو وإن كنتم مطيقين لحمل أرزاقكم وكسبها، لأنه لو لم ~~يقدركم ولم يقدر لكم أسباب الكسب، لكنتم أعجز من الدواب التي لا تحمل، ~~وعن الحسن { لا ms1524 تحمل رزقها } لا تدخره، إنما تصبح فيرزقها ~~الله. وعن ابن عيينة ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة والفأرة. وعن ~~بعضهم رأيت البلبل يحتكر في حضنيه. ويقال للعقعق مخابىء إلا أنه ينساها { ~~وهو السميع } لقولكم نخشى الفقر والضيعة { العليم } بما في ~~ضمائركم. ### || [29.61] # الضمير في { سألتهم } لأهل مكة { فأنى يؤفكون } فكيف ~~يصرفون عن توحيد الله وأن لا يشركوا به، مع إقرارهم بأنه خالق السموات ~~والأرض. ### || [29.62] # قدر الرزق وقتره بمعنى إذا ضيقه. فإن قلت الذي رجع إليه الضمير في قوله ~~{ ويقدر له } هو من يشاء، فكأن بسط الرزق وقدره جعلا لواحد. قلت ~~يحتمل الوجهين جميعا أن يريد ويقدر لمن يشاء، فوضع الضمير موضع من يشاء، ~~لأن { من يشآء } مبهم غير معين، فكان الضمير مبهما مثله، وأن يريد ~~تعاقب الأمرين على واحد على حسب المصلحة { إن الله بكل شىء ~~عليم } يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم. ### || [29.63] # استحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه ممن أقر بنحو ما أقروا به ~~ثم نفعه ذلك في توحيد الله ونفي الأنداد والشركاء عنه، ولم يكن إقرارا ~~عاطلا كإقرار المشركين وعلى أنهم أقروا بما هو حجة عليهم حيث نسبوا ~~النعمة إلى الله وقد جعلوا العبادة للصنم، ثم قال { بل أكثرهم ~~لا يعقلون } ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة ~~التوحيد. أو لا يعقلون ما تريد بقولك الحمد لله، ولا يفطنون لم حمدت الله ~~عند مقالتهم؟ ### || [29.64] # { هذه } فيها ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها، وكيف لا يصغرها وهي لا ~~تزن عنده جناح بعوضة. يريد ما هي لسرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها ~~ إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون { وإن الدار الاخرة ~~لهى الحيوان } أي ليس فيها إلا حياة مستمرة دائمة خالدة لا موت ~~فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان مصدر حي، وقياسه حييان، فقلبت ~~الياء الثانية واوا، كما قالوا حيوة، في اسم رجل، وبه سمى ما فيه حياة ~~حيواناكما قالوا اشتر من الموتان ولا تشتر من الحيوان. وفي بناء الحيوان ~~زيادة معنى ms1525 ليس في بناء الحياة، وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة ~~والاضطراب، كالنزوان والنغصان واللهبان، وما أشبه ذلك. والحياة حركة، كما ~~أن الموت سكون، فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى ~~الحياة، ولذلك اختيرت على الحياة في هذا الموضع المقتضى للمبالغة { لو ~~كانوا يعلمون } فلم يؤثروا الحياة الدنيا عليها. ### || [29.65-66] # فإن قلت بم اتصل قوله { فإذا ركبوا }؟ قلت بمحذوف دل عليه ما ~~وصفهم به وشرح من أمرهم، معناه هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد { ~~فإذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين } كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون ~~إلا الله ولا يدعون معه إلها آخر. وفي تسميتهم مخلصين ضرب من التهكم { ~~فلما نجاهم إلى البر } وآمنوا عادوا إلى حال الشرك واللام ~~في { ليكفروا } محتملة أن تكون لام كي، وكذلك في { ~~وليتمتعوا } فيمن قرأها بالكسر. والمعنى أنهم يعودون إلى شركهم ~~ليكونوا - بالعود إلى شركهم - كافرين بنعمة النجاة، قاصدين التمتع بها ~~والتلذذ لا غير، على خلاف ما هو عادة المؤمنين المخلصين على الحقيقة إذا ~~أنجاهم الله أن يشكروا نعمة الله في إنجائهم، ويجعلوا نعمة النجاة ذريعة ~~إلى ازدياد الطاعة، لا إلى التمتع والتلذذ، وأن تكون لام الأمر وقراءة من ~~قرأ وليتمتعوا بالسكون تشهد له. ونحوه قوله تعالى # اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير # فصلت 41. فإن قلت كيف جاز أن يأمر الله تعالى بالكفر وبأن يعمل العصاة ~~ما شاءوا، وهو ناه عن ذلك ومتوعد عليه؟ قلت هو مجاز عن الخذلان والتخلية، ~~وأن ذلك الأمر متسخط إلى غاية. ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر، ~~وعندك أن ذلك الأمر خطأ، وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم، فتبالغ في نصحه ~~واستنزاله عن رأيه، فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم، حردت عليه وقلت ~~له أنت وشأنك وافعل ما شئت، فلا تريد بهذا حقيقة الأمر. وكيف والآمر ~~بالشيء مريد له، وأنت شديد الكراهة متحسر، ولكنك كأنك تقول له فإذ قد ~~أبيت قبول ms1526 النصيحة، فأنت أهل ليقال لك افعل ما شئت وتبعث عليه، ليتبين لك ~~- إذا فعلت - صحة رأي الناصح وفساد رأيك. ### || [29.67] # كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة ~~قارون آمنون فيها، لا يغزون ولا يغار عليهم مع قلتهم وكثرة العرب، ~~فذكرهم الله هذه النعمة الخاصة عليهم، ووبخهم بأنهم يؤمنون بالباطل الذي ~~هم عليه، ومثل هذه النعمة المكشوفة الظاهرة وغيرها من النعم التي لا يقدر ~~عليها إلا الله وحده مكفورة عندهم. ### || [29.68] # افتراؤهم على الله تعالى كذبا زعمهم أن لله شريكا. وتكذيبهم بما ~~جاءهم من الحق كفرهم بالرسول والكتاب. وفي قوله { لما جاءه } تسفيه ~~لهم، يعني لم يتلعثموا في تكذيبه وقت سمعوه، ولم يفعلوا كما يفعل ~~المراجيح العقول المثبتون في الأمور يسمعون الخبر فيستعملون فيه الروية ~~والفكر. ويستأنسون إلى أن يصح لهم صدقه أو كذبه { أليس } تقرير ~~لثوائهم في جهنم، كقوله # ألستم خير من ركب المطايا # قال بعضهم ولو كان استفهاما ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل. وحقيقته ~~أن الهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي، فرجع إلى معنى التقرير، فهما ~~وجهان، أحدهما ألا يثوون في جهنم، وألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا ~~مثل هذا الكذب على الله، وكذبوا بالحق هذا التكذيب والثاني ألم يصح عندهم ~~أن في جهنم مثوى للكافرين، حتى اجترؤوا مثل هذه الجرأة؟. ### || [29.69] # أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول. ليتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس ~~الأمارة بالسوء والشيطان وأعداء الدين { فينا } في حقنا ومن أجلنا ~~ولوجهنا خالصا { لنهدينهم سبلنا } لنزيدنهم هداية إلى سبل ~~الخير وتوفيقا، كقوله تعالى # والذين اهتدوا زادهم هدى # محمد 17 وعن أبي سليمان الداراني والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ~~ما لم يعلموا. وعن بعضهم من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم. وقيل إن الذي ~~نرى من جهلنا بما لا نعلم، إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم { لمع ~~المحسنين } لناصرهم ومعينهم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 835 # " من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد ~~كل ms1527 المؤمنين والمنافقين ". ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # القراءة المشهورة الكثيرة { غلبت } بضم الغين. وسيغلبون بفتح الياء. ~~والأرض أرض العرب، لأن الأرض المعهودة عند العرب أرضهم. والمعنى غلبوا في ~~أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام. أو أراد أرضهم، على إنابة اللام ~~مناب المضاف إليه، أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم. قال مجاهد هي أرض ~~الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~الأردن وفلسطين. وقريء «في أداني الأرض» والبضع ما بين الثلاث إلى العشر ~~عن الأصمعي. وقيل 836 احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس ~~الروم، فبلغ الخبر مكة فشق على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لأن ~~فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل الكتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا ~~أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على ~~إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم، فنزلت. فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه لا ~~يقرر الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين فقال له ~~أبي بن خلف كذبت يا أبا فصيل، اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه. والمناحبة ~~المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، ~~فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل " # فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين. ومات أبي من جرح رسول الله، وظهرت ~~الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين. وقيل 837 كان ~~النصر يوم بدر للفريقين، فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي، وجاء به إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصدق به. وهذه الآية من الآيات ~~البينة الشاهدة على صحة النبوة، وأن القرآن من عند الله لأنها إنباء عن ~~علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وقرىء «غلبهم» بسكون اللام. والغلب ~~والغلب مصدران كالجلب والجلب، والحلب والحلب. وقريء «غلبت الروم» بالفتح، ~~وسيغلبون، بالضم. ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام ms1528 وسيغلبهم المسلمون ~~في بضع سنين. وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم، وإضافة ~~غلبهم تختلف باختلاف القراءتين، فهي في إحداهما إضافة المصدر إلى ~~المفعول. وفي الثانية إضافته إلى الفاعل. ومثالهما # محرم عليكم إخراجهم # البقرة 85، # ولن يخلف الله وعده # الحج 47. فإن قلت كيف صحت المناحبة وإنما هي قمار؟ قلت عن قتادة رحمه ~~الله تعالى أنه كان ذلك قبل تحريم القمار. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد أن ~~العقود الفاسدة من عقود الربا وغيرها جائزة في دار الحرب بين المسلمين ~~والكفار. وقد احتجا على صحة ذلك بما عقده أبو بكر بينه وبين أبي بن خلف ~~{ من قبل ومن بعد } أي في أول الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا ~~وحين يغلبون، كأنه قيل من قبل كونهم غالبين، وهو وقت كونهم مغلوبين. # ومن بعد كونهم مغلوبين، وهو وقت كونهم غالبين، يعني أن كونهم مغلوبين ~~أولا وغالبين آخرا ليس إلا بأمر الله وقضائه # وتلك الأيام نداولها بين الناس # آل عمران 140 وقرىء «من قبل ومن بعد» على الجر من غير تقدير مضاف إليه ~~واقتطاعه. كأنه قيل قبلا وبعدا، بمعنى أولا وآخرا { ويومئذ } ~~ويوم تغلب الروم على فارس ويحل ما وعده الله عز وجل من غلبتهم { ~~يفرح المؤمنون بنصر الله } وتغليبه من له كتاب على من ~~لا كتاب له. وغيظ من شمت بهم من كفار مكة. وقيل نصر الله هو إظهار صدق ~~المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم وقيل نصر الله أنه ولي ~~بعض الظالمين بعضا وفرق بين كلمهم، حتى تفانوا وتناقصوا، وفل هؤلاء ~~شوكة هؤلاء وفي ذلك قوة للإسلام. وعن أبي سعيد الخدري وافق ذلك يوم بدر، ~~وفي هذا اليوم نصر المؤمنين { وهو العزيز الرحيم } ينصر عليكم ~~تارة وينصركم أخرى. ### || [30.6-7] # { وعد الله } مصدر مؤكد، كقولك لك علي ألف درهم عرفا لأن معناه ~~أعترف لك بها اعترافا، ووعد الله ذلك وعدا لأن ما سبقه في معنى وعد. ~~ذمهم الله عز وجل بأنهم عقلاء في أمور الدنيا، بله في أمر الدين، وذلك ~~أنهم كانوا ms1529 أصحاب تجارات ومكاسب. وعن الحسن. بلغ من حذق أحدهم أنه يأخذ ~~الدرهم فينقره بأصبعه، فيعلم أرديء أم جيد. وقوله { يعلمون } بدل من ~~قوله { لا يعلمون } وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، ~~وجعله بحيث يقوم مقامه ويسد مسده، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم ~~الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا. وقوله { ظهرا ~~من الحيوة الدنيا } يفيد أن للدنيا ظاهرا وباطنا، فظاهرها ~~ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها. وباطنها وحقيقتها ~~أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي ~~تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة الظواهر. و«هم» ~~الثانية يجوز أن يكون مبتدأ. و { غفلون } خبره، والجملة خبر «هم» ~~الأولى، وأن يكون تكريرا للأولى، وغافلون خبر الأولى. وأية كانت فذكرها ~~مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها ومعلمها، وأنها منهم تنبع ~~وإليهم ترجع. ### || [30.8] # { فى أنفسهم } يحتمل أن يكون ظرفا، كأنه قيل أولم يحدثوا التفكر ~~في أنفسهم، أي في قلوبهم الفارغة من الفكر، والتفكر لا يكون إلا في ~~القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقولك اعتقده في قلبك وأضمره ~~في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر، كقولك تفكر في الأمر وأجال فيه فكره. و { ~~ما خلق } متعلق بالقول المحذوف، معناه أولم يتفكروا فيقولوا هذا ~~القول. وقيل معناه فيعلموا، لأن في الكلام دليلا عليه { إلا ~~بالحق وأجل مسمى } أي ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح ~~وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة إنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة، ~~وبتقدير أجل مسمى لا بد لها من أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة ووقت ~~الحساب والثواب والعقاب. ألا ترى إلى قوله تعالى # أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # المؤمنون 115 كيف سمي تركهم غير راجعين إليه عبثا. والباء في قوله { ~~إلا بالحق } مثلها في قولك دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس ~~بسرجه ولجامه، تريد اشتراه وهو ملتبس بالسرج واللجام، غير منفك عنهما. ~~وكذلك المعنى ما خلقها إلا وهي ملتبسة بالحق ms1530 مقترنة به، فإن قلت إذا جعلت ~~{ فى أنفسهم } صلة للتفكر، فما معناه؟ قلت معناه أولم يتفكروا في ~~أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم وأخبر ~~بأحوالها منهم بأحوال ما عداها، فتدبروا ما أودعها الله ظاهرا وباطنا ~~من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال وأنه لا بد لها من انتهاء ~~إلى وقت يجازيها فيه الحكيم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانا وعلى ~~الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على ~~الحكمة والتدبير وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت، والمراد ~~بلقاء ربهم الأجل المسمى. ### || [30.9] # { أولم يسيروا } تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار ~~المدمرين من عاد وثمود وغيرهم من الأمم العاتية، ثم أخذ يصف لهم أحوالهم ~~وأنهم { كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض } ~~وحرثوها قال الله تعالى # لا ذلول تثير الأرض # البقرة 71 وقيل لبقر الحرث المثيرة. وقالوا سمي ثورا لإثارته الأرض ~~وبقرة لأنها تبقرها أي تشقها { وعمروها } يعني أولئك المدمرون { ~~أكثر مما عمروها } من عمارة أهل مكة، وأهل مكة أهل واد غير ذي ~~زرع، ما لهم إثارة الأرض أصلا ولا عمارة لها رأسا فما هو إلا تهكم بهم، ~~وبضعف حالهم في دنياهم لأن معظم ما يستظهر به أهل الدنيا ويتباهون به ~~أمر الدهقنة، وهم أيضا ضعاف القوى، فقوله { كانوا أشد منهم ~~قوة } أي عاد وثمود وأضرابهم من هذا القبيل، كقوله # أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد ~~منهم قوة # فصلت 15 وإن كان هذا أبلغ، لأنه خالق القوى والقدر. فما كان تدميره ~~إياهم ظلما لهم، لأن حاله منافية للظلم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث عملوا ~~ما أوجب تدميرهم. ### || [30.10] # قرىء «عاقبة» بالنصب والرفع. و { السوأى } تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، ~~كما أن الحسنى تأنيث الأحسن. والمعنى أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار، ثم ~~كانت عاقبتهم سوأى إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، أي العقوبة التي هي ~~أسوأ العقوبات في الآخرة، وهي جهنم التي أعدت للكافرين. و { أن ~~كذبوا ms1531 } بمعنى لأن كذبوا. ويجوز أن يكون أن بمعنى أي لأنه إذا كان ~~تفسير الإساءة التكذيب والاستهزاء كانت في معنى القول، نحو نادى. وكتب، ~~وما أشبه ذلك. ووجه آخر وهو أن يكون { أسءوا السوأى } بمعنى ~~اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا، و { أن كذبوا } عطف بيان ~~لها، وخبر كان محذوف كما يحذف جواب لما ولو، إرادة الإبهام. ### || [30.11] # { ثم إليه ترجعون } أي إلى ثوابه وعقابه. وقرىء بالتاء ~~والياء. ### || [30.12-13] # الإبلاس أي يبقى بائسا ساكنا متحيرا. يقال ناظرته فأبلس. إذا لم ينبس ~~وبئس من أن يحتج. ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو. وقريء «يبلس» بفتح ~~اللام، من أبلسه إذا أسكته { من شركآئهم } من الذين عبدوهم من دون ~~الله { وكانوا بشركآئهم كفرين } أي يكفرون بآلهتهم ~~ويجحدونها. أو وكانوا في الدنيا كافرين بسببهم. وكتب { شفعؤا } في ~~المصحف بواو قبل الألف، كما كتب # علماء بني إسرائيل # الشعراء 197 وكذلك كتبت { السوأى } بألف قبل الياء إثباتا للهمزة ~~على صورة الحرف الذي منه حركتها. ### || [30.14-16] # الضمير في { يتفرقون } للمسلمين والكافرين، لدلالة ما بعده عليه. ~~وعن الحسن رضي الله عنه هو تفرق المسلمين والكافرين هؤلاء في عليين، ~~وهؤلاء في أسفل السافلين - وعن قتادة رضي الله عنه فرقة لا اجتماع بعدها ~~{ فى روضة } في بستان، وهي الجنة. والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه. ~~والروضة عند العرب كل أرض ذات نبات وماء. وفي أمثالهم أحسن من بيضة في ~~روضة، يريدون بيضة النعامة { يحبرون } يسرون. يقال حبره إذا سره ~~سرورا تهلل له وجهه وظهر فيه أثره، ثم اختلفت فيه الأقاويل لاحتماله ~~وجوه جميع المسار فعن مجاهد رضي الله عنه يكرمون، وعن قتادة ينعمون. وعن ~~ابن كيسان يحلون. وعن أبي بكر بن عياش التيجان على رؤوسهم. وعن وكيع ~~السماع في الجنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 838 أنه ذكر الجنة ~~وما فيها من النعيم، وفي آخر القوم أعرابي فقال يا رسول الله، هل ~~في الجنة من سماع؟ قال # " نعم يا أعرابي، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء ~~خوصانية، يتغنين بأصوات ms1532 لم تسمع الخلائق بمثلها قط، فذلك أفضل نعم ~~الجنة " # قال الراوي فسألت أبا الدرداء بم يتغنين؟ قال بالتسبيح. وروي 839 «إن ~~في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث ~~الله ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات ~~لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا» { محضرون } لا يغيبون عنه ولا ~~يخفف عنهم، كقوله # وما هم بخرجين منها # المائدة 37، # لا يفتر عنهم # الزخرف 75. ### || [30.17-19] # لما ذكر الوعد والوعيد، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد ~~والمراد بالتسبيح ظاهره الذي هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير ~~في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعمة الله الظاهرة. وقيل الصلاة. وقيل ~~لابن عباس رضي الله عنهما هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال نعم، وتلا ~~هذه الآية { تمسون } صلاتا المغرب والعشاء { تصبحون } صلاة ~~الفجر { وعشيا } صلاة العصر. و { تظهرون } صلاة الظهر. وقوله { ~~وعشيا } متصل بقوله { حين تمسون } وقوله { وله الحمد ~~فى السموت والأرض } اعتراض بينهما. ومعناه إن على المميزين ~~كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه. فإن قلت لم ذهب الحسن رحمه الله ~~إلى أن هذه الآية مدنية؟ قلت لأنه كان يقول فرضت الصلوات الخمس بالمدينة ~~وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم. والقول الأكثر أن الخمس إنما ~~فرضت بمكة. وعن عائشة رضي الله عنها 840 # " فرضت الصلاة ركعتين فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر " # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 841 # " من سره أن يكال له بالقفيز الأوفي فليقل { فسبحن الله حين ~~تمسون وحين تصبحون 17 }... الآية " # وعنه عليه السلام 842 # " من قال حين يصبح { فسبحن الله حين تمسون وحين ~~تصبحون } إلى قوله { وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في ~~يومه. ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " # ، وفي قراءة عكرمة «حينا تمسون وحينا تصبحون» والمعنى تمسون فيه وتصبحون ~~فيه. كقوله # يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ms1533 # البقرة 48 بمعنى فيه { الحى من الميت } الطائر من البيضة، و { ~~الميت من الحى } البيضة من الطائر. وإحياء الأرض إخراج النبات ~~منها { وكذلك تخرجون } ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور ~~وتبعثون. والمعنى أن الإبداء والإعادة متساويان في قدرة من هو قادر على ~~الطرد والعكس من إخراج الميت من الحي وإخراج الحي من الميت وإحياء الميت ~~وإماتة الحي. وقرىء «الميت» بالتشديد. «وتخرجون»، بفتح التاء. ### || [30.20-21] # { خلقكم من تراب } لأنه خلق أصلهم منه. و { إذآ } للمفاجأة. ~~وتقديره ثم فاجأتهم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض. كقوله # وبث منهما رجالا كثيرا ونساء # النساء 1، { من أنفسكم أزوجا } لأن حواء خلقت من ضلع آدم ~~عليه السلام، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال. أو من شكل أنفسكم ~~وجنسها، لا من جنس آخر، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف ~~والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر { وجعل بينكم } ~~التواد والتراحم بعصمة الزواج، بعد أن لم تكن بينكم سابقة معرفة، ولا ~~لقاء، ولا سبب يوجب التعاطف من قرابة أو رحم. وعن الحسن رضي الله عنه ~~المودة كناية عن الجماع، والرحمة عن الولد، كما قال # ورحمة منا # مريم 21 وقال # ذكر رحمت ربك عبده # مريم 2. ويقال سكن إليه، إذا مال إليه، كقولهم انقطع إليه، واطمأن إليه ~~- ومنه السكن. وهو الإلف المسكون إليه. فعل بمعنى مفعول. وقيل إن المودة ~~والرحمة من قبل الله وإن الفرك من قبل الشيطان. ### || [30.22] # الألسنة اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله. خالف عز وعلا بين هذه الأشياء ~~حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدة، ولا ~~رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات ~~النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك ~~وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل ~~والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية، ~~فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحلي ~~وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا ms1534 من أب واحد، وفرعوا من أصل فذ، وهم على ~~الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون. وقريء «للعالمين» بفتح ~~اللام وكسرها، ويشهد للكسر قوله تعالى # وما يعقلهآ إلا العلمون # العنكبوت 43. ### || [30.23] # هذا من باب اللف والنشر وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله ~~بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأولين بالقرينين الآخرين. ~~لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد، مع إعانة اللف على ~~الاتحاد. ويجوز أن يراد منامكم في الزمانين، وابتغاءكم فيهما، والظاهر هو ~~الأول لتكرره في القرآن، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن يسمعونه ~~بالآذان الواعية. ### || [30.24] # في { يريكم } وجهان إضماران، وإنزال الفعل منزلة المصدر، وبهما فسر ~~المثل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. وقول القائل # وقالوا ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي ~~أثير # { خوفا } من الصاعقة أو من الإخلاف { وطمعا } في الغيث. وقيل ~~خوفا للمسافر، وطمعا للحاضر، وهما منصوبان على المفعول له. فإن قلت من ~~حق المفعول له أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل والخوف والطمع ليسا ~~كذلك. قلت فيه وجهان، أحدهما أن المفعولين فاعلون في المعنى، لأنهم ~~راءون، فكأنه قيل يجعلكم رائين البرق خوفا وطمعا. والثاني أن يكون على ~~تقدير حذف المضاف، أي إرادة خوف وإرادة طمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف ~~إليه مقامه. ويجوز أن يكون حالين أي خائفين وطامعين. وقرىء «ينزل» ~~بالتشديد. ### || [30.25-26] # { ومن ءايته } قيام السموات والأرض واستمساكهما بغير عمد { ~~بأمره } أي بقوله كونا قائمتين. والمراد بإقامته لهما إرادته ~~لكونهما على صفة القيام دون الزوال. وقوله { إذا دعاكم } بمنزلة ~~قوله يريكم، في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال ومن آياته ~~قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة يا ~~أهل القبور اخرجوا. والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث، كما ~~يجيب الداعي المطاع مدعوه، كما قال القائل # دعوت كليبا دعوة فكأنما دعوت به ابن ~~الطود أو هو أسرع # يريد بابن الطود الصدى، أو الحجر إذا تدهدى، وإنما عطف هذا على قيام ~~السموات والأرض ms1535 بثم، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على ~~مثله، وهو أن يقول يا أهل القبور، قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين ~~والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # الزمر 68. قولك دعوته من مكان كذا، كما يجوز أن يكون مكانك يجوز أن يكون ~~مكان صاحبك، تقول دعوت زيدا من أعلى الجبل فنزل علي ودعوته من أسفل ~~الوادي فطلع إلي. فإن قلت بم تعلق { من الأرض } أبالفعل أم ~~بالمصدر؟ قلت هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فإن قلت ما الفرق ~~بين إذا وإذا؟ قلت الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء ~~في جواب الشرط. وقرىء «تخرجون» بضم التاء وفتحها { قنتون } أي ~~منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه. ### || [30.27] # { وهو أهون عليه } فيما يجب عندكم وينقاس على أصولكم ويقتضيه ~~معقولكم لأن من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها، ~~وتعتذرون للصانع إذا خطيء في بعض ما ينشئه بقولكم أول الغزو أخرق، ~~وتسمون الماهر في صناعته معاودا، تعنون أنه عاودها كرة بعد أخرى حتى ~~مرن عليها وهانت عليه. فإن قلت لم ذكر الضمير في قوله { وهو أهون ~~عليه } والمراد به الإعادة؟ قلت معناه وأن يعيده أهون عليه. فإن قلت ~~لم أخرت الصلة في قوله { وهو أهون عليه } وقدمت في قوله # هو على هين # مريم 21؟ قلت هناك قصد الاختصاص وهو محزه، فقيل هو علي هين، وإن كان ~~مستصعبا عندكم أن يولد بين هم وعاقر وأما ههنا فلا معنى للاختصاص، كيف ~~والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت ~~الصلة لتغير المعنى. فإن قلت ما بال الإعادة استعظمت في قوله { ثم ~~إذا دعاكم } حتى كأنها فضلت على قيام السموات والأرض بأمره، ثم ~~هونت بعد ذلك؟ قلت الإعادة في نفسها عظيمة، ولكنها هونت بالقياس إلى ~~الإنشاء. وقيل الضمير في عليه للخلق. ومعناه أن البعث أهون على الخلق من ~~الإنشاء، لأن تكوينه في حد الاستحكام، والتمام ms1536 أهون عليه وأقل تعبا ~~وكبدا، من أن يتنقل في أحوال ويندرج فيها إلى أن يبلغ ذلك الحد. وقيل ~~الأهون بمعنى الهين. ووجه آخر وهو أن الإنشاء من قبيل التفضل الذي يتخير ~~فيه الفاعل بين أن يفعله وأن لا يفعله، والإعادة من قبيل الواجب الذي لا ~~بد له من فعله، لأنه لجزاء الأعمال وجزاؤها واجب، والأفعال إما محال ~~والمحال ممتنع أصلا خارج عن المقدور، وإما ما يصرف الحكيم عن فعله صارف ~~وهو القبيح، وهو رديف المحال لأن الصارف يمنع وجود الفعل كما تمنعه ~~الإحالة. وإما تفضل والتفضل حالة بين بين، للفاعل أن يفعله وأن لا يفعله. ~~وإما واجب لا بد من فعله، ولا سبيل إلى الإخلال به، فكان الواجب أبعد ~~الأفعال من الامتناع وأقربها من الحصول. فلما كانت الإعادة من قبيل ~~الواجب، كانت أبعد الأفعال من الامتناع. وإذا كانت أبعدها من الامتناع، ~~كانت أدخلها في التأني والتسهل، فكانت أهون منها. وإذا كانت أهون منها ~~كانت أهون من الإنشاء { وله المثل الأعلى } أي الوصف الأعلى ~~الذي ليس لغيره مثله قد عرف به. ووصف في السموات والأرض على ألسنة ~~الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء ~~وإعادة وغيرهما من المقدورات، ويدل عليه قوله تعالى { وهو العزيز ~~الحكيم } أي القاهر لكل مقدور { الحكيم } الذي يجري كل فعل على ~~قضايا حكمته وعلمه. وعن مجاهد { المثل الأعلى } قول لا إله إلا ~~الله، ومعناه وله الوصف الأعلى الذي هو الوصف بالوحدانية. ويعضده قوله ~~تعالى # ضرب لكم مثلا من أنفسكم # الروم 28 وقال الزجاج { وله المثل الأعلى فى السموت ~~والأرض } أي قوله تعالى { وهو أهون عليه } قد ضربه لكم ~~مثلا فيما يصعب ويسهل. يريد التفسير الأول. ### || [30.28] # فإن قلت أي فرق بين الأولى والثانية والثالثة في قوله تعالى { من ~~أنفسكم } ، { من ما ملكت أيمنكم } ، { من ~~شركاء }؟ قلت الأولى للابتداء، كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه من أقرب ~~شيء منكم وهي أنفسكم ولم يبعد، والثانية للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد ~~الاستفهام الجاري مجرى النفي. ومعناه ms1537 هل ترضون لأنفسكم - وعبيدكم أمثالكم ~~بشر كبشر وعبيد كعبيد - أن يشارككم بعضهم { فى ما رزقنكم } من ~~الأموال وغيرها ما تكونون أنتم وهم فيه على السواء، من غير تفضلة بين حر ~~وعبد تهابون أن تستبدوا بتصرف دونهم، وأن تفتاتوا بتدبير عليهم كما يهاب ~~بعضكم بعضا من الأحرار، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم، فكيف ترضون لرب ~~الأرباب ومالك الأحرار والعبيد أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء؟ { ~~كذلك } أي مثل هذا التفصيل { نفصل الأيت } أي نبينها لأن ~~التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها. ألا ~~ترى كيف صور الشرك بالصورة المشوهة؟. ### || [30.29] # { الذين ظلموا } أي أشركوا، كقوله تعالى # إن الشرك لظلم عظيم # لقمان 13، { بغير علم } أي اتبعوا أهواءهم جاهلين لأن العالم ~~إذا ركب هواه ربما ردعه علمه وكفه. وأما الجاهل فيهيم على وجهه كالبهيمة ~~لا يكفه شيء { من أضل الله } من خذله ولم يلطف به، لعلمه أنه ~~ممن لا لطف له، فمن يقدر على هداية مثله. وقوله { وما لهم من ~~نصرين } دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان. ### || [30.30-32] # { فأقم وجهك للدين } فقوم وجهك له وعد له، غير ملتفت عنه ~~يمينا ولا شمالا، وهو تمثيل لإقباله على الدين، واستقامته عليه، ~~وثباته، واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه، وسدد ~~إليه نظره، وقوم له وجهه، مقبلا به عليه. و { حنيفا } حال من ~~المأمور. أو من الدين { فطرت الله } أي الزموا فطرة الله. أو ~~عليكم فطرة الله. وإنما أضمرته على خطاب الجماعة لقوله { منيبين ~~إليه } ومنيبين حال من الضمير في الزموا. وقوله واتقوه ~~وأقيموا... ولا تكونوا معطوف على هذا الضمير. والفطرة ~~الخلقة. ألا ترى إلى قوله { لا تبديل لخلق الله } والمعنى ~~أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير نائين عنه ولا منكرين له، ~~لكونه مجاوبا للعقل، مساوقا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا ~~عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن. ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم 843 # " كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وأمروهم أن ms1538 يشركوا ~~بي غيري " # وقوله عليه السلام 844 # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه ~~وينصرانه " # ، { لا تبديل لخلق الله } أي ما ينبغي أن تبدل تلك الفطرة ~~أو تغير. فإن قلت لم وحد الخطاب أولا، ثم جمع؟ قلت خوطب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أولا، وخطاب الرسول خطاب لأمته مع ما فيه من التعظيم ~~للإمام، ثم جمع بعد ذلك للبيان والتلخيص { من الذين } بدل من ~~المشركين «فارقوا دينهم» تركوا دين الإسلام. وقرىء «فرقوا دينهم» ~~بالتشديد، أي حعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم { وكانوا شيعا ~~} فرقا، كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها { كل حزب } منهم فرح ~~بمذهبه مسرور، يحسب باطله حقا - ويجوز أن يكون { من الذين } ~~منقطعا مما قبله، ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب فرحين بما لديهم، ~~ولكنه رفع فرحون على الوصف لكل، كقوله # وكل خليل غير هاضم نفسه ### || [30.33-34] # الضر الشدة من هزال أو مرض أو قحط أو غير ذلك. والرحمة الخلاص من ~~الشدة. واللام في { ليكفروا } مجاز مثلها في # ليكون لهم عدوا # القصص 8. { فتمتعوا } نظير # اعملوا ما شئتم # فصلت 40 { فسوف تعلمون } وبال تمتعكم. وقرأ ابن مسعود ~~وليتمتعوا. ### || [30.35] # السلطان الحجة، وتكلمه. مجاز، كما تقول كتابه ناطق بكذا، وهذا مما نطق ~~به القرآن. ومعناه الدلالة والشهادة، كأنه قال فهو يشد بشركهم وبصحته. ~~وما في { بما كانوا } مصدرية أي بكونهم بالله يشركون. ويجوز أن تكون ~~موصولة ويرجع الضمير إليها. ومعناه فهو يتكلم بالأمر الذي يسببه يشركون، ~~ويحتمل أن يكون المعنى أم أنزلنا عليهم ذا سلطان، أي ملكا معه برهان ~~فذلك الملك يتكلم بالبرهان الذي بسببه يشركون. ### || [30.36] # { وإذا أذقنا الناس رحمة } أي نعمة من مطر أو سعة أو صحة ~~{ فرحوا بها وإن تصبهم سيئة } أي بلاء من جدب أو ضيق ~~أو مرض - والسبب فيها شؤم معاصيهم - قنطوا من الرحمة. ### || [30.37] # ثم أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه هو الباسط القابض، فما لهم يقنطون من ~~رحمته، وما لهم لا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بالشدة ms1539 من ~~أجلها، حتى يعيد إليهم رحمته. ### || [30.38] # حق ذي القربى صلة الرحم. وحق المسكين وابن السبيل نصيبهما من الصدقة ~~المسماة لهما. وقد احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية في وجوب النفقة ~~للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب. وعند الشافعي رحمه الله لا ~~نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين قاس سائر القرابات على ابن العم، ~~لأنه لا ولاد بينهم. فإن قلت كيف تعلق قوله { فئات ذا القربى } ~~بما قبله حتى جيء بالفاء؟ قلت لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت ~~أيديهم، أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك { يريدون وجه ~~الله } يحتمل أن يراد بوجهه ذاته أو جهته وجانبه، أي يقصدون بمعروفهم ~~إياه خالصا وحقه، كقوله تعالى # إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى # الليل 20 أو يقصدون جهة التقرب إلى الله لا جهة أخرى، والمعنيان ~~متقاربان، ولكن الطريقة مختلفة. ### || [30.39] # هذه الآية في معنى قوله تعالى # يمحق الله الربوا ويربي الصدقت # البقرة 276 سواء بسواء، يريد وما أعطيتم أكلة الربا { من ربا ~~ليربوا فى } أموالهم ليزيد ويزكو في أموالهم، فلا يزكو عند الله ~~ولا يبارك فيه { ومآ ءاتيتم من زكاوة } أي صدقة تبتغون به ~~وجهه خالصا، لا تطلبون به مكافأة ولا رياء وسمعة { فأولئك هم ~~المضعفون } ذوو الإضعاف من الحسنات. ونظير المضعف المقوى والموسر، ~~لذي القوة واليسار وقرىء بفتح العين. وقيل نزلت في ثقيف، وكانوا يربون. ~~وقيل المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له، ليعوضه أكثر مما وهب أو ~~أهدى، فليست تلك الزيادة بحرام، ولكن المعوض لا يثاب على تلك الزيادة. ~~وقالوا الربا ربوان فالحرام كل قرض يؤخذ فيه أكثر منه أو يجر منفعة. ~~والذي ليس بحرام أن يستدعى بهبته أو بهديته أكثر منها. وفي الحديث ~~المستغزر يثاب من هبته وقرىء «وما أتيتم من ربا» بمعنى وما غشيتموه أو ~~رهقتموه من إعطاء ربا. وقرىء «لتربوا»، أي لتزيدوا في أموالهم، كقوله ~~تعالى { ويربى الصدقت } أي يزيدها. وقوله تعالى { ~~فأولئك هم المضعفون } التفات حسن، كأنه قال لملائكته ~~وخواص ms1540 خلقه فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم هم المضعفون. فهو أمدح ~~لهم من أن يقول فأنتم المضعفون. والمعنى المضعفون به، لأنه لا بد من ضمير ~~يرجع إلى ما، ووجه آخر وهو أن يكون تقديره فمؤتوه أولئك هم المضعفون. ~~والحذف لما في الكلام من الدليل عليه، وهذا أسهل مأخذا، والأول أملأ ~~بالفائدة. ### || [30.40] # { الله } مبتدأ وخبره { الذى خلقكم } أي الله هو فاعل هذه ~~الأفعال الخاصة التي لا يقدر على شيء منها أحد غيره، ثم قال { هل من ~~شركائكم } الذين اتخذتموهم أندادا له من الأصنام وغيرها { من ~~يفعل } شيئا قط من تلك الأفعال حتى يصح ما ذهبتم إليه، ثم استبعد ~~حاله من حال شركائهم. ويجوز أن يكون { الذى خلقكم } صفة للمبتدأ، ~~والخبر هل من شركائكم، وقوله { من ذلكم } هو الذي ربط الجملة ~~بالمبتدأ، لأن معناه من أفعاله ومن الأولى والثانية والثالثة كل واحدة ~~منهن مستقلة بتأكيد، لتعجيز شركائهم، وتجهيل عبدتهم. ### || [30.41] # { الفساد فى البر والبحر } نحو الجدب، والقحط، وقلة الريع ~~في الزراعات والربح في التجارات، ووقوع الموتان في الناس والدواب، وكثر ~~الحرق والغرق، وإخفاق الصيادين والغاصة، ومحق البركات من كل شيء، وقلة ~~المنافع في الجملة وكثرة المضار. وعن ابن عباس أجدبت الأرض وانقطعت ~~مادة البحر. وقالوا إذا انقطع القطر عميت دواب البحر. وعن الحسن أن ~~المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على شاطئه. وعن عكرمة العرب تسمي ~~الأمصار البحار. وقرىء «في البر والبحور» { بما كسبت أيدى ~~الناس } بسبب معاصيهم وذنوبهم، كقوله تعالى # وما أصبكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم # الشورى 30 وعن ابن عباس { ظهر الفساد فى البر } بقتل ابن ~~آدم أخاه. وفي البحر بأن جلندي كان يأخذ كل سفينة غصبا، وعن قتادة كان ~~ذلك قبل البعثه، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع راجعون عن ~~الضلال والظلم. ويجوز أن يريد ظهور الشر والمعاصي بكسب الناس ذلك. فإن ~~قلت ما معنى قوله { ليذيقهم بعض الذى عملوا لعلهم ~~يرجعون }؟ قلت أما على التفسير الأول فظاهر، وهو أن الله قد أفسد ~~أسباب ms1541 دنياهم ومحقها، ليذيقهم وبال بعضهم أعمالهم في الدنيا قبل أن ~~يعاقبهم بجميعها في الآخرة، لعلهم يرجعون عما هم عليه، وأما على الثاني ~~فاللام مجاز، على معنى أن ظهور الشرور بسببهم مما استوجبوا به أن يذيقهم ~~الله وبال أعمالهم إرادة الرجوع، فكأنهم إنما أفسدوا وتسببوا لفشو ~~المعاصي في الأرض لأجل ذلك. وقرىء «لنذيقهم» بالنون. ### || [30.42] # ثم أكد تسبب المعاصي لغضب الله ونكاله حيث أمرهم بأن يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف أهلك الله الأمم وأذاقهم سوء العاقبة لمعاصيهم، ودل بقوله { ~~كان أكثرهم مشركين } على أن الشرك وحده لم يكن سبب ~~تدميرهم، وأن ما دونه من المعاصي يكون سببا لذلك. ### || [30.43] # القيم البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج { من الله } إما أن ~~يتعلق بيأتي، فيكون المعنى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، ~~كقوله تعالى # فلا يستطيعون ردها # الأنبياء 40 أو بمرد، على معنى لا يرده هو بعد أن يجيء به، ولا رد له ~~من جهته. والمرد مصدر بمعنى الرد { يصدعون } يتصدعون أي ~~يتفرقون، كقوله تعالى # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # الروم 14. ### || [30.44-45] # { فعليه كفره } كلمة جامعة لما لا غاية وراءه من المضار. لأن ~~من كان ضاره كفره فقد أحاطت به كل مضرة { فلأنفسهم يمهدون } ~~أي يسوون لأنفسهم ما يسويه لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه، لئلا يصيبه ~~في مضجعه ما ينبيه عليه وينغص عليه مرقده من نتوء أو قضض أو بعض ما يؤذي ~~الراقد. ويجوز أن يريد فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في المشفق أم فرشت ~~فأنامت. وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا ~~على الكافر لا يتعداه. ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا ~~تتجاوزه { ليجزى } متعلق بيمهدون تعليل له { من فضله } مما ~~يتفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب وهذا يشبه الكناية، لأن الفضل ~~تبع للثواب، فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له أو أراد من عطائه وهو ~~ثوابه لأن الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب. وتكرير { الذين ~~ءامنوا ms1542 وعملوا الصلحات } وترك الضمير إلى الصريح لتقرير ~~أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح. وقوله { إنه لا يحب ~~الكفرين } تقرير بعده تقرير، على الطرد والعكس. ### || [30.46] # { الرياح } هي الجنوب والشمال والصبا، وهي رياح الرحمة. وأما الدبور، ~~فريح العذاب. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم 845 # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وقد عدد الأغراض في إرسالها، وأنه أرسلها للبشارة بالغيث ولإذاقة ~~الرحمة، وهي نزول المطر وحصول الخصب الذي يتبعه، والروح الذي مع هبوب ~~الريح وزكاء الأرض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 846 # " إذا كثرت المؤتفكات زكت الأرض " # وإزالة العفونة من الهواء، وتذرية الحبوب، وغير ذلك { ولتجرى ~~الفلك } في البحر عند هبوبها. وإنما زاده { بأمره } لأن الريح ~~قد تهب ولا تكون مؤاتية، فلا بد من إرساء السفن والاحتيال لحبسها، وربما ~~عصفت فأغرقتها { ولتبتغوا من فضله } يريد تجارة البحر ~~ولتشكروا نعمة الله فيها. فإن قلت بم يتعلق وليذيقكم؟ قلت فيه وجهان أن ~~يكون معطوفا على مبشرات على المعنى، كأنه قيل ليبشركم وليذيقكم. وأن ~~يتعلق بمحذوف تقديره وليذيقكم، وليكون كذا وكذا أرسلناها. ### || [30.47] # اختصر الطريق إلى الغرض بأن أدرج تحت ذكر الانتصار والنصر ذكر الفريقين، ~~وقد أخلى الكلام أولا عن ذكرهما. وقوله { وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين } تعظيم للمؤمنين، ورفع من شأنهم، وتأهيل لكرامة ~~سنية، وإظهار لفضل سابقة ومزية، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، ~~مستوجبين عليه أن يظهرهم ويظفرهم، وقد يوقف على { حقا }. ومعناه وكان ~~الانتقام منهم حقا، ثم يبتدأ { علينا نصر المؤمنين } ، وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 847 # " ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه ~~نار جهنم يوم القيامة " # ثم تلا قوله تعالى { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }. ### || [30.48-49] # { فيبسطه } متصلا تارة { ويجعله كسفا } أي قطعا تارة { ~~فترى الودق يخرج من خلاله } في التارتين جميعا. ~~والمراد بالسماء. سمت السماء وشقها، كقوله تعالى # وفرعها فى السماء # إبراهيم 24، وبإصابة العباد إصابة بلادهم وأراضيهم { من قبله } من ~~باب التكرير والتوكيد، كقوله ms1543 تعالى # فكان عقبتهما أنهما فى النار خلدين فيها # الحشر 17. ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول ~~وبعد، فاستحكم بأسهم وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم ~~بذلك. ### || [30.50] # قرىء «أثر» و«آثار» على الوحدة والجمع. وقرأ أبو حيوة وغيره «كيف تحيي»، ~~أي الرحمة { إن ذلك } يعني إن ذلك القادر الذي يحي الأرض بعد ~~موتها، هو الذي يحي الناس بعد موتهم { وهو على كل شىء } من ~~المقدورات قادر، وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء. ### || [30.51-53] # { فرأوه } فرأوا أثر رحمة الله. لأن رحمة الله هي الغيث، وأثرها ~~النبات. ومن قرأ بالجمع رجع الضمير إلى معناه لأن معنى آثار الرحمة ~~النبات، واسم النبات يقع على القليل والكثير، لأنه مصدر سمي به ما ينبت. ~~ولئن هي اللام الموطئة للقسم، دخلت على حرف الشرط، و { لظلوا } ~~جواب القسم سد مسد الجوابين، أعني جواب القسم وجواب الشرط، ومعناه ~~ليظلن ذمهم الله تعالى بأنه إذا حبس عنهم القطر قنطوا من رحمته وضربوا ~~أذقانهم على صدورهم مبلسين، فإذا أصابهم برحمته ورزقهم المطر استبشروا ~~وابتهجوا، فإذا أرسل ريحا فضرب زروعهم بالصفار، ضجوا وكفروا بنعمة الله. ~~فهم في جميع هذه الأحوال على الصفة المذمومة، كان عليهم أن يتوكلوا على ~~الله وفضله، فقنطوا. وأن يشكروا نعمته ويحمدوه عليها، فلم يزيدوا على ~~الفرح والاستبشار. وأن يصبروا على بلائه، فكفروا. والريح التي اصفر لها ~~النبات يجوز أن تكون حرورا وحرجفا، فكلتاهما مما يصوح له النبات ويصبح ~~هشيما. وقال مصفرا لأن تلك صفرة حادثة. وقيل فرأوا السحاب مصفرا، ~~لأنه إذا كان كذلك لم يمطر. ### || [30.54] # قرىء بفتح الضاد وضمها، وهما لغتان. والضم أقوى في القراءة، لما روى ابن ~~عمر رضي الله عنهما قال 848 قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~ضعف، فأقرأني من ضعف. وقوله { خلقكم من ضعف } كقوله # خلق الإنسان من عجل # الأنبياء 37 يعني أن أساس أمركم وما عليه جبلتكم وبنيتكم الضعف # وخلق الإنسن ضعيفا # النساء 28 أي ابتدأناكم في أول الأمر ضعافا. وذلك حال الطفولة والنشء ms1544 ~~حتى بلغتم وقت الاحتلام والشبيبة، وتلك حال القوة إلى الاكتهال وبلوغ ~~الأشد، ثم رددتم إلى أصل حالكم وهو الضعف بالشيخوخة والهرم. وقيل من ضعف ~~من النطف، كقوله تعالى # من ماء مهين # السجدة 8، المرسلات 20 وهذا الترديد في الأحوال المختلفة، والتغيير من ~~هيئة إلى هيئة وصفة إلى صفة أظهر دليل وأعدل شاهد على الصانع العليم ~~القادر. ### || [30.55] # { الساعة } القيامة، سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعة ~~الدنيا، أو لأنها تقع بغتة وبديهة. كما تقول «في ساعة» لمن تستعجله، وجرت ~~علما لها كالنجم للثريا، والكوكب للزهرة. وأرادوا لبثهم في الدنيا، أو ~~في القبور، أو فيما بين فناء الدنيا إلى البعث. وفي الحديث 849 # " ما بين فناء الدنيا إلى وقت البعث أربعون " # قالوا لا نعلم أهي أربعون سنة أم أربعون ألف سنة؟ وذلك وقت يفنون فيه ~~وينقطع عذابهم، وإنما يقدرون وقت لبثهم بذلك على وجه استقصارهم له. أو ~~ينسون أو يكذبون أو يخمنون { كذلك كانوا يؤفكون } أي مثل ذلك ~~الصرف كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا، وهكذا كانوا يبنون ~~أمرهم على خلاف الحق. أو مثل ذلك الإفك كانوا يؤفكون في الاغترار بما ~~تبين لهم الآن أنه ما كان إلا ساعة. ### || [30.56-57] # القائلون هم الملائكة، والأنبياء. والمؤمنون { فى كتب الله } ~~في اللوح. أو في علم الله وقضائه. أو فيما كتبه، أي أوجبه بحكمته. ردوا ~~ما قالوه وحلفوا عليه، وأطلعوهم على الحقيقة ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على ~~إنكار البعث بقولهم { فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم ~~لا تعلمون } أنه حق لتفريطكم في طلب الحق واتباعه. فإن قلت ما هذه ~~الفاء؟ وما حقيقتها؟ قلت هي التي في قوله # فقد جئنا خراسانا # وحقيقتها أنها جواب شرط يدل عليه الكلام، كأنه قال إن صح ما قلتم من أن ~~خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان، وآن لنا أن نخلص، وكذلك إن ~~كنتم منكرين البعث فهذا يوم البعث، أي فقد تبين بطلان قولكم. وقرأ الحسن ~~يوم البعث، بالتحريك { لا ينفع } قرىء بالياء والتاء { ~~يستعتبون } من قولك ms1545 استعتبني فلان فأعتبته. أي استرضاني فأرضيته، ~~وذلك إذا كنت جانيا عليه. وحقيقة أعتبته أزلت عتبه. ألا ترى إلى قوله # غضبت تميم أن تقتل عامر يوم النسار ~~فأعتبوا بالصيلم # كيف جعلهم غضابا، ثم قال فأعتبوا، أي أزيل غضبهم. والغضب في معنى العتب. ~~والمعنى لا يقال لهم أرضوا ربكم بتوبة وطاعة، ومثله قوله تعالى # لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون # الجاثية 35. فإن قلت كيف جعلوا غير مستعتبين في بعض الآيات، وغير معتبين ~~في بعضها، وهو قوله # وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين # فصلت 24؟ قلت أما كونهم غير مستعتبين فهذا معناه. وأما كونهم غير ~~معتبين، فمعناه أنهم غير راضين بما هم فيه، فشبهت حالهم بحال قوم جنى ~~عليهم، فهم عاتبون على الجاني غير راضين عنه، فإن يستعتبوا الله أي ~~يسألوه إزالة ما هم فيه، فما هم من المجابين إلى إزالته. ### || [30.58-60] # { ولقد } وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها، وقصصنا عليهم كل ~~قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وقصتهم، وما يقولون وما ~~يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم، ولكنهم - ~~لقسوة قلوبهم ومج أسماعهم حديث الآخرة - إذا جئتهم بآية من آيات القرآن، ~~قالوا جئتنا بزور وباطل، ثم قال مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب ~~الجهلة. ومعنى طبع الله منع الألطاف التي ينشرح لها الصدور حتى تقبل ~~الحق، وإنما يمنعها من علم أنها لا تجدي عليه ولا تغني عنه، كما يمنع ~~الواعظ الموعظة من يتبين له أن الموعظة تلغو ولا تنجع فيه، فوقع ذلك ~~كناية عن قسوة قلوبهم وركوب الصدأ والرين إياها، فكأنه قال كذلك تقسو ~~وتصدأ قلوب الجهلة، حتى يسموا المحقين مبطلين، وهم أعرق خلق الله في تلك ~~الصفة { فاصبر } على عداوتهم { إن وعد الله } بنصرتك وإظهار ~~دينك على الدين كله { حق } لا بد من إنجازه والوفاء به، ولا يحملنك ~~على الخفة والقلق جزعا مما يقولون ويفعلون فإنهم قوم شاكون ضالون لا ~~يستبدع منهم ذلك وقرىء بتخفيف النون وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب «ولا ~~يستحقنك»، أي ms1546 لا يفتننك فيملكوك ويكونوا أحق بك من المؤمنين. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 850 # " من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ~~ملك سبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما ضيع في يومه ~~وليلته " ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # { الكتب الحكيم } ذي الحكمة. أو وصف بصفة الله تعالى على ~~الإسناد المجازي. ويجوز أن يكون الأصل الحكيم قائله، فحذف المضاف وأقيم ~~المضاف إليه مقامه، فبانقلابه مرفوعا بعد الجر استكن في الصفة المشبهة { ~~هدى ورحمة } بالنصب على الحال عن الآيات، والعامل فيها ما في تلك ~~من معنى الإشارة. وبالرفع على أنه خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف { ~~للمحسنين } للذين يعملون الحسنات وهي التي ذكرها من إقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة ونظيره قول أوس # الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى ~~وقد سمعا # حكى عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد. أو للذين يعملون ~~جميع ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاث بفضل الاعتداد ~~بها. ### || [31.6-7] # اللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني و { لهو الحديث } نحو ~~السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرفات والمضاحيك ~~وفضول الكلام، وما لا ينبغي من كان وكان، ونحو الغناء وتعلم الموسيقار، ~~وما أشبه ذلك. وقيل نزلت في النضر بن الحرث، وكان يتجر إلى فارس، فيشتري ~~كتب الأعاجم فيحدث بها قريشا ويقول إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود ~~فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة، فيستملحون ~~حديثه ويتركون استماع القرآن. وقيل كان يشتري المغنيات، فلا يظفر بأحد ~~يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول أطعميه واسقيه وغنيه، ويقول ~~هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وفي ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم 851 # " لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن ولا أثمانهن ~~" # وعنه صلى الله عليه وسلم 852 # " ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين ~~أحدهما على ms1547 هذا المنكب والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه ~~بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت " # ، وقيل الغناء منفدة للمال، مسخطة للرب، مفسدة للقلب. فإن قلت ما معنى ~~إضافة اللهو إلى الحديث؟ قلت معناها التبيين، وهي الإضافة بمعنى من، وأن ~~يضاف الشيء إلى ما هو منه، كقولك صفة خز وباب ساج. والمعنى من يشتري ~~اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره، فبين بالحديث. ~~والمراد بالحديث. الحديث المنكر، كما جاء في الحديث 853 # " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " # ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى «من» التبعيضية، كأنه قيل ومن الناس من ~~يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. وقوله { يشترى } إما من الشراء، ~~على ما روى عن النضر من شراء كتب الأعاجم أو من شراء القيان. وإما من ~~قوله # اشتروا الكفر بالإيمن # آل عمران 177 أي استبدلوه منه واختاروه عليه. وعن قتادة اشتراؤه ~~استحبابه، يختار حديث الباطل على حديث الحق. وقرىء { ليضل } بضم ~~الياء وفتحها. و { سبيل الله } دين الإسلام أو القرآن. فإن قلت ~~القراءة بالضم بينة، لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو أن يصد الناس عن ~~الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه، فما معنى القراءة بالفتح؟ ~~قلت فيه معنيان، أحدهما ليثبت على ضلاله الذي كان عليه، ولا يصدف عنه، ~~ويزيد فيه ويمده، فإن المخذول كان شديد الشكيمة في عداوة الدين وصد ~~الناس عنه. والثاني أن يوضع ليضل موضع ليضل، من قبل أن من أضل كان ضالا ~~لا محالة، فدل بالرديف على المردوف. فإن قلت ما معنى قوله { بغير ~~علم } قلت لما جعله مشتريا لهو الحديث بالقرآن قال يشتري بغير علم ~~بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق. # ونحوه قوله تعالى # فما ربحت تجرتهم وما كانوا مهتدين # البقرة 16 أي وما كانوا مهتدين للتجارة بصراء بها وقرىء { ~~ويتخذها } بالنصب والرفع عطفا على يشتري. أو ليضل، والضمير ~~للسبيل لأنها مؤنثة، كقوله تعالى # وتصدون عن سبيل الله من ءامن به وتبغونها ~~عوجا # الأعراف 86. { ولى ms1548 مستكبرا } زاما لا يعبأ بها ولا يرفع بها ~~رأسا تشبه حاله في ذلك حال من لم يسمعها وهو سامع { كأن فى ~~أذنيه وقرا } أي ثقلا ولا وقر فيهما، وقرىء بسكون الذال. فإن ~~قلت ما محل الجملتين المصدرتين بكأن؟ قلت الأولى حال من مستكبرا ~~والثانية من لم يسمعها ويجوز أن تكونا استئنافين، والأصل في كأن المخففة ~~كأنه، والضمير ضمير الشأن. ### || [31.8-11] # { وعد الله حقا } مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه والثاني ~~مؤكد لغيره لأن قوله { لهم جنت النعيم } في معنى وعدهم الله ~~جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد. وأما { حقا } فدال على معنى ~~الثبات أكد به معنى الوعد، ومؤكدهما جميعا قوله { لهم جنت ~~النعيم } { وهو العزيز } الذي لا يغلبه شيء ولا يعجزه، يقدر ~~على الشيء وضده، فيعطى النعيم من شاء والبؤس من شاء، وهو { الحكيم } ~~لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة والعدل { ترونها } الضمير فيه ~~للسموات، وهو استشهاد برؤيتهم لها، غير معمودة على قوله { بغير ~~عمد } كما تقول لصاحبك أنا بلا سيف ولا رمح تراني فإن قلت ما محلها من ~~الإعراب؟ قلت لا محل لها لأنها مستأنفة. أو هي في محل الجر صفة للعمد أي ~~بغير عمد مرئية، يعني أنه عمدها بعمد لا ترى، وهي إمساكها بقدرته { ~~هذا } إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته. والخلق بمعنى المخلوق. و { ~~الذين من دونه } آلهتهم، بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه ~~الله وأنشأه. فأروني ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة، ثم ~~أضرب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال. ### || [31.12] # هو لقمان بن باعورا ابن أخت أيوب أو ابن خالته. وقيل كان من أولاد آزر، ~~وعاش ألف سنة، وأدرك داود عليه السلام وأخذ منه العلم، وكان يفتي قبل ~~مبعث داود عليه السلام، فلما بعث قطع الفتوى، فقيل له؟ فقال ألا أكتفي ~~إذا كفيت؟ وقيل كان قاضيا في بني إسرائيل، وأكثر الأقاويل أنه كان ~~حكيما ولم يكن نبيا، وعن ابن عباس رضي الله عنهما لقمان لم يكن نبيا ~~ولا ملكا، ms1549 ولكن كان راعيا أسود، فرزقه الله العتق، ورضي قوله ووصيته، ~~فقص أمره في القرآن لتمسكوا بوصيته. وقال عكرمة والشعبي كان نبيا. وقيل ~~خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة. وعن ابن المسيب كان أسود من ~~سودان مصر خياطا، وعن مجاهد كان عبدا أسود غليظ الشفتين متشقق القدمين. ~~وقيل كان نجارا. وقيل كان راعيا وقيل كان يحتطب لمولاه كل يوم حزمة. ~~وعنه أنه قال لرجل ينظر إليه إن كنت تراني غليظ الشفتين فإنه يخرج من ~~بينهما كلام رقيق، وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض. وروي أن رجلا وقف ~~عليه في مجلسه فقال ألست الذي ترعى معي في مكان كذا؟ قال بلى. قال ما بلغ ~~بك ما أرى؟ قال صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. وروي أنه دخل على داود ~~عليه السلام وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن ~~يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال نعم لبوس الحرب أنت. ~~فقال الصمت حكمة وقليل فاعله، فقال له داود بحق ما سميت حكيما. وروي أن ~~مولاه أمره بذبح شاة وبأن يخرج منها أطيب مضغتين، فأخرج اللسان والقلب، ~~ثم أمره بمثل ذلك بعد أيام وأن يخرج أخبث مضغتين فأخرج اللسان والقلب، ~~فسأله عن ذلك؟ فقال هما أطيب ما فيها إذا طابا، وأخبث ما فيها إذا خبثا. ~~وعن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود لا تحزن، فإنه كان من خير الناس ثلاثة ~~من السودان بلال ومهجع مولى عمر، ولقمان. { أن } هي المفسرة، لأن إيتاء ~~الحكمة في معنى القول، وقد نبه الله سبحانه على أن الحكمة الأصلية ~~والعلم الحقيقي هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له، حيث فسر إيتاء ~~الحكمة بالبعث على الشكر { غنى } غير محتاج إلى الشكر { حميد } ~~حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد. ### || [31.13] # قيل كان اسم ابنه «أنعم» وقال الكلبي «أشكم» وقيل كان ابنه وامرأته ~~كافرين، فما زال بهما حتى أسلما { لظلم عظيم } لأن التسوية بين ~~من لا نعمة إلا هي منه، ومن لا نعمة منه البتة ولا ms1550 يتصور أن تكون منه - ~~ظلم لا يكتنه عظمه. ### || [31.14-15] # أي { حملته } تهن { وهنا على وهن } كقولك رجع عودا على ~~بدء، بمعنى يعود عودا على بدء، وهو في موضع الحال. والمعنى أنها تضعف ~~ضعفا فوق ضعف، أي يتزايد ضعفها ويتضاعف لأن الحمل كلما ازداد وعظم، ~~ازدادت ثقلا وضعفا. وقرىء «وهنا على وهن». بالتحريك عن أبي عمرو. يقال ~~وهن يوهن. ووهن يهن وقرىء «وفصله» { أن اشكر } تفسير لوصينا { ما ~~ليس لك به علم } أراد بنفي العمل به نفيه، أي لا تشرك بي ما ~~ليس بشيء، يريد الأصنام، كقوله تعالى # ما يدعون من دونه من شىء # العنكبوت 42. { معروفا } صحابا، أو مصاحبا معروفا حسنا بخلق ~~جميل وحلم واحتمال وبر وصلة، وما يقتضيه الكرم والمروءة { واتبع ~~سبيل من أناب إلى } يريد واتبع سبيل المؤمنين في دينك ولا ~~تتبع سبيلهما فيه - وإن كنت مأمورا بحسن مصاحبتهما في الدنيا - ثم إلي ~~مرجعك ومرجعهما، فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، علم بذلك حكم ~~الدنيا وما يجب على الإنسان في صحبتهما ومعاشرتهما من مراعاة حق الأبوة ~~وتعظيمه، وما لهما من المواجب التي لا يسوغ الاخلال بها، ثم بين حكمهما ~~وحالهما في الآخرة. وروي أنها نزلت في سعد ابن أبي وقاص وأمه. وفي القصة ~~أنها مكثت ثلاثا لا تطعم ولا تشرب حتى شجروا فاها بعود. وروي أنه قال ~~لو كانت لها سبعون نفسا فخرجت، لما ارتددت إلى الكفر. فإن قلت هذا ~~الكلام كيف وقع في أثناء وصية لقمان؟ قلت هو كلام اعترض به على سبيل ~~الاستطراد، تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك. فإن قلت فقوله ~~{ حملته أمه وهنا على وهن وفصله فى عامين } ~~كيف اعترض به بين المفسر والمفسر؟ قلت لما وصى بالوالدين ذكر ما تكابده ~~الأم وتعانيه من المشاق والمتاعب في حمله وفصاله هذه المدة المتطاولة، ~~إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا. وتذكيرا بحقها العظيم مفردا، ومن ثم ~~854 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال له من أبر؟ # " أمك ثم أمك ثم أمك " # ثم قال ms1551 بعد ذلك # " ثم أباك " # وعن بعض العرب أنه حمل أمه إلى الحج على ظهره وهو يقول في حدائه بنفسه # أحمل أمي وهي الحماله ترضعني الدرة ~~والعلاله ولا يجازى والد فعاله # فإن قلت ما معنى توقيت الفصال بالعامين؟ قلت المعنى في توقيته بهذه ~~المدة أنها الغاية التي لا تتجاوز، والأمر فيما دون العامين موكول إلى ~~اجتهاد الأم إن علمت أنه يقوى على الفطام فلها أن تفطمه، ويدل عليه قوله ~~تعالى # والولدت يرضعن أولدهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # البقرة 233 وبه استشهد الشافعي رضي الله عنه على أن مدة الرضاع سنتان، ~~لا تثبت حرمة الرضاع بعد انقضائهما، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد. وأما عند ~~أبي حنيفة رضي الله عنه. فمدة الرضاع ثلاثون شهرا. وعن أبي حنيفة إن ~~فطمته قبل العامين فاستغنى بالطعام ثم أرضعته، لم يكن رضاعا. وإن أكل ~~أكلا ضعيفا لم يستغن به عن الرضاع ثم أرضعته، فهو رضاع محرم. ### || [31.16] # قرىء { مثقال حبة } بالنصب والرفع، فمن نصب كان الضمير للهنة من ~~الإساءة أو الإحسان، أي إن كانت مثلا في الصغر والقماءة كحبة الخردل، ~~فكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة أو حيث كانت في العالم ~~العلوي أو السفلي { يأت بها الله } يوم القيامة فيحاسب بها ~~عاملها { إن الله لطيف } يتوصل علمه إلى كل خفي { خبير } ~~عالم بكنهه. وعن قتادة لطيف باستخراجها، خبير بمستقرها. ومن قرأ بالرفع ~~كان ضمير القصة، وإنما أنث المثقال لإضافته إلى الحبة، كما قال # كما شرقت صدر القناة من الدم # وروي أن ابن لقمان قال له أرأيت الحبة تكون في مقل البحر - أي في مغاصه ~~- يعلمها الله؟ فقال إن الله يعلم أصغر الأشياء في أخفى الأمكنة لأن ~~الحبة في الصخرة أخفى منها في الماء. وقيل الصخرة هي التي تحت الأرض، وهي ~~السجين يكتب فيها أعمال الكفار. وقرىء «فتكن» بكسر الكاف. من وكن الطائر ~~يكن إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلا. ### || [31.17] # { واصبر على ما أصابك } يجوز أن يكون عاما في كل ms1552 ما يصيبه ~~من المحن، وأن يكون خاصا بما يصيبه فيما أمر به من الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر من أذى من يبعثهم على الخير وينكر عليهم الشر { إن ~~ذلك } مما عزمه الله من الأمور، أي قطعه قطع إيجاب والزام. ومنه ~~الحديث 855 # " لاصيام لمن لم يعزم الصيام من الليل " # أي لم يقطعه بالنية ألا ترى إلى قوله عليه السلام 856 # " لمن لم يبيت الصيام " # ومنه 857 # " إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ~~" # ، وقولهم عزمة من عزمات ربنا. ومنه عزمات الملوك. وذلك أن يقول الملك ~~لبعض من تحت يده عزمت عليك إلا فعلت كذا، إذا قال ذلك لم يكن للمعزوم ~~عليه بد من فعله ولا مندوحة في تركه. وحقيقته أنه من تسمية المفعول ~~بالمصدر، وأصله من معزومات الأمور، أي مقطوعاتها ومفروضاتها. ويجوز أن ~~يكون مصدرا في معنى الفاعل، أصله من عازمات الأمور، من قوله تعالى # فإذا عزم الأمر # محمد 21 كقولك جد الأمر، وصدق القتال. وناهيك بهذه الآية مؤذنة بقدم هذه ~~الطاعات، وأنها كانت مأمورا بها في سائر الأمم، وأن الصلاة لم تزل ~~عظيمة الشأن، سابقة القدم على ما سواها، موصى بها في الأديان كلها. ### || [31.18-19] # تصاعر، وتصعر بالتشديد والتخفيف. يقال أصعر خده، وصعره، وصاعره كقولك ~~أعلاه وعلاه وعالاه بمعنى. والصعر والصيد داء يصيب البعير يلوي منه عنقه. ~~والمعنى أقبل على الناس بوجهك تواضعا، ولا تولهم شق وجهك وصفحته، كما ~~يفعل المتكبرون. أراد { ولا تمش } تمرح { مرحا } أو أوقع المصدر ~~موقع الحال بمعنى مرحا. ويجوز أن يريد ولا تمش لأجل المرح والأشر، أي لا ~~يكن غرضك في المشي البطالة والأشر كما يمشي كثير من الناس لذلك، لا ~~لكفاية مهم ديني أو دنيوي. ونحوه قوله تعالى # ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم بطرا ~~ورئاء الناس # الأنفال 47. والمختال مقابل للماشي مرحا. وكذلك الفخور للمصعر خده ~~كبرا { واقصد فى مشيك } واعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين لا ~~تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثيب الشطار. قال رسول الله صلى ms1553 الله عليه ~~وسلم 858 # " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " # وأما قول عائشة في عمر رضي الله عنهما «كان إذا مشى أسرع» فإنما أرادت ~~السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت. وقرىء «وأقصد» بقطع الهمزة، أي سدد ~~في مشيك من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية { واغضض من ~~صوتك } وانقص منه واقصر من قولك فلان يغض من فلان إذا قصر به ووضع ~~منه { أنكر الأصوت } أوحشها، من قولك شيء نكر، إذا أنكرته النفوس ~~واستوحشت منه ونفرت. والحمار مثل في الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه. ~~ومن استفحاشهم لذكره مجردا وتفاديهم من اسمه أنهم يكنون عنه ويرغبون عن ~~التصريح به، فيقولون الطويل الأذنين، كما يكنى عن الأشياء المستقذرة وقد ~~عد في مساوىء الآداب أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم من أولى المروءة. ~~ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا وإن بلغت منه الرجلة، فتشبيه ~~الرافعين أصواتهم بالحمير، وتمثيل أصواتهم بالنهاق، ثم إخلاء الكلام من ~~لفظ التشبيه وإخراجه مخرج الاستعار - وإن جعلوا حميرا وصوتهم نهاقا - ~~مبالغة شديدة في الذم والتهجين وإفراط في التثبيط عن رفع الصوت والترغيب ~~عنه. وتنبيه على أنه من كراهة الله بمكان. فإن قلت لم وحد صوت الحمير ولم ~~يجمع؟ قلت ليس المراد أن يذكر صوت كل واحد من آحاد هذا الجنس حتى يجمع، ~~وإنما المراد أن كل جنس من الحيوان الناطق له صوت، وأنكر أصوات هذه ~~الأجناس صوت هذا الجنس، فوجب توحيده. ### || [31.20] # { ما فى السموت } الشمس والقمر والنجوم والسحاب وغير ذلك { ~~وما فى الأرض } البحار والأنهار والمعادن والدواب وما لا يحصى { ~~وأسبغ } وقرىء بالسين والصاد، وهكذا كل سين اجتمع معه الغين والخاء ~~والقاف، تقول في سلخ، صلخ، وفي سقر صقر، وفي سالغ صالغ وقرىء «نعمه». ~~«ونعمة»، «ونعمته». فإن قلت ما النعمة؟ قلت كل نفع قصد به الإحسان، والله ~~تعالى خلق العالم كله نعمة لأنه إما حيوان، وإما غير حيوان. فما ليس ~~بحيوان نعمة على الحيوان، والحيوان نعمة من حيث أن إيجاده حيا نعمة ~~عليه. لأنه لولا إيجاده حيا لما ms1554 صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى ~~الانتفاع وصححه فهو نعمة. فإن قلت لم كان خلق العالم مقصودا به الإحسان؟ ~~قلت لأنه لا يخلقه إلا لغرض، وإلا كان عبثا، والعبث لا يجوز عليه ولا ~~يجوز أن يكون لغرض راجع إليه من نفع لأنه غني غير محتاج إلى المنافع، فلم ~~يبق إلا أن يكون لغرض يرجع إلى الحيوان وهو نفعه. فإن قلت فما معنى ~~الظاهرة والباطنة؟ قلت الظاهرة كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة ما لا ~~يعلم إلا بدليل، أو لا يعلم أصلا، فكم في بدن الإنسان من نعمة لا يعلمها ~~ولا يهتدي إلى العلم بها، وقد أكثروا في ذلك فعن مجاهد الظاهرة ظهور ~~الإسلام والنصرة على الأعداء، والباطنة الأمداد من الملائكة. وعن الحسن ~~رضي الله عنه الظاهرة الإسلام. والباطنة الستر. وعن الضحاك الظاهرة حسن ~~الصورة، وامتداد القامة. وتسوية الأعضاء. والباطنة المعرفة. وقيل الظاهرة ~~البصر، والسمع، واللسان، وسائر الجوارح الظاهرة. والباطنة القلب، والعقل، ~~والفهم، وما أشبه ذلك. ويروى في دعاء موسى عليه السلام إلهي، دلني على ~~أخفى نعمتك على عبادك فقال أخفى نعمتي عليهم النفس. ويروى أن أيسر ما ~~يعذب به أهل النار الأخذ بالأنفاس. ### || [31.21] # معناه { أ } يتبعونهم { ولو كان الشيطن يدعوهم } أي في ~~حال دعاء الشيطان إياهم إلى العذاب. ### || [31.22] # قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه «ومن يسلم» بالتشديد، يقال أسلم أمرك ~~وسلم أمرك إلى الله. فإن قلت ماله عدي بإلى، وقد عدي باللام في قوله # بلى من أسلم وجهه لله # البقرة 112؟ قلت معناه مع اللام أنه جعل وجهه وهو ذاته ونفسه سالما ~~لله، أي خالصا له. ومعناه - مع إلى - أنه سلم إليه نفسه كما يسلم المتاع ~~إلى الرجل إذا دفع إليه. والمراد التوكل عليه والتفويض إليه { فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } من باب التمثيل مثلت حال ~~المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق، فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق ~~عروة من حبل متين مأمون انقطاعه { وإلى الله عقبة الأمور ~~} أي هي صائرة إليه. ### || [31.23-24] # قرىء «يحزنك»، و«يحزنك» من ms1555 حزن، وأحزن. والذي عليه الاستعمال المستفيض ~~أحزنه ويحزنه. والمعنى لا يهمنك كفر من كفر وكيده للإسلام، فإن الله عز ~~وجل دافع كيده في نحره، ومنتقم منه، ومعاقبه على عمله { إن الله } ~~يعلم ما في صدور عباده، فيفعل بهم على حسبه { نمتعهم } زمانا { ~~قليلا } بدنياهم { ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ } شبه ~~إلزامهم التعذيب وإرهاقهم إياه باضطرار المضطر إلى الشيء الذي لا يقدر ~~على الانفكاك منه. والغلظ مستعار من الأجرام الغليظة. والمراد. الشدة ~~والثقل على المعذب. ### || [31.25-27] # { قل الحمد لله } إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق ~~السموات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر. وأن لا ~~يعبد معه غيره، ثم قال { بل أكثرهم لا يعلمون } أن ذلك ~~يلزمهم، وإذا نبهوا عليه لم ينتبهوا { إن الله هو الغنى } ~~عن حمد الحامدين المستحق للحمد، وإن لم يحمدوه. قرىء «والبحر» بالنصب ~~عطفا على اسم إن، وبالرفع عطفا على محل إن ومعمولها على معنى ولو ثبت ~~كون الأشجار أقلاما، وثبت كون البحر ممدودا بسبعة أبحر. أو على ~~الابتداء والواو للحال، على معنى. ولو أن الأشجار أقلام في حال كون ~~البحر ممدودا، وفي قراءة ابن مسعود و«بحر يمده» على التنكير، ويجب أن ~~يحمل هذا على الوجه الأول. وقرىء «تمده» و«يمده» بالتاء والياء. فإن ~~قلت كان مقتضى الكلام أن يقال ولو أن الشجر أقلام، والبحر مداد. قلت ~~أغنى عن ذكر المداد قوله يمده، لأنه من قولك مد الدواة وأمدها، جعل ~~البحر الأعظم بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهي تصب ~~فيه مدادا أبدا صبا لا ينقطع. والمعنى ولو أن أشجار الأرض أقلام، ~~والبحر ممدود بسبعة أبحر. وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، ~~لما نفدت كلماته ونفدت الأقلام والمداد، كقوله تعالى # قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمت ربى # الكهف 109. فإن قلت زعمت أن قوله { والبحر يمده } حال في أحد ~~وجهي الرفع، وليس فيه ضمير راجع إلى ذي الحال. قلت هو كقوله # وقد اغتدى والطير في ms1556 وكناتها # و جئت والجيش مصطف. وما أشبه ذلك من الأحوال التي حكمها حكم الظروف. ~~ويجوز أن يكون المعنى وبحرها، والضمير للأرض. فإن قلت لم قيل { من ~~شجرة } على التوحيد دون اسم الجنس الذي هو شجر؟ قلت أريد تفصيل الشجر ~~وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت ~~أقلاما. فإن قلت الكلمات جمع قلة، والموضع موضع التكثير لا التقليل. ~~فهلا قيل كلم الله؟ قلت معناه أن كلماته لا تفي بكتبتها البحار، فكيف ~~بكلمه؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت جوابا لليهود لما قالوا ~~«قد أوتينا التوراة وفيها كل الحكمة» وقيل إن المشركين قالوا إن هذا - ~~يعنون الوحي - كلام سينفد، فأعلم الله أن كلامه لا ينفد. وهذه الآية عند ~~بعضهم مدنية، وأنها نزلت بعد الهجرة، وقيل هي مكية، وإنما أمر اليهود وفد ~~قريش أن يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ألست تتلو فيما أنزل عليك ~~أنا قد أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء { أن الله عزيز } لا ~~يعجزه شيء { حكيم } لا يخرج من علمه وحكمته شيء، ومثله لا تنفد كلماته ~~وحكمه. ### || [31.28] # { إلا كنفس وحدة } إلا كخلقها وبعثها، أي سواء في قدرته ~~القليل والكثير، والواحد والجمع، لا يتفاوت، وذلك أنه إنما كانت تتفاوت ~~النفس الواحدة والنفوس الكثيرة العدد أن لو شغله شأن عن شأن وفعل عن فعل، ~~وقد تعالى عن ذلك { إن الله سميع بصير } يسمع كل صوت ويبصر ~~كل مبصر في حالة واحدة، لا يشغله إدراك بعضها عن إدراك بعض، فكذلك الخلق ~~والبعث. ### || [31.29-30] # كل واحد من الشمس والقمر يجري في فلكه، ويقطعه إلى وقت معلوم الشمس إلى ~~آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر. وعن الحسن الأجل المسمى يوم القيامة. ~~لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذ. دل أيضا بالليل والنهار وتعاقبهما ~~وزيادتهما ونقصانهما وجرى النيرين في فلكيهما كل ذلك على تقدير وحساب. ~~وبإحاطته بجميع أعمال الخلق على عظم قدرته وحكمته. فإن قلت يجري لأجل ~~مسمى، ويجري إلى أجل مسمى أهو من تعاقب ms1557 الحرفين؟ قلت كلا، ولا يسلك هذه ~~الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن. ولكن المعنيين أعني الانتهاء ~~والاختصاص كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض لأن قولك يجري إلى أجل مسمى ~~معناه يبلغه وينتهي إليه. وقولك يجري لأجل مسمى تريد يجري لإدراك أجل ~~مسمى، تجعل الجري مختصا بإدراك أجل مسمى. ألا ترى أن جري الشمس مختص ~~بآخر السنة. وجري القمر مختص بآخر الشهر. فكلا المعنيين غير ناب به موضعه ~~{ ذلك } الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته التي يعجز عنها الأحياء ~~القادرون العالمون. فكيف بالجماد الذي تدعونه من دون الله، إنما هو بسبب ~~أنه هو الحق الثابت إلهيته. وأن من دونه باطل الإلهية { وأن ~~الله هو العلى } الشأن { الكبير } السلطان. أو ذلك الذي ~~أوحى إليك من هذه الآيات بسبب بيان أن الله هو الحق، وأن إلها غيره ~~باطل، وأن الله هو العلي الكبير عن أن يشرك به. ### || [31.31] # قرىء «الفلك» بضم اللام. وكل فعل يجوز فيه فعل، كما يجوز في كل فعل فعل، ~~على مذهب التعويض. وبنعمات الله بسكون العين. وعين فعلات يجوز فيها الفتح ~~والكسر والسكون { بنعمت الله } بإحسانه ورحمته { صبار } على ~~بلائه { شكور } لنعمائه، وهما صفتا المؤمن، فكأنه قال إن في ذلك ~~لآيات لكل مؤمن. ### || [31.32] # يرتفع الموج ويتراكب، فيعود مثل الظلل، والظلة كل ما أظلك من جبل أو ~~سحاب أو غيرهما وقريء كالظلال، جمع ظلة. كقلة وقلال { فمنهم ~~مقتصد } متوسط في الكفر والظلم، خفض من غلوائه، وانزجر بعض ~~الانزجار. أو مقتصد في الإخلاص الذي كان عليه في البحر، يعني أن ذلك ~~الإخلاص الحادث عن الخوف، لا يبقى لأحد قط، والمقتصد قليل نادر. وقيل ~~مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر. والخثر أشد الغدر. ومنه ~~قولهم إنك لا تمد لنا شبرا من غدر إلا مددنا لك باعا من ختر، قال # وإنك لو رأيت أبا عمير ملأت يديك من غدر ~~وختر ### || [31.33] # { لا يجزى } لا يقضي عنه شيئا. ومنه قيل للمتقاضي المتجازي. وفي ~~الحديث في جذعة بن نيار 859 ms1558 # " تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك " # وقرىء «لا يجزىء» لا يغني. يقال أجزأت عنك مجزأ فلان. والمعنى لا يجزى ~~فيه، فحذف. { الغرور } الشيطان. وقيل الدنيا وقيل تمنيكم في المعصية ~~المغفرة. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه الغرة بالله أن يتمادى الرجل في ~~المعصية ويتمنى على الله المغفرة. وقيل ذكرك لحسناتك ونسيانك لسيئاتك ~~غرة. وقرىء بضم الغين وهو مصدر غره غرورا، وجعل الغرور غارا، كما قيل ~~جد جده. أو أريد زينة الدنيا لأنها غرور. فإن قلت قوله { ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا } وارد على طريق من التوكيد ~~لم يرد عليه ما هو معطوف عليه. قلت الأمر كذلك لأن الجملة الإسمية أكد ~~من الفعلية، وقد انضم إلى ذلك قوله { هو } وقوله { مولود } والسبب ~~في مجيئه على هذا السنن أن الخطاب للمؤمنين وعليتهم قبض آباؤهم على ~~الكفر وعلى الدين الجاهلي، فأريد حسم أطماعهم وأطماع الناس فيهم أن ~~ينفعوا آباءهم في الآخرة، وأن يشفعوا لهم، وأن يغنوا عنهم من الله شيئا ~~فلذلك جيء به على الطريق الآكد. ومعنى التوكيد في لفظ المولود أن الواحد ~~منهم لو شفع للأب الأدنى الذي ولد منه، لم تقبل شفاعته، فضلا أن يشفع ~~لمن فوقه من أجداده لأن الولد يقع على الولد وولد الولد بخلاف المولود ~~فإنه لمن ولد منك. ### || [31.34] # روي 860 أن رجلا من محارب وهو الحارث بن عمرو بن حارثة أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، أخبرني عن الساعة متى قيامها، ~~وإني قد ألقيت حباتي في الأرض وقد أبطأت عنا السماء، فمتى ~~تمطر؟ وأخبرني عن امرأتي فقد اشتملت ما في بطنها، أذكر أم ~~أنثى؟ وإني علمت ما علمت أمس، فما أعمل غدا؟ وهذا مولدي قد ~~عرفته، فأين أموت؟ فنزلت وعن النبي صلى الله عليه وسلم 861 # " مفاتح الغيب خمس " # وتلا هذه الآية. وعن ابن عباس رضي الله عنهما من ادعى علم هذه الخمسة ~~فقد كذب، إياكم والكهانة فإن الكهانة تدعو إلى الشرك والشرك وأهله في ~~النار. وعن المنصور ms1559 أنه أهمه معرفة مدة عمره، فرأى في منامه كأن خيالا ~~أخرج يده من البحر وأشار إليه بالأصابع الخمس، فاستفتى العلماء في ذلك، ~~فتأولوها بخمس سنين، وبخمسة أشهر، وبغير ذلك، حتى قال أبو حنيفة رحمه ~~الله تأويلها أن مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وأن ما طلبت ~~معرفته لا سبيل لك إليه { عنده علم الساعة } أيان مرساها { ~~وينزل الغيث } في إبانه من غير تقديم ولا تأخير، وفي بلد لا ~~يتجاوزه به { ويعلم ما فى الأرحام } أذكر أم أنثى، أتام أم ~~ناقص، وكذلك ما سوى ذلك من الأحوال { وما تدرى نفس } برة أو ~~فاجرة { ماذا تكسب غدا } من خير أو شر، وربما كانت عازمة على ~~خير فعملت شرا. وعازمة على شر فعملت خيرا { وما تدرى نفس } أين ~~تموت، وربما أقامت بأرض وضربت أوتادها وقالت لا أبرحها وأقبر فيها. فترمي ~~بها مرامي القدر حتى تموت في مكان لم يخطر ببالها، ولا حدثتها به ~~ظنونها. وروي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه ~~يديم النظر إليه، فقال الرجل من هذا؟ قال ملك الموت، فقال كأنه يريدني. ~~وسأل سليمان أن يحمله على الريح ويلقيه ببلاد الهند، ففعل. ثم قال ملك ~~الموت لسليمان كان دوام نظري إليه تعجبا منه، لأني أمرت أن أقبض روحه ~~بالهند وهو عندك. وجعل العلم لله والدراية للعبد. لما في الدراية من معنى ~~الختل والحيلة. والمعنى أنها لا تعرف - وإن أعملت حيلها - ما يلصق بها ~~ويختص ولا يتخطاها، ولا شيء أخص بالإنسان من كسبه وعاقبته، فإذا لم يكن ~~له طريق إلى معرفتهما، كان من معرفة ما عداهما أبعد. وقرىء «بأية أرض». ~~وشبه سيبويه تأنيث «أي» بتأنيث كل في قولهم كلتهن. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 862 # " من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقا يوم القيامة وأعطي من ~~الحسنات عشرا عشرا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر ". ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-3] # { الم } على أنها اسم السورة مبتدأ خبره { تنزيل الكتب } ~~وإن جعلتها تعديدا ms1560 للحروف ارتفع { تنزيل الكتب } بأنه خبر ~~مبتدأ محذوف أو هو مبتدأ خبره { لا ريب فيه } والوجه أن يرتفع ~~بالابتداء، وخبره { من رب العلمين } و { لا ريب فيه } ~~اعتراض لا محل له. والضمير في { فيه } راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل ~~لا ريب في ذلك، أي في كونه منزلا من رب العالمين ويشهد لوجاهته قوله { ~~أم يقولون افتراه } لأن قولهم هذا مفترى، إنكار لأن يكون من ~~رب العالمين، وكذلك قوله { بل هو الحق من ربك } وما فيه من ~~تقدير أنه من الله وهذا أسلوب صحيح محكم أثبت أولا أن تنزيله من رب ~~العالمين، وأن ذلك ما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله { أم ~~يقولون افتراه } لأن «أم» هي المنقطعة الكائنة بمعنى بل والهمزة، ~~إنكارا لقولهم وتعجيبا منه لظهور أمره في عجز بلغائهم عن مثل ثلاث آيات ~~منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك. ونظيره أن يعلل ~~العالم في المسألة بعلة صحيحة جامعة، قد احترز فيها أنواع الاحتراز. كقول ~~المتكلمين النظر أول الأفعال الواجبة على الإطلاق التي لا يعرى عن ~~وجوبها مكلف، ثم يعترض عليه فيها ببعض ما وقع احترازه منه، فيرده بتلخيص ~~أنه احترز من ذلك، ثم يعود إلى تقرير كلامه وتمشيته. فإن قلت كيف نفى أن ~~يرتاب في أنه من الله، وقد أثبت ما هو أطم من الريب، وهو قولهم { ~~افتراه }؟ قلت معنى { لا ريب فيه } أن لا مدخل للريب في أنه ~~تنزيل الله لأن نافي الريب ومميطه معه لا ينفك عنه وهو كونه معجزا ~~للبشر، ومثله أبعد شيء من الريب. وأما قولهم { افتراه } فإما قول ~~متعنت مع علمه أنه من الله لظهور الإعجاز له، أو جاهل يقوله قبل التأمل ~~والنظر لأنه سمع الناس يقولونه { ما أتهم من نذير من ~~قبلك } كقوله # ما أنذر ءاباؤهم # يس 6 وذلك أن أن قريشا لم يبعث الله إليهم رسولا قبل محمد صلى الله ~~عليه وسلم. فإن قلت فإذا لم يأتهم نذير لم تقم عليهم حجة. قلت ms1561 أما قيام ~~الحجة بالشرائع التي لا يدرك علمها إلا بالرسل فلا، وأما قيامها بمعرفة ~~الله وتوحيده وحكمته فنعم لأن أدلة العقل الموصلة إلى ذلك معهم في كل ~~زمان { لعلهم يهتدون } فيه وجهان أن يكون على الترجي من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما كان # لعله يتذكر # طه 44 على الترجي من موسى وهرون عليهما السلام، وأن يستعار لفظ الترجي ~~للإرادة. ### || [32.4] # فإن قلت ما معنى قوله { ما لكم من دونه من ولي ولا ~~شفيع } قلت هو على معنيين، أحدهما أنكم إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا ~~لأنفسكم وليا، أي ناصرا ينصركم ولا شفيعا يشفع لكم. والثاني أن الله ~~وليكم الذي يتولى مصالحكم، وشفيعكم أي ناصركم على سبيل المجاز، لأن ~~الشفيع ينصر المشفوع له. فهو كقوله تعالى # وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير # البقرة 107 فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي ولا نصير. ### || [32.5] # { الأمر } المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبرا { ~~من السماء إلى الأرض } ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور ~~به خالصا كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة عمال الله والخلص ~~من عباده وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص ودل ~~عليه قوله على أثره { قليلا ما تشكرون } أو يدبر أمر الدنيا ~~كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، كما قال # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # الحج 47، { ثم يعرج إليه } أي يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب ~~في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل ~~تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضا ليوم آخر، وهلم جرا ~~إلى أن تقوم الساعة. وقيل ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى ~~الأرض. ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو رده مع جبريل، وذلك في وقت ~~هو في الحقيقة ألف سنة لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود لأن ms1562 ~~ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل ~~لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل يدبر أمر الدنيا من السماء ~~إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله أي يصير إليه ~~ليحكم فيه { فى يوم كان مقداره ألف سنة } وهو يوم ~~القيامة. وقرأ ابن أبي عبلة «يعرج» على البناء للمفعول. وقرىء «يعدون» ~~بالتاء والياء. ### || [32.6-9] # { أحسن كل شىء } حسنه، لأنه ما من شيء خلقه إلا وهو مرتب على ~~ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة فجميع المخلوقات حسنة وإن تفاوتت من ~~حسن وأحسن، كما قال # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # التين 4 وقيل علم كيف يخلقه من قوله قيمة المرء ما يحسن. وحقيقته. يحسن ~~معرفته أي يعرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان. وقريء «خلقه» على البدل، أي ~~أحسن، فقد خلق كل شيء. وخلقه على الوصف، أي كل شيء خلقه فقد أحسنه. سميت ~~الذرية نسلا لأنها تنسل منه، أي تنفصل منه وتخرج من صلبه ونحوه قولهم ~~للولد سليل ونجل، و { سوه } قومه، كقوله تعالى # فى أحسن تقويم # التين 4 ودل بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا ~~هو، كقوله # ويسئلونك عن الروح..... # الآية الإسراء 85، كأنه قال ونفخ فيه من الشيء الذي اختص هو به ~~وبمعرفته. ### || [32.10-11] # { وقالوا } قيل القائل أبي بن خلف، ولرضاهم بقوله أسند إليهم ~~جميعا. وقرىء «ائنا»، و«أنا»، على الاستفهام وتركه { ضللنا } صرنا ~~ترابا، وذهبنا مختلطين بتراب الأرض، لا نتميز منه، كما يضل الماء في ~~اللبن أو غبنا { فى الأرض } بالدفن فيها. من قوله # وآب مضلوه بعين جلية # وقرأ علي وابن عباس رضي الله عنهما «ضللنا» بكسر اللام. يقال ضل يضل وضل ~~يضل. وقرأ الحسن رضي الله عنه صللنا، من صل اللحم وأصل إذا أنتن. وقيل ~~صرنا من جنس الصلة وهي الأرض. فإن قلت بم انتصب الظرف في { أءذا ~~ضللنا }؟ قلت بما يدل عليه لفى خلق جديد وهو نبعث. أو يجدد ~~خلقنا. لقاء ربهم هو ms1563 الوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت وما وراءه، ~~فلما ذكر كفرهم بالإنشاء. أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر، وهو أنهم ~~كافرون بجميع ما يكون في العاقبة، لا بالإنشاء وحده ألا ترى كيف خوطبوا ~~بتوفي ملك الموت وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك مبعوثين للحساب والجزاء، وهذا ~~معنى لقاء الله على ما ذكرنا والتوفي استيفاء النفس وهي الروح. قال الله ~~تعالى # الله يتوفى الأنفس # الزمر 42 وقال أخرجوا أنفسكم، وهو أن يقبض كلها لا يترك منها شيء. من ~~قولك توفيت حقي من فلان، واستوفيته إذا أخذته وافيا كاملا من غير ~~نقصان. والتفعل والاستفعال يلتقيان في مواضع منها تقصيته واستقصيته، ~~وتعجلته واستعجلته. وعن مجاهد رضي الله عنه حويت لملك الموت الأرض، وجعلت ~~له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. وعن قتادة يتوفاهم ومعه أعوان من ~~الملائكة. وقيل ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه بقبضها. ### || [32.12-14] # { ولو ترى } يجوز أن يكون خطابا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وفيه وجهان أن يراد به التمني، كأنه قال وليتك ترى، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم للمغيرة 863 # " لو نظرت إليها " # والتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان الترجي له في { ~~لعلهم يهتدون } لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، ~~فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي ~~والغم ليشمت بهم، وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها، وهو لرأيت أمرا ~~فظيعا. أو لرأيت أسوأ حال ترى. ويجوز أن يخاطب به كل أحد، كما تقول فلان ~~لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطبا ~~بعينه، فكأنك قلت إن أكرم وإن أحسن إليه، ولو وإذ كلاهما للمضي، وإنما ~~جاز ذلك لأن المترقب من الله بمنزلة الوجود المقطوع به في تحققه، ولا ~~يقدر لنرى ما يتناوله، كأنه قيل ولو تكون منكم الرؤية، وإذ ظرف له. ~~يستغيثون بقولهم { ربنا أبصرنا وسمعنا } فلا يغاثون، يعني ~~أبصرنا صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك. أو ms1564 كنا عميا وصما ~~فأبصرنا وسمعنا { فارجعنا } هي الرجعة إلى الدنيا { لأتينا كل ~~نفس هداها } على طريق الإلجاء والقسر، ولكننا بنينا الأمر على ~~الاختيار دون الاضطرار، فاستحبوا العمى على الهدى، فحقت كلمة العذاب على ~~أهل العمى دون البصراء ألا ترى إلى ما عقبه به من قوله { فذوقوا ~~بما نسيتم } فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان العاقبة، وقلة ~~الفكر فيها، وترك الاستعداد لها. والمراد بالنسيان خلاف التذكر، يعني أن ~~الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط عليكم نسيانها، ~~ثم قال { إنا نسينكم } على المقابلة، أي جازيناكم جزاء ~~نسيانكم. وقيل هو بمعنى الترك، أي تركتم الفكر في العاقبة، فتركناكم من ~~الرحمة، وفي استئناف قوله إنا نسيناكم وبناء الفعل على إن واسمها تشديد ~~في الانتقام منهم. والمعنى فذوقوا هذا أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس ~~والخزي والغم بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلد في جهنم بسبب ما ~~عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة. ### || [32.15-17] # { إذا ذكروا بها } أي وعظوا سجدوا تواضعا لله وخشوعا، وشكرا ~~على ما رزقهم من الإسلام { وسبحوا بحمد ربهم } ونزهوا الله ~~من نسبة القبائح إليه، وأثنوا عليه حامدين له { وهم لا ~~يستكبرون } كما يفعل من يصر مستكبرا كأن لم يسمعها، ومثله قوله ~~تعالى # إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ~~ربنا # الإسراء 107. { تتجافى } ترتفع وتتنحى { عن المضاجع } عن ~~الفرش ومواضع النوم، داعين ربهم عابدين له لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في ~~رحمته، وهم المتهجدون. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسيرها 864 # " قيام العبد من الليل " # وعن الحسن رضي الله عنه أنه التهجد. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~865 # " إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد ينادي بصوت يسمع ~~الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي ليقم ~~الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ~~ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء، فيقومون وهم قليل، ms1565 ~~فيسرحون جميعا إلى الجنة، ثم يحاسب سائر الناس " # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة. فنزلت فيهم. ~~وقيل هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها { مآ أخفى لهم } ~~على البناء للمفعول. ما أخفى لهم على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه، ~~وما أخفى لهم. وما نخفي لهم. وما أخفيت لهم الثلاثة للمتكلم، وهو الله ~~سبحانه. وما بمعنى الذي، أو بمعنى أي. وقرىء «من قرة أعين» «وقرات ~~أعين». والمعنى لا تعلم النفوس - كلهن ولا نفس واحدة منهن لا ملك مقرب ~~ولا نبي مرسل - أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك وأخفاه من جميع ~~خلائقه، لا يعلمه إلا هو مما تقربه عيونهم، ولا مزيد على هذه العدة ولا ~~مطمح وراءها، ثم قال { جزاء بما كانوا يعملون } فحسم أطماع ~~المتمنين، وعن النبي صلى الله عليه وسلم 866 # " يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا ~~أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه. اقرؤوا إن ~~شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين " # وعن الحسن رضي الله عنه أخفى القوم أعمالا في الدنيا، فأخفى الله لهم ~~ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ### || [32.18-21] # { كان مؤمنا } و { كان فاسقا } محمولان على لفظ من و { لا ~~يستوون } محمول على المعنى، بدليل قوله تعالى { أما الذين ~~ءامنوا } { وأما الذين فسقوا } ونحوه قوله تعالى # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك # محمد 16 و { جنت المأوى } نوع من الجنان قال الله تعالى # ولقد رءاه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ~~عندها جنة المأوى # النجم 15 سميت بذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه قال تأوي إليها ~~أرواح الشهداء. وقيل هي عن يمين العرش. وقرىء «جنة المأوى»، على التوحيد ~~{ نزلا } عطاء بأعمالهم. والنزل عطاء النازل، ثم صار عاما { ~~فمأواهم النار } أي ملجؤهم ومنزلهم. ويجوز أن يراد فجنة ms1566 مأواهم ~~النار، أي النار لهم، مكان جنة المأوى للمؤمنين كقوله # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21، التوبة 34، الإنشقاق 24، { العذاب الأدنى } عذاب ~~الدنيا من القتل والأسر، وما محنوا به من السنة سبع سنين. وعن مجاهد رضي ~~الله عنه، عذاب القبر. و { العذاب الأكبر } عذاب الآخرة، أي ~~نذيقهم عذاب الدنيا قبل أن يصلوا إلى الآخرة { لعلهم يرجعون } ~~أي يتوبون عن الكفر، أو لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه. كقوله تعالى # فارجعنا نعمل صلحا # السجدة 12 وسميت إرادة الرجوع رجوعا، كما سميت إرادة القيام قياما في ~~قوله تعالى # إذا قمتم إلى الصلاة # المائدة 6 ويدل عليه قراءة من قرأ «يرجعون» على البناء للمفعول. فإن قلت ~~من أين صح تفسير الرجوع بالتوبة؟ و«لعل» من الله إرادة، وإذا أراد الله ~~شيئا كان ولم يمتنع، وتوبتهم مما لا يكون، ألا ترى أنها لو كانت مما ~~يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟ قلت إرادة الله تتعلق بأفعاله ~~وأفعال عباده، فإذا أراد شيئا من أفعاله كان ولم يمتنع، للاقتدار وخلوص ~~الداعي. وأما أفعال عباده فإما أن يريدها وهم مختارون لها، أو مضطرون ~~إليها بقسره وإلجائه، فإن أرادها وقد قسرهم عليها فحكمها حكم أفعالها، ~~وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنهم لا يختارونها لم يقدح ذلك في ~~اقتداره، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا ~~يختارها، لأن اختياره لا يتعلق بقدرتك، وإذا لم يتعلق بقدرتك لم يكن ~~فقده دالا على عجزك. وروي في نزولها 867 «أنه شجر بين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد ~~اسكت فإنك صبي أنا أشب منك شبابا، وأجلد منك جلدا، وأذرب منك لسانا، ~~وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة. فقال ~~له علي رضي الله عنه اسكت، فإنك فاسق، فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين، ~~فتناولتهما وكل من كان في مثل حالهما. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~أنه قال للوليد كيف تشتم عليا وقد سماه ms1567 الله مؤمنا في عشر آيات؟ وسماك ~~فاسقا؟. ### || [32.22] # ثم في قوله { ثم أعرض عنها } للاستبعاد. والمعنى أن الإعراض ~~عن مثل آيات الله في وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز ~~بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل، كما تقول ~~لصاحبك وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها استبعادا لتركه الانتهاز. ~~ومنه ثم في بيت الحماسة # لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات ~~الموت ثم يزورها # استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها. ~~فإن قلت هلا قيل إنا منه منتقمون؟ قلت لما جعله أظلم كل ظالم ثم توعد ~~المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دل على إصابة الأظلم النصيب الأوفر ~~من الانتقام، ولو قاله بالضمير لم يفد هذه الفائدة. ### || [32.23-25] # { الكتب } للجنس والضمير في { لقائه } له. ومعناه إنا آتينا ~~موسى عليه السلام مثل ما آتيناك من الكتاب، ولقيناه مثل ما لقيناك من ~~الوحي، فلا تكن في شك من أنك لقيت مثله ولقيت نظيره كقوله تعالى # فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب من قبلك # يونس 94 ونحو قوله { من لقائه } وقوله # وإنك لتلقى القرءان من لدن حكيم عليم # النمل 6 وقوله # ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا # الإسراء 13. وجعلنا الكتاب المنزل على موسى عليه السلام { هدى } لقومه ~~{ وجعلنا منهم أئمة يهدون } الناس ويدعونهم إلى ما في ~~التوراة من دين الله وشرائعه، لصبرهم وإيقانهم بالآيات. وكذلك لنجعلن ~~الكتاب المنزل إليك هدى ونورا، ولنجعلن من أمتك أئمة يهدون مثل تلك ~~الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين. وقيل من ~~لقائك موسى عليه السلام ليلة الإسراء أو يوم القيامة وقيل من لقاء موسى ~~عليه السلام الكتاب، أي من تلقيه له بالرضا والقبول. وقرىء «لما صبروا» ~~«ولما صبروا» أي لصبرهم. وعن الحسن رضي الله عنه صبروا عن الدنيا. وقيل ~~إنما جعل الله التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة، ولم يتعبد بما فيها ولد ~~إسماعيل عليه السلام { يفصل بينهم } يقضي، فيميز ms1568 المحق في دينه ~~من المبطل. ### || [32.26] # الواو في { أو لم يهد } للعطف على معطوف عليه منوي من جنس ~~المعطوف، والضمير في { لهم } لأهل مكة. وقرىء بالنون والياء، والفاعل ~~ما دل عليه { كم أهلكنا } لأن كم لا تقع فاعلة، لا يقال جاءني ~~كم رجل، تقديره أو لم يهد لهم كثرة إهلاكنا القرون. أو هذا الكلام كما هو ~~بمضمونه ومعناه، كقولك يعصم لا إله إلا الله الدماء والأموال. ويجوز أن ~~يكون فيه ضمير الله بدلالة القراءة بالنون. و { القرون } عاد وثمود ~~وقوم لوط { يمشون فى مسكنهم } يعني أهل مكة، يمرون في ~~متاجرهم على ديارهم وبلادهم. وقرىء «يمشون» بالتشديد. ### || [32.27] # { الجرز } الأرض التي جرز نباتها أي قطع إما لعدم الماء، وإما ~~لأنه رعي وأزيل، ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز. ويدل عليه قوله { ~~فنخرج به زرعا } وعن ابن عباس رضي الله عنه إنها أرض اليمن. ~~وعن مجاهد رضي الله عنه هي أبين. { به } بالماء { تأكل } من الزرع ~~{ أنعمهم } من عصفه { وأنفسهم } من حبه. وقرىء «يأكل» ~~بالياء. ### || [32.28-30] # الفتح النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله # ربنا افتح بيننا # الأعراف 89 وكان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين. ~~ويفتح بيننا وبينهم، فإذا سمع المشركون قالوا { متى هذا الفتح ~~} أي في أي وقت يكون { إن كنتم صدقين } في أنه كائن. و { ~~يوم الفتح } يوم القيامة وهو يوم الفصل بين المؤمنين وأعدائهم، ~~ويوم نصرهم عليهم، وقيل هو يوم بدر. وعن مجاهد والحسن رضي الله عنهما يوم ~~فتح مكة. فإن قلت قد سألوا عن وقت الفتح، فكيف ينطبق هذا الكلام جوابا ~~على سؤالهم. قلت كان غرضهم في السؤال عن وقت الفتح، استعجالا منهم عن ~~وجه التكذيب والاستهزاء، فأجيبوا على حسب ما عرف من غرضهم في سؤالهم فقيل ~~لهم لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا، فكأني بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم، ~~وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان، واستنظرتم في إدراك العذاب فلم تنظروا. فإن ~~قلت فمن فسره بيوم الفتح أو يوم بدر كيف يستقيم على تفسيره أن لا ms1569 ينفعهم ~~الإيمان، وقد نفع الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر. قلت المراد أن ~~المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل، كما لم ينفع فرعون ~~إيمانه عند إدراك الغرق { وانتظر } النصرة عليهم وهلاكهم { إنهم ~~منتظرون } الغلبة عليكم وهلاككم، كقوله تعالى # فتربصوا إنا معكم متربصون # التوبة 52 وقرأ ابن السميفع رحمه الله منتظرون، بفتح الظاء. ومعناه ~~وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم، يعني أنهم هالكون لا محالة. ~~أو وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 868 # " من قرأ «آلم تنزيل» « وتبارك الذي بيده الملك»، أعطي من الأجر ~~كأنما أحيا ليلة القدر " # ، وقال 869 # " من قرأ آلم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام ". ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-3] # 870 عن زر قال قال لي أبي بن كعب رضي الله عنه كم تعدون سورة ~~الأحزاب؟ قلت ثلاثا وسبعين آية. قال فوالذي يحلف به أبي بن كعب، إن ~~كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول. ولقد قرأنا منها آية الرجم الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم، أراد ~~أبي رضي الله عنه أن ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأما ما يحكى أن ~~تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضي الله عنها فأكلتها الداجن ~~فمن تأليفات الملاحدة والروافض. جعل نداءه بالنبي والرسول في قوله { ~~يأيها النبى اتق الله } # يأيها النبى لم تحرم # التحريم 1، # يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك # المائدة 67 وترك نداءه باسمه كما قال يا آدم، يا موسى، يا عيسى، يا داود ~~كرامة له وتشريفا، وربئا بمحله وتنويها بفضله. فإن قلت إن لم يوقع ~~اسمه في النداء فقد أوقعه في الإخبار في قوله # محمد رسول الله # الفتح 29، # وما محمد إلا رسول # آل عمران 144. قلت ذاك لتعليم الناس بأنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه ~~بذلك ويدعوه به، فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد ~~به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ms1570 ذكره بنحو ما ذكره في النداء # لقد جاءكم رسول من أنفسكم # التوبة 128، و # وقال الرسول يرب # الفرقان 30، # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21، # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوب 62، # النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم # الأحزاب 6. # إن الله وملئكته يصلون على النبى # الأحزاب 56، # ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى # المائدة 81، اتق الله واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه، ~~وازدد منه، وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره { ولا تطع ~~الكفرين والمنفقين } لا تساعدهم على شيء ولا تقبل لهم ~~رأيا ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله وأعداء ~~المؤمنين، لا يريدون إلا المضارة والمضادة. وروي 871 أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود قريظة ~~والنضير وبني قينقاع وقد بايعه أناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ~~ويكرم صغيرهم وكبيرهم. وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه. وكان يسمع منهم ~~فنزلت. وروي 872 أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور ~~السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد ~~الله بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع وندعك وربك، فشق ذلك على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين وهموا بقتلهم، فنزلت أي اتق الله ~~في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من ~~أهل المدينة فيما طلبوا إليك. # وروي أن أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن ~~دينه ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوجه شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو ~~المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع. فنزلت { إن الله كان عليما ~~} بالصواب من الخطإ، والمصلحة من المفسدة { حكيما } لا يفعل شيئا ولا ~~يأمر به إلا بداعي الحكمة { واتبع ما يوحى إليك } في ترك ~~طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك { إن الله } الذي يوحي إليك ~~خبير { بما تعملون } فموح إليك ms1571 ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة بكم ~~إلى الاستماع من الكفرة. وقرىء «يعملون» بالياء، أي بما يعمل المنافقون ~~من كيدهم لكم ومكرهم بكم { وتوكل على الله } وأسند أمرك إليه ~~وكله إلى تدبيره { وكيلا } حافظا موكولا إليه كل أمر. ### || [33.4-5] # ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في أمرأه، ولا بنوة ودعوة ~~في رجل. والمعنى أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان ~~قلبين، لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال ~~القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل ~~بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريدا كارها. عالما ظانا. ~~موقنا شاكا في حالة واحدة - لم ير أيضا أن تكون المرأة الواحدة أما ~~لرجل زوجا له لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة ~~متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة وهما حالتان متنافيتان، وأن يكون ~~الرجل الواحد دعيا لرجل وابنا له لأن البنوة أصالة في النسب وعراقة ~~فيه، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن ~~يكون أصيلا غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة وهو رجل من ~~كلب سبي صغيرا. وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون. فاشتراه ~~حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأعتقه. وكانوا يقولون زيد بن محمد، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ~~وقوله # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم # الأحزاب 40 وقيل كان أبو معمر رجلا من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له ذو ~~القلبين، وقيل هو جميل بن أسد الفهري. وكان يقول إن لي قلبين. أفهم ~~بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروي أنه انهزم يوم بدر، فمر بأبي سفيان ~~وهو معلق أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله. فقال له ما فعل الناس؟ فقال ~~هم ما بين مقتول وهارب. فقال له ما بال إحدى ms1572 نعليك في رجلك والأخرى في ~~يدك؟ فقال ما ظننت إلا أنهما في رجلي، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه ~~مثلا في الظهار والتنبي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان المنافقون ~~يقولون لمحمد قلبان فأكذبهم الله. وقيل سها في صلاته، فقالت اليهود له ~~قلبان قلب مع أصحابه، وقلب معكم. وعن الحسن نزلت في أن الواحد يقول نفس ~~تأمرني ونفس تنهاني. والتنكير في رجل، وإدخال من الاستغراقية على قلبين ~~تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد ~~منهم قلبين البتة في جوفه. فإن قلت أي فائدة في ذكر الجوف؟ قلت الفائدة ~~فيه كالفائدة في قوله # القلوب التى فى الصدور # الحج 46 وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور والتجلي للمدلول عليه، ~~لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفا يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى ~~الإنكار. # وقرىء «اللايىء»، بياء وهمزة مكسورتين، و«اللائي» بياء ساكنة بعد الهمزة ~~وتظاهرون من ظاهر. وتظاهرون. من اظاهر، بمعنى تظاهر. وتظهرون من اظهر، ~~بمعنى تظهر. وتظهرون من ظهر، بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد. وتظهرون من ~~ظهر، بلفظ فعل من الظهور. ومعنى ظاهر من امرأته قال لها أنت علي كظهر ~~أمي. ونحوه في العبارة عن اللفظ لبى المحرم، إذا قال لبيك. وأفف الرجل ~~إذا قال أف وأخوات لهن. فإن قلت فما وجه تعديته وأخواته بمن؟ قلت كان ~~الظهار طلاقا عند أهل الجاهلية. فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما ~~يتجنبون المطلقة، فكان قولهم تظاهر منها تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر ~~منها تحرز منها. وظاهر منها حاذر منها، وظهر منها وحش منها. وظهر منها ~~خلص منها. ونظيره آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدي بمن، ~~وإلا فآلى في أصله الذي هو بمعنى حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه. فإن قلت ما ~~معنى قولهم أنت علي كظهر أمي؟ قلت أرادوا أن يقولوا أنت علي حرام كبطن ~~أمي. فكنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر ~~الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه ms1573 عمود البطن. ومنه حديث ~~عمر رضي الله عنه يجيء به أحدهم على عمود بطنه أراد على ظهره. ووجه آخر ~~وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرما عندهم محظورا. وكان ~~أهل المدينة يقولون إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، ~~فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر ثم لم ~~يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمه فلم يترك. فإن قلت الدعي فعيل بمعنى مفعول، ~~وهو الذي يدعى ولدا فما له جمع على افعلاء، وبابه ما كان منه بمعنى ~~فاعل، كتقى وأتقياء، وشقي وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى. قلت ~~إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه ~~اللفظي { ذلكم } النسب هو { قولكم بأفوهكم } هذا ابني لا ~~غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقا. والله عز وجل لا يقول إلا ~~ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدي إلا سبيل الحق. ثم قال ما هو الحق وهدى ~~إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله { ادعوهم لأبائهم } وبين أن ~~دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وفي فصل هذه الجمل ~~ووصلها من الحسن والفصاحة مالا يغني على عالم بطرق النظم. وقرأ قتادة ~~«وهو الذي يهدي السبيل». وقيل كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل ~~وظرفه ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ~~ينسب إليه فيقال فلان ابن فلان { فإن لم تعلموا } لهم آباء ~~تنسبونهم إليهم { ف } هم { فإخونكم فى الدين } وأولياؤكم ~~في الدين فقولوا هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي يريد الأخوة في ~~الدين والولاية فيه { ما تعمدت } في محل الجر عطفا على ما ~~أخطأتم. # ويجوز أن يكون مرتفعا على الابتداء، والخبر محذوف تقديره ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم فيه الجناح. والمعنى لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين ~~جاهلين قبل ورود النهي، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي. أو لا إثم ~~عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بني ms1574 على سبيل الخطإ وسبق اللسان، ولكن إذا ~~قلتموه متعمدين. ويجوز أن يراد العفو عن الخطإ دون العمد على طريق ~~العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام 873 # " ما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم العمد " # وقوله عليه الصلاة والسلام 874 # " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " # ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده. فإن قلت فإذا وجد التبني فما حكمه؟ ~~قلت إذا كان المتبني مجهول النسب وأصغر سنا من المتبنى ثبت نسبه منه، ~~وإن كان عبدا له عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت ~~النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه لا يعتق. ~~وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وإن كان عبدا عتق { وكان ~~الله غفورا رحيما } لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد. ### || [33.6] # { النبى أولى بالمؤمنين } في كل شيء من أمور الدين ~~والدنيا { من أنفسهم } ولهذا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون ~~أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من ~~حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها ~~فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه ~~نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصرفهم عنه، لأن كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة ~~والظفر بسعادة الدارين وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم لئلا يتهافتوا فيما ~~يرمي بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أو هو أولى بهم، على معنى أنه أرأف ~~بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، كقوله تعالى # بالمؤمنين رءوف رحيم # التوبة 128 وعن النبي صلى الله عليه وسلم 875 # " ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن ~~شئتم { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما ~~مؤمن هلك وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا ~~فإلي " # وفي قراءة ابن مسعود «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب ms1575 لهم». ~~وقال مجاهد كل نبي فهو أبو أمته. ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين { وأزوجه أمهتهم } ~~تشبيه لهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهن واحترامهن، ~~وتحريم نكاحهن قال الله تعالى # ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا # الأحزاب 53 وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضي ~~الله عنها لسنا أمهات النساء. تعني أنهن إنما كن أمهات الرجال، ~~لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم. والدليل على ذلك أن هذا التحريم ~~لم يتعد إلى بناتهن، وكذلك لم يثبت لهن سائر أحكام الأمهات. كان ~~المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا ~~بالقرابة، كما كانت تتألف قلوب قوم بإسهام لهم في الصدقات، ثم نسخ ذلك ~~لما دجا الإسلام وعز أهله، وجعل التوارث بحق القرابة { فى كتب ~~الله } في اللوح. أو فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية. أو في ~~آية المواريث. أو فيما فرض الله كقوله # كتب الله عليكم # النساء 24. { من المؤمنين والمهجرين } يجوز أن يكون ~~بيانا لأولى الأرحام، أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من ~~الأجانب. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية. أي أولو الأرحام بحق القرابة ~~أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق ~~الهجرة. فإن قلت مم استثنى { أن تفعلوا }؟ قلت من أعم العام في ~~معنى النفع والإحسان، كما تقول القريب أولى من الأجنبي إلا في الوصية، ~~تريد أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك، إلا في ~~الوصية. والمراد بفعل المعروف التوصية لأنه لا وصية لوارث وعدى تفعلوا ~~بإلى، لأنه في معنى تسدوا وتزلوا والمراد بالأولياء المؤمنون والمهاجرون ~~للولاية في الدين { ذلك } إشارة إلى ما ذكر في الآيتين جميعا. وتفسير ~~الكتاب ما مر آنفا، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام. ### || [33.7-8] # { و } اذكر حين { وإذ أخذنا من النبيين } جميعا { ~~ميثقهم } بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم { ومنك } ~~خصوصا { ومن نوح وإبرهيم وموسى وعيسى } وإنما فعلنا ms1576 ~~ذلك { ليسأل } الله يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين ~~صدقوا عهدهم ووفوا به، من جملة من أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى { عن صدقهم } عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا ~~عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين. أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم. ~~لأن من قال للصادق صدقت، كان صادقا في قوله. أو ليسأل الأنبياء ما الذي ~~أجابتهم به أممهم. وتأويل مسألة الرسل تبكيت الكافرين بهم، كقوله # أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # المائدة 116. فإن قلت لم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نوح فمن ~~بعده قلت هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، ~~فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين قدم عليهم لبيان ~~أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه. فإن قلت فقد قدم عليه نوح ~~عليه السلام في الآية التي هي أخت هذه الآية، وهي قوله # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى ~~أوحينا إليك # الشورى 13 ثم قدم على غيره. قلت مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة ~~تلك، وذلك أن الله تعالى إنما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة ~~والاستقامة فكأنه قال شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد ~~القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من ~~توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. فإن قلت فما المراد بالميثاق الغليظ؟ ~~قلت أراد به ذلك الميثاق بعينه. معناه وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا ~~غليظا. والغلظ استعارة من وصف الأجرام، والمراد عظم الميثاق وجلالة شأنه ~~في بابه. وقيل الميثاق الغليظ اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. فإن ~~قلت علام عطف قوله { وأعد للكفرين }؟ قلت على أخذنا من ~~النبيين، لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل ~~إثابة المؤمنين. وأعد للكافرين عذابا أليما. أو على ما دل عليه { ~~ليسأل الصدقين } كأنه قال فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين. ### || [33.9-11] # { اذكروا } ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق { ~~إذ ms1577 جاءتكم جنود } وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 876 # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور " # { وجنودا لم تروها } وهم الملائكة وكانوا ألفا بعث الله ~~عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر ~~الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، ~~وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في ~~جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر، ~~فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضي ~~الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه ~~وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام واشتد الخوف، وظن ~~المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير كان محمد ~~يعدنا كنوز كسرى وقيصرولا نقدر أن نذهب إلى الغائط. وكانت قريش قد أقبلت ~~في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج ~~غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن. وعامر بن ~~الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين ~~قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله ~~النصر { تعملون } قرىء بالتاء والياء { من فوقكم } من أعلى ~~الوادي من قبل المشرق بنو غطفان { ومن أسفل منكم } من أسفل ~~الوادي من قبل المغرب قريش تحزبوا وقالوا سنكون جملة واحدة حتى نستأصل ~~محمدا { زاغت الأبصر } مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة ~~وشخوصا. وقيل عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع. ~~الحنجرة رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم. والحلقوم مدخل الطعام والشراب، ~~قالوا إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغم الشديد ربت ~~وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان انتفخ سحره. ~~ويجوز أن يكون ذلك مثلا في اضطراب القلوب ms1578 ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر ~~حقيقة { وتظنون بالله الظنونا } خطاب للذين آمنوا. ومنهم ~~الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب الذين هم على حرف، والمنافقون ~~الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ~~ويفتنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأما الآخرون فظنوا بالله ما حكى ~~عنهم. وعن الحسن ظنوا ظنونا مختلفة ظن المنافقون أن المسلمين يستأصلون، ~~وظن المؤمنون أنهم يبتلون. وقرىء «الظنون» بغير ألف في الوصل والوقف وهو ~~القياس، وبزيادة ألف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية ~~من قال # أقلي اللوم عاذل والعتابا # وكذلك الرسولا والسبيلا. وقرىء بزيادتها في الوصل أيضا، إجراء له مجرى ~~الوقف. قال أبو عبيد وهن كلهن في الإمام بألف. وعن أبي عمرو إشمام زاي ~~زلزلوا. وقرىء «زلزالا» بالفتح. والمعنى أن الخوف أزعجهم أشد الإزعاج. ### || [33.12-14] # { إلا غرورا } قيل قائله معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال يعدنا ~~محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا، ما هذا إلا وعد ~~غرور { طائفة منهم } هم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه. وعن ~~السدي عبد الله بن أبي وأصحابه. ويثرب اسم المدينة. وقيل أرض وقعت ~~المدينة في ناحية منها { لا مقام لكم } قرىء بضم الميم وفتحها، أي ~~لا قرار لكم ههنا، ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون { فارجعوا } إلى ~~المدينة أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل قالوا ~~لهم ارجعوا كفارا وأسلموا محمدا، وإلا فليست يثرب لكم بمكان. قرىء ~~«عورة» بسكون الواو وكسرها، فالعورة الخلل، والعورة ذات العورة، يقال عور ~~المكان عورا إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق. ويجوزأن تكون { ~~عورة } تخفيف عورة، اعتذروا أن بيوتهم معترضة للعدو ممكنة للسراق ~~لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه وليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم ~~الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار { ولو دخلت ~~عليهم } المدينة. وقيل بيوتهم، من قولك دخلت على فلان داره { من ~~أقطارها } من جوانبها، يريد ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي ~~يفرون خوفا منها مدينتهم ms1579 وبيوتهم من نواحيها كلها. وانثالت على أهاليهم ~~وأولادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة { ~~الفتنة } أي الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، لأتوها ~~لجاؤها وفعلوها. وقرىء «لآتوها» لأعطوها { وما تلبثوا بها } ~~وما ألبثوا إعطاءها { إلا يسيرا } ريثما يكون السؤال والجواب من ~~غير توقف. أو وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا، فإن الله ~~يهلكهم. والمعنى أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤوهم ~~هولا ورعبا وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض ~~عليهم الكفر وقيل لهم كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، ~~وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام. وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر وتهالكهم على ~~حزبه. ### || [33.15-16] # عن ابن عباس عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة أن يمنعوه ~~مما يمنعون منه أنفسهم. وقيل هم قوم غابوا عن بدر فقالوا لئن أشهدنا الله ~~قتالا لنقاتلن. وعن محمد بن إسحق عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعدما ~~نزل فيهم ما نزل { مسئولا } مطلوبا مقتضى حتى يوفى به { لن ~~ينفعكم الفرار } مما لا بد لكم من نزوله بكم من حتف أنف أو ~~قتل. وإن نفعكم الفرار مثلا فمنعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا ~~زمانا قليلا. وعن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع، فتليت له ~~هذه الآية فقال ذلك القليل نطلب. ### || [33.17] # فإن قلت كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ ~~قلت معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجرى مجرى ~~قوله # متقلدا سيفا ورمحا # أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. ### || [33.18-20] # { المعوقين } المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~المنافقون كانوا يقولون { لإخونهم } من ساكني المدينة من أنصار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا ~~لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم و { هلم إلينا } أي ~~قربوا أنفسكم ms1580 إلينا. وهي لغة أهل الحجاز يسوون فيه بين الواحد ~~والجماعة. وأما تميم فيقولون هلم يا رجل، وهلموا يا رجال، وهو صوت سمي ~~به فعل متعد مثل احضر وقرب # قل هلم شهداءكم # الأنعام 15 { إلا قليلا } إلا اتيانا قليلا يخرجون مع المؤمنين ~~يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يبارزون ويقاتلون إلا شيئا قليلا إذا ~~اضطروا إليه، كقوله { ما قاتلوا إلا قليلا } ، { أشحة ~~عليكم } في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل ~~بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف { ينظرون إليك } في تلك ~~الحالة كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذرا أو خورا ~~ولواذا بك، فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نقلوا ذلك الشح ~~وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير - وهو المال والغنيمة - ونسوا تلك ~~الحالة الأولى، واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا وفروا قسمتنا فإنا ~~قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوكم وبنا نصرتم عليهم. ونصب ~~{ أشحة } على الحال أو على الذم. وقرىء «أشحة»، بالرفع. و«صلقوكم» ~~بالصاد. فإن قلت هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط؟ قلت لا ولكنه ~~تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان وإن لم يوطئه القلب، وأن ما ~~يعمل المنافق من الأعمال يجدي عليه، فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن كل ~~عمل يوجد منه باطل. وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان ~~الصحيح، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء على ~~غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثورا. فإن قلت ما معنى قوله { ~~وكان ذلك على الله يسيرا } وكل شيء عليه يسير؟ قلت معناه ~~أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف { ~~يحسبون } أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق ~~إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن المفرط ~~{ وإن يأت الأحزاب } كرة ثانية. تمنوا لخوفهم مما منوا به هذه ~~الكرة أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب { يسئلون } كل ~~قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم ms1581 وعما جرى عليكم { ولو كانوا ~~فيكم } ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال - لم يقاتلوا إلا تعلة رياء ~~وسمعة. وقرىء «بدي» على فعل جمع باد كغاز وغزي. وفي رواية صاحب ~~الإقليد «بدي»، بوزن عدي. ويساءلون، أي يتساءلون. ومعناه يقول بعضهم ~~لبعض ماذا سمعت؟ ماذا بلغك؟ أو يتساءلون الأعراب كما تقول رأيت الهلال ~~وتراءيناه كان عليكم أن تواسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسكم ~~فتوازروه وتثبتوا معه، كما آساكم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في ~~مرحى الحرب، حتى كسرت رباعيته يوم أحد وشج وجهه. ### || [33.21] # فإن قلت فما حقيقة قوله { لقد كان لكم فى رسول الله ~~أسوة حسنة }. وقرىء «أسوة» بالضم؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أنه في ~~نفسه أسوة حسنة، أي قدوة، وهو الموتسى به، أي المقتدى به، كما تقول في ~~البيضة عشرون منا حديد، أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والثانيأن ~~فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع. وهي المواساة بنفسه { لمن كان ~~يرجو الله } بدل من لكم، كقوله # للذين استضعفوا لمن ءامن منهم # الأعراف 75 يرجو الله واليوم الآخر من قولك رجوت زيدا وفضله، أي فضل ~~زيد، أو يرجو أيام الله. واليوم الآخر خصوصا. والرجاء بمعنى الأمل أو ~~الخوف { وذكر الله كثيرا } وقرن الرجاء بالطاعات الكثيرة ~~والتوفر على الأعمال الصالحة، والمؤتسى برسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~كان كذلك. ### || [33.22] # وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه، ويستنصروه في قوله # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # البقرة 214 فلما جاء الأحزاب وشخص بهم واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد { ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } وأيقنوا بالجنة ~~والنصر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال 877 قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأصحابه # " إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا " # أي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك. ~~وهذا إشارة إلى الخطب أو البلاء { إيمنا } بالله وبمواعيده { ~~وتسليما } لقضاياه وأقداره. ### || [33.23-27] # نذر رجال من الصحابة ms1582 أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد ~~الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم، رضي ~~الله عنهم { فمنهم من قضى نحبه } يعني حمزة ومصعبا { ~~ومنهم من ينتظر } يعني عثمان وطلحة. وفي الحديث 877 # " من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة " # فإن قلت ما قضاء النحب؟ قلت وقع عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من ~~أن يموت. فكأنه نذر لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي نذره. ~~وقوله { فمنهم من قضى نحبه } يحتمل موته شهيدا، ويحتمل ~~وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قلت فما ~~حقيقة قوله { صدقوا ما عهدوا الله عليه }؟ قلت يقال ~~صدقني أخوك وكذبني، إذا قال لك الصدق والكذب. وأما المثل صدقني سن ~~بكره. فمعناه صدقني في سن بكره، بطرح الجار وإيصال الفعل، فلا يخلو { ما ~~عهدوا الله عليه } إما أن يكون بمنزلة السن في طرح الجار، ~~وإما أن يجعل المعاهد عليه مصدوقا على المجاز، كأنهم قالوا للمعاهد ~~عليه سنفي بك، وهم وافون به فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه ولكان ~~مكذوبا { وما بدلوا } العهد ولا غيروه، لا المستشهد ولا من ينتظر ~~الشهادة، ولقد 878 ثبت طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أوجب طلحة " # وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرض القلوب جعل المنافقون، كأنهم ~~قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق ~~بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما ~~استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما. ويعذبهم { إن شاء } إذا لم يتوبوا ~~{ أو يتوب عليهم } إذا تابوا { ورد الله الذين ~~كفروا } الأحزاب { بغيظهم } مغيظين، كقوله # تنبت بالدهن # المؤمنون 20. { لم ينالوا خيرا } غير ظافرين، وهما حالان ~~بتداخل أو تعاقب. ويجوز أن تكون ms1583 الثانية بيانا للأولى أو استئنافا { ~~وكفى الله المؤمنين القتال } بالريح والملائكة { ~~وأنزل الذين } ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب { من صياصيهم ~~} من حصونهم. والصيصية ما تحصن به، يقال لقرن الثور والظبي صيصية، ولشوكة ~~الديك، وهي مخلبه التي في ساقه، لأنه يتحصن بها. روي 880 أن جبريل عليه ~~السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم - صبيحة الليلة التي انهزم فيها ~~الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم - على فرسه الحيزوم ~~والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال ما هذا يا جبريل؟ قال من ~~متابعة قريش فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس ~~وعن السرج، فقال يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله ~~يأمرك المسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض ~~على الصفا، وإنهم لكم طعمة فأذن في الناس أن من كان سامعا مطيعا ~~فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة. # فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال على حكم سعد ~~بن معاذ؟ فرضوا به، فقال سعد حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم ~~ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال # " لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " # ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا. وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ~~ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير. وقرىء ~~«الرعب»، بسكون العين وضمها. وتأسرون، بضم السين. وروي 881 أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، ~~فقال «إنكم في منازلكم»، وقال عمر رضي الله عنه أما تخمس كما خمست يوم ~~بدر؟ قال # " لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس " # قال رضينا بما صنع الله ورسوله { وأرضا لم } عن الحسن رضي الله ~~عنه فارس والروم. وعن قتادة رضي الله ms1584 عنه كنا نحدث أنها مكة. وعن مقاتل ~~رضي الله عنه هي خيبر. وعن عكرمة كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. ومن بدع ~~التفاسير أنه أراد نساءهم. ### || [33.28-29] # 882 أردن شيئا من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغم ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. فبدأ بعائشة رضي الله عنها - وكانت ~~أحبهن إليه - فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار ~~الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اختارت ~~جميعهن اختيارها، فشكر لهن الله ذلك، فأنزل # لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج # الأحزاب 52. روي أنه قال لعائشة 883 # " إني ذاكر لك أمرا، ولا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري ~~أبويك " # ثم قرأ عليها القرآن فقالت أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ~~ورسوله والدار الآخرة. 884 وروي أنها قالت لا تخبر أزواجك أني ~~اخترتك، فقال # " إنما بعثني الله مبلغا ولم يبعثني متعنتا " # فإن قلت ما حكم التخيير في الطلاق؟ قلت إذا قال لها اختاري، فقالت اخترت ~~نفسي. أو قال اختاري نفسك، فقالت اخترت، لا بد من ذكر النفس في قول ~~المخير أو المخيرة - وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن ~~يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر ~~الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن ~~مسعود. وعن الحسن وقتادة الزهري رضي الله عنهم أمرها بيدها في ذلك المجلس ~~وفي غيره، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار. وعن عائشة ~~رضي الله عنها 885 خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم يعده ~~طلاقا. وروي أفكان طلاقا. وعن علي رضي الله عنه. إذا اختارت زوجها ~~فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة وروي عنه أيضا أنها إن ~~اختارت زوجها فليس بشيء. أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع، لمن في ~~المكان المستوطيء، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة. ومعنى تعالين ~~أقبلن ms1585 بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن. ~~كما تقول أقبل يخاصمني، وذهب يكلمني. وقام يهددني { أمتعكن } ~~أعطكن متعة الطلاق. فإن قلت المتعة في الطلاق واجبة أم لا؟ قلت المطلقة ~~التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد، متعتها واجبة عند أبي حنيفة ~~وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة وعن الزهري رضي الله عنه ~~متعتان، إحداهما يقضي بها السلطان من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها. ~~والثانية حق على المتقين من طلق بعد ما يفرض ويدخل، وخاصمت امرأة إلى ~~شريح في المتعة فقال متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره. وعن سعيد بن ~~جبير رضي الله عنه المتعة حق مفروض. وعن الحسن رضي الله عنه لكل مطلقة ~~متعة إلا المختلعة والملاعنة، والمتعة درع وخمار وملحفة على حسب السعة ~~والإقتار، إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك، فيجب لها الأقل منهما. ولا ~~تنقص من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها. فإن قلت ~~ما وجه قراءة من قرأ «أمتعكن وأسرحكن» بالرفع؟ قلت وجهه الاستئناف { ~~سراحا جميلا } من غير ضرار طلاقا بالسنة { منكن } للبيان لا ~~للتبعيض. ### || [33.30-31] # الفاحشة السيئة البليغة في القبح وهي الكبيرة. والمبينة الظاهرة فحشها، ~~والمراد كل ما اقترفن من الكبائر وقيل هي عصيانهن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونشوزهن، وطلبهن منه ما يشق عليه أو ما يضيق به ذرعه ويغتم ~~لأجله وقيل الزنا، والله عاصم رسوله من ذلك، كما مر في حديث الإفك، ~~وإنما ضوعف عذابهن لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن وأقبح لأن ~~زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة وزيادة النعمة على العاصي ~~من المعصي، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا على أحد منهن مثل ما لله عليهن من النعمة، والجزاء يتبع الفعل، وكون ~~الجزاء عقابا يتبع كون الفعل قبيحا، فمتى ازداد قبحا. ازداد عقابه ~~شدة، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم أشد منه للعاصي الجاهل لأن ~~المعصية من ms1586 العالم أقبح، ولذلك فضل حد الأحرار على حد العبيد، حتى أن ~~أبا حنيفة وأصحابه لا يرون الرجم على الكافر { وكان ذلك على ~~الله يسيرا } إيذان بأن كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ليس ~~بمغن عنهن شيئا. وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب، فكان داعيا إلى ~~تشديد الأمر عليهن غير صارف عنه. قرىء «يأت»، بالتاء والياء. مبينة بفتح ~~الياء وكسرها، من بين بمعنى تبين. يضاعف، ويضعف على البناء للمفعول. ~~ويضاعف، ونضعف بالياء والنون. وقرىء «تقنت» وتعمل بالتاء والياء. ونؤتها ~~بالياء والنون. والقنوت الطاعة، وإنما ضوعف أجرهن لطلبهن رضا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، وطيب المعاشرة والقناعة، وتوفرهن على ~~عبادة الله والتقوى. ### || [33.32] # أحد في الأصل بمعنى وحد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه ~~المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله { لستن كأحد من ~~النساء } لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي إذا تقصيت أمة ~~النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ~~ومثله قوله تعالى # والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم # النساء 152 يريد بين جماعة واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على ~~الحق المبين { إن اتقيتن } إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات { ~~فلا تخضعن بالقول } فلا تجبن بقولكن خاضعا، أي لينا خنثا ~~مثل كلام المريبات والمومسات { فيطمع الذى فى قلبه مرض } ~~أي ريبة وفجور. وقرىء بالجزم، عطفا على محل فعل النهي، على أنهن نهين عن ~~الخضوع بالقول. ونهى المريض القلب عن الطمع، كأنه قيل لا تخضعن فلا يطمع. ~~وعن ابن محيصن أنه قرأ بكسر الميم، وسبيله ضم الياء مع كسرها وإسناد ~~الفعل إلى ضمير القول، أي فيطمع القول المريب { قولا معروفا } ~~بعيدا من طمع المريب بجد وخشونة من غير تخنث، أو قولا حسنا مع كونه ~~خشنا. ### || [33.33] # { وقرن } بكسر القاف، من قر يقر وقارا. أو من قر يقر، حذفت ~~الأولى من رائي أقررن، ونقلت كسرتها إلى القاف، كما تقول ظلن، وقرن ~~بفتحها، وأصله أقررن، ms1587 فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، كقولك ~~ظلن، وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان وجها آخر، قال قار يقار ~~إذا اجتمع. ومنه. القارة، لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش اجتمعوا ~~فكونوا قارة. و { الجهلية الأولى } هي القديمة التي يقال لها ~~الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام كانت ~~المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض تفسها على الرجال، ~~وقيل ما بين آدم ونوح. وقيل بين إدريس ونوح. وقيل زمن داود وسليمان، ~~والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ويجوز أن ~~تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى جاهلية ~~الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في ~~الإسلام تتشبهن بها بأهل الجاهلية الكفر. ويعضده ما روي 886 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي الدرداء رضي الله عنه # " إن فيك جاهلية " # قال جاهلية كفر أم إسلام؟ فقال # " بل جاهلية كفر " # أمرهن أمرا خاصا بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عاما في جميع الطاعات ~~لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات من أعتنى بهما ~~حق اعتنائه جرتاه إلى ما وراءهما، ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن، ~~ووعظهن، لئلا يقارف أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، ~~ولتصونو عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر لأن عرض ~~المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما ~~المحسنات، فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ~~ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما رضيه ~~لهم وأمرهم به. و { أهل البيت } نصب على النداء. أو على المدح. ~~وفي هذا دليل بين على أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته. ### || [33.34] # ثم ذكرهن أن بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهن أن لا ينسين ما يتلى فيها من ~~الكتاب الجامع بين أمرين هو آيات بينات تدل على صدق النبوة لأنه معجزة ~~بنظمه. وهو حكمة وعلوم وشرائع { إن الله كان ms1588 لطيفا خبيرا } ~~حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم أو علم من يصلح لنبوته ~~من يصلح لأن يكرهوا أهل بيته. أو حيث جعل الكلام الواحد جامعا بين ~~الغرضين. ### || [33.35] # يروى 887 أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن يا رسول الله، ذكر ~~الله تعالى الرجال في القرآن بخير، أفما فينا خير نذكر به؟ إنا ~~نخاف أن لا تقبل منا طاعة. وقيل السائلة أم سلمة. وروي 888 أنه لما نزل ~~في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المسلمين فما نزل ~~فينا شيء؟ فنزلت، والمسلم الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا ~~يعاند، أو المفوض أمره إلى الله تعالى المتوكل عليه من أسلم وجهه إلى ~~الله. والمؤمن المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به. والقانت القائم ~~بالطاعة الدائم عليها. والصادق الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر ~~الذي يصبر على الطاعات وعن المعاصي. والخاشع المتواضع لله بقلبه وجوارحه. ~~وقيل الذي إذا صلى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق الذي يزكي ماله ~~ولا يخل بالنوافل. وقيل من تصدق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين. ومن ~~صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. والذاكر لله كثيرا من لا يكاد ~~يخلو من ذكر الله بقلبه أو لسانه أو بهما. وقراءة القرآن والاشتغال ~~بالعلم من الذكر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 889 # " من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعا ركعتين كتبا في الذاكرين ~~لله كثيرا والذاكرات " # والمعنى والحافظاتها والذاكراته، فحذف لأن الظاهر يدل عليه. فإن قلت ~~أي فرق بين العطفين، أعني عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على ~~الزوجين؟ قلت العطف الأول نحو قوله تعالى # ثيبت وأبكارا # التحريم 5 في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من ~~توسيط العاطف بينهما. وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف ~~الجمع، فكأن معناه إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات { أعد ~~الله لهم }. ### || [33.36] # 890 خطب رسول الله صلى الله عليه ms1589 وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت ~~عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله، فنزلت، ~~فقال رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها ستين درهما ~~وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من ~~تمر. وقيل 891 هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أول من هاجر من ~~النساء، وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال «قد قبلت»، وزوجها ~~زيدا. فسخطت هي وأخوتها وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فزوجنا عبده، والمعنى وما صح لرجل ولا امرأة من المؤمنين { إذا قضى ~~الله ورسوله } أي رسول الله أو لأن قضاء رسول الله هو قضاء الله ~~{ أمرا } من الأمور أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل من حقهم أن ~~يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، واختيارهم تلوا لاختياره. فإن قلت كان من حق ~~الضمير أن يوحد كما تقول ما جاءني من رجل ولا امرأة إلا كان من شأنه ~~كذا، قلت نعم ولكنهما وقعا تحت النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير ~~على المعنى لا على اللفظ. وقرىء «يكون» بالتاء والياء. { الخيرة } ~~ما يتخير. ### || [33.37] # { للذى أنعم الله عليه } بالإسلام الذي هو أجل النعم. ~~وبتوفيقك لعتقه ومحبته واختصاصه { وأنعمت عليه } بما وفقك الله ~~فيه، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن ~~حارثة { أمسك عليك زوجك } يعني زينب بنت جحش رضي الله عنها ~~892 وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصرها بعدما أنكحها إياه، ~~فوقعت في نفسه، فقال سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أن نفسه كانت تجفو ~~عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة ~~فذكرتها لزيد، ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أريد ~~أن أفارق صاحبتي، فقال «مالك أرابك منها شيء؟» قال لا والله ما رأيت منها ~~إلا خيرا، ms1590 ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني، فقال له # " امسك عليك زوجك واتق الله " # ، ثم طلقها بعد، فلما اعتدت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أجد ~~أحدا أوثق في نفسي منك، اخطب علي زينب. قال زيد فانطلقت فإذا هي تخمر ~~عجينتها، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، حين ~~علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري وقلت يا ~~زينب، أبشري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك، ففرحت وقالت ما أنا ~~بصانعه شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن { ~~زوجنكها } فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها، وما ~~أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم ~~حتى امتد النهار. فإن قلت ما أراد بقوله { واتق الله }؟ قلت أراد ~~واتق الله فلا تطلقها، وقصد نهي تنزيه لا تحريم، لأن الأولى أن لا يطلق. ~~وقيل أراد واتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج. فإن قلت ~~ما الذي أخفى في نفسه؟ قلت تعلق قلبه بها. وقيل مودة مفارقة زيد إياها. ~~وقيل علمه بأن زيدا سيطلقها وسينكحها، لأن الله قد أعلمه بذلك. وعن ~~عائشة رضي الله عنها 893 لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما ~~أوحى إليه لكتم هذه الآية. فإن قلت فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال ~~له زيد أريد مفارقتها، وكان من الهجنة أن يقول له افعل، فإني أريد ~~نكاحها؟ قلت كأن الذي أراد منه عز وجل أن يصمت عند ذلك، أو يقول له أنت ~~أعلم بشأنك، حتى لا يخالف سره في ذلك علانيته لأن الله يريد من الأنبياء ~~تساوي الظاهر والباطن، والتصلب في الأمور، والتجاوب في الأحوال ~~والاستمرار على طريقة مستتبة. # 894 كما جاء في حديث إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله ~~بن أبي سرح واعتراض عثمان بشفاعته له أن عمر قال له لقد كان عيني إلى ~~عينك، هل تشير إلي ms1591 فأقتله، فقال إن الأنبياء لا تومض ظاهرهم وباطنهم ~~واحد. فإن قلت كيف عاتبه الله في ستر ما استهجن التصريح به، ولا يستهجن ~~النبي صلى الله عليه وسلم التصريح بشيء إلا الشيء في نفسه مستهجن، ~~وقالة الناس لا تتعلق إلا بما يستقبح في العقول والعادات؟ وما له لم ~~يعاتبه في نفس الأمر ولم يأمره بقمع الشهوة وكف النفس عن أن تنازع إلى ~~زينب وتتبعها؟ ولم يعصم نبيه صلى الله عليه وسلم عن تعلق الهجنة به وما ~~يعرضه للقالة؟ قلت كم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس ~~عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، ~~وربما كان الدخول في ذلك المباح سلما إلى حصول واجبات يعظم أثرها في ~~الدين ويجل ثوابها، ولو لم يتحفظ منه لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم ~~إلا من أوتي فضلا وعلما ودينا ونظرا في حقائق الأمور ولبوبها دون ~~قشورها. ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يرمون مستأنسين بالحديث، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يؤذيه قعودهم ويضيق صدره حديثهم، والحياء يصده أن ~~يأمرهم بالانتشار، حتى نزلت # إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم ~~والله لا يستحى من الحق # الأحزاب 53 ولو أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم مكنون ضميره وأمرهم ~~أن ينتشروا، لشق عليهم، ولكان بعض المقالة، فهذا من ذاك القبيل، لأن ~~طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة أو غيرها غير موصوف بالقبح ~~في العقل ولا في الشرع، لأنه ليس بفعل الإنسان ولا وجوده باختياره، ~~وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضا، وهو خطبة زينب ونكاحها من ~~غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه وهو أقربإليه منه من زر قميصه أن ~~يواسيه بمفارقتها، مع قوة العلم بأن نفس زيد لم تكن من التعلق بها في ~~شيء، بل كانت تجفو عنها، ونفس رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلقة بها، ~~ولم ms1592 يكن مستنكرا عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه، ولا مستهجنا ~~إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم ~~الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما ~~وأنكحها المهاجر، وإذا كان الأمر مباحا من جميع جهاته ولم يكن فيه وجه ~~من وجوه القبح ولا مفسدة ولا مضرة بزيد ولا بأحد، بل كان مستجرا مصالح، ~~ناهيك بواحدة منها أن بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنت الأيمة ~~والضيعة ونالت الشرف وعادت أما من أمهات المسلمين، إلى ما ذكر الله ~~عز وجل من المصلحة العامة في قوله { لكى لا يكون على ~~المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا } فبالحري أن يعاتب الله ورسوله حين كتمه وبالغ في ~~كتمه بقوله { أمسك عليك زوجك واتق الله } وأن لا يرضى ~~له إلا اتحاد الضمير والظاهر، والثبات في مواطن الحق، حتى يقتدي به ~~المؤمنون، فلا يستحيوا من المكافحة بالحق وإن كان مرا. # فإن قلت الواو في { وتخفى فى نفسك } ، { وتخشى الناس ~~والله أحق } ما هي؟ قلت واو الحال، أي تقول لزيد أمسك عليك زوجك ~~مخفيا في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفى خاشيا قالة الناس وتخشى ~~الناس، حقيقا في ذلك بأن تخشى الله، أو واو العطف، كأنه قيل وإذ تجمع ~~بين قولك أمسك، وإخفاء خلافه، وخشية الناس. والله أحق أن تخشاه، حتى لا ~~تفعل مثل ذلك. إذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة قيل قضى منه وطره. ~~والمعنى فلما لم يبق لزيد فيها حاجة، وتقاصرت عنها همته، وطابت عنها ~~نفسه، وطلقها، وانقضت عدتها { زوجنكها } وقراءة أهل البيت ~~زوجتكها. وقيل لجعفر بن محمد رضي الله عنهما أليس تقرأ علي غير ذلك، ~~فقال لا والذي لا إله إلا هو، ما قرأتها على أبي إلا كذلك، ولا قرأها ~~الحسن بن علي على أبيه إلا كذلك، ولا قرأها علي بن أبي طالب على النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلا كذلك { وكان أمر الله مفعولا ms1593 } ~~جملة اعتراضية، يعني وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه، مفعولا مكونا ~~لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~زينب، ومن نفي الحرج عن المؤمنين في إجراء، أزواج المتبنين مجرى أزواج ~~البنين في تحريمهن عليهم بعد انقطاع علائق الزواج بينهم وبينهن، ويجوز أن ~~يراد بأمر الله المكون، لأنه مفعول بكن، وهو أمر الله. ### || [33.38-39] # { فرض الله له } قسم له وأوجب، من قولهم فرض لفلان في الديوان ~~كذا. ومنه فروض العسكر لرزقاتهم { سنة الله } اسم موضوع موضع ~~المصدر - كقولهم تربا، وجندلا - مؤكد لقوله تعالى { ما كان على ~~النبى من حرج } كأنه قيل سن الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، ~~وهو أن لا يحرج عليهم في الاقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب ~~النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام ~~مائة امرأة وثلثمائة سرية، ولسليمان عليه السلام ثلثمائة وسبعمائة { فى ~~الذين خلوا } في الأنبياء الذين مضوا { الذين يبلغون } ~~يحتمل وجوه الاعراب الجر، على الوصف للأنبياء، والرفع والنصب، على المدح ~~على هم الذين يبلغون. أو على أعني الذين يبلغون. وقرىء «رسالة الله». ~~قدرا مقدورا قضاء مقضيا، وحكما مبتوتا، ووصف الأنبياء بأنهم لا ~~يخشون إلا الله تعريض بعد التصريح في قوله تعالى # وتخشى الناس والله أحق أن تخشه # الأحزاب 37. { حسيبا } كافيا للمخاوف، أو محاسبا على الصغيرة ~~والكبيرة، فيجب أن يكون حق الخشية من مثله. ### || [33.40] # { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } أي لم يكن أبا ~~رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من ~~حرمة الصهر والنكاح { ولكن } كان { رسول الله } وكل رسول أبو ~~أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم. ووجوب الشفقة ~~والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، ~~وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم، ~~والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير { و } كان { وخاتم ~~النبيين } يعني أنه لو كان له ms1594 ولد بالغ مبلغ الرجال لكان نبيا ولم ~~يكن هو خاتم الأنبياء، كما يروى 895 أنه قال في إبراهيم حين توفي # " لو عاش لكان نبيا " # فإن قلت أما كان أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم؟ قلت قد أخرجوا من ~~حكم النفي بقوله { من رجالكم } من وجهين، أحدهما أن هؤلاء لم ~~يبلغوا مبلغ الرجال. والثاني أنه قد أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا ~~رجالهم. فإن قلت أما كان أبا للحسن والحسين؟ قلت بلى، ولكنهما لم يكونا ~~رجلين حينئذ، وهما أيضا من رجاله لا من رجالهم، وشيء آخر وهو أنه إنما ~~قصد ولده خاصة، لا ولد ولده لقوله تعالى { وخاتم النبيين } ألا ~~ترى أن الحسن والحسين قد عاشا إلى أن نيف أحدهما على الأربعين والآخر ~~على الخمسين. قرىء «لكن رسول الله» بالنصب، عطفا على { أبآ أحد } ~~بالرفع على ولكن هو رسول الله، ولكن، بالتشديد على حذف الخبر، تقديره ~~ولكن رسول الله من عرفتموه، أي لم يعش له ولد ذكر. وخاتم بفتح التاء ~~بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى الطابع وفاعل الختم. وتقويه قراءة ابن ~~مسعود ولكن نبيا ختم النبيين. فإن قلت كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل ~~في آخر الزمان؟ قلت معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ~~ممن نبىء قبله، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعة محمد صلى الله عايه ~~وسلم، مصليا إلى قبلته، كأنه بعض أمته. ### || [33.41-42] # { اذكروا الله } أثنوا عليه بضروب الثناء من التقديس والتحميد ~~والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك { بكرة وأصيلا } أي ~~في كافة الأوقات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 896 # " ذكر الله على فم كل مسلم " # وروي # " في قلب كل مسلم " # وعن قتادة قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وعن مجاهد هذه كلمات يقولها ~~الطاهر والجنب. والفعلان، أعني اذكروا وسبحوا موجهان إلى البكرة والأصيل، ~~كقولك صم وصل يوم الجمعة، والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه من بين ~~أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل ms1595 من بين الملائكة، ليبين فضله عى سائر ~~الأذكار، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، ~~وتبرئته من القبائح. ومثال فضله على غيره من الأذكار فضل وصف العبد ~~بالنزاهة من أدناس المعاصي، والطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من ~~كثرة الصلاة والصيام، والتوفر على الطاعات كلها، والاشتمال على العلوم، ~~والاشتهار بالفضائل ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره تكثير الطاعات، ~~والإقبال على العبادات فإن كل طاعة وكل خير من جملة الذكر، ثم خص من ذلك ~~التسبيح بكرة وأصيلا وهي الصلاة في جميع أوقاتها لفضل الصلاة على غيرها. ~~أو صلاة الفجر والعشاءين لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد. ### || [33.43-44] # لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على ~~غيره حنوا عليه ترؤفا. كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في ~~حنوها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم صلى ~~الله عليك، أي ترحم عليك وترأف. فإن قلت قوله { هو الذى يصلى ~~عليكم } إن فسرته بيترحم عليكم ويترأف، فما تصنع بقوله { ~~وملئكته } وما معنى صلاتهم؟ قلت هي قولهم اللهم صل على ~~المؤمنين، جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة. ~~ونظيره قوله حياك الله، أي حياك وأبقاك، وحييتك، أي دعوت لك بأن يحييك ~~الله لأنك لا تكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة، وكذلك عمرك ~~الله، وعمرتك، وسقاك الله، وسقيتك، وعليه قوله تعالى # إن الله وملئكته يصلون على النبى ~~يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه # الأحزاب 56 أي ادعوا الله بأن يصلي عليه. والمعنى هو الذي يترحم عليكم ~~ويترأف حيث يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة ~~والطاعة { ليخرجكم } من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة { وكان ~~بالمؤمنين رحيما } دليل على أن المراد بالصلاة الرحمة. ويروى ~~أنه لما نزل قوله تعالى # إن الله وملئكته يصلون على النبى # الأحزاب 56 قال أبو بكر رضي الله عنه ما خصك يا رسول الله بشرف إلا وقد ~~أشركنا فيه، فأنزلت { تحيتهم } من إضافة المصدر إلى المفعول، ms1596 أي ~~يحيون يوم لقائه بسلام. فيجوز أن يعظمهم الله بسلامه عليهم، كما يفعل بهم ~~سائر أنواع التعظيم، وأن يكون مثلا كاللقاء على ما فسرنا. وقيل هو سلام ~~ملك الموت والملائكة معه عليهم وبشارتهم بالجنة. وقيل سلام الملائكة عند ~~الخروج من القبور. وقيل عند دخول الجنة، كما قال # والملئكة يدخلون عليهم من كل باب سلم ~~عليكم # الرعد 23 24 والأجر الكريم الجنة. ### || [33.45-46] # { شهدا } على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي مقبولا ~~قولك عند الله لهم وعليهم، كمل يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. فإن قلت ~~وكيف كان شاهدا وقت الإرسال، وإنما يكون شاهدا عند تحمل الشهادة أو عند ~~أدائها؟ قلت هي حال مقدرة كمسألة الكتابمررت برجل معه صقر صائدا به غدا ~~أيمقدرا به الصيد غدا. فإن قلت قد فهم من قوله إنا أرسلناك داعيا أنه ~~مأذون له في الدعاء، فما فائدة قوله { بإذنه }؟ قلت لم يرد به حقيقة ~~الإذن. وإنما جعل الإذن مستعارا للتسهيل والتيسير لأن الدخول في حق ~~المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلا لما ~~تعذر من ذلك، وضع موضعه، وذلك أن دعاء أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد ~~والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر، فقيل بإذنه للإيذان بأن الأمر صعب ~~لا يتأتى ولا يستطاع إلا إذا سهله الله ويسره، ومنه قولهم في الشحيح ~~أنه غير مأذون له في الإنفاق، أي غير مسهل له الإنفاق لكونه شاقا عليه ~~داخلا في حكم التعذر. { وسراجا منيرا } جلى به الله ظلمات الشرك ~~واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به. أو ~~أمد الله بنور نبوته نور البصائر، كما يمد بنور السراج نور الأبصار، ~~وصفه بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطة ودقت فتيلته. وفي ~~كلام بعضهم ثلاثة تضني رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من ~~يجيء. وسئل بعضهم عن الموحشين؟ فقال ظلام ساتر، وسراج فاتر. وقيل وذا ~~سراج منير. أو وتاليا سراجا منيرا. ويجوز على هذا التفسير أن يعطف ms1597 على ~~كاف { أرسلنك }. ### || [33.47] # الفضل ما يتفضل به عليهم زيادة على الثواب، وإذا ذكر المتفضل به وكبره ~~فما ظنك بالثواب. ويجوز أن يريد بالفضل الثواب، من قولهم للعطايا فضول ~~وفواضل، وأن يريد أن لهم فضلا كبيرا على سائر الأمم، وذلك الفضل من ~~جهة الله، وأنه آتاهم ما فضلوهم به. ### || [33.48] # { ولا تطع الكفرين } معناه الدوام والثبات على ما كان عليه. ~~أو التهييج { أذاهم } يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول، يعني ودع أن ~~تؤذيهم بضرر أو قتل، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله في باطنهم. أو ودع ما ~~يؤذونك به ولا تجازهم عليه حتى تؤمر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي ~~منسوخة بآية السيف { وتوكل على الله } فإنه يكفيكهم وكفى ~~بالله وكيلا ، وكفى به مفوضا إليه، ولقائل أن يقول وصفه الله تعالى ~~بخمسة أوصاف، وقابل كلا منها بخطاب مناسب له، قابل الشاهد بقوله { وبشر ~~المؤمنين } ، لأنه يكون شاهدا على أمته وهم يكونون شهداء على سائر ~~الأمم، وهو الفضل الكبير والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين، لأنه ~~إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة والنذير ~~بدع أذاهم، لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر - والأذى لا بد له من عقاب ~~عاجل أو آجل - كانوا منذرين به في المستقبل، والداعي إلى الله بتيسيره ~~بقوله { وتوكل على الله } لأن من توكل على الله يسر عليه كل ~~عسير، والسراج المنير بالاكتفاء به وكيلا، لأن من أناره الله برهانا ~~على جميع خلقه، كان جديرا بأن يكتفي به عن جميع خلقه. ### || [33.49] # النكاح الوطء، وتسمية العقد نكاحا لملابسته له، من حيث أنه طريق إليه. ~~ونظيره تسميتهم الخمر إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم، ونحوه في علم ~~البيان قول الراجز # أسنمة الآبال في سحابه # سمى الماء بأسنمة الآبال لأنه سبب سمن المال وارتفاع أسنمته، ولم يرد ~~لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد لأنه في معنى الوطء من باب ~~التصريح به. ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة ~~والقربان والتغشي والإتيان. فإن قلت لم ms1598 خص المؤمنات والحكم الذي نطقت به ~~الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟ قلت في اختصاصهن تنبيه على أن أصل ~~أمر المؤمن والأولى به. أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلا مؤمنة عفيفة، ~~ويتنزه عن مزاوجة الفواسق فما بال الكوافر، ويستنكف أن يدخل تحت لحاف ~~واحدة عدوة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة تعليم ما هو جائز غير ~~محرم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب. وهذه فيها تعليم ما هو ~~الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات. فإن قلت ما فائدة ثم في قوله { ثم ~~طلقتموهن } قلت فائداته نفي التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم ~~بين أن يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح ~~ويتراخى بها المدة في حبالة الزواج ثم يطلقها فإن قلت إذا خلا بها خلوة ~~يمكنه معها المساس، هل يقوم ذلك مقام المساس؟ قلت نعم. عند أبي حنيفة ~~وأصحابه حكم الخلوة الصحيحة حكم المساس، وقوله { فما لكم ~~عليهن من عدة } دليل على أن العدة حق واجب على النساء للرجال ~~{ تعتدونها } تستوفون عددها، من قولك عددت الدراهم فاعتدها، كقولك ~~كلته فاكتاله، ووزنته فاتزنه. وقرىء «تعتدونها» مخففا أي تعتدون فيها، ~~كقوله # ويوم شهدناه # والمراد بالاعتداد ما في قوله تعالى # ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا # البقرة 231. فإن قلت ما هذا التمتيع أواجب أو مندوب إليه؟ قلت إن كانت ~~غير مفروض لها كانت المتعة واجبة، ولا تجب المتعة عند أبي حنيفة إلا لها ~~وحدها دون سائر المطلقات، وإن كان مفروضا لها فالمتعة مختلف فيها فبعض ~~على الندب والاستحباب، ومنهم أبو حنيفة. وبعض على الوجوب { سراحا ~~جميلا } من غير ضرار ولا منع واجب. ### || [33.50-51] # { أجورهن } مهورهن لأن المهر أجر على البضع. وإيتاؤها إما ~~إعطاؤها عاجلا. وإما فرضها وتسميتها في العقد. فإن قلت لم قال { التي ~~ءاتيت أجورهن } و { مما أفاء الله عليك } و { ~~التي هاجرن معك } وما فائدة هذه التخصيصات؟ قلت قد اختار الله ~~لرسوله الأفضل الأولى، واستحبه بالأطيب الأزكى، كما اختصه بغيرها من ~~الخصائص، وآثره بما سواها من الأثر، وذلك أن ms1599 تسمية المهر في العقد أولى ~~وأفضل من ترك التسمية، وإن وقع العقد جائزا وله أن يماسها وعليه مهر ~~المثل إن دخل بها، والمتعة إن لم يدخل بها. وسوق المهر إليها عاجلا أفضل ~~من أن يسميه ويؤجله، وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم ~~غيره. وكذلك الجارية إذا كانت سبية مالكها، وخطبة سيفه ورمحه، ومما غنمه ~~الله من دار الحرب أحل وأطيب مما يشتري من شق الجلب. والسبي على ضربين ~~سبي طيبة، وسبي خبيثة فسبي الطيبة ما سبي من أهل الحرب. وأما من كان له ~~عهد فالمسبي منهم سبي خبيثة، ويدل عليه قوله تعالى { مما أفاء ~~الله عليك } لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، كما ~~أن رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام، وكذلك اللاتي هاجرن مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرائبه غير المحارم أفضل من غير ~~المهاجرات معه. 897 وعن أم هانيء، بنت أبي طالب خطبني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية، فلم أحل له ~~لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك ~~نفسها ولا تطلب مهرا من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك، ولذلك نكرها. ~~واختلف في اتفاق ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما لم يكن عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحد منهن بالهبة. وقيل الموهوبات أربع ميمونة بنت ~~الحرث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، ~~وخولة بنت حكيم - رضي الله عنهن. قرىء { إن وهبت } على الشرط. وقرأ ~~الحسن رضي الله عنه { أن } بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام. ويجوز ~~أن يكون مصدرا محذوفا معه الزمان، كقولك اجلس ما دام زيد جالسا، بمعنى ~~دوامه جالسا، ووقت هبتها نفسها. وقرأ ابن مسعود بغير أن. فإن قلت ما ~~معنى الشرط الثاني مع الأول؟ قلت هو تقييد له شرط في الإحلال هبتها ~~نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله صلى الله ms1600 عليه وسلم، كأنه قال ~~أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها لأن إرادته هي قبول ~~الهبة وما به تتم. # فإن قلت لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى { نفسها ~~للنبى إن أراد النبى } ثم رجع إلى الخطاب؟ قلت للإيذان ~~بأنه مما خص به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي للدلالة على أن الاختصاص ~~تكرمة له لأجل النبوة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة ~~لنبوته، واستنكاحها طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة ~~على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل، وقال الشافعي لا يصح، ~~وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعا لأن ~~اللفظ تابع للمعنى، والمدعي للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل. وقال أبو ~~الحسن الكرخي إن عقدالنكاح بلفظ الإجارة جائز، لقوله تعالى { التي ~~ءاتيت أجورهن } وقال أبو بكر الرازي لا يصح لأن الإجارة عقد ~~مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان { خالصة } مصدر مؤكد، كوعد ~~الله، وصبغة الله، أي خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصا، ~~والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج والقاعد، والعافية ~~والكاذبة. والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصة برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التوكيد لها قوله { قد علمنا ما ~~فرضنا عليهم فى أزوجهم وما ملكت أيمنهم } ~~بعد قوله { من دون المؤمنين } وهي جملة اعتراضية، وقوله { ~~لكيلا يكون عليك حرج } متصل بخالصة لك من دون المؤمنين، ~~ومعنى هذه الجملة الاعتراضية أن الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين ~~في الأزواج والإماء، وعلى أي حد وصفه يجب أن يفرض عليهم ففرضه، وعلم ~~المصلحة في اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اختصه به ففعل ~~ومعنى { لكيلا يكون عليك حرج } لئلا يكون عليك ضيق في دينك ~~حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك حيث أحللنا ~~لك أجناس المنكوحات وزدنا لك الواهبة نفسها. ms1601 وقرىء «خالصة» بالرفع، أي ~~ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين ومن جعل خالصة نعتا للمرأة، فعلى ~~مذهبه هذه المرأة خالصة لك من دونهم { وكان الله غفورا } للواقع ~~في الحرج إذا تاب { رحيما } بالتوسعة على عباده. 898 روي أن أمهات ~~المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، هجرهن شهرا، ونزل التخيير، فأشفقن أن يطلقهن، فقلن يا رسول ~~الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت. وروي 899 أن عائشة رضي الله عنها ~~قالت يا رسول الله إني أرى ربك يسارع في هواك. { ترجى } بهمز وغير همز ~~تؤخر { وتئوى } تضم، يعني تترك مضاجعة من تشاء منهن. وتضاجع من ~~تشاء. أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. # أو تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت. أو تترك تزوج من شئت من نساء ~~أمتك، وتتزوج من شئت. وعن الحسن رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذه قسمة جامعة ~~لما هو الغرض لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم ~~أو لم يقسم. وإذا طلق وعزل، فإما أن تخلي المعزولة لا يبتغيها، أو ~~يبتغيها. روي أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان ~~يقسم لهن ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة ~~وزينب رضي الله عنهن أرجى خمسة وآوى أربعة. وروي 900 أنه كان يسوي مع ~~ما أطلق له وخير فيه إلا سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت لا ~~تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك { ذلك } التفويض إلى مشيئتك { أدنى ~~} إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا لأنه إذا سوى بينهن في ~~الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء. وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهن ~~مما تريد ومما لا تريد إلا مثل ما للأخرى. وعلمن أن هذا التفويض من عند ~~الله بوحيه - اطمأنت نفوسهن وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا وقرت ~~العيون، وسلت القلوب { والله يعلم ما فى قلوبكم ms1602 } فيه ~~وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله من ذلك، وفوض إلى مشيئة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق ~~على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه. وقرىء «تقر ~~أعينهن»، بضم التاء ونصب الأعين. وتقر أعينهن، على البناء للمفعول { ~~وكان الله عليما } بذات الصدور { حليما } لا يعاجل بالعقاب، ~~فهو حقيق بأن يتقى ويحذر، { كلهن } تأكيد لنون يرضين، وقرأ ابن ~~مسعود «ويرضين كلهن، بما آتيتهن»، على التقديم. وقرأ «كلهن»، تأكيد ~~ل «هن» في { ءاتيتهن }. ### || [33.52] # { لا يحل } وقرىء التذكير، لأن تأنيث الجمع غير حقيقي، وإذا جاز ~~بغير فصل في قوله تعالى # وقال نسوة # يوسف 30 كان مع الفصل أجوز { من بعد } من بعد التسع، لأن التسع ~~نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمته ~~منهن، فلا يحل له أن يتجاوز النصاب { ولا أن تبدل بهن } ولا ~~أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا أخر بكلهن أو بعضهن، أراد الله لهن ~~كرامة وجزاء على ما اخترن ورضين. فقصر النبي صلى الله عليه وسلم عليهن، ~~وهي التسع اللاتي مات عنهن عائشة بنت أبي بكر، حفصة بنت عمر، أم حبيبة ~~بنت أبي سفيان، سودة بنت زمعة، أم سلمة بنت أبي أمية، صفية بنت حيي ~~الخيبرية، ميمونة بنت الحرث الهلالية، زينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت ~~الحرث المصطلقية، رضي الله عنهن. من في { من أزواج } لتأكيد ~~النفي، وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم. وقيل معناه لا تحل لك ~~النساء من بعد النساء اللاتي نص إحلالهن لك من الأجناس الأربعة من ~~الأعرابيات والغرائب، أو من الكتابيات، أو من الإماء بالنكاح، وقيل في ~~تحريم التبدل هو من البدل الذي كان في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل ~~بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي، فينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه. ~~ويحكى 901 أن عيينة بن حصن دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ~~عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله صلى الله عليه ms1603 وسلم # " يا عيينة، أين الاستئذان " # ؟ قال يا رسول الله، ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت، ثم قال ~~من هذه الجميلة إلى جنبك؟ فقال صلى الله عليه وسلم # " هذه عائشة أم المؤمنين " # قال عيينة أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال صلى الله عليه وسلم # " إن الله قد حرم ذلك " # ، فلما خرج قالت عائشة رضي الله عنها من هذا يا رسول الله؟ قال # " أحمق مطاع، وإنه - على ما ترين - لسيد قومه " # وعن عائشة رضي الله عنها 902 ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~أحل له النساء، يعني أن الآية قد نسخت. ولا يخلو نسخها إما أن يكون ~~بالسنة، وإما بقوله تعالى { إنا أحللنا لك أزوجك } وترتيب ~~النزول ليس على ترتيب المصحف { ولو أعجبك حسنهن } في موضع ~~الحال من الفاعل، وهو الضمير في { تبدل } لا من المفعول الذي هو { ~~من أزواج } لأنه موغل في التنكير، وتقديره مفروضا إعجابك بهن. ~~وقيل هي أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، والمراد أنها ~~ممن أعجبه حسنهن، واستثنى ممن حرم عليه الإماء { رقيبا } حافظا ~~مهيمنا، وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وتخطي حلاله إلى حرامه. ### || [33.53] # { أن يؤذن لكم } في معنى الظرف تقديره وقت أن يؤذن لكم. و { ~~غير نظرين } حال من { لا تدخلوا } وقع الاستثناء على ~~الوقت والحال معا. كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون ~~طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه. ومعناه لا تدخلوا يا ~~هؤلاء المتحينون للطعام، إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ~~وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصا، لما جاز لأحد أن يدخل بيوت النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا أن يؤذن له إذنا خاصا، وهو الإذن إلى الطعام فحسب. ~~وعن ابن أبي عبلة أنه قرأ غير ناظرين، مجرورا صفة لطعام، وليس بالوجه، ~~لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو له ms1604 أن يبرز إلى اللفظ، ~~فيقال غير ناظرين إناه أنتم، كقولك هند زيد ضاربته هي، وإني الطعام ~~إدراكه. يقال أني الطعام إنى، كقولك قلاه قلى. ومنه قوله # بين حميم آن # الرحمن 44 بالغ إناه. وقيل «إناه» وقته، أي غير ناظرين وقت الطعام ~~وساعة أكله. وروي 903 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على زينب ~~بتمر وسويق وشاة، وأمر أنسا أن يدعو بالناس، فترادفوا أفواجا يأكل فوج ~~فيخرج، ثم يدخل فوج إلى أن قال يا رسول الله، دعوت حتى ما أجد أحدا ~~أدعوه، فقال # " ارفعوا طعامكم " # وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليخرجوا، فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال # " السلام عليكم أهل البيت " # فقالوا عليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ وطاف في الحجرات فسلم ~~عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متوليا خرجوا، فرجع ونزلت ~~{ ولا مستئنسين لحديث } نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس ~~بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به. أو عن أن يستأنسوا حديث أهل البيت، ~~واستئناسه تسمعه وتوجسه، وهو مجرور معطوف على ناظرين. وقيل هو منصوب على ~~ولا تدخلوها مستأنسين. لا بد في قوله { فيستحيى منكم } من ~~تقدير المضاف، أي من إخراجكم، بدليل قوله { والله لا يستحى ~~من الحق } يعني أن إخراجكم حتى ما ينبغي أن يستحيا منه، ولما كان ~~الحياء مما يمنع الحي من بعض الأفعال، قيل { لا يستحى من الحق } ~~بمعنى لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحي منكم، وهذا أدب أدب الله تعالى ~~به الثقلاء. وعن عائشة رضي الله عنها حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم ~~يحتملهم وقال فإذا طعمتم فانتشروا. # وقرىء «لا يستحي» بياء واحدة. الضمير في { سألتموهن } لنساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكرن لأن الحال ناطقة بذكرهن { ~~متعا } حاجة { فسئلوهن } المتاع. قيل 904 إن عمر رضي الله ~~عنه كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة، ms1605 وكان يذكره كثيرا، ويزد أن ~~ينزل فيه، وكان يقول لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، وقال يا رسول الله، ~~يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت. وروي ~~أنه مر عليهن وهن مع النساء في المسجد، فقال لئن احتجبتن، فإن لكن على ~~النساء فضلا، كما أن لزوجكن على الرجال الفضل، فقالت زينب رضي الله عنها ~~يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فلم يلبثوا إلا ~~يسيرا حتى نزلت. وقيل 906 إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ~~ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب. وذكر أن بعضهم قال أننهى أن نكلم بنات عمنا ~~إلا من وراء حجاب، لئن مات محمد لأتزوجن فلانة. فأعلم الله أن ذلك محرم ~~{ وما كان لكم } وما صح لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا نكاح أزواجه من بعده، وسمى نكاحهن من بعده عظيما عنده، وهو من أعلام ~~تعظيم الله تعالى لرسوله وإيجاب حرمته حيا وميتا، وإعلامه بذلك مما طيب ~~به تعالى نفسه وسر قلبه واستغزر شكره. فإن نحو هذا مما يحدث الرجل به ~~نفسه ولا يخلي منه فكره. ومن الناس من تفرظ غيرته على حرمته حتى يتمنى ~~لها الموت لئلا تنكح من بعده. وعن بعض الفتيان أنه كانت له جارية لا يرى ~~الدنيا بها شغفا واستهتارا، فنظر إليها ذات يوم فتنفس الصعداء، وانتحب ~~فعلا نحيبه مما ذهب به فكره هذا المذهب، فلم يزل به ذلك حتى قتلها، ~~تصورا لما عسى يتفق من بقائها بعده وحصولها تحت يد غير. وعن بعض الفقهاء ~~أن الزوج الثاني في هدم الثلاث مما يجري مجرى العقوبة فصين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عما يلاحظ ذلك. ### || [33.54] # { إن تبدوا شيئا } من نكاحهن على ألسنتكم { أو تخفوه } في ~~صدوركم { فإن الله } يعلم ذلك فيعاقبكم به، وإنما جاء به على أثر ~~ذلك عاما لكل باد وخاف، ليدخل تحته نكاحهن وغيره ولأنه ms1606 على هذه الطريقة ~~أهول وأجزل. ### || [33.55] # روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب يا رسول ~~الله، أو نحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب، فنزلت { لا جناح ~~عليهن } أي لا إثم عليهم في أن لا يحتجبن من هؤلاء ولم يذكر العم ~~والخال، لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد جاءت تسمية العم أبا. قال ~~الله تعالى # وإله آبائك إبرهيم وإسمعيل وإسحق # البقرة 133 وإسماعيل عم يعقوب. وقيل كره ترك الاحتجاب عنهما لأنهما ~~يصفانها لأبنائهما، وأبناؤهما غير محارم، ثم نقل الكلام من الغيبة إلى ~~الخطاب، وفي هذا النقل ما يدل على فضل تشديد، فقيل { واتقين ~~الله } فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحي من الاستتار، ~~واحتطن فيه، وفيما استثنى منه ما قدرتن، واحفظن حدودهما واسلكن طريق ~~التقوى في حفظهما وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأنتن غير محجبات، ~~ليفضل سركن علنكن { إن الله كان على كل شىء } من السر ~~والعلن وظاهر الحجاب وباطنه { شهيدا } لاتتفاوت في علمه الأحوال. ### || [33.56] # قرىء «وملائكته» بالرفع، عطفا على محل إن واسمها، وهو ظاهر على مذهب ~~الكوفيين، ووجهه عند البصريين، أن يحذف الخبر لدلالة يصلون عليه { ~~صلوا عليه وسلموا } أي قولوا الصلاة على الرسول والسلام. ~~ومعناه الدعاء بأن يترحم عليه الله ويسلم. فإن قلت الصلاة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها؟ قلت بل واجبة، وقد اختلفوا في ~~حال وجوبها. فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره. وفي الحديث 907 # " من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله " # ، ويروى 908 أنه قيل يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى { إن الله ~~وملئكته يصلون على النبى } فقال صلى الله عليه وسلم # " هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إن ~~الله وكل بي ملكين فلا أذكر عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك ~~الملكان غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين ~~آمين، ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلي علي إلا قال ذانك الملكان ms1607 ~~لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين " # ، ومنهم من قال تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية ~~السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره. ومنهم من أوجبها ~~في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين. والذي يقتضيه الاحتياط. ~~الصلاة عليه عند كل ذكر، لما ورد من الأخبار. فإن قلت فالصلاة عليه في ~~الصلاة، أهي شرط في جوازها أم لا؟ قلت أبو حنيفة وأصحابه لا يرونها ~~شرطا، وعن إبراهيم النخعي كانوا يكتفون عن ذلك - يعني الصحابة - ~~بالتشهد، وهو السلام عليك أيها النبي، وأما الشافعي رحمه الله فقد جعلها ~~شرطا. فإن قلت فما تقول في الصلاة على غيره؟ قلت القياس جواز الصلاة على ~~كل مؤمن، لقوله تعالى # هو الذى يصلى عليكم # الأحزاب 43 وقوله تعالى # وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم # التوبة 103 وقوله صلى الله عليه وسلم 909 # " اللهم صل على آل أبي أوفى " # ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى ~~الله على النبي وآله، فلا كلام فيها. وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت ~~بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه، لأن ذلك صار شعارا لذكر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 910 # " من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ". ### || [33.57-58] # { يؤذون الله ورسوله } فيه وجهان، أحدهما أن يعبر بإيذائهما ~~عن فعل ما يكرهانه ولا يرضيانه من الكفر والمعاصي، وإنكار النبوة، ~~ومخالفة الشريعة، وما كانوا يصيبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أنواع المكروه، على سبيل المجاز. وإنما جعلته مجازا فيهما جميعا، ~~وحقيقة الإيذاء صحيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا أجعل العبارة ~~الواحدة معطية معنى المجاز والحقيقة. والثاني أن يراد يؤذون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل في أذى الله هو قول اليهود والنصارى والمشركين ~~يد الله مغلولة وثالث ثلاثة والمسيح ابن الله ms1608 والملائكة بنات الله ~~والأصنام شركاؤه. وقيل قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته. وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه 911 # " شتمني ابن آدم ولم ينبغ له أن يشتمني، وآذاني ولم ينبغ له ~~أن يؤذيني، فأما شتمه إياي فقوله إني اتخذت ولدا. وأما أذاه ~~فقوله إن الله لا يعيدني بعد أن بدأني " # وعن عكرمة فعل أصحاب التصاوير الذين يرمون تكوين خلق مثل خلق الله، وقيل ~~في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولهم ساحر، شاعر، كاهن، مجنون. ~~وقيل كسر رباعيته وشج وجهه يوم أحد. وقيل طعنهم عليه في نكاح صفية بنت ~~حيي، وأطلق إيذاء الله ورسوله، وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات لأن أذى ~~الله ورسوله لا يكون إلا غير حق أبدا. وأما أذى المؤمنين والمؤمنات، ~~فمنه ومنه. ومعنى { بغير ما اكتسبوا } بغير جناية واستحقاق ~~للأذى. وقيل نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليا رضي الله عنه ~~ويسمعونه. وقيل في الذين أفكوا على عائشة رضي الله عنها. وقيل في زناة ~~كانوا يتبعون النساء وهن كارهات. وعن الفضيل لا يحل لك أن تؤذي كلبا أو ~~خنزيرا بغير حق، فكيف، وكان ابن عون لا يكري الحوانيت إلا من أهل ~~الذمة، لما فيه من الروعة عند كر الحول. ### || [33.59] # الجلباب ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها ~~وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما الرداء الذي ~~يستر من فوق إلى أسفل. وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. ~~قال أبو زبيد # مجلبب من سواد الليل جلبابا # ومعنى { يدنين عليهن من جلبيبهن } يرخينها عليهن، ~~ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ~~ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على هجيراهن في ~~الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرة والأمة، وكان ~~الفتيان وأهل الشطارة يتعرضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهن من ~~النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، ms1609 يقولون ~~حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زيبلبس الأماء الأردية والملاحف ~~وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهين فلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله { ~~ذلك أدنى أن يعرفن } أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرض ~~لهن ولا يلقين ما يكرهن. فإن قلت ما معنى { من } في { من ~~جلبيبهن }؟ قلت هو للتبعيض. إلا أن يكون معنى التبعيض محتمل ~~وجهين، أحدهما أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلاليب، والمراد أن لا تكون ~~الحرة متبذلة في درع وخمار، كالأمة والماهنة الخادمه ولها جلبابان ~~فصاعدا في بيتها. والثاني أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها ~~تتقنع حتى تتميز من الأمة. وعن ابن سيرين سألت عبيدة السلماني عن ذلك ~~فقال أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وعن السدي ~~تغطي إحدى عينيها وجبهتها، والشق الآخر إلا العين، وعن الكسائي يتقنعن ~~بملاحفهن منضمة عليهن، أراد بالانضمام معنى الإدناء { وكان الله ~~غفورا } لما سلف منهن من التفريط مع التوبة لأن هذا مما يمكن معرفته ~~بالعقل. ### || [33.60-62] # { والذين فى قلوبهم مرض } قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ~~ثبات عليه. وقيل هم الزناة وأهل الفجور من قوله تعالى # فيطمع الذى فى قلبه مرض # الأحزاب 32. { والمرجفون } ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن ~~سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون هزموا وقتلوا، وجرى عليهم ~~كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال أرجف بكذا، إذا أخبر به على ~~غير حقيقة، لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة. ~~والمعنى لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدكم، والفسقة عن فجورهم، ~~والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي ~~تسوءهم وتنوءهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا ~~يساكنوك فيها { إلا } زمنا { قليلا } ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم ~~وعيالاتهم، فسمى ذلك إغراء، وهو التحريش على سبيل المجاز { ملعونين ~~} نصب على الشتم أو الحال، أي لا يجاورونك إلا ملعونين، دخل حرف ~~الاستثناء على الظرف والحال معا، كما مر في قوله # إلا أن ms1610 يؤذن لكم إلى طعام غير نظرين إنه # الأحزاب 53 ولا يصح أن ينتصب عن { أخذوا } لأن ما بعد كلمة الشرط ~~لا يعمل فيما قبلها. وقيل في { قليلا } وهو منصوب على الحال أيضا. ~~ومعناه لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء ملعونين. فإن قلت ما موقع لا ~~يجاورونك؟ قلت لا يجاورونك عطف على لنغرينك، لأنه يجوز أن يجاب به القسم. ~~ألا ترى إلى صحة قولك لئن لم ينتهوا لا يجاورونك. فإن قلت أما كان من حق ~~لا يجاورونك أن يعطف بالفاء، وأن يقال لنغرينك بهم فلا يجاورونك؟ قلت لو ~~جعل الثاني مسببا عن الأول لكان الأمر كما قلت ولكنه جعل جوابا آخر ~~للقسم معطوفا على الأول، وإنما عطف بثم، لأن الجلاء عن الأوطان كان ~~أعظم عليهم وأعظم من جميع ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه ~~{ سنة الله } في موضع مؤكد، أي سن الله في الذين ينافقون ~~الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا وعن مقاتل يعني كما قتل أهل بدر وأسروا. ### || [33.63] # كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة ~~استعجالا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا لأن الله تعالى عمى ~~وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، لم يطلع عليه ملكا ولا نبيا، ثم ~~بين لرسوله أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكاتا للمتحنين { ~~قريبا } شيئا قريبا، أو لأن الساعة في معنى اليوم، أو في زمان قريب. ### || [33.64-65] # السعير النار المسعورة الشديدة الإيقاد. ### || [33.66] # وقرىء «تقلب» على البناء للمفعول. وتقلب بمعنى يتقلب. ونقلب، أي نقلب ~~نحن. وتقلب، على أن الفعل للسعير، ومعنى تقليبها تصريفها في الجهات، كما ~~ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو ~~تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها. أو طرحها في النار مقلوبين ~~منكوسين. وخصت الوجوه بالذكر، لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده. ~~ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة، وناصب ms1611 الظرف { يقولون } أو ~~محذوف، وهو «اذكر» وإذا نصب بالمحذوف كان { يقولون } حالا. ### || [33.67-68] # وقرىء «سادتنا» و«ساداتنا» وهم رؤوساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه ~~لهم. يقال ضل السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف لإطلاق الصوت جعلت فواصل ~~الآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ~~ما بعده مستأنف. وقرىء «كثيرا» تكثيرا لإعداد اللعائن. وكبيرا، ليدل ~~على أشد اللعن وأعظمه { ضعفين } ضعفا لضلاله وضعفا لإضلاله ~~يعترفون، ويستغيثون، ويتمنون، ولا ينفعهم شيء من ذلك. ### || [33.69] # { لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى } قيل نزلت في شأن زيد ~~وزينب، وما سمع فيه من قالة بعض الناس. وقيل في أذى موسى عليه السلام هو ~~حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها، وقيل اتهامهم إياه بقتل ~~هارون، وكان قد خرج معه إلى الجبل فمات هناك، فحملته الملائكة ومروا به ~~عليهم ميتا فأبصروه حتى عرفوا أنه غير مقتول. وقيل أحياه الله فأخبرهم ~~ببراءة موسى عليه السلام. وقيل قرفوه بعيب في جسده من برص أو أدرة، ~~فأطلعهم الله على أنه برىء منه { وجيها } ذا جاه ومنزلة عنده، فلذلك ~~كان يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه، لئلا يلحقه وصم ولا يوصف ~~بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة. وقرأ ابن مسعود والأعمش ~~وأبو حيوة «وكان عبد الله وجيها» قال ابن خالويه صليت خلف ابن شنبوذ في ~~شهر رمضان، فسمعته يقرؤها. وقراءة العامة أوجه لأنها مفصحة عن وجاهته عند ~~الله، كقوله تعالى # عند ذى العرش مكين # التكوير 20 وهذه ليست كذلك، فإن قلت قوله { مما قالوا } معناه من ~~قولهم، أو من مقولهم لأن «ما» إما مصدرية أو موصولة، وأيهما كان فكيف ~~تصح البراءة منه؟ قلت المراد بالقول أو المقول مؤداه ومضمونة وهو الأمر ~~المعيب، ألا ترى أنهم سموا السبة بالقالة، والقالة بمعنى القول؟. ### || [33.70-73] # { قولا سديدا } قاصدا إلى الحق والسداد القصد إلى الحق، والقول ~~بالعدل. يقال سدد السهم نحو الرمية إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا ~~سهم قاصد، والمراد نهيهم عما خاضوا فيه ms1612 من حديث زينب من غير قصد وعدل في ~~القول، والبعث على أن يسد قولهم في كل باب لأن حفظ اللسان وسداد القول ~~رأس الخير كله. والمعنى راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم ~~إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة من تقبل حسناتكم والإثابة ~~عليها، ومن مغفرة سيآتكم وتكفيرها. وقيل إصلاح الأعمال التوفيق في المجيء ~~بها صالحة مرضية وهذه الآية مقررة للتي قبلها، بنيت تلك على النهي عما ~~يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في ~~حفظ اللسان ليترادف عليهم النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد ~~من قصة موسى عليه السلام، وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوى الصارف عن ~~الأذى والداعي إلى تركه. لما قال { ومن يطع الله ورسوله } ~~وعلق بالطاعة الفوز العظيم، أتبعه قوله { إنا عرضنا الأمانة } ~~وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظم أمرها وفخم شأنها، وفيه وجهان، أحدهما ~~أن هذه الأجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله ~~عز وعلا انقياد مثلها - وهو ما يتأتى من الجمادات - وأطاعت له الطاعة ~~التي تصح منها وتليق بها. حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادا ~~وتكوينا وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة، كما قال # قالتا أتينا طائعين # فصلت 11 وأما الإنسان فلم تكن حاله - فيما يصح منه من الطاعات ويليق به ~~من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف - مثل حال ~~تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع، ~~والمراد بالأمانة الطاعة لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة ~~الأداء. وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز. وأما حمل الأمانة ~~فمن قولك فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها ~~حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن ~~عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا ~~أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملا لها. ونحوه قولهم، لا يملك مولى ~~لمولى نصرا. يريدون أنه يبذل ms1613 النصرة له ويسامحه بها، ولا يمسكها كما ~~يمسكها الخاذل، ومنه قول القائل # أخوك الذي لا تملك الحس نفسه وترفض عند ~~المحفظات الكتائف # أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده، بل يبذل ذلك ~~ويسمح به. ومنه قولهم أبغض حق أخيك؟ لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم ~~يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأداه، فمعنى، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، ~~فأبين إلا أن يؤدينها وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤديها. # ثم وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده ~~مع تمكنه منه وهو أداؤها. والثاني أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل ~~محمله أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشده أن يتحمله ~~ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ~~ورخاوة قوته { إنه كان ظلوما جهولا } حيث حمل الأمانة ثم لم ~~يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان ~~العرب. وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم لو قيل ~~للشحم أين تذهب؟ لقال أسوي العوج، وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة ~~البهائم والجمادات. وتصور مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أن السمن في ~~الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصور أثر السمن ~~فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس وله أقبل، وعلى حقيقته ~~أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. ~~فإن قلت قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد أراك ~~تقدم رجلا وتؤخر أخرى لأنه مثلت حاله - في تميله وترجحه بين الرأيين ~~وتركه المضي على أحدهما - بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي ~~في وجهه. وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة ~~والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه ~~وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صح ms1614 بناء التمثيل على المحال، ~~وما مقال هذا إلا أن تشبه شيئا والمشبه به غير معقول. قلت الممثل به في ~~الآية وفي قولهم لو قيل للشحم أين تذهب. وفي نظائره مفروض، والمفروضات ~~تتخيل في الذهن كما المحققات مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله ~~بحاله المفروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها. واللام في { ليعذب } لام التعليل على طريق المجاز لأن ~~التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في ضربته للتأديب نتيجة ~~الضرب. وقرأ الأعمش «ويتوب» ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدىء ~~«ويتوب الله». ومعنى قراءة العامة ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على ~~غيره ممن لم يحملها، لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعا من عذاب ~~الغادر، والله أعلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 912 # " من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه، أعطي الأمان من عذاب ~~القبر ". ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # ما في السموات والأرض كله نعمة من الله، وهو الحقيق بأن يحمد ويثنى ~~عليه من أجله، ولما قال { الحمد لله } ثم وصف ذاته بالإنعام ~~بجميع النعم الدنيوية، كان معناه أنه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول ~~أحمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد أحمده على كسوته وحملانه. ولما قال { ~~وله الحمد فى الأخرة } علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو ~~الثواب. فإن قلت ما الفرق بين الحمدين؟ قلت أما الحمد في الدنيا فواجب، ~~لأنه على نعمة متفضل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي الثواب. ~~وأما الحمد في الآخرة فليس بواجب، لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى ~~مستحقها، وإنما هو تتمة سرور المؤمنين وتكملة اغتباطهم يلتذون به كما ~~يلتذ من به العطاش بالماء البارد { وهو الحكيم } الذي أحكم أمور ~~الدارين ودبرها بحكمته { الخبير } بكل كائن يكون. ثم ذكرها مما يحيط ~~به علما { ما يلج فى الأرض } من الغيث كقوله # فسلكه ينابيع فى الأرض # الزمر 21 ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات { وما ~~يخرج منها } من الشجر ms1615 والنبات، وماء العيون، والغلة والدواب، وغير ~~ذلك { وما ينزل من السمآء } من الأمطار والثلوج والبرد ~~والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى # وفى السماء رزقكم وما توعدون # الذاريات 22 { وما يعرج فيها } من الملائكة وأعمال العباد { ~~وهو } مع كثرة نعمه وسبوغ فضله { الرحيم الغفور } للمفرطين في ~~أداء مواجب شكرها. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه تنزل، بالنون ~~والتشديد. ### || [34.3-4] # قولهم { لا تأتينا الساعة } نفي للبعث وإنكار لمجيء الساعة. أو ~~استبطاء لما قد وعدوه من قيامها على سبيل الهزء والسخرية، كقولهم # متى هذا الوعد # يونس 48، الأنبياء 38. أوجب ما بعد النفي ببلى على المعنى أن ليس الأمر ~~إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، ~~وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، ثم أمد التوكيد القسمي إمدادا بما ~~أتبع المقسم به من الوصف بما وصف به، إلى قوله { ليجزى } لأن عظمة ~~حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدة ثباته واستقامته، لأنه ~~بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين ~~فضلا وأرفع منزلة، كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ. ~~فإن قلت هل للوصف الذي وصف به المقسم به وجه اختصاص بهذا المعنى؟ قلت نعم ~~وذلك أن قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، وأولها ~~مسارعة إلى القلب إذا قيل عالم الغيب، فحين أقسم باسمه على إثبات قيام ~~الساعة، وأنه كائن لا محالة، ثم وصف بما يرجع إلى علم الغيب، وأنه لا ~~يفوت علمه شيء من الخفيات، واندرج تحته إحاطته بوقت قيام الساعة، فجاء ما ~~تطلبه من وجه الاختصاص مجيئا واضحا. فإن قلت الناس قد أنكروا إتيان ~~الساعة وجحدوه، فهب أنه حلف لهم بأغلظ الأيمان وأقسم عليهم جهد القسم، ~~فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذبا كيف تكون مصححة لما أنكروه؟ ~~قلت هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة البينة الساطعة ~~وهي قوله { ليجزى } فقد وضع الله في العقول وركب في الغرائز وجوب ~~الجزاء، وأن ms1616 المحسن لا بد له من ثواب، والمسيء لا بد له من عقاب. وقوله ~~{ ليجزى } متصل بقوله { لتأتينكم } تعليلا له. قرىء ~~«لتأتينكم» بالتاء والياء. ووجه من قرأ بالياء أن يكون ضميره للساعة ~~بمعنى اليوم. أو يسندإلى عالم الغيب، أي ليأتينكم أمره كما قال تعالى # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتى ~~ربك # الأنعام 158 وقال # أو يأتى أمر ربك # النحل 33. وقرىء «عالم الغيب» و «علام الغيب» بالجر، صفة لربي. وعالم ~~الغيب، وعالم الغيوب بالرفع، على المدح. ولا يعزب بالضم والكسر في الزاي، ~~من العزوب وهو البعد. يقال روض عزيب بعيد من الناس { مثقال ذرة } ~~مقدار أصغر نملة { ذلك } إشارة إلى مثقال ذرة. وقرىء «ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر». بالرفع على أصل الابتداء. وبالفتح على نفي الجنس، كقولك ~~لا حول ولا قوة إلا بالله، بالرفع والنصب. وهو كلام منقطع عما قبله. ~~فإن قلت هل يصح عطف المرفوع على مثقال ذرة، كأنه قيل لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة وأصغر وأكبر وزيادة، لا لتأكيد النفي. وعطف المفتوح على ذرة بأنه ~~فتح في موضع الجر لامتناع الصرف، كأنه قيل لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا ~~مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر؟ قلت يأبى ذلك حرف الاستثناء، إلا إذا جعلت ~~الضمير في { عنه } للغيب. وجعلت { الغيب } اسما للخفيات. قبل أن ~~تكتب في اللوح لأن إثباتها في اللوح من البروز عن الحجاب، على معنى أنه ~~لا ينفصل عن الغيب شيء، ولا يزل عنه إلا مسطورا في اللوح. ### || [34.5] # وقرىء «معجزين». و«أليم»، وبالرفع والجر. وعن قتادة الرجز سوء العذاب. ### || [34.6] # وقرىء «معجزين». فأليم بالرفع والجر، وعن قتادة الرجز سوء العذاب. ويرى ~~في موضع الرفع، أي ويعلم أولو العلم، يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمته. أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا مثل ~~كعب والأحبار وعبد الله ابن سلام رضي الله عنهما. { الذى أنزل ~~إليك.... الحق } هما مفعولان ليرى، وهو فصل من قرأ «الحق» بالرفع ~~جعله مبتدأ و { الحق } خبرا، والجملة ms1617 في موضع المفعول الثاني. وقيل ~~{ ويرى } في موضع النصب معطوف على { ليجزى } أي وليعلم أولو ~~العلم عند مجيء الساعة أنه الحق. علما لا يزاد عليه في الإيقان، ويحتجوا ~~به على الذين كذبوا وتولوا. ويجوز أن يريد وليعلم من لم يؤمن من الأحبار ~~أنه هو الحق فيزدادوا حسرة وغما. ### || [34.7-8] # { الذين كفروا } قريش. قال بعضهم لبعض { هل ندلكم ~~على رجل } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم يحدثكم بأعجوبة من ~~الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشئون خلقا جديدا بعد أن تكونوا رفاتا وترابا ~~ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق، أي يفرقكم ويبدد أجزاءكم كل تبديد. أهو ~~مفتر على الله كذبا فيما ينسب إليه من ذلك؟ أم به جنون يوهمه ذلك ويلقيه ~~على لسانه؟ ثم قال سبحانه ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو مبرأ ~~منهما بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار فيما ~~يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجن الجنون ~~وأشده إطباقا على عقولهم جعل وقوعهم في العذاب رسيلا لوقوعهم في ~~الضلال، كأنهما كائنان في وقت واحد لأن الضلال لما كان العذاب من لوازمه ~~وموجباته جعلا كأنهما في الحقيقة مقترنان. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه ~~ينبيكم. فإن قلت فقد جعلت الممزق مصدرا، كبيت الكتاب # ألم تعلم مسرحي القوافي فلاعيا بهن ولا ~~اجتلابا # فهل يجوز أن يكون مكانا؟ قلت نعم. ومعناه ما حصل من الأموات في بطون ~~الطير والسباع، وما مرت به السيول فذهبت به كل مذهب، وما سفته الرياح ~~فطرحته كل مطرح. فإن قلت ما العامل في إذا؟ قلت ما دل عليه { إنكم ~~لفى خلق جديد } وقد سبق نظيره. فإن قلت الجديد فعيل بمعنى فاعل ~~أم مفعول؟ قلت هو عند البصريين بمعنى فاعل، تقول جد فهو جديد، كحد فهو ~~حديد، وقل فهو قليل. وعند الكوفيين بمعنى مفعول، من جده إذا قطعه. ~~وقالوا هو الذي جده الناسج الساعة في الثوب ثم شاع. ويقولون ولهذا قالوا ~~ملحفة جديد، وهي عند البصريين كقوله تعالى # إن رحمت الله ms1618 قريب # الأعراف 56 ونحو ذلك. فإن قلت لم أسقطت الهمزة في قوله { افترى } ~~دون قوله { السحر } ، وكلتاهما همزة وصل؟ قلت القياس الطرح، ولكون ~~أمرا اضطرهم إلى ترك إسقاطها في نحو { السحر } وهو خوف التباس ~~الاستفهام بالخبر، لكون همزة الوصل مفتوحة كهمزة الاستفهام. فإن قلت ما ~~معنى وصف الضلال بالبعد؟ قلت هو من الإسناد المجازي لأن البعيد صفة ~~الضال إذا بعد عن الجادة، وكلما ازداد عنها بعدا كان أضل. فإن قلت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهورا علما في قريش، وكان إنباؤه بالبعث ~~شائعا عندهم، فما معنى قوله { هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم } فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدل على ~~مجهول في أمر مجهول. قلت كانوا يقصدون بذلك الطنز والسخرية، فأخرجوه مخرج ~~التحلي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي متجاهلين به وبأمره. ### || [34.9] # يريد أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا وأينما ~~ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن ~~يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله عز وجل، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم ~~أو يسقط عليهم كسفا، لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبما جاء به، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة { إن فى ذلك } النظر ~~إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان عليه من قدرة الله { لأية } ~~ودلالة { لكل عبد منيب } وهو الراجع إلى ربه المطيع له لأن ~~المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شيء من البعث ~~ومن عقاب من يكفر به. قرىء «يشأ ويخسف ويسقط» بالياء لقوله تعالى # افترى على الله كذبا # الأنعام 93 وبالنون لقوله { ولقد ءاتينا } وكسفا بفتح السين ~~وسكونه. وقرأ الكسائي «يخسف بهم» بالإدغام وليست بقوية. ### || [34.10-13] # { يجبال } إما أن يكون بدلا من { فضلا } ، وإما من { ~~ءاتينا } بتقدير قولنا يا جبال. أو قلنا يا جبال. وقرىء «أوبي» و ~~«أوبي» من التأويب. والأوب أي رجعي معه التسبيح. أو ارجعى معه في التسبيح ~~كلما رجع فيه لأنه ms1619 إذا رجعه فقد رجع فيه ومعنى تسبيح الجبال أن الله ~~سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ~~ما يسمع من المسبح معجزة لداود. وقيل كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، ~~وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. وقرىء «والطير»، ~~رفعا ونصبا، وعطفا على لفظ الجبال ومحلها. وجوزوا أن ينتصب مفعولا ~~معه، وأن يعطف على فضلا، بمعنى وسخرنا له الطير. فإن قلت أي فرق بين هذا ~~النظم وبين أن يقال { ءاتينا داوود منا فضلا } تأويب الجبال ~~معه والطير؟ قلت كم بينهما. ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى ~~من الدلالة على عزة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزلة ~~منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا ~~إشعارا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ~~ممتنع على إرادته { وألنا له الحديد } وجعلناه له لينا ~~كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. ~~وقيل لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة أن اعمل سابغات وقرىء ~~«صابغات» وهي الدروع الواسعة الضافية، وهو أول من اتخذها وكانت قبل ~~صفائح. وقيل كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله، ~~ويتصدق على الفقراء. وقيل كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكرا، فيسأل ~~الناس عن نفسه، ويقول لهم ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه، فقيض الله له ~~ملكا في صورة آدمي فسأله على عادته، فقال نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع ~~داود، فسأله؟ فقال لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه ~~أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع { وقدر في ~~السرد } لا تجعل المسامير دقاقا فتقلق، ولا غلاظا فتفصم الحلق. ~~والسرد نسج الدروع { واعملوا } الضمير لدواد وأهله { و } سخرنا { ~~لسليمن الريح } فيمن نصب ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع، ~~وكذلك فيمن قرأ الرياح، بالرفع { غدوها شهر } جريها بالغداة ~~مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك. ms1620 وقرىء «غدوتها وروحتها». وعن الحسن رضي ~~الله عنه كان يغدو فيقيل باصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل. ويحكى أن ~~بعضهم رأي مكتوبا في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان نحن نزلناه ~~وما بنيناه ومبنيا وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه ~~فبائتون بالشام إن شاء الله. # القطر النحاس المذاب من القطران. فإن قلت ماذا أراد بعين القطر؟ قلت ~~أراد بها معدن النحاس ولكنه أساله كما ألان الحديد لداود، فنبع كما ينبع ~~الماء من العين فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال # إنى أرانى أعصر خمرا # يوسف 36 وقيل كان يسبل في الشهر ثلاثة أيام { بإذن ربه } بأمره { ~~ومن يزغ منهم } ومن يعدل { عن أمرنا } الذي أمرناه به من ~~طاعة سليمان. وقرىء «يزغ» من أزاغه. وعذاب السعير عذاب الآخرة، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وعن السدي كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى ~~عليه ضربه من حيث لا يراه الجني. المحاريب المساكن والمجالس الشريفة ~~المصونة عن الابتذال سميت محاريب لأنه يحامي عليها ويذب عنها. وقيل هي ~~المساجد والتماثيل صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل فيه ~~المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. فإن ~~قلت كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير؟ قلت هذا مما يجوز أن ~~تختلف في الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي ~~العالية لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرما. ويجوز أن يكون غير صور ~~الحيوان كصور الأشجار وغيرها لأن التمثال كل ما صور على مثل صورة غيره ~~من حيوان وغير حيوان. أو تصور محذوفة الرؤوس. وروي أنهم عملوا له أسدين ~~في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، ~~وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. والجوابي الحياض الكبار، قال # تروح على آل المحلق جفنة كجابية السيح ~~العراقي تفهق # لأن الماء يجبى فيها، أي يجمع. جعل الفعل لها مجازا وهي من الصفات ~~الغالية كالدابة. وقيل كان يقعد على الجفنة ألف ms1621 رجل. وقرىء بحذف الياء ~~اكتفاء بالكسرة. كقوله تعالى # يوم يدعالداع # القمر 6. { رسيت } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها { ~~اعملوا ءال داوود } حكاية ما قيل لآل داود. وانتصب { شكرا } ~~على أنه مفعول له، أي اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيه ~~دليل على أن العبادة يجب أن تؤدى على طريق الشكر. أو على الحال، أي ~~شاكرين. أو على تقدير اشكروا شكرا، لأن اعملوا فيه معنى اشكروا، من حيث ~~إن العمل للمنعم شكر له. ويجوز أن ينتصب باعملوا مفعولا به. ومعناه إنا ~~سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرا على طريق ~~المشاكلة و { الشكور } المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه قد ~~شغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقادا واعترافا وكدحا، وأكثر أوقاته. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما من يشكر على أحواله كلها. وعن السدي من يشكر ~~على الشكر. وقيل من يرى عجزه عن الشكر. وعن داود أنه جزأ ساعات الليل ~~والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود ~~قائم يصلي. وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول اللهم اجعلني من ~~القليل، فقال عمر ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل إني سمعت الله يقول { ~~وقليل من عبادى الشكور } فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك ~~القليل، فقال عمر كل الناس أعلم من عمر. ### || [34.14] # قرىء «فلما قضى عليه الموت» ودابة الأرض الأرضة، وهي الدويبة التي يقال ~~لها السرفة والأرض فعلها، فأضيفت إليه. يقال أرضت الخشبة أرضا. إذا ~~أكلتها الأرضة. وقرىء بفتح الراء، من أرضت الخشبة أرضا، وهو من باب ~~فعلته ففعل، كقولك أكلت القوادح الأسنان أكلا. فأكلت أكلا والمنسأة ~~العصا. لأنه ينسأ بها، أي يطرد ويؤخر وقرىء بفتح الميم وبتخفيف الهمزة ~~قلبا وحذفا وكلاهما ليس بقياس، ولكن إخراج الهمزة بين بين هو التخفيف ~~القياسي. ومنساءته على مفعالة، كما يقال في الميضأة ميضاءة. ومن سأته، أي ~~من طرف عصاه، سميت بسأة القوس على الاستعارة. وفيها لغتان، كقولهم قحة ~~وقحة، وقرىء «أكلت منسأته» ms1622 { تبينت الجن } من تبين الشيء إذا ~~ظهر وتجلى. و { أن } مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال، كقولك تبين ~~زيد جهله والظهور له في المعنى، أي ظهر أن الجن { لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب } أو علم الجن كلهم ~~علما بينا - بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم وتوهمهم - أن ~~كبارهم يصدقون في ادعائهم علم الغيب أو علم المدعون علم الغيب منهم ~~عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما ~~أريد التهكم بهم كما تتهكم بمدعي الباطل إذا دحضت حجته وظهر إبطاله ~~بقولك هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبينا. وقرىء ~~«تبينت الجن» على البناء للمفعول، على أن المتبين في المعنى هو { أن } ~~مع ما في صلتها، لأنه بدل. وفي قراءة أبي تبينت الإنس. وعن الضحاك ~~تباينت الأنس بمعنى تعارفت وتعالمت. والضمير في { كانوا } للجن في ~~قوله { ومن الجن من يعمل بين يديه } أي علمت الإنس أن ~~لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب ما لبثوا. وفي قراءة ~~ابن مسعود رضي الله عنه «تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب». ~~روي أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس ~~المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد ~~أنطقها الله، فيسألها لأي شيء أنت؟ فتقول لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى ~~الخروبة، فسألها، فقالت نبت لخراب هذا المسجد فقال ما كان الله ليخربه ~~وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في ~~حائط له وقال اللهم عم عن الجن موتي، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون ~~الغيب. لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموهون على الإنس أنهم يعلمون الغيب، ~~وقال لملك الموت إذا أمرت بي فأعلمني، فقال أمرت بك وقد بقيت من عمرك ~~ساعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلي ~~متكئا على عصاه، فقبض روحه وهو متكىء عليها وكانت الشياطين ms1623 تجتمع حول ~~محرابه أينما صلى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلا احترق فمر به ~~شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر فإذا سليمان قد خر ميتا، ~~ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، ~~فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا، فحسبوا على ~~ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيا، ~~فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنة، وروي أن داود ~~عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام، فمات ~~قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من ~~عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه، ليبطل دعواهم علم ~~الغيب. # روي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم ~~يجسر أحد بعد أن يدنوا منه، وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة ملك وهو ~~ابن ثلاث عشرة سنة، فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس ~~لأربع مضين من ملكه. ### || [34.15-17] # قرىء { لسبإ } بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفا. ومسكنهم بفتح الكاف ~~وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو ~~مسكن كل واحد منهم. وقرىء «مساكنهم» و { جنتان } بدل من آية. أو خبر ~~مبتدإ محذوف، تقديره الآية جنتان. وفي الرفع معنى المدح، تدل عليه قراءة ~~من قرأ «جنتين»، بالنصب على المدح. فإن قلت ما معنى كونهما؟ آية، قلت لم ~~يجعل الجنتين في أنفسهما آية، وإنما جعل قصتهما، وأن أهلهما أعرضوا عن ~~شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما الخمط والأثل آية، وعبرة ~~لهم، ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط ~~النعم. ويجوز أن تجعلهما آية، أي علامة دالة على الله، وعلى قدرته ~~وإحسانه ووجوب شكره، فإن قلت كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب ~~قرية من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت؟ قلت لم ms1624 يرد بستانين ~~اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى ~~عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها. كأنها جنة واحدة، ~~كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن ~~يمين مسكنه وشماله، كما قال جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب { كلوا من ~~رزق ربكم } إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، ~~أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ولما قال { ~~كلوا من رزق ربكم } { واشكروا له } أتبعه قوله { ~~بلدة طيبة ورب غفور } يعني هذه البلدة التي فيها رزقكم ~~بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما كانت أخصب البلاد وأطيبها تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل ~~فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر، فيمتلىء المكتل بما يتساقط فيه من ~~الثمر { طيبة } لم تكن سبخة. وقيل لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا ~~برغوث ولا عقرب ولا حية. وقرىء «بلدة طيبة وربا غفورا» بالنصب على ~~المدح. وعن ثعلب معناه اسكن واعبد { العرم } الجرذ الذي نقب عليهم ~~السكر، ضربت لهم بلقيس الملكة بسد ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت ~~به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقا على مقدار ما يحتاجون إليه من ~~سقيهم، فلما طغوا قيل بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا يدعونهم إلى الله ~~ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة سلط الله على ~~سدهم الخلد فنقبه من أسفله فغرقهم. وقيل العرم جمع عرمة، وهي الحجارة ~~المركومة. ويقال للكدس من الطعام، عرمة والمراد المسناة التي عقدوها ~~سكرا وقيل العرم اسم الوادي، وقيل العرم المطر الشديد. # وقرىء «العرم» بسكون الراء. وعن الضحاك كانوا في الفترة التي بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء «أكل» بالضم والسكون، وبالتنوين ~~والإضافة، والأكل الثمر. والخمط شجر الأراك وعن أبي عبيدة كل شجر ذي شوك. ~~وقال الزجاج كل نبت أخذ طعما من مرارة، حتى لا يمكن أكله. والأثل شجر ~~يشبه ms1625 الطرفاء أعظم منه وأجود عودا. ووجه من نون أن أصله ذواتي أكل أكل ~~خمط. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل ~~ذواتي أكل بشع. ومن أضاف وهو أبو عمر وحده، فلأن أكل الخمط في معنى ~~البرير، كأنه قيل ذواتي برير. والأثل والسدر معطوفان على أكل، لا على خمط ~~لأن الأثل لا أكل له. وقرىء «وأثلا» وشيئا. بالنصب عطفا على جنتين. ~~وتسمية البدل جنتين، لأجل المشاكلة و فيه ضرب من التهكم. وعن الحسن رحمه ~~الله قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا. وقرىء «وهل يجازي» و «هل نجازي» ~~بالنون. و «هل يجازي» والفاعل الله وحده. و «هل يجزي» والمعنى أن مثل هذا ~~الجزاء لا يستحقه إلا الكافر، وهو العقاب العاجل، وقيل المؤمن تكفر ~~سيآته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء، ووجه ~~آخر وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى ~~في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله { جزينهم ~~بما كفروا } بمعنى عاقبناهم بكفرهم. قيل { وهل يجازى إلا الكفور } ~~بمعنى وهل يعاقب؟ وهو الوجه الصحيح وليس لقائل أن يقول لم قيل وهل يجازى ~~إلا الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للكافر والمؤمن، ~~لأنه لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل لا يجوز أن ~~يراد العموم وليس بموضعه. ألا ترى أنك لو قلت جزيناهم بما كفروا، وهل ~~يجازى إلا الكافر والمؤمن لم يصح ولم يسد كلاما، فتبين أن ما يتخيل من ~~السؤال مضمحل، وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ### || [34.18-19] # { القرى التى باركنا فيها } وهي قرى الشام { قرى ~~ظهرة } متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين ~~الناظرين. أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم حتى ~~تخفى عليهم { وقدرنا فيها السير } قيل كان الغادي منهم يقيل ~~في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ ms1626 الشام لا يخاف جوعا ولا ~~عطشا ولا عدوا، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء { سيروا فيها } ~~وقلنا لهم سيروا ولا قول ثم، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه ~~كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه. فإن قلت ما معنى قوله { ليالى ~~وأياما } قلت معناه سيروا فيها، إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، ~~فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات. أو سيروا فيها آمنين لا ~~تخافون. وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياما وليالي. أو سيروا فيها ~~لياليكم وأيامكم مدة أعماركم، فإنكم في كل حين وزمان، لا تلقون فيها إلا ~~الأمن. وقرىء «ربنا باعد بين أسفارنا» وبعد. ويا ربنا، على الدعاء، بطروا ~~النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب كما طلب ~~بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المن والسلوى، وقالوا لو كان جنى جناننا ~~أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشأم مفاوز ~~ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. وقرىء ~~«ربنا بعد بين أسفارنا» وبعد بين أسفارنا على النداء، وإسناد الفعل إلى ~~بين ورفعه به، كما تقول سير فرسخان، وبوعد بين أسفارنا. وقرىء «ربنا باعد ~~بين أسفارنا» و «بين سفرنا» وبعد، برفع ربنا على الابتداء، والمعنى خلاف ~~الأول، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوها لفرط تنعمهم وترفههم، ~~كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه { أحاديث } يتحدث ~~الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا ~~مضروبا، يقولون ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ. قال كثير # أيادي سبا يا عز ما كنت بعدكم فلم يحل ~~بالعينين بعدك منظر # لحق غسان بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان، { صبار ~~} عن المعاصي { شكور } للنعم. ### || [34.20-21] # قرىء «صدق» بالتشديد والتخفيف، ورفع إبليس ونصب الظن، فمن شدد فعلى ~~حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقا ومن خفف فعلى صدق في ظنه أو صدق يظن ~~ظنا، نحو فعلته جهدك، وبنصب إبليس ورفع الظن فمن شدد فعلى وجد ظنه ~~صادقا ومن حفف فعلى قال له ظنه الصدق حين ms1627 خيله إغواءهم، يقولون صدقك ~~ظنك، وبالتخفيف ورفعهما على صدق عليهم ظن إبليس ولو قرىء بالتشديد مع ~~رفعهما لكان على المبالغة في صدق، كقوله صدقت فيهم ظنوني، ومعناه أنه حين ~~وجد آدم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته قال إن ذريته أضعف عزما منه، ~~فظن بهم اتباعه وقال لأضلنهم لأغوينهم. وقيل ظن ذلك عند إخبار الله ~~تعالى الملائكة أنه يجعل فيها من يفسد فيها، والضمير في { عليهم } و ~~{ اتبعوه } إما لأهل سبأ، أو لبني آدم. وقلل المؤمنين بقوله { ~~إلا فريقا } لأنهم قليل بالإضافة إلى الكفار، كما قال # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # الإسراء 62، # ولا تجد أكثرهم شكرين # الأعراف 17. { وما كان له عليهم } من تسليط واستيلاء ~~بالوسوسة والاستغواء إلا لغرض صحيح وحكمة بينة، وذلك أن يتميز المؤمن ~~بالآخرة من الشاك فيها. وعلل التسليط بالعلم والمراد ما تعلق به العلم. ~~وقرىء «ليعلم» على البناء للمفعول { حفيظ } محافظ عليه، وفعيل ومفاعل ~~متآخيان. ### || [34.22] # { قل } لمشركي قومك { ادعوا الذين } عبدتموهم من دون الله من ~~الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه كما تدعون الله. والتجئوا إليهم فيما ~~يعروكم كما تلتجؤون إليه. وانتظروا استجابتهم لدعائكم ورحمتهم كما ~~تنتظرون وأن يستجيب لكم ويرحمكم، ثم أجاب عنهم بقوله { لا يملكون ~~مثقال ذرة } من خير أو شر، أو نفع أو ضر { فى السموت ~~ولا فى الأرض وما لهم } في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا ~~في الملك، كقوله تعالى # ما أشهدتهم خلق السموات والأرض # الكهف 51 وماله منهم من عوين يعينه على تدبير خلقه، يريد أنهم على هذه ~~الصفة من العجز والبعد عن أحوال الربوبية، فكيف يصح أن يدعوا كما يدعى ~~ويرجوا كما يرجى، فإن قلت أين مفعولا زعم؟ قلت أحدهما الضمير المحذوف ~~الراجع منه إلى الموصول. وأما الثاني فلا يخلو إما أن يكون { من دون ~~الله } أو { لا يملكون } أو محذوفا فلا يصح الأول، لأن قولك ~~هم من دون الله، لا يلتئم كلاما، ولا الثاني، لأنهم ما كانوا يزعمون ~~ذلك، فكيف يتكلمون بما هو حجة عليهم وبما لو قالوه قالوا ما ms1628 هو حق ~~وتوحيد؟ فبقي أن يكون محذوفا تقديره زعمتموهم آلهة من دون الله فحذف ~~الراجع إلى الموصول كما حذف في قوله # أهذا الذى بعث الله رسولا # الفرقان 41 استخفافا، لطول الموصول لصلته، وحذف آلهة لأنه موصوف صفته { ~~من دون الله } والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة مقامه إذا كان ~~مفهوما، فإذا مفعولا زعم محذوفان جميعا بسببين مختلفين. ### || [34.23] # تقول الشفاعة لزيد، على معنى أنه الشافع، كما تقول الكرم لزيد وعلى معنى ~~أنه المشفوع له، كما تقول القيام لزيد، فاحتمل قوله { ولا تنفع ~~الشفعة عنده إلا لمن أذن له } أن يكون على أحد هذين ~~الوجهين، أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة ~~له. أو لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له، أي لشفيعه، أو هي اللام ~~الثانية في قولك أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، كأنه قيل إلا لمن وقع الأذن ~~للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله. فإن قلت بما اتصل قوله { حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~} ولأي شيء وقعت حتى غاية؟ قلت بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا ~~للإذن وتوقعا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم ~~أو لا يؤذن؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان، وطول من ~~التربص، ومثل هذه الحال دل عليه قوله عز وجل # رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا ~~يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملئكة ~~صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن ~~وقال صوابا # النبأ 37- 38 كأنه قيل يتربصون ويتوقفون كليا فزعين وهلين، حتى إذا فزع ~~عن قلوبهم، أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها ~~رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بضعهم بعضا { ماذا قال ~~ربكم قالوا } قال { الحق } أي القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة ~~لمن ارتضى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم 913 # " فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته ms1629 الشفاعة " # وقرىء «أذن له»، أي أذن له الله، وأذن له على البناء للمفعول. وقرأ ~~الحسن «فزع» مخففا، بمعنى فزع. وقرىء «فزع»، على البناء للفاعل، وهو ~~الله وحده، وفزع، أي نفى الوجل عنها وأفنى، من قولهم فرغ الزاد، إذا لم ~~يبق منه شيء. ثم ترك ذكر الوجل وأسند إلى الجار والمجرور، كما تقول دفع ~~إلي زيد، إذا علم ما المدفوع وقد تخفف، وأصله فرغ الوجل عنها، أي انتفى ~~عنها، وفني ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار والمجرور. وقرأ «افرنقع عن ~~قلوبهم»، بمعنى انكشف عنها. وعن أبي علقمة أنه هاج به المرار فالتف عليه ~~الناس، فلما أفاق قال ما لكم تكأكأتم علي تكأكأكم على ذي جنة؟ افرنقعوا ~~عني. والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب «اقمطر» من ~~حروف القمط، مع زيادة الراء. وقرىء «الحق» بالرفع، أي مقولة الحق { ~~وهو العلى الكبير } ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبي ~~أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه، وأن يشفع إلا لمن ارتضى. ### || [34.24] # أمره بأن يقررهم بقوله { من يرزقكم } ثم أمره بأن يتولى الإجابة ~~والإقرار عنهم بقوله يرزقكم الله. وذلك بالإشعار بأنهم مقرون به ~~بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به لأن الذي تمكن في صدورهم من ~~العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته، ولأنهم ~~إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم فما لكم لا تعبدون من ~~يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله # قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصر # يونس 31 حتى قال # فسيقولون الله # يونس 31 ثم قال # فماذا بعد الحق إلا الضلال # يونس 32 فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة كانوا يتلعثمون ~~عنادا وضرارا وحذارا من إلزام الحجة، ونحوه قوله عز وجل # قل من رب السموت والأرض قل الله قل ~~أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا # الرعد 16 وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم ms1630 يزد على ~~إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه { وإنا أو إياكم لعلى ~~هدى أو فى ضلل مبين } ومعناه وإن أحد الفريقين من الذين ~~يوحدون الرازق من السموات والأرض بالعبادة ومن الذين يشركون به الجماد ~~الذي لا يوصف بالقدرة، لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال، وهذا من ~~الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به قد أنصفك ~~صاحبك، وفي درجة بعد تقدمه ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على ~~من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض ~~والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة، مع قلة شغب ~~الخصم وفل شوكته بالهوينا ونحوه قول الرجل لصاحبه علم الله الصادق مني ~~ومنك، وإن أحدنا لكاذب. ومنه بيت حسان # أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما ~~الفداء # فإن قلت كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ قلت لأن ~~صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ~~ظلام مرتبك فيه لا يدري أن يتوجه. وفي قراءة أبي «وإنا أو أياكم إما على ~~هدى أو في ضلال مبين». ### || [34.25-26] # هذا أدخل في الإنصاف أبلغ فيه من الأول، حيث أسند الإجرام إلى ~~المخاطبين والعمل إلى المخاطبين، وإن أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي ~~لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام. وفتح الله بينهم وهو ~~حكمه وفصله أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار. ### || [34.27] # فإن قلت ما معنى قوله { أرونى } وكان يراهم ويعرفهم؟ قلت أراد بذلك ~~أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يقايس على أعينهم ~~بينه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به. و { ~~كلا } ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسده بإبطال المقايسة، كما قال ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام # أف لكم ولما تعبدون من دون الله # الأنبياء 67 بعد ما حجهم، وقد نبه على تفاحش غلطهم وإن لم يقدروا حق ~~الله قدره بقوله { هو الله العزيز الحكيم } كأنه قال أين ~~الذين ms1631 ألحقتم به شركاء من هذه الصفات وهو راجع إلى الله وحده. أو ضمير ~~الشأن، كما في قوله تعالى # قل هو الله أحد # الإخلاص 1. ### || [34.28] # { إلا كافة للناس } إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا ~~شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج المعنى أرسلناك ~~جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالا من الكاف وحق التاء على ~~هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة، ومن جعله حالا من المجرور ~~متقدما عليه فقد أخطأ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة ~~تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا بالخطأ ثم لا يقنع به حتى ~~يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا ~~الخطأ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين. ### || [34.29-30] # قرىء «ميعاد يوم». ومعياد يوم. وميعاد يوما. والميعاد ظرف الوعد من مكان ~~أو زمان، وهو ههنا الزمان. والدليل عليه قراءة من قرأ ميعاد يوم فأبدل ~~منه اليوم. فإن قلت فما تأويل من أضافه إلى يوم، أو نصب يوما؟ قلت أما ~~الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول سحق ثوب، وبعير سانية. وأما نصب اليوم ~~فعلى التعظيم بإضمار فعلى تقديره لكم ميعاد، أعني يوما أو أريد يوما من ~~صفته كيت وكيت. ويجوز أن يكون الرفع على هذا، أعني التعظيم. فإن قلت كيف ~~انطبق هذا جوابا على سؤالهم؟ قلت ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا ~~تعنتا، ولا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا لمجيء ~~السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجؤهم، فلا ~~يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه. ### || [34.31] # الذي بين يديه ما نزل قبل القرآن من كتب الله، يروى أن كفار مكة سألوا ~~أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~كتبهم، فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدمه من كتب الله عز ~~وجل في الكفر، فكفروا بها جميعا. وقيل الذي بين يديه يوم القيامة. ~~والمعنى أنهم جحدوا أن يكون القرآن ms1632 من الله تعالى، وأن يكون لما دل عليه ~~من الإعادة للجزاء حقيقة، ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال ~~لرسوله عليه الصلاة والسلام أو للمخاطب { ولو ترى } في الآخرة ~~موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحادثة ويتراجعونها بينهم، لرأيت العجيب، ~~فحذف الجواب. والمستضعفون هم الأتباع، والمستكبرون هم الرؤوس والمقدمون. ### || [34.32-33] # أولى الاسم أعني { نحن } حرف الإنكار لأن الغرض إنكار أن يكونوا هم ~~الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه، وأنهم ~~أتوا من قبل اختيارهم، كأنهم قالوا أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ~~ممكنين مختارين { بعد إذ جاءكم } بعد أن صممتم على الدخول في ~~الإيمان وصحت نياتكم في اختياره؟ بل أنتم منعتم أنفسكم حظها وآثرتم ~~الضلال على الهدى وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهي، فكنتم مجرمين كافرين ~~لاختياركم لا لقولنا وتسويلنا. فإن قلت إذ وإذا من الظروف اللازمة ~~للظرفية، فلم وقعت إذ مضافا إليها؟ قلت قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في ~~غيره، فإضيف إليها الزمان، كما أضيف إلى الجمل في قولك جئتك بعد إذ جاء ~~زيد، وحينئذ، ويومئذ، وكان ذلك أوان الحجاج أمير، وحين خرج زيد. لما أنكر ~~المستكبرون بقولهم { أنحن صددنكم } أن يكونوا هم السبب في كفر ~~المستضعفين وأثبتوا بقولهم { بل كنتم مجرمين } أن ذلك بكسبهم ~~واختيارهم، كر عليهم المستضعفون بقولهم { بل مكر اليل ~~والنهار } فأبطلوا بإضرابهم، كأنهم قالوا ما كان الإجرام من جهتنا، ~~بل من جهة مكركم لنا دائبا ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الشرك ~~واتخاذ الأنداد. ومعنى مكر الليل والنهار مكركم في الليل والنهار، فاتسع ~~في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه. أو جعل ليلهم ~~ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي. وقرىء «بل مكر الليل والنهار» ~~بالتنوين ونصب الظرفين. وبل مكر الليل والنهار بالرفع والنصب. أي تكرون ~~الإغواء مكرا دائبا لا تفترون عنه، فإن قلت ما وجه الرفع والنصب؟ قلت ~~هو مبتدأ أو خبر، على معنى بل سبب مكركم أو مكركم أو مكركم أو مكركم ~~سبب ذلك. والنصب على بل تكرون ms1633 الإغواء مكر الليل والنهار. فإن قلت لم ~~قيل { قال الذين استكبروا } ، بغير عاطف وقيل { وقال ~~الذين استضعفوا }؟ قلت لأن الذين استضعفوا مر أولا كلامهم، ~~فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر ~~للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأول. فإن قلت من صاحب الضمير في { ~~وأسروا } قلت الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين ~~والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله # إذ الظلمون موقوفون عند ربهم # سبأ 31 يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم ~~واتباعهم المضلين { فى أعناق الذين كفروا } أي في أعناقهم، ~~فجاء بالصريح للتنويه بذمهم، وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال. وعن ~~قتاده أسروا الكلام بذلك بينهم. وقيل أسروا الندامة أظهروها، وهو من ~~الأضداد. ### || [34.34-35] # هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من التكذيب ~~والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة ~~وزخارفها، والتكبر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم # أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # مريم 73 وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وكادوه بنحو ما كادوه به، وقاسوا ~~أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو ~~لم يكرموا على الله لما رزقهم، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ~~فعلى قياسهم ذلك قالوا { وما نحن بمعذبين } أرادوا أنهم أكرم ~~على الله من أن يعذبهم، نظرا إلى أحوالهم في الدنيا. ### || [34.36] # وقد أبطل الله تعالى حسبانهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كما يشاء على ~~حسب ما يراه من المصالح، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما ~~عكس، وربما وسع عليهما وضيق عليهما، فلا ينقاس عليه أمر الثواب الذي ~~مبناه على الاستحقاق. وقدر الرزق تضييقه. قال تعالى # ومن قدر عليه رزقه # الطلاق 7 وقرىء «ويقدر» بالتشديد والتخفيف. ### || [34.37-38] # أراد وماجماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم، وذلك أن الجمع ~~المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم ms1634 التأنيث، ويجوز أن يكون التي هي ~~التقوى وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أي ليست أموالكم بتلك الموضوعة ~~للتقريب. وقرأ الحسن باللاتي تقربكم لأنها جماعات. وقرىء «بالذي ~~يقربكم»، أي بالشيء الذي يقربكم. والزلفى والزلفة كالكربى والكربة، ~~ومحلها النصب، أي تقربكم قربة، كقوله تعالى # أنبتكم من الأرض نباتا # نوح 17 { إلا من ءامن } استثناء من { كم } في { تقربكم ~~} ، والمعنى أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها ~~في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقههم في ~~الدين ورشحهم للصلاح والطاعة، { جزآءالضعف } من إضافة المصدر إلى ~~المفعول، أصله فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم جزاء الضعف، ثم جزاء ~~الضعف. ومعنى جزاء الضعف أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرا. وقرىء ~~«جزاء الضعف»، على فأولئك لهم الضعف جزاء وجزاء الضعف على أن يجازوا ~~الضعف، وجزاء الضعف مرفوعان الضعف بدل من جزاء. وقرىء { فى ~~الغرفت } بضم الراء وفتحها وسكونها. وفي الغرفة. ### || [34.39] # { فهو يخلفه } فهو يعوضه لا معوض سواه إما عاجلا بالمال، أو ~~القناعة التي هي كنز لا ينفد. وإما آجلا بالثواب الذي كل خلف دونه. وعن ~~مجاهد من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإن الرزق مقسوم، ~~ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده ثم ~~يبقى طول عمره في فقر، ولا يتأولن وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، فإن هذا ~~في الآخرة. ومعنى الآية وما كان من خلف فهو منه { خير الرازقين } ~~وأعلاهم رب العزة، بأن كل ما رزق غيره من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق ~~عبده أو رجل يرزق عياله فهو من رزق الله، أجراه على أيدي هؤلاء، وهو خالق ~~الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم الحمد لله ~~الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهي. ### || [34.40-41] # هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر # إياك أعني واسمعي يا جاره # ونحوه قوله تعالى # أأنت قلت ms1635 للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون ~~الله # المائدة 116 وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برآء مما وجه ~~عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ~~ويجيبوا فيكون تقريعهم أشد، وتعبيرهم أبلغ، وخجلهم أعظم وهو أنه ألزم، ~~ويكون اقتصاص ذلك لطفا لمن سمعه، وزاجرا لمن اقتص عليه. والموالاة خلاف ~~المعاداة. ومنها اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وهي مفاعلة من ~~الولي وهو القرب، كما أن المعاداة من العدواء، وهي البعد، والولي يقع ~~على الموالي والموالى جميعا. والمعنى أنت الذي نواليه من دونهم، إذ لا ~~موالاة بيننا وبينهم، فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم ~~من الرضا بعبادتهم لهم لأن من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك ~~{ بل كانوا يعبدون الجن } يريدون الشياطين، حيث أطاعوهم في ~~عبادة غير الله. وقيل صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا هذه صور ~~الملائكة فاعبدوها. وقيل كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت، ~~فيعبدون بعبادتها. وقرىء «نحشرهم» ونقول، بالنون والياء. ### || [34.42] # الأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا يملك فيه أحد منفعة ولا مضرة لأحد، ~~لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف ~~حال الدنيا التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارون ~~ويتنافعون. والمراد أنه لا ضار ولا نافع يومئذ إلا هو وحده، ثم ذكر ~~معاقبته الظالمين بقوله { ونقول للذين ظلموا } معطوفا على ~~{ لا يملك }. ### || [34.43] # الإشارة الأولى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والثانية إلى القرآن. ~~والثالثة إلى الحق. والحق أمر النبوة كله ودين الإسلام كما هو. وفي قوله ~~{ وقال الذين كفروا } وفي أن لم يقل وقالوا، وفي قوله { ~~للحق لما جاءهم } وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين ~~والمقول فيه، وما في لما من المبادهة بالكفر دليل على صدور الكلام عن ~~إنكار عظيم وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال وقال أولئك الكفرة ~~المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن ~~يذوقوه { إن هذا ms1636 إلا سحر مبين } فبتوا القضاء على أنه ~~سحر، ثم بتوه على أنه بين ظاهر كل عاقل تأمله سماه سحرا. ### || [34.44-45] # وما آتيناهم كتبا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك، ولا أرسلنا إليهم ~~نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، كما قال عز وجل # أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # الروم 35 أو وصفهم بأنهم قوم أميون أهل جاهلية لا ملة لهم وليس لهم عهد ~~بإنزال كتاب ولا بعثه رسول كما قال # أم ءاتينهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون # الزخرف 21 فليس لتكذيبهم وجه متشبث، ولا شبهة متعلق، كما يقول أهل ~~الكتاب وإن كانوا مبطلين نحن أهل كتب وشرائع، ومستندون إلى رسل ومن رسل ~~الله. ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله { وكذب الذين } تقدموهم من ~~الأمم والقرون الخالية كما كذبوا، وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من ~~طول الأعمار وقوة الأجرام وكثرة الأموال، فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري ~~بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم به مستظهرون، فما ~~بال هؤلاء؟ وقرىء «يدرسونها» من التدريس وهو تكرير الدرس. أو من درس ~~الكتاب، ودرس الكتب ويدرسونها، بتشديد الدال، يفتعلون من الدرس. ~~والمعشار كالمرباع، وهما العشر. والرابع. فإن قلت فما معنى { ~~فكذبوا رسلى } وهو مستغنى عنه بقوله { وكذب الذين من ~~قبلهم }؟ قلت لما كان معنى { وكذب الذين من قبلهم } ~~وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ~~ونظيره أن يقول القائل أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، ويجوز أن ينعطف على قوله وما بلغوا، كقولك ما بلغ زيد معشار فضل ~~عمرو فتفضل عليه { فكيف كان نكير } أي للمكذبين الأولين، ~~فليحذروا من مثله. ### || [34.46] # { بوحدة } بخصلة واحدة، وقد فسرها بقوله { أن تقوموا } على ~~أنه عطف بيان بها، وأراد بقيامهم إما القيام على مجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتفرقهم عن مجتمعهم عنده وإما القيام الذي لا يراد به المثول ~~على القدمين، ولكن الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة والمعنى إنما ~~أعظكم ms1637 بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي أن تقوموا لوجه الله ~~خالصا. متفرقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا { ثم تتفكروا } ~~في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. أما الاثنان فيتفكران ويعرض ~~كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا ~~يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر ~~الصالح والنظر على جادة الحق وسننه، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفة ~~من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقر عنده من عادات ~~العقلاء ومجاري أحوالهم، والذي أوجب تفرقهم مثنى وفرادى أن الاجتماع ~~مما يشوش الخواطر، ويعمي البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول ومع ذلك ~~يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة ~~المذهب، وأراهم بقوله { ما بصحبكم من جنة } أن هذا الأمر ~~عظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا، لا يتصدى لادعاء مثله إلا ~~رجلان إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز، بل لا يدري ~~ما الافتضاح وما رقبة العواقب. وإما عاقل راجح العقل مرشح للنبوة، ~~مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا ~~فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه، وقد علمتم أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلا، وأرزنهم حلما ~~وأثقبهم ذهنا وآصلهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأنزههم نفسا، وأجمعهم لما ~~يحمد عليه الرجال ويمدحون به فكان مظنة لأن تظنوا به الخير، وترجحوا فيه ~~جانب الصدق على الكذب وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية، ~~فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين. فإن قلت { ما بصحبكم } بم ~~يتعلق؟ قلت يجوز أن يكون كلاما مستأنفا تنبيها من الله عز وجل على ~~طريقة النظر في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون المعنى ~~ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة، وقد جوز بعضهم أن تكون ما ~~استفهامية { بين يدى عذاب شديد } كقوله ms1638 عليه الصلاة والسلام ~~914 # " بعثت في نسم الساعة ". ### || [34.47] # { فهو لكم } جزاء الشرط الذي هو قوله { ما سألتكم من ~~أجر } تقديره أي شيء سألتكم من أجر فهو لكم، كقوله تعالى # ما يفتح الله للناس من رحمة # فاطر 2 وفيه معنيان، أحدهما نفي مسألة الأجر رأسا، كما يقول الرجل ~~لصاحبه إن أعطيتني شيئا فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئا ولكنه يريد به ~~البت لتعليقه الأخذ بما لم يكن. والثاني أن يريد بالأجر ما أراد في قوله ~~تعالى # قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا # الفرقان 57 وفي قوله # قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة فى ~~القربى # الشورى 23 لأن اتخاذ السبيل إلى الله نصيبهم وما فيه نفعهم، وكذلك ~~المودة في القرابة، لأن القرابة قد انتظمته وإياهم { على كل شىء ~~شهيد } حفيظ مهيمن، يعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه ~~إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء. ### || [34.48] # القذف والرمي تزجية السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعاران من حقيقتهما ~~لمعنى الإلقاء ومنه قوله تعالى # وقذف فى قلوبهم الرعب # الأحزاب 26، الحشر 2، # أن اقذفيه فى التابوت # طه 39 ومعنى { يقذف بالحق } يلقيه وينزله إلى أنبيائه. أو يرمي ~~به الباطل فيدمغه ويزهقه { علم الغيوب } رفع محمول على محل إن ~~واسمها، أو على المستكن في يقذف، أو هو خبر مبتدإ محذوف. وقرىء بالنصب ~~صفة لربي، أو على المدح. وقرىء «الغيوب» بالحركات الثلاث، فالغيوب ~~كالبيوت. والغيوب كالصبور، وهو الأمر الذي غاب وخفي جدا. ### || [34.49] # والحي إما أن يبدىء فعلا أو يعيده فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا ~~إعادة، فجعلوا قولهم لا يبدىء ولا يعيد مثلا في الهلاك. ومنه قول عبيد # أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا ~~يعيد # والمعنى جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى # جاء الحق وزهق البطل # الإسراء 81 وعن ابن مسعود رضي الله عنه 915 دخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكة وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود نبعة ويقول ms1639 # جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقا # الإسراء 81، { جاء الحق وما يبدىء البطل وما يعيد ~~}. والحق القرآن. وقيل الإسلام. وقيل السيف. وقيل الباطل إبليس لعنه ~~الله، أي ما ينشىء خلقا ولا يعيده، المنشيء والباعث هو الله تعالى. وعن ~~الحسن لا يبدىء لأهله خيرا ولا يعيده، أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. ~~وقال الزجاج أي شيء ينشيء إبليس ويعيده، فجعله للاستفهام. وقيل للشيطان ~~الباطل لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان، من شاط إذا ~~هلك. ### || [34.50] # قرىء «ضللت أضل» بفتح العين مع كسرها. وضللت أضل، بكسرها مع فتحها، ~~وهما لغتان، نحو ظللت أظل وظللت أظل. وقرىء «إضل» بكسر الهمزة مع فتح ~~العين. فإن قلت أين التقابل بين قوله { فإنما أضل على ~~نفسى } وقوله { يوحى إلى ربى } وإنما كان يستقيم أن يقال ~~فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما اهتدى لها، كقوله تعالى # من عمل صلحا فلنفسه ومن أساء فعليها # فصلت 46 فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها. أو يقال فإنما أضل ~~بنفسي. قلت هما متقابلان من جهة المعنى لأن النفس كل ما عليها فهو بها، ~~أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأن الأمارة ~~بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل ~~مكلف، وإنما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول ~~إذا دخل تحته مع جلالة حمله وسداد طريقته كان غيره أولى به { إنه ~~سميع قريب } يدرك قول كل ضال ومهتد، وفعله لا يخفى عليه منهما ~~شيء. ### || [34.51] # { ولو ترى } جوابه محذوف، يعني لرأيت أمرا عظيما وحالا هائلة. و ~~«لو» و «إذ» والأفعال التي هي «فزعوا» و «أخذوا» وحيل بينهم كلها للمضي. ~~والمراد بها الاستقبال لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ~~ووجد لتحققه، ووقت الفزع وقت البعث وقيام الساعة. وقيل وقت الموت. وقيل ~~يوم بدر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في خسف البيداء، وذلك أن ms1640 ~~ثمانين ألفا يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم { فلا ~~فوت } فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. وقرىء «فلا فوت» والأخذ من مكان ~~قريب من الموقف إلى النار إذا بعثوا. أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ~~ماتوا. أو من صحراء بدر إلى القليب. أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم. فإن ~~قلت علام عطف قوله { وأخذوا }؟ قلت فيه وجهان العطف على فزعوا، أي ~~فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم. أو على لا فوت، على معنى إذا فزعوا فلم يفوتوا ~~وأخذوا. وقرىء «وأخذ» وهو معطوف على محل لا فوت ومعناه فلا فوت هناك، ~~وهناك أخذ. ### || [34.52-54] # { ءامنا به } بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله { ما ~~بصحبكم من جنة } والتناوش والتناول أخوان إلا أن التناوش ~~تناول سهل لشيء قريب، يقال ناشه ينوشه، وتناوشه القوم. ويقال تناوشوا في ~~الحرب ناش بعضهم بعضا. وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم ~~إيمانهم في ذلك الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا مثلت حالهم ~~بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة، كما يتناوله الآخر من قيس مقدار ~~ذراع تناولا سهلا لا تعب فيه. وقرىء «التناؤش» همزت الواو المضمومة كما ~~همزت في أجؤه وأدؤر وعن أبي عمرو التناوش بالهمز التناول من بعد من قولهم ~~نأشت إذا أبطأت وتأخرت. ومنه البيت # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني # أي أخيرا { ويقذفون } معطوف على قد كفروا، على حكاية الحال ~~الماضية، يعني وكانوا يتكلمون { بالغيب } ويأتون به { من مكان ~~بعيد } وهو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر، ساحر، كذاب. ~~وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي، لأنهم لم يشاهدوا منه سحرا ولا شعرا ~~ولا كذبا، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله، لأن أبعد شيء مما ~~جاء به الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت الكذب ~~والزور قرىء «ويقذفون بالغيب»، على البناء للمفعول، أي يأتيهم به ~~شياطينهم ويلقنوهم إياه، وإن شئت فعلقه بقوله { وقالوا ءامنا به ~~} على أنه مثلهم في ms1641 طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم ~~آمنا في الآخرة، وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئا من مكان بعيد لا مجال ~~للظن في لحوقه، حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائبا عنه شاحطا، والغيب ~~الشيء الغائب، ويجوز أن يكون الضمير للعذاب الشديد في قوله # بين يدى عذاب شديد # سبأ 46 وكانوا يقولون وما نحن بمعذبين، إن كان الأمر كما تصفون من قيام ~~الساعة والعقاب والثواب، ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا، قائسين أمر ~~الآخرة على أمر الدنيا فهذا كان قذفهم بالغيب، وهو غيب ومقذوف به من جهة ~~بعيدة لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف { ما يشتهون } من ~~نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة. أو من الرد إلى ~~الدنيا، كما حكى عنهم # ارجعنا نعمل صلحا # السجدة 12. { بأشيعهم } بأشباههم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه ~~مذهبهم { مريب } إما من أرابه، إذا أوقعه في الريبة والتهمة. أو من ~~أراب الرجل، إذا صار ذا ريبة ودخل فيها، وكلاهما مجاز إلا أن بينهما ~~فريقا وهو أن المريب من الأول منقول ممن يصح أن يكون مريبا من الأعيان ~~إلى المعنى، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول ~~شعر شاعر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 916 # " من قرأ سورة سبإ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان ~~له يوم القيامة رفيقا ومصافحا ". ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # { فاطر السموت } مبتدئها ومبتدعها. وعن مجاهد عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى اختصم إلي ~~أعرابيان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها، أي ابتدأتها. وقرىء الذي فطر ~~السموات والأرض وجعل الملائكة. وقرىء جاعل الملائكة، بالرفع على المدح { ~~رسلا } بضم السين وسكونها { أولى أجنحة } أصحاب أجنحة، وأولوا ~~اسم جمع لذوو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة المخاض ~~والخلفة { مثنى وثلث ورباع } صفات لأجنحة، وإنما لم تنصرف ~~لتكرر العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى ms1642 صيغ أخر، ~~كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعن تكرير إلى غير تكرير، وأما ~~الوصفية فلا يفترق الحال فيما بين المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول ~~مررت بنسوة أربع، وبرجال ثلاثة، فلا يعرج عليها والمعنى أن الملائكة ~~خلقا أجنحتهم اثنان اثنان، أي لكل واحد منهم جناحان، وخلقا أجنحتهم ~~ثلاثة ثلاثة. وخلقا أجنحتهم أربعة أربعة { يزيد فى الخلق ما ~~يشاء } أي يزيد في خلق الأجنحة، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته. ~~والأصل الجناحان لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على ~~الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه، فإن قلت قياس الشفع من الأجنحة أن ~~يكون في كل شق نصفه، فما صورة الثلاثة؟ قلت لعل الثالث يكون في وسط ~~الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة. أو لعله لغير الطيران فقد مر في بعض ~~الكتب أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بها أجسادهم، ~~وجناحان يطيران بهما في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم ~~حياء من الله. وعن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم 917 # " أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح " # وروي 918 # " أنه سأل جبريل عليه السلام أن يتراءى له في صورته فقال إنك لن تطيق ~~ذلك. قال إني أحب أن تفعل " # فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته ~~فغشي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه السلام مسنده ~~وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال # " سبحان الله ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا " # ، فقال جبريل فكيف لو رأيت إسرافيل له اثنا عشر جناحا جناح منها ~~بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين ~~لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير. وروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { يزيد في الخلق ما يشاء } ~~919 # " هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن " # وقيل «الحظ الحسن»، وعن قتادة الملاحة في العينين، والآية مطلقة ms1643 تتناول ~~كل زيادة في الخلق من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء وقوة في ~~البطش وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في ~~النفس، وذلاقة في اللسان ولباقة في التكلم، وحسن تأن في مزاولة الأمور ~~وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف. ### || [35.2] # استعير الفتح للإطلاق والإرسال. ألا ترى إلى قوله { فلا مرسل له ~~من بعده } مكان لا فاتح له، يعني أي شيء يطلق الله من رحمة أي من ~~نعمة رزق أو مطر أو صحة أو أمن أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط ~~بعددها، وتنكيره الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال من أية رحمة كانت ~~سماوية أو أرضية، فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها، وأي شيء يمسك الله ~~فلا أحد يقدر على إطلاقه. فإن قلت لم أنث الضمير أولا، ثم ذكر آخرا؟ ~~وهو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمن معنى الشرط؟ قلت هما لغتان الحمل ~~على المعنى وعلى اللفظ، والمتكلم على الخيرة فيهما، فأنث على معنى ~~الرحمة، وذكر على أن لفظ المرجوع إليه لا تأنيث فيه، ولأن الأول فسر ~~بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل ~~التذكير وقرىء «فلا مرسل لها». فإن قلت لا بد للثاني من تفسير، فما ~~تفسيره؟ قلت يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأول. ولكنه ترك لدلالته ~~عليه، وأن يكون مطلقا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته، وإنما فسر الأول ~~دون الثاني للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه. فإن قلت فما تقول فيمن فسر ~~الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما؟ قلت إن أراد بالتوبة ~~الهداية لها والتوفيق فيها - وهو الذي أراده ابن عباس رضي الله عنهما إن ~~قاله - فمقبول وإن إراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم ~~يتب فمردود لأن الله تعالى يشاء التوبة أبدا، ولا يجوز عليه أن يشاءها ~~{ من بعده } من بعد إمساكه، كقوله تعالى # فمن يهديه من بعد الله # الجاثية 23، # فبأى حديث بعد ms1644 الله # الجاثية 6 أي من بعد هدايته وبعد آياته { وهو العزيز } الغالب ~~القادر على الإرسال والإمساك { الحكيم } الذي يرسل ويمسك ما تقتضي ~~الحكمة إرساله وإمساكه. ### || [35.3] # ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها من ~~الكفران والغمط وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها. ومنه قول ~~الرجل لمن أنعم عليه اذكر أيادي عندك. يريد حفظها وشكرها والعمل على ~~موجبها، والخطاب عام للجميع لأن جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما يريد يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم، حيث اسكنكم ~~حرمة ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم. وعنه نعمة الله ~~العافية. وقرىء «غير الله» بالحركات الثلاث فالجر والرفع على الوصف ~~لفظا ومحلا، والنصب على الاستثناء. فإن قلت ما محل { يرزقكم }؟ ~~قلت يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق وأن لا يكون له محل إذا ~~رفعت محل من خالق، بإضمار يرزقكم، وأوقعت يرزقكم تفسيرا له، أو جعلته ~~كلاما مبتدأ بعد قوله { هل من خلق غير الله }. فإن قلت ~~هل فيه دليل على أن الخالق لا يطلق على غير الله تعالى؟ قلت نعم إن جعلت ~~{ يرزقكم } كلاما مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. ~~وإما على الوجهين الآخرين وهما الوصف والتفسير. فقد يقيد فيهما بالرزق ~~من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، ~~بالإطلاق والرزق من السماء المطر، ومن الأرض النبات { لا إله ~~إلا هو } جملة مفصولة لا محل لها من الإعراب، مثل يرزقكم في الوجه ~~الثالث، ولو وصلتها كما وصلت يرزقكم لم يساعد عليه المعنى لأن قولك هل من ~~خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق غير مستقيم لأن قولك هل من ~~خالق سوى الله إثبات لله. فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضا بالنفي بعد ~~الإثبات { فأنى تؤفكون } فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى ~~الشرك؟. ### || [35.4] # نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله، وتكذيبهم بها، وسلى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بأن له ms1645 في الأنبياء قبله أسوة حسنة، ثم جاء بما يشتمل على ~~الوعد والوعيد من رجوع الأمور إلى حكمة ومجازاة المكذب والمكذب بما ~~يستحقانه. وقرىء «ترجع» بضم التاء وفتحها. فإن قلت ما وجه صحة جزاء ~~الشرط؟ ومن حق الجزاء أن يتعقب الشرط وهذا سابق له. قلت معناه وإن يكذبوك ~~فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، فوضع { فقد كذبت رسل من قبلك ~~} موضع فتأس، استغناء بالسبب عن المسبب أعني بالتكذيب عن التأسي. فإن قلت ~~ما معنى التنكير في رسل؟ قلت معناه فقد كذبت رسل، أي رسل ذوو عدد كثير. ~~وأولوا آيات ونذر. وأهل أعمار طوال وأصحاب صبر وعزم، وما أشبه ذلك، وهذا ~~أسلى له، وأحث على المصابرة. ### || [35.5-7] # وعد الله الجزاء بالثواب والعقاب { فلا تغرنكم } فلا تخدعنكم ~~{ الدنيا } ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة ~~وطلب ما عند الله { ولا يغرنكم بالله الغرور } لا يقولن ~~لكم اعملوا ما شئتم فإن الله غفور يغفر كل كبيرة ويعفو عن كل خطيئة. ~~والغرور الشيطان لأن ذلك ديدنه. وقرىء بالضم وهو مصدر غره كاللزوم ~~والنهوك أو جمع غار كقاعد وقعود أخبرنا الله عز وجل أن الشيطان لنا ~~عدو مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم عليه السلام، وكيف انتدب ~~لعداوة جنسنا من قبل وجوده وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد ~~منا مما فيه هلاكنا، فوعظنا عز وجل بأنه كما علمتم عدوكم الذي لا عدو ~~أعرق في العداوة منه، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بحاله { ~~فاتخذوه عدوا } في عقائدكم وأفعالكم. ولا يوجدن منكم إلا ما ~~يدل على معاداته ومناصبته في سركم وجهركم. ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه ~~بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته ومتبعي خطواته هو أن يوردهم مورد ~~الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير. ثم كشف الغطاء وقشر اللحاء، ~~ليقطع الأطماع الفارغة والأماني الكاذبة، فبنى الأمر كله على الإيمان ~~والعمل وتركهما. ### || [35.8] # لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا، قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم { أفمن زين ms1646 له سوء عمله فرءاه حسنا } يعني أفمن ~~زين له سوء عمله من هذين الفريقين، كمن لم يزين له، فكأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال «لا» فقال { فإن الله يضل من يشآء ~~ويهدى من يشآء فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } ~~ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدي ~~عليه المصالح، حتى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى وتخليته وشأنه، فعند ذلك ~~يهيم في الضلال ويطلق آمر النهي، ويعتنق طاعة الهوى، حتى يرى القبيح ~~حسنا والحسن قبيحا، كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويقعد تحت قول أبي ~~نواس # اقني حتى تراني حسنا عندي القبيح # وإذا خذل الله المصممين على الكفر وخلاهم وشأنهم، فإن على الرسول أن لا ~~يهتم بأمرهم ولا يلقي بالا إلى ذكرهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم اقتداء ~~بسنة الله تعالى في خذلانهم وتخليتهم. وذكر الزجاج أن المعنى أفمن زين ~~له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب لدلالة فلا تذهب نفسك ~~عليه أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لدلالة { فإن ~~الله يضل من يشآء ويهدى من يشآء } عليه حسرات مفعول ~~له يعني فلا تهلك نفسك للحسرات. وعليهم صلة تذهب، كما تقول هلك عليه ~~حبا، ومات عليه حزنا. أو هو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق ~~بحسرات، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته، ويجوز أن يكون حالا كأن كلها ~~صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير # مشق الهواجر لحمهن مع السرى حتى ذهبن ~~كلاكلا وصدورا # يريد رجعن كلاكلا وصدورا، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قوله # فعلى إثرهم تساقط نفسي حسرات وذكرهم لي ~~سقام # وقرىء «فلا تذهب نفسك» { إن الله عليم بما يصنعون } ~~وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم. ### || [35.9] # وقرىء «أرسل الريح». فإن قلت لم جاء { فتثير } على المضارعة دون ما ~~قبله، وما بعده؟ قلت ليحكى الحال التي تقع فيها آثارة الرياح السحاب، ~~وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون ~~بفعل فيه نوع ms1647 تمييز وخصوصية، بحال تستغرب، أو تهم المخاطب، أو غير ذلك، ~~كما قال تأبط شرا # بأبي قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة ~~صحصحان فأضربها بلا دهش فخرت صريعا لليدين ~~وللجران # لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، ~~وكأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجيب من جرأته على كل ~~هول، وثباته عند كل شدة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء ~~الأرض بالمطر بعد موتها لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل ~~فسقنا، وأحيينا معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص ~~وأدل عليه. والكاف في { كذلك } في محل الرفع، أي مثل إحياء الموات ~~نشور الأموات وروي 920 أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ~~يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال # " هل مررت بوادي أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا " # قال نعم. قال # " فكذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقه " # وقيل يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال، تنبت منه ~~أجساد الخلق. ### || [35.10] # كان الكافرون يتعزرون بالأصنام، كما قال عز وجل # واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم عزا # مريم 81، والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون ~~بالمشركين، كما قال تعالى # الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة ~~لله جميعا # النساء 139 فبين أن لا عزة إلا لله ولأوليائه. وقال { ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين } والمعنى فليطلبها عند ~~الله، فوضع قوله { فلله العزة جميعا } موضعه، استغناء به ~~عنه لدلالته عليه لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك ~~من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، تريد فليطلبها عندهم إلا أنك أقمت ما ~~يدل عليه مقامه. ومعنى # فلله العزة جميعا # أن العزة كلها مختصة بالله عزة الدنيا وعزة الآخرة. ثم عرف أن ما تطلب ~~به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله { إليه يصعد الكلم ~~الطيب والعمل الصلح يرفعه } والكلم الطيب لا إله ~~إلا الله. عن ms1648 ابن عباس رضي الله عنهما يعني أن هذه الكلم لا تقبل. ولا ~~تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة، كما قال عز وجل # إن كتب الأبرار لفى عليين # المطففين 18 إلا إذا اقترن بها العمل الصالح الذي يحققها ويصدقها ~~فرفعها وأصعدها. وقيل الرافع الكلم، والمرفوع العمل لأنه لا يقبل عمل ~~إلا من موحد. وقيل الرافع هو الله تعالى، والمرفوع العمل. وقيل الكلم ~~الطيب كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ~~ذلك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 921 # " هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم ~~يكن عمل صالح لم يقبل منه " # وفي الحديث 922 # " ولا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا ولا عملا إلا بنية، ~~ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة " # وعن ابن المقفع قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا ~~وتر. وقرىء { إليه يصعد الكلم الطيب } على البناء ~~للمفعول. و { إليه يصعد الكلم الطيب } على تسمية الفاعل، ~~من أصعد والمصعد هو الرجل أي يصعد إلى الله عز وجل الكلم الطيب، وإليه ~~يصعد الكلام الطيب. وقرىء { والعمل الصلح يرفعه } ، بنصب ~~العمل والرافع الكلم أو الله عز وجل. فإن قلت مكر فعل غير متعد. لا ~~يقال مكر فلان عمله فبم نصب { السيئات }؟ قلت هذه صفة للمصدر، أو ~~لما في حكمه، كقوله تعالى # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # فاطر 43 أصله والذين مكروا والمكرات السيئات. أو أصناف المكر السيئات، ~~وعنى بهن مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة وتداوروا الرأي في إحدى ~~ثلاث مكرات يمكرونها برسول الله صلى الله عليه وسلم إما إثباته، أو قتله، ~~أو إخراجه كما حكى الله سبحانه عنهم # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # الأنفال 30. { ومكر أولئك هو يبور } يعني مكر أولئك ~~الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، ms1649 أي يكسد ويفسد، دون مكر ~~الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم ~~مكراتهم جميعا وحقق فيهم قوله # ويمكرون ويمكر الله والله خير المكرين # الأنفال 30 وقوله { ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله }. ### || [35.11] # { أزوجا } أصنافا، أو ذكرانا وإناثا، كقوله تعالى # أو يزوجهم ذكرانا وإنثا # الشورى 50 وعن قتادة رضي الله عنه زوج بعضهم بعضا { بعلمه } في ~~موضع الحال، أي إلا معلومة له. فإن قلت ما معنى قوله { وما يعمر ~~من معمر }؟ قلت معناه وما يعمر من أحد، وإنما سماه معمرا بما هو ~~صائر إليه، فإن قلت الإنسان إما معمر، أي طويل العمر أو منقوص العمر، أي ~~قصيره. فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال، فكيف صح قوله { وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره }؟ قلت هذا من ~~الكلام المتسامح فيه، ثقة في تأويله بأفهام السامعين، واتكالا على ~~تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر ~~واحد. وعليه كلام الناس المستفيض. يقولون لا يثيب الله عبدا، ولا يعاقبه ~~إلا بحق. وما تنعمت بلدا ولا أجتويته إلا قل فيه ثوائي وفيه تأويل آخر ~~هو أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته أن يكتب في ~~اللوح إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون ~~سنة، فإذا جمع بينهما فبلع الستين فقد عمر. وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز ~~به الأربعون، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون. وإليه أشار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله 923 # " إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار " # وعن كعب أنه قال حين طعن عمر رضي الله عنه لو أن عمر دعا الله لأخر في ~~أجله، فقيل لكعب أليس قد قال الله # إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # يونس 49 قال فقد قال الله { وما يعمر من معمر } وقد ~~استفاض على الألسنة أطال الله بقاءك، وفسح في مدتك وما أشبهه. وعن سعيد ms1650 ~~بن جبير رضي الله عنه يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في ~~أسفل ذلك ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره. وعن قتادة رضي الله عنه ~~المعمر من بلغ الستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، ~~والكتاب اللوح. عن ابن عباس رضي الله عنهما ويجوز أن يراد بكتاب الله علم ~~الله، أو صحيفة الإنسان. وقرىء «ولا ينقص» على تسمية الفاعل من عمره ~~بالتخفيف. ### || [35.12] # ضرب البحرين العذب والمالح مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل ~~الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه { ومن كل } ~~أي ومن كل واحد منهما «تأكلون لحما طريا وهو السمك { وتستخرجون ~~حلية } وهي اللؤلؤ والمرجان { وترى الفلك فيه } في كل { ~~مواخر } شواق للماء بجريها، يقال مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب ~~بنات مخر، لأنها تمخر الهواء والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من ~~المخر، لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره { من فضله } من فضل ~~الله، ولم يجر له ذكر في الآية، ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل، ~~لدلالة المعنى عليه. وحرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة، ألا ترى كيف سلك ~~به مسلك لام التعليل، كأنما قيل لتبتغوا، ولتشكروا. والفرات الذي يكسر ~~العطش. والسائغ المريء السهل الانحدار لعذوبته. وقرىء «سيغ» بوزن سيد ~~وسيغ بالتخفيف، وملح على فعل. والأجاج الذي يحرق بملوحته. ويحتمل غير ~~طريقة الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج على ~~الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه ~~والكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى # ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو ~~أشد قسوة # البقرة 74 ثم قال # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله # البقرة 74. ### || [35.13] # { ذلكم } مبتدأ. و { الله ربكم له الملك } أخبار ~~مترادفة. أو { الله ربكم } خبران. وله الملك جملة مبتدأة واقعة ~~في قران قوله ms1651 { والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير } ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة. أو ~~عطف بيان. وربكم خبرا. لولا أن المعنى يأباه والقطمير لفافة النواة، وهي ~~القشرة الرقيقة الملتفة عليها. ### || [35.14] # إن تدعوا الأوثان { لا يسمعوا دعاءكم } لأنهم جماد { ولو ~~سمعوا } على سبيل الفرض والتمثيل ل { ما استجابوا لكم } ~~لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، ويتبرؤون منها. وقيل ما نفعوكم ~~{ يكفرون بشرككم } أي باشراككم وعبادتكم إياهم يقولون كنتم ~~إيانا تعبدون { ولا ينبئك مثل خبير } ولا يخبرك بالأمر مخبر ~~هو مثل خبير عالم به. ويريد أن الخبير بالأمر وحده، هو الذي يخبرك ~~بالحقيقة دون سائر المخبرين به. والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال ~~الأوثان هو الحق، لأني خبير بما أخبرت به. وقرىء «يدعون»، بالياء والتاء. ### || [35.15-17] # فإن قلت لم عرف الفقراء؟ قلت قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه ~~هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم، ~~لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله ~~سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله # وخلق الإنسن ضعيفا # النساء 28 وقال سبحانه وتعالى # الله الذى خلقكم من ضعف # الروم 54 ولو نكر لكان المعنى أنتم بعض الفقراء. فإن قلت قد قوبل ~~الفقراء بالغنى، فما فائدة الحميد؟ قلت لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم - ~~وليس كل غني نافعا بغناه إلا إذا كان الغني جوادا منعما فإذا جاد ~~وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق - بإنعامه عليهم أن يحمدوه الحميد على ~~ألسنه مؤمنيهم { بعزيز } بممتنع، وهذا غضب عليهم لاتخاذهم له ~~أندادا، وكفرهم بآياته ومعاصيهم، كما قال # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # محمد 38 وعن ابن عباس رضي الله عنهما يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به ~~شيئا. ### || [35.18] # الوزر والوقر أخوان ووزر الشيء إذا حمله. والوازرة صفة للنفس، والمعنى ~~أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته لا تؤخذ نفس بذنب ~~نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا ms1652 الولي بالولي، والجار بالجار. فإن قلت هلا ~~قيل ولا تزر نفس وزر أخرى؟ ولم قيل وازرة؟ قلت لأن المعنى أن النفوس ~~الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها، لا وزر غيرها. فإن قلت كيف ~~توفق بين هذا وبين قوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # العنكبوت 13؟ قلت تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال ~~إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر ~~غيرهم. ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم # اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطيكم # العنكبوت 12 بقوله تعالى # وما هم بحملين من خطيهم من شىء # العنكبوت 12. فإن قلت ما الفرق بين معنى قوله { ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى } وبين معنى { وإن تدع مثقلة إلى حملها ~~لا يحمل منه شىء }؟ قلت الأول في الدلالة على عدل الله تعالى ~~في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها، والثاني في أن لا غياث ~~يومئذ لمن استغاث، حتى أن نفسا قد أثقلتها الأوزار وبهظتها، لو دعت إلى ~~أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ~~ولد أو أخ. فإن قلت إلام أسند كان في { ولو كان ذا قربى }؟ قلت ~~إلى المدعو المفهوم من قوله { وإن تدع مثقلة }. فإن قلت فلم ~~ترك ذكر المدعو؟ قلت ليعم، ويشمل كل مدعو. فإن قلت كيف استقام إضمار ~~العام؟ ولا يصح أن يكون العام ذا قربى للمثقلة؟ قلت هو من العموم الكائن ~~على طريق البدل. فإن قلت ما تقول فيمن قرأ «ولو كان ذو قربى» على كان ~~التامة، كقوله تعالى # وإن كان ذو عسرة # البقرة 290؟ قلت نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة لأن المعنى على أن ~~المثقلة إن دعت أحدا إلى حملها لا يحمل منه شيء وإن كان مدعوها ذا ~~قربى، وهو معنى صحيح ملتئم، ولو قلت ولو وجد ذو قربى، لتفكك وخرج من ~~اتساقه والتئامه، على أن ههنا ما ساغ أن يستتر له ضمير في الفعل بخلاف ~~ما أوردته { بالغيب } حال من الفاعل ms1653 أو المفعول، أي يخشون ربهم ~~غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه غائبا عنهم. وقيل بالغيب في السر، وهذه ~~صفة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فكانت ~~عادتهم المستمرة أن يخشوا الله، وهم الذين أقاموا الصلاة وتركوها منارا ~~منصوبا وعلما مرفوعا، يعني إنما تقدر على إنذار هؤلاء وتحذيرهم من ~~قومك، وعلى تحصيل منفعة الإنذار فيهم دون متمرديهم وأهل عنادهم { ومن ~~تزكى } ومن تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي. وقرىء «من أزكى فإنما ~~يزكي»، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة، لأنهما من جملة التزكي ~~{ وإلى الله المصير } وعد للمتزكين بالثواب. فإن قلت كيف اتصل ~~قوله { إنما تنذر } بما قبله؟ قلت لما غضب عليهم في قوله { إن ~~يشأ يذهبكم } أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال ~~إنما تنذر كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك، فلم ينفع، فنزل ~~{ إنما تنذر } أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم. ### || [35.19-23] # { الأعمى والبصير } مثل للكافر والمؤمن، كما ضرب البحرين مثلا ~~لهما أو للصنم والله عز وجل، والظلمات والنور والظل والحرور مثلان للحق ~~والباطل، وما يؤديان إليه من الثواب والعقاب. والأحياء والأموات مثل ~~للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه، وأصروا على الكفر والحرور ~~السموم إلا أن السموم يكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار. وقيل ~~بالليل خاصة. فإن قلت لا المقرونة بواو العطف ما هي؟ قلت إذا وقعت الواو ~~في النفي قرنت بها لتأكيد معنى النفي. فإن قلت هل من فرق بين هذه ~~الواوات؟ قلت بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترا إلى وتر { إن ~~الله يسمع من يشاء } يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن ~~لا يدخل فيه، فيهدي الذي قد علم أن الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنها ~~لا تنفع فيه. وأما أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص وتتهالك على إسلام ~~قوم من المخذولين. ومثلك في ذلك مثل من لا يريد أن يسمع المقبورين وينذر، ~~وذلك ما لا سبيل إليه، ثم قال { إن أنت إلا نذير ms1654 } أي ما عليك ~~إلا أن تبلغ وتنذر، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع، وإن كان من ~~المصرين فلا عليك. ويحتمل أن الله يسمع من يشاء وأنه قادر على أن يهدي ~~المطبوع على قلوبهم على وجه القسر والإلجاء، وغيرهم على وجه الهداية ~~والتوفيق، وأما أنت فلا حيلة لك في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة ~~الموتى. ### || [35.24] # { بالحق } حال من أحد الضميرين، يعني محقا أو محقين، أو صفة ~~للمصدر، أي إرسالا مصحوبا بالحق. أو صلة لبشير ونذير على بشيرا بالوعد ~~الحق، ونذيرا بالوعيد الحق وإن من أمة إلاخلا فيها نذير. والأمة ~~الجماعة الكثيرة. قال الله تعالى # وجد عليه أمة من الناس # القصص 23، ويقال لأهل كل عصر أمة، وفي حدود المتكلمين الأمة هم ~~المصدقون بالرسول صلى الله عليه وسلم دون المبعوث إليهم، وهم الذين يعتبر ~~إجماعهم، والمراد ههنا أهل العصر. فإن قلت كم من أمة في الفترة بين عيسى ~~ومحمد عليهما الصلاة والسلام ولم يخل فيها نذير؟ قلت إذا كانت آثار ~~النذارة باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس،وحين اندرست آثار نذارة عيسى ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قلت كيف اكتفى بذكر النذير عن ~~البشير في آخر الآية بعد ذكرهما؟ قلت لما كانت النذارة مشفوعة بالبشارة ~~لا محالة، دل ذكرها على ذكرها، لا سيما قد اشتملت الآية على ذكرهما. ### || [35.25-26] # { بالبينت } بالشواهد على صحة النبوة وهي المعجزات { ~~وبالزبر } وبالصحف { وبالكتب المنير } نحو التوراة ~~والإنجيل والزبور. لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم ~~إسنادا مطلقا، وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات، وبعضها في بعضهم ~~وهي الزبر والكتاب. وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [35.27-28] # { ألوانها } أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما ~~لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها. والجدد الخطط ~~والطرائق. قال لبيد # أو مذهب جدد على ألواحه # ويقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان ~~تفصلان بين لوني ظهره وبطنه { وغرابيب } معطوف على ms1655 بيض أو على جدد، ~~كأنه قيل ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد غرابيب. وعن ~~عكرمة رضي الله عنه هي الجبال الطوال السود. فإن قلت الغربيب تأكيد ~~للأسود. يقال أسود غربيب، وأسود حلكوك وهو الذي أبعد في السواد وأغرب ~~فيه. ومنه الغراب ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفر فاقع، وأبيض ~~يقق وما أشبه ذلك. قلت وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيرا ~~لما أضمر، كقول النابغة # والمؤمن العائذات الطير... # وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي ~~الإظهار والإضمار جميعا، ولا بد من تقدير حذف المضاف في قوله تعالى { ~~ومن الجبال جدد } بمعنى ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى ~~يؤول إلى قولك ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال ثمرات مختلفا ألوانها { ~~ومن الناس والدواب والانعم مختلف ألونه } ~~يعني ومنهم بعض مختلف ألوانه. وقرىء «ألوانها»، وقرأ الزهري «جدد»، بالضم ~~جمع جديدة، وهي الجدة. يقال جديدة وجدد وجدائد، كسفينة وسفن وسفائن. وقد ~~فسر بها قول أبي ذؤيب يصف حمار وحش # جون السراة له جدائد اربع # وروي عنه جدد، بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر وضعه موضع الطرائق ~~والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. وقرىء «والدواب» مخففا ونظير هذا ~~التخفيف قراءة من قرأ «ولا الضألين» لأن كل واحد منهما فرار من التقاء ~~الساكنين، فحرك ذاك أولهما، وحذف هذا أخرهما. وقوله { كذلك } أي ~~كاختلاف الثمرات والجبال. والمراد العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله ~~وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق ~~خشيته، ومن ازداد به علما ازداد منه خوفا، ومن كان علمه به أقل كان ~~آمن. وفي الحديث 924 # " أعلمكم بالله أشدكم له خشية " # وعن مسروق كفى بالمرء علما أن يخشى، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه. ~~وقال رجل للشعبي أفتني أيها العالم، فقال العالم من خشي الله. وقيل نزلت ~~في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه. فإن ~~قلت ms1656 هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟ قلت لا بد ~~من ذلك، فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى أن الذين ~~يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس ~~انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله، كقوله تعالى # ولا يخشون أحدا إلا الله # الأحزاب 39 وهما معنيان مختلفان. فإن قلت ما وجه اتصال هذا الكلام بما ~~قبله؟ قلت لما قال { ألم تر } بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من ~~السماء ماء، وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر ~~المختلفة الأجناس وما يستدل به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } كأنه قال إنما يخشاه مثلك ~~ومن على صفتك ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه. وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 925 # " أنا أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم به " # فإن قلت فما وجه قراءة من قرأ «إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء» وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة؟ قلت الخشية في ~~هذه القراءة استعارة، والمعنى إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجل المهيب ~~المخشي من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده { إن الله عزيز ~~غفور } تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة، وقهرهم وإثابة ~~أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب حقه أن يخشى. ### || [35.29-30] # { يتلون كتب الله } يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم. ~~وعن مطرف رحمه الله هي آية القراء. عن الكلبي رحمه الله يأخذون بما فيه. ~~وقيل يعلمون ما فيه ويعملون به. وعن السدي رحمه الله هم أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وعن عطاء هم المؤمنون { يرجون } خبر ~~إن. والتجارة طلب الثواب بالطاعة. و { ليوفيهم } متعلق بلن تبور، ~~أي تجارة ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقهم عنده { ~~أجورهم } وهي ما استحقوه من الثواب { ويزيدهم } من التفضل على ~~المستحق. وإن شئت جعلت { يرجون } في موضع الحال على وأنفقوا راجين ~~ليوفيهم، أي ms1657 فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل ~~الله لهذا الغرض، وخبر إن قوله { إنه غفور شكور } على معنى ~~غفور لهم شكور لأعمالهم. والشكر مجاز عن الإثابة. ### || [35.31] # { الكتب } القرآن. ومن للتبيين أو الجنس. و«من» للتبعيض { ~~مصدقا } حال مؤكدة لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق { لما بين ~~يديه } لما تقدمه من الكتب { لخبير بصير } يعني أنه خبرك ~~وأبصر أحوالك، فرآك أهلا لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو ~~عيار على سائر الكتب. ### || [35.32-35] # فإن قلت ما معنى قوله { ثم أورثنا الكتب }؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا ~~بتوريثه. أو قال أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله { ~~الذين اصطفينا من عبادنا } وهم أمته من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأن الله اصطفاهم على ~~سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة ~~الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم ~~قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله. ومقتصد هو الذي خلط ~~عملا صالحا وآخر سيئا، وسابق من السابقين. والوجه الثاني أنه قدم ~~إرساله في كل أمة رسولا وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر ~~والكتاب المنير، ثم قال إن الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين ~~لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله ~~{ والذى أوحينا إليك من الكتب هو الحق } ثم ~~قال { ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من ~~عبادنا } أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده أهل ~~الملة الحنيفية، فإن قلت فكيف جعلت { جنت عدن } بدلا من الفضل ~~الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟ قلت لما كان السبب في ~~نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي ~~اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من ~~وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذرا وعليهما بالتوبة ~~النصوح ms1658 المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 926 # " سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " # فإن شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى # عسى الله أن يتوب عليهم # التوبة 102 وقوله # إما يعذبهم وإما يتوب عليهم # التوبة 106 ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة ~~الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع. وقرىء «سباق» ومعنى { بإذن الله } ~~بتيسيره وتوفيقه. فإن قلت لم قدم الظالم؟ ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت ~~للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم ~~والسابقون أقل من القليل. وقرىء «جنة عدن» على الإفراد، كأنها جنة مختصة ~~بالسابقين. وجنات عدن بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات ~~عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول. ويحلون من حليت المرأة، ~~فهي حال { ولؤلؤا } معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي ~~يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسورون ~~به غيرهم. وقيل إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ. # وقرىء «ولو لؤلؤا» بتخفيف الهمزة الأولى، وقرىء «الحزن» والمراد حزن ~~المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى # إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله ~~علينا ووقانا عذاب السموم # الطور 26- 27. وعن ابن عباس رضي الله عنهما حزن الاعراض والآفات. وعنه ~~حزن الموت. وعن الضحاك حزن إبليس ووسوسته. وقيل هم المعاش. وقيل حزن ~~زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم كراء الدار، ومعناه أنه يعم كل ~~حزن من أحزان الدين والدنيا. حتى هذا. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~927 # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في ~~مسيرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب ~~عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " # وذكر الشكور دليل على أن القوم كثيرو الحسنات، المقامة بمعنى الإقامة ~~يقال أقمت إقامة ومقاما ومقامة { من فضله } من عطائه وإفضاله، ms1659 من ~~قولهم لفلان فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل لأن ~~الثواب بمنزلة الأجر المستحق، والتفضل كالتبرع. وقرىء «لغوب» بالفتح وهو ~~اسم ما يلغب منه، أي لا تتكلف عملا يلغبنا أو مصدر كالقبول والولوغ، أو ~~صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك موت مائت، فإن قلت ما الفرق بين النصب ~~واللغوب؟ قلت النصب التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له. ~~وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب فالنصب نفس المشقة والكلفة. ~~واللغوب نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة. ### || [35.36-37] # { فيموتوا } جواب النفي، ونصبه بإضمار أن وقرىء «فيموتون» عطفا ~~على يقضي، وإدخالا له في حكم النفي، أي لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون، ~~كقوله تعالى # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 36، { كذلك } مثل ذلك الجزاء { نجزى } وقرىء «يجازى». ~~«ونجزي» { كل كفور } بالنون { يصطرخون } يتصارخون ~~يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة. قال # كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها # واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته. فإن قلت هلا اكتفى بصالحا ~~كما أكتفى به في قوله تعالى # فارجعنا نعمل صلحا # السجدة 12 وما فائدة زيادة { غير الذى كنا نعمل } على أنه ~~يؤذن أنهم يعملون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟ قلت فائدته زيادة ~~التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به. وأما الوهم فزائل ~~لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي، لأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة ~~صالحة، كما قال الله تعالى # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # الكهف 104 فقالوا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحسبه صالحا فنعمله ~~{ أو لم نعمركم } توبيخ من الله يعني فنقول لهم. وقرىء «وما ~~يذكر فيه» من أذكر على الإدغام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من ~~إصلاح شأنه وإن قصر إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 928 # " العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة " # وعن مجاهد ما بين العشرين إلى الستين. وقيل ثماني عشر وسبع عشر. و { ~~النذير } الرسول صلى الله عليه وسلم. ms1660 وقيل الشيب. وقرىء «وجاءتكم ~~النذر» فإن قلت علام عطف وجاءكم النذير؟ قلت على معنى أو لم نعمركم لأن ~~لفظه لفظ استخبار. ومعناه معنى إخبار، كأنه قيل قد عمرناكم وجاءكم ~~النذير. ### || [35.38] # { إنه عليم بذات الصدور } كالتعليل، لأنه إذا علم ما في ~~الصدور وهو أخفى ما يكون فقد علم غيب في العالم وذات الصدور مضمراتها، ~~وهي تأنيث ذو في نحو قول أبي بكر رضي الله عنه ذو بطن خارجة جارية وقوله # لتغني عني ذا إنائك أجمعا # المعنى ما في بطنها من الحبل، وما في إنائك من الشراب لأن الحبل ~~والشراب يصحبان البطن والإناء. ألا ترى إلى قولهم معها حبل، وكذلك ~~المضمرات تصحب الصدور وهي معها وذو موضوع لمعنى الصحبة. ### || [35.39] # يقال للمستخلف خليفة وخليف فالخليفة تجمع خلائف، والخليف خلفاء، والمعنى ~~أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصرف فيها وسلطكم على ما ~~فيها، وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة { فمن كفر } منكم ~~وغمط مثل هذه النعمة السنية، فوبال كفره راجع عليه، وهو مقت الله الذي ~~ليس وراءه خزي وصغار وخسار الآخرة الذي ما بقي بعده خسار، والمقت أشد ~~البغض. ومنه قيل لمن ينكح امرأة أبيه مقتي، لكونه ممقوتا في كل قلب. وهو ~~خطاب للناس. وقيل خطاب لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ~~جعلكم أمة خلفت من قبلها، ورأت وشاهدت فيمن سلف ما ينبغي أن تعتبر به، ~~فمن كفر منكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة، كما أن ذلك حكم ~~من قبلكم. ### || [35.40] # { أرونى } بدل من أرأيتم لأن المعنى أرأيتم أخبروني، كأنه قال ~~أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة أروني أي جزء ~~من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله شركة في خلق ~~السموات، أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة ~~وبرهان من ذلك الكتاب. أو يكون الضمير في { ءاتينهم } للمشركين، ~~كقوله تعالى # أم أنزلنا عليهم سلطنا # الروم 35 أم آتيناهم كتابا من قبله، ms1661 بل إن يعد بعضهم وهم الرؤوساء { ~~بعضا } وهم الأتباع { إلا غرورا } وهو قولهم # هؤلاء شفعؤنا عند الله # يونس 18 وقرىء «بينات». ### || [35.41] # { أن تزولا } كراهة أن تزولا. أو يمنعهما من أن تزولا لأن الإمساك ~~منع { إنه كان حليما غفورا } غير معاجل بالعقوبة، حيث ~~يمسكهما، وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا، لعظم كلمة الشرك كما قال # تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض # مريم 90. وقرىء «ولو زالتا»، وإن أمسكهما جواب القسم في { ولئن ~~زالتا } سد مسد الجوابين، ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي، والثانية ~~للابتداء. ومن بعده من بعد إمساكه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال ~~لرجل مقبل من الشام من لقيت به؟ قال كعبا. قال وما سمعته يقول؟ قال ~~سمعته يقول إن السموات على منكب ملك. قال كذب كعب. أما ترك يهوديته بعد ~~ثم قرأ هذه الآية. ### || [35.42-44] # بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا ~~رسلهم، فقالوا لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فوالله لئن ~~أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كذبوه. وفي { إحدى الأمم } وجهان، أحدهما من بعض الأمم، ومن ~~واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم. والثاني من الأمة التي يقال ~~لها إحدى الأمم، تفضيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة { ما ~~زادهم } إسناد مجازي، لأنه هو السبب في أن زادوا أنفسهم. نفورا عن ~~الحق وابتعادا عنه كقوله تعالى # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125. { استكبارا } بدل من نفورا. أو مفعول له، على معنى فما ~~زادهم إلا أن نفروا استكبارا وعلوا { فى الأرض } أو حال بمعنى ~~مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ويجوز أن ~~يكون { ومكر السيىء } معطوفا على نفورا فإن قلت فما وجه قوله { ~~ومكرالسيىء }؟ قلت أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء ثم ~~ومكرا السيء.ثم و مكر السيء. والدليل عليه قوله تعالى { ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله } ومعنى يحيق يحيط وينزل. وقرىء ~~«ولا يحيق المكر السيء» أي ms1662 لا يحيق الله، ولقد حاق بهم يوم بدر. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 929 # " لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله تعالى يقول { ولا يحيق ~~المكر السيىء إلا بأهله } ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا، " # يقول الله تعالى # إنما بغيكم على أنفسكم # يونس 23. وعن كعب أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما قرأت في التوراة من ~~حفر مغواة وقع فيها. قال أنا وجدت ذلك في كتاب الله، وقرأ الآية. وفي ~~أمثال العرب من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا. وقرأ حمزة «ومكر السيىء» ~~بإسكان الهمزة، وذلك لاستثقاله الحركات مع الياء والهمزة، ولعله اختلس ~~فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة، ثم ابتدى { ولا يحيق }. وقرأ ابن ~~مسعود «ومكرا سيئا» { سنت الأولين } إنزال العذاب على الذين ~~كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم، وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم، ~~وبين أن عادته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا ~~يحولها، أي لا يغيرها، وأن ذلك مفعول له لا محالة، واستشهد عليهم بما ~~كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن ~~من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم { ليعجزه } ليسبقه ويفوته. ### || [35.45] # { بما كسبوا } بما اقترفوا من معاصيهم { على ظهرها } على ~~ظهر الأرض { من دابة } من نسمة تدب عليها، يريد بني آدم. وقيل ما ~~ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم. وعن ابن مسعود 930 كاد ~~الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم تلا هذه الآية. وعن أنس إن الضب ~~ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم. وقيل يحبس المطر فيهلك كل شيء { ~~إلى أجل مسمى } إلى يوم القيامة { كان بعباده بصيرا ~~} وعيد بالجزاء. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 931 # " من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة أن ~~أدخل من أي باب شئت ". ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-7] # قرىء «يس» بالفتح، كأين وكيف. أو بالنصب على اتل يس، وبالكسر على ~~الأصل كجير، وبالرفع على هذه يس، أو بالضم كحيث. وفخمت الألف وأميلت. ~~وعن ابن عباس ms1663 رضي الله عنهما معناه يا إنسان في لغة طيىء، والله أعلم ~~بصحته، وإن صح فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين، فكثر النداء به على ألسنتهم ~~حتى اقتصروا على شطره، كما قالوا في القسم م الله في أيمن الله { ~~الحكيم } ذي الحكمة. أو لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي. أو لأنه كلام ~~حكيم فوصف بصفة المتكلم به { على صرط مستقيم } خبر بعد خبر، ~~أو صلة للمرسلين. فإن قلت أي حاجة إليه خبرا كان أو صلة، وقد علم أن ~~المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟ قلت ليس الغرض بذكره ما ذهبت ~~إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته، وإنما ~~الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، ~~كأنه قال إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت، وأيضا فإن التنكير ~~فيه دل على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة لا يكتنه وصفه، وقرىء ~~«تنزيل العزيز الرحيم» بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على ~~أعني، وبالجر على البدل من القرآن { قوما مآ أنذر ءاباؤهم ~~} قوما غير منذر آباؤهم على الوصف ونحوه قوله تعالى # لتنذر قوما مآ أتهم من نذير من قبلك # القصص 46، # وما أرسلنآ إليهم قبلك من نذير # سبأ 44، وقد فسر { مآ أنذر ءاباؤهم } على إثبات الإنذار. ووجه ~~ذلك أن تجعل ما مصدرية، لتنذر قوما إنذار آبائهم أو موصولة ومنصوبة على ~~المفعول الثاني لتنذر قوما ما أنذره آباؤهم من العذاب، كقوله تعالى # إنآ أنذرنكم عذابا قريبا # النبأ 40. فإن قلت أي فرق بين تعلقي قوله { فهم غفلون } على ~~التفسيرين؟ قلت هو على الأول متعلق بالنفي، أي لم ينذروا فهم غافلون، ~~على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم، وعلى الثاني بقوله { إنك لمن ~~المرسلين } لتنذر، كما تقول أرسلتك إلى فلان لتنذره، فإنه غافل. أو ~~فهو غافل. فإن قلت كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الآي ~~الأخر؟ قلت لا مناقضة لأن الآي في نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم، ms1664 ~~وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم. فإن قلت ففي أحد ~~التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر، فما تصنع به؟ قلت أريد ~~آباؤهم الأدنون دون الأباعد لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون { ~~القول } قوله تعالى # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # السجدة 13 يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب لأنهم ممن علم أنهم ~~يموتون على الكفر. ### || [36.8-9] # ثم مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم ~~كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم ~~نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبص ما رون ما ~~قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن ~~النظر في آيات الله. فإن قلتمعنى قوله { فهى إلى الأذقان }؟ قلت ~~معناه فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزة إليها، وذلك أن طوق الغل الذي ~~في عنق المغلول، يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود، ~~نادرا من الحلقة إلى الذقن. فلا تخليه يطأطىء رأسه ويوطىء قذاله، فلا ~~يزال مقمحا. والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره. يقال قمح البعير فهو ~~قامح إذا روي فرفع رأسه ومنه شهرا قماح، لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء ~~لبرده فيهما، وهما الكانونان. ومنه اقتمحت السويق. فإن قلت فما قولك فيمن ~~جعل الضمير للأيدي وزعم أن الغل لما كان جامعا لليد والعنق - وبذلك يسمى ~~جامعة - كان ذكر الأعناق دالا على ذكر الأيدي؟ قلت الوجه ما ذكرت لك، ~~والدليل عليه قوله { فهم مقمحون } ألا ترى كيف جعل الإقماح نتيجة ~~قوله { فهى * إلى الأذقان } ولو كان الضمير للأيدي لم يكن معنى ~~التسبب في الإقماح ظاهرا على أن هذا الإضمار فيه ضرب من التعسف وترك ~~الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه إلى الباطن الذي يجفو عنه وترك للحق ~~الأبلج إلى الباطل اللجلج. فإن قلت فقد قرأ ابن عباس رضي الله عنهما «في ~~أيديهم» وابن مسعود «في أيمانهم»، فهل تجوز على هاتين القراءتين أن تجعل ~~الضمير للأيدي ms1665 أو للأيمان؟ قلت يأبى ذلك وإن ذهب الإضمار المتعسف ظهور ~~كون الضمير للأغلال، وسداد المعنى عليه كما ذكرت. وقرىء «سدا» بالفتح ~~والضم. وقيل ما كان من عمل الناس فبالفتح، وما كان من خلق الله فالبضم { ~~فأغشينهم } فأغشينا أبصارهم، أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة عن ~~أن تطمح إلى مرئي، وعن مجاهد فأغشيناهم فألبسنا أبصارهم غشاوة. وقرىء ~~بالعين من العشا. وقيل نزلت في بني مخزوم، وذلك.. 932 أن أبا جهل حلف لئن ~~رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به، فلما ~~رفع يده أثبتت إلى عنقه ولزق الحجر بيده، حتى فكوه عنها بجهد، فرجع إلى ~~قومه فأخبرهم، فقال مخزومي آخر أنا أقتله بهذا الحجر، فذهب، فأعمى الله ~~عينيه. ### || [36.10-11] # فإن قلت قد ذكر ما دل على انتفاء إيمانهم مع ثبوت الإنذار ثم قفاه ~~بقوله { إنما تنذر } وإنما كانت تصح هذه التقفية لو كان الإنذار ~~منفيا. قلت هو كما قلت، ولكن لما كان ذلك نفيا للإيمان مع وجود الإنذار ~~وكان معناه أن البغية المرومة بالإنذار غير حاصلة وهي الإيمان، قفي بقوله ~~{ إنما تنذر } على معنى إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء ~~المنذرين وهم المتبعون للذكر وهو القرآن أو الوعظ، الخاشون ربهم. ### || [36.12] # { نحى الموتى } نبعثهم بعد مماتهم. وعن الحسن إحياؤهم أن يخرجهم ~~من الشرك إلى الإيمان { ونكتب ما } أسلفوا من الأعمال الصالحة ~~وغيرها وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس ~~حبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك. أو سيىء ~~كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء ~~أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة ~~يستن بها. ونحوه قوله تعالى # ينبؤا الإنسن يومئذ بما قدم وأخر # القيامة 13 أي قدم من أعماله، وأخر من آثاره. وقيل هي آثار المشائين ~~إلى المساجد. وعن جابر 933 أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى ms1666 الله عليه وسلم فأتانا في ديارنا وقال # " يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد " # ، فقلنا نعم، بعد علينا المسجد والبقاع حوله خالية، فقال # " عليكم دياركم. فإنما تكتب آثاركم " # قال فما وددنا حضرة المسجد لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ~~عمر بن عبد العزيز لو كان الله مغفلا شيئا لأغفل هذه الآثار التي ~~تعفيها الرياح. والإمام اللوح. وقرىء «ويكتب ما قدموا وآثارهم» على ~~البناء للمفعول «وكل شيء» بالرفع. ### || [36.13-15] # { واضرب لهم مثلا } ومثل لهم مثلا، من قولهم عندي من هذا ~~الضرب كذا، أي من هذا المثال، وهذه الأشياء على ضرب واحد، أي على مثال ~~واحد. والمعنى واضرب لهم مثلا مثل أصحاب القرية، أي اذكر لهم قصة عجيبة ~~قصة أصحاب القرية. والمثل الثاني بيان للأول. وانتصاب إذ بأنه بدل من ~~أصحاب القرية. والقرية أنطاكية. و { المرسلون } رسل عيسى عليه ~~السلام إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق وكانوا عبدة أوثان. أرسل إليهم ~~اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار ~~صاحب يس، فسألهما فأخبراه، فقال أمعكما آية؟ فقالا نشفي المريض ونبرىء ~~الأكمه والأبرص، وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه، فقام، فآمن حبيب وفشا ~~الخبر، فشفي على أيديهما خلق كثير، ورقى حديثهما إلى الملك وقال لهما ~~ألنا إله سوى آلهتنا؟ قالا نعم من أوجدك وآلهتك، فقال حتى انظر في ~~أمركما، فتبعهما الناس وضربوهما. وقيل حبسا. ثم بعث عيسى عليه السلام ~~شمعون فدخل متنكرا وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به، ورفعوا خبره إلى ~~الملك فأنس به، فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما ~~يقولانه؟ فقال لا، حال الغضب بيني وبين ذلك، فدعاهما، فقال شمعون من ~~أرسلكما؟ قالا الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال صفاه وأوجزا. ~~قالا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال وما آيتكما؟ قالا ما يتمنى الملك، ~~فدعا بغلام مطموس العينين، فدعوا الله حتى انشق له بصر، وأخذا بندقتين ~~فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر ms1667 بهما، فقال له شمعون أرأيت لو ~~سألت إلهك حتى يضع مثل هذا فيكون لك وله الشرف. قال ليس لي عنك سر، إن ~~إلهنا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون يدخل معهم على ~~الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم، ثم قال إن قدر إلهكما على إحياء ~~ميت آمنا به، فدعوا بغلام مات من سبعة أيام فقام وقال إني أدخلت في سبعة ~~أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا، وقال فتحت أبواب السماء ~~فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك ومن هم؟ قال شمعون ~~وهذان، فتعجب الملك. فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن وآمن ~~معه قوم، ومن لن يؤمن صاح عليهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا { ~~فعززنا } فقوينا. يقال المطر يعزز الأرض إذا لبدها وشدها، وتعزز ~~لحم الناقة. وقرىء بالتخفيف من عزه يعزه إذا غلبه، أي فغلبنا وقهرنا { ~~بثالث } وهو شمعون. فإن قلت لم ترك ذكر المفعول به؟ قلت لأن الغرض ~~ذكر المعزز به وهو شمعون وما لطف فيه من التدبير حتى عز الحق وذل ~~الباطل، وإذا كان الكلام منصبا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه ~~إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح. # ونظيره قولك حكم السلطان اليوم بالحق، الغرض المسوق إليه قولك بالحق ~~فلذلك رفضت ذكر المحكوم وله المحكوم عليه ما أنتم إلا بشر مثلنا. إنما ~~رفع بشر هنا ونصب في قوله # ما هذا بشرا # يوسف 31 لأن إلا تنقض النفي، فلا يبقى لما المشبهة بليس شبه، فلا يبقى ~~له عمل. فإن قلت لم قيل { إنا إليكم مرسلون } أولا، و { إنآ ~~إليكم لمرسلون } آخرا؟ قلت لأن الأول ابتداء إخبار، ~~والثاني جواب عن إنكار. ### || [36.16-17] # وقوله { ربنا يعلم } جار مجرى القسم في التوكيد، وكذلك قولهم ~~شهد الله، وعلم الله. وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد ~~والتحقيق مع قولهم { وما علينآ إلا البلغ المبين 17 } ~~أي الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته وإلا فلو قال المدعي والله إني ms1668 ~~لصادق فيما أدعي ولم يحضر البينة كان قبيحا. ### || [36.18-19] # { تطيرنا بكم } تشاءمنا بكم، وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منهم ~~نفوسهم، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه واشتهوه وآثروه ~~وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم نعمة أو بلاء ~~قالوا ببركة هذا وبشؤم هذا، كما حكى الله عن القبط # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه # الأعراف 131. وعن مشركي مكة # وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # النساء 78. وقيل حبس عنهم القطر فقالوا ذلك. وعن قتادة إن أصابنا شيء ~~كان من أجلكم «وطائركم معكم» وقرىء «طيركم» أي سبب شؤمكم معكم وهو كفرهم، ~~أو أسباب شؤمكم معكم، وهي كفرهم ومعاصيهم. وقرأ الحسن «أطيركم» أي ~~تطيركم. وقرىء «أئن ذكرتم» بمهزة الاستفهام وحرف الشرط. وءائن بألف ~~بينهما، بمعنى أتطيرون إن ذكرتم؟ وقرىء «أأن ذكرتم» بهمزة الاستفهام وأن ~~الناصبة، يعني أتطيرتم لأن ذكرتم؟ وقرىء أن، وإن بغير استفهام لمعنى ~~الإخبار، أي تطيرتم لأن ذكرتم، أو إن ذكرتم تطيرتم. وقرىء «أين ذكرتم» ~~على التخفيف، أي شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم، وإذا شئم المكان بذكرهم كان ~~بحلولهم فيه أشأم { بل أنتم قوم مسرفون } في العصيان ومن ~~ثم أتاكم الشؤم، لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم قوم مسرفون في ~~ضلالكم متمادون في غيكم، حيث تتشاءمون بمن يجب التبرك به من رسل الله. ### || [36.20-25] # { رجل يسعى } هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وهو ~~ممن آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينهما ستمائة سنة كما آمن به ~~تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن من بنبي أحد إلا بعد ظهوره. ~~وقيل كان في غار يعبد الله، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول ~~الكفرة، فقالوا أو أنت تخالف ديننا، فوثبوا عليه فقتلوه. وقيل توطئوه ~~بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره. وقيل رجموه وهو يقول اللهم اهد قومي ~~وقبره في سوق أنطاكية، فلما قتل غضب الله عليهم فأهلكوا بصيحة جبريل عليه ~~السلام. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1669 934 # " سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب، وصاحب ~~يس، ومؤمن آل فرعون " # ، { من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون } كلمة جامعة في ~~الترغيب فيهم، أي لا تخسرون معهم شيئا من ديناكم وتربحون صحة دينكم ~~فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة ~~لنفسه وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، ولأنه أدخل في إمحاض النصح ~~حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه، ولقد وضع قوله { وما لى لآ ~~أعبد الذى فطرنى } مكان قوله وما لكم لا تعبدون الذي فطركم. ~~ألا ترى إلى قوله { وإليه ترجعون } ولولا أنه قصد ذلك لقال ~~الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال { ءامنت ~~بربكم فاسمعون } يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني، فقد نبهتكم على ~~الصحيح الذي لا معدل عنه أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه ~~مرجعكم، وما أدفع العقول وأنكرها لأن تستحبوا على عبادته عبادة أشياء إن ~~أرادكم هو بضر وشفع لكم هؤلاء لم تنفع شفاعتهم ولم يمكنوا من أن يكونوا ~~شفعاء عنده ولم يقدروا على إنقاذكم منه بوجه من الوجوه، إنكم في هذا ~~الاستحباب لواقعون في ضلال ظاهر بين لا يخفى على ذي عقل وتمييز. وقيل لما ~~نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحو الرسل قبل أن يقتل، فقال لهم { إنى ~~ءامنت بربكم فاسمعون25 } أي اسمعوا إيماني تشهدوا لي به. ~~وقرىء «إن يردني الرحمن بضر» بمعنى أن يوردني ضرا، أي يجعلني موردا ~~للضر. ### || [36.26-27] # أي لما قتل { قيل } له { ادخل الجنة } وعن قتادة أدخله الله ~~الجنة وهو فيها حي يرزق أراد قوله تعالى # بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين # آل عمران 169 وقيل معناه البشرى بدخول الجنة وأنه من أهلها. فإن قلت كيف ~~مخرج هذا القول في علم البيان؟ قلت مخرجه مخرج الاستئناف، لأن هذا من ~~مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، كأن قائلا قال كيف كان لقاء ربه ~~بعد ذلك التصلب في نصرة دينه والتسخي لوجهه بروحه؟ فقيل قيل ms1670 ادخل الجنة ~~ولم يقل قيل له، لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه، لا إلى القول له مع ~~كونه معلوما، وكذلك { قال يليت قومى يعلمون } مرتب على ~~تقدير سؤال سائل عما وجد من قوله عند ذلك الفوز العظيم، وإنما تمنى علم ~~قومه بحاله، ليكون علمهم بها سببا لاكتساب مثلها لأنفسهم، بالتوبة عن ~~الكفر والدخول في الإيمان والعمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة. وفي ~~حديث مرفوع 935 # " نصح قومه حيا وميتا " # وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على ~~من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه والتلطف في ~~افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى ~~الخير لقتلته والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام. ويجوز أن يتمنى ~~ذلك ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره، وأنه كان على صواب ونصيحة ~~وشفقة، وأن عداوتهم لم تكسبه إلا فوزا ولم تعقبه إلا سعادة، لأن في ذلك ~~زيادة غبطة له وتضاعف لذة وسرور. والأول أوجه. وقرىء «المكرمين». فإن ~~قلت ما في قوله تعالى { بما غفر لى ربى } أي الماآت هي؟ قلت ~~المصدرية أو الموصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب. ويحتمل أن تكون ~~استفهامية يعني بأي شيء غفر لي ربي يريد به ما كان منه معهم من المصابرة ~~لإعزاز الدين حتى قتل، إلا أن قولك «بم غفر لي» بطرح الألف أجود وإن كان ~~إثباتها جائزا يقال قد علمت بما صنعت هذا، أي بأي شيء صنعت وبم صنعت. ### || [36.28-29] # المعنى أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جندا من جنود ~~السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت وما معنى قوله { وما كنا ~~منزلين }؟ قلت معناه وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم ~~حبيب جندا من السماء، وذلك لأن الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض ~~الوجوه دون البعض، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته ~~المصلحة. ألا ترى إلى قوله تعالى # فمنهم من ms1671 أرسلنا عليه حاصبا ومنهم ومن ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ~~ومنهم من أغرقنا # العنكبوت 40. فإن قلت فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ قال ~~تعالى # فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها # الأحزاب 9، # بألف من الملئكة مردفين # الأنفال 9، # بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين # آل عمران 124، # بخمسة ءالف من الملئكة مسومين # آل عمران 125؟ قلت إنما كان يكفي ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط ~~بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه، ولكن الله فضل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بكل شيء على كبار الأنبياء وأولي العزم من ~~الرسل، فضلا عن حبيب النجار، وأولاه من أسباب الكرامة والإعزاز ما لم ~~يوله أحدا فمن ذلك أنه أنزل له جنودا من السماء وكأنه أشار بقوله { ~~وما أنزلنا } { وما كنا منزلين } إلى أن إنزال الجنود من ~~عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله بغيرك «إن كانت ~~إلا صيحة واحدة» إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة. وقرأ أبو ~~جعفر المدني بالرفع على كان التامة، أي ما وقعت إلا صيحة، والقياس ~~والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة، ولكنه نظر ~~إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن ~~«فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم» وبيت ذي الرمة # وما بقيت إلا الضلوع الجراشع # وقرأ ابن مسعود «إلازقية واحدة» من زقا الطائر يزقو ويزقي، إذا صاح. ~~ومنه المثل أثقل من الزواقي { خمدون } خمدوا كما تخمد النار، فتعود ~~رمادا، كما قال لبيد # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رمادا ~~بعد إذ هو ساطع ### || [36.30] # { يحسرة على العباد } نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها ~~تعالي يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم ~~بالرسل. والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، ويتلهف على حالهم ~~المتلهفون. أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين. ~~ويجوز أن يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة فى معنى تعظيم ما ms1672 جنوه ~~على أنفسهم ومحنوها به، وفرط إنكاره له وتعجيبه منه، وقراءة من قرأ «يا ~~حسرتاه» تعضد هذا الوجه لأن المعنى يا حسرتي. وقرىء «يا حسرة العباد»، ~~على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم من حيث أنها موجهة إليهم. ويا حسرة على ~~العباد على إجراء الوصل مجرى الوقف. ### || [36.31-32] # { ألم يروا } ألم يعلموا، وهو معلق عن العمل في { كم } لأن كم ~~لا يعمل فيها عامل قبلها، كانت للاستفهام أو للخبر لأن أصلها الاستفهام، ~~إلا أن معناه نافذ في الجملة، كما نفذ في قولك ألم يروا إن زيدا لمنطلق، ~~وإن لم يعمل في لفظه. و { أنهم إليهم لا يرجعون } بدل من ~~{ كم أهلكنا } على المعنى، لا على اللفظ، تقديره ألم يروا كثرة ~~إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم. وعن الحسن كسر إن على ~~الاستئناف. وفي قراءة ابن مسعود «ألم يروا من أهلكنا» والبدل على هذه ~~القراءة بدل اشتمال، وهذا مما يرد قول أهل الرجعة. ويحكى عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنه قيل له إن قوما يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم ~~القيامة، فقال بئس القوم نحن إذن نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه. { لما } ~~قرىء «لما» بالتخفيف، على أن ما صلة للتأكيد، وإن مخففة من الثقيلة، وهي ~~متلقاة باللام لا محالة. ولما بالتشديد، بمعنى إلا، كالتي في مسألة ~~الكتاب. نشدتك بالله لما فعلت، وإن نافية، والتنوين في { كل } هو الذي ~~يقع عوضا من المضاف إليه، كقولك مررت بكل قائما. والمعنى أن كلهم ~~محشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة. وقيل محضرون معذبون. فإن قلت ~~كيف أخبر عن كل بجميع ومعناهما واحد؟ قلت ليس بواحد؟ لأن كلا يفيد معنى ~~الإحاطة، وأن لا ينفلت منهم أحد، والجميع معناه الاجتماع، وأن المحشر ~~يجمعهم. والجميع فعيل بمعنى مفعول، يقال حي جميع، وجاؤا جميعا. ### || [36.33-36] # القراءة بالميتة على الخفة أشيع، لسلسها على اللسان. و { أحيينها ~~} استئناف بيان لكون الأرض الميتة آية، وكذلك نسلخ، ويجوز أن توصف الأرض ~~والليل بالفعل، لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين لا أرض وليل بأعيانهما، ~~فعوملا ms1673 معاملة النكرات في وصفهما بالأفعال، ونحوه # ولقد امر على اللئيم يسبني # وقوله { فمنه يأكلون } بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو ~~الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل ~~جاء القحط ووقع الضر، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء. وقرىء «وفجرنا» ~~بالتخفيف والتثقيل، والفجر والتفجير، كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى. وقرىء ~~«ثمره» بفتحتين وضمتين وضمة وسكون، والضمير لله تعالى والمعنى ليأكلوا ~~مما خلقه الله من الثمر و من { ما عملته أيديهم } من الغرس ~~والسقي والآبار، وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان ~~أكله، يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم، ~~وأصله من ثمرنا كما قال وجعلنا، وفجرنا فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة ~~على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل، وتترك الأعناب غير مرجوع ~~إليها، لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره. ويجوز أن ~~يراد من ثمر المذكور وهو الجنات، كما قال رؤبة # فيها خطوط من بياض وبلق كأنه في الجلد ~~توليع البهق # فقيل له، فقال أردت كأن ذاك ولك أن تجعل { ما } نافية على أن الثمر ~~خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه. وقرىء على الوجه الأول، ~~وما عملت من غير راجع، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وفي مصاحف أهل ~~الحرمين والبصرة والشام مع الضمير { الأزوج } الأجناس والأصناف { ~~ومما لا يعلمون } ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها ولا توصلوا ~~إلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أن يخلق الله تعالى من الخلائق ~~الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقا إلى العلم به، لأنه لا حاجة بهم ~~في دينهم ودنياهم إلى ذلك العلم، ولو كانت بهم إليه حاجة لأعلمهم بما لا ~~يعلمون، كما أعلمهم بوجود ما لا يعلمون. وعن ابن عباس رضي الله عنهما لم ~~يسمهم. وفي الحديث 936 # " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه ~~" # فأعلمنا ms1674 بوجوده وإعداده ولم يعلمنا به ما هو، ونحوه # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # السجدة 17 وفي الإعلام بكثرة ما خلق مما علموه ومما جهلوه ما دل على ~~عظم قدرته واتساع ملكه. ### || [36.37] # سلخ جلد الشاة إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه سلخ الحية لخرشائها، فاستعير ~~لإزالة الضوء أوكشفه عن مكان الليل وملقى ظله { مظلمون } داخلون في ~~الظلام، يقال أظلمنا، كما تقول أعتمنا وأدجينا. ### || [36.38-40] # { لمستقر لها } لحد لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في ~~آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق ~~والمغارب لأنها تتقصاها مشرقا مشرقا ومغربا مغربا حتى تبلغ أقصاها، ~~ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها لأنها لا تعدوه أو لحد لها من مسيرها كل ~~يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب. وقيل مستقرها أجلها الذي أقر الله عليه ~~أمرها في جريها، فاستقرت عليه وهو آخر السنة. وقيل الوقت الذي تستقر ~~فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة. وقرىء «تجري إلى مستقر لها» وقرأ ابن ~~مسعود «لا مستقر لها» أي لا تزال تجري لا تستقر. وقرىء «لا مستقر لها» ~~على أن لا بمعنى ليس { ذلك } الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق ~~الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا تقدير ~~الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علما بكل معلوم. قرىء «والقمر» رفع ~~على الابتداء، أو عطفا على الليل، يريد ومن آياته القمر، ونصبا بفعل ~~يفسره قدرناه، ولا بد في { قدرنه منازل }. من تقدير مضاف ~~لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل والمعنى قدرنا مسيره منازل وهي ~~ثمانية وعشرون منزلا، ينزل القمر كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا ~~يتقاصر عنه، على تقدير مستو لا يتفاوت، يسير فيها كل ليلة من المستهل ~~إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه ~~المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي ~~الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، ~~الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوا، ms1675 السماك، الغفر، الزباني، ~~الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد ~~السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا. فإذا ~~كان في آخر منازله دق واستقوس، و { عاد كالعرجون القديم } وهو ~~عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة. وقال الزجاج هو «فعلون» ~~من الانعراج وهو الانعطاف. وقرىء «العرجون» بوزن الفرجون وهما لغتان، ~~كالبزيون والبزيون، والقديم المحول، وإذا قدم دق فانحنى واصفر، فشبه به ~~من ثلاثة أوجه. وقيل أقل مدة الموصوف بالقدم الحول، فلو أن رجلا قال ~~كل مملوك لي قديم فهو حر. أو كتب ذلك في وصيته عتق منهم من مضى له حول ~~أو أكثر. وقرىء «سابق النهار». على الأصل، والمعنى أن الله تعالى قسم ~~لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسما من الزمان، وضرب له حدا ~~معلوما، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس أي لا يتسهل لها ولا ~~يصح ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من ~~النيرين سلطان على حياله { أن تدرك القمر } فتجتمع معه في وقت ~~واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار يعني آية ~~الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن ~~يبطل الله ما دبر من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويطلع ~~الشمس من مغربها فإن قلت لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟ قلت ~~لأن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت ~~الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطىء سيرها عن سير القمر، والقمر ~~خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره { وكل } التنوين فيه عوض عن ~~المضاف إليه، والمعنى وكلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره. ### || [36.41-44] # { ذريتهم } أولادهم ومن يهمهم حمله. وقيل اسم الذرية يقع على ~~النساء، لأنهن مزارعها وفي الحديث 937 أنه نهى عن قتل الذراري يعني ~~النساء. { من مثله } من مثل الفلك { ما يركبون } من الإبل وهي ~~سفائن البر وقيل { الفلك المشحون } سفينة نوح، ms1676 ومعنى حمل الله ~~ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، ~~وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجيب ~~من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح. و { من ~~مثله } من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق { فلا صريخ ~~} لا مغيث. أو لا إغاثة. يقال أتاهم الصريخ { ولا هم ينقذون } لا ~~ينجون من الموت بالغرق { إلا رحمة } إلا لرحمة منا ولتمتيع ~~بالحياة { إلى حين } إلى أجل يموتون فيه لا بد لهم منه بعد النجاة ~~من موت الغرق. ولقد أحسن من قال # ولم أسلم لكي أبقى ولكن سلمت من الحمام ~~إلى الحمام # وقرأ الحسن رضي الله عنه «نغرقهم». ### || [36.45-46] # { اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } كقوله تعالى # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من ~~السماء والأرض # سبأ 9 وعن مجاهد ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر. وعن قتادة ما بين أيديكم ~~من الوقائع التي خلت، يعني من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة ~~بأنبيائها، وما خلفكم من أمر الساعة { لعلكم ترحمون } لتكونوا ~~على رجاء رحمه الله. وجواب إذا محذوف مدلول عليه بقوله { إلا كانوا ~~عنها معرضين } فكأنه قال وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا. ثم قال ~~ودأبهم الإعراض عند كل آية وموعظة. ### || [36.47] # كانت الزناذقة منهم يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئته ~~فيقولون لو شاء الله لأغنى فلانا، ولو شاء لأعزه، ولو شاء لكان كذا ~~فأخرجوا هذا الجواب مخرج الاستهزاء بالمؤمنين وبما كانوا يقولونه من ~~تعليق الأمور بمشيئة الله. ومعناه أنطعم المقول فيه هذا القول بينكم، ~~وذلك أنهم كانوا دافعين أن يكون الغنى والفقر من الله لأنهم معطلة لا ~~يؤمنون بالصانع، وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان بمكة زنادقة، فإذا ~~أمروا بالصدقة على المساكين قالوا لا والله، أيفقره الله ونطعمه نحن؟ ~~وقيل كانوا يوهمون أن الله تعالى لما كان قادرا على إطعامه ولا يشاء ~~إطعامه فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي قريش حين قال فقراء ms1677 أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله، يعنون قوله # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا # الأنعام 136، فحرموهم وقالوا لو شاء الله لأطعمكم. { إن أنتم إلا ~~فى ضلل مبين } قول الله لهم. أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. ### || [36.48-50] # قرىء « يخصمون» بإدغام التاء في الصاد مع فتح الخاء وكسرها، وإتباع ~~الياء الخاء في الكسر، ويختصمون على الأصل. ويخصمون، من خصمه. والمعنى ~~أنها تبغتهم وهم في أمنهم وغفلتهم عنها، لا يخطرونها ببالهم مشتغلين ~~بخصوماتهم في متاجرهم ومعاملاتهم وسائر ما يتخاصمون فيه ويتشاجرون. ومعنى ~~يخصمون يخصم بعضهم بعضا. وقيل تأخذهم وهم عند أنفسهم يخصمون في الحجة في ~~أنهم لا يبعثون { فلا يستطيعون } أن يوصوا في شيء من أمورهم { ~~توصية } ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم وأهاليهم، بل يموتون حيث ~~تفجؤهم الصيحة. ### || [36.51-52] # قرىء «الصور» بسكون الواو وهو القرن، أو جمع صورة، وحركها بعضهم، و ~~«الأجداث» القبور. وقرىء بالفاء { ينسلون } يعدون بكسر السين وضمها، ~~وهي النفخة الثانية. وقرىء «يا ويلتنا» عن ابن مسعود رضي الله عنه «من ~~أهبنا» من هب من نومه إذا انتبه، وأهبه غيره وقرىء «من هبنا» بمعنى أهبنا ~~وعن بعضهم أراد هب بنا، فحذف الجار وأوصل الفعل وقرىء «من بعثنا» ومن ~~هبنا، على من الجارة والمصدر، و { هذا } مبتدأ، و { ما وعد } خبره، ~~وما مصدرية أو موصولة. ويجوز أن يكون هذا صفة للمرقد، وما وعد خبر مبتدأ ~~محذوف، أي هذا وعد الرحمن، أي مبتدأ محذوف الخبر، أي ما وعد { ~~الرحمن وصدق المرسلون } حق. وعن مجاهد للكفار هجعة يجدون ~~فيها طعم النوم، فإذا صيح بأهل القبور قالوا من بعثنا، وأما { هذا ما ~~وعد الرحمن } فكلام الملائكة. عن ابن عباس. وعن الحسن كلام ~~المتقين. وقيل كلام الكافرين يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به ~~أنفسهم أو بعضهم بعضا. فإن قلت إذا جعلت ما مصدرية كان المعنى هذا وعد ~~الرحمن وصدق المرسلين، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق، ~~فما وجه قوله { وصدق المرسلون } إذا ms1678 جعلتها موصولة؟ قلت تقديره ~~هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون، بمعنى والذي صدق فيه ~~المرسلون، من قولهم صدقوهم الحديث في القتال. ومنه صدقني سن بكره. فإن ~~قلت { من بعثنا من مرقدنا }؟ سؤال عن الباعث، فكيف طابقه ذلك ~~جوابا؟ قلت معناه بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأنبأكم به الرسل إلا ~~أنه جيء به على طريقة سيئت بها قلوبهم، ونعيت إليهم أحوالهم، وذكروا ~~كفرهم وتكذيبهم، وأخبروا بوقوع ما أنذروا به وكأنه قيل لهم ليس بالبعث ~~الذي عرفتموه وهو بعث النائم من مرقده، حتى يهمكم السؤال عن الباعث، إن ~~هذا هو البعث الأكبر ذو الأهوال والأفزاع، وهو الذي وعده الله في كتبه ~~المنزلة على ألسنة رسله الصادقين. ### || [36.53-58] # «إلا صيحة واحدة» قرئت منصوبة ومرفوعة { فاليوم لا تظلم ~~نفس شيئا...... إن أصحب الجنة اليوم فى شغل } ~~حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم. وفي مثل هذه الحكاية زيادة تصوير ~~للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص عليه وعلى ما يثمره { فى ~~شغل } في أي شغل وفي شغل لا يوصف، وما ظنك بشغل من سعد بدخول الجنة ~~التي هي دار المتقين، ووصل إلى نيل تلك الغبطة وذلك الملك الكبير والنعيم ~~المقيم، ووقع في تلك الملاذ التي أعدها الله للمرتضين من عباده، ثوابا ~~لهم على أعمالهم مع كرامة وتعظيم، وذلك بعد الوله والصبابة، والتفصي من ~~مشاق التكليف ومضايق التقوى والخشية، وتخطي الأهوال، وتجاوز الأخطار ~~وجواز الصراط. ومعاينة ما لقى العصاة من العذاب، وعن ابن عباس في افتضاض ~~الأبكار. وعنه في ضرب الأوتار. وعن ابن كيسان في التزاور. وقيل في ضيافة ~~الله. وعن الحسن شغلهم عما فيه أهل النار التنعم بما هم فيه. وعن الكلبي ~~هم في شغل عن أهاليهم من أهل النار، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم لئلا ~~يدخل عليهم تنغيص في نعيمهم. قرىء «في شغل» بضمتين وضمة وسكون، وفتحتين، ~~وفتحة وسكون. والفاكه والفكه المتنعم والمتلذذ ومنه الفاكهة لأنها مما ~~يتلذذ به. وكذلك الفكاهة، وهي المزاحة. وقرىء «فاكهون» وفكهون، بكسر ~~الكاف وضمها، كقولهم رجل ms1679 حدث وحدث، ونطس ونطس. وقرىء «فاكهين» وفكهين، ~~على أنه حال والظرف مستقر { هم } يحتمل أن يكون مبتدأ وأن يكون تأكيدا ~~للضمير في { فى شغل } وفي { فكهون } على أن أزواجهم يشاركنهم ~~في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء على الأرائك تحت الظلال. وقرىء «في ظلل»، ~~والأريكة السرير في الحجلة. وقيل الفراش فيها. وقرأ ابن مسعود «متكين» { ~~يدعون } يفتعلون من الدعاء، أي يدعون به لأنفسهم، كقولك اشتوى ~~واجتمل، إذا شوى وجمل لنفسه. قال لبيد # فاشتوى ليلة ريح واجتمل # ويجوز أن يكون بمعنى يتداعونه، كقولك ارتموه، وتراموه. وقيل يتمنون، من ~~قولهم ادع علي ما شئت، بمعنى تمنه علي، وفلان في خير ما أدعى، أي في ~~خير ما تمنى. قال الزجاج وهو من الدعاء، أي ما يدعو به أهل الجنة ~~يأتيهم. و «سلام» بدل مما يدعون، كأنه قال لهم سلام يقال لهم { قولا ~~من } جهة { رب رحيم } والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة ~~الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم وذلك متمناهم، ولهم ذلك لا ~~يمنعونه. قال ابن عباس فالملائكة يدخلون عليهم بالتحية من رب العالمين. ~~وقيل { ما يدعون } ، مبتدأ وخبره سلام، بمعنى ولهم ما يدعون سالم ~~خالص لا شوب فيه. و { قولا } مصدر مؤكد لقوله تعالى { ولهم ما ~~يدعون سلم } أي عدة من رب رحيم. والأوجه أن ينتصب على ~~الاختصاص، وهو من مجازه. وقرىء «سلم» وهو بمعنى السلام في المعنيين. وعن ~~ابن مسعود سلاما نصب على الحال، أي لهم مرادهم خالصا. ### || [36.59] # { وامتازوا } وانفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، وذلك حين يحشر ~~المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة. ونحوه قوله تعالى # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم فى روضة ~~يحبرون وأما الذين كفروا # .. الآية الروم 14. يقال مازه فانماز وامتاز. وعن قتادة اعتزلوا عن كل ~~خير. وعن الضحاك لكل كافر بيت من النار يكون فيه، لا يرى ولا يرى. ومعناه ~~أن بعضهم يمتاز من بعض. ### || [36.60-61] # العهد الوصية، وعهد إليه إذا وصاه. وعهد الله إليهم ما ركز فيهم من أدلة ~~العقل وأنزل ms1680 عليهم من دلائل السمع. وعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به ~~إليهم ويزينه لهم. وقرىء «إعهد» بكسر الهمزة. وباب «فعل» كله يجوز في ~~حروف مضارعته الكسر، إلا في الياء. وأعهد، بكسر الهاء. وقد جوز الزجاج أن ~~يكون من باب نعم ينعم وضرب يضرب. وأحهد بالحاء. وأحد وهي لغة تميم. ومنه ~~قولهم دحا محا { هذا } إشارة إلى ما عهد إليهم من معصية الشيطان ~~وطاعة الرحمن، إذ لا صراط أقوم منه، ونحو التنكير فيه ما في قول كثير # لئن كان يهدى برد أنيابها العلى لأفقر مني ~~إنني لفقير # أراد إنني لفقير بليغ الفقر، حقيق بأن أوصف به لكمال شرائطه في، وإلا ~~لم يستقم معنى البيت، وكذلك قوله { هذا صرط مستقيم } يريد ~~صراط بليغ في بابه، بليغ في استقامته، جامع لكل شرط يجب أن يكون عليه. ~~ويجوز أن يراد هذا بعض الصرط المستقيمة، توبيخا لهم على العدول عنه، ~~والتفادي عن سلوكه، كما يتفادى الناس عن الطريق المعوج الذي يؤدي إلى ~~الضلالة والتهلكة، كأنه قيل أقل أحوال الطريق الذي هو أقوم الطرق أن ~~يعتقد فيه كما يعتقد في الطريق الذي لا يضل السالك، كما يقول الرجل لولده ~~وقد نصحه النصح البالغ الذي ليس بعده هذا فيما أظن قول نافع غير ضار، ~~توبيخا له عن الإعراض عن نصائحه. ### || [36.62-64] # قرىء «جبلا» بضمتين، وضمة وسكون، وضمتين وتشديدة، وكسرتين، وكسرة وسكون، ~~وكسرتين وتشديدة. وهذه اللغات في معنى الخلق. وقرىء «جبلا» جمع جبلة، ~~كفطر وخلق، وفي قراءة علي رضي الله عنهواحد الأجيال جيلا. ### || [36.65] # يروى أنهم يجحدون ويخاصمون فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، ~~فيحلفون ما كانوا مشركين، فحينئذ يختم على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم. ~~وفي الحديث 938 # " يقول العبد يوم القيامة إني لا أجيز علي شاهدا إلا من نفسي، فيختم ~~على فيه، ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام ~~فيقول بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل " # ، وقرىء «يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم». وقرىء «ولتكلمنا أيديهم ~~وتشهد» بلام كي والنصب على معنى ولذلك نختم على أفواههم وقرىء ms1681 «ولتكلمنا ~~أيديهم ولتشهد» بلام الأمر والجزم على أن الله يأمر الأعضاء بالكلام ~~والشهادة. ### || [36.66-67] # الطمس تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة { فاستبقوا الصرط } لا ~~يخلو من أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل. والأصل فاستبقوا إلى ~~الصراط. أو يضمن معنى ابتدروا. أو يجعل الصراط مسبوقا لا مسبوقا إليه. ~~أو ينتصب على الظرف. والمعنى أنه لو شاء لمسح أعينهم، فلو راموا أن ~~يستبقوا إلى الطريق المهيع الذي اعتادوا سلوكه إلى مساكنهم وإلى مقاصدهم ~~المألوفة التي ترددوا إليها كثيرا - كما كانوا يستبقون إليه ساعين في ~~متصرفاتهم موضعين في أمور دنياهم - لم يقدروا، وتعايى عليهم أن يبصروا ~~ويعلموا جهة السلوك فضلا عن غيره. أو لو شاء لأعماهم، فلوا أرادوا أن ~~يمشوا مستبقين في الطريق المألوف - كما كان ذلك هجيراهم - لم يستطيعوا. ~~أو لو شاء لأعماهم، فلو طلبوا أن يخلفوا الصراط الذي اعتادوا المشي فيه ~~لعجزوا ولم يعرفوا طريقا، يعني أنهم لا يقدرون إلا على سلوك الطريق ~~المعتاد دون ما وراءه من سائر الطرق والمسالك، كما ترى العميان يهتدون ~~فيما ألفوا وضروا به من المقاصد دون غيرها «على مكانتهم» وقرىء «على ~~مكاناتهم» والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام. أي لمسخناهم مسخا ~~يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضي ولا رجوع ~~واختلف في المسخ، فعن ابن عباس لمسخناهم قردة وخنازير. وقيل حجارة. عن ~~قتادة لأقعدناهم على أرجلهم وأزمناهم. وقرىء «مضيا» بالحركات الثلاث، ~~فالمضي والمضي كالعتي والعتي. والمضي كالصبي. ### || [36.68] # «ننكسه في الخلق» نقلبه فيه فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا ~~خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من ~~حال إلى حال ويرتقي من درجة إلى درجة، إلى أن يبلغ أشده ويستكمل قوته، ~~ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق فجعلناه يتناقص، ~~حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من ~~العلم، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله. قال عز وجل # ومنكم من يرد إلى ms1682 أرذل العمر لكى لا يعلم ~~من بعد علم شيئا # الحج 5، # ثم رددنه أسفل سفلين # التين 5 وهذه دلالة على أن من ينقلهم من الشباب إلى الهرم ومن القوة ~~إلى الضعف ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز ومن العلم إلى الجهل ~~بعد ما نقلهم خلاف هذا النقل وعكسه - قادر على أن يطمس على أعينهم ~~ويمسخهم على مكانتهم ويفعل بهم ما شاء وأراد وقرىء بكسر الكاف «وننكسه» ~~و «ننكسه» من التنكيس والإنكاس { أفلا يعقلون } بالياء والتاء. ### || [36.69-70] # كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر، وروى أن القائل عقبة ~~بن أبي معيط، فقيل { وما علمنه الشعر } أي وما علمناه ~~بتعليم القرآن الشعر، على معنى أن القرآن ليس بشعر وما هو من الشعر في ~~شيء. وأين هو عن الشعر، والشعر إنما هو كلام موزون مقفى، يدل على معنى، ~~فأين الوزن؟ وأين التقفية؟ وأين المعاني التي ينتحيها الشعراء عن معانيه؟ ~~وأين نظم كلامهم من نظمه وأساليبه؟ فإذا لا مناسبة بينه وبين الشعر إذا ~~حققت، اللهم إلا أن هذا لفظه عربي، كما أن ذاك كذلك { وما ينبغى ~~له } وما يصح له ولا يتطلب لو طلبه، أي جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر ~~لم يتأت له ولم يتسهل، كما جعلناه أميا لا يتهدى للخط ولا يحسنه، ~~لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض. وعن الخليل كان الشعر أحب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، ولكن كان لا يتأتى له. فإن قلت ~~939 فقوله # " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " # 940 وقوله # " هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما ~~لقيت " # قلت ما هو إلا كلام من جنس كلامه الذي كان يرمي به على السليقة، من غير ~~صنعة ولا تكلف، إلا أنه اتفق ذلك من غير قصد إلى ذلك ولا التفات منه إليه ~~إن جاء موزونا، كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ورسائلهم ~~ومحاوراتهم أشياء موزونة لا يسميها أحد شعرا ولا يخطر ببال المتكلم ولا ~~السامع ms1683 أنها شعر، وإذا فتشت في كل كلام عن نحو ذلك وجدت الواقع في أوزان ~~البحور غير عزيز، على أن الخليل ما كان يعد المشطور من الرجز شعرا، ~~ولما نفى أن يكون القرآن من جنس الشعر قال { إن هو إلا ذكر ~~وقرءان مبين } يعني ما هو إلا ذكر من الله تعالى يوعظ به الإنس ~~والجن، كما قال # إن هو إلا ذكر للعلمين # التكوير 27 وما هو إلا قرآن كتاب سماوي، يقرأ في المحاريب، ويتلى في ~~المتعبدات، وينال بتلاوته والعمل بما فيه فوز الدارين، فكم بينه وبين ~~الشعر الذي هو من همزات الشياطين؟ { لينذر } القرآن أو الرسول وقرىء ~~«لتنذر» بالتاء. ولينذر من نذر به إذا علمه { من كان حيا } أي ~~عاقلا متأملا، لأن الغافل كالميت. أو معلوما منه أنه يؤمن فيحيا ~~بالإيمان { ويحق القول } وتجب كلمة العذاب { على ~~الكفرين } الذي لا يتأملون ولا يتوقع منهم الإيمان. ### || [36.71-73] # { مما عملت أيدينا } مما تولينا نحن إحداثه ولم يقدر على ~~توليه غيرنا، وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة والحكمة فيها، التي لا يصح أن ~~يقدر عليها إلا هو. وعمل الأيدي استعارة من عمل من يعملون بالأيدي { ~~فهم لها ملكون } أي خلقناها لأجلهم فملكناها إياهم، فهم ~~متصرفون فيها تصرف الملاك، مختصون بالانتفاع فيها لا يزاحمون. أو فهم لها ~~ضابطون قاهرون، من قوله # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير ~~إن نفرا # أي لا أضبطه، وهو من جملة النعم الظاهرة، وإلا فمن كان يقدر عليها لولا ~~تذليله وتسخيره لها، كما قال القائل # يصرفه الصبي بكل وجه ويحبسه على الخسف ~~الجرير وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير ~~لديه ولا نكير # ولهذا ألزم الله سبحانه الراكب أن يشكر هذه النعمة ويسبح بقوله # سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين # الزخرف 13. وقرىء «ركوبهم» وركوبتهم. وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة. ~~وقيل الركوبة جمع. وقرىء «ركوبهم» أي ذو ركوبهم. أو فمن منافعها ركوبهم { ~~منفع } من الجلود والأوبار والأصواف وغير ذلك { ومشارب } من اللبن، ~~ذكرها مجملة، وقد فصلها في قوله تعالى # وجعل ms1684 لكم من جلود الأنعم بيوتا # النحل 80 الآية، والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب، أو الشرب. ### || [36.74-76] # اتخذوا الآلهة طمعا في أن يتقووا بهم ويتعضدوا بمكانهم، والأمر على ~~عكس ما قدروا حيث هم جند لآلهتهم معدون { محضرون } يخدمونهم ~~ويذبون عنهم، ويغضبون لهم والآلهة لا استطاعة بهم ولا قدرة على النصر، أو ~~اتخذوهم لينصروهم عند الله ويشفعوا لهم، والأمر على خلاف ما توهموا، حيث ~~هم يوم القيامة جند معدون لهم محضرون لعذابهم لأنهم يجعلون وقودا ~~للنار. وقرىء «فلا يحزنك» بفتح الياء وضمها، من حزنه أحزنه. والمعنى فلا ~~يهمنك تكذيبهم وأذاهم وجفاؤهم، فإنا عالمون بما يسرون لك من عداوتهم { ~~وما يعلنون } وإنا مجاوزهم عليه، فحق مثلك أن يتسلى بهذا الوعيد ~~ويستحضر في نفسه صورة حاله وحالهم في الآخرة حتى ينقشع عنه الهم ولا ~~يرهقه الحزن. فإن قلت ما تقول فيمن يقول إن قرأ قارىء «أنا نعلم» بالفتح ~~انتقضت صلاته، وإن اعتقد ما يعطيه من المعنى كفر؟ قلت فيه وجهان، أحدهما ~~أن يكون على حذف لام التعليل، وهو كثير في القرآن وفي الشعر، وفي كل كلام ~~وقياس مطرد، وهذا معناه ومعنى الكسر سواء. وعليه تلبية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 941 # " إن الحمد والنعمة لك " # ، كسر أبو حنيفة وفتح الشافعي، وكلاهما تعليل. والثاني أن يكون بدلا من ~~{ قولهم } كأنه قيل فلا يحزنك، أنا نعلم ما يسرون وما يعلنون. وهذا ~~المعنى قائم مع المكسورة إذا جعلتها مفعولة للقول، فقد تبين أن تعلق ~~الحزن بكون الله عالما وعدم تعلقه لا يدوران على كسر إن وفتحها، وأنما ~~يدوران على تقديرك، فتفصل إن فتحت بأن تقدر معنى التعليل ولا تقدر ~~البدل، كما أن تفصل بتقدير معنى التعليل إذا كسرت ولا تقدر معنى ~~المفعولية، ثم إن قدرته كاسرا أو فاتحا على ما عظم فيه الخطب ذلك ~~القائل، فما فيه إلا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحزن على كون ~~الله عالما بسرهم وعلانيتهم، وليس النهي عن ذلك مما يوجب شيئا، ألا ترى ~~إلى قوله تعالى ms1685 # فلا تكونن ظهيرا للكفرين # القصص 86، # ولا تكونن من المشركين # القصص 87، # ولا تدع مع الله إلها ءاخر # القصص 88. ### || [36.77-83] # قبح الله عز وجل إنكارهم البعث تقبيحا لا ترى أعجب منه وأبلغ، ودل ~~على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادي، وتوغله في ~~الخسة وتغلغله في القحة، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخس شيء ~~وأمهنه، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم ~~عجب من حاله بأن يتصدى مثله على مهانة أصله ودناءة أوله لمخاصمة ~~الجبار، وشرز صفحته لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول من ~~يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له ~~وألصقه به، وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي ~~المكابرة التي لا مطمح وراءها، وروى 942 أن جماعة من كفار قريش منهم أبي ~~بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بن وائل والوليد بن المغيرة تكلموا في ~~ذلك، فقال لهم أبي ألا ترون إلى ما يقول محمد، إن الله يبعث الأموات، ~~ثم قال واللات والعزى لأصيرن إليه ولأخصمنه، وأخذ عظما باليا فجعل ~~يفته بيده وهو يقول يا محمد، أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رم، قال صلى ~~الله عليه وسلم # " نعم ويبعثك ويدخلك جهنم " # وقيل معنى قوله { فإذا هو خصيم مبين } فإذا هو بعد ما كان ~~ماء مهينا رجل مميز منطيق قادر على الخصام، مبين معرب عما في نفسه فصيح، ~~كما قال تعالى # أو من ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير ~~مبين # الزخرف 18. فإن قلت لم سمى قوله { من يحى العظم وهى رميم ~~} مثلا؟ قلت لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة ~~الله تعالى على إحياء الموتى. أو لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من ~~قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل من يحيي ~~العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادرا ~~عليه، كان ms1686 تعجيزا لله وتشبيها له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة ~~عليه. والرميم اسم لما بلي من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال ~~لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولقد ~~استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول إن عظام الميتة نجسة ~~لأن الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. وأما أصحاب أبي حنيفة فهي ~~عندهم طاهرة، وكذلك الشعر والعصب، ويزعمون أن الحياة لا تحلها فلا يؤثر ~~فيها الموت، ويقولون المراد بإحياء العظام في الآية ردها إلى ما كانت ~~عليه غضة رطبة في بدن حي حساس { وهو بكل خلق عليم } يعلم ~~كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها ~~وجلائلها ودقائقها. # ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار ~~الماء وانطفائها به وهي الزناد التي يوري بها الأعراب وأكثرها من المرخ ~~والعفار، وفي أمثالهم في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار، يقطع الرجل ~~منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان، يفطر منهما الماء فيسحق المرخ ~~وهو ذكر، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب. قالوا ولذلك تتخذ ~~منه كذينقات القصارين. قرىء «الأخضر» على اللفظ. وقرىء «الخضراء» على ~~المعنى ونحوه قوله تعالى # من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشربون ~~عليه من الحميم # الواقعة 54. من قدر على خلق السموات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق ~~الأناسي أقدر، وفي معناه قوله تعالى # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # غافر 57. وقرىء «يقدر» وقوله { أن يخلق مثلهم } يحتمل معنيين ~~أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة بالإضافة إلى السموات والأرض أو أن ~~يعيدهم لأن المعاد مثل للمبتدأ وليس به { وهو الخلق } الكثير ~~المخلوقات { العليم } الكثير المعلومات. وقرىء «الخالق» { إنما ~~أمره } إنما شأنه { إذا أراد شيئا } إذا دعاه داعي حكمة إلى ~~تكوينه ولا صارف { أن يقول له كن } أن يكونه من ms1687 غير توقف { ~~فيكون } فيحدث، أي فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت ما حقيقة قوله { ~~أن يقول له كن فيكون }؟ قلت هو مجاز من الكلام وتمثيل، لأنه ~~لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه ~~أمر الآمر المطاع. فإن قلت فما وجه القراءتين في فيكون؟ قلت أما الرفع ~~فلأنها جملة من مبتدأ وخبر لأن تقديرها فهو يكون، معطوفة على مثلها، وهي ~~أمره أن يقول له كن. وأما النصب فللعطف على يقول، والمعنى أنه لا يجوز ~~عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئا مما تقدر عليه، من ~~المباشرة بمحال القدرة، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب ~~واللغوب إنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل، ~~فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ { فسبحن } ~~تنزيه له مما وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا { ~~بيده ملكوت كل شىء } هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بمواجب ~~مشيئته وقضايا حكمته. وقرىء «ملكة كل شيء» وملك كل شيء. والمعنى واحد { ~~ترجعون } بضم التاء وفتحها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كنت لا ~~أعلم ما روي في فضائل يس وقراءتها كيف خصت، بذلك، فإذا أنه لهذه الآية. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 943 # " إن لكل شيء قلبا، وإن قلب القرآن يس، من قرأ يس يريد بها وجه ~~الله، غفر الله تعالى له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين ~~مرة، وأيما مسلم قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف ~~منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له، ~~ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ ~~يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن ~~الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه ~~وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من ms1688 حياض الأنبياء ~~حتى يدخل الجنة وهو ريان " # وقال عليه الصلاة والسلام 944 # " إن في القرآن سورة يشفع لقارئها ويغفر لمستمعها ألا وهي سورة يس ". ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # أقسم الله سبحانه بطوائف الملائكة أو بنفوسهم الصافات أقدامها في ~~الصلاة، من قوله تعالى # وإنا لنحن الصافون # الصافات 165 أو أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله { فالزجرت ~~} السحاب سوقا { فالتليت } لكلام الله من الكتب المنزلة ~~وغيرها. وقيل { والصفت } الطير، من قوله تعالى # والطير صافت # النور 41 والزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله. والتاليات كل من تلا كتاب ~~الله، ويجوز أن يقسم بنفوس العلماء العمال الصافات أقدامها في التهجد ~~وسائر الصلوات وصفوف الجماعات فالزجرات بالمواعظ والنصائح فالتاليات آيات ~~الله والدراسات شرائعه أو بنفوس قواد الغزاة في سبيل الله التي تصف ~~الصفوف وتزجر الخيل للجهاد، وتتلو الذكر مع ذلك لا تشغلها عنه تلك ~~الشواغل، كما يحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فإن قلت ما حكم ~~الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت إما أن تدل على ترتب معانيها في ~~الوجود، كقوله # يا لهف زيابة للحرث الصابح فالغانم فالآيب # كأنه قيل الذي صبح فغنم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، ~~كقولك خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتيب ~~موصوفاتها في ذلك، كقوله رحم الله المحلقين فالمقصرين فعلى هذه القوانين ~~الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات فإن قلت فعلى أي هذه القوانين ~~هي فيما أنت بصدده؟ قلت إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على أن ترتب الصفات ~~في التفاضل، وإن ثلثته، فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه، بيان ذلك ~~إنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة وجعلتهم جامعين لها،فعطفها ~~بالفاء، يفيد ترتبا لها في الفضلإما إن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم ~~للتلاوة وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. وإن أجريت ~~الصفة الأولى على طوائف والثانية والثالثة على أخر، فقد أفادت ترتب ~~الموصوفات في الفضل، أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل والزاجرات أفضل، ms1689 ~~والتاليات أبهر فضلا، أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات الطير، ~~وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية. وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر فإن ~~الموصوفات مختلفة. وقرىء بإدغام التاء في الصاد والزاي والذال { رب ~~السموت } خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف. و { المشرق } ~~ثلثمائة وستون مشرقا، وكذلك المغارب تشرق الشمس كل يوم في مشرق وتغرب في ~~مغرب، ولا تطلع ولا تغرب في واحد يومين. فإن قلت فماذا أراد بقوله # رب المشرقين ورب المغربين # الرحمن 17؟ قلت أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ### || [37.6-7] # { الدنيا } القربى منكم. والزينة مصدر كالنسبة، واسم لما يزان به ~~الشيء، كالليقة اسم لما تلاق به الدواة، ويحتملهما قوله { بزينة ~~الكوكب } فإن أردت المصدر، فعلى إضافته إلى الفاعل، أي بأن زانتها ~~الكواكب، وأصله بزينة الكواكب أو على إضافته إلى المفعول، أي بأن زان ~~الله الكواكب وحسنها، لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها، وأصله { ~~بزينة الكوكب } وهي قراءة أبي بكر والأعمش وابن وثاب، وإن أردت ~~الاسم فللإضافة وجهان أن تقع الكواكب بيانا للزينة، لأن الزينة مبهمة في ~~الكواكب وغيرها مما يزان به، وأن يراد ما زينت به الكواكب. وجاء عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما بزينة الكواكب بضوء الكواكب ويجوز أن يراد أشكالها ~~المختلفة، كشكل الثريا وبنات نعش والجوزاء، وغير ذلك، ومطالعها ومسايرها. ~~وقرىء على هذا المعنى «بزينة الكواكب» بتنوين زينة وجر الكواكب على ~~الإبدال. ويجوز في نصب الكواكب أن يكون بدلا من محل بزينة { وحفظا } ~~مما حمل على المعنى لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من ~~الشياطين، كما قال تعالى # ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها ~~رجوما للشيطين # الملك 5 ويجوز أن يقدر الفعل المعلل كأنه قيل وحفظا { من كل ~~شيطن } زيناها بالكواكب، وقيل وحفظناها حفظا. والمارد الخارج من ~~الطاعة المتملس منها. ### || [37.8-10] # الضمير في «لا يسمعون» لكل شيطان، لأنه في معنى الشياطين. وقرىء ~~بالتخفيف والتشديد، وأصله يتسمعون. والتسميع تطلب السماع. يقال تسمع ~~فسمع، أو فلم يسمع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم يتسمعون ولا ms1690 يسمعون، ~~وبهذا ينصر التخفيف على التشديد. فإن قلت لا يسمعون كيف اتصل بما قبله؟ ~~قلت لا يخلو من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لكل شيطان، أو ~~استئنافا فلا تصح الصفة لأن الحفظ من شياطين لا يسمعون ولا يتسمعون لا ~~معنى له، وكذلك الاستئناف لأن سائلا لو سأل لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب ~~بأنهم لا يسمعون لم يستقم، فبقي أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ اقتصاصا، ~~لما عليه حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام ~~الملائكة. أو يتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل ~~حتى خطف خطفة واسترق استراقة فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب. ~~فإن قلت هل يصح قول من زعم أن أصله لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في ~~قولك جئتك أن تكرمني، فبقي أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها، كما في ~~قول القائل # ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى # قلت كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما ~~فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب. فإن قلت ~~أي فرق بين سمعت فلانا يتحدث، وسمعت إليه يتحدث، وسمعت حديثه، وإلى ~~حديثه؟ قلت المعدى بنفسه يفيد الإدراك والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع ~~الإدراك والملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن هم ~~الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم الكتبة ~~من الملائكة. وعنه أشراف الملائكة { من كل جانب } من جميع جوانب ~~السماء من أي جهة صعدوا للاستراق { دحورا } مفعول له، أي ويقذفون ~~للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال، أو لأن القذف والطرد متقاربان ~~في المعنى، فكأنه قيل يدحرون أو قذفا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بفتح ~~الدال على قذفا دحورا طرودا. أو على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع. ~~والواصب الدائم، وصب الأمر وصوبا، يعني أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب، ~~وقد أعد لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع { من } في محل ~~الرفع بدل من ms1691 الواو في لا يسمعون، أي لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي ~~{ خطف الخطفة } وقرىء «خطف» بكسر الخاء والطاء وتشديدها، وخطف ~~بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما اختطف. وقرىء «فأتبعه» ~~«وفاتبعه». ### || [37.11] # الهمزة وإن خرجت إلى معنى التقرير فهي بمعنى الاستفهام في أصلها، فلذلك ~~قيل { فاستفتهم } أي استخبرهم { أهم أشد خلقا } ولم يقل ~~فقررهم والضمير لمشركي مكة. قيل نزلت في أبي الأشد بن كلدة، وكني بذلك ~~لشدة بطشه وقوته { أم من خلقنا } يريد ما ذكر من خلائقه من ~~الملائكة، والسموات والأرض، والمشارق، والكواكب، والشهب الثواقب، ~~والشياطين المردة، وغلب أولي العقل على غيرهم، فقال من خلقنا، والدليل ~~عليه قوله بعد عد هذه الأشياء { فاستفتهم أهم أشد خلقا ~~أم من خلقنا } بالفاء المعقبة. وقوله { أم من خلقنا } ~~مطلقا من غير تقييد بالبيان، اكتفاء ببيان ما تقدمه، كأنه قال خلقنا ~~كذا وكذا من عجائب الخلق وبدائعه، فاستفتهم أهم أشد خلقا أم الذي ~~خلقناه من ذلك، ويقطع به قراءة من قرأ «أم من عددنا» بالتخفيف والتشديد. ~~و«أشد خلقا» يحتمل أقوى خلقا من قولهم شديد الخلق. وفي خلقه شدة، ~~وأصعب خلقا وأشقه، على معنى الرد لإنكارهم البعث والنشأة الأخرى، وأن ~~من هان عليه خلق هذه الخلائق العظيمة ولم يصعب عليه اختراعها كان خلق ~~البشر عليه أهون. وخلقهم { من طين لازب } إما شهادة عليهم بالضعف ~~والرخاوة لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة، أو احتجاج ~~عليهم بأن الطين اللازب الذي خلقوا منه تراب، فمن أين استنكروا أن يخلقوا ~~من تراب مثله حيث قالوا # أإذا كنا ترابا # الرعد 5. وهذا المعنى يعضده ما يتلوه من ذكر إنكارهم البعث. وقيل من ~~خلقنا من الأمم الماضية، وليس هذا القول بملائم. وقرىء «لازب» و« لاتب»، ~~والمعنى واحد، والثاقب الشديد الإضاءة. ### || [37.12-14] # «بل عجبت» من قدرة الله على هذه الخلائق العظيمة و هم { يسخرون } منك ~~ومن تعجبك وما تريهم من آثار قدرة الله، أو من إنكارهم البعث وهم يسخرون ~~من أمر البعث وقرىء بضم التاء، أي بلغ من عظم آياتي وكثرة ms1692 خلائقي أني ~~عجبت منها، فكيف بعبادي وهؤلاء بجهلهم وعنادهم يسخرون من آياتي أو عجبت ~~من أن ينكروا البعث ممن هذه أفعاله، وهم يسخرون ممن يصف الله بالقدرة ~~عليه. فإن قلت كيف يجوز العجب على الله تعالى، وإنما هو روعة تعتري ~~الإنسان عند استعظامه الشيء، والله تعالى لا يجوز عليه الروعة؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما أن يجرد العجب لمعنى الاستعظام، والثاني أن يتخيل العجب ~~ويفرض. وقد جاء في الحديث 945 # " عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم " # وكان شريح يقرأ بالفتح ويقول إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا ~~يعلم، فقال إبراهيم النخعي إن شريحا كان يعجبه علمه وعبد الله أعلم، ~~يريد عبد الله بن مسعود، وكان يقرأ بالضم. وقيل معناه قل يا محمد بل ~~عجبت. { وإذا ذكروا } ودأبهم أنهم إذا وعظوا بشيء لا يتعظون به { ~~وإذا رأوا ءاية } من آيات الله البينة كانشقاق القمر ونحوه { ~~يستسخرون } يبالغون في السخرية، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر ~~منها. ### || [37.15-19] # { أو ءاباؤنا } معطوف على محل { إن } واسمها. أو على الضمير في ~~مبعوثون، والذي جوز العطف عليه الفصل بهمزة الاستفهام. والمعنى أيبعث ~~أيضا آباؤنا على زيادة الاستبعاد، يعنون أنهم أقدم، فبعثهم أبعد وأبطل. ~~وقرىء «أو آباؤنا» { قل نعم } وقرىء «نعم» بكسر العين وهما لغتان. ~~وقرىء «قال نعم» أي الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى ~~نعم تبعثون { وأنتم دخرون } صاغرون { فإنما } جواب شرط ~~مقدر تقديره إذا كان ذلك فما { هى } إلا { زجرة وحدة } وهي لا ~~ترجع إلى شيء، إنما هي مبهمة موضحها خبرها. ويجوز فإنما البعثة زجرة ~~واحدة وهي النفخة الثانية. والزجرة الصيحة، من قولك زجر الراعي الإبل أو ~~الغنم إذا صاح عليها فريعت لصوته. ومنه قوله # زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن ~~بالغنم # يريد تصويته بها { فإذا هم } أحياء بصراء { ينظرون }. ### || [37.20-21] # يحتمل أن يكون { هذا يوم الدين } إلى قوله { احشروا } من ~~كلام الكفرة بعضهم مع بعض وأن يكون من كلام الملائكة لهم، وأن ms1693 يكون { ~~يويلنا هذا يوم الدين } كلام الكفرة. و { هذا يوم ~~الفصل } من كلام الملائكة جوابا لهم. ويوم الدين اليوم الذي ندان ~~فيه، أي نجازى بأعمالنا. ويوم الفصل يوم القضاء، والفرق بين فرق الهدى ~~والضلالة. ### || [37.22-26] # { احشروا } خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم مع بعض { ~~وأزوجهم } وضرباءهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم نظراؤهم ~~وأشباههم من العصاة أهل الزنا مع أهل الزنا، وأهل السرقة مع أهل السرقة. ~~وقيل قرناؤهم من الشياطين. وقيل نساؤهم اللاتي على دينهم { فاهدوهم ~~} فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها. هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجر عن ~~التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متعاضدين متناصرين { بل ~~هم اليوم مستسلمون } قد أسلم بعضهم بعضا وخذله عن عجز، ~~فكلهم مستسلم غير منتصر. وقرىء «لا تتناصرون» ولا تناصرون، بالإدغام. ### || [37.27-35] # اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما وكانوا يتيمنون بها، فيها ~~يصافحون ويماسحون ويناولون ويتناولون، ويزاولون أكثر الأمور، ويتشاءمون ~~بالشمال، ولذلك سموها الشؤمى، كما سموا أختها اليمنى، وتيمنوا بالسانح، ~~وتطيروا بالبارح، وكان الأعسر معيبا عندهم، وعضدت الشريعة ذلك، فأمرت ~~بمباشرة أفاضل الأمور باليمين، وأراذلها بالشمال. 946 وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، وجعلت اليمين لكاتب الحسنات ~~والشمال لكاتب السيئات ووعد المحسن أن يؤتى كتابه بيمينه، والمسيء أن ~~يؤتاه بشماله استعيرت لجهة الخير وجانبه، فقيل أتاه عن اليمين، أي من قبل ~~الخير وناحيته، فصده عنه وأضله. وجاء في بعض التفاسير من أتاه الشيطان ~~من جهة اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق. ومن أتاه من جهة الشمال ~~أتاه من قبل الشهوات. ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة ~~وبالثواب والعقاب. ومن أتاه من خلفه خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف ~~بعده فلم يصل رحما ولم يؤد زكاة. فإن قلت قولهم أتاه من جهة الخير ~~وناحيته، مجاز في نفسه، فكيف جعلت اليمين مجازا عن المجاز؟ قلت من ~~المجاز ما غلب في الاستعمال حتى لحق بالحقائق، وهذا من ذاك ولك أن ms1694 تجعلها ~~مستعارة للقوة والقهر لأن اليمين موصوفة بالقوة، وبها يقع البطش. ~~والمعنى أنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر، وتقصدوننا عن السلطان ~~والغلبة حتى تحملونا على الضلال وتقسرونا عليه. وهذا من خطاب الأتباع ~~لرؤسائهم، والغواة لشياطينهم { بل لم تكونوا مؤمنين } بل ~~أبيتم أنتم الإيمان وأعرضتم عنه، مع تمكنكم منه مختارين له على الكفر. ~~غير ملجئين إليه { وما كان لنا عليكم } من تسلط نسلبكم به ~~تمكنكم واختياركم { بل كنتم قوما } مختارين الطغيان { فحق ~~علينا } فلزمنا { قول ربنا إنا لذائقون } يعني وعيد ~~الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة، ~~ولو حكى الوعيد كما هو لقال إنكم لذائقون، لكنه عدل به إلى لفظ المتكلم ~~لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم. ونحوه قول القائل # لقد زعمت هوازن قل مالي # ولو حكى قولها لقال قل مالك. ومنه قول المحلف للحالف احلف لأخرجن، ~~ولتخرجن الهمزة لحكاية لفظ الحالف، والتاء لإقبال المحلف على المحلف { ~~فأغوينكم } فدعوناكم إلى الغي دعوة محصلة للبغية، لقبولكم لها ~~واستحبابكم الغي على الرشد { إنا كنا غوين } فأردنا إغواءكم ~~لتكونوا أمثالنا { فإنهم } فإن الأتباع والمتبوعين جميعا { ~~يومئذ } يوم القيامة مشتركون في العذاب كما كانوا مشتركين في ~~الغواية { إنا } مثل ذلك الفعل { نفعل } بكل مجرم، يعني أن سبب ~~العقوبة هو الإجرام، فمن ارتكبه استوجبها { إنهم كانوا إذا } ~~سمعوا بكلمة التوحيد نفروا أو استكبروا عنها وأبوا إلا الشرك. ### || [37.36-39] # { لشاعر مجنون } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم { بل جاء ~~بالحق } رد على المشركين { وصدق المرسلين } كقوله # مصدقا لما بين يديه # البقرة 97 وقرىء «لذائقوا العذاب»، بالنصب على تقدير النون، كقوله # ولا ذاكرا الله إلا قليلا # بتقدير التنوين. وقرىء على الأصل «لذائقون العذاب» { إلا ما كنتم ~~تعملون } إلا مثل ما عملتم جزاء سيئا بعمل سيىء. ### || [37.40-49] # { إلا عباد الله } ولكن عباد الله، على الاستثناء المنقطع. فسر ~~الرزق المعلوم بالفواكه وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت لحفظ الصحة، يعني ~~أن رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام ~~محكمة مخلوقة للأبد، فكل ms1695 ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ. ويجوز أن ~~يراد رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذة، وحسن ~~منظر. وقيل معلوم الوقت، كقوله # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # مريم 62 وعن قتادة الرزق المعلوم الجنة وقوله { في جنت } يأباه ~~وقوله { وهم مكرمون } هو الذي يقوله وعن العلماء في حد الثواب ~~على سبيل المدح والتعظيم، وهو من أعظم ما يجب أن تتوق إليه نفوس ذوي ~~الهمم، كما أن من أعظم ما يجب أن تنفر عنه نفوسهم هوان أهل النار ~~وصغارهم. التقابل أتم للسرور وآنس. وقيل لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض. ~~ويقال للزجاجة فيها الخمر كأس، وتسمى الخمر نفسها كأسا، قال # وكاس شربت على لذة # وعن الأخفش كل كأس في القرآن فهي الخمر، وكذا في تفسير ابن عباس { من ~~معين } من شراب معين. أو من نهر معين، وهو الجاري على وجه الأرض، ~~الظاهر للعيون وصف بما يوصف به الماء، لأنه يجري في الجنة في أنهار كما ~~يجري الماء، قال الله تعالى # وأنهر من خمر # محمد 15 { بيضاء } صفة للكأس { لذة } إما أن توصف باللذة كأنها ~~نفس اللذة وعينها أو هي تأنيث اللذة، يقال لذ الشيء فهو لذ ولذيذ. ووزنه ~~فعل، كقولك رجل طب، قال # ولذ كطعم الصرخدي تركته بأرض العدا من ~~خشية الحدثان # يريد النوم. الغول من غاله يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده. ومنه الغول ~~الذي في تكاذيب العرب. وفي أمثالهم الغضب غول الحلم، و { ينزفون } ~~على البناء للمفعول، من نزف الشارب إذا ذهب عقله. ويقال للسكران نزيف ~~ومنزوف. ويقال للمطعون نزف فمات إذا خرج دمه كله. ونزحت الركية حتى ~~نزفتها إذا لم تترك فيها ماء. وفي أمثالهم أجبن من المنزوف ضرطا. وقرىء ~~«ينزفون» أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه. قال # لعمري لئن أنزفتمو أو صحوتمو لبئس ~~الندامى كنتمو آل أبجرا # ومعناه صار ذا نزف. ونظيره أقشع السحاب، وقشعته الريح، وأكب الرجل ~~وكببته، وحقيقتهما دخلا في القشع والكب. وفي قراءة طلحة بن مصرف وينزفون ~~بضم الزاي، من ms1696 نزف ينزف كقرب يقرب، إذا سكر. والمعنى لا فيها فساد قط من ~~أنواع الفساد التي تكون في شرب الخمر من مغص أو صداع أو خمار أو عربدة أو ~~لغو أو تأثيم أو غير ذلك، ولا هم يسكرون، وهو أعظم مفاسدها فأفرزه وأفرده ~~بالذكر { قصرت الطرف } قصرن أبصارهن على أزواجهن، لا يمددن ~~طرفا إلى غيرهم، كقوله تعالى # عربا # الواقعة 37 والعين النجل العيون شبهن ببيض النعام المكنون في الأداحي، ~~وبها تشبه العرب النساء وتسميهن بيضات الخدور. ### || [37.50-57] # فإن قلت علام عطف قوله { فأقبل بعضهم على بعض }؟ قلت ~~على يطاف عليهم. والمعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشرب قال # وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على ~~المدام # فيقبل بعضهم على بعض { يتساءلون } عما جرى لهم وعليهم في الدنيا، ~~إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله في أخباره. قرىء «من المصدقين» من ~~التصديق. ومن المصدقين مشدد الصاد، من التصدق، وقيل نزلت في رجل ~~تصدق بماله لوجه الله، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه فقال وأين مالك؟ قال ~~تصدقت به ليعوضني الله به في الآخرة خيرا منه، فقال أئنك لمن المصدقين ~~بيوم الدين. أو من المتصدقين لطلب الثواب. والله لا أعطيك شيئا { ~~لمدينون } لمجزيون، من الدين وهو الجزاء. أو لمسوسون مربوبون. يقال ~~دانه ساسه. ومنه الحديث 947 # " العاقل من دان نفسه " # { قال } يعني ذلك القائل { هل أنتم مطلعون } إلى النار ~~لأريكم ذلك القرين. قيل إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار. ~~وقيل القائل هو الله عز وجل. وقيل بعض الملائكة يقول لأهل الجنة هل ~~تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار. وقرىء «مطلعون» ~~فاطلع. وفأطلع بالتشديد، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب ومطلعون فاطلع ~~وفأطلع بالتحفيف على لفظ الماضي والمضارع والمنصوب يقال طلع علينا فلان، ~~واطلع وأطلع بمعنى واحد، والمعنى هل أنتم مطلعون إلى القرين فأطلع أنا ~~أيضا. أو عرض عليه الاطلاع فاعترضوه، فاطلع هو بعد ذلك. وإن جعلت ~~الإطلاع من أطلعه غيره، فالمعنى أنه لما شرط في اطلاعه ms1697 اطلاعهم، وهو من ~~آداب المجالسة. أن لا يستبد بشيء دون جلسائه، فكأنهم مطلعوه. وقيل الخطاب ~~على هذا للملائكة. وقرىء «مطلعون» بكسر النون، أراد مطلعون إياي فوضع ~~المتصل موضع المنفصل، كقوله # هم الفاعلون الخير والآمرونه # أو شبه اسم الفاعل في ذلك بالمضارع لتآخ بينهما، كأنه قال تطلعون، وهو ~~ضعيف لا يقع إلا في الشعر { فى سوآء الجحيم } في وسطها، يقال ~~تعبت حتى انقطع سوائي، وعن أبي عبيدة قال لي عيسى بن عمر كنت أكتب يا أبا ~~عبيدة حتى ينقطع سوائي إن مخففة من الثقيلة، وهي تدخل على «كاد» كما تدخل ~~على «كان» { إن كان ليضلنا } واللام هي الفارقة بينها وبين ~~النافية، والإرداء الإهلاك. وفي قراءة عبد الله لتغوين { نعمة ربى ~~} هي العصمة والتوفيق في الاستمساك بعروة الإسلام، والبراءة من قرين ~~السوء. أو إنعام الله بالثواب وكونه من أهل الجنة { من المحضرين ~~} من الذين أحضروا العذاب كما أحضرته أنت وأمثالك. ### || [37.58-59] # الذي عطفت عليه الفاء محذوف، معناه أنحن مخلدون منعمون، فما نحن بميتين ~~و لا معذبين. وقرىء «بمائتين» والمعنى أن هذه حال المؤمنين وصفتهم وما ~~قضى الله به لهم للعلم بأعمالهم أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف ~~الكفار، فإنهم يتمنون فيه الموت كل ساعة، وقيل لبعض الحكماء ما شر من ~~الموت؟ قال الذي يتمنى فيه الموت. ### || [37.60-61] # يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله واغتباطا بحاله وبمسمع من قرينه، ليكون ~~توبيخا له يزيد به تعذبا، وليحكيه الله فيكون لنا لطفا وزاجرا. ويجوز ~~أن يكون قولهم جميعا، وكذلك قوله { إن هذا لهو الفوز ~~العظيم } أي إن هذا الأمر الذي نحن فيه. وقيل هو من قول الله عز ~~وجل تقريرا لقولهم وتصديقا له. وقرىء «لهو الرزق العظيم» وهو ما ~~رزوقوه من السعادة. ### || [37.62-70] # تمت قصة المؤمن وقرينه، ثم رجع إلى ذكر الرزق المعلوم فقال { أذلك } ~~الرزق { خير نزلا } أي خير حاصلا { أم شجرة الزقوم } ~~وأصل النزل الفضل والريع في الطعام، يقال طعام كثير النزل، فاستعير ~~للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم اللذة والسرور، وحاصل شجرة ms1698 الزقوم ~~الألم والغم، وانتصاب نزلا على التمييز، ولك أن تجعله حالا، كما تقول ~~أثمر النخلة خير بلحا أم رطبا؟ يعني أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة. ~~وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم، فأيهما خير في كونه نزلا. والنزل ما يقام ~~للنازل بالمكان من الرزق. ومنه أنزال الجند لأرزاقهم، كما يقال لما يقام ~~لساكن الدار السكن. ومعنى الأول أن للرزق المعلوم نزلا، ولشجر الزقوم ~~نزلا، فأيهما خير نزلا. ومعلوم أنه لا خير في شجرة الزقوم، ولكن ~~المؤمنين لما اختاروا ما أدى إلى الرزق المعلوم واختار الكافرون ما أدى ~~إلى شجرة الزقوم قيل لهم ذلك توبيخا على سوء اختيارهم { فتنة ~~للظلمين } محنة وعذابا لهم في الآخرة. أو ابتلاء لهم في الدنيا، ~~وذلك أنهم قالوا كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر، فكذبوا. ~~وقرىء «نابتة» { فى أصل الجحيم } قيل منبتها في قعر جهنم، ~~وأغصانها ترتفع إلى دركاتها والطلع للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة ~~الزقوم من حملها إما استعارة لفظية، أو معنوية، وشبه برؤوس الشياطين ~~دلالة على تناهيه في الكراهية وقبح المنظر لأن الشيطان مكروه مستقبح في ~~طباع الناس، لاعتقادهم أنه شر محض لا يخلطه خير، فيقولون في القبيح ~~الصورة كأنه وجه شيطان، كأنه رأس شيطان، وإذا صوره المصورون جاؤا بصورته ~~على أقبح ما يقدر وأهوله كما أنهم اعتقدوا في الملك أنه خير محض لا ~~شر فيه، فشبهوا به الصورة الحسنة. قال الله تعالى # ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم # يوسف 31 وهذا تشبيه تخييلي. وقيل الشيطان حية عرفاء لها صورة قبيحة ~~المنظر هائلة جدا. وقيل إن شجرا يقال له الأستن خشنا منتنا مرا ~~منكر الصورة، يسمى ثمره رؤوس الشياطين. وما سمت العرب هذا الثمر رؤوس ~~الشياطين إلا قصدا إلى أحد التشبيهين، ولكنه بعد التسمية بذلك رجع ~~أصلا ثالثا يشبه به { منها } من الشجرة، أي من طلعها { فمالئون ~~} بطونهم، لما يغلبهم من الجوع الشديد، أو يقسرون على أكلها وإن كرهوها، ~~ليكون بابا من العذاب فإذا شبعوا غلبهم العطش فيسقون شرابا من ms1699 غساق أو ~~صديد، شوبه أي مزاجه { من حميم } يشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم، كما ~~قال في صفة شراب أهل الجنة # ومزاجه من تسنيم # المطففين 27 وقرىء «لشوبا» بالضم، وهو اسم ما يشاب به، والأول تسمية ~~بالمصدر. فإن قلت ما معنى حرف التراخي في قوله { ثم إن لهم ~~عليها لشوبا } وفي قوله { ثم إن مرجعهم }؟ قلت في ~~الأول وجهان، أحدهما أنهم يملؤن البطون من شجرة الزقوم، وهو حار يحرق ~~بطونهم ويعطشهم، فلا يسقون إلا بعد ما ملىء تعذيبا بذلك العطش، ثم يسقون ~~ما هو أحر وهو الشراب المشوب بالحميم. # والثاني أنه ذكر الطعام بتلك الكراهة والبشاعة، ثم ذكر الشراب بما هو ~~أكره وأبشع، فجاء بثم للدلالة على تراخي حال الشراب عن حال الطعام ~~ومباينة صفته لصفته في الزيادة عليه. ومعنى الثاني أنهم يذهب بهم عن ~~مقارهم ومنازلهم في الجحيم، وهي الدركات التي أسكنوها إلى شجرة الزقوم، ~~فيأكلون إلى أن يتملؤا، ويسقون بعد ذلك، ثم يرجعون إلى دركاتهم، ومعنى ~~التر اخي في ذلك بين، وقرىء «ثم إن منقلبهم» ثم إن مصيرهم، ثم إن منفذهم ~~إلى الجحيم علل استحقاقهم للوقوع في تلك الشدائد كلها بتقليد الآباء في ~~الدين، واتباعهم إياهم على الضلال، وترك اتباع الدليل، والإهراع الإسراع ~~الشديد، كأنهم يحثون حثا. وقيل إسراع فيه شبه بالرعدة. ### || [37.71-74] # { ولقد ضل قبلهم } قبل قومك قريش. { منذرين } أنبياء ~~حذروهم العواقب. { المنذرين } الذين أنذروا وحذروا، أي أهلكوا ~~جميعا { إلا عباد الله } الذين آمنوا منهم وأخلصوا دينهم لله، ~~أو أخلصهم الله لدينه على القراءتين. ### || [37.75-82] # لما ذكر إرسال المنذرين في الأمم الخالية وسوء عاقبة المنذرين، أتبع ذلك ~~ذكر نوح ودعائه حين آيس من قومه، واللام الداخلة على نعم جواب قسم محذوف، ~~والمخصوص بالمدح محذوف تقديره فوالله لنعم المجيبون نحن. والجمع دليل ~~العظمة والكبرياء. والمعنى إنا أجبناه أحسن الإجابة، وأوصلها إلى مراده ~~وبغيته من نصرته على أعدائه والانتقام منهم بأبلغ ما يكون { هم ~~البقين } هم الذين بقوا وحدهم وقد فني غيرهم، فقد روى أنه مات كل ~~من كان معه في ms1700 السفينة غير ولده. أو هم الذين بقوا متناسلين إلى يوم ~~القيامة. قال قتادة الناس كلهم من ذرية نوح. وكان لنوح عليه السلام ثلاثة ~~أولاد سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، وفارس، والروم، وحام أبو ~~السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج { ~~وتركنا عليه فى الأخرين } من الأمم هذه الكلمة، وهي { ~~سلم على نوح } يعني يسلمون عليه تسليما، ويدعون له، وهو من ~~الكلام المحكي، كقولك قرأت # سورة أنزلنها # النور 1 فإن قلت فما معنى قوله { فى العلمين }؟ قلت معناه ~~الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا، وأن لا يخلو أحد منهم منها، كأنه ~~قيل ثبت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه ~~عن آخرهم. علل مجازاة نوح عليه السلام بتلك التكرمة السنية من تبقية ~~ذكره، وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدهر بأنه كان محسنا، ثم علل كونه ~~محسنا بأنه كان عبدا مؤمنا، ليريك جلالة محل الإيمان، وأنه القصارى من ~~صفات المدح والتعظيم، ويرغبك في تحصيله والازدياد منه. ### || [37.83-87] # { من شيعته } ممن شايعه على أصول الدين وإن اختلفت شرائعهما. أو ~~شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين. ويجوز أن يكون بين ~~شريعتيهما اتفاق في أكثر الأشياء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما من أهل ~~دينه وعلى سنته، وما كان بين نوح وإبراهيم إلا نبيان هود وصالح، وكان ~~بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة. فإن قلت بم تعلق الظرف؟ قلت ~~بما في الشيعة من معنى المشايعة، يعني وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين ~~جاء ربه بقلب سليم لإبراهيم، أو بمحذوف وهو اذكر { بقلب سليم } من ~~جميع آفات القلوب. وقيل من الشرك، ولا معنى للتخصيص لأنه مطلق، فليس بعض ~~الآفات أولى من بعض فيتناولها كلها. فإن قلت ما معنى المجيء بقلبه ربه؟ ~~قلت معناه أنه أخلص لله قلبه، وعرف ذلك منه فضرب المجيء مثلا لذلك { ~~أئفكا } مفعول له، تقديره أتريدون آلهة من دون الله إفكا، وإنما ~~قدم المفعول على الفعل للعناية، وقدم المفعول له على المفعول ms1701 به لأنه ~~كان الأهم عنده أن يكافحهم بأنهم على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون ~~إفكا مفعولا به، يعني أتريدون به إفكا. ثم فسر الإفك بقوله { آلهة ~~} من { دون الله } على أنها إفك في أنفسها. ويجوز أن يكون حالا، ~~بمعنى أتريدون آلهة من دون الله آفكين { فما ظنكم } بمن هو الحقيق ~~بالعبادة، لأن من كان ربا للعالمين استحق عليهم أن يعبدوه، حتى تركتم ~~عبادته إلى عبادة الأصنام والمعنى أنه لا يقدر في وهم ولا ظن ما يصدعن ~~عن عبادته. أو فما ظنكم به أي شيء هو من الأشياء، حتى جعلتم الأصنام له ~~أندادا. أو فما ظنكم به ماذا يفعل بكم وكيف يعاقبكم وقد عبدتم غيره؟. ### || [37.88-90] # { فى النجوم } في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها، وعن بعض ~~الملوك أنه سئل عن مشتهاه فقال حبيب أنظر إليه ومحتاج أنظر له، وكتاب ~~أنظر فيه. كان القوم نجامين، فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على ~~أنه يسقم { فقال إنى سقيم } إني مشارف للسقم وهو الطاعون، وكان ~~أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون العدوى ليتفرقوا عنه، فهربوا منه إلى ~~عيدهم وتركوه في بيت الأصنام ليس معه أحد، ففعل بالأصنام ما فعل. فإن قلت ~~كيف جاز له أن يكذب؟ قلت قد جوزه بعض الناس في المكيدة في الحرب ~~والتقية، وإرضاء الزوج والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين. والصحيح أن ~~الكذب حرام إلا إذا عرض وورى، والذي قاله إبراهيم عليه السلام معراض ~~من الكلام، ولقد نوى به أن من في عنقه الموت سقيم. ومنه المثل كفى ~~بالسلامة داء. وقول لبيد # فدعوت ربي بالسلامة جاهدا ليصحني فإذا ~~السلامة داء # وقد مات رجل فجأة فالتف عليه الناس وقالوا مات وهو صحيح، فقال أعرابي ~~أصحيح من الموت في عنقه. وقيل أراد إني سقيم النفس لكفركم. ### || [37.91-93] # { فراغ إلى ءالهتهم } فذهب إليها في خفية، من روغة الثعلب، ~~إلى آلهتهم إلى أصنامهم التي هي في زعمهم آلهة، كقوله تعالى # أين شركآئي # النحل27 { ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون } استهزاء بها ms1702 ~~وبانحطاطها عن حال عبدتها { فراغ عليهم } فأقبل عليهم مستخفيا، ~~كأنه قال فضربهم { ضربا } لأن راغ عليهم بمعنى ضربهم. أو فراغ عليهم ~~يضربهم ضربا. أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا. وقرىء «صفقا» و«سفقا»، ~~ومعناهما الضرب. ومعنى ضربا { باليمين } ضربا شديدا قويا لأن ~~اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما. وقيل بالقوة والمتانة، وقيل بسبب ~~الحلف، وهو قوله { تالله لأكيدن أصنمكم }. ### || [37.94] # { يزفون } يسرعون، من زفيف النعام. ويزفون من أزف، إذا دخل في ~~الزفيف. أو من أزفه، إذا حمله على الزفيف، أي يزف بعضهم بعضا. ويزفون، ~~على البناء للمفعول، أي يحملون على الزفيف. ويزفون، من وزف يزف إذا أسرع. ~~ويزفون من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضا لتسارعهم إليه، فإن قلت ~~بين هذا وبين قوله تعالى # قالوا من فعل هذا بئالهتنا إنه لمن ~~الظلمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ~~إبرهيم # الأنبياء 59 -60 كالتناقض حيث ذكر ههنا أنهم أدبروا عنه خيفة العدوى، ~~فلما أبصروه يكسرهم أقبلوا إليه متبادرين ليكفوه ويوقعوا به، وذكر ثم ~~أنهم سألوا عن الكاسر، حتى قيل لهم سمعنا إبراهيم يذمهم، فلعله هو الكاسر ~~ففي أحدهما أنهم شاهدوه يكسرها، وفي الآخر أنهم استدلوا بذمه على أنه ~~الكاسر. قلت فيه وجهان، أحدهما أن يكون الذين أبصروه وزفوا إليه نفرا ~~منهم دون جمهورهم وكبرائهم، فلما رجع الجمهور والعلية من عيدهم إلى بيت ~~الأصنام ليأكلوا الطعام الذي وضعوه عندها لتبرك عليه ورأوها مكسورة ~~اشمأزوا من ذلك، وسألوا من فعل هذا بها؟ ثم لم ينم عليه أولئك النفر ~~نميمة صريحة، ولكن على سبيل التورية التعريض بقولهم «سمعنا فتى يذكرهم» ~~لبعض الصوارف. والثاني أن يكسرها ويذهب ولا يشعر بذلك أحد، ويكون إقبالهم ~~إليه يزفون بعد رجوعهم من عيدهم وسؤالهم عن الكاسر. وقولهم # قالوا فأتوا به على أعين الناس # الأنبياء 61. ### || [37.95-96] # { والله خلقكم وما تعملون } يعني خلقكم وخلق ما تعملونه ~~من الأصنام، كقوله # بل ربكم رب السموات والأرض الذى فطرهن # الأنبياء 56 أي فطر الأصنام. فإن قلت كيف يكون الشيء الواحد مخلوقا لله ~~معمولا لهم، حيث أوقع ms1703 خلقه وعملهم عليها جميعا؟ قلت هذا كما يقال عمل ~~النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخلخال، والمراد عمل أشكال ~~هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها ~~الله، وعاملوا أشكالها الذين يشكلونها بنحتهم وحذفهم بعض أجزائها، حتى ~~يستوي التشكيل الذي يريدونه. فإن قلت فما أنكرت أن تكون ما مصدرية لا ~~موصولة، ويكون المعنى والله خلقكم وعملكم، كما تقول المجبرة؟ قلت أقرب ما ~~يبطل به هذا السؤال بعد بطلانه بحجج العقل والكتاب أن معنى الآية يأباه ~~إباء جليا، وينبو عنه نبوا ظاهرا، وذلك أن الله عز وجل قد احتج ~~عليهم بأن العابد والمعبود جميعا خلق الله، فكيف يعبد المخلوق المخلوق، ~~على أن العابد منهما هو الذي عمل صورة المعبود وشكله، ولولاه لما قدر أن ~~يصور نفسه ويشكلها، ولو قلت والله خلقكم وخلق عملكم، ولم يكن محتجا ~~عليهم ولا كان لكلامك طباق. وشيء آخر وهو أن قوله { وما تعملون } ~~ترجمة عن قوله { ما تنحتون } و ما في { ما تنحتون } موصولة ~~لا مقال فيها فلا يعدل بها عن أختها إلا متعسف متعصب لمذهبه، من غير نظر ~~في علم البيان، ولا تبصر لنظم القرآن. فإن قلت اجعلها موصولة حتى لا ~~يلزمني ما ألزمت، وأريد وما تعملونه من أعمالكم. قلت بل الإلزامان في ~~عنقك لا يفكهما إلا الإذعان للحق، وذلك أنك جعلتها موصولة، فإنك في ~~إرادتك بها العمل غير محتج على المشركين، كحالك وقد جعلتها مصدرية، ~~وأيضا فأنك قاطع بذلك الصلة بين ما تعملون وما تنحتون، حتى تخالف بين ~~المرادين بهما فتزيد بما تنحتون الأعيان التي هي الأصنام، وبما تعملون ~~المعاني التي هي الأعمال وفي ذلك فك النظم وتبتيره كما إذا جعلتها ~~مصدرية. ### || [37.97-98] # { الجحيم } النار الشديدة الوقود، وقيل كل نار على نار وجمر فوق ~~جمر، فهي جحيم. والمعنى أن الله تعالى غلبه عليهم في المقامين جميعا، ~~وأذلهم بين يديه أرادوا أن يغلبوه بالحجة فلقنه الله وألهمه ما ألقمهم به ~~الحجر، وقهرهم فمالوا إلى المكر، فأبطل الله مكرهم وجعلهم الأذلين ~~الأسفلين لم يقدروا ms1704 عليه. ### || [37.99-101] # أراد بذهابه إلى ربه مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام ~~كما قال # إني مهاجر إلى ربي # العنكبوت 26 { سيهدين }؟ سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ~~ويوفقني، كما قال موسى عليه السلام # كلا إن معى ربى سيهدين # الشعراء 62 كأن الله وعده وقال له سأهديك، فأجرى كلامه على سنن موعد ~~ربه. أو بناء على عادة الله تعالى معه في هدايته وإرشاده. أو أظهر بذلك ~~توكله وتفويضه أمره إلى الله. ولو قصد الرجاء والطمع لقال، كما قال موسى ~~عليه السلام # عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل # القصص 22. { هب لى من الصلحين } هب لي بعض الصالحين، يريد ~~الولد، لأن لفظ الهبة غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله ~~تعالى # ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا # مريم 53 قال عز وجل # ووهبنا له إسحق ويعقوب # الأنعام 84 # ووهبنا له يحيى # الأنبياء 90 وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي الله عنهم - حين هنأه ~~بولده علي أبي الأملاك - شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب. ولذلك وقعت ~~التسمية بهبة الله، وبموهوب، ووهب وموهب، وقد انطوت البشارة على ثلاث على ~~أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ أوان الحلم، وأنه يكون حليما، وأي حلم ~~أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال { ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين } ، ثم استسلم لذلك. وقيل ما نعت الله الأنبياء عليهم السلام ~~بأقل مما نعتهم بالحلم وذلك لعزة وجوده ولقد نفت الله. به إبراهيم في ~~قوله # إن إبرهيم لأواه حليم # التوبة 114، # إن إبرهيم لحليم أواه منيب # هود 75 لأن الحادثة شهدت بحلمهما جميعا. ### || [37.102] # فلما بلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه. فإن قلت { معه } بم ~~يتعلق؟ قلت لا يخلو إما أن يتعلق ببلغ، أو بالسعي، أو بمحذوف، فلا يصح ~~تعلقه ببلغ لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي، ولا بالسعي لأن صلة المصدر ~~لا تتقدم عليه، فبقي أن يكون بيانا، كأنه لما قال فلما بلغ السعي أي ~~الحد ms1705 الذي يقدر فيه على السعي قيل مع من؟ فقال مع أبيه. والمعنى في ~~اختصاص الأب أنه أرفق الناس به، وأعطفهم عليه، وغيره ربما عنف به في ~~الاستسعاء فلا يحتمله، لأنه لم تستحكم قوته ولم يصلب عوده، وكان إذ ذاك ~~ابن ثلاث عشرة سنة. والمراد أنه على غضاضة سنة وتقلبه في حد الطفولة، ~~كان فيه من رصانة الحلم وفسحة الصدر ما جسره على احتمال تلك البلية ~~العظيمة والإجابة بذلك الجواب الحكيم أتي في المنام فقيل له اذبح ابنك، ~~ورؤيا الأنبياء وحي كالوحي في اليقظة، فلهذا قال { إنى أرى فى ~~المنام أنى أذبحك } فذكر تأويل الرؤيا، كما يقول الممتحن وقد ~~رأى أنه راكب في سفينة رأيت في المنام أني ناج من هذه المحنة، وقيل رأى ~~ليلة التروية كأن قائلا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما ~~أصبح روى في ذلك من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أو من ~~الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية، فلما أمسى رأى مثل ذلك، فعرف أنه من ~~الله، فمن ثم سمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره ~~فسمي يوم النحر. وقيل إن الملائكة حين بشرته بغلام حليم قال هو إذن ~~ذبيح الله. فلما ولد وبلغ حد السعي معه قيل له أوف بنذرك { فانظر ~~ماذا ترى } من الرأي على وجه المشاورة. وقرىء «ماذا ترى»، أي ماذا ~~تبصر من رأيك وتبديه. وماذا ترى، على البناء للمفعول أي ماذا تريك نفسك ~~من الرأي { افعل ما تؤمر } أي ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من ~~قوله # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به # أوأمرك على إضافة المصدر إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمرا. وقرىء ~~«ما تؤمر به» فإن قلت لم شاوره في أمر هو حتم من الله؟ قلت لم يشاوره ~~ليرجع إلى رأيه ومشورته، ولكن ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله، ~~فيثبت قدمه ويصبره إن جزع، ويأمن عليه الزلل إن صبر وسلم، وليعلمه حتى ~~يراجع نفسه فيوطنها ويهون عليها، ويلقى ms1706 البلاء وهو كالمستأنس به، ويكتسب ~~المثوبة بالانقياد لأمر الله قبل نزوله،لأن المغافصة بالذبح مما يستمسج ~~وليكون سنة في المشاورة، فقد قيل لو شاور آدم الملائكة في أكله من الشجرة ~~لما فرط منه ذلك. فإن قلت لم كان ذلك بالمنام دون اليقظة؟ قلت كما أرى ~~يوسف عليه السلام سجود أبويه وإخوته له في المنام من غير وحي إلى أبيه، ~~وكما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخول المسجد الحرام في المنام، ~~وما سوى ذلك من منامات الأنبياء، وذلك لتقوية الدلالة على كونهم صادقين ~~مصدوقين لأن الحال إما حال يقظة أو حال منام، فإذا تظاهرت الحالتان على ~~الصدق كان ذلك أقوى للدلالة من انفراد أحدهما. ### || [37.103-111] # يقال سلم لأمر الله وأسلم، واستسلم بمعنى واحد. وقد قرىء بهن جميعا ~~إذا انقاد له، وخضع، وأصلها من قولك سلم هذا لفلان إذا خلص له. ومعناه ~~سلم من أن ينازع فيه، وقولهم سلم لأمر الله، وأسلم له منقولان منه، ~~وحقيقة معناهما أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له خالصة، وكذلك معنى استسلم ~~استخلص نفسه لله. وعن قتادة في { أسلما } أسلم هذا ابنه وهذا نفسه { ~~وتله للجبين } صرعه على شقه، فوقع أحد جنبيه على الأرض تواضعا ~~على مباشرة الأمر بصبر وجلد، ليرضيا الرحمن ويخزيا الشيطان. وروى أن ذلك ~~كان عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن في الموضع المشرف على مسجد منى. ~~وعن الضحاك في المنحر الذي ينحر فيه اليوم. فإن قلت أين جواب لما؟ قلت هو ~~محذوف تقديره فلما أسلما وتله للجبين { وندينه أن ~~يإبرهيم قد صدقت الرؤيا } كان ما كان مما تنطق به الحال ~~ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما، وحمدهما لله وشكرهما على ما ~~أنعم به عليهما، من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه ~~بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه ~~مطلوب، وقوله { إنا كذلك نجزى المحسنين } تعليل لتخويل ~~ما خولهما من الفرج بعد الشدة، والظفر بالبغية بعد اليأس { البلاء ~~المبين } الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون ms1707 من غيرهم. أو ~~المحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها. الذبح اسم ما يذبح. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما هو الكبش الذي قربه هابيل فقبل منه، وكان يرعى ~~في الجنة حتى فدى به إسماعيل. وعن الحسن فدى بوعل أهبط عليه من ثبير. وعن ~~ابن عباس لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة وذبح الناس أبناءهم { عظيم } ~~ضخم الجثة سمين، وهي السنة في الأضاحي. وقوله عليه السلام. 948 # " استشرفوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم " # وقيل لأنه وقع فداء عن ولد إبراهيم. وروى أنه هرب من إبراهيم عليه ~~السلام عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه، فبقيت سنة في الرمي، وروى ~~أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. وروى أنه لما ذبحه ~~قال جبريل الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح لا إله إلا الله والله ~~أكبر، فقال إبراهيم عليه السلام الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة وحكي في ~~قصة الذبيح أنه حين أراد ذبحه قال يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق بنا ~~إلى الشعب نحتطب، فلما توسط شعب ثبير أخبره بما أمر. فقال له اشدد رباطي ~~لا أضطرب، واكفف عني ثيابك لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه ~~أمي فتحزن، واشحذ شفرتك وأسرع إمرارها على حلقي حتى تجهز علي، ليكون ~~أهون فإن الموت شديد، واقرأ على أمي سلامي، وإن رأيت أن ترد قميصي على ~~أمي، فافعل، فإنه عسى أن يكون أسهل لها، فقال إبراهيم عليه السلام نعم ~~العون أنت يا بني على أمر الله، ثم أقبل عليه يقلبه وقد ربطه، وهما ~~يبكيان، ثم وضع السكين على حلقه فلم تعمل. # لأن الله ضرب صفيحة من نحاس على حلقه، فقال له كبني على وجهي فإنك إذا ~~نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله، ففعل، ثم وضع ~~السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، فنظر ~~فإذا جبريل عليه السلام معه كبش أقرن أملح، فكبر جبريل والكبش، وإبراهيم ~~وابنه، وأتى المنحر من منى ms1708 فذبحه. وقيل لما وصل موضع السجود منه إلى ~~الأرض جاء الفرج. وقد استشهد أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية فيمن نذر ~~ذبح ولده أنه يلزمه ذبح شاة، فإن قلت من كان الذبيح من ولديه؟ قلت قد ~~اختلف فيه فعن ابن عباس وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وجماعة من التابعين ~~أنه إسماعيل. والحجة فيه 949 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " أنا ابن الذبيحين " # وقال له أعرابي 949 يا ابن الذبيحين، فتبسم، فسئل عن ذلك فقال إن عبد ~~المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ~~ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من ~~الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل، وعن محمد بن كعب القرظي قال ~~كان مجتهد بني إسرائيل يقول إذا دعا اللهم إله إبراهيم وإسماعيل ~~وإسرائيل، فقال موسى عليه السلام يا رب، ما لمجتهد بني إسرائيل إذا دعا ~~قال اللهم إله إبراهيم وإسماعيل وإسرائيل، وأنا بين أظهرهم فقد أسمعتني ~~كلامك واصطفيتني برسالتك؟ قال يا موسى، لم يحبني أحد حب إبراهيم قط، ولا ~~خير بيني وبين شيء قط إلا اختارني. وأما إسماعيل فإنه جاد بدم نفسه. ~~وأما إسرائيل، فإنه لم ييأس من روحي في شدة نزلت به قط، ويدل عليه أن ~~الله تعالى لما أتم قصة الذبيح قال # وبشرنه بإسحق نبيا # الصافات 112 وعن محمد بن كعب أنه قال لعمر بن عبد العزيز هو إسماعيل، ~~فقال عمر إن هذا شيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى ~~يهودي قد أسلم فسأله، فقال إن اليهود لتعلم أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدونكم ~~معشر العرب، ويدل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين في الكعبة في أيدي بني ~~إسماعيل إلى أن احترق البيت. وعن الأصمعي قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الذبيح فقال يا أصمعي أين عزب عنك عقلك، ومتى كان إسحاق بمكة، وأنما كان ~~إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر ms1709 بمكة، ومما يدل عليه ~~أن الله تعالى وصفه بالصبر دون أخيه إسحاق في قوله # وإسمعيل واليسع وذا الكفل كل من الصبرين # الأنبياء 85 وهو صبره على الذبح، ووصفه بصدق الوعد في قوله # إنه كان صدق الوعد # مريم 54 لأنه وعد أباه الصبر من نفسه على الذبح فوفى به، ولأن الله ~~بشره بإسحاق وولده يعقوب في قوله # فضحكت فبشرنها بإسحق ومن وراء إسحق ~~يعقوب # هود 71 فلو كان الذبيح إسحاق لكان خلفا للموعد في يعقوب، وعن علي بن ~~أبي طالب وابن مسعود والعباس وعطاء وعكرمة وجماعة من التابعين أنه إسحاق. ~~والحجة فيه أن الله تعالى أخبر عن خليله إبراهيم حين هاجر إلى الشام بأنه ~~استوهبه ولدا، ثم أتبع ذلك البشارة بغلام حليم، ثم ذكر رؤياه بذبح ذلك ~~الغلام المبشر به. ويدل عليه كتاب يعقوب إلى يوسف من يعقوب إسرائيل الله ~~بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله. فإن قلت قد أوحى إلى إبراهيم ~~صلوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح، وقيل له { قد صدقت ~~الرؤيا } ، وإنما كان يصدقها لو صح منه الذبح، ولم يصح قلت قد بذل وسعه ~~وفعل ما يفعل الذابح من بطحه على شقه وإمرار الشفرة على حلقه، ولكن الله ~~سبحانه جاء بما منع الشفرة أن تمضي فيه، وهذا لا يقدح في فعل إبراهيم ~~عليه السلام، ألا ترى أنه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا، بل يسمى مطيعا ~~ومجتهدا، كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وأنهرت الدم، وليس هذا من ~~ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل، ولا قبل أوان الفعل في شيء، كما ~~يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه. فإن قلت الله تعالى هو ~~المفتدى منه لأنه الآمر بالذبح، فكيف يكون فاديا حتى قال { ~~وفدينه }؟ قلت الفادي هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والله عز ~~وجل وهب له الكبش ليفدى به وإنما قال { وفدينه } إسنادا للفداء ~~إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته. فإن قلت فإذا كان ما أتى به ~~إبراهيم من ms1710 البطح وإمرار الشفرة في حكم الذبح. فما معنى الفداء، والفداء ~~إنما هو التخليص من الذبح ببدل؟ قلت قد علم بمنع الله أن حقيقة الذبح لم ~~تحصل من فرى الأوداج وإنهار الدم، فوهب الله له الكبش ليقيم ذبحه مقام ~~تلك الحقيقة حتى لا تحصل تلك الحقيقة في نفس إسماعيل، ولكن في نفس الكبش ~~بدلا منه. فإن قلت فأي فائدة في تحصيل تلك الحقيقة، وقد استغنى عنها ~~بقيام ما وجد من إبراهيم مقام الذبح من غير نقصان؟ قلت الفائدة في ذلك أن ~~يوجد ما منع منه في بدله حتى يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به ~~من كل وجه. فإن قلت لم قيل ههنا { كذلك نجزى المحسنين } وفي ~~غيرها من القصص إنا كذلك؟ قلت قد سبقه في هذه القصة { إنا كذلك } ، ~~فكأنما استخف بطرحه اكتفاء بذكره مرة عن ذكره ثانية. ### || [37.112-113] # { نبيا } حال مقدرة، كقوله تعالى # فادخلوها خلدين # الزمر 73. فإن قلت فرق بين هذا وبين قوله فادخلوها خالدين وذلك أن ~~المدخول موجود مع وجود الدخول، والخلود غير موجود معهما، فقدرت مقدرين ~~الخلود فكان مستقيما، وليس كذلك المبشر به، فإنه معدوم وقت وجود ~~البشارة، وعدم المبشر به فإنه معدوم وقت وجود البشارة وعدم المبشر به ~~أوجب عدم حاله لا محالة لأن الحال حلية، والحلية لا تقوم إلا بالمحلى، ~~وهذا المبشر به الذي هو إسحاق حين وجد لم توجد النبوة أيضا بوجوده، بل ~~تراخت عنه مدة متطاولة، فكيف يجعل نبيا حالا مقدرة، والحال صفة ~~الفاعل أو المفعول عند وجود الفعل منه أو به فالخلود وإن يكن صفتهم عند ~~دخول الجنة، فتقديرها صفتهم لأن المعنى مقدرين الخلود، وليس كذلك ~~النبوة فإنه لا سبيل إلى أن تكون موجودة أو مقدرة وقت وجود البشارة ~~بإسحاق لعدم إسحاق. قلت هذا سؤال دقيق السلك ضيق المسلك، والذي يحل ~~الإشكال أنه لا بد من تقدير مضاف محذوف، وذلك قولك وبشرناه بوجود إسحاق ~~نبيا، أي بأن يوجد مقدرة نبوته فالعامل في الحال الوجود لا فعل ~~البشارة، وبذلك يرجع، نظير قوله تعالى ms1711 # فادخلوها خلدين # الزمر 73 { من الصلحين } حال ثانية، وورودها على سبيل الثناء ~~والتقريظ لأن كل نبي لا بد أن يكون من الصالحين. وعن قتادة بشره الله ~~بنبوة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه، وهذا جواب من يقول الذبيح إسحاق ~~لصاحبه عن تعلقه لقوله { وبشرنه بإسحق } قالوا ولا يجوز ~~أن يبشره الله بمولده ونبوته معا لأن الامتحان بذبحه لا يصح مع علمه ~~بأنه سيكون نبيا { وبركنا عليه وعلى إسحق } وقرىء ~~«وبركنا» أي أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، كقوله # وآتيناه أجره فى الدنيا وإنه فى الأخرة لمن ~~الصلحين # العنكبوت 27 وقيل باركنا على إبراهيم في أولاده، وعلى إسحاق بأن أخرجنا ~~أنبياء بني إسرائيل من صلبه. وقوله { وظلم لنفسه } نظيره # قال ومن ذريتى؟ قال لا ينال عهدي الظلمين # البقرة 124 وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجري أمرهما على العرق ~~والعنصر، فقد يلد البر الفاجر، والفاجر البر. وهذا مما يهدم أمر الطبائع ~~والعناصر، وعلى أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ولا نقيصة، وأن ~~المرء يعاب بسوء فعله ويعاتب على ما اجترحت يداه، لا على ما وجد من أصله ~~أو فرعه. ### || [37.114-122] # { من الكرب العظيم } من الغرق. أو من سلطان فرعون وقومه ~~وغشمهم { ونصرنهم } الضمير لهما ولقومهما في قوله { ~~ونجينهما وقومهما }. { الكتب المستبين } ~~البيلغ في بيانه وهو التوراة، كما قال # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور # المائدة 44 وقال ومن جوز أن تكون التوراة عربية أن تشتق من روى الزند ~~«فوعلة» منه، على أن التاء مبدلة من واو { الصراط المستقيم } ~~صراط أهل الإسلام، وهي صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين. ### || [37.123-132] # قرىء «إلياس» بكسر الهمزة، والياس على لفظ الوصل. وقيل هو إدريس النبي. ~~وقرأ ابن مسعود «وإن إدريس»، في موضع إلياس. وقرىء «إدراس»، وقيل هو ~~إلياس بن ياسين، من ولد هارون أخي موسى { أتدعون بعلا } أتعبدون ~~بعلا، وهو علم لصنم كان لهم كمناة وهبل. وقيل كان من ذهب، وكان طوله ~~عشرين ذراعا، وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه ms1712 حتى أخدموه أربعمائة ~~سادن، وجعلوهم أنبياءه، فكان الشيطان يدخل في جوف - بعل - ويتكلم بشريعة ~~الضلالة، والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس، وهم أهل بعلبك من بلاد ~~الشام، وبه سميت مدينتهم بعلبك. وقيل البعل الرب بلغة اليمن، يقال من بعل ~~هذه الدار، أي من ربها؟ والمعنى أتعبدون بعض البعول وتتركون عبادة الله { ~~الله ربكم ورب ءابائكم } قرىء بالرفع على الابتداء، ~~وبالنصب على البدل، وكان حمزة إذا وصل نصب، وإذا وقف رفع وقرىء «على ~~إلياسين» وإدريسين. وإدراسين. وإدرسين، على أنها لغات في إلياس وإدريس. ~~ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى. وقرىء «على الياسين» ~~بالوصل، على أنه جمع يراد به إلياس وقومه، كقولهم الخبيبون والمهلبون. ~~فإن قلت فهلا حملت على هذا الياسين على القطع وأخواته؟ قلت لو كان جمعا ~~لعرف بالألف واللام. وأما من قرأ «على آل ياسين» فعلى أن ياسين اسم أبي ~~إلياس، أضيف إليه الآل. ### || [37.133-138] # { مصبحين } داخلين في الصباح، يعني تمرون على منازلهم في متاجركم ~~إلى الشام ليلا ونهارا، فما فيكم عقول تعتبرون بها. ### || [37.139-148] # قرىء «يونس» بضم النون وكسرها. وسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقا ~~على طريقة المجاز. والمساهمة المقارعة. ويقال استهم القوم، إذا اقترعوا. ~~والمدحض المغلوب المقروع. وحقيقته المزلق عن مقام الظفر والغلبة. روى أنه ~~حين ركب في السفينة وقفت، فقالوا ههنا عبد أبق من سيده، وفيما يزعم ~~البحارون أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجر، فاقترعوا، فخرجت القرعة ~~على يونس فقال أنا الآبق، وزج بنفسه في الماء { فالتقمه الحوت ~~وهو مليم } داخل في الملامة. يقال رب لائم مليم، أي يلوم غيره وهو ~~أحق منه باللوم. وقرىء «مليم» بفتح الميم، من ليم فهو مليم، كما جاء ~~مشيب في مشوب، مبنيا على شيب. ونحوه مدعي، بناء على دعى { من ~~المسبحين } من الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس. وقيل هو ~~قوله في بطن الحوت # لا إله إلا أنت سبحنك إنى كنت من ~~الظلمين # الأنبياء 87 وقيل من المصلين. وعن ابن عباس كل تسبيح في القرآن فهو ~~صلاة. وعن قتادة ms1713 كان كثير الصلاة في الرخاء. قال وكان يقال إن العمل ~~الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متكأ. وهذا ترغيب من الله عز ~~وجل في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله، وإقباله على عبادته، وجمع همه ~~لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة، لينفعه ذلك عنده تعالى في ~~المضايق والشدائد { للبث فى بطنه } الظاهر لبثه فيه حيا إلى ~~يوم البعث. وعن قتادة لكان بطن الحوت له قبرا إلى يوم القيامة. وروي أنه ~~حين ابتلعه أوحى الله إلى الحوت إني جعلت بطنك له سجنا، ولم أجعله لك ~~طعاما. واختلف في مقدار لبثه، فعن الكلبي أربعون يوما، وعن الضحاك ~~عشرون يوما. وعن عطاء سبعة. وعن بعضهم ثلاثة. وعن الحسن لم يلبث إلا ~~قليلا، ثم أخرج من بطنه بعيد الوقت الذي التقم فيه. وروي أن الحوت سار ~~مع السفينة رافعا رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح، ولم يفارقهم حتى انتهوا ~~إلى البر، فلفظه سالما لم يتغير منه شيء، فأسلموا وروي أن الحوت قذفه ~~بساحل قرية من الموصل. والعراء المكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطيه { ~~وهو سقيم } اعتل مما حل به، وروي أنه عاد بدنه كبدن الصبي حين ~~يولد. واليقطين كل ما ينسدح على وجه الأرض ولا يقوم على ساق كشجر البطيخ ~~والقثاء والحنظل، وهو «يفعيل» من قطن بالمكان إذا قام به. وقيل هو ~~الدباء. وفائدة الدباء أن الذباب لا يجتمع عنده - وقيل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 950 إنك لتحب القرع. قال # " أجل هي شجرة أخي يونس " # وقيل هي التين، وقيل شجرة الموز، تغطى بورقها. # واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها. وقيل كان يستظل بالشجرة وكانت ~~وعلة تختلف إليه، فيشرب من لبنها. وروي أنه مر زمان على الشجرة فيبست، ~~فبكى جزعا، فأوحى الله إليه بكيت على شجرة ولا تبكي على مائة ألف في يد ~~الكافر، فإن قلت ما معنى { وأنبتنا عليه شجرة }؟ قلت ~~أنبتناها فوقه مظلة له كما يطنب البيت على الإنسان { وأرسلنه ~~إلى مائة ألف } المراد به ما سبق ms1714 من إرساله إلى قومه وهم أهل ~~نينوى. وقيل هو إرسال ثان بعد ما جرى عليه إلى الأولين. أو إلى غيرهم. ~~وقيل أسلموا فسألوه أن يرجع إليهم فأبى، لأن النبي إذا هاجر عن قومه لم ~~يرجع إليهم مقيما فيهم، وقال لهم إن الله باعث إليكم نبيا { أو ~~يزيدون } في مرأى الناظر أي إذا رآها الرائي قال هي مائة ألف أو أكثر ~~والغرض الوصف بالكثرة { إلى حين } إلى أجل مسمى وقرىء «ويزيدون» ~~بالواو. وحتى حين. ### || [37.149-157] # { فاستفتهم } معطوف على مثله في أول السورة، وإن تباعدت بينهما ~~المسافة أمر رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق ~~الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التي ~~قسموها، حيث جعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم الملائكة بنات ~~الله، مع كراهتهم الشديدة لهن، ووأدهم، واستنكافهم من ذكرهن. ولقد ~~ارتكبوا في ذلك ثلاثة أنواع من الكفر، أحدها التجسيم، لأن الولادة مختصة ~~بالأجسام والثاني تفضيل أنفسهم على ربهم حين جعلوا أوضع الجنسين له ~~وأرفعهما لهم، كما قال # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم # الزخرف 17، # أو من ينشأ فى الحلية وهو فى الخصام غير ~~مبين # الزخرف 18 والثالث أنهم استهانوا بأكرم خلق الله عليه وأقربهم إليه، حيث ~~أنثوهم ولو قيل لأقلهم وأدناهم فيك أنوثة، أو شكلك شكل النساء، للبس ~~لقائله جلد النمر، ولانقلبت حماليقه وذلك في أهاجيهم بين مكشوف، فكرر ~~الله سبحانه الأنواع كلها في كتابه مرات ودل على فظاعتها في آيات # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ~~إدا # مريم 88 - 89، # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون # الأنبياء 26، # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه بل له ما في ~~السموات والأرض # البقرة 116، # بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد # الأنعام 101، # ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله # الصافات 151-152، # وجعلوا له من عباده جزءا # الزخرف 15، # ويجعلون لله بنات سبحانه ولهم ما يشتهون # النحل 57، # أم له البنت ولكم البنون # الطور 39، # ويجعلون لله ما يكرهون # النحل 62، # أصطفى ms1715 البنات على البنين # الصافات 153، # أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفكم بالبنين # الزخرف 16، # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # الزخرف 19. # أم خلقنا الملئكة إنثا وهم شهدون # فإن قلت لم قال { وهم شهدون } فخص علم المشاهدة؟ قلت ما هو ~~إلا استهزاء بهم وتجهيل لهم، وكذلك قوله # أشهدوا خلقهم # الزخرف 19 ونحوه قوله # ما أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # الكهف 51 وذلك أنهم كما لم يعلموا ذلك بطريق المشاهدة، لم يعلموه بخلق ~~الله علمه في قلوبهم. ولا بإخبار صادق، ولا بطريق استدلال ونظر. ويجوز أن ~~يكون المعنى أنهم يقولون ذلك، كالقائل قولا عن ثلج صدر وطمأنينة نفس ~~لإفراط جهلهم، كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وقرىء «ولد الله» أي الملائكة ~~ولده. والولد «فعل» بمعنى مفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكر ~~والمؤنث. تقول هذه ولدي، وهؤلاء ولدي. فإن قلت { أصطفى البنات } ~~بفتح الهمزة استفهام على طريق الإنكار والاستبعاد، فكيف صحت قراءة أبي ~~جعفر بكسر الهمزة على الإثبات؟ قلت جعله من كلام الكفرة بدلا عن قولهم { ~~ولد الله } وقد قرأ بها حمزة والأعمش رضي الله عنهما. # وهذه القراءة - وإن كان هذا محملها - فهي ضعيفة، والذي أضعفها أن ~~الإنكار قد اكتنف هذه الجملة من جانبيها، وذلك قوله { وإنهم ~~لكذبون }. { مالكم كيف تحكمون }؟ فمن جعلها للإثبات، ~~فقد أوقعها دخيلة بين نسيبين. وقرىء «تذكرون» من ذكر { أم لكم ~~سلطن } أي حجة نزلت عليكم من السماء وخبر بأن الملائكة بنات الله { ~~فأتوا بكتبكم } الذي أنزل عليكم في ذلك، كقوله تعالى # أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم بما ~~كانوا به يشركون # الروم 35 وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم، وإنكار فظيع، واستبعاد ~~لأقاويلهم شديد وما الأساليب التي وردت عليها إلا ناطقة بتسفيه أحلام ~~قريش، وتجهيل نفوسها، واستركاك عقولها، مع استهزاء وتهكم وتعجيب، من أن ~~يخطر مخطر مثل ذلك على بال ويحدث به نفسا فضلا أن يجعله معتقدا ~~ويتظاهر به مذهبا. ### || [37.158-160] # { وجعلوا } بين الله وبين الجنة وأراد الملائكة { نسبا } وهو ~~زعمهم أنهم بناته، والمعنى جعلوا بما قالوا نسبة بين ms1716 الله وبينهم، ~~وأثبتوا له بذلك جنسية جامعة له وللملائكة. فإن قلت لم سمي الملائكة جنة؟ ~~قلت قالوا الجنس واحد، ولكن من خبث من الجن ومرد وكان شرا كله فهو ~~شيطان، ومن طهر منهم ونسك وكان خيرا كله فهو ملك فذكرهم في هذا الموضع ~~باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعا منهم وتقصيرا بهم. وإن كانوا ~~معظمين في أنفسهم أن يبلغوا منزلة المناسبة التي أضافوها إليهم. وفيه ~~إشارة إلى أن من صفته الاجتنان والاستتار، وهو من صفات الأجرام لا يصلح ~~أن يناسب من لا يجوز عليه ذلك. ومثاله أن تسوي بين الملك وبين بعض خواصه ~~ومقربيه، فيقول لك أتسوى بيني وبين عبدي. وإذا ذكره في غير هذا المقام ~~وقره وكناه. والضمير في { إنهم لمحضرون } للكفرة. والمعنى ~~أنهم يقولون ما يقولون في الملائكة، وقد علم الملائكة أنهم في ذلك كاذبون ~~مفترون، وأنهم محضرون النار معذبون بما يقولون، والمراد المبالغة في ~~التكذيب. حيث أضيف إلى علم الذين ادعوا لهم تلك النسبة. وقيل قالوا إن ~~الله صاهر الجن فخرجت الملائكة. وقيل قالوا إن الله والشيطان أخوان. وعن ~~الحسن أشركوا الجن في طاعة الله. ويجوز إذا فسر الجنة بالشياطين أن يكون ~~الضمير في { فإنهم لمحضرون } لهم، والمعنى أن الشياطين ~~عالمون بأن الله يحضرهم النار ويعذبهم، ولو كانوا مناسبين له أو شركاء ~~في وجوب الطاعة لما عذبهم { إلا عباد الله المخلصين } ~~استثناء منقطع من المحضرين معناه ولكن المخلصين ناجون. وسبحان الله ~~اعتراض بين الاستثناء وبين ما وقع منه. ويجوز أن يقع الاستثناء من الواو ~~في يصفون، أي يصفه هؤلاء بذلك، ولكن المخلصون برآء من أن يصفوه به. ### || [37.161-163] # والضمير في { عليه } لله عز وجل ومعناه فإنكم ومعبودكم ما أنتم ~~وهم جميعا بفاتنين على الله إلا أصحاب النار الذين سبق في علمه أنهم ~~لسوء أعمالهم يستوجبون أن يصلوها. فإن قلت كيف يفتنونهم على الله؟ قلت ~~يفسدونهم عليه بإغوائهم واستهزائهم، من قولك فتن فلان على فلان امرأته، ~~كما تقول أفسدها عليه وخيبها عليه. ويجوز أن يكون الواو في ms1717 { وما ~~تعبدون } بمعنى مع، مثلها في قولهم كل رجل وضيعته، فكما جاز السكوت ~~على كل رجل وضيعته، وأن كل رجل وضيعته جاز أن يسكت على قوله { ~~فإنكم وما تعبدون } لأن قوله { وما تعبدون } ساد ~~مسد الخبر لأن معناه فإنكم مع ما تعبدون. والمعنى فإنكم مع آلهتكم، أي ~~فإنكم قرناؤهم وأصحابهم لا تبرحون تعبدونها، ثم قال ما أنتم عليه، أي على ~~ما تعبدون { بفتنين } بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال ~~{ إلا من هو } ضال مثلكم. أو يكون في أسلوب قوله # فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم ~~الأديم # وقرأ الحسن «صال الجحيم» بضم اللام. وفيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون ~~جمعا وسقوط واوه لالتقاء الساكنين هي ولام التعريف. فإن قلت كيف استقام ~~الجمع مع قوله { من هو }؟ قلت من موحد اللفظ مجموع المعنى فحمل هو ~~على لفظه والصالون على معناه كما حمل في مواضع من التنزيل على لفظ من ~~ومعناه في آية واحدة. والثاني أن يكون أصله صائل على القلب، ثم يقال صال ~~في صائل، كقولهم شاك في شائك. والثالث أن تحذف لام صال تخفيفا ويجري ~~الإعراب على عينه، كما حذف من قولهم ما باليت به بالة، وأصلها بالية من ~~بالي، كعافية من عافى. ونظيره قراءة من قرأ # وجنى الجنتين دان # الرحمن 54، # وله الجوار المنشآت # الرحمن 24 بإجراء الإعراب على العين. ### || [37.164-166] # { وما منا } أحد { إلا له مقام معلوم } فحذف الموصوف ~~وأقيمت الصفة مقامه، كقوله # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا بكفي كان من ~~أرمى البشر # مقام معلوم في العبادة، والانتهاء إلى أمر الله مقصور عليه لا يتجاوزه، ~~كما روى فمنهم راكع لا يقيم صلبه، وساجد لا يرفع رأسه { لنحن ~~الصافون } نصف أقدامنا في الصلاة، أو أجنحتنا في الهواء. منتظرين ما ~~نؤمر. وقيل نصف أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين. وقيل إن المسلمين ~~إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية. وليس يصطف أحد من أهل الملل ~~في صلاتهم غير المسلمين { المسبحون } أي المنزهون أو المصلون. ~~والوجه أن يكون هذا وما قبله ms1718 من قوله # سبحن الله عما يصفون # الصافات 159 من كلام الملائكة حتى يتصل بذكرهم في قوله # ولقد علمت الجنة # الصافات 158 كأنه قيل ولقد علم الملائكة وشهدوا أن المشركين مفترون ~~عليهم في مناسبة رب العزة وقالوا سبحان الله، فنزهوه عن ذلك، واستثنوا ~~عباد الله المخلصين وبرؤهم منه، وقالوا للكفرة فإذا صح ذلك فإنكم ~~وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على الله أحدا من خلقه وتضلوه، إلا من ~~كان مثلكم ممن علم الله - لكفرهم، لا لتقديره وإرادته، تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا - أنهم من أهل النار، وكيف نكون مناسبين لرب ~~العزة ويجمعنا وإياه جنسية واحدة؟ وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه، ~~لكل منا مقام من الطاعة لا يستطيع أن يزل عنه ظفرا، خشوعا لعظمته ~~وتواضعا لجلاله، ونحن الصافون أقدامنا لعبادته وأجنحتنا، مذعنين خاضعين ~~مسبحين ممجدين، وكما يجب على العباد لربهم. وقيل هو من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يعني وما من المسلمين أحد إلا له مقام معلوم يوم ~~القيامة على قدر عمله، من قوله # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # الإسراء 79 ثم ذكر أعمالهم وأنهم هم الذين يصطفون في الصلاة يسبحون الله ~~وينزهونه مما يضيف إليه من لا يعرفه مما لا يجوز عليه. ### || [37.167-170] # هم مشركو قريش كانوا يقولون { لو أن عندنا ذكرا } أي كتابا ~~{ من } كتب { الأولين } الذين نزل عليهم التوراة والإنجيل، ~~لأخلصنا العبادة لله، ولما كذبنا كما كذبوا، ولما خالفنا كما خالفوا، ~~فجاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار، والكتاب الذي هو معجز من بين الكتب، ~~فكفروا به. ونحوه # فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا # فاطر 42 فسوف يعلمون مغبة تكذيبهم وما يحل بهم من الانتقام. وإن هي ~~المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة. وفي ذلك أنهم كانوا يقولونه ~~مؤكدين للقول جادين فيه، فكم بين أول أمرهم وآخره. ### || [37.171-173] # الكلمة قوله { إنهم لهم المنصورون 172 وإن جندنا ~~لهم الغلبون 173 } وإنما سماها كلمة وهي كلمات عدة، لأنها لما ~~انتظمت في معنى واحد كانت في ms1719 حكم مفردة. وقرىء «كلماتنا» والمراد الموعد ~~بعلوهم على عدوهم في مقام الحجاج وملاحم القتال في الدنيا، وعلوهم عليهم ~~في الآخرة، كما قال # والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة # البقرة 212 ولا يلزم انهزامهم في بعض المشاهد، وما جرى عليهم من القتل ~~فإن الغلبة كانت لهم ولمن بعدهم في العاقبة، وكفى بمشاهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين مثلا يحتذى عليها وعبرا يعتبر بها. ~~وعن الحسن رحمه الله ما غلب نبي في حرب ولا قتل فيها، ولأن قاعدة أمرهم ~~وأساسه والغالب منه الظفر والنصرة - وإن وقع في تضاعيف ذلك شوب من ~~الابتلاء والمحنة - والحكم للغالب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن لم ~~ينصروا في الدنيا نصروا في الآخرة. وفي قراءة ابن مسعود «على عبادنا»، ~~على تضمين سبقت معنى حقت. ### || [37.174-175] # { فتول عنهم } فأعرض عنهم وأغض على أذاهم { حتى حين } ~~إلى مدة يسيرة وهي مدة الكف عن القتال. وعن السدي إلى يوم بدر. وقيل ~~الموت. وقيل إلى يوم القيامة { وأبصرهم } وما يقضى عليهم من ~~الأسر والقتل والعذاب في الآخرة، فسوف يبصرونك وما يقضى لك من النصرة ~~والتأييد والثواب في العاقبة. والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال ~~المنتظرة الموعودة الدلالة على أنها كائنة واقعة لا محالة، وأن كينونتها ~~قريبة كأنها قدام ناظريك. وفي ذلك تسلية له وتنفيس عنه. وقوله { فسوف ~~يبصرون } للوعيد كما سلف لا للتبعيد. ### || [37.176-179] # مثل العذاب النازل بهم بعد ما أنذروه فأنكروه بجيش أنذر بهجومه قومه بعض ~~نصاحهم فلم يلتفتوا إلى إنذاره، ولا أخذوا أهبتهم، ولا دبروا أمرهم ~~تدبيرا ينجيهم، حتى أناخ بفنائهم بغتة، فشن عليهم الغارة وقطع دابرهم، ~~وكانت عادة مغاويرهم أن يغيروا صباحا، فسميت الغارة صباحا وإن وقعت في ~~وقت آخر، وما فصحت هذه الآية ولا كانت لها الروعة التي تحس بها ويروقك ~~موردها على نفسك وطبعك، إلا لمجيئها على طريقة التمثيل، وقرأ ابن مسعود ~~فبئس صباح. وقرىء «نزل بساحتهم» على إسناده إلى الجار والمجرور كقولك ذهب ~~بزيد ونزل، على ونزل العذاب. والمعنى فساء صباح المنذرين صباحهم، ms1720 واللام ~~في المنذرين مبهم في جنس من أنذروا، لأن ساء وبئس يقتضيان ذلك. وقيل هو ~~نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بمكة. وعن أنس رضي الله عنه ~~951 لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر - كانوا خارجين إلى ~~مزارعهم ومعهم المساحي - قالوا محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم. فقال ~~عليه الصلاة والسلام # " الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " # وإنما ثنى { وتول عنهم } ليكون تسلية على تسلية. وتأكيدا ~~لوقوع الميعاد إلى تأكيد. وفيه فائدة زائدة وهي إطلاق الفعلين معا عن ~~التقييد بالمفعول، وأنه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من صنوف ~~المسرة وأنواع المساءة. وقيل أريد بأحدهما عذاب الدنيا، وبالآخر عذاب ~~الآخرة. ### || [37.180-182] # أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل ذو العزة، كما تقول صاحب ~~صدق لاختصاصه بالصدق. ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد من الملوك ~~وغيرهم إلا وهو ربها ومالكها، كقوله تعالى # تعز من تشآء # آل عمران 26 اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوا ~~إليه، مما هو منزه عنه، وما عاناه المرسلون من جهتهم، وما خولوه في ~~العاقبة من النصرة عليهم فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به ~~المشركون، والتسليم على المرسلين { والحمد لله رب ~~العلمين } على ما قيض لهم من حسن العواقب، والغرض تعليم المؤمنين ~~أن يقولوا ذلك ولا يخلوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات ~~قرآنه المجيد. وعن علي رضي الله عنه 952 «من أحب أن يكتال بالمكيال ~~الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه سبحان ~~ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين». عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 953 # " من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت ~~عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان ~~مؤمنا بالمرسلين ". ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-2] # { ص } على ms1721 الوقف وهي أكثر القراءة. وقرىء بالكسر والفتح لالتقاء ~~الساكنين، ويجوز أن ينتصب بحذف حرف القسم وإيصال فعله، كقولهم الله ~~لأفعلن، كذا بالنصب، أو بإضمار حرف القسم، والفتح في موضع الجر، كقولهم ~~الله لأفعلن، بالجر وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث، لأنها بمعنى ~~السورة، وقد صرفها من قرأ { ص } بالجر والتنوين على تأويل الكتاب ~~والتنزيل، وقيل فيمن كسر هو من المصاداة وهي المعارضة والمعادلة. ومنها ~~الصدى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة، ومعناه ~~عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه. فإن قلت قوله { ص ~~والقرءان ذى الذكر بل الذين كفروا فى عزة ~~وشقاق } كلام ظاهره متنافر غير منتظم، فما وجه انتظامه؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل ~~التحدي والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب، ثم أتبعه القسم ~~محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه، كأنه قال { والقرءان ذى ~~الذكر } إنه لكلام معجز. والثاني أن يكون { ص } خبر مبتدأ محذوف، ~~على أنها اسم للسورة، كأنه قال هذه ص، يعني هذه السورة التي أعجزت ~~العرب، والقرآن ذي الذكر، كما تقول هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور ~~بالسخاء والله وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال أقسمت بص والقرآن ذي الذكر ~~إنه لمعجز ثم قال بل الذين كفروا في عزة واستكبار عن الإذعان لذلك ~~والاعتراف بالحق وشقاق لله ورسوله، وإذا جعلتها مقسما بها وعطفت عليها { ~~والقرءان ذى الذكر } جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن ~~تريد السورة بعينها. ومعناه أقسم بالسورة الشريفة والقرآن ذي الذكر، كما ~~تقول مررت بالرجل الكريم وبالنسمة المباركة، ولا تريد بالنسمة غير الرجل. ~~والذكر الشرف والشهرة، من قولك فلان مذكور، # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف44 أو الذكرى والموعظة، أو ذكر ما يحتاج إليه في الدين من الشرائع ~~وغيرها، كأقاصيص الأنبياء والوعد والوعيد. والتنكير في { عزة ~~وشقاق } للدلالة على شدتهما وتفاقمهما. وقرىء «في غرة» أي في غفلة ~~عما يجب عليهم من النظر واتباع الحق. ### || [38.3] # { كم أهلكنا ms1722 } وعيد لذوي العزة والشقاق { فنادوا } فدعوا ~~واستغاثوا، وعن الحسن. فنادوا بالتوبة { ولات } هي لا المشبهة بليس، ~~زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب، وثم للتوكيد، وتغير بذلك حكمها ~~حيث لم تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا أحد مقتضييها إما الاسم وإما ~~الخبر، وامتنع بروزهما جميعا، وهذا مذهب الخليل وسيبويه. وعند الأخفش ~~أنها لا النافية للجنس زيدت عليها التاء، وخصت بنفي الأحيان. و { حين ~~مناص } منصوب بها، كأنك قلت ولا حين مناص لهم. وعنه أن ما ينتصب بعده ~~بفعل مضمر، أي ولا أرى حين مناص ويرتفع بالابتداء أي ولا حين مناص كائن ~~لهم وعندهما أن النصب على ولات الحين حين مناص،أي وليس الحين حين مناص ~~والرفع على ولات حين مناص حاصلا لهم. وقرىء «حين مناص» بالكسر، ومثله ~~قول أبي زبيد الطائي # طلبوا صلحنا ولات أوان فأجبنا أن لات حين ~~بقاء # فإن قلت ما وجه الكسر في أوان؟ قلت شبه بإذ في قوله وأنت إذ صحيح، في ~~أنه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين لأن الأصل ولات أوان صلح. ~~فإن قلت فما تقول في حين مناص والمضاف إليه قائم؟ قلت نزل قطع المضاف ~~إليه من مناص لأن أصله حين مناصهم منزلة من قطعة من حين، لاتخاد المضاف ~~والمضاف إليه، وجعل تنوينه عوضا من الضمير المحذوف، ثم بنى الحين لكونه ~~مضافا إلى غير متمكن. وقرىء «ولات» بكسر التاء على البناء، كجير. فإن ~~قلت كيف يوقف على لات؟ قلت يوقف عليها بالتاء، كما يوقف على الفعل الذي ~~يتصل به تاء التأنيث. وأما الكسائي فيقف عليها بالهاء كما يقف على ~~الأسماء المؤنثة. وأما قول أبي عبيد إن التاء داخلة على حين فلا وجه ~~له. واستشهاده بأن التاء ملتزقة بحين في الإمام لا متشبث به، فكم وقعت ~~في المصحف أشياء خارجة عن قياس الخط. والمناص المنجا والفوت. يقال ناصه ~~ينوصه إذا فاته. واستناص طلب المناص. قال حارثة بن بدر # غمر الجراء إذا قصرت عنانه بيدي استناص ورام ~~جري المسحل ### || [38.4-5] # { منذر منهم } رسول ms1723 من أنفسهم { وقال الكفرون } ولم ~~يقل وقالوا إظهارا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه ~~إلا الكافرون المتوغلون في الكفر المنهمكون في الغي الذين قال فيهم # أولئك هم الكفرون حقا # النساء 151 وهل ترى كفرا أعظم وجهلا أبلغ من أن يسموا من صدقه الله ~~بوحيه كاذبا، ويتعجبوا من التوحيد، وهو الحق الذي لا يصح غيره، ولا ~~يتعجبوا من الشرك وهو الباطل الذي لا وجه لصحته. روي 954 أن إسلام عمر ~~رضي الله تعالى عنه فرح به المؤمنون فرحا شديدا، وشق على قريش وبلغ ~~منهم، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا ~~أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، يريدون الذين دخلوا ~~في الإسلام، وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فاستحضر أبو طالب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السواء ~~فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ماذا يسألونني؟ " # قالوا ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال عليه السلام # " أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب ~~وتدين لكم بها العجم؟ " # فقالوا نعم وعشرا، أي نعطيكها وعشر كلمات معها، فقال # " قولوا لا إله إلا الله " # فقاموا وقالوا { أجعل الألهة إلها وحدا إن هذا ~~لشىء عجاب } أي بليغ في العجب. وقرىء «عجاب» بالتشديد، كقوله ~~تعالى # مكرا كبارا # نوح 22 وهو أبلغ من المخفف. ونظيره كريم وكرام وكرام وقوله { أجعل ~~الالهة إلها وحدا } مثل قوله # وجعلوا الملئكة الذين هم عبد الرحمن ~~إنثا # الزخرف 19 في أن معنى الجعل التصيير في القول على سبيل الدعوى والزعم، ~~كأنه قال أجعل الجماعة واحدا في قوله، لأن ذلك في الفعل محال. ### || [38.6-7] # { الملأ } أشراف قريش، يريد وانطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكتهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم بالجواب العتيد، قائلين بعضهم لبعض { ~~امشوا واصبروا } فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد { إن هذا } ~~الأمر { لشىء يراد } أي ms1724 يريده الله تعالى ويحكم بإمضائه، وما أراد ~~الله كونه فلا مرد له ولا ينفع فيه إلا الصبر، أو إن هذا الأمر لشيء من ~~نوائب الدهر يراد بنا فلا انفكاك لنا منه أو إن دينكم لشيء يراد، أي يطلب ~~ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه. و أن بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول ~~لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمنا ~~معنى القول، ويجوز أن يراد بالانطلاق الاندفاع في القول، وأنهم قالوا ~~امشوا، أي أكثروا واجتمعوا، من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها. ومنه ~~الماشية، للتفاؤل، كما قيل لها الفاشية. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 955 # " ضموا فواشيكم " # ومعنى { واصبروا على ءالهتكم } واصبروا على عبادتها ~~والتمسك بها حتى لا تزالوا عنها، وقرىء «وانطلق الملأ منهم امشوا» بغير ~~أن على إضمار القول. وعن ابن مسعود «وانطلق الملأ منهم يمشون أن اصبروا» ~~{ فى الملة الأخرة } في ملة عيسى التي هي آخر الملل لأن ~~النصارى يدعونها وهم مثلثة غير موحدة. أو في ملة قريش التي أدركنا عليها ~~آباءنا. أو ما سمعنا بهذا كائنا في الملة الآخرة، على أن يجعل في الملة ~~الآخرة حالا من هذا ولا تعلقه بما سمعنا كما في الوجهين. والمعنى إنا لم ~~نسمع من أهل الكتاب ولا من الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله. ~~ما { هذا إلا اختلق } أي افتعال وكذب. ### || [38.8-11] # أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ورؤوسائهم وينزل عليه الكتاب من ~~بينهم كما قالوا # لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم # الزخرف 31 وهذا الإنكار ترجمة عما كانت تغلي به صدورهم من الحسد على ما ~~أوتي من شرف النبوة من بينهم { بل هم فى شك } من القرآن، يقولون ~~في أنفسهم إما وإما. وقولهم { إن هذا إلا اختلق } كلام ~~مخالف لاعتقادهم فيه يقولونه على سبيل الحسد { بل لما يذوقوا ~~عذاب } بعد فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد حينئذ، يعني ~~أنهم لا يصدقون به إلا أن يمسهم العذاب ms1725 مضطرين إلى تصديقه { أم ~~عندهم خزآئن رحمة ربك } يعني ما هم بمالكي خزائن الرحمة ~~حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا، ويتخيروا للنبوة بعض ~~صناديدهم، ويترفعوا بها عن محمد عليه الصلاة والسلام. وإنما الذي يملك ~~الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه، الوهاب الكثير المواهب المصيب ~~بها مواقعها، الذي يقسمها على ما تقتضيه حكمته وعدله، كما قال # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا # الزخرف 32 ثم رشح هذا المعنى فقال { أم لهم ملك السموت ~~والأرض } حتى يتكلموا في الأمور الربانية والتدابير الإلهية التي ~~يختص بها رب العزة والكبرياء، ثم تهكم بهم غاية التهكم فقال وإن كانوا ~~يصلحون لتدبير الخلائق والتصرف في قسمة الرحمة، وكانت عندهم الحكمة التي ~~يميزون بها بين من هو حقيق بإيتاء النبوة دون من لا تحق له { ~~فليرتقوا فى الأسبب } فليصعدوا في المعارج والطرق التي ~~يتوصل بها إلى العرش، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله، ~~وينزلوا الوحي إلى من يختارون ويستصوبون، ثم خسأهم خساءة عن ذلك بقوله { ~~جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } يريد ما هم إلا جيش ~~من الكفار المتحزبين على رسل الله، مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بما ~~يقولون، ولا تكترث لما به يهذون. و ما مزيدة، وفيها معنى الاستعظام، كما ~~في قول امرىء القيس # وحديث ما على قصره # إلا أنه على سبيل الهزء و { هنالك } إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم ~~من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، من قولهم لمن ينتدب لأمر ليس من أهله ~~لست هنالك. ### || [38.12-15] # { ذو الأوتاد } أصله من ثبات البيت المطنب بأوتاده، قال # والبيت لا يبتنى إلا على عمد ولا عماد إذا ~~لم ترس أوتاد # فاستعير لثبات العز والملك واستقامة الأمر، كما قال الأسود # في ظل ملك ثابت الأوتاد # وقيل كان يشبح المعذب بين أربع سوار كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب ~~فيه وتد من حديد، ويتركه حتى يموت. وقيل كان يمده بين أربعة أوتاد في ~~الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات. وقيل كانت له أوتاد وحبال ms1726 يلعب بها ~~بين يديه { أولئك الأحزاب } قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن ~~الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم هم الذين وجد منهم ~~التكذيب. ولقد ذكر تكذيبهم أولا في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم ~~جاء بالجملة الاستثنائية فأوضحه فيها بأن كل واحد من الأحزاب كذب جميع ~~الرسل، لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوهم جميعا. وفي تكرير ~~التكذيب وإيضاحه بعد إبهامه، والتنويع في تكريره بالجملة الخبرية أولا ~~وبالاستثنائية ثانيا،وما في الاستثنائية من الوضع على وجه التوكيد ~~والتخصيص أنواع من المبالغة المسجلة عليهم باستحقاق أشد العقاب و أبلغه، ~~ثم قال { فحق عقاب } أي فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم { ~~هؤلآء } أهل مكة. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأحزاب لاستحضارهم ~~بالذكر، أو لأنهم كالحضور عند الله. والصيحة النفخة { ما لها من ~~فواق } وقرىء بالضم ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين حلبتي ~~الحالب ورضعتي الراضع. يعني إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من ~~الزمان، كقوله تعالى # فإذا جآء أجلهم لا يستئخرون ساعة # النحل 61 وعن ابن عباس ما لها من رجوع وترداد، من أفاق المريض إذا رجع ~~إلى الصحة. وفواق الناقة ساعة ترجع الدر إلى ضرعها، يريد أنها نفخة ~~واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد. ### || [38.16] # القط القسط من الشيء لأنه قطعة منه، من قطه إذا قطعه. ويقال لصحيفة ~~الجائزة قط، لأنها قطعة من القرطاس، وقد فسر بهما قوله تعالى { عجل ~~لنا قطنا } أي نصيبنا من العذاب الذي وعدته، كقوله تعالى # ويستعجلونك العذاب # الحج 47 وقيل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الله المؤمنين ~~بالجنة فقالوا على سبيل الهزء عجل لنا نصيبنا منها. أو عجل لنا صحيفة ~~أعمالنا ننظر فيها. ### || [38.17-20] # فإن قلت كيف تطابق قوله { اصبر على ما يقولون } وقوله { ~~واذكر عبدنا داوود } حتى عطف أحدهما على صاحبه؟ قلت كأنه قال ~~لنبيه عليه الصلاة والسلام اصبر على ما يقولون، وعظم أمر معصية الله في ~~أعينهم بذكر قصة داود، وهو أنه نبي من أنبياء ms1727 الله تعالى قد أولاه ما ~~أولاه من النبوة والملك، ولكرامته عليه وزلفته لديه، ثم زل زلة فبعث ~~إليه الملائكة ووبخه عليها. على طريق التمثيل والتعريض، حتى فطن لما وقع ~~فيه فاستغفر وأناب، ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم وغمه الواصب، ونقش ~~جنايته في بطن كفه حتى لا يزال يجدد النظر إليها والندم عليها فما الظن ~~بكم مع كفركم ومعاصيكم؟ أو قال له صلى الله عليه وسلم اصبر على ما ~~يقولون، وصن نفسك وحافظ عليها أن تزل فيما كلفت من مصابرتهم وتحمل أذاهم، ~~واذكر أخاك داود وكرامته على الله كيف زل تلك الزلة اليسيرة فلقي من ~~توبيخ الله وتظليمه ونسبته إلى البغي ما لقي { ذا الأيد } ذا القوة ~~في الدين المضطلع بمشاقه وتكاليفه، كان على نهوضه بأعباء النبوة والملك ~~يصوم يوما ويفطر يوما وهو أشد الصوم، ويقوم نصف الليل. يقال فلان أيد، ~~وذو أيد، وذو آد. وأياد كل شيء ما يتقوى به { أواب } تواب رجاع إلى ~~مرضاة الله. فإن قلت ما دلك على أن الأيد القوة في الدين؟ قلت قوله ~~تعالى { إنه أواب } لأنه تعليل لذي الأيد { والإشراق } وقت ~~الإشراق، وهو حين تشرق الشمس، أي تضيء ويصفوا شعاعها وهو وقت الضحى، وأما ~~شروقها فطلوعها، يقال شرقت الشمس، ولما تشرق. وعن أم هانىء 956 دخل ~~علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى ~~وقال # " يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق " # وعن طاووس، عن ابن عباس قال هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن؟ قالوا ~~لا، فقرأ { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق } وقال كانت صلاة ~~يصليها داود عليه السلام. وعنه ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية. وعنه ~~لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى طلبتها فوجدتها في الآية { ~~يسبحن بالعشى والإشراق } وكان لا يصلي صلاة الضحى، ثم ~~صلاها بعد. وعن كعب أنه قال لابن عباس إني لا أجد في كتب الله صلاة بعد ~~طلوع الشمس، فقال أنا أوجدك ذلك في كتاب ms1728 الله تعالى، يعني هذه الآية. ~~ويحتمل أن يكون من أشرق القوم إذا دخلوا في الشروق، ومنه قوله تعالى # فأخذتهم الصيحة مشرقين # الحجر 73 وقول أهل الجاهلية أشرق ثبير، ويراد وقت صلاة الفجر لانتهائه ~~بالشروق. # ويسبحن في معنى ومسبحات على الحال. فإن قلت هل من فرق بين يسبحن ~~ومسبحات؟ قلت نعم، وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك، وهو الدلالة على ~~حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال، كأن السامع محاضر ~~تلك الحال يسمعها تسبح. ومثله قول الأعشى # إلى ضوء نار في يفاع تحرق # ولو قال محرقة، لم يكن شيئا. وقوله { محشورة } في مقابلة يسبحن ~~إلا أنه لما لم يكن في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على ~~الحدوث شيئا بعد شيء، جيء به اسما لا فعلا. وذلك أنه لو قيل وسخرنا ~~الطير يحشرن - على أن الحشر يوجد من حاشرها شيئا شيء والحاشر هو الله ~~عز وجل - لكان خلفا، لأن حشرها جملة واحدة أدل على القدرة. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه ~~الطير فسبحت، فذلك حشرها. وقرىء «والطير محشورة»، بالرفع { كل له ~~أواب } كل واحد من الجبال والطير لأجل داود، أي لأجل تسبيحه مسبح، ~~لأنها كانت تسبح بتسبيحه. ووضع الأواب موضع المسبح إما لأنها كانت ~~ترجع التسبيح، والمرجع رجاع لأنه يرجع إلى فعله رجوعا بعد رجوع وإما ~~لأن الأواب - وهو التواب الكثير الرجوع إلى الله وطلب مرضاته - من ~~عادته أن يكثر ذكر الله ويديم تسبيحه وتقديسه. وقيل الضمير لله، أي كل من ~~داود والجبال والطير لله أواب، أي مسبح مرجح للتسبيح { وشددنا ~~ملكه } قويناه، قال تعالى # سنشد عضدك # القصص 35 وقرىء «شددنا» على المبالغة. قيل كان يبيت حول محرابه أربعون ~~ألف مستلئم يحرسونه وقيل الذي شد الله به ملكه وقذف في قلوب قومه الهيبة ~~أن رجلا ادعى عنده على آخر بقرة، وعجز عن إقامة البينة، فأوحى الله ~~تعالى إليه في المنام أن اقتل المدعى عليه، فقال هذا منام، ms1729 فأعيد الوحي ~~في اليقظة، فأعلم الرجل فقال إن الله عز وجل لم يأخذني بهذا الذنب، ~~ولكن بأني قتلت أبا هذا غيلة، فقتله، فقال الناس إن أذنب أحد ذنبا أظهره ~~الله عليه، فقتله، فهابوه { الحكمة } الزبور وعلم الشرائع. وقيل كل ~~كلام وافق الحق فهو حكمة. الفصل التميز بين الشيئين. وقيل للكلام البين ~~فصل، بمعنى المفصول كضرب الأمير، لأنهم قالوا كلام ملتبس، وفي كلامه لبس. ~~والملتبس المختلط، فقيل في نقيضه فصل، أي مفصول بعضه من بعض، فمعنى فصل ~~الخطاب البين من الكلام الملخص الذي يتبينه من يخاطب به لا يلتبس عليه ~~ومن فصل الخطاب وملخصه أن لا يخطىء صاحبه مظان الفصل والوصل، فلا يقف في ~~كلمة الشهادة على المستثنى منه، ولا يتلو قوله # فويل للمصلين # الماعون 4 إلا موصولا بما بعده، ولا والله يعلم وأنتم حتى يصله بقوله # لا تعلمون # البقرة 232 ونحو ذلك، وكذلك مظان العطف وتركه، والإضمار والإظهار ~~والحذف والتكرار، وإن شئت كان الفصل بمعنى الفاصل، كالصوم والزور، وأردت ~~بفصل الخطاب الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحق ~~والباطل، والصواب والخطأ، وهو كلامه في القضايا والحكومات، وتدابير الملك ~~والمشورات. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهو قوله البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه، وهو من الفصل بين الحق والباطل، ويدخل ~~فيه قول بعضهم هو قوله «أما بعد» لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له ~~شأن بذكر الله وتحميده، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه فصل ~~بينه وبين ذكر الله بقول أما بعد. ويجوز أن يراد الخطاب القصد الذي ليس ~~فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل. ومنه ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فصل لا نذر ولا هذر. ### || [38.21-22] # كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته ~~فيتزوجها إذا أعجبته وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها. وقد ~~روينا أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أن عين داود ~~وقعت ms1730 على امرأة رجل يقال له أوريا، فأحبها فسأله النزول له عنها، ~~فاستحيا أن يرده ففعل، فتزوجها وهي أم سليمان، فقيل له إنك مع عظم ~~منزلتك وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل ~~رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك ~~وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به. وقيل خطبها أوريا ثم خطبها داود، ~~فآثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن، مع كثرة نسائه. ~~وأما ما يذكر أن داود عليه السلام تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب فقال يا رب إن آبائي قد ذهبوا بالخير كله، فأوحى إليه إنهم ~~ابتلوا ببلايا فصبروا عليها قد ابتلي إبراهيم بنمروذ وذبح ولده، وإسحاق ~~بذبحه وذهاب بصره، ويعقوب بالحزن على يوسف. فسأل الابتلاء فأوحى الله ~~إليه إنك لمبتلى في يوم كذا وكذا، فاحترس، فلما حان ذلك اليوم دخل محرابه ~~وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب، ~~فمد يده ليأخذها لابن له صغير، فطارت، فامتد إليها، فطارت فوقعت في ~~كوة، فتبعها، فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطى بدنها، وهي امرأة ~~أوريا وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا وهو صاحب بعث ~~البلقاء. أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت، وكان من يتقدم على التابوت لا ~~يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد، ففتح الله على يده ~~وسلم، فأمر برده مرة أخرى، وثالثة، حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن ~~كما كان يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته. فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به ~~عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين؟ فضلا عن بعض أعلام ~~الأنبياء. وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين ~~وهو حد الفرية على الأنبياء. وروى أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده ~~رجل من أهل الحق، فكذب المحدث ms1731 به وقال إن كانت القصة على ما في كتاب الله ~~فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك وإن كانت على ما ذكرت ~~وكف الله عنها سترا على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر لسماعي ~~هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. # والذي يدل عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلا طلبه ~~إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب. فإن قلت لم جاءت على طريقة التمثيل ~~والتعريض دون التصريح؟ قلت لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن التأمل إذا ~~أداه إلى الشعور بالمعرض به، كان أوقع في نفسه، وأشد تمكنا من قلبه، ~~وأعظم أثرا فيه، وأجلب لاحتشامه وحيائه، وأدعى إلى التنبه على الخطأ فيه ~~من أن يبادره به صريحا، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة. ألا ترى إلى ~~الحكماء كيف أوصوا في سياسة الولد إذا وجدت منه هنة منكرة بأن يعرض له ~~بإنكارها عليه ولا يصرح. وأن تحكى له حكاية ملاحظة لحاله إذا تأملها ~~استسمج حال صاحب الحكاية فاستمسج حال نفسه، وذلك أزجر له لأنه ينصب ذلك ~~مثالا لحاله ومقياسا لشأنه، فيتصور قبح ما وجد منه بصورة مكشوفة، مع ~~أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب الحشمة. فإن قلت فلم كان ذلك على ~~وجه التحاكم إليه؟ قلت ليحكم بما حكم به من قوله # لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه # ص 24 حتى يكون محجوجا بحكمه ومعترفا على نفسه بظلمه { وهل أتاك ~~نبؤا الخصم } ظاهره الاستفهام. ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء ~~العجيبة التي حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد، والتشويق إلى استماعه ~~والخصم الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع كالضيف. قال الله تعالى # حديث ضيف إبرهيم المكرمين # الذاريات 24 لأنه مصدر في أصله، تقول خصمه خصما كما تقول ضافه ضيفا. ~~فإن قلت هذا جمع. وقوله «خصمان» تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت معنى خصمان ~~فريقان خصمان، والدليل عليه قراءة من قرأ خصمان بغى بعضهم على بعض ونحوه ~~قوله تعالى # هذا خصمان ms1732 اختصموا فى ربهم # الحج 19. فإن قلت فما تصنع بقوله # إن هذا أخى # ص 23 وهو دليل على اثنين؟ قلت هذا قول البعض المراد بقوله بعضنا على ~~بعض. فإن قلت فقد جاء في الرواية أنه بعث إليه ملكان. قلت معناه أن ~~التحاكم كان بين ملكين، ولا يمنع ذلك أن يصحبهما آخرون. فإن قلت فإذا كان ~~التحاكم بين اثنين كيف سماهم جميعا خصما في قوله { نبؤا الخصم ~~} و { خصمان }؟ قلت لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم ~~صحت التسمية به. فإن قلت بم انتصب إذ؟ قلت لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك، ~~أو بالنبأ، أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود، ولا بالنبأ لأن ~~النبأ الواقع في عهد داود لا يصح إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن ناصبا، فبقي أن ينتصب بمحذوف، ~~وتقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. # ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل. وأما إذ الثانية فبدل من ~~الأولى { تسوروا المحراب } تصعدوا سوره ونزلوا إليه. والسور ~~الحائط المرتفع ونظيره في الأبنية تسنمه، إذا علا سنامه، وتذراه إذا علا ~~ذروته. روى أن الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، فطلبا أن ~~يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس فتسورا عليه المحراب، ~~فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان { ففزع منهم } قال ابن عباس ~~إن داود عليه السلام جزأ زمانه أربعة أجزاء يوما للعبادة، ويوما ~~للقضاء، ويوما للاشتغال بخواص أموره، ويوما يجمع بني إسرائيل فيعظهم ~~ويبكيهم فجاءوه في غير يوم القضاء ففزع منهم، ولأنهم نزلوا عليه من فوق، ~~وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه { خصمان } خبر ~~مبتدأ محذوف، أي نحن خصمان { ولا تشطط } ولا تجر. وقرىء «ولا ~~تشطط»، أي ولا تبعد عن الحق. وقرىء «ولا تشطط»، ولا تشاطط، وكلها من معنى ~~الشطط وهو مجاوزة الحد ms1733 وتخطي الحق. و { سوآء الصرط } وسطه ومحجته ~~ضربه مثلا لعين الحق ومحضه. ### || [38.23] # { أخى } بدل من هذا أو خبر ل إن. والمراد أخوة الدين، أو أخوة ~~الصداقة والألفة، و أخوة الشركة والخلطة لقوله تعالى # وإن كثيرا من الخلطاء # ص 24 كل واحدة من هذه الأخوات تدلي بحق مانع من الاعتداء والظلم. وقرىء ~~«تسع وتسعون»، بفتح التاء. ونعجة، بكسر النون وهذا من اختلاف اللغات، نحو ~~نطع ونطع، ولقوة ولقوة { أكفلنيها } ملكنيها. وحقيقته ~~أجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي { وعزنى } وغلبني. يقال عزه ~~يعزه. قال # قطاة عزها شرك فباتت يجاذبه وقد علق ~~الجناح # يريد جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أرده به. وأراد بالخطاب ~~مخاطبة المحاج المجادل أو أراد خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطابا، أي ~~غالبني في الخطبة فغلبني، حيث زوجها دوني. وقرىء «وعازني» من المعازة ~~وهي المغالبة. وقرأ أبو حيوة «وعزني» بتخفيف الزاي طلبا للخفة، وهو ~~تخفيف غريب، وكأنه قاسه على نحو ظلت، ومست. فإن قلت ما معنى ذكر النعاج؟ ~~قلت كأن تحاكمهم في نفسه تمثيلا وكلامهم تمثيلا لأن التمثيل أبلغ في ~~التوبيخ لما ذكرنا، وللتنبيه على أنه أمر يستحيا من كشفه، فيكنى عنه كما ~~يكنى عما يستسمج الإفصاح به، وللستر على داود عليه السلام والاحتفاظ ~~بحرمته. ووجه التمثيل فيه أن مثلت قصة أوريا مع داود بقصة رجل له نعجة ~~واحدة ولخليطه تسع وتسعون، فأراد صاحبه تتمة المائة فطمع في نعجة خليطه ~~وأراده على الخروج من ملكها إليه، وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ ~~مراده، والدليل عليه قوله # وإن كثيرا من الخلطآء # ص 24 وإنما خص هذه القصة لما فيها من الرمز إلى الغرض بذكر النعجة. ~~فإن قلت إنما تستقيم طريقة التمثيل إذا فسرت الخطاب بالجدال، فإن فسرته ~~بالمفاعلة من الخطبة لم يستقم. قلت الوجه مع هذا التفسير أن أجعل النعجة ~~استعارة عن المرأة، كما استعاروا لها الشاة في نحو قوله # يا شاة ما قنص لمن حلت له فرميت غفلة ~~عينه عن شاته # وشبهها بالنعجة من ms1734 قال # كنعاج الملا تعسفن رملا # لولا أن الخلطاء تأباه، إلا أن يضرب داود الخلطاء ابتداء مثلا لهم ~~ولقصتهم. فإن قلت الملائكة عليهم السلام كيف صح منهم أن يخبروا عن ~~أنفسهم بما لم يلتبسوا منه بقليل ولا كثير ولا هو من شأنهم؟ قلت هو تصوير ~~للمسألة وفرض لها، فصوروها في أنفسهم وكانوا في صورة الأناسي، كما تقول ~~في تصوير المسائل زيد له أربعون شاة، وعمرو له أربعون، وأنت تشير إليهما، ~~فخلطاها وحال عليه الحول، كم يجب فيها؟ وما لزيد وعمرو سبد ولا لبد وتقول ~~أيضا في تصويرها لي أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها. ومالكما من ~~الأربعين أربعة ولا ربعها. فإن قلت ما وجه قراءة ابن مسعود «ولي نعجة ~~أنثى»؟ قلت يقال لك امرأة أنثى للحسناء الجميلة. والمعنى وصفها بالعراقة ~~في لين الأنوثة وفتورها، وذلك أملح لها وأزيد في تكسرها وتثنيها. ألا ترى ~~إلى وصفهم لها بالكسول والمكسال. وقوله # فتور القيام قطيع الكلام # وقوله # تمشي رويدا تكاد تنغرف ### || [38.24-25] # { لقد ظلمك } جواب قسم محذوف. وفي ذلك استنكار لفعل خليطه وتهجين ~~لطمعه. والسؤال مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله تعالى # من دعاء الخير # فصلت 49 وقد ضمن معنى الإضافة فعدى تعديتها، كأنه قيل بإضافة { ~~نعجتك إلى نعاجه } على وجه السؤال والطلب. فإن قلت كيف سارع ~~إلى تصديق أحد الخصمين حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه؟ قلت ما قال ذلك ~~إلا بعد اعتراف صاحبه، لكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم. ويروى أنه قال ~~أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجي مائة، فقال داود إن رمت ذلك ضربنا منك ~~هذا وهذا، وأشار إلى طرف الأنف والجبهة، فقال يا داود أنت أحق أن يضرب ~~منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما ~~وقع فيه و { الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم، الواحد خليط، ~~وهي الخلطة، وقد غلبت في الماشية والشافعي رحمه الله يعتبرها، فإذا كان ~~الرجلان خليطين في ماشية بينهما غير مقسومة، أو لكل واحد منهما ماشية على ~~حدة إلا ms1735 أن مراحهما ومساقهما وموضع حلبهما والراعي والكلب واحد ~~والفحولة مختلطة فهما يزكيان زكاة الواحد فإن كان لهما أربعون شاة ~~فعليهما شاة. وإن كانوا ثلاثة ولهم مائة وعشرون لكل واحد أربعون، فعليهم ~~واحدة كما لو كانت لواحد. وعند أبي حنيفة لا تعتبر الخلطة، والخليط ~~والمنفرد عنده واحد، ففي أربعين بين خليطين لا شيء عنده، وفي مائة وعشرين ~~بين ثلاثة ثلاث شياه. فإن قلت فهذه الخلطة ما تقول فيها؟ قلت عليهما شاة ~~واحدة، فيجب على ذي النعجة أداء جزء من مائة جزء من الشاة عند الشافعي ~~رحمه الله، وعند أبي حنيفة لا شيء عليه، فإن قلت ماذا أراد بذكر حال ~~الخلطاء في ذلك المقام؟ قلت قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار ~~عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة، وأن يكره إليهم الظلم ~~والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسف على حالهم، وأن يسلى المظلوم عما ~~جرى عليه من خليطه، وأن له في أكثر الخلطاء أسوة. وقرىء «ليبغي» بفتح ~~الياء على تقدير النون الخفيفة، وحذفها كقوله # اضرب عنك الهموم طارقها # وهو جواب قسم محذوف. وليبغ بحذف الياء، اكتفاء منها بالكسرة، و ما في { ~~وقليل ما هم } للإبهام. وفيه تعجب من قلتهم. وإن أردت أن تتحقق ~~فائدتها وموقعها فاطرحها، من قول امرىء القيس # وحديث ما على قصره # وانظر هل بقي له معنى قط، لما كان الظن الغالب يداني العلم، استعير له. ~~ومعناه وعلم داود وأيقن { أنما فتنه } أنا ابتليناه لا محالة ~~بامرأة أوريا، هل يثبت أو يزل؟ وقرىء «فتناه» بالتشديد للمبالغة. # وأفتناه، من قوله # لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت # وفتناه وفتناه، على أن الألف ضمير الملكين. وعبر بالراكع عن الساجد، ~~لأنه ينحني ويخضع كالساجد. وبه استشهد أبو حنيفة وأصحابه في سجدة ~~التلاوة، على أن الركوع يقوم مقام السجود. وعن الحسن لأنه لا يكون ~~ساجدا حتى يركع، ويجوز أن يكون قد استغفر الله لذنبه وأحرم بركعتي ~~الاستغفار والإنابة، فيكون المعنى وخر للسجود راكعا أي مصليا لأن ~~الركوع يجعل عبارة عن الصلاة { وأناب } ورجع إلى الله ms1736 تعالى بالتوبة ~~والتنصل. وروى أنه بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلا ~~لصلاة مكتوبة أو ما لا بد منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى ~~رأسه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمع، وجهد نفسه راغبا إلى الله تعالى في ~~العفو عنه حتى كاد يهلك، واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له ~~إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل، ~~فلما غفر له حاربه فهزمه. وروى أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها. ~~وقيل إن الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما إما ~~كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من ~~المهائر والسراري، والثاني معسرا ماله إلا امرأة واحدة، فاستنزله عنها، ~~إنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين، وما كان ~~ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته. ### || [38.26] # { خليفة فى الأرض } أي استخلفناك على الملك في الأرض، كمن ~~يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها. ومنه قولهم خلفاء ~~الله في أرضه. أوجعلناك خليفة ممن كان قبلك من الأنبياء القائمين بالحق. ~~وفيه دليل على أن حاله بعد التوبة بقيت على ما كانت عليه لم تتغير { ~~فاحكم بين الناس بالحق } أي بحكم الله تعالى إذ كنت خليفته ~~{ ولا تتبع } هوى النفس في قضائك وغيره، مما تتصرف فيه من أسباب ~~الدين والدنيا { فيضلك } الهوى فيكون سببا لضلالك { عن سبيل ~~الله } عن دلائله التي نصبها في العقول، وعن شرائعه التي شرعها وأوحى ~~بها، و { يوم الحساب } متعلق بنسوا، أي بنسيانهم يوم الحساب، أو ~~بقوله لهم، أي لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن سبيل ~~الله. وعن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو للزهري هل ~~سمعت ما بلغنا؟ قال وما هو؟ قال بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا ~~تكتب عليه معصية. فقال يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل من ms1737 الأنبياء؟ ثم ~~تلا هذه الآية. ### || [38.27] # { بطلا } خلقا باطلا، لا لغرض صحيح وحكمة بالغة. أو مبطلين ~~عابثين، كقوله تعالى # وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما ~~لعبين ما خلقنهما إلا بالحق # الدخان 39 وتقديره ذوي باطل أو عبثا، فوضع باطلا موضعه، كما وضعوا ~~هنيئا موضع المصدر، وهو صفة، أي ما خلقناهما وما بينهما للعبث واللعب، ~~ولكن للحق المبين، وهو أن خلقناها نفوسا أودعناها العقل والتمييز، ~~ومنحناها التمكين، وأزحنا عللها ثم عرضناها للمنافع العظيمة بالتكليف، ~~وأعددنا لها عاقبة وجزاء على حسب أعمالهم. و { ذلك } إشارة إلى خلقها ~~باطلا، والظن بمعنى المظنون أي خلقها للعبث لا للحكمة هو مظنون الذين ~~كفروا. فإن قلت إذا كانوا مقرين بأن الله خالق السموات والأرض وما ~~بينهما بدليل قوله # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # لقمان 25 فبم جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث لا للحكمة. قلت لما كان ~~إنكارهم للبعث والحساب والثواب والعقاب، مؤديا إلى أن خلقها عبث وباطل، ~~جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه، لأن الجزاء هو الذي سبقت إليه الحكمة ~~في خلق العالم من رأسها، فمن جحده فقد جحد الحكمة من أصلها، ومن جحد ~~الحكمة في خلق العالم فقد سفه الخالق، وظهر بذلك أنه لا يعرفه ولا يقدره ~~حق قدره، فكان إقراره بكونه خالقا كلا إقرار. ### || [38.28] # { أم } منقطعة. ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد أنه لو بطل ~~الجزاء كما يقول الكافرون لاستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد، واتقى ~~وفجر، ومن سوى بينهم كان سفيها ولم يكن حكيما. ### || [38.29] # وقرىء «مباركا» وليتدبروا على الأصل، ولتدبروا على الخطاب. وتدبر ~~الآيات التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من ~~التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، لأن من اقتنع بظاهر المتلو، لم يحل ~~منه بكثير طائل وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نثور لا ~~يستولدها. وعن الحسن قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله ~~حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول والله لقد قرأت القرآن فما ~~أسقطت منه ms1738 حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ~~ولا عمل، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ~~ولا الوزعة، لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء ~~المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين. ### || [38.30-33] # وقرىء «نعم العبد» على الأصل، والمخصوص بالمدح محذوف. وعلل كونه ممدوحا ~~بكونه أوابا رجاعا إليه بالتوبة. أو مسبحا مؤوبا للتسبيح مرجعا ~~له، لأن كل مؤوب أواب. والصافن الذي في قوله # ألف الصفون فما يزال كأنه مما يقوم على ~~الثلاث كسيرا # وقيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل هو المتخيم. وأما الصافن فالذي ~~يجمع بين يديه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 957 # " من سره أن يقوم الناس له صفونا فليتبوأ مقعده من النار " # أي واقفين كما خدم الجبابرة. فإن قلت ما معنى وصفها بالصفون؟ قلت الصفون ~~لا يكاد يكون في الهجن، وإنما هو في العراب الخلص. وقيل وصفها بالصفون ~~والجودة، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين واقفة وجارية، يعني إذا وقفت ~~كانت ساكنة مطمئنة في مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها. ~~وروى أن سليمان عليه السلام غزا أهل دمشق ونصيبين، فأصاب ألف فرس. وقيل ~~ورثها من أبيه وأصابها أبوه من العمالقة. وقيل خرجت من البحر لها أجنحة، ~~فقعد يوما بعد ما صلى الأولى على كرسيه واستعرضها، فلم تزل تعرض عليه ~~حتى غربت الشمس وغفل عن العصر أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي، ~~وتهيبوه فلم يعلموه، فاغتم لما فاته، فاستردها وعقرها مقربا لله، وبقي ~~مائة، فما بقي في أيدي الناس من الجياد فمن نسلها، وقيل لما عقرها أبدله ~~الله خيرا منها. وهي الريح تجري بأمره. فإن قلت ما معنى { أحببت ~~حب الخير عن ذكر ربى }؟ قلت أحببت مضمن معنى فعل يتعدى بعن، ~~كأنه قيل أنبت حب الخير عن ذكر ربي. أو جعلت حب الخير مجزيا أو مغنيا ~~عن ذكر ربي. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان أن «أحببت» بمعنى ~~لزمت ms1739 من قوله # مثل بعير السوء إذ أحبا # وليس بذاك. والخير المال، كقوله # إن ترك خيرا # البقرة 180 وقوله # وإنه لحب الخير لشديد # العاديات 8 والمال الخيل التي شغلته. أو سمي الخيل خيرا كأنها نفس ~~الخير لتعلق الخير بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 958 # " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " # وقال في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم 959 # " ما وصف لي رجل فرأيته إلا كان دون ما بلغني إلا زيد الخيل " # وسماه زيد الخير. وسأل رجل بلالا رضي الله عنه عن قوم يستبقون من ~~السابق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الرجل أردت الخيل. ~~فقال وأنا أردت الخير. والتواري بالحجاب مجاز في غروب الشمس عن تواري ~~الملك. أو المخبأة بحجابهما. والذي دل على أن الضمير للشمس مرور ذكر ~~العشي، ولا بد للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر. # وقيل الضمير للصافنات، أي حتى توارت بحجاب الليل يعني الظلام. ومن بدع ~~التفاسير أن الحجاب جبل دون قاف بمسيرة سنة تغرب الشمس من ورائه { ~~فطفق مسحا } فجعل يمسح مسحا، أي يمسح بالسيف بسوقها وأعناقها، ~~يعني يقطعها. يقال مسح علاوته، إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع ~~أطرافه بسيفه. وعن الحسن كسف عراقيبها وضرب أعناقها، أراد بالكسف القطع، ~~ومنه الكسف في ألقاب الزحاف في العروض. ومن قاله بالشين المعجمة فمصحف. ~~وقيل مسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها. فإن قلت بم اتصل قوله { ~~ردوها على }؟ قلت بمحذوف، تقديره قال ردوها علي، فأضمر وأضمر ~~ما هو جواب له، كأن قائلا قال فماذا قال سليمان؟ لأنه موضع مقتض للسؤال ~~اقتضاء ظاهرا، وهو اشتغال نبي من أنبياء الله بأمر الدنيا، حتى تفوته ~~الصلاة عن وقتها. وقرىء «بالسؤوق» بهمز الواو لضمتها، كما في أدؤر. ~~ونظيره الغؤر، في مصدر غارت الشمس. وأما من قرأ بالسؤق فقد جعل الضمة في ~~السين كأنها في الواو للتلاصق، كما قيل مؤسى ونظير ساق وسوق أسد وأسد. ~~وقرىء «بالساق» اكتفاء بالواحد عن الجمع، لأمن الإلباس. ### || [38.34] ms1740 # قيل فتن سليمان بعد ما ملك عشرين سنة. وملك بعد الفتنة عشرين سنة. وكان ~~من فتنته أنه ولد له ابن، فقالت الشياطين إن عاش لم ننفك من السخرة، ~~فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم ذلك، فكان يغدوه في السحابة فما راعه ~~إلا أن ألقي على كرسيه ميتا، فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ~~ربه، فاستغفر ربه وتاب إليه. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم 960 قال ~~سليمان # " لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل ~~الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم يحمل إلا امرأة واحدة جاءت ~~بشق رجل، والذي نفسي بيده، لو قال إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله ~~فرسانا أجمعون " # ، فلذلك قوله تعالى { ولقد فتنا سليمن }. وهذا ونحوه مما ~~لا بأس به. وأما ما يروى من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت ~~سليمان، فالله أعلم بصحته. حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في ~~بعض الجزائر، وأن بها ملكا عظيم الشأن لا يقوى عليه لتحصنه بالبحر، ~~فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها ~~وأصاب بنتا له اسمها جرادة من أحسن الناس وجها، فاصطفاها لنفسه وأسلمت ~~وأحبها، وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها، فأمر الشياطين فمثلوا لها ~~صورة أبيها، فكستها مثل كسوته، وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن ~~له كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة، ثم ~~خرج وحده إلى فلاة وفرش له الرماد، فجلس عليه تائبا إلى الله متضرعا، ~~وكانت له أم ولد يقال لها أمينة، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع ~~خاتمه عندها، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه عندها يوما وأتاها الشيطان صاحب ~~البحر - وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس واسمه ~~صخر -على صورة سليمان فقال يا أمينة خاتمي، فتختم به وجلس على كرسي ~~سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وغير سليمان عن هيئته فأتى ~~أمينة ms1741 لطلب الخاتم فأنكرته وطردته، فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان ~~يدور على البيوت يتكفف، فإذا قال أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه، ثم ~~عمدوا إلى السماكين ينقل لهم السمك فيعطونه كل يوم سمكتين، فمكث على ذلك ~~أربعين صباحا عدد ما عبد الوثن في بيته، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل ~~حكم الشيطان، وسأل آصف نساء سليمان فقلنا ما يدع امرأة منا في دمها ولا ~~يغتسل من جنابة. وقيل بل نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان ~~وقذف الخاتم في البحر، فابتلعته سمكة ووقعت السمكة في يد سليمان، فبقر ~~بطنها فإذا هو بالخاتم، فتختم به ووقع ساجدا، ورجع إليه ملكه، وجاب صخرة ~~لصخر فجعله فيها، وسد عليه بأخرى ثم أوثقهما بالحديد والرصاص وقذفه في ~~البحر. # وقيل لما افتتن كان يسقط الخاتم من يده لا يتماسك فيها، فقال له آصف إنك ~~لمفتون بذنبك والخاتم لا يقر في يدك، فتب إلى الله عز وجل. ولقد أبى ~~العلماء المتقنون قبوله وقالوا هذا من أباطيل اليهود، والشياطين لا ~~يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل. وتسليط الله إياهم على عباده حتى يقعوا في ~~تغيير الأحكام، وعلى نساء الأنبياء حتى يفجروا بهن قبيح، وأما اتخاذ ~~التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع. ألا ترى إلى قوله # من محريب وتمثيل # سبأ 13 وأما السجود للصورة فلا يظن بنبي الله أن يأذن فيه، وإذا كان ~~بغير علمه فلا عليه. وقوله { وألقينا على كرسيه جسدا } ~~ناب عن إفادة معنى إنابة الشيطان منابه نبوا ظاهرا. ### || [38.35] # قدم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء والصالحين ~~في تقديمهم أمر دينهم على أمور دنياهم { لا ينبغى } لا يتسهل ولا ~~يكون. ومعنى { من بعدى } من دوني. فإن قلت أما يشبه الحسد والحرص على ~~الاستبداد بالنعمة أن يستعطي الله ما لا يعطيه غيره؟ قلت كان سليمان عليه ~~السلام ناشئا في بيت الملك والنبوة ووارثا لهما، فأراد أن يطلب من ربه ~~معجزة، فطلب على حسب ألفه ملكا زائدا على الممالك زيادة خارقة للعادة ~~بالغة حد ms1742 الإعجاز، ليكون ذلك دليلا على نبوته قاهرا للمبعوث إليهم، ~~وأن يكون معجزة حتى يخرق العادات، فذلك معنى قوله { لا ينبغى ~~لأحد من بعدى } وقيل كان ملكا عظيما، فخاف أن يعطى مثله أحد فلا ~~يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك # البقرة 30 وقيل ملكا لا أسلبه ولا يقوم غيري فيه مقامي، كما سلبته مرة ~~وأقيم مقامي غيري. ويجوز أن يقال علم الله فيما اختصه به من ذلك الملك ~~العظيم مصالح في الدين، وعلم أنه لا يضطلع بأعبائه غيره، وأوجبت الحكمة ~~استيهابه، فأمره أن يستوهبه إياه، فاستوهبه بأمر من الله على الصفة الذي ~~علم الله أنه لا يضبطه عليها إلا هو وحده دون سائر عباده. أو أراد أن ~~يقول ملكا عظيما فقال { لا ينبغى لأحد من بعدى } ، ولم ~~يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته، كما تقول لفلان ما ليس لأحد من الفضل ~~والمال، وربما كان للناس أمثال ذلك، ولكنك تريد تعظيم ما عنده. وعن ~~الحجاج أنه قيل له إنك حسود، فقال أحسد مني من قال { وهب لى ملكا ~~لا ينبغى لأحد من بعدى } وهذا من جرأته على الله وشيطنته، ~~كما حكى عنه طاعتنا أوجب من طاعة الله، لأنه شرط من طاعته فقال # فاتقوا الله ما استطعتم # التغابن 16 وأطلق طاعتنا فقال # وأولى الأمر منكم # النساء 59. ### || [38.36-40] # قرىء «الريح» والرياح { رخاء } لينة طيبة لا تزعزع. وقيل طيعة له لا ~~تمتنع عليه { حيث أصاب } حيث قصد وأراد. حكى الأصمعي عن العرب أصاب ~~الصواب فأخطأ الجواب. وعن رؤبة أن رجلين من أهل اللغة قصداه ليسألاه عن ~~هذه الكلمة، فخرج إليهما فقال أين تصيبان؟ فقالا هذه طلبتنا ورجعا، ويقال ~~أصاب الله بك خيرا { والشيطين } عطف على الريح { كل بناء ~~} بدل من الشياطين { وءاخرين } عطف على كل داخل في حكم البدل، وهو ~~بدل الكل من الكل كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، ويغوصون له ~~فيستخرجون اللؤلؤ، وهو أول من استخرج الدر من ms1743 البحر، وكان يقرن مردة ~~الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد. وعن ~~السدي كان يجمع أيديهم إلى أعناقهم مغللين في الجوامع. والصفد القيد، ~~وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه، ومنه قول علي رضي الله عنه من ~~برك فقد أسرك، ومن جفاك فقد أطلقك. ومنه قول القائل غل يدا مطلقها، ~~وأرق رقبة معتقها. وقال حبيب إن العطاء إسار وتبعه من قال # ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا # وفرقوا بين الفعلين فقالوا صفده قيده، وأصفده أعطاه، كوعده وأوعده، أي { ~~هذا } الذي أعطيناك من الملك والمال والبسطة { عطاؤنا } بغير ~~حساب، يعني جما كثيرا لا يكاد يقدر على حسبه وحصره { فامنن } من ~~المنة وهي العطاء، أي فأعط منه ما شئت { أو أمسك } مفوضا إليك ~~التصرف فيه. وفي قراءة ابن مسعود هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب، أو ~~هذا التسخير عطاؤنا، فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق، وأمسك من ~~شئت منهم في الوثاق بغير حساب، أي لا حساب عليك في ذلك. ### || [38.41-44] # { أيوب } عطف بيان. و { إذ } بدل اشتمال منه { أنى مسنى } ~~بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسه ~~لأنه غائب. وقرىء «بنصب» بضم النون وفتحها مع سكون الصاد، وبفتحهما، ~~وضمهما، فالنصب والنصب كالرشد الرشد، والنصب على أصل المصدر، والنصب ~~تثقيل نصب، والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة. والعذاب الألم، يريد مرضه ~~وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب. وقيل الضر في البدن، والعذاب في ذهاب ~~الأهل والمال. فإن قلت لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه الله على ~~أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا ~~إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة ~~فحسب؟ قلت لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سببا فيما مسه الله ~~به من النصب والعذاب، نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى ~~الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر ms1744 عليه إلا هو. وقيل أراد ما كان ~~يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة ~~والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق ~~في دفعه ورده بالصبر الجميل. وروى أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، ~~فارتد أحدهم، فسأل عنه فقيل ألقى إليه الشيطان إن الله لا يبتلي الأنبياء ~~والصالحين، وذكر في سبب بلائه أن رجلا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل ~~كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه ولم يغزه. وقيل أعجب بكثرة ماله { ~~اركض برجلك } حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي اضرب برجلك ~~الأرض. وعن قتادة هي أرض الجابية فضربها، فنبعت عين فقيل { هذا ~~مغتسل بارد وشراب } أي هذا ماء تغتسل به وتشرب منه، فيبرأ ~~باطنك وظاهرك، وتنقلب ما بك قلبة. وقيل نبعت له عينان، فاغتسل من إحداهما ~~وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله، وقيل ضرب برجله ~~اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها، ثم باليسرى فنبعت باردة فشرب منها { ~~رحمة منا وذكرى } مفعول لهما. والمعنى أن الهبة كانت للرحمة ~~له ولتذكير أولى الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره، ~~رغبهم في الصبر على البلاء وعاقبة الصابرين وما يفعل الله بهم { وخذ } ~~معطوف على اركض. والضغث الحزمة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك. وعن ابن ~~عباس قبضة من الشجر، كان حلف في مرضه ليضربن امرأته مائة إذا برأ، فحلل ~~الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها، وهذه ~~الرخصة باقية. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم 960 أنه أتى بمخدج، وقد خبث بأمة، فقال # " خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة " # ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المائة، إما أطرافها قائمة، وإما ~~أعراضها مبسوطة مع وجود صورة الضرب، وكان السبب في يمينه أنها أبطأت عليه ~~ذاهبة في حاجة فحرج صدره، وقيل باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب ~~إذا قام. وقيل قال لها الشيطان اسجدي ms1745 لي سجدة فأرد عليكم مالكم ~~وأولادكم، فهمت بذلك فأدركتها العصمة، فذكرت ذلك له، فحلف. وقيل أوهمها ~~الشيطان أن أيوب إذا شرب الخمر برأ، فعرضت له بذلك. وقيل سألته أن يقرب ~~للشيطان بعناق { وجدنه صابرا } علمناه صابرا. فإن قلت كيف ~~وجده صابرا وقد شكا إليه ما به واسترحمه؟ قلت الشكوى إلى الله عز وعلا ~~لا تسمى جزعا، ولقد قال يعقوب عليه السلام # إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله # يوسف 86 وكذلك شكوى العليل إلى الطبيب، وذلك أن أصبر الناس على البلاء ~~لا يخلو من تمني العافية وطلبها، فإذا صح أن يسمى صابرا مع تمني ~~العافية وطلب الشفاء، فليسم صابرا مع اللجإ إلى الله تعالى، والدعاء ~~بكشف ما به ومع التعالج ومشاورة الأطباء، على أن أيوب عليه السلام كان ~~يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم كما ~~كان يوسوس إليه أنه لو كان نبيا لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة ~~القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان. ~~ويروى أنه قال في مناجاته إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم ~~يتبع قلبي بصري، ولم يهبني ما ملكت يميني، ولم آكل إلا ومعي يتيم، ولم ~~أبت شبعان ولا كاسيا ومعي جائع أو عريان فكشف الله عنه. ### || [38.45-47] # { إبرهيم وإسحق ويعقوب } عطف بيان لعبادنا. ومن قرأ ~~«عبدنا» جعل إبراهيم وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على عبدنا، وهي ~~إسحاق ويعقوب، كقراءة ابن عباس وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. ولما ~~كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت، فقيل في كل عمل هذا مما عملت ~~أيديهم، وإن كان عملا لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمال ~~جذما لا أيدي لهم، وعلى ذلك ورد قوله عز وعلا { أولى الأيدى ~~والأبصر } يريد أولي الأعمال والفكر، كأن الذين لا يعملون أعمال ~~الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات ولا ~~يستبصرون في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والمسلوبي ~~العقول ms1746 الذين لا استبصار بهم. وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ~~ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع ~~كونهم متمكنين منهما. وقرىء «أولى الأيادي» على جمع الجمع. وفي قراءة ابن ~~مسعود «أولي الأيد» على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة. وتفسيره بالأيد - ~~من التأييد - قلق غير متمكن «أخلصناهم» جعلناهم لنا خالصين { بخالصة ~~} بخصلة خالصة لا شوب فيها، ثم فسرها بذكرى الدارشهادة بذكرى الدار ~~بالخلوص والصفاء وانتفاء الكدورة عنها. وقرىء على الإضافة. والمعنى بما ~~خلص من ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر، إنما همهم ~~ذكرى الدار لا غير. ومعنى { ذكرى الدار } ذكراهم الآخرة دائبا، ~~ونسيانهم إليها ذكر الدنيا. أو تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، وتزهيدهم ~~في الدنيا كما هو شأن الأنبياء وديدنهم. وقيل ذكرى الدار. الثناء الجميل ~~في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم. فإن قلت ما معنى { ~~أخلصنهم بخالصة }؟ قلت معناه أخلصناهم بسبب هذه الخصلة، ~~وبأنهم من أهلها. أو أخلصناهم بتوفيقهم لها، واللطف بهم في اختيارها. ~~وتعضد الأول قراءة من قرأ «بخالصتهم» { المصطفين } أي المختارين ~~من أبناء جنسهم. و { الأخيار } جمع خير، أو خير على التخفيف كأموات ~~في جمع ميت أو ميت. ### || [38.48] # { واليسع } كأن حرف التعريف دخل على يسع. وقرىء «ولليسع»، كأن حرف ~~التعريف دخل على ليسع، فيعل من اللسع. والتنوين في { وكل } عوض من ~~المضاف إليه، ومعناه وكلهم من الأخيار. ### || [38.49-52] # { هذا ذكر } أي هذا نوع من الذكر وهو القرآن. لما أجرى ذكر ~~الأنبياء وأتمه، وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواعه، وأراد أن يذكر ~~على عقبه بابا آخر، وهو ذكر الجنة وأهلها. قال هذا ذكر، ثم قال { ~~وإن للمتقين } كما يقول الجاحظ في كتبه فهذا باب، ثم يشرع في ~~باب آخر، ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر هذا ~~وقد كان كيت وكيت والدليل عليه أنه لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن ~~يعقبه بذكر أهل النار. قال { هذا وإن للطاغين }. وقيل معناه ms1747 هذا شرف وذكر ~~جميل ويذكرون به أبدا. وعن ابن عباس رضي الله عنه هذا ذكر من مضى من ~~الأنبياء { جنت عدن } معرفة لقوله # جنت عدن التى وعد الرحمن # مريم 61 وانتصابها على أنها عطف بيان لحسن مآب. و { مفتحة } حال، ~~والعامل فيها ما في للمتقين من معنى الفعل. وفي { مفتحة } ضمير ~~الجنات، والأبواب بدل من الضمير، تقديره مفتحة هي الأبواب، كقولهم ضرب ~~زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال. وقرىء «جنات عدن مفتحة» بالرفع، ~~على أن جنات عدن مبتدأ، ومفتحة خبره. أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي هو ~~جنات عدن هي مفتحة لهم كأن اللدات سمين أترابا، لأن التراب مسهن في وقت ~~واحد، وإنما جعلن على سن واحدة، لأن التحاب بين الأقران أثبت. وقيل هن ~~أتراب لأزواجهن، أسنانهن كأسنانهم. ### || [38.53-54] # قرىء «يوعدون» بالتاء والياء { ليوم الحساب } لأجل يوم الحساب، ~~كما تقول هذا ما تدخرونه ليوم الحساب، أي ليوم تجزى كل نفس ما عملت. ### || [38.55-61] # { هذا } أي الأمر أي هذا أو هذا كما ذكر { فبئس المهاد } ، ~~كقوله # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # الأعراف 41 شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم، أي هذا ~~حميم فليذوقوه. أو العذاب هذا فليذوقوه، ثم ابتدأ فقال هو { حميم ~~وغساق } أو هذا فليذوقوه بمنزلة # وإيى فارهبون # البقرة 40 أي ليذوقوا هذا فليذوقوه، والغساق - بالتخفيف والتشديد - ما ~~يغسق من صديد أهل النار، يقال غسقت العين، إذا سال دمعها. وقيل الحميم ~~يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده. وقيل لو قطرت منه قطره في المشرق لنتنت ~~أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق. وعن الحسن ~~رضي الله عنه. الغساق عذاب لا يعلمه إلا الله تعالى إن الناس أخفوا لله ~~طاعة فأخفى لهم ثوابا في قوله # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين # السجدة 17 وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة { وءاخر } ومذوقات أخر من ~~شكل هذا المذوق من مثله في الشدة والفظاعة { أزوج } أجناس. وقرىء ~~«وآخر» أي وعذاب آخر. أو مذوق ms1748 آخر. وأزواج صفة لآخر، لأنه يجوز أن يكون ~~ضروبا، أو صفة للثلاثة وهي حميم وغساق وآخر من شكله. وقرىء «من شكله» ~~بالكسر وهي لغة. وأما الغنج فالبكسر لا غير { هذا فوج مقتحم ~~معكم } هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي دخل النار في صحبتكم ~~وقرانكم، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها. والقحمة الشدة. وهذه حكاية ~~كلام الطاغين بعضهم مع بعض، أي يقولون هذا. والمراد بالفوج أتباعهم الذين ~~اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم العذاب { لا مرحبا بهم } ~~دعاء منهم على أتباعهم. تقول لمن تدعو له مرحبا، أي أتيت رحبا من ~~البلاد لا ضيقا أو رحبت بلادك رحبا، ثم تدخل عليه «لا» في دعاء السوء. ~~و { بهم } بيان للمدعو عليهم { إنهم صالوا النار } تعليل ~~لاستيجابهم الدعاء عليهم. ونحوه قوله تعالى # كلما دخلت أمة لعنت أختها # الأعراف 38 وقيل هذا فوج مقتحم معكم كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في ~~أتباعهم. و { لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار } كلام ~~الرؤوساء. وقيل هذا كله كلام الخزنة { وقالوا } أي الأتباع { بل ~~أنتم لا مرحبا بكم } يريدون الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم ~~أحق به، وعللوا ذلك بقولهم { أنتم قدمتموه لنا } والضمير ~~للعذاب أو لصليهم. فإن قلت ما معنى تقديمهم العذاب لهم؟ قلت المقدم هو ~~عمل السوء. قال الله تعالى # وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم # الأنفال50-51 ولكن الرؤوساء لما كانوا السبب فيه بإغوائهم وكان العذاب ~~جزاءهم عليه، قيل أنتم قدمتموه لنا، فجعل الرؤوساء هم المقدمين وجعل ~~الجزاء هو المقدم، فجمع بين مجازين لأن العاملين هم المقدمون في الحقيقة ~~لا رؤساؤهم، والعمل هو المقدم لا جزاؤه. # فإن قلت فالذي جعل قوله { لا مرحبا بهم } من كلام الخزنة ما ~~يصنع بقوله { بل أنتم لا مرحبا بكم } والمخاطبون - أعني ~~رؤسائهم - لم يتكلموا بما يكون هذا جوابا لهم؟ قلت كأنه قيل هذا الذي ~~دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم ~~فيما نحن فيه من العذاب، وهذا صحيح كما لو زين قوم لقوم بعض المساوي ms1749 ~~فارتكبوه فقيل للمزينين أخزى الله هؤلاء ما أسوأ فعلهم؟ فقال المزين لهم ~~للمزينين بل أنتم أولى بالخزي منا، فلولا أنتم لم نرتكب ذلك { وقالوا ~~} هم الأتباع أيضا { فزده عذابا ضعفا } أي مضاعفا، ومعناه ذا ~~ضعف ونحوه قوله تعالى # ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ضعفا # الأعراف 38 وهو أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين، كقوله عز وجل # ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب # الأحزاب 68 وجاء في التفسير { عذابا ضعفا } حيات وأفاعي. ### || [38.62-63] # { وقالوا } الضمير للطاغين { رجالا } يعنون فقراء المسلمين الذين ~~لا يؤبه لهم { من الأشرار } من الأراذل الذين لا خير فيهم ولا ~~جدوى، ولأنهم كانوا على خلاف دينهم، فكانوا عندهم أشرارا { ~~أتخذنهم سخريا } قرىء بلفظ الإخبار على أنه صفة ل ~~رجالا، مثل قوله { كنا نعدهم من الأشرار } وبهمزة ~~الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستخسار منهم. وقوله ~~{ أم زاغت عنهم الأبصر } له وجهان من الاتصال، أحدهما أن ~~يتصل بقوله { مالنا } أي مالنا لا نراهم في النار؟ كأنهم ليسوا فيها بل ~~أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل ~~الجنة، وبين أن يكونوا من أهل النار. إلا أنه خفي عليهم مكانهم. والوجه ~~الثاني أن يتصل باتخذناهم سخريا، إما أن تكون أم متصلة على معنى أي ~~الفعلين فعلنا بهم الاستسخار منهم، أم الازدراء بهم والتحقير، وأن ~~أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم، على معنى إنكار الأمرين جميعا على ~~أنفسهم، وعن الحسن كل ذلك قد فعلوا، اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم ~~محقرة لهم. وإما أن تكون منقطعة بعد مضي اتخذناهم سخريا على الخبر أو ~~الاستفهام، كقولك إنها إبل أم شاء، وأزيد عندك أم عندك عمرو ولك أن تقدر ~~همزة الاستفهام محذوفة فيمن قرأ بغير همزته، لأن «أم» تدل عليها، فلا ~~تفترق القراءتان إثبات همزة الاستفهام وحذفها. وقيل الضمير في { ~~وقالوا } لصناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما، والرجال عمار ~~وصهيب وبلال وأشباههم. وقرىء «سخريا» بالضم والكسر. ### || [38.64] # { إن ذلك } أي الذي حكينا عنهم { لحق } لا بد ms1750 أن يتكلموا به، ~~ثم بين ما هو فقال هو «تخاصم أهل النار». وقرىء بالنصب على أنه صفة لذلك، ~~لأن أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجناس. فإن قلت لم سمى ذلك تخاصما؟ قلت ~~شبه تقاولهم وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين ~~من نحو ذلك ولأن قول الرؤوساء لا مرحبا بهم، وقول أتباعهم بل أنتم لا ~~مرحبا بكم، من باب الخصومة، فسمي التقاول كله تخاصما لأجل اشتماله على ~~ذلك. ### || [38.65-66] # { قل } يا محمد لمشركي مكة ما أنا إلا رسول { منذر } أنذركم عذاب ~~الله للمشركين، وأقول لكم إن دين الحق، توحيد الله وأن يعتقد أن لا ~~إله إلا الله { الواحد } بلا ند ولا شريك { القهار } لكل ~~شيء، وأن الملك والربوبية له في العالم كله وهو { العزيز } الذي لا ~~يغلب إذا عاقب العصاة، وهو مع ذلك { الغفار } لذنوب من التجأ إليه. ~~أو قل لهم ما أنا إلا منذر لكم ما أعلم، وأنا أنذركم عقوبة من هذه صفته، ~~فإن مثله حقيق بأن يخاف عقابه كما هو حقيق بأن يرجى ثوابه. ### || [38.67-70] # { قل هو نبأ عظيم } أي هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا ~~منذرا وأن الله واحد لا شريك له نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل ~~شديد الغفلة. ثم احتج لصحة نبوته بأن ما ينبىء به على الملأ الأعلى ~~واختصامهم أمر ما كان له به من علم قط، ثم علمه ولم يسلك الطريق الذي ~~يسلكه الناس في علم ما لم يعلموا، وهو الأخذ من أهل العلم وقراءة الكتب، ~~فعلم أن ذلك لم يحصل إلا بالوحي من الله { إن يوحى إلى إلا ~~أنما أنا نذير } أي لأنما أنا نذير. ومعناه ما يوحى إلي إلا ~~للإنذار، فحذف اللام وانتصب بإفضاء الفعل إليه. ويجوز أن يرتفع على معنى ~~ما يوحى إلي إلا هذا، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك، أي ما أومر ~~إلا بهذا الأمر وحده، وليس إلي غير ذلك. وقرىء «إنما» بالكسر على ~~الحكاية، أي إلا هذا القول، وهو أن ms1751 أقول لكم إنما أنا نذير مبين ولا ~~أدعى شيئا آخر. وقيل النبأ العظيم قصص آدم عليه السلام والإنباء به من ~~غير سماع من أحد، وعن ابن عباس القرآن. وعن الحسن يوم القيامة. فإن قلت ~~بم يتعلق { إذ يختصمون }؟ قلت بمحذوف لأن المعنى ما كان لي من ~~علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم، و { إذ قال } بدل من { إذ ~~يختصمون }. فإن قلت ما المراد بالملأ الأعلى؟ قلت أصحاب القصة ~~الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم فإن قلت ~~ما كان التقاول بينهم إنما كان بين الله تعالى وبينهم لأن الله سبحانه ~~وتعالى هو الذي قال لهم وقالوا له، فأنت بين أمرين إما أن تقول الملأ ~~الأعلى هؤلاء، وكان التقاول بينهم ولم يكن التقاول بينهم وإما أن تقول ~~التقاول كان بين الله وبينهم، فقد جعلته من الملأ الأعلى. قلت كانت ~~مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك، فكان المقاول في الحقيقة هو الملك ~~المتوسط، فصح أن التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ ~~الأعلى. والمراد بالاختصام التقاول على ما سبق. ### || [38.71-74] # فإن قلت كيف صح أن يقول لهم { إنى خلق بشرا } وما عرفوا ما ~~البشر ولا عهدوا به قبل؟ قلت وجهه أن يكون قد قال لهم إني خالق خلقا من ~~صفته كيت وكيت، ولكنه حين حكاه اقتصر على الاسم { فإذا سويته } ~~فإذا أتممت خلقه وعدلته { ونفخت فيه من روحى } وأحييته وجعلته ~~حساسا متنفسا { فقعوا } فخروا، كل للإحاطة. وأجمعون للاجتماع، ~~فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إلا سجد وأنهم سجدوا ~~جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات. فإن قلت كيف ساغ السجود لغير ~~الله؟ قلت الذي لا يسوغ هو السجود لغير الله على وجه العبادة، فأما على ~~وجه التكرمة والتبجيل فلا يأباه العقل، إلا أن يعلم الله فيه مفسدة ~~فينهى عنه، فإن قلت كيف استثنى إبليس من الملائكة وهو من الجن؟ قلت قد ~~أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله { فسجد الملئكة } ثم ~~استثنى كما يستثنى ms1752 الواحد منهم استثناء متصلا { وكان من ~~الكفرين } أريد وجود كفره ذلك الوقت وإن لم يكن قبله كافرا لأن ~~كان مطلق في جنس الأوقات الماضية، فهو صالح لأيها شئت. ويجوز أن يراد ~~وكان من الكافرين في الأزمنة الماضية في علم الله. ### || [38.75-76] # فإن قلت ما وجه قوله { خلقت بيدى } قلت قد سبق لنا أن ذا ~~اليدين يباشر أكثر أعماله بيديه، فغلبت العمل باليدين على سائر الأعمال ~~التي تباشر بغيرهما، حتى قيل في عمر القلب هو مما عملت يداك، وحتى قيل ~~لمن لا يدي له يداك أوكتا وفوك نفخ، وحتى لم يبق فرق بين قولك هذا مما ~~عملته، وهذا مما عملته يداك. ومنه قوله # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى # ص 75؟ قلت الوجه الذي استنكر له إبليس السجود لآدم، واستنكف منه أنه ~~سجود لمخلوق، فذهب بنفسه، وتكبر أن يكون سجوده لغير الخالق، وانضم إلى ~~ذلك أن آدم مخلوق من طين وهو مخلوق من نار. ورأى للنار فضلا على الطين ~~فاستعظم أن يسجد لمخلوق مع فضله عليه في المنصب، وزل عنه أن الله ~~سبحانه حين أمر به أعز عباده عليه وأقربهم منه زلفى وهم الملائكة، وهم ~~أحق بأن يذهبوا بأنفسهم عن التواضع للبشر الضئيل، ويستنكفوا من السجود ~~له من غيرهم، ثم لم يفعلوا وتبعوا أمر الله وجعلوه قدام أعينهم، ولم ~~يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له، تعظيما لأمر ربهم وإجلالا ~~لخطابه كان هو مع انحطاطه عن مراتبهم حرى بأن يقتدي بهم ويقتفي أثرهم، ~~ويعلم أنهم في السجود لمن هو دونهم بأمر الله، أوغل في عبادته منهم في ~~السجود له، لما فيه من طرح الكبرياء وخفض الجناح، فقيل له ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي، أي ما منعك من السجود لشيء هو كما تقول مخلوق خلقته ~~بيدي - لا شك في كونه مخلوقا - امتثالا لأمري وإعظاما لخطابي كما ~~فعلت الملائكة، فذكر له ما تركه من السجود مع ذكر العلة التي تشبث بها في ~~تركه، وقيل له لما تركته مع وجود هذه العلة، ms1753 وقد أمرك الله به، يعني كان ~~عليك أن تعتبر أمر الله ولا تعتبر هذه العلة، ومثاله أن يأمر الملك وزيره ~~أن يزور بعض سقاط الحشم فيمتنع اعتبارا لسقوطه، فيقول له ما منعك أن ~~تتواضع لمن لا يخفى علي سقوطه، يريد هلا اعتبرت أمرى وخطابي وتركت ~~اعتبار سقوطه، وفيه أني خلقته بيدي، فأنا أعلم بحاله، ومع ذلك أمرت ~~الملائكة بأن يسجدوا له لداعي حكمة دعاني إليه من إنعام عليه بالتكرمة ~~السنية وابتلاء للملائكة، فمن أنت حتى يصرفك عن السجود له، ما لم يصرفني ~~عن الأمر بالسجود له. وقيل معنى { لما خلقت بيدى } لما خلقت ~~بغير واسطة. وقرىء «بيدي» كما قرىء «بمصرخي». وقرىء «بيدي» على التوحيد { ~~من العلين } ممن علوت وفقت، فأجاب بأنه من العالين حيث { قال ~~أنا خير منه } وقيل استكبرت الآن، أم لم تزل مند كنت من ~~المستكبرين. ومعنى الهمزة التقرير. وقرىء «استكبرت» بحذف حرف الاستفهام ~~لأن أم تدل عليه. أو بمعنى الإخبار. هذا على سبيل الأولى، أي لو كان ~~مخلوقا من نار لما سجدت له، لأنه مخلوق مثلي، فكيف أسجد لمن هو دوني ~~لأنه من طين والنار تغلب الطين وتأكله، وقد جرت الجملة الثانية من الأولى ~~وهي { خلقتني من نار } مجرى المعطوف عطف البيان من المعطوف عليه ~~في البيان والإيضاح. ### || [38.77-78] # { منها } من الجنة. وقيل من السماء. وقيل من الخلقة التي أنت فيها ~~لأنه كان يفتخر بخلقته فغير الله خلقته فاسود بعد ما كان أبيض وقبح بعد ~~ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيا. والرجيم المرجوم. ومعناه ~~المطرود، كما قيل له المدحور والملعون لأن من طرد رمي بالحجارة على ~~أثره. والرجم الرمي بالحجارة. أو لأن الشياطين يرجمون بالشهب. فإن قلت ~~قوله { لعنتى إلى يوم الدين } كأن لعنة إبليس غايتها يوم الدين ~~ثم تنقطع؟ قلت كيف تنقطع وقد قال الله تعالى # فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظلمين # الأعراف 44 ولكن المعنى أن عليه اللعنة في الدنيا، فإذا كان يوم الدين ~~اقترن له باللعنة ما ينسى عنده اللعنة، ms1754 فكأنها انقطعت. ### || [38.79-81] # فإن قلت ما الوقت المعلوم الذي أضيف إليه اليوم؟ قلت الوقت الذي تقع فيه ~~النفخة الأولى. ويومه اليوم الذي وقت النفخة جزء من أجزائه. ومعنى ~~المعلوم أنه معلوم عند الله معين، لا يستقدم ولا يستأخر. ### || [38.82-83] # { فبعزتك } إقسام بعزة الله تعالى وهي سلطانه وقهره. ### || [38.84-85] # قرىء «فالحق والحق» منصوبين على أن الأول مقسم به كالله في # إن عليك الله أن تبايعا # وجوابه { لاملان } والحق أقول اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه، ~~ومعناه ولا أقول إلا الحق. والمراد بالحق إما اسمه عز وعلا الذي في ~~قوله # أن الله هو الحق المبين # النور 25 أو الحق الذي هو نقيض الباطل عظمه الله بإقسامه به. ومرفوعين ~~على أن الأول مبتدأ محذوف الخبر، كقوله لعمرك أي فالحق قسمي لأملأن. ~~والحق أقول، أي أقوله كقوله كله لم أصنع، ومجرورين على أن الأول مقسم ~~به قد أضمر حرف قسمه، كقولك الله لأفعلن. والحق أقول، أي ولا أقول إلا ~~الحق على حكاية لفظ المقسم به. ومعناه التوكيد والتشديد. وهذا الوجه جائز ~~في المنصوب والمرفوع أيضا. وهو وجه دقيق حسن. وقرىء برفع الأول وجره ~~مع نصب الثاني، وتخريجه على ما ذكرنا { منك } من جنسك وهم الشياطين { ~~وممن تبعك منهم } من ذرية آدم، فإن قلت { أجمعين } ~~تأكيد لماذا؟ قلت لا يخلو أن يؤكد به الضمير في منهم، أو الكاف في منك مع ~~من تبعك. ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين، لا أترك ~~منهم أحدا. أو لأملأنها من الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس، لا تفاوت ~~في ذلك بين ناس وناس بعد وجود الأتباع منهم من أولاد الأنبياء وغيرهم. ### || [38.86-88] # { عليه من أجر } الضمير للقرآن أو للوحي { وما أنا من ~~المتكلفين } من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله، وما ~~عرفتموني قط متصنعا ولا مدعيا ما ليس عندي، حتى أنتحل النبوة وأتقول ~~القرآن { إن هو إلا ذكر } من الله { للعلمين } ~~للثقلين. أوحى إلي فأنا أبلغه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 961 # " للمتكلف ثلاث علامات ms1755 ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا ~~يعلم " # { ولتعلمن نبأه } أي ما يأتيكم عند الموت، أو يوم القيامة، ~~أو عند ظهور الإسلام وفشوه، من صحة خبره، وأنه الحق والصدق. وفيه تهديد. ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 962 # " من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات وعصمه ~~أن يصر على ذنب صغير أو كبير ". ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-4] # { تنزيل الكتب } قرىء بالرفع على أنه مبتدأ أخبر عنه بالظرف. ~~أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، كما تقول نزل من عند الله. أو ~~غير صلة، كقولك هذا الكتاب من فلان إلى فلان، فهو على هذا خبر بعد خبر. ~~أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره هذا تنزيل الكتاب، هذا من الله، أو حال من ~~التنزيل عمل فيها معنى الإشارة، وبالنصب على إضمار فعل، نحو اقرأ، والزم. ~~فإن قلت ما المراد بالكتاب؟ قلت الظاهر على الوجه الأول أنه القرآن، وعلى ~~الثاني أنه السورة { مخلصا له الدين } ممحضا له الدين من الشرك ~~والرياء بالتوحيد وتصفية السر. وقرىء «الدين» بالرفع. وحق من رفعه أن ~~يقرأ مخلصا - بفتح اللام - كقوله تعالى # وأخلصوا دينهم لله # النساء 146 حتى يطابق قوله { ألا لله الدين الخالص } ~~والخالص والمخلص واحد، إلا أن يصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد ~~المجازي. كقولهم شعر شاعر، وأما من جعل { مخلصا } حالا من العابد، و ~~{ له الدين } مبتدأ وخبرا، فقد جاء بإعراب رجع به الكلام إلى قولك ~~لله الدين { ألا لله الدين الخالص } أي هو الذي وجب اختصاصه ~~بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر، لاطلاعه على الغيوب والأسرار، ولأنه ~~الحقيق بذلك، لخلوص نعمته عن استجرار المنفعة بها. وعن قتادة الدين ~~الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن الإسلام { والذين ~~اتخذوا } يحتمل المتخذين وهم الكفرة، والمتخذين، وهم الملائكة وعيسى ~~واللات والعزى عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالضمير في { اتخذوا } ~~على الأول راجع إلى الذين، وعلى الثاني إلى المشركين، ولم يجر ذكرهم ~~لكونه ms1756 مفهوما، والراجع إلى الذين محذوف والمعنى والذين اتخذهم المشركون ~~أولياء، { والذين اتخذوا } في موضع الرفع على الابتداء. فإن ~~قلت فالخبر ما هو؟ قلت هو على الأول إما { إن الله يحكم ~~بينهم } أو ما أضمر من القول قبل قوله { ما نعبدهم }. وعلى ~~الثاني أن الله يحكم بينهم. فإن قلت فإذا كان { إن الله يحكم ~~بينهم } الخبر، فما موضع القول المضمر؟ قلت يجوز أن يكون في موضع ~~الحال، أي قائلين ذلك. ويجوز أن يكون بدلا من الصلة فلا يكون له محل، ~~كما أن المبدل منه كذلك. وقرأ ابن مسعود بإظهار القول «قالوا ما نعبدهم» ~~وفي قراءة أبي ما نعبدكم إلا لتقربونا على الخطاب، حكاية لما خاطبوا به ~~آلهتهم. وقرىء «نعبدهم» بضم النون اتباعا للعين كما تتبعها الهمزة في ~~الأمر، والتنوين في { عذاب اركض } والضمير في { بينهم } لهم ~~ولأوليائهم. والمعنى أن الله يحكم بينهم بأنه يدخل الملائكة وعيسى الجنة، ~~ويدخلهم النار مع الحجارة التي نحتوها وعبدوها من دون الله يعذبهم بها ~~حيث يجعلهم وإياها حصب جهنم. # واختلافهم أن الذين يعبدون موحدون وهم مشركون، وأولئك يعادونهم ~~ويلعنونهم، وهم يرجون شفاعتهم وتقريبهم إلى الله زلفى. وقيل كان المسلمون ~~إذا قالوا لهم من خلق السموات والأرض، أقروا وقالوا الله، فإذا قالوا ~~لهم فما لكم تعبدون الأصنام؟ قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~فالضمير في { بينهم } عائد إليهم وإلى المسلمين. والمعنى أن الله ~~يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين، والمراد بمنع الهداية منع ~~اللطف تسجيلا عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين. ~~وقرىء «كذاب وكذوب» وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء ~~بنات الله، ولذلك عقبه محتجا عليهم بقوله { لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء } يعني لو ~~أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح، لكونه محالا ولم يتأت إلا أن يصطفي ~~من خلقه بعضه ويختصمهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه. وقد فعل ذلك ~~بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم، فزعمتم أنهم أولاده، ms1757 جهلا ~~منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض، كأنه قال لو أراد ~~اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة، ~~إلا أنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادا، ثم تماديتم في جهلكم ~~وسفهكم فجعتلموهم بنات، فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على ~~الله وملائكته، غالين في الكفر، ثم قال { سبحنه } فنزه ذاته عن أن ~~يكون له أحد ما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء. ودل على ذلك بما ~~ينافيه، وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له صاحبة لأنه لو كانت له صاحبة ~~لكانت من جنسه ولا جنس له وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون ~~له ولد، وهو معنى قوله # أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة # الأنعام 101. وقهار غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف ~~يكونون له أولياء وشركاء؟. ### || [39.5] # ثم دل بخلق السموات والأرض، وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر، ~~وتسخير النيرين، وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس ~~واحدة، وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك، قهار لا يغالب. والتكوير ~~اللف واللي، يقال كار العمامة على رأسه، وكورها. وفيه أوجه منها أن ~~الليل والنهار خلفة يذهب هذا ويغشى مكانه هذا، وإذا غشي مكانه فكأنما ~~ألبسه ولف عليه كما يلف اللباس على اللابس. ومنه قول ذي الرمة في وصف ~~السراب # تلوي الثنايا بأحقيها حواشيه لي الملاء ~~بأبواب التفاريج # ومنها أن كل واحد منهما يغيب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه ~~بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار. ومنها أن هذا يكر على هذا ~~كرورا متتابعا. فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض { ألا ~~هو العزيز } الغالب القادر على عقاب المصرين { الغفار } لذنوب ~~التائبين أو الغالب الذي يقدر على أن يعالجهم بالعقوبة وهو يحلم عنهم ~~ويؤخرهم إلى أجل مسمى، فسمى الحلم عنهم مغفرة. ### || [39.6] # فإن قلت ما وجه قوله { ثم جعل منها زوجها } وما يعطيه ms1758 من ~~معنى التراخي؟ قلت هما آيتان من جملة الآيات التي عددها دالا على ~~وحدانيته وقدرته تشعيب هذا الخلق الفائت للحصر من نفس آدم، وخلق حواء من ~~قصيراه إلا أن إحداهما جعلها الله عادة مستمرة، والأخرى لم تجريها ~~العادة، ولم تخلق أنثى غير حواء من قصيرى رجل، فكانت أدخل في كونها آية، ~~وأجلب لعجب السامع، فعطفها بثم على الآية الأولى، للدلالة على مباينتها ~~لها فضلا ومزية، وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادة كونها آية، فهو من ~~التراخي في الحال والمنزلة، لا من التراخي في الوجود. وقيل ثم متعلق ~~بمعنى واحدة، كأنه قيل خلقكم من نفس وحدت، ثم شفعها الله بزوج. وقيل أخرج ~~ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء { وأنزل لكم } وقضى ~~لكم وقسم لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح ~~كل كائن يكون. وقيل لا تعيش الأنعام إلا بالنبات. والنبات لا يقوم إلا ~~بالماء. وقد أنزل الماء، فكأنه أنزلها. وقيل خلقها في الجنة، ثم أنزلها. ~~{ ثمنية أزوج } ذكرا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز. ~~والزوج اسم لواحد معه آخر، فإذا انفرد فهو فرد ووتر. قال الله تعالى # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # القيامة 39. { خلقا من بعد خلق } حيوانا سويا، من بعد عظام ~~مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف. ~~والظلمات الثلاث البطن والرحم والمشيمة. وقيل الصلب والرحم والبطن { ~~ذلكم } الذي هذه أفعاله هو { الله ربكم.... فأنى ~~تصرفون } فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره؟. ### || [39.7] # { فإن الله غنى عنكم } عن إيمانكم وإنكم المحتاجون إليه، ~~لاستضراركم بالكفر واستنفاعكم بالإيمان { ولا يرضى لعباده ~~الكفر } رحمة لهم لأنه يوقعهم في الهلكة { وإن تشكروا ~~يرضه لكم } أي يرض الشكر لكم، لأنه سبب فوزكم وفلاحكم فإذا ما ~~كره كفركم ولا رضي شكركم إلا لكم ولصلاحكم، لا لأن منفعة ترجع إليه ~~لأنه الغني الذي لا يجوز عليه الحاجة. ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ~~تعالى ما نفاه عن ذاته من ms1759 الرضا لعباده الكفر فقال هذا من العام الذي ~~أريد به الخاص، وما أراد إلا عباده الذين عناهم في قوله # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # الإسراء 65 يريد المعصومين، كقوله تعالى # عينا يشرب بها عباد الله # الإنسان 6، تعالى الله عما يقول الظالمون وقرىء «يرضه» بضم الهاء بوصل ~~وبغير وصل، وبسكونها. ### || [39.8] # { خوله } أعطاه. قال أبو النجم # أعطى فلم يبخل ولم يبخل كوم الذرى من خول ~~المخول # وفي حقيقته وجهان، أحدهما جعله خائل مال، من قولهم هو خائل مال، وخال ~~مال إذا كان متعهدا له حسن القيام به، ومنه ما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 963 أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة، والثاني جعله يخول من ~~خال يخول إذا اختال وافتخر، وفي معناه قول العرب # إن الغني طويل الذيل مياس # { ما كان يدعو إليه } أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى ~~كشفه. وقيل نسي ربه الذي كان يتضرع إليه ويبتهل إليه، وما بمعنى من، ~~كقوله تعالى # وما خلق الذكر والأنثى # الليل 3 وقرىء «ليضل» بفتح الياء وضمها، بمعنى أن نتيجة جعله لله ~~أندادا ضلاله عن سبيل الله أو إضلاله والنتيجة قد تكون غرضا في الفعل، ~~وقد تكون غير غرض. وقوله { تمتع بكفرك } من باب الخذلان ~~والتخلية، كأنه قيل له إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان والطاعة، ~~فمن حقك ألا تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه مبالغة في خذلانه وتخليته ~~وشأنه. لأنه لا مبالغة في الخذلان أشد من أن يبعث على عكس ما أمر به. ~~ونظيره في المعنى قوله # متع قليل ثم مأواهم جهنم # آل عمران197. ### || [39.9] # قرىء «أمن هو قانت» بالتخفيف على إدخال همزة الاستفهام على من، ~~وبالتشديد على إدخال «أم» عليه. ومن مبتدأ خبره محذوف، تقديره أمن هو ~~قانت كغيره، وإنما حذف لدلالة الكلام عليه، وهو جري ذكر الكافر قبله. ~~وقوله بعده { قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون } وقيل معناه أمن هو قانت أفضل أمن هو كافر. أو أهذا أفضل ~~أمن هو ms1760 قانت على الاستفهام المتصل. والقانت القائم بما يجب عليه من ~~الطاعة. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام 964 # " أفضل الصلاة طول القنوت " # ، وهو القيام فيها. ومنه القنوت في الوتر لأنه دعاء المصلي قائما { ~~سجدا } حال. وقرىء «ساجد وقائم» على أنه خبر بعد خبر، والواو للجمع ~~بين الصفتين. وقرىء «ويحذر عذاب الآخرة» وأراد بالذين يعلمون العاملين من ~~علماء الديانة، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراء عظيم بالذين ~~يقتنون العلوم، ثم لا يقنتون، ويفتنون فيها، ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند ~~الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء، ويجوز أن يرد على سبيل التشبيه، ~~أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون، كذلك لا يستوي القانتون والعاصون. ~~وقيل ونزلت في عمار بن ياسر رضي الله عنه وأبي حذيفة بن المغيرة ~~المخزومي. وعن الحسن أنه سئل عن رجل يتمادى في المعاصي ويرجو، فقال هذا ~~تمن وإنما الرجاء قوله وتلا هذه الآية. وقرىء «إنما يذكر» بالإدغام. ### || [39.10] # { فى هذه الدنيا } متعلق بأحسنوا لا بحسنة، معناه الذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة. وهي دخول الجنة، أي حسنة غير ~~مكتنهة بالوصف. وقد علقه السدي بحسنة، ففسر بحسنة بالصحة والعافية. فإن ~~قلت إذا علق الظرف بأحسنوا فإعرابه ظاهر، فما معنى تعليقه بحسنة؟ ولا ~~يصح أن يقع صفة لها لتقدمه. قلت هو صفة لها إذا تأخر فإذا تقدم كان ~~بيانا لمكانها فلم يخل التقدم بالتعلق، وإن لم يكن التعلق وصفا ومعنى { ~~وأرض الله واسعة } أن لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة حتى ~~إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفر على ~~الإحسان، وصرف الهمم إليه قيل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فلا ~~تجتمعوا مع العجز، وتحولوا إلى بلاد أخر، واقتدوا بالأنبياء والصالحين ~~في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم وطاعة إلى ~~طاعتهم. وقيل هو للذين كانوا في بلد المشركين فأمروا بالمهاجرة عنه، ~~كقوله تعالى # ألم تكن أرض الله وسعة فتهاجروا فيها # النساء 97. وقيل هي أرض الجنة. و { الصبرون } الذين صبروا ms1761 على ~~مفارقة أوطانهم وعشائرهم، وعلى غيرها. من تجرع الغصص واحتمال البلايا ~~في طاعة الله وازدياد الخير { بغير حساب } لا يحاسبون عليه. وقيل ~~بغير مكيال وغير ميزان يغرف لهم غرفا، وهو تمثيل للتكثير. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما لا يهتدى إليه حساب الحساب ولا يعرف. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 965 # " ينصب الله الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل الصلاة فيوفون أجورهم ~~بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيوفون أجورهم بالموازين. ويؤتى بأهل الحج ~~فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر ~~لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا، قال الله تعالى { إنما يوفى ~~الصبرون أجرهم بغير حساب } حتى يتمنى أهل العافية في ~~الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل ". ### || [39.11-15] # { قل إنى أمرت } بإخلاص الدين { وأمرت } بذلك { ل } أجل { ~~لأن أكون أول المسلمين } أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا ~~والآخرة، ولمعنى أن الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقا. ~~فإن قلت كيف عطف { أمرت } على { أمرت } وهما واحد؟ قلت ليسا ~~بواحد لاختلاف جهتيهما، وذلك أن الأمر بالإخلاص وتكليفه شيء، والأمر به ~~ليحرز القائم به قصب السبق في الدين شيء، وإذا اختلف وجها الشيء وصفتاه ~~ينزل بذلك منزلة شيئين مختلفين ولك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت ~~لأن أفعل، ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح، كأنها زيدت عوضا ~~من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه، كما عوض السين في اسطاع عوضا من ترك ~~الأصل الذي هو أطوع، والدليل على هذا الوجه مجيئه بغير لام في قوله # وأمرت أن أكون من المسلمين # يونس 72، # وأمرت أن أكون من المؤمنين # يونس 104، # وأمرت أن أكون أول من أسلم # الأنعام 14 وفي معناه أوجه أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي، ~~لأنه أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأن أكون أول الذين ~~دعوتهم إلى الإسلام إسلاما. وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه ~~غيره، لأكون مقتدى بي ms1762 في قولي وفعلي جميعا، ولا تكون صفتي صفة الملوك ~~الذين يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأولية من أعمال ~~السابقين دلالة على السبب بالمسبب يعني أن الله أمرني أن أخلص له الدين ~~من الشرك والرياء وكل شوب، بدليل العقل والوحي. فإن عصيت ربي بمخالفة ~~الدليلين، استوجبت عذابه فلا أعصيه ولا أتابع أمركم، وذلك حين دعوه إلى ~~دين آبائه. فإن قلت ما معنى التكرير في قوله { قل إنى أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين } وقوله { قل الله ~~أعبد مخلصا له دينى } قلت ليس بتكرير لأن الأول إخبار ~~بأنه مأمور من جهة الله بإحداث العبادة والإخلاص. والثاني إخبار بأنه ~~يختص الله وحده دون غيره بعبادته مخلصا له دينه، ولدلالته على ذلك قدم ~~المعبود على فعل العبادة وأخره في الأول فالكلام أولا واقع في الفعل ~~نفسه، وإيجاده، وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله { ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه } والمراد بهذا الأمر الوارد على ~~وجه التخيير المبالغة في الخذلان والتخلية، على ما حققت فيه القول مرتين. ~~قل إن الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه هم { الذين ~~خسروا أنفسهم } لوقوعها في هلكة لا هلكة بعدها و خسروا { ~~وأهليهم } لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا ~~أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده ~~إليهم. وقيل وخسروهم لأنهم لم يدخلوا مدخل المؤمنين الذين لهم أهل في ~~الجنة، يعني وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم لو آمنوا، ولقد وصف ~~خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله { ألا ذلك هو الخسران ~~المبين } حيث استأنف الجملة وصدرها بحرف التنبيه، ووسط الفصل بين ~~المبتدأ والخبر، وعرف الخسران ونعته بالمبين. ### || [39.16] # { ومن تحتهم } أطباق من النار هي { ظلل } لآخرين { ذلك } ~~العذاب هو الذي يتوعد الله { به عباده } ويخوفهم، ليجتنبوا ما ~~يوقعهم فيه { يعباد فاتقون } فلا تتعرضوا لما يوجب سخطي، وهذه ~~عظة من الله تعالى ونصيحة بالغة. وقرىء «يا عبادي». ### || [39.17-18] # { الطغوت } فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، إلا أن ms1763 فيها ~~قلبا بتقديم اللام على العين، أطلقت على الشيطان أو الشياطين، لكونها ~~مصدرا وفيها مبالغات، وهي التسمية بالمصدر، كأن عين الشيطان طغيان، وأن ~~البناء بناء مبالغة، فإن الرحموت الرحمة الواسعة، والملكوت الملك ~~المبسوط، والقلب هو للاختصاص، إذ لا تطلق على غير الشيطان، والمراد بها ~~ههنا الجمع. وقرىء «الطواغيت» { أن يعبدوها } بدل من الطاغوت بدل ~~الاشتمال { لهم البشرى } هي البشارة بالثواب، كقوله تعالى # لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفى الأخرة # يونس 64 الله عز وجل يبشرهم بذلك في وحيه على ألسنة رسله، وتتلقاهم ~~الملائكة عند حضور الموت مبشرين، وحين يحشرون. قال الله تعالى # يوم ترى المؤمنين والمؤمنت يسعى نورهم ~~بين أيديهم وبأيمنهم بشراكم اليوم جنت # الحديد 12 وأراد بعباده { الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه } الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم، وإنما ~~أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة، فوضع الظاهر ~~موضع الضمير، وأراد أن يكونوا نقادا في الدين يميزون بين الحسن والأحسن ~~والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب، اختاروا الواجب، وكذلك ~~المباح والندب، حراصا على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثوابا، ويدخل ~~تحته المذاهب واختيار أثبتها على السبك وأقواها عند السبر، وأبينها ~~دليلا أو أمارة، وأن لا تكون في مذهبك، كما قال القائل # ولا تكن مثل عير قيد فانقادا # يريد المقلد، وقيل يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل يستمعون ~~أوامر الله فيتبعون أحسنها، نحو القصاص والعفو، والانتصار والإغضاء، ~~والإبداء والإخفاء لقوله تعالى # وأن تعفوا أقرب للتقوى # البقرة 237، # وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم # البقرة 271 وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الرجل يجلس مع القوم فيسمع ~~الحديث فيه محاسن ومساو، فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه. ومن الوقفة ~~من يقف على قوله { فبشر عبادي } ، ويبتدىء { الذين يستمعون } يرفعه على ~~الابتداء، وخبره { أولئك }. ### || [39.19] # أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، جملة شرطية دخل عليها ~~همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على ~~محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره ms1764 أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب ~~فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى، كررت لتوكيد معنى الإنكار ~~والاستبعاد، ووضع { من فى النار } موضع الضمير، فالآية على هذا جملة ~~واحدة. ووجه آخر وهو أن تكون الآية جملتين أفمن حق عليه العذاب فأنت ~~تخلصه؟ { أفأنت تنقذ من في النار } وإنما جاز حذف فأنت تخلصه لأن { ~~أفأنت تنقذ } يدل عليه نزل استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة ~~دخولهم النار، حتى نزل اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكده نفسه ~~في دعائهم إلى الإيمان في منزلة إنقاذهم من النار. وقوله { أفأنت ~~تنقذ } يفيد أن الله تعالى هو الذي يقدر على الإنقاذ من النار وحده، ~~لا يقدر على ذلك أحد غيره، فكما لا تقدر أنت أن تنقد الداخل في النار من ~~النار، لا تقدر أن تخلصه مما هو فيه من استحقاق العذاب بتحصيل الإيمان ~~فيه. ### || [39.20] # { غرف من فوقها غرف } علالي بعضها فوق بعض. فإن قلت ما معنى ~~قوله { مبنية }؟ قلت معناه - والله أعلم - أنها بنيت بناء المنازل ~~التي على الأرض وسويت تسويتها { تجرى من تحتها الأنهر } ~~كما تجري تحت المنازل، من غير تفاوت بين العلو والسفل { وعدالله } ~~مصدر مؤكد لأن قوله لهم غرف في معنى وعدهم الله ذلك { لا يخلف الله ~~الميعاد }. ### || [39.21] # { أنزل من السماء مآء } هو المطر. وقيل كل ماء في الأرض فهو ~~من السماء ينزل منها إلى الصخرة، ثم يقسمه الله، { فسلكه } فأدخله ~~ونظمه { ينابيع فى الأرض } عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في ~~الأجساد { مختلفا ألوانه } هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض ~~وغير ذلك، وأصنافه من بر وشعير وسمسم وغيرها { يهيج } يتم جفافه، ~~عن الأصمعي لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منابته ويذهب { ~~حطما } فتاتا ودرينا { إن فى ذلك لذكرى } لتذكيرا ~~وتنبيها، على أنه لا بد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير، ~~لا عن تعطيل وإهمال. ويجوز أن يكون مثلا للدنيا، كقوله تعالى # إنما مثل الحيوة الدنيا # يونس 24، # واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا # الكهف 45. وقرىء ms1765 «مصفارا». ### || [39.22] # { أفمن } عرف الله أنه من أهل اللطف فلطف به حتى انشرح صدره للإسلام ~~ورغب فيه وقبله كمن لا لطف له فهو حرج الصدر قاسي القلب، ونور الله هو ~~لطفه. 966 وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقيل يا رسول ~~الله، كيف انشراح الصدر؟ قال # " إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح " # ، فقيل يا رسول الله، فما علامة ذلك؟ قال # " الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل ~~نزول الموت " # ، وهو نظير قوله # أمن هو قانت # الزمر 9 في حذف الخبر { من ذكر الله } من أجل ذكره، أي إذا ذكر ~~الله عندهم أو آياته اشمأزوا وازدادت قلوبهم قساوة، كقوله تعالى # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125. وقرىء «عن ذكر الله» فإن قلت ما الفرق بين من وعن في هذا؟ ~~قلت إذا قلت قسا قلبه من ذكر الله، فالمعنى ما ذكرت، من أن القسوة من أجل ~~الذكر وبسببه، وإذا قلت عن ذكر الله، فالمعنى غلظ عن قبول الذكر وجفا ~~عنه. ونظيره سقاه من العيمة، أي من أجل عطشه، وسقاه عن العيمة إذا أرواه ~~حتى أبعده عن العطش. ### || [39.23] # عن ابن مسعود رضي الله عنه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ~~ملة، فقالوا له حدثنا فنزلت، وإيقاع اسم الله مبتدأ وبناء { نزل } ~~عليه فيه تفخيم لأحسن الحديث، ورفع منه، واستشهاد على حسنه، وتأكيد ~~لاستناده إلى الله وأنه من عنده، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه، ~~وتنبيه على أنه وحي معجز مباين لسائر الأحاديث. و { كتبا } بدل من ~~أحسن الحديث. ويحتمل أن يكون حالا منه { متشبها } مطلق في ~~مشابهة بعضه بعضا، فكان متناولا لتشابه معانيه في الصحة والإحكام، ~~والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق، وتناسب ألفاظه وتناصفها في التخير ~~والإصابة، وتجاوب نظمه وتأليفه في الإعجاز والتبكيت، ويجوز أن يكون { ~~مثاني } بيانا لكونه متشابها لأن القصص المكررة لا تكون إلا ~~متشابهة. والمثاني جمع مثنى بمعنى مردد مكرر، ولما ثنى من قصصه ~~وأنبائه، وأحكامه، وأوامره ms1766 ونواهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه. وقيل لأنه ~~يثنى في التلاوة، فلا يمل كما جاء في وصفه لا يتفه ولا يتشان ولا يخلق ~~على كثرة الرد. ويجوز أن يكون جمع مثنى مفعل، من التثنية بمعنى التكرير، ~~والإعادة كما كان قوله تعالى # ثم ارجع البصر كرتين # الملك 4 بمعنى كرة بعد كرة، وكذلك لبيك و سعديك، وحنانيك. فإن قلت كيف ~~وصف الواحد بالجمع؟ قلت إنما صح ذلك لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، ~~وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير، ألا تراك تقول القرآن أسباع وأخماس، وسور ~~وآيات، وكذلك تقول أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات، ونظيره قولك الإنسان ~~عظام وعروق وأعصاب، ألا أنك تركت الموصوف إلى الصفة وأصله كتابا ~~متشابها فصولا مثاني. ويجوز أن يكون كقولك برمة أعشار، وثوب أخلاق. ~~ويجوز أن لا يكون مثاني صفة، ويكون منتصبا على التمييز من متشابها، كما ~~تقول رأيت رجلا حسنا شمائل، والمعنى متشابهة مثانية. فإن قلت ما فائدة ~~التثنية والتكرير؟ قلت النفوس أنفر شيء من حديث الوعظ والنصيحة، فما لم ~~يكرر عليها عودا عن بدء، لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله، ومن ثم كانت عادة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث ~~مرات وسبعا ليركزه في قلوبهم ويغرسه في صدورهم. اقشعر الجلد إذا تقبض ~~تقبضا شديدا، وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس، مضموما إليها ~~حرف رابع وهو الراء، ليكون رباعيا ودالا على معنى زائد. يقال اقشعر ~~جلده من الخوف وقف شعره، وهو مثل في شدة الخوف، فيجوز أن يريد به الله ~~سبحانه التمثيل، تصويرا لإفراط خشيتهم، وأن يريد التحقيق. والمعنى أنهم ~~إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، ثم إذا ~~ذكروا الله ورحمته وجوده بالمغفرة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان ~~بها من الخشية والقشعريرة. # فإن قلت ما وجه تعديه «لان» بإلى؟ قلت ضمن معنى فعل متعد بإلى، كأنه ~~قيل سكنت. أو اطمأنت إلى ذلك الله لينة غير متقبضة، راجية غير خاشية. فإن ~~قلت لم اقتصر ms1767 على ذكر الله من غير ذكر الرحمة؟ قلت لأن أصل أمره الرحمة ~~والرأفة، ورحمته هي سابقة غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر لم يخطر بالبال قبل ~~كل شيء من صفاته إلا كونه رؤوفا رحيما. فإن قلت لم ذكرت الجلود وحدها ~~أولا، ثم قرنت بها القلوب؟ ثانيا؟ قلت إذا ذكرت الخشية التي محلها ~~القلوب، فقد ذكرت القلوب، فكأنه قيل تقشعر جلودهم من آيات الوعيد، وتخشى ~~قلوبهم في أول وهلة، فإذا ذكروا الله ومبنى أمره على الرأفة والرحمة ~~استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم، وبالقشعريرة لينا في جلودهم { ذلك ~~} إشارة إلى الكتاب، وهو { هدى الله يهدى به } يوفق به من يشاء ~~يعني عباده المتقين، حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، كما قال # هدى للمتقين # البقرة2 { ومن يضلل الله } ومن يخذله من الفساق والفجرة { ~~فما له من هاد } أو ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله، أي ~~أثر هداه وهو لطفه، فسماه هدى لأنه حاصل بالهدى، { يهدى به } بهذا ~~الأثر { من يشاء } من عباده، يعني من صحب أولئك ورآهم خاشين راجين، فكان ~~ذلك مرغبا لهم في الاقتداء بسيرتهم وسلوك طريقتهم { ومن يضلل ~~الله } ومن لم يؤثر فيه ألطافه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره، { فما ~~له من هاد } من مؤثر فيه بشىء قط. ### || [39.24-26] # يقال اتقاه بدرقته استقبله بها فوقي بها نفسه إياه واتقاه بيده. وتقديره ~~{ أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب } كمن أمن العذاب، فحذف ~~كما حذف في نظائره و { سوء العذاب } شدته. ومعناه أن الإنسان إذا ~~لقي مخوفا من المخاوف استقبله بيده، وطلب أن يقي بها وجهه، لأنه أعز ~~أعضائه عليه والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ ~~له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره، وقاية له ~~ومحاماة عليه. وقيل المراد بالوجه الجملة، وقيل نزلت في أبي جهل. وقال ~~لهم خزنة النار { ذوقوا } وبال { ما كنتم تكسبون...... من ~~حيث لا يشعرون } من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن ~~الشر يأتيهم منها، بينا هم آمنون ms1768 رافهون إذ فوجئوا من مأمنهم. والخزي ~~الذل والصغار، كالمسح والخسف والقتل والجلاء، وما أشبه ذلك من نكال ~~الله. ### || [39.27-28] # { قرءانا عربيا } حال مؤكدة كقولك جاءني زيد رجلا صالحا ~~وإنسانا عاقلا، ويجوز أن ينتصب على المدح { غير ذى عوج } ~~مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف. فإن قلت فهلا قيل مستقيما أو غير ~~معوج؟ قلت فيه فائدتان، إحداهما نفي أن يكون فيه عوج قط، كما قال # ولم يجعل له عوجا # الكهف 1 والثانية أن لفظ العوج مختص بالمعاني دون الأعيان، وقيل المراد ~~بالعوج الشك واللبس. وأنشد # وقد أتاك يقين غير ذي عوج من الإله وقول ~~غير مكذوب ### || [39.29-30] # واضرب لقومك مثلا، وقل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه ~~شركاء بينهم اختلاف وتنازع كل واحد منهم يدعي أنه عبده، فهم يتجاذبونه ~~ويتعاورونه في مهن شتى ومشادة، وإذا عنت له حاجة تدافعوه، فهو متحير في ~~أمره سادر قد تشعبت الهموم قلبه وتوزعت أفكاره، لا يدري أيهم يرضى ~~بخدمته؟ وعلى أيهم يعتمد في حاجاته. وفي آخر قد سلم لمالك واحد وخلص له، ~~فهو معتنق لما لزمه من خدمته، معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد وقلبه ~~مجتمع، أي هذين العبدين أحسن حالا وأجمل شأنا؟ والمراد تمثيل حال من ~~يثبت آلهة شتى، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعي كل واحد منهم ~~عبوديته، ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا، كما قال تعالى # ولعلا بعضهم على بعض # المؤمنون 91 ويبقى هو متحيرا ضائعا لا يدري أيهم يعبد؟ وعلى ربوبية ~~أيهم يعتمد؟ وممن يطلب رزقه؟ وممن يلتمس رفقه؟ فهمه شعاع وقلبه أو زاع، ~~وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا، فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه ~~وما أسخطه، متفضل عليه في عاجله، مؤمل للثواب من آجله. و { فيه } صلة ~~شركاء، كما تقول اشتركوا فيه. والتشاكس والتشاخس الاختلاف، تقول تشاكست ~~أحواله، وتشاخست أسنانه، سالما لرجل خالصا. وقرىء «سلما» بفتح الفاء ~~والعين، وفتح الفاء وكسرها مع سكون العين، وهي مصادر سلم. والمعنى ذا ~~سلامة لرجل، أي ذا خلوص ms1769 له من الشركة، من قولهم سلمت له الضيعة. وقرىء ~~بالرفع على الابتداء، أي وهناك رجل سالم لرجل، وإنما جعله رجلا ليكون ~~أفطن لما شقي به أو سعد، فإن المرأة والصبي قد يغفلان عن ذلك { هل ~~يستويان مثلا } هل يستويان صفة على التمييز، والمعنى هل يستوي ~~صفتاهما وحالاهما، وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس. وقرىء ~~«مثلين» كقوله تعالى # وأكثر أمولا وأولدا # التوبة 69 مع قوله { أشد منهم قوة } ويجوز فيمن قرأ مثلين، ~~أن يكون الضمير في { يستويان } للمثلين، لأن التقدير مثل رجل ومثل ~~رجل. والمعنى هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، كما تقول كفى بهما رجلين ~~{ الحمد لله } الواحد الذي لا شريك له دون كل معبود سواه، أي يجب ~~أن يكون الحمد متوجها إليه وحده والعبادة، فقد ثبت أنه لا إله إلا هو ~~{ بل أكثرهم لا يعلمون } فيشركون به غيره. ### || [39.31-32] # كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته، فأخبر أن الموت ~~يعمهم، فلا معنى للتربص، وشماتة الباقي بالفاني. وعن قتادة نعى إلى نبيه ~~نفسه، ونعى إليكم أنفسكم. وقرىء «مائت ومائتون» والفرق بين الميت والمائت ~~أن الميت صفة لازمة كالسيد. وأما المائت، فصفة حادثة تقول زيد مائت ~~غدا، كما تقول سائد غدا، أي سيموت وسيسود. وإذا قلت زيد ميت، فكما تقول ~~حي في نقيضه، فيما يرجع إلى اللزوم والثبوت. والمعنى في قوله { إنك ~~ميت وإنهم ميتون } إنك وإياهم، وإن كنتم أحياء فأنتم في ~~عداد الموتى لأن ما هو كائن فكأن قد كان { ثم إنكم } ثم إنك ~~وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب { تختصمون } فتحتج أنت ~~عليهم بأنك بلغت فكذبوا، فاجتهدت في الدعوة فلجوا في العناد، ويعتذرون ~~بما لا طائل تحته، تقول الأتباع أطعنا سادتنا وكبراءنا، وتقول السادات ~~أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون وقد حمل على اختصام الجميع وأن الكفار ~~يخاصم بعضهم بعضا، حتى يقال لهم # لا تختصموا لدى # ق 28 والمؤمنون الكافرين يبكتونهم بالحجج، وأهل القبلة يكون بينهم ~~الخصام. قال عبد الله بن عمر 967 لقد عشنا برهة ms1770 من دهرنا وديننا ونحن نرى ~~أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتاب؟ قلنا كيف تختصم ونبينا واحد ~~وديننا واحد وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت ~~أنها أنزلت فينا. وقال أبو سعيد الخدري كنا نقول ربنا واحد ونبينا واحد ~~وديننا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض ~~بالسيوف، قلنا نعم هو هذا. وعن إبراهيم النخعي قالت الصحابة ما خصومتنا ~~ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا هذه خصومتنا. وعن أبي ~~العالية نزلت في أهل القبلة. والوجه الذي يدل عليه كلام الله هو ما قدمت ~~أولا. ألا ترى إلى قوله تعالى { فمن أظلم ممن كذب على ~~الله } وقوله تعالى # والذى جاء بالصدق وصدق به # الزمر 33 وما هو إلا بيان وتفسير للذين يكون بينهم الخصومة { كذب ~~على الله } افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه { وكذب ~~بالصدق } بالأمر الذي هو الصدق بعينه، وهو ماء جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم { إذ جاءه } فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة، ~~لإعمال روية واهتمام بتمييز بين حق وباطل، كما يفعل أهل النصفة فيما ~~يسمعون { مثوى للكفرين } أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله ~~وكذبوا بالصدق، واللام في { للكفرين } إشارة إليهم. ### || [39.33-35] # { والذى جاء بالحق وصدق به } هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جاء بالصدق وآمن به، وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه ~~وقومه في قوله # ولقد ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون # المؤمنون 49 فلذلك قال { أولئك هم المتقون } إلا أن هذا ~~في الصفة وذاك في الاسم. ويجوز أن يريد والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدق ~~وصدق به، وهم الرسول الذي جاء بالصدق، وصحابته الذي صدقوا به. وفي قراءة ~~ابن مسعود «والذين جاؤوا بالصدق وصدقوا به» وقرىء «وصدق به» بالتخفيف، أي ~~صدق به الناس ولم يكذبهم به، يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف. ~~وقيل صار صادقا به، أي بسببه لأن القرآن معجزة، والمعجزة تصديق من ~~الحكيم ms1771 الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده، ولا يجوز أن يصدق إلا ~~الصادق، فيصير لذلك صادقا بالمعجزة، وقرىء «وصدق به» فإن قلت ما معنى ~~إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذي عملوا، وما معنى التفضيل فيهما؟ قلت أما ~~الإضافة فما هي من إضافة أفعل إلى الجملة التي يفضل عليها، ولكن من إضافة ~~الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل، كقولك الأشج أعدل بني مروان. وأما ~~التفضيل فإيذان بأن السيء الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة، ~~هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية، والحسن الذي يعلمونه هو عند الله ~~الأحسن، لحسن إخلاصهم فيه فلذلك ذكر سيئهم بالأسوأ وحسنهم بالأحسن. وقرىء ~~«أسوأ» الذي عملوا جمع سوء. ### || [39.36-37] # { أليس الله بكاف عبده } أدخلت همزة الإنكار على كلمة ~~النفي، فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها. وقرىء «بكاف عبده» وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، و «بكاف عباده» وهم الأنبياء وذلك 968 أن ~~قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا، ~~وإنا نخشى عليك معرتها لعيبك إياها. ويروى 969 أنه بعث خالدا إلى العزى ~~ليكسرها، فقال له سادنها أحذركها يا خالد، إن لها لشدة لا يقوم لها ~~شيء، فعمد خالد إليها فهشم أنفها. فقال الله عز وجل أليس الله بكاف ~~نبيه أن يعصمه من كل سوى ويدفع عنه كل بلاء في مواطن الخوف. وفي هذا تهكم ~~بهم لأنهم خوفوه ما لا يقدر على نفع ولا ضر. أو أليس الله بكاف ~~أنبياءه ولقد قالت أممهم نحو ذلك، فكفاهم الله وذلك قول قوم هود # إن نقول إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء # هود 54 ويجوز أن يريد العبد والعباد على الإطلاق، لأنه كافيهم في ~~الشدائد وكافل مصالحهم. وقرىء «بكافي عباده» على الإضافة. و«يكافي ~~عباده». ويكافي يحتمل أن يكون غير مهموز مفاعله من الكفاية، كقولك يجازي ~~في يجزى، وهو أبلغ من كفى، لبنائه على لفظ المبالغة. والمباراة أن يكون ~~مهموزا، من المكافأة وهي المجازاة، لما تقدم من قوله ويجزيهم أجرهم، { ~~بالذين من دونه } أراد الأوثان ms1772 التي اتخذوها آلهة من دونه { ~~بعزيز } بغالب منيع { ذى انتقام } ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد ~~لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم، وينصرهم عليهم. ### || [39.38] # قرىء «كاشفات ضره» و«ممسكات رحمته» بالتنوين على الأصل، وبالإضافة ~~للتخفيف. فإن قلت لم فرض المسألة في نفسه دونهم؟ قلت لأنهم خوفوه معرة ~~الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم أولا بأن خالق العالم هو الله ~~وحده. ثم يقول لهم بعد التقرير فإذا أرادني خالق العالم الذي أقررتم به ~~بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل. أو برحمة من صحة أو غنى أو ~~نحوهما. هل هؤلاء اللاتي خوفتموني إياهن كاشفات عني ضره أو ممسكات ~~رحمته، حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم حتى لا يحيروا ببنت شفه قال { ~~حسبى الله } كافيا لمعرة أوثانكم { عليه يتوكل ~~المتوكلون } وفيه تهكم. ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سألهم فسكتوا، فنزل { قل حسبى الله } فإن قلت لم قيل كاشفات، ~~وممسكات، على التأنيث بعد قوله تعالى ويخوفونك بالذين من دونه؟ قلت أنثهن ~~وكن إناثا وهن اللات والعزى ومناة، قال الله تعالى # أفرءيتم اللت والعزى ومنوة الثالثة ~~الأخرى ألكم الذكر وله الانثى # النجم 19 - 21 ليضعفها ويعجزها زيادة تضعيف وتعجيز عما طالبهم به من كشف ~~الضر وإمساك الرحمة لأن الأنوثة من باب اللين والرخاوة، كما أن ~~الذكورة من باب الشدة والصلابة، كأنه قال الأناث اللاتي هن اللات ~~والعزى ومناة أضعف مما تدعون لهن وأعجز. وفيه تهكم أيضا. ### || [39.39-40] # { على مكانتكم } على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة ~~التي تمكنتم منها. والمكانة بمعنى المكان. فاستعيرت عن العين للمعنى كما ~~يستعار هنا. وحيث - للزمان، وهما للمكان. فإن قلت حق الكلام فإني عامل ~~على مكانتي، فلم حذف؟ قلت للاختصار، ولما فيه من زيادة الوعيد، والإيذان ~~بأن حاله لا تقف، وتزداد كل يوم قوة وشدة، لأن الله ناصره ومعينه ~~ومظهره على الدين كله. ألا ترى إلى قوله { فسوف تعلمون من ~~يأتيه } كيف توعدهم بكونه منصورا عليهم غالبا عليهم في الدنيا ~~والآخرة، لأنهم إذا أتاهم الخزي ms1773 والعذاب فذاك عزه وغلبته، من حيث إن ~~الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه، وبذل ذليل من أعدائه { يخزيه } ~~مثل مقيم في وقوعه صفة للعذاب، أي عذاب مخز له، وهويوم بدر، وعذاب دائم ~~وهو عذاب النار. وقرىء «مكاناتكم». ### || [39.41] # { للناس } لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ليبشروا وينذروا، فتقوى دواعيهم ~~إلى اختيار الطاعة على المعصية. ولا حاجة إلى ذلك فأنا الغني، فمن اختار ~~الهدي فقد نفع نفسه، ومن اختار الضلالة فقد ضرها. وما وكلت عليهم ~~لتجبرهم على الهدى، فإن التكليف مبني على الاختيار دون الإجبار. ### || [39.42] # { الأنفس } الجمل كما هي. وتوفيها إماتتها، وهو أن تسلب ما هي به حية ~~حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد ~~سلبت { والتى لم تمت فى منامها } يريد ويتوفي الأنفس التي ~~لم تمت في منامها، أي يتوفاها حين تنام، تشبيها للنائمين بالموتى. ومنه ~~قوله تعالى # وهو الذى يتوفكم باليل # الأنعام 6 حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك { فيمسك ~~} الأنفس { التى قضى عليها الموت } الحقيقي، أي لا يردها ~~في وقتها حية { ويرسل الأخرى } النائمة إلى أجل مسمى إلى وقت ~~ضربه لموتها. وقيل يتوفى الأنفس يستوفيها ويقضيها، وهي الأنفس التي تكون ~~معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وهي أنفس ~~التمييز. قالوا فالتي تتوفى في النوم هي نفس التمييز لا نفس الحياة لأن ~~نفس الحياة إذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. ورووا عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي ~~بها العقل والتمييز والروح التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض ~~الله نفسه ولم يقبض روحه والصحيح ما ذكرت أولا، لأن الله عز وعلا علق ~~التوفي والموت والمنام جميعا بالأنفس، وما عنوا بنفس الحياة والحركة ~~ونفس العقل والتمييز غير متصف بالموت والنوم، وإنما الجملة هي التي تموت ~~وهي التي تنام { إن فى ذلك } إن في توفي الأنفس مائتة ونائمة ~~وإمساكها وإرسالها إلى أجل لآيات على قدرة ms1774 الله وعلمه لقوم يتفكرون، لقوم ~~يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون. وقرىء «قضي عليها الموت» على البناء ~~للمفعول. ### || [39.43-44] # { أم اتخذوا } بل اتخذ قريش، والهمزة للإنكار { من دون ~~الله } من دون إذنه { شفعاء } حين قالوا # هؤلاء شفعؤنا عند الله # يونس 18 ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. ألا ترى إلى قوله تعالى { قل ~~لله الشفعة جميعا } أي هو مالكها، فلا يستطيع أحد شفاعة ~~إلا بشرطين أن يكون المشفوع له مرتضى، وأن يكون الشفيع مأذونا له. ~~وههنا الشرطان مفقودان جميعا { أولو كانوا } معناه أيشفعون ولو ~~كانوا { لا يملكون شيئا ولا يعقلون } أي ولو كانوا على ~~هذه الصفة لا يملكون شيئا قط، حتى يملكوا الشفاعة ولا عقل لهم { له ~~ملك السموت والأرض } تقرير لقوله تعالى { لله ~~الشفعة جميعا } لأنه إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك، ~~كان مالكا لها. فإن قلت بم يتصل قوله { ثم إليه ترجعون }؟ ~~قلت بما يليه، معناه له ملك السموات والأرض اليوم ثم إليه ترجعون يوم ~~القيامة، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له. فله ملك الدنيا والآخرة. ### || [39.45] # مدار المعنى على قوله وحده»، أي إذا أفرد الله بالذكر ولم يذكر معه ~~آلهتهم اشمأزوا»، أي نفروا وانقبضوا { وإذا ذكر الذين من ~~دونه } وهم آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكر استبشروا، لافتتانهم بها ~~ونسيانهم حق الله إلى هواهم فيها. وقيل إذا قيل لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له نفروا لأن فيه نفيا لآلهتهم. وقيل أراد استبشارهم بما سبق ~~إليه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر آلهتهم حين قرأ والنجم ~~عند باب الكعبة، فسجدوا معه لفرحهم، ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ ~~كل واحد منهما غاية في بابه لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سرورا حتى ~~تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل. والاشمئزاز أن يمتلىء غما وغيظا حتى يظهر ~~الانقباض في أديم وجهه. فإن قلت ما العامل في { إذا ذكر }؟ قلت ~~العامل في إذا المفاجأة، تقديره وقت ذكر الذين من دونه، فاجأوا وقت ~~الاستبشار. ### || [39.46] # بعل رسول ms1775 الله صلى الله عليه وسلم بهم، وبشدة شكيمتهم في الكفر ~~والعناد، فقيل له ادع الله بأسمائه العظمى، وقل أنت وحدك تقدر على الحكم ~~بيني وبينهم، ولا حيلة لغيرك فيهم. وفيه وصف لحالهم وإعذار لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وتسلية له ووعيد لهم. وعن الربيع بن خثيم وكان قليل ~~الكلام. أنه أخبر بقتل الحسين - رضي الله عنه، وسخط على قاتله - وقالوا ~~الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أو قد فعلوا؟ وقرأ هذه الآية. وروى ~~أنه قال على أثره قتل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ~~ويضع فاه على فيه. ### || [39.47-48] # { وبدا لهم من الله } وعيد لهم لا كنه لفظاعته وشدته، وهو ~~نظير قوله تعالى في الوعد # فلا تعلم نفس ما أخفى لهم # السجدة 17 والمعنى وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قط في حسابهم ~~ولم يحدثوا به نفوسهم. وقيل عملوا أعمالا حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات. ~~وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء. وجزع ~~محمد بن المنكدر عند موته فقيل له، فقال أخشى آية من كتاب الله، وتلاها، ~~فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسبه { وبدا لهم سيئات ~~ما كسبوا } أي سيئات أعمالهم التي كسبوها. أو سيئات كسبهم، حين ~~تعرض صحائفهم، وكانت خافية عليهم، كقوله تعالى # أحصه الله ونسوه # المجادلة 6 وأراد بالسيئات أنواع العذاب التي يجازون بها على ما كسبوا، ~~فسماها سيئات، كما قال # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 40 { وحاق بهم } ونزل بهم وأحاط جزاء هزئهم. ### || [39.49] # التخويل مختص بالتفضل. ويقال خولني، إذا أعطاك على غير جزاء { على ~~علم } أي على علم مني أني سأعطاه، لما في من فضل واستحقاق. أو على ~~علم من الله بي وباستحقاقي أو على علم مني بوجوه الكسب، كما قال قارون # على علم عندي # القصص78. فإن قلت لم ذكر الضمير في { أوتيته } وهو للنعمة؟ قلت ~~ذهابا به إلى المعنى لأن قوله { نعمة منا } شيئا من ms1776 النعم ~~وقسما منها. ويحتمل أن تكون ما في إنما موصولة لا كافة، فيرجع إليها ~~المضير. على معنى أن الذي أوتيته على علم { بل هى فتنة } إنكار ~~لقوله كأنه قال ما خولناك من خولناك من النعمة لما تقول، بل هي فتنة، أي ~~ابتلاء وامتحان لك، أتشكر أم تكفر؟ فإن قلت كيف ذكر الضمير ثم أنثه؟ قلت ~~حملا على المعنى أولا، وعلى اللفظ آخرا ولأن الخبر لما كان مؤنثا ~~أعني { فتنة } ساغ تأنيث المبتدأ لأجله لأنه في معناه، كقولهم ما ~~جاءت حاجتك. وقرىء «بل هو فتنة»على وفق { إنما أوتيته }. فإن قلت ~~ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟ قلت ~~السبب في ذلك أن هذه وقعت مسببة عن قوله # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت # الزمر 45 على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة، ~~فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز من ذكره، دون من استبشر بذكره، وما ~~بينهما من الآي اعتراض. فإن قلت حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه. ~~قلت ما في الاعتراض من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بأمر منه ~~وقوله أنت تحكم بين عبادك ثم ما عقبه من الوعيد العظيم تأكيد ~~لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم، ~~كأنه قيليا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترؤن عليك مثل هذه ~~الجراءة، ويرتكبون مثل هذا المنكر إلا أنت. وقوله # ولو أن للذين ظلموا # الزمر 47 متناول لهم ولكل ظالم إن جعل مطلقا، وإياهم خاصة إن عنيتهم ~~به، كأنه قيل ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعا ومثله معه ~~لافتدوا به. حين أحكم عليهم بسوء العذاب، وهذه الأسرار والنكت لا يبرزها ~~إلا علم النظم، وإلا بقيت محتجبة في أكمامها. وأما الآية الأولى فلم تقع ~~مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو، كقولك قام ~~زيد وقعد عمرو. فإن قلت من أي وجه وقعت مسببة؟ والاشمئزاز عن ذكر الله ~~ليس بمقتض لالتجائهم إليه، ms1777 بل هو مقتض لصدوفهم عنه. قلت في هذا التسبيب ~~لطف، وبيانه أنك تقول زيد مؤمن بالله، فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا ~~تسبيب ظاهر لا لبس فيه، ثم تقول زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر التجأ ~~إليه، فتجيء بالفاء مجيئك به ثمة، كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجاء ~~المؤمن إليه، مقيم كفره مقام الإيمان، ومجريه مجراه في جعله سببا في ~~الالتجاء، فأنت تحكي ما عكس فيه الكافر. ألا ترى أنك تقصد بهذا الكلام ~~الإنكار والتعجب من فعله.؟ ### || [39.50-52] # الضمير في { قالها } راجع إلى قوله { إنما أوتيته على ~~علم } لأنها كلمة أو جملة من القول. وقرىء «قد قاله» على معنى القول ~~والكلام، وذلك والذين من قبلهم هم قارون وقومه، حيث قال # إنمآ أوتيته على علم عندي # القصص78 وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها. ويجوز أن يكون في الأمم ~~الخالية آخرون قائلون مثلها { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } من متاع الدنيا ويجمعون منه { من ه ؤلا ء } من ~~مشركي قومك { سيصيبهم } مثل ما أصاب أولئك، فقتل صناديدهم ببدر، ~~وحبس عنهم الرزق، فقحطوا سبع سنين، ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين، فقيل لهم ~~{ أولم يعلمو ا } أنه لا قابض ولا باسط إلا الله عز وجل. ### || [39.53] # { أسرفوا على أنفسهم } جنوا عليها بالإسراف في المعاصي ~~والغلو فيها { لا تقنطوا } قرىء بفتح النون وكسرها وضمها { إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا } يعني بشرط التوبة، وقد تكرر ذكر ~~هذا الشرط في القرآن، فكان ذكره فيما ذكر فيه ذكرا له فيما لم يذكر فيه ~~لأن القرآن في حكم كلام واحد، ولا يجوز فيه التناقض. وفي قراءة ابن عباس ~~وابن مسعود «يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء». والمراد بمن يشاء من تاب لأن ~~مشيئة الله تابعة لحكمته وعدله، لا لملكه وجبروته. وقيل في قراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفاطمة رضي الله عنها «يغفر الذنوب جميعا ولا يبالي» ~~ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله تعالى # ولا يخاف عقبها # الشمس 15 وقيل قال أهل مكة يزعم محمد أن من ms1778 عبد الأوثان وقتل النفس ~~التي حرم الله لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس ~~التي حرم الله فنزلت. وروى أنه أسلم عياش بن أبي ربيعة والوليد ابن ~~الوليد ونفر معهما، ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا، فكنا نقول لا يقبل الله ~~لهم صرفا ولا عدلا أبدا، فنزلت. فكتب بها عمر رضي الله عنه إليهم، ~~فأسلموا وهاجروا، وقيل نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه. وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 970 # " ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية " # فقال رجل يا رسول الله، ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال # " إلامن أشرك " # ثلاث مرات. ### || [39.54-59] # { وأنيبوا إلى ربكم } وتوبوا إليه { وأسلموا له } ~~وأخلصوا له العمل، إنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة لئلا يطمع طامع في ~~حصولها بغير توبة، وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه { ~~واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } مثل ~~قوله # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # الزمر 18. { وأنتم لا تشعرون } أي يفجؤكم وأنتم غافلون، كأنكم ~~لا تخشون شيئا لفرط غفلتكم وسهوكم { أن تقول نفس } كراهة أن ~~تقول. فإن قلت لم نكرت؟ قلت لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر. ~~ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد. أو بعذاب ~~عظيم. ويجوز أن يراد التكثير، كما قال الأعشى # ورب بقيع لو هتفت بحوه أتاني كريم ينفض ~~الرأس مغضبا # وهو يريد أفواجا من الكرام ينصرونه، لا كريما واحدا. ونظيره رب بلد ~~قطعت، ورب بطل قارعت. وقد اختلس الطعنة ولا يقصد إلا التكثير. وقرىء «يا ~~حسرتي» على الأصل. ويا حسرتاي، على الجمع بين العوض والمعوض منه. والجنب ~~الجانب، يقال أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته، وفلان لين الجنب والجانب، ~~ثم قالوا فرط في جنبه وفي جانبه، يريدون في حقه. قال سابق البربري # أما تتقين الله في جنب وامق له كبد حرى ~~عليك تقطع # وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه، فقد ~~أثبته فيه. ms1779 ألا ترى إلى قوله # إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت ~~على ابن الحشرج # ومنه قول الناس لمكانك فعلت كذا، يريدون لأجلك. وفي الحديث 971 # " من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل " # وكذلك فعلت هذا من جهتك. فمن حيث لم يبق فرق فيما يرجع إلى أداء الغرض ~~بين ذكر المكان وتركه، قيل { فرطت فى جنب الله } على معنى ~~فرطت في ذات الله. فإن قلت فمرجع كلامك إلى أن ذكر الجنب كلا ذكر سوى ما ~~يعطى من حسن الكناية وبلاغتها، فكأنه قيل فرطت في الله. فما معنى فرطت في ~~الله؟ قلت لا بد من تقدير مضاف محذوف، سواء ذكر الجنب أو لم يذكر. ~~والمعنى فرطت في طاعة الله وعبادة الله، وما أشبه ذلك. وفي حرف عبد الله ~~وحفصة في ذكر الله.« وما » في« ما فرطت» مصدرية مثلها في # بما رحبت # التوبة 25، التوبة 118، { وإن كنت لمن السخرين } قال ~~قتادة لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها، ومحل { وإن كنت } ~~على النصب على الحال، كأنه قال فرطت وأنا ساخر، أي فرطت في حال سخريتي. ~~وروى أنه كان في بني إسرائيل عالم ترك علمه وفسق. # وأتاه إبليس فقال له تمتع من الدنيا ثم تب، فأطاعه، وكان له مال فأنفقه ~~في الفجوز، فأتاه ملك الموت في ألذ ما كان فقال يا حسرتاه على ما فرطت ~~في جنب الله، ذهب عمري في طاعة الشيطان، وأسخطت ربي فندم حين لم ينفعه ~~الندم، فأنزل الله خبره في القرآن { لو أن الله هدنى } لا ~~يخلو إما أن يريد به الهداية بالإلجاء أو بالإلطاف أو بالوحي، فالإلجاء ~~خارج عن الحكمة، ولم يكن من أهل الإلطاف فليلطف به. وأما الوحي فقد كان، ~~ولكنه عرض ولن يتبعه حتى يهتدي، وإنما يقول هذا تحيرا في أمره وتعللا ~~بما لا يجدي عليه، كما حكى عنهم التعلل بإغواء الرؤوساء والشياطين ونحو ~~ذلك ونحوه # لو هدانا الله لهديناكم # إبراهيم 21 وقوله { بلى قد جآءتك ءايتى } رد من الله ~~عليه، معناه بلى قد ms1780 هديت بالوحي فكذبت به واستكبرت عن قبوله، وآثرت الكفر ~~على الإيمان، والضلالة على الهدى. وقرىء بكسر التاء على مخاطبة النفس. ~~فإن قلت فهلا قرن الجواب بما هو جواب له، وهو قوله { لو أن الله ~~هدنى } ولم يفصل بينهما بآية؟ قلت لأنه لا يخلو إما أن يقدم على أخرى ~~القرائن الثلاث فيفرق بينهن. وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن ~~الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن. وأما الثاني فلما فيه ~~من نقص الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة، ثم التعلل بفقد ~~الهداية، ثم تمني الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه، وهو أنه حكى أقوال ~~النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. فإن قلت ~~كيف صح أن تقع بلى جوابا لغير منفي؟ قلت { لو أن الله هدنى ~~} فيه معنى ما هديت. ### || [39.60] # { كذبوا على الله } أي وصفوه بما لا يجوز عليه تعالى، وهو ~~متعال عنه، فأضافوا إليه الولد والشريك، وقالوا هؤلاء شفعاؤنا، وقالوا { ~~لو شاء الرحمن ما عبدنهم } ، وقالوا # والله أمرنا بها # الأعراف 28 ولا يبعد عنهم قوم يسفهونه بفعل القبائح، وتجويز أن يخلق ~~خلقا لا لغرض، ويؤلم لا لعوض، ويظلمونه بتكليف ما لا يطاق، ويجسمونه ~~بكونه مرئيا معاينا مدركا بالحاسة، ويثبتون له يدا وقدما وجنبا ~~متسترين بالبلكفة، ويجعلون له أندادا بإثباتهم معه قدماء { وجوههم ~~مسودة } جملة في موضع الحال إن كان ترى من رؤية البصر، ومفعول ~~ثان إن كان من رؤية القلب. ### || [39.61] # قرىء «ينجي» و«ينجي» { بمفازتهم } بفلاحهم، يقال فاز بكذا إذا ~~أفلح به وظفر بمراده منه. وتفسير المفازة قوله { لا يمسهم ~~السوء ولا هم يحزنون } كأنه قيل ما مفازتهم؟ فقيل لا يمسهم ~~السوء، أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أو بسبب منجاتهم، من قوله ~~تعالى # فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب # آل عمران 188 أي بمنجاة منه لأن النجاة من أعظم الفلاح، وسبب منجاتهم ~~العمل الصالح ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال ~~الحسنة، ويجوز بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب ms1781 الفلاح وهو دخول الجنة. ~~ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها. وقرىء «بمفازاتهم» ~~على أن لكل متق مفازة. فإن قلت { لا يمسهم } ما محله من الإعراب ~~على التفسيرين؟ قلت أما على التفسير الأول فلا محل له لأنه كلام مستأنف. ~~وأما على الثاني فمحله النصب على الحال. ### || [39.62-63] # { له مقاليد السموت والأرض } أي هو مالك أمرها ~~وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن مدبر أمرها هو الذي الذي ~~يملك مقاليدها، ومنه قولهم فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي مفاتيح، ولا ~~واحد لها من لفظها. وقيل مقليد. ويقال إقليد وأقاليد، والكلمة أصلها ~~فارسية. فإن قلت ما للكتاب العربي المبين وللفارسية؟ قلت التعريب أحالها ~~عربية، كما أخرج الاستعمال المهمل من كونه مهملا. فإن قلت بما اتصل قوله ~~{ والذين كفروا } قلت بقوله { وينجى الله الذين ~~اتقوا } أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخاسرون. ~~واعتراض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها. وهو مهيمن عليها فلا يخفى عليه ~~شيء من أعمال المكلفين فيها وما يستحقون عليها من الجزاء، وقد جعل متصلا ~~بما يليه على أن كل شيء في السموات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه ~~والذين كفروا وجحدوا أن يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون وقيل 972 سأل ~~عثمان رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى { ~~له مقاليد السموت والأرض } ، فقال # " يا عثمان، ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله ~~أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء ~~قدير " # وتأويله على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد، وهي مفاتيح خير ~~السموات والأرض، من تكلم بها من المتقين أصابه، والذين كفروا بآيات الله ~~وبكلمات توحيده وتمجيده، أولئك هم الخاسرون. ### || [39.64] # { أفغير الله } منصوب بأعبد. و { تأمرونى } اعتراض. ~~ومعناه أفغير الله أعبد بأمركم، وذلك حين قال له المشركون استلم بعض ~~آلهتنا ونؤمن بإلهك. أو ينصب ms1782 بما يدل عليه جملة قوله { تأمرونى ~~أعبد } لأنه في معنى تعبدونني وتقولون لي اعبد، والأصل تأمرونني أن ~~أعبد، فحذف «أن» ورفع الفعل، كما في قوله # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # ألا تراك تقول أفغير الله تقولون لي أعبده، وأفغير الله تقولون لي أعبد، ~~فكذلك أفغير الله تأمرونني أن أعبده. وأفغير الله تأمرونني أن أعبد، ~~والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ أعبد بالنصب. وقرىء «تأمرونني» ~~على الأصل. وتأمروني، على إدغام النون أو حذفها. ### || [39.65-66] # قرىء «ليحبطن عملك» وليحبطن على البناء للمفعول. ولنحبطن، بالنون ~~والياء، أي ليحبطن الله. أو الشرك. فإن قلت الموحى إليهم جماعة، فكيف ~~قال { لئن أشركت } على التوحيد؟ قلت معناه أوحى إليك لئن أشركت ~~ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله، أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم ~~لئن أشركت كما تقول كسانا حلة، أي كل واحد منا فإن قلت ما الفرق بين ~~اللامين؟ قلت الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثاني لام الجواب، ~~وهذاالجواب ساد مسد الجوابين، أعني جوابي القسم والشرط، فإن قلت كيف ~~صح هذا الكلام مع علم الله أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ قلت هو ~~على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها لأغراض، فكيف بما ليس بمحال. ألا ~~ترى إلى قوله # ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا # يونس 99 يعني على سبيل الإلجاء، ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه ووجود ~~الصارف عنه. فإن قلت ما معنى قوله { ولتكونن من الخسرين ~~}؟ قلت يحتمل ولتكونن من الخاسرين بسبب حبوط العمل. ويحتمل ولتكونن في ~~الآخرة من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم إن مت على الردة. ويجوز أن ~~يكون غضب الله على الرسول أشد، فلا يمهله بعد الردة ألا ترى إلى قوله ~~تعالى # إذا لأذقنك ضعف الحيوة وضعف الممات # الإسراء 75، { بل الله فاعبد } رد لما أمروه به من استلام بعض ~~آلهتهم، كأنه قال لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت عاقلا فاعبد ~~الله، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا منه { وكن من ~~الشكرين } على ما ms1783 أنعم به عليك، من أن جعلك سيد ولد آدم. وجوز ~~الفراء نصبه بفعل مضمر هذا معطوف عليه، تقديره بل الله فأعبد فاعبد. ### || [39.67] # لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه ~~حق تقديره وعظمه حق تعظيمه قيل { وما قدروا الله حق ~~قدره } وقرىء بالتشديد على معنى وما عظموه كنه تعظيمه، ثم نبههم على ~~عظمته وجلالة شأنه على طريقة التخييل فقال { والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيمة والسموت مطويت ~~بيمينه } والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه ~~تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا ~~باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز، وكذلك حكم ما يروى 973 أن جبريل جاء ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا أبا القاسم، إن الله يمسك ~~السموات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والجبال على أصبع ~~والشجر على أصبع و الثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول ~~أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال ثم قرأ ~~تصديقا له { وما قدروا الله حق قدره }... الآية، وإنما ~~ضحك أفصح العرب صلى الله عليه وسلم وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه ~~علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن ~~فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة ~~الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام والأذهان ولا ~~تكتنهها الأوهام هينة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه، إلا ~~إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل، ولا ترى بابا في علم ~~البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع وأعون على تعاطي ~~تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية ~~وكلام الأنبياء، فإن أكثره وعليته تخييلات قد زلت فيها الأقدام قديما، ~~وما أوتي الزالون إلا من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير، حتى يعلموا أن في ms1784 ~~عداد العلوم الدقيقة علما لو قدره حق قدره، لما خفي عليهم أن العلوم ~~كلها مفتقرة إليه وعيال عليه، إذ لا يحل عقدها الموربة ولا يفك قيودها ~~المكربة إلا هو، وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول، وقد ~~ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثة، والوجوه الرثة، لأن من تأول ليس من ~~هذا العلم في عير ولا نفير، ولا يعرف قبيلا منه من دبير والمراد والأرض ~~الأرضون السبع، يشهد لذلك شاهدان، قوله { جميعا } وقوله { ~~والسموت } ولأن الموضع موضع تفخيم وتعظيم، فهو مقتض للمبالغة، ~~ومع القصد إلى الجمع وتأكيده بالجميع اتبع الجميع مؤكدة قبل مجيء الخبر، ~~ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة، ولكن عن ~~الأراضي كلهن. # والقبضة المرة من القبض # فقبضت قبضة من أثر الرسول # طه 96 والقبضة - بالضم - المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضا أعطني قبضة ~~من كذا تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، كما روى 974 أنه نهى عن خطفة ~~السبع وكلا المعنيين محتمل. والمعنى الأرضون جميعا قبضته، أي ذوات قبضته ~~يقبضهن قبضة واحدة، يعني أن الأرضين مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة ~~واحدة من قبضاته، كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة، كما تقول الجزور أكلة ~~لقمان، والقلة جرعته، أي ذات أكلته وذات جرعته تريد أنهما لا يفيان إلا ~~بأكلة فذة من أكلاته، وجرعة فردة من جرعاته. وإذا أريد معنى القبضة ~~فظاهر، لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة. فإن ~~قلت ما وجه قراءة من قرأ «قبضته» بالنصب؟ قلت جعلها ظرفا مشبها للمؤقت ~~بالمبهم { مطويت } من الطي الذي هو ضد النشر، كما قال تعالى # يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب # الأنبياء 104 وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، وقيل قبضته ملكه بلا ~~مدافع ولا منازع، وبيمينه بقدرته. وقيل مطويات بيمينه مفنيات بقسمه لأنه ~~أقسم أن يفنيها، ومن اشتم رائحة من علمنا هذا فليعرض عليه هذا التأويل ~~ليتلهى بالتعجب منه ومن قائله، ثم يبكي حمية لكلام الله المعجز بفصاحته، ~~وما مني به من أمثاله ms1785 وأثقل منه على الروح، وأصدع للكبد تدوين العلماء ~~قوله، واستحسانهم له، وحكايته على فروع المنابر، واستجلاب الاهتزاز به من ~~السامعين. وقرىء «مطويات» على نظم السموات في حكم الأرض، ودخولها تحت ~~القبضة، ونصب مطويات على الحال { سبحانه وتعالى } ما أبعد من هذه قدرته ~~وعظمته، وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء. ### || [39.68] # فإن قلت { أخرى } ما محلها من الإعراب؟ قلت يحتمل الرفع والنصب أما ~~الرفع فعلى قوله # فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة # الحاقة 13 وأما النصب فعلى قراءة من قرأ # نفخة وحدة # الحاقة 13 والمعنى ونفخ في الصور نفخة واحدة، ثم نفخ فيه أخرى. وإنما ~~حذفت لدلالة أخرى عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان. وقرىء ~~«قياما ينظرون» يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب. ~~وقيل ينظرون ماذا يفعل بهم. ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود ~~في مكان لتحيرهم. ### || [39.69-70] # قد استعار الله عز وجل النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع من ~~التنزيل، وهذا من ذاك. والمعنى { وأشرقت الأرض } بما يقيمه فيها ~~من الحق والعدل، ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، ~~وينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه لأنه هو الحق العدل. وإضافة ~~اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ~~ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه. ~~وفي هذه الإضافة أن ربها وخالقها هو الذي يعدل فيها، وإنما يجوز فيها غير ~~ربها، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين ~~والشهداء والقضاء بالحق وهو النور المذكور. وترى الناس يقولون للملك ~~العادل أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما تقول أظلمت البلاد ~~بجور فلان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 975 # " الظلم ظلمات يوم القيامة " # وكما فتح الآية بإثبات العدل، ختمها بنفي الظلم. وقرىء «واشرقت» على ~~البناء للمفعول، من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به واغتصت. وأشرقها ~~الله، كما تقول ملأ الأرض عدلا وطبقها عدلا و { الكتب } صحائف ~~الأعمال، ms1786 ولكنها اكتفى باسم الجنس، وقيل اللوح المحفوظ { والشهدآء } ~~الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار. وقيل المستشهدون في سبيل ~~الله. ### || [39.71-72] # الزمر الأفواج المتفرقة بعضها في أثر بعض، وقد تزمروا، قال # حتى احزألت زمر بعد زمر # وقيل في زمر الذين اتقوا هي الطبقات المختلفة الشهداء، والزهاد، ~~والعلماء، والقراء وغيرهم. وقرىء «نذر منكم» فإن قلت لم أضيف إليهم ~~اليوم؟ قلت أرادوا لقاء وقتكم هذا، وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة. ~~وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضا في أوقات الشدة { قالوا ~~بلى } أتونا وتلوا علينا، ولكن وجبت علينا كلمة الله لأملأن جهنم، ~~لسوء أعمالنا، كما قالوا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين. فذكروا ~~عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال. واللام في المتكبرين للجنس ~~لأن { مثوى المتكبرين } فاعل بئس، وبئس فاعلها اسم معرف بلام ~~الجنس. أو مضاف إلى مثله، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره فبئس مثوى ~~المتكبرين جهنم. ### || [39.73-74] # { حتى } هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة المحكية بعدها هي ~~الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف لأنه صفة ثواب أهل الجنة، ~~فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وحق موقعه ما بعد خالدين. وقيل ~~حتى إذا جاؤوها، جاؤوها وفتحت أبوابها، أي مع فتح أبوابها. وقيل أبواب ~~جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها. وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها، ~~بدليل قوله # جنت عدن مفتحة لهم الأبواب # ص 50 فلذلك جيء بالواو، كأنه قيل حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها. فإن ~~قلت كيف عبر عن الذهاب بالفريقين جميعا بلفظ السوق؟ قلت المراد بسوق أهل ~~النار طردهم إليها بالهوان والعنف، كما يفعل بالأسارى والخارجين على ~~السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل. والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم، ~~لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، وحثها إسراعا بهم إلى دار الكرامة ~~والرضوان، كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ~~ما بين السوقين { طبتم } من دنس المعاصي. وطهرتم من خبث الخطايا { ~~فادخلوها } جعل دخول الجنة مسببا عن الطيب والطهارة، فما ms1787 هي إلا ~~دار الطيبين ومثوى الطاهرين لأنها دار طهرها الله من كل دنس، وطيبها من ~~كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها، فما أبعد أحوالنا من ~~تلك المناسبة، وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة، إلا أن يهب لنا ~~الوهاب الكريم توبة نصوحا، تنقي أنفسنا من درن الذنوب، وتميط وضر هذه ~~القلوب { خلدين } مقدرين الخلود { والأرض } عبارة عن المكان ~~الذي أقاموا فيه واتخذوا مقرا ومتبوأ وقد أورثوها أي ملكوها وجعلوا ~~ملوكها وأطلق تصرفهم فيها كما يشاؤون، تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما ~~يرثه واتساعه فيه، وذهابه في إنفاقه طولا وعرضا. فإن قلت ما معنى قوله ~~{ حيث نشاء } وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ قلت يكون لكل واحد منهم ~~جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة، فيتبوأ من جنته حيث يشاء ولا يحتاج ~~إلى جنة غيره. ### || [39.75] # { حآفين } محدقين من حوله { يسبحون بحمد ربهم } ~~يقولون سبحان الله والحمد لله، متلذذين لا متعبدين. فإن قلت إلام يرجع ~~الضمير في قوله { بينهم }؟ قلت يجوز أن يرجع إلى العباد كلهم، وأن ~~إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون إلا قضاء بينهم بالحق والعدل، ~~وأن يرجع إلى الملائكة، على أن ثوابهم - وإن كانوا معصومين جميعا - لا ~~يكون على سنن واحد، ولكن يفاضل بين مراتبهم على حسب تفاضلهم في أعمالهم، ~~فهو القضاء بينهم بالحق. فإن قلت قوله { وقيل الحمد لله } من ~~القائل ذلك؟ قلت المقضي بينهم إما جميع العباد وإما الملائكة، كأنه قيل ~~وقضى بينهم بالحق، وقالوا الحمد لله على قضائه بيننا بالحق، وإنزال كل ~~منا منزلته التي هي حقه. 976 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب ~~الخائفين الذي خافوا " # وعن عائشة رضي الله عنها 976 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ~~كل ليلة بني إسرائيل والزمر. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # قرىء بإمالة ألف «حا» وتفخيمها، وبتسكين الميم وفتحها. ووجه الفتح ~~التحريك لالتقاء الساكنين، وإيثار أخف الحركات، نحو أين ms1788 وكيف أو النصب ~~بإضمار اقرأ ومنع الصرف للتأنيث والتعريف أو للتعريف وأنها على زنة أعجمي ~~نحو قابيل وهابيل. التوب والثوب والأوب أخوات في معنى الرجوع والطول ~~الفضل والزيادة. يقال لفلان على فلان طول، والإفضال. يقال طال عليه ~~وتطول، إذا تفضل. فإن قلت كيف اختلفت هذه الصفات تعريفا وتنكيرا، ~~والموصوف معرفة يقتضي أن يكون مثله معارف؟ قلت { أما غافر الذنب وقابل ~~التوب } فمعرفتان لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين، وأنه يغفر الذنب ويقبل ~~التوب الآن. أو غدا حتى يكونا في تقدير الانفصال، فتكون إضافتهما غير ~~حقيقية وإنما أريد ثبوت ذلك ودوامه، فكان حكمهما حكم إله الخلق ورب ~~العرش. وأما شديد العقاب فأمره مشكل، لأنه في تقدير شديد عقابه لا ينفك ~~من هذا التقدير، وقد جعله الزجاج بدلا. وفي كونه بدلا وحده بين الصفات ~~نبو ظاهر، والوجه أن يقال لما صودف بين هؤلاء المعارف هذه النكرة ~~الواحدة، فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت ~~تفاعيلها كلها على مستفعلن، فهي محكوم عليها بأنها من بحر الرجز، فإن وقع ~~فيها جزء واحد على متفاعلن كانت من الكامل ولقائل أن يقول هي صفات، وإنما ~~الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظا، فقد غيروا ~~كثيرا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج، حتى قالوا ما يعرف سحادليه، ~~من عنادليه، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع على أن الخليل قال في قولهم ~~ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وما يحسن بالرجل خير منك أن يفعل كذا ~~أنه على نية الألف واللام كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف ~~واللام، ومما سهل ذلك الأمن من اللبس وجهالة الموصوف. ويجوز أن يقال قد ~~تعمد تنكيره، وإبهامه للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه ~~وأمر لزيادة الإنذار. ويجوز أن يقال هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار ~~البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال. فإن قلت ما بال الواو في قوله ~~وقابل التوب؟ قلت فيها نكتة جليلة، ms1789 وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين ~~رحمتين بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات. وأن يجعلها محاءة ~~للذنوب، كأن لم يذنب، كأنه قال جامع المغفرة والقبول. وروى أن عمر رضي ~~الله عنه افتقد رجلا ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له تتابع في هذا ~~الشراب، فقال عمر لكاتبه اكتب، من عمر إلى فلان سلام عليك، وأنا أحمد ~~إليك الله الذي لا إله إلا هو بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله ~~إليه المصير. وختم الكتاب وقال لرسوله لا تدفعه إليه حتى تجده صاحيا، ثم ~~أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة. فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد ~~وعدني الله أن يغفر لي، وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع ~~فأحسن النزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال هكذا فاصنعوا، إذا ~~رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه ووقفوه، وادعوا له الله أن يتوب عليه، ~~ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه. ### || [40.4] # سجل على المجادلين في آيات الله بالكفر والمراد الجدال بالباطل، من ~~الطعن فيها، والقصد إلى إدحاض الحق وإطفاء نور الله، وقد دل على ذلك في ~~قوله { وجدلوا بالبطل ليدحضوا به الحق } فأما ~~الجدال فيها لإيضاح ملتبسها وحل مشكلها، ومقادحة أهل العلم في استنباط ~~معانيها ورد أهل الزيغ بها وعنها، فأعظم جهاد في سبيل الله، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم 977 # " إن جدالا في القرآن كفر " # وإيراده منكرا، وإن لم يقل إن الجدال، تمييز منه بين جدال وجدال. فإن ~~قلت من أين تسبب لقوله { فلا يغررك } ما قبله؟ قلت من حيث إنهم ~~لما كانوا مشهودا عليهم من قبل الله بالكفر، والكافر لا أحد أشقى منه ~~عند الله وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه، ولا يغره ~~إقبالهم في دنياهم وتقلبهم في البلاد بالتجارات النافقة والمكاسب ~~المربحة، وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن، ولهم الأموال ~~يتجرون فيها ويتربحون، فإن مصير ذلك وعاقبته إلى الزوال، ووراءه شقاوة ~~الأبد. ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم ms1790 للرسل وجدالهم بالباطل وما ادخر لهم من ~~سوء العاقبة مثلا ما كان من نحو ذلك من الأمم، وما أخذهم به من عقابه ~~وأحله بساحتهم من انتقامه. وقرىء «فلا يغرك». ### || [40.5] # { والأحزاب } الذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم وهم عاد وثمود وفرعون ~~وغيرهم { وهمت كل أمة } من هذه الأمم التي هي قوم نوح ~~والأحزاب { برسولهم } وقرىء «برسولها» { ليأخذوه } ليتمكنوا ~~منه، ومن الإيقاع به وإصابته بما أرادوا من تعذيب أو قتل. ويقال للأسير ~~أخيذ { فأخذتهم } يعني أنهم قصدوا أخذه، فجعلت جزاءهم على إرادة ~~أخذه أن أخذتهم { فكيف كان عقاب } فإنكم تمرون على بلادهم ~~ومساكنهم فتعاينو أثر ذلك. وهذا تقرير فيه معنى التعجيب. ### || [40.6] # { أنهم أصحب النار } في محل الرفع بدل من { كلمة ~~ربك } أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار. ~~ومعناه كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل، كذلك وجب هلاكهم ~~بعذاب النار في الآخرة، أو في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل. ~~والذين كفروا قريش، ومعناه، كما وجب إهلاك أولئك الأمم، كذلك وجب إهلاك ~~هؤلاء لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار. وقرىء «كلمات». ### || [40.7-9] # روي أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم ~~خشوع لا يرفعون طرفهم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 978 # " لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة، فإن ~~خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله ~~وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سموات، وأنه ليتضاءل من ~~عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع " # وفي الحديث 979 # " إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا يروحوا بالسلام على حملة ~~العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة " # وقيل خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان ~~الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل حول العرش سبعون ألف صنف من الملائكة، ~~يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم ~~على عواتقهم رافعين أصواتهم ms1791 بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف ~~قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به ~~الآخر. وقرأ ابن عباس «العرش» بضم العين. فإن قلت ما فائدة قوله { ~~ويؤمنون به } ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من ~~الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم مؤمنون؟ قلت فائدته إظهار شرف الإيمان ~~وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح ~~لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى # ثم كان من الذين ءامنوا # البلد 17 فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى وهي التنبيه على أن الأمر ~~لو كان كما تقول المجسمة، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ~~ولما وصفوا بالإيمان لأنه إنما يوصف بالإيمان، الغائب فلما وصفوا به على ~~سبيل الثناء عليهم، علم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ~~ذلك المقام سواء في أن إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، ~~وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا، وهو منزه عن صفات الإجرام. وقد روعي ~~التناسب في قوله { ويؤمنون به } ، { ويستغفرون ~~للذين ءامنوا } كأنه قيل ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم ~~وصفتهم. وفيه تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء ~~إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت ~~الأماكن. فإنه لا تجالس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضي قط، ثم لما ~~جاء الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول ~~العرش لمن فوق الأرض. قال الله تعالى # ويستغفرون لمن فى الارض # الشورى 5. أي يقولون { ربنا } وهذا المضمر يحتمل أن يكون بيانا ~~ليستغفرون مرفوع المحل مثله، وأن يكون حالا. # فإن قلت تعالى الله عن المكان، فكيف صح أن يقال وسع كل شيء؟ قلت الرحمة ~~والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى. والأصل وسع كل شيء رحمتك ~~وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، ~~وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة ms1792 والعلم، كأن ذاته ~~رحمة وعلم واسعان كل شيء. فإن قلت قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما ~~بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعا، وما ذكر إلا الغفران وحده؟ قلت ~~معناه فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك. وسبيل الله سبيل الحق ~~التي نهجها لعباده ودعا إليها { إنك أنت العزيز الحكيم } أي ~~الملك الذي لا يغلب، وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا إلا بداعي الحكمة ~~وموجب حكمتك أن تفي بوعدك { وقهم السيئت } أي العقوبات. أو ~~جزاء السيئات. فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب ~~عنها. والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة. فإن قلت ما الفائدة في ~~استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد؟ ~~قلت هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته زيادة الكرامة والثواب. وقرىء «جنة عدن» ~~«وصلح»، بضم اللام، والفتح أفصح. يقال صلح فهو صالح، وصلح فهو صليح، ~~و«ذريتهم». ### || [40.10-12] # أي ينادون يوم القيامة، فيقال لهم { لمقت الله أكبر } ~~والتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة. و ~~{ إذ تدعون } منصوب بالمقت الأول. والمعنى أنه يقال لهم يوم ~~القيامة كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر، حين كان الأنبياء ~~يدعونكم إلى الإيمان، فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشد مما ~~تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن. وعن ~~الحسن لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم، فنودوا لمقت الله. وقيل ~~معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى # يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا # العنكبوت 25 و { إذ تدعون } تعليل، والمقت أشد البغض، فوضع في ~~موضع أبلغ الإنكار وأشده { اثنتين } إماتتين وإحياءتين. أو موتتين ~~وحياتين. وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتا أولا، وإماتتهم عند انقضاء ~~آجالهم، وبالإحيائتين الإحياءة الأولى وإحياءة البعث. وناهيك تفسيرا ~~لذلك قوله تعالى # وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # البقرة 28 وكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما. فإن قلت كيف صح أن يسمى ~~خلقهم أمواتا إماتة؟ قلت كما صح أن تقول سبحان من ms1793 صغر جسم البعوضة وكبر ~~جسم الفيل ! وقولك للحفار ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل ~~من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ~~ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته أن الصغر والكبر ~~جائزان معا على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق ~~والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد ~~صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل ~~الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه ثلاث إثبات ~~إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن، إلا أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتد ~~بها، أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور، وتستمر بهم تلك الحياة ~~فلا يموتون بعدها، ويعدهم في المستثنيين من الصعقة في قوله تعالى # إلا من شاء الله # النمل 78. فإن قلت كيف تسبب هذا لقوله تعالى { فاعترفنا ~~بذنوبنا }؟ قلت قد أنكروا البعث فكفروا، وتبع ذلك من الذنوب ما لا ~~يحصى لأن من لم يخش العاقبة تخرق في المعاصي، فلما رأوا الإماتة والإحياء ~~قد تكررا عليهم، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، ~~فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم { ~~فهل إلى خروج } أي إلى نوع من الخروج سريع أو بطىء { من ~~سبيل } قط، أم اليأس واقع دون ذلك، فلا خروج ولا سبيل إليه. وهذا كلام ~~من غلب عليه اليأس والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللا وتحيرا ولهذا جاء ~~الجواب على حسب ذلك، وهو قوله { ذلكم } أي ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا ~~سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به { ~~فالحكم لله } حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد وقوله { العلى ~~الكبير } دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقاب مثله لا يكون ~~إلا كذلك، وهو الذي يطابق كبرياءه ويناسب جبروته. وقيل كأن الحرورية ~~أخذوا قولهم لا حكم إلا لله، من هذا. ### || [40.13-16] # { يريكم ءايته } من الريح ms1794 والسحاب والرعد والبرق والصواعق ~~ونحوها. والرزق المطر، لأنه سببه { وما يتذكر إلا من ينيب ~~} وما يتعظ وما يعتبر بآيات الله إلا من يتوب من الشرك ويرجع إلى الله، ~~فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه، ثم قال للمنيبين { فادعوا ~~الله } أي اعبدوه { مخلصين له الدين } من الشرك، وإن غاظ ذلك ~~أعداءكم ممن ليس على دينكم. { رفيع الدرجت ذو العرش ~~يلقى الروح } ثلاثة أخبار، لقوله «هو» مترتبة على قوله { الذى ~~يريكم } أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا. وقرىء ~~«رفيع الدرجات» بالنصب على المدح. ورفيع الدرجات، كقوله تعالى # ذي المعارج # المعارج 3 وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وهي دليل على عزته ~~وملكوته. وعن ابن جبير سماء فوق سماء. والعرش فوقهن. ويجوز أن يكون عبارة ~~عن رفعة شأنه وعلو سلطانه، كما أن ذا العرش عبارة عن ملكه. وقيل هي ~~درجات ثوابه التي ينزلها أولياءه في الجنة { الروح من أمره } ~~الذي هو سبب الحياة من أمره، يريد الوحي الذي هو أمر بالخير وبعث عليه، ~~فاستعار له الروح، كما قال تعالى # أو من كان ميتا فأحيينه # الأنعام 122 { لينذر } الله. أو الملقى عليه وهو الرسول أو الروح. ~~وقرىء «لتنذر» أي لتنذر الروح لأنها تؤنث، أو على خطاب الرسول. وقرىء ~~«لينذر يوم التلاق» على البناء للمفعول { يوم التلاق } يوم ~~القيامة، لأن الخلائق تلتقي فيه. وقيل يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض. ~~وقيل المعبود والعابد { يوم هم برزون } ظاهرون لا يسترهم شيء ~~من جبل أو أكمة أو بناء، لأن الأرض بارزة قاع صفصف، ولا عليهم ثياب، ~~إنما هم عراة مكشوفون، كما جاء في الحديث 980 # " تحشرون عراة حفاة غرلا " # { لا يخفى على الله منهم شىء }. أي من أعمالهم ~~وأحوالهم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه لا يخفى عليه منهم شيء. فإن قلت ~~قوله { لا يخفى على الله منهم شىء } بيان وتقرير ~~لبروزهم، والله تعالى لا يخفى عليه منهم شيء برزوا أو لم يبرزوا، فما ~~معناه؟ قلت معناه أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا إذا ms1795 استتروا بالحيطان ~~والحجب أن الله لا يراهم ويخفى عليه أعمالهم، فهم اليوم صائرون من ~~البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما كانوا يتوهمونه. قال ~~الله تعالى # ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون # فصلت22. وقال تعالى # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله # النساء 108 وذلك لعلمهم أن الناس يبصرونهم وظنهم أن الله لا يبصرهم، ~~وهو معنى قوله # وبرزوا لله الواحد القهار # إبراهيم 48، { لمن الملك اليوم لله الوحد ~~القهار } حكاية لما يسئل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به. ومعناه أنه ~~ينادي مناد فيقول لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار. ~~وقيل يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة ~~فضة لم يعص الله فيها قط «فأول ما يتكلم به أن ينادي مناد لمن ~~الملك اليوم؟ لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس... الآية. فهذا يقتضي ~~أن يكون المنادي هو المجيب. ### || [40.17] # لما قرر أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك، وهي أن كل ~~نفس تجزى ما كسبت وأن الظلم مأمون، لأن الله ليس بظلام للعبيد، وأن ~~الحساب لا يبطىء، لأن الله لا يشغله حساب على حساب، فيحاسب الخلق كله في ~~وقت واحد وهو أسرع الحاسبين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا أخذ في ~~حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها. ### || [40.18] # الآزفة القيامة، سميت بذلك لأزوفها، أي لقربها. ويجوز أن يريد بيوم ~~الآزفة وقت الخطة الآزفة، وهي مشارفتهم دخول النار، فعند ذلك ترتفع ~~قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم، فلا هي تخرج فيموتوا، ولا ترجع إلى ~~مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا، ولكنها معترضة كالشجا، كما قال تعالى # فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا # الملك 27. فإن قلت { كظمين } بما انتصب؟ قلت هو حال عن أصحاب ~~القلوب على المعنى، لأن المعنى إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها. ~~ويجوز أن يكون حالا عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع ~~بلوغها الحناجر، وإنما ms1796 جمع الكاظم جمع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذي ~~هو من أفعال العقلاء، كما قال تعالى # رأيتهم لى ساجدين # يوسف 4 وقال # فظلت أعنقهم لها خضعين # الشعراء 4 وتعضده قراءة من قرأ «كاظمون» ويجوز أن يكون حالا عن قوله ~~وأنذرهم، أي وأنذرهم مقدرين أو مشارفين الكظم، كقوله تعالى # فادخلوها خلدين # الزمر 73 الحميم المحب المشفق. والمطاع مجاز في المشفع، لأن حقيقة ~~الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك. فإن قلت ما معنى ~~قوله تعالى { ولا شفيع يطاع }؟ قلت يحتمل أن يتناول النفي ~~الشفاعة والطاعة معا، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول ما عندي ~~كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده، وأن عندك كتابا إلا أنك لا تبيعه، ~~ونفيهما جميعا، وأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعا. ونحوه # ولا ترى الضب بها ينجحر # يريد نفي الضب وانجحاره. فإن قلت فعلى أي الاحتمالين يجب حمله؟ قلت على ~~نفي الأمرين جميعا، من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا ~~يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه، وأن الله لا يحب الظالمين، ~~فلا يحبونهم، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم. قال الله تعالى # وما للظلمين من أنصار # البقرة 270 وقال # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28 ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل، وأهل التفضل ~~وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى # ويزيدهم من فضله # النساء 174 وعن الحسن رضي الله عنه والله ما يكون لهم شفيع البتة، فإن ~~قلت الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟ ~~قلت في ذكرها فائدة جليلة، وهي أنها ضمت إليه، ليقام انتفاء الموصوف مقام ~~الشاهد على انتفاء الصفة، لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك ~~إزالة لتوهم وجود الموصوف، بيانه أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت ~~ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح ~~علة مانعة من الركوب والمحاربة، كأنك تقول ms1797 كيف يتأتى مني الركوب ~~والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي، فكذلك قوله { ولا شفيع يطاع ~~} معناه كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع، فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على ~~عدم تأتيه بعدم الشفيع وضعا لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير ~~المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه. ### || [40.19] # الخائنة صفة للنظرة. أو مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، ~~والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل، كما يفعل أهل الريب، ولا يحسن أن ~~تراد الخائنة من الأعين، لأن قوله { وما تخفى الصدور } لا يساعد ~~عليه. فإن قلت بم اتصل قوله { يعلم خائنة الاعين }؟ قلت هو ~~خبر من أخبار هو في قوله # هو الذى يريكم # غافر13 مثل { يلقى الروح } ولكن يلقي الروح قد علل بقوله { ~~لينذر يوم التلاق } ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله ~~{ ولا شفيع يطاع } فبعد لذلك عن أخواته. ### || [40.20] # { والله يقضى بالحق } يعني والذي هذه صفاته وأحواله لا يقضي ~~إلا بالحق والعدل. لاستغنائه عن الظلم. وآلهتكم لا يقضون بشيء. وهذا ~~تهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي، أو لا يقضي { إن ~~الله هو السميع البصير } تقرير لقوله { يعلم خائنة ~~الاعين وما تخفى الصدور } ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون ~~ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه وتعريض بما يدعون من دون الله، وأنها ~~لا تسمع ولا تبصر، وقرىء «يدعون» بالتاء والياء. ### || [40.21-22] # هم في { كانوا هم أشد منهم } فصل. فإن قلت من حق الفصل أن ~~لا يقع إلا بين معرفتين فما باله واقعا بين معرفة وغير معرفة؟ وهو أشد ~~منهم. قلت قد ضارع المعرفة في أنه لا تدخله الألف واللام، فأجري مجراها. ~~وقرىء «منكم» وهي في مصاحف أهل الشام { وءاثارا } يريد حصونهم ~~وقصورهم وعددهم، وما يوصف بالشدة من آثارهم. أو أراد وأكثر آثارا، ~~كقوله # متقلدا سيفا ورمحا ### || [40.23-25] # { وسلطن مبين } وحجة ظاهرة وهي المعجزات، فقالوا هو ساحر ~~كذاب، فسموا السلطان المبين سحرا وكذبا { فلما جاءهم بالحق ~~} بالنبوة، فإن قلت أما كان قتل الأبناء واستحياء النساء من ms1798 قبل خيفة أو ~~يولد المولود الذي أنذرته الكهنة بظهوره وزوال ملكه على يده؟ قلت قد كان ~~ذلك القتل حينئذ، وهذا قتل آخر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ~~قالوا اقتلوا } أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولا، يريد أن هذا ~~قتل غير القتل الأول { فى ضلل } في ضياع وذهاب، باطلا لم يجد ~~عليهم، يعني أنهم باشروا قتلهم أولا فما أغنى عنهم، ونفذ قضاء الله ~~بإظهار من خافوه، فما يغني عنهم هذا القتل الثاني، وكان فرعون قد كف عن ~~قتل الولدان، فلما بعث موسى وأحس بأنه قد وقع أعاده عليهم غيظا وحنقا، ~~وظنا منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرة موسى، وما علم أن كيده ضائع في ~~الكرتين جميعا. ### || [40.26] # { ذرونى أقتل موسى } كانوا إذا هم بقتله كفوه بقولهم ليس ~~بالذي تخافه، وهو أقل من ذلك وأضعف، وما هو إلا بعض السحرة، ومثله لا ~~يقاوم إلا ساحرا مثله، ويقولون إذا قتلته أدخلت الشبهة على الناس، ~~واعتقدوا أنك قد عجزت عن معارضته بالحجة، والظاهر أن فرعون لعنه الله ~~كان قد استيقن أنه نبي، وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن الرجل كان ~~فيه خب وجربزة، وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من ~~أحس منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه، ولكنه كان يخاف إن هم بقتله ~~أن يعاجل بالهلاك. وقوله { وليدع ربه } شاهد صدق على فرط خوفه ~~منه ومن دعوته ربه، وكان قوله { ذرونى أقتل موسى } تمويها على ~~قومه، وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلا ما في نفسه من ~~هول الفزع { أن يبدل دينكم } أن يغير ما أنتم عليه، وكانوا ~~يعبدونه ويعبدون الأصنام، بدليل قوله # ويذرك وءالهتك # الأعراف 127 والفساد في الأرض التفاتن والتهارج الذي يذهب معه الأمن ~~وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش، ويهلك الناس قتلا وضياعا، كأنه قال ~~إني أخاف أن يفسد عليكم دينكم بدعوتكم إلى دينه. أو يفسد عليكم دنياكم ~~بما يظهر من الفتن بسببه. وفي مصاحف أهل الحجاز «وأن يظهر» ms1799 بالواو، ~~ومعناه. إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معا. وقرىء «يظهر» من أظهر، ~~والفساد منصوب أي يظهر موسى الفساد. وقرىء «يظهر» بتشديد الظاء ~~والهاء، من تظهر بمعنى تظاهر، أي تتابع وتعاون. ### || [40.27] # لما سمع موسى عليه السلام بما أجراه فرعون من حديث قتله قال لقومه { ~~إنى عذت } بالله الذي هو ربي وربكم، وقوله { وربكم } فيه بعث ~~لهم على أن يقتدوا به، فيعوذوا بالله عياذه، ويعتصموا بالتوكل عليه ~~اعتصامه، وقال { من كل متكبر } لتشمل استعاذته فرعون وغيره من ~~الجبابرة، وليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ، وأراد بالتكبر الاستكبار ~~عن الإذعان للحق، وهو أقبح استكبار وأدله على دناءة صاحبه ومهانة نفسه، ~~وعلى فرط ظلمه وعسفه، وقال { لا يؤمن بيوم الحساب } لأنه ~~إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد ~~استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده، ولم يترك عظيمة إلا ~~ارتكبها وعذت ولذت أخوان. وقرىء «عت» بالإدغام. ### || [40.28] # { رجل مؤمن } وقرىء «رجل» بسكون الجيم كما يقال عضد، في عضد ~~وكان قبطيا ابن عم لفرعون آمن بموسى سرا وقيل كان إسرائيليا و { من ~~ءال فرعون } صفة لرجل. و صلة ليكتم، أي يكتم إيمانه من آل فرعون، ~~واسمه سمعان أو حبيب وقيل خربيل أو حزبيل والظاهر أنه كان من آل فرعون ~~فإن المؤمنين من بني إسرائيل لم يقلوا ولم يعزوا. والدليل عليه قول ~~فرعون # أبنآء الذين آمنوا معه # غافر 25. وقول المؤمن # فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا # غافر 29 دليل ظاهر على أنه يتنصح لقومه { أن يقول } لأن يقول، ~~وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت شديد، كأنه قال أترتكبون الفعلة الشنعاء التي ~~هي قتل نفس محرمة، وما لكم علة قط في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق ~~بها وهي قوله { ربى الله } مع أنه لم يحضر لتصحيح قوله بينة واحدة، ~~ولكن بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية، وهو ربكم لا ربه وحده، وهو ~~استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم ويكسر من سورتهم، ولك ~~أن تقدر مضافا محذوفا، أي ms1800 وقت أن يقول. والمعنى أتقتلونه ساعة سمعتم ~~منه هذاالقول من غير روية ولا فكر في أمره. وقوله { بالبينت } ~~يريد بالبينات العظيمة التي عهدتموها وشهدتموها، ثم أخذهم بالاحتجاج على ~~طريقة التقسيم فقال لا يخلو من أن يكون كاذبا أو صادقا، { فإن يك ~~كذبا فعليه كذبه } أي يعود عليه كذبه ولا يتخطاه ضرره، { ~~وإن يك صدقا يصبكم بعض } ما يعدكم إن تعرضتم له. فإن ~~قلت لم قال بعض { الذى يعدكم } وهو نبي صادق، لا بد لما يعدهم ~~أن يصيبهم كله لا بعضه قلت لأنه احتاج في مقاولة خصوم موسى ومنا كريه إلى ~~أن يلاوصهم ويداريهم، ويسلك معهم طريق الإنصاف في القول، ويأتيهم من وجهة ~~المناصحة، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم له ~~وقبولهم منه، فقال { وإن يك صدقا يصبكم بعض الذى ~~يعدكم } وهو كلام المنصف في مقاله غير المشتط فيه، ليسمعوا منه ولا ~~يردوا عليه، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما ~~يعد، ولكنه أردفه { يصبكم بعض الذى يعدكم } ليهضمه بعض ~~حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا أن ~~يتعصب له، أو يرمي بالحصا من ورائه، وتقديم الكاذب على الصادق أيضا من ~~هذا القبيل، وكذلك قوله { إن الله يهدى من هو مسرف ~~كذاب }. فإن قلت فعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل، وأنشد بيت لبيد # تراك امكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض ~~النفوس حمامها # قلت إن صحت الرواية عنه، فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقي كان ~~أجفى من أن يفقه ما أقول له { إن الله لا يهدى من هو ~~مسرف } يحتمل أنه إن كان مسرفا كذابا خذله الله وأهلكه ولم يستقم ~~له أمر، فيتخلصون منه، وأنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة، ~~ولما عضده بالبينات. وقيل ما تولى أبو بكر من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان أشد من ذلك 981 طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت، فلقوه حين فرغ، ms1801 ~~فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا له أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا، ~~فقال أنا ذاك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فالتزمه من ورائه وقال ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم، رافعا ~~صوته بذلك، وعيناه تسفحان، حتى أرسلوه. وعن جعفر الصادق إن مؤمن آل ~~فرعون قال ذلك سرا، وأبو بكر قاله ظاهرا. ### || [40.29] # { ظهرين فى الأرض } في أرض مصر عالين فيها على بني إسرائيل، ~~يعني أن لكم ملك مصر، وقد علوتم الناس، وقهرتموهم، فلا تفسدوا أمركم على ~~أنفسكم، ولا تتعرضوا لبأس الله وعذابه، فإنه لا قبل لكم به إن جاءكم، ولا ~~يمنعكم منه أحد. وقال { ينصرنا } و { جاءنا } لأنه منهم في القرابة، ~~وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم فيه { ما أريكم إلا ~~ما أرى } أي ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني لا ~~أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب { وما أهديكم } ~~بهذا الرأي { إلا سبيل الرشاد } يريد سبيل الصواب والصلاح. أو ~~ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، ولا أدخر منه شيئا، ولا أسر عنكم ~~خلاف ما أظهر يعني أن لسانه وقلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب فقد ~~كان مستشعرا للخوف الشديد من جهة موسى، ولكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره ~~لم يستشر أحدا ولم يقف الأمر على الإشارة. وقرىء «الرشاد» فعال من رشد ~~بالكسر، كعلام. أو من رشد بالفتح كعباد، وقيل هو من أرشد كجبار من أجبر، ~~وليس بذلك لأن فعالا من أفعل لم يجيء إلا في عدة أحرف، نحو دراك ~~وسآرا وقصار وحبار، ولا يصح القياس على القليل. ويجوز أن يكون نسبة إلى ~~الرشد، كعواج وبتات، غير منظور فيه إلى فعل. ### || [40.30-31] # { مثل يوم الاحزاب } مثل أيامهم، لأنه لما أضافه إلى الأحزاب ~~وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، ولم يلبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار، ~~اقتصر على الواحد من الجمع لأن المضاف إليه أغنى عن ذلك كقوله # كلوا في بعض بطنكمو تعفوا # وقال ms1802 الزجاج مثل يوم حزب حزب، ودأب هؤلاء دؤبهم في عملهم من الكفر ~~والتكذيب وسائر المعاصي، وكون ذلك دائبا دائما منهم لا يفترون عنه، ولا ~~بد من حذف مضاف، يريد مثل جزاء دأبهم. فإن قلت بم انتصب مثل الثاني؟ ~~قلت بأنه عطف بيان لمثل الأول لأن آخر ما تناوله الإضافة قوم نوح، ولو ~~قلت أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود، لم يكن إلا عطف بيان لإضافة ~~قوم إلى أعلام، فسرى ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة { وما ~~الله يريد ظلما للعباد } يعني أن تدميرهم كان عدلا ~~وقسطا، لأنهم استوجبوه بأعمالهم، وهو أبلغ من قوله تعالى # وما ربك بظلم للعبيد # فصلت46 حيث جعل المنفى إرادة الظلم لأن من كان عن أرادة الظلم بعيدا، ~~كان عن الظلم أبعد. وحيث نكر الظلم، كأنه نفى أن يريد ظلما ما لعباده. ~~ويجوز أن يكون معناه كمعنى قوله تعالى # ولا يرضى لعباده الكفر # الزمر 7 أي لا يريد لهم أن يظلموا يعني أنه دمرهم لأنهم كانوا ظالمين. ### || [40.32-33] # «التنادي» ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف من قوله # ونادى أصحب الجنة أصحب النار # الأعراف 44 # ونادى أصحب النار أصحب الجنة # الأعراف 50 ويجوز أن يكون تصايحهم بالويل والثبور. وقرىء بالتشديد وهو ~~أن يند بعضهم من بعض كقوله تعالى # يوم يفر المرء من أخيه # عبس 34 وعن الضحاك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربا، فلا يأتون قطرا ~~من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا، فبيناهم يموج بعضهم في بعض، إذ ~~سمعوا مناديا أقبلوا إلى الحساب { تولون مدبرين } عن قتادة ~~منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وعن مجاهد فارين عن النار غير ~~معجزين. ### || [40.34-35] # هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام. وقيل هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن ~~يعقوب أقام فيهم نبيا عشرين سنة. وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمر ~~إلى زمنه، وقيل هو فرعون آخر. وبخهم بأن يوسف أتاكم بالمعجزات فشككتم ~~فيها ولم تزالوا شاكين كافرين { حتى إذا } قبض { قلتم لن ~~يبعث الله من بعده ms1803 رسولا } حكما من عند أنفسكم من غير ~~برهان وتقدمة عزم منكم على تكذيب الرسل، فإذا جاءكم رسول جحدتم وكذبتم ~~بناء على حكمكم الباطل الذي أستسموه، وليس قولهم { لن يبعث الله ~~من بعده رسولا } بتصديق لرسالة يوسف، وكيف وقد شكوا فيها وكفروا ~~بها، وإنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب رسالته. وقرىء «ألن ~~يبعث الله» على إدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرر ~~بعضا بنفي البعث. ثم قال { كذلك يضل الله } أي مثل هذا ~~الخذلان المبين يخذل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه { الذين ~~يجدلون } بدل من { من هو مسرف } فإن قلت كيف جاز إبداله ~~منه وهو جمع وذاك موحد؟ قلت لأنه لا يريد مسرفا واحدا، فكأنه قال كل ~~مسرف. فإن قلت فما فاعل { كبر }؟ قلت ضمير من هو مسرف. فإن قلت أما ~~قلت هو جمع، ولهذا أبدلت منه الذين يجادلون؟ قلت بلى هو جمع في المعنى. ~~وأما اللفظ فموحد، فحمل البدل على معناه، والضمير الراجع إليه على لفظه، ~~وليس ببدع أن يحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، وله نظائر، ويجوز أن ~~يرفع الذين يجادلون على الابتداء، ولا بد في هذا الوجه من حذف مضاف يرجع ~~إليه الضمير في كبر، تقديره جدال الذين يجادلون كبر مقتا، ويحتمل أن ~~يكون { الذين يجدلون } مبتدأ و { بغير سلطن ~~أتهم } خبرا، وفاعل كبر قوله { وكذلك } أي كبر مقتا مثل ذلك ~~الجدال، و { يطبع الله } كلام مستأنف، ومن قال كبر مقتا عند الله ~~جدالهم، فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. وفي { كبر مقتا } ~~ضرب من التعجب والاستعظام لجدالهم، والشهادة على خروجه من حد إشكاله من ~~الكبائر. وقرىء «سلطان» بضم اللام. وقرىء «قلب» بالتنوين، ووصف القلب ~~بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، كما تقول رأت العين، وسمعت ~~الأذن. ونحوه قوله عز وجل # فإنه آثم قلبه # البقرة 283 وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف، أي ~~على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب. ### || [40.36-37] # قيل ms1804 الصرح البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، اشتقوه من ~~صرح الشيء إذا ظهر، و { أسبب السموت } طرقها وأبوابها وما ~~يؤدي إليها، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، كالرشاء ونحوه، فإن قلت ~~ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل لعلي أبلغ أسباب السموات لأجزأ؟ قلت إذا ~~أبهم الشيء ثم أوضح كان تفخيما لشأنه، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من ~~أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها، ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبا ~~أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ~~ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه. وقرىء «فأطلع» بالنصب على جواب الترجي، ~~تشبيها للترجي بالتمني. ومثل ذلك التزيين وذلك الصد { زين ~~لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } والمزين إما ~~الشيطان بوسوسته، كقوله تعالى # وزين لهم الشيطن أعملهم فصدهم عن ~~السبيل # النمل 34 أو الله تعالى على وجه التسبيب، لأنه مكن الشيطان وأمهله. ~~ومثله # زينا لهم أعملهم فهم يعمهون # النمل 4. وقرىء «وزين لهم سوء عمله» على البناء للفاعل والفعل لله عز ~~وجل، دل عليه قوله { إلى إله موسى } وصد، بفتح الصاد وضمها ~~وكسرها، على نقل حركة العين إلى الفاء، كما قيل قيل. والتباب الخسران ~~والهلاك. وصد مصدر معطوف على سوء عمله وصدوا هو وقومه. ### || [40.38-39] # قال { أهدكم سبيل الرشاد } فأجمل لهم، ثم فسر فافتتح بذم ~~الدنيا وتصغير شأنها لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب ~~جميع ما يؤدي إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة. وثنى بتعظيم الآخرة ~~والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقر. وذكر الأعمال سيئها ~~وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف، ثم وازن بين ~~الدعوتين دعوته إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ ~~الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك واحتشد، لا جرم ~~أن الله استثناه من آل فرعون، وجعله حجة عليهم وعبرة للمعتبرين، وهو قوله ~~تعالى { فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل ~~فرعون سوء العذاب } وفي هذا أيضا دليل ms1805 بين على أن الرجل كان ~~من آل فرعون. والرشاد نقيض الغي. وفيه تعريض شبيه بالتصريح أن ما عليه ~~فرعون وقومه هو سبيل الغي. ### || [40.40] # { فلا يجزى إلا مثلها } لأن الزيادة على مقدار جزاء ~~السيئة قبيحة، لأنها ظلم. وأما الزيادة على مقدار جزاء الحسنة فحسنة ~~لأنها فضل. قرىء «يدخلون» و«يدخلون» { بغير حساب } واقع في مقابلة ~~إلا مثلها، يعني أن جزاء السيئة لها حساب وتقدير، لئلا يزيد على ~~الاستحقاق، فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب، بل ما شئت من ~~الزيادة على الحق والكثرة والسعة. ### || [40.41-42] # فإن قلت لم كرر نداء قومه؟ ولم جاء بالواو في النداء الثالث دون الثاني؟ ~~قلت أما تكرير النداء ففيه زيادة تنبيه لهم وإيقاظ عن سنة الغفلة. وفيه ~~أنهم قومه وعشيرته وهم فيما يوبقهم، وهو يعلم وجه خلاصهم، ونصيحتهم عليه ~~واجبة، فهو يتحزن لهم ويتلطف بهم، ويستدعي بذلك، أن لا يتهموه، فإن ~~سرورهم سروره، وغمهم غمه، وينزلوا على تنصيحه لهم، كما كرر إبراهيم عليه ~~السلام في نصيحة أبيه { يا أبت }. وأما المجيء بالواو العاطفة، فلأن ~~الثاني داخل على كلام وهو بيان للمجمل وتفسير له، فأعطى الداخل عليه حكمه ~~في امتناع دخول الواو، وأما الثالث فداخل على كلام ليس بتلك المثابة. ~~يقال دعاه إلى كذا ودعاه له، كما تقول هداه إلى الطريق وهداه له { ما ~~ليس لى به علم } أي بربوبيته، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم، ~~كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله، وما ليس بإله كيف يصح أن يعلم ~~إلها. ### || [40.43-44] # { لا جرم } سياقه على مذهب البصريين أن يجعل لا ردا لما دعاه إليه ~~قومه. وجرم فعل بمعنى حق، وأن مع ما في حيزه فاعله، أي حق ووجب بطلان ~~دعوته. أو بمعنى كسب، من قوله تعالى # ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا # المائدة 2 أي كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته، على معنى أنه ما حصل من ~~ذلك إلا ظهور بطلان دعوته. ويجوز أن يقال أن لا جرم، نظير لا بد، فعل ms1806 ~~من ا لجرم، وهو القطع، كما أن بدا فعل من التبديد وهو التفريق، فكما أن ~~معنى لا بد أنك تفعل كذا، بمعنى لا بعد لك من فعله، فكذلك لا جرم أن لهم ~~النار، أي لا قطع لذلك، بمعنى أنهم أبدا يستحقون النار لا انقطاع ~~لاستحقاقهم ولا قطع، لبطلان دعوة الأصنام، أي لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك ~~فينقلب حقا. وروي عن العرب لا جرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء، بزنة ~~بد، وفعل وفعل أخوان. كرشد ورشد، وعدم وعدم { ليس له دعوة } ~~معناه أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة إلى نفسه قط، أي من حق المعبود ~~بالحق أن يدعو العباد إلى طاعته، ثم يدعو العباد إليها إظهارا لدعوة ~~ربهم وما تدعون إليه وإلى عبادته، لا يدعو هو إلى ذلك ولا يدعي ~~الربوبية، ولو كان حيوانا ناطقا لضج من دعائكم. وقوله { فى ~~الدنيا ولا فى الاخرة } يعني أنه في الدنيا جماد لا يستطيع ~~شيئا من دعاء غيره، وفي الآخرة إذا أنشأه الله حيوانا، تبرأ من الدعاة ~~إليه ومن عبدته. وقيل معناه ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في ~~الآخرة. أو دعوة مستجابة، جعلت الدعوة التي لا استجابة لها ولا منفعة ~~فيها كلا دعوة. أو سميت الاستجابة باسم الدعوة، كما سمى الفعل المجازي ~~عليه باسم الجزاء في قولهم كما تدين تدان. قال الله تعالى # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشىء # الرعد 14. { المسرفين } عن قتادة المشركين. وعن مجاهد السفاكين ~~للدماء بغير حلها. وقيل الذين غلب شرهم خيرهم هم المسرفون. وقرىء ~~«فستذكرون». أي فسيذكر بعضكم بعضا { وأفوض أمرى إلى الله ~~} لأنهم توعدوه. ### || [40.45-46] # { فوقاه الله سيئات ما مكروا } شدائد مكرهم وما هموا به ~~من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم. وقيل نجا مع موسى { وحاق بئال ~~فرعون } ما هموا به من تعذيب المسلمين، ورجع عليهم كيدهم { النار ~~} بدل من سوء العذاب. أو خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلا قال ما سوء العذاب؟ ~~فقيل هو النار. أو مبتدأ خبره ms1807 { يعرضون عليها } وفي هذا الوجه ~~تعظيم للنار وتهويل من عذابها، وعرضهم عليها إحراقهم بها. يقال عرض ~~الإمام الأسارى على السيف إذا قتلهم به، وقرىء «النار» بالنصب، وهي تعضد ~~الوجه الأخير. وتقديره يدخلون النار يعرضون عليها، ويجوز أن ينتصب على ~~الاختصاص { غدوا وعشيا } في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما ~~بين ذلك الله أعلم بحالهم، فأما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس ~~عنهم. ويجوز أن يكون { غدوا وعشيا } عبارة عن الدوام، هذا ما ~~دامت الدنيا، فإذا قامت الساعة قيل لهم { أدخلوا } يا { ءال ~~فرعون أشد } عذاب جهنم. وقرىء «أدخلوا آل فرعون» أي يقال لخزنة ~~جهنم أدخلوهم. فإن قلت قوله وحاق بآل فرعون سوء العذاب معناه أنه رجع ~~عليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب من حفر لأخيه جبا وقع ~~فيه منكبا، فإذا فسر سوء العذاب بنار جهنم لم يكن مكرهم راجعا عليهم، ~~لأنهم لا يعذبون بجهنم. قلت يجوز أن يهم الإنسان بأن يغرق قوما فيحرق ~~بالنار، ويسمى ذلك حيقا لأنه هم بسوء فأصابه ما يقع عليه اسم السوء. ~~ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه، ويجوز أن يهم فرعون ~~- لما سمع إنذار المسلمين بالنار، وقول المؤمن # وأن المسرفين هم أصحب النار # غافر 43 - فيفعل نحو ما فعل نمرود ويعذبهم بالنار، فحاق به مثل ما أضمره ~~وهم بفعله. ويستدل بهذه الآية على إثبات عذاب القبر. ### || [40.47] # واذكر وقت يتحاجون { تبعا } تباعا، كخدم في جمع خادم. أو ذوي تبع، ~~أي أتباع، أو وصفا بالمصدر. ### || [40.48] # وقرىء «كلا» على التأكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف ~~إليه، يريد إنا كلنا، أو كلنا فيها. فإن قلت هل يجوز أن يكون «كلا» حالا ~~قد عمل فيها فيها؟ قلت لا لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمة كما يعمل في ~~الظرف متقدما تقول كل يوم لك ثوب ولا تقول قائما في الدار زيد { قد ~~حكم بين العباد } قضى بينهم وفصل بأن أدخل أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار. ### || [40.49-50] ms1808 # { لخزنة جهنم } للقوام بتعذيب أهلها. فإن قلت هلا قيل الذين ~~في النار لخزنتها؟ قلت لأن في ذكر جهنم تهويلا وتفظيعا ويحتمل أن جهنم ~~هي أبعد النار قعرا، من قولهم بئر جهنام بعيدة القعر، وقولهم في النابغة ~~جهنام، تسمية بها، لزعمهم أنه يلقي الشعر على لسان المنتسب إليه، فهو ~~بعيد الغور في علمه بالشعر، كما قال أبو نواس في خلف الأحمر # قليذم من العياليم الخسف # وفيها أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين بعذاب أولئك أجوب ~~دعوة لزيادة قربهم من الله تعالى، فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة ~~منهم { أو لم تك تأتيكم } إلزام للحجة وتوبيخ، وأنهم خلفوا ~~وراءهم أوقات الدعاء والتضرع، وعطلوا الأسباب التي يستجيب الله لها ~~الدعوات { قالوا فادعوا } أنتم، فإنا لا نجترىء على ذلك ولا نشفع ~~إلا بشرطين كون المشفوع له غير ظالم، والإذن في الشفاعة مع مراعاة ~~وقتها، وذلك قبل الحكم الفاصل بين الفريقين، وليس قولهم { فادعوا } ~~لرجاء المنفعة، ولكن للدلالة على الخيبة فإن الملك المقرب إذا لم يسمع ~~دعاؤه، فكيف يسمع دعاء الكافر. ### || [40.51-52] # { فى الحياوة الدنيا ويوم يقوم الأشهد } أي في ~~الدنيا والآخرة، يعني أنه يغلبهم في الدارين جميعا بالحجة والظفر على ~~مخالفيهم، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من الله، ~~فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين. والأشهاد جمع ~~شاهد، كصاحب وأصحاب، يريد الحفظة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم # لتكونوا شهداء على الناس # البقرة 143. واليوم الثاني بدل من الأول، يحتمل أنهم يعتذرون بمعذرة ~~ولكنها لا تنفع لأنها باطلة، وأنهم لو جاؤوا بمعذرة لم تكن مقبولة لقوله ~~تعالى # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # المرسلات 36، { ولهم اللعنة } البعد من رحمة الله { ولهم ~~سوء الدار } أي سوء دار الآخرة وهو عذابها. وقرىء «تقوم»، و «لا ~~تنفع» بالتاء والياء. ### || [40.53-54] # يريد بالهدى جميع ما آتاه في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع { ~~وأورثنا } وتركنا على بني إسرائيل من بعده { الكتب } أي ~~التوراة { هدى وذكرى } إرشادا وتذكرة، وانتصابهما على ms1809 المفعول له ~~أو على الحال. وأولوا الألباب المؤمنون به العاملون بما فيه. ### || [40.55] # { فاصبر إن وعد الله حق } يعني أن نصرة الرسل في ضمان ~~الله وضمان الله لا يخلف، واستشهد بموسى وما آتاه من أسباب الهدى والنصرة ~~على فرعون وجنوده، وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل، والله ناصرك كما ~~نصرهم، ومظهرك على الدين كله، ومبلغ ملك أمتك مشارق الأرض ومغاربها، ~~فاصبر على ما يجرعك قومك من الغصص، فإن العاقبة لك وما سبق به وعدي من ~~نصرتك وإعلاء كلمتك حق، وأقبل على التقوى واستدرك الفرطات بالاستغفار ودم ~~على عبادة ربك والثناء عليه { بالعشى والإبكر } وقيل هما ~~صلاتا العصر والفجر. ### || [40.56] # { إن فى صدورهم إلا كبر } إلا تكبر وتعظم، وهو إرادة ~~التقدم والرياسة، وأن لا يكون أحد فوقهم، ولذلك عادوك ودفعوا آياتك خيفة ~~أن تتقدمهم ويكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك، لأن النبوة تحتها كل ملك ~~ورياسة. أو إرادة أن تكون لهم النبوة دونك حسدا وبغيا. ويدل عليه ~~قوله تعالى # لو كان خيرا ما سبقونا إليه # الأحقاف 11 أو إرادة دفع الآيات بالجدال { ما هم ببلغيه } أي ~~ببالغي موجب الكبر ومقتضيه، وهو متعلق إرادتهم من الرياسة أو النبوة أو ~~دفع الآيات. وقيل المجادلون هم اليهود، وكانوا يقولون يخرج صاحبنا المسيح ~~بن داود، يريدون الدجال، ويبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، ~~وهو آية من آيات الله فيرجع إلينا الملك، فسمى الله تمنيهم ذلك كبرا، ~~ونفى أن يبلغوا متمناهم { فاستعذ بالله } فالتجيء إليه من كيد من ~~يحسدك ويبغي عليك { إنه هو السميع } لما تقول ويقولون { ~~البصير } بما تعمل ويعملون، فهو ناصرك عليهم وعاصمك من شرهم. ### || [40.57] # فإن قلت كيف اتصل قوله { لخلق السموت والارض } بما قبله؟ ~~قلت إن مجادلتهم في آيات الله كانت مشتملة على إنكار البعث، وهو أصل ~~المجادلة ومدارها، فحجوا بخلق السموات والأرض لأنهم كانوا مقرين بأن ~~الله خالقها وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره، وخلق الناس بالقياس إليه شيء ~~قليل مهين، فمن قدر على خلقها مع عظمها كان على خلق الإنسان ms1810 مع مهانته ~~أقدر، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله، { لا يعلمون } لأنهم لا ~~ينظرون ولا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم أهواءهم. ### || [40.58] # ضرب الأعمى والبصير مثلا للمحسن والمسيىء. وقرىء «يتذكرون» بالياء ~~والتاء، والتاء أعم. ### || [40.59] # { لا ريب فيها } لا بد من مجيئها ولا محالة، وليس بمرتاب فيها، ~~لأنه لا بد من جزاء { لا يؤمنون } لا يصدقون بها. ### || [40.60] # { ادعونى } اعبدوني، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن، ويدل ~~عليه قوله تعالى { إن الذين يستكبرون عن عبادتى } ~~والاستجابة الإثابة وفي تفسير مجاهد اعبدوني أثبكم. وعن الحسن - وقد سئل ~~عنها - اعملوا وأبشروا، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله. وعن الثوري أنه قيل له ادع الله، فقال إن ترك ~~الذنوب هو الدعاء. وفي الحديث 982 # " إذا شغل عبدي طاعتي عن الدعاء، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " # وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " الدعاء هو العبادة " # وقرأ هذه الآية. ويجوز أن يريد الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويريد ~~بعبادتي دعائي، لأن الدعاء باب من العبادة ومن أفضل أبوابها، يصدقه قول ~~ابن عباس رضي الله عنهما أفضل العبادة الدعاء. وعن كعب أعطى الله هذه ~~الأمة ثلاث خلال لم يعطهن إلا نبيا مرسلا كان يقول لكل نبي أنت شاهدي ~~على خلقي وقال لهذه الأمة # لتكونوا شهداء على الناس # البقرة 143 وكان يقول ما عليك من حرج، وقال لنا # ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج # المائدة 6 وكان يقول أدعني أستجب لك وقال لنا { ادعونى أستجب ~~لكم }. وعن ابن عباس وحدوني أغفر لكم، وهذا تفسير للدعاء بالعبادة، ثم ~~للعبادة بالتوحيد { دخرين } صاغرين. ### || [40.61] # { مبصرا } من الإسناد المجازي، لأن الإبصار في الحقيقة لأهل ~~النهار. فإن قلت لم قرن الليل بالمفعول له. والنهار بالحال؟ وهلا كانا ~~حالين أو مفعولا لهما فيراعي حق المقابلة؟ قلت هما متقابلان من حيث ~~المعنى، لأن كل واحد منهما يؤدي مؤدى الآخر، لأنه لو قيل لتبصروا فيه، ~~فاتت الفصاحة التي في ms1811 الإسناد المجازي، ولو قيل ساكنا - والليل يجوز أن ~~يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم ليل ساج، وساكن لا ريح فيه ~~- لم تتميز الحقيقة من المجاز. فإن قلت فهلا قيل لمفضل، أو لمتفضل؟ قلت ~~لأن الغرض تنكير الفضل، وأن يجعل فضلا لا يوازيه فضل، وذلك إنما يستوي ~~بالإضافة. فإن قلت فلو قيل ولكن أكثرهم، فلا يتكرر ذكر الناس؟ قلت في هذا ~~التكرير تخصيص لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا ~~يشكرونه، كقوله # إن الإنسن لكفور # الزخرف 15 # إن الإنسن لربه لكنود # العاديات 6، # إن الإنسان لظلوم كفار # إبراهيم 34. ### || [40.62-63] # { ذلكم } المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد ~~هو { الله ربكم خلق كل شىء لا إله إلا ~~هو } أخبار مترادفة، أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية ~~وخلق كل شيء، وإنشائه لا يمتنع عليه شيء، والوحدانية لا ثاني له { ~~فأنى تؤفكون } فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة ~~الأوثان. ثم ذكر أن كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها ولم يكن فيه همة ~~طلب الحق وخشية العاقبة أفك كما أفكوا. وقرىء «خالق كل شيء» نصبا على ~~الاختصاص. وتؤفكون بالتاء والياء. ### || [40.64-65] # هذه أيضا دلالة أخرى على تميزه بأفعال خاصة، وهي أنه جعل الأرض مستقرا ~~{ والسمآء بنآء } أي قبة. ومنه أبنية العرب لمضاربهم لأن السماء ~~في منظر العين كقبة مضروبة على وجه الأرض { فأحسن صوركم } ~~وقرىء بكسر الصاد والمعنى واحد. قيل لم يخلق حيوانا أحسن صورة من ~~الإنسان. وقيل لم يخلقهم منكوسين كالبهائم، كقوله تعالى # فى أحسن تقويم # التين 4 { فادعوه } فاعبدوه { مخلصين له الدين } أي الطاعة ~~من الشرك والرياء، قائلين { الحمد لله رب العلمين } وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما من قال لا إله إلا الله، فليقل على أثرها ~~الحمد لله رب العالمين. ### || [40.66] # فإن قلت أما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادة الأوثان بأدلة ~~العقل حتى جاءته البينات من ربه؟ قلت بلى ولكن البينات لما كانت مقوية ~~لأدلة العقل ms1812 ومؤكدة لها ومضمنة ذكرها نحو قوله تعالى # أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون # الصافات 95 - 96 وأشباه ذلك من التنبيه على أدلة العقل كان ذكر ~~البينات ذكرا لأدلة أدلة العقل والسمع جميعا، وإنما ذكر ما يدل على ~~الأمرين جميعا لأن ذكر تناصر أدلة العقل وأدلة السمع أقوى في إبطال ~~مذهبهم وإن كانت أدلة العقل وحدها كافية. ### || [40.67] # { لتبلغوا أشدكم } متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم ~~لتبلغوا. وكذلك لتكونوا. وأما { ولتبلغوا أجلا مسمى } ~~فمعناه ونفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى، وهو وقت الموت. وقيل يوم القيامة. ~~وقرىء «شيوخا» بكسر الشين. وشيخا، على التوحيد، كقوله # طفلا # الحج 5 والمعنى كل واحد منكم. أو اقتصر على الواحد لأن الغرض بيان ~~الجنس { من قبل } من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج ~~سقطا { ولعلكم تعقلون } ما في ذلك في العبر والحجج. ### || [40.68] # { فإذا قضى أمرا فإنما } يكونه من غير كلفة ولا معاناة. ~~جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة، وسائر ما ذكر من أفعاله ~~الدالة على أن مقدورا لا يمتنع عليه، كأنه قال فلذلك من الاقتدار إذا ~~قضى أمرا كان أهون شيء وأسرعه. ### || [40.69-76] # { بالكتب } بالقرآن { وبما أرسلنا به رسلنا } من ~~الكتب. فإن قلت وهل قوله { فسوف يعلمون إذ الاغلل فى ~~أعنقهم } إلى مثل قولك سوف أصوم أمس؟ قلت المعنى على إذا إلا أن ~~الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر ~~عنها بلفظ ما كان ووجد، والمعنى على الاستقبال. وعن ابن عباس والسلاسل ~~يسحبون بالنصب وفتح الياء، على عطف الجملة الفعلية على الإسمية. وعنه ~~والسلاسل يسحبون بجر السلاسل. ووجهه أنه لو قيل إذ أعناقهم في الأغلال ~~مكان قوله { إذ الاغلل فى أعنقهم } لكان صحيحا ~~مستقيما، فلما كانتا عبارتين معتقبتين حمل قوله { والسلسل } على ~~العبارة الأخرى. ونظيره # مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ~~ببين غرابها # كأنه قيل بمصلحين. وقرىء «وبالسلاسل يسحبون» { فى النار يسجرون ~~} من سجر التنور إذا ملأه بالوقود. ومنه السجير، كأنه سجر بالحب، أي ms1813 ~~ملىء. ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم، وهم مسجورون بالنار مملوؤة ~~بها أجوافهم. ومنه قوله تعالى # نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة # الهمزة 7 اللهم أجرنا من نارك فإنا عائذون بجوارك { ضلوا عنا } ~~غابوا عن عيوننا، فلا نراهم ولا ننتفع بهم. فإن قلت أما ذكرت في تفسير ~~قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 أنهم مقرونون بآلهتهم، فكيف يكونون معهم وقد ضلوا عنهم؟ قلت ~~يجوز أن يضلوا عنهم إذا وبخوا وقيل لهم إينما كنتم تشركون من دون الله ~~فيغيثوكم ويشفعوا لكم، وأن يكونوا معهم في سائر الأوقات، وأن يكونوا معهم ~~في جميع أوقاتهم إلا أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم ضالون عنهم { بل لم ~~نكن ندعوا من قبل شيئا } أي تبين لنا أنهم لم يكونوا ~~شيئا، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا كما تقول حسبت أن فلانا شيء فإذا ~~هو ليس بشيء إذا خبرته فلم تر عنده خيرا { كذلك يضل الله ~~الكفرين } مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم.، حتى لو طلبوا ~~الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يتصادفوا { ذلكم } الإضلال بسبب ما كنا لكم ~~من الفرح والمرح { بغير الحق } وهو الشرك وعبادة الأوثان { ~~ادخلوا أبوب جهنم } السبعة المقسومة لكم. قال الله تعالى # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # الحجر 44. { خلدين } مقدرين الخلود { فبئس مثوى ~~المتكبرين } عن الحق المستخفين به مثواكم أو جهنم. فإن قلت أليس ~~قياس النظم أن يقال فبئس مدخل المتكبرين، كما تقول زر بيت الله فنعم ~~المزار، وصل في المسجد الحرام فنعم المصلى؟ قلت الدخول المؤقت بالخلود في ~~معنى الثواء. ### || [40.77] # { فإما نرينك } أصله فإن نرك. و ما مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ~~ولذلك ألحقت النون بالفعل ألا تراك لا تقول إن تكرمني أكرمك، ولكن إما ~~تكرمني أكرمك. فإن قلت لا يخلو إما أن تعطف { أو نتوفينك } ~~على نرينك وتشركهما في جزاء واحد وهو قوله تعالى { فإلينا ~~يرجعون } فقولك فإمانرينك بعض الذي نعدهم فإلينا يرجعون غير صحيح، ~~وإن جعلت { فإلينا يرجعون } مختصا ms1814 بالمعطوف الذي هو نتوفينك، ~~بقي المعطوف عليه بغير جزاء. قلت { فإلينا يرجعون } متعلق ~~بنتوفينك، وجزاء { نرينك } محذوف، تقديره فإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم من العذاب وهو القتل والأسر يوم بدر فذاك. أو أن نتوفينك قبل يوم ~~بدر فإلينا يرجعون يوم القيامة فننتقم منهم أشد الانتقام ونحوه قوله ~~تعالى # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو ~~نرينك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون # الزخرف 41 -42. ### || [40.78] # { ومنهم من لم نقصص عليك } قيل بعث الله ثمانية آلاف ~~نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس. وعن علي ~~رضي الله عنهإن الله تعالى بعث نبيا أسود، فهو ممن لم يقصص عليه. وهذا ~~في اقتراحهم الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم عنادا، يعني إنا ~~قد أرسلنا كثيرا من الرسل وما كان لواحد منهم { أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله } فمن لي بأن آتي بآية مما تقترحونه إلا إن يشاء الله ويأذن في ~~الإتيان بها { فإذا جآء أمر الله } وعيد ورد عقيب اقتراح ~~الآيات. وأمر الله القيامة { المبطلون } هم المعاندون الذين ~~اقترحوا الآيات وقد اتتهم الآيات فأنكروها وسموها سحرا. ### || [40.79-81] # الأنعام الإبل خاصة. فإن قلت لم قال { لتركبوا منها } ~~ولتبلغوا عليها، ولم يقل، لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع؟ أو هلا قال ~~منها تركبون ومنها تأكلون وتبلغون عليها حاجة في صدوركم؟ قلت في الركوب ~~الركوب في الحج والغزو، وفي بلوغ الحاجة الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة ~~دين أو طلب علم، وهذه أغراض دينية إما واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق ~~به إرادة الحكيم. وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا ~~يتعلق به إرادته، ومعنى قوله { وعليها وعلى الفلك ~~تحملون } وعلى الأنعام وحدها لا تحملون، ولكن عليها وعلى الفلك في ~~البر والبحر. فإن قلت هلا قيل وفي الفلك، كما قال # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين # ؟ هود 40 قلت معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء كلاهما مستقيم لأن الفلك ~~وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها، فلما صح المعنيان صحت العبارتان. ms1815 ~~وأيضا فليطابق قوله وعليها ويزاوجه { فأى ءايت الله } جاءت ~~على اللغة المستفيضة. وقولك فأية آيات الله قليل، لأن التفرقة بين ~~المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب. وهي في أي ~~أغرب لإبهامه. ### || [40.82-83] # { وءاثارا } قصورهم ومصانعهم. وقيل مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم { ~~فما أغنى عنهم } ما نافية أو مضمنة معنى الاستفهام، ومحلها ~~النصب، والثانية موصولة أو مصدرية ومحلها الرفع، يعني أي شيء أغنى عنهم ~~مكسوبهم أو كسبهم { فرحوا بما عندهم من العلم } فيه وجوه ~~منها أنه أراد العلم الوارد على طريق التهكم في قوله تعالى # بل ادارك علمهم فى الاخرة # النمل 66 وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب، # وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربى ~~إن لى عنده للحسنى # فصلت 50، # وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى ~~لاجدن خيرا منها منقلبا # الكهف 36 وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به البينات وعلم الأنبياء، كما قال ~~عز وجل # كل حزب بما لديهم فرحون # الروم 32 ومنها أن يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان، وكانوا إذ ~~سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. وعن سقراط أنه سمع ~~بموسى صلوات الله عليه وسلامه، وقيل له لو هاجرت إليه فقال نحن قوم ~~مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا. ومنها أن يوضع قوله # فرحوا بما عندهم من العلم # غافر 83 ولا علم عندهم البتة، موضع قوله لم يفرحوا بما جاءهم من العلم، ~~مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة، مع تهكم بفرط ~~جهلهم وخلوهم من العلماء. ومنها أن يراد فرحوا بما عند الرسل من العلم ~~فرح ضحك منه واستهزاء به، كأنه قال استهزؤوا بالبينات وبما جاؤوا به من ~~علم الوحي فرحين مرحين. ويدل عليه قوله تعالى { وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزءون } ومنها أن يجعل الفرح للرسل. ومعناه أن ~~الرسل لما رأوا جهلهم المتمادي واستهزائهم بالحق وعلموا سوء عاقبتهم وما ~~يلحقهم من العقوبة على جهلهم واستهزائهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا ~~الله ms1816 عليه. وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم. ويجوز أن يريد بما ~~فرحوا به من العلم علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى # يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن ~~الاخرة هم غفلون # الروم 7، # ذلك مبلغهم من العلم # النجم 30 فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات - وهي أبعد شيء من علمهم ~~لبعثها على رفض الدنيا والظلف عن الملاذ والشهوات - لم يلتفتوا إليها ~~وصغروها واستهزؤا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ~~ففرحوا به. ### || [40.84-85] # البأس شدة العذاب. ومنه قوله تعالى # بعذاب بئيس # الأعراف 165. فإن قلت أي فرق بين قوله تعالى { فلم يك ينفعهم ~~إيمنهم } وبينه لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم؟ قلت هو من كان في نحو ~~قوله # ما كان لله أن يتخذ من ولد # مريم 35 والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قلت كيف ~~ترادفت هذه الفاءات؟ قلت أما قوله تعالى # فما أغنى عنهم # غافر 82 فهو نتيجة قوله # كانوا أكثر منهم # غافر 82 وأما قوله # فلما جاءتهم رسلهم بالبينت # غافر 83 فجار مجرى البيان والتفسير، لقوله تعالى # فما أغنى عنهم # غافر 82 كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء. وقوله ~~{ لما رأوا بأسنا } تابع لقوله # فلما جاءتهم # غافر 83 كأنه قال فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا، وكذلك { فلم يك ~~ينفعهم إيمنهم } تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله { سنة ~~الله } بمنزلة # وعد الله # النساء 95 وما أشبهه من المصادر المؤكدة. و { هنالك } مكان مستعار ~~للزمان، أي وخسروا وقت رؤية البأس، وكذلك قوله # وخسر هنالك المبطلون # غافر 78 بعد قوله # فإذا جاء أمر الله قضى بالحق # غافر 78 أي وخسروا وقت مجيء أمر الله، أو وقت القضاء بالحق. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 984 # " من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا ~~صلى عليه واستغفر له ". ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-4] # إن جعلت { حم } اسما للسورة كانت في موضع المبتدأ. و { تنزيل } ~~خبره. وإن جعلتها تعديدا ms1817 للحروف وكان { تنزيل } خبرا لمبتدأ محذوف و ~~{ كتاب } بدل من تنزيل. أو خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف، وجوز ~~الزجاج أن يكون { تنزيل } مبتدأ، و { كتاب } خبره. ووجهه أن ~~تنزيلا تخصص بالصفة فساغ وقوعه مبتدأ { فصلت ءايته } ميزت ~~وجعلت تفاصيل في معان مختلفة من أحكام وأمثال ومواعظ، ووعد ووعيد، وغير ~~ذلك، وقرىء «فصلت»، أي فرقت بين الحق والباطل. أو فصل بعضها من بعض ~~باختلاف معانيها، من قولك فصل من البلد { قرءانا عربيا } نصب على ~~الاختصاص والمدح، أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنا من صفته كيت وكيت. ~~وقيل هو نصب على الحال، أي فصلت آياته في حال كونه قرآنا عربيا { ~~لقوم يعلمون } أي لقوم عرب يعلمون ما نزل عليهم من الآيات ~~المفصلة المبينة بلسانهم العربي المبين، لا يلتبس عليهم شيء منه. فإن قلت ~~بم يتعلق قوله { لقوم يعلمون }؟ قلت يجوز أن يتعلق بتنزيل أو ~~بفصلت، أي تنزيل من الله لأجلهم. أو فصلت آياته لهم. والأجود أن يكون صفة ~~مثل ما قبله وما بعده، أي قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب، لئلا يفرق بين ~~الصلات والصفات. وقرىء «بشير ونذير» صفة ل لكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف { ~~فهم لا يسمعون } لا يقبلون ولا يطيعون، من قولك تشفعت إلى فلان ~~فلم يسمع قولي، ولقد سمعه ولكنه لما لم يقبله ولم يعمل بمقتضاه، فكأنه لم ~~يسمعه. ### || [41.5] # والأكنة جمع كنان. وهو الغطاء و«الوقر» بالفتح - الثقل. وقرىء بالكسر. ~~وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن تقبل الحق واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية ~~تمنع من نفوذه فيها، كقوله تعالى # وقالوا قلوبنا غلف # البقرة 88 ومج أسماعهم له كأن بها صمما عنه، ولتباعد المذهبين والدينين ~~كأن بينهم وما هم عليه، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه ~~حجابا ساترا وحاجزا منيعا من جبل أو نحوه، فلا تلاقي ولا ترائي { ~~فاعمل } على دينك { إننا عملون } على ديننا، أو فاعمل في ~~إبطال أمرنا، إننا عاملون في إبطال أمرك. وقرىء «إنا عاملون» فإن قلت هل ~~لزيادة من في قوله { ومن ms1818 بيننا وبينك حجاب } فائدة؟ قلت ~~نعم، لأنه لو قيل وبيننا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجابا حاصل وسط ~~الجهتين، وأما بزيادة من فالمعنى أن حجابا ابتدأ منا وابتدأ منك، ~~فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. فإن قلت ~~هلا قيل على قلوبنا أكنة، كما قيل وفي آذاننا وقر ليكون الكلام على نمط ~~واحد؟ قلت هو على نمط واحد لأنه لا فرق في المعنى بين قولك قلوبنا في ~~أكنة. وعلى قلوبنا أكنة. والدليل عليه قوله تعالى { إنا جعلنا ~~على قلوبهم أكنة } ولو قيل إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم ~~يختلف المعنى، وترى المطابيع منهم لا يراعون الطباق والملاحظة إلا في ~~المعاني. ### || [41.6-7] # فإن قلت من أين كان قوله { إنما أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلى } جوابا لقولهم { قلوبنا فى أكنة }؟ قلت من حيث إنه ~~قال لهم إني لست بملك، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إلي دونكم فصحت - ~~بالوحي إلي وأنا بشر - نبوتي، وإذا صحت نبوتي وجب عليكم اتباعي، وفيما ~~يوحى إلي أن إلهكم إله واحد { فاستقيموا إليه } فاستووا ~~إليه بالتوحيد وإخلاص العبادة غير ذاهبين يمينا وشمالا، ولا ملتفتين ~~إلى ما يسول لكم الشيطان من اتخاذ الأولياء والشفعاء، وتوبوا إليه مما ~~سبق لكم من الشرك { واستغفروه }. وقرىء «قال إنما أنا بشر». فإن ~~قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة، ~~قلت لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل ~~الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته. ألا ترى ~~إلى قوله عز وجل # ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغاء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم # البقرة 265 أي يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع ~~المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم وأهل ~~الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، ~~فنصبت لهم الحرب، وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف ~~شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف ms1819 المشركين، وقرن بالكفر بالآخرة. ~~وقيل كانت قريش يطعمون الحاج، ويحرمون من آمن منهم برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقيل لا يفعلون ما يكونون به أزكياء، وهو الإيمان. ### || [41.8] # الممنون المقطوع. وقيل لا يمن عليهم لأنه إنما يمن التفضل. فأما الأجر ~~فحق أداؤه. وقيل نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة ~~كتب لهم الأجر، كأصح ما كانوا يعملون. ### || [41.9-12] # { أئنكم } بهمزتين الثانية بين بين. و «ءائنكم» بألف وبين همزتين ~~{ ذلك } الذي قدر على خلق الأرض في مدة يومين. هو { رب ~~العلمين }...رواسى } جبالا ثوابت. فإن قلت ما معنى قوله { ~~من فوقها } وهل اقتصر على قوله { وجعل فيها رواسى } ~~كقوله تعالى # وجعلنا فيها رواسى شمخت # المرسلات 27، # وجعلنا فى الأرض رواسى # الأنبياء 31، # وجعل لها رواسى # النمل 61؟ قلت لو كانت تحتها كالأساطين لها تستقر عليها، أو مركوزة فيها ~~كالمسامير لمنعت من الميدان أيضا، وإنما اختار إرساءها فوق الأرض، لتكون ~~المنافع في الجبال معرضة لطالبيها، حاضرة محصليها، وليبصر أن الأرض ~~والجبال أثقال على أثقال، كلها مفتقرة إلى ممسك لا بد لها منه، وهو ~~ممسكها عز وعلا بقدرته { وبرك فيها } وأكثر خيرها وأنماه { ~~وقدر فيها أقوتها } أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم. وفي ~~قراءة ابن مسعود. وقسم فيها أقواتها { فى أربعة أيام سواء } ~~فذلكة لمدة خلق الله الأرض وما فيها، كأنه قال كل ذلك في أربعة أيام ~~كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان. قيل خلق الله الأرض في يوم الأحد ويوم ~~الإثنين، وما فيها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. وقال الزجاج في أربعة ~~أيام في تتمة أربعة أيام، يريد بالتتمة اليومين. وقرىء «سواء» بالحركات ~~الثلاث الجر على الوصف والنصب على استوت سواء، أي استواء والرفع على هي ~~سواء. فإن قلت بم تعلق قوله { للسائلين }؟ قلت بمحذوف، كأنه قيل ~~هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها؟ أو يقدر أي قدر فيها ~~الأقوات لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين. وهذا الوجه ~~الأخير لا يستقيم إلا على تفسير الزجاج. فإن قلت هلا قيل ms1820 في يومين؟ وأي ~~فائدة في هذه الفذلكة؟ قلت إذا قال في أربعة أيام وقد ذكر أن الأرض خلقت ~~في يومين، علم أن ما فيها خلق في يومين، فبقيت المخايرة بين أن تقول في ~~يومين وأن تقول في أربعة أيام سواء، فكانت في أربعة أيام سواء فائدة ليست ~~في يومين، وهي الدلالة على أنها كانت أياما كاملة بغير زيادة ولا نقصان. ~~ولو قال في يومين - وقد يطلق اليومان على أكثرهما -لكان يجوز أن يريد ~~باليومين الأولين والآخرين أكثرهما { ثم استوى إلى السماء } ~~من قولك استوى إلى مكان كذا، إذا توجه إليه توجها لا يلوي على شيء، وهو ~~من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم استقام إليه وامتد إليه. ~~ومنه قوله تعالى # فاستقيموا إليه # فصلت 6 والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما ~~فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. قيل كان عرشه قبل خلق السموات والأرض ~~على الماء، فأخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء وعلا عليه، فأيبس ~~الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها أرضين، ثم خلق السماء من ~~الدخان المرتفع. # ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان وامتثالهما أنه أراد تكوينهما فلم ~~يمتنعا عليه، ووجدتا كما أرادهما، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد ~~عليه فعل الأمر المطاع، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون ~~تخييلا ويبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما ~~ائتيا شئتما ذلك أو أبيتماه، فقالتا أتينا على الطوع لا على الكره. ~~والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيء من ~~الخطاب والجواب. ونحوه قول القائل قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال الوتد ~~اسأل من يدقني، فلم يتركني، ورائي الحجر الذي ورائي. فإن قلت لم ذكر ~~الأرض مع السماء وانتظمها في الأمر بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل السماء ~~بيومين؟ قلت قد خلق جرم الأرض أو لا غير مدحوة، ثم دحاها بعد خلق ~~السماء، كما قال تعالى # والأرض بعد ذلك دحها # النازعات ms1821 30 فالمعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف ~~ائتي يا أرض مدحوة قرارا ومهادا لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفا ~~لهم. ومعنى الإتيان الحصول والوقوع، كما تقول أتى عمله مرضيا، وجاء ~~مقبولا. ويجوز أن يكون المعنى لتأت كل واحدة منكما صاحبتها الإتيان الذي ~~أريده وتقتضيه الحكمة والتدبير من كون الأرض قرارا للسماء، وكون السماء ~~سقفا للأرض. وتنصره قراءة من قرأ «آتيا» وآتينا من المؤاتاة وهي ~~الموافقة أي لتؤات كل واحدة أختها ولتوافقها. قالتا واقفنا وساعدنا. ~~ويحتمل وافقا أمري ومشيئتي ولا تمتنعا. فإن قلت ما معنى طوعا أو كرها؟ ~~قلت هو مثل للزوم وتأثير قدرته فيهما، وأن امتناعهما من تأثير قدرته محال ~~كما يقول الجبار لمن تحت يده لتفعلن هذا شئت أو أبيت، ولتفعلنه طوعا أو ~~كرها. وانتصابهما على الحال، بمعنى طائعتين أو مكرهتين. فإن قلت هلا قيل ~~طائعتين على اللفظ؟ أو طائعات على المعنى؟ لأنها سموات وأرضون. قلت لما ~~جعلن مخاطبات ومجيبات، ووصفن بالطوع والكره قيل طائعين، في موضع طائعات. ~~نحو قوله ساجدين. { فقضهن } يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى السماء ~~على المعنى كما قال { طائعين } ونحوه # أعجاز نخل خاوية # الحاقة 7 ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا بسبع سموات، والفرق بين ~~النصبين أن أحدهما على الحال، والثاني على التمييز، قيل خلق الله ~~السموات وما فيها في يومين في يوم الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من ~~يوم الجمعة، فخلق فيها آدم وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة. وفي هذا ~~دليل على ما ذكرت لك، من أنه لو قيل في يومين في موضع أربعة أيام سواء، ~~لم يعلم أنهما يومان كاملان أو ناقصان. فإن قلت فلو قيل خلق الأرض في ~~يومين كاملين وقدر فيها أقواتها في يومين كاملين. أو قيل بعد ذكر اليومين ~~تلك أربعة سواء؟ قلت الذي أورده سبحانه أخصر وأفصح وأحسن طباقا لما عليه ~~التنزيل من مغاصاة القرائح ومصاك الركب، ليتميز الفاضل من الناقص، ~~والمتقدم من الناكص، وترتفع الدرجات، ويتضاعف الثواب، { أمرها } ما ~~أمر ms1822 به فيها ودبره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك. أو شأنها وما ~~يصلحها { وحفظا } وحفظناها حفظا، يعني من المسترقة بالثواقب. ويجوز ~~أن يكون مفعولا له على المعنى، كأنه قال وخلقنا المصابيح زينة وحفظا. ### || [41.13-14] # { فإن أعرضوا } بعد ما تتلو عليهم من هذه الحجج على وحدانيته ~~وقدرته، فحذرهم أن تصيبهم صاعقة، أي عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. وقرىء ~~«صعقة» مثل صعقة عاد وثمود وهي المرة من الصعق أو الصعق. يقال صعقته ~~الصاعقة صعقا فصعق صعقا، وهو من باب فعلته ففعل { من بين ~~أيديهم ومن خلفهم } أي أتوهم من كل جانب، واجتهدوا بهم ~~وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض، كما حكى الله ~~تعالى عن الشيطان # لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم # الأعراف 17 يعني لآتينهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة، وتقول استدرت ~~بفلان من كل جانب، فلم يكن لي فيه حيلة. وعن الحسن أنذروهم من وقائع الله ~~فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤهم بالوعظ ~~من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار، ومن جهة المستقبل وما سيجري ~~عليهم. وقيل معناه إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم. فإن قلت الرسل ~~الذين من قبلهم ومن بعدهم كيف يوصفون بأنهم جاؤهم، وكيف يخاطبونهم بقولهم ~~إنا بما أرسلتم به كافرون؟ قلت قد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان ~~بهما وبجميع الرسل ممن جاء من بين أيديهم، أي من قبلهم وممن يجيء من ~~خلفهم، أي من بعدهم فكان الرسل جميعا قد جاؤهم. وقولهم إنا بما أرسلتم ~~به كافرون خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين دعوا إلى الإيمان ~~بهم. أن في { ألا تعبدوا } بمعنى أي، أو مخففة من الثقيلة، أصله ~~بأنه لا تعبدوا، أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم لا تعبدوا، ومفعول شاء ~~محذوف أي { لو شاء ربنا } إرسال الرسل { لأنزل ملئكة ~~فإنا بما أرسلتم به كفرون } معناه فإذا أنتم بشر ~~ولستم بملائكة، فإنا لا نؤمن بكم وبما جئتم به، وقولهم { أرسلتم ~~به ms1823 } ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكم، كما ~~قال فرعون # إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون # الشعراء 27. روى985 أن أبا جهل قال في ملأ من قريش قد التبس علينا أمر ~~محمد، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم ~~أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة والله لقد سمعت الشعر والكهانة ~~والسحر وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علي، فأتاه فقال أنت يا محمد خير ~~أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا ~~وتضللنا، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك ~~الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك المال ~~جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت ~~فلما فرغ قال بسم الله الرحمن الرحيم { حم } إلى قوله # صعقة مثل صعقة عاد وثمود # فصلت 13 فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى ~~قريش فلما احتبس عنهم قالوا ما نرى عتبة إلا قد صبأ، فانطلقوا إليه ~~وقالوا يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت، فغضب وأقسم لا يكلم محمدا ~~أبدا ثم قال والله لقد كلمته فأجابني بشيء و الله ما هو بشعر ولا كهانة ~~ولا سحر، ولما بلغ صاعقة عاد وثمود أمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، ~~وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ### || [41.15-16] # { فاستكبروا فى الأرض } أي تعظموا فيها على أهلها بما لا ~~يستحقون به التعظيم وهو القوة وعظم الأجرام. أو استعلوا في الأرض ~~واستولوا على أهلها بغير استحقاق للولاية { من أشد منا قوة ~~} كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم، وبلغ من قوتهم أن الرجل كان ينزع ~~الصخرة من الجبل فيقتلعها بيده. فإن قلت القوة هي الشدة والصلابة في ~~البنية، وهي نقيضة الضعف. وأما القدرة فما لأجله يصح الفعل من الفاعل من ~~تميز بذات أو بصحة ms1824 بنيه وهي نقيضة العجز والله سبحانه وتعالى لا يوصف ~~بالقوة إلا على معنى القدرة، فكيف صح قوله { هو أشد منهم ~~قوة } وإنما يصح إذا أريد بالقوة في الموضعين شيء واحد؟ قلت القدرة ~~في الإنسان هي صحة البنية والاعتدال والقوة والشدة والصلابة في البنية، ~~وحقيقتها زيادة القدرة، فكما صح أن يقال الله أقدر منهم، جاز أن يقال ~~أقوى منهم، على معنى أنه يقدر لذاته على ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم ~~{ يجحدون } كانوا يعرفون أنها حق، ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع ~~الوديعة، وهو معطوف على فاستكبروا، أي كانوا كفرة فسقة. الصرصر العاصفة ~~التي تصرصر، أي تصوت في هبوبها. وقيل الباردة التي تحرق بشدة بردها، ~~تكرير لبناء الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ويقبض «نحسات» قرىء بكسر ~~الحاء وسكونها. ونحس نحسا نقيض سعد سعدا، وهو نحس. وأما نحس، فإما ~~مخفف نحس، أو صفة على فعل، كالضخم وشبهه. أو وصف بمصدر. وقرىء «لتذيقهم» ~~على أن الإذاقة للريح أو للأيام النحسات. وأضاف العذاب إلى الخزي وهو ~~الذل والاستكانة على أنه وصف للعذاب، كأنه قال عذاب خزي، كما تقول فعل ~~السوء، تريد الفعل السيء، والدليل عليه قوله تعالى { ولعذاب ~~الأخرة أخزى } وهو من الإسناد المجازي، ووصف العذاب بالخزي أبلغ ~~من وصفهم به. ألا ترى إلى البون بين قوليك هو شاعر، وله شعر شاعر. ### || [41.17-18] # وقرىء «ثمود» بالرفع والنصب منونا وغير متنون، والرفع أفصح لوقوعه بعد ~~حرف الابتداء. وقرىء بضم الثاء { فهدينهم } فدللناهم على طريق ~~الضلالة والرشد، كقوله تعالى # وهدينه النجدين # البلد 10. { فاستحبوا العمى على الهدى } فاختاروا ~~الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد. فإن قلت أليس معنى هديته حصلت ~~فيه الهدى، والدليل عليه قولك هديته فاهتدى، بمعنى تحصيل البغية وحصولها، ~~كما تقول ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ قلت ~~للدلالة على أنه مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق له عذرا ولا علة، فكأنه حصل ~~البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها { صعقة العذاب } داهية ~~العذاب وقارعة العذاب. و { الهون } الهوان، وصف به العذاب مبالغة، ms1825 أو ~~أبدله منه، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه ~~الأمة بشهادة نبيها صلى الله عليه وسلم - وكفى به شاهدا - إلا هذه ~~الآية، لكفى بها حجة. ### || [41.19-21] # قرىء «يحشر» على البناء للمفعول. ونحشر بالنون وضم الشين وكسرها، ويحشر ~~على البناء للفاعل، أي يحشر الله عز وجل { أعداء الله } الكفار ~~من الأولين والآخرين { يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم، أي ~~يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، نسأل ~~الله أن يجيرنا منها بسعة رحمته فإن قلت ما في قوله { حتى إذا ما ~~جاءوها } ما هي؟ قلت مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم ~~النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم، ولا وجه لأن يخلو منها. ومثله ~~قوله تعالى # أثم إذا ما وقع ءامنتم به # يونس 51 أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به شهادة الجلود ~~بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضي إليها من المحرمات. فإن قلت ~~كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق؟ قلت الله عز وجل ينطقها كما أنطق ~~الشجرة بأن يخلق فيها كلاما. وقيل المراد بالجلود الجوارح. وقيل هي ~~كناية عن الفروج، أراد بكل شيء كل شيء، من الحيوان، كما أراد به في قوله ~~تعالى # والله على كل شيء قدير # البقرة 284 كل شيء من المقدورات، والمعنى أن نطقنا ليس بعجب من قدرة ~~الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان، وعلى خلقكم وإنشائكم أول مرة، وعلى ~~إعادتكم ورجعكم إلى جزائه - وإنما قالوا لهم { لم شهدتم علينا ~~} لما تعاظمهم من شهادتها وكبر عليهم من الافتضاح على ألسنة جوارحهم. ### || [41.22-23] # والمعنى أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان ~~استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها ~~عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا، ولكنكم إنما استترتم لظنكم ~~{ أن الله لا يعلم كثيرا مما } كنتم { تعملون } ~~وهو الخفيات من أعمالكم، وذلك الظن هو الذي أهلككم. وفي هذا تنبيه على ms1826 ~~أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه، ولا يزل عن ذهنه أن عليه من الله عينا ~~كالئة ورقيبا مهيمنا، حتى يكون في أوقات خلواته من ربه أهيب وأحسن ~~احتشاما وأوفر تحفظا وتصونا منه مع الملأ، ولا يتبسط في سره مراقبة من ~~التشبه بهؤلاء الظانين. وقرىء «ولكن زعمتم» { وذلكم } رفع ~~بالابتداء، و { ظنكم } و { أرداكم } خبران، ويجوز أن يكون { ~~ظنكم } بدلا من { وذلكم } و { أرادكم } الخبر. ### || [41.24-25] # { فإن يصبروا } لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكوا به من الثواء في ~~النار، { وإن يستعتبوا } وإن يسألوا العتبى وهي الرجوع لهم إلى ~~ما يحبون جزعا مما هم فيه لم يعتبوا لم يعطوا العتبى ولم يجابوا إليها، ~~ونحوه قوله عز وعلا # أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص # إبراهيم 21 وقرىء «وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين» أي إن سئلوا أن ~~يرضوا ربهم فما هم فاعلون، أي لا سبيل لهم إلى ذلك { وقيضنا لهم ~~} وقدرنا لهم، يعني لمشركي مكة يقال هذان ثوبان قيضان إذا كانا ~~متكافئين. والمقايضة المعاوضة { قرناء } أخدانا من الشياطين جمع ~~قرين، كقوله تعالى # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو ~~له قرين # الزخرف 36 فإن قلت كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم ~~عن اتباع خطواتهم؟ قلت معناه أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على ~~الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين. والدليل عليه ومن يعش نقيض { ما ~~بين أيديهم وما خلفهم } ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها. أو ما ~~بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات، وما خلفهم من أمر العاقبة، وأن ~~لا بعث ولا حساب { وحق عليهم القول } يعني كلمة العذاب { ~~فى أمم } في جملة أمم. ومثل في هذه ما في قوله # إن تك عن أحسن الصنيعة مأ فوكا ففي آخرين قد ~~أفكوا # يريد فأنت في جملة آخرين، وأنت في عداد آخرين لست في ذلك بأوحد. فإن قلت ~~{ فى أمم } ما محله؟ قلت محله النصب على الحال من الضمير في عليهم أي ~~حق عليهم ms1827 القول كائنين في جملة أمم { إنهم كانوا خسرين } ~~تعليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لهم وللأمم. ### || [41.26-28] # قرىء «والغوا فيه» بفتح الغين وضمها. ويقال لغى يلغى، ولغا يلغو واللغو ~~الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته. قال من اللغا ورفث التكلم. والمعنى ~~لا تسمعوا له إذا قرىء، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات ~~والهذيان والزمل، وما أشبه ذلك، حتى تخلطوا على القارىء وتشوشوا عليه ~~وتغلبوه على قراءته. كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضا { فلنذيقن ~~الذين كفروا } يجوز أن يريد بالذين كفروا هؤلاء اللاغين والآمرين ~~لهم باللغو خاصة، وأن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم. قد ذكرنا ~~إضافة أسوأ بما أغنى عن إعادته. وعن ابن عباس { عذابا شديدا } يوم ~~بدر. و { أسوأ الذى كانوا يعملون } في الآخرة { ذلك } ~~إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير أسوأ جزاء الذين كانوا يعملون، ~~حتى تستقيم هذه الإشارة. و { النار } عطف بيان للجزاء. أو خبر مبتدأ ~~محذوف. فإن قلت ما معنى قوله تعالى { لهم فيها دار الخلد }؟ ~~قلت معناه أن النار في نفسها دار الخلد، كقوله تعالى # لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21 والمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وتقول ~~لك في هذه الدار دار السرور. وأنت تعنى الدار بعينها { جزاء بما كانوا ~~بآياتنا يجحدون } أي جزاء بما كانوا يلغون فيها، فذكر الجحود الذي سبب ~~اللغو. ### || [41.29] # { الذين أضلانا } أي الشيطانين اللذين أضلانا { من الجن ~~والإنس } لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي. قال الله تعالى # وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شيطين الإنس ~~والجن # الأنعام 112 وقال تعالى # الذى يوسوس فى صدور الناس 5 من الجنة والناس # الناس 5-6 وقيل هما إبليس وقابيل لأنهما سنا الكفر والقتل بغير حق. ~~وقرىء «أرنا» بسكون الراء لثقل الكسرة، كما قالوا في فخذ فخذ. وقيل معناه ~~أعطنا للذين أضلانا. وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر، ~~فالمعنى بصرنيه. وإذا قلته بالسكون، فهو استعطاء، معناه أعطني ثوبك ~~ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى ms1828 الإعطاء. وأصله الإحضار. ### || [41.30-32] # { ثم } لتراخي الاستقامة عن الإقرار في المرتبة. وفضلها عليه لأن ~~الاستقامة لها الشأن كله. ونحوه قوله تعالى # إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا # الحجرات 15 والمعنى ثم ثبتوا على الإقرار ومقتضياته. وعن أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه استقاموا فعلا كما استقاموا قولا. وعنه أنه تلاها ثم قال ~~ما تقولون فيها؟ قالوا لم يذنبوا. قال حملتم الأمر على أشده. قالوا فما ~~تقول؟ قال لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان. وعن عمر رضي الله عنه استقاموا ~~على الطريقة لم يروغوا روغان الثعالب. وعن عثمان رضي الله عنه أخلصوا ~~العمل. وعن علي رضي الله عنه أدوا الفرائض. وقال سفيان بن عبد الله ~~الثقفي رضي الله عنه 986 قلت يا رسول الله، أخبرني بأمر أعتصم به. قال # " قل ربي الله، ثم استقم " # قال فقلت ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلسان نفسه فقال «هذا» { تتنزل عليهم الملئكة } عند ~~الموت بالبشرى. وقيل البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت، وفي القبر، وإذا ~~قاموا من قبورهم { ألا تخافوا } أن بمعنى أي. أو مخففة من ~~الثقيلة. وأصله بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن. وفي قراءة ابن مسعود ~~رضي الله عنه لا تخافوا، أي يقولون لا تخافوا والخوف غم يلحق لتوقع ~~المكروه، والحزن غم يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار. والمعنى أن ~~الله كتب لكم الأمن من كل غم، فلن تذوقوه أبدا. وقيل لا تخافوا ما ~~تقدمون عليه، ولا تحزنوا على ما خلفتم. كما أن الشياطين قرناء العصاة ~~وإخوانهم، فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين { ~~تدعونآ } تتمنون والنزل رزق التنزيل وهو الضيف، وانتصابه على الحال. ### || [41.33] # { ممن دعآ إلى الله } عن ابن عباس رضي الله عنهما هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى الإسلام { وعمل صلحا } فيما ~~بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نحلة له. وعنه أنهم أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وعن عائشة رضي الله عنها ما كنا نشك ms1829 أن هذه الآية نزلت ~~في المؤذنين، وهي عامة في كل من جمع بين هذه الثلاث أن يكون موحدا ~~معتقدا لدين الإسلام، عاملا بالخير داعيا إليه وما هم إلا طبقة ~~العالمين العاملين من أهل العدل والتوحيد، الدعاة إلى دين الله وقوله { ~~وقال إننى من المسلمين } ليس الغرض أنه تكلم بهذا الكلام، ~~ولكن جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده، كما تقول هذا قول أبي حنيفة، تريد ~~مذهبه. ### || [41.34-35] # يعني أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ الحسنة التي هي أحسن ~~من أختها - إذا اعترضتك حسنتان - فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض ~~أعدائك. ومثال ذلك رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي ~~أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه ويقتل ولدك ~~فتفتدي ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاق مثل الولي ~~الحميم مصافاة لك. ثم قال وما يلقى هذه الخليقة أو السجية التي هي مقابلة ~~الإساءة بالإحسان إلا أهل الصبر، وإلا رجل خير وفق لحظ عظيم من الخير. ~~فإن قلت فهلا قيل فادفع بالتي هي أحسن؟ قلت هو على تقدير قائل قال فكيف ~~أصنع؟ فقيل ادفع بالتي هي أحسن. وقيل لا مزيدة. والمعنى ولا تستوي الحسنة ~~والسيئة. فإن قلت فكان القياس على هذا التفسير أن يقال ادفع بالتي هي ~~حسنة، قلت أجل، ولكن وضع التي هي أحسن موضع الحسنة، ليكون أبلغ في الدفع ~~بالحسنة لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما { بالتى هى أحسن } الصبر عند الغضب، والحلم عند ~~الجهل، والعفو عند الإساءة، وفسر الحظ بالثواب. وعن الحسن رحمه الله ~~والله ما عظم حظ دون الجنة، وقيل نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدوا ~~مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار وليا مصافيا. ### || [41.36] # النزغ والنسغ بمعنى وهو شبه النخس. والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه ~~ببعثه على ما لا ينبغي. وجعل النزغ نازغا، كما قيل جد جده. أو أريد ~~وإما ms1830 ينزغنك نازغ وصفا للشيطان بالمصدر. أو لتسويله. والمعنى وإن صرفك ~~الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن { فاستعذ بالله } ~~من شره، وامض على شأنك ولا تطعه. ### || [41.37-38] # الضمير في { خلقهن } لليل والنهار والشمس والقمر لأن حكم جماعة ~~ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث. يقال الأقلام بريتها وبريتهن أو لما ~~قال { ومن ءايته } كن في معنى الآيات، فقيل خلقهن. فإن قلت أين ~~موضع السجدة؟ قلت عند الشافعي رحمه الله تعالى { تعبدون } وهي رواية ~~مسروق عن عبد الله لذكر لفظ السجدة قبلها. وعند أبي حنيفة رحمه الله ~~يسأمون لأنها تمام المعنى، وهي عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب لعل ~~ناسا منهم كانوا يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ~~ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن هذه الواسطة، ~~وأمروا أن يقصدوا بسجودهم وجه الله تعالى خالصا، إن كانوا إياه يعبدون ~~وكانوا موحدين غير مشركين { فإن استكبروا } ولم يمتثلوا ما ~~أمروا به وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن الله عز سلطانه لا يعدم ~~عابدا ولا ساجدا بالإخلاص وله العباد المقربون الذين ينزهونه بالليل ~~والنهار عن الأنداد، وقوله { عند ربك } عبارة عن الزلفى والمكانة ~~والكرامة وهم لا يسأمون. وقرىء «لا يسأمون» بكسر الياء. ### || [41.39] # الخشوع التذلل والتصاغر، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات ~~فيها، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى # وترى الأرض هامدة # الحج 5 وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو وهو الانتفاخ إذا أخصبت ~~وتزخرفت بالنبات كأنها بمنزلة المختال في زيه، وهي قبل ذلك كالذليل ~~الكاسف البال في الأطمار الرثة. وقرىء «وربأت» أي ارتفعت لأن النبت إذا ~~هم أن يظهر ارتفعت له الأرض. ### || [41.40] # يقال ألحد الحافر ولحد، إذا مال عن الاستقامة، فحفر في شق، فاستعير ~~للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، وقرىء «يلحدون ~~ويلحدون» على اللغتين. وقوله { لا يخفون علينا } وعيد لهم على ~~التحريف. ### || [41.41-42] # فإن قلت بم اتصل قوله { إن الذين كفروا بالذكر }؟ قلت ~~هو بدل من قوله # إن الذين ms1831 يلحدون فى ءايتنا # فصلت 40 والذكر القرآن، لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا تأويله { ~~وإنه لكتب عزيز } أي منيع محمى بحماية الله تعالى { لا ~~يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه } مثل ~~كأن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يصل ~~إليه ويتعلق به. فإن قلت أما طعن فيه الطاعنون، وتأوله المبطلون؟ قلت ~~بلى، ولكن الله قد تقدم في حمايته عن تعلق الباطل به بأن قيض قوما ~~عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ~~ممحوقا، ولا قول مبطل إلا مضمحلا. ونحوه قوله تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # الحجر 9. ### || [41.43] # { ما يقال لك } أي ما يقول لك كفار قومك إلا مثل ما قال للرسل كفار ~~قومهم من الكلمات المؤذية والمطاعن في الكتب المنزلة { إن ربك ~~لذو مغفرة } ورحمة لأنبيائه { وذو عقاب } لأعدائهم. ويجوز أن ~~يكون ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول هو قوله ~~تعالى { إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } فمن حقه ~~أن يرجوه أهل طاعته ويخافه أهل معصيته، والغرض تخويف العصاة. ### || [41.44] # كانوا لتعنتهم يقولون هلا نزل القرآن بلغة العجم «فقيل لو كان كما ~~يقترحون لم يتركوا الاعتراض والتعنت وقالوا { لولا فصلت ~~ءايته } أي بينت ولخصت بلسان نفقهه { ءاعجمى وعربى } ~~الهمزة همزة الإنكار، يعني لأنكروا وقالوا أقرآن أعجمي ورسول عربي، أو ~~مرسل إليه عربي، وقرىء «أعجمي» والأعجمي الذي لا يفصح ولا يفهم كلامه من ~~أي جنس كان، والعجمي منسوب إلى أمة العجم. وفي قراءة الحسن أعجمي بغير ~~همزة الاستفهام على الإخبار بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه ~~عربي. والمعنى أن آيات الله على أي طريقة جاءتهم وجدوا فيها متعنتا ~~لأن القوم غير طالبين للحق وإنما يتبعون أهواءهم. ويجوز في قراءة الحسن ~~هلا فصلت آياته تفصيلا، فجعل بعضها بيانا للعجم، وبعضها بيانا للعرب. ~~فإن قلت كيف يصح أن يراد بالعربي المرسل إليهم وهم أمة العرب؟ قلت هو ~~على ما يجب ms1832 أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتابا أعجميا كتب إلى قوم من ~~العرب يقول كتاب أعجمي ومكتوب إليه عربي، وذلك لأن مبنى الإنكار على ~~تنافر حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد أو ~~جماعة، فوجب أن يجرد لما سيق إليه من الغرض، ولا يوصل به ما يخل غرضا ~~آخر. ألا تراك تقول - وقد رأيت لباسا طويلا على امرأة قصيرة - اللباس ~~طويل واللابس قصير. ولو قلت واللابسة قصيرة، جئت بما هو لكنة وفضول قول، ~~لأن الكلام لم يقع في ذكورة اللابس وأنوثته، إنما وقع في غرض وراءهما { ~~هو } أي القرآن { هدى وشفاء } إرشاد إلى الحق وشفاء { لما فى ~~الصدور } من الظن والشك. فإن قلت { والذين لا يؤمنون فى ~~ءاذانهم وقر } منقطع عن ذكر القرآن، فما وجه اتصاله به؟ قلت لا ~~يخلو إما أن يكون الذين لا يؤمنون في موضع الجر معطوفا على قوله تعالى ~~للذين آمنوا على معنى قولك هو للذين آمنوا هدى وشفاء، وهو للذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر إلا أن فيه عطفا على عاملين وإن كان الأخفش ~~يجيزه. وإما أن يكون مرفوعا على تقدير والذين لا يؤمنون هو في آذانهم ~~وقر على حذف المتبدأ. أو في آذانهم منه وقر وهو عليهم عمى. وقرىء «وهو ~~عليهم عم»«وعمى»، كقوله تعالى # فعميت عليكم # هود 28 { ينادون من مكان بعيد } يعني أنهم لا يقبلونه ولا ~~يرعونه أسماعهم، فمثلهم في ذلك مثل من يصيح به من مسافة شاطة لا يسمع من ~~مثلها الصوت فلا يسمع النداء. ### || [41.45] # { فاختلف فيه } فقال بعضهم هو حق، وقال بعضهم هو باطل. والكلمة ~~السابقة هي العدة بالقيامة، وأن الخصومات تفصل في ذلك اليوم، ولولا ذلك ~~لقضى بينهم في الدنيا. قال الله تعالى # بل الساعة موعدهم # القمر 46 ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى. ### || [41.46] # { فلنفسه } فنفسه نفع { فعليها } فنفسه ضر { وما ربك ~~بظلم } فيعذب غير المسيء. ### || [41.47-48] # { إليه يرد علم الساعة } أي إذا سئل عنها قيل الله يعلم. ~~أو لا يعلمها إلا الله. وقرىء «من ms1833 ثمرات من أكمامهن». والكم - بكسر الكاف ~~- وعاء الثمرة، كجف الطلعة، أي وما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ~~ولا وضع واضع إلا وهو عالم به. يعلم عدد أيام الحمل وساعاته وأحواله من ~~الخداج والتمام، والذكورة والأنوثة، والحسن والقبح وغير ذلك { أين ~~شركآءى } أضافهم إليه تعالى على زعمهم، وبيانه في قوله تعالى # أين شركائى الذين كنتم تزعمون # القصص 62 وفيه تهكم وتقريع { ءاذناك } أعلمناك { ما منا من ~~شهيد } أي ما منا أحد اليوم - وقد أبصرنا وسمعنا - يشهد بأنهم شركاؤك، ~~أي ما منا إلا من هو موحدلك أو ما منا من أحد يشاهدهم، لأنهم ضلوا عنهم ~~وضلت عنهم آلهتهم، لا يبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل هو كلام الشركاء، أي ~~ما منا من شهيد يشهد بما أضافوا إلينا من الشركة. ومعنى ضلالهم عنهم على ~~هذا التفسير أنهم لا ينفعونهم، فكأنهم ضلوا عنهم { وظنوا } وأيقنوا ~~ما لهم من محيص. والمحيص المهرب. فإن قلت { ءاذناك } إخبار بإيذان ~~كان منهم، فإذ قد آذنوا فلم سئلوا؟ قلت يجوز أن يعاد عليهم أين شركائي؟ ~~إعادة للتوبيخ، وإعادته في القرآن على سبيل الحكاية دليل على إعادة ~~المحكى. ويجوز أن يكون المعنى أنك علمت من قلوبنا وعقائدنا الآن أنا لا ~~نشهد تلك الشهادة الباطلة، لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه. ويجوز ~~أن يكون إنشاء للإيذان ولا يكون إخبارا بإيذان قد كان، كما تقول أعلم ~~الملك أنه كان من الأمر كيت وكيت. ### || [41.49-50] # { من دعاء الخير } من طلب السعة في المال والنعمة. وقرأ ابن ~~مسعود من دعاء بالخير { وإن مسه الشر } أي الضيقة والفقر { ~~فيئوس قنوط } بولغ فيه من طريقين من طريق بناء فعول، ومن طريق ~~التكرير والقنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر، أي يقطع الرجاء ~~من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر بدليل قوله تعالى # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # يوسف 87 وإذا فرجنا عنه بصحة بعد مرض أو سعة بعد ضيق قال { هذا لى ~~} أي هذا حق وصل إلي لأني ms1834 استوجبته بما عندي من خير وفضل وأعمال بر. أو ~~هذا لي لا يزول عني، ونحوه قوله تعالى # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه # الأعراف 131 ونحوه قوله تعالى { وما أظن الساعة قائمة } # إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين # الجاثية 32 يريد وما أظنها تكون، فإن كانت على طريق التوهم { أن لى ~~} عند الله الحالة الحسنى من الكرامة والنعمة، قائسا أمر الآخرة على أمر ~~الدنيا. وعن بعضهم للكافر أمنيتان، يقول في الدنيا ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى. ويقول في الآخرة يا ليتني كنت ترابا. وقيل نزلت في ~~الوليد بن المغيرة. فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة ~~للعذاب. ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها أنهم يستوجبون عليها كرامة وقربة ~~عند الله # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء ~~منثورا # الفرقان 23 وذلك أنهم كانوا ينفقون أموالهم رئاء الناس وطلبا للافتخار ~~والاستكبار لا غير، وكانوا يحسبون أن ما هم عليه سبب الغنى والصحة، ~~وأنهم محقوقون بذلك. ### || [41.51] # هذا أيضا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته ~~النعمة، وكأنه لم يلق بؤسا قط فنسى المنعم وأعرض عن شكرة { ونئا ~~بجانبه } أي ذهب بنفسه وتكبر وتعظم. وإن مسه الضر والفقر أقبل على ~~دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ~~ودوامه وهو من صفة الأجرام ويستعار له الطويل أيضا كما استعير الغلظ ~~بشدة العذاب. وقرىء «ونأى بجانبه» بإمالة الألف وكسر النون للإتباع. ~~وناء على القلب، كما قالوا راء في رأي. فإن قلت حقق لي معنى قوله تعالى { ~~ونئا بجانبه } قلت فيه وجهان أن يوضع جانبه موضع نفسه كما ذكرنا ~~في قوله تعالى # على ما فرطت فى جنب الله # الزمر 56 أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله # ......... ونفيت عنه مقام الذئب......... # يريد ونفيت عنه الذئب. ومنه # ولمن خاف مقام ربه # الرحمن46. ومنه قول الكتاب حضرة فلان ومجلسه، وكتبت إلى جهته وإلى ~~جانبه العزيز، يريدون نفسه وذاته، فكأنه قال ونأى بنفسه، كقولهم ms1835 في ~~المتكبر ذهب بنفسه، وذهبت به الخيلاء كل مذهب، وعصفت به الخيلاء وأن يراد ~~بجانبه عطفه، ويكون عبارة عن الانحراف والازورار كما قالوا ثنى عطفه، ~~وتولى بركنه. ### || [41.52] # { أرءيتم } أخبروني { إن كان } القرآن { من عند الله } ~~يعني أن ما أنتم عليه من إنكار القرآن وتكذيبه ليس بأمر صادر عن حجة ~~قاطعة حصلتم منها على اليقين وثلج الصدور، وإنما هو قبل النظر واتباع ~~الدليل أمر متحمل، يجوز أن يكون من عند الله وأن لا يكون من عنده، وأنتم ~~لم تنظروا ولم تفحصوا، فما أنكرتم أن يكون حقا وقد كفرتم به. فأخبروني ~~من أضل منكم وأنتم أبعدتم الشوط في مشاقته ومناصبته ولعله حق فأهلكتم ~~أنفسكم؟ وقوله تعالى { ممن هو فى شقاق بعيد } موضوع موضع ~~منكم، بيانا لحالهم وصفتهم. ### || [41.53-54] # { سنريهم ءايتنا فى الأفاق وفى أنفسهم } يعني ما ~~يسر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده ونصار دينه ~~في آفاق الدنيا وبلاد المشرق والمغرب عموما وفي باحة العرب خصوصا من ~~الفتوح التي لم يتيسر أمثالها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، ومن الإظهار ~~على الجبابرة والأكاسرة، وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعافهم على ~~أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أمورا خارجة من المعهود خارقة للعادات ~~ونشر دعوة الإسلام في أقطار المعمورة، وبسط دولته في أقاصيها، والاستقراء ~~يطلعك في التواريخ والكتب المدونة في مشاهد أهله وأيامهم على عجائب لا ~~ترى وقعة من وقائعهم إلا علما من أعلام الله وآية من آياته، يقوى معها ~~اليقين، ويزداد بها الإيمان، ويتبين أن دين الإسلام هو دين الحق الذي لا ~~يحيد عنه إلا مكابر حسه مغالط نفسه وما الثبات والاستقامة إلا صفة الحق ~~والصدق، كما أن الاضطراب والتزلزل صفة الفرية والزور وأن للباطل ريحا ~~تخفق ثم تسكن، ودولة تظهر ثم تضمحل { بربك } في موضع الرفع على أنه ~~فاعل كفى. و { أنه على كل شىء شهيد } بدل منه، تقديره. أو ~~لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد. ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات ~~الله في الآفاق ms1836 وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن ~~تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد، أي مطلع مهيمن يستوي عنده ~~غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلا على أنه حق وأنه من عنده، ولو لم يكن ~~كذلك لما قوى هذه القوة ولما نصر حاملوه هذه النصرة. وقرىء «في مرية» ~~بالضم وهي الشك { محيط } عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها وظواهرها ~~وبواطنها، فلا تخفى عليه خافية منهم، وهو مجازيهم على كفرهم ومريتهم في ~~لقاء ربهم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 987 # " من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات ". ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-5] # قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما «حم سق» { كذلك يوحى ~~إليك } أي مثل ذلك الوحي. أو مثل ذلك الكتاب يوحي إليك وإلى الرسل { ~~من قبلك الله } يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى ~~الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى أن ~~الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن في جميع الكتب السماوية، لما فيها ~~من التنبيه البليغ واللطف العظيم لعباده من الأولين والآخرين، ولم يقل ~~أوحي إليك ولكن على لفظ المضارع، ليدل على أن إيحاء مثله عادته. وقرىء ~~«يوحى إليك» على البناء للمفعول. فإن قلت فما رافع اسم الله على هذه ~~القراءة؟ قلت ما دل عليه يوحي، كأن قائلا قال من الموحى؟ فقيل الله، ~~كقراءة السلمى # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولدهم شركآؤهم # الأنعام137 على البناء للمفعول ورفع شركاؤهم، على معنى زينه لهم ~~شركاؤهم. فإن قلت فما رافعه فيمن قرأ نوحى بالنون؟ قلت يرتفع بالابتداء. ~~والعزيز وما بعده أخبار، أو العزيز الحكيم صفتان والظرف خبر. قرىء «تكاد» ~~بالتاء والياء. وينفطرن، ويتفطرن. وروى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة ~~«تتفطرن» بتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر، روى في نوادر ابن الأعرابي ~~الإبل تشممن. ومعناه يكدن ينفطرن من علو شأن الله وعظمته، يدل عليه مجيئه ~~بعد العلي العظيم. وقيل من دعائهم له ولدا، كقوله ms1837 تعالى # تكاد السموات يتفطرن منه # مريم 90. فإن قلت لم قال { من فوقهن }؟ قلت لأن أعظم الآيات ~~وأدلها على الجلال والعظمة فوق السموات، وهي العرش، والكرسي، وصفوف ~~الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا ~~الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال { يتفطرن من ~~فوقهن } أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية. أو لأن كلمة ~~الكفر جاءت من الذين تحت السموات، فكان القياس أن يقال ينفطرن من تحتهن ~~من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك، فجعلت مؤثرة في جهة ~~الفوق، كأنه قيل يكدن ينفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن، ~~ونظيره في المبالغة قوله عز وعلا # يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما فى ~~بطونهم # الحج 19-20 فجعل الحميم مؤثرا في أجزائهم الباطنة. وقيل من فوقهن من ~~فوق الأرضين. فإن قلت كيف صح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار ~~أعداء الله؟ وقد قال الله تعالى # أولئك عليهم لعنة الله والملئكة # البقرة 161 فكيف يكونون لاعنين مستغفرين لهم؟ قلت قوله { لمن فى ~~الارض } يدل على جنس أهل الأرض، وهذه الجنسية قائمة في كلهم وفي بعضهم ~~فيجوز أن يراد به هذا وهذا. # وقد دل الدليل على أن الملائكة لا يستغفرون إلا لأولياء الله وهم ~~المؤمنون، فما أراد الله إلا إياهم. ألا ترى إلى قوله تعالى في سورة ~~المؤمن # ويستغفرون للذين ءامنوا # غافر 7 وحكايته عنهم # فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك # غافر 7 كيف وصفوا المستغفر لهم بما يستوجب به الاستغفار فما تركوا للذين ~~لم يتوبوا من المصدقين طمعا في استغفارهم، فكيف للكفرة. ويحتمل أن ~~يقصدوا بالاستغفار طلب الحلم والغفران في قوله تعالى # إن الله يمسك السموت والارض أن تزولا # فاطر 41 إلى أن قال # إنه كان حليما غفورا # الإسراء 44 وقوله تعالى # إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # الرعد 6 والمراد الحلم عنهم وأن لا يعالجهم بالانتقام فيكون عاما. فإن ~~قلت قد فسرت قوله تعالى { تكاد السموت يتفطرن } ~~بتفسيرين. فما وجه طباق ms1838 ما بعده لهما؟ قلت أما على أحدهما فكأنه قيل تكاد ~~السموات ينفطرن هيبة من جلاله واحتشاما من كبريائه، والملائكة الذين هم ~~ملء السبع الطباق وحافون حول العرش صفوفا بعد صفوف يداومون - خضوعا ~~لعظمته - على عبادته وتسبيحه وتحميده، ويستغفرون لمن في الأرض خوفا ~~عليهم من سطواته. وأما على الثاني فكأنه قيل يكدن ينفطرن من إقدام أهل ~~الشرك على تلك الكلمة الشنعاء، والملائكة يوحدون الله وينزهونه عما لا ~~يجوز عليه من الصفات التي يضيفها إليه الجاهلون به، حامدين له على ما ~~أولاهم من ألطافه التي علم أنهم عندها يستعصمون، مختارين غير ملجئين، ~~ويستغفرون لمؤمني أهل الأرض الذين تبرؤوا من تلك الكلمة ومن أهلها. أو ~~يطلبون إلى ربهم أن يحلم عن أهل الأرض ولا يعاجلهم بالعقاب مع وجود ذلك ~~فيهم، لما عرفوا في ذلك من المصالح، وحرصا على نجاة الخلق، وطمعا في ~~توبة الكفار والفساق منهم. ### || [42.6] # { والذين اتخذوا من دونه أولياء } جعلوا له شركاء ~~وأندادا { الله حفيظ عليهم } رقيبت على أحوالهم وأعمالهم ~~وأعمالهم لا يفوته منها شيء وهو محاسبهم عليها ومعاقبهم لا رقيب عليهم ~~إلا هو وحده { وما أنت } يا محمد بموكل بهم ولا مفوض إليك أمرهم ولا ~~قسرهم على الإيمان. إنما أنت منذر فحسب. ### || [42.7] # ومثل ذلك { أوحينا إليك } وذلك إشارة إلى معنى الآية قبلها من ~~أن الله تعالى هو الرقيب عليهم، وما أنت برقيب عليهم، ولكن نذير لهم ~~لأن هذا المعنى كرره الله في كتابه في مواضع جمة، والكاف مفعول به ~~لأوحينا. و { قرءانا عربيا } حال من المفعول به، أي أوحيناه إليك ~~وهو قرآن عربي بين، لا لبس فيه عليك، لتفهم ما يقال لك، ولا تتجاوز حد ~~الإنذار. ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى مصدر أوحينا، أي ومثل ذلك الإيحاء ~~البين المفهم أوحينا إليك قرآنا عربيا بلسانك { لتنذر } يقال ~~أنذرته كذا وأنذرته بكذا. وقد عدى الأول، أعني لتنذر أم القرى، إلى ~~المفعول الأول والثاني وهو قوله وتنذر يوم الجمع إلى المفعول الثاني { ~~أم القرى } أهل أم القرى كقوله تعالى # واسئل ms1839 القرية # يوسف 82. { ومن حولها } من العرب. وقرىء «لينذر» بالياء والفعل ~~للقرآن { يوم الجمع } يوم القيامة، لأن الخلائق تجمع فيه. قال ~~الله تعالى # يوم يجمعكم ليوم الجمع # التغابن 9 وقيل يجمع بين الأرواح والأجساد. وقيل يجمع بين كل عامل ~~وعمله. و { لا ريب فيه } اعتراض لا محل له. قرىء «فريق» وفريق ~~بالرفع والنصب، فالرفع على منهم فريق، ومنهم فريق. والضمير للمجموعين لأن ~~المعنى يوم جمع الخلائق. والنصب على الحال منهم، أي متفرقين، كقوله ~~تعالى # ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون # الروم 14. فإن قلت كيف يكونون مجموعين متفرقين في حالة واحدة؟ قلت هم ~~مجموعون في ذلك اليوم مع افتراقهم في داري البؤس والنعيم، كما يجتمع ~~الناس يوم الجمعة متفرقين في مسجدين. وإن أريد بالجمع جمعهم في الموقف، ~~فالتفرق على معنى مشارفتهم للتفرق. ### || [42.8] # { لجعلهم أمة وحدة } أي مؤمنين كلهم على القسر والإكراه، ~~كقوله تعالى # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها # السجدة 13 وقوله تعالى # ولو شاء ربك لآمن من فى الارض كلهم جميعا # يونس 99 والدليل على أن المعنى هو الإلجاء إلى الإيمان. قوله # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # يونس 99 وقوله تعالى # أفأنت تكره # يونس 99 بإدخال همزة الإنكار على المكره دون فعله. دليل على أن الله ~~وحده هو القادر على هذا الإكراه دون غيره. والمعنى ولو شاء ربك مشيئة ~~قدرة لقسرهم جميعا على الإيمان، ولكنه شاء مشيئة حكمة، فكلفهم وبنى ~~أمرهم على ما يختارون، ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بمن يشاء. ~~ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة الظالمين ويترك الظالمين بغير ولي ولا نصير ~~في عذابه. ### || [42.9] # معنى الهمزة في { أم } الإنكار { فالله هو الولى } هو الذي ~~يجب أن يتولى وحده ويعتقد أنه المولى والسيد، فالفاء في قوله { فالله ~~هو الولى } جواب شرط مقدر، كأنه قيل بعد إنكار كل ولي سواه إن ~~أرادوا وليا بحق، فالله هو الولي بالحق، لا ولي سواه { وهو يحى } ~~أي ومن شأن هذا الولي أنه يحيى { الموتى وهو على كل شىء ~~قدير } فهو الحقيق ms1840 بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء. ### || [42.10] # { وما اختلفتم فيه من شىء } حكاية قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم للمؤمنين. أي ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين، ~~فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين، فحكم ذلك المختلف فيه مفوض ~~إلى الله تعالى، وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين { ~~ذلكم } الحاكم بينكم هو { الله ربى عليه توكلت } في ~~رد كيد أعداء الدين { وإليه } أرجع في كفاية شرهم. وقيل وما ~~اختلفتم فيه وتنازعتم من شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره، كقوله تعالى # فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول # النساء 59 وقيل وما اختلفتم فيه من تأويل آية واشتبه عليكم فارجعوا في ~~بيانه إلى المحكم من كتاب الله والظاهر من سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقيل وما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بتكلفيكم ولا ~~طريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم، كمعرفة الروح. قال الله تعالى # ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى # الإسراء 85 فإن قلت هل يجوز حمله على اختلاف المجتهدين في أحكام ~~الشريعة؟ قلت لا، لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [42.11] # { فاطر السموت } قرىء بالرفع والجر، فالرفع على أنه أحد أخبار ~~ذلكم. أو خبر مبتدأ محذوف، والجر على فحكمه إلى الله فاطر السموات، و { ~~ذلكم } إلى { أنيب } اعتراض بين الصفة والموصوف { جعل لكم } ~~خلق لكم { من أنفسكم } من جنسكم من الناس { أزوجا ومن ~~الأنعم أزوجا } أي وخلق من الأنعام أزواجا. ومعناه وخلق ~~للأنعام أيضا من أنفسها أزواجا { يذرؤكم } يكثركم، يقال ذرأ الله ~~الخلق بثهم وكثرهم. والذر، والذرو، والذرء أخوات { فيه } في هذا ~~التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم ~~التوالد والتناسل. والضمير في { يذرؤكم } يرجع إلى المخاطبين ~~والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي ms1841 من ~~الأحكام ذات العلتين، فإن قلت ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير؟ وهلا قيل ~~يذرؤكم به؟ قلت جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير ألا تراك ~~تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى # ولكم في القصاص حيوة # البقرة 179 قالوا مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه ~~عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه ~~عمن يسد مسده وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك ~~للعربي العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك أنت لا تخفر. ومنه قولهم ~~قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون إيفاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت ~~صيفي في سقيا عبد المطلب ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته والقصد إلى طهارته ~~وطيبه، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله ليس كالله شيء، ~~وبين قوله { ليس كمثله شىء } إلا ما تعطيه الكناية من ~~فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ~~ذاته، ونحوه قوله عز وجل # بل يداه مبسوطتان # المائدة 64 فإن معناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها لأنها ~~وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئا آخر، حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد ~~له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له، ولك أن تزعم أن كلمة ~~التشبيه كررت للتأكيد، كما كررها من قال # وصاليات ككما يؤثفين # ومن قال # فأصبحت مثل كعصف مأكول ### || [42.12] # وقرىء «ويقدر» { إنه بكل شىء عليم } فإذا علم أن الغني ~~خير للعبد أغناه، وإلا أفقره. ### || [42.13] # { شرع لكم من الدين } دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء، ~~ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأعلام من رسله فيه بقوله { أن ~~أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } والمراد إقامة دين ~~الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه، وبيوم الجزاء، ~~وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح ~~الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة. ms1842 قال الله تعالى # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # المائدة 48 ومحل { أن أقيموا } إما نصب بدل من مفعول شرع ~~والمعطوفين عليه، وإما رفع على الاستئناف، كأنه قيل وما ذلك المشروع؟ ~~فقيل هو إقامة الدين، ونحوه قوله تعالى # إن هذه أمتكم أمة واحدة # الأنبياء 92 { كبر على المشركين } عظم عليهم وشق عليهم { ما ~~تدعوهم إليه } من إقامة دين الله والتوحيد { يجتبى إليه ~~} يجتلب إليه ويجمع. والضمير للدين بالتوفيق والتسديد { من يشآء } من ~~ينفع فيهم توفيقه ويجرى عليهم لطفا. ### || [42.14] # { وما تفرقوا } يعني أهل الكتاب بعد أنبيائهم { إلا من ~~بعد } أن علموا أن الفرقة ضلال وفساد، وأمر متوعد عليه على ألسنة ~~الأنبياء { ولولا كلمة سبقت من ربك } وهي عدة التأخير ~~إلى يوم القيامة { لقضى بينهم } حين افترقوا لعظم ما اقترفوا { ~~وإن الذين أورثوا الكتب من بعدهم } وهم أهل ~~الكتاب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { لفى شك } ~~من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان. وقيل كان الناس أمة واحدة مؤمنين ~~بعد أن أهلك الله أهل الأرض أجمعين بالطوفان، فلما مات الآباء اختلف ~~الأبناء فيما بينهم، وذلك حين بعث الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين ~~وجاءهم العلم. وإنما اختلفوا للبغي بينهم. وقيل وما تفرق أهل الكتاب إلا ~~من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى # وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما ~~جاءتهم البينة # البينة 4 { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } هم المشركون أورثوا ~~القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب التوراة والإنجيل. وقرىء «ورثوا» ~~وورثوا. ### || [42.15] # { فلذلك } فلأجل التفرق ولما حدث بسببه من تشعب الكفر شعبا { ~~فادع } إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القديمة { ~~واستقم } عليها وعلى الدعوة إليها كما أمرك الله { ولا تتبع ~~أهواءهم } المختلفة الباطنة بما أنزل الله من كتاب، أي كتاب صح ~~أن الله أنزله، يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة لأن المتفرقين آمنوا ~~ببعض وكفروا ببعض، كقوله تعالى # ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض # النساء 150 إلى قوله ms1843 # أولئك هم الكفرون حقا # النساء 151 { لأعدل بينكم } في الحكم إذا تخاصمتم فتحاكمتم ~~إلي { لا حجة بيننا وبينكم } أي لا خصومة لأن الحق قد ~~ظهر وصرتم محجوبين به فلا حاجة إلى المحاجة. ومعناه لا إيراد حجة بيننا ~~لأن المتحاجين يورد هذا حجته وهذا حجته { الله يجمع بيننا } ~~يوم القيامة فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم وهذه محاجزة ومتاركة بعد ظهور ~~الحق وقيام الحجة والإلزام. فإن قلت كيف حوجزوا وقد فعل بهم بعد ذلك ما ~~فعل من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟ قلت المراد محاجزتهم ~~في مواقف المقاولة لا المقاتلة. ### || [42.16] # { يحاجون فى الله } يخاصمون في دينه { من بعد } ما استجاب ~~له الناس ودخلوا في الإسلام، ليردوهم إلى دين الجاهلية، كقوله تعالى # ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم من بعد ~~إيمنكم كفارا # البقرة 109 كان اليهود والنصارى يقولون للمؤمنين كتابنا قبل كتابكم، ~~ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحق. وقيل من بعد ما استجاب ~~الله لرسوله ونصره يوم بدر وأظهر دين الإسلام { داحضة } باطلة زالة. ### || [42.17-18] # { أنزل الكتب } أي جنس الكتاب { والميزان } والعدل ~~والتسوية. ومعنى إنزال العدل أنه أنزله في كتبه المنزلة. وقيل الذي يوزن ~~به. بالحق ملتبسا بالحق، مقترنا به، بعيدا من الباطل أو بالغرض الصحيح ~~كما اقتضته الحكمة. أو بالواجب من التحليل والتحريم وغير ذلك { ~~الساعة } في تأويل البعث، فلذلك قيل { قريب } أو لعل مجيء الساعة ~~قريب. فإن قلت كيف يوفق ذكر اقتراب الساعة مع إنزال الكتاب والميزان؟ قلت ~~لأن الساعة يوم الحساب ووضع الموازين للقسط، فكأنه قيل أمركم الله ~~بالعدل والتسوية والعمل بالشرائع قبل أن يفاجئكم اليوم الذي يحاسبكم فيه ~~ويزن أعمالكم، ويوفي لمن أوفى ويطفف لمن طفف. المماراة الملاجة لأن كل ~~واحد منهما يمرى ما عند صاحبه { لفى ضلل بعيد } من الحق لأن ~~قيام الساعة غير مستبعد من قدرة الله، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها ~~آتية لا ريب فيها، ولشهادة العقول على أنه لا بد من دار الجزاء. ### || [42.19] # { لطيف بعباده } بر بليغ البر بهم، ms1844 قد توصل بره إلى جميعهم، ~~وتوصل من كل واحد منهم إلى حيث لا يبلغه، وهم أحد من كلياته وجزئياته. ~~فإن قلت فما معنى قوله { يرزق من يشاء } بعد توصل بره إلى ~~جميعهم؟ قلت كلهم مبرورون لا يخلو أحد من بره، إلا أن البر أصناف، وله ~~أوصاف. والقسمة بين العباد تتفاوت على حسب تفاوت قضايا الحكمة والتدبير، ~~فيطير لبعض العباد صنف من البر لم يطر مثله لآخر، ويصيب هذا حظ له وصف ~~ليس ذلك الوصف لحظ صاحبه، فمن قسم له منهم ما لا يقسم للآخر فقد رزقه، ~~وهو الذي أراد بقوله # يرزق من يشآء # البقرة 212 كما يرزق أحد الأخوين ولدا دون الآخر، على أنه أصابه بنعمة ~~أخرى لم يرزقها صاحب الولد { وهو القوى } الباهر القدرة، الغالب ~~على كل شيء { العزيز } المنيع الذي لا يغلب. ### || [42.20] # سمى ما يعمله العامل مما يبغى به الفائدة والزكاء حرثا على المجاز. ~~وفرق بين عملي العاملين بأن من عمل للآخرة وفق في عمله وضوعفت حسناته، ~~ومن كان عمله للدنيا أعطى شيئا منها لا ما يريده ويبتغيه. وهو رزقه الذي ~~قسم له وفرغ منه وماله نصيب قط في الآخرة، ولم يذكر في معنى عامل الآخرة ~~وله في الدنيا نصيب، على أن رزقه المقسوم له واصل إليه لا محالة، ~~للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب. ### || [42.21] # معنى الهمزة في { أم } التقرير والتقريع. وشركاؤهم شياطينهم الذين ~~زينوا لهم الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم لا يعلمون غيرها وهو ~~الدين الذي شرعت لهم الشياطين، وتعالى الله عن الإذن فيه والأمر به وقيل ~~شركاؤهم أوثانهم. وإنما أضيفت إليهم لأنهم متخذوها شركاء لله، فتارة تضاف ~~إليهم لهذه الملابسة. وتارة إلى الله ولما كانت سببا لضلالتهم وافتتانهم ~~جعلت شارعة لدين الكفر، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه # أضللن كثيرا من الناس # ابراهيم36 { ولولا كلمة الفصل } أي القضاء السابق بتأجيل ~~الجزاء. أو ولولا العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة { لقضي ~~بينهم } أي بين الكافرين والمؤمنين. أو ms1845 بين المشركين وشركائهم. وقرأ ~~مسلم بن جندب «وأن الظالمين» بالفتح عطفا له على كلمة الفصل، يعني ~~ولولا كلمة الفصل وتقدير تعذيب الظالمين في الآخرة. لقضي بينهم في ~~الدنيا. ### || [42.22-23] # { ترى الظلمين } في الآخرة { مشفقين } خائفين خوفا ~~شديدا أرق قلوبهم { مما كسبوا } من السيئات { وهو واقع ~~بهم } يريد ووباله واقع بهم وواصل إليهم لا بد لهم منه، أشفقوا أو لم ~~يشفقوا. كأن روضة جنة المؤمن أطيب بقعة فيها وأنزهها { عند ربهم } ~~منصوب بالظرف لا بيشاؤون قرىء «يبشر» من بشره. ويبشر من أبشره. ويبشر، من ~~بشره. والأصل ذلك الثواب الذي يبشر الله به عباده، فحذف الجار، كقوله ~~تعالى # واختار موسى قومه # الأعراف 155 ثم حذف الراجع إلى الموصول، كقوله تعالى # أهذا الذي بعث الله رسولا # الفرقان 41 أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده. روي أنه اجتمع ~~المشركون في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه ~~أجرا؟ فنزلت الآية { إلا المودة فى القربى } يجوز أن ~~يكون استثناء متصلا، أي لا أسألكم أجرا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل ~~قرابتي ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة لأن قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم ~~لازمة لهم في المروءة. ويجوز أن يكون منقطعا، أي لا أسألكم أجرا قط ~~ولكنني أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتكم ولا تؤذوهم. فإن قلت هلا ~~قيل إلا مودة القربى أو إلا المودة للقربى. وما معنى قوله # إلا المودة فى القربى # الشورى 23؟ قلت جلعوا مكانا للمودة ومقرا لها، كقولك لي في آل فلان ~~مودة. ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله، وليست في ~~بصلة للمودة، كاللام إذا قلت إلا المودة للقربى. إنما هي متعلقة ~~بمحذوف تعلق الظرف به في قولك المال في الكيس. وتقديره إلا المودة ثابتة ~~في القربى ومتمكنة فيها. والقربى مصدر كالزلفى والبشرى، بمعنى قرابة. ~~والمراد في أهل القربى. وروى أنها لما نزلت قيل 988 يا رسول الله، من ~~قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال # " علي وفاطمة وابناهما " # ويدل عليه ما ms1846 روى عن علي رضي الله عنه 989 شكوت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حسد الناس لي. فقال «أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل ~~الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا ~~خلف أزواجنا» وعن النبي صلى الله عليه وسلم 990 # " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي. ومن اصطنع صنيعة إلى ~~أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدا إذا لقيني ~~يوم القيامة " # وروي أن الأنصار قالوا 991 فعلنا وفعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس أو ~~ابن عباس رضي الله عنهما لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم فقال «يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة ~~فأعزكم الله بي»؟ قالوا بلى يا رسول الله. # قال «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي»؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال ~~«أفلا تجيبونني»؟ قالوا ما نقول يا رسول الله؟ قال «ألا تقولون ألم يخرجك ~~قومك فآويناك، أو لم يكذبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك» قال فما زال ~~يقول حتى جثوا على الركب وقالوا أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله. ~~فنزلت الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 992 # " من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات ~~مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب ~~آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك ~~الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة ~~كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في ~~قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ~~ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ~~ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة ms1847 مكتوب بين عينيه آيس من رحمة ~~الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا، ألا ومن مات على بغض آل ~~محمد لم يشم رائحة الجنة " # وقيل لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبينهم قربى، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه نزلت. والمعنى إلا أن تودوني ~~في القربى، أي في حق القربى أو من أجلها، كما تقول الحب في الله والبغض ~~في الله، بمعنى في حقه ومن أجله، يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، ~~فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي. وقيل ~~993 أتت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال جمعوه وقالوا يا رسول ~~الله، قد هدانا الله بك وأنت ابن أختنا وتعروك نوائب وحقوق ومالك سعة، ~~فاستعن بهذا على ما ينوبك، فنزلت ورده. وقيل { القربى } التقرب إلى ~~الله تعالى، أي إلا أن تحبوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل ~~الصالح. وقرىء «إلا مودة في القربى» { ومن يقترف حسنة } عن ~~السدي أنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت في أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه ومودته فيهم. والظاهر العموم في أي حسنة كانت ~~إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أنها تناولت ~~المودة تناولا أوليا، كأن سائر الحسنات لها توابع. وقرىء «يزد» أي ~~يزد الله. وزيادة حسنها من جهة الله مضاعفتها، كقوله تعالى # من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # البقرة 245 وقرىء «حسنى» وهي مصدر كالبشرى، الشكور في صفة الله مجاز ~~للاعتداد بالطاعة، وتوفيه ثوابها، والتفضل على المثاب. ### || [42.24] # { أم } منقطعة. ومعنى الهمزة فيه التوبيخ، كأنه قيل أيتمالكون أن ~~ينسبوا مثله إلى الافتراء، ثم إلى الافتراء على الله الذي هو أعظم الفرى ~~وأفحشها { فإن يشإ الله يختم على قلبك } فإن يشأ الله ~~يجعلك من المختوم على قلوبهم، حتى تفتري عليه الكذب فإنه لا يجترىء على ~~افتراء الكذب على الله ms1848 إلا من كان في مثل حالهم، وهذا الأسلوب مؤداه ~~استبعاد الافتراء من مثله، وأنه في البعد مثل الشرك بالله والدخول في ~~جملة المختوم على قلوبهم. ومثال هذا أن يخون بعض الأمناء فيقول لعل الله ~~خذلني، لعل الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب. وإنما ~~يريد استبعاد أن يخون مثله، والتنبيه على أنه ركب من تخوينه أمر عظيم، ~~ثم قال ومن عادة الله أن يمحو الباطل ويثبت الحق { بكلمته } ~~بوحيه أو بقضائه كقوله تعالى # بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه # الأنبياء 18 يعني لو كان مفتريا كما تزعمون لكشف الله افتراءه ومحقه ~~وقذف بالحق على باطله فدمغه. ويجوز أن يكون عدة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب، يثبت الحق الذي ~~أنت عليه بالقرآن وبقضائه الذي لا مرد له من نصرتك عليهم، إن الله عليم ~~بما في صدرك وصدورهم، فيجري الأمر على حسب ذلك. وعن قتادة { يختم ~~على قلبك } ينسك القرآن ويقطع عنك الوحي، يعني لو افترى على الله ~~الكذب لفعل به ذلك، وقيل { يختم على قلبك } يربط عليه بالصبر، ~~حتى لا يشق عليك أذاهم. فإن قلت إن كان قوله { ويمح الله ~~البطل } كلاما مبتدأ غير معطوف على يختم، فما بال الواو ساقطة في ~~الخط؟ قلت كما سقطت في قوله تعالى # ويدع الإنسن بالشر # الإسراء 11 وقوله تعالى # سندع الزبانية # العلق 18 على أنها مثبتة على في بعض المصاحف. ### || [42.25] # يقال قبلت منه الشيء، وقبلته عنه. فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته ~~مبدأ قبولي ومنشأه. ومعنى قبلته عنه عزلته وأبنته عنه. والتوبة أن يرجع ~~عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود لأن ~~المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب. وإن كان فيه لعبد حق لم يكن بد من ~~التفصي على طريقه، وروى جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته ~~قال له علي رضي ms1849 الله عنه يا هذا، إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة ~~الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة. فقال يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟ ~~قال اسم يقع على ستة معان على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض ~~الإعادة، ورد المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، ~~وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ~~ضحكته { ويعفوا عن السيئت } عن الكبائر إذا تيب عنها، وعن ~~الصغائر إذا اجتنبت الكبائر «ويعلم ما تفعلون». قرىء بالتاء والياء أي ~~يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته. ### || [42.26] # { ويستجيب الذين ءامنوا } أي يستجيب لهم، فحذف اللام كما ~~حذف في قوله تعالى # وإذا كالوهم # المطففين 3 أي يثيبهم على طاعتهم ويزيدهم على الثواب تفضلا، أو إذا ~~دعوه استجاب دعاءهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم. وقيل الاستجابة ~~فعلهم، أي يستجيبون له بالطاعة إذا دعاهم إليها { ويزيدهم } هو { ~~من فضله } على ثوابهم. وعن سعيد بن جبير هذا من فعلهم يجيبونه إذا ~~دعاهم. وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل له ما بالنا ندعو فلا نجاب؟ قال لأنه ~~دعاكم فلم تجيبوه، ثم قرأ # والله يدعو إلى دار السلام # يونس 25، ويستجيب الذين آمنوا. ### || [42.27] # { لبغوا } من البغي وهو الظلم، أي لبغى هذا على ذاك، وذاك على هذا، ~~لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون عبرة. ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام 994 # " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " # ولبعض العرب # وقد جعل الوسمي ينبت بيننا وبين بني رومان ~~نبعا وشوحطا # يعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتفانن. أو من البغي وهو البذخ ~~والكبر، أي لتكبروا في الأرض، وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها ~~والفساد. وقيل نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى. قال ~~خباب بن الأرت فينا نزلت، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير ~~وبني قينقاع فتمنيناها { بقدر } بتقدير. يقال قدره قدرا وقدرا. { ~~خبير بصير } يعرف ما يؤول إليه أحوالهم، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم ~~وأقرب إلى جمع شملهم، فيفقر ms1850 ويغنى، ويمنع ويعطي، ويقبض ويبسط كما توجبه ~~الحكمة الربانية. ولو أغناهم جميعا لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا. فإن قلت ~~قد نرى الناس يبغي بعضهم على بعض، ومنهم مبسوط لهم، ومنهم مقبوض عنهم فإن ~~كان المبسوط لهم لم يبغون، فلم بسط لهم وإن كان المقبوض عنهم يبغون فقد ~~يكون البغي بدون البسط، فلم شرطه؟ قلت لا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل ~~ومع البسط أكثر وأغلب، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه، ~~فلو عم البسط لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما عليه الآن. ### || [42.28] # قرىء «قنطوا» بفتح النون وكسرها { وينشر رحمته } أي بركات ~~الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب. وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له ~~اشتد القحط وقنط الناس فقال مطروا إذا أراد هذه الآية. ويجوز أن يريد ~~رحمته في كل شيء، كأنه قال ينزل الرحمة التي هي الغيث، وينشر غيرها من ~~رحمته الواسعة { الولى } الذي يتولى عباده بإحسانه { الحميد } ~~المحمود على ذلك يحمده أهل طاعته. ### || [42.29] # { وما بث } يجوز أن يكون مرفوعا ومجرورا يحمل على المضاف إليه أو ~~المضاف. فإن قلت لم جاز { فيهما من دابة } والدواب في الأرض ~~وحدها؟ قلت يجوز أن ينسب الشيء إلى جميع المذكور وإن كان ملتبسا ببعضه، ~~كما يقال بنو تميم فيهم شاعر مجيد أو شجاع بطل، وإنما هو في فخذ من ~~أفخاذهم أو فصيلة من فصائلهم، وبنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعلوا نويس ~~منهم. ومنه قوله تعالى # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22 وإنما يخرج من الملح، ويجوز أن يكون للملائكة عليهم السلام ~~مشي مع الطيران. فيوصفوا بالدبيب كما يوصف به الأناسي. ولا يبعد أن يخلق ~~في السموات حيوانا يمشي فيها مشي الأناسي على الأرض، سبحان الذي خلق ما ~~نعلم وما لا نعلم من أصناف الخلق. { إذا } ومنه يدخل على المضارع كما ~~يدخل على الماضي قال الله تعالى # واليل إذا يغشى # الليل 1 { إذا يشآء } وقال الشاعر # وإذا ما أشاء أبعث منها آخر الليل ناشطا ~~مذعورا ### || [42.30-31] ms1851 # في مصاحف أهل العراق { فبما كسبت } بإثبات الفاء على تضمين «ما» ~~معنى الشرط. وفي مصاحف أهل المدينة { بما كسبت } بغير فاء، على أن ~~ما مبتدأة، وبما كسبت خبرها من غير تضمين معنى الشرط. والآية مخصوصة ~~بالمجرمين ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض. فأما ~~من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين، فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ~~ألم أو غيره فللعوض الموفى والمصلحة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 995 # " ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب، ولما يعفو الله ~~عنه أكثر " # وعن بعضهم من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه. وأن ~~ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وعن آخر العبد ~~ملازم للجنايات في كل أوان وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في ~~معاصيه، لأن جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر ~~عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا ~~عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة، وعن علي رضي الله عنه وقد رفعه 996 «من ~~عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة ومن عوقب في الدنيا لم تثن عليه ~~العقوبة في الآخرة» وعنه رضي الله عنه هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن { ~~بمعجزين } بفائتين ما قضي عليكم من المصائب { من ولى } من ~~متول بالرحمة. ### || [42.32-34] # { الجوار } السفن. وقرىء «الجوار» { كالاعلم } كالجبال. قالت ~~الخنساء # كأنه علم في رأسه نار # وقرىء «الرياح فيظللن» بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل، نحو ضل يضل ~~ويضل { رواكد } ثوابت لا تجري { على ظهره } على ظهر البحر { ~~لكل صبار } على بلاء الله { شكور } لنعمائه، وهما صفتا المؤمن ~~المخلص، فجعلهما كناية عنه، وهو الذي وكل همته بالنظر في آيات الله، فهو ~~يستملي منها العبر { يوبقهن } يهلكهن. والمعنى أنه إن يشأ يبتلي ~~المسافرين في البحر بإحدى بليتين إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على ~~متن البحر ويمنعهن من الجري، وإما أن يرسل ms1852 الريح عاصفة فيهلكهن إغراقا ~~بسبب ما كسبوا من الذنوب { ويعف عن كثير } منها، فإن قلت علام ~~عطف يوبقهن؟ قلت على يسكن، لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فيركدن. أو ~~يعصفها فيغرقن بعصفها. فإن قلت فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث ~~جزم جزمه؟ قلت معناه أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو ~~عنهم. فإن قلت فمن قرأ «ويعفو»؟ قلت قد استأنف الكلام. ### || [42.35] # فإن قلت فما وجوه القراءات الثلاث في { ويعلم }؟ قلت أما الجزم ~~فعلى ظاهر العطف وأما الرفع فعلى الاستئناف. وأما النصب فللعطف على تعليل ~~محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون ونحوه في العطف على ~~التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن، منه قوله تعالى # ولنجعله ءاية للناس # مريم 21 وقوله تعالى # وخلق الله السموت والارض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت # الجاثية 22، وأما قول الزجاج النصب على إضمار أن، لأن قبلها جزاء، تقول ~~ما تصنع أصنع مثله وأكرمك وإن شئت وأكرمك، على وأنا أكرمك. وإن شئت ~~وأكرمك جزما، ففيه نظر لما أورده سيبويه في كتابه. قال واعلم أن النصب ~~بالفاء والواو في قوله إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف، وهو نحو من قوله # وألحق بالحجاز فأستريحا # فهذا يجوز، وليس بحد الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى ~~قليلا لأنه ليس بواجب أنه يفعل، إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع ~~الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه ا ه. ولا يجوز ~~أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه، ولو ~~كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من ~~الآيات المشكلة. فإن قلت فكيف يصح المعنى على جزم { ويعلم }؟ قلت ~~كأنه قال أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور هلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين ~~{ من محيص } من محيد عن عقابه. ### || [42.36] # { ما } الأولى ضمنت معنى الشرط، فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية. ~~عن علي رضي الله عنه اجتمع لأبي بكر ms1853 رضي الله عنه مال فتصدق به كله في ~~سبيل الله والخير، فلامه المسلمون وخطأه الكافرون، فنزلت. ### || [42.37] # { والذين يجتنبون } عطف على الذين آمنوا، وكذلك ما بعده. ~~ومعنى { كبئر الإثم } الكبائر من هذا الجنس. وقرىء «كبير الإثم» ~~عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كبير الإثم هو الشرك { هم يغفرون ~~} أي هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول ~~حلوم الناس، والمجيء بهم وإيقاعه مبتدأ، وإسناد { يغفرون } إليه ~~لهذه الفائدة، ومثله # هم ينتصرون # الشورى 39. ### || [42.38] # { والذين استجابوا لربهم } نزلت في الأنصار دعاهم الله ~~عز وجل للإيمان به وطاعته، فاستجابوا له بأن آمنوا به وأطاعوه { ~~وأقاموا الصلوة } وأتموا الصلوات الخمس. وكانوا قبل الإسلام ~~وقبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إذا كان بهم أمر اجتمعوا ~~وتشاوروا، فأثنى الله عليهم، أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه. وعن ~~الحسن ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم والشورى مصدر كالفتيا، بمعنى ~~التشاور. ومعنى قوله { وأمرهم شورى بينهم } أي ذو شورى، ~~وكذلك قولهم ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه الخلافة شورى. ### || [42.39] # هو أن يقتصروا في الانتصار على ما جعله الله لهم ولا يعتدوا. وعن النخعي ~~أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم ~~الفساق. فإن قلت أهم محمودون على الانتصار؟ قلت نعم لأن من أخذ حقه غير ~~متعد حد الله وما أمر به فلم يسرف في القتل إن كان ولي دم أورد على ~~سفيه، محاماة على عرضه وردعا له، فهو مطيع. وكل مطيع محمود. ### || [42.40] # كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة، لأنها تسوء من تنزل به. قال الله ~~تعالى # وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك # النساء 78 يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا. والمعنى أنه يجب إذا ~~قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال أخزاك الله قال ~~أخزاك الله { فمن عفا وأصلح } بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء. ~~كما قال تعالى # فإذا الذى بينك وبينه ms1854 عداوة كأنه ولى ~~حميم # فصلت 34، { فأجره على الله } عدة مبهمة لا يقاس أمرها في ~~العظم. وقوله { إنه لا يحب الظلمين } دلالة على أن ~~الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء خصوصا في حال الحرد ~~والتهاب الحمية فربما كان المجازي من الظالمين وهو لا يشعر. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 997 # " وإذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم. قال ~~فيقوم خلق، فيقال لهم ما أجركم على الله؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ~~ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله ". ### || [42.41-42] # { بعد ظلمه } من إضافة المصدر إلى المفعول، وتفسره قراءة من قرأ ~~«بعد ما ظلم» { فأولئك } إشارة إلى معنى من دون لفظه { ما ~~عليهم من سبيل } للمعاقب ولا للعاتب والعائب { إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس } يبتدئونهم بالظلم { ~~ويبغون فى الارض } يتكبرون فيها ويعلون ويفسدون. ### || [42.43] # { ولمن صبر } على الظلم والأذى { وغفر } ولم ينتصر وفوض أمره ~~إلى الله { إن ذلك } منه { لمن عزم الامور } وحذف الراجع ~~لأنه مفهوم، كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم. ويحكى أن رجلا سب ~~رجلا في مجلس الحسن رحمه الله، فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ~~ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها إذ ضيعها ~~الجاهلون. وقالوا العفو مندوب إليه، ثم الأمر قد ينعكس في بعض الأحوال، ~~فيرجع ترك العفو مندوبا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع ~~مادة الأذى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه وهو 998 أن زينب ~~أسمعت عائشة بحضرته، وكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة # " دونك فانتصري ". ### || [42.44] # { ومن يضلل الله } ومن يخذله الله { فما له من ولى ~~من بعده } فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه. ### || [42.45-46] # { خشعين } متضائلين متقاصرين مما يلحقهم { من الذل } وقد ~~يعلق من الذل بينظرون، ويوقف على خاشعين { ينظرون من طرف خفى ~~} أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة، كما ترى المصبور ~~ينظر إلى السيف. وهكذا نظر الناظر إلى ms1855 المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه ~~عليها ويملأ عينيه منها، كما يفعل في نظره إلى المحاب. وقيل يحشرون عميا ~~فلا ينظرون إلا بقلوبهم. وذلك نظر من طرف خفي. وفيه تعسف { يوم ~~القيمة } إما أن يتعلق بخسروا، ويكون قول المؤمنين واقعا في ~~الدنيا، وإما أن يتعلق بقال، أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك ~~الصفة. ### || [42.47] # { من الله } من صلة لا مرد، أي لا يرده الله بعدما حكم به. أو من ~~صلة يأتي، أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده. والنكير ~~الإنكار، أي ما لكم من مخلص من العذاب ولا تقدرون أن تنكروا شيئا مما ~~اقترفتموه ودون في صحائف أعمالكم. ### || [42.48] # أراد بالإنسان الجمع لا الواحد. لقوله وإن تصبهم سيئة ولم يرد إلا ~~المجرمين لأن إصابة السيئة بما قدمت أيديهم إنما تستقيم فيهم. والرحمة ~~النعمة من الصحة والغني والأمن. والسيئة البلاء من المرض والفقر ~~والمخاوف. والكفور البليغ الكفران، ولم يقل فإنه كفور ليسجل على أن هذا ~~الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال # إن الإنسان لظلوم كفار # إبراهيم 34، # إن الإنسن لربه لكنود # العاديات 6 والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها. ### || [42.49-50] # لما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك أن له الملك ~~وأنه يقسم النعمة والبلاء كيف أراد، ويهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه ~~مشيئته، فيخص بعضا بالإناث وبعضا بالذكور، وبعضا بالصنفين جميعا، ~~ويعقم آخرين فلا يهب لهم ولدا قط. فإن قلت لم قدم الإناث أولا على ~~الذكور مع تقدمهم عليهن، ثم رجع فقدمهم، ولم عرف الذكور بعد ما نكر ~~الإناث؟ قلت لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى وكفران الإنسان بنسيانه ~~الرحمة السابقة عنده، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد، فقدم ~~الإناث لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ~~ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب ~~التقديم، وليلي الجنس الذي كانت العرب تعده بلاء ذكر البلاء، وأخر ~~الذكور فلما أخرهم ms1856 لذلك تدارك تأخيرهم، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم لأن ~~التعريف تنويه وتشهير، كأنه قال ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين ~~الذين لا يخفون عليكم، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم ~~والتأخير، وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن، ولكن لمقتض آخر فقال { ~~ذكرانا وإنثا } كما قال # إنا خلقنكم من ذكر وأنثى # الحجرات 13، # فجعل منه الزوجين الذكر والانثى # القيامة 39 وقيل نزلت في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، حيث وهب ~~لشعيب ولوط إناثا، ولإبراهيم ذكورا، ولمحمد ذكورا وإناثا، وجعل يحيى ~~وعيسى عقيمين { إنه عليم } بمصالح العباد { قدير } على تكوين ~~ما يصلحهم. ### || [42.51] # { وما كان لبشر } وما صح لأحد من البشر { أن يكلمه ~~الله إلا } على ثلاثة أوجه إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف ~~في القلب أو المنام، كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليه السلام في ~~ذبح ولده. وعن مجاهد أوحى الله الزبور إلى داود عليه السلام في صدره. قال ~~عبيد بن الأبرص # وأوحى إلي الله أن قد تأمروا بإبل أبي ~~أوفى فقمت على رجل # أي ألهمني وقذف في قلبي. وإما على أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض ~~الأجرام، من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاته غير مرئي. وقوله ~~{ من ورآىء حجاب } مثل أي، كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو ~~من وراء الحجاب، فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى ويكلم ~~الملائكة. وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحى الملك إليه ~~كما كلم الأنبياء غير موسى. وقيل وحيا كما أوحى إلى الرسل بواسطة ~~الملائكة { أو يرسل رسولا } أي نبينا كما كلم أمم الأنبياء على ~~ألسنتهم. ووحيا، وأن يرسل مصدران واقعان موقع الحال لأن أن يرسل، في ~~معنى إرسالا. ومن وراء حجاب ظرف واقع موقع الحال أيضا، كقوله تعالى # وعلى جنوبهم # آل عمران 191 والتقدير وما صح أن يكلم أحدا إلا موحيا، أو مسمعا من ~~وراء حجاب، أو مرسلا. ويجوز أن يكون وحيا، موضوعا موضع كلاما لأن ~~الوحي كلام خفي ms1857 في سرعة، كما تقول لا أكلمه إلا جهرا وإلا خفاتا لأن ~~الجهر والخفات ضربان من الكلام،وكذلك رسالآ جعل الكلام على لسان الرسول ~~بغير واسطة تقول قلت لفلان كذا، وإنما قاله وكيلك أو رسولك. وقوله { أو ~~من ورآىء حجاب } معناه أو إسماعا من وراء حجاب ومن جعل وحيا في ~~معنى أن يوحي، وعطف يرسل عليه، على معنى { وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا } أي إلا بأن يوحي. أو بأن يرسل، ~~فعليه أن يقدر قوله { أو من وراء حجاب } تقديرا يطابقهما عليه، ~~نحو أو أن يسمع من وراء حجاب. وقرىء «أو يرسل رسولا فيوحى» بالرفع، على ~~أو هو رسل. أو بمعنى مرسلا عطفا على وحيا في معنى موحيا. وروى أن ~~اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم 999 ألا تكلم الله وتنظر إليه إن ~~كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك، فقال ~~لم ينظر موسى إلى الله، فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها 1000 من زعم أن ~~محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم قالت أو لم تسمعوا ربكم ~~يقول فتلت هذه الآية { إنه على } عن صفات المخلوقين { حكيم } ~~يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة إما ~~إلهاما، وإما خطابا. ### || [42.52-53] # { روحا من أمرنا } يريد ما أوحي إليه، لأن الخلق يحيون به في ~~دينهم كما يحيى الجسد بالروح. فإن قلت قد علم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما كان يدري ما القرآن قبل نزوله عليه فما معنى قوله { ولا ~~الإيمن } والأنبياء لا يجوز عليهم إذا عقلوا وتمكنوا من النظر ~~والاستدلال أن يخطئهم الإيمان بالله وتوحيده، ويجب أن يكونوا معصومين من ~~ارتكاب الكبائر ومن الصغائر التي فيها تنفير قبل المبعث وبعده، فكيف لا ~~يعصمون من الكفر؟ قلت الإيمان اسم يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل، ~~وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل وذاك ~~ما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي. ms1858 ألا ترى أنه قد فسر الإيمان في قوله ~~تعالى # وما كان الله ليضيع إيمنكم # البقرة 143 بالصلاة لأنها بعض ما يتناوله الإيمان { من نشاء من ~~عبادنا } من له لطف ومن لا لطف له، فلا هداية تجدي عليه { صرط ~~الله } بدل. وقرىء «لتهدى» أي يهديك الله. وقرىء «لتدعو». عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 1001 # " من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له ~~". ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-4] # أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن وجعل قوله { إنا جعلنه ~~قرءانا عربيا } جوابا للقسم وهو من الأيمان الحسنة البديعة، ~~لتناسب القسم والمقسم عليه، وكونهما من واد واحد. ونظيره قول أبي تمام # وثناياك إنها إغريض # ;لمبين } البين للذين أنزل عليهم لأنه بلغتهم وأساليهم. وقيل الواضح ~~للمتدبرين. وقيل المبين الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما ~~تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة { جعلنه } بمعنى صيرناه معدى ~~إلى مفعولين. أو بمعنى خلقناه معدى إلى واحد، كقوله تعالى # وجعل الظلمت والنور # الأنعام 1. و { قرءانا عربيا } حال. ولعل مستعار لمعنى الإرادة ~~لتلاحظ معناها ومعنى الترجي، أي خلقناه عربيا غير عجمي إرادة أن تعقله ~~العرب، ولئلا يقولوا لولا فصلت آياته، وقرىء «أم الكتاب» بالكسر وهو ~~اللوح، كقوله تعالى # بل هو قرءان مجيد فى لوح محفوظ # البروج 21- 22 سمي بأم الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب منه تنقل ~~وتنتسخ. على رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها { حكيم } ذو ~~حكمة بالغة، أي منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه، وهو مثبت في أم ~~الكتاب هكذا. ### || [43.5] # { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } يعني أفننحي عنكم الذكر ~~ونذوده عنكم على سبيل المجاز، من قولهم ضرب الغرائب عن الحوض. ومنه قول ~~الحجاج ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. وقال طرفة # اضرب عنك الهموم طارفها ضربك بالسيف قونس ~~الفرس # والفاء للعطف على محذوف، تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر، إنكارا لأن ~~يكون الأمر على خلاف ما قدم على إنزاله الكتاب. وخلقه قرآنا عربيا ~~ليعقلوه ويعملوا بمواجبه. وصفحا على وجهين. إما مصدر ms1859 من صفح عنه إذا ~~أعرض، منتصب على أنه مفعول له، على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام ~~الحجة به إعراضا عنكم. وإما بمعنى الجانب من قولهم نظر إليه بصفح وجهه ~~وصفح وجهه، على معنى أفننحيه عنكم جانبا، فينتصب على الظرف كما تقول ضعه ~~جانبا، وامش جانبا. وتعضده قراءة من قرأ «صفحا» بالضم. وفي هذه ~~القراءة وجه آخر وهو أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح، وينتصب على الحال، أي ~~صافحين معرضين { إن كنتم } أي لأن كنتم. وقرىء «أن كنتم» وإذ كنتم. ~~فإن قلت كيف استقام معنى إن الشرطية، وقد كانوا مسرفين على البت؟ قلت هو ~~من الشرط الذي ذكرت أنه يصدر عن المدل بصحة الأمر، المتحقق لثبوته، كما ~~يقول الأجير إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في ~~كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق، مع وضوحه ~~استجهالا له. ### || [43.6-8] # { وما يأتيهم } حكاية حال ماضية مستمرة، أي كانوا على ذلك. وهذه ~~تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه. الضمير في { ~~أشد منهم } للقوم المسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم { ومضى مثل الاولين } أي سلف ~~في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير ~~مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعيد لهم. ### || [43.9-11] # فإن قلت قوله { ليقولن خلقهن العزيز العليم } وما ~~سرد من الأوصاف عقيبه إن كان من قولهم، فما تصنع بقوله { فأنشرنا ~~به بلدة ميتا كذلك تخرجون } الزخرف11 وإن كان من قول ~~الله، فما وجهه؟ قلت هو من قول الله لا من قولهم. ومعنى قوله { ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم } الذي من صفته كيت ~~وكيت، لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وليسندنه إليه. { بقدر } ~~بمقدار يسلم معه البلاد والعباد، ولم يكن طوفانا. ### || [43.12-14] # و { الأزوج } الأصناف { ما تركبون } أي تركبونه. فإن قلت يقال ~~ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك. وقد ذكر الجنسين فكيف ms1860 قال ما تركبونه؟ ~~قلت غلب المتعدي بغير واسطة، لقوته على المتعدي بواسطة، فقيل تركبونه ~~{ على ظهوره } على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام. ومعنى ذكر ~~نعمة الله عليهم أن يذكروها في قلوبهم معترفين بها مستعظمين لها، ثم ~~يحمدوا عليها بألسنتهم، وهو ما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم 1002 ~~أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال # " بسم الله " # فإذا استوى على الدابة قال # " الحمد لله على كل حال، سبحان الذي سخر لنا هذا... إلى قوله لمنقلبون " # وكبر ثلاثا وهلل ثلاثا. وقالوا إذا ركب في السفينة قال # بسم الله مجراها ومرساها إن ربى لغفور رحيم # هود 41 وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يركب دابة فقال ~~سبحان الذي سخر لنا هذا. فقال أبهذا أمرتم؟ فقال وبم أمرنا؟ قال أن ~~تذكروا نعمة ربكم، كان قد أغفل التحميد فنبهه عليه. وهذا من حسن مراعاتهم ~~لأداب الله ومحافظتهم على دقيقها وجليلها. جعلنا الله من المقتدين بهم، ~~والسائرين بسيرتهم، فما أحسن بالعاقل النظر في لطائف الصناعات، فكيف ~~بالنظر في لطائف الديانات؟ { مقرنين } مطيقين. يقال أقرن الشيء، إذا ~~أطاقه. قال ابن هرمة # وأقرنت ما حملتني ولقلما يطاق احتمال ~~الصد يا دعد والهجر # وحقيقة «أقرنه» وجده قرينته وما يقرن به لأن الصعب لا يكون قرينة ~~للضعيف. ألا ترى إلى قولهم في الضعيف لا يقرن به الصعبة. وقرىء «مقرنين» ~~والمعنى واحد. فإن قلت كيف اتصل بذلك قوله { وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون }؟ قلت كم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح ~~من ظهرها فهلك، وكم من راكبين في سفينة انكسرت بهم فغرقوا فلما كان ~~الركوب مباشرة أمر مخطر، واتصالا بسبب من أسباب التلف كان من حق الراكب ~~وقد اتصل بسبب من أسباب التلف أن لا ينسى عند اتصاله به يومه، وأنه هالك ~~لا محالة فمنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه، ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ~~ولسانه حتى يكون مستعدا للقاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ms1861 ~~ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه، ويستعيذ بالله من ~~مقام من يقول لقرنائه تعالوا نتنزه على الخيل أو في بعض الزوارق فيركبون ~~حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يسقون حتى تميل طلاهم ~~وهم على ظهور الدواب، أو في بطون السفن وهي تجري بهم، لا يذكرون إلا ~~الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره. وقد بلغني أن بعض السلاطين ركب وهو ~~يشرب من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم يصح إلا بعدما اطمأنت به ~~الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به، فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما ~~أمر الله به في هذه الآية. وقيل يذكرون عند الركوب ركوب الجنازة. ### || [43.15-18] # { وجعلوا له من عباده جزءا } متصل بقوله # ولئن سألتهم # الزخرف 9 أي ولئن سألتهم عن خالق السموات والأرض ليعترفن به، وقد جعلوا ~~له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا فوصفوه بصفات المخلوقين. ومعنى { من ~~عباده جزءا } أن قالوا الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءا له ~~وبعضا منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءا له. ومن بدع التفاسير ~~تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو ~~إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه ~~أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتا وبيتا # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب زوجتها من بنات ~~الأوس مجزئة # وقرىء «جزؤوا» بضمتين { لكفور مبين } لجحود للنعمة ظاهر جحوده ~~لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله { أم اتخذ } بل ~~اتخذ، والهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من شأنهم، حيث لم يرضوا بأن ~~جعلوا لله من عباده جزءا، حتى جعلوا ذلك الجزء شر الجزأين وهو الإناث ~~دون الذكور، على أنهم أنفر خلق الله عن الإناث وأمقتهم لهن، ولقد بلغ ~~بهم المقت إلى أن وأودهن، كأنه قيل هبوا أن إضافة اتخاذ الولد إليه ~~جائزة فرضا وتمثيلا، أما تستحيون من الشطط في القسمة؟ ومن ادعائكم أنه ~~آثركم على نفسه بخير الجزأين وأعلاهما وترك له شرهما وأدناهما؟ ms1862 وتنكير { ~~بنات } وتعريف { البنين } وتقديمهن في الذكر عليهم لما ذكرت في ~~قوله تعالى # يهب لمن يشاء إنثا ويهب لمن يشاء الذكور # الشورى 49 { بما ضرب للرحمن مثلا } بالجنس الذي جعله له ~~مثلا، أي شبها لأنه إذا جعل الملائكة جزءا لله وبعضا منه فقد جعله من ~~جنسه ومماثلا له لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، يعني أنهم نسبوا ~~إليه هذا الجنس. ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت لك بنت اغتم ~~واربد وجهه غيظا وتأسفا وهو مملوء من الكرب. وعن بعض العرب أن امرأته ~~وضعت أنثى، فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت # ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي ~~يلينا غضبان أن لا نلد البنينا ليس لنا من ~~أمرنا ماشينا وإنما نأخذ ما أعطينا # والظلول بمعنى الصيرورة، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها. ~~وقرىء «مسود ومسواد» على أن في { ظل } ضمير المبشر، و { وجهه ~~مسودا } جملة واقعة موقع الخبر، ثم قال أو يجعل للرحمن من الولد من ~~هذه الصفة المذمومة صفته. وهو أنه { ينشأ فى الحلية } أي ~~يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة ~~الرجال، كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحج به من ~~يخاصمه وذلك لضعف عقول النساء ونقصانهن عن فطرة الرجال، يقال قلما تكلمت ~~امرأة فأرادت أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. وفيه أنه جعل ~~النشىء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام، وأنه من صفة ربات الحجال، ~~فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه، ويربأ بنفسه عنه، ويعيش كما قال عمر ~~رضي الله عنه اخشوشنوا واخشوشبوا وتمعددوا. وإن أراد أن يزين نفسه زينها ~~من باطن بلباس التقوى. وقرىء «ينشأ»، وينشأ ويناشأ. ونظير المناشأة بمعنى ~~الإنشاء المغالاة بمعنى الإغلاء. ### || [43.19] # قد جمعوا في كفرة ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا ~~إليه أحس النوعين وجعلوه من الملائكة الذين هم أكرم عباد الله على الله، ~~فاستخفوا بهم واحتقروهم. وقرىء «عباد الرحمن» وعبيد الرحمن، وعبد ~~الرحمن، ms1863 وهو مثل لزلفاهم واختصاصهم. وإناثا، وأنثا جمع الجمع. ومعنى ~~جعلوا سموا وقالوا إنهم إناث. وقرىء «أأشهدوا» وأشهدوا، بهمزتين ~~مفتوحة ومضمومة. وآأشهدوا بألف بينهما، وهذا تهكم بهم، بمعنى أنهم يقولون ~~ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك، ولا ~~تطرقوا إليه باستدلال، ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم، فلم يبق إلا أن ~~يشاهدوا خلقهم، فأخبروا عن هذه المشاهدة { ستكتب شهدتهم } ~~التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم { ويسئلون } وهذا وعيد. ~~وقرىء «سيكتب» وسنكتب بالياء والنون. وشهادتهم، وشهاداتهم. ويساءلون على ~~ما يفاعلون. ### || [43.20] # { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدنهم } هما كفرتان ~~أيضا مضمومتان إلى الكفرات الثلاث، وهما عبادتهم الملائكة من دون الله، ~~وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة الله، كما يقول إخوانهم المجبرة، فإن قلت ما ~~أنكرت على من يقول قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، ولو قالوه جادين لكانوا ~~مؤمنين؟ قلت لا دليل على أنهم قالوه مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه ~~باطل، على أن الله تعالى قد حكى عنه ذلك على سبيل الذم والشهادة بالكفر ~~أنهم جعلوا له من عباده جزءا، وأنه اتخذ بنات وأصفاهم بالبنين، وأنهم ~~جعلوا الملائكة المكرمين إناثا. وأنهم عبدوهم وقالوا لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم، فلو كانوا ناطقين بها على طريق الهزء لكان النطق بالمحكيات - ~~قبل هذا المحكى الذي هو إيمان عنده لو جدوا في النطق به - مدحا لهم، من ~~قبل أنها كلمات كفر نطقوا بها على طريق الهزء فبقي أن يكونوا جادين، ~~وتشترك كلها في أنها كلمات كفر، فإن قالوا نجعل هذا الأخير وحده مقولا ~~على وجه الهزء دون ما قبله، فما بهم إلا تعويج كتاب الله الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لتسوية مذهبهم الباطل. ولو كانت هذه ~~كلمة حق نطقوا بها هزءا لم يكن لقوله تعالى # ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون # الزخرف20 معنى، لأن من قال لا إله إلا الله على طريق الهزء كان الواجب ~~أن ينكر عليه استهزاؤه ولا ms1864 يكذب، لأنه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جادا ~~كان أو هازئا. فإن قلت ما قولك فيمن يفسر ما لهم - بقولهم إن الملائكة ~~بنات الله - من علم إن هم إلا يخرصون في ذلك القول لا في تعليق عبادتهم ~~بمشيئة الله؟ قلت تمحل مبطل وتحريف مكابر. ونحوه قوله تعالى # سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شىء كذلك كذب الذين ~~من قبلهم # الأنعام 148. ### || [43.21-22] # الضمير في { من قبله } للقرآن أو الرسول. والمعنى أنهم ألصقوا ~~عبادة غير الله بمشيئة الله قولا قالوه غير مستند إلى علم، ثم قال أم ~~آتيناهم كتابا قبل هذا الكتاب نسبنا فيه الكفر والقبائح إلينا، فحصل لهم ~~علم بذلك من جهة الوحي، فاستمسكوا بذلك الكتاب واحتجوا به. بل لا حجة لهم ~~يستمسكون بها إلا قولهم { إنا وجدنا ءاباءناعلى أمة } ~~على دين. وقرىء «على إمة» بالكسر، وكلتاهما من الأم وهو القصد، فالأمة ~~الطريقة التي تؤم، أي تقصد، كالرحلة للمرحولة إليه. والأمة الحالة التي ~~يكون عليها الآم وهو القاصد. وقيل على نعمة وحالة حسنة { على ءاث ~~رهم مهتدون } خبر إن. أو الظرف صلة لمهتدون. ### || [43.23] # { مترفوها } الذين أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم فلا يحبون إلا ~~الشهوات والملاهي، ويعافون مشاق الدين وتكاليفه. ### || [43.24-25] # قرىء «قل» وقال وجئتكم، وجئناكم، يعني، أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين ~~أهدى من دين آبائكم؟ قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه، وإن ~~جئتنا بما هو أهدى وأهدى. ### || [43.26-28] # قرىء «براء» بفتح الباء وضمها. وبرىء، فبرىء وبراء، نحو كريم وكرام ~~وبراء مصدر كظماء، ولذلك استوى فيه الواحد والاثنان والجماعة، والمذكر ~~والمؤنث. يقال نحن البراء منك، والخلاء منك { الذى فطرنى } فيه ~~غير وجه أن يكون منصوبا على أنه استثناء منقطع، كأنه قال لكن الذي فطرني ~~فإنه سيهدين، وأن يكون مجرورا بدلا من المجرور بمن كأنه قال إنني براء ~~مما تعبدون إلا من الذي فطرني. فإن قلت كيف تجعله بدلا وليس من جنس ما ~~يعبدون من وجهين، أحدهما أن ذات الله مخالفة لجميع الذوات، ms1865 فكانت مخالفة ~~لذوات ما يعبدون. والثاني، أن الله تعالى غير معبود بينهم والأوثان ~~معبودة؟ قلت قالوا كانوا يعبدون الله مع أوثانهم، وأن تكون { إلا } ~~صفة بمعنى غير، على أن { ما } في ما تعبدون موصوفة. تقديره إنني براء من ~~آلهة تعبدونها غير الذي فطرني، فهو نظير قوله تعالى # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # الأنبياء 22. فإن قلت ما معنى قوله { سيهدين } على التسويف؟ قلت ~~قال مرة # فهو يهدين # الشعراء 78 ومرة { فإنه سيهدين } فاجمع بينهما وقدر، كأنه ~~قال. فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال ~~{ وجعلها } وجعل إبراهيم صلوات الله عليه كلمة التوحيد التي تكلم ~~بها وهي قوله إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني { كلمة بقية ~~فى عقبه } في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، ~~لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم. ونحوه # ووصى بها إبرهيم بنيه # البقرة 132 وقيل وجعلها الله. وقرىء «كلمة» على التخفيف وفي عقبه كذلك، ~~وفي عاقبه، أي فيمن عقبه، أي خلفه. ### || [43.29] # { بل متعت هؤلاء } يعني أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمد ~~في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة، وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة ~~الشيطان عن كلمة التوحيد { حتى جاءهم الحق } وهو القرآن { ~~ورسول مبين } الرسالة واضحها بما معه من الآيات البينة، فكذبوا ~~به وسموه ساحرا وما جاء به سحرا ولم يوجد منهم ما رجاه إبراهيم. وقرىء ~~«بل متعنا» فإن قلت فما وجه قراءة من قرأ «متعت» بفتح التاء؟ قلت كأن ~~الله تعالى اعترض على ذاته في قوله # وجعلها كلمة بقية فى عقبه لعلهم يرجعون # الزخرف 28 فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق، ~~حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد. وأراد بذلك الإطناب في تعبيرهم لأنه إذا ~~متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببا في زيادة الشكر ~~والثبات على التوحيد والإيمان، لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادا، ~~فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه، ثم يقبل على ms1866 نفسه فيقول أنت ~~السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك، وغرضه بها الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح ~~فعله. ### || [43.30-31] # فإن قلت قد جعل مجيء الحق والرسول غاية التمتيع، ثم أردفه قوله { ~~ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر } فما طريقه هذا ~~النظم ومؤداه؟ قلت المراد بالتمتيع ما هو سبب له، وهو اشتغالهم ~~بالاستمتاع عن التوحيد ومقتضياته، فقال بل اشتغلوا عن التوحيد حتى جاءهم ~~الحق ورسول مبين، فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها عن غفلتهم ~~لاقتضائها التنبه، ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق فقال ولما جاءهم الحق ~~جاؤوا بما هو شر من غفلتهم التي كانوا عليها وهو أن ضموا إلى شركهم ~~معاندة الحق، ومكابرة الرسول، ومعاداته، والاستخفاف بكتاب الله وشرائعه، ~~والإصرار على أفعال الكفرة والاحتكام على حكمة الله في تخير محمد من أهل ~~زمانه بقولهم { لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم } وهي الغاية في تشويه صورة أمرهم، قرىء «على ~~رجل» بسكون الجيم من القريتين من إحدى القريتين، كقوله تعالى # يخرج منها اللؤلؤ والمرجان # الرحمن 22 أي من أحدهما. والقريتان مكة والطائف. وقيل من رجلي ~~القريتين، وهما الوليد بن المغيرة المخزومي وحبيب بن عمرو بن عمير ~~الثقفي، عن ابن عباس. وعن مجاهد عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل. وعن ~~قتادة الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وكان الوليد يقول لو كان ~~حقا ما يقول محمد لنزل هذا القرآن علي أو على أبي مسعود الثقفي، وأبو ~~مسعود كنية عروة بن مسعود ما زالوا ينكرون أن يبعث الله بشرا رسولا، ~~فلما علموا بتكرير الله الحجج أن الرسل لم يكونوا إلا رجالا من أهل ~~القرى، جاؤوا بالإنكار من وجه آخر، وهو تحكمهم أن يكون أحد هذين، وقولهم ~~هذا القرآن ذكر له على وجه الاستهانة به، وأرادوا بعظم الرجل رياسته ~~وتقدمه في الدنيا، وعزب عن عقولهم أن العظيم من كان عند الله عظيما. ### || [43.32] # { أهم يقسمون رحمة ربك } هذه الهمزة للإنكار المستقل ~~بالتجهيل والتعجيب من اعتراضهم وتحكمهم، وأن يكونوا هم المدبرين لأمر ~~النبوة والتخير ms1867 لها من يصلح لها ويقوم بها، والمتولين لقسمة رحمة الله ~~التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته، ثم ضرب لهم مثلا فأعلم ~~أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم في دنياهم، وأن الله عز ~~وعلا هو الذي قسم بينهم معيشتهم وقدرها ودبر أحوالهم تدبير العالم بها، ~~فلم يسو بينهم ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم فجعل ~~منهم أقوياء وضعفاء وأغنياء ومحاويج وموالي وخدما، ليصرف بعضهم بعضا في ~~حوائجهم ويستخدمون في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا ~~ويترافدوا ويصلوا إلى منافعهم ويحصلوا على مرافقهم ولو وكلهم إلى أنفسهم ~~وولاهم تدبير أمرهم، لضاعوا وهلكوا. وإذا كانوا في تدبير أمر المعيشة ~~الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة، فما ظنك بهم في تدبير أمور الدين ~~الذي هو رحمة الله الكبرى ورأفته العظمى؟ وهو الطريق إلى حيازة حظوظ ~~الآخرة والسلم إلى حلول دار السلام؟ ثم قال { ورحمة ربك } يريد ~~وهذه الرحمة وهي دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب خير مما يجمع ~~هؤلاء من حطام الدنيا. فإن قلت معيشتهم ما يعيشون به من المنافع، ومنهم ~~من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام فإذن قد قسم الله تعالى الحرام ~~كما قسم الحلال. قلت الله تعالى قسم لكل عبد معيشته وهي مطاعمه ومشاربه ~~وما يصلحه من المنافع وأذن له في تناولها، ولكن شرط عليه وكلفه أن يسلك ~~في تناولها الطريق التي شرعها فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة ~~حلالا، وسماها رزق الله وإذا لم يسلكها تناولها حراما، وليس له أن ~~يسميها رزق الله فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم ~~الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عما شرعه الله ~~إلى ما لم يشرعهم. ### || [43.33-35] # { لبيوتهم } بدل اشتمال من قوله { لمن يكفر } ويجوز أن ~~يكونا بمنزلة اللامين في قولك وهبت له ثوبا لقميصه. وقرىء «سقفا» بفتح ~~السين وسكون القاف. وبضمها وسكون القاف وبضمها جمع سقف، كرهن ورهن ورهن. ~~وعن الفراء جمع سقيفة وسقفا بفتحتين، كأنه ms1868 لغة في سقف وسقوفا، ومعارج ~~ومعاريج. والمعارج جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج وهي المصاعد إلى العلالي ~~{ عليها يظهرون } أي على المعارج، يظهرون السطوح يعلونها، فما ~~اسطاعوا أن يظهروه. وسررا، بفتح الراء لاستثقال الضمتين مع حرفي التضعيف ~~{ لما متع الحيوة } اللام هي الفارقة بين إن المحففة ~~والنافية. وقرىء بكسر اللام، أي للذي هو متاع الحياة، كقوله تعالى # مثلا ما بعوضة # البقرة 26 ولما بالتشديد بمعنى إلا، وإن نافية. وقرىء «إلا» وقرىء وما ~~كل ذلك إلا. لما قال # خير مما يجمعون # الزخرف 32 فقلل أمر الدنيا وصغرها أردفه ما يقرر قلة الدنيا عنده من ~~قوله { ولولا أن يكون الناس أمة وحدة } أي ولولا ~~كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة ~~الدنيا عندنا للكفار سقوفا ومصاعد وأبوابا وسررا كلها من فضة وزخرف، ~~وجعلنا لهم زخرفا، أي زينة من كل شيء. والزخرف الزينة والذهب. ويجوز أن ~~يكون الأصل سقفا من فضة وزخرف، يعني بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب ~~عطفا على محل { من فضة } وفي معناه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1003 # " لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء " # فإن قلت فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة ~~عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع ~~على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟ قلت التوسعة عليهم مفسدة أيضا ~~لما تؤدى إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل ~~الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر حيث جعل في الفريقين ~~أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى. ### || [43.36-39] # قرىء «ومن يعش» بضم الشين وفتحها. والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في ~~بصره قيل عش. وإذا نظر نظر العشى ولا آفة به قيل عشا. ونظيره عرج، لمن به ~~الآفة. وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرج. قال الحطيئة # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # أي تنظر إليها نظر العشي لما يضعف ms1869 بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء. ~~وهو بين في قول حاتم # أعشو إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي ~~الخدر # وقرىء «يعشوا» على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط. وحق هذا القارىء ~~أن يرفع نقيض. ومعنى القراءة بالفتح ومن يعم { عن ذكر الرحمن ~~} وهو القرآن، كقوله تعالى # صم بكم عمى # البقرة 18 وأما القراءة بالضم فمعناها ومن يتعام عن ذكره، أي يعرف أنه ~~الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى # وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم # النمل 14 { نقيض له شيطانا } نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، ~~كقوله تعالى # وقيضنا لهم قرناء # فصلت 25، # ألم تر أنا أرسلنا الشيطين على الكفرين # مريم 83 وقرىء «نقيض» أي يقيض له الرحمن ويقيض له الشيطان. فإن قلت لم ~~جمع ضمير من وضمير الشيطان في قوله { وإنهم ليصدونهم }؟ ~~قلت لأن من مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما ~~جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحدين جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا ~~{ حتى إذا جاءنا } العاشي. وقرىء «جاآنا» على أن الفعل له ~~ولشيطانه. { قال } لشيطانه { يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } يريد المشرق والمغرب، فغلب كما قيل العمران والقمران. ~~فإن قلت فما بعد المشرقين؟ قلت تباعدهما، والأصل بعد المشرق من المغرب، ~~والمغرب من المشرق. فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية أضاف البعد إليهما ~~{ أنكم } في محل الرفع على الفاعلية، يعني ولن ينفعكم كونكم مشتركين ~~في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في ~~تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه، وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب ~~ما لا تبلغه طاقته، ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله يا ليت بيني وبينك ~~على معنى ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين. وقوله { ~~أنكم فى العذاب مشتركون } تعليل، أي لن ينفعكم تمنيكم ~~لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركون في سببه ~~وهو الكفر. وتقويه قراءة من قرأ «إنكم » بالكسر وقيل إذا رأى الممنو ~~بشدة من منى بمثلها روحه ذلك ms1870 ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته ~~الخنساء # أعزي النفس عنه بالتأسي # فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه. فإن قلت ما معنى ~~قوله تعالى { إذ ظلمتم }؟ قلت معناه إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق ~~لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين، وذلك يوم القيامة. وإذ بدل من ~~اليوم. ونظيره # إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة # أي تبين أني ولد كريمة. ### || [43.40] # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد ويجتهد ويكد روحه في دعاء قومه، ~~وهم لا يزيدون على دعائه إلا تصميما على الكفر وتماديا في الغي، فأنكر ~~عليه بقوله { أفأنت تسمع الصم } إنكار تعجيب من أن يكون هو ~~الذي يقدر على هدايتهم، وأراد أنه لا يقدر على ذلك منهم إلا هو وحده على ~~سبيل الإلجاء والقسر، كقوله تعالى # إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى ~~القبور # فاطر 22. ### || [43.41-43] # ما في قوله { فإما نذهبن بك } بمنزلة لام القسم في أنها إذا ~~دخلت دخلت معها النون المؤكدة، والمعنى فإن قبضناك قبل أن ننصرك عليهم ~~ونشفي صدور المؤمنين منهم { فإنا منهم منتقمون } أشد ~~الانتقام في الآخرة، كقوله تعالى # أو نتوفينك فإلينا يرجعون # غافر 77 وإن أردنا أن ننجز في حياتك ما وعدناهم من العذاب النازل بهم ~~وهو يوم بدر، فهم تحت ملكتنا وقدرتنا لا يفوتوننا، وصفهم بشدة الشكيمة في ~~الكفر والضلال ثم أتبعه شدة الوعيد بعذاب الدنيا والآخرة. وقرىء «نرينك» ~~بالنون الخفيفة. وقرىء «بالذي أوحى إليك» على البناء للفاعل، وهو الله عز ~~وجل والمعنى وسواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرنا إلى اليوم الآخر. فكن ~~مستمسكا بما أوحينا إليك وبالعمل به فإنه الصراط المستقيم الذي لا يحيد ~~عنه إلا ضال شقي، وزد كل يوم صلابة في المحاماة على دين الله، ولا يخرجك ~~الضجر بأمرهم إلى شيء من اللين والرخاوة في أمرك، ولكن كما يفعل الثابت ~~الذي لا ينشطه تعجيل ظفر، ولا يثبطه تأخيره. ### || [43.44-45] # { وإنه } وإن الذي أوحى إليك { لذكر } لشرف { لك ~~ولقومك } ل ms1871 { سوف تسئلون } عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن ~~تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين، ليس ~~المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لإحالته، ولكنه مجاز عن النظر في ~~أديانهم والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل ~~الأنبياء؟ وكفاه نظرا وفحصا نظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين ~~يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا. ~~وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها، والسؤال الواقع مجازا عن ~~النظر، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة كثير منه مساءلة الشعراء الديار ~~والرسوم والأطلال. وقول من قال سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ~~ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا. وقيل إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمهم. وقيل له ~~سلهم، فلم يشكك ولم يسأل. وقيل معناه سل أمم من أرسلنا وهم أهل الكتابين ~~التوراة والإنجيل. وعن الفراء إنما هم يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم ~~فكأنه سأل الأنبياء. ### || [43.46-47] # ما أجابوه به عند قوله { إنى رسول رب العلمين } محذوف، ~~دل عليه قوله { فلما جآءهم بئايتنا } وهو مطالبتهم إياه ~~بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية { إذا هم منها يضحكون } ~~أي يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحرا. وإذا للمفاجأة. فإن قلت كيف ~~جاز أن يجاب لما بإذا المفاجأة؟ قلت لأن فعل المفاجأة معها مقدر، وهو ~~عامل النصب في محلها، كأنه قيل فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم. ### || [43.48] # فإن قلت إذا جاءتهم آية واحدة من جملة التسع فما أختها التي فضلت عليها ~~في الكبر من بقية الآيات؟ قلت أختها التي هي آية مثلها. وهذه صفة كل ~~واحدة منها فكان المعنى على أنها أكبر من بقية الآيات على سبيل التفصيل ~~والاستقراء واحدة بعد واحدة، كما تقول هو أفضل رجل رأيته. تريد تفضيله ~~على أمة الرجال الذين رأيتهم إذا قروتهم رجلا رجلا، فإن قلت هو كلام ~~متناقض، لأن ms1872 معناه ما من آية من التسع إلا هي أكبر من كل واحدة منها، ~~فتكون واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة. قلت الغرض من هذا الكلام ~~أنهن موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العادة في الأشياء ~~التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير التي تختلف ~~آراء الناس في تفضيلها، فيفضل بعضهم هذا وبعضهم ذاك، فعلى ذلك بني الناس ~~كلامهم فقالوا رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض، وربما اختلفت آراء الرجل ~~الواحد فيها، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك. ومنه بيت الحماسة # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم ~~التي يسري بها الساري # وقد فاضلت الأنمارية بين الكملة من بنيها، ثم قالت لما أبصرت مراتبهم ~~متدانية قليلة التفاوت. ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، وهم كالحلقة ~~المفرغة لا يدرى أين طرفاها { لعلهم يرجعون } إرادة أن ~~يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. فإن قلت لو أراد رجوعهم لكان، قلت إرادته ~~فعل غيره ليس إلا أن يأمره به ويطلب منه إيجاده، فإن كان ذلك على سبيل ~~القسر وجد، وإلا دار بين أن يوجد وبين أن لا يوجد على حسب اختيار المكلف، ~~وإنما لم يكن الرجوع لأن الإرادة لم تكن قسرا ولم يختاروه. والمراد ~~بالعذاب السنون، والطوفان، والجراد، وغير ذلك. ### || [43.49-50] # وقرىء «يا أيه الساحر» بضم الهاء، وقد سبق وجهه. فإن قلت كيف سموه ~~بالساحر مع قولهم { إننا لمهتدون }؟ قلت قولهم { إننا ~~لمهتدون } وعد منوي إخلافه، وعهد معزوم على نكثه، معلق بشرط أن ~~يدعو لهم وينكشف عنهم العذاب. ألا ترى إلى قوله تعالى { فلما ~~كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون } فما كانت تسميتهم ~~إياه بالساحر بمنافية لقولهم إننا لمهتدون وقيل كانوا يقولون للعالم ~~الماهر ساحر لاستعظامهم علم السحر { بما عهد عندك } بعهده عندك ~~من أن دعوتك مستجابة. أو بعهده عندك وهو النبوة. أو بما عهد عندك فوفيت ~~به وهو الإيمان والطاعة. أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى. ### || [43.51-53] # { ونادى فرعون فى قومه } جعلهم محلا لندائه وموقعا له. ~~والمعنى ms1873 أنه أمر بالنداء في مجامعهم وأماكنهم من نادى فيها بذلك، فأسند ~~النداء إليه، كقولك قطع الأمير اللص، إذا أمر بقطعه. ويجوز أن يكون عنده ~~عظماء القبط، فيرفع صوته بذلك فيما بينهم، ثم ينشر عنه في جموع القبط، ~~فكأنه نودي به بينهم فقال { أليس لى ملك مصر وهذه ~~الانهر } يعني أنهار النيل ومعظمهما أربعة نهر الملك، ونهر طولون، ~~ونهر دمياط، ونهر تنيس قيل كانت تجري تحت قصره. وقيل تحت سريره لارتفاعه. ~~وقيل بين يدي في جناني وبساتيني. ويجوز أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ~~ملك مصر. وتجري نصب على الحال منها، وأن تكون الواو للحال، واسم الإشارة ~~مبتدأ، والأنهار صفة لاسم الإشارة، وتجري خبر للمبتدأ وليت شعري كيف ~~ارتقت إلى دعوة الربوبية همة من تعظم بملك مصر، وعجب الناس من مدى عظمته، ~~وأمر فنودي بها في أسواق مصر وأزقتها لئلا تخفى تلك الأبهة والجلالة ~~على صغير ولا كبير وحتى يتربع في صدور الدهماء مقدار عزته وملكوته. وعن ~~الرشيد أنه لما قرأها قال لأولينها أخس عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على ~~وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها، فخرج إليها فلما شارفها وقع ~~عليها بصره قال أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال أليس لي ملك ~~مصر، والله لهي أقل عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه { أم أنا خير } ~~أم هذه متصلة، لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله { ~~أنا خير } موضع تبصرون لأنهم إذا قالوا له أنت خير، فهم عنده بصراء، ~~وهذا من إنزال السبب منزلة المسبب. ويجوز أن تكون منقطعة على بل أأنا ~~خير، والهمزة للتقرير، وذلك أنه قدم تعديد أسباب الفضل والتقدم عليهم من ~~ملك مصر وجرى الأنهار تحته، ونادى بذلك وملأ به مسامعهم، ثم قال أنا خير ~~كأنه يقول أثبت عندكم واستقر أني أنا خير وهذه حالي { من هذا ~~الذى هو مهين } أي ضعيف حقير. وقرىء «أما أنا خير» { ولا ~~يكاد يبين } الكلام لما به من الرتة يريد أنه ليس معه من العدد ~~وآلات ms1874 الملك والسياسة ما يعتضد به، وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال ~~من اللسن والفصاحة، وكانت الأنبياء كلهم أبيناء بلغاء. وأراد بإلقاء ~~الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه، لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد ~~الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب { مقترنين } إما مقترنين ~~به من قولك قرنته فاقترن به، وإما من اقترنوا، بمعنى تقارنوا لما وصف ~~نفسه بالملك والعزة ووازن بينه وبين موسى صلوات الله عليه، فوصفه بالضعف ~~وقلة الأعضاد اعترض فقال هلا إن كان صادقا ملكه ربه وسوده وسوره، وجعل ~~الملائكة أعضاده وأنصاره. وقرىء «أساور جمع أسورة» وأساوير جمع أسوار وهو ~~السوار، وأساورة على تعويض التاء من ياء أساوير. وقرىء «ألقي عليه أسورة» ~~وأساور، على البناء للفاعل، وهو الله عز وجل. ### || [43.54] # { فاستخف قومه } فاستفزهم. وحقيقته حملهم على أن يخفوا له ~~ولما أراد منهم، وكذلك استفز، من قولهم للخفيف فز. ### || [43.55-56] # { ءاسفونا } منقول من أسف أسفا إذا اشتد غضبه. ومنه الحديث في موت ~~الفجأة 1004 # " رحمة للمؤمن وأخذة أسف للكافر " # ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي وعدوا طورهم، فاستوجبوا أن نعجل لهم ~~عذابنا وانتقامنا، وأن لا نحلم عنهم. وقرىء «سلفا» جمع سالف، كخادم وخدم. ~~وسلفا - بضمتين - جمع سليف، أي فريق قد سلف. وسلفا جمع سلفة، أي ثلة قد ~~سلفت. ومعناه فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار، يقتدون بهم في استحقاق ~~مثل عقابهم ونزوله بهم، لإتيانهم بمثل أفعالهم، وحديثا عجيب الشأن ~~سائرا مسير المثل، يحدثون به ويقال لهم مثلكم مثل قوم فرعون. ### || [43.57-59] # 1005 لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 امتعضوا من ذلك امتعاضا شديدا، فقال عبد الله بن الزبعرى ~~يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام # " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم " # ، فقال خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثنى عليه ~~خيرا وعلى أمه، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما. وعزير يعبد. والملائكة ~~يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد ms1875 رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ~~ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى ونزلت هذه الآية. والمعنى ولما ضرب عبد الله ~~بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلا، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعبادة النصارى إياه { إذا قومك } قريش من هذا المثل { يصدون ~~} ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وجزلا وضحكا بما سمعوا منه من إسكات رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيوا ~~بحجة ثم فتحت عليهم. وأما من قرأ «يصدون» بالضم فمن الصدود، أي من ~~أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل من الصديد وهو الجلبة، ~~وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف ونظائر لهما { وقالوا ءأالهتنا ~~خير أم هو } يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، إذا كان ~~عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا { ما ضربوه } أي ما ضربوا ~~هذا المثل { لك إلا جدلا } إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا ~~لطلب الميز بين الحق والباطل { بل هم قوم خصمون } لد شداد ~~الخصومة دأبهم اللجاج، كقوله تعالى # قوما لدا # مريم 97 وذلك أن قوله تعالى # إنكم وما تعبدون من دون الله # الأنبياء 98 ما أريد به إلا الأصنام، وكذلك قوله عليه السلام # " هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم " # إنما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة، إلا أن ابن ~~الزبعري بخبه وخداعه وخبث دخلته لما رأى كلام الله ورسوله محتملا ~~لفظه وجه العموم، مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة ~~مساغا، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة ~~المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى # الأنبياء 101 فدل به على أن الآية خاصة في الأصنام، على أن ظاهر قوله ~~وما تعبدون لغير العقلاء. وقيل لما سمعوا قوله تعالى # إن مثل عيسى عند ms1876 الله كمثل آدم # آل عمران 59 قالوا نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آداميا ونحن نعبد ~~الملائكة، فنزلت. وقوله { ءألهتنا خير أم هو } على هذا ~~القول تفضيل لآلهتهم على عيسى لأن المراد بهم الملائكة وما ضربوه لك إلا ~~جدلا. معناه وما قالوا هذا القول، يعني ءآلهتنا خير أم هو. إلا للجدال، ~~وقرىء «أآلهتنا خير» بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها، لدلالة أم العديلة ~~عليها. وفي حرف ابن مسعود خير أم هذا. ويجوز أن يكون جدلا حالا، أي ~~جدلين. وقيل لما نزلت # إن مثل عيسى عند الله # آل عمران 59 قالوا ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده وأنه يستأهل أن يعبد ~~وإن كان بشرا، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر. ومعنى { يصدون } ~~يضجون ويضجرون. والضمير في { أم هو } لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم السخرية به والاستهزاء. ويجوز أن ~~يقولوا لما أنكر عليهم قولهم الملائكة بنات الله وعبدوهم ما قلنا ~~بدعا من القول، ولما فعلنا نكرا من الفعل فإن النصارى جعلوا المسيح ابن ~~الله وعبدوه، ونحن أشف منهم قولا وفعلا، فإنا نسبنا إليه الملائكة وهم ~~نسبوا إليه الأناسي، فقيل لهم مذهب النصارى شرك بالله، ومذهبكم شرك مثله، ~~وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل، وما عيسى { ~~إلا عبد } كسائر العبيد { أنعمنا عليه } حيث جعلناه آية ~~بأن خلقناه من غير سبب، كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة ~~عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل. ### || [43.60] # { ولو نشآء } لقدرتنا على عجائب الأمور وبدائع الفطر { لجعلنا ~~منكم } لولدنا منكم يا رجال { ملئكة } يخلفونكم في الأرض كما ~~يلخفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا ~~بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام لا تتولد إلا من أجسام، ~~وذات القديم متعالية عن ذلك. ### || [43.61] # { وإنه } وإن عيسى عليه السلام { لعلم للساعة } أي شرط ~~من أشراطها تعلم به، فسمى الشرط علما لحصول العلم به. وقرأ ابن عباس ~~لعلم، وهو العلامة. وقرىء «للعلم» وقرأ أبي لذكر، على تسمية ما ms1877 يذكر به ~~ذكرا، كما سمي ما يعلم به علما. وفي الحديث 1006 # " أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها ~~أفيق وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وبها يقتل الدجال، ~~فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم، فيتأخر الإمام ~~فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم يقتل ~~الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن ~~به " # وعن الحسن أن الضمير للقرآن، وأن القرآن به تعلم الساعة، لأن فيه ~~الإعلان بها { فلا تمترن بها } من المرية وهي الشك { ~~واتبعون } واتبعوا هداي وشرعي. أو رسولي. وقيل هذا أمر لرسول الله ~~أن يقوله { هذا صرط مستقيم } أي هذا الذي أدعوكم إليه. أو ~~هذا القرآن إن جعل الضمير في { وإنه } للقرآن. ### || [43.62] # { عدو مبين } قد بانت عداوته لكم إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع ~~عنه لباس النور. ### || [43.63-65] # { بالبينت } بالمعجزات. أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات ~~الواضحات { بالحكمة } يعني الإنجيل والشرائع. فإن قلت هلا بين لهم ~~كل الذي يختلفون فيه ولكن بعضه؟ قلت كانوا يختلفون في الديانات وما يتعلق ~~بالتكليف وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه، وإنما بعث ~~ليبين لهم ما اختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم { الأحزاب } الفرق ~~المتحزبة بعد عيسى. وقيل اليهود والنصارى { فويل للذين ~~ظلموا } وعيد للأحزاب. فإن قلت { من بينهم } إلى من يرجع ~~الضمير فيه؟ قلت إلى الذين خاطبهم عيسى في قوله { قد جئتكم ~~بالحكمة } وهم قومه المبعوث إليهم. ### || [43.66-73] # { أن تأتيهم } بدل من الساعة. والمعنى هل ينظرون إلا إتيان ~~الساعة. فإن قلت أما أدى قوله { بغتة } مؤدى قوله { وهم لا ~~يشعرون } فيستغني عنه؟ قلت لا، لأن معنى قوله تعالى { وهم لا ~~يشعرون } وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم، كقوله تعالى # تأخذهم وهم يخصمون # يس 49 ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون { يومئذ } منصوب بعدو، أي ~~تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ~~ومقتا، إلا خلة ms1878 المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوة ~~إذا رأوا ثواب التحاب في الله تعالى والتباغض في الله. وقيل { إلا ~~المتقين } إلا المجتنبين أخلاء السوء. وقيل نزلت في أبي بن خلف، ~~وعقبه بن أبي معيط { يعباد } حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون ~~في الله يومئذ، و { الذين ءامنوا } منصوب المحل صفة لعبادي، ~~لأنه منادى مضاف، أي الذين صدقوا { بئايتنا وكانوا ~~مسلمين } مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا. وقيل إذا ~~بعث الله الناس فزع كل أحد، فينادي مناد، يا عبادي فيرجوها الناس كلهم، ~~ثم يتبعها الذين آمنوا فييأس الناس منها غير المسلمين. وقرىء «يا عباد» { ~~تحبرون } تسرون سرورا يظهر حباره - أي أثره -على وجوهكم، كقوله ~~تعالى # تعرف فى وجوههم نضرة النعيم # المطففين 24 وقال الزجاج تكرمون إكراما يبالغ فيه. والحبرة المبالغة ~~فيما وصف بجميل. والكوب الكوز لا عروة له { وفيها } الضمير للجنة. ~~وقرىء «تشتهي» وتشتهيه. وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في ~~القلوب، وإما مستلذة في العيون. { وتلك } إشارة إلى الجنة المذكورة. ~~وهي مبتدأ، و { الجنة } خبر. و { التى أورثتموها } صفة ~~الجنة. أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة. والتي أورثتموها خبر ~~المبتدأ. أو التي أورثتموها صفة، و { بما كنتم تعملون } ~~الخبر، والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبار. وفي الوجه ~~الأول تتعلق بأورثتموها. وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على ~~الورثة. وقرىء «ورثتموها» { منها تأكلون } من للتبعيض، أي لا ~~تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبدا ~~موقرة بها، لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 1007 # " لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها ". ### || [43.74-78] # { لا يفتر عنهم } لا يخفف ولا ينقص، من قولهم فترت عنه الحمى ~~إذا سكنت عنه قليلا ونقص حرها. والمبلس اليائس الساكت سكوت يأس من فرج. ~~وعن الضحاك يجعل المجرم في تابوت في نار ثم يردم عليه فيبقى فيه خالدا ~~لا يرى ولا يرى { هم ms1879 } فصل عند البصريين، عماد عند الكوفيين. وقرىء ~~«وهم فيها» أي في النار وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما «با مال» ~~بحذف الكاف للترخيم، كقول القائل # والحق يا مال غير ما تصف # وقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ «ونادوا يا مال» فقال ما أشغل أهل ~~النار عن الترخيم وعن بعضهم حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم ~~وعظم ما هم فيه. وقرأ أبو السرار الغنوي «يا مال» بالرفع كما يقال يا ~~حار { ليقض علينا ربك } من قضى عليه إذا أماته # فوكزه موسى فقضى عليه # القصص 15 والمعنى سل ربك أن يقضي علينا. فإن قلت كيف قال { ونادوا ~~يملك } بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلت تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ~~ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم ~~أنه لا فرج لهم، ويغوثون أوقاتا لشدة ما بهم { مكثون } لابثون. ~~وفيه استهزاء. والمراد خالدون. عن ابن عباس رضي الله عنهما إنما يجيبهم ~~بعد ألف سنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1008 # " يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون ~~ادعوا مالكا، فيدعون يا مالك ليقض علينا ربك " # { لقد جئنكم بالحق } كلام الله عز وجل بدليل قراءة من قرأ ~~«لقد جئتكم» ويجب أن يكون في قال ضمير الله عز وجل. لما سألوا مالكا أن ~~يسأل الله تعالى القضاء عليهم أجابهم الله بذلك { كرهون } لا ~~تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه لأن مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب. ### || [43.79-80] # { أم } أبرم مشركو مكة { أمرا } من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { فإنا مبرمون } كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله ~~تعالى # أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون # الطور 42؟ وكانوا يتنادون فيتناجون في أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فإن قلت ما المراد بالسر والنجوى؟ قلت السر ما حدث به الرجل نفسه ~~أو غيره في مكان خال. والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم { بلى } ~~نسمعهما ونطلع عليهما { ورسلنا } يريد الحفظة عندهم { يكتبون } ~~ذلك. وعن يحيى بن معاذ ms1880 الرازي من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا ~~يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه، وهو من علامات ~~النفاق. ### || [43.81-82] # { قل إن كان للرحمن ولد } وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح ~~توردونه وحجة واضحة تدلون بها { فأنا أول } من يعظم ذلك الولد ~~وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، ~~وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد ~~والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه ~~بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي ~~محال في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها، فهو في صورة إثبات ~~الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. ونظيره أن ~~يقول العدلى للمجبر، إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا ~~عليه عذابا سرمدا، فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله فمعنى هذا ~~الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقا للكفر، ~~وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ~~ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب وضلالة الذاهب إليه، والشهادة ~~القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز ~~من ارتكابه. ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال ~~له - أما والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى - لو عرفت أن ذلك إليك ما ~~عبدت إلها غيرك. وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف ~~المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل إن ~~كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول العابدين الموحدين لله، المكذبين ~~قولكم بإضافة الولد إليه. وقيل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول ~~الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. ~~وقرأ بعضهم «العبدين» وقيل هي إن النافية، أي ما كان للرحمن ولد، فأنا ~~أول من قال بذلك وعبد ووحد. وروي أن ms1881 النضر بن عبد الدار بن قصي قال إن ~~الملائكة بنات الله فنزلت، فقال النضر ألا ترون أنه قد صدقني. فقال له ~~الوليد بن المغيرة ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أول ~~الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. وقرىء «ولد» بضم الواو. ثم نزه ذاته ~~موصوفة بربوبيته السموات والأرض والعرش عن اتخاذ الولد، ليدل على أنه من ~~صفة الأجسام. ولو كان جسما لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبير أمره. ### || [43.83] # { فذرهم يخوضوا } في باطلهم { ويلعبوا } في دنياهم { ~~حتى يلقوا يومهم } وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب ~~الجهل والخوض واللعب، وإعلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم من ~~المطبوع على قلوبهم الذين لا يرجعون البتة، وإن ركب في دعوتهم كل صعب ~~وذلول، وخذلان لهم وتخلية بينهم وبين الشيطان، كقوله تبارك وتعالى # اعملوا ما شئتم # فصلت 40 وإيعاد بالشقاء في العاقبة. ### || [43.84-85] # ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله في السماء وفي ~~الأرض كما تقول، هو حاتم في طي حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد ~~الذي شهر به، كأنك قلت هو جواد في طي جواد في تغلب. وقرىء «وهو الذي في ~~السماء الله وفي الأرض الله» ومثله قوله تعالى # وهو الله فى السموات وفى الأرض # الأنعام 3 كأنه ضمن معنى المعبود أو المالك أو نحو ذلك والراجع إلى ~~الموصول محذوف لطول الكلام، كقولهم ما أنا بالذي قائل لك شيئا، وزاده ~~طولا أن المعطوف داخل في حيز الصلة. ويحتمل أن يكون { فى السمآء } ~~صلة الذي وإله خبر مبتدأ محذوف، على أن الجملة بيان للصلة. وأن كونه ~~في السماء على سبيل الإلهية والربوبية، لا على معنى الاستقرار. وفيه نفي ~~الآلهة التي كانت تعبد في الأرض «ترجعون» قرىء بضم التاء وفتحها. ~~و«يرجعون» بياء مضمومة. وقرىء «تحشرون» بالتاء. ### || [43.86-87] # ولا يملك آلهتهم الذين يدعون من دون الله الشفاعة، كما زعموا أنهم ~~شفعاؤهم عند الله، ولكن من { شهد بالحق } وهو توحيد الله، وهو ~~يعلم ms1882 ما يشهد به عن بصيرة وإيقان وإخلاص هو الذي يملك الشفاعة، وهو ~~استثناء منقطع. ويجوز أن يكون متصلا لأن في جملة الذين يدعون من دون ~~الله الملائكة، وقرىء «تدعون» بالتاء وتدعون بالتاء وتشديد الدال. ### || [43.88-89] # { وقيله } قرىء بالحركات الثلاث، وذكر في النصب عن الأخفش أنه حمله ~~على أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله وعنه وقال قيله. وعطفه ~~الزجاج على محل الساعة، كما تقول عجبت من ضرب زيد وعمرا، وحمل الجر على ~~لفظ الساعة، والرفع على الابتداء، والخبر ما بعده وجوز عطفه على علم ~~الساعة على تقدير حذف المضاف. معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله. والذي ~~قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ~~لا يحسن اعتراضا، ومع تنافر النظم. وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر ~~والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم أيمن الله، وأمانة ~~الله، ويمين الله، ولعمرك، ويكون قوله { إن هؤلآء قوم لا ~~يؤمنون } جواب القسم، كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب. أو وقيله يا رب ~~قسمي إن هؤلاء قوم لا يؤمنون { فاصفح عنهم } فأعرض عن دعوتهم ~~يائسا عن إيمانهم، وودعهم وتاركهم، { وقل } لهم { سلم } أي تسلم ~~منكم ومتاركة { فسوف يعلمون } وعيد من الله لهم وتسلية لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم. والضمير في { وقيله } لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وإقسام الله بقيله رفع منه وتعظيم لدعائه والتجائه إليه. عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 1109 # " من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة يا عبادي لا خوف ~~عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، ادخلوا الجنة بغير حساب ". ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-8] # الواو في { والكتب } واو القسم، إن جعلت حم تعديدا للحروف أو ~~اسما للسورة، مرفوعا على خبر الابتداء المحذوف وواو العطف إن كانت حم ~~مقسما بها. وقوله { إنا أنزلنه } جواب القسم، والكتاب المبين ~~للقرآن. والليلة المباركة ليلة القدر. وقيل ليلة النصف من شعبان، ولها ~~أربعة أسماء الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة ~~وقيل بينها ms1883 وبين ليلة القدر أربعون ليلة. وقيل في تسميتها ليلة البراءة ~~والصك أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة، كذلك الله ~~عز وجل يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة. وقيل هي مختصة بخمس ~~خصال تفريق كل أمر حكيم وفضيلة العبادة فيها، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1010 # " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون ~~يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات ~~الدنيا. وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان " # ونزول الرحمة قال عليه الصلاة والسلام 1011 # " إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب " # وحصول المغفرة قال عليه الصلاة والسلام 1012 # " إن الله تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر ~~أو مشاحن أو مدمن خمر أو عاق للوالدين، أو مصر على الزنا " # وما أعطى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الشفاعة، وذلك 1013 ~~أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته. فأعطى الثلث منها، ثم سأل ~~ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع، ~~إلا من شرد عن الله شراد البعير. ومن عادة الله في هذه الليلة أن يزيد ~~فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة. والقول الأكثر أن المراد بالليلة المباركة ~~ليلة القدر، لقوله تعالى # إنا أنزلنه فى ليلة القدر # القدر 1 ولمطابقة قوله { فيها يفرق كل أمر حكيم 4 } ~~لقوله { تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم ~~من كل أمر 4 } وقول تعالى # شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن # البقرة 185 وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان. فإن قلت ما معنى ~~إنزال القرآن في هذه الليلة؟ قلت قالوا أنزل جملة واحدة من السماء ~~السابعة إلى السماء الدنيا، وأمر السفرة الكرام بانتساخه في ليلة القدر، ~~وكان جبريل عليه السلام ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما ~~نجوما. فإن قلت { إنا كنا منذرين فيها يفرق كل ~~أمر حكيم } ما موقع ms1884 هاتين الجملتين؟ قلت هما جملتان مستأنفتان ~~ملفوفتان. فسر بهما جواب القسم الذي هو قوله تعالى # إنا أنزلنه فى ليلة مبركة # الدخان 3 كأنه قيل أنزلنا لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب، ~~وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن من الأمور ~~الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. والمباركة الكثيرة الخير لما ~~يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ~~ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة، ومعنى { يفرق ~~} يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم منها ~~إلى الأخرى القابلة. وقيل يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ في ليلة ~~البراءة، ويقع الفراغ في ليلة القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ~~ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال ~~إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت. ~~وعن بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله، فيلقى على ألسنة الخلق مدحه، وعلى ~~قلوبهم هيبته. وقرىء «يفرق» بالتشديد و { يفرق } كل على بنائه للفاعل ~~ونصب كل، والفارق الله عز وجل، وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه «نفرق» ~~بالنون، كل أمر حكيم كل شأن ذي حكمة، أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو ~~من الإسناد المجازى لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف الأمر ~~به مجاز { أمرا من عندنا } نصب على الاختصاص. جعل كل أمر جزلا ~~فخما بأن وصفه بالحكيم، ثم زاده جزالة وكسبه فخامة بأن قال أعني بهذا ~~الأمر أمرا حاصلا من عندنا، كائنا من لدنا، كما اقتضاه علمنا ~~وتدبيرنا. ويجوز أن يراد به الأمر الذي هو ضد النهي، ثم إما أن يوضع موضع ~~فرقانا الذي هو مصدر يفرق، لأن معنى الأمر والفرقان واحد، من حيث إنه ~~إذا حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه. أو يكون حالا من أحد الضميرين ~~في أنزلناه إما من ضمير الفاعل، أي أنزلناه آمرين أمرا. أو من ضمير ~~المفعول أي أنزلناه في ms1885 حال كونه أمرا من عندنا بما يجب أن يفعل فإن قلت ~~{ إنا كنا مرسلين رحمة من ربك } بم يتعلق؟ قلت يجوز ~~أن يكون بدلا من قوله { إنا كنا منذرين } و { رحمة من ~~ربك } مفعولا له، على معنى إنا أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال ~~الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، وأن يكون تعليلا ليفرق. أو ~~لقوله { أمرا من عندنآ } ورحمة مفعولا به، وقد وصف الرحمة ~~بالإرسال كما وصفها به في قوله تعالى # وما يمسك فلا مرسل له من بعده # فاطر2 أي يفصل في هذه الليلة كل أمر. أو تصدر الأوامر من عندنا لأن من ~~عادتنا أن نرسل رحمتنا. وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب ~~الرحمة وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وعلا لأن الغرض في تكليف ~~العباد تعريضهم للمنافع. # والأصل إنا كنا مرسلين رحمة منا، فوضع الظاهر موضع الضمير إيذانا بأن ~~الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين وفي قراءة زيد بن علي «أمر من ~~عندنا» على هو أمر وهي تنصر انتصابه على الاختصاص. وقرأ الحسن «رحمة من ~~ربك»، على تلك رحمة، وهي تنصر انتصابها بأنها مفعول له { إنه هو ~~السميع العليم } وما بعده تحقيق لربوبيته، وأنها لا تحق إلا لمن ~~هذه أوصافه. وقرىء «رب السموات... ربكم ورب آبائكم» بالجر بدلا من ربك. ~~فإن قلت ما معنى الشرط الذي هو قوله { إن كنتم موقنين }؟ قلت ~~كانوا يقرون بأن للسموات والأرض ربا وخالقا، فقيل لهم إن إرسال الرسل ~~وإنزال الكتب رحمة من الرب، ثم قيل إن هذا الرب هو السميع العليم الذي ~~أنتم مقرون به ومعترفون بأنه رب السموات والأرض وما بينهما إن كان ~~إقراركم عن علم وإيقان، كما تقول إن هذا إنعام زيد الذي تسامع الناس ~~بكرمه واشتهر وإسخاؤه إن بلغك حديثه وحدثت بقصته. ### || [44.9-12] # ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله { بل هم فى شك يلعبون9 } وأن ~~إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جد وحقيقة بل قول مخلوط بهزء ~~ولعب { يوم تأتى السمآء } مفعول به مرتقب. ms1886 يقال رقبته ~~وارتقبته. نحو نظرته وانتظرته. واختلف في الدخان فعن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وبه أخذ الحسن أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في ~~أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن ~~منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص، وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1014 # " أول الآيات الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين ~~تسوق الناس إلى المحشر " # قال حذيفة يا رسول الله، وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الآية، وقال # " يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن ~~فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ~~ودبره " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه خمس قد مضت الروم، والدخان، والقمر، ~~والبطشة، واللزام. ويروى أنه قيل لابن مسعود 1015 إن قاصا عند أبواب ~~كندة يقول إنه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال من علم ~~علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول ~~لشيء لا يعلمه الله أعلم، ثم قال ألا وسأحدثكم أن قريشا لما استعصت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء ~~والأرض الدخان، وكان يحدث الرجل الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من ~~الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن ~~دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم { بدخان ~~مبين } ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان { يغشى الناس } ~~يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لدخان. و { هذا عذاب } إلى ~~قوله { مؤمنون } منصوب المحل بفعل مضمر، وهو يقولون، ويقولون منصوب ~~على الحال، أي قائلين ذلك. { إنا مؤمنون } موعدة بالإيمان إن كشف ~~عنهم العذاب. ### || [44.13-16] # { أنى لهم الذكرى } كيف ms1887 يذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوه من ~~الإيمان عند كشف العذاب { وقد جآءهم } ما هو أعظم وأدخل في وجوب ~~الادكار من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات، فلكم يذكروا وتولوا ~~عنه، وبهتوه بأن عداسا غلاما أعجميا لبعض ثقيف هو الذي علمه، ونسبوه ~~إلى الجنون، ثم قال { إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم ~~عآئدون } أي ريثما نكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم لا تلبثون غب ~~الكشف على ما أنتم عليه من التضرع والابتهال. فإن قلت كيف يستقيم على قول ~~من جعل الدخان قبل يوم القيامة قوله { إنا كاشفوا العذاب ~~قليلا } قلتإذا أتت السماء بالدخان تضور المعذبون به من الكفار ~~والمنافقين.وغوثوا وقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون منيبون، ~~فيكشفه الله عنهم بعد أربعين يوما، فريثما يكشفه عنهم يرتدون لا ~~يتمهلون، ثم قال { يوم نبطش البطشة الكبرى } يريد يوم ~~القيامة، كقوله تعالى # فإذا جاءت الطامة الكبرى # النازعات 34. { إنا منتقمون } أي ننتقم منهم في ذلك اليوم. فإن ~~قلت بم انتصب يوم نبطش؟ قلت بما دل عليه { إنا منتقمون } وهو ~~ننتقم. ولا يصح أن ينتصب بمنتقمون، لأن «إن» تحجب عن ذلك. وقرىء «نبطش» ~~بضم الطاء. وقرأ الحسن «نبطش» بضم النون، كأنه يحمل الملائكة على أن ~~يبطشوا بهم البطشة الكبرى. أو يجعل البطشة الكبرى باطشة بهم. وقيل { ~~البطشة الكبرى } يوم بدر. ### || [44.17-21] # وقرىء «ولقد فتنا» بالتشديد للتأكيد. أو لوقوعه على القوم. ومعنى الفتنة ~~أنه أمهلهم ووسع عليهم في الرزق فكان ذلك سببا في ارتكابهم المعاصي ~~واقتراقهم الآثام. أو ابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر ~~على الإيمان، أو سلبهم ملكهم وأغرقهم { كريم } على الله وعلى عباده ~~المؤمنين. أو كريم في نفسه، لأن الله لم يبعث نبيا إلا من سراة قومه ~~وكرامهم { أن أدوا إلى } هي أن المفسرة، لأن مجيء الرسول من ~~بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشرا ونذيرا وداعيا ~~إلى الله. أو المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن ms1888 الشأن والحديث أدوا ~~إلي { عباد الله } مفعول به وهم بنو إسرائيل، يقول أدوهم إلي ~~وأرسلوهم معي، كقوله تعالى # أرسل معنا بنى إسرئيل ولا تعذبهم # طه 47 ويجوز أن يكون نداء لهم على أدوا إلي يا عباد الله ما هو واجب لي ~~عليكم من الإيمان لي وقبول دعوتي واتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه { رسول ~~أمين } غير ظنين قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته { وأن لا ~~تعلوا } أن هذه مثل الأولى في وجهيها، أي لا تستكبروا { على ~~الله } بالاستهانة برسوله ووحيه. أو لا تستكبروا على نبي الله { ~~بسلطن مبين } بحجة واضحة { أن ترجمون } أن تقتلون. ~~وقرىء «عت» بالإدغام. ومعناه أنه عائذ بربه متكل على أنه يعصمه منهم ومن ~~كيدهم، فهو غير مبال بما كانوا يتوعدونه به من الرجم والقتل { ~~فاعتزلون } يريد إن لم يؤمن لي فلا موالاة بيني وبين من لا يؤمنوا، ~~فتنحوا عني واقطعوا أسباب الوصلة عني، أي فخلوني كفافا لا لي ولا علي، ~~ولا تتعرضوا لي بشركم وأذاكم فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلاحكم ذلك. ### || [44.22-24] # { أن هؤلآء } بأن هؤلاء، أي دعا ربه بذلك. قيل كان دعاؤه ~~اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم وقيل هو قوله # ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين # يونس 85 وإنما ذكر الله تعالى السبب الذي استوجبوا به الهلاك، وهو كونهم ~~مجرمين. وقرىء «إن هؤلاء» بالكسر على إضمار القول، أي فدعا ربه فقال إن ~~هؤلاء { فأسر } قرىء بقطع الهمزة من أسرى، ووصلها من سرى. وفيه وجهان ~~إضمار القول بعد الفاء، فقال أسر بعبادي. وأن يكون جواب شرط محذوف، كأنه ~~قيل قال إن كان الأمر كما تقول فأسر { بعبادى } يعني فأسر ببني ~~إسرائيل، فقد دبر الله أن تتقدموا ويتبعكم فرعون وجنوده، فينجي المتقدمين ~~ويغرق التابعين. الرهو فيه وجهان، أحدهما أنه الساكن. قال الأعشى # يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة # ولا الصدور على الأعجاز تتكل أي مشيا ساكنا على ~~هينة. أراد موسى لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق، كما ضربه فانفلق، ~~فأمر بأن يتركه ساكنا على ms1889 هيئته، قارا على حاله من انتصاب الماء، وكون ~~الطريق يبسا لا يضربه بعصاه ولا يغير منه شيئا ليدخله القبط، فإذا ~~حصلوا فيه أطبقه الله عليهم. والثاني أن الرهو الفجوة الواسعة. وعن بعض ~~العرب أنه رأى جملا فالجا فقال سبحان الله، رهو بين سنامين، أي اتركه ~~مفتوحا على حاله منفرجا { إنهم جند مغرقون } وقرىء ~~بالفتح، بمعنى لأنهم. ### || [44.25-27] # والمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة. وقيل المنابر. ~~والنعمة - بالفتح - من التنعم، وبالكسر - من الإنعام. وقرىء «فاكهين» ~~وفكهين. ### || [44.28-29] # { كذلك } الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها { ~~وأورثنها } أو في موضع الرفع على الأمر كذلك { قوما ~~ءاخرين } ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو ~~إسرائيل كانوا متسخرين مستعبدين في أيديهم، فأهلكهم الله على أيديهم، ~~وأورثهم ملكهم وديارهم. إذا مات رجل خطير قالت العرب في تعظيم مهلكة بكت ~~عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس. وفي حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1016 # " ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ~~" # وقال جرير # تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # وقالت الخارجية # أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تجزع ~~على ابن طريف # وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه، ~~وكذلك ما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما من بكاء مصلي المؤمن، وآثاره ~~في الأرض، ومصاعد عمله، ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفي ذلك عنهم في ~~قوله تعالى { فما بكت عليهم السماء والأرض } فيه تهكم ~~بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه بكت عليه السماء ~~والأرض. وعن الحسن فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون، بل كانوا بهلاكهم ~~مسرورين، يعني فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض { وما كانوا ~~منظرين } لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر، ولم يمهلوا إلى ~~الآخرة، بل عجل لهم في الدنيا. ### || [44.30-31] # { من فرعون } بدل من العذاب المهين، كأنه في نفسه كان عذابا ~~مهينا، لإفراطه في ms1890 تعذيبهم وإهانتهم. ويجوز أن يكون المعنى من العذاب ~~المهين واقعا من جهة فرعون. وقرىء «من عذاب المهين» ووجهه أن يكون تقدير ~~قوله { من فرعون } من عذاب فرعون، حتى يكون المهين هو فرعون. وفي ~~قراءة ابن عباس من فرعون، لما وصف عذاب فرعون بالشدة والفظاعة قال من ~~فرعون، على معنى هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته، ثم عرف حاله في ذلك ~~بقوله { إنه كان عاليا من المسرفين } أي كبيرا رفيع ~~الطبقة، ومن بينهم فائقا لهم، بليغا في إسرافه. أو عاليا متكبرا، ~~كقوله تعالى # إن فرعون علا فى الارض # القصص 4. و { من المسرفين } خبر ثان، كأنه قيل إنه كان متكبرا ~~مسرفا. ### || [44.32-34] # الضمير في { اخترنهم } لبني إسرائيل. و { على علم } في ~~موضع الحال، أي عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بأن يختاروا. ويجوز أن ~~يكون المعنى مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال ~~{ على العلمين } على عالمي زمانهم. وقيل على الناس جميعا لكثرة ~~الأنبياء منهم { من الأيت } من نحو فلق البحر وتظليل الغمام ~~وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات العظام التي لم يظهر الله في ~~غيرهم مثلها { بلؤا مبين } نعمة ظاهرة لأن الله تعالى يبلو ~~بالنعمة كما يبلو بالمصيبة. أو اختبار ظاهر لننظر كيف تعملون، كقوله ~~تعالى # وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم # البقرة 49. ### || [44.35-36] # { هؤلاء } إشارة إلى كفار قريش، فإن قلت كان الكلام واقعا في ~~الحياة الثانية لا في الموت، فهلا قيل إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن ~~بمنشرين؟ كما قيل # إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين # الأنعام29؟ وما معنى قوله { إن هى إلا موتتنا الاولى }؟ ~~وما معنى ذكر الأولى؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها وأثبتوا ~~الأولى؟ قلت معناه والله الموفق للصواب - أنه قيل لهم إنكم تموتون ~~موتة تتعقبها حياة، كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة، وذلك قوله عز ~~وجل # وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # البقرة 28 فقالوا إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون ما الموتة التي من ~~شأنها ms1891 أن يتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه ~~الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة، ~~فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله { إن هى إلا حياتنا ~~الدنيا } في المعنى. يقال أنشر الله الموتى ونشرهم إذا بعثهم { ~~فأتوا بئابآئنآ } هذا خطاب للذين كانوا يعدونهم النشور من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أي إن صدقتم فيما تقولون فعجلوا لنا ~~إحياء من مات من آبائنا بسؤالكم ربكم ذلك حتى يكون دليلا على أن ما ~~تعدونه من قيام الساعة وبعث الموتى حق، وقيل كانوا يطلبون إليهم أن يدعوا ~~الله فينشر لهم قصي بن كلاب ليشاوروه، فإنه كان كبيرهم ومشاورهم في ~~النوازل ومعاظم الشؤون. ### || [44.37] # هو تبع الحميري كان مؤمنا وقومه كافرين ولذلك ذم الله قومه ولم يذمه، ~~وهو الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبني سمرقند. وقيل هدمها وكان إذا كتب ~~قال بسم الله الذي ملك برا وبحرا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1017 # " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم " # وعنه عليه الصلاة والسلام 1018 # " ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان نبيا. وقيل نظر إلى قبرين بناحية حمير ~~قال هذا قبر رضوي وقبر حبى بنتي تبع لا تشركان بالله شيئا. وقيل هو ~~الذي كسا البيت. وقيل لملوك اليمن التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل ~~الأقيال، لأنهم يتقيلون وسمي الظل «تبعا» لأنه يتبع الشمس. فإن قلت ما ~~معنى قوله تعالى { أهم خير } ولا خير في الفريقين؟ قلت معناه أهم ~~خير في القوة والمنعة، كقوله تعالى # أكفركم خير من أولئكم # القمر 43 بعد ذكر آل فرعون. وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أهم أشد ~~أم قوم تبع. ### || [44.38-42] # { وما بينهما } وما بين الجنسين. وقرأ عبيد بن عمير وما بينهن. ~~وقرأ «ميقاتهم» بالنصب على أنه اسم إن، ويوم الفصل خبرها، أي إن ميعاد ~~حسابهم وجزائهم في يوم الفصل { لا يغنى مولى } أي مولى كان من ~~قرابة ms1892 أو غيرها { عن مولى } عن أي مولى كان { شيئا } من إغناء. ~~أي قليلا منه { ولا هم ينصرون } الضمير للموالي لأنهم في المعنى ~~كثير، لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى { إلا من رحم ~~الله } في محل الرفع على البدل من الواو في { ينصرون } أي لا يمنع ~~من العذاب إلا من رحمه الله. ويجوز أن ينتصب على الاستثناء { إنه ~~هو العزيز } لا ينصر منه من عصاه { الرحيم } لمن أطاعه. ### || [44.43-50] # قرىء «إن شجرت الزقوم» بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات شجرة، بفتح الشين ~~وكسرها وشيرة، بالياء. وروى أنه لما نزل # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم # الصافات 62 قال ابن الزبعرى إن أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر ~~التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال تزقموا فإن هذا هو الذي يخوفكم به ~~محمد، فنزل # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم # الدخان43-44 وهو الفاجر الكثير الآثام. وعن أبي الدرداء أنه كان يقرىء ~~رجلا فكان يقول طعام اليثيم، فقال قل طعام الفاجر يا هذا. وبهذا يستدل ~~على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها. ومنه أجاز أبو ~~حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي أن يؤدي القارىء المعاني على ~~كمالها من غير أن يخرم منها شيئا. قالوا وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة ~~كلا إجازة لأن في كلام العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته ~~وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان ~~من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ~~ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل ~~قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية { كالمهل } قرىء بضم الميم ~~وفتحها، وهو دردي الزيت. ويدل عليه قوله تعالى # يوم تكون السماء كالمهل # المعارج 8 مع قوله # فكانت وردة كالدهان # الرحمن 37 وقيل هو ذائب الفضة والنحاس، والكاف رفع خبر بعد خبر، وكذلك ~~{ يغلى } وقرىء بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام. و { الحميم } ~~الماء الحار الذي انتهى غليانه يقال للزبانية ms1893 { خذوه فاعتلوه } ~~فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل فيجر إلى حبس أو قتل. ومنه ~~«العتل» وهو الغليظ الجافي. وقرىء بكسر التاء وضمها { إلى سوآء ~~الجحيم } إلى وسطها ومعظمها. فإن قلت هلا قيل صبوا فوق رأسه من ~~الحميم، كقوله تعالى # يصب من فوق رءوسهم الحميم # الحج 19 لأن الحميم هو المصبوب لا عذابه؟ قلت إذا صب عليه الحميم فقد ~~صب عليه عذابه وشدته، إلا أن صب العذاب طريقة الاستعارة، كقوله # صبت عليه صروف الدهر من صبب # وكقوله تعالى # أفرغ علينا صبرا # البقرة 250 فذكر العذاب معلقا به الصب، مستعارا له، ليكون أهول وأهيب ~~يقال { ذق إنك أنت العزيز الكريم 49 } على سبيل الهزؤ ~~والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. وروي أن أبا جهل قال لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع ~~أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا. وقرىء «إنك» بمعنى لأنك. وعن الحسن بن ~~علي رضي الله عنهما أنه قرأ به على المنبر { إن هذا } العذاب. أو ~~إن هذا الأمر هو { ما كنتم به تمترون } أي تشكون. أو تتمارون ~~وتتلاجون. ### || [44.51-57] # قرىء «في مقام» بالفتح وهو موضع القيام، والمراد المكان، وهو من الخاص ~~الذي وقع مستعملا في معنى العموم. وبالضم وهو موضع الإقامة. و { ~~الأمين } من قولك أمن الرجل أمانة فهو أمين. وهو ضد الخائن، فوصف به ~~المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقى فيه من ~~المكاره. قيل السندس ما رق من الديباج. والإستبرق ما غلظ منه وهو تعريب ~~استبر. فإن قلت كيف ساغ أن يقع في القرآن العربي المبين لفظ أعجمي؟ قلت ~~إذا عرب خرج من أن يكون عجميا لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا بالتصرف ~~فيه، وتغييره عن منهاجه، وإجرائه على أوجه الإعراب { كذلك } الكاف ~~مرفوع على الأمر كذلك. أو منصوب على مثل ذلك أثبناهم { وزوجنهم ~~} وقرأ عكرمة «بحور عين» على الإضافة والمعنى بالحور من العين لأن العين ~~إما أن تكون حورا أو ms1894 غير حور، فهؤلاء من الحور العين لا من شهلهن مثلا. ~~وفي قراءة عبد الله «بعيس عين» والعيساء البيضاء تعلوها حمرة وقرأ عبيد ~~بن عمير «لا يذاقون فيها الموت» وقرأ عبد الله «لا يذوقون فيها طعم ~~الموت»، فإن قلت كيف استثنيت الموتة الأولى - المذوقة قبل دخول الجنة - ~~من الموت المنفي ذوقه فيها؟ قلت أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت ~~البتة، فوضع قوله { إلا الموتة الأولى } موضع ذلك لأن الموتة ~~الماضية محال ذوقها في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل ~~إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. وقرىء ~~«ووقاهم» بالتشديد { فضلا من ربك } عطاء من ربك وثوابا، يعني ~~كل ما أعطى المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار. وقرىء «فضل» أي ذلك ~~فضل. ### || [44.58-59] # { فإنما يسرنه بلسانك } فذلكة للسورة. ومعناها ذكرهم ~~بالكتاب المبين فإنما يسرناه أي سهلناه، حيث أنزلناه عربيا بلسانك بلغتك ~~إرادة أن يفهمه قومك فيتذكروا { فارتقب } فانتظر ما يحل بهم { ~~إنهم مرتقبون } ما يحل بك متربصون بك الدوائر. عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1019 # " من قرأ سورة حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك " # وعنه عليه السلام 1020 # " من قرأ سورة حم التي ذكر فيها الدخان في ليلة جمعة أصبح مغفورا له ". ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-6] # { حم } إن جعلتها اسما مبتدأ مخبرا عنه ب { تنزيل الكتب ~~} لم يكن بدمن حذف مضاف، تقديره تنزيل حم تنزيل الكتاب. و { من ~~الله } صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديدا للحروف كان تنزيل الكتاب ~~مبتدأ، والظرف خبرا { إن فىالسموت والارض } يجوزأن يكون ~~على ظاهره، وأن يكون المعنى إن في خلق السموات لقوله { وفى ~~خلقكم } فإن قلت علام عطف { وما يبث } أعلى الخلق المضاف؟ أم ~~على الضمير المضاف إليه؟ قلت بل على المضاف، لأن المضاف إليه ضمير متصل ~~مجرور يقبح العطف عليه، استقبحوا أن يقال مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو، ~~وكذلك إن أكدوه كرهوا أن يقولوا مررت بك أنت وزيد. قرىء «آيات لقوم ~~يوقنون» بالنصب ms1895 والرفع، على قولك إن زيدا في الدار وعمرا في السوق. أو ~~عمرو في السوق. وأما قوله آيات لقوم يعقلون فمن العطف على عاملين، سواء ~~نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما إن، وفي، أقيمت الواو مقامهما، ~~فعملت الجر في واختلاف الليل والنهار، والنصب في { ءايت }. وإذا رفعت ~~فالعاملان الابتداء وفي عملت الرفع في { لأيت } ، والجر في { ~~واختلف } وقرأ ابن مسعود «وفي اختلاف الليل والنهار» فإن قلت ~~العطف على عاملين على مذهب الأخفش سديد لا مقال فيه. وقد أباه سيبويه، ~~فما وجه تخريج الآية عنده؟ قلت فيه وجهان عنده. أحدهما أن يكون على إضمار ~~في. والذي حسنه تقدم ذكره في الآيتين قبلها. ويعضده قراءة ابن مسعود. ~~والثاني أن ينتصب آيات على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما ~~قبله أو على التكرير، ورفعها بإضمار هي وقرىء «واختلاف الليل والنهار» ~~بالرفع. وقرىء «آية» وكذلك وما يبث من دابة آية. وقرىء «وتصريف الريح» ~~والمعنى إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر ~~الصحيح، علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بد لها من صانع، فآمنوا بالله ~~وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة إلى ~~هيئة، وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيمانا، ~~وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل ~~وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها. { ~~وتصريف الرياح } جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا عقلوا واستحكم ~~علمهم وخلص يقينهم، وسمي المطر رزقا لأنه سبب الرزق { تلك } إشارة ~~إلى الآيات المتقدمة، أي تلك الآيات آيات الله. و { نتلوها } في محل ~~الحال، أي متلوة { عليك بالحق } والعامل ما دل عليه تلك من معنى ~~الإشارة. ونحوه # هذا بعلي شيخا # هود72 وقرىء «يتلوها» بالياء { بعد الله وءايته } أي بعد ~~آيات الله كقولهم أعجبني زيد وكرمه، يريدون أعجبني كرم زيد. ويجوز أن ~~يراد بعد حديث الله، وهو كتابه وقرآنه، كقوله تعالى # الله نزل أحسن الحديث # الزمر 23. وقرىء { يؤمنون } بالتاء والياء. ### || [45.7-10] ms1896 # الأفاك الكذاب، والأثيم المتبالغ في اقتراف الآثام { يصر } يقبل على ~~كفره ويقيم عليه. وأصله من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحى عليها ~~صارا أذنيه { مستكبرا } عن الإيمان بالآيات والإذعان لما ينطق به ~~من الحق، مزدريا لها معجبا بما عنده. قيل نزلت في النضر بن الحرث وما ~~كان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل الناس بها عن استماع القرآن. والآية ~~عامة في كل ما كان مضارا لدين الله. فإن قلت ما معنى ثم في قوله { ~~ثم يصر مستكبرا }؟ قلت كمعناه في قول القائل # يرى غمرات الموت ثم يزورها # وذلك أن غمرات الموت حقيقة، بأن ينجو رائيها بنفسه ويطلب الفرار عنها. ~~وأما زيارتها والإقدام على مزاولتها. فأمر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن ~~فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستعبد في العادات والطباع، ~~وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق، من تليت عليه وسمعها كان ~~مستبعدا في العقول إصراره على الضلالة عندها واستكباره عن الإيمان بها { ~~كأن } مخففة، والأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن، كما في قوله # كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم # ومحل الجملة النصب على الحال. أي يصر مثل غير السامع { وإذا } بلغه ~~شيء من آياتنا وعلم أنه منها { اتخذها } أي اتخذ الآيات { هزوا } ~~ولم يقل اتخذه، للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات ~~التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء ~~بجميع الآيات. ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويحتمل وإذا علم من ~~آياتنا شيئا يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملا يتسلق به على ~~الطعن والغميزة افترصه واتخذ آيات الله هزوا، وذلك نحو افتراص ابن ~~الزبعري قوله عز وجل # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98 ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله خصتمك. ويجوز ~~أن يرجع الضمير إلى شيء لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية # نفسي بشيء من الدنيا معلقة ألله والقائم ~~المهدي يكفيها # حيث أراد عتبة. وقرىء «علم أولئك» إشارة إلى ms1897 كل أفاك أثيم، لشموله ~~الأفاكين. والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام. قال # أليس ورائي أن تراخت منيتي أدب مع ~~الولدان أزحف كالنسر # ومنه قوله عز وجل { من ورائهم } أي من قدامهم { ما كسبوا ~~} من الأموال في رحلهم ومتاجرهم { ولا ما اتخذوا من دون ~~الله } من الأوثان. ### || [45.11] # { هذا } إشارة إلى القرآن، يدل عليه قوله تعالى { والذين ~~كفروا بأايت ربهم } لأن آيات ربهم هي القرآن، أي هذا ~~القرآن كامل في الهداية، كما تقول زيد رجل، تريد كامل في الرجولية. وأيما ~~رجل. والرجز أشد العذاب. وقرىء بجر «أليم» ورفعه. ### || [45.12-13] # { ولتبتغوا من فضله } بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ ~~والمرجان واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر. فإن قلت ما معنى ~~{ منه } في قوله { جميعا منه } وما موقعها من الإعراب، قلت هي ~~واقعة موقع الحال، والمعنى أنه سخر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من ~~عنده، يعني أنه مكونها وموجدها بقدرته وحكمته، ثم مسخرها لخلقه. ويجوز ~~أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره هي جميعا منه، وأن يكون { وسخر ~~لكم } تأكيدا لقوله تعالى { سخر لكم } ثم ابتدىء قوله { ما ~~فى السموت وما فى الارض جميعا منه } وأن يكون { ~~وما فى الأرض } مبتدأ، و { منه } خبره. وقرأ ابن عباس رضي الله ~~عنهما «منة» وقرأ سلمة بن محارب منه، على أن يكون منه فاعل سخر على ~~الإسناد المجازي. أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك. أو هو منه. ### || [45.14-15] # حذف المقول لأن الجواب دال عليه. والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا { لا ~~يرجون أيام الله } لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم ~~لوقائع العرب أيام العرب. وقيل لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب ~~المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. قيل نزلت قبل آية القتال، ثم نسخ حكمها. ~~وقيل نزولها في عمر رضي الله عنه وقد شتمه رجل من غفار فهم أن يبطش ~~به وعن سعيد بن المسيب كنا بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ ~~قارىء هذه الآية، فقال عمر ليجزى ms1898 عمر بما صنع { ليجزى } تعليل للأمر ~~بالمغفرة، أي إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء ~~مغفرتهم يوم القيامة. فإن قلت قوله { قوما } ما وجه تنكيره وإنما أراد ~~الذين آمنوا وهم معارف؟ قلت هو مدح لهم وثناء عليهم، كأنه قيل ليجزي أيما ~~قوم وقوما مخصوصين، لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم من الكفار، وعلى ما ~~كانوا يجرعونهم من الغصص { بما كانوا يكسبون } من الثواب ~~العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ومعنى قول عمر ليجزى عمر بما صنع ~~ليجزى بصبره واحتماله. وقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول ~~الآية 1021 والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي. وقرىء «ليجزى قوما» ~~أي الله عز وجل. وليجزي قوم. وليجزى قوما، على معنى وليجزي الجزاء ~~قوما. ### || [45.16-17] # { الكتب } التوراة { والحكم } الحكمة والفقه. أو فصل ~~الخصومات بين الناس لأن الملك كان فيهم والنبوة { من الطيبات } ~~مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق { وفضلنهم على ~~العلمين } حيث لم نؤت غيرهم مثل ما آتيناهم { بينت } آيات ~~ومعجزات { من الأمر } من أمر الدين، فما وقع بينهم الخلاف في الدين ~~{ إلا من بعد ما جاءهم } ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم. ~~وإنما اختلفوا لبغى حدث بينهم، أو لعداوة وحسد. ### || [45.18-19] # { على شريعة } على طريقة ومنهاج { من الأمر } من أمر الدين، ~~فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والحجج، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء ~~الجهال، ودينهم المبنى على هوى وبدعة، وهم رؤساء قريش حين قالوا ارجع إلى ~~دين أبائك. ولا توالهم، إنما يوالي الظالمين من هو ظالم مثلهم، وأما ~~المتقون فوليهم الله وهم موالوه. وما أبين الفصل بين الولايتين. ### || [45.20] # { هذا } القرآن { بصائر للناس } جعل ما فيه من معالم الدين ~~والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب. كما جعل روحا وحياة وهو هدى من ~~الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن. وقرىء «هذه بصائر» أي هذه ~~الآيات. ### || [45.21] # { أم } منقطعة. ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. والاجتراح الاكتساب. ~~ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم { أن نجعلهم } أي ~~نصيرهم. ms1899 وهو من جعل المتعدي إلى مفعولين فأولهما الضمير، والثاني الكاف، ~~والجملة التي هي { سوآء محيهم وممتهم } بدل من الكاف ~~لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا، فكانت في حكم المفرد. ألا تراك لو قلت ~~أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديدا، كما تقول ظننت زيدا أبوه ~~منطلق. ومن قرأ «سواء» بالنصب أجرى سواء مجرى مستويا، وارتفع محياهم ~~ومماتهم على الفاعلية، وكان مفردا غير جملة. ومن قرأ «ومماتهم» بالنصب، ~~جعل محياهم ومماتهم ظرفين، كمقدم الحاج وخفوق النجم. أي سواء سواء في ~~محياهم وفي مماتهم. والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محيا، وأن ~~يستووا مماتا لافتراق أحوالهم أحياء. حيث عاش هؤلاء على القيام ~~بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي. ومماتا، حيث مات هؤلاء على البشرى ~~بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه، وأولئك على اليأس من رحمة الله ~~والوصول إلى هول ما أعد لهم. وقيل معناه إنكار أن يستووا في الممات كما ~~استووا في الحياة، لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة، ~~وإنما يفترقون في الممات، وقيل سواء محياهم ومماتهم كلام مستأنف على معنى ~~أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم كل يموت على ~~حسب ما عاش عليه. وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة ~~عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويردد إلى الصباح ساء ما يحكمون. ~~وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول يا فضيل، ليت شعري من أي ~~الفرقين أنت. ### || [45.22] # { ولتجزى } معطوف على بالحق، لأن فيه معنى التعليل. أو على معلل ~~محذوف تقديره خلق الله السموات والأرض، ليدل به على قدرته ولتجزى كل ~~نفس. ### || [45.23] # أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل ~~إلهه. وقرىء «آلهة هواه»، لأنه كان يستحسن الحجر فيعبده، فإذا رأى ما هو ~~أحسن رفضه إليه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحدا منها { ~~وأضله الله على علم } وتركه عن الهداية واللطف وخذله على ~~علم، عالما بأن ذلك لا يجدى عليه، وأنه ممن ms1900 لا لطف له. أو مع علمه ~~بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف المحصلة والمقربة { فمن ~~يهديه من بعد } إضلال { الله } وقرىء «غشاوة» بالحركات ~~الثلاث. وغشوة، بالكسر والفتح. وقرىء «تتذكرون». ### || [45.24] # { نموت ونحيا } نموت نحن ويحيا أولادنا. أو يموت بعض ويحيا بعض. ~~أو نكون مواتا نطفا في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك. أو يصيبنا الأمران ~~الموت والحياة، يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك ~~حياة. وقرىء «نحيا» بضم النون. وقرىء «إلا دهر يمر» ما يقولون ذلك عن ~~علم، ولكن عن ظن وتخمين كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو ~~المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله، ~~وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة ~~بشكوى الزمان. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام 1022 # " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر " # أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر. ### || [45.25-26] # وقرىء «حجتهم» بالنصب والرفع، على تقديم خبر كان وتأخيره. فإن قلت لم ~~سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته ~~وساقوه مساقها، فسميت حجة على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم ~~حجة. أو لأنه في أسلوب قوله # تحية بينهم ضرب وجيع # كأنه قيل ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفي أن تكون لهم حجة ~~البتة. فإن قلت كيف وقع قوله { قل الله يحييكم } جوابا لقولهم ~~{ ائتوا بئابآئنآ إن كنتم صدقين }؟ قلت لما أنكروا ~~البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت. ألزموا ما هم مقرون ~~به من أن الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك ~~إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعي الحق، وهو جمعهم ~~إلى يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإيتان ~~بآبائهم، وكان أهون شيء عليهم. ### || [45.27-31] # عامل النصب في { ويوم تقوم } يخسر، و { يومئذ } بدل من يوم ~~تقول { جاثية } باركة مستوفزة على الركب. وقرىء «جاذية» والجذو أشد ~~استيفازا من الجثو لأن ms1901 الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما جاثية مجتمعة. وعن قتادة جماعات من الجثوة، وهي ~~الجماعة، وجمعها جثى. وفي الحديث 1023 # " من جثى جهنم " # وقرىء { كل أمة } على الابتداء، وكل أمة على الإبدال من كل أمة ~~{ إلى كتبها } إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس، كقوله ~~تعالى # ووضع الكتب فترى المجرمين مشفقين مما فيه # الكهف 49. { اليوم تجزون } محمول على القول. فإن قلت كيف أضيف ~~الكتاب إليهم وإلى الله عز وجل؟ قلت الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم ~~ولابسه، أما ملابسته إياهم، فلأن أعمالهم مثبتة فيه. وأما ملابسته إياه ~~فلأنه مالكه، والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده { ينطق ~~عليكم } يشهد عليكم بما عملتم { بالحق } من غير زيادة ولا نقصان ~~{ إنا كنا نستنسخ } الملائكة { ما كنتم تعملون } أي ~~نستكتبهم أعمالكم { فى رحمته } في جنته. وجواب أما محذوف تقديره ~~وأما الذين كفروا فيقال لهم { أفلم تكن ءايتي تتلى ~~عليكم } والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم، فحذف ~~المعطوف عليه. ### || [45.32-33] # وقرىء «والساعة» بالنصب عطفا على الوعد، وبالرفع عطفا على محل إن ~~واسمها { ما الساعة } أي شيء الساعة؟ فإن قلت ما معنى إن نظن إلا ~~ظنا؟ قلت أصله نظن ظنا. ومعناه إثبات الظن فحسب، فأدخل حرفا النفي ~~والاستثناء، ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه وزيد نفي ما سوى الظن ~~توكيدا بقوله { وما نحن بمستيقنين... سيئات ما ~~عملوا } أي قبائح أعمالهم. أو عقوبات أعمالهم السيئات، كقوله تعالى # وجزاء سيئة سيئة مثلها # الشورى 45. ### || [45.34-35] # { ننساكم } نترككم في العذاب كما تركتم عدة { لقآء يومكم ~~هذا } وهي الطاعة، أو نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، ~~كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم ولم تخطروه ببال، كالشيء الذي يطرح نسيا ~~منسيا. فإن قلت فما معنى إضافة اللقاء إلى اليوم؟ قلت كمعنى إضافة المكر ~~في قوله تعالى # بل مكر اليل والنهار # سبأ 33 أي نسيتم لقاء اليوم في يومكم هذا ولقاء جزائه. وقرىء «لا ~~يخرجون» بفتح الياء { ولا هم يستعتبون } ولا يطلب ms1902 منهم أن ~~يعتبوا ربهم أي يرضوه. ### || [45.36-37] # { فلله الحمد } فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من ~~السموات والأرض والعالمين، فإن مثل هذه الربوبية العامة يوجب الحمد ~~والثناء على كل مربوب. وكبروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته { فى ~~السموت والأرض } وحق مثله أن يكبر ويعظم. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1024 # " من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب ". ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-3] # { إلا بالحق } إلا خلقا ملتبسا بالحكمة والغرض الصحيح و ~~بتقدير { أجل مسمى } ينتهى إليه وهو يوم القيامة { والذين ~~كفروا عما أنذروا } من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل خلق من ~~انتهائه إليه { معرضون } لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له. ~~ويجوز أن تكون ما مصدرية، أي عن إنذارهم ذلك اليوم. ### || [46.4] # { بكتب من قبل هذآ } أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن، ~~يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك. وما من كتاب أنزل من ~~قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله ~~شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله { أو أثرة من ~~علم } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين، من قولهم سمنت ~~الناقة على أثارة من شحم، أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب. وقرىء ~~«أثرة» أي من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم. وقرىء ~~«أثرة» بالحركات الثلاث في الهمزة مع سكون الثاء، فالإثرة بالكسر بمعنى ~~الأثرة. وأما الأثرة فالمرة من مصدر أثر الحديث إذا رواه. وأما الأثرة ~~بالضم فاسم ما يؤثر، كالخطبة اسم ما يخطب به. ### || [46.5] # { ومن أضل } معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم ~~أبلغ ضلالا من عبدة الأصنام، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر عل ~~تحصيل كل بغية ومرام، ويدعون من دونه جمادا لا يستجيب لهم ولا قدرة به ~~على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت ~~القيامة وحشر الناس ms1903 كانوا لهم أعداء، وكانوا عليهم ضدا، فليسوا في ~~الدارين إلا على نكد ومضرة، لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة وفي الآخرة ~~تعاديهم وتجحد عبادتهم. وإنما قيل { من } وهم لأنه أسند إليهم ما يسند ~~إلى أولى العلم من الاستجابة والغفلة، ولأنهم كانوا يصفونهم بالتمييز ~~جهلا وغباوة. ويجوز أن يريد كل معبود من دون الله من الجن والإنس ~~والأوثان، فغلب غير الأوثان عليها. قرى «ما لا يستجيب» وقرىء «يدعو غير ~~الله من لا يستجيب» ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة طريقه طريق التهكم بها ~~وبعبدتها. ونحوه قوله تعالى # إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم # فاطر 14. ### || [46.6-7] # { بينت } جمع بينة وهي الحجة والشاهد. أو واضحات مبينات. واللام ~~في { للحق } مثلها في قوله # وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا # الأحقاف 11 أي لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا. والمراد بالحق الآيات، ~~وبالذين كفروا المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع الضميرين للتسجيل عليهم ~~بالكفر، وللمتلو بالحق { لما جآءهم } أي بادهوه بالجحود ساعة ~~أتاهم، وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر. ومن عنادهم ~~وظلمهم أنهم سموه سحرا مبينا ظاهرا أمره في البطلان لا شبهة فيه. ### || [46.8] # { أم يقولون افتره } إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ~~ذكر قولهم إن محمدا افتراه. ومعنى الهمزة في أم الإنكار والتعجيب، كأنه ~~قيل دع هذا واسمع قولهم المستنكر المفضى منه العجب، وذلك أن محمدا كان ~~لا يقدر عليه حتى يقوله ويفتريه على الله، ولو قدر عليه دون أمة العرب ~~لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من ~~الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا. والضمير للحق ~~والمراد به الآيات { قل إن افتريته } على سبيل الفرض عاجلني ~~الله تعالى لا محالة بعقوبة الافتراء عليه. فلا تقدرون على كفه عن ~~معاجلتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه عني، فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه. ~~يقال فلان لا يملك إذا غضب، ولا يملك عنانه إذا صمم، ومثله # فمن يملك من الله ms1904 شيئا إن أراد أن يهلك ~~المسيح ابن مريم # المائدة 17، # ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا # المائدة 41 ومنه قوله عليه الصلاة السلام 1025 # " لا أملك لكم من الله شيئا " # ، ثم قال { هو أعلم بما تفيضون فيه } أي تندفعون فيه من ~~القدح في وحي الله تعالى، والطعن في آياته، وتسميته سحرا تارة وفرية ~~أخرى { كفى به شهيدا بينى وبينكم } يشهد لي بالصدق ~~والبلاغ، ويشهد عليكم بالكذب والجحود. ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد ~~بجزاء إفاضتهم { وهو الغفور الرحيم } موعدة بالغفران والرحمة ~~إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ~~ارتكبوا. فإن قلت فما معنى إسناد الفعل إليهم في قوله تعالى { فلا تملكون ~~لي }؟ قلت كان فيما أتاهم به النصيحة لهم والأشفاق عليهم من سوء العاقبة ~~وإرادة الخير بهم، فكأنه قال لهم إن افتريته وأنا أريد بذلك التنصح لكم ~~وصدكم عن عبادة الآلهة إلى عبادة الله، فما تغنون عني أيها المنصوحون إن ~~أخذني الله بعقوبة الافتراء عليه. ### || [46.9] # البدع، بمعنى البديع، كالخف بمعنى الخفيف. وقرىء «بدعا» بفتح الدال، أي ~~ذا بدع ويجوز أن يكون صفة على فعل، كقولهم دين قيم، ولحم زيم كانوا ~~يقترحون عليه الآيات ويسألونه عما لم يوح به إليه من الغيوب. فقيل له { ~~قل ما كنت بدعا من الرسل } فآتيكم بكل ما تقترحونه، ~~وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات فإن الرسل لم يكونوا يأتون إلا ~~بما آتاهم من آياته، ولا يخبرون إلا بما أوحى إليهم. ولقد أجاب موسى ~~صلوات الله وسلام عليه عن قول فرعون فما بال القرون الأولى؟ بقوله # علمها عند ربي # طه 52 { ومآ أدرى } لأنه لا علم لي بالغيب ما يفعل الله بي ~~وبكم فيما يستقبل من الزمان من أفعاله، ويقدر لي ولكم من قضاياه { إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلى } وعن الحسن وما أدري ما يصير ~~إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب. وعن الكلبي قال له ~~أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين حتى ms1905 متى نكون على هذا؟ فقال ما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم أأترك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ~~ورأيتها يعني في منامه ذات نخيل وشجر؟ وعن ابن عباس ما يفعل بي ~~ولا بكم في الآخرة، وقال هي منسوخة بقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # الفتح 2 ويجوز أن يكون نفيا للدراية المفصلة. وقرىء «ما يفعل» بفتح ~~الياء، أي يفعل الله عز وجل. فإن قلت إن يفعل مثبت غير منفي، فكان وجه ~~الكلام ما يفعل بي وبكم. قلت أجل، ولكن النفي في { ومآ أدرى } لما ~~كان مشتملا عليه لتناوله { ما } وما في حيزه صح ذلك وحسن. ألا ترى إلى ~~قوله # أولم يروا أن الله الذى خلق السموت ~~والارض ولم يعى بخلقهن بقادر # الأحقاف 33 كيف دخلت الباء في حيز أن وذلك لتناول النفي إياها مع ما في ~~حيزها. وما في ما يفعل يجوز أن تكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية ~~مرفوعة. وقرىء «يوحي» أي الله عز وجل. ### || [46.10] # جواب الشرط محذوف تقديره إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ~~ظالمين. ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى { إن الله لا يهدى ~~القوم الظلمين } والشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، ~~لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ~~ليس بوجه كذاب. وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر وقال له 1026 إني ~~سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام ~~يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال عليه ~~الصلاة والسلام # " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأما أول ~~طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ~~نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته " # فقال أشهد أنك رسول الله حقا، ثم قال يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت ~~وإن علموا باسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني ms1906 عندك. فجاءت اليهود فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا خيرنا وابن ~~خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال أرأيتم إن أسلم عبد ~~الله؟ قالوا أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا شرنا وابن شرنا ~~انتقصوه. قال هذا ما كنت أخاف عليه يا رسول الله وأحذر. قال سعد بن أبي ~~وقاص 1027 ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه ~~الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل { وشهد ~~شاهد من بنى إسرءيل على مثله } الضمير للقرآن، أي على ~~مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعانى القرآن من ~~التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك. ويدل عليه قوله تعالى # وإنه لفى زبر الاولين # الشعراء 196، # إن هذا لفى الصحف الاولى # الأعلى 18، # كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك # الشورى 3 ويجوز أن يكون المعنى إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد ~~على نحو ذلك، يعني كونه من عند الله. فإن قلت أخبرني عن نظم هذا الكلام ~~لأقف على معناه من جهة النظم. قلت الواو الأولى عاطفة لكفرتم على فعل ~~الشرط، كما عطفته ثم في قوله تعالى # قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به # فصلت 52 وكذلك الواو الآخرة عاطفة لاستكبرتم على شهد شاهد، وأما الواو ~~في وشهد شاهد فقد عطفت جملة قوله. { شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~فآمن واستكبرتم } على جملة قوله كان من عند الله وكفرتم به ونظيره قولك ~~إن أحسنت إليك وأسأت، وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم نتفق في أنك أخذت ~~ضميمتين فعطفتهما على مثليهما، والمعنى قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن ~~من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله ~~وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ ~~وقد جعل ms1907 الإيمان في قوله { فئامن } مسببا عن الشهادة على مثله لأنه ~~لما علم أن مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي وليس ~~من كلام البشر، وأنصف من نفسه فشهد عليه واعترف كان الإيمان نتيجة ذلك. ### || [46.11-14] # { للذين ءامنوا } لأجلهم وهو كلام كفار مكة، قالوا عامة من ~~يتبع محمدا السقاط، يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود، فلو كان ~~ما جاء به خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء. وقيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم ~~وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء ~~البهم. وقيل إن أمة لعمر أسلمت، فكان عمر يضربها حتى يفتر ثم يقول لولا ~~أني فترت لزدتك ضربا، وكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو إليه محمد ~~حقا ما سبقتنا إليه فلانة. وقيل كان اليهود يقولونه عند إسلام عبد الله ~~بن سلام وأصحابه. فإن قلت لا بد من عامل في الظرف في قوله { وإذ لم ~~يهتدوا به } ومن متعلق لقوله { فسيقولون } وغير مستقيم أن ~~يكون { فسيقولون } هو العامل في الظرف، لتدافع دلالتي المضي ~~والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟ قلت العامل في إذ محذوف، لدلالة الكلام ~~عليه، كما حذف في قوله # فلما ذهبوا به # يوسف 15 وقولهم حينئذ الآن، وتقديره وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم، ~~فسيقولون هذا إفك قديم، فهذا المضمر صح به الكلام، حيث انتصب به الظرف ~~وكان قوله { فسيقولون } مسببا عنه كما صح بإضمار أن قوله # حتى يقول الرسول # البقرة 214 لمصادفة حتى مجرورها، والمضارع ناصبه. وقولهم { إفك ~~قديم } كقولهم أساطير الأولين { كتب موسى } مبتدأ ومن قبله ~~ظرف واقع خبرا مقدما عليه، وهو ناصب { إماما } على الحال، كقولك في ~~الدار زيد قائما. وقرىء ومن قبله كتاب موسى، على وآتينا الذين قبله ~~التوراة. ومعنى { إماما } قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم ~~بالإمام { ورحمة } لمن آمن به وعمل بما فيه { وهذا } القرآن { ~~كتب مصدق } لكتاب موسى. أو لما بين يديه وتقدمه من جميع ~~الكتب. وقرىء «مصدق لما ms1908 بين يديه» { لسانا عربيا } حال من ضمير ~~الكتاب في مصدق، والعامل فيه مصدق ويجوز أن ينتصب حالا عن كتاب لتخصصه ~~بالصفة، ويعمل فيه معنى الإشارة. وجوز أن يكون مفعولا لمصدق، أي يصدق ~~ذا لسان عربي وهو الرسول. وقرىء «لينذر» بالياء والتاء، ولينذر من نذر ~~ينذر إذا حذر { وبشرى } في محل النصب معطوف على محل لينذر، لأنه ~~مفعول له. ### || [46.15-16] # قرىء «حسنا» بضم الحاء وسكون السين. وبضمهما، وبفتحهما. وإحسانا، ~~وكرها، بالفتح والضم، وهما لغتان في معنى المشقة، كالفقر والفقر. ~~وانتصابه على الحال أي ذات كره. أو على أنه صفة للمصدر، أي حملا ذا ~~كره { وحمله وفصله } ومدة حمله وفصاله { ثلثون ~~شهرا } وهذا دليل على أن أقل الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت ~~حولين لقوله عز وجل # حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة # البقرة 233 بقيت للحمل ستة أشهر. وقرىء «وفصله» والفصل والفصال كالفطم ~~والفطام. بناء ومعنى. فإن قلت المراد بيان مدة الرضاع لا الفطام، فكيف ~~عبر عنه بالفصال؟ قلت لما كان الرضاع يليه الفصال ويلابسه لأنه ينتهي به ~~ويتم سمى فصالا، كما سمي المدة بالأمد من قال # كل حي مستكمل مدة العم ر ومود إذا ~~انتهى أمده # وفيه فائدة وهي الدلالة على الرضاع التام المنتهى بالفصال ووقته. وقرىء ~~«حتى إذا استوى وبلغ أشده» وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي ~~تستحكم فيها قوته وعقله وتمييزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح ~~الأربعين. وعن قتادة ثلاث وثلاثون سنة، ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد، ~~وغايته الأربعين. وقيل لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة. والمراد ~~بالنعمة التي استوزع الشكر عليها نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري ~~النعمة عليه وعلى والديه لأن النعمة عليهما نعمة عليه. وقيل في العمل ~~المرضي هو الصلوات الخمس. فإن قلت ما معنى في في قوله { وأصلح لى ~~فى ذريتىا }؟ قلت معناه أن يجعل ذريته موقعا للصلاح ومظنة له ~~كأنه قال هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم ونحوه # يجرح في عراقيبها نصلي # { من المسلمين ms1909 } من المخلصين. وقرىء «يتقبل» ويتجاوز، بفتح ~~الياء، والضمير فيهما لله عز وجل. وقرئا بالنون. فإن قلت ما معنى قوله { ~~فى أصحب الجنة }؟ قلت هو نحو قولك أكرمني الأمير في ناس من ~~أصحابه، تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم، ونظمني في عدادهم، ومحله ~~النصب على الحال، على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم { وعد ~~الصدق } مصدر مؤكد لأن قوله يتقبل، ويتجاوز وعد من الله لهم بالتقبل ~~والتجاوز. وقيل نزلت في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمه ~~أم الخير وفي أولاده، واستجابة دعائه فيهم. وقيل لم يكن أحد من الصحابة ~~من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو وولداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي ~~الله عنه. ### || [46.17-18] # { والذى قال لولديه } مبتدأ خبره أولئك الذين حق عليهم ~~القول. والمراد بالذي قال الجنس القائل ذلك القول، ولذلك وقع الخبر ~~مجموعا. وعن الحسن هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وعن قتادة ~~هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وقيل نزلت في عبد الرحمن بن أبي ~~بكر قبل إسلامه وقد دعاه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان إلى الإسلام، فأفف ~~بهما وقال ابعثوا لي جدعان بن عمرو وعثمان بن عمرو، وهما من أجداده حتى ~~أسألهما عما يقول محمد، ويشهد لبطلانه أن المراد بالذي قال جنس القائلين ~~ذلك، وأن قوله الذين حق عليهم القول هم أصحاب النار، وعبد الرحمن كان ~~من أفاضل المسلمين وسرواتهم. وعن عائشة رضي الله عنها إنكار نزولها فيه، ~~وحين كتب معاوية إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن 1028 ~~لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان يا أيها الناس، هو ~~الذي قال الله فيه { والذى قال لولديه أف لكمآ } ~~فسمعت عائشة فغضبت وقالت والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته ولكن ~~الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فضض من لعنة الله. وقرىء «أف» بالكسر ~~والفتح بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به ~~الإنسان علم أنه متضجر، ms1910 كما إذا قال حس، علم منه أنه متوجع، واللام ~~للبيان، معناه هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما. وقرىء ~~«أتعدانني» بنونين. وأتعداني بأحدهما. وأتعداني بالإدغام. وقد قرأ بعضهم ~~أتعدانني بفتح النون، كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرتين والياء، ففتح ~~الأولى تحريا للتخفيف، كما تحراه من أدغم ومن أطرح أحدهما { أن ~~أخرج } أن أبعث وأخرج من الأرض. وقرىء «أخرج» { وقد خلت ~~القرون من قبلى } يعني ولم يبعث منهم أحد { يستغيثان ~~الله } يقولان الغياث بالله منك ومن قولك، وهو استعظام لقوله { ~~ويلك } دعاء عليه بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا ~~حقيقة الهلاك { فى أمم } نحو قوله # فى أصحب الجنة # الأحقاف 16 وقرىء «أن» بالفتح، على معنى آمن بأن وعد الله حق. ### || [46.19] # { ولكل } من الجنسين المذكورين { درجت مما عملوا } أي ~~منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أومن أجل ما عملوا منهما. ~~فإن قلت كيف قيل درجات، وقد جاء الجنة درجات والنار دركات؟ قلت يجوز أن ~~يقال ذلك على وجه التغليب، لاشتمال كل على الفريقين { وليوفيهم } ~~وقرىء بالنون تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قيل وليوفيهم ~~أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب ~~درجات والعقاب دركات. ### || [46.20] # ناصب الظرف هو القول المضمر قبل { أذهبتم } وعرضهم على النار ~~تعذيبهم بها، من قولهم عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به ومنه قوله ~~تعالى # النار يعرضون عليها # غافر 46 ويجوز أن يراد عرض النار عليهم من قولهم عرضت الناقة على الحوض، ~~يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا. ويدل عليه تفسير ابن عباس رضي الله عنه ~~يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها { أذهبتم طيبتكم } أي ما ~~كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم، وقد ذهبتم به ~~وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر رضي الله عنه ~~لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكراكر وأسمنة، ولكني رأيت الله تعالى نعى على ~~قوم طيباتهم فقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا. وعنه لو شئت ms1911 لكنت ~~أطيبكم طعاما وأحسنكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1029 أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما ~~يجدون لها رقاعا، فقال # " أأنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه ~~بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة. قالوا نحن يومئذ ~~خير. قال بل أنتم اليوم خير " # وقرىء «أأذهبتم» بهمزة الاستفهام. و«آأذهبتم» بألف بين همزتين «الهون» ~~و«الهوان» وقرىء «عذاب الهوان»، وقرىء «يفسقون» بضم السين وكسرها. ### || [46.21] # الأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، من احقوقف الشيء إذا ~~اعوج، وكانت عاد أصحاب عمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال ~~لها الشجر من بلاد اليمن. وقيل بين عمان ومهرة. و { النذر } جمع نذير ~~بمعنى المنذر أو الإنذار { من بين يديه } من قبله { ومن ~~خلفه } ومن بعده. وقرىء «من بين يديه ومن بعده» والمعنى أن هودا ~~عليه السلام قد أنذرهم فقال لهم لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم ~~العذاب وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم ~~منذرون نحو إنذاره وعن ابن عباس رضي الله عنه يعني الرسل الذين بعثوا ~~قبله والذين بعثوا في زمانه. ومعنى { ومن خلفه } على هذا التفسير ~~ومن بعد إنذاره، هذا إذا علقت، وقد خلت النذر بقوله أنذر قومه، ولك أن ~~تجعل قوله تعالى { وقد خلت النذر من بين يديه ومن ~~خلفه } اعتراضا بين أنذر قومه وبين { ألا تعبدوا } ويكون ~~المعنى واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من ~~تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك، فاذكرهم. ### || [46.22] # الإفك الصرف. يقال أفكه عن رأيه { عن ءالهتنا } عن عبادتها { ~~بما تعدنآ } من معاجلة العذاب على الشرك { إن كنت } صادقا في ~~وعدك. ### || [46.23] # فإن قلت من أين طابق قوله تعالى { إنما العلم عند الله } ~~جوابا لقولهم { فأتنا بما تعدنا }؟ قلت من حيث إن قولهم هذا ~~استعجال منهم بالعذاب. ألا ترى إلى قوله تعالى { بل هو ms1912 ما ~~استعجلتم به } فقال لهم لا علم عندي بالوقت الذي يكون فيه ~~تعذيبكم حكمة وصوابا، إنما علم ذلك عند الله، فكيف ادعوه بأن يأتيكم ~~بعذابه في وقت عاجل تقترحونه أنتم؟ ومعنى «وأبلغكم» { ما أرسلت ~~به } وقرىء بالتخفيف أن الذي هو شأني وشرطي أن أبلغكم ما أرسلت به من ~~الإنذار والتخويف والصرف عما يعرضكم لسخط الله بجهدي، ولكنكم جاهلون لا ~~تعلمون أن الرسل لم يبعثوا إلا منذرين لا مقترحين، ولا سائلين غير ما ~~أذن لهم فيه. ### || [46.24-25] # { فلما رأوه } في الضمير وجهان أن يرجع إلى ما تعدنا، وأن يكون ~~مبهما قد وضح أمره بقوله { عارضا } إما تمييزا وإما حالا. وهذا ~~الوجه أعرب وأفصح. والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء. ومثله الحبى ~~والعنان، من حبا وعن إذا عرض. وإضافة مستقبل وممطر مجازية غير معروفة ~~بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفا للنكرة { بل هو } القول ~~قبله مضمر، والقائل هود عليه السلام، والدليل عليه قراءة من قرأ «قال ~~هود، بل هو» وقرىء «قل بل ما استعجلتم به هي ريح»، أي قال الله تعالى قل ~~{ تدمر كل شىء } تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبر ~~عن الكثرة بالكلية. وقرىء يدمر كل شيء من دمر دمارا إذا هلك { لا ~~ترى } الخطاب للرائي من كان. وقرىء «لا يرى»، على البناء للمفعول ~~بالياء والتاء، وتأويل القراءة بالتاء وهي عن الحسن رضي الله عنه لا ترى ~~بقايا ولا أشياء منهم إلا مساكنم. ومنه بيت ذي الرمة # وما بقيت إلا الضلوع الجراشع # وليست بالقوية. وقرىء «لا ترى إلا مسكنهم»، و«لا يرى إلا مسكنهم». وروى ~~أن الريح كانت كانت تحمل الفسطاط والظعينة فترفعها في الجو حتى ترى ~~كأنها جرادة. وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحا فيها ~~كشهب النار. وروي أول ما عرفوا به أنه عذاب أنهم رأوا ما كان في الصحراء ~~من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم ~~وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف ~~فكانوا تحتها ms1913 سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنه، ~~فاحتملتهم فطرحتهم في البحر. وروى أن هودا لما أحس بالريح خط على نفسه ~~وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين تنبع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما اعتزل ~~هود ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه ~~الأنفس. وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء وتدمغهم بالحجارة وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال 1030 # " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما ~~أرسلت به وإذا رأى مخيلة قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فيقال له يا ~~رسول الله ما تخاف؟ فيقول إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا هذا ~~عارض ممطرنا " # فإن قلت ما فائدة إضافة الرب إلى الريح؟ قلت الدلالة على أن الريح ~~وتصريف أعنتها مما يشهد لعظم قدرته، لأنها من أعاجيب خلقه وأكابر جنوده. ~~وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وجل يعضد ذلك ويقويه. ### || [46.26] # { إن } نافية، أي فيما ما مكناكم فيه، إلا أن { إن } أحسن في اللفظ ~~لما فيه مجامعة ما مثلها من التكرير المستبشع. ومثله مجتنب، ألا ترى أن ~~الأصل في «مهما» ماما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء. ولقد أغث أبو ~~الطيب في قوله # لعمرك ماما بان منك لضارب # وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال لعمرك ما إن بان منك لضارب ~~وقد جعلت إن صلة، مثلها فيما أنشده الأخفش # يرجى المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه ~~الخطوب # وتؤول بإنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه، والوجه هو الأول، ولقد جاء ~~عليه غير آية في القرآن # هم أحسن أثاثا ورءيا # ، مريم 74 # كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا # غافر 82 وهو أبلغ في التوبيخ، وأدخل في الحث على الاعتبار { من شىء ~~} أي من شيء من الإغناء، وهو القليل منه. فإن قلت بم انتصب { إذ ~~كانوا يجحدون }؟ قلت بقوله تعالى { فما أغنى }. فإن ms1914 قلت لم ~~جرى مجرى التعليل؟ قلت لاستواء مؤدى التعليل والظرف في قولك ضريته ~~لإساءته وضربته إذا أساء لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه ~~لوجود إساءته فيه إلا أن «إذ»، وحيث، غلبتا دون سائر الظروف في ذلك». ### || [46.27] # { ما حولكم } يا أهل مكة { من القرى } من نحو حجر ثمود ~~وقرية سدوم وغيرهما. والمراد أهل القرى. ولذلك قال { لعلهم ~~يرجعون }. ### || [46.28] # القربان ما تقرب به إلى الله تعالى، أي اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى ~~الله، حيث قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأحد مفعولي اتخذ الراجع إلى ~~الذين المحذوف، والثاني آلهة. وقربانا حال ولا يصح أن يكون قربانا ~~مفعولا ثانيا وآلهة بدلا منه لفساد المعنى. وقرىء «قربانا» بضم الراء. ~~والمعنى فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم { بل ضلوا عنهم } أي ~~غابوا عن نصرتهم { وذلك } إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم ~~عنهم، أي وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم ~~وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء. وقرىء «إفكهم»، والأفك ~~والإفك كالحذر والحذر. وقرىء «وذلك إفكهم» أي وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره ~~وثمرته صرفهم عن الحق. وقرىء «أفكهم» على التشديد للمبالغة. وآفكهم جعلهم ~~آفكين. وآفكهم، أي قولهم الآفك ذو الإفك، كما تقول قول كاذب، وذلك إفك ~~مما كانوا يفترون، أي بعض ما كانوا يفترون من الإفك. ### || [46.33] # { بقدر } محله الرفع لأنه خبر أن، يدل عليه قراءة عبد الله «قادر» ~~وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وما في حيزها. وقال ~~الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيدا يقائم جاز، كأنه قيل أليس الله بقادر. ~~ألا ترى إلى وقوع بلى مقرره للقدرة على كل شيء من البعث وغيره، لا ~~لرؤيتهم. وقرىء «يقدر»، ويقال عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه. ومنه # أفعيينا بالخلق الاول # ق 15. ### || [46.34] # { أليس هذا بالحق } محكى بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو ~~ناصب الظرف. وهذا إشارة إلى العذاب، بدليل قوله تعالى { فذوقوا ~~العذاب } والمعنى التهكم بهم، والتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ms1915 ~~ووعيده، وقولهم # وما نحن بمعذبين # الشعراء 138. ### || [46.35] # { أولوا العزم } أولوا الجد والثبات والصبر. و { من } يجوز أن ~~تكون للتبعيض، ويراد بأولى العزم بعض الأنبياء. قيل هم نوح، صبر على أذى ~~قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحق ~~على ا لذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، ~~وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي ~~سيهدين، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة ~~وقال إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. وقال الله تعالى في آدم # ولم نجد له عزما # طه 115 وفي يونس # ولا تكن كصحب الحوت # القلم 48 ويجوز أن تكون للبيان، فيكون أولو العز صفة الرسل كلهم { ولا ~~تستعجل } لكفار قريش بالعذاب، أي لا تدع لهم بتعجيله فإنه نازل بهم ~~لا محالة، وإن تأخر، وأنهم مستقصرون حينئذ مدة لبثهم في الدنيا حتى ~~يحسبوها { ساعة من نهار بلاغ } أي هذا الذي وعظتم به كفاية ~~في الموعظة. أو هذا تبليغ من الرسول عليه السلام { فهل يهلك } إلا ~~الخارجون عن الاتعاظ به، والعمل بموجبه. ويدل على معنى التبليغ قراءة من ~~قرأ بلغ فهل يهلك وقرىء «بلاغا»، أي بلغوا بلاغا وقرىء «يهلك» بفتح ~~الياء وكسر اللام وفتحها، من هلك وهلك. ونهلك بالنون { إلا القوم ~~الفسقون }. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1035 # " من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا ". ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-2] # { وصدوا } وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام أو صدوا غيرهم ~~عنه. قال ابن عباس رضي الله عنه هم المطعمون يوم بدر. وعن مقاتل كانوا ~~اثني عشر رجلا من أهل الشرك يصدون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر. ~~وقيل هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل ~~في الإسلام. وقيل هو عام في كل من كفر وصد { أضل أعملهم } ~~أبطلها وأحبطها. وحقيقته جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب ~~عليها، ms1916 كالضالة من الإبل التي هي بمضيعة لا رب لها يحفظها ويعتني ~~بأمرها. أو جعلها ضالة في كفرهم معاصيهم ومغلوبة بها، كما يضل الماء في ~~اللبن. وأعمالهم ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم من صلة ~~الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار. وقيل أبطل ما عملوه من ~~الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله بأن نصره عليهم ~~وأظهر دينه على الدين كله. { والذين ءامنوا } قال مقاتل هم ناس ~~من قريش. وقيل من الأنصار. وقيل هم مؤمنوا أهل الكتاب. وقيل هو عام. ~~وقوله { وءامنوا بما نزل على محمد } اختصاص للإيمان ~~بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما يجب به الإيمان ~~تعظيما لشأنه وتعليما، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به. وأكد ذلك ~~بالجملة الاعتراضية التي هي قوله { وهو الحق من ربهم } وقيل ~~معناها إن دين محمد هو الحق، إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لغيره. ~~وقرىء «نزل وأنزل»، على البناء للمفعول. ونزل على البناء للفاعل، ونزل ~~بالتخفيف { كفر عنهم سيئاتهم } ستر بإيمانهم وعملهم ~~الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم { وأصلح ~~بالهم } أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على ~~الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد. ### || [47.3] # { ذلك } مبتدأ وما بعده خبره، أي ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد ~~الفريقين وتكفير سيئات الثاني كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. ~~ويجوز أن يكون ذلك خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر كما ذكر بهذا السبب، فيكون ~~محل الجار والمجرور منصوبا على هذا، ومرفوعا على الأول و { ~~البطل } ما لا ينتفع به. وعن مجاهد الباطل الشيطان، وهذا الكلام ~~يسميه علماء البيان التفسير { كذلك } مثل ذلك الضرب { يضرب الله ~~للناس أمثلهم } والضمير راجع إلى الناس، أو إلى المذكورين من ~~الفريقين، على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. فإن قلت ~~أين ضرب الأمثال؟ قلت في أن جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع ~~الحق مثلا لعمل المؤمنين. أو في ms1917 أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار، ~~وتكفير السسيئات مثلا لفوز المؤمنين. ### || [47.4-6] # { لقيتم } من اللقاء وهو الحرب { فضرب الرقاب } أصله فاضربوا ~~الرقاب ضربا، فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافا إلى المفعول. ~~وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل ~~بالنصبة التي فيه. وضرب الرقاب عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته من ~~المقاتل، لأن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، وذلك ~~أنهم كانوا يقولون ضرب الأمير رقبة فلان، وضرب عنقه وعلاوته، وضرب ما فيه ~~عيناه إذا قتله، وذلك أن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته، فوقع ~~عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته من المقاتل كما ذكرنا في قوله # بما كسبت أيديكم # الشورى 30 على أن في هذه العبارة من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ ~~القتل، لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة وهو حز العنق وإطارة العضو ~~الذي هو رأس البدن وعلوه وأوجه أعضائه. ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله ~~تعالى # فاضربوا فوق الاعنق واضربوا منهم كل بنان # الأنفال 12. { أثخنتموهم } أكثرتم قتلهم وأغلظتموه، من الشيء ~~الثخين وهو الغليظ. أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض ~~{ فشدوا الوثاق } فأسروهم. والوثاق بالفتح والكسر اسم ما ~~يوثق به منا وفداء منصوبان بفعليهما مضمرين، أي فإما تمنون منا، وإما ~~تفدون فداء. والمعنى التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، ~~وبين أن يفادوهم. فإن قلت كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت أما عند أبي ~~حنيفة وأصحابه فأحد أمرين إما قتلهم وإما استرقاقهم، أيهما رأى الإمام، ~~ويقولون في المن والفداء المذكورين في الآية نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ. ~~وعن مجاهد ليس اليوم من ولا فداء، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق. ويجوز ~~أن يراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا. أو يمن عليهم فيخلوا ~~لقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمة. وبالفداء أن يفادى بأساراهم ~~أسارى المسلمين، فقد رواه الطحاوي مذهبا عن أبي حنيفة، والمشهور أنه لا ~~يرى فداءهم لا بمال ms1918 ولا بغيره، خيفة أن يعودوا حربا للمسلمين، وأما ~~الشافعي فيقول للإمام أن يختار أحد أربعة على حسب ما اقتضاه نظره ~~للمسلمين، وهو القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمن. ~~ويحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من على أبي عروة الحجبي، وعلى ~~ثمامة بن أثال الحنفي، وفادى رجلا برجلين من المشركين. وهذا كله منسوخ ~~عند أصحاب الرأي. وقرىء «فدى» بالقصر مع فتح الفاء. أو زار الحرب آلاتها ~~وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع. قال الأعشى. # وأعددت للحرب أوزارها رماحا طوالا وخيلا ~~ذكورا # وسميت أوزارها لأنه لما لم يكن لها بد من جرها فكأنها تحملها وتستقل ~~بها، فإذا انقضت فكأنها وضعتها. # وقيل أوزارها آثامها، يعني حتى يترك أهل الحرب. وهم المشركون شركهم ~~ومعاصيهم بأن يسلموا. فإن قلت حتى بم تعلقت؟ قلت لا تخلو إما أن تتعلق ~~بالضرب والشد أو بالمن والفداء فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي ~~رضي الله عنه أنهم لا يزالون على ذلك أبدا إلى أن لا يكون حرب مع ~~المشركين. وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل إذا نزل عيسى ابن مريم عليه ~~السلام. وعند أبي حنيفة رحمه الله إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم ~~يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة ~~للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء، فالمعنى أنه يمن عليهم ويفادون حتى ~~تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل { ~~ذلك } أي الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك { لانتصر منهم } لا نتقم منهم ~~ببعض أسباب الهلك من خسف، أو رجفة، أو حاصب، أو غرق. أو موت جارف، { ~~ولكن } أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوا ويصبروا ~~حتى يستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ~~ببعض ما وجب لهم من العذاب. وقرىء «قتلوا» بالتخفيف والتشديد وقتلوا. ~~وقاتلوا. وقرىء «فلن يضل أعمالهم»، وتضل أعمالهم على البناء للمفعول. ~~ويضل أعمالهم من ضل. وعن قتادة أنها نزلت في يوم أحد { عرفها لهم ~~} أعلمها لهم وبينها بما يعلم به ms1919 كل أحد منزلته ودرجته من الجنة. قال ~~مجاهد يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها ~~منذ خلقوا لا يستدلون عليها. وعن مقاتل إن الملك الذي وكل بحفظ عمله في ~~الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله، أو طيبها لهم، من العرف ~~وهو طيب الرائحة. وفي كلام بعضهم عزف كنوح القماري وعرف كفوح القماري. أو ~~حددها لهم فجنة كل أحد محدودة مفرزة عن غيرها، من عرف الدار وارفها. ~~والعرف والأرف، الحدود. ### || [47.7] # { إن تنصروا } دين { الله } ورسوله { ينصركم } على عدوكم ~~ويفتح لكم { ويثبت أقدامكم } في مواطن الحرب أو على محجة ~~الإسلام. ### || [47.8-9] # { والذين كفروا } يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بما يفسره { ~~فتعسا لهم } كأنه قال أتعس الذين كفروا. فإن قلت علام عطف قوله { ~~وأضل أعملهم }؟ قلت على الفعل الذي نصب تعسا لأن المعنى ~~فقال تعسا لهم، أو فقضى تعسا لهم. وتعسا له نقيض «لعاله» قال ~~الأعشى # فالتعس أولى لها من أن أقول لعا # يريد فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار { ~~كرهوا } القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ~~ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ فشق عليهم ذلك وتعاظمهم. ### || [47.11] # { مولى الذين ءامنوا } وليهم وناصرهم. وفي قراءة ابن مسعود ~~«ولي الذين آمنوا» ويروى 1036 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ~~الشعب يوم أحد وقد فشت فيهم الجراحات، وفيه نزلت، فنادى المشركون اعل هبل ~~فنادى المسلمون الله أعلى وأجل، فنادى المشركون يوم بيوم والحرب سجال، إن ~~لنا عزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، إن القتلى مختلفة أما قتلانا ففي ~~الجنة أحياء يرزقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون " # فإن قلت قوله تعالى # وردوا إلى الله مولهم الحق # يونس 30 مناقض لهذه الآية. قلت لا تناقض بينهما، لأن الله مولى عباده ~~جميعا على معنى أنه ms1920 ربهم ومالك أمرهم وأما على معنى الناصر فهو مول ~~المؤمنين خاصة. ### || [47.12] # { يتمتعون } ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل { ~~ويأكلون } غافلين غير مفكرين في العاقبة { كما تأكل ~~الانعم } في مسارحها ومعالفها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ~~{ مثوى لهم } منزل ومقام. ### || [47.13] # وقرىء «وكائن» بوزن كاعن. وأراد بالقرية أهلها، ولذلك قال { ~~أهلكنهم } كأنه قال وكم من قوم هم أشد قوة من قومك الذين ~~أخرجوك أهلكناهم. ومعنى أخرجوك كانوا سبب خروجك. فإن قلت كيف قال { فلا ~~نصر لهم }؟ وإنما هو أمر قد مضى. قلت مجراه مجرى الحال المحكية، ~~كأنه قال أهلكناهم فهم لا ينصرون. ### || [47.14] # من زين له هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله، ~~ومن كان على بينة من ربه أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز ~~وسائر المعجزات هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرىء «أمن كان على ~~بينة من ربه» وقال تعالى { سوء عمله واتبعوا } للحمل على ~~لفظ { من } ومعناه. ### || [47.15] # فإن قلت ما معنى قوله تعالى { مثل الجنة التى وعد ~~المتقون فيها أنهار } كمن هو خالد في النار؟ قلت هو كلام في ~~صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحرف ~~الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله تعالى { أفمن ~~كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله } ~~فكأنه قيل أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أي كمثل جزاء من هو خالد في ~~النار. فإن قلت فلم عرى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت تعريته ~~من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة ~~والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها ~~تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. ونظيره قول القائل # أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذودا شصائصا ~~نبلا # هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريه عن حرف الإنكار ~~لانطوائه تحت حكم قول من قال أتفرح بموت أخيك ms1921 وبوراثة إبله، والذي طرح ~~لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصور قبح ما أزن به فكأنه قال له نعم مثلى ~~يفرح بمرزأة الكرام وبأن يستبدل منهم ذودا يقل طائلة وهو من التسليم ~~الذي تحته كل إنكار، ومثل الجنة صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، ~~وخبره كمن هو خالد. وقوله فيها أنهار، داخل في حكم الصلة كالتكرير لها. ~~ألا ترى إلى صحة قولك التي فيها أنهار. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف هي ~~فيها أنهار، وكأن قائلا قال وما مثلها؟ فقيل فيها أنهار، وأن يكون في ~~موضع الحال، أي مستقرة فيها أنهار، وفي قراءة علي رضي الله عنه «أمثال ~~الجنة» أي ما صفاتها كصفات النار. وقرىء «أسن» يقال أسن الماء وأجن إذا ~~تغير طعمه وريحه. وأنشد ليزيد بن معاوية # لقد سقتني رضابا غير ذي أسن كالمسك فت على ~~ماء العناقيد # { من لبن لم يتغير طعمه } كما تتغير ألبان الدنيا، ~~فلا يعود قارصا ولا حاذرا. ولا ما يكره من الطعوم «لذة» تأنيث لذ، وهو ~~اللذيذ، أو وصف بمصدر. وقرىء بالحركات الثلاث، فالجر على صفة الخمر، ~~والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة، أي لأجل لذة الشاربين. ~~والمعنى ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع، ~~ولا آفة من آفات الخمر { مصفى } لم يخرج من بطون النحل فيخالطه ~~الشمع وغيره { مآء حميما } قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم، وانمازت ~~فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم. ### || [47.16] # هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون ~~كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالا تهاونا منهم، فإذا خرجوا قالوا ~~لأولى العلم من الصحابة، ماذا قال الساعة؟ على جهة الاستهزاء. وقيل كان ~~يخطب فإذا عاب المنافقين خرجوا فقالوا ذلك للعلماء. وقيل قالوه لعبد الله ~~بن مسعود. وعن ابن عباس أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل { ءانفا } وقرىء ~~«أنفا» على فعل، نصب على الظرف قال الزجاج هو من استأنفت الشيء إذا ~~ابتدأته. والمعنى ماذا قال في أول وقت يقرب منا. ms1922 ### || [47.17] # { زادهم } الله { هدى } بالتوفيق { وءات هم تقوهم } ~~أعانهم عليها. أو أتاهم جزاء تقواهم. وعن السدي بين لهم ما يتقون. وقرىء ~~«وأعطاهم» وقيل الضمير في زادهم، لقول الرسول أو لاستهزاء المنافقين. ### || [47.18] # { أن تأتيهم } بدل اشتمال من الساعة، نحو { أن تطؤهم } من قوله # رجال مؤمنون ونساء مؤمنت # الفتح 25، وقرىء «أن تأتهم» بالوقف على الساعة واستئناف الشرط، وهي في ~~مصاحف أهل مكة كذلك فإن قلت فما جزاء الشرط؟ قلت قوله فأنى لهم. ومعناه ~~إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، أي تذكرهم واتعاظهم إذا جاءتهم الساعة، ~~يعني لا تنفعهم الذكرى حينئذ، كقوله تعالى # يومئذ يتذكر الإنسن وأنى له الذكرى # الفجر 23. فإن قلت بم يتصل قوله { فقد جاء أشراطها } على ~~القراءتين؟ قلت بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول، كقولك إن أكرمني زيد ~~فأنا حقيق بالإكرام أكرمه. والأشراط العلامات. قال أبو الأسود # فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا فقد جعلت ~~أشراط أوله تبدو # وقيل مبعث محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعليهم منها، وانشقاق ~~القمر، والدخان. وعن الكلبي كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع ~~الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام. وقرىء «بغتة» بوزن جربة، وهي ~~غريبة لم ترد في المصادر أختها، وهي مروية عن أبي عمرو، وما أخوفني أن ~~تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب بغتة، بفتح العين من ~~غير تشديد، كقراءة الحسن فيما تقدم. ### || [47.19] # لما ذكر حال المؤمنين وحال الكافرين قال إذا علمت أن الأمر كما ذكر من ~~سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية ~~الله، وعلى التواضع وهضم النفس باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك. والله ~~يعلم أحوالكم ومتصرفاتكم ومتقلبكم في معايشكم ومتاجركم، ويعلم حيث ~~تستقرون في منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثواكم في القبور. أو متقلبكم ~~في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار. ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى، وأن ~~يستغفر ويسترحم. وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال ألم تسمع ~~قوله حين بدأ به فقال { فاعلم أنه لا إله إلا ms1923 الله ~~واستغفر لذنبك } فأمر بالعمل بعد العلم وقال # اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو # الحديد 20 إلى قوله # سابقوا إلى مغفرة من ربكم # الحديد 21 وقال { واعلموا أنما أمولكم وأولدكم ~~فتنة } ثم قال بعد # فاحذروهم # التغابن 14 وقال # واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه # الأنفال 41 ثم أمر بالعمل بعد. ### || [47.20-21] # كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون { لولا ~~نزلت سورة } في معنى الجهاد { فإذآ أنزلت } وأمروا فيها ~~بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم، وسقطوا في أيديهم، كقوله تعالى # فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم ~~يخشون الناس # النساء 77. { محكمة } مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجها إلا وجوب ~~القتال. وعن قتادة كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة، وهي أشد القرآن ~~على المنافقين. وقيل لها «محكمة» لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن ~~القتال قد نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم ~~القيامة. وقيل هي المحدثة لأنها حين يحدث نزولها لا يتناولها النسخ، ثم ~~تنسخ بعد ذلك أو تبقى غير منسوخة. وفي قراءة عبد الله «سورة محدثة» وقرىء ~~«فإذا نزلت سورة و ذكر فيها القتال» على البناء للفاعل ونصب القتال { ~~الذين فى قلوبهم مرض } هم الذين كانوا على حرف غير ثابتي ~~الأقدام { نظر المغشى عليه من الموت } أي تشخص أبصارهم ~~جبنا وهلعا وغيظا، كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت { فأولى ~~لهم } وعيد بمعنى فويل لهم. وهو أفعل من الولي وهو القرب. ومعناه ~~الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه { طاعة وقول معروف } كلام ~~مستأنف، أي طاعة وقول معروف خير لهم. وقيل هي حكاية قولهم، أي قالواطاعة ~~وقول وقول معروف، بمعنى أمرنا طاعة وقول معروف. وتشهد له قراءة أبي ~~يقولون طاعة وقول معروف { فإذا عزم الامر } أي جد. والعزم ~~والجد لأصحاب الأمر. وإنما يسندان إلى الأمر إسنادا مجازيا. ومنه قوله ~~تعالى # إن ذلك لمن عزم الامور # الشورى 43. { فلو صدقوا الله } فيما زعموا من الحرص على ~~الجهاد. أو فلو صدقوا في إيمانهم وواطأت قلوبهم ms1924 فيه ألسنتهم. ### || [47.22-23] # عسيت وعسيتم لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم فيقولون عسى أن تفعل، وعسى ~~أن تفعلوا، ولا يلحقون الضمائر، وقرأ نافع بكسر السين وهو غريب، وقد نقل ~~الكلام من الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات ليكون أبلغ في التوكيد. ~~فإن قلت ما معنى { فهل عسيتم.... أن تفسدوا فى الأرض ~~}؟ قلت معناه هل يتوقع منكم الإفساد؟ فإن قلت فكيف يصح هذا في كلام الله ~~عز وعلا وهو عالم بما كان وبما يكون؟ قلت معناه إنكم لما عهد منكم ~~ أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في ~~الإيمان يا هؤلاء، ما ترون؟ هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم ~~عليهم لما تبين منكم من الشواهد ولاح من المخايل { أن تفسدوا فى ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم } تناحرا على الملك وتهالكا على ~~الدنيا؟ وقيل إن أعرضتم وتوليتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض ~~بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ووأد البنات؟ ~~وقرىء «وليتم». وفي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه «تولتم» أي ~~إن تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم؟ ~~وقرىء «وتقطعوا» «وتقطعوا» من التقطيع والتقطع { أولئك } ~~إشارة إلى المذكورين { لعنهم الله } لإفسادهم وقطعهم الأرحام، ~~فمنعهم ألطافه وخذلهم، حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق ~~الهدى. ويجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين، وأنهم ~~يتشوفون إلى الوحي إذا أبطأ عليهم، فإذا أنزلت سورة في معنى الجهاد رأيت ~~المنافقين فيما بينهم يضجرون منها. ### || [47.24] # { أفلا يتدبرون القرءان } ويتصفحونه وما فيه من المواعظ ~~والزواجر ووعيد العصاة، حتى لا يجسروا على المعاصي، ثم قال { أم على ~~قلوب أقفالها } وأم بمعنى بل وهمزة التقرير، للتسجيل عليهم بأن ~~قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر. وعن قتادة إذا والله يجدوا في القرآن ~~زاجرا عن معصية الله لو تدبروه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا. فإن قلت ~~لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال ms1925 إليها؟ قلت أما التنكير ففيه وجهان أن ~~يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك. أو يراد على بعض القلوب وهي قلوب ~~المنافقين. وأما إضافة الأقفال فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي ~~أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. وقرىء «إقفالها» على المصدر. ### || [47.25-28] # { الشيطن سول لهم } جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرا لأن، ~~كقولك إن زيدا عمرو مر به. سول لهم سهل لهم ركوب العظائم، من السول ~~وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق ~~جميعا { وأملى لهم } ومد لهم في الآمال والأماني. وقرىء «وأملى ~~لهم» يعني إن الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى # إنما نملى لهم # آل عمران 178 وقرىء «وأملى لهم» على البناء للمفعول، أي أمهلوا ومد في ~~عمرهم. وقرىء «سول لهم»، ومعناه كيد الشيطان زين لهم على تقدير حذف ~~المضاف. فإن قلت من هؤلاء؟ قلت اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل هم المنافقون. الذين ~~قالوا هم اليهود، والذين كرهوا ما نزل الله المنافقون. وقيل عكسه، وأنه ~~قول المنافقين لقريظة والنضير لئن أخرجتم لنخرجن معكم. وقيل { بعض ~~الأمر } التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلا إله إلا ~~الله، أو ترك القتال معه. وقيل هو قول أحد الفريقين للمشركين سنطيعكم في ~~التظافر على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد معه. ~~ومعنى { فى بعض الأمر } في بعض ما تأمرون به. أو في بعض الأمر ~~الذي يهمكم { والله يعلم إسرارهم } وقرىء «إسرارهم» على ~~المصدر، قالوا ذلك سرا فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم. فكيف يعملون وما ~~حيلتهم حينئذ؟ وقرىء «توفاهم» ويحتمل أن يكون ماضيا، ومضارعا قد حذفت ~~إحدى تاءيه، كقوله تعالى # إن الذين توفهم الملئكة # النساء 97. وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يتوفى أحد على معصية الله ~~إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره { ذلك } إشارة إلى التوفي الموصوف ~~{ مآ أسخط الله } من كتمان نعت رسول الله صلى الله ms1926 عليه وسلم. و ~~{ رضوانه } الإيمان برسول الله. ### || [47.29-30] # { أضغنهم } أحقادهم وإخراجها إبرازها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وللمؤمنين. وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلى ~~حنقا عليهم { لارينكهم } لعرفناكهم ودللناك عليهم. حتى تعرفهم ~~بأعيانهم لا يخفون عليك { بسيمهم } بعلامتهم وهو أن يسمهم الله ~~تعالى بعلامة يعلمون بها. وعن أنس رضي الله عنه 1037 ما خفي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم ~~بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، ~~فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق. فإن ~~قلت أي فرق بين اللامين في { فلعرفتهم } و { ولتعرفنهم ~~}؟ قلت الأولى هي الداخلة في جوابلو كالتي في { لأرينكهم } كررت ~~في المعطوف، وأما اللام في { ولتعرفنهم } فواقعة مع النون في ~~جواب قسم محذوف { فى لحن القول } في نحوه وأسلوبه. وعن ابن عباس ~~هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب؟ ولا يقولون ما علينا إن عصينا من ~~العقاب. وقيل اللحن أن تلحن بكلامك، أي تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن ~~له صاحبك كالتعريض والتورية. قال # ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا واللحن يعرفه ~~ذوو الألباب # وقيل للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. ### || [47.31] # { أخبركم } ما يحكى عنكم وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها ~~من قبيحها لأن الخبر على حسب المخبر عنه إن حسنا فحسن، وإن قبيحا ~~فقبيح، وقرأ يعقوب ونبلو، بسكون الواو على معنى ونحن نبلو أخباركم. وقرىء ~~«وليبلونكم ويعلم» ويبلو بالياء. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال ~~اللهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا. ### || [47.32] # { وسيحبط أعملهم } التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب ~~لأنها مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم باطلة، وهم قريظة والنضير. ~~أو سيحبط أعمالهم التي عملوها، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول، أي ~~سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، بل يستنصرون بها ولا يثمر لهم إلا ~~القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل ms1927 هم رؤساء قريش، والمطعمون يوم بدر. ### || [47.33] # { ولا تبطلوا أعملكم } أي لا تحبطوا الطاعات بالكبائر، ~~كقوله تعالى # لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى # الحجرات 2 إلى أن قال # أن تحبط أعملكم # الحجرات 20 وعن أبي العالية كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت { ~~ولا تبطلوا أعملكم } فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. ~~وعن حذيفة فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم. وعن ابن عمر كنا نرى أنه ليس ~~شيء من حسناتنا إلا مقبولا، حتى نزل { ولا تبطلوا أعملكم ~~} فقلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا الكبائر الموجبات والفواحش، حتى ~~نزل # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء # النساء 116 فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ~~ونرجو لمن لم يصبها. وعن قتادة رحمه الله رحم الله عبدا لم يحبط عمله ~~الصالح بعمله السيء. وقيل لا تبطلوها بمعصيتهما. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه بالشك والنفاق، وقيل بالعجب فإن ~~العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وقيل ولا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى. ### || [47.34] # { ثم ماتوا وهم كفار } قيل هم أصحاب القليب، والظاهر ~~العموم. ### || [47.35] # { فلا تهنوا } ولا تضعفوا ولا تذلوا للعدو و لا { تدعوا ~~إلى السلم } وقرىء «السلم» وهم المسالمة { وأنتم الأعلون ~~} أي الأغلبون الأقهرون { والله معكم } أي ناصركم. وعن قتادة لا ~~تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرىء «لا تدعوا من ~~ادعى القوم وتداعوا إذا دعوا. نحو قولك ارتموا الصيد وتراموه. وتدعوا ~~مجزوم لدخوله في حكم النهى. أو منصوب لإضمار أن. ونحو قوله تعالى { ~~وأنتم الاعلون } قوله تعالى # إنك أنت الاعلى # طه 68. { ولن يتركم } من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد ~~أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر وهو ~~الفرد فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح ~~الكلام. ms1928 ومنه قوله عليه الصلاة والسلام 1038 # " من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله " # أي أفرد عنهما قتلا ونهبا. ### || [47.36-38] # { يؤتكم أجوركم } ثواب إيمانكم وتقواكم { ولا يسئلكم ~~أموالكم } أي ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر، ثم ~~قال { إن يسألكموها فيحفكم } أي يجهدكم ويطلبه كله، ~~والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال أحفاه في المسألة إذا لم ~~يترك شيئا من الإلحاح. وأحفى شاربه إذا استأصله { تبخلوا ~~ويخرج أضغنكم } أي تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، ~~والضمير في { يخرج } لله عز وجل، أي يضغنكم بطلب أموالكم. أو للبخل ~~لأنه سبب الاضطغان، وقرىء «تخرج» بالنون. ويخرج، بالياء والتاء مع فتحهما ~~ورفع أضغانكم { هؤلآء } موصول بمعنى الذين صلته { تدعون } أي ~~أنتم الذين تدعون. أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، ~~كأنهم قالوا وما وصفنا؟ فقيل تدعون { لتنفقوا فى سبيل الله } ~~قيل هي النفقة في الغزو. وقيل الزكاة، كأنه قيل الدليل على أنه لو أحفاكم ~~لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس ~~يبخلون به، ثم قال { ومن يبخل } بالصدقة وأداء الفريضة. فلا يتعداه ~~ضرر بخله، وإنما { يبخل عن نفسه } يقال بخلت عليه وعنه، وكذلك ~~ضننت عليه وعنه. ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، ~~فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب { ~~وإن تتولوا } معطوف على وإن تؤمنوا وتتقوا { يستبدل ~~قوما غيركم } يخلق قوما سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان ~~والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى # ويأت بخلق جديد # إبراهيم 19 وقيل هم الملائكة. وقيل الأنصار. وعن ابن عباس كندة والنخع. ~~وعن الحسن العجم. وعن عكرمة فارس والروم. 1039 وسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه وقال # " هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله ~~رجال من فارس " # وعن رسول الله صلى الله ms1929 عليه وسلم 1040 # " من قرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم كان حقا على الله أن يسقيه من ~~أنهار الجنة " ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام ~~الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة ~~سبحانه في أخباره لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ~~ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى. فإن قلت كيف ~~جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدد ~~من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم ~~والنصر العزيز، كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوك، لنجمع لك ~~بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة - من حيث ~~إنه جهاد للعدو - سببا للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو ~~صلحا بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في ~~اليد فقد فتح. وقيل هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام ~~بين القوم بسهام وحجارة. وعن ابن عباس رضي الله عنه رموا المشركين حتى ~~أدخلوهم ديارهم. وعن الكلبي ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح. فإن قلت كيف ~~يكون فتحا وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت كان ذلك قبل الهدنة، ~~فلما طلبوها وتمت كان فتحا مبينا. وعن موسى بن عقبة 1041 أقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعا، فقال رجل من أصحابه ما هذا ~~بفتح، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال # " بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن ~~بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ~~ما كرهوا " # ، وعن الشعبي 1042 نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما ms1930 ~~تقدم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس وبلغ الهدى محله، وأطعموا ~~نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة. وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم ~~يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت ~~بالماء حتى شرب جميع من كان معه. وقيل فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ~~ماؤها بعد - وقيل هو فتح خيبر، وقيل فتح الروم. وقيل فتح الله له ~~بالإسلام والنبوة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو ~~رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه. ~~وقيل معناه قضينا لك قضاء بينا على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من ~~قابل لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة { ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر } يريد جميع ما فرط منك. وعن ~~مقاتل ما تقدم في الجاهلية وما بعدها. وقيل ما تقدم من حديث مارية وما ~~تأخر من امرأة زيد { نصرا عزيزا } فيه عز ومنعة - أو وصف بصفة ~~المنصور إسنادا مجازيا أو عزيزا صاحبه. ### || [48.4-7] # { السكينة } السكون كالبهيتة للبهتان، أي أنزل الله في قلوبهم ~~السكون، والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير ~~الأمن بعد الخوف، والهدنة غب القتال، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم، وأنزل ~~فيها السكون إلى ما جاء به محمد عليه السلام من الشرائع { ليزدادوا ~~إيمنا } بالشرائع مقرونا إلى إيمانهم وهو التوحيد. عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما إن أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما ~~آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة والزكاة، ثم الحج، ثم الجهاد، فازدادوا ~~إيمانا إلى إيمانهم. أو أنزل فيها الوقار والعظمة لله عز وجل ولرسوله، ~~ليزدادوا باعتقاد ذلك إيمانا إلى إيمانهم. وقيل أنزل فيها الرحمة ~~ليتراحموا فيزداد إيمانهم { ولله جنود السموت والأرض ~~} يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن قلوب ~~المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف ~~المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيستحقوا الثواب، ms1931 فيثيبهم ويعذب ~~الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه. وقع السوء عبارة عن رداءة ~~الشيء وفساده والصدق عن جودته وصلاحه، فقيل في المرضى الصالح من الأفعال ~~فعل صدق، وفي المسخوط الفاسد منها فعل سوء. ومعنى { ظن السوء } ~~ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين ~~فاتحيها عنوة وقهرا { عليهم دائرة السوء } أي ما يظنونه ~~ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم - والسوء الهلاك والدمار. ~~وقرىء «دائرة السوء» بالفتح، أي الدائرة التي يذمونها ويسخطونها، فهي ~~عندهم دائر سوء، وعند المؤمنين دائرة صدق. فإن قلت هل من فرق بين السوء ~~والسوء؟ قلت هما كالكره والكره والضعف والضعف، من ساء، إلا أن ~~المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء. وأما السوء بالضم ~~فجار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير. يقال أراد به السوء وأراد به الخير ~~ولذلك أضيف الظن إلى المفتوح لكونه مذموما وكانت الدائرة محمودة فكان ~~حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرنا وأما دائرة السوء ~~بالضم، فلأن الذي أصابهم مكروه وشدة، فصح أن يقع عليه اسم السوء، كقوله ~~عز وعلا # إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة # الأحزاب 17. ### || [48.8-9] # { شهدا } تشهد على أمتك، كقوله تعالى # ويكون الرسول عليكم شهيدا # البقرة 143. { لتؤمنوا } الضمير للناس { وتعزروه } ويقووه ~~بالنصرة { وتوقروه } ويعظموه { وتسبحوه } من التسبيح. أو من ~~السبحة، والضمائر لله عز وجل والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم. ومن فرق الضمائر فقد أبعد. وقرىء «لتؤمنوا» «وتعزروه» ~~«وتوقروه» «وتسبحوه» بالتاء. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولأمته. وقرىء «وتعزروه» بضم الزاي وكسرها. وتعزروه بضم التاء والتخفيف، ~~وتعززوه بالزايين. وتوقروه من أوقره بمعنى وقره. وتسبحوا الله { بكرة ~~وأصيلا } عن ابن عباس رضي الله عنهما صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر. ### || [48.10] # لما قال { إنما يبايعون الله } أكده تأكيدا على طريق ~~التخييل فقال { يد الله فوق أيديهم } يريد أن يد رسول الله ~~التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله ms1932 تعالى منزه عن الجوارح وعن ~~صفات الأجسام، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع ~~الله من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # النساء 80 والمراد بيعة الرضوان { فإنما ينكث على نفسه } ~~فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه 1043 ~~بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت، وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد ~~منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقا، اختبأ تحت إبط بعيره ولم يسر مع ~~القوم. وقرىء «إنما يبايعون لله» أي لأجل الله ولوجهه، وقرىء «ينكث» بضم ~~الكاف وكسرها، وبما عاهد وعهد { فسيؤتيه } بالنون والياء، يقال ~~وفيت بالعهد وأوفيت به، وهي لغة تهامة. ومنها قوله تعالى # أوفوا بالعقود # المائدة 1 # والموفون بعهدهم # البقرة 177. ### || [48.11] # هم الذين خلفوا عن الحديبية، وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع وأسلم ~~والديل. وذلك 1044 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير ~~إلى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل ~~البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، ~~وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدى، ليعلم أنه لا يريد حربا، ~~فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره ~~بالمدينة وقتلوا أصحابه، فيقاتلهم، وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة ~~واعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم وأنه ليس لهم من يقوم بأشغالهم. وقرىء ~~«شغلتنا» بالتشديد { يقولون بألسنتهم ما ليس فى ~~قلوبهم } تكذيب لهم في اعتذارهم. وأن الذي خلفهم ليس بما يقولون، ~~وإنما هو الشك في الله والنفاق وطلبهم للاستغفار أيضا ليس بصادر عن ~~حقيقة { فمن يملك لكم } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه { إن ~~أراد بكم } ما يضركم من قتل أو هزيمة { أو أراد بكم ~~نفعا } من ظفر وغنيمة وقرىء «ضرا» بالفتح والضم. الأهلون جمع أهل. ~~ويقال أهلات، على تقدير تاء التأنيث. كأرض وأرضات، وقد جاء أهلة. وأما ~~أهال، فاسم جمع، ms1933 كليال. ### || [48.12] # وقرىء «إلى أهلهم» «وزين»، على البناء للفاعل وهو الشيطان، أو الله ~~عز وجل، وكلاهما جاء في القرآن # وزين لهم الشيطن أعملهم # النمل 24، # وزينا لهم أعمالهم # النمل 4 والبور من بار، كالهلك من هلك، بناء ومعنى ولذلك وصف به الواحد ~~والجمع والمذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ. والمعنى ~~وكنتم قوما فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم. أو هالكين ~~عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه. ### || [48.13] # { للكفرين } مقام مقام لهم، للإيذان بأن من لم يجمع بين ~~الإيمانين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر، ونكر { سعيرا } لأنها نار ~~مخصوصة، كما نكر # نارا تلظى # الليل 14. ### || [48.14] # { ولله ملك السموت والارض } يدبره تدبير قادر حكيم، ~~فيغفر ويعذب بمشيئته، ومشيئته تابعة لحكمته، وحكمته المغفرة للتائب ~~وتعذيب المصر { وكان الله غفورا رحيما } رحمته سابقة لغضبه، ~~حيث يكفر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة. ### || [48.15] # { سيقول المخلفون } الذين تخلفوا عن الحديبية { إذا ~~انطلقتم إلى مغانم } إلى غنائم خيبر { أن يبدلوا ~~كلم الله } وقرىء «كلم الله» أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، ~~وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا ~~يصيبون منهم شيئا. وقيل هو قوله تعالى # لن تخرجوا معى أبدا # التوبة 83 «تحسدوننا» أن نصيب معكم من الغنائم. قرىء بضم السين وكسرها { ~~لا يفقهون } لا يفهمون إلا فهما { قليلا } وهو فطنتهم لأمور ~~الدنيا دون أمور الدين، كقوله تعالى # يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا # الروم 7 فإن قلت ما الفرق بين حرفي الإضراب؟ قلت الأول إضراب معناه رد ~~أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد. والثاني إضراب عن وصفهم ~~بإضافة الحسد إلى المؤمنين، إلى وصفهم بما هو أطم منه، وهو الجهل وقلة ~~الفقه. ### || [48.16] # { قل للمخلفين } هم الذين تخلفوا عن الحديبية { إلى قوم ~~أولى بأس شديد } يعني بني حنيفة قوم مسيلمة، وأهل الردة الذين ~~حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين ~~لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف عند أبي ms1934 حنيفة ومن عداهم من مشركي ~~العجم وأهل الكتاب. والمجوس تقبل منهم الجزية، وعن الشافعي لا تقبل ~~الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب. وهذا دليل على ~~إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته. وكيف يدعوهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع قوله تعالى # فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقتلوا معى ~~عدوا # التوبة 83 وقيل هم فارس والروم. ومعنى { يسلمون } ينقادون، لأن ~~الروم نصارى، وفارس مجوس يقبل منهم إعطاء الجزية. فإن قلت عن قتادة أنهم ~~ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت إن صح ~~ذلك فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب ~~والاضطراب في الدين. أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم { كما ~~توليتم من قبل } يريد في غزوة الحديبية. أو يسلمون. معطوف على ~~تقاتلونهم، أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة، أو الإسلام، لا ثالث لهما. ~~وفي قراءة أبي «أو يسلموا» بمعنى إلى أن يسلموا. ### || [48.17] # نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو. وقرىء «ندخله» ~~«ونعذبه» بالنون. ### || [48.18-19] # هي بيعة الرضوان، سميت بهذه الآية، وقصتها 1045 أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين نزل الحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولا إلى أهل مكة، ~~فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر رضي الله عنه ليبعثه فقال ~~إني أخافهم على نفسي، لما عرف من عداوتي إياهم وما بمكة عدوي يمنعني، ~~ولكني أدلك على رجل هو أعز بها مني وأحب إليهم عثمان بن عفان فبعثه ~~فخبرهم أنه لم يأت بحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته، ~~فوقروه وقالوا إن شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال ما كنت لأطوف قبل أن ~~يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبس ms1935 عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى ~~البيعة فبايعوه تحت الشجرة وكانت سمرة. قال جابر بن عبد الله لو كنت أبصر ~~لأريتكم مكانها. وقيل 1046 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ~~أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصانها. قال عبد الله بن المغفل وكنت ~~قائما على رأسه وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه. فرفعت الغصن عن ظهره، ~~فبايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «أنتم اليوم خير أهل الأرض» وكان عدد المبايعين ألفا وخمسمائة ~~وخمسة وعشرين، وقيل ألفا وأربعمائة، وقيل ألفا وثلثمائة { فعلم ما ~~فى قلوبهم } من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه { فأنزل ~~السكينة } أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم { ~~وأثبهم فتحا قريبا } وقرىء «وآتاهم» وهو فتح خيبر غب ~~انصرافهم من مكة. وعن الحسن فتح هجر، وهو أجل فتح اتسعوا بثمرها زمانا ~~{ ومغانم كثيرة تأخذونها } هي مغانم خيبر، وكانت أرضا ~~ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليهم، ~~ثم أتاه عثمان بالصلح فصالحهم وانصرف بعد أن نحر بالحديبية وحلق. ### || [48.20] # { وعدكم الله مغانم كثيرة } وهي ما يفيء على المؤمنين ~~إلى يوم القيامة { فعجل لكم هذه } المغانم يعني مغانم خيبر ~~{ وكف أيدى الناس عنكم } يعني أيدي أهل خيبر وحلفاؤهم من ~~أسد وغطفان حين جاؤوا لنصرتهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب فنكصوا. وقيل ~~أيدي أهل مكة بالصلح { ولتكون } هذه الكفة { ءاية ~~للمؤمنين } وعبرة يعرفون بها أنهم من الله تعالى بمكان، وأنه ~~تعالى ضامن نصرهم والفتح عليهم. وقيل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتح مكة في منامه، ورؤيا الأنبياء صلوات الله عليهم وحي، فتأخر ذلك إلى ~~السنة القابلة، فجعل فتح خيبر علامة وعنوانا لفتح مكة { ويهديكم ~~صرطا مستقيما } ويزيدكم بصيرة ويقينا، وثقة بفضل الله. ### || [48.21] # { وأخرى } معطوفة على هذه، أي فعجل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى { ~~لم تقدروا عليها } وهي ms1936 مغانم هوازن في غزوة حنين، وقال لم ~~تقدروا عليها لما كان فيها من الجوالة { قد أحاط الله بها } أي ~~قدر عليها واستولى وأظهركم عليها وغنمكموها. ويجوز في { أخرى } النصب ~~بفعل مضمر، يفسره { قد أحاط الله بها } تقديره وقضى الله أخرى ~~قد أحاط بها. وأما { لم تقدروا عليها } فصفة لأخرى، والرفع ~~على الابتداء لكونها موصوفة بلم تقدروا، وقد أحاط بها خبر المبتدأ، ~~والجر بإضمار رب. فإن قلت قوله تعالى # ولتكون ءاية للمؤمنين # الفتح 20 كيف موقعه؟ قلت هو كلام معترض. ومعناه ولتكون الكفة آية ~~للمؤمنين فعل ذلك. ويجوز أن يكون المعنى وعدكم المغانم، فعجل هذه الغنيمة ~~وكف الأعداء لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها ~~صادقا، لأن صدق الإخبار عن الغيوب معجزة وآية، ويزيدكم بذلك هداية ~~وإيقانا. ### || [48.22-23] # { ولو قتلكم الذين كفروا } من أهل مكة ولم يصالحوا. ~~وقيل من حلفاء أهل خيبر لغلبوا وانهزموا { سنة الله } في موضع ~~المصدر المؤكد، أي سن الله غلبة أنبيائه سنة، وهو قوله تعالى # لأغلبن أنا ورسلى # المجادلة 21. ### || [48.24] # { أيديهم } أيدي أهل مكة، أي قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة ~~بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح. وبه استشهد أبو حنيفة ~~رحمه الله، على أن مكة فتحت عنوة لا صلحا. وقيل كان ذلك في غزوة ~~الحديبية لما روى 1047 أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة، فبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت. وقرىء ~~«تعملون» بالتاء والياء. ### || [48.25] # وقرىء «والهدي» والهدي بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة ~~بالنصب عطفا على الضمير المنصوب في صدوكم. أي صدوكم وصدوا الهدي ~~وبالجر عطفا على المسجد الحرام، بمعنى وصدوكم عن نحر الهدى { ~~معكوفا أن يبلغ محله } محبوسا عن أن يباع، وبالرفع على ~~وصد الهدي. ومحله مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب. وهذا دليل لأبي ~~حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم. فإن قلت ms1937 فكيف حل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومن معه وإنما نحر هديهم بالحديبية؟ قلت بعض الحديبية من ~~الحرم. وروى أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل، ومصلاه ~~في الحرم. فإن قلت فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل { معكوفا أن ~~يبلغ محله }؟ قلت المراد المحل المعهود وهو منى { لم ~~تعلموهم } صفة للرجال والنساء جميعا. و { أن تطئوهم } بدل ~~اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم. والمعرة مفعلة، من عره ~~بمعنى عراه إذا دهاه ما يكره ويشق عليه. و { بغير علم } متعلق بأن ~~تطؤهم، يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم. والوطء والدوس عبارة عن الإيقاع ~~والإبادة. قال # ووطئتنا وطأ على حنق وطأ المقيد نابت ~~الهرم # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 1048 # " وإن آخر وطأة وطئها الله بوج " # والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين ~~منهم ولا معروفي الأماكن فقيل ولولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ~~ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما ~~كف أيديكم عنهم، وحذف جواب «لولا» لدلالة الكلام عليه. ويجوز أن يكون { ~~لو تزيلوا } كالتكرير للولا رجال مؤمنون، لمرجعهما إلى معنى ~~واحد، ويكون { لعذبنا } هو الجواب. فإن قلت أي معرة تصيبهم إذا ~~قتلوهم وهم لا يعلمون. قلت يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة ~~المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم ~~إذا جرى منهم بعض التقصير. فإن قلت قوله تعالى { ليدخل الله فى ~~رحمته من يشآء } تعليل لماذا؟ قلت لما دلت عليه الآية وسيقت له ~~من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم صونا لمن بين أظهرهم من ~~المؤمنين، كأنه قال كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في ~~توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم. أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من ~~مشركيهم { لو تزيلوا } لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض من زاله ~~يزيله. وقرىء «لو تزايلوا». ### || [48.26] # { إذ } يجوز أن يعمل فيه ما ms1938 قبله. أي لعذبناهم أو صدوهم عن المسجد ~~الحرام في ذلك الوقت، وأن ينتصب بإضمار اذكر. والمراد بحمية الذين كفروا ~~وسكينة المؤمنين - والحمية الأنفة والسكينة والوقار - ما روى 1049 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعثت قريش سهيل بن عمرو ~~القرشي وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف، على أن يعرضوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة ~~من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتابا، فقال عليه ~~الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال ~~سهيل وأصحابه ما نعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم، ثم قال «اكتب هذا ما ~~صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة» فقالوا لو كنا نعلم أنك ~~رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه ~~محمد بن عبد الله أهل مكة، فقال عليه الصلاة والسلام «اكتب ما يريدون، ~~فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، فهم المسلمون أن يأبوا ~~ذلك ويشمئزوا منه، فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا. و { ~~كلمة التقوى } بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله قد ~~اختارها الله لنبيه وللذين معه أهل الخير ومستحقيه ومن هم أولى بالهداية ~~من غيرهم. وقيل هي كلمة الشهادة. وعن الحسن رضي الله عنه كلمة التقوى هي ~~الوفاء بالعهد. ومعنى إضافتها إلى التقوى أنها سبب التقوى وأساسها. وقيل ~~كلمة أهل التقوى. وفي مصحف الحرث بن سويد صاحب عبد الله «وكانوا أهلها ~~وأحق بها»، وهو الذي دفن مصحفه أيام الحجاج. ### || [48.27] # 1050 رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى الحديبية كأنه ~~وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ~~ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا إن رؤيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبي وعبد ~~الله بن ms1939 نفيل ورفاعة بن الحرث والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد ~~الحرام، فنزلت. ومعنى { صدق الله رسوله الرؤيا } صدقه في ~~رؤياه ولم يكذبه - تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوا كبيرا - فحذف ~~الجار وأوصل الفعل، كقوله تعالى # صدقوا ما عهدوا الله عليه # الأحزاب 23. فإن قلت بم تعلق { بالحق }؟ قلت إما بصدق، أي صدقه ~~فيما رأى، وفي كونه وحصوله صدقا ملتبسا بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة ~~البالغة، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن المخلص، وبين من ~~في قلبه مرض، ويجوز أن يتعلق بالرؤيا حالا منها أي صدقه الرؤيا ملتبسا ~~بالحق، على معنى أنها لم تكن من أضغاث الأحلام. ويجوز أن يكون { ~~بالحق } قسما إما بالحق الذي هو نقيض الباطل. أو بالحق الذي هو من ~~أسمائه. و { لتدخلن } جوابه. وعلى الأول هو جواب قسم محذوف أي ~~والله لتدخلن. فإن قلت ما وجه دخول { إن شاء الله } في أخبار الله ~~عز وجل؟ قلت فيه وجوه أن يعلق عدته بالمشيئة تعليما لعباده أن يقولوا في ~~عداتهم مثل ذلك، متأدبين بأدب الله، ومقتدين بسنته. وأن يريد لتدخلن ~~جميعا إن شاء الله ولم يمت منكم أحدا، أو كان ذلك على لسان ملك، فأدخل ~~الملك إن شاء الله. أو هي حكاية ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأصحابه وقص عليهم. وقيل هو متعلق بآمنين { فعلم ما لم ~~تعلموا } من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة إلى العام القابل { ~~فجعل من دون ذلك } أي من دون فتح مكة { فتحا قريبا } وهو ~~فتح خيبر، لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود. ### || [48.28] # { بالهدى ودين الحق } بدين الإسلام { ليظهره } ليعليه ~~{ على الدين كله } على جنس الدين كله، يريد الأديان المختلفة من ~~أديان المشركين والجاحدين من أهل الكتاب وقد حقق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى ~~دينا قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة. وقيل هو عند نزول عيسى حين لا ~~يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل هو إظهاره بالحجج والآيات. وفي هذه الآية ~~تأكيد ms1940 لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أن الله تعالى سيفتح ~~لهم من البلاد ويقيض لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون إليه من فتح ~~مكة { وكفى بالله شهيدا } على أن ما وعده كائن. وعن الحسن ~~رضي الله عنه شهد على نفسه أنه سيظهر دينك. ### || [48.29] # { محمد } إما خبر مبتدأ، أي هو محمد لتقدم قوله تعالى # هو الذي أرسل رسوله # الفتح 28 وإما مبتدأ، ورسول الله عطف بيان. وعن ابن عامر أنه قرأ رسول ~~الله، بالنصب على المدح { والذين معه } أصحابه { أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم } جمع شديد ورحيم. ونحوه # أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين # المائدة 54، # واغلظ عليهم # التوبة 73، # بالمؤمنين رءوف رحيم # التوبة 128 وعن الحسن رضي الله عنه بلغ من تشددهم على الكفار أنهم ~~كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم ~~وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه، ~~والمصافحة لم تختلف فيها الفقهاء. وأما المعانقة فقد كرهها أبو حنيفة ~~رحمه الله، وكذلك التقبيل. قال لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا ~~يده ولا شيئا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة. ومن حق المسلمين ~~في كل زمان أن يراعوا هذا التشدد وهذا التعطف فيتشددوا على من ليس على ~~ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر ~~والصلة. وكف الأذى. والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة ووجه من قرأ ~~«أشداء، ورحماء» بالنصب - أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدر ~~في { معه } ، ويجعل { تراهم } الخبر { سيمهم } علامتهم. ~~وقرىء «سيماؤهم» وفيها ثلاث لغات هاتان. والسيمياء، والمراد بها السمة ~~التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، وقوله تعالى { من أثر ~~السجود } يفسرها، أي من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من ~~العليين علي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس أبي ~~الأملاك، يقال له ذو الثفنات لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما ~~أشباه ثفنات البعير. وقرىء «من أثر السجود» و«من آثار ms1941 السجود»، وكذا عن ~~سعيد بن جبير هي السمة في الوجه. فإن قلت فقد جاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 1051 # " لا تعلبوا صوركم " # ، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلا قد أثر في وجهه السجود فقال ~~إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورتك. قلت ذلك إذا اعتمد ~~بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة. وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله ~~منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه الله ~~تعالى. وعن بعض المتقدمين كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا ~~الآن يصلي فيرى بين عينيه ركبة البعير، فما ندري أثقلت الأرؤس أم خشنت ~~الأرض وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق. وقيل هو صفرة الوجه من خشية ~~الله. وعن الضحاك ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة. # وعن سعيد بن المسيب ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء رحمه الله استنارت ~~وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله 1052 «من كثرت صلاته بالليل حسن ~~وجهه بالنهار» { ذلك } الوصف { مثلهم } أي وصفهم العجيب الشأن في ~~الكتابين جميعا، ثم ابتدأ فقال { كزرع } يريد هم كزرع. وقيل تم ~~الكلام عند قوله { ذلك مثلهم فى التوراة } ثم ابتديء ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله { ~~كزرع أخرج شطأه } كقوله تعالى # وقضينآ إليه ذلك الامر أن دابر هؤلآء ~~مقطوع مصبحين # الحجر 66. وقرىء «الأنجيل» بفتح الهمزة { شطأه } فراخه. يقال أشطا ~~الزرع إذا فرخ. وقرىء «شطأه» بفتح الطاء. وشطاه، بتخفيف الهمزة وشطاءه ~~بالمد. وشطه، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها. وشطوه، بقلبها ~~واوا { فآزره } من المؤازرة وهي المعاونة. وعن الأخفش أنه أفعل. ~~وقرىء «فأزره» بالتخفيف والتشديد، أي فشد أزره وقواه. ومن جعل { آزر ~~} أفعل، فهو في معنى القراءتين { فاستغلظ } فصار من الدقة إلى ~~الغلظ { فاستوى على سوقه } فاستقام على قصبه جمع ساق. وقيل ~~مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر. وعن عكرمة أخرج شطأه بأبي ms1942 بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، ~~فاستوى على سوقه بعلي. وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في ~~الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قام وحده. ~~ثم قواه الله بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها ~~مما يتولد منها حتى يعجب الزراع. فإن قلت قوله { ليغيظ بهم ~~الكفار } تعليل لماذا؟ قلت لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم ~~وترقيهم في الزيادة والقوة، ويجوز أن يعلل به { وعد الله ~~الذين ءامنوا } لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ~~ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. ومعنى { منهم } البيان، كقوله تعالى # فاجتنبوا الرجس من الاوثن # الحج 30. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 1053 # " من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة ". ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # قدمه وأقدمه منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، من قدمه إذا تقدمه، ~~في قوله تعالى { يقدم قومه } هود 98 ونظيرهما معنى ونقلا سلفه ~~وأسلفه. وفي قوله تعالى { لا تقدموا } من غير ذلك مفعول وجهان، ~~أحدهما أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم. والثاني أن لا ~~يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهي إلى نفس التقدمة، كأنه قيل لا ~~تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل كقوله تعالى # هو الذى * لا إله # غافر 68 ويجوز أن يكون من قدم بمعنى تقدم، كوجه وبين. ومنه مقدمة ~~الجيش خلاف ساقته، وهي الجماعة المتقدمة منه. وتعضده قراءة من قرأ «لا ~~تقدموا» بحذف إحدى تاءي تتقدموا، إلا أن الأول أملأ بالحسن وأوجه، وأشد ~~ملاءمة لبلاغة القرآن، والعلماء له أقبل. وقرىء «لا تقدموا» من القدوم، ~~أي لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها، ولا تعجلوا عليهما. ~~وحقيقة قولهم جلست بين يدي فلان، أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه ~~وشماله قريبا منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب ~~منهما توسعا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره ms1943 وداناه في غير موضع، ~~وقد جرت هذه العبارة ههنا على سنن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل ~~البيان تمثيلا. ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان وهي ~~تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون ~~الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة والمعنى أن لا تقطعوا أمرا إلا بعدما ~~يحكمان به ويأذنان فيه، فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل. وإما مقتدين ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. وعليه يدور تفسير ابن عباس رضي الله عنه. ~~وعن مجاهد لا تفتاتوا على الله شيئا حتى يقصه على لسان رسوله. ويجوز أن ~~يجري مجرى قولك سرني زيد وحسن حاله، وأعجبت بعمرو وكرمه. وفائدة هذا ~~الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص، ولما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك له ذلك المسلك. وفي هذا تمهيد ~~وتوطئة لما نقم منهم فيما يتولوه من رفع أصواتهم فوق صوته لأن من أحظاه ~~الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص القوي كان أدنى ما يجب له من ~~التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت لديه بالكلام. وقيل بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلا وعليهم ~~المنذر بن عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل. إلا ~~الثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة، فاعتزيا لهم إلى ~~بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، ثم أتوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال # " بئسما صنعتم كانا من سليم، والسلب ما كسوتهما " # فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت، أي لا تعملوا شيئا من ذات ~~أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مسروق دخلت على ~~عائشة في اليوم الذي يشك فيه، فقالت للجارية اسقه عسلا، فقلت إني صائم، ~~فقالت قد نهى الله عن صوم هذا اليوم. وفيه نزلت. وعن الحسن أن أناسا ~~ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه ms1944 وسلم ~~أن يعيدوا ذبحا آخر. وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن تزول الشمس. ~~وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن الحسن أيضا ~~لما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق ~~فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتديء ~~وعن قتادة ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون لو أنزل فيه كذا لكان كذا، ~~فكره الله ذلك منهم وأنزلها. وقيل هي عامة في كل قول وفعل ويدخل فيه أنه ~~إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه بالجواب، ~~وأن لا يمشي بين يديه إلا لحاجة، وأن يستأني في الافتتاح بالطعام { ~~واتقوا } فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهى عنها ~~وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه، فإن التقي حذر لا يشافه أمرا إلا ~~عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه، وهذا كما تقول لمن ~~يقارف بعض الرذائل لا تفعل هذا وتحفظ مما يلصق بك العار. فتنهاه أولا ~~عن عين ما قارفه، ثم تعم وتشيع وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب ~~تلك الفعلة وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها { إن الله سميع ~~} لما تقولون { عليم } بما تعملون، وحق مثله أن يتقى ويراقب. ### || [49.2] # إعادة النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، ~~وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفترقوا ويغفلوا عن ~~تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم. وذلك لأن ~~في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن ~~يألو عملا بما يحدوه عليه. وارتداعا عما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير، ~~والمراد بقوله { لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبى } ~~أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه ~~بصوت، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه ms1945 عاليا لكلامكم، وجهره باهرا ~~لجهركم حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم ~~كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم وتبهروا منطقه بصخبكم. ~~وبقوله ولا تجهروا له بالقول إنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول ~~عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر ~~بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللبين المقرب من الهمس الذي يضاد ~~الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز اسمه # وتعزروه وتوقروه # الفتح 9 وقيل معنى { ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض } لا تقولوا له يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوة. ~~قال ابن عباس لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول ~~الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله، وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه كان يكلم النبي صلى الله عليه وسلم كأخي السرار لا ~~يسمعه حتى يستفهمه وكان أبو بكر إذا قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفد أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد ~~به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض ~~صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر ~~الكبراء، فيتكلف الغض منه، ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه ~~المأمور به من التعزيز والتوقير، ولم يتناول النهى أيضا رفع الصوت الذي ~~لا يتأذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان منهم في حرب أو ~~مجادلة معاند أو إرهاب عدو أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث، أنه قال عليه ~~الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين «اصرخ ~~بالناس» وكان العباس أجهر الناس صوتا. # يروى أن غارة أتتهم يوما فصاح العباس يا صباحاه، فأسقطت الحوامل لشدة ~~صوته. وفيه يقول نابغة بني جعدة # زجر أبي عروة السباع إذا ms1946 أشفق أن يختلطن ~~بالغنم # زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، ~~وفي قراءة ابن مسعود «لا ترفعوا بأصواتكم» والباء مزيدة محذو بها حذر ~~التشديد في قول الأعلم الهذلي # رفعت عيني بالحجا ز إلى أناس بالمناقب # وليس المعنى في هذه القراءة أنهم نهوا عن الرفع الشديد، تخيلا أن يكون ~~ما دون الشديد مسوغا لهم، ولكن المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة، ~~واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون. وعن ابن عباس نزلت في ثابت بن قيس بن ~~شماس، وكان في أذنه وقر، وكان جمهوري الصوت، فكان إذا تكلم رفع صوته، ~~وربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته. وعن أنس أن ~~هذه الآية لما نزلت فقد ثابت، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر ~~بشأنه، فدعاه، فسأله فقال يا رسول الله، لقد أنزلت إليك هذه الآية، وإني ~~رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة ". # وأما ما يروى عن الحسن أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق ~~صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمحمله والخطاب للمؤمنين على أن ينهى ~~المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهي، ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق. وقيل ~~كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم، فيقتدي بهم ضعفة ~~المسلمين. وكان التشبيه في محل النصب، أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر ~~بعضكم لبعض. وفي هذا أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا، حتى لا يسوغ لهم أن ~~يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني ~~الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من ~~مراعاة أبهة النبوة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن ~~رتبتها { أن تحبط أعملكم } منصوب الموضع، على أنه مفعول له، ~~وفي متعلقه وجهان، أحدهما أن يتعلق بمعنى النهي، فيكون المعنى انتهوا عما ~~نهيتهم عنه لحبوط أعمالكم، أي ms1947 لخشية حبوطها على تقدير حذف المضاف، كقوله ~~تعالى # يبين الله لكم أن تضلوا # النساء 176 والثاني أن يتعلق بنفس الفعل، ويكون المعنى أنهم نهوا عن ~~الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط جعل ~~كأنه فعل لأجله، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل، كقوله ~~تعالى # ليكون لهم عدوا # القصص 8 فإن قلت لخص الفرق بين الوجهين. قلت تلخيصه أن يقدر الفعل في ~~الثاني مضموما إليه المفعول له، كأنهما شيء واحد، ثم يصب النهي عليهما ~~جميعا صبا. # وفي الأول يقدر النهي موجها على الفعل على حياله، ثم يعلل له منهيا ~~عنه. فإن قلت بأي النهيين تعلق المفعول له؟ قلت بالثاني عند البصريين، ~~مقدرا إضماره عند الأول، كقوله تعالى # اتونى أفرغ عليه قطرا # الكهف 96 وبالعكس عند الكوفيين، وأيهما كان فمرجع المعنى إلى أن الرفع ~~والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل وقراءة ابن مسعود «فتحبط ~~أعمالكم» أظهر نصا بذلك لأن ما بعد الفاء لا يكون إلا مسببا عما قبله، ~~فيتنزل الحبوط من الجهر منزلة الحلول من الطغيان في قوله تعالى # فيحل عليكم غضبى # طه 81 والحبوط من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها، وربما هلكت. ~~ومنه قوله عليه الصلاة والسلام وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو ~~يلم ومن أخواته، حبجت الإبل» إذا أكلت العرفج فأصابها ذلك. وأحبض عمله ~~مثله أحبطه. وحبط الجرح وحبر إذا غفر، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد جعل ~~العمل السيء في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرص لمن يصاب به، أعاذنا ~~الله من حبط الأعمال وخيبة الآمال. وقد دلت الآية على أمرين هائلين، ~~أحدهما أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله. والثاني أن في ~~آثامه ما لا يدري أنه محبط، ولعله عند الله كذلك فعلى المؤمن أن يكون في ~~تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ. ### || [49.3] # { امتحن الله قلوبهم للتقوى } من قولك امتحن فلان ~~لأملا كذا وجرب له، ودرب للنهوض به. فهو مضطلع ms1948 به غير وان عنه. والمعنى ~~أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها. أو وضع الامتحان موضع ~~المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل عرف ~~الله قلوبهم للتقوى، وتكون اللام متعلقة بمحذوف، واللام هي التي في قولك ~~أنت لهذا الأمر، أي كائن له ومختص به قال # أنت لها أحمد من بين البشر أعداء من ~~لليعملات على الوجى # وهي مع معمولها منصوبة على الحال. أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن ~~والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، أي لتثبت وتظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون ~~لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها. وقيل ~~أخلصها للتقوى. من قولهم امتحن الذهب وفتنه، إذا أذابه فخلص إبريزه من ~~خبشه ونقاه. وعن عمر رضي الله عنه أذهب الشهوات عنها. والامتحان افتعال، ~~من محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد. قال أبو عمرو كل شيء جهدته فقد ~~محنته. وأنشد # أتت رذايا باديا كلالها قد محنت واضطربت ~~آطالها # قيل أنزلت في الشيخين رضي الله عنهما، لما كان منهما من غض الصوت ~~والبلوغ به أخا السرار. وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع ~~الغاضين أصواتهم اسما لأن المؤكدة. وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر ~~معرفتين معا. والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو ~~جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهما أمره ناظرة في الدلالة على ~~غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم ~~واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء. ### || [49.4-5] # والوراء الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام. ومن لابتداء ~~الغاية، وأن المناداة نشأت من ذلك المكان. فإن قلت فرق بين الكلامين بين ~~ما تثبت فيه وما تسقط عنه. قلت الفرق بينهما أن المنادي والمنادى في ~~أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني لا يجوز لأن الوراء تصير ~~بدخول من مبتدأ الغاية. ms1949 ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ~~ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول ناداني فلان من وراء الدار. لا يريد وجه ~~الدار ولا دبرها، ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقا بغير تعيين ~~واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أن النداء وقع منهم في أدبار ~~الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البر والخارج ~~مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة. والحجرة الرقعة ~~والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة. والحجرة ~~الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، ~~وهي فعلة بمعنى مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها الحجرات بضمتين، ~~«والحجرات» بفتح الجيم، والحجرات بسكينها. وقرىء بهن جميعا، والمراد ~~حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت لكل واحد منهن حجرة. ~~ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرقوا على الحجرات متطلبين له، ~~فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة ~~فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها ~~جمعت إجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمكان حرمته. والفعل وإن ~~كان مسندا إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، ~~فكأنهم تولوه جميعا، فقد ذكر الأصم أن الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع ~~بن حابس. والإخبار عن أكثرهم بأنهم لا يعقلون يحتمل أن يكون فيهم من قصد ~~بالمحاشاة. ويحتمل أن يكون الحكم بقلة العقلاء فيهم قصدا إلى نفي أن ~~يكون فيهم من يعقل، فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم. وروي أن وفد ~~بني تميم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهيرة وهو راقد، ~~فجعلوا ينادونه محمد اخرج إلينا، فاستيقظ فخرج ونزلت وسئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عنهم فقال «هم جفاة بني تميم، لولا أنهم من أشد الناس ~~قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم» فورود الآية على النمط ~~الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى على ms1950 الناظر من بينات إكبار محل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإجلاله منها مجيئها على النظم المسجل على الصائحين ~~به بالسفه والجهل، لما أقدموا عليه. # ومنها لفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته. ومقيله مع بعض نسائه. ~~ومنها المرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي تبين به ما استنكر ~~عليهم. ومنها التعريف باللام دون الإضافة. ومنها أن شفع ذمهم باستجفائهم ~~واستركاك عقولهم وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المخاطبات، تهوينا للخطب ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وإماطة لما تداخله من ~~إيحاش تعجرفهم وسوء أدبهم، وهلم جرا من أول السورة إلى آخرها هذه الآية، ~~فتأمل كيف ابتدىء بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى ا لله ورسوله ~~متقدمة على الأمور كلها من غير حصر ولا تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو ~~من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر. كأن الأول بساط للثاني ووطأه لذكره ~~ما هو ثناء على الذين تحاموا ذلك فغضوا أصواتهم، دلالة على عظيم موقعه ~~عند الله، ثم جيء على عقب ذلك بما هو أطم وهجنته أتم من الصياح برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر، كما ~~يصاح بأهون الناس قدرا، لينبه على فظاعة من أجروا إليه وجسروا عليه لأن ~~من رفع الله قدره على أن يجهر له بالقول حتى خاطبه جلة المهاجرين ~~والأنصار بأخي السرار، كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش ~~مبلغا ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى ~~عن أبي عبيد ومكانه من العلم والزهد وثقة الرواية ما لا يخفى أنه ~~قال ما دققت بابا على عالم قط حتى يخرج من وقت خروجه { أنهم ~~صبروا } في موضع الرفع على الفاعلية لأن المعنى ولو ثبت صبرهم. ~~والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها. قال الله تعالى # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم # الكهف 28 وقولهم صبر عن كذا، محذوف منه المفعول، وهو النفس، وهو حبس فيه ~~شدة ومشقة على ms1951 المحبوس، فلهذا قيل للحبس على اليمين أو القتل صبر. وفي ~~كلام بعضهم الصبر مر لا يتجرعه إلا حر. فإن قلت هل من فرق بين { ~~حتى تخرج } وإلى أن تخرج؟ قلت إن «حتى» مختصة بالغاية المضروبة. ~~تقول أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت حتى نصفها، أو صدرها لم يجز، و«إلى» ~~عامة في كل غاية، فقد أفادت «حتى» بوضعها أن خروج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إليهم غاية قد ضربت لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون ~~الانتهاء إليه. فإن قلت فأي فائدة في قوله { إليهم }؟ قلت فيه أنه ~~لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن ~~خروجه إليهم { لكان خيرا لهم } في كان إما ضمير فاعل الفعل ~~المضمر بعد لو، وإما ضمير مصدر { صبروا } ، كقولهم من كذب كان شرا ~~له { والله غفور رحيم } بليغ الغفران والرحمة واسعهما، فلن ~~يضيق غفرانه ورحمته عن هؤلاء إن تابوا وأنابوا. ### || [49.6-8] # بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه ~~وهو الذي ولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فصلى بالناس وهو سكران ~~صلاة الفجر أربعا، ثم قال هل أزيدكم، فعزله عثمان عنهم مصدقا إلى ~~بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم إحنة، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين ~~له، فحسبهم مقاتليه، فرجع وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد ارتدوا ~~ومنعوا الزكاة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم. فبلغ ~~القوم فوردوا وقالوا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم فقال ~~«لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ~~ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي رضي الله عنه. وقيل بعث إليهم خالد بن ~~الوليد فوجدهم منادين بالصلوات متهجدين، فسلموا إليه الصدقات، فرجع. وفي ~~تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال أي فاسق جاءكم ~~بأي نبأ. فتوقفوا فيه وتطلبوا الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول ~~الفاسق «لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب ms1952 الذي هو نوع منه. ~~والفسوق الخروج من الشيء والانسلاخ منه. يقال فسقت الرطبة عن قشرها. ومن ~~مقلوبه فقست البيضة، إذا كسرتها وأخرجت ما فيها. ومن مقلوبه أيضا قفست ~~الشيء إذا أخرجته عن يد مالكه مغتصبا له عليه، ثم استعمل في الخروج عن ~~القصد والانسلاخ من الحق. قال رؤبة # فواسقا عن قصدها جوائرا # وقرأ ابن مسعود «فتثبتوا» والتثبت والتبين متقاربان، وهما طلب الثبات ~~والبيان والتعرف، ولما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ~~والذين معه بالمنزلة التي لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب، وما كان يقع مثل ~~ما فرط من الوليد إلا في الندرة. قيل إن جاءكم بحرف الشك وفيه أن على ~~المؤمنين أن يكونوا على هذه الصفة، لئلا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور ~~{ ءان } مفعول له، أي كراهة إصابتكم { تصيببوا قوما بجهالة ~~} حال، كقوله تعالى # ورد الله الذين كفروا بغيظهم # الأحزاب 25 يعني جاهلين بحقيقة الأمر وكنه القصة. والإصباح بمعنى ~~الصيرورة. والندم ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم ~~يقع، وهو غم يصحب الإنسان صحبة لها دوام ولزام، لأنه كلما تذكر المتندم ~~عليه راجعه من الندام وهو لزام الشريب ودوام صحبته. ومن مقلوباته أدمن ~~الأمر أدامه. ومدن بالمكان أقام به. ومنه المدينة وقد تراهم يجعلون الهم ~~صاحبا ونجيا وسميرا وضجيعا، وموصوفا بأنه لا يفارق صاحبه. الجملة ~~المصدرة بلولا تكون كلاما مستأنفا، لأدائه إلى تنافر النظم، ولكن ~~متصلا بما قبله حالا من أحد الضميرين في فيكم المستتر المرفوع، أو ~~البارز المجرور. # وكلاهما مذهب سديد. والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم ~~تغييرها. أو أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها وهي أنكم تحاولون منه أن ~~يعمل في الحوادث على مقتضى ما يعن لكم من رأى، واستصواب فعل المطواع ~~لغيره التابع له فيما يرتثيه، المحتذى على أمثلته ولو فعل ذلك { ~~لعنتم } أي لوقعتم في العنت والهلاك. يقال فلان يتعنت فلانا، أي ~~يطلب ما يؤديه إلى الهلاك. وقد أعنت العظم إذا هيض بعد ms1953 الجبر. وهذا يدل ~~على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاع ببني ~~المصطلق وتصديق قول الوليد. وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن ~~بعضهم كانوا يتصونون ويزعهم جدهم في التقوى عن الجسارة على ذلك، وهم ~~الذين استثناهم بقوله تعالى { ولكن الله حبب إليكم ~~الايمن } أي إلى بعضكم، ولكنه أغنت عن ذكر البعض صفتهم المفارقة ~~لصفة غيرهم، وهذا من إيجازات القرآن ولمحاته اللطيفة، التي لا يفطن لها ~~إلا الخواص. وعن بعض المفسرين هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى. وقوله ~~{ أولئك هم الرشدون } والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أي أولئك المستثنون هم الراشدون يصدق ما قلته. فإن قلت ما فائدة تقديم ~~خبر إن على اسمها؟ قلت القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن الله ~~منهم من استتباع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم لارائهم، فوجب تقديمه ~~لانصباب الغرض إليه. فإن قلت فلم قيل { يطيعكم } دون أطاعكم؟ قلت ~~للدلالة على أنه كان في أرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه. وأنه ~~كلما عن لهم رأى في أمر كان معمولا عليه، بدليل قوله { فى كثير ~~من الامر } كقولك فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد أنه مما ~~اعتاده ووجد منه مستمرا. فإن قلت كيف موقع { ولكن } وشريطتها ~~مفقودة من مخالفة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا؟ قلت هي مفقودة من ~~حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى لأن الذين حبب إليهم الإيمان قد غايرت ~~صفتهم صفة المتقدم ذكرهم، فوقعت، لكن في حاق موقعها من الاستدراك. ~~ومعنى تحبيب الله وتكريهه للطف والإمداد بالتوفيق، وسبيله الكتابة كما ~~سبق، وكل ذي لب وراجع إلى بصيرة وذهن لا يغبي عليه أن الرجل لا يمدح بغير ~~فعله وحمل الآية على ظاهرها يؤدي إلى أن يثني عليهم بفعل الله، وقد نفى ~~الله هذا عن الذين أنزل فيهم # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا # آل عمران 188 فإن قلت فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه، وذلك فعل ~~الله، وهو مدح مقبول عند الناس غير ms1954 مردود. قلت الذي سوغ ذلك لهم أنهم ~~رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب، يسفر عن مخبر مرضى وأخلاق ~~محمودة ومن ثم قالوا أحسن ما في الدميم وجهه، فلم يجعلوه من صفات المدح ~~لذاته، ولكن لدلالته على غيره، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من ~~دفع صحة ذلك وخطأ المادح به، وقصر المدح على النعت بأمهات الخير وهي ~~الفصاحة والشجاعة والعدل والعفة، وما يتشعب منها ويرجع إليها، وجعل الوصف ~~بالجمال والثروة وكثرة الحفدة والأعضاد وغير ذلك مما ليس للإنسان فيه عمل ~~غلطا ومخالفة عن المعقول و { الكفر } تغطية نعم الله تعالى وغمطها ~~بالجحود. # و { الفسوق } الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب الكبائر { ~~والعصيان } ترك الانقياد والمضي لما أمر به الشارع. والعرق العاصي ~~العاند. واعتصت النواة اشتدت. والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب ~~فيه من الرشادة وهي الصخرة. قال أبو الوازع كل صخرة وشادة. وأنشد # وغير مقلد وموشمات صلين الضوء من صم ~~الرشاد # و { فضلا } مفعول له، أو مصدر من غير فعله فإن قلت من أين جاز وقوعه ~~مفعولا له، والرشد فعل القوم، والفضل فعل الله تعالى، والشرط أن يتحد ~~الفاعل. قلت لما وقع الرشد عبارة عن التحبيب والتزيين والتكريه، مسندة ~~إلى اسمه تقدست أسماؤه صار الرشد كأنه فعله، فجاز أن ينتصب عنه أو لا ~~ينتصب عن الراشدون، ولكن عن الفعل المسند إلى اسم الله تعالى، والجملة ~~التي هي { أولئك هم الرشدون } اعتراض. أو عن فعل مقدر، كأنه ~~قيل جرى ذلك، أو كان ذلك فضلا من الله. وأما كونه مصدرا من غير فعله، ~~فأن يوضع موضع رشدا لأن رشدهم فضل من الله لكونهم موفقين فيه، والفضل ~~والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام { والله عليم } بأحوال المؤمنين ~~وما بينهم من التمايز والتفاضل { حكيم } حين يفضل وينعم بالتوفيق على ~~أفاضلهم. ### || [49.9] # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار، فأمسك عبد الله بن أبي ~~بأنفه وقال خل سبيل ms1955 حمارك فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة والله ~~إن بول حماره لأطيب من مسكك وروى حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من ~~مسكك ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطال الخوض بينهما حتى استبا ~~وتجالدا، وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصي، وقيل ~~بالأيدي والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصلح ~~بينهم، ونزلت. وعن مقاتل قرأها عليهم فاصطلحوا. والبغي الاستطالة والظلم ~~وإباء الصلح. والفيء الرجوع، وقد سمى به الظل والغنيمة لأن الظل يرجع ~~بعد نسخ الشمس، والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وعن أبي ~~عمرو «حتى تفيء» بغير همز ووجهه أن أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين ~~الملتقيتين فلطفت على الراوي تلك الخلسة فظنه قد طرحها. فإن قلت ما وجه ~~قوله { اقتتلوا } والقياس اقتتلتا، كما قرأ ابن أبي عبلة «أو ~~اقتتلا» كما قرأ عبيد بن عمير على تأويل الرهطين أو النفرين؟ قلت هو مما ~~حمل على المعنى دون اللفظ لأن الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي ~~قراءة عبد الله «حتى يفيئوا إلى أمر الله» فإن فاؤوا فخذوا بينهم بالقسط. ~~وحكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت. وعن ابن عمر ما وجدت في نفسي ~~من شيء ما وجدته من أمر هذه الآية إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما ~~أمرني الله عز وجل. قاله بعد أن اعتزل، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها ~~تركت، وإذا تولت اعمل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # " يا ابن أم عبد، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ " # قال الله ورسوله أعلم قال # " لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها ~~" # ولا تخلوا الفئتان من المسلمين في اقتتالهما إما أن يقتتلا على سبيل ~~البغى منهما جميعا، فالواجب في ذلك أن يمشي بينهما بما يصلح ذات البين ~~ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي ~~صير إلى مقاتلتهما، وإما أن يلتحم بينهما ms1956 القتال لشبهة دخلت عليهما. ~~وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة ~~والبراهين القاطعة، وإطلاعهما على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللجاج ولم ~~تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد ~~لحقتا بالفئتين الباغيتين. وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى ~~فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين ~~المبغى عليها بالقسط والعدل، وفي ذلك تفاصيل إن كانت الباغية من قلة ~~العدد بحيث لا منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جئت وإن كانت كثيرة ذات منعة ~~وشوكة، لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله فإن كان يفتي بأن الضمان ~~يلزمها إذا فاءت. # وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ~~ضمنته عند الجميع، فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله تعالى { فأصلحوا ~~بينهما بالعدل } على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل، ~~وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا أن ~~الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات ليس بحسن الطباق ~~للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. فإن قلت فلم قرن بالإصلاح ~~الثاني العدل دون الأول؟ قلت لأن المراد بالاقتتال في أول الآية أن ~~يقتتلا باغيتين معا أو راكبتي شبهة، وأيتهما كانت فالذي يجب على ~~المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصلاح ذات البين، وتسكين الدهماء بإرادة ~~الحق والمواعظ الشافية، ونفي الشبهة إلا إذا أصرتا، فحينئذ تجب ~~المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه، وليس كذلك إذا بغت إحداهما فإن الضمان ~~متجه على الوجهين المذكورين { وأقسطوا } أمر باستعمال القسط على ~~طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر ~~باتقاء الله على عقب النهي عن التقديم بين يديه، والقسط بالفتح ~~الجور من القسط وهو اعوجاج في الرجلين. وعود قاسط يابس. وأقسطته الرياح. ~~وأما القسط بمعنى العدل، فالفعل منه أقسط، وهمزته للسلب، أي أزال القسط ~~وهو الجور. ### || [49.10] # هذا تقرير لما ألزمه ms1957 من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من ~~المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب ~~اللاصق ما إن لم يفضل الأخوة ولم يبرز عليها لم ينقص عنها ولم يتقاصر عن ~~غايتها. ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة ~~الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول ~~مشيا بالصلح وبثا للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهي من الوفاق من ~~يرقعه، وما استشن من الوصال من يبله فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشد ~~منه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه ~~في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره " # ثم قال # " احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل ". # فإن قلت فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع؟ قلت لأن أقل من يقع بينهم ~~الشقاق اثنان فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم لأن ~~الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين، وقيل المراد بالأخوين ~~الأوس والخزرج، وقرىء «بين إخوتكم وإخوانكم» والمعنى ليس المؤمنون إلا ~~إخوة، وأنهم خلص لذلك متمحضون، قد انزاحت عنهم شبهات الأجنبية، وأبي لطف ~~حالهم في التمازج والاتحاد أن يقدموا على ما يتولد منه التقاطع، فبادروا ~~قطع ما يقع من ذلك إن وقع واحسموه { واتقوا الله } فإنكم إن ~~فعلتم لم تحملكم التقوى إلا على التواصل والائتلاف، والمسارعة إلى إماطة ~~ما يفرط منه، وكان فعلكم ذلك وصول رحمة الله إليكم، واشتمال رأفته عليكم ~~حقيقا بأن تعقدوا به رجاءكم. ### || [49.11] # القوم الرجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء. قال الله تعالى # الرجال قوامون على النساء # النساء 34 وقال عليه الصلاة والسلام 1069 # " النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه " # والذابون هم الرجال، وهو في الأصل جمع قائم، كصوم وزور في جمع صائم ~~وزائر. أو تسمية بالمصدر. عن بعض العرب إذا أكلت طعاما أحببت نوما ~~وأبغضت قوما. أي قياما، واختصاص ms1958 القوم بالرجال صريح في الآية وفي قول ~~زهير # أقوم آل حصن أم نساء # وأما قولهم في قوم فرعون وقوم عاد هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم ~~بمتعاط للفريقين، ولكن قصد ذكر الذكور وترك ذكر الإناث لأنهن توابع ~~لرجالهن، وتنكير القوم والنساء يحتمل معنيين أن يراد لا يسخر بعض ~~المؤمنين والمؤمنات من بعض وأن تقصد إفادة الشياع، وأن تصير كل جماعة ~~منهم منهية عن السخرية، وإنما لم يقل رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة على ~~التوحيد، إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم وغير واحدة من نسائهم على ~~السخرية، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه، ولأن مشهد الساخر لا يكاد ~~يخلو ممن يتلهى ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، ~~فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كل من يطرق سمعه فيستطيبه ~~ويضحك به، فيؤدي ذلك - وإن أوجده واحد - إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد ~~جماعة وقوما. وقول تعالى { عسى أن يكونوا خيرا منهم } ~~كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي ~~عنه، وإلا فقد كان حقه أن يوصل بما قبله بالفاء. والمعنى وجوب أن يعتقد ~~كل أحد أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر، لأن الناس لا ~~يطلعون إلا على ظواهر الأحوال ولا علم لهم بالخفيات، وإنما الذي يزن عند ~~الله خلوص الضمائر وتقوى القلوب، وعلمهم من ذلك بمعزل، فينبغي أن لا ~~يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة ~~في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممن هو ~~على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله والاستهانة بمن عظمه الله، ~~ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمر بن شرحبيل لو ~~رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه خشيت أن أصنع مثل الذي صنعه. وعن عبد ~~الله بن مسعود البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا. ~~وفي قراءة عبد الله «عسوا ms1959 أن يكونوا» وعسين أن يكن، فعسى على هذه القراءة ~~هي ذات الخبر كالتي في قوله تعالى # فهل عسيتم # محمد 22 وعلى الأولى هي التي لا خبر لها كقوله تعالى # وعسى أن تكرهوا شيئا # البقرة 216. واللمز الطعن والضرب باللسان. وقرىء «ولا تلمزوا» بالضم. ~~والمعنى وخصوا أيها المؤمنون أنفسكم بالانتهاء من عيبها والطعن فيها، ولا ~~عليكم أن تعيبوا غيركم ممن لا يدين بدينكم ولا يسير بسيرتكم، ففي الحديث ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1070 # " اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس " # وعن الحسن رضي الله عنه في ذكر الحجاج أخرج إلى بنانا قصيرة قلما عرقت ~~فيها الأعنة في سبيل الله ثم جعل يطبطب شعيرات له ويقول يا أبا سعيد يا ~~أبا سعيد، وقال لما مات اللهم أنت أمته فاقطع سنته، فإنه أتانا أخيفش ~~أعيمش يخطر في مشيته ويصعد المنبر حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا ~~من الناس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل ~~الصلاة أيها الرجل الصلاة أيها الرجل، هيهات دون ذلك السيف والسوط. وقيل ~~معناه لا يعب بعضكم بعضا، لأن المؤمنين كنفس واحدة، فمتى عاب المؤمن ~~المؤمن فكأنما عاب نفسه. وقيل معناه لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن من فعل ~~ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة. والتنابز بالألقاب التداعي بها ~~تفاعل من نبزه، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون ويقال النبز والنزب لقب ~~السوء والتلقيب المنهي عنه، وهو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه ~~تقصيرا به وذما له وشيئا، فأما ما يحبه مما يزينه وينوه به فلا بأس ~~به. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم 1071 # " من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه " # ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن. قال عمر رضي الله عنه أشيعوا ~~الكنى فإنها منبهة. ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق، وعمر بالفاروق، ~~وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقل من المشاهير في الجاهلية ~~والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب ms1960 الحسنة في الأمم كلها من ~~العرب والعجم تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير. روي عن الضحاك ~~أن قوما من بني تميم استهزؤوا ببلال وخباب وعمار وصهيب وأبي ذر وسالم ~~مولى حذيفة. فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسخر من زينب بنت ~~خزيمة الهلالية وكانت قصيرة. وعن ابن عباس أن أم سلمة ربطت حقويها ~~بسبنية وسدلت طرفها خلفها وكانت تجره، فقالت عائشة لحفصة انظري ما تجر ~~خلفها كأنه لسان كلب. وعن أنس عيرت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أم سلمة بالقصر. وعن عكرمة عن ابن عباس 1072 أن صفية بنت حيي أتت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت ~~يهوديين، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم # " هلا قلت إن أبي هرون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد " # ، روي 1073 أنها نزلت في ثابت بن قيس وكان به وقر، وكانوا يوسعون له في ~~مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع فأتى يوما وهو يقول تفسحوا لي، ~~حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فقال لرجل تنح، ~~فلم يفعل، فقال من هذا؟ فقال الرجل أنا فلان، فقال بل أنت ابن فلانة، ~~يريد أما كان يعير بها في الجاهلية، فخجل الرجل فنزلت، فقال ثابت لا ~~أفخر على أحد في الحسب بعدها أبدا { الاسم } ههنا بمعنى الذكر، من ~~قولهم طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، كما يقال طار ثناؤه وصيته. ~~وحقيقته ما سما من ذكره وارتفع بين الناس. ألا ترى إلى قولهم أشاد بذكره ~~كأنه قيل بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا ~~بالفسق. وفي قوله { بعد الايمان } ثلاثة أوجه أحدها استقباح الجمع ~~بين الإيمان وبين الفسق الذي يأباه الإيمان ويحظره، كما تقول بئس الشأن ~~بعد الكبرة الصبوة والثاني أنه كان في شتائمهم لمن أسلم من اليهود يا ~~يهودي يا فاسق، فنهوا عنه، وقيل لهم بئس الذكر أن تذكروا الرجل بالفسق ~~واليهودية ms1961 بعد إيمانه، والجملة على هذا التفسير متعلقة بالنهي عن ~~التنابز. والثالث أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة ~~إلى الفلاحة بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة. ### || [49.12] # يقال جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته جعله منه في جانب، فيعدى إلى ~~مفعولين. قال الله عز وجل # واجنبنى وبنى أن نعبد الاصنام # إبراهيم 35 ثم يقال في مطاوعه اجتنب الشر فتنقص المطاوعة مفعولا. ~~والمأمور باجتنابه هو بعض الظن، وذلك البعض موصوف بالكثرة ألا ترى إلى ~~قوله { إن بعض الظن إثم }؟ فإن قلت بين الفصل بين { ~~كثيرا } ، حيث جاء نكرة وبينه لو جاء معرفة. قلت مجيئه نكرة يفيد معنى ~~البعضية، وإن في الظنون ما يجب أن يجتنب من غير تبيين لذلك ولا تعيين. ~~لئلا يجترىء أحد على ظن إلا بعد نظر وتأمل، وتمييز بين حقه وباطله ~~بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر ولو عرف لكان الأمر باجتناب الظن ~~منوطا بما يكثر من دون ما يقل، ووجب أن يكون كل ظن متصف بالكثرة ~~مجتنبا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه. والذي يميز الظنون التي ~~يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان ~~حراما واجب الاجتناب وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر ~~والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد والخيانة به محرم، ~~بخلاف من اشتهره الناس بتعاطي الريب والمجاهرة بالخبائث. عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 1074 # " إن الله تعالى حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " # وعن الحسن كنا في زمان الظن بالناس حرام، وأنت اليوم في زمان اعمل ~~واسكت، وظن بالناس ما شئت. وعنه لا حرمة لفاجر. وعنه إن الفاسق إذا أظهر ~~فسقه وهتك ستره هتكه الله، وإذا استتر لم يظهر الله عليه لعله أن يتوب. ~~وقد روي 1075 من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له. والإثم الذنب الذي يستحق ~~صاحبه العقاب. ومنه قيل لعقوبته الأثام، فعال منه كالنكال والعذاب ~~والوبال، قال # لقد فعلت هذي ms1962 النوى بي فعلة أصاب النوى قبل ~~الممات أثامها # والهمزة فيه عن الواو، كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه. وقرىء «ولا ~~تحسسوا» بالحاء والمعنيان متقاربان. يقال تجسس الأمر إذا تطلبه وبحث عنه ~~تفعل من الجس، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس، لما في اللمس من ~~الطلب. وقد جاء بمعنى الطلب في قوله تعالى # وأنا لمسنا السماء # الجن8 والتحسس التعرف من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان الحواس ~~بالحاء والجيم، والمراد النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعايبهم ~~والاستكشاف عما ستروه. وعن مجاهد. خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 1076 أنه خطب فرفع صوته حتى أسمع العواتق في ~~خدورهن. قال # " يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تتبعوا عورات ~~المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في ~~جوف بيته " # وعن زيد بن وهب قلنا لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~تقطر لحيته خمرا؟ فقال ابن مسعود إنا قد نهينا عن التجسس، فإن ظهر لنا ~~شيء أخذنا به. غابه واغتابه كغاله واغتاله. والغيبة من الاغتياب، كالغيلة ~~من الاغتيال وهي ذكر السوء في الغيبة 1077 سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الغيبة فقال # " أن تذكر أخاك بما يكره. فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد ~~بهته " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما الغيبة إدام كلاب الناس { أيحب ~~أحدكم } تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع ~~وجه وأفحشه. وفيه مبالغات شتى منها الاستفهام الذي معناه التقرير. ومنها ~~جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة. ومنها إسناد الفعل إلى ~~أحدكم والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها أن لم يقتصر على ~~تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخا. ومنها أن لم ~~يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتا. وعن قتادة كما تكره إن وجدت جيفة ~~مدودة أن تأكل منها، كذلك فاكره ms1963 لحم أخيك وهو حي. وانتصب { ميتا } ~~على الحال من اللحم. ويجوز أن ينتصب عن الأخ. وقرىء «ميتا» ولما قررهم ~~عز وجل بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله تعالى { ~~فكرهتموه } معناه فقد كرهتموه واستقر ذلك. وفيه معنى الشرط، أي ~~إن صح هذا فكرهتموه، وهي الفاء الفصيحة، أي فتحققت - بوجوب الإقرار ~~عليكم وبأنكم لا تقدرون على دفعه وإنكاره لإباء البشرية عليكم أن تجحدوه ~~- كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أيضا أن تكرهوا ما هو نظيره من ~~الغيبة والطعن في أعراض المسلمين. وقرىء «فكرهتموه» أي جبلتم على كراهته. ~~فإن قلت هلا عدى بإلى كما عدى في قوله { وكره إليكم ~~الكفر } وأيهما القياس؟ قلت القياس تعديه بنفسه، لأنه ذو مفعول واحد ~~قبل تثقيل حشوه، تقول كرهت الشيء، فإذا ثقل استدعى زيادة مفعول. وأما ~~تعديه بإلى، فتأول وإجراء لكره مجرى بغض، لأن بعض منقول من بغض إليه ~~الشيء فهو بغيض إليه، كقولك حب إليه الشيء فهو حبيب إليه. والمبالغة في ~~التواب للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب ~~يقترفه المقترف إلا كان معفوا عنه بالتوبة. أو لأنه بليغ في قبول ~~التوبة، منزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط، لسعة كرمه. والمعنى واتقوا ~~الله بترك ما أمرتم باجتنابه والندم على ما وجد منكم منه، فإنكم إن ~~اتقتيتم تقبل الله توبتكم وأنعم عليك بثواب المتقين التائبين. وعن ابن ~~عباس 1078 أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوي لهما طعامهما، فنام ~~عن شأنه يوما، فبعثاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغي لهما ~~إداما، وكان أسامة على طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندي ~~شيء، فأخبرهما سلمان بذلك، فعند ذلك قالا لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ~~ماؤها، فلما راحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما مالي أرى ~~خضرة اللحم في أفواهكما، فقالا ما تناولنا لحما فقال إنكما قد اغتبتما ~~فنزلت. ### || [49.13] # { من ذكر وأنثى } من آدم وحواء. وقيل خلقنا ms1964 كل واحد منكم من ~~أب وأم، فما منكم أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلى به الآخر سواء بسواء، ~~فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب. والشعب الطبقة الأولى من الطبقات ~~الست التي عليها العرب، وهي الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، ~~والفصيلة فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع ~~البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل خزيمة شعب، وكنانة ~~قبيلة، وقريش عمارة، وقصى بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة، وسميت الشعوب ~~لأن القبائل تشعبت منها. وقرىء «لتتعارفوا» ولتعارفوا بالإدغام. ~~ولتعرفوا، أي لتعلموا كيف تتناسبون. ولتتعرفوا. والمعنى أن الحكمة التي ~~من أجلها رتبكم على شعوب وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض. فلا يعتزى إلى ~~غير آبائه، لا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدعوا التفاوت والتفاضل في ~~الأنساب. ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره ويكتسب الشرف والكرم ~~عند الله تعالى فقال { إن أكرمكم عند الله أتقكم } ~~وقرىء «أن» بالفتح، كأنه قيل لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل لأن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1079 أنه طاف ~~يوم فتح مكة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال # " الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس، إنما ~~الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله " # ثم قرأ الآية. وعنه عليه السلام 1080 # " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " # وعن ابن عباس كرم الدنيا الغني، وكرم الآخرة التقوى. وعو يزيد بن شجرة ~~1081 مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاما أسود ~~يقول من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم، فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وآله وسلم يراه عند كل صلاة، ففقده يوما فسأل عنه صاحبه، فقال ~~محموم، فعاده ثم سأل عنه بعد ثلاثة أيام فقال هو لما به، فجاءه وهو في ~~ذمائه. فتولى غسله ودفنه، فدخل على المهاجرين والأنصار أمر ms1965 عظيم، فنزلت. ### || [49.14] # الإيمان هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس. والإسلام الدخول في السلم. ~~والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى { ولما يدخل الايمن فى قلوبكم } فاعلم أن ما ~~يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام، وما واطأ فيه ~~القلب اللسان فهو إيمان. فإن قلت ما وجه قوله تعالى { قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } والذي يقتضه نظم الكلام أن ~~يقال قل لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا. أو قل لم تؤمنوا ولكن ~~أسلمتم؟ قلت أفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أولا، ودفع ما انتحلوه، فقيل ~~قل لم تؤمنوا. وروعى في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرح ~~بلفظه، فل يقل كذبتم، ووضع { لم تؤمنوا } الذي هو نفي ما ادعوا ~~إثباته موضعه، ثم نبه على ما فعل من وضعه موضع كذبتم في قوله في صفة ~~المخلصين # أولئك هم الصدقون # الحجرات 15 تعريضا بأن هؤلاء هم الكاذبون، ورب تعريض لا يقاومه ~~التصريح، واستغنى بالجملة التي هي لم { تؤمنوا } عن أن يقال لا ~~تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤداه النهي عن القول بالإيمان، ~~ثم وصلت بها الجملة المصدرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى، ولم يقل ~~ولكن أسلمتم، ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم { ~~ءامنا } كذلك، ولو قيل ولكن أسلمتم، لكان خروجه في معرض التسليم لهم ~~والاعتداد بقولهم وهو غير معتد به. فإن قلت قوله { ولما يدخل ~~الايمن فى قلوبكم } بعد قوله تعالى { قل لم تؤمنوا } ~~يشبه التكرير من غير استقلال بفائدة متجددة. قلت ليس كذلك، فإن فائدة ~~قوله { لم تؤمنوا } هو تكذيب دعواهم، وقوله { ولما يدخل ~~الايمن فى قلوبكم } توقيت لما أمروا به أن يقولوه، كأنه قيل ~~لهم { ولكن قولوا أسلمنا } حين لم تثبت مواطأة قلوبكم ~~لألسنتكم لأنه كلام واقع موقع الحال من الضمير في { قولوا } وما في ~~لما من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد { لا يلتكم ~~} لا ينقصكم ولا يظلمكم. يقال ألته السلطان ms1966 حقه أشد الألت، وهي لغة ~~غطفان. ولغة أسد وأهل الحجاز لاته ليتا. وحكى الأصمعي عن أم هشام ~~السلولية أنها قالت الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات، ولا تصمه الأصوات. ~~وقرىء باللغتين «لا يلتكم» ولا يألتكم. ونحوه في المعنى # فلا تظلم نفس شيئا # الأنبياء 47. ومعنى طاعة الله ورسوله أن يتوبوا عما كانوا عليه من ~~النفاق ويعقدوا قلوبهم على الإيمان ويعملوا بمقتضياته، فإن فعلوا ذلك ~~تقبل الله توبتهم، ووهب لهم مغفرته. وأنعم عليهم بجزيل ثوابه. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة، ~~فأظهروا الشهادة، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وهم ~~يغدون ويروحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون أتتك العرب ~~بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، يريد الصدقة ويمنون ~~عليه، فنزلت. ### || [49.15] # ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة. والمعنى أنهم آمنوا ثم ~~لم يقع في نفوسهم شك فيما آمنوا به، ولا اتهام لمن صدقوه واعترفوا بأن ~~الحق منه. فإن قلت ما معنى ثم ههنا وهي التراخي وعدم الارتياب يجب أن ~~يكون مقارنا للإيمان لأنه وصف فيه، لما بينت من إفادة الإيمان معنى ~~الثقة والطمأنينة التي حقيقتها التيقن وانتفاء الريب؟ قلت الجواب على ~~طريقين، أحدهما أن من وجد منه الإيمان ربما اعترضه الشيطان أو بعض ~~المضلين بعد ثلج الصدر فشككه وقذف في قلبه ما يثلم يقينه، أو نظر هو ~~نظرا غير سديد يسقط به على الشك ثم يستمر على ذلك راكبا رأسه لا يطلب ~~له مخرجا، فوصف المؤمنون حقا بالبعد عن هذه الموبقات. ونظيره قوله # ثم استقموا # فصلت 30 والثاني أن الإيقان وزوال الريب لما كان ملاك الإيمان أفرد ~~بالذكر بعد تقدم الإيمان، تنبيها على مكانه وعطف على الإيمان بكلمة ~~التراخي إشعارا باستقراره في الأزمنة المتراخية المتطاولة غضا جديدا. ~~{ وجهدوا } يجوز أن يكون المجاهد منويا وهو العدو المحارب أو ~~الشيطان أو الهوى. وأن يكون جاهد مبالغة في جهد. ويجوز أن يراد بالمجاهدة ~~بالنفس الغزو، وأن يتناول ms1967 العبادات بأجمعها، وبالمجاهدة بالمال نحو ما ~~صنع عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، وأن يتناول الزكوات وكل ما يتعلق ~~بالمال من أعمال البر التي يتحامل فيها الرجل على ماله لوجه الله تعالى { ~~أولئك هم الصدقون } الذين صدقوا في قولهم آمنا، ولم ~~يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، أو هم الذين إيمانهم إيمان صدق وإيمان حق ~~وجد وثبات. ### || [49.16] # يقال ما علمت بقدومك، أي ما شعرت به ولا أحطت به. ومنه قوله تعالى { ~~أتعلمون الله بدينكم } وفيه تجهيل لهم. ### || [49.17-18] # يقال من عليه بيد أسداها إليه، كقولك أنعم عليه وأفضل عليه. والمنة ~~النعمة التي لا يستثيب مسديها من يزلها إليه واشتقاقها من المن الذي هو ~~القطع، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد ~~لطلب مثوبة. ثم يقال من عليه صنعه، إذا اعتده عليه منة وإنعاما. وسياق ~~هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أن الكائن من الأعاريب قد سماه الله ~~إسلاما، ونفى أن يكون كما زعموا إيمانا فلما منوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما كان منهم قال الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة ~~والسلام إن هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به من حدثهم ~~الذي حق تسميته أن يقال له إسلام. فقل لهم لا تعتدوا على إسلامكم، أي ~~حدثكم المسمى إسلاما عندي لا إيمانا. ثم قال بل الله يعتد عليكم أن ~~أمدكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ~~ووفقتم له إن صح زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله ~~عليم بخلافه. وفي إضافة الإسلام إليهم وإيراد الإيمان غير مضاف ما لا ~~يخفى على المتأمل، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره إن ~~كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فلله المنة عليكم. وقرىء «إن هداكم» ~~بكسر الهمزة. وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه إذ هداكم. وقرىء «تعلمون» ~~بالتاء والياء، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني أنه عز وجل ~~يعلم كل مستتر في ms1968 العالم ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا ~~يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم ولا يظهر على صدقكم ~~وكذبكم، وذلك أن خاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1082 # " من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه ". ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1-3] # الكلام في { ق والقرءان المجيد بل عجبوا } نحوه في # ص والقرءان ذى الذكر بل الذين كفروا # ص 1 - 2 سواء بسواء، لالتقائهما في أسلوب واحد. والمجيد ذو المجد والشرف ~~على غيره من الكتب، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل بما فيه مجد عند الله ~~وعند الناس، وهو بسبب من الله المجيد، فجاز اتصافه بصفته. قوله بل عجبوا ~~{ أن جاءهم منذر منهم } إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ~~ينذرهم بالمخوف رجل منهم قد عرفوا وساطته فيهم وعدالتهم وأمانته، ومن كان ~~على صفته لم يكن إلا ناصحا لقومه مترفرفا عليهم، خائفا أن ينالهم سوء ~~ويحل بهم مكروه، وإذا علم أن مخوفا أظلهم، لزمه أن ينذرهم ويحذرهم، ~~فكيف بما هو غاية المخاوف ونهاية المحاذير، وإنكار لتعجبهم مما أنذرهم به ~~من البعث، مع علمهم بقدرة الله تعالى على خلق السموات والأرض وما ~~بينهما، وعلى اختراع كل شيء وإبداعه، وإقرارهم بالنشأة الأولى، ومع شهادة ~~العقل بأنه لا بد من الجزاء. ثم عول على أحد الإنكارين بقوله تعالى { ~~فقال الكفرون هذا شىء عجيب أءذا متنا } دلالة ~~على أن تعجبهم من البعث أدخل في الاستبعاد وأحق بالإنكار، ووضع الكافرون ~~موضع الضمير للشهادة على أنهم في قولهم هذا مقدمون على الكفر العظيم. ~~وهذا إشارة إلى الرجع وإذا منصوب بمضمر معناه أحين نموت ونبلى نرجع؟ { ~~ذلك رجع بعيد } مستبعد مستنكر، كقولك هذا قول بعيد. وقد أبعد ~~فلان في قوله. ومعناه بعيد من الوهم والعادة. ويجوز أن يكون الرجع بمعنى ~~المرجوع. وهو الجواب، ويكون من كلام الله تعالى استبعادا لإنكارهم ما ~~أنذروا به من البعث، والوقف قبله على هذا التفسير حسن. وقرىء «إذا ms1969 متنا» ~~على لفظ الخبر، ومعناه إذا متنا بعد أن نرجع، والدال عليه { ذلك ~~رجع بعيد }. فإن قلت فما ناصب الظرف إذا كان الرجع بمعنى المرجوع؟ ~~قلت ما دل عليه المنذر من المنذر به، وهو البعث. ### || [50.4] # { قد علمنا } رد لاستبعادهم الرجع، لأن من لطف علمه حتى تغلغل ~~إلى ما تنقص الأرض من أجساد الموتى وتأكله من لحومهم وعظامهم، كان قادرا ~~على رجعهم أحياء كما كانوا. عن النبي صلى الله عليه وسلم 1083 # " كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب " # ، وعن السدي { ما تنقص الأرض منهم } ما يموت فيدفن في الأرض ~~منهم { كتب حفيظ } محفوظ من الشياطين ومن التغير، وهو اللوح ~~المحفوظ. أو حافظ لما أودعه وكتب فيه. ### || [50.5] # { بل كذبوا } إضراب أتبع الإضراب الأول، للدلالة على أنهم جاؤوا ~~بما هو أفظع من تعجبهم وهو التكذيب بالحق الذي هو النبوة الثابتة ~~بالمعجزات في أول وهلة من غير تفكر ولا تدبر { فهم فى أمر ~~مريج } مضطرب. يقال مرج الخاتم في أصبعه وجرج فيقولون تارة شاعر، ~~وتارة ساحر، وتارة كاهن، لا يثبتون على شيء واحد وقرىء «لما جاءهم» بكسر ~~اللام وما المصدرية، واللام هي التي في قولهم لخمس خلون، أي عند مجيئه ~~إياهم، وقيل { الحق } القرآن. وقيل الإخبار بالبعث. ### || [50.6] # { أفلم ينظروا } حين كفروا بالبعث إلى آثار قدرة الله في خلق ~~العالم { بنينها } رفعناها بغير عمد { من فروج } من فتوق يعني ~~أنها ملساء سليمة من العيوب لا فتق فيها ولا صدع ولا خلل، كقوله تعالى # هل ترى من فطور # الملك 3. ### || [50.7-8] # { مددنها } دحوناها { رواسى } جبالا ثوابت لولا هي لتكفأت { ~~من كل زوج } من كل صنف { بهيج } يبتهج به لحسنه { تبصرة ~~وذكرى } لتبصر به وتذكر كل { عبد منيب } راجع إلى ربه، مفكر ~~في بدائع خلقه. وقرىء «تبصرة وذكرى» بالرفع، أي خلقها تبصرة. ### || [50.9-11] # { ماء مبركا } كثير المنافع { وحب الحصيد } وحب الزرع ~~الذي من شأنه أن يحصد، وهو ما يقتات به من نحو الحنطة والشعير وغيرهما { ~~بسقت } طوالا في السماء وفي قراءة رسول الله صلى ms1970 الله عليه وسلم ~~باصقات، بإبدال السين صادا لأجل القاف { نضيد } منضود بعضه فوق بعض ~~إما أن يراد كثرة الطلع وتراكمه أو كثرة ما فيه من الثمر { رزقا } على ~~أنبتناها رزقا، لأن الإنبات في معنى الرزق. أو على أنه مفعول له، أي ~~أنبتناها لنرزقهم { كذلك الخروج } كما حييت هذه البلدة الميتة، ~~كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، والكاف في محل الرفع على الابتداء. ### || [50.12-14] # أراد بفرعون قومه كقوله تعالى # من فرعون وملئهم # يونس 83 لأن المعطوف عليه قوم نوح، والمعطوفات جماعات { كل } يجوز ~~أن يراد به كل واحد منهم، وأن يراد جميعهم، إلا أنه وحد الضمير الراجع ~~إليه على اللفظ دون المعنى { فحق وعيد } فوجب وحل وعيدي، وهو كلمة ~~العذاب. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديد لهم. ### || [50.15] # عيى بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله، والهمزة للإنكار. والمعنى أنا لم ~~نعجز كما علموا عن الخلق الأول، حتى نعجز عن الثاني، ثم قال هم لا ينكرون ~~قدرتنا على الخلق الأول، واعترافهم بذلك في طيه الاعتراف بالقدرة على ~~الإعادة { بل هم فى لبس } أي في خلط وشبهة. قد لبس عليهم الشيطان ~~وحيرهم. ومنه قول علي رضي الله عنه يا حار، إنه لملبوس عليك، اعرف الحق ~~تعرف أهله. ولبس الشيطان عليهم تسويله إليهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن ~~العادة، فتركوا لذلك القياس الصحيح أن من قدر على الإنشاء كان على ~~الإعادة أقدر. فإن قلت لم نكر الخلق الجديد، وهلا عرف الخلق الأول؟ قلت ~~قصد في تنكيره إلى خلق جديد له شأن عظيم وحال شديد. حق من سمع به أن يهتم ~~به ويخاف، ويبحث عنه ولا يقعد على لبس في مثله. ### || [50.16] # الوسوسة الصوت الخفي. ومنها وسواس الحلى. ووسوسة النفس ما يخطر ببال ~~الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس. والباء مثلها في قولك صوت بكذا ~~وهمس به. ويجوز أن تكون للتعدية والضمير للإنسان، أي ما تجعله موسوسا، ~~وما مصدرية، لأنهم يقولون حدث نفسه بكذا، كما يقولون حدثته به نفسه. قال # واكذب ms1971 النفس إذا حدثتها # { ونحن أقرب إليه } مجاز، والمراد قرب علمه منه، وأنه يتعلق ~~بمعلومه منه ومن أحواله تعلقا لا يخفى عليه شيء من خفياته، فكأنه ذاته ~~قريبة منه، كما يقال الله في كل مكان، وقد جل عن الأمكنة. وحبل الوريد ~~مثل في فرط القرب، كقولهم هو مني مقعد القابلة ومعقد الإزار. وقال ذو ~~الرمة # والموت أدنى لي من الوريد # والحبل العرق، شبه بواحد الحبال، ألا ترى إلى قوله # كأن وريديه رشاءا خلب # والوريدان عرقان مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوتين، يردان ~~من الرأس إليه. وقيل سمي وريدا لأن الروح ترده. فإن قلت ما وجه إضافة ~~الحبل إلى الوريد، والشيء لا يضاف إلى نفسه؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن ~~تكون الإضافة للبيان، كقولهم بعير سانية. والثاني أن يراد حبل العاتق ~~فيضاف إلى الوريد، كما يضاف إلى العاتق لاجتماعهما في عضو واحد» كما لو ~~قيل حبل العلياء مثلا. ### || [50.17-18] # { إذ } منصوب بأقرب، وساغ ذلك لأن المعاني تعمل في الظرف متقدمة ~~ومتأخرة، والمعنى أنه لطيف يتوصل علمه إلى خطرات النفس وما لا شيء أخفى ~~منه، وهو أقرب من الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به، ~~إيذانا بأن استحفاظ الملكين أمر هو غني عنه وكيف لا يستغني عنه وهو مطلع ~~على أخفى الخفيات؟ وإنما ذلك لحكمة اقتضت ذلك وهي ما في كتبة الملكين ~~وحفظهما، وعرض صحائف العمل يوم يقوم الأشهاد. وعلم العبد بذلك مع علمه ~~بإحاطة الله بعمله. من زيادة لطف له في الانتهاء عن السيئات والرغبة في ~~الحسنات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1084 # " إن مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري ~~فيما لا يعنيك لا تستحي من الله تعالى ولا منهما " # ويجوز أن يكون تلقي الملكين بيانا للقرب، يعني ونحن قريبون منه مطلعون ~~على أحواله مهيمنون عليه، إذ حفظتنا وكتبتنا موكلون به، والتلقي التلقن ~~بالحفظ والكتبة. والقعيد القاعد، كالجليس بمعنى الجالس، وتقديره عن ~~اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني ms1972 ~~عليه، كقوله # ... كنت منه ووالدي بريا......... # { رقيب } ملك يرقب عمله { عتيد } حاضر، واختلف فيما يكتب الملكان، ~~فقيل يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه. وقيل لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ~~أو يؤزر به. ويدل عليه قوله عليه الصلاة و السلام 1085 # " كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب ~~الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر " # وقيل إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه. وقرىء «ما ~~يلفظ» على البناء للمفعول. ### || [50.19-22] # لما ذكر إنكارهم البعث واحتج عليهم بوصف قدرته وعلمه، أعلمهم أن ما ~~أنكروه وجحدوه هم لاقوه عن قريب عند موتهم وعند قيام الساعة، ونبه على ~~اقتراب ذلك بأن عبر عنه بلفظ الماضي. وهو قوله { وجاءت سكرة ~~الموت بالحق } { ونفخ فى الصور } ، وسكرة الموت شدته ~~الذاهبة بالعقل. والباء في بالحق للتعدية، يعني وأحضرت سكرة الموت حقيقة ~~الأمر الذي أنطق الله به كتبه وبعث به رسله. أو حقيقة الأمر وجلية الحال ~~من سعادة الميت وشقاوته. وقيل الحق الذي خلق له الإنسان، أن كل نفس ذائقة ~~الموت. ويجوز أن تكون الباء مثلها في قوله # تنبت بالدهن # المؤمنون 20 أي وجاءت ملتبسة بالحق، أي بحقيقة الأمر. أو بالحكمة والغرض ~~الصحيح، كقوله تعالى # خلق السموات والأرض بالحق # الأنعام 73 وقرأ أبو بكر وابن مسعود رضي الله عنهما «سكرة الحق بالموت» ~~على إضافة السكرة إلى الحق والدلالة على أنها السكرة التي كتبت على ~~الإنسان وأوجبت له، وأنها حكمة. والباء للتعدية لأنها سبب زهوق الروح ~~لشدتها، أو لأن الموت يعقبها فكأنها جاءت به. ويجوز أن يكون المعنى جاءت ~~ومعها الموت. وقيل سكرة الحق سكرة الله، أضيفت إليه تفظيعا لشأنها ~~وتهويلا. وقرىء «سكرات الموت» { ذلك } إشارة إلى الموت، والخطاب ~~للإنسان في قوله # ولقد خلقنا الإنسن # الحجر 26 على طريق الالتفات. أو إلى الحق والخطاب للفاجر { تحيد } ~~تنفر وتهرب. وعن بعضهم أنه سأل ms1973 زيد بن أسلم عن ذلك فقال الخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فحكاه لصالح بن كيسان فقال والله ما سن عالية ~~ولا لسان فصيح ولا معرفة بكلام العرب، هو للكافر. ثم حكاهما للحسين بن ~~عبد الله بن عبيد الله بن عباس فقال أخالفهما جميعا هو للبر والفاجر { ~~ذلك يوم الوعيد } على تقدير حذف المضاف، أي وقت ذلك يوم ~~الوعيد، والإشارة إلى مصدر نفخ { سائق وشهيد } ملكان أحدهما يسوقه ~~إلى المحشر، والآخر يشهد عليه بعمله. أو ملك واحد جامع بين الأمرين، كأنه ~~قيل معها ملك يسوقها ويشهد عليها ومحل { معها سائق } النصب على ~~الحال من كل لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة. قرىء «لقد كنت» ~~عنك غطائك فبصرك، بالكسر على خطاب النفس، أي يقال لها لقد كنت. جعلت ~~الغفلة كأنها غطاء غطى به جسده كله أو غشاوة غطى بها عينيه فهو لا يبصر ~~شيئا فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت الغفلة عنه وغطاؤها فيبصر ما لم ~~يبصره من الحق. ورجع بصره الكليل عن الإبصار لغفلته حديدا لتيقظه. ### || [50.23] # { وقال قرينه } هو الشيطان الذي قيض له في قوله # نقيض له شيطانا فهو له قرين # الزخرف 36 يشهد له قوله تعالى # قال قرينه ربنا ما أطغيته # ق 27. { هذا ما لدى عتيد } هذا شيء لدي وفي ملكتي عتيد ~~لجهنم. والمعنى أن ملكا يسوقه وآخر يشهد عليه، وشيطانا مقرونا به، ~~يقول قد أعتدته لجهنم وهيئته لها بإغوائي وإضلالي. فإن قلت كيف إعراب هذا ~~الكلام؟ قلت إن جعلت { ما } موصوفة، فعتيد صفة لها وإن جعلتها موصولة، ~~فهو بدل، أو خبر بعد خبر. أو خبر مبتدأ محذوف. ### || [50.24] # { ألقيا } خطاب من الله تعالى للملكين السابقين السائق والشهيد ~~ويجوز أن يكون خطابا للواحد على وجهين أحدهما قول المبرد أن تثنية ~~الفاعل نزلت منزلة تثنية الفعل لاتحادهما، كأنه قيل ألق ألق للتأكيد. ~~والثاني أن العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان، فكثر على ألسنتهم أن ~~يقولوا خليلي وصاحبي، وقفا وأسعدا، حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين عن ms1974 ~~الحجاج أنه كان يقول يا حرسي، اضربا عنقه. وقرأ الحسن «ألقين» بالنون ~~الخفيفة. ويجوز أن تكون الألف في { ألقيا } بدلا من النون إجراء ~~للوصل مجرى الوقف { عنيد } معاند مجانب للحق معاد لأهله { مناع ~~للخير } كثير المنع للمال على حقوقه، جعل ذلك عادة له لا يبذل منه ~~شيئا قط. أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله يحول بينه وبينهم. قيل ~~نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يمنع بني أخيه من الإسلام، وكان يقول من ~~دخل منكم فيه لم أنفعه بخير ما عشت { معتد } ظالم متخط للحق { ~~مريب } شاك في الله وفي دينه { الذى جعل } مبتدأ مضمن معنى ~~الشرط، ولذلك أجيب بالفاء. ويجوز أن يكون { الذى جعل } منصوبا ~~بدلا من { كل كفار } ويكون { فألقيه } تكريرا للتوكيد. ### || [50.27] # فإن قلت لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الأولى؟ قلت لأنها ~~استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما رأيت في حكاية ~~المقاولة بين موسى وفرعون. فإن قلت فأين التقاول ههنا؟ قلت لما قال ~~قرينه { هذا ما لدى عتيد } وتبعه قوله { قال قرينه ~~ربنا ما أطغيته } وتلاه # لا تختصموا لدى # ق 28 علم أن ثم مقاولة من الكافر، لكنها طرحت لما يدل عليها، كأنه قال ~~رب هو أطغاني، فقال قرينه ربنا ما أطغيته. وأما الجملة الأولى فواجب ~~عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعني مجيء ~~كل نفس مع الملكين وقول قرينه ما قال له { ما أطغيته } ما جعلته ~~طاغيا، وما أوقعته في الطغيان، ولكنه طغى واختار الضلالة على الهدى ~~كقوله تعالى # وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لى # إبراهيم 22. ### || [50.28-29] # { قال لا تختصموا } استئناف مثل قوله # قال قرينه # ق 27 كأن قائلا قال فماذا قال الله؟ فقيل قال لا تختصموا. والمعنى لا ~~تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل ~~تحته، وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت ~~لكم حجة علي، ثم قال ms1975 لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي فأعفيكم عما ~~أوعدتكم به { وما أنا بظلم للعبيد } فأعذب من ليس ~~بمستوجب للعذاب. والباء في { بالوعيد } مزيدة مثلها في { ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أو معدية، على أن «قدم» ~~مطاوع بمعنى «تقدم» ويجوز أن يقع الفعل على جملة قوله { ما يبدل ~~القول لدى ومآ أنا بظلم للعبيد } ولأن { ~~بالوعيد } حالا، أي قدمت إليكم هذا ملتبسا بالوعيد مقترنا به. أو ~~قدمته إليكم موعدا لكم به. فإن قلت إن قوله { وقد قدمت ~~إليكم } واقع موقع الحال من { لا تختصموا } والتقديم بالوعيد ~~في الدنيا والخصومة في الآخرة واجتماعها في زمان واحد واجب. قلت معناه ~~ولا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد، وصحة ذلك عندهم في ~~الآخرة، فإن قلت كيف قال { بظلم } على لفظ المبالغة؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما أن يكون من قولك هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده. والثاني أن ~~يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلاما مفرط الظلم. فنفى ذلك. ### || [50.30] # قرىء «نقول» بالنون والياء. وعن سعيد بن جبير يوم يقول الله لجهنم. وعن ~~ابن مسعود والحسن يقال. وانتصاب اليوم بظلام أو بمضمر. نحو أذكر وأنذر. ~~ويجوز أن ينتصب بنفخ، كأنه قيل ونفخ في الصور يوم نقول لجهنم. وعلى هذا ~~يشار بذلك إلى يوم نقول، ولا يقدر حذف المضاف. وسؤال جهنم وجوابها من ~~باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب وتثبيته، وفيه معنيان، ~~أحدهما أنها تمتلىء مع اتساعها وتباعد أطرافها حتى لا يسعها شيء ولا يزاد ~~على امتلائها، لقوله تعالى # لأ ملان جهنم # السجدة 13 والثاني أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها موضع ~~للمزيد. ويجوز أن يكون { هل من مزيد } استكثارا للداخلين فيها ~~واستبداعا للزيادة عليهم لفرط كثرتهم. أو طلبا للزيادة غيظا على ~~العصاة. والمزيد إما مصدر كالمحيد والمميد، وإما اسم مفعول كالمبيع. ### || [50.31-35] # { غير بعيد } نصب على الظرف، أي مكانا غير بعيد. أو على الحال، ~~وتذكيره لأنه على زنة المصدر، كالزئير والصليل والمصادر يستوي في الوصف ~~بها المذكر ms1976 والمؤنث. أو على حذف الموصوف، أي شيئا غير بعيد، ومعناه ~~التوكيد، كما تقول هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل. وقرىء { توعدون ~~} بالتاء والياء، وهي جملة اعتراضية. و { لكل أواب } بدل من قوله ~~للمتقين، بتكرير الجار كقوله تعالى # للذين استضعفوا لمن ءامن منهم # الأعراف 75، وهذا إشارة إلى الثواب. أو إلى مصدر أزلفت. والأواب الرجاع ~~إلى ذكر الله تعالى، والحفيظ الحافظ لحدوده تعالى. و { من خشى } ~~بدل بعد بدل تابع لكل. ويجوز أن يكون بدلا عن موصوف أواب وحفيظ، ولا ~~يجوز أن يكون في حكم أواب وحفيظ لأن من لا يوصف به ولا يوصف من بين ~~الموصولات إلا بالذي وحده. ويجوز أن يكون مبتدأ خبره يقال لهم ادخلوها ~~بسلام، لأن { من } في معنى الجمع. ويجوز أن يكون منادى كقولهم من لا ~~يزال محسنا أحسن إلي، وحذف حرف النداء للتقريب { بالغيب } حال من ~~المفعول، أي خشيه وهو غائب لم يعرفه، وكونه معاقبا إلا بطريق الاستدلال. ~~أو صفة لمصدر خشى، أي خشية خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب، ~~أو خشية بسبب الغيب الذي أوعده به من عذابه، وقيل في الخلوة حيث لا يراه ~~أحد. فإن قلت كيف قرن بالخشية اسمه الدال على سعة الرحمة؟ قلت للثناء ~~البليغ على الخاشي وهو خشيته، مع علمه أنه الواسع الرحمة. كما أثنى عليه ~~بأنه خاش، مع أن المخشى منه غائب، ونحوه # والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة # المؤمنون 60 فوصفهم بالوجل مع كثرة الطاعات. وصف القلب بالإنابة وهي ~~الرجوع إلى الله تعالى لأن الاعتبار بما ثبت منها في القلب. يقال لهم { ~~ادخلوها بسلام } أي سالمين من العذاب وزوال النعم. أو مسلما ~~عليكم يسلم عليكم الله وملائكته { ذلك يوم الخلود } أي يوم ~~تقدير الخلود، كقوله تعالى # فادخلوها خلدين # الزمر 73 أي مقدرين الخلود { ولدينا مزيد } هو ما لم يخطر ~~ببالهم ولم تبلغه أمانيهم، حتى يشاؤه. وقيل إن السحاب تمر بأهل الجنة ~~فتمطرهم الحور، فتقول نحن المزيد الذي قال الله عز وجل { ولدينا ~~مزيد }. ### || [50.36] # «فنقبوا» وقرىء ms1977 بالتخفيف فخرقوا في البلاد ودوخوا. والتنقيب التنقير عن ~~الأمر والبحث والطلب. قال الحارث بن حلزة # نقبوا في البلاد من حذر المو ت وجالوا في ~~الأرض كل مجال # ودخلت الفاء للتسبيب عن قوله { هم أشد منهم بطشا } أي شدة ~~بطشهم أبطرتهم وأقدرتهم على التنقيب وقوتهم عليه. ويجوز أن يراد فنقب ~~أهل مكة في أسفارهم ومسايرهم في بلاد القرون، فهل رأوا لهم محيصا حتى ~~يؤملوا مثله لأنفسهم، والدليل على صحته قراءة من قرأ «فنقبوا» على الأمر، ~~كقوله # فسيحوا فى الأرض # التوبة 2 وقرىء بكسر القاف مخففة من النقب وهو أن يتنقب خف البعير. قال # ما مسها من نقب ولا دبر # والمعنى فنقبت أخفاف إبلهم. أو حفيت أقدامهم ونقبت، كما تنقب أخفاف ~~الإبل لكثرة طوفهم في البلاد { هل من محيص } من الله، أو من ~~الموت. ### || [50.37] # { لمن كان له قلب } أي قلب واع لأن من لا يعي قلبه فكأنه لا ~~قلب له. وإلقاء السمع الإصغاء { وهو شهيد } أي حاضر بفطنته. لأن ~~من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب، وقد ملح الإمام عبد القاهر في قوله لبعض من ~~يأخذ عنه # ما شئت من زهزهة والفتى بمصقلاباذ لسقي ~~الزروع # أو وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحي من الله، أو وهو بعض الشهداء في ~~قوله تعالى # لتكونوا شهداء على الناس # البقرة 143 وعن قتادة وهو شاهد على صدقه من أهل الكتاب لوجود نعته عنده ~~وقرأ السدي وجماعة «ألقى السمع» على البناء للمفعول. ومعناه لمن ألقى ~~غيره السمع وفتح له أذنه فحسب ولم يحضر ذهنه وهو حاضر الذهن متفطن. وقيل ~~ألقى سمعه أو السمع منه.p>>اللغوب الإعياء. وقرىء بالفتح بزنة القبول ~~والولوع، قيل نزلت في اليهود - لعنت - تكذيبا لقولهم خلق الله السماوات ~~والأرض في ستة أيام أولها الأحد، وآخرها الجمعة، واستراح يوم السبت، ~~واستلق على العرش وقالوا ان الذي وقع من التشبيه في هذه الأمة انما وقع ~~من اليهود، ومنهم أخذ.p>> ### || [50.38-43] # { فاصبر على ما يقولون } أي اليهود ويأتون به من الكفر ~~والتشبيه. وقيل فاصبر على ما يقول ms1978 المشركون من إنكارهم البعث فإن من قدر ~~على خلق العالم قدر على بعثهم والانتقام منهم. وقيل هي منسوخة بآية ~~السيف. وقيل الصبر مأمور به في كل حال { بحمد ربك } حامدا ربك، ~~والتسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة، فالصلاة { قبل طلوع ~~الشمس } الفجر { وقبل الغروب } الظهر والعصر { ومن ~~اليل } العشاآن. وقيل التهجد { وأدبر السجود } التسبيح في ~~آثار الصلوات، والسجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة. وقيل النوافل بعد ~~المكتوبات. وعن علي رضي الله عنه الركعتان بعد المغرب. وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 1086 # " من صلى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما الوتر بعد العشاء. والأدبار جمع دبر. وقرىء ~~«وأدبار» من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت. ومعناه ووقت انقضاء السجود، ~~كقولهم آتيك خفوق النجم { واستمع } يعني واستمع لما أخبرك به من حال ~~يوم القيامة. وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به والمحدث عنه، كما ~~يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم 1087 أنه قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل # " يا معاذا اسمع ما أقول لك " # ، ثم حدثه بعد ذلك. فإن قلت بم انتصب اليوم؟ قلت بما دل عليه { ذلك ~~يوم الخروج } أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور. ويوم يسمعون ~~بدل من { يوم يناد } و { المناد } إسرافيل ينفخ في الصور ~~وينادي أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور ~~المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. وقيل إسرافيل ينفخ ~~وجبريل ينادي بالحشر { من مكان قريب } من صخرة بيت المقدس، وهي ~~أقرب الأرض من السماء باثني عشر ميلا، وهي وسط الأرض. وقيل من تحت ~~أقدامهم. وقيل من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية، و ~~{ الصيحة } النفخة الثانية { بالحق } متعلق بالصيحة، والمراد به ~~البعث والحشر للجزاء. ### || [50.44] # وقرىء «تشقق» وتشقق بإدغام التاء في الشين، وتشقق على البناء للمفعول، ~~وتنشق { سراعا } حال من المجرور { علينا يسير } تقديم الظرف ~~يدل على الاختصاص، يعني لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على ms1979 القادر ~~الذات الذي لا يشغله شأن عن شأن، كما قال تعالى # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة # لقمان 28. ### || [50.45] # { نحن أعلم بما يقولون } تهديد لهم وتسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { بجبار } كقوله تعالى # بمسيطر # الغاشية22 حتى تقسرهم على الإيمان، إنما أنت داع وباعث. وقيل أريد ~~التحلم عنهم وترك الغلظة عليهم. ويجوز أن يكون من جبره على الأمر بمعنى ~~أجبره عليه، أي ما أنت بوال عليهم تجبرهم على الإيمان. وعلى بمنزلته في ~~قولك هو عليهم، إذا كان واليهم ومالك أمرهم { من يخاف وعيد } ~~كقوله تعالى # إنما أنت منذر من يخشها # النازعات 45 لأنه لا ينفع إلا فيه دون المصر على الكفر. عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1088 # " من قرأ سورة ق هون الله عليه تارات الموت وسكراته ". ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-6] # { والذريت } الرياح لأنها تذور التراب وغيره. قال الله تعالى # تذروه الرياح # الكهف45 وقرىء بإدغام التاء في الذال { فالحملت وقرا } ~~السحاب، لأنها تحمل المطر. وقرىء «وقرا» بفتح الواو على تسمية المحمول ~~بالمصدر. أو على إيقاعه موقع حملا { فالجريت يسرا } الفلك. ~~ومعنى يسرا جريا ذا يسر، أي ذا سهولة { فالمقسمت أمرا } ~~الملائكة، لأنها تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها. أوتفعل التقسيم ~~مأمورة بذلك. وعن مجاهد تتولى تقسيم أمر العباد جبريل للغلظة، وميكائيل ~~للرحمة. وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ. وعن علي رضي الله عنه ~~أنه قال وهو على المنبر سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي، ~~فقام ابن الكواء فقال ما الذريات ذروا؟ قال الرياح. قال فالحاملات وقرا؟ ~~قال السحاب. قال فالجاريات يسرا؟ قال الفلك. قال فالمقسمات أمرا؟ قال ~~الملائكة وكذا عن ابن عباس. وعن الحسن المقسمات السحاب، يقسم الله بها ~~أرزاق العباد، وقد حملت على الكواكب السبعة، ويجوز أن يراد الرياح لا غير ~~لأنها تنشىء السحاب وتقله وتصرفه، وتجري في الجو جريا سهلا، وتقسم ~~الأمطار بتصريف السحاب. فإن قلت ما معنى الفاء على التفسيرين؟ قلت أما ~~على الأول فمعنى التعقيب فيها أنه تعالى أقسم ms1980 بالرياح، فبالسحاب الذي ~~تسوقه، فبالفلك التي تجريها بهبوبها، فبالملائكة التي تقسم الأرزاق بإذن ~~الله من الأمطار وتجارات البحر ومنافعه. وأما على الثاني، فلأنها تبتدىء ~~بالهبوب، فتذرو التراب والحصباء، فتنقل السحاب، فتجري في الجو باسطة له ~~فتقسم المطر { إنما توعدون } جواب القسم، وما موصولة أو مصدرية، ~~والموعود البعث. ووعد صادق كعيشة راضية. والدين الجزاء. والواقع الحاصل. ### || [51.7-9] # { الحبك } الطرائق، مثل حبك الرمل والماء إذا ضربته الريح، وكذلك ~~حبك الشعر آثار تثنيه وتكسره. قال زهيريصف غديرا # مكلل بأصول النجم تنسجه ريح خريق لضاحي ~~مائه حبك # والدرع محبوكة لأن حلقها مطرق طرائق. ويقال إن خلقه السماء كذلك. وعن ~~الحسن حبكها نجومها. والمعنى أنها تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشي. ~~وقيل حبكها صفاتها وإحكامها، من قولهم فرس محبوك المعاقم أي محكمها. وإذا ~~أجاد الحائك الحياكة قالوا ما أحسن حبكه، وهو جمع حباك، كمثال ومثل. أو ~~حبيكة، كطريقة وطرق. وقرىء «الحبك» بوزن القفل. والحبك، بوزن السلك. ~~والحبك، بوزن الجبل. والحبك بوزن البرق. والحبك بوزن النعم. والحبك بوزن ~~الإبل { إنكم لفى قول مختلف } قولهم في الرسول ساحر ~~وشاعر ومجنون، وفي القرآن شعر وسحر وأساطير الأولين. وعن الضحاك قول ~~الكفرة لا يكون مستويا، إنما هو متناقض مختلف. وعن قتادة منكم مصدق ~~ومكذب، ومقر ومنكر { يؤفك عنه } الضمير للقرآن أوللرسول، أي يصرف ~~عنه، من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم كقوله لا يهلك على الله إلا ~~هالك. وقيل يصرف عنه من صرف في سابق علم الله، أي علم فيما لم يزل أنه ~~مأفوك عن الحق لا يرعوى. ويجوز أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين أقسم ~~بالذاريات على أن وقوع أمر القيامة حق، ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول ~~مختلف في وقوعه، فمنهم شاك، ومنهم جاحد. ثم قال يؤفك عن الإقرار بأمر ~~القيامة من هو المأفوك. ووجه آخر وهو أن يرجع الضمير إلى قول مختلف وعن ~~مثله في قوله # ينهون عن أكل وعن شرب # أي يتناهون في السمن بسبب الأكل والشرب. وحقيقته يصدر تناهيهم في ms1981 السمن ~~عنهما، وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف. وقرأ سعيد بن جبير «يؤفك عنه» ~~من أفك»، على البناء للفاعل. أي من أفك الناس عنه وهم قريش، وذلك أن ~~الحي كانوا يبعثون الرجل ذا العقل والرأي ليسأل عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فيقولون له احذره، فيرجع فيخبرهم. وعن زيد بن علي يأفك عنه ~~من أفك، أي يصرف الناس عنه من هو مأفوك في نفسه. وعنه أيضا يأفك عنه من ~~أفك أي يصرف الناس عنه من هو أفاك كذاب. وقرىء «يؤفن عنه من أفن» أي ~~يحرمه من رحم، من أفن الضرع إذا نهكه حلبا. ### || [51.10-14] # { قتل الخرصون } دعاء عليهم، كقوله تعالى # قتل الإنسن ما أكفره # عبس 17 وأصله الدعاء بالقتل والهلاك، ثم جرى مجرى لعن وقبح. والخراصون ~~الكذابون المقدرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف، واللام إشارة ~~إليهم، كأنه قيل قتل هؤلاء الخراصون. وقرىء «قتل الخراصين» أي قتل الله { ~~فى غمرة } في جهل يغمرهم { ساهون } غافلون عما أمروا به { ~~يسئلون } فيقولون «أيان يوم الدين» أي متى يوم الجزاء؟ وقرىء بكسر ~~الهمزة وهي لغة. فإن قلت كيف وقع أيان ظرفا لليوم، وإنما تقع الأحيان ~~ظروفا للحدثان؟ قلت معناه أيان وقوع يوم الدين. فإن قلت فيم انتصب اليوم ~~الواقع في الجواب؟ قلت بفعل مضمر دل عليه السؤال، أي يقع يوم هم على ~~النار يفتنون، ويجوز أن يكون مفتوحا لإضافته إلى غير متمكن وهي الجملة. ~~فإن قلت فما محله مفتوحا؟ قلت يجوز أن يكون محله نصبا بالمضمر الذي هو ~~يقع ورفعا على هو يوم هم على النار يفتنون. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع { ~~يفتنون } يحرقون ويعذبون. ومنه الفتين وهي الحرة لأن حجارتها كأنها ~~محرقة { ذوقوا فتنتكم } في محل الحال، أي مقولا لهم هذا القول ~~{ هذا } مبتدأ، و { الذى } خبره، أي هذا العذاب هو الذي { كنتم ~~به تستعجلون } ويجوز أن يكون هذا بدلا من فتنتكم أي ذوقوا هذا ~~العذاب. ### || [51.15-19] # { ءاخذين مآ ءاتهم ربهم } قابلين لكل ما أعطاهم راضين ~~به، يعني أنه ليس ms1982 فيما آتاهم إلا ما هو ملتقي بالقبول مرضي غير مسخوط، ~~لأن جميعه حسن طيب. ومنه قوله تعالى # ويأخذ الصدقت # التوبة 104 أي يقبلها ويرضاها { محسنين } قد أحسنوا أعمالهم، ~~وتفسير إحسانهم ما بعده { ما } مزيدة. والمعنى كانوا يهجعون في طائفة ~~قليلة من الليل إن جعلت قليلا ظرفا، ولك أن تجعله صفة للمصدر، أي كانوا ~~يهجعون هجوعا قليلا. ويجوز أن تكون { ما } مصدرية أو موصولة على كانوا ~~قليلا من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه، وارتفاعه بقليلا على ~~الفاعلية. وفيه مبالغات لفظ الهجوع، وهو الفرار من النوم. قال # قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير ~~تهجاع # وقوله { قليلا } و { من اليل } لأن الليل وقت السبات والراحة، ~~وزيادة { ما } المؤكدة لذلك وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا ~~أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم. وقوله { هم ~~يستغفرون } فيه أنهم هم المستغفرون الأحقاء بالاستغفار دون ~~المصرين، فكأنهم المختصون به لاستدامتهم له وإطنابهم فيه. فإن قلت هل ~~يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم، وأن يكون المعنى أنهم لا يهجعون من ~~الليل قليلا، ويحيونه كله؟ قلت لا، لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها ~~فيما قبلها. تقول زيدا لم أضرب، ولا تقول زيدا ما ضربت السائل الذي ~~يستجدي { والمحروم } الذي يحسب غنيا فيحرم الصدقة لتعففه. وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم 1089 # " ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان " # قالوا فما هو؟ قال «الذي لا يجد ولا يتصدق عليه» وقيل الذي لا ينمى له ~~مال. وقيل المحارف الذي لا يكاد يكسب. ### || [51.20-21] # { وفى الأرض ءايت } تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره حيث ~~هي مدحوة كالبساط لما فوقها كما قال # الذى جعل لكم الارض مهدا # طه 53 وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها والماشين في مناكبها، وهي ~~مجزأة فمن سهل وجبل وبر وبحر وقطع متجاورات من صلبة ورخوة، وعذاة وسبخة ~~وهي كالطروقة تلقح بألوان النبات وأنواع الأشجار بالثمار المختلفة ~~الألوان والطعوم والروائح تسقى بماء واحد # ونفضل بعضها على بعض فى ms1983 الأكل # الرعد 4 وكلها موافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم في صحتهم ~~واعتلالهم، وما فيها من العيون المتفجرة والمعادن المفتنة والدواب ~~المنبثة في برها وبحرها المختلفة الصور والأشكال والأفعال من الوحشي ~~والإنسي والهوام، وغير ذلك { للموقنين } الموحدين الذين سلكوا ~~الطريق السوي البرهاني الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون بعيون باصرة ~~وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأملها، فازدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم، وإيقانا إلى إيقانهم { وفى أنفسكم } في حال ابتدائها ~~وتنقلها من حال إلى حال وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطر وبدائع ~~الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول وخصت ~~به من أصناف المعاني، وبالألسن، والنطق، ومخارج الحروف، وما في تركيبها ~~وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة المدبر، ~~دع الأسماع والأبصار والأطراف وسائر الجوارح وتأتيها لما خلقت له، وما ~~سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثنى. فإنه إذا جسا شيء منها جاء ~~العجز، وإذا استرخى أناخ الذل، فتبارك الله أحسن الخالقين. ### || [51.22-23] # { وفى السمآء رزقكم } هو المطر لأنه سبب الأقوات. وعن سعيد ~~بن جبير هو الثلج وكل عين دائمة منه. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب ~~قال لأصحابه فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه لخطاياكم { وما ~~توعدون } الجنة هي على ظهر السماء السابعة تحت العرش. أو أراد أن ما ~~ترزقونه في الدنيا وما توعدون به في العقبى كله مقدر مكتوب في السماء. ~~قرىء «مثل ما» بالرفع صفة للحق، أي حق مثل نطقكم، وبالنصب على إنه لحق ~~حقا مثل نطقكم. ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن. وما مزيدة ~~بنص الخليل، وهذا كقول الناس إن هذا لحق، كما أنك ترى وتسمع، ومثل ما إنك ~~ههنا. وهذا الضمير إشارة إلى ما ذكر من أمر الآيات والرزق وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو إلى ما توعدون. وعن الأصمعي أقبلت من جامع البصرة فطلع ~~أعرابي على قعود له فقال من الرجل؟ قلت من بني أصمع. قال من أين أقبلت؟ ~~قلت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. ms1984 فقال اتل علي، فتلوت { ~~والذريت } فلما بلغت قوله تعالى { وفى السمآء رزقكم } ~~قال حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى ~~سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف، فإذا أنا بمن ~~يهتف بي بصوت دقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم علي ~~واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ~~ثم قال وهل غير هذا؟ فقرأت فورب السماء والأرض إنه لحق، فصاح وقال يا ~~سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجأوه ~~إلى اليمين قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه. ### || [51.24-30] # { هل أتك } تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وإنما عرفه بالوحي. والضيف للواحد والجماعة كالزور ~~والصوم لأنه في الأصل مصدر ضافه، وكانوا اثني عشر ملكا. وقيل تسعة ~~عاشرهم جبريل. وقيل ثلاثة جبريل، وميكائيل، وملك معهما. وجعلهم ضيفا ~~لأنهم كانوا في صورة الضيف حيث أضافهم إبراهيم. أو لأنهم كانوا في حسبانه ~~كذلك. وإكرامهم أن إبراهيم خدمهم بنفسه، وأخدمهم امرأته، وعجل لهم ~~القرى أو أنهم في أنفسهم مكرمون. قال الله تعالى # بل عباد مكرمون # الأنبياء 26. { إذ دخلوا } نصب بالمكرمين إذا فسر بإكرام إبراهيم ~~لهم وإلا فبما في ضيف من معنى الفعل. أو بإضمار أذكر { سلما } مصدر ~~ساد مسد الفعل مستغنى به عنه. وأصله نسلم عليكم سلاما، وأما { ~~سلم } فمعدول به إلى الرفع على الابتداء. وخبره محذوف، معناه عليكم ~~سلام، للدلالة على ثبات السلام، كأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، ~~أخذا بأدب الله تعالى. وهذا أيضا من إكرامه لهم. وقرئا مرفوعين. وقرىء ~~«سلاما» قال «سلما» والسلم السلام. وقرىء «سلاما قال سلم» { قوم ~~منكرون } أنكرهم للسلام الذي هو علم الإسلام. أو أراد أنهم ليسوا من ~~معارفه أو من جنس الناس الذين عهدهم، كما لو أبصر العرب قوما من الخزر ~~أو رأى لهم حالا وشكلا خلاف حال الناس وشكلهم، أو كان هذا سؤالا لهم، ~~كأنه ms1985 قال أنتم قوم منكرون، فعرفوني من أنتم { فراغ إلى أهله ~~} فذهب إليهم في خفية من ضيوفه ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادره ~~بالقرى من غير أن يشعر به الضيف، حذرا من أن يكفه ويعذره. قال قتادة كان ~~عامة مال نبي الله إبراهيم البقر { فجآء بعجل سمين }. والهمزة ~~في { ألا تأكلون } للإنكار أنكر عليهم ترك الأكل. أو حثهم عليه { ~~فأوجس } فأضمر. وإنما خافهم لأنهم لم يتحرموا بطعامه فظن أنهم ~~يريدون به سوءا. وعن ابن عباس وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب. ~~وعن عون بن شداد مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه { ~~بغلم عليم } أي يبلغ ويعلم. وعن الحسن عليم نبي، والمبشر به ~~إسحاق، وهو أكثر الأقاويل وأصحها لأن الصفة صفة سارة لا هاجر، وهي امرأة ~~إبراهيم وهو بعلها. وعن مجاهد هو إسماعيل { فى صرة } في صيحة، من ~~صر الجندب، وصر القلم و صر الباب، ومحله النصب على الحال، أي فجاءت ~~صارة. قال الحسن أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم، لأنها وجدت ~~حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء، وقيل فأخذت في صرة، كما تقول أقبل ~~يشتمني. وقيل صرتها قولها أوه. وقيل يا ويلتا. وعن عكرمة رنتها { ~~فصكت } فلطمت ببسط يديها. وقيل فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل ~~المتعجب { عجوز } أنا عجوز، فكيف ألد { كذلك } مثل ذلك الذي قلنا ~~وأخبرنا به { قال ربك } أي إنما نخبرك عن الله، والله قادر على ما ~~تستبعدين. وروى أن جبريل قال لها انظري إلى سقف بيتك، فنظرت فإذا جذوعه ~~مورقة مثمرة. ### || [51.31-37] # لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله رسلا في بعض الأمور ~~{ قال فما خطبكم } أي فما شأنكم وما طلبكم { إلى قوم ~~مجرمين } إلى قوم لوط { حجارة من طين } يريد السجيل، وهو ~~طين طبخ كما يطبخ الآجر، حتى صار في صلابة الحجارة { مسومة } ~~معلمة، من السومة، وهي العلامة على كل واحد منها اسم من يهلك به. وقيل ~~أعلمت بأنها من حجارة العذاب. وقيل بعلامة تدل على ms1986 أنها ليست من حجارة ~~الدنيا. سماهم مسرفين، كما سماهم عادين، لإسرافهم وعدوانهم في عملهم حيث ~~لم يقنعوا بما أبيح لهم. الضمير في { فيها } للقرية، ولم يجر لها ذكر ~~لكونها معلومة. وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد، وأنهما صفتا ~~مدح. قيل هم لوط وابنتاه. وقيل كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشرة. ~~وعن قتادة لو كان فيها أكثر من ذلك لأنجاهم، ليعلموا أن الإيمان محفوظ لا ~~ضيعة على أهله عند الله { ءاية } علامة يعتبر بها الخائفون دون ~~القاسية قلوبهم. قال ابن جريج هي صخر منضود فيها. وقيل ماء أسود منتن. ### || [51.38-40] # { وفى موسى } عطف على { وفى الأرض ءايت } أو على قوله { ~~وتركنا فيها ءاية } على معنى وجعلنا في موسى آية كقوله # علفتها تبنا وماء باردا # { فتولى بركنه } فأزور، وأعرض، كقوله تعالى # ونأى بجانبه # فصلت 51 وقيل فتولى بما كان يتقوى به من جنوده وملكه. وقرىء «بركنه»، ~~بضم الكاف { وقال سحر } أي هو ساحر { مليم } آت بما يلام عليه ~~من كفره وعناده، والجملة مع الواو حال من الضمير في فأخذناه. فإن قلت كيف ~~وصف نبي الله يونس صلوات الله عليه بما وصف به فرعون في قوله تعالى # فالتقمه الحوت وهو مليم # الصافات 142؟ قلت موجبات اللوم تختلف وعلى حسب اختلافهما تختلف مقادير ~~اللوم، فراكب الكبيرة ملوم على مقدارها، وكذلك مقترف الصغيرة. ألا ترى ~~إلى قوله تعالى # وعصوا رسله # هود 59، # وعصى ءادم ربه # طه 121 لأن الكبيرة والصغيرة يجمعهما اسم العصيان، كما يجمعهما اسم ~~القبيح والسيئة. ### || [51.41-42] # { العقيم } التي لا خير فيها من إنشاء مطر أو إلقاح شجر، وهي ريح ~~الهلاك. واختلف فيها فعن علي رضي الله عنه النكباء. وعن ابن عباس الدبور. ~~وعن ابن المسيب الجنوب. الرميم كل ما رم أي بلى وتفتت من عظم أو نبات أو ~~غير ذلك. ### || [51.43-45] # { حتى حين } تفسيره قوله # تمتعوا فى داركم ثلثة أيام # هود 65 { فعتوا عن أمر ربهم } فاستكبروا عن امتثاله. ~~وقرىء «الصعقة» وهي المرة، من مصدر صعقتهم الصاعقة والصاعقة النازلة ~~نفسها { وهم ms1987 ينظرون } كانت نهارا يعاينونها. وروى أن العمالقة ~~كانوا معهم في الوادي ينظرون إليهم وما ضرتهم { فما استطعوا ~~من قيام } كقوله تعالى # فأصبحوا في دارهم جثمين # العنكبوت 37 وقيل هو من قولهم ما يقوم به، إذا عجز من دفعه { ~~منتصرين } ممتنعين من العذاب. ### || [51.46] # { وقوم } قرىء بالجر على معنى وفي قوم نوح وتقويه قراءة عبد الله ~~وفي قوم نوح. وبالنصب على معنى وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه. ~~أو واذكر قوم نوح. ### || [51.47-48] # { بأيد } بقوة. والأيد والآد. القوة. وقد آد يئيد وهو أيد { ~~وإنا لموسعون } لقادرون، من الوسع وهو الطاقة. والموسع القوى ~~على الإنفاق. وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر. وقيل جعلنا بينها وبين ~~الأرض سعة { فنعم المهدون } فنعم الماهدون نحن. ### || [51.49] # { ومن كل شىء } أي من كل شيء من الحيوان { خلقنا زوجين ~~} ذكرا وأنثى. وعن الحسن السماء والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، ~~والبر والبحر، والموت والحياة فعدد أشياء وقال كل اثنين منها زوج، ~~والله تعالى فرد لا مثل له { لعلكم تذكرون } أي فعلنا ذلك ~~كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا ~~الخالق وتعبدوه. ### || [51.50-51] # { ففروا إلى الله } أي إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه، ~~ووحدوه ولا تشركوا به شيئا، وكرر قوله { إنى لكم منه نذير ~~مبين } عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك، ليعلم أن الإيمان لا ينفع ~~إلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز عند ~~الله إلا الجامع بينهما. ألا ترى إلى قوله تعالى # لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو ~~كسبت فى إيمنها خيرا # الأنعام 158 والمعنى قل يا محمد ففروا إلى الله. ### || [51.52-53] # { كذلك } الأمر، أي مثل ذلك، وذلك إشارة إلى تكذيبهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وتسميته ساحرا ومجنونا، ثم فسر ماأجمل بقوله { مآ ~~أتى } ولا يصح أن تكون الكاف منصوبة يأتي لأن ما النافية لا يعمل ما ~~بعدها فيما قبلها. ولو قيل لم يأتى، لكان صحيحا، على معنى مثل ذلك ms1988 ~~الإتيان لم يأت من قبلهم رسول إلا قالوا { أتواصوا به } الضمير ~~للقول، يعنى أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعا ~~متفقين عليه { بل هم قوم طاغون } أي لم يتواصوا به لأنهم لم ~~يتلاقوا في زمان واحد، بل جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان، والطغيان هو ~~الحامل عليه. ### || [51.54-55] # { فتول عنهم } فأعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة فلم يجيبوا، ~~وعرفت عنهم العناد واللجاج، فلا لوم عليك في إعراضك بعد ما بلغت الرسالة ~~وبذلت مجهودك في البلاغ والدعوة، ولا تدع التذكير والموعظة بأيام الله { ~~فإن الذكرى تنفع المؤمنين } أي تؤثر في الذين عرف الله ~~منهم أنهم يدخلون في الإيمان. أو يزيد الداخلين فيه إيمانا. وروى أنه ~~لما نزلت { فتول عنهم } حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ~~ذلك على أصحابه، ورأوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر، فأنزل ~~الله. وذكر. ### || [51.56] # أي وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا ~~إياها. فإن قلت لو كان مريدا للعبادة منهم لكانوا كلهم عبادا؟ قلت إنما ~~أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها، لأنه خلقهم ~~ممكنين، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريدا لها، ولو أرادها على ~~القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم. ### || [51.57-58] # يريد أن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم، فإن ملاك العبيد ~~إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، فإما مجهز في ~~تجارة ليفي ربحا. أو مرتب في فلاحة ليعتل أرضا. أو مسلم في حرفة لينتفع ~~بأجرته. أو محتطب. أو محتش. أو طابخ. أو خابز، وما أشبه ذلك من الأعمال ~~والمهن التي هي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق، فأما مالك ملك ~~العبيد وقال لهم اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، ولا أريد أن أصرفكم في ~~تحصيل رزقي ولا رزقكم، وأنا غني عنكم وعن مرافقكم، ومتفضل عليكم برزقكم ~~وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي «المتين» الشديد ~~القوة. قرىء بالرفع صفة لذو وبالجر صفة للقوة على تأويل الإقتدار ~~والمعنى ms1989 في صفة بالقوة المتانة أنه القادر البليغ الإقتدار على كل ~~شيء.وقرىء«الرازق» وفي 1090 قراءة النبي صلى الله عليه وسلم # " إني أنا الرازق. " ### || [51.59-60] # الذنوب الدلو العظيمة، وهذا تمثيل، أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون ~~لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. قال # لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب # ولما قال عمرو بن شاس # وفي كل حي قد خبطت بنعمة فحق لشاس من ~~نداك ذنوب # قال الملك نعم وأذنبة. والمعنى فإن الذين ظلموا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالتكذيب من أهل مكة لهم نصيب من عذاب الله مثل نصيب أصحابهم ~~ونظرائهم من القرون. وعن قتادة سجلا من عذاب الله مثل سجل أصحابهم { من ~~يومهم } من يوم القيامة. وقيل من يوم بدر. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1091 # " من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في ~~الدنيا. " ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-10] # { والطور } الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهو بمدين. والكتاب ~~المسطور في الرق المنشور، والرق الصحيفة. وقيل الجلد الذي يكتب فيه ~~الكتاب الذي يكتب فيه الأعمال. قال الله تعالى # ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا # الإسراء 13 وقيل هو ما كتبه الله لموسى وهو يسمع صرير القلم. وقيل اللوح ~~المحفوظ. وقيل القرآن، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله ~~تعالى # ونفس وما سواها # الشمس 7. { والبيت المعمور } الضراح في السماء الرابعة. ~~وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة. وقيل الكعبة لكونها معمورة بالحجاج ~~والعمار والمجاورين { والسقف المرفوع } السماء { والبحر ~~المسجور } المملوء. وقيل الموقد، من قوله تعالى # وإذا البحار سجرت # التكوير 6 وروى أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها نارا تسجر ~~بها نار جهنم. وعن علي رضي الله عنه أنه سأل يهوديا أين موضع النار في ~~كتابكم؟ قال في البحر. قال علي ما أراه إلا صادقا، لقوله تعالى { ~~والبحر المسجور }. { لواقع } لنازل. قال جبير بن مطعم 1092 ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلمه في الأسارى فألفيته في صلاة ~~الفجر يقرأ ms1990 سورة الطور، فلما بلغ { إن عذاب ربك لواقع } ~~أسلمت خوفا من أن ينزل العذاب { تمور السماء } تضطرب وتجيء وتذهب. ~~وقيل المور تحرك في تموج، وهو الشيء يتردد في عرض كالداغصة في الركبة. ### || [52.11-16] # غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب. ومنه قوله تعالى # وكنا نخوض مع الخائضين # المدثر 45، # وخضتم كالذي خاضوا # التوبة 69 الدع الدفع العنيف، وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى ~~أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعا على ~~وجوههم وزخا في أقفيتهم. وقرأ زيد بن علي «يدعون» من الدعاء أي يقال ~~لهم هلموا إلى النار، وادخلوا النار { دعا } مدعوعين، يقال لهم هذه ~~النار { أفسحر هذا } يعني كنتم تقولون للوحي هذا سحر، أفسحر ~~هذا؟ يريد أهذا المصداق أيضا سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى { أم ~~أنتم لا تبصرون } كما كنتم لا تبصرون في الدنيا، يعني أم أنتم ~~عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم { سوآء ~~} خبر محذوف، أي سواء عليكم الأمران الصبر وعدمه، فإن قلت لم علل استواء ~~الصبر وعدمه بقوله { إنما تجزون ما كنتم تعملون }؟ قلت ~~لأن الصبر إنما يكون له مزية على الجزع، لنفعه في العاقبة بأن يجازي ~~عليه الصابر جزاء الخير، فأما الصبر على العذاب الذي هو الجزاء ولا عاقبة ~~له ولا منفعة، فلا مزية له على الجزع. ### || [52.17-20] # { فى جنت ونعيم } في آية جنات وأي نعيم، بمعنى الكمال في هذه ~~الصفة. أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة. وقرىء «فاكهين ~~فكهين وفاكهون» من نصبه حالا جعل الظرف مستقرا، ومن رفعه خبرا جعل ~~الظرف لغوا، أي متلذذين { بما ءاتهم ربهم }. فإن قلت علام ~~عطف قوله؟ { ووقهم ربهم }؟ قلت على قوله { في جنت } ~~أو على { ءاتهم ربهم } على أن تجعل ما مصدرية والمعنى فاكهين ~~بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الواو للحال وقد ~~بعدها مضمرة. يقال لهم { كلوا واشربوا } أكلا وشربا { هنيئا ~~} أو طعاما وشرابا هنيئا، وهو الذي لا تنغيص فيه. ويجوز أن يكون مثله ~~في ms1991 قوله # هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من ~~أعراضنا ما استحلت # أعني صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل مرتفعا به ما ~~استحلت كما يرتفع بالفعل،، كأنه قيل هناء عزة المستحل من أعراضنا، وكذلك ~~معنى { هنيئا } ههنا هناءكم الأكل والشرب. أو هناءكم ما كنتم تعملون ~~أي جزاء ما كنتم تعملون. والباء مزيدة كما في # كفى بالله # الرعد 43 والباء متعلقة بكلوا واشربوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. ~~وقرىء «بعيس عين». ### || [52.21-24] # { والذين ءامنوا } معطوف على { بحور عين } أي قرناهم ~~بالحور وبالذين آمنوا، أي بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى # إخوانا على سرر متقبلين # الحجر 47 فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين ~~{ واتبعتهم ذريتهم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~1093 # " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقربهم عينه " # ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، ~~ومزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ~~ونسلهم بهم. ثم قال { بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم } أي ~~بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم ~~وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلا عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم ونكمل ~~نعيمهم. فإن قلت ما معنى تنكير الإيمان؟ قلت معناه الدلالة على أنه إيمان ~~خاص عظيم المنزلة. ويجوزأن يراد إيمان الذرية الداني المحل، كأنه قال ~~بشيء من الإيمان لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم. وقرىء «وأتبعتهم ~~ذريتهم وأتبعتهم ذريتهم». وذرياتهم وقرىء «ذرياتهم» بكسر الذال. ووجه آخر ~~وهو أن يكون { والذين ءامنوا } مبتدأ خبره { بإيمن ~~ألحقنا بهم ذريتهم } وما بينهما اعتراض { وما ~~ألتنهم } وما نقصناهم. يعني وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب ~~والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء. وقيل معناه وما نقصناهم من ~~ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم بهم على سبيل ~~التفضل. قرىء «ألتناهم» وهو من بابين من ألت يألت، ومن ألات يليت، كأمات ~~يميت. وآلتناهم، من آلت يؤلت، كآمن يؤمن. ولتناهم، من لات يليت. ~~وولتناهم، من ولت يلت. ومعناهن ms1992 واحد { كل امرىء بما كسب ~~رهين } أي مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو ~~مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا فكها وخلصها، ~~وإلا أوبقها { وأمددنهم } وزدناهم في وقت بعد وقت { ~~يتنزعون } يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم { ~~كأسا } خمرا { لا لغو فيها } في شربها { ولا تأثيم } أي ~~لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث وما لا طائل تحته كفعل المتنادمين ~~في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، ~~أي ينسب إلى الإثم لو فعله في دار التكليف من الكذب والشتم والفواحش، ~~وإنما يتكلمون بالحكم والكلام الحسن متلذذين بذلك، لأن عقولهم ثابتة غير ~~زائلة، وهم حكماء علماء. وقرىء «لا لغو فيها ولا تأثيم» { غلمان ~~لهم } أي مملوكون لهم مخصوصون بهم { مكنون } في الصدف، لأنه ~~رطبا أحسن وأصفى. أو مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين الغالي القيمة. وقيل ~~لقتادة هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~1094 # " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر الكواكب " # ، وعنه عليه الصلاة والسلام 1095 # " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيبه ألف ببابه ~~لبيك لبيك ". ### || [52.25-28] # { يتسآءلون } يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا عن أحواله وأعماله وما ~~استوجب به نيل ما عند الله { مشفقين } أرقاء القلوب من خشية الله. ~~وقرىء «ووقانا» بالتشديد { عذاب السموم } عذاب النار ووهجها ~~ولفحها. والسموم الريح الحارة التي تدخل المسام فسميت بها نار جهنم ~~لأنها بهذه الصفة { من قبل } من قبل لقاء الله تعالى والمصير إليه، ~~يعنون في الدنيا { ندعوه } نعبده ونسأله الوقاية { إنه هو ~~البر } المحسن { الرحيم } العظيم الرحمة الذي إذا عبد أثاب وإذا ~~سئل أجاب. وقرىء «أنه» بالفتح، بمعنى لأنه. ### || [52.29] # { فذكر } فأثبت على تذكير الناس وموعظتهم، ولا يثبطنك قولهم كاهن ~~أو مجنون، ولا تبال به فإنه قول باطل متناقض لأن الكاهن يحتاج في كهانته ~~إلى فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى ms1993 على عقله. وما أنت بحمد الله وإنعامه ~~عليك بصدق النبوة ورجاحة العقل أحد هذين. ### || [52.30-43] # وقرىء «يتربص به ريب المنون»، على البناء للمفعول. وريب المنون. ما يقلق ~~النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر. قال # أمن المنون وريبه تتوجع # وقيل المنون الموت، وهو في الأصل فعول من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ~~ولذلك سميت شعوب قالوا ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من ~~الشعراء زهير والنابغة { من المتربصين } أتربص هلاككم كما ~~تتربصون هلاكي { أحلمهم } عقولهم وألبابهم. ومنه قولهم أحلام ~~عاد. والمعنى أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم كاهن ~~وشاعر، مع قولهم مجنون. وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى { أم ~~هم قوم طاغون } مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم. فإن ~~قلت ما معنى كون الأحلام آمرة؟ قلت هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى # أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنا # هود 87 وقرىء «بل هم قوم طاغون» { تقوله } اختلقه من تلقاء نفسه { ~~بل لا يؤمنون } فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن، مع علمهم ~~ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من ~~العرب. وقرىء بحديث مثله على الإضافة، والضمير لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومعناه أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، فإن قدر محمد ~~على نظمه كان مثله قادرا عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل { أم ~~خلقوا } أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم { من غير ~~شىء } من غير مقدر { أم هم } الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون ~~الخالق { بل لا يوقنون } أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟ ~~قالوا الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون. وقيل أخلقوا من أجل لا ~~شيء من جزاء ولا حساب؟ وقيل أخلقوا من غير أب وأم؟ { أم عندهم ~~خزائن } الرزق حتى يرزقوا النبوة من شاؤا. أو أعندهم خزائن علمه حتى ~~يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟ { أم هم المسيطرون } ~~الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ms1994 ~~ومشيئتهم؟ وقرىء «المصيطرون» بالصاد { أم لهم سلم } منصوب إلى ~~السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم ~~الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة ~~دونه كما يزعمون؟ { بسلطن مبين } بحجة واضحة تصدق استماع ~~مستمعهم. المغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي لزمهم مغرم ثقيل فدحهم ~~فزهدهم ذلك في أتباعك؟ { أم عندهم الغيب } أي اللوح المحفوظ { ~~فهم يكتبون } ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب { ~~أم يريدون كيدا } وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبالمؤمنين { فالذين كفروا } إشارة إليهم أو أريد بهم ~~كل من كفر بالله { هم المكيدون } هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ~~ويحيق بهم مكرهم. وذلك أنهم قتلوا يوم بدر. أو المغلوبون في الكيد، من ~~كايدته فكدته. ### || [52.44-47] # الكسف القطعة، وهو جواب قولهم # أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا # الإسراء 92 يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا ~~هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض يمطرنا، ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. ~~وقرىء «حتى يلقوا» ويلقوا { يصعقون } يموتون. وقرىء «يصعقون». يقال. ~~صعقه فصعق، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق { وإن للذين ~~ظلموا } وإن. لهؤلاء الظلمة { عذابا دون ذلك } دون يوم ~~القيامة وهو القتل ببدر، والقحط سبع سنين، وعذاب القبر. وفي مصحف عبد ~~الله دون ذلك تقريبا. ### || [52.48-49] # { لحكم ربك } بإمهالهم وما يلحقك فيه من المشقة والكلفة { ~~فإنك بأعيننا } مثل، أي بحيث نراك ونكلؤك. وجمع العين لأن ~~الضمير بلفظ ضمير الجماعة. ألا ترى إلى قوله تعالى # ولتصنع على عينى # طه 39. وقرىء «بأعينا»، بالإدغام { حين تقوم } من أي مكان قمت. ~~وقيل من منامك { وإدبر النجوم } وإذا أدبرت النجوم من آخر ~~الليل. وقرىء «وأدبار »، بالفتح بمعنى في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت، ~~والمراد الأمر بقول سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل التسبيح ~~الصلاة إذا قام من نومه، ومن الليل صلاة العشاءين، وأدبار النجوم صلاة ~~الفجر. عن رسول الله صلى ms1995 الله عليه وسلم 1096 # " من قرأ سورة الطور كان حقا على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في ~~جنته ". ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-18] # النجم الثريا، وهو اسم غالب لها. قال # إذا طلع النجم عشاء إبتغى الراعي كساء # أو جنس النجوم. قال # فباتت تعد النجم في مستحيرة # يريد النجوم { إذا هوى } إذا غرب أو انتثر يوم القيامة. أو النجم ~~الذي يرجم به إذا هوى إذا انفض. أو النجم من نجوم القرآن، وقد نزل منجما ~~في عشرين سنة، إذا هوى إذا نزل. أو النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض. ~~وعن عروة بن الزبير 1098 أن عتبة بن أبي لهب وكانت تحته بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام، فقال لآتين محمدا فلأوذينه ~~فأتاه فقال يا محمد، وهو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل ~~في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه ابنته وطلقها، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وكان أبو طالب ~~حاضرا، فوجم لها وقال ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة! فرجع عتبة ~~إلى أبيه، فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب ~~من الدير فقال لهم إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه أغيثونا يا ~~معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا جمالهم ~~وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم، حتى ضرب عتبة ~~فقتله. وقال حسان # من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع ~~بالراجع # { ما ضل صحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والخطاب ~~لقريش، وهو جواب القسم، والضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، أي هو ~~مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي، وما أتاكم ~~به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، وإنما هو وحي من عند الله ~~يوحى إليه. ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب بأن ~~الله تعالى إذا سوغ ms1996 لهم الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله ~~وحيا لا نطقا عن الهوى { شديد القوى } ملك شديد قواه، والإضافة ~~غير حقيقية، لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهو جبريل عليه ~~السلام، ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على ~~جناحه، ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، ~~وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف، ورأى إبليس يكلم ~~عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدسة، فنفحه بجناحه نفحة فألقاه ~~في أقصى جبل بالهند { ذو مرة } ذو حصافة في عقله ورأيه ومتانة في ~~دينه { فاستوى } فاستقام على صورة نفسه الحقيقة دون الصورة التي كان ~~يتمثل بها كلما هبط بالوحي وكان ينزل في صورة دحية، وذلك 1098 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فاستوى له ~~في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق. # وقيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه ~~وسلم مرتين مرة في الأرض، ومرة في السماء { ثم دنا } من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم { فتدلى } فتعلق عليه في الهواء. ومنه تدلت ~~الثمرة، ودلى رجليه من السرير. والدوالي الثمر المعلق. قال # تدلى عليها بين سب وخيطة # ويقال هو مثل القرلي إن رأى خيرا تدلى، وإن لم يره تولى { قاب ~~قوسين } مقدار قوسين عربيتين والقاب والقيب والقاد والقيد، والقيس ~~المقدار. وقرأ زيد بن علي قاد. وقرىء «قيد» وقدر. وقد جاء التقدير بالقوس ~~والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والأصبع. ~~ومنه 1099 # " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " # وفي الحديث 1100 # " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها " # والقد السوط. ويقال بينهما خطوات يسيرة. وقال # وقد جعلتني من حزيمة أصبعا # فإن قلت كيف تقدير قوله { فكان قاب قوسين }؟ قلت تقديره فكان ~~مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في ~~قوله # وقد جعلتني ms1997 من حزيمة أصبعا # أي ذا مقدار مسافة أصبع { أو أدنى } أي على تقديركم، كقوله تعالى # أو يزيدون # الصافات 147. { إلى عبده } إلى عبد الله، وإن لم يجر لاسمه عز ~~وجل ذكر، لأنه لا يلبس كقوله # على ظهرها # فاطر 45. { ما أوحى } تفخيم للوحي الذي أوحي إليه قيل أوحي إليه ~~«إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك» ~~{ ما كذب } فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل ~~عليه السلام، أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان ~~كاذبا، لأنه عرفه، يعني أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه، ولم يشك في أن ما ~~رآه حق وقرىء «ما كذب» أي صدقه ولم يشك أنه جبريل عليه السلام بصورته { ~~أفتمرونه } من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مرى ~~الناقة، كأن كل واحد من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه. وقرىء «أفتمرونه» ~~أفتغلبونه في المراء، من ماريته فمريته، ولما فيه من معنى الغلبة عدى ~~بعلى، كما تقول غلبته على كذا وقيل أفتمرونه أفتجحدونه. وأنشدوا # لئن هجوت أخا صدق ومكرمة لقد مريت أخا ما ~~كان يمريكا # وقالوا يقال مريته حقه إذا جحدته، وتعديته بعلى لا تصح إلا على مذهب ~~التضمين { نزلة أخرى } مرة أخرى من النزول، نصبت النزلة نصب ~~الظرف الذي هو مرة، لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت في حكمها، أي ~~نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه، فرآه عليها، وذلك ~~ليلة المعراج عند سدرة المنتهى. # قيل في سدرة المنتهى هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها ~~كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله ~~في كتابه، يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. والمنتهى بمعنى ~~موضع الانتهاء، أو الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة وآخرها. وقيل لم ~~يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها. ~~وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء { جنة المأوى } الجنة التي يصير ~~إليها المتقون عن الحسن. وقيل ms1998 تأوى إليها أرواح الشهداء. وقرأ علي وابن ~~الزبير وجماعة «جنة المأوى» أي سترة بظلاله ودخل فيه. وعن عائشة أنها ~~أنكرته وقالت من قرأ به فأجنه الله { ما يغشى } تعظيم وتكثير لما ~~يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة ~~الله وجلاله أشياء لا يكتنهها النعت ولا يحيط بها الوصف. وقد قيل يغشاها ~~الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها. وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1101 # " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله " # وعنه عليه الصلاة والسلام 1102 # يغشاها رفرف من طير خضر # وعن ابن مسعود وغيره يغشاها فراش من ذهب ما زاغ بصر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما طغى أي أثبت ما رآه اثباتا مستقيما صحيحا، من غير أن ~~يزيغ بصره عنه أو يتجاوزه، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ~~ومكن منها، وما طغى وما جاوز ما أمر برؤيته { لقد رأى } والله لقد ~~رأى { من ءايت ربه } الآيات التي هي كبراها وعظماها، يعني حين ~~رقى به إلى السماء فأري عجائب الملكوت. ### || [53.19-23] # { اللت والعزى ومنوة } أصنام كانت لهم، وهي مؤنثات ~~فاللات كانت لثقيف بالطائف. وقيل كانت بنخلة تعبدها قريش، وهي فعلة من ~~لوى لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة. أو يلتوون عليها أي ~~يطوفون. وقرىء «اللات» بالتشديد. وزعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن ~~بالسويق ويطعمه الحاج. وعن مجاهد كان رجل يلت السويق بالطائف، وكانوا ~~يعكفون على قبره، فجعلوه وثنا، والعزى كانت لغطفان وهي سمرة، وأصلها ~~تأنيث الأعز. 1103 وبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد فقطعها، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها ~~على رأسها، فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول # يا عز كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد ~~أهانك # ورجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام تلك ~~العزى ولن تعبد أبدا. ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وعن ابن عباس ms1999 رضي ~~الله عنهما لثقيف. وقرىء «ومناءة» وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك ~~كانت تمنى عندها، أي تراق، ومناءة مفعلة من النوء، كأنهم كانوا يستمطرون ~~عندها الأنواء تبركا بها. و { الأخرى } ذم، وهي المتأخرة الوضيعة ~~المقدار،كقوله تعالى # قالت أخراهم لأولاهم # الأعراف 38 أي وضعاؤهم لرؤسائهم وأشرافهم. ويجوز أن تكون الأولية ~~والتقدم عندهم للات والعزى. كانوا يقولون إن الملائكة وهذه الأصنام ~~بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى مع ~~وأدهم البنات، فقيل لهم { ألكم الذكر وله الانثى 21 } ~~ويجوز أن يراد أن اللات والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ~~ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن لكم وينسبن إليكم، ~~فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادا لله وتسمونهن آلهة { قسمة ضيزى ~~} جائرة، من ضازه يضيزه إذا ضامه، والأصل ضوزى. ففعل بها ما فعل ببيض ~~لتسلم الياء. وقرىء «ضئزى» من ضأزه بالهمز. وضيزى بفتح الضاد { هى } ~~ضمير الأصنام، أي ما هي { إلا أسماء } ليس تحتها في الحقيقة ~~مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشده منافاة لها. ~~ونحوه قوله تعالى # ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها # يوسف 40 أو ضمير الأسماء وهي قولهم، اللات والعزى ومناة، وهم يقصدون ~~بهذه الأسماء الآلهة، يعني ما هذه الأسماء إلا أسماء سميتموها بهواكم ~~وشهوتكم، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتعلقون به. ومعنى { ~~سميتموها } سميتم بها، يقال سميته زيدا، وسميته بزيد إن يتبعون ~~وقرىء بالتاء { إلا الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق، وأن ~~آلهتهم شفعاؤهم، وما تشتهيه أنفسهم، ويتركون ما جاءهم من الهدى والدليل ~~على أن دينهم باطل. ### || [53.24-25] # { أم للإنسن ما تمنى 24 } هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة ~~فيها الإنكار، أي ليس للإنسان ما تمنى، والمراد طمعهم في شفاعة الآلهة، ~~وهو تمن على الله في غاية البعد، وقيل هو قولهم # ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى # فصلت 50 وقيل هو قول الوليد بن المغيرة «لأوتين مالا وولدا» وقيل هو ~~تمنى بعضهم أن يكون ms2000 هو النبي صلى الله عليه وسلم فلله الآخرة والأولى ~~أي هو مالكهما، فهو يعطي منهما من يشاء ويمنع من يشاء، وليس لأحد أن ~~يتحكم عليه في شيء منهما. ### || [53.26] # يعني أن أمر الشفاعة ضيق وذلك أن الملائكة مع قربتهم وزلفاهم وكثرتهم ~~واغتصاص السموات بجموعهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم عنه شيئا ~~قط ولم تنفع، إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء ~~الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلا لأن يشفع له، فكيف تشفع الأصنام إليه ~~بعبدتهم. ### || [53.27-30] # { ليسمون الملئكة } أي كل واحد منهم { تسمية ~~الأنثى } لأنهم إذا قالوا الملائكة بنات الله، فقد سموا كل واحد منهم ~~بنتا وهي تسمية الأنثى { به من علم } أي بذلك وبما يقولون. وفي ~~قراءة أبي «بها»، أي بالملائكة. أو التسمية { لا يغنى من الحق ~~شيئا } يعني إنما يدرك الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم ~~والتيقن لا بالظن والتوهم { فأعرض } عن دعوة من رأيته معرضا عن ~~ذكر الله وعن الآخرة ولم يرد إلا الدنيا، ولا تتهالك على إسلامه، ثم قال ~~{ إن ربك هو أعلم } أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا ~~يجيب، وأنت لا تعلم، فخفض على نفسك ولا تتعبها، فإنك لا تهدي من أحببت، ~~وما عليك إلا البلاغ. وقوله تعالى { ذلك مبلغهم من العلم ~~} اعتراض أو فأعرض عنه ولا تقابله، إن ربك هو أعلم بالضال والمهتدي، وهو ~~مجازيهما بما يستحقان من الجزاء. ### || [53.31-32] # قرىء «ليجزي» ويجزى، بالياء والنون فيهما. ومعناه أن الله عز وجل إنما ~~خلق العالم وسوى هذه الملكوت لهذا الغرض وهو أن يجازي المحسن من ~~الملكفين والمسيء منهم. ويجوز أن يتعلق بقوله { هو أعلم بمن ~~ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } لأن نتيجة العلم ~~بالضال والمهتدي جزاؤهما { بما عملوا } بعقاب ما عملوا من السوء. و ~~{ بالحسنى } بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. أو بسبب ما عملوا من السوء ~~وبسبب الأعمال الحسنى { كبئر الإثم } أي الكبائر من الإثم لأن ~~الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر، ms2001 والكبائر الذنوب التي لا يسقط عقابها ~~إلا بالتوبة. وقيل التي يكبر عقابها بالإضافة إلى ثواب صاحبها { ~~والفوحش } مافحش من الكبائر، كأنه قال والفواحش منها خاصة وقرىء ~~«كبير الإثم» أي النوع الكبير منه وقيل هو الشرك بالله. واللمم ما قل ~~وصغر. ومنه اللمم المس من الجنون، واللوثة منه. وألم بالمكان إذا قل فيه ~~لبثه. وألم بالطعام قل منه أكله ومنه # لقاء أخلاء الصفا لمام # والمراد الصغائر من الذنوب، ولا يخلو قوله تعالى { إلا اللمم } ~~من أن يكون استثناء منقطعا أو صفة، كقوله تعالى # لو كان فيهما آلهة إلا الله # الأنبياء 22 كأنه قيل كبائر الإثم غير اللمم، وآلهة غير الله وعن أبي ~~سعيد الخدري اللمم هي النظرة، والغمزة، والقبلة، وعند السدي الخطرة من ~~الذنب، وعن الكلبي كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا، وعن عطاء ~~عادة النفس الحين بعد الحين { إن ربك وسع المغفرة } حيث ~~يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة { فلا تزكوا ~~أنفسكم } فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير وعمل الطاعات أو ~~إلى الزكاء والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها واهضموها، فقد علم الله ~~الزكي منكم والتقي أولا وآخرا قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن ~~تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون ~~صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء ~~فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده ولم ~~يقصد به التمدح لم يكن من المزكين أنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، ~~وذكرها شكر. ### || [53.33-54] # { وأكدى } قطع عطيته وأمسك، وأصله من إكداء الحافر، وهو أن تلقاه ~~كدية وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر، ونحوه أجبل الحافر، ثم استعير ~~فقيل أجبل الشاعر إذا أفحم. روى 1104 أن عثمان رضي الله عنه كان يعطي ما ~~له في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة ~~يوشك أن لا يبقي لك شيء، فقال عثمان إن لي ذنوبا وخطايا، وإني ms2002 أطلب بما ~~أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال عبد الله أعطني ناقتك برحلها وأنا ~~أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء. فنزلت. ومعنى ~~{ تولى } ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل { ~~فهو يرى } فهو يعلم أن ما قاله له أخوه من احتمال أو زاره حق { ~~وفى } قرىء مخففا ومشددا، والتشديد مبالغة في الوفاء. أو بمعنى ~~وفر وأتم، كقوله تعالى # فأتمهن # البقرة 124 وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية، من ذلك تبليغه الرسالة، ~~واستقلاله بأعباء النبوة، والصبر على ذبح ولده وعلى نار نمروذ، وقيامه ~~بأضيافه وخدمته إياهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يرتاد ~~ضيفا، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم. وعن الحسن ما أمره الله بشيء ~~إلا وفى به. وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وبين إبراهيم يؤخذ الرجل ~~بجريرة غيره، ويقتل بأبيه وابنه وعمه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد ~~بسيده فأول من خالفهم إبراهيم. وعن عطاء بن السائب عهد أن لا يسأل ~~مخلوقا، فلما قذف في النار قال له جبريل وميكائيل ألك حاجة؟ فقال. أما ~~إليكما فلا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1105 # " وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار، وهي صلاة الضحى " # وروى 1106 ألا أخبركم لم سمى الله خليله { الذى وفى }؟ كان يقول ~~إذا أصبح وأمسى { فسبحان الله حين تمسون... } إلى # ...حين تظهرون # الروم 17 وقيل وفي سهام الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة التائبون.. ~~وعشرة في الأحزاب { إن المسلمين... } وعشرة في المؤمنين { قد ~~أفلح المؤمنون.. } وقرىء «في صحف»، بالتخفيف { ألا تزر } ~~أن مخففة من الثقيلة. والمعنى أنه لا تزر، والضمير ضمير الشأن، ومحل أن ~~وما بعدها الجر بدلا من ما في صحف موسى. أو الرفع على هو أن لا تزر، كأن ~~قائلا قال وما في صحف موسى وإبراهيم، فقيل أن لا تزر { إلا ما ~~سعى } إلا سعيه. فإن قلت أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت، والحج ~~عنه، وله الإضعاف؟ قلت فيه جوابان، أحدهما ms2003 أن سعي غيره لما لم ينفعه إلا ~~مبنيا على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمنا صالحا وكذلك الإضعاف ~~كأن سعى غيره كأنه سعى نفسه، لكونه تابعا له وقائما بقيامه. # والثاني أن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو ~~بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه { ثم يجزاه } ثم ~~يجزى العبد سعيه، يقال أجزاه الله عمله وجزاه على عمله، بحذف الجار ~~وإيصال الفعل. ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله { الجزاء ~~الأوفى } أو أبدله عنه، كقوله تعالى # وأسروا النجوى الذين ظلموا # الأنبياء 3، { وأن إلى ربك المنتهى 42 } قرىء بالفتح ~~على معنى أن هذا كله في الصحف، وبالكسر على الابتداء، وكذلك ما بعده. ~~والمنتهى مصدر بمعنى الانتهاء، أي ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه، كقوله ~~تعالى # إلى الله المصير # فاطر 18. { أضحك وأبكى } خلق قوتي الضحك والبكاء { إذا ~~تمنى } إذا تدفق في الرحم، يقال منى وأمنى. وعن الأخفش تخلق من منى ~~الماني، أي قدر المقدر قرىء «النشأة»« النشاءة» بالمد. وقال عليه ~~لأنهاواجبة عليه في الحكمة، ليجازى على الإحسان والإساءة { وأقنى } ~~وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك { ~~الشعرى } مرزم الجوزاء وهي التي تطلع وراءها، وتسمى كلب الجبار، ~~وهما شعريان الغميصاء والعبور وأراد العبور. وكانت خزاعة تعبدها، سن لهم ~~ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أبو كبشة، تشبيها له به لمخالفته إياهم في دينهم، يريد أنه رب ~~معبودهم هذا. عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى إرم. وقيل الأولى القدماء ~~لأنهم أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح، أو المتقدمون في الدنيا الأشراف. ~~وقرىء «عاد لولي» وعاد لولى، بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى ~~ونقل ضمتها إلى لام التعريف وثمودا وقرىء وثمود { أظلم وأطغى } ~~لأنهم كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون عنه حتى كانوا ~~يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وما أثر فيهم دعاؤه قريبا من ألف سنة { ~~والمؤتفكة } والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي ms2004 انقلبت، وهم قوم لوط، ~~يقال أفكه فائتفك وقرىء «والمؤتفكات» { أهوى } رفعها إلى السماء على ~~جناج جبريل، ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها { ما غشى } تهويل وتعظيم ~~لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود. ### || [53.55-58] # { فبأى ءالآء ربك تتمارى 55 } تتشكك، والخطاب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أو للإنسان على الإطلاق، وقد عدد نعما ونقما ~~وسماها كلها آلاء من قبل ما في نقمه من المزاجر والمواعظ للمعتبرين { ~~هذا } القرآن { نذير من النذر الأولى } أي إنذار من جنس ~~الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. أو هذا الرسول منذر من ~~المنذرين الأولين، وقال الأولى على تأويل الجماعة { أزفت ~~الأزفة57 } قربت الموصوفة بالقرب من قوله تعالى # اقتربت الساعة # القمر 1، { ليس لها } نفس { كاشفة } أي مبينة متى تقوم، كقوله ~~تعالى # لا يجليها لوقتها إلا هو # الأعراف 187 أو ليس لها نفس كاشفة، أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا ~~الله، غير أنه لا يكشفها. أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير، وقيل ~~الكاشفة مصدر بمعنى الكشف كالعافية. وقرأ طلحة «ليس لها مما يدعون من دون ~~الله كاشفة وهي على الظالمين ساءت الغاشية». ### || [53.59-62] # { أفمن هذا الحديث } وهو القرآن { تعجبون } إنكارا { ~~وتضحكون } استهزاء { ولا تبكون } والبكاء والخشوع حق عليكم. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1107 # " أنه لم ير ضاحكا بعد نزولها " # وقرىء «تعجبون تضحكون»، بغير واو { وأنتم سمدون } شامخون ~~مبرطمون. وقيل لاهون لاعبون. وقال بعضهم لجاريته اسمدي لنا، أي غني لنا { ~~فاسجدوا لله واعبدوا } ولا تعبدوا الآلهة. وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1108 # " من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به ~~بمكة ". ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-3] # انشقاق القمر من آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته النيرة. عن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه 1109 أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم آية فانشق القمر مرتين. وكذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله ~~عنهما، قال ابن عباس ms2005 1110 انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت وقال ابن ~~مسعود 1111 رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن بعض الناس أن معناه ينشق يوم ~~القيامة. وقوله { وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر ~~مستمر } يرده، وكفى به رادا، وفي قراءة حذيفة «وقد انشق القمر» ~~أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها أن القمر قد انشق، كما تقول ~~أقبل الأمير وقد جاء المبشر بقدومه. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال ~~1112 ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم. مستمر ~~دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله، قيل فيه قد استمر. لما ~~رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات قالوا هذا سحر مستمر. وقيل مستمر ~~قوي محكم، من قولهم استمر مريره. وقيل هو من استمر الشيء إذا اشتدت ~~مرارته، أي مستبشع عندنا، مر على لهواتنا، لا نقدر أن نسيغه كما لا يساغ ~~المر الممقر. وقيل مستمر مار، ذاهب يزول ولا يبقى، تمنية لأنفسهم ~~وتعليلا. وقرىء «وإن يروا» { واتبعوا أهواءهم } وما زين لهم ~~الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره { وكل أمر مستقر } أي كل ~~أمر لا بد أن يصير إلى غاية يستقر عليها، وإن أمر محمد سيصير إلى غاية ~~يتبين عندها أنه حق، أو باطل وسيظهر لهم عاقبته. أو وكل أمر من أمرهم ~~وأمره مستقر، أي سيثبت ويستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا، وشقاوة ~~أو سعادة في الآخرة. وقرىء بفتح القاف، يعني «كل أمر ذو مستقر» أي ذو ~~استقرار. أو ذو موضع استقرار أو زمان استقرار. وعن أبي جعفر« مستقر»، ~~بكسر القاف والجر عطفا على الساعة، أي اقتربت الساعة واقترب كل أمر ~~مستقر يستقر ويتبين حاله. ### || [54.4-8] # { من الأنباء } من القرآن المودع أنباء القرون الخالية أو أنباء ~~الآخرة، وما وصف من عذاب الكفار { مزدجر } ازدجار أو موضع ازدجار. ~~والمعنى هو في نفسه موضع الازدجار ومظنة له، كقوله تعالى # لكم فى رسول الله أسوة حسنة # الأحزاب 21 أي هو أسوة. وقرىء «مزجر» بقلب تاء الإفتعال زايا وإدغام ms2006 ~~الزاي فيها { حكمة بلغة } بدل من ما. أو على هو حكمة. وقرىء ~~بالنصب حالا من ما. فإن قلت إن كانت ما موصولة ساغ لك أن تنصب حكمة ~~حالا، فكيف تعمل إن كانت ما موصولة ساغ لك أن تنصب كلمة حالا،فكيف تعمل ~~إن كانت موصوفة؟ وهو الظاهر. قلت تخصصها الصفة فيحسن نصب الحال عنها { ~~فما تغنى النذر } نفي أو إنكار. وما منصوبة،أي فأي غناء تغني ~~النذر { فتول عنهم } لعلمك أن الإنذار لا يغني فيهم. نصب { ~~يوم يدعو الداعى } بيخرجون، أو بإضمار اذكر. وقرىء بإسقاط ~~الياء اكتفاء بالكسرة عنها، والداعي إسرافيل أو جبريل، كقوله تعالى # يوم يناد المناد # ق 41 { إلى شىء نكر } منكر فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد ~~بمثله وهو هول يوم القيامة. وقرىء «نكر» بالتخفيف ونكر بمعنى أنكر { ~~خشعا أبصرهم } حال من الخارجين فعل للأبصار وذكر، كماتقول ~~يخشع أبصارهم. وقرى «خاشعة» على تخشع أبصارهم. وخشعا، على يخشعن ~~أبصارهم، وهي لغة من يقول أكلوني البراغيث، وهم طيء. ويجوز أن يكون في { ~~خشعا } ضميرهم، وتقع { أبصرهم } بدلا عنه. وقرىء «خشع ~~أبصارهم»، على الابتداء والخبر، ومحل الجملة النصب على الحال. كقوله # وجدته حاضراه الجود والكرم # وخشوع الأبصار كناية عن الذلة والانخزال، لأن ذلة الذليل وعزة العزيز ~~تظهران في عيونهما. وقرىء «يخرجون من الأجداث» من القبور { كأنهم ~~جراد منتشر } الجراد مثل في الكثرة والتموج. يقال في الجيش ~~الكثير المائج بعضه في بعض جاؤا كالجراد، وكالدبا منتشر في كل مكان ~~لكثرته { مهطعين إلى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه. وقيل ~~ناظرين إليه لا يقلعون بأبصارهم. قال # تعبدني نمر بن سعد وقد أرى ونمر بن سعد ~~لي مطيع ومهطع ### || [54.9-17] # { قبلهم } قبل أهل مكة { فكذبوا عبدنا } يعني نوحا. فإن ~~قلت ما معنى قوله تعالى { فكذبوا } بعد قوله { كذبت }؟ قلت ~~معناه كذبوا فكذبوا عبدنا أي كذبوه تكذيبا على عقب تكذيب، كلما مضى منهم ~~قرن مكذب تبعه قرن مكذب. أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي لما ~~كانوا مكذبين بالرسل جاحدين للنبوة رأسا، كذبوا نوحا لأنه من ms2007 جملة ~~الرسل { مجنون } هو مجنون { وازدجر } وانتهروه بالشتم والضرب ~~والوعيد بالرجم في قولهم # لتكونن من المرجومين # الشعراء 116 وقيل هو من جملة قيلهم، أي قالوا هو مجنون، وقد ازدجرته ~~الجن وتخبطته وذهبت بلبه وطارت بقلبه. قرىء «أني» بمعنى فدعا بأني مغلوب، ~~وإني على إرادة القول، فدعا فقال إني مغلوب غلبني قومي، فلم يسمعوا مني ~~واستحكم اليأس من إجابتهم لي { فانتصر } فانتقم منهم بعذاب تبعثه ~~عليهم، وإنما دعا بذلك بعد ما طم عليه الأمروبلغ السيل الزبا، فقد روى ~~أن الواحد من أمته كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه. فيفيق وهو ~~يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وقرىء «ففتحنا» مخففا ومشددا، ~~وكذلك وفجرنا { منهمر } منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين ~~يوما { وفجرنا الارض عيونا } وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون ~~تتفجر، وهو أبلغ من قولك وفجرنا عيون الأرض ونظيره في النظم # واشتعل الرأس شيبا # مريم 4. { فالتقى الماء } يعني مياه السماء والأرض. وقرىء ~~«الماآن»، أي النوعان من الماء السماوي والأرضي. ونحوه قولك عندي تمران، ~~تريد ضربان من التمر برني ومعقلي. قال # لنا إبلان فيهما ما علمتم # وقرأ الحسن «الماوان»، بقلب الهمزة واوا، كقولهم علباوان { على ~~أمر قد قدر } على حال قدرها الله كيف شاء. وقيل على حال جاءت ~~مقدرة مستوية وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء ~~بسواء. وقيل على أمر قد قدر في اللوح أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح ~~بالطوفان { على ذات ألوح ودسر } أراد السفينة، وهي من ~~الصفات التي تقوم مقام الموصوفات فتنوب منابها وتودي مؤداها. بحيث لا ~~يفصل بينها وبينها. ونحوه # ......... ولكن قميصي مسرودة من حديد # أراد ولكن قميصي درع، وكذلك # ولو في عيون النازيات بأكرع # أراد ولو في عيون الجراد. ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه ~~الصفة، أو بين الدرع والجراد وهاتين الصفتين لم يصح، وهذا من فصيح الكلام ~~وبديعه. والدسر جمع دسار وهو المسمار، فعال من دسره إذا دفعه لأنه يدسر ~~به منفذه { جزآء } مفعول له ms2008 لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده، أي ~~فعلنا ذلك جزاء، { لمن كان كفر } وهو نوح عليه السلام، وجعله ~~مكفورا لأن النبي نعمة من الله ورحمة. # قال الله تعالى # وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين # الأنبياء 107 فكان نوح عليه السلام نعمة مكفورة، ومن هذا المعنى ما يحكى ~~أن رجلا قال للرشيد الحمد لله عليك، فقال ما معنى هذا الكلام؟ قال أنت ~~نعمة حمدت الله عليها. ويجوز أن يكون على تقدير حذف الجار وإيصال الفعل. ~~وقرأ قتادة «كفر» أي جزاء للكافرين. وقرأ الحسن «جزاء»، بالكسر أي ~~مجازاة. الضمير في { تركنها } للسفينة. أو للفعلة، أي جعلناها ~~آية يعتبر بها. وعن قتادة أبقاها الله بأرض الجزيرة. وقيل على الجودى ~~دهرا طويلا، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة. والمدكر المعتبر. وقرىء ~~«مذتكر» على الأصل. ومذكر، بقلب التاء ذالا وإدغام الذال فيها. وهذا نحو ~~مذجر. والنذر جمع نذير وهو الإنذار { ولقد يسرنا القرءان ~~للذكر } أي سهلناه للادكار والاتعاظ، بأن شحناه بالمواعظ الشافية ~~وصرفنا فيه من الوعد والوعيد { فهل من } متعظ. وقيل ولقد سهلناه ~~للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه. ويجوز أن ~~يكون المعنى ولقد هيأناه للذكر، من يسر ناقته للسفر إذا رحلها، ويسر فرسه ~~للغزو، إذا أسرجه فألجمه. قال # وقمت إليه باللجام ميسرا هنالك يجزيني الذي ~~كنت أصنع # ويروى أن كتب أهل الأديان نحو التوراة والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا ~~نظرا ولا يحفظونها ظاهرا كما القرآن. ### || [54.18-25] # { ونذر } وإنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله. أو إنذار أتى في تعذيبهم ~~لمن بعدهم { فى يوم نحس } في يوم شؤم. وقرىء «في يوم نحس» كقوله # فى أيام نحسات # فصلت 16. { مستمر } قد استمر عليهم ودام حتى أهلكهم. أو استمر ~~عليهم جميعا كبيرهم وصغيرهم، حتى لم يبق منهم نسمة، وكان في أربعاء في ~~آخر الشهر لا تدور. ويجوز أن يريد بالمستمر الشديد المرارة والبشاعة { ~~تنزع الناس } تقلعهم عن أماكنهم، وكانوا يصطفون آخذين أيديهم بأيدي ~~بعض. ويتدخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر فيندسون فيها فتنزعهم وتكبهم ms2009 ~~وتدق رقابهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر } يعني أنهم ~~كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل ~~وهي أصولهابلا فروع، منقعر منقلع عن مغارسه. وقيل شبهوا بأعجاز النخل، ~~لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس. وذكر صفة { نخل ~~} على اللفظ، ولو حملها على المعنى لأنث، كما قال # أعجاز نخل خاوية # الحاقة 7. ### || [54.26-32] # { أبشرا منا وحدا } نصب بفعل مضمر يفسره { نتبعه } ~~وقرىء «أبشر منا واحد» على الابتداء. ونتبعه خبره، والأول أوجه ~~للاستفهام. كان يقول إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق، وسعر ونيران، ~~جمع سعير، فعكسوا عليه فقالوا إن اتبعناك كنا إذن كما تقول. وقيل الضلال ~~الخطأ والبعد عن الصواب. والسعر الجنون. يقال ناقة مسعورة. قال # كأن بها سعرا إذا العيس هزها ذميل وإرخاء ~~من السير متعب # فإن قلت كيف أنكروا أن يتبعوا بشرا منهم واحدا؟ قلت قالوا أبشرا ~~إنكارا لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وطلبوا أن يكون من جنس أعلى من جنس ~~البشر وهم الملائكة، وقالوا { منا } لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة ~~أقوى، وقالوا { وحدا } إنكارا لأن تتبع الأمة رجلا واحدا. أو ~~أرادوا واحدا من أفنائهم ليس بأشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قولهم { ~~أءلقى الذكر عليه من بيننا } أي أنزل عليه الوحي من ~~بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة { أشر } بطر متكبر، حمله ~~بطره وشطارته وطلبه التعظم علينا على ادعاء ذلك { سيعلمون غدا } ~~عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة { من الكذاب الاشر } ~~أصالح أم من كذبه. وقرىء «ستعلمون» بالتاء على حكاية ما قال لهم صالح ~~مجيبا لهم. أو هو كلام الله تعالى على سبيل الالتفات. وقرىء «الأشر» بضم ~~الشين، كقولهم حدث وحدث. وحذر وحذر، وأخوات لها. وقرىء «الأشر» وهو ~~الأبلغ في الشرارة. والأخير والأشر أصل قولهم هو خير منه وشر منه، وهو ~~أصل مرفوض، وقد حكى ابن الأنباري قول العرب هو أخير وأشر، وما أخيره وما ~~أشره { مرسلوا الناقة } باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا { ~~فتنة لهم } امتحانا لهم وابتلاء { فارتقبهم ms2010 } فانتظرهم ~~وتبصر ما هم صانعون { واصطبر } على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيك أمري { ~~قسمة بينهم } مقسوم بينهم لها شرب يوم ولهم شرب يوم. وإنما قال ~~بينهم، تغليبا للعقلاء «محتضر» محضور لهم أو للناقة. وقيل يحضرون الماء ~~في نوبتهم واللبن في نوبتها { صحبهم } قدار بن سالف أحيمر ثمود { ~~فتعاطى } فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث له، فأحدث العقر ~~بالناقة. وقيل فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف { صيحة ~~وحدة } صيحة جبريل.والهشيم الشجر اليابس المتهشم المتكسر «والمحتظر» ~~الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان وتتوطؤه البهائم فيتحطم ~~ويتهشم. وقرأ الحسن بفتح الظاء وهو موضع الاحتظار، أي «الحظيرة». ### || [54.33-40] # { حصبا } ريحا تحصبهم بالحجارة، أي ترميهم { بسحر } بقطع من ~~الليل، وهو السدس الأخير منه. وقيل هما سحران، فالسحر الأعلى قبل انصداع ~~الفجر، والآخر عند انصداعه، وأنشد # مرت بأعلى السحرين تذأل # وصرف لأنه نكرة. ويقال لقيته سحر أذا لقيته في سحر يومه { نعمة } ~~إنعاما، مفعول له { من شكر } نعمة الله بإيمانه وطاعته { ولقد ~~أنذرهم } لوط عليه السلام { بطشتنا } أخذتنا بالعذاب { ~~فتماروا } فكذبوا { بالنذر } متشاكين { فطمسنا ~~أعينهم } فمسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا يرى لها شق. روى أنهم ~~لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخلوا قالت الملائكة خلهم يدخلوا، # إنا رسل ربك لن يصلوا إليك # هود 81 فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون لا يهتدون ~~إلى الباب حتى أخرجهم لوط { فذوقوا } فقلت لهم ذوقوا على ألسنة ~~الملائكة { بكرة } أول النهار وباكره، كقوله مشرقين، ومصبحين. وقرأ ~~زيد بن علي رضي الله عنهما «بكرة»، غير منصرفة، وتقول أتيته بكرة وغدوة ~~بالتنوين. إذا أردت التنكير، وبغيره إذا عرفت وقصدت بكرة نهارك وغدوته { ~~عذاب مستقر } ثابت قد استقر عليهم إلى أن يفضى بهم إلى عذاب ~~الآخرة. فإن قلت ما فائدة تكرير قوله { فذوقوا عذابى ونذر ~~ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر }؟ قلت ~~فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبإ من أنباء الأولين ادكارا ~~واتعاظا، وأن يستأفنوا تنبها واستيقاظا، إذا سمعوا الحث على ذلك ~~والبعث عليه، وأن ms2011 يقرع لهم العصا مرات، يقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم ~~السهو ولا تستولى عليهم الغفلة، وهكذا حكم التكرير، كقوله # فبأى ءالاء ربكما تكذبان # الرحمن 13 عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن، وقوله # ويل يومئذ للمكذبين # المرسلات 15 عند كل آية أوردها في سورة والمرسلات، وكذلك تكرير الأنباء ~~والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب. مصورة للأذهان، مذكورة ~~غير منسية في كل أوان. ### || [54.41-42] # { النذر } موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء، لأنهما عرضا عليهم ما ~~أنذر به المرسلون. أو جمع نذير وهو الإنذار { بأايتنا كلها } ~~بالآيات التسع { أخذ عزيز } لا يغالب { مقتدر } لا يعجزه ~~شيء. ### || [54.43-46] # { أكفركم } يا أهل مكة { خير من أولئكم } الكفار ~~المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون، أي أهم خير قوة وآلة ~~ومكانة في الدنيا. أو أقل كفرا وعنادا يعني أن كفاركم مثل أولئك بل شر ~~منهم { أم } أنزلت عليكم يا أهل مكة { براءة } في الكتب المتقدمة. ~~أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله، فأمنتم بتلك البراءة ~~{ نحن جميع } جماعة أمرنا مجتمع { منتصر } ممتنع لا نرام ولا ~~نضام. وعن أبي جهل أنه ضرب فرسه يوم بدر، فتقدم في الصف وقال نحن ننتصر ~~اليوم من محمد وأصحابه، فنزلت { سيهزم الجمع } عن عكرمة 1113 ~~لما نزلت هذه الآية قال عمر أي جمع يهزم، فلما رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يثب في الدرع ويقول «سيهزم الجمع» عرف تأولها { ويولون ~~الدبر } أي الأدبار كما قال # كلوا في بعض بطنكم تعفوا # وقرىء «الأدبار» { أدهى } أشد وأفظع. والداهية الأمر المنكر الذي ~~لا يهتدي لدوائه { وأمر } من الهزيمة والقتل والأسر. وقرىء «سنهزم ~~الجمع». ### || [54.47-50] # { فى ضلل وسعر } في هلاك ونيران. أو في ضلال عن الحق في ~~الدنيا، ونيران في الآخرة { مس سقر } كقولك وجد مس الحمى وذاق طعم ~~الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرهاولفحتهم بإيلامها، فكأنها تمسهم مسا ~~بذلك، كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذى ويؤلم. وذوقوا على إرادة القول. ~~وسقر علم لجهنم. من سقرته النار ms2012 وصقرته إذا لوحته. قال ذو الرمة # إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها بأفنان مربوع ~~الصريمة معبل # وعدم صرفها للتعريف والتأنيث { كل شىء } منصوب بفعل مضمر يفسره ~~الظاهر وقرىء «كل شيء» بالرفع «والقدر والقدر» التقدير. وقرىء بهما، أي ~~خلقنا كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة. أو ~~مقدرا مكتوبا في اللوح. معلوما قبل كونه، قد علمنا حاله وزمانه { ~~وما أمرنا إلا وحدة } إلا كلمة واحدة سريعة التكوين { ~~كلمح بالبصر } أراد قوله كن، يعني أنه إذا أراد تكوين شيء لم ~~يلبث كونه. ### || [54.51-53] # { أشيعكم } أشباهكم في الكفر من الأمم { فى الزبر } في ~~دواوين الحفظة { وكل صغير وكبير } من الأعمال ومن كل ما هو ~~كائن { مستطر } مسطور في اللوح. ### || [54.54-55] # «ونهر» وأنهار، اكتفى باسم الجنس. وقيل هو السعة والضياء من النهار. ~~وقرىء بسكون الهاء. «ونهر» جمع نهر، كأسد وأسد { فى مقعد صدق } ~~في مكان مرضي. وقرىء «في مقاعد صدق» { عند مليك مقتدر } ~~مقربين عند مليك مبهم أمره في الملك والاقتدار، فلا شيء إلا وهو تحت ~~ملكه وقدرته، فأي منزلة أكرم من تلك المنزلة وأجمع للغبطة كلها والسعادة ~~بأسرها. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1114 # " من قرأ سورة القمر في كل غب بعثه الله يوم القيامة ووجهه مثل القمر ~~ليلة البدر ". ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-13] # عدد الله عز وعلا آلاءه، فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قدما من ~~ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو في ~~أعلى مراتبها وأقصى مراقيها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه ~~أعظم وحي الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو ~~سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ~~ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين، وليحيط علما بوحيه ~~وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدما عليه ~~وسابقا له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق ~~الفصيح المعرب عما في ms2013 الضمير، { الرحمن } مبتدأ، وهذه الأفعال مع ~~ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما ~~تقول زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل ~~أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ { بحسبان } بحساب معلوم وتقدير سوي ~~{ يجريان } في بروجهما ومنازلهما. وفي ذلك منافع للناس عظيمة منها علم ~~السنين والحساب { والنجم } والنبات الذي لا ينجم من الأرض لا ساق له ~~كالبقول { والشجر } الذي له ساق. وسجودهما انقيادههما لله فيما خلقا ~~له، وأنهما لا يمتنعان، تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده. فإن قلت ~~كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟ قلت استغنى فيهما عن الوصل اللفظي ~~بالوصل المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه ~~قيل الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له، فإن قلت كيف أخل ~~بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟ قلت بكت بتلك الجمل الأول ~~واردة على سنن التمديد، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين ~~أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس ~~بتعديدها عليه في المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد ~~التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف. فإن قلت أي تناسب ~~بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ قلت إن الشمس والقمر ~~سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، ~~وأن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جري الشمس والقمر ~~بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر وقيل { ~~علم القرءان 2 } جعله علامة وآية. وعن ابن عباس رضي الله عنه ~~الإنسان آدم. وعنه أيضا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن مجاهد ~~النجم نجوم السماء { والسمآء رفعها } خلقها مرفوعة مسموكة، حيث ~~جعلها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ومتنزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته ~~الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه ~~وسلطانه { ووضع الميزان } وفي قراءة عبد الله «وخفض الميزان». # وأراد به كل ما توزن به ms2014 الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ~~ومقياس، أي خلقه موضوعا مخفوضا على الأرض حيث علق به أحكام عباده ~~وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم { ألا ~~تطغوا } لئلا تطغوا. أو هي أن المفسرة. وقرأ عبد الله «لا تطغوا» ~~بغير أن، على إرادة القول { وأقيموا الوزن بالقسط } ~~وقوموا وزنكم بالعدل { ولا تخسروا الميزان } ولا تنقصوه أمر ~~بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو ~~تطفيف ونقصان. وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به، وتقوية للأمر ~~باستعماله والحث عليه. وقرىء «والسماء» بالرفع. «ولا تخسروا» بفتح التاء ~~وضم السين وكسرها وفتحها. يقال خسر الميزان يخسره ويخسره، وأما الفتح ~~فعلى أن الأصل ولا تخسروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل. { ~~وضعها } خفضها مدحوة على الماء { للأنام } للخلق، وهو كل ما على ~~ظهر الأرض من دابة. وعن الحسن الإنس والجن، فهي كالمهاد لهم يتصرفون ~~فوقها { فكهة } ضروب مما يتفكه به، و { الأكمام } كل ما يكم أي ~~يغطى من ليفة وسعفة وكفراة وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره ~~وجماره وجذوعه. وقيل الأكمام أوعية التمر-الواحد كم بكسر الكاف و { ~~العصف } ورق الزرع وقيل التبن { والريحان } الرزق وهو اللب أراد ~~فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل، ~~وما يتغذى به وهو الحب. وقرىء «والريحان»، بالكسر. ومعناه والحب ذو العصف ~~الذي هو علف الأنعام، والريحان الذي هو مطعم الناس. وبالضم على، وذو ~~الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل معناه وفيها الريحان ~~الذي يشم، وفي مصاحف أهل الشأم والحب ذو العصف والريحان أي وخلق الحب ~~والريحان، أو وأخص الحب والريحان. ويجوز أن يراد وذا الريحان، فيحذف ~~المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، والخطاب في { ربكما تكذبان } ~~للثقلين بدلالة الأنام عليهما. وقوله # سنفرغ لكم أيها الثقلان # الرحمن 31. ### || [55.14-16] # الصلصال الطين اليابس له صلصلة. والفخار الطين المطبوخ بالنار وهو ~~الخزف. فإن قلت قد اختلف التنزيل في هذا، وذلك قوله عز وجل # من حمأ مسنون # الحجر 26 ms2015 - 28 - 33، # من طين لازب # الصافات 11 # من تراب # آل عمران 59. قلت هو متفق في المعنى، ومفيد أنه خلقه من تراب جعله ~~طينا، ثم حمأ مسنون، ثم صلصالا. و { الجآن } أبو الجن. وقيل هو ~~إبليس. والمارج اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل المختلط بسواد ~~النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط. فإن قلت فما معنى قوله { من ~~نار }؟ قلت هو بيان لمارج، كأنه قيل من صاف من نار. أو مختلط من نار ~~أو أراد من نار مخصوصة، كقوله تعالى # فأنذرتكم نارا تلظى # الليل 14. ### || [55.17-18] # قرىء «رب المشرقين ورب المغربين» بالجر بدلا من ربكما وأراد مشرقي ~~الصيف والشتاء ومغربيهما. ### || [55.19-23] # { مرج البحرين } أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين ~~متلاقيين، لا فصل بين الماءين في مرأى العين { بينهما برزخ } ~~حاجز من قدرة الله تعالى { لا يبغيان } لا يتجاوزان حديهما ولا ~~يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة. قرىء «يخرج» ويخرج من أخرج. ~~وخرج. ويخرج أي الله عز وجل اللؤلؤ والمرجان بالنصب. ونخرج بالنون. ~~واللؤلؤ الدر. والمرجان هذا الخرز الأحمر وهو البسذ. وقيل اللؤلؤ كبار ~~الدر. والمرجان صغاره. فإن قلت لم قال منهما وإنما يخرجان من الملح؟ قلت ~~لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما، كما يقال ~~يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه. وتقول خرجت من ~~البلد وإنما خرجت من محلة من محاله، بل من دار واحدة من دوره. وقيل لا ~~يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب. ### || [55.24-25] # { الجوار } السفن. وقرىء «الجوار» بحذف الياء ورفع الراء، ونحوه # لها ثنايا أربع حسان وأربع فكلها ثمان # و { المنشئات } المرفوعات الشرع. وقرىء بكسر الشين وهي الرافعات ~~الشرع أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن. والأعلام جمع علم، وهو الجبل ~~الطويل. ### || [55.26-28] # { عليها } على الأرض { وجه ربك } ذاته، والوجه يعبر به عن ~~الجملة والذات، ومساكين مكة يقولون أين وجه عربي كريم ينقذني من الهوان، ~~و { ذو الجلل والإكرام } صفة الوجه. وقرأ عبد الله «ذي» على ~~صفة ربك. ومعناه الذي يجله الموحدون عن التشبيه ms2016 بخلقه وعن أفعالهم. أو ~~الذي يقال له ما أجلك وأكرمك. أو من عنده الجلال والإكرام للمخلصين من ~~عباده، وهذه الصفة من عظيم صفات الله ولقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1115 # " ألظوا بياذا الجلال والإكرام " # وعنه عليه الصلاة والسلام 1116 أنه مر برجل وهو يصلي ويقول يا ذا الجلال ~~والإكرام، فقال # " قد استجيب لك " # فإن قلت ما النعمة في ذلك؟ قلت أعظم النعمة وهي مجيء وقت الجزاء عقيب ~~ذلك. ### || [55.29-30] # كل من أهل السموات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السموات ما يتعلق ~~بدينهم، وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم { كل يوم هو فى ~~شأن } أي كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدد أحوالا، كما روى 1117 عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فقيل له وما ذلك الشأن؟ فقال # " من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين " # وعن ابن عيينه الدهر عند الله تعالى يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة ~~عمر الدنيا فشأنه فيه الأمر والنهي والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع. ~~والآخر يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب. وقيل نزلت في اليهود حين ~~قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. وسأل بعض الملوك وزيره عنها ~~فاستمهله إلى الغد وذهب كئيبا يفكر فيها، فقال غلام له أسود يا مولاي، ~~أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يدي، فأخبره فقال له أنا أفسرها ~~للملك فأعلمه، فقال أيها الملك شأن الله أن يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيما ~~ويسقم سليما، ويبتلى معافا ويعافى مبتلى، ويعز ذليلا ويذل عزيزا ~~ويفقر غنيا ويغني فقيرا فقال الأمير أحسنت وأمر الوزير أن يخلع عليه ~~ثياب الوزارة فقال يا مولاي هذا من شأن الله. وعن عبد الله بن طاهر أنه ~~دعا الحسين بن الفضل وقال له أشكلت على ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله ~~تعالى # فأصبح من الندمين # المائدة 31 وقد صح أن الندم توبة وقوله تعالى { كل يوم ms2017 هو فى ~~شأن } وقد صح أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة. وقوله ~~تعالى # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # النجم 39 فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين يجوز أن لا يكون الندم توبة في ~~تلك الأمة. ويكون توبة في هذه الأمة لأن الله تعالى خص هذه الأمة ~~بخصائص لم يشاركهم فيها الأمم، وقيل إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ~~ولكن على حمله، وأما قوله وأن ليس للإنسان إلا ما سعى فمعناه ليس له إلا ~~ما سعى عدلا، ولي أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا، وأما قوله { كل ~~يوم هو فى شأن } فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها، فقام عبد ~~الله وقبل رأسه وسوغ خراجه. ### || [55.31-32] # { سنفرغ لكم } مستعار من قول الرجل لمن يتهدده سأفرغ لك، يريد ~~سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنك، حتى لا يكون لي شغل سواه، ~~والمراد التوفر على النكاية فيه والانتقام منه، ويجوز أن يراد ستنتهي ~~الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله { ~~كل يوم هو فى شأن } فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، فجعل ~~ذلك فراغا لهم على طريق المثل، وقرىء «سيفرغ لكم»، أي الله تعالى، ~~«وسأفرغ لكم» و«سنفرغ» بالنون، مفتوحا مكسورا وفتح الراء، و«سيفرغ» ~~بالياء مفتوحا ومضموما مع فتح الراء، وفي قراءة أبي «سنفرغ إليكم» ~~بمعنى سنقصد إليكم، والثقلان الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض. ### || [55.33-36] # { يمعشر الجن والإنس } كالترجمة لقوله أيها الثقلان { إن ~~استطعتم } أن تهربوا من قضائي وتخرجوا من ملكوتي ومن سمائي وأرضي، ~~فافعلوا، ثم قال لا تقدرون على النفوذ { إلا بسلطن } يعني ~~بقوة وقهر وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه # وما أنتم بمعجزين فى الأرض ولا فى السماء # العنكبوت 22 وروى أن الملائكة عليهم السلام تنزل فتحيط بجميع الخلائق، ~~فإذا رآهم الجن والإنس هربوا، فلا يأتون وجها إلا وجدوا الملائكة أحاطت ~~به. قرىء «شواظ ونحاس»، كلاهما بالضم والكسر والشواظ اللهب الخالص. ~~والنحاس الدخان وأنشد # تضيء كضوء سراج السليط لم يجعل الله ms2018 فيه ~~نحاسا # وقيل الصفر المذاب يصب على رؤوسهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما إذا ~~خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر. وقرىء «ونحاس»، مرفوعا عطفا ~~على شواظ. ومجرورا عطفا على نار. وقرىء «ونحس» جمع نحاس، وهو الدخان، ~~نحو لحاف ولحف. وقرىء «ونحس» أي ونقتل بالعذاب. وقرىء «نرسل عليكم شواظا ~~من نار ونحاسا» { فلا تنتصران } فلا تمتنعان. ### || [55.37-40] # { وردة } حمراء { كالدهان } كدهن الزيت، كما قال كالمهل، وهو ~~دردي الزيت، وهو جمع دهن. أو اسم ما يدهن به كالخزام والإدام. قال # كأنهما مزادتا متعجل فريان لما تدهنا ~~بدهان # وقيل الدهان الأديم الأحمر. وقرأ عمرو بن عبيد «وردة» بالرفع، بمعنى ~~فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التجريد، كقوله # فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم أو ~~يموت كريم # { إنس } بعض من الإنس { ولا جان } أريد به ولا جن أي ولا بعض من ~~الجن، فوضع الجان الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال هاشم، ويراد ~~ولده. وإنما وحد ضمير الإنس في قوله { عن ذنبه } لكونه في معنى ~~البعض. والمعنى لا يسألون لأنهم يعرفون بسيما المجرمين وهي سواد الوجوه ~~وزرقة العيون. فإن قلت هذا خلاف قوله تعالى # فوربك لنسئلنهم أجمعين # الحجر 92 وقوله # وقفوهم إنهم مسئولون # الصافات 24. قلت ذلك يوم طويل وفيه مواطن فيسألون في موطن ولا يسألون في ~~آخر قال قتادة قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون. وقيل لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن ~~يسأل سؤال توبيخ. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد «ولا جأن» فرارا من ~~التقاء الساكنين، وإن كان على حده. ### || [55.41-45] # { فيؤخذ بالنواصى والأقدام } عن الضحاك يجمع بين ناصيته ~~وقدمه في سلسلة من وراء ظهره وقيل تسحبهم الملائكة تارة تأخذ بالنواصي ~~وتارة تأخذ بالأقدام { حميم ءان } ماء حار قد انتهى حره ونضجه، أي ~~يعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم. وقيل إذا استغاثوا من ~~النار جعل غياثهم الحميم. وقيل إن واديا من أودية جهنم يجتمع فيه صديد ~~أهل ms2019 النار فينطلق بهم في الأغلال، فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم ثم ~~يخرجون منه وقد أحدث الله لهم خلقا جديدا. وقرىء «يطوفون» من التطويف. ~~ويطوفون، أي يتطوفون ويطافون. وفي قراءة عبد الله «هذه جهنم التي كنتما ~~بها تكذبان تصليان لا تموتان فيها ولا تحييان يطوفون بينهما» ونعمة الله ~~فيما ذكره من هول العذاب نجاة الناجي منه برحمته وفضله، وما في الإنذار ~~به من اللطف. ### || [55.46-55] # { مقام ربه } موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة # يوم يقوم الناس لرب العلمين # المطففين 6 ونحوه # لمن خاف مقامى # إبراهيم 14 ويجوز أن يراد بمقام ربه أن الله قائم عليه أي حافظ مهيمن من ~~قوله تعالى # أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت # الرعد 33 فهو يراقب ذلك فلا يجسر على معصيته. وقيل هو مقحم كما تقول ~~أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك. وأنشد # ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب ~~كالرجل اللعين # يريد ونفيت عنه الذئب. فإن قلت لم قال { جنتان }؟ قلت الخطاب ~~للثقلين فكأنه قيل لكل خائفين منكما جنتان جنة للخائف الإنسي، وجنة ~~للخائف الجني. ويجوز أن يقال جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي لأن ~~التكليف دائر عليهما وأن يقال جنة يثاب بها، وأخرى تضم إليها على وجه ~~التفضل، كقوله تعالى # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # يونس 26 خص الأفنان بالذكر وهي الغصنة التي تتشعب من فروع الشجرة لأنها ~~هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الثمار. وقيل ~~الأفنان ألوان النعم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قال # ومن كل أفنان اللذاذة والصبا لهوت لهوت ~~به والعيش أخضر ناضر # { عينان تجريان } حيث شاءوا في الأعالي والأسافل. وقيل تجريان ~~من جبل من مسك. وعن الحسن تجريان بالماء الزلال إحداهما التسنيم، والأخرى ~~السلسبيل { زوجان } صنفان قيل صنف معروف وصنف غريب { متكئين } ~~نصب على المدح للخائفين. أو حال منهم، لأن من خاف في معنى الجمع { ~~بطائنها من إستبرق } من ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من ~~الإستبرق، فما ظنك بالظهائر؟ وقيل ظهائرها من سندس. وقيل ms2020 من نور { دان ~~} قريب يناله القائم والقاعد والنائم. وقرىء «وجنى»، بكسر الجيم. ### || [55.56-61] # { فيهن } في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة ~~والفرش والجنى. أو في الجنتين، لاشتمالها على أماكن وقصور ومجالس { ~~قصرت الطرف } نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى ~~غيرهم. لم يطمث الإنسيات منهن أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن ~~وهذا دليل عى أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس، وقرىء «لم يطمثهن» بضم ~~الميم. قيل هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان وصغار الدر أنصع بياضا. ~~قيل إن الحوراء تلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب ~~الأحمر في الزجاجة البيضاء { هل جزآء الإحسن } في العمل { ~~إلا الإحسن } في الثواب. وعن محمد بن الحنفية هي مسجلة للبر ~~والفاجر. أي مرسلة، يعني أن كل من أحسن أحسن إليه، وكل من أساء أسيء ~~إليه. ### || [55.62-69] # { ومن دونهما } ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين { ~~جنتان } لمن دونهم من أصحاب اليمين { مدهامتان64 } قد ~~ادهامتا من شدة الخضرة { نضاختان } فوارتان بالماء. والنضخ أكثر ~~من النضح، لأن النضح غير معجمة مثل الرش، فإن قلت لم عطف النخل والرمان ~~على الفاكهة وهما منها؟ قلت اختصاصا لهما وبيانا لفضلهما، كأنهما لما ~~لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى # وجبريل وميكل # البقرة 98 أو لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم ~~يخلصا للتفكه. ومنه قال أبو حنيفة رحمه الله إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل ~~رمانا أو رطبا لم يحنث، وخالفه صاحباه. ### || [55.70-78] # { خيرت } خيرات فخففت، كقوله عليه السلام 1118 # " هينون لينون " # وأما «خير» الذي هو بمعنى أخير، فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات. وقرىء ~~«خيرات» على الأصل. والمعنى فاضلات الأخلاق حسان الخلق { مقصورت } ~~قصرن في خدورهن. يقال امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة مخدرة. وقيل إن ~~الخيمة من خيامهن درة مجوفة { قبلهم } قبل أصحاب الجنتين، دل ~~عليهم ذكر الجنتين { متكئين } نصب على الاختصاص. والرفرف ضرب من ~~البسط. وقيل البسط وقيل الوسائد، وقيل كل ثوب عريض رفرف. ويقال لأطراف ~~البسط فضول الفسطاط ms2021 رفارف. ورفرف السحاب هيدبه والعبقري منسوب إلى عبقر، ~~تزعم العرب أنه بلد الجن فينسبون إليه كل شيء عجيب. وقرىء «رفارف خضر» ~~بضمتين. وعباقرى، كمدائني نسبة إلى عباقري في اسم البلد وروى أبو حاتم ~~عباقرى، بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته. فإن قلت كيف تقاصرت ~~صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل ومن دونهما؟ قلت مدهامتان، دون ~~ذواتا أفنان. ونضاختان دون تجريان. وفاكهة دون كل فاكهة. وكذلك صفة الحور ~~والمتكأ. وقرىء «ذو الجلال» صفة، للاسم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~1119 # " من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله عليه ". ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-7] # { وقعت الواقعة } كقولك كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد ~~القيامة وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل إذا وقعت التي لا ~~بد من وقوعها، ووقوع الأمر نزوله. يقال وقع ما كنت أتوقعه، أي نزل ما ~~كنت أترقب نزوله. فإن قلت بم انتصب إذا؟ قلت بليس. كقولك يوم الجمعة ليس ~~لي شغل. أو بمحذوف، يعني إذا وقعت كان كيت وكيت، أو بإضمار اذكر { ~~كاذبة } نفس كاذبة، أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في ~~تكذيب الغيب لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم ~~كواذب مكذبات، كقوله تعالى # فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده # غافر 84، # لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم # الشعراء 201، # ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه حتى ~~تأتيهم الساعة بغتة # الحج 55 واللام مثلها في قوله تعالى # يليتنى قدمت لحياتى # الفجر 24 أو ليس لها نفس تكذبها وتقول لها لم تكوني كما لها اليوم نفوس ~~كثيرة يكذبنها، يقلن لها لن تكوني. أو هي من قولهم كذبت فلانا نفسه في ~~الخطب العظيم، إذا شجعته على مباشرته وقالت له إنك تطيقه وما فوقه فتعرض ~~له ولا تبال به، على معنى أنها وقعة لا تطاق شدة وفظاعة. وأن لا نفس ~~حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور وتزين له احتمالها ~~وإطاقتها، لأنهم يومئذ أضعف ms2022 من ذلك وأذل. ألا ترى إلى قوله تعالى # كالفراش المبثوث # القارعة 4 والفراش مثل في الضعف. وقيل { كاذبة } مصدر كالعاقبة ~~بمعنى التكذيب، من قولك حمل على قرنه فما كذب، أي فما جبن وماتثبط. ~~وحقيقته فما كذب نفسه فيما حدثته به. من إطاقته له وإقدامه عليه. قال ~~زهير # .................. إذا ما الليث كذب عن أقرانه ~~صدقا # أي إذا وقعت لم تكن لها رجعة ولا ارتداد { خافضة رافعة3 } على ~~هي خافضة رافعة، ترفع أقواما وتضع آخرين إما وصفا لها بالشدة لأن ~~الواقعات العظام كذلك، يرتفع فيها ناس إلى مراتب ويتضع ناس، وإما لأن ~~الأشقياء يحطون إلى الدركات، والسعداء يرفعون إلى الدرجات وإما أنها ~~تزلزل الأشياء وتزيلها عن مقارها، فتخفض بعضا وترفع بعضا حيث تسقط ~~السماء كسفا وتنتثر الكواكب وتنكدر وتسير الجبال فتمر في الجو مر ~~السحاب، وقرىء «خافضة رافعة» بالنصب على الحال { رجت } حركت تحريكا ~~شديدا حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء { وبست الجبال } ~~وفتت حتى تعود كالسويق، أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها. كقوله # وسيرت الجبال # النبأ 20، «منبثا» متفرقا. وقرىء بالتاء أي منقطعا. وقرىء «رجت وبست» ~~أي ارتجت وذهبت. وفي كلام بنت الخس عينها هاج، وصلاها راج. وهي تمشي ~~تفاج. فإن قلت بم انتصب إذا رجت؟ قلت هو بدل من إذا وقعت. ويجوز أن ينتصب ~~بخافضة رافعة. أي تخفض وترفع وقت رج الأرض، وبس الجبال لأنه عند ذلك ~~ينخفض ما هو مرتفع ويرتفع ما هو منخفض { أزوجا } أصنافا، يقال ~~للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض أزواج. ### || [56.8-9] # { فأصحب الميمنة } الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم { ~~وأصحب المشئمة } الذي يؤتونها بشمائلهم. أو أصحاب المنزلة ~~السنية وأصحاب المنزلة الدنية، من قولك وفلان مني باليمين، فلان مني ~~بالشمال إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة وذلك لتيمنهم بالميامن وتشاؤمهم ~~بالشمائل، ولتفاؤلهم بالسانح وتطيرهم من البارح، ولذلك اشتقوا لليمين ~~الاسم من اليمن، وسموا الشمائل الشؤمى. وقيل أصحاب الميمنة وأصحاب ~~المشأمة أصحاب اليمن والشؤم لأن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم، ~~والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. ms2023 وقيل يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل ~~النار ذات الشمال. ### || [56.10-26] # { والسبقون } المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه ~~وشقوا الغبار في طلب مرضاة الله عز وجل وقيل الناس ثلاثة فرجل ابتكر ~~الخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا فهذا السابق ~~المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة، ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب ~~اليمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه، ثم لم يزل عليه حتى خرج من ~~الدنيا، فهذا صاحب الشمال ما أصحاب الميمنة. ما أصحاب المشأمة تعجيب من ~~حال الفريقين في السعادة والشقاوة. والمعنى أي شيء هم؟ والسابقون ~~السابقون، يريد والسابقون من عرفت حالهم وبلغك وصفهم، كقوله وعبد الله ~~عبد الله. وقول أبي النجم # وشعري شعري # كأنه قال وشعري ما انتهى إليك وسمعت بفصاحته وبراعته، وقد جعل السابقون ~~تأكيدا. وأولئك المقربون خبرا وليس بذاك ووقف بعضهم على والسابقون ~~وابتدأ السابقون أولئك المقربون، والصواب أن يوقف على الثاني، لأنه تمام ~~الجملة، وهو في مقابلة ما أصحاب الميمنة، وما أصحاب المشأمة { ~~المقربون فى جنت النعيم12 } الذين قربت درجاتهم في ~~الجنة من العرش وأعليت مراتبهم. وقرىء «في جنة النعيم» والثلة الأمة من ~~الناس الكثيرة. قال # وجاءت إليهم ثلة خندفية بجيش كتيار من ~~السيل مزبد # وقوله عز وجل { وقليل من الأخرين14 } كفى به دليلا على ~~الكثرة، وهي من الثل وهو الكسر، كما أن الأمة من الأم وهو الشج، كأنها ~~جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم. والمعنى أن السابقين من الأولين كثير، ~~وهم الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم { ~~وقليل من الأخرين14 } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل ~~{ من الأولين } من متقدمي هذه الأمة، و { من الأخرين } ~~من متأخريها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1120 # " الثلتان جميعا من أمتي " # فإن قلت كيف قال { وقليل من الآخرين } ، ثم قال { وثلة من ~~الأخرين40 }؟ قلت هذا في السابقين وذلك في أصحاب اليمين وأنهم ~~يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعا. فإن قلت فقد روى أنها ms2024 لما نزلت شق ~~ذلك على المسلمين، فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجع ربه حتى ~~نزلت # ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين # الواقعة 39 - 40. قلت هذا لا يصح لأمرين، أحدهما أن هذه الآية واردة في ~~السابقين ورودا ظاهرا، وكذلك الثانية في أصحاب اليمين. ألا ترى كيف عطف ~~أصحاب اليمين ووعدهم، على السابقين ووعدهم، والثاني أن النسخ في الأخبار ~~غير جائز وعن الحسن رضي الله عنه سابقو الأمم أكثر من سابقي أمتنا، ~~وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمة. وثلة خبر مبتدإ محذوف، أي هم ثلة { ~~موضونة } مرمولة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت، قد دوخل بعضها في ~~بعض كما توضن حلق الدرع. # قال الأعشى # ومن نسج داود موضونة # وقيل متواصلة، أدنى بعضها من بعض. { متكئين } حال من الضمير في ~~على، وهو العامل فيها، أي استقروا عليها متكئين { متقبلين } لا ~~ينظر بعضهم في أقفاء بعض. وصفوا بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق والآداب { ~~مخلدون } مبقون أبدا على شكل الولدان وحد الوصافة لا يتحولون ~~عنه. وقيل مقرطون، والخلدة القرط. وقيل هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم ~~حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا عليها. روى عن علي رضي الله عنه ~~وعن الحسن. وفي الحديث 1121 # " أولاد الكفار خدام أهل الجنة " # الأكواب أوان بلا عرى وخراطيم، والأباريق، ذوات الخراطيم { لا ~~يصدعون عنها } أي بسببها، وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. أو لا ~~يفرقون عنها. وقرأ مجاهد «لا يصدعون»، بمعنى لا يتصدعون لا يتفرقون، ~~كقوله # يومئذ يصدعون # الروم 43 ويصدعون، أي لا يصدع بعضهم بعضا، لا يفرقونهم { ~~يتخيرون } يأخذون خيره وأفضله { يشتهون } يتمنون. وقرىء ~~«ولحوم طير» قرىء «وحور عين» بالرفع على وفيها حور عين، كبيت الكتاب # إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج............ # أو للعطف على ولدان، وبالجر عطفا على جنات النعيم، كأنه قال هم في جنات ~~النعيم، وفاكهة ولحم وحور. أو على أكواب، لأن معنى { يطوف عليهم ~~ولدن مخلدون17 { بأكواب } ينعمون بأكواب، وبالنصب على ~~ويؤتون حورا { جزآء } مفعول له، أي يفعل بهم ذلك كله جزاء بأعمالهم { ~~سلما سلما } إما ms2025 بدل من { قيلا } بدليل قوله # لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما # مريم 62 وإما مفعول به لقيلا، بمعنى لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاما ~~سلاما. والمعنى أنهم يفشون السلام بينهم، فيسلمون سلاما بعد سلام. وقرىء ~~«سلام سلام»، على الحكاية. ### || [56.27-40] # السدر شجر النبق. والمخضود الذي لا شوك له، كأنما خضد شوكه. وعن مجاهد ~~الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله، من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب. ~~والطلح شجر الموز. وقيل هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة. وعن ~~السدي شجر يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. وعن علي رضي الله ~~عنه أنه قرأ «وطلع» فقال، وما شأن الطلح، وقرأ قوله # لها طلع نضيد # ق 10 فقيل له أو تحولها؟ فقال آي القرآن لا تهاج اليوم ولا تحول. ~~وعن ابن عباس نحوه. والمنضود الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه فليست ~~له ساق بارزة { وظل ممدود30 } ممتد منبسط لا يتقلص، كظل ما ~~بين طلوع الفجر وطلوع الشمس { مسكوب } يسكب لهم أين شاؤوا وكيف ~~شاؤوا لا يتعنون فيه. وقيل دائم الجرية لا ينقطع. وقيل مصبوب يجري على ~~الأرض في غير أخدود { لا مقطوعة } هي دائمة لا تنقطع في بعض ~~الأوقات كفواكه الدنيا { ولا ممنوعة } لا تمنع عن متناولها بوجه، ~~ولا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقرىء «فاكهة كثيرة»، بالرفع ~~على وهناك فاكهة، كقوله # وحور عين # الواقعة22 { وفرش } جمع فراش. وقرىء «وفرش» بالتخفيف { مرفوعة ~~} نضدت حتى ارتفعت. أو مرفوعة على الأسرة. وقيل هي النساء، لأن المرأة ~~يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك. قال الله تعالى # هم وأزوجهم فى ظلل على الارائك متكئون # يس 56، ويدل عليه قوله تعالى { إنا أنشأنهن إنشآء35 } ~~وعلى التفسير الأول أضمر لهن، لأن ذكر الفرش وهي المضاجع دل عليهن { ~~أنشأنهن إنشاء } أي ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ~~ولادة، فإما أن يراد. اللاتي ابتدىء إنشاؤهن أو اللاتي أعيد إنشاؤهن. وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1122 أن أم سلمة رضي الله ms2026 عنها سألته عن ~~قول الله تعالى { إنا أنشأنهن } فقال # " يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا، جعلهن ~~الله بعد الكبر " # { أترابا } على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهن أزواجهن ~~وجدوهن أبكارا فلما سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قالت واوجعاه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ليس هناك وجع " # 1123 وقالت عجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يدخلني ~~الجنة، فقال # " إن الجنة لا تدخلها العجائز " # ، فولت وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام # " أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز " # وقرأ الآية { عربا } وقرىء «عربا» بالتخفيف جمع عروب وهي المتحببة ~~إلى زوجها الحسنة التبعل { أترابا } مستويات في السن بنات ثلاث ~~وثلاثين، وأزواجهن أيضا كذلك. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1124 # " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث ~~وثلاثين " # واللام في { لأصحب اليمين38 } من صلة أنشأنا وجعلنا. ### || [56.41-56] # { فى سموم } في حر نار ينفذ في المسام { وحميم } وماء حار متناه ~~في الحرارة { وظل من يحموم } من دخان أسود بهيم { لا بارد ~~ولا كريم44 } نفي لصفتي الظل عنه، يريد أنه ظل، ولكن لا كسائر ~~الظلال سماه ظلا، ثم نفى عنه برد الظل وروحه ونفعه لمن يأوي إليه من أذى ~~الحر وذلك كرمه ليمحق ما في مدلول الظل من الاسترواح إليه. والمعنى أنه ~~ظل حار ضار إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات. وفيه تهكم ~~بأصحاب المشأمة، وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم ~~في الجنة. وقرىء «لا بارد ولا كريم» بالرفع، أي لا هو كذلك و { الحنث ~~} الذنب العظيم. ومنه قولهم بلغ الغلام الحنث، أي الحلم ووقت المؤاخذة ~~بالمآثم. ومنه حنث في يمينه، خلاف بر فيها. ويقال تحنث إذا تأثم وتحرج { ~~أو ءابآؤنا } دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف. فإن قلت كيف حسن ~~العطف على المضمر في { لمبعوثون } من غير تأكيد بنحن؟ قلت حسن ~~للفاصل الذي هو الهمزة، ms2027 كما حسن في قوله تعالى { ما أشركنا ولا ~~آباؤنا } لفصل لا المؤكدة للنفي. وقرىء «أو آباؤنا» وقرىء «لمجمعون» { ~~إلى ميقت يوم معلوم } إلى ما وقتت به الدنيا من يوم ~~معلوم والإضافة بمعنى من، كخاتم فضة. والميقات ماوقت به الشيء، أي حد. ~~ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها من يريد دخول مكة إلا ~~محرما { أيها الضآلون } عن الهدى { المكذبون } بالبعث، ~~وهم أهل مكة ومن في مثل حالهم { من شجر من زقوم } من الأولى ~~لابتداء الغاية، والثانية لبيان الشجر وتفسيره. وأنث ضمير الشجر على ~~المعنى، وذكره على اللفظ في قوله منها و عليه ومن قرأ «من شجرة من زقوم» ~~فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم، لأنه ~~تفسيرها وهي في معناه «شرب الهيم» وقرىء بالحركات الثلاث، فالفتح والضم ~~مصدران. وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أيام أكل وشرب، بفتح الشين. وأما ~~المكسور فبمعنى المشروب، أي ما يشربه الهيم وهي الإبل التي بها الهيام، ~~وهو داء تشرب منه فلا تروى جمع أهيم وهيماء. قال ذو الرمة # فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ولا ~~يقضي عليها هيامها # وقيل الهيم الرمال. ووجهه أن يكون جمع الهيام بفتح الهاء وهو الرمل الذي ~~لا يتماسك، جمع على فعل كسحاب وسحب، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض. ~~والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم الذي هو ~~كالمهل فإذا ملؤا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب ~~الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم. فإن قلت كيف صح عطف ~~الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان عطفا ~~للشيء على نفسه؟ قلت ليستا بمتفقتين، من حيث إن كونهم شاربين للحميم على ~~ما هو عليه من تناهي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك ~~كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين. النزل ~~الرزق الذي يعد للنازل تكرما له. وفيه تهكم، كما في قوله تعالى # فبشرهم بعذاب أليم # آل عمران 21 ms2028 وكقول أبي الشعر الضبي. # وكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا جعلنا القنا ~~والمرهفات له نزلا # وقرىء «نزلهم» بالتخفيف. ### || [56.57-62] # { فلولا تصدقون } تحضيض على التصديق إما بالخلق لأنهم وإن ~~كانوا مصدقين به، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، ~~فكأنهم مكذبون به. وإما بالبعث لأن من خلق أولا لم يمتنع عليه أن يخلق ~~ثانيا «ما تمنون» ما تمنونه، أي تقذفونه في الأرحام من النطف وقرأ ~~أبو السمال بفتح التاء يقال أمنى النطفة ومناها. قال الله تعالى # من نطفة إذا تمنى # النجم 46. { تخلقونه } تقدرونه تصورونه { قدرنا بينكم ~~الموت } تقديرا وقسمناه عليكم قسمة الرزق على اختلاف وتفاوت كما ~~تقتضيه مشيئتنا، فاختلفت أعماركم من قصير وطويل ومتوسط. وقرىء «قدرنا» ~~بالتخفيف. سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه ولم تمكنه منه، ~~فمعنى قوله { وما نحن بمسبوقين على أن نبدل ~~أمثلكم } أنا قادرون على ذلك لا تغلبوننا عليه، وأمثالكم جمع مثل ~~أي على أن نبدل منكم ومكانكم أشباهكم من الخلق، وعلى أن ننشأكم في خلق لا ~~تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني أنا نقدر على الأمرين جميعا على خلق ما ~~يماثلكم، وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. ويجوز أن يكون { ~~أمثلكم } جمع مثل، أي على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها ~~في خلقكم وأخلاقكم، وننشئكم في صفات لا تعلمونها. قرىء «النشأة» ~~والنشاءة. وفي هذا دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة ~~الأخرى على الأولى. ### || [56.63-67] # أفرأيتم ما تحرثون ه من الطعام، أي تبذرون حبه وتعملون في أرضه { ~~ءأنتم تزرعونه } تنبتونه وتردونه نباتا، يرف وينمي إلى أن ~~يبلغ الغاية. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1125 # " لا يقولن أحدكم زرعت، وليقل حرثت " # قال أبو هريرة أرأيتم إلى قوله { أفرءيتم... } الآية. والحطام من ~~حطم، كالفتات والجذاذ من فت وجذ وهو ما صار هشيما وتحطم { فظلتم } ~~وقرىء بالكسر فظللتم على الأصل { تفكهون } تعجبون. وعن الحسن رضي ~~الله عنه تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه. أو على ما اقترفتم من ~~المعاصي التي أصبتم ms2029 بذلك من أجلها. وقرىء «تفكنون» ومنه الحديث 1126 # " مثل العالم كمثل الحمة يأيتها البعدآء ويتركها القرباء فبيناهم إذ غار ~~ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون " # أي يتندمون { إنا لمغرمون 66 } لملزمون غرامة ما أنفقنا. ~~أومهلكون لهلاك رزقنا، من الغرام وهو الهلاك { بل نحن } قوم { ~~محرومون } محارفون محدودون، لا حظ لنا ولا بخت لنا ولو كنا مجدودين، ~~لما جرى علينا هذا. وقرىء «أئنا». ### || [56.68-70] # { المآء الذى تشربون } يريد الماء العذب الصالح للشرب. و { ~~المزن } السحاب الواحدة مزنة. وقيل هو السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ~~ماء { أجاجا } ملحا زعاقا لا يقدر على شربه. فإن قلت لم أدخلت اللام ~~على جواب لو في قوله # لجعلناه حطما # الواقعة 65 ونزعت منه ههنا؟ قلت إن «لو» لما كانت داخلة على جملتين ~~معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كإن ولا ~~عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا من حيث إفادتها في ~~مضموني جملتيها أن الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ~~ينصب علما على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علما على ذلك، فإذا ~~حذفت بعد ما صارت علما مشهورا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه ~~وصار مألوفا ومأنوسا به لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء بمعرفة ~~السامع. ألا ترى إلى ما يحكى عن رؤبة أنه كان يقول خير، لمن قال له كيف ~~أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه. وتساوي حالي حذفه وإثباته لشهرة ~~أمره. وناهيك بقول أوس # حتى إذا الكلاب قال لها كاليوم مطلوبا ولا ~~طلبا # وحذفه «لم أر» فإذن حذفها اختصار لفظي وهي ثابتة في المعنى، فاستوى ~~الموضعان بلا فرق بينهما على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغن عن ذكرها ~~ثانية ونائب عنه. ويجوز أن يقال إن هذه اللام مفيدة معنى التوكيد لا ~~محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب، للدلالة على أن أمر ~~المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن ~~المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم. ms2030 ألا ترى أنك إنما تسقى ضيفك بعد ~~أن تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء # إذا سقيت ضيوف الناس محضا سقوا أضيافهم ~~شبما زلالا # وسقى بعض العرب فقال أنا لا أشرب إلا على ثميلة ولهذا قدمت آية المطعوم ~~على آية المشروب. ### || [56.71-74] # { تورون } تقدحونها وتستخرجونها من الزناد والعرب تقدح بعودين تحك ~~أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى الزند، والأسفل الزندة شبهوهما بالفحل ~~والطروقة { شجرتهآ } التي منها الزناد { تذكرة } تذكيرا لنار ~~جهنهم، حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها، وعممنا بالحاجة إليها البلوى ~~لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به. أو جعلناها تذكرة ~~وأنموذجا من جهنم، لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1127 # " ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزأ من حر جهنم " # { ومتعا } ومنفعة { للمقوين } للذين ينزلون القواء وهي ~~القفر. أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. يقال أقويت من أيام، ~~أي لم آكل شيئا { فسبح باسم ربك } فأحدث التسبيح بذكر اسم ~~ربك، أو أراد بالاسم الذكر، أي بذكر ربك. و { العظيم } صفة للمضاف أو ~~للمضاف إليه. والمعنى أنه لما ذكر ما دل على قدرته وإنعامه على عباده قال ~~فأحدث التسبيح وهو أن يقول سبحان الله، إما تنزيها له عما يقول ~~الظالمون الذين يجحدون وحدانيته ويكفرون نعمته، وإما تعجبا من أمرهم في ~~غمط آلائه وأياديه الظاهرة، وإما شكرا لله على النعم التي عدها ونبه ~~عليها. ### || [56.75-80] # { فلا أقسم } معناه فأقسم. ولا مزيدة مؤكدة مثلها في قوله # لئلا يعلم أهل الكتب # الحديد 29 وقرأ الحسن «فلأقسم». ومعناه فلأنا أقسم اللام لام الابتداء ~~دخلت على جملة من مبتدأ وخبر، وهي أنا أقسم، كقولك «لزيد منطلق» ثم حذف ~~المبتدأ، ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأمرين، أحدهما أن حقها أن ~~يقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني أن «لأفعلن» في ~~جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال { بموقع ~~النجوم } بمساقطها ومغاربها، لعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت ~~النجوم ms2031 إلى المغرب أفعالا مخصوصة عظيمة، أو للملائكة عبادات موصوفة، أو ~~لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه من عباده الصالحين، ونزول ~~الرحمة والرضوان عليهم فلذلك أقسم بمواقعها، واستعظم ذلك بقوله { ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم 76 } أو أراد بمواقعها ~~منازلها ومسايرها، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظيم القدرة والحكمة ~~ما لا يحيط به الوصف. وقوله { وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم 76 } اعتراض في اعتراض لأنه اعترض به بين المقسم والمقسم عليه، ~~وهو قوله { إنه لقرءان كريم77 } واعترض ب { لو ~~تعلمون } بين الموصوف وصفته. وقيل مواقع النجوم أوقات وقوع نجوم ~~القرآن، أي أوقات نزولها كريم حسن مرضي في جنسه من الكتب. أو نفاع جم ~~المنافع. أو كريم على الله { فى كتب مكنون78 } مصون من غير ~~المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهم المطهرون من جميع ~~الأدناس أدناس الذنوب وما سواها إن جعلت الجملة صفة لكتاب مكنون وهو ~~اللوح. وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على ~~الطهارة من الناس، يعني مس المكتوب منه، ومن الناس من حمله على القراءة ~~أيضا، وعن ابن عمر أحب إلي أن لا يقرأ إلا وهو طاهر، وعن ابن عباس في ~~رواية أنه كان يبيح القراءة للجنب، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1128 # " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " # أي لا ينبغي له أن يظلمه أو يسلمه. وقرىء «المتطهرون» و«المطهرون» ~~بالإدغام. و«المطهرون»، من أطهره بمعنى طهره. والمطهرون بمعنى يطهرون ~~أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والوحي الذي ينزلونه { تنزيل } صفة ~~رابعة للقرآن، أي منزل من رب العالمين. أو وصف بالمصدر لأنه نزل نجوما ~~من بين سائر كتب الله تعالى، فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك جرى مجرى بعض ~~أسمائه، فقيل جاء في التنزيل كذا، ونطق به التنزيل. أو هو تنزيل على ~~المبتدأ. وقرىء «تنزيلا» على نزل تنزيلا. ### || [56.81-82] # { أفبهذا الحديث } يعني القرآن { أنتم مدهنون } أي ~~متهاونون به، كمن يدهن في الأمر، أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه ms2032 تهاونا به ~~{ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون82 } على حذف المضاف، ~~يعني وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي وضعتم التكذيب موضع الشكر. وقرأ علي ~~رضي الله عنه «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون» وقيل هي قراءة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والمعنى وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به. ~~وقيل نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليها. والرزق المطر، يعني وتجعلون ~~شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى ~~النجوم. وقرىء «تكذبون» وهو قولهم في القرآن شعر وسحر وافتراء. وفي المطر ~~وهو من الأنواء، ولأن كل مكذب بالحق كاذب. ### || [56.83-96] # ترتيب الآية فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. ~~وفلولا الثانية مكررة للتوكيد، والضمير في { ترجعونها } للنفس وهي ~~الروح، وفي { أقرب إليه } للمحتضر { غير مدينين } غير ~~مربوبين، من دان السلطان الرعية إذا ساسهم. { ونحن أقرب إليه ~~منكم } يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا، أو بملائكة الموت. والمعنى إنكم ~~في جحودكم أفعال الله تعالى وآياته في كل شيء إن أنزل عليكم كتابا ~~معجزا قلتم سحر وافتراء. وإن أرسل إليكم رسولا قلتم ساحر كذاب، وإن ~~رزقكم مطرا يحييكم به قلتم صدق نوء كذا، على مذهب يؤدي إلى الإهمال ~~والتعطيل فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ~~ثم قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدىء المعيد { ~~فأما إن كان } المتوفى { من المقربين } من السابقين من ~~الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة { فروح } فله استراحة. 1129 ~~وروت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم« فروح»، ~~بالضم. وقرأ به الحسن وقال الروح الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل ~~البقاء، أي فهذان له معا، وهو الخلود مع الرزق والنعيم. والريحان الرزق ~~{ فسلم لك من أصحب اليمين 91 } فسلام لك يا صاحب ~~اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي يسلمون عليك. كقوله تعالى # إلا قيلا سلما سلما # الواقعة 26 { فنزل من حميم93 } كقوله تعالى # هذا نزلهم يوم الدين # الواقعة 56 وقرىء بالتخفيف { وتصلية جحيم94 } قرئت ms2033 بالرفع ~~والجر عطفا على نزل وحميم { إن هذا } الذي أنزل في هذه السورة { ~~لهو حق اليقين } أي الحق الثابت من اليقين. عن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وعلى آله وسلم 1130 # " من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا ". ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1-6] # جاء في بعض الفواتح { سبح } على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ ~~المضارع، وكل واحد منهما معناه أن من شأن من أسند إليه التسبيح أن ~~يسبحه، وذلك هجيراه وديدنه، وقد عدى هذا الفعل باللام تارة وبنفسه أخرى ~~في قوله تعالى # وتسبحوه # الفتح9 وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته بعدته عن السوء، منقول من ~~سبح إذا ذهب وبعد، فاللام لا تخلو إما أن تكون مثل اللام في نصحته، ونصحت ~~له، وإما أن يراد بسبح لله أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا، { ما ~~فى السموت والارض } ما يتأتى منه التسبيح ويصح. فإن قلت ما ~~محل { يحى }؟ قلت يجوز أن لا يكون له محل، ويكون جملة برأسها كقوله # له ملك السموات # البقرة 107 وأن يكون مرفوعا على هو يحيي ويميت، ومنصوبا حالا من ~~المجرور في له والجار عاملا فيها. ومعناه يحيي النطف والبيض والموتى يوم ~~القيامة ويميت الأحياء { هو الاول } هو القديم الذي كان قبل كل شيء ~~{ والاخر } الذي يبقى بعد هلاك كل شيء { والظهر } بالأدلة ~~الدالة عليه { والبطن } لكونه غير مدرك بالحواس. فإن قلت فما معنى ~~الواو؟ قلت الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين ~~الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء. وأما ~~الوسطى، فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين ~~الآخريين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في ~~جميعها ظاهر وباطن جامع للظهور بالأدلة والخفاء، فلا يدرك بالحواس. وفي ~~هذا حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة. وقيل الظاهر العالي على ~~كل شيء الغالب له، من ظهر عليه إذا علاه وغلبه. والباطن الذي بطن كل ~~شيء، أي علم باطنه وليس بذاك مع العدول عن ms2034 الظاهر المفهوم. ### || [57.7-8] # { مستخلفين فيه } يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي ~~أموال الله بخلقه وإنشائه لها، وإنما مولكم إياها، وخولكم الاستمتاع ~~بها، وجعلكم خلفاء في التصرف فيها، فليست هي بأموالكم في الحقيقة. وما ~~أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله، ~~وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن ~~له فيه. أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم بتوريثه إياكم، ~~فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينقل منكم إلى من بعدكم فلا ~~تبخلوا به، وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم { لا تؤمنون } حال من ~~معنى الفعل في مالكم، كما تقول مالك قائما، بمعنى ما تصنع قائما، أي ~~وما لكم كافرين بالله. والواو في { والرسول يدعوكم } واو ~~الحال، فهما حالان متداخلتان. وقرىء «وما لكم لا تؤمنون بالله ورسوله ~~والرسول يدعوكم» والمعنى وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه ~~وينبهكم عليه ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبراهين والحجج، وقبل ذلك قد ~~أخذ الله ميثاقكم بالإيمان حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة، ومكنكم ~~من النظر، وأزاح عللكم، فإذ لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه ~~الرسول، فما لكم لا تؤمنون { إن كنتم مؤمنين } لموجب ما فإن ~~هذا الموجب لا مزيد عليه. وقرىء «أخذ ميثاقكم» على البناء للفاعل، وهو ~~الله عز وجل. ### || [57.9] # { ليخرجكم } الله بآياته من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. أو ~~ليخرجكم الرسول بدعوته { لرءوف } وقرىء «لرؤف». ### || [57.10-11] # { وما لكم ألا تنفقوا } في أن لا تنفقوا { ولله ~~ميراث السموت والارض } يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باق ~~لأحد من مال وغيره، يعني وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله ~~والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم، وهو من أبلغ البعث على ~~الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال { لا ~~يستوى منكم من أنفق } قبل فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله ~~ودخول الناس في دين الله أفواجا وقلة الحاجة إلى القتال ms2035 والنفقة فيه، ~~ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لوضوح الدلالة { أولئك } الذي أنفقوا ~~قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم 1131 # " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " # أعظم درجة وقرىء «قبل الفتح» { وكلا } وكل واحد من الفريقين { ~~وعد الله الحسنى } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت ~~الدرجات. وقرىء بالرفع على «وكل وعده الله» وقيل نزلت في أبي بكر رضي ~~الله عنه، لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله. القرض الحسن ~~الإنفاق في سبيله. شبه ذلك بالقرض على سبيل المجاز، لأنه إذاأعطى ماله ~~لوجهه فكأنه أقرضه إياه { فيضاعفه له } أي يعطيه أجره على إنفاقه ~~مضاعفا { أضعافا } من فضله { وله أجر كريم } يعني وذلك ~~الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه وقرىء «فيضعفه» وقرئا منصوبين ~~على جواب الاستفهام والرفع عطف على { يقرض } ، أو على فهو يضاعفه. ### || [57.12] # { يوم ترى } ظرف لقوله { وله أجر كريم } أو منصوب بإضمار ~~«اذكر» تعظيما لذلك اليوم. وإنما قال { بين أيديهم ~~وبأيمنهم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين ~~كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ومن وراء ظهورهم، فجعل النور في ~~الجهتين شعارا لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض ~~أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون سعى بسعيهم ذلك ~~النور جنيبا لهم ومتقدما. ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة { ~~بشراكم اليوم }. وقرىء «ذلك الفوز». ### || [57.13-15] # { يوم يقول } بدل من يوم ترى { انظرونا } انتظرونا، لأنهم يسرع ~~بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم. وهؤلاء مشاة. وانظروا ~~إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم ~~فيستضيئون به. وقرىء «أنظرونا» من النظرة وهي الإمهال جعل اتئادهم في ~~المضي إلى أن يلحقوا بهم أنظارا لهم { نقتبس من نوركم } نصب ~~منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به { قيل ارجعوا وراءكم ~~فالتمسوا نورا } طرد لهم وتهكم بهم، أي ارجعوا إلى الموقف إلى ~~حيث أعطينا ms2036 هذا النور فالتمسوه هنالك، فمن ثم يقتبس. أو ارجعوا إلى ~~الدنيا، فالتمسوا نورا بتحصيل سببه وهو الإيمان. أو ارجعوا خائبين ~~وتنحوا عنا، فالتمسوا نورا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا ~~أن لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم { فضرب بينهم ~~بسور } بين المؤمنين والمنافقين بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. ~~وقيل هو الأعراف لذلك السور { باب } لأهل الجنة يدخلون منه { باطنه ~~} باطن السور أو الباب، وهو الشق الذي يلى الجنة { وظهره } ما ظهر ~~لأهل النار { من قبله } من عنده ومن جهته { العذاب } وهو الظلمة ~~والنار. وقرأ زيد بن علي رضي الله عنهما «فضرب بينهم» على البناء للفاعل ~~{ ألم نكن معكم } يريدون موافقتهم في الظاهر { فتنتم ~~أنفسكم } محنتموها بالنفاق وأهلكتموها { وتربصتم } ~~بالمؤمنين الدوائر { وغرتكم الامانى } طول الآمال والطمع في ~~امتداد الأعمار { حتى جاء أمر الله } وهو الموت { وغركم ~~بالله الغرور } وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم. ~~وقرىء «الغرور» بالضم { فدية } ما يفتدى به { هى مولكم } ~~قيل هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولي المخافة ~~خلفها وأمامها # وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم. أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، ~~كما قيل هو مئنة للكرم، أي مكان لقول القائل إنه الكريم. ويجوز أن يراد ~~هي ناصركم، أي لا ناصر لكم غيرها. والمراد نفي الناصر على البتات. ونحوه ~~قولهم أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع. ومنه قوله تعالى # يغاثوا بمآء كالمهل # الكهف9 وقيل تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. ### || [57.16] # { ألم يأن } من أنى الأمر يأني، إذا جاء إناه، أي وقته. وقرىء ~~«ألم يئن» من آن يئين بمعنى أنى يأنى، وألما يأن، قيل كانوا مجدبين ~~بمكة، فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. ~~وعن ابن مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبتا بهذه الآية إلا أربع ~~سنين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن الله استبطأ قلوب المؤمنين ~~فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن. وعن ms2037 الحسن رضي الله عنه أما ~~والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون. فانظروا في طول ~~ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق. وعن أبي بكر رضي الله عنه أن هذه ~~الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاء شديدا، فنظر ~~إليهم فقال هكذا كنا حتى قست القلوب. وقرىء «نزل ونزل» وأنزل { ولا ~~يكونوا } عطف على تخشع، وقرىء بالتاء على الالتفات، ويجوز أن يكون ~~نهيا لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أن ~~بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة ~~والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء ~~والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. فإن قلت ما معنى { ~~لذكر الله وما نزل من الحق }؟ قلت يجوز أن يراد بالذكر ~~وبما نزل من الحق القرآن لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة، وأنه حق نازل ~~من السماء، وأن يراد خشوعها إذا ذكر الله وإذا تلى القرآن كقوله تعالى # إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا # الأنفال 2 أراد بالأمد الأجل، كقوله # ...... إذا انتهى أمده # وقرىء «الأمد»، أي الوقت الأطول { وكثير منهم فسقون } ~~خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين. ### || [57.17] # { اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها } قيل هذا ~~تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. ### || [57.18] # { المصدقين } المتصدقين. وقرىء على الأصل «والمصدقين». من صدق، ~~وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين. فإن قلت علام عطف قوله { ~~وأقرضوا }؟ قلت على معنى الفعل في المصدقين لأن اللام بمعنى ~~الذين، واسم الفاعل بمعنى أصدقوا، كأنه قيل إن الذين أصدقوا وأقرضوا. ~~والقرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق ~~للصدقة. وقرىء «يضعف» ويضاعف، بكسر العين، أي يضاعف الله. ### || [57.19] # يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء ~~وهم الذي سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله { لهم أجرهم ~~ونورهم } أي ms2038 مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. فإن قلت كيف ~~يسوي بينهم في الأجر ولا بد من التفاوت؟ قلت المعنى أن الله يعطي ~~المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله، حتى يساوى أجرهم مع إضعافه أجر أولئك. ~~ويجوز أن يكون { والشهدآء } مبتدأ، و { لهم أجرهم } خبره. ### || [57.20] # أراد أن الدنيا ليست إلا محقرات من الأمور وهي اللعب واللهو والزينة ~~والتفاخر والتكاثر. وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي العذاب الشديد ~~والمغفرة ورضوان الله. وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات ~~أنبته الغيث فاستوى واكتهل وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما ~~رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاما عقوبة ~~لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين. وقيل { الكفار ~~} الزراع. وقرىء «مصفارا». ### || [57.21] # { سابقوا } سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، إلى جنة { ~~عرضها كعرض السماء والأرض } قال السدي كعرض سبع السموات ~~وسبع الأرضين، وذكر العرض دون الطول لأن كل ماله عرض وطول فإن عرضه أقل ~~من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط وأمد. ويجوز أن يراد ~~بالعرض البسطة، كقوله تعالى # فذو دعاء عريض # فصلت 51 لما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده على ~~المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد ~~والفوز بدخول الجنة { ذلك } الموعود من المغفرة والجنة { فضلا ~~لله } عطاؤه { يؤتيه من يشاء } وهم المؤمنون. ### || [57.22-24] # المصيبة في الأرض نحو الجدب وآفات الزروع والثمار. وفي الأنفس نحو ~~الأدواء والموت { فى كتب } في اللوح { من قبل أن ~~نبرأها } يعني الأنفس أو المصائب { إن ذلك } إن تقدير ذلك ~~وإثباته في كتاب { على الله يسير } وإن كان عسيرا على العباد، ~~ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه فقال { لكيلا تأسوا..... } يعني ~~أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت ~~وفرحكم على الآتي لأن من علم أن ما عنده معقود لا محالة لم يتفاقم جزعه ~~عند فقده، لأنه وطن نفسه على ms2039 ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، ~~وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله { والله لا يحب ~~كل مختال فخور } لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال ~~وافتخر به وتكبر على الناس. قرىء «بما آتاكم» وأتاكم، من الإيتاء ~~والإتيان. وفي قراءة ابن مسعود «بما أوتيتم» فإن قلت فلا أحد يملك نفسه ~~ عند مضرة تنزل به، ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح. ~~قلت المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ~~ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغى الملهى عن الشكر فأما الحزن الذي لا ~~يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله والاعتداد بها ~~مع الشكر فلا بأس بهما { الذين يبخلون } بدل من قوله { كل ~~مختال فخور } كأنه قال لا يحب الذين يبخلون، يريد الذين يفرحون ~~الفرح المطغى إذا رزقوا مالا وحظا من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم ~~وعظمه في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم أنهم بخلوا ~~حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبوهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله ~~نتيجة فرحهم به وبطرهم عند إصابته { ومن يتول } عن أوامر الله ~~ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن ~~الله غني عنه. وقرىء «بالبخل» وقرأ نافع «فإن الله الغني»، وهو في مصاحف ~~أهل المدينة والشام كذلك. ### || [57.25] # { لقد أرسلنا رسلنا } يعني الملائكة إلى الأنبياء { ~~بالبينت } بالحجج والمعجزات { وأنزلنا معهم ~~الكتب } أي الوحي { والميزان } روى أن جبريل عليه السلام نزل ~~بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مر قومك يزنوا به { وأنزلنا الحديد ~~} قيل نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد السندان، والكلبتان، ~~والميقعة والمطرقة، والإبرة. وروى ومعه المر والمسحاة. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 1132 # " أن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض أنزل الحديد، ~~والنار، والماء، والملح " # وعن الحسن { وأنزلنا الحديد } خلقناه، كقوله تعالى # وأنزل لكم من الأنعم # الزمر 60 وذلك أن أوامره تنزل ms2040 من السماء وقضاياه وأحكامه { فيه ~~بأس شديد } وهو القتال به { ومنفع للناس } في مصالحهم ~~ومعايشهم وصنائعهم، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل ~~بالحديد { وليعلم الله من ينصره ورسله } باستعمال ~~السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين { بالغيب } ~~غائبا عنهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما ينصرونه ولا يبصرونه { إن ~~الله قوى عزيز } غني بقدرته وعزته في إهلاك من يريد هلاكه ~~عنهم، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى ~~الثواب. ### || [57.26] # { والكتب } والوحي. وعن ابن عباس الخط بالقلم، يقال كتب كتابا ~~وكتابة { فمنهم } فمن الذرية أو من المرسل إليهم، وقد دل عليهم ذكر ~~الإرسال والمرسلين. وهذا تفصيل لحالهم، أي فمنهم مهتد ومنهم فاسق، ~~والغلبة للفساق. ### || [57.27] # قرأ الحسن «الأنجيل» بفتح الهمزة، وأمره أهون من أمر البرطيل والسكينة ~~فيمن رواهما بفتح الفاء، لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية ~~العرب. وقرىء «رآفة» على فعالة، أي وفقناهم للتراحم والتعاطف بينهم. ~~ونحوه في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # رحماء بينهم # الفتح 29. والرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، ~~مخلصين أنفسهم للعبادة، وذلك أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت ~~عيسى، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن ~~يفتنوا في دينهم، فاختاروا الرهبانية ومعناه الفعلة المنسوبة إلى ~~الرهبان، وهو الخائف فعلان من رهب، كخشيان من خشى. وقرىء «ورهبانية» ~~بالضم، كأنها نسبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان، وانتصابها ~~بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره. وابتدعوا رهبانية { ابتدعوها } يعني ~~وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها { ما كتبنها عليهم } لم ~~نفرضها نحن عليهم { إلا ابتغاء رضون الله } استثناء منقطع، ~~أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله { فما رعوها حق ~~رعايتها } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل ~~نكثه { فئاتينا الذين ءامنوا } يريد أهل الرحمة والرأفة ~~الذين اتبعوا عيسى { وكثير منهم فسقون } الذين لم يحافظوا ~~على نذرهم. ويجوز أن تكون الرهبانية معطوفة على ما قبلها، وابتدعوها ms2041 صفة ~~لها في محل النصب، أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من ~~عندهم، بمعنى وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها، ما ~~كتبناها عليهم إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، على أنه ~~كتبها عليهم وألزمها إياهم ليتخلصوا من الفتن ويبتغوا بذلك رضا الله ~~وثوابه، فما رعوها جميعا حق رعايتها ولكن بعضهم، فآتينا المؤمنين ~~المراعين منهم للرهبانية أجرهم، وكثير منهم فاسقون. وهم الذين لم يرعوها. ### || [57.28] # { يأيها الذين ءامنوا } يجوز أن يكون خطابا للذين آمنوا ~~من أهل الكتاب والذين آمنوا من غيرهم، فإن كان خطابا لمؤمني أهل الكتاب. ~~فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد { يؤتكم } ~~الله { كفلين } أي نصيبين { من رحمته } لإيمانكم بمحمد ~~وإيمانكم بمن قبله { ويجعل لكم } يوم القيامة { نورا تمشون ~~به } وهو النور المذكور في قوله # يسعى نورهم # الحديد 12. { ويغفر لكم } ما أسلفتم من الكفر والمعاصي. ### || [57.29] # { لئلا يعلم } ليعلم { أهل الكتب } الذين لم يسلموا. ~~ولا مزيدة { ألا يقدرون } أن مخففة من الثقيلة، أصله أنه لا ~~يقدرون، يعني أن الشأن لا يقدرون { على شىء من فضل الله } ~~أي لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة، لأنهم ~~لم يؤمنوا برسول الله، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلا ~~قط. وإن كان خطابا لغيرهم، فالمعنى اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم ~~برسول الله يؤتكم ما وعد من آمن من أهل الكتاب من الكفلين في قوله # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # القصص 54 ولا ينقصكم من مثل أجرهم، لأنكم مثلهم في الإيمانين لا تفرقون ~~بين أحد من رسله. روى 1133 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جعفرا ~~رضي الله عنه في سبعين راكبا إلى النجاشي يدعوه، فقدم جعفر عليه فدعاه ~~فاستجاب له، فقال ناس ممن آمن من أهل مملكته وهم أربعون رجلا. ائذن لنا ~~في الوفادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لهم فقدموا مع جعفر ~~وقد تهيأ لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من خصاصة استأذنوا رسول الله ms2042 ~~صلى الله عليه وسلم، فرجعوا وقدموا بأموال لهم فآسوا بها المسلمين، فأنزل ~~الله # الذين ءاتينهم الكتب.... # البقرة 121 إلى قوله # .... ومما رزقنهم ينفقون # البقرة 3 فلما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله # يؤتون أجرهم مرتين # القصص 54 فخروا على المسلمين وقالوا أما من آمن بكتابكم وكتابنا فله ~~أجره مرتين، وأما من لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجركم، فما فضلكم علينا؟ ~~فنزلت. وروي أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم ~~يؤتون أجرهم مرتين، وادعوا الفضل عليهم، فنزلت. وقرىء «لكي يعلم» ~~و«لكيلا يعلم». و«ليعلم». و«لأن يعلم» بإدغام النون في الياء. و«لين ~~يعلم». بقلب الهمزة ياء وإدغام النون في الياء. وعن الحسن «ليلا يعلم»، ~~بفتح اللام وسكون الياء. ورواه قطرب بكسر اللام. وقيل في وجهها حذفت همزة ~~أن، وأدغمت نونها في لام لا فصار «للا» ثم أبدلت من اللام المدغمة ياء، ~~كقولهم ديوان، وقيراط. ومن فتح اللام فعلى أن أصل لأم الجر الفتح، كما ~~أنشد # أريد لأنسى ذكرها... # وقرىء «أن لا يقدروا» { بيد الله } في ملكه وتصرفه. واليد مثل { ~~يؤتيه من يشآء } ولا يشاء إلا إيتاء من يستحقه. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1134 # " من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله ". ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # { قد سمع الله }. 1135 قالت عائشة رضي الله عنها الحمد لله الذي ~~وسع سمعه الأصوات لقد كلمت المجادلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وقد سمع لها. وعن عمر أنه كان إذا دخلت ~~عليه أكرمها وقال قد سمع الله لها. وقرىء «تحاورك» أي تراجعك الكلام. ~~وتحاولك، أي تسائلك، وهو خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة ~~1136 رآها وهي تصلي وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت، فغضب وكان ~~به خفة ولمم، فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن ~~أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني ونثرت بطني أي كثر ~~ولدي جعلني عليه ms2043 كأمه. وروى 1137 أنها قالت له إن لي صبية صغارا، ~~إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا. فقال ما عندي في أمرك شيء. ~~وروى 1138 أنه قال لها حرمت عليه، فقالت يا رسول الله، ما ذكر طلاقا ~~وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال حرمت عليه، فقالت أشكو إلى الله ~~فاقتى ووجدي، كلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمت عليه، هتفت ~~وشكت إلى الله، فنزلت { فى زوجها } في شأنه ومعناه { إن الله ~~سميع بصير } يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر. فإن قلت ما معنى ~~قد في قوله قد سمع؟ قلت معناه التوقع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما ~~يفرج عنها. ### || [58.2-4] # { الذين يظهرون منكم } في { منكم } توبيخ للعرب وتهجين ~~لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم ~~{ ما هن أمهتهم } وقرىء بالرفع على اللغتين الحجازية ~~والتميمية. وفي قراءة ابن مسعود «بأمهاتهم» وزيادة الباء في لغة من ~~ينصب. والمعنى أن من يقول لامرأته أنت علي كظهر أمي ملحق في كلامه هذا ~~للزوج بالأم، وجاعلها مثلها. وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين { إن ~~أمهتهم إلا اللائى ولدنهم } يريد أن الأمهات على ~~الحقيقة إنما هن الوالدات وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن، ~~فالمرضعات أمهات لأنهن لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات، وكذلك ~~أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين لأن الله حرم نكاحهن ~~على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات. وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة ~~لأنهن لسن بأمهات على الحقيقة. ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول ~~المظاهر منكرا من القول تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية وزورا ~~وكذبا باطلا منحرفا عن الحق { وإن الله لعفو غفور } ~~لما سلف منه إذا تيب منه ولم يعد إليه، ثم قال { والذين ~~يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا } يعني ~~والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول المنكر فقطعوه بالإسلام، ms2044 ثم ~~يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل ~~له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ووجه آخر ثم يعودون لما قالوا ثم ~~يتداركون ما قالوا لأن المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل عاد غيث على ~~ما أفسد، أي تداركه بالإصلاح. والمعنى أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن ~~يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ووجه ثالث وهو أن يراد بما ~~قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه ~~نحو ما ذكرنا في قوله تعالى # ونرثه ما يقول # مريم 80 ويكون المعنى ثم يريدون العود للتماس. والمماسة الاستمتاع بها ~~من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها لشهوة { ذلكم } الحكم { ~~توعظون به } لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن ~~تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه. فإن ~~قلت هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟ قلت نعم إذا وضع مكان أنت عضوا منها ~~يعبر به عن الجملة كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضوا ~~آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. ومكان الأم ذات رحم محرم ~~منه من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول أنت علي كظهر أختي من ~~الرضاع أو عمتي من النسب أو امرأة ابني أو أبي أو أم امرأتي أو بنتها، ~~فهو مظاهر. # وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي ~~والثوري وغيرهم نحوه. وقال الشافعي لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها وهو ~~قول قتادة والشعبي. وعن الشعبي لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات ~~والعمات والخالات إذ أخبر أن الظهار إنما يكون بالأمهات الوالدات دون ~~المرضعات. وعن بعضهم لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهارا. فإن قلت فإذا ~~امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه؟ قلت لها ذلك. وعلى ~~القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ~~ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه ms2045 يضر بها في ترك التكفير والامتناع ~~من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها. فإن قلت فإن مس قبل أن يكفر؟ قلت عليه ~~أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روى 1139 أن سلمة بن صخر البياض قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرت من امرأتي ثم أبصرت خلخالها في ليلة ~~قمراء فواقعتها، فقال عليه الصلاة والسلام # " استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر " # فإن قلت أي رقبة تجزىء في كفارة الظهار؟ قلت المسلمة والكافرة جميعا، ~~لأنها في الآية مطلقة. وعند الشافعي لا تجزي إلا المؤمنة. لقوله تعالى في ~~كفارة القتل # فتحرير رقبة مؤمنة # النساء 92 ولا تجزى أم الولد والمدبر والمكاتب الذي أدى شيئا، فإن لم ~~يؤد شيئا جاز. وعند الشافعي لا يجوز فإن قلت فإن أعتق بعض الرقبة أو ~~صام بعض الصيام ثم مس؟ قلت عليه أن يستأنف - نهارا مس - أو ليلا - ~~ناسيا أو عامدا - عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد عتق بعض الرقبة ~~عتق كلها فيجزيه، وإن كان المس يفسد الصوم استقبل، وإلا بنى. فإن قلت ~~كم يعطي المسكين في الإطعام؟ قلت نصف صاع من بر أو صاعا من غيره عند ~~أبي حنيفة، وعند الشافعي مدا من طعام بلده الذي يقتات فيه. فإن قلت ما ~~بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام كما ذكره عند الكفارتين؟ قلت ~~اختلف في ذلك، فعند أبي حنيفة أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب ~~تقديمها على المساس، وإنما ترك ذكره عند الإطعام دلالة على أنه إذا وجد ~~في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله. وعند غيره ~~لم يذكر للدلالة على أن التكفير قبله وبعده سواء. فإن قلت الضمير في أن ~~يتماسا إلام يرجع؟ قلت إلى ما دل عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها ~~{ ذلك } البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا { بالله ~~ورسوله } في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما ~~كنتم عليه في جاهليتكم { وتلك حدود الله } التي لا يجوز ~~تعديها { وللكفرين } الذي لا يتبعونها ms2046 ولا يعملون عليها { ~~عذاب أليم }. ### || [58.5-6] # { يحآدون } يعادون ويشاقون { كبتوا } أخزوا وأهلكوا { كما ~~كبت } من قبلهم من أعداء الرسل. قيل أريد كبتهم يوم الخندق { وقد ~~أنزلنا ءايت بينت } تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به { ~~وللكفرين } بهذه الآيات { عذاب مهين } يذهب بعزهم وكبرهم ~~{ يوم يبعثهم } منصوب بلهم. أو بمهين. أو بإضمار اذكر تعظيما ~~لليوم { جميعا } كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث. أو مجتمعين في حال ~~واحدة، كما تقول حي جميع { فينبئهم بما عملوا } تخجيلا ~~لهم وتوبيخا وتشهيرا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما ~~يلحقهم من الخزى على رؤوس الأشهاد { أحصه الله } أحاط به عددا ~~لم يفته منه شيء { ونسوه } لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه لم يبالوا ~~به لضراوتهم بالمعاصي، وإنما تحفظ معظمات الأمور. ### || [58.7] # { ما يكون } من كان التامة. وقرىء بالياء والتاء، والياء على أن ~~النجوى تأنيثها غير حقيقي ومن فاصله. أو على أن المعنى ما يكون شيء من ~~النجوى. والنجوى التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافة إلى ثلاثة، أي من ~~نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفة بها، أي من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل. أو ~~جعلوا نجوا في أنفسهم مبالغة، كقوله تعالى # خلصوا نجيا # يوسف 80 وقرأ ابن أبي عبلة «ثلاثة وخمسة»، بالنصب على الحال بإضمار ~~يتناجون لأن نجوى يدل عليه. أو على تأويل نجوى بمتناجين، ونصبها من ~~المستكن فيه. فإن قلت ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما أن قوما من المنافقين تحلقوا للتناجي مغايظة للمؤمنين على ~~هذين العددين ثلاثة وخمسة، فقيل ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ~~ترونهم يتناجون كذلك { ولا أدنى من } عدديهم { ولا أكثر ~~إلا } والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه ~~أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية كانوا يوما يتحدثون، ~~فقال أحدهم أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر يعلم بعضا ولا يعلم ~~بعضا. وقال الثالث إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله وصدق. لأن ms2047 من علم بعض ~~الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل ~~معلوم، والثاني أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى ~~والمتخالين للشورى والمندبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة ~~من أولى النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان ~~فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم الاستصواب. ألا ترى ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز ~~بها إلى سابع، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال { ولا أدنى من ~~ذلك } فدل على الاثنين والأربعة وقال { ولا أكثر } فدل على ما ~~يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله إلا الله رابعهم، ولا أربعة ~~إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا ~~الله معهم إذا انتجوا. وقرىء «ولا أدنى من ذلك ولا أكثر»، بالنصب على أن ~~لا لنفي الجنس. ويجوز أن يكون ولا أكثر، بالرفع معطوفا على محل مع أدنى، ~~كقولك لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة. ويجوز أن يكون ~~مرفوعين على الابتداء، كقولك لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يكون ~~ارتفاعهما عطفا على محل لا { من نجوى } كأنه قيل ما يكون أدنى ولا ~~أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين عطفا على نجوى، كأنه قيل ما ~~يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرىء «ولا أكبر» بالباء. ومعنى كونه ~~معهم أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ~~ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرىء «ثم ينبئهم» على ~~التخفيف. ### || [58.8] # كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا ~~المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص ~~بمعصية الرسول ومخالفته. وقرىء «ينتجون بالإثم والعدوان» بكسر العين، ~~ومعصيات الرسول { حيوك بما ms2048 لم يحيك به الله } يعني ~~أنهم يقولون في تحيتك السام عليك يا محمد والسام الموت والله تعالى يقول # وسلم على عباده الذين اصطفى # النمل 59 و # يأيها الرسول # المائدة 41 و # يأيها النبي # الأنفال 64 { لولا يعذبنا الله بما نقول } كانوا يقولون ~~ماله إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله ~~تعالى { حسبهم جهنم } عذابا. ### || [58.9-10] # { يأيها الذين ءامنوا } خطاب للمنافقين الذين آمنوا ~~بألسنتهم. ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في ~~تناجيهم بالشر { وتنجوا بالبر والتقوى } وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 1140 # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه " # وروى «دون الثالث». وقرىء «فلا تناجوا» وعن ابن مسعود إذا انتجيتم فلا ~~تنتجوا { إنما النجوى } اللام إشارة إلى النجوى بالإثم ~~والعدوان، بدليل قوله تعالى { ليحزن الذين ءامنوا } والمعنى ~~أن الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم { ~~وليس } الشيطان أو الحزن { بضارهم شيئا إلا بإذن ~~الله }. فإن قلت كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟ قلت ~~كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأن أقاربهم ~~قتلوا، فقال لا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله، أي ~~بمشيئته، وهو أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة. وقرىء ~~«ليحزن» و«ليحزن». ### || [58.11] # { تفسحوا فى المجلس } توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من ~~قولهم أفسح عني، أي تنح ولا تتضاموا. وقرى «تفاسحوا» والمراد مجلس رسول ~~الله، وكانوا يتضامون فيه تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع ~~كلامه، وقيل هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى # مقاعد للقتال # آل عمران 121 وقرىء «في المجالس» قيل كان الرجل يأتي الصف فيقول تفسحوا، ~~فيأبون لحرصهم على الشهادة. وقرىء «في المجلس» بفتح اللام وهو الجلوس، أي ~~توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه { يفسح الله لكم } مطلق في ~~كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك { ~~انشزوا } انهضوا للتوسعة ms2049 على المقبلين. أو انهضوا عن مجلس رسول الله ~~إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه أو انهضوا إلى ~~الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم، ولا تثبطوا ولا تفرطوا { ~~يرفع الله } المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين ~~منهم خاصة { درجت والله بما تعملون } قرىء بالتاء ~~والياء. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال يا ~~أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 1141 # " بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين ~~سنة " # وعنه عليه السلام 1142 # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " # وعنه عليه السلام 1143 # " يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء، ثم الشهداء " # فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله. وعن ابن ~~عباس خير سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطى المال ~~والملك معه. وقال عليه السلام 1144 # " أوحى الله إلى إبراهيم، يا إبراهيم، إني عليم أحب كل عليم " # وعن بعض الحكماء ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من ~~أدرك العلم، وعن الأحنف كاد العلماء يكونون أربابا، وكل عز لم يوطد بعلم ~~فإلى ذل ما يصير. وعن الزبيري العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال. ### || [58.12-13] # { بين يدى نجوكم } استعارة ممن له يدان. والمعنى قبل نجواكم ~~كقول عمر من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدمه الرجل أمام حاجته ~~فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم، يريد قبل حاجته ذلكم التقديم { ~~خير لكم } في دينكم { وأطهر } لأن الصدقة طهرة. روى أن ~~الناس أكثروا مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يريدون حتى أملوه ~~وأبرموه، فأريد أن يكفوا عن ذلك، فأمروا بأن من أراد يناجيه قدم قبل ~~مناجاته صدقة. قال علي رضي الله عنه 1145 لما نزلت دعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال ما تقول في دينار؟ قلت لا يطيقونه. قال كم؟ قلت حبة ~~أو شعيرة ms2050 قال إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك اشتد عليهم فارتدعوا وكفوا. أما ~~الفقير فلعسرته، وأما الغني فلشحه. وقيل كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل ~~ما كان إلا ساعة من نهار. وعن علي رضي الله عنه 1146 إن في كتاب الله ~~لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته، ~~فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. قال الكلبي تصدق به في عشر كلمات سألهن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر كان لعلي ثلاث لو كانت لي ~~واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم تزوجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم ~~خيبر، وآية النجوى. قال ابن عباس هي منسوخة بالآية التي بعدها، وقيل هي ~~منسوخة بالزكاة { ءأشفقتم } أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من ~~الإنفاق الذي تكرهونه، وأن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء { ~~فإذ لم تفعلوا } ما أمرتم به وشق عليكم، و { وتاب الله ~~عليكم } وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة ~~والزكاة وسائر الطاعات { بما تعملون } قرىء بالتاء والياء. ### || [58.14-19] # كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله تعالى # من لعنه الله وغضب عليه # المائدة60 ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين { ما هم منكم ~~} يا مسلمون { ولا منهم } ولا من اليهود، كقوله تعالى # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء # النساء 143، { ويحلفون على الكذب } أي يقولون والله إنا ~~لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام { وهم يعلمون ~~} أن المحلوف عليه كذب بحت. فإن قلت فما فائدة قوله { وهم يعلمون ~~}؟ قلت الكذب أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه، سواء علم المخبر أو ~~لم يعلم، فالمعنى أنهم الذين يخبرون وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه، وهم ~~عالمون بذلك متعمدون له، كمن يحلف بالغموس وقيل 1147 كان عبد الله بن ~~نبتل المنافق يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرفع حديثه إلى ~~اليهود، فبينا رسول الله في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه يدخل عليكم الآن ~~رجل ms2051 قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان، فدخل ابن نبتل وكان أزرق، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم «علام تشتمني أنت وأصحابك»؟ فحلف بالله ما فعل، ~~فقال عليه السلام «فعلت» فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، ~~فنزلت { عذابا شديدا } نوعا من العذاب متفاقما { إنهم ساء ~~ما كانوا يعملون } يعني أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول ~~على سوء العمل مصرين عليه. أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. وقرىء ~~«إيمانهم» بالكسر، أي اتخذوا أيمانهم التي حلفوا بها. أو إيمانهم الذي ~~أظهروه { جنة } أي سترة يتسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم { ~~فصدوا } الناس في خلال أمنهم وسلامتهم { عن سبيل الله } ~~وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويضعفون أمر المسلمين عندهم. ~~وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله تعالى # الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنهم ~~عذابا فوق العذاب # النحل 88. { من الله } من عذاب الله { شيئا } قليلا من ~~الإغناء. وروي أن رجلا منهم قال لنننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا ~~وأولادنا { فيحلفون } لله تعالى على أنهم مسلمون في الآخرة { كما ~~يحلفون لكم } في الدنيا على ذلك { ويحسبون أنهم ~~على شىء } من النفع، يعني ليس العجب من حلفهم لكم، فإنكم بشر تخفى ~~عليكم السرائر، وأن لهم نفعا في ذلك دفعا عن أرواحهم واستجرار فوائد ~~دنيوية، وأنهم يفعلونه في دار لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون، ولكن ~~العجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة مع عدم النفع والإضطرار إلى علم ~~ما أنذرتهم الرسل، والمراد وصفهم بالتوغل في نفاقهم ومرونهم عليه، وأن ~~ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل، كما قال # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # الأنعام 28 وقد اختلف العلماء في كذبهم في الآخرة، والقرآن ناطق بثباته ~~نطقا مكشوفا. كما ترى في هذه الآية وفي قوله تعالى # والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا ~~على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون # الأنعام 23 - 24 ونحو حسبانهم أنهم على شيء من النفع إذا حلفوا ~~استنظارهم المؤمنين ليقتبسوا ms2052 من نورهم، لحسبان أن الإيمان الظاهر مما ~~ينفعهم. وقيل عند ذلك يختم على أفواههم { ألا إنهم هم ~~الكذبون } يعني أنهم الغاية التي لا مطمح وراءها في قول الكذب، ~~حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة { استحوذ عليهم } ~~استولى عليهم، من حاذ الحمار العانة إذا جمعها وساقها غالبا لها. ومنه ~~كان أحوذيا نسيج وحده، وهو أحد ما جاء على الأصل، نحو استصوب واستنوق، ~~أي ملكهم { الشيطن } لطاعتهم له في كل ما يريده منهم، حتى جعلهم ~~رعيته وحزبه { فأنسهم } أن يذكروا الله أصلا لا بقلوبهم ولا ~~بألسنتهم. قال أبو عبيدة حزب الشيطان جنده. ### || [58.20] # { فى الأذلين } في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحدا أذل منهم. ### || [58.21] # { كتب الله } في اللوح { لاغلبن أنا ورسلى } بالحجة ~~والسيف. أو بأحدهما. ### || [58.22] # { لا تجد قوما } من باب التخييل. خيل أن من الممتنع المحال أن ~~تجد قوما مؤمنين يوالون المشركين، والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، ~~وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، ~~والتوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ~~ومعاشرتهم، وزاد ذلك تأكيدا وتشديدا بقوله { ولو كانوا ~~ءاباءهم } وبقوله { أولئك كتب فى قلوبهم الإيمن } ~~وبمقابلة قوله # أولئك حزب الشيطن # المجادلة 99 بقوله أولئك حزب الله فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من ~~موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، بل هو الإخلاص بعينه { كتب فى ~~قلوبهم الإيمن } أثبته فيها بما وفقهم فيه وشرح له صدورهم { ~~وأيدهم بروح منه } بلطف من عنده حييت به قلوبهم. ويجوز أن ~~يكون الضمير للإيمان، أي بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة ~~القلوب به. وعن الثوري أنه قال كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان. ~~وعن عبد العزيز بن أبي رواد أنه لقيه المنصور في الطواف فلما عرفه هرب ~~منه وتلاها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول 1148 # " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إلي« ~~لا تجد قوما... ms2053 " # الآية. وروى 1149 أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن أبا ~~قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه صكة سقط منها، فقال له رسول ~~الله «أو فعلته»؟ قال نعم، قال لا تعد» قال والله لو كان السيف قريبا ~~مني لقتلته. وقيل في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله الجراح يوم ~~أحد. 1150 وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال لرسول الله ~~دعني أكر في الرعلة الأولى قال «متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك ~~عندي بمنزلة سمعي وبصري». وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم ~~أحد. وفي عمر قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر. وفي علي وحمزة وعبيد بن ~~الحرث قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 1151 # " من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة ". ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-2] # 1152 صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا ~~عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا هو النبي الذي نعته في التوراة لا ~~ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن ~~الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر ~~عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة وكان أخاه من ~~الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم أخرجوا من ~~المدينة، فقالوا الموت أحب إلينا من ذاك، فتنادوا بالحرب. وقيل استمهلوا ~~رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس عبد الله بن أبي المنافق ~~وأصحابه إليهم لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن ~~خرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ~~ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا ~~الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما ~~شاؤوا من ms2054 متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم ~~آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة. ~~اللام في { لأول الحشر } تتعلق بأخرج، وهي اللام في قوله تعالى # يقول يليتنى قدمت لحياتى # الفجر 24 وقولك جئته لوقت كذا. والمعنى أخرج الذين كفروا عند أول ~~الحشر. ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشأم، وكانوامن سبط لم ~~يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى ~~الشام. أو هذا أول حشرهم وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. ~~وقيل آخر حشرهم حشر يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام. وعن عكرمة من ~~شك أن المحشر ههنا - يعني الشام -فليقرأ هذه الآية. وقيل معناه أخرجهم ~~من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { ما ظننتم أن يخرجوا } لشدة بأسهم ومنعتهم، ~~ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، وظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله ~~{ فأتهم } أمر الله { من حيث لم يحتسبوا } من حيث لم ~~يظنوا ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب ابن الأشرف غرة على يد أخيه، ~~وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما ~~قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا ~~على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم. وهذا كله ~~لم يكن في حسبانهم. ومنه أتاهم الهلاك. فإن قلت أي فرق بين قولك وظنوا أن ~~حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت في تقديم الخبر ~~على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم وفي تصيير ضميرهم ~~إسما لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ~~ومنعه لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم وليس ذلك في قولك ~~وظنوا أن حصونهم تمنعهم. # وقرىء «فآتاهم الله» أي فآتاهم الهلاك. والرعب الخوف الذي يرعب الصدر، ~~أي يملؤه وقذفه إثباته وركزه. ومنه ms2055 قالوا في صفة الأسد مقذف، كأنما قذف ~~باللحم قذفا لاكتنازه وتداخل أجزائه. وقرىء «يخربون ويخربون»، مثقلا ~~ومخففا. والتخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم. والخربة الفساد،كانوا ~~يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله من استئصال شأفتهم وأن ~~لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم ~~إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة. وأن لا يتحسروا بعد جلائهم ~~على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جد ~~الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم. وأن ~~يتسع لهم مجال الحرب. فإن قلت ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمينن؟ قلت ~~لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه { ~~فاعتبروا } بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين ~~عليهم من غير قتال. وقيل وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ~~يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال. ### || [59.3-4] # يعني أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من ~~جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ~~ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت { لعذبهم فى ~~الدنيا } بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة { ولهم } سواء أجلوا ~~أو قتلوا { عذاب النار } يعني إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من ~~عذاب الآخرة. ### || [59.5] # { من لينة } بيان لما قطعتم. ومحل ما نصب بقطعتم، كأنه قال أي شيء ~~قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله { أو تركتموها } لأنه ~~في معنى اللينة. واللينة النخلة من الألوان، وهي ضروب النخل ما خلا ~~العجوة. والبرنية، وهما أجود النخيل، وياؤها عن واو، قلبت لكسرة ما ~~قبلها، كالديمة. وقيل «اللينة» النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين. ~~قال ذو الرمة # كأن قتودي فوقها عش طائر على لينة سوقاء ~~تهفو جنوبها # وجمعها لين. وقرىء «قوما» على أصلها. وفيه وجهان أنه جمع أصل كرهن ~~ورهن. أو اكتفى فيه بالضمة عن الواو. وقرىء «قائما على أصوله» ذهابا ~~إلى لفظ ما { فبإذن الله } فقطعها ms2056 بإذن الله وأمره { ~~وليخزى الفسقين } وليذل اليهود ويغيظهم إذن في قطعها، وذلك ~~1153 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق ~~قالوا يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل ~~وتحريقها؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء. فنزلت، يعني أن الله أذن ~~لهم في قطعها ليزيدكم غيظا ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في ~~أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاؤوا. واتفق العلماء أن حصون ~~الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق. وكذلك ~~أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة. وعن ابن مسعود قطعوا ~~منها ما كان موضعا للقتال. فإن قلت لم خصت اللينة بالقطع؟ قلت إن كانت من ~~الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية، وإن كانت من كرام النخل ~~فليكون غيظ اليهود أشد وأشق. وروى 1154 أن رجلين كانا يقطعان أحدهما ~~العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا ~~تركتها لرسول الله، وقال هذا قطعتها غيظا للكفار. وقد استدل به على جواز ~~الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهما بالاجتهاد ~~فعلا ذلك، واحتج به من يقول كل مجتهد مصيب. ### || [59.6-7] # { أفاء الله على رسوله } جعله له فيئا خاصة. والإيجاف من ~~الوجيف. وهو السير السريع. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الإفاضة من ~~عرفات. 1155 # " ليس البر بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل على هينتكم " # ومعنى { فما أوجفتم عليه } فما أوجفتم على تحصيله وتغنمه ~~خيلا ولا ركابا، ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على ~~أرجلكم. والمعنى أن ما خول الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم ~~تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان ~~يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء، يعني أنه ~~لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا، وذلك أنهم ~~طلبوا القسمة فنزلت. لم يدخل العاطف على هذه الجملة، لأنها بيان للأولى، ms2057 ~~فهي منها غير أجنبية عنها. بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع ~~بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوما على ~~الأقسام الخمسة «والدولة والدولة» - بالفتح والضم - وقد قرىء بهما ما ~~يدول للإنسان، أي يدور من الجد. يقال دالت له الدولة. وأديل لفلان. ومعنى ~~قوله تعالى { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } كيلا ~~يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين ~~الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم. ومعنى الدولة ~~الجاهلية أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة ~~والدولة والغلبة، وكانوا يقولون من عز بز. والمعنى كيلا يكون أخذه غلبة ~~وأثرة جاهلية. ومنه قول الحسن اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، ~~يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به. وقيل «الدولة» ما يتداول، كالغرفة اسم ~~ما يغترف، يعني كيلا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ~~ويتعاورونه، فلا يصيب الفقراء، والدولة - بالفتح - بمعنى التداول، أي ~~كيلا يكون ذا تداول بينهم. أو كيلا يكون إمساكه تداولا بينهم لا يخرجونه ~~إلى الفقراء، وقرىء «دولة» بالرفع على «كان» التامة كقوله تعالى # وإن كان ذو عسرة # البقرة280 يعني كيلا يقع دولة جاهلية ولينقطع أثرها أو كيلا يكون تداول ~~له بينهم. أو كيلا يكون شيء متعاور بينهم غير مخرج إلى الفقراء { وما ~~ءاتكم الرسول } من قسمة غنيمة أو فيء { فخذوه وما ~~نهكم } عن أخذه منها { فانتهوا } عنه ولا تتبعه أنفسكم { ~~واتقوا الله } أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه { إن ~~الله شديد العقاب } لمن خالف رسوله، والأجود أن يكون عاما في ~~كل ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في ~~عمومه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه لقي رجلا محرما وعليه ثيابه ~~فقال له انزع عنك هذا فقال الرجل اقرأ علي في هذا آية من كتاب الله. قال ~~نعم، فقرأها عليه. ### || [59.8] # { للفقراء } بدل من قوله { لذي القربى } والمعطوف عليه والذي منع ~~الإبدال ms2058 من لله وللرسول والمعطوف عليهما، وإن كان المعنى لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الله عز وجل أخرج رسوله من الفقراء في قوله { ~~وينصرون الله ورسوله } وأنه يترفع برسول الله عن التسمية ~~بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله عز ~~وجل { أولئك هم الصدقون } في إيمانهم وجهادهم. ### || [59.9] # { والذين تبوءو } معطوف على المهاجرين، وهم الأنصار فإن قلت ~~ما معنى عطف الإيمان على الدار، ولا يقال تبوؤا الإيمان؟ قلت معناه ~~تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان، كقوله # علفتها تينا وماء باردا # أو وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، ~~كما جعلوا المدينة كذلك. أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام لام ~~التعريف في الدار مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان ووضع ~~المضاف إليه مقامه. أو سمى المدينة لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان ~~بالإيمان { من قبلهم } من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوىء ~~دار الهجرة والإيمان. وقيل من قبل هجرتهم { ولا يجدون } ولا يعلمون ~~في أنفسهم { حاجة مما أوتوا } أي طلب محتاج إليه مما أوتي ~~المهاجرون من الفيء وغيره، والمحتاج إليه يسمى حاجة يقال خذ منه حاجتك، ~~وأعطاه من ماله حاجته، يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطمح إلى ~~شيء منه يحتاج إليه { ولو كان بهم خصاصة } أي خلة، وأصلها ~~خصاص البيت، وهي فروجه والجملة في موضع الحال، أي مفروضة خصاصتهم 1156 ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على المهاجرين ~~ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين أبادجانة سماك بن خرشة، وسهل بن ~~حنيف، والحرث بن الصمة. وقال لهم # " إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه ~~الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة ~~" # ، فقالت الأنصار بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا ~~نشاركهم فيها، فنزلت» «الشح» بالضم والكسر، وقد قرىء بهما - اللؤم، وأن ~~تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، كما قال # يمارس نفسا بين ms2059 جنبيه كزة إذا هم ~~بالمعروف قالت له مهلا # وقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها. وأما البخل فهو المنع نفسه. ومنه ~~قوله تعالى # وأحضرت الأنفس الشح # النساء 128. { ومن يوق شح نفسه } ومن غلب ما أمرته به منه ~~وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه { فأولئك هم المفلحون } ~~الظافرون بما أرادوا. وقرىء «ومن يوق». ### || [59.10] # { والذين جآءو من بعدهم } عطف أيضا على المهاجرين وهم ~~الذين هاجروا من بعد. وقيل التابعون بإحسان { غلا } وقرىء «غمرا» وهما ~~الحقد. ### || [59.11-12] # { لإخوانهم } الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا ~~يوالونهم ويواخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في السر { ولا نطيع ~~فيكم } في قتالكم أحدا من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه. أو في ~~خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة { لكذبون } أي في مواعيدهم ~~لليهود. وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيوب. فإن قلت كيف قيل ~~{ ولئن نصروهم } بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟ قلت معناه ولئن ~~نصروهم على الفرض والتقدير، كقوله تعالى { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك } الزمر 65 وكما يعلم ما يكون، فهو يعلم ما لا ~~يكون لو كان كيف يكون. والمعنى ولئن نصر المنافقون اليهود لينهزمن ~~المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك، أي يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم ~~لظهور كفرهم. أو لينهزمن اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين. ### || [59.13-17] # { رهبة } مصدر رهب المبني للمفعول، كأنه قيل أشد مرهوبية. وقوله { ~~فى صدورهم } دلالة على نفاقهم، يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية ~~خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم من الله. فإن قلت كأنهم كانوا يرهبون من ~~الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد. قلت معناه أن رهبتهم في السر منكم أشد ~~من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم - وكانو يظهرون لهم رهبة شديدة من ~~الله - ويجوز أن يريد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من ~~الله لأنهم كانوا قوما أولى بأس ونجدة، فكانوا يتشجعون لهم مع إضمار ~~الخيفة في صدورهم { لا يفقهون } لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه ~~حق خشيته { لا يقتلونكم } لا يقدرون على مقاتلتكم { جميعا ms2060 } ~~مجتمعين متساندين، يعني اليهود والمنافقين { إلا } كائنين { فى قرى ~~محصنة } بالخنادق والدروب { أو من وراء جدر } دون أن ~~يصحروا لكم ويبارزوكم، لقذف الله الرعب في قلوبهم، وأن تأييد الله تعالى ~~ونصرته معكم. وقرىء «جدر»، بالتخفيف. وجدار. وجدر وجدر، وهما الجدار { ~~بأسهم بينهم شديد } يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به ~~إنما هو بينهم إذا اقتتلوا ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ~~لأن الشجاع يجبن والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله { تحسبهم ~~جميعا } مجتمعين ذوي ألفة واتحاد { وقلوبهم شتى } متفرقة لا ~~ألفة بينها، يعني. أن بينهم إحنا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التعاضد، ولا ~~يرمون عن قوس واحدة. وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم { ~~قوم لا يعقلون } أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على ~~أرواحهم { كمثل الذين من قبلهم } أي مثلهم كمثل أهل بدر في ~~زمان قريب. فإن قلت بم انتصب { قريبا }؟ قلت بمثل، على كوجود مثل أهل ~~بدر قريبا { ذاقوا وبال أمرهم } سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من قولهم كلأ وبيل وخيم سيء العاقبة، ~~يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا { ولهم } في الآخرة عذاب النار. مثل ~~المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم متاركتهم ~~لهم وإخلافهم { كمثل الشيطن } إذا استغوى الإنسان بكيده ثم ~~تبرأ منه في العاقبة، والمراد استغواؤه قريشا يوم بدر وقوله لهم { لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } إلى ~~قوله # إنى برىء منك # الأنفال 48 وقرأ ابن مسعود «خالدان فيها»، على أنه خبر أن، و { فى ~~النار } لغو، وعلى القراءة المشهورة الظرف مستقر، وخالدين فيها حال. ~~وقرىء «أنا بريء» وعاقبتهما بالرفع. ### || [59.18-19] # كرر الأمر بالتقوى تأكيدا واتقوا الله في أداء الواجبات لأنه قرن بما ~~هو عمل، واتقوا الله في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد. ~~والغد يوم القيامة، سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا له وعن الحسن لم ~~يزل يقربه حتى جعله كالغد. ونحوه قوله تعالى # كأن لم تغن بالأمس # يونس 24 ms2061 يريد تقريب الزمان الماضي. وقيل عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا ~~والآخرة نهاران يوم وغد. فإن قلت ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت أما ~~تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قد من للآخرة، كأنه قال ~~فلتنظر نفس واحدة في ذلك. وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه ~~قيل لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك بن دينار مكتوب على باب الجنة ~~وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا. خسرنا ما خلفنا { نسوا الله } ~~نسوا حقه، فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان، حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم ~~عنده. أو فأراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم، كقوله تعالى # لا يرتد إليهم طرفهم # إبراهيم 43. ### || [59.20] # هذا تنبيه للناس وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة ~~وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات كأنهم لا يعرفون الفرق بين ~~الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز مع أصحاب الجنة فمن ~~حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه هو أبوك، تجعله ~~بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر ~~والتعطف. وقد استدل أصحاب الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على أن المسلم ~~لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر. ### || [59.21-22] # هذا تمثيل وتخييل، كما مر في قوله تعالى # إنا عرضنا الأمانة # الأحزاب72 وقد دل عليه قوله { وتلك الأمثل نضربها ~~للناس } والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة ~~القرآن وتدبر قوارعه وزواجره. وقرىء «مصدعا» على الإدغام { وتلك ~~الأمثل } إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل. ### || [59.23-24] # { الغيب } المعدوم { والشهدة } الموجود المدرك كأنه يشاهده. ~~وقيل ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل السر والعلانية. وقيل الدنيا ~~والآخرة { القدوس } بالضم والفتح - وقد قرىء بهما - البليغ في ~~النزاهة عما يستقبح. ونظيره السبوح، وفي تسبيح الملائكة سبوح قدوس رب ~~الملائكة والروح. و { السلم } بمعنى السلامة. ومنه # دار السلم # يونس 25 # وسلم عليكم # الأنعام 54 وصف به مبالغة في وصف كونه ms2062 سليما من النقائص. أو في إعطائه ~~السلامة «والمؤمن» واهب الأمن. وقرىء بفتح الميم بمعنى المؤمن به على حذف ~~الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله تعالى # واختار موسى قومه # الأعراف 155 المختارون بلفظ صفة السبعين. و { المهيمن } الرقيب ~~على كل شيء، الحافظ له، مفيعل من الأمن إلا أن همزته قلبت هاء. و { ~~الجبار } القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد، أي أجبره، و { ~~المتكبر } البليغ الكبرياء والعظمة. وقيل المتكبر عن ظلم عباده. و ~~{ الخلق } المقدر لما يوجده «والبارىء» المميز بعضه من بعض ~~بالأشكال المختلفة. و { المصور } الممثل. وعن حاطب بن أبي بلتعة أنه ~~قرأ «البارىء المصور»، بفتح الواو ونصب الراء، أي الذي يبرأ المصور أي ~~يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات. وقرأ ابن مسعود «وما في الأرض». عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه 1157 «سألت حبيبي صلى الله عليه وسلم عن اسم الله ~~الأعظم فقال # " عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته " # فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1158 # " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-2] # روي 1159 أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها أمسلمة جئت؟ ~~قالت لا. قال أفمهاجرة جئت؟ قالت لا. قال فما جاء بك؟ قالت كنتم الأهل ~~والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعني قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة ~~شديدة فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب بن ~~أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، واستحملها كتابا إلى أهل ~~مكة نسخته من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أن رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، ~~فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير ~~والمقداد وأبا مرثد - وكانوا فرسانا - وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، ~~فإن ms2063 بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن ~~أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع فقال علي رضي ~~الله عنه والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، وقال أخرجي ~~الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها. وروى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم، فاستحضر رسول ~~الله حاطبا وقال ما حملك عليه؟ فقال يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ~~ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت أمرأ ملصقا في ~~قريش. وروى عزيزا فيهم، أي غريبا، ولم أكن من أنفسها، وكل من معكم من ~~المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، ~~فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه. وأن ~~كتابي لا يغني عنهم شيئا، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر دعني يا رسول الله ~~أضرب عنق هذا المنافق فقال «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل ~~بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر وقال الله ~~ورسوله أعلم، فنزلت، عدى «اتخذ» إلى مفعوليه، وهما عدوي، وأولياء. ~~والعدو فعول، من عدا كعفو من عفا ولكونه على زنه المصدر أوقع على الجمع ~~إيقاعه على الواحد. فإن قلت { تلقون } بم يتعلق؟ قلت يجوز أن يتعلق ~~بلا تتخذوا حالا من ضميره وبأولياء صفة له. ويجوز أن يكون استئنافا. ~~فإن قلت إذا جعلته صفة لأولياء وقد جرى على غير من هوله، فأين الضمير ~~البارز وهو قولك تلقون إليهم أنتم بالمودة؟ قلت ذلك إنما اشترطوه في ~~الأسماء دون الأفعال، لو قيل أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف. # لما كان بد من الضمير البارز والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء ~~بها إليهم يقال ألقى إليه خراشي صدره، وأفضى إليه بقشوره. والباء في { ~~بالمودة } إما زائدة مؤكدة للتعدي مثلها في # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # البقرة 195 وإما ثابتة على أن ms2064 مفعول تلقون محذوف، معناه تلقون إليهم ~~أخبار رسول الله بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وكذلك قوله { ~~تسرون إليهم بالمودة } أي تفضون إليهم بمودتكم سرا. أو ~~تسرون إليهم إسرار رسول الله بسبب المودة. التي بينكم وبينهم فإن قلت { ~~وقد كفروا } حال مماذا؟ قلت إما من { لا تتخذوا } وإما من ~~{ تلقون } أي لا تتولوهم أو توادونهم وهذه حالهم. و { يخرجون } ~~استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم. أو حال من كفروا. و { أن تؤمنوا ~~} تعليل ليخرجون، أي يخرجونكم لإيمانكم، و { إن كنتم خرجتم } ~~متعلق بلا تتخذوا، يعني لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين ~~في مثله هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه. و { تسرون } ~~استئناف، ومعناه أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان ~~سيان في علمي لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون { ومن ~~يفعله } ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ ~~الجحدري «لما جاءكم» أي كفروا لأجل ما جاءكم، بمعنى أن ما كان يجب أن ~~يكون سبب إيمانهم جعلوه سببا لكفرهم. { إن يثقفوكم } إن يظفروا ~~بكم ويتمكنوا منكم { يكونوا لكم أعدآء } خالصي العداوة، ولا ~~يكونوا لكم أولياء كما أنتم { ويبسطوا إليكم أيديهم ~~وألسنتهم بالسوء } بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدون عن ~~دينكم، فإذن مودة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم ونحوه ~~قوله تعالى # لا يألونكم خبالا # آل عمران 118 فإن قلت كيف أورد جواب الشرط مضارعا مثله ثم قال { ~~وودوا } بلفظ الماضي؟ قلت الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى ~~المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة، كأنه قيل وودوا قبل كل شيء كفركم ~~وارتدادكم، يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعا ~~من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردكم كفارا أسبق المضار عندهم ~~وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، ~~والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. ### || [60.3] # { لن تنفعكم أرحمكم } أي قراباتكم { ولا أولدكم ~~} الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم ms2065 محاماة عليهم، ثم قال { ~~يوم القيمة يفصل بينكم } وبين أقاربكم وأولادكم # يوم يفر المرء من أخيه... # عبس 34 الآية فما لكم ترفضون حق الله مراعاة لحق من يفر منكم غدا خطأ ~~رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال من والوه أولا، ثم بما يرجع ~~إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيا ليريهم أن ما أقدموا عليه من أي ~~جهة نظرت فيه وجدته باطلا. قرىء «يفصل ويفصل»، على البناء للمفعول. ~~ويفصل ويفصل، على البناء للفاعل وهو الله عز وجل. ونفصل ونفصل، ~~بالنون. ### || [60.4-5] # وقرىء «أسوة وإسوة» وهو اسم المؤتسى به، أي كان فيهم مذهب حسن مرضي بأن ~~يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم ~~بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب ~~عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله ومادام هذا السبب قائما كانت ~~العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاة، ~~والبغضاء محبة، والمقت مقة، فأفصحوا عن محض الإخلاص. ومعنى { كفرنا ~~بكم } وبما تعبدون من دون الله أنا لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، ~~وما أنتم عندنا على شيء. فإن قلت مم استثني قوله { إلا قول ~~إبرهيم }؟ قلت من قوله { أسوة حسنة } لأنه أراد بالأسوة ~~الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذونه سنة يستنون بها. فإن ~~قلت فإن كان قوله { لأستغفرن لك } مستثنى من القول الذي هو ~~أسوة حسنة، فما بال قوله { وما أملك لك من الله من شىء ~~} وهو غير حقيق بالاستثناء. ألا ترى إلى قوله # قل فمن يملك من الله شيئا # المائدة 17 قلت أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد إلى موعد ~~الاستغفار له، وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال أنا أستغفر لك وما ~~في طاقتي إلا الاستغفار. فإن قلت بم اتصل قوله { ربنا عليك ~~توكلنا }؟ قلت بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ~~ويجوز أن يكون المعنى قولوا ربنا، أمرا من الله تعالى للمؤمنين بأن ~~يقولوه، وتعليما منه لهم تتميما لما وصاهم ms2066 به من قطع العلائق بينهم ~~وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيها على ~~الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط ~~منهم. وقرى «برآء» كشركاء. وبراء كظراف. وبراء على إبدال الضم من الكسر، ~~كرخال ورباب. وبراء على الوصف بالمصدر. والبراء والبراءة كالظماء ~~والظماءة. ### || [60.6] # ثم كرر الحث على الائتساء بإبراهيم وقومه تقريرا وتأكيدا عليهم، ~~ولذلك جاء به مصدرا بالقسم لأنه الغاية في التأكيد، وأبدل عن قوله { ~~لكم } قوله { لمن كان يرجو الله واليوم الأخر } ~~وعقبه بقوله { ومن يتول فإن الله هو الغنى ~~الحميد } فلم يترك نوعا من التأكيد إلا جاء به. ### || [60.7] # ولما نزلت هذه الآيات تشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع ~~أقربائهم من المشركين ومقاطعتهم، فلما رأى الله عز وجل منهم الجد والصبر ~~على الوجه الشديد وطول التمني للسبب الذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة. ~~رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوه، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم، ~~فأسلم قومهم، وتم بينهم من التحاب والتصافي ما تم. وقيل 1160 تزوج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان ~~واسترخت شكيمته في العداوة، وكانت أم حبيبة قد أسلمت وهاجرت مع زوجها ~~عبد الله بن أبي جحش إلى الحبشة، فتنصر وأرادها على النصرانية، فأبت ~~وصبرت على دينها، ومات زوجها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~النجاشي فخطبها عليه، وساق عنه إليها مهرها أربعمائة دينار، وبلغ ذلك ~~أباها فقال ذلك الفحل لا يقدع أنفه. و { عسى } وعد من الله على ~~عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة ~~للمحتاج في تمام ذلك. أو قصد به إطماع المؤمنين، والله قدير على تقليب ~~القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة { والله غفور رحيم ~~} لمن أسلم من المشركين. ### || [60.8-9] # { أن تبروهم } بدل من الذين لم يقاتلوكم. وكذلك { أن ~~تولوهم } من الذين قاتلوكم والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، ~~وإنما ينهاكم عن تولى هؤلاء. وهذا أيضا رحمة لهم لتشددهم ms2067 وجدهم في ~~العداوة متقدمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم ~~يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم. وقيل أراد بهم خزاعة ~~وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا ~~يعينوا عليه. وعن مجاهد هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقيل هم النساء ~~والصبيان. وقيل 1161 قدمت على أسماء بنت أبي بكر أمها قتيلة بنت عبد ~~العزى وهي مشركة بهدايا فلم تقبلها ولم تأذن لها في الدخول، فنزلت، ~~فأمرها رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تدخلها وتقبل منها ~~وتكرمها وتحسن إليها. وعن قتادة نسختها آية القتال { وتقسطوا ~~إليهم } وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم. وناهيك بتوصية الله ~~المؤمنين أن يستعملوا القسط مع المشركين به ويتحاموا ظلمهم، مترجمة عن ~~حال مسلم يجترىء على ظلم أخيه المسلم. ### || [60.10-11] # { إذا جآءكم المؤمنت } سماهن مؤمنات لتصديقهن بألسنتهن ~~ونطقهن بكلمة الشهادة ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك. أو لأنهن مشارفات ~~لثبات إيمانهم بالامتحان { فامتحنوهن } فابتلوهن بالحلف والنظر ~~في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. 1162 وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول للممتحنة # " بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن ~~أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبا لله ~~ولرسوله " # { الله أعلم بإيمنهن } منكم لأنكم لا تكسبون فيه علما ~~تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم ~~به { فإن علمتموهن مؤمنت } العلم الذي تبلغه طاقتكم ~~وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات { فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار } فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين، لأنه لا حل بين ~~المؤمنة والمشرك { وءاتوهم مآ أنفقوا } وأعطوا أزواجهن مثل ما ~~دفعوا إليهن من المهور، وذلك 1163 أن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم ~~من أهل مكة رد إليهم، ومن أتى منكم مكة لم يرد إليكم وكتبوا بذلك ~~كتابا وختموه، فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالحديبية، فأقبل ms2068 زوجها مسافر المخزومي. وقيل صيفي بن الراهب ~~فقال يا محمد، أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك ~~منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت بيانا لأن الشرط إنما كان في ~~الرجال دون النساء. وعن الضحاك كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين عهد أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها ~~إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، ~~وللنبي صلى الله عليه وسلم من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة ثم نسخ هذا الحكم ~~وهذا العهد براءة، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت، فأعطى ~~زوجها ما أنفق وتزوجها عمر. فإن قلت كيف سمى الظن علما في قوله { ~~فإن علمتموهن }؟ قلت إيذانا بأن الظن الغالب وما يفضي إليه ~~الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله # ولا تقف ما ليس لك به علم # الإسراء 36 فإن قلت فما فائدة قوله { الله أعلم بإيمنهن ~~} وذلك معلوم لا شبهة فيه؟ قلت فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن ~~به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن. فإن ذلك مما استأثر ~~به علام الغيوب، وأن ما يؤدي إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك، وأن ~~تكليفكم لا يعدوه ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات إذا ~~آتوهن أجورهن أي مهورهن، لأن المهر أجر البضع، ولا يخلو إما أن يراد ~~بها ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوجهن ~~تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهن على سبيل القرض ثم ~~تزوجن على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين لهم أن ما أعطى أزواجهن لا ~~يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق، وبه احتج أبو حنيفة على أن أحد ~~الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلما أو بذمة وبقي الآخر حربيا وقعت ~~الفرقة، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن ms2069 تكون حاملا { ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر } والعصمة ما يعتصم به من عقد ~~وسبب، يعني إياكم وإياهن، ولا تكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقة زوجية. # قال ابن عباس من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه، لأن ~~اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. وعن النخعي هي المسلمة تلحق بدار الحرب ~~فتكفر. وعن مجاهد أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن { ~~وسئلوا مآ أنفقتم } من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار { ~~وليسئلوا مآ أنفقوا } من مهور نسائهم المهاجرات. وقرىء «ولا ~~تمسكوا» بالتخفيف. ولا تمسكوا بالتثقيل. ولا تمسكوا. أي ولا تتمسكوا { ~~ذلكم حكم الله } يعني جميع ما ذكر في هذه الآية { يحكم ~~بينكم } كلام مستأنف. أو حال من حكم الله على حذف الضمير، أي يحكمه ~~الله. أو جعل الحكم حاكما على المبالغة. روى أنها لما نزلت هذه الآية ~~أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهن المشركين، ~~وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، ~~فنزل قوله { وإن فاتكم } وإن سبقكم وانفلت منكم { شىء } من ~~أزواجكم أحد منهن إلى الكفار، وهو في قراءة ابن مسعود أحد. فإن قلت هل ~~لإيقاع شيء في هذا الموقع فائدة؟ قلت نعم، الفائدة فيه أن لا يغادر شيء ~~من هذا الجنس وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظا في هذا الحكم وتشديدا ~~فيه { فعقبتم } من العقبة وهي التوبة شبه ما حكم به على المسلمين ~~والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأولئك مهور نساء هؤلاء ~~أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. ومعناه فجاءت عقبتكم ~~من أداء المهر، فآتوا من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر ~~المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري يعطي من صداق من لحق ~~بهم. وقرىء «فأعقبتم» فعقبتم بالتشديد. فعقبتم بالتخفيف، بفتح القاف ~~وكسرها، فمعنى أعقبتم دخلتم في العقبة، وعقبتم من عقبه إذا قفاه، لأن كل ~~واحد من المتعاقبين يقفي صاحبه، وكذلك عقبتم بالتخفيف، يقال عقبه يعقبه. # وعقبتم نحو تبعتم. وقال الزجاج فعاقبتم ms2070 فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى ~~غنمتم، والذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر، وفسر غيرها من ~~القراآت فكانت العقبى لكم، أي فكانت الغلبة لكم حتى غنمتم. وقيل جميع من ~~لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة أم ~~الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية ~~كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس ~~بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت ~~أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص. وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مهور نسائهم من الغنيمة. ### || [60.12] # { ولا يقتلن أولدهن } وقرىء «يقتلن»، بالتشديد، يريد ~~وأد البنات { ولا يأتين ببهتن يفترينه بين ~~أيديهن وأرجلهن } كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها ~~هو ولدي منك. كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي ~~تلصقه بزوجها كذبا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين وفرجها الذي ~~تلده به بين الرجلين { ولا يعصينك فى معروف } فيما تأمرهن به ~~من المحسنات وتنهاهن عنه من المقبحات. وقيل كل ما وافق طاعة الله فهو ~~معروف. فإن قلت لو اقتصر على قوله { ولا يعصينك } فقد علم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بمعروف؟ قلت نبه بذلك على أن طاعة ~~المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وروي 1164 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في ~~بيعة النساء وهو على الصفا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسفل منه يبايعهن ~~بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها فقال عليه الصلاة والسلام ~~«أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا فرفعت هند رأسها وقالت والله لقد ~~عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال تبايع ms2071 ~~الرجال على الإسلام والجهاد، فقال عليه الصلاة والسلام و«لا يسرقن» فقالت ~~إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات، فما أدري، أتحل لي أم ~~لا. فقال أبو سفيان ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت ~~نعم فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك، فقال «ولا يزنين» فقالت أو ~~تزني الحرة وفي رواية ما زنت منهن امرأة قط، فقال عليه الصلاة والسلام ~~«ولا يقتلن أولادهن» فقالت ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا فأنتم وهم ~~أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى ~~استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «لا يأتين ببهتان» ~~فقالت والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم ~~الأخلاق، فقال «ولا يعصينك في معروف» فقالت والله ما جلسنا مجلسنا هذا ~~وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. وقيل في كيفية المبايعة 1165 دعا بقدح من ~~ماء فغمس فيه يده، ثم غمسن أيديهن. وقيل 1166 صافحهن وكان على يده ثوب ~~قطري. وقيل 1167 كان عمر يصافحهن عنه. ### || [60.13] # روي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم. ~~فقيل لهم { لا تتولوا قوما } مغضوبا عليهم { قد يئسوا } ~~من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ~~يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة { كما يئس الكفار } من ~~موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل { من أصحب القبور } ~~بيان للكفار، أي كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة لأنهم تبينوا ~~قبح حالهم وسوء منقلبهم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1168 # " من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة ". ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-4] # { لم } هي لام الإضافة داخلة على ما الاستفهامية كما دخل عليها غيرها ~~من حروف الجر في قولك بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت ~~الألف لأن ms2072 ما والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرا في كلام ~~المستفهم وقد جاء استعمال الأصل قليلا والوقف على زيادة هاء السكت أو ~~الإسكان. ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع ثلاثة، أربعة، ~~بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة، وهذا الكلام يتناول الكذب ~~وإخلاف الموعد. وروي أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال لو نعلم ~~أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم ~~الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل لما أخبر ~~الله بثواب شهداء بدر قالوا لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم ~~أحد ولم يفوا. وقيل كان الرجل يقول قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ~~ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل 1169 كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، ~~فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب أخبر النبي عليه السلام أنك ~~قتلته، فقال إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر يا رسول الله قتله صهيب، ~~قال كذلك يا أبا يحيى؟ قال نعم، فنزلت في المنتحل. وعن الحسن نزلت في ~~المنافقين. ونداؤهم بالإيمان تهكم بهم وبإيمانهم هذا من أفصح كلام وأبلغه ~~في معناه قصد في { كبر } التعجب من غير لفظه كقوله # غلت ناب كليب بواءها # ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من ~~شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى أن تقولوا. ونصب { مقتا } على ~~تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط ~~تمكن المقت منه واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه. ومنه قيل نكاح ~~المقت، للعقد على الرابة، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرا، حتى جعل ~~أشده وأفحشه. و { عند الله } أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته ~~عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل ~~له حدثنا، فسكت ثم قيل له حدثنا فقال تأمرونني أن أقول ما لا أفعل ~~فأستعجل مقت الله. في قوله { إن الله يحب الذين ms2073 ~~يقتلون فى سبيله } عقيب ذكر مقت المخلف دليل على أن المقت قد ~~تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد بن علي ~~«يقاتلون» بفتح التاء. وقرىء «يقتلون» { صفا } صافين أنفسهم أو ~~مصفوفين { كأنهم } في تراصهم من غير فرجة ولا خلل { بنين } رص ~~بعضه إلى بعض ورصف. وقيل يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى ~~يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم فيه دليل على فضل ~~القتال راجلا لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله { صفا ~~كأنهم بنين } حالان متداخلتان. ### || [61.5] # { وإذ } منصوب بإضمار اذكر. أو وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا { ~~تؤذوننى } كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه، ~~وجحود آياته، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم ~~رؤية الله جهرة، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه { وقد ~~تعلمون } في موضع الحال، أي تؤذونني عالمين علما يقينا { أنى ~~رسول الله إليكم } وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، ~~لا أن تؤذوني وتستهينوا بي لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، علما بأن ~~تعظيمه في تعظيم رسوله، ولأن من آذاه كان وعيد الله لاحقا به { ~~فلما زاغوا } عن الحق { أزاغ الله قلوبهم } بأن منع ~~ألطافه عنهم { والله لا يهدى القوم الفسقين } لا يلطف ~~بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف. فإن قلت ما معنى قد في قوله { قد ~~تعلمون }؟ قلت معناه التوكيد كأنه قال وتعلمون علما يقينا لا شبهة ~~لكم فيه. ### || [61.6] # قيل إنما قال يا بني إسرائيل ولم يقل يا قوم كما قال موسى لأنه لا نسب ~~له فيهم فيكونوا قومه. والمعنى أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني { ~~من التوراة } وفي حال تبشيري { برسول يأتى من بعدى } ~~يعني أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعا ممن تقدم وتأخر. وقرىء ~~«من بعدي»، بسكون الياء وفتحها، والخليل وسيبويه يختاران الفتح. وعن كعب ~~أن الحواريين قالوا لعيسى يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال نعم أمة ~~أحمد حكماء علماء أبرار ms2074 أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله ~~باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل. فإن قلت بم انتصب ~~مصدقا ومبشرا؟ أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟ قلت بل بمعنى ~~الإرسال لأن { إليكم } صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئا لأن حروف ~~الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل فإذا وقعت صلات لم ~~تتضمن معنى فعل، فمن أين تعمل؟ وقرىء «هذا ساحر مبين». ### || [61.7] # وأي الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له ~~فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله بقوله ~~لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق هذا سحر، لأن السحر كذب وتمويه. ~~وقرأ طلحة بن مصرف «وهو يدعي»، بمعنى دعاه وادعاه، نحو لمسه والتمسه. ~~وعنه يدعي، بمعنى يدعو، وهو الله عز وجل. ### || [61.8] # أصله يريدون أن يطفئوا كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه ~~اللام زيدت مع فعل الإرادة تأكيدا له، لما فيها من معنى الإرادة في قولك ~~جئتك لإكرامك، كما زيدت اللام في لا أبالك، تأكيدا لمعنى الإضافة في لا ~~أباك، وإطفاء نور الله بأفواههم تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام ~~بقولهم في القرآن هذا سحر، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ~~ليطفئه «والله متم نوره» أي متم الحق ومبلغه غايته. وقرىء بالإضافة. ### || [61.9] # { ودين الحق } الملة الحنفية { ليظهره } ليعليه { على ~~الدين كله } على جميع الأديان المخالفة له ولعمري لقد فعل، فما بقي ~~دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام. وعن مجاهد إذا نزل ~~عيسى لم يكن في الأرض إلا دين الإسلام. وقرىء «أرسل نبيه». ### || [61.10-13] # { تنجيكم } قرىء مخففا ومثقلا. و { تؤمنون } استئناف، كأنهم ~~قالوا كيف نعمل؟ فقال تؤمنون، وهو خبر في معنى الأمر ولهذا أجيب بقوله { ~~يغفر لكم } وتدل عليه قراءة ابن مسعود آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا. فإن ~~قلت لم جيء به على لفظ الخبر؟ قلت للإيذان بوجوب الامتثال، وكأنه امتثل ~~فهو يخبر عن إيمان ms2075 وجهاد موجودين. ونظيره قول الداعي غفر الله لك، ويغفر ~~الله لك جعلت المغفرة لقوة الرجاء، كأنها كانت ووجدت. فإن قلت هل لقول ~~الفراء أنه جواب { هل أدلكم } وجه؟ قلت وجهه أن متعلق الدلالة هو ~~التجارة، والتجارة مفسرة بالإيمان والجهاد فكأنه قيل هل تتجرون بالإيمان ~~والجهاد يغفر لكم؟ فإن قلت فما وجه قراءة زيد بن علي رضي الله عنهما ~~تؤمنوا...وتجاهدوا؟ قلت وجهها أن تكون على إضمار لام الأمر، كقوله # محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من أمر ~~تبالا # وعن ابن عباس أنهم قالوا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فنزلت ~~هذه الآية، فمكثوا ما شاء الله يقولون ليتنا نعلم ما هي، فدلهم الله ~~عليها بقوله { تؤمنون } وهذا دليل على أن { تؤمنون } كلام ~~مستأنف، وعلى أن الأمر الوارد على النفوس بعد تشوف وتطلع منها إليه ~~أوقع فيها وأقرب من قبولها له مما فوجئت به { ذلكم } يعني ما ذكر من ~~الإيمان والجهاد { خير لكم } من أموالكم وأنفسكم. فإن قلت ما معنى ~~قوله { إن كنتم تعلمون }؟ قلت معناه إن كنتم تعلمون أنه خير لكم ~~كان خيرا لكم حينئذ لأنكم إذا علمتم ذلك واعتقدتموه أحببتم الإيمان ~~والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم، فتخلصون وتفلحون { وأخرى ~~تحبونها } ولكم إلى هذه النعمة المذكورة من المغفرة والثواب في ~~الآجلة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله { نصر من ~~الله وفتح قريب } أي عاجل وهو فتح مكة. وقال الحسن فتح فارس ~~والروم. وفي { تحبونها } شيء من التوبيخ على محبة العاجل. فإن قلت ~~علام عطف قوله { وبشر المؤمنين }؟ قلت على { تؤمنون } ~~لأنه في معنى الأمر، كأنه قيل آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم، وبشر يا ~~رسول الله المؤمنين بذلك. فإن قلت لم نصب من قرأ نصرا من الله وفتحا ~~قريبا؟ قلت يجوز أن ينصب على الاختصاص. أو على تنصرون نصرا، ويفتح لكم ~~فتحا. أو على يغفر لكم ويدخلكم جنات، ويؤتكم أخرى نصرا من الله وفتحا. ### || [61.14] # قرىء «كونوا أنصار الله وأنصارا لله». وقرأ ابن مسعود «كونوا أنتم ms2076 ~~أنصار الله». وفيه زيادة حتم للنصرة عليهم. فإن قلت ما وجه صحة التشبيه ~~ وظاهره تشبيه كونهم أنصارا بقول عيسى صلوات الله عليه { من ~~أنصارى إلى الله }؟ قلت التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح. ~~والمراد كونوا أنصار الله كما الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم { من ~~أنصارى إلى الله }. فإن قلت ما معنى قوله { من أنصارى ~~إلى الله }؟ قلت يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين { ~~نحن أنصار الله } والذي يطابقه أن يكون المعنى من جندي متوجها ~~إلى نصرة الله، وإضافة { أنصارى } خلاف إضافة { أنصار الله } ~~فإن معنى { نحن أنصار الله } نحن الذين ينصرون الله. ومعنى { ~~من أنصارى } من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله ~~ولا يصح أن يكون معناه من ينصرني مع الله لأنه لا يطابق الجواب. والدليل ~~عليه قراءة من قرأ «من أنصار الله». والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن ~~به وكانوا اثنى عشر رجلا وحواري الرجل صفيه وخلصانه من الحوار وهو ~~البياض الخالص. والموارى الدرمك. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ~~1170 # " الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي " # وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب يبيضونها. ونظير الحواري في زنته ~~الحوالي الكثير الحيل { فئامنت طآئفة } منهم بعيسى { وكفرت ~~} به { طائفة فأيدنا } مؤمنيهم على كفارهم، فظهروا عليهم. وعن ~~زيد بن علي كان ظهورهم بالحجة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1171 # " من قرأ سورة الصف كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له ما دام في الدنيا ~~وهو يوم القيامة رفيقه ". ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # قرئت صفات الله عز وعلا بالرفع على المدح، كأنه قيل هو الملك القدوس، ~~ولو قرئت منصوبة لكان وجها، كقول العرب الحمد لله أهل الحمد. الأمي منسوب ~~إلى أمة العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم. وقيل ~~بدأت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة، وأهل الحيرة من أهل ~~الأنبار. ومعنى { بعث فى الأميين رسولا منهم } بعث رجلا ~~أميا في قوم أميين، كما جاء في حديث شعياء أني أبعث أعمى في عميان، ~~وأميا في ms2077 أميين وقيل { منهم } ، كقوله تعالى # من أنفسكم # التوبة 128 يعلمون نسبه وأحواله. وقرىء «في الأمين»، بحذف ياءي النسب { ~~يتلو عليهم ءايته } يقرؤها عليهم مع كونه أميا مثلهم لم ~~تعهد منه قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمي بغير تعلم أية بينة { ~~ويزكيهم } ويطهرهم من الشرك وخبائث الجاهلية { ويعلمهم ~~الكتب والحكمة } القرآن والسنة. وإن في { وإن كانوا } ~~هي المخففة من الثقيلة واللام دليل عليها، أي كانوا في ضلال لا ترى ~~ضلالا أعظم منه { وءاخرين } مجرور عطف على الأميين، يعني أنه بعثه ~~في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم بعد ~~وسيلحقون بهم، وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم. وقيل1172 لما نزلت ~~قيل من هم يا رسول الله، فوضع يده على سلمان ثم قال # " لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله رجال من هؤلاء " # وقيل هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم القيامة، ويجوز أن ينتصب عطفا ~~على المنصوب في { ويعلمهم } أي يعلمهم ويعلم آخرين لأن التعليم ~~إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله، فكأنه هو الذي تولى ~~كل ما وجد منه { وهو العزيز الحكيم } في تمكينه رجلا أميا ~~من ذلك الأمر العظيم، وتأييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر { ~~ذلك } الفضل الذي أعطاه محمدا وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي ~~أبناء العصور الغوابر. هو { فضل الله يؤتيه من يشاء } ~~إعطاءه وتقتضيه حكمته. ### || [62.5] # شبه اليهود - في أنهم حملة التوراة وقراؤها وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير ~~عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به - بالحمار حمل أسفارا، أي كتبا ~~كبارا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه ~~وظهره من الكد والتعب. وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، وبئس المثل ~~{ بئس } مثلا { مثل القوم الذين كذبوا بئايت ~~الله } وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. ومعنى ms2078 { حملوا التوراة } كلفوا علمها ~~والعمل بها، { ثم لم يحملوها } ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم ~~يحملوها. وقرىء «حملوا التوراة»، أي حملوها ثم لم يحملوها في الحقيقة ~~لفقد العمل. وقرىء «يحمل الأسفار» فإن قلت يحمل ما محله؟ قلت النصب على ~~الحال، أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله # ولقد أمر على اللئيم يسبني ### || [62.6-8] # هاد يهود إذا تهود { أولياء لله } كانوا يقولون. نحن أبناء الله ~~وأحباؤه، أي إن كان قولكم حقا وكنتم على ثقة { فتمنوا } على الله ~~أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه، ثم قال { ~~ولا يتمنونه أبدا } بسبب ما قدموا من الكفر، وقد قال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1172 # " والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه " # فلولا أنهم كانوا موقنين بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتمنوا، ~~ولكنهم علموا أنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم ولحقهم الوعيد، فما تمالك ~~أحد منهم أن يتمنى وهي إحدى المعجزات. وقرىء «فتمنوا الموت» بكسر الواو، ~~تشبيها بلو استطعنا. ولا فرق بين «لا» و«لن» في أن كل واحدة منهما نفي ~~للمستقبل، إلا أن في «لن» تأكيدا وتشديدا ليس في «لا» فأتى مرة بلفظ ~~التأكيد # ولن يتمنوه # البقرة 95 ومرة بغير لفظه # ولا يتمنونه # الجمعة 7 ثم قيل لهم { إن الموت الذى تفرون منه } ولا ~~تجسرون أن تتمنوه خيفة أن تؤخذوا بوبال كفركم لا تفوتونه وهو ملاقيكم لا ~~محالة { ثم تردون } إلى الله فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. ~~وقرأ زيد بن علي رضي الله عنه إنه ملاقيكم. وفي قراءة ابن مسعود تفرون ~~منه ملاقيكم، وهي ظاهرة. وأما التي بالفاء، فلتضمن الذي معنى الشرط، وقد ~~جعل { إن الموت الذى تفرون منه } كلاما برأسه في ~~قراءة زيد، أيإن الموت هو الشيء الذي تفرون منه، ثم استؤنف إنه ملاقيكم. ### || [62.9-10] # «يوم الجمعة» يوم الفوج المجموع، كقولهم ضحكة، للمضحوك منه. و«يوم ~~الجمعة»، بفتح الميم يوم الوقت الجامع، كقولهم ضحكة، ولعنة، ولعبة ويوم ~~الجمعة تثقيل للجمعة، كما ms2079 قيل عسرة في عسر. وقرىء بهن جميعا. فإن قلت من ~~في قوله { من يوم الجمعة } ما هي؟ قلت هي بيان لإذا وتفسير له. ~~والنداء الأذان. وقالوا المراد به الأذان عند قعود الإمام على المنبر، ~~وقد 1173 كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد، فكان إذا جلس على ~~المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما على ذلك حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل ~~زاد مؤذنا آخر، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء، فإذا ~~جلس على المنبر أذن المؤذن الثاني، فإذا نزل أقام للصلاة، فلم يعب ذلك ~~عليه. وقيل أول من سماها «جمعة» كعب بن لؤي، وكان يقال لها العروبة. وقيل ~~1174 إن الأنصار قالوا لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى ~~مثل ذلك فهلموا نجعل لنا يوم نجتمع فيه فنذكر الله فيه ونصلى. فقالوا يوم ~~السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوا يوم العروبة فاجتمعوا إلى سعد ~~بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم ~~فيه، فأنزل الله آية الجمعة، فهي أول جمعة، كانت في الإسلام وأما أول ~~جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي 1175 أنه لما قدم المدينة ~~مهاجرا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء ~~والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة عامدا المدينة ~~فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، فخطب وصلى ~~الجمعة. وعن بعضهم قد أبطل الله قول اليهود في ثلاث افتخروا بأنهم أولياء ~~الله وأحباؤه، فكذبهم في قوله { فتمنوا الموت إن كنتم ~~صدقين } وبأنهم أهل الكتاب والعرب لا كتاب لهم فشبههم بالحمار يحمل ~~أسفارا وبالسبت وأنه ليس للمسلمين مثله فشرع الله لهم الجمعة. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم 1176 # " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، ~~وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند الله ms2080 يوم المزيد " # وعنه عليه السلام 1177 # " أتاني جبريل وفي كفه مرآة بيضاء وقال هذه الجمعة يعرضها عليك ربك ~~لتكون لك عيدا ولأمتك من بعدك، وهو سيد الأيام عندنا، ونحن ندعوه إلى ~~الآخرة يوم المزيد " # وعنه صلى الله عليه وسلم 1178 # " إن لله تعالى في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار " # وعن كعب إن الله فضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الأيام ~~الجمعة. وقال عليه الصلاة والسلام 1179 # " من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر " # وفي الحديث 1180 # " إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من ~~فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم " # وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى ~~الجمعة يمشون بالسرج. وقيل أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى ~~الجمعة. وعن ابن مسعود أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه، فاغتم وأخذ يعاتب ~~نفسه يقول أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد. ولا تقام الجمعة عند ~~أبي حنيفة رضي الله عنه إلا في مصر جامع، لقوله عليه السلام 1181 # " لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع " # والمصر الجامع ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، ومن شروطها ~~الإمام أو من يقوم مقامه، لقوله عليه السلام 1182 # " فمن تركها وله إمام عادل أو جائر... الحديث " # وقوله صلى الله عليه وسلم 1183 # " أربع إلى الولاة الفيء، والصدقات، والحدود، والجمعات " # فإن أم رجل بغير إذن الإمام أو من ولاه من قاض أو صاحب شرطة لم يجز فإن ~~لم يكن الاستئذان فاجتمعوا على واحد فصلى بهم جاز، وهي تنعقد بثلاثة سوى ~~الإمام. وعند الشافعي بأربعين. ولا جمعة على المسافرين والعبيد والنساء ~~والمرضى والزمنى، ولا على الأعمى عند أبي حنيفة، ولا على الشيخ الذي لا ~~يمشي إلا بقائد. وقرأ عمر وابن عباس وابن مسعود وغيرهم «فامضوا». وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقرأ «فاسعوا». فقال من أقرأك هذا؟ ms2081 قال أبي ~~بن كعب، فقال لا يزال يقرأ بالمنسوخ، لو كانت { فاسعوا } لسعيت حتى ~~يسقط ردائي. وقيل المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل ~~عمل. ومنه قوله تعالى # فلما بلغ معه السعى # الصافات 102، # وأن ليس للإنسن إلا ما سعى # النجم 39 وعن الحسن ليس السعي على الأقدام، ولكنه على النيات والقلوب. ~~وذكر محمد بن الحسن رحمه الله في موطئه أن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع ~~فأسرع المشي. قال محمد وهذا لا بأس به ما لم يجهد نفسه { إلى ذكر ~~الله } إلى الخطبة والصلاة، ولتسمية الله الخطبة ذكرا له قال أبو ~~حنيفة رحمه الله إن اقتصر الخطيب على مقدار يسمى ذكر الله كقوله الحمد ~~لله، سبحان الله جاز. وعن عثمان أنه صعد المنبر فقال الحمد لله وأرتج ~~عليه، فقال إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى ~~إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب، ثم نزل، وكان ذلك ~~بحضرة الصحابة ولم ينكر عليه أحد. # وعند صاحبيه والشافعي لا بد من كلام يسمى خطبة. فإن قلت كيف يفسر ذكر ~~الله بالخطبة وفيها ذكر غير الله؟ قلت ما كان من ذكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة ~~والتذكير فهو في حكم ذكر الله، فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم ~~والثناء عليهم والدعاء لهم، وهم أحقاء بعكس ذلك فمن ذكر الشيطان وهو من ~~ذكر الله على مراحل، وإذا قال المنصت للخطبة لصاحبه «صه» فقد لغا، أفلا ~~يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا، نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد ~~الأيام. أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص ~~البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم، ~~وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم ~~إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ودنا وقت الظهيرة، وحينئذ تحر التجارة ~~ويتكاثر البيع والشراء، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول ms2082 بالبيع عن ذكر ~~الله والمضي إلى المسجد، قيل لهم بادروا تجارة الآخرة، واتركوا تجارة ~~الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح { وذروا ~~البيع } الذي نفعه يسير وربحه مقارب. فإن قلت فإذا كان البيع في هذا ~~الوقت مأمورا بتركه محرما، فهل هو فاسد؟ قلت عامة العلماء على أن ذلك ~~لا يوجب فساد البيع. قالوا لأن البيع لم يحرم لعينه، ولكن لما فيه من ~~الذهول عن الواجب، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب، ~~والوضوء بماء مغصوب، وعن بعض الناس أنه فاسد. ثم أطلق لهم ما حظر عليهم ~~بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح، مع التوصية بإكثار الذكر، ~~وأن لا يلهيهم شيء من تجارة ولا غيرها عنه، وأن تكون هممهم في جميع ~~أحوالهم وأوقاتهم موكلة به لا ينفضون عنه، لأن فلاحهم فيه وفوزهم منوط ~~به، وعن ابن عباس لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى ~~وحضور الجنائز وزيارة أخ في الله وعن الحسن وسعيد بن المسيب طلب العلم، ~~وقيل صلاة التطوع وعن بعض السلف أنه كان يشغل نفسه بعد الجمعة بشيء من ~~أمور الدنيا نظرا في هذه الآية. ### || [62.11] # روي 1184 أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد، فقدم دحية بن خليفة ~~بتجارة من زيت الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقاموا ~~إليه، خشوا أن يسبقوا إليه، فما بقي معه إلا يسير. قيل ثمانية، وأحد عشر، ~~واثنا عشر، وأربعون، فقال عليه السلام # " والذي نفس محمد بيده، لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا ~~" # وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، فهو المراد باللهو، ~~وعن قتادة فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير. فإن قلت فإن افتق تفرق ~~الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع؟ قلت إن بقي وحده أو مع أقل من ~~ثلاثة، فعند أبي حنيفة يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع. وعند ~~صاحبيه إذا كبر وهم معه مضى فيها. وعند زفر إذا نفروا قبل التشهد بطلت. ms2083 ~~فإن قلت كيف قال { إليها } وقد ذكر شيئين؟ قلت تقديره إذا رأوا تجارة ~~انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، ~~وكذلك قراءة من قرأ «انفضوا إليه». وقراءة من قرأ «لهوا أو تجارة انفضوا ~~إليها» وقرىء «إليهما». عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1185 # " من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد ~~من لم يأتها في أمصار المسلمين ". ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-3] # أرادوا بقولهم { نشهد إنك لرسول الله } شهادة واطأت فيها ~~قلوبهم ألسنتهم. فقال الله عز وجل قالوا ذلك { والله يعلم } أن ~~الأمر كما يدل عليه قولهم إنك لرسول الله، والله يشهد أنهم لكاذبون في ~~قولهم نشهد وادعائهم فيه المواطأة. أو إنهم لكاذبون فيه، لأنه إذا خلا عن ~~المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة فهم كاذبون في تسميته شهادة. أو أراد ~~والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم { ~~إنك لرسول الله } كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه. ~~فإن قلت أي فائدة في قوله تعالى { والله يعلم إنك ~~لرسوله }؟ قلت لو قال قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم ~~الكاذبون، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب فوسط بينهما قوله { والله ~~يعلم إنك لرسوله }؟ ليميط هذا الإيهام { اتخذوا ~~أيمنهم جنة } يجوز أن يراد أن قولهم نشهد إنك لرسول الله ~~يمين من أيمانهم الكاذبة، لأن الشهادة تجري مجرى الحلف فيما يراد به من ~~التوكيد، يقول الرجل أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم ~~وأولى. وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن «أشهد» يمين. ويجوز أن ~~يكون وصفا للمنافقين في استجنانهم بالأيمان. وقرأ الحسن البصري إيمانهم، ~~أي ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم. ويعضده قوله تعالى { ذلك ~~بأنهم ءامنوا ثم كفروا }. { سآء ما كانوا ~~يعملون } من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله. وفي { سآء } معنى ~~التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين { ذلك } إشارة إلى قوله { ~~سآء ما كانوا يعملون } أي ذلك القول الشاهد ms2084 عليهم بأنهم أسوأ ~~الناس أعمالا ب سبب أنهم آمنوا ثم كفروا أو إلى ما وصف من حالهم في ~~النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أي ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا ~~{ فطبع على قلوبهم } فجسروا على كل عظيمة. فإن قلت المنافقون ~~لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله { ءامنوا ~~ثم كفروا }؟ قلت فيه ثلاثة أوجه، أحدها آمنوا، أي نطقوا بكلمة ~~الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا ثم ظهر كفرهم بعد ~~ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، ~~وقولهم في غزوة تبوك أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات. ~~ونحوه قوله تعالى # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلمهم # التوبة 74 أي وظهر كفرهم بعد أن أسلموا. ونحوه قوله تعالى # لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم # التوبة 66 والثاني آمنوا أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا ~~بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى # وإذا لقوا الذين ءامنوا # البقرة 14 إلى قوله تعالى # إنما نحن مستهزؤون # البقرة 14 والثالث أن يراد أهل الردة منهم. وقرىء «فطبع على قلوبهم»، ~~وقرأ زيد بن علي «فطبع الله». ### || [63.4] # كان عبد الله بن أبي رجلا جسيما صبيحا، فصيحا، ذلق اللسان وقوم من ~~المنافقين في مثل صفته، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيستندون فيه، ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم. ~~فإن قلت ما معنى قوله { كأنهم خشب مسندة }؟ قلت شبهوا في ~~استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير - بالخشب المسندة ~~إلى الحائط ولأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من ~~مظان الانتفاع، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به أسند إلى الحائط، ~~فشبهوا به في عدم الانتفاع. ويجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام ~~المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان ms2085 شبهوا بها في حسن صورهم وقلة ~~جدواهم والخطاب في { رأيتهم تعجبك } لرسول الله، أو لكل من ~~يخاطب. وقرىء «يسمع» على البناء للمفعول، وموضع { كأنهم خشب } ~~رفع على هم كأنهم خشب. أو هو كلام مستأنف لا محل له. وقرىء «خشب» جمع ~~خشبة، كبدنة وبدن. وخشب، كثمرة وثمر. وخشب، كمدرة ومدر، وهي في قراءة ابن ~~عباس. وعن اليزيدي أنه قال في { خشب } جمع خشباء، والخشباء الخشبة ~~التي دعر جوفها شبهوا بها في نفاقهم وفساد بواطنهم { عليهم } ثاني ~~مفعولي يحسبون، أي يحسبون كل صيحة واقعة عليهم وضارة لهم، لجبنهم وهلعهم ~~وما في قلوبهم من الرعب إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ~~ضالة ظنوه إيقاعا بهم. وقيل كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك ~~أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم. ومنه أخذ الأخطل # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر ~~عليهم ورجالا # يوقف على { عليهم } ويبتدأ { هم العدو } أي الكاملون في ~~العداوة لأن أعدى الأعداء العدو المداجي، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء ~~الدوي { فاحذرهم } ولا تغترر بظاهرهم. ويجوز أن يكون { هم ~~العدو } المفعول الثاني، كما لو طرحت الضمير. فإن قلت فحقه أن يقال ~~هي العدو. قلت منظور فيه إلى الخبر، كما ذكر في # هذا ربى # الأنعام 76 وأن يقدر مضاف محذوف على يحسبون كل أهل صحية { قتلهم ~~الله } دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم. أو تعليم ~~للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك { أنى يؤفكون } كيف يعدلون عن ~~الحق تعجبا من جهلهم وضلالتهم. ### || [63.5-6] # { لووا رؤوسهم } عطفوها وأما لوها إعراضا عن ذلك واستكبارا. ~~وقرىء بالتخفيف والتشديد للتكثير. ### || [63.7-8] # روى 1186 أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين لقي بني المصطلق على ~~المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم وقتل منهم ازدحم على الماء جهجاه بن سعيد ~~أجير لعمر يقود فرسه، وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي، واقتتلا، ~~فصرخ جهجاه يا للمهاجرين وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال من فقراء ~~المهاجرين ولطم سنانا. فقال عبد الله لجعال. وأنت ms2086 هناك، وقال ما صحبنا ~~محمدا إلا لنلطم، والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال سمن كلبك يأكلك، ~~أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، عنى بالأعز ~~نفسه، وبالأذل، رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال لقومه ماذا فعلتم ~~بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن ~~جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عنكم فلا ~~تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث، ~~فقال أنت والله الذليل القليل المبغض في قومك، ومحمد في عز من الرحمن ~~وقوة من المسلمين، فقال عبد الله اسكت فإنما كنت ألعب فأخبر زيد رسول ~~الله فقال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق يا رسول الله، فقال إذن ترعد ~~أنف كثيرة بيثرب. قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري. فأمر به أنصاريا فقال ~~فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقال عليه الصلاة والسلام ~~لعبد الله أنت صاحب الكلام الذي بلغني؟ قال والله الذي أنزل عليك الكتاب ~~ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وهو قوله تعالى # اتخذوا أيمنهم جنة # المنافقون 2 فقال الحاضرون يا رسول الله شيخنا وكبيرنا لا تصدق عليه ~~كلام غلام، عسى أن يكون قد وهم. وروى أن رسول الله قال له لعلك غضبت عليه ~~قال لا قال فلعله أخطأ سمعك قال لا قال فلعله شبه عليك قال لا. فلما نزلت ~~لحق رسول الله زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال وفت أذنك يا غلام، إن الله ~~قد صدقك وكذب المنافقين. ولما أراد عبد الله أن يدخل المدينة اعترضه ابنه ~~حباب، وهو عبد الله بن عبد الله غير رسول الله اسمه، وقال إن حبابا اسم ~~شيطان. وكان مخلصا وقال وراءك، والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله ~~الأعز وأنا الأذل، فلم يزل حبيسا في يده حتى أمره رسول الله بتخليته. ~~وروي أنه قال له لئن لم تقر لله ورسوله بالعز لأضربن عنقك، فقال ويحك، ~~أفاعل أنت؟ قال نعم. ms2087 فلما رأى منه الجد قال أشهد أن العزة لله ولرسوله ~~وللمؤمنين، فقال رسول الله لابنه # " جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا " # فلما بان كذب عبد الله قيل له قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال أمرتموني أن أومن فآمنت، ~~وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد، فنزلت # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله # المنافقون 5 ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات { سوآء ~~عليهم } الاستغفار وعدمه، لأنهم لا يلتفتون إليه ولا يعتدون به ~~لكفرهم. أو لأن الله لا يغفر لهم. وقرىء «استغفرت» على حذف حرف الاستفهام ~~لأن «أم» المعادلة تدل عليه. وقرأ أبو جعفر «آستغفرت»، إشباعا لهمزة ~~الاستفهام للإظهار والبيان، لا قلبا لهمزة الوصل ألفا، كما في آلسحر، ~~وآلله { ينفضوا } يتفرقوا. وقرىء «ينفضوا» من أنفض القوم إذا فنيت ~~أزوادهم. وحقيقته حان لهم أن ينفضوا مزاودهم { ولله خزآئن ~~السموت والأرض } وبيده الأرزاق والقسم، وهو رازقهم منها وإن ~~أبي أهل المدينة أن ينفقوا عليهم، ولكن عبد الله وأضرابه جاهلون { لا ~~يفقهون } ذلك فيهذون بما يزين لهم الشيطان. وقرىء «ليخرجن الأعز ~~منها الأذل» بفتح الياء. وليخرجن، على البناء للمفعول. قرأ الحسن وابن ~~أبي عبلة لنخرجن، بالنون ونسب الأعز والأذل. ومعناه خروج الأذل. أو ~~إخراج الأذل. أو مثل الأذل { ولله العزة } الغلبة والقوة، ~~ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين، وهم الأخصاء بذلك، كما أن ~~المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين. وعن بعض الصالحات ~~- وكانت في هيئة رثة - ألست على الإسلام؟ وهو العز الذي لا ذل معه، ~~والغنى الذي لا فقر معه. وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أن رجلا قال ~~له إن الناس يزعمون أن فيك تيها قال ليس بتيه، ولكنه عزة، وتلا هذه ~~الآية. ### || [63.9] # { لا تلهكم } لا تشغلكم { أمولكم } والتصرف فيها والسعي في ~~تدبير أمرها والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء ~~النتاج والتلذذ بها والاستمتاع بمنافعها ms2088 { ولا أولدكم } ~~وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من ~~معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، ~~وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله { عن ذكر الله } وإيثاره ~~عليها { ومن يفعل ذلك } يريد الشغل بالدنيا عن الدين { ~~فأولئك هم الخسرون } في تجارتهم حيث باعوا العظيم ~~الباقي بالحقير الفاني. وقيل ذكر الله الصلوات الخمس. وعن الحسن جميع ~~الفرائض، كأنه قال عن طاعة الله. وقيل القرآن. وعن الكلبي الجهاد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ### || [63.10-11] # { من } في { ما رزقنكم } للتبعيض، والمراد الإنفاق الواجب { ~~من قبل أن يأتى أحدكم الموت } من قبل أن يرى دلائل ~~الموت، ويعاين ما ييأس معه من الإمهال، ويضيق به الخناق، ويتعذر عليه ~~الإنفاق ويفوت وقت القبول، فيتحسر على المنع، ويعض أنامله على فقد ما ~~كان متمكنا منه. وعن ابن عباس رضي الله عنه تصدقوا قبل أن ينزل عليك ~~سلطان الموت، فلا تقبل متمكنا منه. وعن ابن عباس رضي الله عنه تصدقوا ~~قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت، فلا تقبل توبة، ولا ينفع عمل. وعنه ما ~~يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن ~~يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها. وعنه أنها نزلت في ما نعى ~~الزكاة، ووالله لو رأى خيرا لما سأل الرجعة، فقيل له أما تتقي الله، ~~يسأل المؤمنون الكرة؟ قال نعم، أنا أقرأ عليكم به قرآنا، يعني أنها نزلت ~~في المؤمنين وهم المخاطبون بها، وكذا عن الحسن ما من أحد لم يزك ولم يصم ~~ولم يحج إلا سأل الرجعة. وعن عكرمة أنها نزلت في أهل القبلة { لولا ~~أخرتنى }. وقرىء «أخرتن»، يريد هلا أخرت موتى { إلى أجل ~~قريب } إلى زمان قليل { فأصدق } وقرأ أبي« فأتصدق» على الأصل. ~~وقرى «وأكن»، عطفا على محل { فأصدق } كأنه قيل إن أخرتني أصدق ~~وأكن. ومن قرأ «وأكون» على النصب، فعلى اللفظ. وقرأ عبيد بن عمير ~~«وأكون»، على «وأنا أكون» عدة منه بالصلاح { ولن ms2089 يؤخر الله } ~~نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي الحكمة. والمعنى ~~إنكم إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه. وأنه هاجم لا ~~محالة، وأن الله عليم بأعمالكم فمجاز عليها، من منع واجب وغيره لم تبق ~~إلا المسارعة إلى الخروج عن عهدة الواجبات والاستعداد للقاء الله. وقرىء ~~«تعملون» بالتاء والياء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1187 # " من قرأ سورة المنافقين بريء من النفاق ". ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-4] # قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل، ~~وذلك لأن الملك على الحقيقة له، لأنه مبديء كل شيء ومبدعه، والقائم به، ~~والمهيمن عليه وكذلك الحمد، لأن أصول النعم وفروعها منه. وأما ملك غيره ~~فتسليط منه واسترعاء، وحمده اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده { هو ~~الذى خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } يعني فمنكم ~~آت بالكفر وفاعل له ومنكم آت بالإيمان وفاعل له، كقوله تعالى # وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم ~~مهتد وكثير منهم فاسقون # الحديد26 والدليل عليه قوله تعالى { والله بما تعملون ~~بصير } أي عالم بكفركم وإيمانكم اللذين هما من عملكم. والمعنى هو الذي ~~تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الخلق والإيجاد عن العدم، فكان يجب أن ~~تنظروا النظر الصحيح، وتكونوا بأجمعكم عبادا شاكرين، فما فعلتم مع ~~تمكنكم، بل تشعبتم شعبا، وتفرقتم أمما فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وقدم ~~الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. وقيل هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به. فإن قلت نعم، إن العباد هم الفاعلون ~~للكفر، ولكن قد سبق في علم الحكيم أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ولم ~~يختاروا غيره، فما دعاه إلى خلقهم مع علمه بما يكون منهم؟ وهل خلق القبيح ~~وخلق فاعل القبيح إلا واحد؟ وهل مثله إلا مثل من وهب سيفا باترا لمن شهر ~~بقطع السبيل وقتل النفس المحرمة فقتل به مؤمنا؟ أما يطبق العقلاء على ذم ~~الواهب وتعنيفه والدق في فروته كما يذمون القاتل؟ بل إنحاؤهم باللوائم ~~على ms2090 الواهب أشد؟ قلت قد علمنا أن الله حكيم عالم بقبح القبيح عالم بغناه ~~عنه، فقد علمنا أن أفعاله كلها حسنة، وخلق فاعل القبيح فعله، فوجب أن ~~يكون حسنا، وأن يكون له وجه حسن وخفاء وجه الحسن علينا لا يقدح في حسنه، ~~كما لا يقدح في حسن أكثر مخلوقاته جهلنا بداعي الحكمة إلى خلقها { ~~بالحق } بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو أن جعلها مقار ~~المكلفين ليعملوا فيجازيهم { وصوركم فأحسن صوركم } ~~وقرىء «صوركم» بالكسر، لتشكروا. وإليه مصيركم فجزاؤكم على الشكر والتفريط ~~فيه. فإن قلت كيف أحسن صوركم؟ قلت جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه، بدليل ~~أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور. ومن ~~حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب، كما قال عز وجل # فى أحسن تقويم # التين 4. فإن قلت فكم من دميم مشوه الصورة سمج الخلقة تقتحمه العيون؟ ~~قلت لا سماجة ثم ولكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب، فلانحطاط ~~بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا وإضافتها إلى الموفى عليها ~~لا تستملح، وإلا فهي داخلة في حيز الحسن غير خارجة عن حده. # ألا ترى أنك قد تعجب بصورة وتستملحها ولا ترى الدنيا بها، ثم ترى أملح ~~وأعلى في مراتب الحسن منها فينبو عن الأولى طرفك، وتستثقل النظر إليها ~~بعد افتتانك بها وتهالكك عليها. وقالت الحكماء شيئان لا غاية لهما ~~الجمال، والبيان. نبه بعلمه ما في السموات والأرض، ثم بعلمه ما يسره ~~العباد ويعلنونه، ثم بعلمه ذوات الصدور أن شيئا من الكليات والجزئيات ~~غير خاف عليه ولا عازب عنه، فحقه أن يتقي ويحذر ولا يجترأ على شيء مما ~~يخالف رضاه. وتكوير العلم في معنى تكرير الوعيد، وكل ما ذكره بعد قوله ~~تعالى # فمنكم كافر ومنكم مؤمن # التغابن 2 كما ترى في معنى الوعيد على الكفر، وإنكار أن يعصى الخالق ~~ولا تشكر نعمته فما أجهل من يمزج الكفر بالخلق ويجعله من جملته، والخلق ~~أعظم نعمة من الله على عباده، والكفر أعظم كفران من العباد لربهم. ms2091 ### || [64.5-6] # { ألم يأتكم } الخطاب لكفار مكة. { ذلك } إشارة إلى ما ذكر ~~من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة { ~~بأنه } بأن الشأن والحديث { كانت تأتيهم رسلهم.... ~~أبشر يهدوننا } أنكروا أن تكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون ~~الله حجرا { واستغنى الله } أطلق ليتناول كل شيء، ومن جملته ~~إيمانهم وطاعتهم. فإن قلت قوله { وتولوا واستغنى الله } ~~يوهم وجود التولي والاستغناء معا، والله تعالى لم يزل غنيا. قلت معناه ~~وظهر استغناء الله حيث لم يلجئهم إلى الإيمان ولم يضطرهم إليه مع قدرته ~~على ذلك. ### || [64.7-8] # الزعم ادعاء العلم ومنه قوله عليهالصلاة والسلام 1188 # " زعموا مطية الكذب " # وعن شريح لكل شيء كنية وكنية الكذب «زعموا» ويتعدى إلى المفعولين تعدي ~~العلم. قال # ... ولم أزعمك عن ذاك معزلا # وأن مع ما في حيزه قائم مقامهما. والذين كفروا. أهل مكة. و { بلى } ~~إثبات لما بعد لن، وهو البعث { وذلك على الله يسير } أي لا ~~يصرفه عنه صارف. وعنى برسوله والنور محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [64.9-10] # وقرىء «نجمعكم» ونكفر. وندخله، بالياء والنون. فإن قلت بم انتصب الظرف؟ ~~قلت بقوله لتنبؤن، أو بخبير، لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قيل والله ~~معاقبكم يوم يجمعكم أو بإضمار «اذكر» { ليوم الجمع } ليوم يجمع ~~فيه الأولون والآخرون. التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة وهو أن ~~يغبن بعضهم بعضا، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو ~~كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا ~~أشقياء. وفيه تهكم بالأشقياء لأن نزولهم ليس بغبن. وفي حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1189 # " ما من عبد يدخل الجنة إلا أرى مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا. ~~وما من عبد يدخل النار إلا أرى مقعده من الجنة لو أحسن، ليزداد حسرة " # ومعنى { ذلك يوم التغابن } - وقد يتغابن الناس في غير ذلك ~~اليوم - استعظام له وأن تغابنه هو التغابن في الحقيقة، لا التغابن في ~~أمور الدنيا وإن جلت وعظمت { صلحا } صفة للمصدر، أي ms2092 عملا صالحا. ### || [64.11] # { إلا بإذن الله } إلا بتقديره ومشيئته، كأنه أذن للمصيبة أن ~~تصيبه { يهد قلبه } يلطف به ويشرحه للإزدياد من الطاعة والخير. ~~وقيل هو الاسترجاع عند المصيبة. وعن الضحاك يهد قلبه حتى يعلم أن ما ~~أصابه لم يكن ليخطئه. وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وعن مجاهد إن ابتلى صبر، ~~وإن أعطى شكر، وإن ظلم غفر. وقرىء «يهد قلبه»، على البناء للمفعول، ~~والقلب مرفوع أو منصوب. ووجه النصب أن يكون مثل سفه نفسه، أي يهد في ~~قلبه. ويجوز أن يكون المعنى أن الكافر ضال عن قلبه بعيد منه، والمؤمن ~~واجد له مهتد إليه، كقوله تعالى # لمن كان له قلب # ق 37 وقرىء «نهد قلبه»، بالنون. ويهد قلبه، بمعنى يهتد. ويهدأ قلبه ~~يطمئن. ويهد. ويهدا على التخفيف { والله بكل شيء عليم } ~~يعلم ما يؤثر فيه اللطف من القلوب مما لا يؤثر فيه فيمنحه ويمنعه. ### || [64.12-13] # { فإن توليتم } فلا عليه إذا توليتم، لأنه لم يكتب عليه طاعتكم، ~~إنما كتب عليه أن يبلغ ويبين فحسب { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } بعث لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم على ~~التوكل عليه والتقوى به في أمره، حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه. ### || [64.14-15] # إن من الأزواج أزواجا يعادين بعولتهن ويخاصمنهم ويجلبن عليهم، ومن ~~الأولاد أولادا يعادون آبائهم ويعقونهم ويجرعونهم الغصص والأذى { ~~فاحذروهم } الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعا، أي لما ~~علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدو، فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا ~~غوائلهم وشرهم { وإن تعفوا } عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم ~~تقابلوهم بمثلها، فإن الله يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم. وقيل إن ناسا ~~أرادوا الهجرة عن مكة، فثبطهم أزواجهم وأولادهم وقالوا تنطلقون وتضيعوننا ~~فرقوا لهم ووقفوا، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سبقوهم قد فقهوا في ~~الدين أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم وأولادهم، فزين لهم العفو. وقيل قالوا ~~لهم أين تذهبون وتدعون بلدكم وعشيرتكم وأموالكم، فغضبوا عليهم وقالوا لئن ~~جمعنا الله في دار الهجرة لم نصبكم بخير، فلما هاجروا منعوهم الخير، ms2093 ~~فحثوا أن يعفوا عنهم ويردوا إليهم البر والصلة. وقيل كان عوف بن مالك ~~الأشجعي ذا أهل وولد، فإذا أراد أن يغزو أو تعلقوا به وبكوا إليه ورققوه، ~~فكأنه هم بأذاهم، فنزلت. { فتنة } بلاء ومحنة، لأنهم يوقعون في ~~الإثم والعقوبة، ولا بلاء أعظم منهما ألا ترى إلى قوله { والله ~~عنده أجر عظيم } وفي الحديث 1190 # " يؤتى برجل يوم القيامة فيقال أكل عياله حسناته " # وعن بعض السلف العيال سوس الطاعات. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1191 # " أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران ~~ويقومان، فنزل إليهما فأخذهما ووضعهما في حجره على المنبر فقال «صدق الله ~~{ إنما أمولكم وأولدكم فتنة } رأيت هذين الصبيين ~~فلم أصبر عنهما " # ثم أخذ في خطبته. وقيل إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتنكم الميل إلى ~~الأموال والأولاد عنهما. ### || [64.16] # { ما استطعتم } جهدكم ووسعكم، أي ابذلوا فيها استطاعتكم { ~~واسمعوا } ما توعظون به { وأطيعوا } فيما تأمرون به وتنهون عنه ~~{ وأنفقوا } في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها { خيرا ~~لانفسكم } نصب بمحذوف، تقديره ائتوا خيرا لأنفسكم، وافعلوا ما هو ~~خير لها وأنفع وهذا تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر، وبيان لأن هذه ~~الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب ~~الشهوات وزخارف الدنيا. ### || [64.17-18] # وذكر القرض تلطف في الاستدعاء { يضعفه لكم } يكتب لكم ~~بالواحدة عشرا، أو سبعمائة إلى ما شاء من الزيادة. وقرىء «يضعفه» { ~~شكور } مجاز، أي يفعل بكم ما يفعل المبالغ في الشكر من عظيم الثواب، ~~وكذلك { حليم } يفعل بكم ما يفعل من يحلم عن المسيء، فلا يعاجلكم ~~بالعقاب مع كثرة ذنوبكم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1192 # " من قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة ". ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-3] # خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب لأن النبي إمام أمته ~~وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهارا ~~لتقدمه واعتبارا لترؤسه، وأنه مدره قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن ~~رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان ms2094 هو وحده في حكم كلهم، وسادا مسد ~~جميعهم. ومعنى { إذا طلقتم النسآء } إذا أردتم تطليقهن وهممتم ~~به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه كقوله عليه ~~السلام 1193 # " من قتل قتيلا فله سلبه " # ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي { ~~فطلقوهن لعدتهن } فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، كقولك أتيته ~~لليلة بقيت من المحرم، أي مستقبلا لها. وفي قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في قبل عدتهن، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء ~~الأول من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة لعدتها. والمراد أن يطلقن في طهر لم ~~يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضى عدتهن. وهذا أحسن الطلاق وأدخله في ~~السنة وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة ~~إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة، وكان أحسن عندهم من ~~أن يطلق الرجل ثلاثا في ثلاثة أطهار. وقال مالك بن أنس رضي الله عنه لا ~~أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة. ~~وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحد في طهر واحد، فأما ~~مفرقا في الأطهار فلا لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض 1194 # " ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالا، وتطلقها ~~لكل قرء تطليقة " # وروى أنه قال لعمر 1195 # " مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء ~~فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ". # وعند الشافعي رضي الله عنه لا بأس بإرسال الثلاث، وقال لا أعرف في عدد ~~الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح. فما لك تراعي في طلاق السنة الواحدة ~~والوقت وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت والشافعي يراعي الوقت وحده. فإن ~~قلت هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟ قلت نعم، وهو آثم لما روي عن النبي ms2095 صلى ~~الله عليه وسلم 1196 أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يديه، فقال لا # " أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم " # وفي حديث ابن عمر أنه قال 1197 يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا، ~~فقال له # " إذن عصيت وبانت منك امرأتك " # وعن عمر رضي الله عنه 1198 أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا ~~أوجعه ضربا. وأجاز ذلك عليه. وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن ~~من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع، وشبهوه بمن وكل ~~غيره بطلاق السنة فخالف. فإن قلت كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو ~~كبر أو حمل وغير المدخول بها؟ قلت الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفما محمد وزفر في ~~الحامل فقالا لا تطلق للسنة إلا واحدة. وأما غير المدخول بها فلا تطلق ~~للسنة إلا واحدة، ولا يراعي الوقت. فإن قلت هل يكره أن تطلق المدخول بها ~~واحدة بائنة؟ قلت اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا. والظاهر الكراهة. فإن ~~قلت قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ~~ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صح تخصيصه بذوات الأقراء ~~المدخول بهن؟ قلت لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من ~~الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء ~~هذاوذاك، فلما قيل { فطلقوهن لعدتهن } علم أنه أطلق على ~~بعضهن وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض { وأحصوا العدة } ~~واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، { ~~لا تخرجوهن } حتى تنقضي عدتهن { من بيوتهن } من مساكنهن ~~التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن ~~من حيث السكنى. فإن قلت ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن؟ قلت معنى ~~الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضبا عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة ~~لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذانا ~~بأن إذنهم لا ms2096 أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك { ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قرىء بفتح للياء ~~وكسرها. قيل هي الزنا، يعني إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل ~~إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهن في السكنى. وقيل إلا أن ~~يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وتؤكده قراءة أبي «إلا أن يفحش عليكم» وقيل ~~خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه. الأمر الذي يحدثه الله أن يقلب ~~قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها. ومن عزيمة ~~الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها. والمعنى فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة، ~~لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون { فإذا بلغن أجلهن } وهو آخر ~~العدة وشارفته، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف ~~والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها ~~في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلا للعدة عليها وتعذيبا لها { ~~وأشهدوا } يعني عند الرجعة والفرقة جميعا. # وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله # وأشهدوا إذا تبايعتم # البقرة 282 وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة. وقيل ~~فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا ~~يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث { منكم } قال الحسن من ~~المسلمين. وعن قتادة من أحراركم { لله } لوجهه خالصا، وذلك أن ~~تقيموها لا للشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة ~~الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى # كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم # النساء 135 أي { ذلكم } الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل ~~القيام بالقسط، { يوعظ به... ومن يتق الله } يجوز أن تكون ~~جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه ~~الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار ~~المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد { يجعل } الله { له ~~مخرجا } مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه ~~وينفس ويعطه الخلاص { ويرزقه } من وجه لا يخطره بباله ولا ms2097 يحتسبه ~~إن أوفى المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم 1199 # " أنه سئل عمن طلق ثلاثا أو ألفا، هل له من مخرج؟ فتلاها " # وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا، بانت ~~منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك. ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد ~~عند ذكر قوله { ذلكم يوعظ به } يعني ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ومخلصا من غموم الدنيا والآخرة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~1200 أنه قرأها فقال # " مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة " # وقال عليه السلام 1201 # " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم { ومن يتق الله } فما ~~زال يقرؤها ويعيدها " # وروى 1202 أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما. ~~فأتى رسول الله فقال أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال ما أمسى عند آل محمد ~~إلا مد فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل ~~فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو ~~فاستاقها، فنزلت هذه الآية { بلغ أمره } أي يبلغ ما يريد لا ~~يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب. وقرىء «بالغ أمره» بالإضافة «وبالغ أمره» ~~بالرفع، أي نافذ أمره وقرأ المفضل «بالغا أمره»، على أن قوله { قد ~~جعل الله } خبر إن، وبالغا حال { قدرا } تقديرا وتوقيتا. ~~وهذا بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه لأنه إذا علم أن كل ~~شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم ~~للقدر والتوكل. ### || [65.4-5] # روي أن ناسا قالوا قد عرفنا عدة ذوات الأقراء، فما عدة اللائي لا يحضن ~~فنزلت فمعنى { إن ارتبتم } إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن ~~فهذا حكمهن، وقيل إن ارتبتم في ذم البالغات مبلغ اليأس وقد قدروه بستين ~~سنة وبخمس وخمسين، أهو دم حيض أو استحاضة؟ { فعدتهن ثلثة ~~أشهر } وإذا كانت هذه عدة المرتاب ms2098 بها، فغير المرتاب بها أولى بذلك { ~~والئى لم يحضن } هن الصغائر. والمعنى فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف ~~لدلالة المذكور عليه. اللفظ مطلق في أولات الأحمال، فاشتمل على المطلقات ~~والمتوفى عنهن. وكان ابن مسعود وأبي وأبو هريرة وغيرهم لا يفرقون. وعن ~~علي وابن عباس عدة الحامل المتوفى عنها أبعد الأجلين. وعن عبد الله من ~~شاء لاعنته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة، يعني أن ~~هذا اللفظ مطلق في الحوامل. وروت أم سلمة 1203 أن سبيعة الأسلمية ولدت ~~بعد وفاة زوجها بليال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها # " قد حللت فانكحي " # { يجعل له من أمره يسرا } ييسر له من أمره ويحلل له من ~~عقده بسبب التقوى { ذلك أمر الله } يريد ما علم من حكم هؤلاء ~~المعتدات. والمعنى ومن يتق الله في العمل بما أنزل الله من هذه الأحكام ~~وحافظ على الحقوق الواجبة عليه مما ذكر من الإسكان وترك الضرار والنفقة ~~على الحوامل وإيتاء أجر المرضعات وغير ذلك استوجب تكفير السيئات والأجر ~~العظيم. ### || [65.6-7] # { أسكنوهن } وما بعده بيان لما شرط من التقوى في قوله { ومن ~~يتق الله } كأنه قيل كيف نعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟ فقيل ~~اسكنوهن. فإن قلت من في { من حيث سكنتم } ما هي؟ قلت هي من ~~التبعيضية مبعضها محذوف معناه أسكنوهن مكانا من حيث سكنتم، أي بعض مكان ~~سكناكم، كقوله تعالى # يغضوا من أبصرهم # النور 30 أي بعض أبصارهم. قال قتادة إن لم يكن إلا بيت واحد، فأسكنها في ~~بعض جوانبه. فإن قلت فقوله «من وجدكم»؟ قلت هو عطف بيان لقوله { من ~~حيث سكنتم } وتفسير له، كأنه قيل أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما ~~تطيقونه. والوجد الوسع والطاقة. وقرىء بالحركات الثلاث. والسكنى والنفقة ~~واجبتان لكل مطلقة. وعند مالك والشافعي ليس للمبتوتة إلا السكنى ولا نفقة ~~لها. وعن الحسن وحماد لا نفقة لها ولا سكنى لحديث فاطمة بنت قيس 1204 أن ~~زوجها أبت طلاقها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا سكنى لك ولا ms2099 نفقة ". # وعن عمر رضي الله عنه 1205 لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة ~~لعلها نسيت أو شبه لها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم # " لها السكنى والنفقة " # { ولا تضاروهن } ولا تستعملوا معهن الضرار { لتضيقوا ~~عليهن } في المسكن ببعض الأسباب من إنزال من لا يوافقهن، أو يشغل ~~مكانهن، أو غير ذلك، حتى تضطروهن إلى الخروج. وقيل هو أن يراجعها إذا بقي ~~من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها. وقيل هو أن يلجئها إلى أن تفتدي منه. ~~فإن قلت فإذا كانت كل مطلقة عندكم تجب لها النفقة، فما فائدة الشرط في ~~قوله { وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن } قلت ~~فائدته أن مدة الحمل ربما طالت فظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة ~~الحائل، فنفى ذلك الوهم. فإن قلت فما تقول في الحامل المتوفى عنها؟ قلت ~~مختلف فيها فأكثرهم على أنه لا نفقة لها، لوقوع الإجماع على أن من أجبر ~~الرجل على النفقة عليه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله ~~بعد موته، فكذلك الحامل. وعن علي وعبد الله وجماعة أنهم أوجبوا نفقتها { ~~فإن أرضعن لكم } يعني هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا من ~~غيرهن أو منهن بعد انقطاع عصمة الزوجية { فئاتوهن أجورهن } ~~حكمهن في ذلك حكم الأظار، ولا يجوز عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم ~~الاستئجار إذا كان الولد منهم ما لم يبن. ويجوز عند الشافعي. الائتمار ~~بمعنى التآمر، كالاشتوار بمعنى التشاور. يقال ائتمر القوم وتآمروا، إذا ~~أمر بعضهم بعضا. # والمعنى وليأمر بعضكم بعضا، والخطاب للآباء والأمهات { بمعروف } ~~بجميل وهو المسامحة، وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معا، ~~وهما شريكان فيه وفي وجوب الإشفاق عليه { وإن تعاسرتم ~~فسترضع له أخرى } فستوجد ولا تعوز مرضعة غير الأم ترضعه وفيه ~~طرف من معاتبة الأم على المعاسرة، كما تقول لمن تستقضيه حاجة فيتوانى ~~سيقضيها غيرك، تريد لن تبقى غير مقضية وأنت ملوم، وقوله { له } أي ~~للأب، أي سيجد الأب غير معاسرة ترضع له ms2100 ولده إن عاسرته أمه { لينفق } ~~كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه يريد ما أمر به من الإنفاق على ~~المطلقات والمرضعات، كما قال # ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره # البقرة 236 وقرىء «لينفق» بالنصب، أي شرعنا ذلك لينفق. وقرأ ابن أبي ~~عبلة «قدر» { سيجعل الله } موعد لفقراء ذلك الوقت بفتح أبواب ~~الرزق عليهم، أو لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا. ### || [65.8-11] # { عتت عن أمر ربها } أعرضت عنه على وجه العتو والعناد { ~~حسابا شديدا } بالاستقصاء والمناقشة { عذابا نكرا } وقرىء ~~«نكرا» منكرا عظيما، والمراد حساب الآخرة وعذابها وما يذوقون فيها من ~~الوبال ويلقون من الخسر، وجيء به على لفظ الماضي، كقوله تعالى # ونادى أصحب الجنة # الأعراف44، # ونادى أصحب النار # الأعراف 50 ونحو ذلك لأن المنتظر من وعد الله ووعيده ملقى في الحقيقة، ~~وما هو كائن فكأن قد كان. وقوله { أعد الله لهم عذابا ~~شديدا } تكرير للوعيد وبيان لكونه مترقبا، كأنه قال أعد الله لهم هذا ~~العذاب فليكن لكم ذلك { يأولي الألبب } من المؤمنين لطفا في ~~تقوى الله وحذر عقابه. ويجوز أن يراد إحصاء السيئات، واستقصاؤها عليهم في ~~الدنيا، وإثباتها في صحائف الحفظة، وما أصيبوا به من العذاب في العاجل ~~وأن يكون { عتت } وما عطف عليه صفة للقرية. وأعد الله لهم جوابا ~~لكأين { رسولا } هو جبريل صلوات الله عليه أبدل من ذكرا، لأنه وصف ~~بتلاوة آيات الله، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه. أو ~~أريد بالذكر الشرف، من قوله # وإنه لذكر لك ولقومك # الزخرف 44 فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه، وإما ~~لأنه ذو مجد وشرف عند الله، كقوله تعالى # عند ذى العرش مكين # التكوير 20 أو جعل لكثرة ذكره لله وعبادته كأنه ذكر. أو أريد ذا ذكر، أي ~~ملكا مذكورا في السموات وفي الأمم كلها. أو دل قوله # أنزل الله إليكم ذكرا # الطلاق 10 على أرسل فكأنه قيل أرسل رسولا أو أعمل ذكرا في رسولا إعمال ~~المصدر في المفاعيل، ms2101 أي أنزل الله أن ذكر رسولا أو ذكره رسولا. وقرىء ~~«رسول»، على هو رسول. أنزله { ليخرج الذين ءامنوا } بعد ~~إنزاله، أي ليحصل لهم ما هم عليه الساعة من الإيمان والعمل الصالح لأنهم ~~كانوا وقت إنزاله غير مؤمنين، وإنما آمنوا بعد الإنزال والتبليغ. أو ~~ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون. قرىء «يدخله»، بالياء والنون { قد ~~أحسن الله له رزقا } فيه معنى التعجب والتعظيم، لما رزق ~~المؤمن من الثواب. ### || [65.12] # { الله الذى خلق } مبتدأ وخبر. وقرىء «مثلهن» بالنصب، عطفا ~~على سبع سموات وبالرفع على الابتداء، وخبره من الأرض. قيل ما في القرآن ~~آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه. وقيل بين كل سماءين مسيرة خمسمائة ~~عام، وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل السموات { يتنزل الأمر ~~بينهن } أي يجري أمر الله وحكمه بينهن، وملكه ينفذ فيهن. وعن قتادة ~~في كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه. وقيل هو ~~ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره. وقرىء «ينزل الأمر»، وعن ابن عباس أن ~~نافع بن الأزرق سأله هل تحت الأرضين خلق؟ قال نعم. قال فما الخلق؟ قال ~~إما ملائكة أو جن «لتعلموا» قرىء بالتاء والياء. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم 1206 # " من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-2] # روي 1207 # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك ~~حفصة، فقال لها اكتمي علي، وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر ~~وعمر يملكان بعدي أمر أمتي، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين. وقيل خلا ~~بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه ~~ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية " # وروى 1208 أن عمر قال لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل ~~عليه السلام وقال راجعها فإنها صوامة قوامة، وإنها لمن نسائك في الجنة. ~~وروي 1209 # " أنه شرب عسلا في بيت ms2102 زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له ~~إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره ~~التفل، فحرم العسل " # ، فمعناه { لم تحرم ما أحل الله لك } من ملك اليمين أو ~~العسل. و { تبتغى } إما تفسير لتحرم. أو حال أو استئناف، وكان هذا ~~زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لأن الله عز وجل إنما أحل ~~ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرم كان ذلك قلب المصلحة ~~مفسدة { والله غفور } قد غفر لك ما زللت فيه { رحيم } قد رحمك ~~فلم يؤاخذك به { قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم } ~~فيه معنيان، أحدهما قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك حلل ~~فلان في يمينه، إذا استثنى فيها. ومنه حلا أبيت اللعن، بمعنى استثن في ~~يمينك إذا أطلقها وذلك أن يقول «إن شاء الله» عقيبها، حتى لا يحنث. ~~والثاني قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ~~1210 # " لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم " # وقول ذي الرمة # قليلا كتحليل الألي # فإن قلت ما حكم تحريم الحلال؟ قلت قد اختلف فيه، فأبو حنيفة يراه يمينا ~~في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاما فقد ~~حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن ~~له نية وإن نوى الظهار فظهار وإن نوى الطلاق فطلاق بائن «وكذلك إن نوى ~~ثنتين وإن نوى ثلاثا فكما نوى، وإن قال نويت الكذب دين فيما بينه وبين ~~الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء. وإن قال كل حلال علي ~~حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه ~~الشافعي يمينا. ولكن سببا في الكفارة في النساء وحده وحدهن، وإن نوى ~~الطلاق فهو رجعي عنده. # وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم أن الحرام ~~يمين وعن عمر إذا نوى الطلاق فرجعي. وعن علي رضي ms2103 الله عنه ثلاث. وعن زيد ~~واحدة بائنة. وعن عثمان ظهار. وكان مسروق لا يراه شيئا ويقول ما أبالي ~~أحرمتها أم قصعة من ثريد،وكذلك عن الشعبي قال ليس بشيء، محتجا بقوله ~~تعالى # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلل وهذا حرام # النحل 116 وقوله تعالى # لا تحرموا طيبت ما أحل الله لكم # المائدة 87 وما لم يحرمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرمه ولا أن يصير ~~بتحريمه حراما، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما ~~أحله الله هو حرام علي، وإن امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله ~~عليه الصلاة و السلام والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له { لم ~~تحرم ما أحل الله لك } أي لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني ~~أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك. ونحوه قوله تعالى # وحرمنا عليه المراضع # القصص12 أي منعناه منها. وظاهر قوله تعالى { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمنكم } أنه كانت منه يمين. فإن قلت هل كفر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لذلك؟ قلت عن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفورا ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين. وعن مقاتل أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية { والله ~~مولكم } سيدكم ومتولي أموركم { وهو العليم } بما يصلحكم ~~فيشرعه لكم { الحكيم } فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة. ~~وقيل مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم ~~لأنفسكم. ### || [66.3] # { بعض أزوجه } حفصة. والحديث الذي أسر إليها حديث مارية وإمامة ~~الشيخين { نبأت به } أفشته إلى عائشة. وقرىء «أنبأت» به { ~~وأظهره } وأطلع النبي عليه السلام { عليه } على الحديث، أي على ~~إفشائه على لسان جبريل. وقيل أظهر الله الحديث على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الظهور { عرف بعضه } أعلم ببعض الحديث تكرما. قال سفيان ~~ما زال التغافل من فعل الكرام. وقرىء «عرف بعضه»، أي جاز عليه، من قولك ~~للمسيء لأعرفن لك ذلك، وقد ms2104 عرفت ما صنعت. ومنه أولئك الذين يعلم الله ما ~~في قلوبهم، وهو كثير في القرآن وكان جزاؤه تطليقه إياها. وقيل المعرف ~~حديث الإمامة، والمعرض عنه حديث مارية وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال ~~لها ألم أقل لك اكتمي علي، قالت والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا ~~بالكرامة التي خص الله بها أباها. فإن قلت هلا قيل فلما نبأت به بعضهن ~~وعرفها بعضه؟ قلت ليس الغرض بيان من المذاع إليه ومن المعرف، وإنما هو ~~ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به وإفشائه من قبلها، وأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بكرمه وحلمه، لم يوجد منه إلا الإعلام ببعضه، وهو حديث ~~الإمامة. ألا ترى أنه لما كان المقصود في قوله { فلما نبأها ~~به قالت من أنبأك هذا } ذكر المنبأ. كيف أتى بضميره. ### || [66.4] # { إن تتوبا } خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات، ليكون أبلغ في ~~معاتبتهما. وعن ابن عباس 1211 لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما حتى ~~حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالإداوة، فسكبت الماء ~~على يده فتوضأ، فقلت من هما؟ فقال عجبا يا ابن عباس كأنه كره ما ~~سألته عنه ثم قال هما حفصة وعائشة { فقد صغت قلوبكما } ~~فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وقرأ ابن مسعود ~~«فقد زاغت» { وإن تظاهرا } وإن تعاونا { عليه } بما يسوءه من ~~الإفراط في الغيرة وإفشاء سره، فلن يعدم هو من يظاهره، وكيف يعدم المظاهر ~~من الله مولاه أي وليه وناصره وزيادة { هو } إيذان بأن نصرته عزيمة من ~~عزائمه، وأنه يتولى ذلك بذاته { وجبريل } رأس الكروبيين وقرن ذكره ~~بذكره مفردا له من بين الملائكة تعظيما له وإظهارا لمكانته عنده { ~~وصلح المؤمنين } ومن صلح من المؤمنين، يعني كل من آمن وعمل ~~صالحا. وعن سعيد بن جبير من برىء منهم من النفاق. وقيل الأنبياء وقيل ~~الصحابة. وقيل الخلفاء منهم. ms2105 فإن قلت صالح المؤمنين واحد أم جمع؟ قلت هو ~~واحد أريد به الجمع، كقولك لا يفعل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، ~~كقولك لا يفعله من صلح منهم. ومثله قولك كنت في السامر والحاضر. ويجوز أن ~~يكون أصله صالحوا المؤمنين بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ لأن لفظ ~~الواحد والجمع واحد فيه، كما جاءت أشياء في المصحف متبوع فيها حكم اللفظ ~~دون وضع الخط { والملئكة } على تكاثر عددهم، وامتلاء السموات من ~~جموعهم { بعد ذلك } بعد نصرة الله وناموسه وصالحي المؤمنين { ~~ظهير } فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه، فما يبلغ تظاهر ~~امرأتين علي من هؤلاء ظهراؤه؟ فإن قلت قوله { بعد ذلك } تعظيم ~~للملائكة ومظاهرتهم. وقد تقدمت نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين، ونصرة ~~الله تعالى أعظم وأعظم. قلت مظاهرة الملائكة من جملة نصرة الله، فكأنه ~~فضل نصرته تعالى بهم وبمظاهرتهم على غيرها من وجوه نصرته تعالى، لفضلهم ~~على جميع خلقه. وقرىء «تظاهرا» وتتظاهرا. وتظهرا. ### || [66.5] # قرىء «يبدله»، بالتخفيف والتشديد للكثرة { مسلمت مؤمنت } ~~مقرات مخلصات { سئحت } صائمات. وقرىء «سيحات»، وهي أبلغ. وقيل ~~للصائم سائح لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما ~~يطعمه، فشبه به الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره. وقيل سائحات ~~مهاجرات، وعن زيد بن أسلم لم تكن في هذه الأمة سياحة إلى الهجرة. فإن ~~قلت كيف تكون المبدلات خيرا منهن، ولم تكن على وجه الأرض نساء خير من ~~أمهات المؤمنين؟ قلت إذا طلقهن رسول الله لعصيانهن له وإيذائهن إياه، لم ~~يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم والنزول على هواه ورضاه خيرا منهن، وقد ~~عرض بذلك في قوله { قنتت } لأن القنوت هو القيام بطاعة الله، ~~وطاعة الله في طاعة رسوله. فإن قلت لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط ~~بين الثيبات والأبكار؟ قلت لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما ~~اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بد من الواو. ### || [66.6-7] # { قوا ms2106 أنفسكم } بترك المعاصي وفعل الطاعات { وأهليكم } بأن ~~تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم. وفي الحديث 1212 # " رحم الله رجلا قال يا أهلاه صلاتكم صيامكم زكاتكم مسكينكم يتيمكم ~~جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " # وقيل إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهله. وقرىء «وأهلوكم»، ~~عطفا على واو { قوا } وحسن العطف للفاصل. فإن قلت أليس التقدير قوا ~~أنفسكم، وليق أهلوكم أنفسهم؟ قلت لا، ولكن المعطوف مقارن في التقدير ~~للواو، وأنفسكم واقع بعده، فكأنه قيل قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم لما جمعت ~~مع المخاطب الغائب غلبته عليه، فجعلت ضميرهما معا على لفظ المخاطب { ~~نارا وقودها الناس والحجارة } نوعا من النار لا يتقد إلا ~~بالناس والحجارة، كما يتقد غيرها من النيران بالحطب. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما هي حجارة الكبريت، وهي أشد الأشياء حرا إذا أوقد عليها. ~~وقرىء «وقودها» بالضم، أي ذو وقودها { عليها } يلي أمرها وتعذيب أهلها { ~~ملئكة } يعني الزبانية التسعة عشر وأعوانهم { غلاظ شداد } ~~في أجرامهم غلظة وشدة، أي جفاء وقوة. أو في أفعالهم جفاء وخشونة، لا ~~تأخذهم رأفة في تنفيذ أوامر الله والغضب له والانتقام من أعدائه { ما ~~أمرهم } في محل النصب على البدل، أي لا يعصون ما أمر الله. أي أمره، ~~كقوله تعالى # أفعصيت أمرى # طه 93 أو لا يعصونه فيما أمرهم. فإن قلت أليست الجملتان في معنى واحد؟ ~~قلت لا، فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ~~ولا ينكرونها، ومعنى الثانية أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثافلون عنه ~~ولا يتوانون فيه. فإن قلت قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا ~~بعينه في قوله تعالى # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار ~~التى وقودها الناس والحجارة # البقرة 24 وقال # أعدت للكفرين # البقرة 24 فجعلها معدة للكافرين، فما معنى مخاطبته به بالمؤمنين؟ قلت ~~الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار ~~واحدة فقيل للذين آمنوا قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين ~~أعدت لهم هذه النار الموصوفة. ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من ms2107 الارتداد، ~~والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم ~~المنافقون ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره { يأيها الذين ~~كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون 7 } أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا ~~عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار. ### || [66.8] # { توبة نصوحا } وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازى والنصح ~~صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، فيأتوا بها على طريقها ~~متداركة للفرطات ماحية للسيئات، وذلك أن يتوبوا عن القبائح لقبحها، ~~نادمين عليها، مغتمين أشد الاغتمام لارتكابها، عازمين على أنهم لا ~~يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم ~~على ذلك. وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه سمع أعرابيا يقول اللهم إني ~~استغفرك وأتوب إليك، فقال يا هذا، إن سرعة اللسان بالتوبة توبة ~~الكذابين. قال وما التوبة؟ قال يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب ~~الندامة، وللفرائض الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على ~~أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله، كما ربيتها في المعصية، وأن ~~تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي. وعن حذيفة بحسب الرجل من ~~الشر أن يتوب عن الذنب ثم يعود فيه. وعن شهر بن حوشب أن لا يعود ولو حز ~~بالسيف وأحرق بالنار. وعن ابن السماك أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه ~~الحياء من الله أمام عينك وتستعد لمنتظرك. وقيل توبة لا يتاب منها. وعن ~~السدي لا تصح التوبة إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحت توبته أحب ~~أن يكون الناس مثله. وقيل نصوحا من نصاحة الثوب، أي توبة ترفو خروقك في ~~دينك، وترم خلك. وقيل خالصة، من قولهم عسل ناصح إذا خلص من الشمع. ~~ويجوز أن يراد توبة تنصح الناس، أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في ~~صاحبها، واستعماله الجد والعزيمة في العمل على مقتضياتها. وقرأ زيد بن ~~علي «توبا نصوحا» وقرىء «نصوحا» بالضم، وهو مصدر نصح. والنصح والنصوح، ~~كالشكر والشكور، والكفر والكفور أي ذات ms2108 نصوح. أو تنصح نصوحا. أو توبوا ~~لنصح أنفسكم على أنه مفعول له { عسى ربكم } إطماع من الله ~~لعباده، وفيه وجهان، أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من ~~الإجابة بعسى ولعل. ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني أن يجيء به ~~تعليما للعباد وجوب الترجح بين الخوف والرجاء، والذي يدل على المعنى ~~الأول وأنه في معنى البت قراءة ابن أبي عبلة «ويدخلكم بالجزم»، عطفا على ~~محل عسى أن يكفر كأنه قيل توبوا يوجب لكم تكفير سيآتكم ويدخلكم { يوم ~~لا يخزى الله } نصب بيدخلكم، ولا يخزي تعريض بمن أخزاهم الله من ~~أهل الكفر والفسوق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم { ~~يسعىنورهم } على الصراط { أتمم لنا نورنا } قال ابن ~~عباس يقولون ذلك إذا طفىء نور المنافقين إشفاقا. وعن الحسن الله متممه ~~لهم ولكنهم يدعون تقربا إلى الله، كقوله تعالى # واستغفر لذنبك # غافر 55 وهو مغفور له. وقيل يقوله أدناهم منزلة، لأنهم يعطون من النور ~~قدر ما يبصرون به مواطىء أقدامهم، لأن النور على قدر الأعمال فيسألون ~~إتمامه تفضلا. وقيل السابقون إلى الجنة يمرون مثل البرق على الصراط، ~~وبعضهم كالريح، وبعضهم حبوا وزحفا فأولئك الذين يقولون { ربنا ~~أتمم لنا نورنا } فإن قلت كيف يشفقون والمؤمنون آمنون، # أم من يأتي آمنا يوم القيامة # فصلت 40. # لا خوف عليهم # يونس 62، # لا يحزنهم الفزع الاكبر # الأنبياء 103 أو كيف يتقربون وليست الدار دار تقرب؟ قلت أما الإشفاق ~~فيجوز أن يكون على عادة البشرية وإن كانوا معتقدين الأمن. وأما التقرب ~~فلما كانت حالهم كحال المتقربين حيث يطلبون ما هو حاصل لهم من الرحمة ~~سماه تقربا. ### || [66.9] # { جهد الكفار } بالسيف { والمنفقين } بالاحتجاج ~~واستعمل الغلظة والخشونة على الفريقين فيما تجاهدهما به من القتال ~~والمحاجة. وعن قتادة مجاهدة المنافقين لإقامة الحدود عليهم. وعن مجاهد ~~بالوعيد. وقيل بإفشاء أسرارهم. ### || [66.10] # مثل الله عز وجل حال الكفار في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم ~~للمؤمنين معاقبة مثلهم من غير إبقاء ولا محاباة، ولا ينفعهم مع عداوتهم ~~لهم ما كان ms2109 بينهم وبينهم من لحمة نسب أو وصلة صهر لأن عداوتهم لهم وكفرهم ~~بالله ورسوله قطع العلائق وبت الوصل، وجعلهم أبعد من الأجانب وأبعد، وإن ~~كان المؤمن الذي يتصل به الكافر نبيا من أنبياء الله بحال امرأة نوح ~~وامرأة لوط لما نافقتا وخانتا الرسولين لم يغن الرسولان عنهما بحق ما ~~بينهما وبينهما من وصلة الزواج إغناء ما من عذاب الله { وقيل } لهما ~~عند موتهما أو يوم القيامة { ادخلا النار مع } سائر { ~~الدخلين } الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. أو مع داخليها من ~~إخوانكما من قوم نوح وقوم لوط. ومثل حال المؤمنين في أن وصلة ~~الكافرين لا تضرهم ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال ~~امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى، مع كونها زوجة أعدى أعداء الله ~~الناطق بالكلمة العظمى، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا ~~والآخرة والاصطفاء على نساء العالمين، مع أن قومها كانوا كفارا. وفي ~~طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة وما ~~فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كرهه وتحذير ~~لهما على أغلظ وجه وأشد، لما في التمثيل من ذكر الكفر. ونحوه في التغليظ ~~قوله تعالى { ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين } ~~وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين ~~المؤمنتين، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإن ذلك الفضل لا ~~ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين، والتعريض بحفصة أرجح، لأن امرأة لوط أفشت ~~عليه كما أفشت حفصة على رسول الله، وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب ~~بالغة من اللطف والخفاء حدا يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره. فإن قلت، ~~ما فائدة قوله { من عبادنا }؟ قلت لما كان مبنى التمثيل على وجود ~~الصلاح في الإنسان كائنا من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ~~ما عند الله قال عبدين من عبادنا صالحين، فذكر النبيين المشهورين العلمين ~~بأنهما عبدان لم يكونا إلا كسائر عبادنا، من غير تفاوت ms2110 بينهما وبينهم إلا ~~بالصلاح وحده إظهارا وإبانة، لأن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا ~~بالصلاح لا غير، وأن ما سواه مما يرجح به الناس عند الناس ليس بسبب ~~للرجحان عنده. فإن قلت ما كانت خيانتهما؟ قلت نفاقهما وإبطانهما الكفر، ~~وتظاهرهما على الرسولين، فامرأة نوح قالت لقومه إنه مجنون، وامرأة لوط ~~دلت على ضيفانه. ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه سمج في الطباع ~~نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ~~ويسمونه حقا، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ما بغت امرأة نبي قط. ### || [66.11-12] # وامرأة فرعون آسية بنت مزاحم. وقيل هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين ~~سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون. عن أبي هريرة أن فرعون وتد ~~امرأته بأربعة أوتاد، واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها، ووضع رحى على ~~صدرها. وقيل أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله فرقي بروحها، ~~فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه. وعن الحسن فنجاها الله أكرم نجاة ~~فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها. وقيل لما قالت رب ابن لي ~~عندك بيتا في الجنة أريت بيتها في الجنة يبنى. وقيل إنه من درة. وقيل ~~كانت تعذب في الشمس فتظلها الملائكة. فإن قلت ما معنى الجمع بين عندك وفي ~~الجنة؟ قلت طلبت القرب من رحمة الله والبعد من عذاب أعدائه، ثم بينت مكان ~~القرب بقولها { فى الجنة } أو أرادت ارتفاع الدرجة في الجنة وأن ~~تكون جنتها من الجنان التي هي أقرب إلى العرش وهي جنات المأوى، فعبرت عن ~~القرب إلى العرش بقولها { عندك }. { من فرعون وعمله } من ~~عمل فرعون. أو من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم، وخصوصا من عمله وهو ~~الكفر، وعبادة الأصنام، والظلم، والتعذيب بغير جرم { ونجنى من ~~القوم الظلمين } من القبط كلهم. وفيه دليل على أن الاستعاذة ~~بالله والالتجاء إليه ومسألة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير ~~الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين # فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من ~~المؤمنين # ، الشعراء ms2111 118 # ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين ونجنا ~~برحمتك من القوم الكفرين # يونس 86. { فيه } في الفرج. وقرأ ابن مسعود فيها، كما قرىء في سورة ~~الأنبياء، والضمير للجملة، وقد مر لي في هذا الظرف كلام. ومن بدع ~~التفاسير أن الفرج هو جيب الدرع، ومعنى أحصنته منعته جبربل، وأنه جمع في ~~التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها، تسلية للأرامل وتطييبا ~~لأنفسهن { وصدقت } قرىء بالتشديد والتخفيف على أنها جعلت الكلمات ~~والكتب صادقة، يعني وصفتها بالصدق، وهو معنى التصديق بعينه. فإن قلت فما ~~في كلمات الله وكتبه؟ قلت يجوز أن يراد بكلماته صحفه التي أنزلها على ~~إدريس وغيره، سماها كلمات لقصرها، وبكتبه الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ~~ما كلم الله به ملائكته وغيرهم، وجميع ما كتبه في اللوح وغيره. وقرىء ~~«بكلمة الله وكتابه»، أي بعيسى وبالكتاب المنزل عليه وهو الإنجيل. فإن ~~قلت لم قيل { من القنتين } على التذكير؟ قلت لأن القنوت صفة ~~تشمل من قنت من القبيلين، فغلب ذكوره على إناثه. و { من } للتبعيض ~~ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، على أنهاولدت من القانتين لأنها من أعقاب ~~هرون أخي موسى صلوات الله عليهما. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1213 # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم ~~امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. وفضل ~~عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " # وأما ما روي أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف سمى الله ~~المسلمة؟ تعني مريم، ولم يسم الكافرة؟ فقال بغضا لها قالت وما اسمها؟ ~~قال اسم امرأة نوح «واعلة» واسم امرأة لوط «واهلة» فحديث أثر الصنعة عليه ~~ظاهر بين، ولقد سمى الله تعالى جماعة من الكفار بأسمائهم وكناهم، ولو ~~كانت التسمية للحب وتركها للبغض لسمى آسية، وقد قرن بينها وبين مريم في ~~التمثيل للمؤمنين، وأبى الله إلا أن يجعل للمصنوع أمارة تنم عليه، وكلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكم وأسلم من ذلك. عن رسول ms2112 الله صلى الله ~~عليه وسلم 1214 # " من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحا ". ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-4] # { تبرك } تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين { الذى بيده ~~الملك } على كل موجود { وهو على كل } ما لم يوجد مما يدخل ~~تحت القدرة { قدير } وذكر اليد مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء ~~عليه. والحياة ما يصح بوجوده الإحساس. وقيل ما يوجب كون الشيء حيا، وهو ~~الذي يصح منه أن يعلم ويقدر. والموت عدم ذلك فيه، ومعنى خلق الموت ~~والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. والمعنى خلق موتكم وحياتكم أيها ~~المكلفون { ليبلوكم } وسمى علم الواقع منهم باختيارهم «بلوى» وهي ~~الخبرة استعارة من فعل المختبر. ونحوه قوله تعالى # ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم # محمد 31. فإن قلت من أين تعلق قوله { أيكم أحسن عملا } بفعل ~~البلوى؟ قلت من حيث أنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل ليعلمكم أيكم أحسن ~~عملا وإذا قلت علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع ~~الثاني من مفعوليه، كما تقول علمته هو أحسن عملا. فإن قلت أتسمي هذا ~~تعليقا؟ قلت لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين ~~جميعا، كقولك علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل ~~بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الإستفهام وغير ~~مصدر به، ولو كان تعليقا لافترقت الحالتان كما افترقتا في قولك علمت ~~أزيد منطلق. وعلمت زيدا منطلقا { أحسن عملا }. قيل أخلصه وأصوبه ~~لأنه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صوابا غير خالص ~~فالخالص أن يكون لوجه الله تعالى والصواب أن يكون على السنة. وعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه تلاها، فلما بلغ قوله { أيكم أحسن ~~عملا } قال 1215 # " أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله " # يعني أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه والمراد أنه أعطاكم الحياة ~~التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه، وسلط علكم الموت الذي هو ~~داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، ms2113 لأن وراءه البعث والجزاء الذي ~~لا بد منه. وقدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من ~~نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم { ~~وهو العزيز } الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل { الغفور } ~~لمن تاب من أهل الإساءة { طباقا } مطابقة بعضها فوق بعض، من طابق ~~النعل إذا خصفها طبقا على طبق، وهذا وصف بالمصدر. أو على ذات طباق، أو ~~على طوبقت طباقا { من تفوت } وقرىء «من تفوت»، ومعنى البناءين ~~واحد، كقولهم تظاهروا من نسائهم. وتظهروا. وتعاهدته وتعهدته، أي من ~~اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض إنما هي مستوية مستقيمة. # وحقيقة التفاوت عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه. ومنه ~~قولهم خلق متفاوت. وفي نقيضه متناصف. فإن قلت كيف موقع هذه الجملة مما ~~قبلها؟ قلت هي صفة مشايعة لقوله { طباقا } وأصلها ما ترى فيهن من ~~تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله { خلق الرحمن } تعظيما لخلقهن، ~~وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر ~~قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب، والخطاب في ما ترى للرسول أو ~~لكل مخاطب. وقوله تعالى { فارجع البصر } متعلق به على معنى ~~التسبيب أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهن، ثم قال { فارجع البصر } ~~حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا تبقى معك شبهة فيه { هل ~~ترى من فطور } من صدوع وشقوق جمع فطر وهو الشق. يقال فطره فانفطر. ~~ومنه فطر ناب البعير، كما يقال شق وبزل. ومعناه شق اللحم فطلع. وأمره ~~بتكرير البصر فيهن متصفحا ومتتبعا يلتمس عيبا وخللا { ينقلب ~~إليك } أي إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته ~~من رؤية الخلل وإدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور، أي بالبعد عن ~~إصابة الملتمس، كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة، وبالإعياء ~~والكلال لطول الإجالة والترديد. فإن قلت كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا ~~برجعه كرتين اثنتين؟ قلت معنى التثنية التكرير بكثرة، كقولك لبيك ~~وسعديك، تريد إجابات ms2114 كثيرة بعضها في أثر بعض، وقولهم في المثل دهدرين ~~سعد القين من ذلك، أي باطلا بعد باطل. فإن قلت فما معنى ثم ارجع؟ قلت ~~أمره برجع البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء، ~~وأن يتوقف بعدها ويجم بصره، ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر بصره من طول ~~المعاودة، فإنه لا يعثر على شيء من فطور. ### || [67.5] # { الدنيا } القربى لأنها أقرب السموات إلى الناس، ومعناها السماء ~~الدنيا منكم. والمصابيح السرج، سميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ~~ودورهم بأثقاب المصابيح، فقيل ولقد زينا سقف الدار التي اجتمعتم فيها { ~~بمصبيح } أي بأي مصابيح لا توازيهامصابيحكم إضاءة، وضممنا إلى ذلك ~~منافع أخر أنا جعلنا رجوما لأعدائكمللشياطين الذين يخرجونكم من النور إلى ~~الظلمات وتهتدون بها في ظلمات البر والبحر. قال قتادة خلق الله النجوم ~~لثلاث زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها ~~غير ذلك فقد تكلف مالا علم له به وعن محمد بن كعب في السماء والله ما ~~لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يبتغون الكهانة ويتخذون النجوم ~~علة. والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به. ومعنى كونها مراجم ~~للشياطين أن الشهب التي تنقض لرمي المسترقة منهم منفصلة من نار الكواكب، ~~لا أنهم يرجمون بالكواكب أنفسها لأنها قارة في الفلك على حالها. وما ذاك ~~إلا كقبس يؤخذ من نار، والنار ثابتة كاملة لا تنقص. وقيل من الشياطين ~~المرجومة من يقتله الشهاب. ومنهم من يخبله. وقيل معناه وجعلناها ظنونا ~~ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم النجامون. { وأعتدنا لهم ~~عذاب السعير } في الآخرة بعد عذاب الإحراق بالشهب في الدنيا. ### || [67.6-12] # { وللذين كفروا بربهم } أي ولكل من كفر بالله من ~~الشياطين وغيرهم { عذاب جهنم } ليس الشياطين المرجومين مخصوصين ~~بذلك. وقرىء «عذاب جهنم» بالنصب عطفا على عذاب السعير { إذا ألقوا ~~فيها } أي طرحوا كما يطرح الحطب في النار العظيمة، ويرمى به. ومثله ~~قوله تعالى # حصب جهنم # الأنبياء 98. { سمعوا لها شهيقا } إما لأهلها ممن تقدم طرحهم ~~فيها. أو من أنفسهم، ms2115 كقوله # لهم فيها زفير وشهيق # هود 106 وإما للنار تشبيها لحسيسها المنكر الفظيع بالشهيق { وهى ~~تفور } تغلي بهم غليان المرجل بما فيه. وجعلت كالمغتاظة عليهم لشدة ~~غليانها بهم، ويقولون فلان يتميز غيظا ويتقصف غضبا، وغضب فطارت منه شقة ~~في الأرض وشقة في السماء إذا وصفوه بالإفراط فيه. ويجوز أن يراد غيظ ~~الزبانية { ألم يأتكم نذير } توبيخ يزدادون به عذابا إلى ~~عذابهم وحسرة إلى حسرتهم. وخزنتها مالك وأعوانه من الزبانية { قالوا ~~بلى } اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأن الله عز وعلا أزاح عللهم ~~ببعثه الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وأنهم لم يؤتوا من قدره كما تزعم ~~المجبرة وإنما أتوا من قبل أنفسهم، واختيارهم خلاف ما اختار الله وأمر به ~~وأوعد على ضده. فإن قلت { إن أنتم إلا فى ضلل كبير } من ~~المخاطبون به؟ قلت هو من جملة قول الكفار وخطابهم للمنذرين، على أن ~~النذير بمعنى الإنذار. والمعنى ألم يأتكم أهل نذير. أو وصف منذروهم ~~لغلوهم في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذارا وكذلك { قد جاءنا ~~نذير } ونظيره قوله تعالى # إنا رسول رب العلمين # الشعراء 16 أي حاملا رسالته. ويجوز أن يكون من كلام الخزنة للكفار على ~~إرادة القول أرادوا حكاية ما كانوا عليه من ضلالهم في الدنيا. أو أرادوا ~~بالضلال الهلاك. أو سموا عقاب الضلال باسمه. أو من كلام الرسل لهم حكوه ~~الخزنة، أي قالوا لنا هذا فلم نقبله { لو كنا نسمع } الإنذار ~~سماع طالبين للحق. أي نعقله عقل متأملين. وقيل إنما جمع بين السمع ~~والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل. ومن بدع التفاسير أن ~~المراد لو كنا على مذهب أصحاب الحديث أو على مذهب أصحاب الرأي، كأن هذه ~~الآية نزلت بعد ظهور هذين المذهبين، وكأن سائر أصحاب المذاهب والمجتهدين ~~قد أنزل الله وعيدهم، وكأن من كان من هؤلاء فهو من الناجين لا محالة ~~وعدة المبشرين من الصحابة عشرة، لم يضم إليهم حادي عشر، وكأن من يجوز ~~على الصراط أكثرهم لم يسمعوا باسم هذين الفريقين { بذنبهم } بكفرهم ~~في تكذيبهم الرسل ms2116 { فسحقا } قرىء بالتخفيف والتثقيل، أي فبعدا لهم، ~~اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ينفعهم. ### || [67.13-14] # ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار. ومعناه ليستو عندكم إسراركم ~~وإجهاركم في علم الله بهما، ثم أنه علله ب بإنه عليم بذات الصدور أي ~~بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به. ثم أنكر ~~أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر { من خلق } الأشياء، ~~وحاله أنه اللطيف الخبير، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن. ~~ويجوز أن يكون { من خلق } منصوبا بمعنى ألا يعلم مخلوقه وهذه ~~حاله. وروي أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيظهر الله ~~رسوله عليها، فيقولون أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد، فنبه الله على ~~جهلهم. فإن قلت قدرت في { ألا يعلم } مفعولا على معنى ألا يعلم ~~ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق، فهلا جعلته مثل ~~قولهم هو يعطي ويمنع وهلا كان المعنى ألا يكون عالما من هو خالق لأن ~~الخلق لا يصح إلا مع العلم؟ قلت أبت ذلك الحال التي هي قوله { وهو ~~اللطيف الخبير } لأنك لو قلت ألا يكون عالما من هو خالق وهو ~~اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحا لأن ألا يعلم معتمد على الحال. والشيء ~~لا يوقت بنفسه، فلا يقال ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم ~~بكل شيء. ### || [67.15] # المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية لأن المنكبين ~~وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ~~ويعتمد عليه، فإذا جعلها في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يترك. وقيل ~~مناكبها جبالها. قال الزجاج معناه سهل لكم السلوك في جبالها، فإذا أمكنكم ~~السلوك في جبالها، فهو أبلغ التذليل. وقيل جوانبها. والمعنى وإليه ~~نشوركم، فهو مسائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم. ### || [67.16-19] # { من فى السمآء } فيه وجهان أحدهما من ملكوته في السماء لأنها ~~مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها تنزل قضاياه وكتبه ~~وأوامره ونواهيه. والثاني أنهم ms2117 كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، ~~وأن الرحمة والعذاب ينزلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على ~~حسب اعتقادهم أأمنتم من تزعمون أنه في السماء، وهو متعال عن المكان أن ~~يعذبكم بخسف أو بحاصب، كما تقول لبعض المشبهة أما تخاف من فوق العرش أن ~~يعاقبك بما تفعل، إذا رأيته يركب بعض المعاصي { فستعلمون } قرىء ~~بالتاء والياء { كيف نذير } أي إذا رأيتم المنذر به علمتم كيف ~~إنذاري حين لا ينفعكم العلم { صفت } باسطات أجنحتهن في الجو عند ~~طيرانها لأنهن إذا بسطنها صففن قوادمها صفا { ويقبضن } ويضممنها ~~إذا ضربن بها جنوبهن. فإن قلت لم قيل ويقبضن، ولم يقل وقابضات؟ قلت لأن ~~الأصل في الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في ~~الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها. وأما القبض فطارىء على ~~البسط للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على ~~معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض تارة كما يكون من السابح { ما ~~يمسكهن إلا الرحمن } بقدرته وبما دبر لهن من القوادم ~~والخوافي، وبني الأجسام على شكل وخصائص قد تأتى منها الجري في الجو { ~~إنه بكل شىء بصير } يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب. ### || [67.20-21] # { أمن } يشار إليه من الجموع ويقال { هذا الذى هو جند ~~لكم ينصركم من دون الله } إن أرسل عليكم عذابه { أمن ~~} يشار إليه ويقال { هذا الذى يرزقكم إن أمسك ~~رزقه } وهذا على التقدير. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان ~~لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند ~~الناصر والرازق. ونحوه قوله تعالى # أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا # الأنبياء 43. { بل لجوا فى عتو ونفور } بل تمادوا في ~~عناد وشراد عن الحق لثقله عليهم فلم يتبعوه. ### || [67.22-24] # يجعل «أكب» مطاوع «كبه» يقال كببته فأكب، من الغرائب والشواذ. ونحوه ~~قشعت الريح السحاب فأقشع، وما هو كذلك ولا شيء من بناء أفعل مطاوعا، ولا ~~يتقن نحو هذا إلا حملة كتاب سيبويه وإنما «أكب» من باب «انفض، وألأم» ~~ومعناه دخل في ms2118 الكب، وصار ذا كب وكذلك أقشع السحاب دخل في القشع. ومطاوع ~~كب وقشع انكب وانقشع. فإن قلت ما معنى { يمشى مكبا على ~~وجهه }؟ وكيف قابل { يمشى سويا على صرط مستقيم }؟ ~~قلت معناه يمشي معتسفا في مكان معتاد غير مستو فيه انخفاض وارتفاع، ~~فيعثر كل ساعة فيخر على وجهه منكبا، فحاله نقيض حال من يمشي سويا، أي ~~قائما سالما من العثور والخرور. أو مستوي الجهة قليل الانحراف خلاف ~~المعتسف الذي ينحرف هكذا وهكذا على طريق مستو. ويجوز أن يراد الأعمى الذي ~~لا يهتدي إلى الطريق فيعتسف، فلا يزال ينكب على وجهه، وأنه ليس كالرجل ~~السوي الصحيح البصر الماشي في الطريق المهتدي له، وهو مثل للمؤمن ~~والكافر. وعن قتادة الكافر أكب على معاصي الله تعالى فحشره الله يوم ~~القيامة على وجهه. وعن الكلبي عنى به أبو جهل بن هشام. وبالسوي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه. ### || [67.25-27] # { فلما رأوه } الضمير للوعد. والزلفة القرب، وانتصابها على ~~الحال أو الظرف، أي رأوه ذا زلفة أو مكانا ذا زلفة { سيئت وجوه ~~الذين كفروا } أي ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة ~~وغشيها الكسوف والقترة، وكلحوا، وكما يكون وجه من يقاد إلى القتل أو يعرض ~~على بعض العذاب { وقيل } القائلون الزبانية { تدعون } تفتعلون من ~~الدعاء، أي تطلبون وتستعجلون به. وقيل هو من الدعوى، أي كنتم بسببه تدعون ~~أنكم لا تبعثون. وقرىء «تدعون»، وعن بعض الزهاد أنه تلاها في أول الليل ~~في صلاته، فبقي يكررها وهو يبكي إلى أن نودي لصلاة الفجر، ولعمري إنها ~~لوقاذة لمن تصور تلك الحالة وتأملها. ### || [67.28] # كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ~~بالهلاك، فأمر بأن يقول لهم نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين إما أن ~~نهلك كما تتمنون فننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة والإدالة للإسلام كما ~~نرجو، فأنتم ما تصنعون؟ من يجيركم - وأنتم كافرون - من عذاب النار؟ لا ~~بد لكم منه، يعني إنكم تطلبون لنا الهلاك الذي ms2119 هو استعجال للفوز ~~والسعادة، وأنتم في أمر هو الهلاك الذي لا هلاك بعده، وأنتم غافلون لا ~~تطلبون الخلاص منه. أو إن أهلكنا الله بالموت فمن يجيركم بعد موت هداتكم، ~~والآخذين بحجزكم من النار، وإن رحمنا بالإمهال والغلبة عليكم وقتلكم فمن ~~يجيركم فإن المقتول على أيدينا هالك. أو إن أهلكنا الله في الآخرة ~~بذنوبنا ونحن مسلمون، فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم وإن ~~رحمنا بالإيمان فيمن يجير من لا إيمان له. ### || [67.29] # فإن قلت لم أخر مفعول آمنا وقدم مفعول توكلنا؟ قلت لوقوع آمنا تعريضا ~~بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم، كأنه قيل آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال ~~وعليه توكلنا خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم ~~وأموالكم. ### || [67.30] # { غورا } غائرا ذاهبا في الأرض. وعن الكلبي لا تناله الدلاء، وهو وصف ~~بالمصدر كعدل ورضا. وعن بعض الشطار أنها تليت عنده فقال تجيء به الفؤوس ~~والمعاول، فذهب ماء عينيه نعوذ بالله من الجراءة على الله وعلى آياته. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1216 # " من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر ". ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1] # قرىء «ن والقلم» بالبيان والإدغام، وبسكون النون وفتحها وكسرها، كما في ~~ص. والمراد هذا الحرف من حروف المعجم وأما قولهم هو الدواة فما أدري أهو ~~وضع لغوي أم شرعي؟ ولا يخلو إذا كان اسما للدواة من أن يكون جنسا أو ~~علما، فإن كان جنسا فأين الإعراب والتنوين، وإن كان علما فأين ~~الإعراب، وأيهما كان فلا بد له من موقف في تأليف الكلام. فإن قلت هو مقسم ~~به وجب إن كان جنسا أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، ~~كأنه قيل ودواة والقلم، وإن كان علما أن تصرفه وتجره، أو لا تصرفه ~~وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت إما أن يراد نون من ~~النينان، أو يجعل علما للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ~~ذهب، والنهر في الجنة نحو ذلك، وأقسم بالقلم تعظيما له، لما في خلقه ~~وتسويته من ms2120 الدلالة على الحكمة العظيمة، ولما فيه من المنافع والفوائد ~~التي لا يحيط بها الوصف { وما يسطرون } وما يكتب من كتب وقيل ما ~~يسطره الحفظة وما موصولة أو مصدرية ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون ~~الضمير في { يسطرون } لهم كأنه قيل وأصحاب القلم ومسطوراتهم. أو ~~وسطورهم، ويراد بهم كل ما يسطر، أو الحفظة. ### || [68.2-3] # فإن قلت بم يتعلق الباء في { بنعمة ربك } وما محله؟ قلت يتعلق ~~بمجنون منفيا، كما يتعلق بعاقل مثبتا في قولك أنت بنعمة الله عاقل، ~~مستويا في ذلك الإثبات والنفي استواءهما في قولك ضرب زيد عمرا، وما ضرب ~~زيد عمرا تعمل الفعل مثبتا ومنفيا إعمالا واحدا ومحله النصب على ~~الحال، كأنه قال ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك ولم تمنع الباء أن يعمل ~~مجنون فيما قبله، لأنها زائدة لتأكيد النفي. والمعنى استبعاد ما كان ~~ينسبه إليه كفار مكة عداوة وحسدا، وأنه من إنعام الله عليه بحصافة العقل ~~والشهامة التي يقتضيها التأهيل للنبوة، بمنزلة { وإن لك } على ~~احتمال ذلك وإساغة الغصة فيه والصبر عليه { لأجرا } لثوابا { غير ~~ممنون } غير مقطوع كقوله # عطآء غير مجذوذ # هود 108 أو غير ممنون عليك به، لأنه ثواب تستوجبه على عملك، وليس بتفضل ~~ابتداء وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال. ### || [68.4] # استعظم خلقه لفرط احتماله الممضات من قومه وحسن مخالقته ومداراته لهم. ~~وقيل هو الخلق الذي أمره الله تعالى به في قوله تعالى # خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين # الأعراف 199 وعن عائشة رضي الله عنها 1217 أن سعيد بن هشام سألها عن خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن، ألست تقرأ القرآن ~~قد أفلح المؤمنون. ### || [68.5-6] # { المفتون } المجنون، لأنه فتن أي محن بالجنون. أو لأن العرب ~~يزعمون أنه من تخبيل الجن، وهم الفتان للفتاك منهم، والباء مزيدة. أو ~~المفتون مصدر كالمعقول والمجلود، أي بأيكم الجنون، أو بأي الفريقين منكم ~~الجنون، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين؟ أي في أيهما يوجد من يستحق ~~هذا الاسم وهو تعريض بأبي جهل ms2121 بن هشام والوليد بن المغيرة وأضرابهما، ~~وهذا كقوله تعالى # سيعلمون غدا من الكذاب الأشر # القمر 26. ### || [68.7-9] # { إن ربك هو أعلم } بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ~~ضلوا عن سبيله { وهو أعلم } بالعقلاء وهم المهتدون. أو يكون ~~وعيدا ووعدا، وأنه أعلم بجزاء الفريقين { فلا تطع المكذبين ~~} تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله ~~مدة، وآلهتهم مدة، ويكفوا عنه غوائلهم { لو تدهن } لو تلين وتصانع ~~{ فيدهنون } فإن قلت لم رفع { فيدهنون } ولم ينصب بإضمار أن ~~وهو جواب التمني؟ قلت قد عدل به إلى طريق آخر وهو أن جعل خبر مبتدأ ~~محذوف، أي فهم يدهنون، كقوله تعالى # فمن يؤمن بربه فلا يخاف # الجن 13 على معنى ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ. أو ودوا إدهانك فهم ~~الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك. قال سيبويه وزعم هرون أنها في بعض المصاحف ~~ودوا لو تدهن فيدهنوا. ### || [68.10-16] # { حلاف } كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به مزجرة لمن اعتاد ~~الحلف. ومثله قوله تعالى # ولا تجعلوا الله عرضةلأيمنكم # البقرة 224. { مهين } من المهانة وهي القلة والحقارة، يريد القلة في ~~الرأي والتمييز. أو أراد الكذاب لأنه حقير عند الناس { هماز } عياب ~~طعان. وعن الحسن. يلوى شدقيه في أقفية الناس { مشاء بنميم } مضرب ~~نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم. والنميم ~~والنميمة السعاية، وأنشدني بعض العرب # تشببي تشبب النميمه تمشي بها زهرا إلى ~~تميمه # { مناع للخير } بخيل. والخير المال. أو مناع أهه الخير وهو ~~الإسلام، فذكر الممنوع منه دون الممنوع، كأنه قال مناع من الخير. قيل هو ~~الوليد بن المغيرة المخزومي كان موسرا، وكان له عشرة من البنين، فكان ~~يقول لهم وللحمته من أسلم منكم منعته رفدي عن ابن عباس. وعنه أنه أبو ~~جهل. وعن مجاهد الأسود بن عبد يغوث. وعن السدي الأخنس بن شريق، أصله في ~~ثقيف وعداده في زهرة، ولذلك قيل زنيم { معتد } مجاوز في الظلم حده { ~~أثيم } كثير الآثام { عتل } غليظ جاف، من عتله إذا قاده بعنف ~~وغلظة { بعد ذلك ms2122 } بعدما عد له من المثالب والنقائص { زنيم } ~~دعي. قال حسان # وأنت زنيم نيط في ءال هاشم كما نيط خلف ~~الراكب القدح الفرد # وكان الوليد دعيا في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثمان عشرة من ~~مولده. وقيل بغت أمه ولم يعرف حتى نزلت هذه الآية، جعل جفاءه ودعوته أشد ~~معايبه، لأنه إذا جفا وغلظ طبعه قسا قلبه واجترأ على كل معصية، ولأن ~~الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الناشىء منها. ومن ثم قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1218 # " لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ولده " # و { بعد ذلك } نظير ثم في قوله { ثم كان من الذين ~~ءامنوا } البلد 17 وقرأ الحسن «عتل» رفعا على الذم وهذه القراءة ~~تقوية لما يدل عليه بعد ذلك. والزنيم من الزنمة وهي الهنة من جلد الماعزة ~~تقطع فتخلى معلقة في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله { أن كان ذا ~~مال } متعلق بقوله { ولا تطع } يعني ولا تطعه مع هذه المثالب، لأن ~~كل ذا مال. أي ليساره وحظه من الدنيا. ويجوز أن يتعلق بما بعده على معنى ~~لكونه متمولا مستظهرا بالبنين كذب آياتنا ولا يعمل فيه { قال } الذي ~~هو جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه ~~الجملة من معنى التكذيب. وقرىء «أأن كان»؟ على الاستفهام على إلا لأن كان ~~ذا مال وبنين، كذب. # أو أتطيعه لأن كان ذا مال. وروى الزبيري عن نافع إن كان، بالكسر والشرط ~~للمخاطب، أي لا تطع كل حلاف شارطا يساره، لأنه إذا أطاع الكافر لغناه ~~فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحو صرف الشرط إلى المخاطب صرف الترجي ~~إليه في قوله تعالى # لعله يتذكر # طه 44 الوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه لتقدمه له، ~~ولذلك جعلوه مكان العز والحمية، واشتقوا منه الأنفة. وقالوا الأنف في ~~الأنف، وحمى أنفه، وفلان شامخ العرنين. وقالوا في الذليل جدع أنفه، ورغم ~~أنفه، فعبر بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال ms2123 والإهانة، لأن السمة على ~~الوجه شين وإذالة، فكيف بها على أكرم موضع منه، ولقد 1219 وسم العباس ~~أباعره في وجوهها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أكرموا الوجوه " # فوسمها في جواعرها وفي لفظ «الخرطوم» استخفاف به واستهانة. وقيل معناه ~~سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة، كما عادى رسول ~~االله صلى الله عليه وسلم عداوة بأن بها عنهم. وقيل خطم يوم بدر بالسيف ~~فبقيت سمة على خرطومه. وقيل سنشهره بهذه الشتيمة في الدارين جميعا، فلا ~~تخفى، كما لا تخفى السمة على الخرطوم. وعن النضر بن شميل أن الخرطوم ~~الخمر، وأن معناه سنحده على شربها وهو تعسف. وقيل للخمر الخرطوم، كما قيل ~~لها السلافة. وهي ما سلف من عصير العنب. أو لأنها تطير في الخياشيم. ### || [68.17-33] # إنا بلونا أهل مكة بالقحط والجوع بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليهم { كما بلونا أصحب الجنة } وهم قوم من أهل الصلاة ~~كانت لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنته ~~ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما في أسفل ~~الأكداس وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت ~~النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه إن فعلنا ~~ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال، فحلفوا ليصرمنها ~~مصبحين في السدف خفية عن المساكين، ولم يستثنوا في يمينهم، فأحرق الله ~~جنتهم. وقيل كانوا من بني إسرائيل { مصبحين } داخلين في الصبح ~~مبكرين { ولا يستثنون 18 } ولا يقولون إن شاء الله. فإن قلت لم ~~سمي استثناء، وإنما هو شرط؟ قلت لأنه يؤدي مؤدى الاستثناء، من حيث إن ~~معنى قولك لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله. واحد { ~~فطاف عليها } بلاء أو هلاك { طآئف } كقوله تعالى # وأحيط بثمره # الكهف 42 وقرىء «طيف» { فأصبحت كالصريم 20 } كالمصرومة لهلاك ~~ثمرها. وقيل الصريم الليل، أي. احترقت فاسودت. وقيل النهار أي يبست وذهبت ~~خضرتها. أو لم يبق ms2124 شيء فيها، من قولهم بيض الإناء، إذا فرغه. وقيل الصريم ~~الرمال { صرمين } حاصدين. فإن قلت هلا قيل اغدوا إلى حرثكم وما ~~معنى على؟ قلت لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه كان غدوا عليه، كما ~~تقول غدا عليهم العدو. ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال، كقولهم يفدى ~~عليه بالجفنة ويراح، أي فأقبلوا على حرثكم باكرين { يتخفتون } ~~يتسارون فيما بينهم. وخفى، وخفت، وخفد ثلاثتها في معنى الكتم ومنه ~~الخفدود للخفاش { أن لا يدخلنها } أن مفسرة. وقرأ ابن مسعود ~~بطرحها بإضمار القول، أي يتخافتون يقولون لا يدخلنها والنهي عن الدخول ~~للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه، أي لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل كقولك ~~لا أرينك ههنا. الحرد من حردت السنة إذا منعت خيرها وحردت الإبل إذا منعت ~~درها. والمعنى وغدوا قادرين على نكد، لا غير عاجزين عن النفع، يعني ~~أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين ويحرموهم وهم قادرون على نفعهم، ~~فغدوا بحال فقر وذهاب مال لا يقدرون فيها إلا على النكد والحرمان، وذلك ~~أنهم طلبوا حرمان المساكين فتعجلوا الحرمان والمسكنة. أو وغدوا على ~~محاردة جنتهم وذهاب خيرها قادرين، بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها ~~ومنافعها، أي غدوا حاصلين على الحرمان مكان الانتفاع، أو لما قالوا اغدوا ~~على حرثكم وقد خبثت نيتهم عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها، فلم ~~يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد. # و { قدرين } من عكس الكلام للتهكم، أي قادرين على ما عزموا عليه ~~من الصرام وحرمان المساكين، وعلى حرد ليس بصلة قادرين، وقيل الحرد بمعنى ~~الحرد. وقرىء «على حرد»، أي لم يقدروا إلا على حنق وغضب بعضهم على بعض، ~~كقوله تعالى # يتلومون # القلم 30 وقيل الحرد القصد والسرعة يقال حردت حردك. وقال # أقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة ~~المغلة # وقطا حراد سراع، يعني وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط، قادرين عند ~~أنفسهم، يقولون نحن نقدر على صرامها وزي منفعتها عن المساكين. وقيل { ~~حرد } علم للجنة، أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند ms2125 ~~أنفسهم. أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان { قالوا } في ~~بديهة وصولهم { إنا لضالون } أي ضللنا جنتنا، وما هي بها لما ~~رأوا من هلاكها فلما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا { بل نحن ~~محرومون } حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا { أوسطهم } أعدلهم ~~وخيرهم، من قولهم هو من سطة قومه، وأعطني من سطات مالك. ومنه قوله تعالى # أمة وسطا # البقرة 143. { لولا تسبحون } لولا تذكرون الله وتتوبون إليه من ~~خبث نيتكم، كأن أوسطهم قال لهم حين عزموا على ذلك اذكروا الله وانتقامه ~~من المجرمين، وتوبوا عن هذه العزيمة الخبيثة من فوركم، وسارعواإلى حسم ~~شرها قبل حلول النقمة، فعصوه فعيرهم. والدليل عليه قولهم { سبحن ~~ربنآ إنا كنا ظلمين } فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم ~~به على أثر مقارفة الخطيئة، ولكن بعد خراب البصرة. وقيل المراد بالتسبيح. ~~الاستثناء لالتقائهما في معنى التعظيم لله، لأن الاستثناء تفويض إليه، ~~والتسبيح تنزيه له وكل واحد من التفويض والتنزيه تعظيم. وعن الحسن هو ~~الصلاة، كأنهم كانوا يتوانون في الصلاة وإلا لنهتهم عن الفحشاء والمنكر، ~~ولكانت لهم لطفا في أن يستثنوا ولا يحرموا { سبحان ربنآ } سبحوا ~~الله ونزهوه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف ~~وترك الاستثناء { يتلومون } يلوم بعضهم بعضا لأن منهم من زين، ~~ومنهم من قبل، ومنهم من أمر بالكف وعذر ومنهم من عصى الأمر، ومنهم من سكت ~~وهو راض { أن يبدلنا } قرىء بالتشديد والتخفيف { إلى ربنا ~~رغبون } طالبون منه الخير راجون لعفوه { كذلك العذاب } مثل ~~ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا { ~~ولعذاب الأخرة } أشد وأعظم منه، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم ~~من أهل الجنة أم من أهل النار؟ فقال لقد كلفتني تعبا. وعن مجاهد تابوا ~~فأبدلوا خيرا منها. وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه بلغني أنهم أخلصوا ~~وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل ~~البغل منه عنقودا. ### || [68.34] # { عند ربهم } أي في الآخرة { جنت النعيم } ليس فيها ~~إلا التنعم ms2126 الخالص، لا يشوبه ما ينغصه كما يشوب جنان الدنيا. ### || [68.35-39] # كان صناديد قريش يرون وفور حظهم من الدنيا وقلة حظوظ المسلمين منها، ~~فإذا سمعوا بحديث الآخرة وما وعد الله المسلمين قالوا إن صح أنا نبعث كما ~~يزعم محمد ومن معه لم تكن حالهم وحالنا إلا مثل ما هي في الدنيا، وإلا لم ~~يزيدوا علينا ولم يفضلونا، وأقصى أمرهم أن يساوونا، فقيل أنحيف في الحكم ~~فنجعل المسلمين كالكافرين. ثم قيل لهم على طريقة الالتفات { ما لكم ~~كيف تحكمون36 } هذا الحكم الأعوج؟ كأن أمر الجزاء مفوض إليكم ~~حتى تحكموا فيه بما شئتم { أم لكم كتب } من السماء { ~~تدرسون } في ذلك الكتاب أن ما تختارونه وتشتهونه لكم، كقوله تعالى ~~{ أم لكم سلطن مبين 156 } فأتوا بكتابكم والأصل تدرسون ~~أن لكم ما تخيرون، بفتح أن لأنه مدروس فلما جاءت اللام كسرت. ويجوز أن ~~تكون حكاية للدروس، كما هو، كقوله # وتركنا عليه فى الأخرين * سلم على نوح فى ~~العلمين # الصافات78-79. وتخير الشيء واختاره أخذ خيره، ونحوه تنخله وانتخله إذا ~~أخذ منخوله. لفلان علي يمين بكذا إذا ضمنته منه وحلفت له على الوفاء به، ~~يعني أم ضمنا منكم وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة متناهية في التوكيد فإن قلت ~~بم يتعلق { إلى يوم القيمة }؟ قلت بالقدر في الظرف، أي هي ~~ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا ~~حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون. ويجوز أن يتعلق ببالغة، على أنها تبلغ ذلكم ~~اليوم وتنتهي إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من ~~التحكيم. وقرأ الحسن «بالغة» بالنصب على الحال من الضمير في الظرف { ~~إن لكم لما تحكمون } جواب القسم لأن معنى { أم لكم ~~أيمن علينا } أم أقسمنا لكم. ### || [68.40-41] # { أيهم بذلك } الحكم { زعيم } أي قائم به وبالاحتجاج لصحته، ~~كما يقوم الزعيم المتكلم عن القوم المتكفل بأمورهم { أم لهم ~~شركاء } أي ناس يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم عليه ويذهبون ~~مذهبهم فيه { فليأتوا } بهم { إن كانوا صدقين } في ~~دعواهم، يعني أن أحدا لا ms2127 يسلم لهم هذا ولا يساعدهم عليه، كما أنه لا ~~كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به. ### || [68.42-43] # الكشف عن الساق والإبداء عن الخدام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، ~~وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، وإبداء ~~خدامهن عند ذلك. قال حاتم # أخو الحرب إن غضت به الحرب عضها وإن شمرت ~~عن ساقها الحرب شمرا # وقال ابن الرقيات # تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي عن خدام العقيلة ~~العذراء # فمعنى { يوم يكشف عن ساق } في معنى يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ~~ولا كشف ثم ولا ساق، كماتقول للأقطع الشحيح يده مغلولة، ولا يد ثم ولا غل ~~وإنما هو مثل في البخل. وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان، ~~والذي غره منه حديث ابن مسعود رضي الله عنه 1220 # " يكشف الرحمن عن ساقه فأما المؤمنون فيخرون سجدا، وأما المنافقون ~~فتكون ظهورهم طبقا طبقا كأن فيها سفافيد " # ومعناه يشتد أمر الرحمن ويتفاقم هوله، وهو الفزع الأكبر يوم القيامة، ~~ثم كان من حق الساق أن تعرف على ما ذهب إليه المشبه، لأنها ساق مخصوصة ~~معهودة عنده وهي ساق الرحمن. فإن قلت فلم جاءت منكرة في التمثيل؟ قلت ~~للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة منكر خارج عن المألوف، كقوله # يوم يدعو الداع إلى شىء نكر # القمر 6 كأنه قيل يوم يقع أمر فظيع هائل ويحكى هذا التشبيه عن مقاتل وعن ~~أبي عبيدة خرج من خراسان رجلان، أحدهما شبه حتى مثل، وهو مقاتل بن ~~سليمان، والآخر نفي حتى عطل وهو جهم بن صفوان ومن أحس بعظم مضار فقد هذا ~~العلم علم مقدار عظم منافعه. وقرىء «يوم نكشف» بالنون. وتكشف بالتاء على ~~البناء للفاعل والمفعول جميعا، والفعل للساعة أو للحال، أي يوم تشتد ~~الحال أو الساعة، كما تقول كشفت الحرب عن ساقها، على المجاز. وقرىء ~~«تكشف» بالتاء المضمومة و كسر الشين، من أكشف إذا دخل في الكشف. ومنه. ~~أكشف الرجل فهو مكشف، إذا انقلبت ms2128 شفته العليا. وناصب الظرف فليأتوا. أو ~~إضمار «اذكر» أو يوم يكشف عن ساق كان كيت وكيت، فحذف للتهويل البليغ. وإن ~~ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمه. عن ابن مسعود رضي الله عنه تعقم أصلابهم ~~واحدا، أي ترد عظاما بلا مفاصل لا تنثني عند الرفع والخفض. وفي الحديث ~~وتبقى أصلابهم طبقا واحدا، أي، فقارة واحدة. فإن قلت لم يدعون إلى ~~السجود ولا تكليف؟ قلت لا يدعون إليه تعبدا وتكليفا، ولكن توبيخا ~~وتعنيفا على تركهم السجود في الدنيا، مع إعقام أصلابهم والحيلولة بينهم ~~وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرطوا فيه حين دعوا إلى ~~السجود، وهم سالمون الأصلاب والمفاصل يمكنون مزاحو العلل فيما تعبدوا به. ### || [68.44-45] # يقال ذرني وإياه، يريدون كله إلي، فإني أكفيكه، كأنه يقول حسبك إيقاعا ~~به أن تكل أمره إلي وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به ~~مطيق له، والمراد حسبي مجازيا لمن يكذب بالقرآن، فلا تشغل قلبك بشأنه ~~وتوكل علي في الانتقام منه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتهديدا للمكذبين. استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة فدرجة، حتى ~~يورطه فيه. واستدراج الله العصاة أن يرزقهم الصحة والنعمة، فيجعلوا رزق ~~الله ذريعة ومتسلقا إلى ازدياد الكفر والمعاصي { من حيث لا ~~يعلمون } أي من الجهة التي لا يشعرون أنه استدراج وهو الإنعام ~~عليهم، لأنهم يحسبونه إيثارا لهم وتفضيلا على المؤمنين، وهو سبب ~~لهلاكهم { وأملى لهم } وأمهلهم، كقوله تعالى # إنما نملى لهم ليزدادوا إثما # آل عمران178 والصحة والرزق والمد في العمر إحسان من الله وإفضال يوجب ~~عليهم الشكر والطاعة، ولكنهم يجعلونه سببا في الكفر باختيارهم، فلما ~~تدرجوا به إلى الهلاك وصف المنعم بالاستدراج. وقيل كم من مستدرج ~~بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه. ~~وسمي إحسانه وتمكينه كيدا كما سماه استدراجا، لكونه في صورة الكيد حيث ~~كان سببا للتورط في الهلكة، ووصفه بالمتانة لقوة أثر إحسانه في التسبب ~~للهلاك. ### || [68.46-47] # المغرم الغرامة، أي لم تطلب منهم على الهداية ms2129 والتعليم أجرا، فيثقل ~~عليهم حمل الغرامات في أموالهم، فيثبطهم ذلك عن الإيمان { أم عندهم ~~الغيب } أي اللوح { فهم يكتبون } منه ما يحكمون به. ### || [68.48-50] # { لحكم ربك } وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم { ولا تكن ~~كصحب الحوت } يعني يونس عليه السلام { إذ نادى } في بطن ~~الحوت { وهو مكظوم } مملوء غيظا، من كظم السقاء إذا ملأه، ~~والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه، حسن ~~تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه. وقرأ ابن عباس وابن مسعود «تداركته». ~~وقرأ الحسن «تداركه»، أي تتداركه على حكاية الحال الماضية، بمعنى لو أن ~~كان يقال فيه تتداركه، كما يقال كان زيد سيقوم فمنعه فلان، أي كان يقال ~~فيه سيقوم. والمعنى كان متوقعا منه القيام. ونعمة ربه أن أنعم عليه ~~بالتوفيق للتوبة وتاب عليه. وقد اعتمد في جواب «لولا» على الحال، أعني ~~قوله { وهو مذموم } يعني أن حاله كانت على خلاف الذم حين نبذ ~~بالعراء، ولولا توبته لكانت حاله على الذم. روى أنها نزلت بأحد حين حل ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل به، فأراد أن يدعو على الذين ~~انهزموا. وقيل حين أراد أن يدعو على ثقيف. وقرىء «رحمة من ربه» { ~~فاجتبه ربه } فجمعه إليه، وقربه بالتوبة عليه، كما قال # ثم اجتبه ربه فتاب عليه وهدى # طه 122 { فجعله من الصلحين } أي من الأنبياء. وعن ابن ~~عباس رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه. ### || [68.51-52] # إن مخففة من الثقيلة واللام علمها.وقرأ« ليزلقونك» بضم الياء وفتحها. ~~وزلقه وأزلقه بمعنى ويقال زلق الرأس وأزلقه حلقه،وقرأ« ليزهقونك » من ~~زهقت نفسه وأزهقها، يعني أنهم من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون ~~العداوة والبغضاء، يكادون يزلون قدمك أويهلكونك،من قولهم نظر إلى نظرا ~~يكاد يصرعني، ويكاد يأكلني، أي لو أمكنه بنظره الصراع أو الأكل لفعله،قال # يتقارضون إذا التقوا في موطن نظرا يزل مواطىء الأقدام # وقيل كانت العين في بنى أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر ~~به شيء فيقول فيه لم أر كاليوم مثله إلا ms2130 عانه،فأريد بعض العيانين على أن ~~يقول فى رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك،فقاللم أر كاليوم رجلا ~~فعصمه لله.وعن الحسندواء الإصابة بالعين أن تقرأ هذه الآية { لما سمعوا ~~الذكر } أي القرآن لم يملكوا أنفسهم حسدا على ما أوتيت من النبوة { ~~ويقولون إنه لمجنون } حيرة فى أمره وتنفيرا عنه وإلا فقد علموا أنه ~~أعقلهم. والمعنىأنهم جننوه لأجل القرآن { وماهو إلا ذكر } وموعظة { ~~للعالمين } فكيف يجنن من جاء بمثله.عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم " ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-8] # { الحاقة } الساعة الواجبة الوقوع الثابتة المجيء، التي هي آتية لا ~~ريب فيها. أو التي فيها حواق الأمور من الحساب والثواب والعقاب. أو التي ~~تحق فيها الأمور، أي تعرف على الحقيقة، من قولك لا أحق هذا، أي لا أعرف ~~حقيقته. جعل الفعل لها وهو لأهلها وارتفاعها على الابتداء وخبرها { ما ~~الحآقة2 } والأصل الحاقة ما هي، أي أي شيء هي تفخيما لشأنها ~~وتعظيما لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر لأنه أهول لها { ومآ ~~أدراك } وأي شيء أعلمك ما الحاقة، يعني أنك لا علم لك بكنهها ومدى ~~عظمها، عى أنه من العظم والشدة بحيث لا يبلغه دراية أحد ولا وهمه، وكيفما ~~قدرت حالها فهي أعظم من ذلك، وما في موضع الرفع على الابتداء. و { ~~أدراك } معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام. القارعة التي تقرع الناس ~~بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق والإنفطار، والأرض والجبال بالدك ~~والنسف، والنجوم بالطمس والانكدار. ووضعت موضع الضمير لتدل على معنى ~~القرع. في الحاقة زيادة في وصف شدتها ولما ذكرها وفخمها أتبع ذكر من كذب ~~بها وما حل بهم بسبب التكذيب، تذكيرا لأهل مكة وتخويفا لهم من عاقبة ~~تكذيبهم { بالطاغية } بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة. واختلف ~~فيها، فقيل الرجفة. وعن ابن عباس الصاعقة. وعن قتادة بعث الله عليهم صيحة ~~فأهمدتهم. وقيل الطاغية مصدر كالعافية، أي بطغيانهم وليس بذاك لعدم ~~الطباق بينها وبين قوله { بريح صرصر } والصرصر الشديدة الصوت لها ~~صرصرة. وقيل الباردة من الصر، ms2131 كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق ~~لشدة بردها { عاتية } شديدة العصف والعتو استعارة. أو عتت على عاد، ~~فما قدروا على ردها بحيلة، من استتار ببناء، أو لياذ بجبل، أو اختفاء في ~~حفرة فإنها كانت تنزعهم من مكامنهم وتهلكهم. وقيل عتت على خزانها، فخرجت ~~بلا كيل ولا وزن وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1222 # " ما أرسل الله سفينة من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا ~~يوم عاد ويوم نوح، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان فلم يكن لهم عليه ~~السبيل " # ، ثم قرأ # إنا لما طغا الماء حملنكم فى الجارية # الحاقة 11 # " وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " # ثم قرأ { بريح صرصر عاتية } ولعلها عبارة عن الشدة والإفراط ~~فيها. الحسوم لا يخلو من أن يكون جمع حاسم كشهود وقعود. أو مصدرا ~~كالشكور والكفور فإن كان جمعا فمعنى قوله { حسوما } نحسات حسمت كل ~~خير واستأصلت كل بركة. أو متتابعة هبوب الرياح ماخفتت ساعة حتى أتت عليهم ~~تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء، مرة بعد ~~أخرى حتى ينحسم. # وإن كان مصدرا فإما أن ينتصب بفعله مضمرا، أي تحسم حسوما، بمعنى ~~تستأصل استئصالا. أو يكون صفة كقولك ذات حسوم. أو يكون مفعولا له، أي ~~سخرها للاستئصال. وقال عبد العزيز ابن زرارة الكلابي # ففرق بين بينهم زمان تتابع فيه أعوام حسوم # وقرأ السدى «حسوما»، بالفتح حالا من الريح، أي سخرها عليهم مستأصلة. ~~وقيل هي أيام العجوز وذلك أن عجوزا من عاد توارت في سرب، فانتزعتها ~~الريح في اليوم الثامن فأهلكتها. وقيل هي أيام العجز، وهي آخر الشتاء ~~وأسماؤها الصن والصنبر، والوبر. والآمر، والمؤتمر، والمعلل، ومطفىء ~~الجمر. وقيل مكفيء الظعن ومعنى { سخرها عليهم } سلطها عليهم ~~كما شاء { فيها } في مهابها. أو في الليالي والأيام. وقرىء «أعجاز ~~نخيل» { من باقية } من بقية أو من نفس باقية. أو من بقاء، كالطاغية ~~بمعنى الطغيان. ### || [69.9-10] # { ومن قبله } يريد ومن عنده ms2132 من تباعه. وقرىء «ومن قبله»، أي ومن ~~تقدمه. وتعضد الأولى قراءة عبد الله وأبي «ومن معه» وقراءة أبي موسى «ومن ~~تلقاءه» { والمؤتفكت } قرى قوم لوط { بالخاطئة } بالخطأ. ~~أو بالفعلة، أو الأفعال ذات الخطأ العظيم { رابية } شديدة زائدة في ~~الشدة، كما زادت قبائحهم في القبح. يقال ربا الشيء يربو إذا زاد # ليربوا فى أموال الناس # الروم 39. ### || [69.11-12] # { حملنكم } حملنا آباءكم { فى الجارية } في سفينة لأنهم ~~إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين، كان حمل آبائهم منة عليهم، وكأنهم ~~هم المحمولون، لأن نجاتهم سبب ولادتهم { لنجعلها } الضمير للفعلة ~~وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكفرة { تذكرة } عظة وعبرة { أذن ~~وعية } من شأنها أن تعي وتحفظ ما سمعت به ولا تضيعه بترك العمل، وكل ~~ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته كقولك وعيت ~~الشيء في الظرف. وعن النبي صلى الله عليه وسلم. 1223 أنه قال لعلي رضي ~~الله عنه عند نزول هذه الآية # " سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي " # قال علي رضي الله عنه فما نسيت شيئا بعد وما كان لي أن أنسى. فإن ~~قلت لم قيل أذن واعية، على التوحيد والتنكير؟ قلت للإيذان بأن الوعاة ~~فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم وللدلالة على أن الأذن الواحدة ~~إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا ~~يبالي بهم بالة وإن ملئوا ما بين الخافقين. وقرىء «وتعيها» بسكون العين ~~للتخفيف شبه تعي بكبد. ### || [69.13-18] # أسند الفعل إلى المصدر، وحسن تذكيره للفصل. وقرأ أبو السمال «نفخة ~~واحدة» بالنصب مسندا للفعل إلى الجار والمجرور. فإن قلت هما نفختان، فلم ~~قيل واحدة؟ قلت معناه أنها لا تثني في وقتها. فإن قلت فأي النفختين هي؟ ~~قلت الأولى لأن عندها فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس. وقد روى ~~عنه أنها الثانية. فإن قلت أما قال بعد، { يومئذ تعرضون } ~~والعرض إنما هو عند النفخة الثانية؟ قلت جعل اليوم إسما للحين الواسع ~~الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف ms2133 والحساب، فلذلك قيل { ~~يومئذ تعرضون } كما تقول جئته عام كذا وإنما كان مجيئك في وقت ~~واحد من أوقاته { وحملت } ورفعت من جهاتها بريح بلغت من قوة عصفها ~~أنها تحمل الأرض والجبال. أو بخلق من الملائكة. أو بقدرة الله من غير ~~سبب. وقرىء «وحملت» بحذف المحمل وهو أحد الثلاثة { فدكتا } فدكت ~~الجملتان جملة الأرضين وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض حتى تندق وترجع ~~كثيبا مهيلا وهباء منبثا والدك أبلغ من الدق. وقيل فبسطتا بسطة واحدة، ~~فصارتا أرضا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، من قولك اندك السنام إذا ~~انفرش وبعير أدك وناقة دكاء. ومنه الدكان { فيومئذ وقعت ~~الواقعة 15 } فحينئذ نزلت النازلة وهي القيامة { واهية } ~~مسترخية ساقطة القوة جدا بعد ما كانت محكمة مستمسكة. يريد والخلق الذي ~~يقال له الملك، ورد إليه الضمير مجموعا في قوله { فوقهم } على ~~المعنى فإن قلت ما الفرق بين قوله { والملك } ، وبين أن يقال ~~والملائكة؟ قلت الملك أعم من الملائكة، ألا ترى أن قولك ما من ملك إلا ~~وهو شاهد، أعم من قولك ما من ملائكة { على أرجآئها } على جوانبها ~~الواحد رجا مقصور، يعني أنها تنشق، وهي مسكن الملائكة، فينضوون إلى ~~أطرافها وما حولها من حافاتها { ثمنية } أي ثمانية منهم. وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 1224 # " هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين ~~فيكونون ثمانية " # وروي ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، ~~وهم مطرقون مسبحون. وقيل بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، ~~وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر. وروي ثمانية أملاك في خلق ~~الأوعال، ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما. وعن شهر بن حوشب ~~أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ~~وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك وعن ~~الحسن الله أعلم كم هم، أثمانية أم ثمانية آلاف؟ وعن الضحاك ثمانية صفوف ~~لا يعلم عددهم إلا الله. ويجوز أن تكون الثمانية من ms2134 الروح، أو من خلق ~~آخر، فهو القادر على كل خلق، # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # يس36. العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة. شبه ذلك بعرض السلطان العسكر ~~لتعرف أحواله. وروى أن في يوم القيامة ثلاثة عرضات. فأما عرضتان فاعتذار ~~واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه ~~بيمينه والهالك كتابه بشماله { خافية } سريرة وحال كانت تخفي في ~~الدنيا بستر الله عليكم. ### || [69.19-24] # { فأما } تفصيل للعرض ها صوت يصوت به فيفهم منه معنى «خذ» كأف ~~وحس، وما أشبه ذلك. و { كتبيه } منصوب بهاؤم عند الكوفيين، وعند ~~البصريين باقرؤا، لأنه أقرب العاملين. وأصله هاؤم كتابي اقرؤا كتابي، ~~فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. ونظيره # اتونى أفرغ عليه قطرا # الكهف 96، قالوا ولو كان العامل الأول لقيل اقرؤه وأفرغه، والهاء في { ~~كتبيه } للسكت، وكذلك في { حسابيه } و { ماليه } و { ~~سلطنيه } وحق هذه الهآت أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقد ~~استحب إيثار الوقف إيثارا لثباتها في المصحف. وقيل لا بأس بالوصل ~~والإسقاط. وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغير هاء. وقرأ جماعة بإثبات ~~الهاء في الوصل والوقف جميعا لاتباع المصحف { ظننت } علمت. وإنما ~~أجري الظن مجرى العلم، لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات ~~والأحكام. ويقال أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت { راضية } ~~منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل. والنسبة نسبتان نسبة بالحرف، ونسبة ~~بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازا وهو لصاحبها { عالية } مرتفعة ~~المكان في السماء. أو رفيعة الدرجات. أو رفيعة المباني والقصور والأشجار ~~{ دانية } ينالها القاعد والنائم. يقال لهم { كلوا واشربوا ~~هنيئا } أكلا وشربا هنيئا. أو هنيتم هنيئا على المصدر { بما ~~أسلفتم } بما قدمتم من الأعمال الصالحة { فى الأيام ~~الخالية } الماضية من أيام الدنيا. وعن مجاهد أيام الصيام، أي كلوا ~~واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله. وروى يقول الله عز وجل ~~يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت ~~أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في ms2135 نعيمكم، وكلوا وأشربوا هنيئا بما ~~أسلفتم في الأيام الخالية. ### || [69.25-29] # الضمير في { يليتها } للموتة يقول يا ليت الموتة التي متها { ~~كانت القاضية } أي القاطعة لأمري، فلم أبعث بعدها ولم ألق ما ~~ألقى. أو للحالة، أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي، لأنه رأى ~~تلك الحالة أبشع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته فتمناه عندها { مآ ~~أغنى } نفي أو استفهام على وجه الإنكار، أي أي شيء أغنى عني ما كان ~~لي من اليسار { هلك عنى سلطنيه29 } ملكي وتسلطي على الناس، ~~وبقيت فقيرا ذليلا. وعن ابن عباس أنها نزلت في الأسود بن عبد الأشد. ~~وعن فناخسرو الملقب بالعضد، أنه لما قال # عضد الدولة وابن ركنها ملك الأملاك غلاب ~~القدر # لم يفلح بعده وجن فكان لا ينطق لسانه إلا بهذه الآية. وقال ابن عباس ~~ضلت عني حجتي. ومعناه بطلت حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا. ### || [69.30-37] # { ثم الجحيم صلوه31 } ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار ~~العظمى، لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس. يقال صلى النار وصلاه النار. ~~سلكه في السلسلة أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها وهو فيما بينها ~~مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة وجعلها سبعين ذراعا إرادة الوصف ~~بالطول. كما قال # إن تستغفر لهم سبعين مرة # التوبة80، يريد مرات كثيرة، لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد. والمعنى في ~~تقديم السلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية. أي لا تسلكوه ~~إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم. ومعنى ~~{ ثم } الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية بالجحيم، وما بينها ~~وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة إنه تعليل على طريق ~~الاستئناف، وهو أبلغ كأنه قيل ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بذلك. ~~وفي قوله { ولا يحض على طعام المسكين34 } دليلان قويان ~~على عظم الجرم في حرمان المسكين، أحدهما عطفه على الكفر، وجعله قرينة له. ~~والثاني ذكر الحض دون الفعل، ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة، ms2136 فكيف ~~بتارك الفعل، وما أحسن قول القائل # إذا نزل الأضياف كان عذورا على الحى حتى ~~تستقل مراجله # يريد حضهم على القرى واستعجلهم وتشاكس عليهم. وعن أبي الدرداء أنه كان ~~يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول خلعنا نصف السلسلة ~~بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟ وقيل هو منع الكفار. وقولهم # أنطعم من لو يشاء الله أطعمه # يس 47 والمعنى على بذل طعام المسكين { حميم } قريب يدفع عنه ويحزن ~~عليه، لأنهم يتحامونه ويفرون منه، كقوله # ولا يسئل حميم حميما # المعارج 10، والغسلين غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد ~~والدم فعلين من الغسل { الخطئون } الآثمون أصحاب الخطايا. وخطىء ~~الرجل إذا تعمد الذنب، وهم المشركون عن ابن عباس وقرىء «الخاطيون» بإبدال ~~الهمزة ياء، والخاطون بطرحها. وعن ابن عباس ما الخاطون؟ كلنا نخطو، وروى ~~عنه أبو الأسود الدؤلي ما الخاطون؟ إنما هو الخاطئون ما الصابون؟ إنما هو ~~الصابئون ويجوز أن يراد الذين يتخطون الحق إلى الباطل، ويتعدون حدود ~~الله. ### || [69.38-43] # هو إقسام بالأشياء كلها على الشمول والإحاطة، لأنها لا تخرج من قسمين ~~مبصر وغير مبصر. وقيل الدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجن، ~~والخلق والخالق، والنعم الظاهرة والباطنة، إن هذا القرآن { لقول ~~رسول كريم } أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله { ~~وما هو بقول شاعر } ولا كاهن كما تدعون والقلة في معنى العدم. ~~أي لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتة. والمعنى ما أكفركم وما أغفلكم { تنزيل ~~} أي هو تنزيل. بيانا لأنه قول رسول نزل عليه { من رب ~~العلمين } وقرأ أبو السمال تنزيلا، أي نزل تنزيلا. وقيل الرسول ~~الكريم جبريل عليه السلام. وقوله { وما هو بقول شاعر } دليل ~~على أنه محمد صلى الله عليه وسلم لأن المعنى على إثبات أنه رسول، لا ~~شاعر ولا كاهن. ### || [69.44-52] # التقول افتعال القول، لأن فيه تكلفا من المفتعل، وسمى الأقوال ~~المتقولة «أقاويل» تصغيرا بها وتحقيرا، كقولك الأعاجيب والأضاحيك، ~~كأنها جمع أفعولة من القول والمعنى ولو ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه ~~صبرا، كما يفعل الملوك ms2137 بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور ~~قتل الصبر بصورته ليكون أهول وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته. وخص اليمين ~~عن اليسار لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا ~~أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف، وهو أشد على المصبور لنظره إلى ~~السيف أخذ بيمينه ومعنى { لأخذنا منه باليمين45 } لأخذنا ~~بيمينه، كما أن قوله { لقطعنا منه الوتين } لقطعنا وتينه، ~~وهذا بين، والوتين نياط القلب وهو حبل الوريد إذا قطع مات صاحبه. وقرىء ~~«ولو تقول» على البناء للمفعول قيل { حجزين } في وصف أحد لأنه في ~~معنى الجماعة، وهو اسم يقع في النفي العام مستويا فيه الواحد والجمع ~~والمذكر والمؤنث. ومنه قوله تعالى # لا نفرق بين أحد من رسله # البقرة 285، # لستن كأحد من النساء # الأحزاب 32، والضمير في عنه للقتل، أي لا يقدر أحد منكم أن يحجزه عن ذلك ~~ويدفعه عنه. أو لرسول الله، أي لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل وتحولوا ~~بينه وبينه والخطاب للناس، وكذلك في قوله تعالى { وإنا لنعلم ~~أن منكم مكذبين } وهو إيعاد على التكذيب. وقيل الخطاب ~~للمسلمين. والمعنى أن منهم ناسا سيكفرون بالقرآن { وإنه } الضمير ~~للقرآن { لحسرة } على الكافرين به المكذبين له إذا رأوا ثواب ~~المصدقين به. أو للتكذيب، وأن القرآن اليقين حق اليقين، كقولك هو العالم ~~حق العالم، وجد العالم. والمعنى لعين اليقين، ومحض اليقين { فسبح } ~~الله بذكر اسمه العظيم وهو قوله سبحان الله وأعبده شكرا على ما أهلك ~~له من إيحائه إليك. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1225 # " من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا ". ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-18] # ضمن { سأل } معنى دعا، فعدي تعديته، كأنه قيل دعا داع { بعذاب ~~واقع } من قولك دعا بكذا. إذا استدعى وطلبه. ومنه قوله تعالى # يدعون فيها بكل فاكهة # الدخان55 وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو النضر بن الحرث قال إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. ~~وقيل هو رسول الله ms2138 صلى الله عليه وسلم، استعجل بعذاب للكافرين. وقرىء ~~«سال سائل» وهو على وجهين إما أن يكون من السؤال وهي لغة قريش، يقولون ~~سلت تسأل، وهما يتسايلان وأن يكون من السيلان. ويؤيده قراءة ابن عباس ~~«سال سيل»، والسيل مصدر في معنى السائل، كالغور بمعنى الغائر. والمعنى ~~اندفع عليهم وادي عذاب فذهب بهم وأهلكهم. وعن قتادة سأل سائل عن عذاب ~~الله على من ينزل وبمن يقع؟ فنزلت، وسأل على هذا الوجه مضمن معنى عنى ~~واهتم فإن قلت بم يتصل قوله { للكفرين } قلت هو على القول ~~الأول متصل بعذاب صفة له، أي بعذاب واقع كائن للكافرين، أو بالفعل، أي ~~دعا للكافرين بعذاب واقع، أو بواقع أي بعذاب نازل لأجلهم، وعلى الثاني هو ~~كلام مبتدأ جواب للسائل، أي هو للكافرين. فإن قلت فقوله { من الله ~~} بم يتصل؟ قلت يتصل بواقع، أي واقع من عنده، أو بدافع بمعنى ليس له دافع ~~من جهته إذا جاء وقته وأوجبت الحكمة وقوعه { ذي المعارج } ذي ~~المصاعد جمع معرج، ثم وصف المصاعد وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال { ~~تعرج الملئكة والروح إليه } إلى عرشه وحيث تهبط منه ~~أوامره { فى يوم كان مقداره } كمقدار مدة { خمسين ألف ~~سنة } مما يعد الناس. والروح. جبريل عليه السلام، أفرده لتميزه بفضله. ~~وقيل الروح خلق هم حفظة على الملائكة، كما أن الملائكة حفظة على الناس. ~~فإن قلت بم يتعلق قوله { فاصبر }؟ قلت بسأل سائل لأن استعجال النصر ~~بالعذاب إنما كان على وجه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتكذيب بالوحي، وكان ذلك مما يضجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر ~~بالصبر عليه، وكذلك من سأل عن العذاب لمن هو، فإنما سأل على طريق التعنت، ~~وكان من كفار مكة. ومن قرأ «سال سائل» أو سيل، فمعناه جاء العذاب لقرب ~~وقوعه، فاصبر فقد شارفت الانتقام، وقد جعل { فى يوم } من صلة { ~~واقع } أي يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم، وهو يوم ~~القيامة إما أن يكون استطالة له لشدته على الكفار، ms2139 وإما لأنه على ~~الحقيقة كذلك. قيل فيه خمسون موطنا كل موطن ألف سنة، وما قدر ذلك على ~~المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. # الضمير في { يرونه } للعذاب الواقع، أو ليوم القيامة فيمن علق في ~~يوم بواقع أي يستبعدونه على جهة الإحالة نحن { نراه قريبا7 } هينا ~~في قدر في قدرتنا غير بعيد علينا ولا متعذر، فالمراد بالبعيدالبعيد من ~~الإمكان، وبالقريب القريب منه نصب { يوم تكون } بقريبا، أي يمكن ~~ولا يتعذر في ذلك اليوم. أو بإضمار يقع، لدلالة واقع عليه أو يوم تكون ~~السماء كالمهل. كان كيت وكيت. أو هو بدل عن في يوم فيمن علقه بواقع { ~~كالمهل } كدردي الزيت. وعن ابن مسعود كالفضة المذابة في تلونها { ~~كالعهن } كالصوف المصبوغ ألوانا لأن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود، فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنقوش إذا طيرته ~~الريح { ولا يسئل حميم حميما10 } أي لا يسأله بكيف حالك ولا ~~يكلمه، لأن بكل أحد ما يشغله عن المساءلة { يبصرونهم } أي يبصر ~~الأحماء الأحماء، فلا يخفون عليهم، فما يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا ~~يبصر بعضا، وإنما يمنعهم التشاغل وقرىء «يبصرونهم» وقرىء «ولا يسئل» على ~~البناء للمفعول، أي لا يقال لحميم أين حميمك ولا يطلب منه لأنهم يبصرونهم ~~فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب. فإن قلت ما موقع يبصرونهم؟ قلت هو كلام ~~مستأنف، كأنه لما قال { ولا يسئل حميم حميما 10 } قيل لعله ~~لا يبصره، فقيل يبصرونهم ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. فإن قلت ~~لم جمع الضميران في { يبصرونهم } وهما للحميمين؟ قلت المعنى على ~~العموم لكل حميمين لا لحميمين اثنين. ويجوز أن يكون { يبصرونهم } ~~صفة، أي حميما مبصرين معرفين إياهم. قرىء «يومئذ» بالجر والفتح على ~~البناء للإضافة إلى غير متمكن، ومن عذاب يومئذ، بتنوين عذاب ونصب { ~~يومئذ } وانتصابه بعذاب. لأنه في معنى تعذيب { وفصيلته } ~~عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم { تئويه } تضمه انتماء إليها، أو ~~لياذا بها في النوائب. { ينجيه } عطف على يفتدي، أي يود لو يفتدى، ~~ثم لو ينجيه الافتداء. أو من ms2140 في الأرض. وثم لاستبعاد الإنجاء، يعني تمنى ~~لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك وهيهات ~~أن ينجيه { كلا } ردع للمجرم عن الودادة، وتنبيه على أنه لا ينفعه ~~الافتداء ولا ينجيه من العذاب، ثم قال { إنها } والضمير للنار، ولم ~~يجر لها ذكر لأن ذكر العذاب دل عليها. ويجوز أن يكون ضميرا مبهما ترجم ~~عنه الخبر، أو ضمير القصة. و { لظى } علم للنار، منقول من اللظى بمعنى ~~اللهب. ويجوز أن يراد اللهب. و { نزاعة } خبر بعد خبر لأن أو خبر ~~للظى إن كانت الهاء ضمير القصة، أو صفة له إن أردت اللهب، والتأنيث لأنه ~~في معنى النار. أو رفع على التهويل، أي هي نزاعة. # وقرىء «نزاعة» بالنصب على الحال المؤكدة، أو على أنها متلظية نزاعة أو ~~على الاختصاص للتهويل. والشوى الأطراف أو جمع شواة وهي جلدة الرأس تتزعها ~~نزعا فتبتكها؟ ثم تعاد { تدعوا } مجاز عن إحضارهم، كأنها تدعوهم ~~فتحضرهم. ونحوه قول ذي الرمة # ...... تدعو أنفه الربب # وقوله # ليالى اللهو يطبيني فأتبعه # وقول أبي النجم # تقول للرائد أعشبت انزل # وقيل تقول لهم إلي إلي يا كافر يا منافق. وقيل تدعو المنافقين ~~والكافرين بلسان فصيح ثم تلتقطهم التقاط الحب، فيجوز أن يخلق الله فيها ~~كلاما كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم، وكما خلقه في الشجرة ويجوز ~~أن يكون دعاء الزبانية. وقيل تدعو تهلك، من قول العرب دعاك الله، أي ~~أهلكك. قال # دعاك الله من رجل بأفعى # { من أدبر } عن الحق { وتولى } عنه وجمع المال فجعله في ~~وعاء وكنزه ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيه، وتشاغل به عن الدين ~~وزهى بإقتنائه وتكبر. ### || [70.19-35] # أريد بالإنسان الناس فلذلك استثنى منه إلا المصلين. والهلع سرعة الجزع ~~عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس الخير، من قولهم ناقة هلواع سريعة ~~السير. وعن أحمد بن يحيى، قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر ما الهلع؟ ~~فقلت قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره، وهو الذي إذا ناله ~~شر أظهر شدة ms2141 الجزع، وإذا ناله خير بخل به ومنعه الناس والخير المال ~~والغنى والشر الفقر. أو الصحة والمرض إذا صح الغني منع المعروف وشح ~~بماله، وإذا مرض جزع وأخذ يوصي. والمعنى أن الإنسان لإيثاره الجزع والمنع ~~وتمكنهما منه ورسوخهما فيه، كأنه مجبول عليهما مطبوع، وكأنه أمر خلقي ~~وضروري غير اختياري، كقوله تعالى # خلق الإنسان من عجل # الأنبياء 37 والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ~~ولأنه ذم والله لا يذم فعله، والدليل عليه استثناء المؤمنين الذين ~~جاهدوا أنفسهم وحملوها على المكاره وظلفوها عن الشهوات، حتى لم يكونوا ~~جازعين ولا مانعين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم. 1226 # " شر ما أعطي ابن آدم شح هالع وجبن خالع " # فإن قلت كيف قال { على صلاتهم دائمون } ثم على صلاتهم ~~يحافظون؟ قلت معنى دوامهم عليها أن يواظبوا على أدائها لا يخلون بها ولا ~~يشتغلون عنها بشىء من الشواغل، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ~~1227 # " أفضل العمل أدومه وإن قل " # وقول عائشة 1228 كان عمله ديمة. ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء ~~لها ومواقيتها ويقيموا أركانها ويكملوها بسنتها وآدابها، ويحفظوها من ~~الإحباط باقتراف المآثم، فالدوام يرجع إلى أنفس الصلوات والمحافظة إلى ~~أحوالها { حق معلوم } هو الزكاة، لأنها مقدرة معلومة أو صدقة ~~يوظفها الرجل على نفسه يؤديها في أوقات معلومة. السائل الذي يسأل { ~~والمحروم } الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنيا فيحرم { يصدقون ~~بيوم الدين } تصديقا بأعمالهم واستعدادهم له، ويشفقون من عذاب ~~ربهم، واعترض بقوله { إن عذاب ربهم غير مأمون } أي لا ~~ينبغي لأحد وإن بالغ في الطاعة والاجتهاد أن يأمنه. وينبغي أن يكون ~~مترجحا بين الخوف والرجاء. قرىء «بشهادتهم» «وبشهاداتهم» والشهادة من ~~جملة الأمانات. وخصها من بينها إبانة لفضلها، لأن في إقامتها إحياء ~~الحقوق وتصحيحها. وفي زيها تضييعها وإبطالها. ### || [70.36-44] # كان المشركون يحتفون حول النبي صلى الله عليه وسلم حلقا حلقا وفرقا ~~فرقا، يستمعون ويستهزؤون بكلامه. ويقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول ~~محمد فلندخلنها قبلهم، فنزلت { مهطعين } مسرعين نحوك، ms2142 مادي أعناقهم ~~إليك، مقبلين بأبصارهم عليك { عزين } فرقا شتى جمع عزة، وأصلها عزوة، ~~كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى فهم مفترقون. قال ~~الكميت. # ونحن وجندل باغ تركنا كتائب جندك شتى ~~عزينا # وقيل كان المستهزؤون خمسة أرهط { كلا } ردع لهم عن طمعهم في دخول ~~الجنة، ثم علل ذلك بقوله { إنا خلقنهم مما يعلمون } ~~إلى آخر السورة، وهو كلام دال على إنكارهم البعث، فكانه قال كلا إنهم ~~منكرون للبعث والجزاء فمن أين يطعمون في دخول الجنة؟ فإن قلت من أي وجه ~~دل هذا الكلام على إنكار البعث؟ قلت من حيث أنه احتجاج عليهم بالنشأة ~~الأولى، كالاحتجاج بها عليهم في مواضع من التنزيل، وذلك قوله { ~~خلقنهم مما يعلمون } أي من النطف، وبالقدرة على أن يهلكهم ~~ويبدل ناسا خيرا منهم، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه لا يعجزه ~~شيء، والغرض أن من قدر على ذلك لم تعجزه الإعادة. ويجوز أن يراد إنا ~~خلقناهم مما يعلمون، أي من النطفة المذرة، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع ~~منه. ولذلك أبهم وأخفى إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين ~~يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون لندخلن الجنة قبلهم. وقيل معناه إنا ~~خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم ~~الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح، فلم يطمع أن يدخلها من ليس له إيمان ~~وعمل. وقرىء «برب المشرق والمغرب» ويخرجون، ويخرجون ومن الأجداث سراعا، ~~بالإظهار والإدغام. ونصب، ونصب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله { ~~يوفضون } يسرعون إلى الداعي مستبقين كما كانوا يستبقون إلى أنصابهم. ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1229 # " من قرأ سورة سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون ". ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # { أن أنذر } أصله بأن أنذر، فخذف الجار وأوصل الفعل وهي أن الناصبة ~~للفعل، والمعنى أرسلناه بأن قلنا له أنذر، أي أرسلناه بالأمر بالإنظار. ~~ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإرسال فيه معنى القول. وقرأ ابن مسعود «أنذر» ~~بغير ms2143 «أن» على إرادة القول. و { أن اعبدوا } نحو { أن أنذر } ~~في الوجهين. فإن قلت كيف قال { ويؤخركم } مع إخباره بامتناع ~~تأخير الأجل، وهل هذا إلا تناقض؟ قلت قضى الله مثلا أن قوم نوح إن ~~آمنوا عمرهم ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة. فقيل ~~لهم آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، أي إلى وقت سماه الله وضربه أمدا تنتهون ~~إليه لا تتجاوزونه، وهو الوقت الأطول تمام الألف ثم أخبر أنه إذا جاء ذلك ~~الأجل الأمد لا يؤخر كما يؤخر هذا الوقت، ولم تكن لكم حيلة، فبادروا في ~~أوقات الإمهال والتأخير. ### || [71.5-20] # { ليلا ونهارا } دائبا من غير فتور مستغرقا به الأوقات كلها { ~~فلم يزدهم دعآءى } جعل الدعاء فاعل زيادة الفرار. والمعنى ~~على أنهم ازدادوا عنده فرارا لأنه سبب الزيادة. ونحوه # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # التوبة 125 # فزادتهم إيمنا # التوبة 124 { لتغفر لهم } ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم، فذكر ~~المسبب الذي هو حظهم خالصا ليكون أقبح لإعراضهم عنه. سدوا مسامعهم عن ~~استماع الدعوة { واستغشوا ثيابهم } وتغطوا بها، كأنهم طلبوا ~~أن تغشاهم ثيابهم، أو تغشيهم لئلا يبصروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم ~~في دين الله. وقيل لئلا يعرفهم ويعضده قوله تعالى # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا ~~حين يستغشون ثيابهم # هود 5، الإصرار من أصر الحمار على العانة إذا صر أذنيه وأقبل عليها ~~يكدمها ويطردها استعير للإقبال على المعاصي والإكباب عليها { ~~واستكبروا } وأخذتهم العزة من اتباع نوح وطاعته، وذكر المصدر ~~تأكيد ودلالة على فرط استقبالهم وعتوهم. فإن قلت ذكر أنه دعاهم ليلا ~~ونهارا، ثم دعاهم جهارا، ثم دعاهم في السر والعلن فيجب أن تكون ثلاث ~~دعوات مختلفات حتى يصح العطف. قلت قد فعل عليه الصلاة والسلام كما يفعل ~~الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في الابتداء بالأهون والترقي في ~~الأشد فالأشد، فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، ~~فلما لم تؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. ومعنى { ثم } الدلالة ~~على تباعد الأحوال، لأن الجهار أغلظ من الإسرار والجمع ms2144 بين الأمرين، أغلظ ~~من إفراد أحدهما. و { جهارا } منصوب بدعوتهم، نصب المصدر لأن ~~الدعاء أحد نوعيه الجهار، فنصب به نصب القرفصاء بقعد، لكونها أحد أنواع ~~القعود. أو لأنه أراد بدعوتهم جاهرتهم. ويجوز أن يكون صفة لمصدر دعا، ~~بمعنى دعاء جهارا، أي مجاهرا به. أو مصدرا في موضع الحال، أي مجاهرا. ~~أمرهم بالاستغفار الذي هو التوبة عن الكفر والمعاصي، وقدم إليهم الموعد ~~بما هو أوقع في نفوسهم وأحب إليهم من المنافع الحاضرة والفوائد العاجلة، ~~ترغيبا في الإيمان وبركاته والطاعة ونتائجها من خير الدارين، كما قال # وأخرى تحبونها نصر من الله # الصف 13، # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت # الأعراف 96، # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل ~~إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم # المائدة 66، # وأن لو استقموا على الطريقة لاسقينهم # الجن 16، وقيل لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس الله عنهم القطر ~~وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة. وروي سبعين فوعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم ~~الله تعالى الخصب ودفع عنهم ما كانوا فيه. وعن عمر رضي الله عنه أنه ~~خرج يستسقي، فما زاد على الاستغفار، فقيل له ما رأيناك استسقيت! فقال لقد ~~استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر شبه الاستغفار بالأنواء ~~الصادقة التي لا تخطىء وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال استغفر ~~الله وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم ~~كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح أتاك رجال يشكون أبوابا ~~ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار! فتلا له هذه الآية. # والسماء المظلة لأن المطر منها ينزل إلى السحاب ويجوز أن يراد السحاب ~~أو المطر، من قوله # إذا نزل السماء بأرض قوم # والمدرار الكثير الدرور، ومفعال مما يستوى فيه المذكر والمؤنث، كقولهم ~~رجل أو امرأة معطار و متفال { جنت بساتين { لا ترجون لله ~~وقارا } لا تأملون له توقيرا أي تعظيما. والمعنى ما لكم لا تكونون ~~على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب، و { لله } بيان ~~للموقر، ولو تأخر لكان صلة للوقار. ms2145 وقوله { وقد خلقكم أطوارا ~~} في موضع الحال، كأنه قال ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه وهي حال ~~موجبة للإيمان به، لأنه خلقكم أطوارا أي تارات خلقكم أولا ترابا، ثم ~~خلقكم نطفا، ثم خلقكم علقا، ثم خلقكم مضغا، ثم خلقكم عظاما ولحما، ~~ثم أنشأكم خلقا آخر. أولا تخافون لله حلما وترك معاجلة العقاب فتؤمنوا؟ ~~وقيل ما لكم لا تخافون لله عظمة؟ وعن ابن عباس لا تخافون لله عاقبة، لأن ~~العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب، من «وقر» إذا ثبت ~~واستقر. نبههم على النظر في أنفسهم أولا لأنها أقرب منظور فيه منهم، ~~ثم على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الشاهدة على الصانع ~~الباهر قدرته وعلمه من السموات والأرض والشمس والقمر { فيهن } في ~~السموات، وهو في السماء الدنيا لأن بين السموات ملابسة من حيث أنها طباق ~~فجاز أن يقال فيهن كذا وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال في المدينة كذا ~~وهو في بعض نواحيها. وعن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن الشمس ~~والقمر وجوههما مما يلي السماء وظهورهما مما يلي الأرض { وجعل ~~الشمس سراجا } يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ~~ضوء السراج ما يحتاجون إلى أبصاره، والقمر ليس كذلك، إنما هو نور لم يبلغ ~~قوة ضياء الشمس. ومثله قوله تعالى # هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا # يونس 5، والضياء أقوى من النور. استعير الإنبات للإنشاء، كما يقال زرعك ~~الله للخير، وكانت هذه الاستعارة أدل على الحدوث، لأنهم إذا كانوا ~~نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات ومنه قيل للحشوية النابتة ~~والنوابت، لحدوث مذهبهم في الإسلام من غير أولية لهم فيه. ومنه قولهم ~~نجم فلان لبعض المارقة. والمعنى أنبتكم فنبتم نباتا. أو نصب بأنبتكم ~~لتضمنه معنى نبتم { ثم يعيدكم فيها } مقبورين ثم { ~~يخرجكم } يوم القيامة، وأكده بالمصدر كأنه قال يخرجكم حقا ولا ~~محالة جعلها بساطا مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه { ~~فجاجا } واسعة منفجة. ### || [71.21-24] # { واتبعوا } رؤسهم المقدمين أصحاب الأموال ms2146 والأولاد، وارتسموا ما ~~رسموا لهم من التمسك بعبادة الأصنام، وجعل أموالهم وأولادهم التي لم ~~تزدهم إلا وجاهة ومنفعة في الدنيا زائدة { خسارا } في الآخرة، وأجرى ~~ذلك مجرى صفة لازمة لهم وسمة يعرفون بها، تحقيقا له وتثبيتا، وإبطالا ~~لما سواه. وقرىء «وولده» بضم الواو وكسرها { ومكروا } معطوف على لم ~~يزده، وجمع الضمير وهو راجع إلى من لأنه في معنى الجمع والماكرون هم ~~الرؤساء ومكرهم احتيالهم في الدين وكيدهم لنوح، وتحريش الناس على أذاه، ~~وصدهم عن الميل إليه والاستماع منه. وقولهم لهم لانذرن آلهتكم إلى ~~عبادة رب نوح { مكرا كبارا } قرىء بالتخفيف والتثقيل. والكبار كبر ~~من الكبير والكبار أكبر من الكبار، ونحوه طوال وطوال { ولا تذرن ~~ودا } كأن هذه المسميات كانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، فخصوها بعد ~~قولهم { لا تذرن ءالهتكم } وقد انتقلت هذه الأصنام عن قوم ~~نوح إلى العرب، فكان ود لكلب، وسواع لهمذان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ~~ونسر لحمير ولذلك سمت العرب بعبد ود وعبد يغوث، وقيل هي أسماء رجال ~~صالحين. وقيل من أولاد آدم ماتوا، فقال إبليس لمن بعدهم لو صورتم صورهم ~~فكنتم تنظرون إليهم، ففعلوا فلما مات أولئك قال لمن بعدهم إنهم كانوا ~~يعبدونهم فعبدوهم. وقيل كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ~~ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر. وقرىء ~~«ودا» بضم الواو. وقرأ الأعمش «ولا يغوثا ويعوقا» بالصرف، وهذه قراءة ~~مشكلة، لأنهما إن كانا عربيين أو عجميين ففيهما سببا منع الصرف إما ~~التعريف ووزن الفعل، وإما التعريف والعجمة ولعله قصد الازدواج فصرفهما، ~~لمصادفته أخواتهما منصرفات ودا وسواعا ونسرا، كما قرىء «وضحاها» ~~بالإمالة، لوقوعه مع الممالات للازدواج { وقد أضلوا } الضمير ~~للرؤساء. ومعناه وقد أضلوا { كثيرا } قبل هؤلاء الموصين بأن يتمسكوا ~~بعبادة الأصنام ليسوا بأول من أضلوهم. أو وقد أضلوا بإضلالهم كثيرا، ~~يعني أن هؤلاء المضلين فيهم كثرة. ويجوز أن يكون للأصنام، كقوله تعالى # إنهن أضللن كثيرا من الناس # إبراهيم 36. فإن قلت علام عطف قوله { ولا تزد الظلمين }؟ ~~قلت على قوله ms2147 { رب إنهم عصونى } على حكاية كلام نوح عليه ~~السلام بعد { قال } وبعد الواو النائبة عنه ومعناه قال رب إنهم عصوني، ~~وقال لا تزد الظالمين إلا ضلالا، أي قال هذين القولين وهما في محل ~~النصب، لأنهما مفعولا «قال» كقولك قال زيد نودي للصلاة وصل في المسجد ~~تحكى قوليه معطوفا أحدهما على صاحبه. فإن قلت كيف جاز أن يريد لهم ~~الضلال ويدعو الله بزيادته؟ قلت المراد بالضلال أن يخذلوا ويمنعوا ~~الألطاف، لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم، وذلك حسن جميل يجوز ~~الدعاء به، بل لا يحسن الدعاء بخلافه. ويجوز أن يريد بالضلال الضياع ~~والهلاك، لقوله تعالى # ولا تزد الظلمين إلا تبارا # نوح 28. ### || [71.25-27] # تقديم { مما خطيئتهم } لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان، ~~فإدخالهم النار إلا من أجل خطيئاتهم، وأكد هذا المعنى بزيادة «ما» وفي ~~قراءة ابن مسعود «من خطيئاتهم ما أغرقوا» بتأخير الصلة، وكفى بها مزجرة ~~لمرتكب الخطايا، فإن كفر قوم نوح كان واحدة من خطيئاتهم، وإن كانت ~~كبراهن، وقد نعيت عليهم سائر خطيئاتهم كما نعى عليهم كفرهم، ولم يفرق ~~بينه وبينهن في استيجاب العذاب، لئلا يتكل المسلم الخاطىء على إسلامه، ~~ويعلم أن معه ما يستوجب به العذاب وإن خلا من الخطيئة الكبرى. وقرىء ~~«خطيئاتهم» بالهمزة. وخطياتهم بقلبها ياء وإدغامها وخطاياهم وخطيئتهم ~~بالتوحيد على إرادة الجنس. ويجوز أن يراد الكفر { فأدخلوا نارا } ~~جعل دخولهم النار في الآخرة كأنه متعقب لإغراقهم، لاقترابه، ولأنه كائن ~~لا محالة، فكأنه قد كان. أو أريد عذاب القبر. ومن مات في ماء أو في نار ~~أو أكلته السباع والطير أصابه ما يصيب المقبور من العذاب. وعن الضحاك ~~كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب. وتنكير النار إما لتعظيمها، أو ~~لأن الله أعد لهم على حسب خطيئاتهم نوعا من النار { فلم يجدوا ~~لهم من دون الله أنصارا } تعريض بإتخاذهم آلهة من دون الله ~~وأنها غير قادرة على نصرهم، وتهكم بهم، كأنه قال فلم يجدوا لهم من دون ~~الله آلهة ينصرونهم ويمنعونهم من عذاب الله، كقوله تعالى # أم لهم ms2148 آلهة تمنعهم من دوننا # الأنبياء 43. { ديارا } من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال ~~ما بالدار ديار وديور، كقيام وقيوم وهو فيعال من الدور. أو من الدار أصله ~~ديوار، ففعل به ما فعل بأصل سيد وميت، ولو كان فعالا لكان دوارا. فإن ~~قلت بم علم أن أولادهم يكفرون، وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة؟ قلت لبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فذاقهم وأكلهم وعرف طباعهم وأحوالهم، وكان ~~الرجل منهم ينطلق بابنه إليه، ويقول أحذر هذا، فإنه كذاب، وإن أبي حذرنيه ~~فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك وقد أخبره الله عز وجل أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن ومعنى { ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } لا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر. فوصفهم بما يصيرون إليه، كقوله ~~عليه الصلاة والسلام. 1230 # " من قتل قتيلا فله سلبه ". ### || [71.28] # { ولولدى } أبوه لمك بن متوشلخ، وأمه شمخا بنت أنوش كانا مؤمنين. ~~وقيل هما آدم وحواء. وقرأ الحسين بن علي «ولولدي» يريد ساما وحاما { ~~بيتى } منزلي. وقيل مسجدي. وقيل سفينتي خص أولا من يتصل به لأنهم ~~أولى وأحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات { تبارا } هلاكا. فإن ~~قلت ما فعل صبيانهم حين أغرقوا؟ قلت غرقوا معهم لا على وجه العقاب، ولكن ~~كما يموتون بالأنواع من أسباب الموت، وكم منهم من يموت بالغرق والحرق، ~~وكأن ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون. ومنه ~~قوله عليه الصلاة و السلام 1231 # " يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى " # وعن الحسن أنه سئل عن ذلك فقال علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب. ~~وقيل أعقم الله أرحام نسائهم وأيبس أصلاب آبائهم قبل الطوفان بأربعين أو ~~سبعين سنة، فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا. عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1232 # " من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح عليه السلام ~~". ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-5] # قرىء «أحى» وأصله وحي يقال أوحي إليه ووحى إليه، فقلبت الواو همزة، كما ~~يقال أعد وأزن # وإذا الرسل أقتت # المرسلات 11، وهو ms2149 من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة وقد أطلقه ~~المازني في المكسورة أيضا كإشاح وإسادة، وإعاء أخيه، وقرأ ابن أبي عبلة ~~«وحى» على الأصل { أنه استمع } بالفتح، لأنه فاعل أوحى. وإنا ~~سمعنا بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول، ثم تحمل عليهما البواقي، فما ~~كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجن كسر وكلهن من قولهم إلا الثنتين ~~الأخريين # وأن المسجد # الجن 18، # وأنه لما قام # الجن 19، ومن فتح كلهن فعطفاعلى محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه ~~قيل صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه كان يقول سفيهنا، وكذلك ~~البواقي { نفر من الجن } جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى ~~العشرة. وقيل كانوا من الشيصبان، وهم أكثر الجن عددا وعامة جنود إبليس ~~منهم { فقالوا إنا سمعنا } أي قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم، ~~كقوله # فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين 29 قالوا ~~يقومنآ إنا سمعنا كتبا # الأحقاف 29 30، { عجبا } بديعا مباينا لسائر الكتب في حسن نظمه ~~وصحة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز. وعجب مصدر يوضع موضع العجيب. وفيه ~~مبالغة وهو ما خرج عن حد أشكاله ونظائره { يهدى إلى الرشد } ~~يدعو إلى الصواب. وقيل إلى التوحيد والإيمان. والضمير في { به } للقرآن ~~ولما كان الإيمان به إيمانا بالله وبوحدانيته وبراءة من الشرك قالوا { ~~ولن نشرك بربنآ أحدا } أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من ~~الإشراك به في طاعة الشيطان. ويجوز أن يكون الضمير لله عز وجل لأن قوله ~~{ بربنا } يفسره { جد ربنا } عظمته من قولك جد فلان في ~~عيني، أي عظم. وفي حديث عمر رضي الله عنه كان الرجل منا إذا قرأ البقرة ~~وآل عمران جد فينا. وروي في أعيننا. أو ملكه وسلطانه أو غناه، استعارة ~~من الجد الذي هو الدولة والبخت لأن الملوك والأغنياء هم المجدودون ~~والمعنى وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته. أو لسلطانه وملكوته أو ~~لغناه. وقوله { ما اتخذ صحبة ولا ولدا } بيان لذلك. ~~وقرىء «جدا ربنا» على التمييز و«جد ربنا» بالكسر، أي صدق ربوبيته وحق ~~إلهيته عن اتخاذ ms2150 الصاحبة والولد، وذلك أنهم لما سمعوا القرآن ووفقوا ~~للتوحيد والإيمان، تنبهوا على الخطأ فيما اعتقده كفرة الجن من تشبيه ~~الله بخلقه واتخاذه صاحبة وولدا، فاستعظموه ونزهوه عنه. سفيههم إبليس ~~لعنه الله أو غيره من مردة الجن. والشطط مجاوزة الحد في الظلم وغيره. ~~ومنه أشط في السوم، إذا أبعد فيه، أي يقول قولا هو في نفسه شطط لفرط ما ~~أشط فيه، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله، وكان في ظننا أن أحدا من ~~الثقلين لن يكذب على الله ولن يفتري عليه ما ليس بحق، فكنا نصدقهم فيم ~~أضافوا إليه من ذلك، حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم وافتراؤهم { كذبا } ~~قولا كذبا، أي مكذوبا فيه. أو نصب نصب المصدر لأن الكذب نوع من ~~القول. ومن قرأ «أن لن تقول» وضع كذبا موضع تقولا، ولم يجعله صفة لأن ~~التقول لا يكون إلا كذبا. ### || [72.6-7] # الرهق غشيان المحارم. والمعنى أن الإنس بإستعاذتهم بهم زادوهم كبرا ~~وكفرا وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر في بعض مسايره ~~وخاف على نفسه قال أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد الجن ~~وكبيرهم فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا سدنا الجن والإنس فذلك رهقهم. ~~أو فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم { ~~وأنهم } وأن الإنس { ظنوا كما ظننتم } وهو من كلام ~~الجن، يقوله بعضهم لبعض. وقيل الآيتان من جملة الوحي. والضمير في وأنهم ~~ظنوا للجن، والخطاب في { ظننتم } لكفار قريش. ### || [72.8-9] # اللمس المس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف قال # مسسنا من الآباء شيئا وكلنا إلى نسب في قومه ~~غير واضع # يقال لمسه والتمسه، وتلمسه «كطلبه وأطلبه وتطلبه» ونحوه الجس. وقولهم ~~جسوه بأعينهم وتجسسوه. والمعنى طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام أهلها. ~~والحرس اسم مفرد في معنى الحراس، كالخدم في معنى الخدام ولذلك وصف ~~بشديد، ولو ذهب إلى معناه لقيل شدادا ونحوه. # أخشى رجيلا أو ركيبا غاديا # لأن الرجل والركب مفردان في معنى الرجال والركاب. والرصد مثل الحرس اسم ~~جمع للراصد، على معنى ذوى شهاب ms2151 راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين ~~يرجمونهم بالشهب، ويمنعونهم من الاستماع. ويجوز أن يكون صفة للشهاب. ~~بمعنى الراصد أو كقوله # ...... ومعى جياعا # يعني يجد شهابا راصدا له ولأجله. فإن قلت كأن الرجم لم يكن في ~~الجاهلية، وقد قال الله تعالى # ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها ~~رجوما للشيطين # الملك 5، فذكر فائدتين في خلق الكواكب التزيين، ورجم الشياطين؟ قلت قال ~~بعضهم حدث بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إحدى آياته، ~~والصحيح أنه كان قبل المبعث وقد جاء ذكره في شعر أهل الجاهلية. قال بشر ~~بن أبي خازم # والعير يرهقها الغبار وجحشها ينقض خلفهما ~~انقضاض الكوكب # وقال أوس بن حجر # وانقض كالدري يتبعه نقع يثور تخاله طنبا # وقال عوف بن الخرع # يرد علينا العير من دون إلفه أو الثور ~~كالدرى يتبعه الدم # ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كثر الرجم وزاد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع ~~الاستراق أصلا. وعن معمر قلت للزهري أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ ~~قال نعم. قلت أرأيت قوله تعالى { وأنا كنا نقعد } فقال غلظت ~~وشدد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم. وروى الزهري عن علي بن ~~الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما 1233 بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالس في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار، فقال # " ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ " # فقالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. وفي قوله { ملئت } دليل ~~على أن الحادث هو المل والكثرة، وكذلك قوله { نقعد منها ~~مقعد } أي كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ~~ملئت المقاعد كلها، وهذا ذكر ما حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا قراءته. ### || [72.10] # يقولون لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم ومنع الاستراق، قلنا ما هذا ~~إلا لأمر أراده الله بأهل الأرض، ولا يخلو من أن يكون شرا أو ms2152 رشدا، أي ~~خيرا، من عذاب أو رحمة، أو من خذلان أو توفيق. ### || [72.11] # { منا الصلحون } منا الأبرار المتقون { ومنا دون ذلك ~~} ومنا قوم دون ذلك، فحذف الموصوف، كقوله # وما منآ إلا له مقام معلوم # الصافات164 وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه أو أرادوا ~~الطالحين { كنا طرآئق قددا } بيان للقسمة المذكورة، أي كنا ذوي ~~مذاهب مفترقة مختلفة. أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة. أو ~~كنا في طرائق مختلفة، كقوله # كما عسل الطريق الثعلب # أو كانت طرائقنا طرائق قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة ~~الضمير المضاف إليه مقامه والقدة من قد، كالقطعة من قطع، ووصفت الطرائق ~~بالقدد، لدلالتها على معنى التقطع والتفرق. ### || [72.12] # { فى الأرض } و { هربا } حالان، أي لن نعجزه كائنين في الأرض ~~أينما كنا فيها، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وقيل لن نعجزه في ~~الأرض إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا. والظن بمعنى اليقين ~~وهذه صفة أحوال الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم منهم أخيار، ~~وأشرار، ومقتصدون وأنهم يعتقدون أن الله عز وجل عزيز غالب لا يفوته مطلب ~~ولا ينجى عنه مهرب. ### || [72.13] # { لما سمعنا الهدى } هو سماعهم القرآن وإيمانهم به { فلا ~~يخاف } فهو لا يخاف، أي فهو غير خائف ولأن الكلام في تقدير مبتدأ ~~وخبر دخلت الفاء، ولولا ذاك لقيل لا يخف. فإن قلت أي فائدة في رفع الفعل ~~وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله ~~مستغنى عنه بأن يقال لا يخف؟ قلت الفائدة فيه أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل ~~فهو لا يخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو ~~المختص بذلك دون غيره وقرأ الأعمش فلا يخف، على النهي { بخسا ولا ~~رهقا } أي جزاء بخس ولا رهق، لأنه لم يبخس أحدا حقا ولا رهق ظلم أحد ~~فلا يخاف جزاءهما. وفيه دلالة على أن من حق من آمن بالله أن يجتنب ~~المظالم. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام. 1234 ms2153 # " المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم " # ويجوز أن يراد فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى، ولا أن ترهقه ~~ذلة، من قوله عز وجل # ترهقهم ذلة # القلم43. ### || [72.14-15] # { القسطون } الكافرون الجائرون عن طريق الحق. وعن سعيد بن جبير ~~رضي الله عنه أن الحجاج قال له حين أراد قتله ما تقول في؟ قال قاسط ~~عادل، فقال القوم ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال ~~الحجاج يا جهلة، إنه سماني ظالما مشركا، وتلا لهم قوله تعالى { ~~وأما القسطون } وقوله تعالى # ثم الذين كفروا بربهم يعدلون # الأنعام 1، وقد زعم من لا يرى للجن ثوابا أن الله تعالى أوعد قاسطيهم ~~وما وعد مسلميهم وكفى به وعدا أن قال { فأولئك تحروا ~~رشدا } فذكر سبب الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا ~~يثيب الراشد. ### || [72.16-17] # { وألو استقموا } أن مخففة من الثقيلة، وهو من جملة الموحى ~~والمعنى وأوحي إلي أن الشأن والحديث لو استقام الجن على الطريقة المثلى، ~~أي لو ثبت أبوهم الجان على ما كان عليه من عبادة الله والطاعة ولم يستكبر ~~عن السجود لآدم ولم يكفر وتبعه ولده على الإسلام، لأنعمنا عليهم ولوسعنا ~~رزقهم. وذكر الماء الغدق وهو الكثير بفتح الدال وكسرها. وقرىء بهما، لأنه ~~أصل المعاش وسعة الرزق { لنفتنهم فيه } لنختبرهم فيه كيف يشكرون ما ~~خولوا منه. ويجوز أن يكون معناه وأن لو استقام الجن الذين استمعوا على ~~طريقتهم التي كانوا عليها قبل الاستماع ولم ينتقلوا عنها إلى الإسلام ~~لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم، لنفتنهم فيه لتكون النعمة سببا في ~~اتباعهم شهواتهم، ووقوعهم في الفتنة، وازديادهم إثما أو لنعذبهم في ~~كفران النعمة { عن ذكر ربه } عن عبادته أو عن موعظته أو عن وحيه ~~{ يسلكه } وقرىء بالنون مضمومة ومفتوحة، أي ندخله { عذابا } ~~والأصل نسلكه في عذاب، كقوله # ما سلككم فى سقر # المدثر 42 فعدى إلى مفعولين إما بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله # واختار موسى قومه # الأعراف 155 وإما بتضمينه معنى «ندخله» يقال سلكه وأسلكه قال # حتى إذا أسلكوهم ms2154 في قتائدة # والصعد مصدر صعد، يقال صعد صعدا وصعودا، فوصف به العذاب، لأنه يتصعد ~~المعذب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. ومنه قول عمر رضي الله عنه ما ~~تصعدني شيء ما تصعدتني خطبة النكاح، يريد ما شق على ولا غلبني. ### || [72.18] # { وأن المسجد } من جملة الموحى. وقيل معناه ولأن المساجد { ~~لله فلا تدعوا } على أن اللام متعلقة بلا تدعوا، أي فلا تدعوا ~~{ مع الله أحدا } في المساجد، لأنها لله خاصة ولعبادته. وعن ~~الحسن يعني الأرض كلها لأنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم مسجدا. وقيل ~~المراد بها المسجد الحرام، لأنه قبلة المساجد. ومنه قوله تعالى # ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يذكر فيها ~~اسمه # البقرة 114 وعن قتادة كان اليهود والنصارى إذا دخلوا بيعهم وكنائسهم ~~أشركوا بالله، فأمرنا أن نخلص لله الدعوة إذا دخلنا المساجد. وقيل ~~المساجد أعضاء السجود السبعة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 1235 # " أمرت أن أسجد على سبعة آراب وهي الجبهة، والأنف، واليدان، والركبتان، ~~والقدمان " # وقيل هي جمع مسجد وهو السجود. ### || [72.19] # { عبد الله } النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قلت هلا قيل رسول ~~الله أو النبي؟ قلت لأن تقديره وأوحى إلي أنه لما قام عبد الله فلما ~~كان واقعا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما ~~يقتضيه التواضع والتذلل أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله ليست بأمر ~~مستبعد عن العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه لبدا. ومعنى قام يدعوه قام ~~يعبده، يريد قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته صلى ~~الله عليه وسلم { كادوا يكونون عليه لبدا } أي يزدحمون ~~عليه متراكمين تعجبا مما رأوا ممن عبادته واقتداء أصحابه به قائما ~~وراكعا وساجدا، وإعجابا بما تلا من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا ~~مثله، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره. وقيل معناه لما قام رسولا يعبد الله ~~وحده مخالفا للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه كاد المشركون لتظاهرهم ~~عليه وتعاونهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين { لبدا ms2155 } جمع لبدة ~~وهو ما تلبد بعضه على بعض، ومنها «لبدة الأسد» وقرىء «لبدا» واللبدة في ~~معنى اللبدة ولبدا جمع لابد، كساجد وسجد ولبدا بضمتين جمع لبود، كصبور ~~وصبر وعن قتادة تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا ~~أن ينصره ويظهره على من ناوأه. ومن قرأ «وإنه» بالكسر جعله من كلام الجن ~~قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم حاكين ما رأوا من صلاته وازدحام أصحابه ~~عليه في ائتمامهم به. ### || [72.20-28] # قال للمتظاهرين عليه { إنمآ أدعو ربى } يريد ما أتيتكم بأمر ~~منكر، إنما أعبد ربي وحده { ولآ أشرك به أحدا } وليس ذاك مما ~~يوجب إطباقكم على مقتى وعداوتي. أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين ليس ما ~~ترون من عبادتي الله ورفضي الإشراك به بأمر يتعجب منه، إنما يتعجب ممن ~~يدعو غير الله ويجعل له شريكا. أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { ولا رشدا } ولا نفعا أو أراد بالضر ~~الغي، ويدل عليه قراءة أبي «غيا ولا رشدا» والمعنى لا أستطيع أن ~~أضركم وأن أنفعكم، إنما الضار والنافع الله. أو لا أستطيع أن أقسركم على ~~الغي والرشد، إنما القادر على ذلك الله عز وجل و { إلا بلغا } ~~استثناء منه. أي لا أملك إلا بلاغا من الله و { قل إنى لن ~~يجيرنى } جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان ~~عجزه، على معنى أن الله إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما لم ~~يصح أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه والملتحد الملتجأ، ~~وأصله المدخل، من اللحد. وقيل محيصا ومعدلا وقرىء «قال لا أملك» أي ~~قال عبد الله للمشركين أو للجن. ويجوز أن يكون من حكاية الجن لقومهم. ~~وقيل بلاغا بدل من { ملتحدا } أي لن أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ ~~عنه ما أرسلني به. وقيل { إلا } هي «أن لا» ومعناه أن لا أبلغ بلاغا ~~كقولك إن لا قياما فقعودا { ورسلته } عطف على بلاغا، كأنه ~~قيل ms2156 لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات. والمعنى إلا أن أبلغ عن الله ~~فأقول قال الله كذا، ناسبا لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني ~~بها من غير زيادة ولا نقصان. فإن قلت ألا يقال بلغ عنه ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام. 1236 # " بلغوا عني بلغوا عني " # ؟ قلت من ليست بصلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة من في قوله # براءة من الله # التوبة 1 بمعنى بلاعا كائنا من الله. وقرىء «فأن له نار جهنم» على ~~فجزاؤه أن له نار جهنم كقوله # فأن لله خمسه # الأنفال 41 أي فحكمه أن لله خمسه. وقال { خلدين } حملا على معنى ~~الجمع في من. فإن قلت بم تعلق «حتى»، وجعل ما بعده غاية له؟ قلت بقوله # يكونون عليه لبدا # الجن 19 على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره ويستقلون ~~عددهم { حتى إذا رأوا ما يوعدون } من يوم بدر وإظهار الله ~~له عليهم. أو من يوم القيامة { فسيعلمون } حينئذ أنهم { أضعف ~~ناصرا وأقل عددا } ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال من ~~استضعاف الكفار له واستقلالهم لعدده، كأنه قال لا يزالون على ما هم عليه ~~{ حتى إذا رأوا ما يوعدون } قال المشركون متى يكون هذا ~~الموعود؟ إنكارا له، فقيل { قل } إنه كائن لا ريب فيه، فلا تنكروه فإن ~~الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد. # وأما وقته فما أدري متى يكون لأن الله لم يبينه لما رأى في إخفاء وقته ~~من المصلحة. فإن قلت ما معنى قوله { أم يجعل له ربى أمدا ~~} والأمد يكون قريبا وبعيدا ألا ترى إلى قوله # تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا # آل عمران 30؟ قلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرب الموعد، ~~فكأنه قال ما أدري أهو حال متوقع في كل ساعة أم مؤجل ضربت له غاية أي هو ~~{ علم الغيب فلا يظهر } فلا يطلع و { من رسول } ~~تبيين لمن ارتضى، يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى ~~للنبوة خاصة، لا كل مرتضى. وفي هذا إبطال ms2157 للكرامات لأن الذين تضاف إليهم ~~وإن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل. وقد خص الله الرسل من بين ~~المرتضين بالاطلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم، لأن أصحابهما ~~أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط { فإنه يسلك من بين ~~يديه } يدي من ارتضى للرسالة { ومن خلفه رصدا } حفظة من ~~الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه ويعصمونه من وساوسهم ~~وتخاليطهم، حتى يبلغ ما أوحى به إليه. وعن الضحاك ما بعث نبي إلا ومعه ~~ملائكة يحرسونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك { ليعلم } الله ~~{ أن قد أبلغوا رسلت ربهم } يعني الأنبياء وحد أولا ~~على اللفظ في قوله من بين يديه ومن خلفه ثم جمع على المعنى، كقوله # فإن له نار جهنم خلدين # الجن 23، والمعنى ليبلغوا رسالات ربهم كما هي، محروسة من الزيادة ~~والنقصان وذكر العلم كذكره في قوله تعالى # حتى نعلم المجهدين # محمد 31، وقرىء «ليعلم» على البناء للمفعول { وأحاط بما ~~لديهم } بما عند الرسل من الحكم والشرائع، لا يفوته منها شيء ولا ~~ينسى منها حرفا، فهو مهيمن عليها حافظ لها { وأحصى كل شىء ~~عددا } من القطر والرمل وورق الأشجار، وزبد البحار، فكيف لا يحيط بما ~~عند الرسل من وحيه وكلامه وعددا حال، أي وضبط كل شيء معدودا محصورا. ~~أو مصدر في معنى إحصاء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1237 # " من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جني صدق محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وكذب به عتق رقبة ". ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-4] # { المزمل } المتزمل، وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها، ~~بإدغام التاء في الزاي ونحوه «المدثر» في المتدثر وقرىء «المتزمل» على ~~الأصل والمزمل بتخفيف الزاي وفتح الميم وكسرها. على أنه اسم فاعل أو ~~مفعول، من زمله، وهو الذي زمله غيره أو زمل نفسه وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نائما بالليل متزملا في قطيعة فنبه ونودي بما يهجن إليه ~~الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته واستعداده للاستثقال في ~~النوم، كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه ms2158 شأن. ألا ترى إلى قول ذي ~~الرمة # وكائن تخطت ناقتي من مفازة ومن نائم عن ~~ليلها متزمل # يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب، ~~ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب، ونحوه # فأنت به حوش الفؤاد مبطنا سهدا إذا ما نام ~~ليل الهوجل # وفي أمثالهم # أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا ~~سعد الإبل # فذمه بالاشتمال بكسائه، وجعل ذلك خلاف الجلد والكيس، وأمر بأن يختار على ~~الهجود التهجد، وعلى التزمل التشمر، والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله، ~~لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تشمر لذلك مع أصحابه حق ~~التشمر، وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا له الرقاد والدعة، وتجاهدوا ~~فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرت ألوانهم، وظهرت السيمى في وجوههم وترامى ~~أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم. فخفف عنهم. وقيل كان متزملا في مرط لعائشة ~~يصلي، فهو على هذا ليس بتهجين، بل هو ثناء عليه وتحسين لحاله التي كان ~~عليها، وأمر بأن يدوم على ذلك ويواظب عليه. وعن عائشة رضي الله عنها ~~أنها سئلت ما كان تزميله؟ قالت كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا نصفه علي ~~وأنا نائمة ونصفه عليه وهو يصلي، فسئلت ما كان؟ قالت والله ما كان خزا ~~ولا قزا ولا مرعزي ولا إبريسما ولا صوفا كان سداه شعرا ولحمته وبرا. ~~وقيل دخل على خديجة، وقد جثت فرقا أول ما أتاه جبريل وبوادره ترعد، ~~فقال زملوني زملوني، وحسب أنه عرض له فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبريل يا ~~أيها المزمل. وعن عكرمة أن المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما، أي ~~حمله، والزمل الحمل. وازدمله احتمله وقرىء «قم الليل» بضم الميم وفتحها. ~~قال عثمان بن جنى الغرض بهذه الحركة التبلغ بها هربا من التقاء ~~الساكنين، فبأي الحركات تحرك فقد وقع الغرض { نصفه } بدل من الليل. ~~وإلا قليلا استثناء من النصف، كأنه قال قم أقل من نصف الليل. والضمير في ~~منه وعليه للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف ~~الليل ms2159 على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف ~~والزيادة عليه. # وإن شئت جعلت نصفه بدلا من قليلا، وكان تخييرا بين ثلاث بين قيام ~~النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه وإنما وصف ~~النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل، وإن شئت قلت لما كان معنى { قم ~~اليل إلا قليلا نصفه } إذا أبدلت النصف من الليل، قم أقل ~~من نصف الليل، رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل قم ~~أقل من نصف الليل. أو قم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا. فيكون ~~التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث. ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا ~~وفسرته به أن تجعل قليلا الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع، كأنه قيل أو ~~انقص منه قليلا نصفه. وتجعل المزيد على هذا القليل، أعني الربع، نصف ~~الربع كأنه قيل أو زد عليه قليلا نصفه. ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها ~~مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييرا بين النصف والثلث والربع. فإن قلت أكان ~~القيام فرضا أم نفلا؟ قلت عن عائشة رضي الله عنها أن الله جعله ~~تطوعا بعد أن كان فريضة. وقيل كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم ~~نسخ بهن إلا ما تطوعوا به. وعن الحسن كان قيام ثلث الليل فريضة، وكانوا ~~على ذلك سنة. وقيل كان واجبا، وإنما وقع التخيير في المقدار، ثم نسخ بعد ~~عشر سنين. وعن الكلبي كان يقوم الرجل حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين ~~النصف والثلث والثلثين ومنهم من قال كان نفلا بدليل التخيير في المقدار، ~~ولقوله تعالى # ومن اليل فتهجد به نافلة لك # الإسراء 79، ترتيل القرآن قراءته على ترسل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع ~~الحركات، حتى يجيء المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج المشبه ~~بنور الأقحوان، وألا بهذه هذا ولا يسرده سردا، كما قال عمر رضي الله ~~عنه شر السير الحقحقة. وشر القراءة الهذرمة، حتى يشبه المتلو في تتابعه ~~الثغر الألص. وسئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءة ms2160 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقالت لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها و { ~~ترتيلا } تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه ما لا بد منه للقارىء. ### || [73.5] # هذه الآية اعتراض، ويعني بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر ~~والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين،وخاصة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته فهي أثقل عليه وأبهظ ~~له وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف ~~الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات والراحة ~~والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه. وعن ابن عباس ~~رضي الله عنه كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربد له جلده. وعن عائشة ~~رضي الله عنها 1238 رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم ~~عنه وإن جبينه ليرفض عرقا. وعن الحسن ثقيل في الميزان. وقيل ثقيل على ~~المنافقين. وقيل كلام له وزن ورجحان ليس بالسفساف. ### || [73.6] # { ناشئة اليل } النفس الناشئة بالليل، التي تنشأ من مضجعها إلى ~~العبادة، أي تنهض وترتفع، من نشأت السحابة إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ~~ونشز إذا نهض، قال # نشأنا إلى خوص برى نيها السرى وألصق منها ~~مشرفات القماحد # وقيام الليل، على أن الناشئة مصدر من نشأ إذا قام ونهض على فاعلة ~~كالعاقبة ويدل عليه ما روى عن عبيد بن عمير قلت لعائشة رجل قام من أول ~~الليل، أتقولين له قام ناشئة؟ قالت لا إنما الناشئة القيام بعد النوم. ~~ففسرت الناشئة بالقيام عن المضجع أو العبادة التي تنشأ بالليل، أي تحدث، ~~وترتفع. وقيل هي ساعات الليل كلها لأنها تحدث واحدة بعد أخرى. وقيل ~~الساعات الأول منه. وعن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه كان يصلي بين ~~المغرب والعشاء ويقول أما سمعتم قول الله تعالى { إن ناشئة ~~اليل } هذه ناشئة الليل { هى أشد وطأ } هي خاصة دون ناشئة ~~النهار، أشد مواطأة يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس. أو يوطىء فيها ms2161 ~~قلب القائم لسانه إن أردت القيام أو العبادة أو الساعات. أو أشد موافقة ~~لما يراد من الخشوع والإخلاص. وعن الحسن أشد موافقة بين السر والعلانية، ~~لانقطاع رؤية الخلائق. وقرىء «أشد وطأ» بالفتح والكسر. والمعنى أشد ثبات ~~قدم وأبعد من الزلل. أو أثقل وأغلظ على المصلي من صلاة النهار، من قوله ~~عليه السلام. 1239 # " اللهم اشدد وطأتك على مضر " # { وأقوم قيلا } وأسد مقالا وأثبت قراءة لهدو الأصوات. وعن أنس ~~رضي الله عنه أنه قرأ وأصوب قيلا، فقيل له يا أبا حمزة، إنما هي وأقوم ~~فقال إن أقوم وأصوب وأهيأ واحد. وروى أبو زيد الأنصاري عن أبي سرار ~~الغنوي أنه كان يقرأ فحاسوا، بحاء غير معجمة، فقيل له إنما هو # جاسوا # الإسراء5 بالجيم، فقال وجاسوا وحاسوا واحد. ### || [73.7] # { سبحا } تصرفا وتقلبا في مهماتك وشواغلك، ولا تفرغ إلا بالليل ~~فعليك بمناجاة الله التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل. وأما القراءة ~~بالخاء فاستعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه ونشر أجزائه لانتشار الهم وتفرق ~~القلب بالشواغل، كلفه قيام الليل، ثم ذكر الحكمة فيما كلفه منه وهو أن ~~الليل أعون على المواطأة وأشد للقراءة، لهدو الرجل وخفوت الصوت، وأنه ~~أجمع للقلب وأضم لنشر الهم من النهار لأنه وقت تفرق الهموم وتوزع الخواطر ~~والتقلب في حوائج المعاش والمعاد. وقيل فراغا وسعة لنومك وتصرفك في ~~حوائجك وقيل إن فاتك من الليل شيء فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه ~~فيه. ### || [73.8-10] # { واذكر اسم ربك } ودم على ذكره في ليلك ونهارك، واحرص عليه، ~~وذكر الله يتناول كل ما كان من ذكر طيب تسبيح، وتهليل، وتكبير، وتمجيد، ~~وتوحيد، وصلاة، وتلاوة قرآن، ودراسة علم، وغير ذلك مما كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يستغرق به ساعة ليله ونهاره { وتبتل إليه } ~~وانقطع إليه. فإن قلت كيف قيل { تبتيلا } مكان تبتلا؟ قلت لأن معنى ~~تبتل بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل { رب ~~المشرق والمغرب } قرىء مرفوعا على المدح، ومجرورا على البدل ~~من ربك. وعن ابن عباس على القسم بإضمار ms2162 حرف القسم، كقولك الله لأفعلن، ~~وجوابه { لا إله إلا هو } كما تقول والله لا أحد في الدار إلا ~~زيد. وقرأ ابن عباس «رب المشارق والمغارب» { فاتخذه وكيلا } ~~مسبب على التهليلة لأنه هو وحده هو الذي يجب لتوحده بالربوبية أن توكل ~~إليه الأمور. وقيل { وكيلا } كفيلا بما وعدك من النصر والإظهار. ~~الهجر الجميل أن يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم مع حسن المخالفة ~~والمداراة والإغضاء وترك المكافأة. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه إنا ~~لنكشر في وجوه قوم ونضحك إليهم، وإن قلوبنا لتقليهم وقيل هو منسوخ بآية ~~السيف. ### || [73.11-14] # إذا عرف الرجل من صاحبه أنه مستهم بخطب يريد أن يكفاه، أو بعدو يشتهي ~~أن ينتقم له منه وهو مضطلع بذلك مقتدر عليه قال ذرني وإياه أي لا تحتاج ~~إلى الظفر بمرادك ومشتهاك، إلا أن تخلى بيني وبينه بأن تكل أمره إلي ~~وتستكفينيه، فإن في ما يفرغ بالك ويجلي همك، وليس ثم منع حتى يطلب إليه ~~أن يذره وإياه إلا ترك الاستكفاء والتفويض، كأنه إذا لم يكل أمره إليه، ~~فكأنه منعه منه فإذا وكله إليه فقد أزال المنع وتركه وإياه، وفيه دليل ~~على الوثوق بأنه يتمكن من الوفاء بأقصى ما تدور حوله أمنية المخاطب وبما ~~يزيد عليه النعمة - بالفتح - التنعم، وبالكسر الإنعام وبالضم المسرة يقال ~~نعم، ونعمة عين، وهم صناديد قريش، وكانوا أهل تنعم وترفه { إن ~~لدينآ } ما يضاد تنعمهم من أنكال وهي القيود الثقال، عن الشعبي. إذا ~~ارتفعوا استفلت بهم. الواحد نكل ونكل. ومن جحيم وهي النار الشديدة الحر ~~والاتقاد. ومن طعام ذي غصة وهو الذي ينشب في الحلوق فلا يساغ يعني الضريع ~~وشجر الزقوم. ومن عذاب أليم من سائر العذاب فلا ترى موكولا إليه أمرهم ~~موذورا بينه وبينهم ينتقم منهم بمثل ذلك الانتقام. وروي 1240 أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق. وعن الحسن أنه أمسى صائما. فأتي ~~بطعام، فعرضت له هذه الآية فقال ارفعه، ووضع عنده الليلة الثانية، فعرضت ~~له، فقال ارفعه، وكذلك الليلة الثالثة، فأخبر ثابت البناني ms2163 ويزيد الضبي ~~ويحيى البكاء، فجاؤا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق { يوم ~~ترجف } منصوب بما في لدينا. والرجفة. الزلزلة والزعزعة الشديدة. ~~والكثيب الرمل المجتمع من كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول في ~~أصله. ومنه الكثبة من اللبن، قالت الضائنة أجز جفالا وأحلب كثبا عجالا، ~~أي كانت مثل رمل مجتمع هيل هيلا، أي نثر وأسيل. ### || [73.15-16] # الخطاب لأهل مكة { شهدا عليكم } يشهد عليكم يوم القيامة ~~بكفركم وتكذيبكم. فإن قلت لم نكر الرسول ثم عرف؟ قلت لأنه أراد أرسلنا ~~إلى فرعون بعض الرسل، فلما أعاده، وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف ~~إشارة إلى المذكور بعينه { وبيلا } ثقيلا غليظا، من قولهم كلأ وبيل ~~وخم لا يستمرأ لثقله. والوبيل العصا الضخمة ومنه الوابل للمطر العظيم. ### || [73.17-18] # { يوما } مفعول به، أي فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له، إن ~~بقيتم على الكفر. ولم تؤمنوا وتعملوا صالحا. ويجوز أن يكون ظرفا، أي ~~فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا ويجوز أن ينتصب ~~بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم ~~القيامة والجزاء، أن تقوى الله خوف عقابه { يجعل الولدن شيبا ~~} مثل في الشدة يقال في اليوم الشديد يوم يشيب نواصي الأطفال والأصل فيه ~~أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان أسرع فيه الشيب. قال أبو ~~الطيب # والهم يخترم الجسيم نحافة ويشيب ناصية ~~الصبي ويهرم # وقد مر بي في بعض الكتب أن رجلا أمسى فاحم الشعر كحنك الغراب. وأصبح ~~وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال أريت القيامة والجنة والنار في ~~المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ~~ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول. وأن الأطفال يبلغون فيه أوان ~~الشيخوخة والشيب { السمآء منفطر به } وصف لليوم بالشدة أيضا. ~~وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، فما ظنك بغيرها من الخلائق. ~~وقرىء «منفطر ومتفطر» والمعنى ذات انفطار. أو على تأويل السماء بالسقف أو ~~على تأويل السماء شىء منفطر والباء في { به } مثلها ms2164 في قولك فطرت العود ~~بالقدوم فانفطر به، يعني أنها تنفطر بشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر ~~الشيء بما يفطر به. ويجوز أن يراد السماء مثقلة به إثقالا يؤدي إلى ~~انفطارها لعظمه عليها وخشيتها من وقوعه، كقوله # ثقلت فى السموات والأرض # الأعراف 187، { وعده } من إضافة المصدر إلى المفعول، والضمير لليوم. ~~ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل وهو الله عز وعلا، ولم يجر له ذكر لكونه ~~معلوما. ### || [73.19] # { إن هذه } الآيات الناطقة بالوعيد الشديد { تذكرة } موعظة ~~{ فمن شآء } اتعظ بها. واتخذ سبيلا إلى الله بالتقوى والخشية. ومعنى ~~اتخاذ السبيل إليه التقرب والتوسل بالطاعة. ### || [73.20] # { أدنى من ثلثى اليل } أقل منهما وإنما استعير الأدنى وهو ~~الأقرب للأقل لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأحياز ~~وإذا بعدت كثر ذلك. وقرىء «ونصفه وثلثه» بالنصب على أنك تقوم أقل من ~~الثلثين، وتقوم النصف والثلث وهو مطابق لما مر في أول السورة من ~~التخيير بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه - وهو الثلث - وبين ~~قيام الزائد عليه - وهو الأدنى من الثلثين. وقرىء «ونصفه»، وثلثه بالجر، ~~أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين ~~النصف وهو أدنى من الثلثين والثلث وهو أدنى من النصف. والربع وهو أدنى من ~~الثلث، وهو الوجه الأخير { وطآئفة من الذين معك } ويقوم ~~ذلك جماعة من أصحابك { والله يقدر اليل والنهار } ولا ~~يقدر على تقدير الليل والنهار ومعرفة مقادير ساعاتهما إلا الله وحده ~~وتقديم اسمه عز وجل مبتدأ مبنيا عليه «يقدر»، هو الدال على معنى ~~الاختصاص بالتقدير والمعنى إنكم لا تقدرون عليه، والضمير في { لن ~~تحصوه } لمصدر يقدر، أي علم أنه لا يصح منكم ضبط الأوقات ولا يتأتى ~~حسابها بالتعديل والتسوية، إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط وذلك شاق ~~عليكم بالغ منكم { فتاب عليكم } عبارة عن الترخيص في ترك القيام ~~المقدر. كقوله # فتاب عليكم وعفا عنكم فالن بشروهن # البقرة 187 والمعنى أنه رفع التبعة في تركه عنكم، كما يرفع التبعة عن ~~التائب. وعبر عن الصلاة ms2165 بالقراءة لأنها بعض أركانها، كما عبر عنها ~~بالقيام والركوع والسجود يريد فصلوا ما تيسر عليكم، ولم يتعذر من صلاة ~~الليل وهذا ناسخ للأول، ثم نسخا جميعا بالصلوات الخمس. وقيل هي قراءة ~~القرآن بعينها قيل يقرأ مائة آية ومن قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه ~~القرآن، وقيل من قرأ مائة آية كتب من القانتين. وقيل خمسين آية. وقد بين ~~الحكمة في النسخ. وهي تعذر القيام على المرضى، والضاربين في الأرض ~~للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله. وقيل سوى الله بين المجاهدين ~~والمسافرين لكسب الحلال. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه 1241 أيما ~~رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا، فباعه بسعر ~~يومه كان عند الله من الشهداء. وعن عبد الله بن عمر ما خلق الله موتة ~~أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب ~~في الأرض أبتغى من فضل الله. و { علم } استئناف على تقدير السؤال عن ~~وجه النسخ { وأقيموا الصلوة } يعني المفروضة والزكاة الواجبة ~~وقيل زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة. وإنما وجبت بعد ذلك. ومن فسرها ~~بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا { وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا } يجوز أن يريد سائر الصدقات وأن يريد أداء الزكاة على أحسن وجه ~~من إخراج أطيب المال وأعوده على الفقراء، ومراعاة النية وابتغاء وجه ~~الله، والصرف إلى المستحق، وأن يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق ~~بالنفس والمال { خيرا } ثاني مفعولي وجد. # وهو فصل. وجاز وإن لم يقع بين معرفتين. لأن أفعل من أشبه في امتناعه من ~~حرف التعريف المعرفة. وقرأ أبو السمال «هو خير وأعظم أجرا» بالرفع على ~~الابتداء والخبر. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1242 # " من قرأ سورة المزمل دفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة ". ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-5] # { المدثر } لابس الدثار، وهو ما فوق الشعار وهو الثوب الذي يلي ~~الجسد. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام 1243 # " الأنصار شعار والناس دثار " # وقيل هي أول سورة ms2166 نزلت. وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1244 # " كنت على جبل حراء فنوديت يا محمد، إنك رسول الله، فنظرت عن يميني ~~ويساري فلم أر شيئا، فنظرت فوقي فرأيت شيئا " # وفي رواية عائشة # " فنظرت فوقي فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض " # - يعني الملك الذي ناداه - # " فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني، فنزل جبريل وقال «يا أيها ~~المدثر» " # وعن الزهري 1245 أول ما نزل سورة { اقرأ باسم ربك } إلى قوله ~~{ ما لم يعلم } فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلو ~~شواهق الجبال، فأتاه جبريل فقال إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة وقال ~~دثروني وصبوا علي ماء باردا، فنزل يا أيها المدثر. وقيل سمع من قريش ما ~~كرهه فاغتم، فتغطى بثوبه مفكرا كما يفعل المغموم. فأمر أن لا يدع ~~إنذارهم وإن أسمعوه وآذوه. وعن عكرمة أنه قرأ على لفظ اسم المفعول. من ~~دثره. وقال دثرت هذا الأمر وعصب بك، كما قال في المزمل قم من مضجعك أو ~~قم قيام عزم وتصميم { فأنذر } فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. ~~والصحيح أن المعنى فأفعل الإنذار من غير تخصيص له بأحد { وربك ~~فكبر } واختص ربك بالتكبير وهو الوصف بالكبرياء وأن يقال الله أكبر. ~~ويروى 1246 أنه لما نزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الله أكبر» ~~فكبرت خديجة وفرحت، وأيقنت أنه الوحي وقد يحمل على تكبير الصلاة، ودخلت ~~الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل وما كان فلا تدع تكبيره { وثيابك ~~فطهر } أمر بأن تكون ثيابه طاهرة من النجاسات لأن طهارة الثياب شرط ~~في الصلاة لا تصح إلا بها، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة، وقبيح ~~بالمؤمن الطيب أن يحمل خبثا. وقيل هو أمر بتقصيرها، ومخالفة العرب في ~~تطويلهم الثياب وجرهم الذيول، وذلك ما لا يؤمن معه إصابة النجاسة. وقيل ~~هو أمر بتطهير النفس مما يستقذر من الأفعال ويستهجن من العادات. يقال ~~فلان طاهر الثياب وطاهر الجيب والذيل والأردان إذا وصفوه بالنقاء من ~~المعايب ms2167 ومدانس الأخلاق. وفلان دنس الثياب للغادر وذلك لأن الثوب يلابس ~~الإنسان ويشتمل عليه، فكنى به عنه. ألا ترى إلى قولهم أعجبني زيد ثوبه، ~~كما يقولون أعجبني زيد عقله وخلقه، ويقولون المجد في ثوبه، والكرم تحت ~~حلته ولأن الغالب أن من طهر باطنه ونقاه عنى بتطهير الظاهر وتنقيته، ~~وأبى إلا اجتناب الخبث وإيثار الطهر في كل شيء «والرجز» قرىء بالكسر ~~والضم، وهو العذاب، ومعناه اهجر ما يؤدي إليه من عبادة الأوثان وغيرها من ~~المآثم. والمعنى الثبات على هجره لأنه كان بريئا منه. ### || [74.6-7] # قرأ الحسن «ولا تمن» «وتستكثر» مرفوع منصوب المحل على الحال، أي ولا ~~تعط مستكثرا رائيا لما تعطيه كثيرا، أو طالبا للكثير نهى عن ~~الاستغزار وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من ~~الموهوب، وهذا جائز. ومنه الحديث 1247 # " المستغزر يثاب من هبته " # وفيه وجهان، أحدهما أن يكون نهيا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن الله تعالى اختار له أشرف الآداب وأحسن الأخلاق، والثاني أن يكون ~~نهى تنزيه لا تحريم له ولأمته وقرأ الحسن «تستكثر» بالسكون. وفيه ثلاثة ~~أوجه الإبدال من تمنن. كأنه قيل ولا تمنن لا تستكثر على أنه من المن في ~~قوله عز وجل # ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى # البقرة262 لأن من شأن المنان بما يعطي أن يستكثره، أي يراه كثيرا ~~ويعتد به، وأن يشبه ثرو بعضد، فيسكن تخفيفا، وأن يعتبر حال الوقف. وقرأ ~~الأعمش بالنصب بإضمار «أن» كقوله # ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغىء # وتؤيده قراءة ابن مسعود «ولا تمنن أن تستكثر» ويجوز في الرفع أن تحذف ~~«أن» ويبطل عملها، كما روي أحضر الوغى بالرفع، { ولربك فاصبر } ~~ولوجه الله فاستعمل الصبر. وقيل على أذى المشركين. وقيل على أداء ~~الفرائض. وعن النخعى على عطيتك، كأنه وصله بما قبله، وجعله صبرا على ~~العطاء من غير استكثار، والوجه أن يكون أمرا بنفس الفعل، وأن يتناول على ~~العموم كل مصبور عليه ومصبور عنه، ويراد الصبر على أذى الكفار لأنه أحد ~~ما ms2168 يتناوله العام. ### || [74.8-10] # والفاء في قوله { فإذا نقر } للتسبيب، كأنه قال اصبر على أذاهم ~~فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم، وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. ~~والفاء في { فذلك } للجزاء فإن قلت بم انتصب إذا، وكيف صح أن يقع { ~~يومئذ } ظرفا ليوم عسير؟ قلت انتصب إذا بما دل عليه الجزاء، لأن ~~المعنى فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين، والذي أجاز وقوع { ~~يومئذ } ظرفا ليوم عسير أن المعنى فذلك وقت النقر وقوع يوم عسير، ~~لأن يوم القيامة يأتي ويقع حين ينقر في الناقور. واختلف في أنها النفخة ~~الأولى أم الثانية. ويجوز أن يكون يومئذ مبنيا مرفوع المحل، بدلا من { ~~ذلك } و { يوم عسير } خبر، كأنه قيل فيوم النقر يوم عسير. فإن ~~قلت فما فائدة قوله { غير يسير } و { عسير } مغن عنه؟ قلت لما ~~قال { على الكفرين } فقصر العسر عليهم قال { غير يسير } ~~ليؤذن بأن لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا، ليجمع بين ~~وعيد الكافرين وزيادة غيظهم وبشارة المؤمنين وتسليتهم ويجوز أن يراد أنه ~~عسير لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما يرجى تيسر العسير من أمور الدنيا. ### || [74.11-25] # { وحيدا } حال من الله عز وجل على معنيين، أحدهما ذرني وحدي معه، ~~فأنا أجزيك في الانتقام منه عن كل منتقم. والثاني خلقته وحدي لم يشركني ~~في خلقه أحد. أو حال من المخلوق على معنى خلقته وهو وحيد فريد لا مال له ~~ولا ولد، كقوله # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقنكم أول مرة # الأنعام 94، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي وكان يلقب في قومه ~~بالوحيد، ولعله لقب بذلك بعد نزول الآية فإن كان ملقبا به قبل فهو تهكم ~~به وبلقبه، وتغيير له عن الغرض الذي كانوا يؤمونه - من مدحه، والثناء ~~عليه بأنه وحيد قومه لرياسته ويساره وتقدمه في الدنيا - إلى وجه الذم ~~والعيب وهو أنه خلق وحيدا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر ~~بنعمة الله وأشرك به واستهزأ بدينه { ممدودا } مبسوطا كثيرا أو ~~ممدا بالنماء، من ms2169 مد النهر ومد نهر آخر. قيل كان له الزرع والضرع ~~والتجارة. وعن ابن عباس هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال. ~~وقيل كان له بستان بالطائف لا ينقطع ثماره صيفا وشتاء. وقيل كان له ألف ~~مثقال. وقيل أربعة آلاف وقيل تسعة آلاف وقيل ألف ألف، وعن ابن جريج غلة ~~شهر بشهر { وبنين شهودا } حضورا معه بمكة لا يفارقونه للتصرف في ~~عمل أو تجارة، لأنهم مكفيون لوفور نعمة أبيهم واستغنائهم عن التكسب وطلب ~~المعاش بأنفسهم، فهو مستأنس بهم لا يشتغل قلبه بغيبتهم، وخوف معاطب السفر ~~عليهم ولا يحزن لفراقهم والاشتياق إليهم. ويجوز أن يكون معناه أنهم رجال ~~يشهدون معه المجامع والمحافل. أو تسمع شهادتهم فيما يتحاكم فيه. وعن ~~مجاهد كان له عشرة بنين. وقيل ثلاثة عشر. وقيل سبعة كلهم رجال الوليد بن ~~الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاص، وقيس، وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة ~~خالد، وهشام، وعمارة { ومهدت له تمهيدا } وبسطت له الجاه ~~العريض والرياسة في قومه، فأتمت عليه نعمتي المال والجاه واجتماعهما هو ~~الكمال عند أهل الدنيا. ومنه قول الناس آدام الله تأييدك وتمهيدك، يريدون ~~زيادة الجاه والحشمة. وكان الوليد من وجهاء قريش وصناديدهم ولذلك لقب ~~الوحيد وريحانة قريش { ثم يطمع } استبعاد واستنكار لطمعه وحرصه، ~~يعنى أنه لا مزيد على ما أوتي سعة وكثرة وقيل إنه كان يقول إن كان محمد ~~صادقا فما خلقت الجنة إلا لي { كلا } ردع له وقطع لرجائه وطمعه { ~~إنه كان لأيتنا عنيدا } تعليل للردع على وجه الاستئناف كأن ~~قائلا قال لم لا يزاد؟ فقيل إنه عاند آيات المنعم وكفر بذلك نعمته، ~~والكافر لا يستحق المزيد، ويروى أنه ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ~~من ماله حتى هلك { سأرهقه صعودا } سأغشيه عقبة شاقة المصعد وهو ~~مثل لما يلقى من العذاب الشاق الصعد الذي لا يطاق وعن النبي صلى الله ~~عليه وسلم 1248 # " يكلف أن يصعد عقبة في النار كلما وضع عليها يده ذابت، فإذا رفعها ~~عادت، وإذا وضع رجله ذابت، فإذا رفعها ms2170 عادت " # وعنه عليه السلام 1249 # " الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا " # ، { إنه فكر } تعليل للوعيد، كأن الله تعالى عاجله بالفقر بعد ~~الغنى، والذل بعد العز في الدنيا بعناده، ويعاقبه في الآخرة بأشد العذاب ~~وأفظعه لبلوغه بالعناد غايته وأقصاه في تفكيره، وتسميته القرآن سحرا. ~~ويجوز أن تكون كلمة الردع متبوعة بقوله { سأرهقه صعودا } ردا ~~لزعمه أن الجنة لم تخلق إلا له وإخبارا بأنه من أشد أهل النار عذابا، ~~ويعلل ذلك بعناده، ويكون قوله { إنه فكر } بدلا من قوله { ~~إنه كان لأيتنا عنيدا } بيانا لكنه عناده. ومعناه { ~~فكر } ماذا يقول في القرآن { وقدر } في نفسه ما يقول وهيأه { ~~فقتل كيف قدر } تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحز. ورميه ~~الغرض الذي كان تنتحيه قريش. أو ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به أو هي ~~حكاية لما كرروه من قولهم. { قتل كيف قدر } تهكما بهم وبإعجابهم ~~بتقديره، واستعظامهم لقوله. ومعنى قول القائل قتله الله ما أشجعه. وأخزاه ~~الله ما أشعره الإشعار بأنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو ~~عليه حاسده بذلك. روي 1250 أن الوليد قال لبني مخزوم والله لقد سمعت من ~~محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، ~~وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى ~~فقالت قريش صبأ والله الوليد، والله لتصبأن قريش كلهم فقال أبو جهل أنا ~~اكفيكموه، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه فقام فأتاهم فقال تزعمون أن ~~محمدا مجنون، فهل رأيتموه يخنق وتقولون إنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهن ~~وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط وتزعمون أنه كذاب، فهل ~~جربتم عليه شيئا من الكذب، فقالوا في كل ذلك اللهم لا، ثم قالوا فما هو؟ ~~ففكر فقال ما هو إلا ساحر. أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ~~ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن مسيلمة وعن أهل بابل، فارتج ~~النادي فرحا، وتفرقوا معجبين بقوله ms2171 متعجبين منه { ثم نظر } في ~~وجوه الناس، ثم قطب وجهه، ثم زحف مدبرا، وتشاوس مستكبرا لما خطرت بباله ~~الكلمة الشنعاء، وهم بأن يرمي بها وصف أشكاله التي تشكل بها حتى استنبط ~~ما استنبط، استهزاء به. وقيل قدر ما يقوله، ثم نظر فيه، ثم عبس لما ضاقت ~~عليه الحيل ولم يدر ما يقول. # وقيل قطب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثم أدبر } عن ~~الحق { واستكبر } عنه فقال ما قال. و { ثم نظر } عطف على { ~~فكر وقدر } والدعاء اعتراض بينهما. فإن قلت ما معنى { ثم } ~~الداخلة في تكرير الدعاء؟ قلت الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من ~~الأولى. ونحوه قوله # ألا يا اسلمى ثم اسلمى ثمت اسلمى # فإن قلت ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ قلت الدلالة على أنه ~~قد تأنى في التأمل وتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخ وتباعد. ~~فإن قلت فلم قيل { فقال إن هذا } بالفاء بعد عطف ما قبله بثم؟ ~~قلت لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير ~~تلبث. فإن قلت فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين؟ قلت لأن الأخرى جرت ~~من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد. ### || [74.26-31] # { سأصليه سقر } بدل من # سأرهقه صعودا # المدثر 17، { لا تبقى } شيئا يلقى فيها إلا أهلكته وإذا هلك لم ~~تذره هالكا حتى يعاد. أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما ~~يطرح فيها هالك لا محالة { لواحة } من لوح الهجير. قال # تقول ما لاحك يا مسافر يا آبنة عمي لاحنى ~~الهواجر # قيل تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادا من الليل. والبشر أعالي الجلود. ~~وعن الحسن. تلوح للناس، كقوله # ثم لترونها عين اليقين # التكاثر 7 وقرىء «لواحة» نصبا على الاختصاص للتهويل { عليها ~~تسعة عشر } أي يلي أمرها ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكا. وقيل ~~صنفا من الملائكة. وقيل صفة. وقيل نقيبا. وقرىء «تسعة عشر» بسكون العين ~~لتوالي الحركات في ما هو في حكم اسم واحد وقرىء «تسعة أعشر» ms2172 جمع عشير، ~~مثل يمين وأيمن جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، ~~فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ~~ولأنهم أقوم من خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم، ولأنهم ~~أشد الخلق بأسا وأقواهم بطشا. عن عمرو بن دينار واحد منهم يدفع بالدفعة ~~الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم. 1251 # " كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل ~~قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم في النار ~~بالجبل عليهم " # وروي أنه لما نزلت { عليها تسعة عشر } قال أبو جهل لقريش ~~ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم ~~الدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد ~~بن كلدة الجمحى وكان شديد البطش، أنا أكفيكم سبعة عشر، فأكفوني أنتم ~~اثنين، فأنزل الله { وما جعلنا أصحب النار إلا ~~ملئكة } أي ما جعلناهم رجالا من جنسكم يطاقون. فإن قلت قد جعل ~~افتنان الكافرين بعدة الزبانية سببا لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان ~~المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين، فما وجه صحة ذلك؟ قلت ما جعل ~~افتتانهم بالعدة سببا لذلك، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سببا، وذلك ~~أن المراد بقوله { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا } وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، فوضع { فتنة ~~للذين كفروا } موضع { تسعة عشر } لأن حال هذه العدة ~~الناقصة واحدا من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ~~ويعترض ويستهزيء، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفى عليه وجه الحكمة، كأنه ~~قيل ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها، لأجل استيقان المؤمنين ~~وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين، ~~فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله، وازدياد المؤمنين ~~إيمانا لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، ولما رأوا من تسليم أهل ~~الكتاب وتصديقهم أنه كذلك. # فإن قلت لم قال ms2173 { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون } والاستيقان وازدياد الإيمان دالا على انتفاء ~~الارتياب؟ قلت لأنه إذا جمع لهم إثبات اليقين ونفي الشك. كان آكد وأبلغ ~~لوصفهم بسكون النفس وثلج الصدر، ولأن فيه تعريضا بحال من عداهم، كأنه ~~قال ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر. فإن قلت ~~كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، والسورة مكية، ولم يكن بمكة ~~نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟ قلت معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في ~~مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة { والكفرون } بمكة { ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا } وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون ~~كسائر الإخبارات بالغيوب، وذلك لا يخالف كون السورة مكية. ويجوز أن يراد ~~بالمرض الشك والارتياب، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين ~~بالكذب. فإن قلت قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان وانتفاء الارتياب وقول ~~المنافقين والكافرين ما قالوا فهب أن الإستيقان وإنتفاء الإرتياب يصح أن ~~يكونا غرضين فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضا؟ قلت أفادت ~~اللام معنى العلة والسبب، ولا يجب في العلة أن تكون غرضا، ألا ترى إلى ~~قولك خرجت من البلد لمخافة الشر، فقد جعلت المخافة علة لخروجك وما هي ~~بغرضك. { مثلا } تمييز لهذا، أو حال منه، كقوله # هذه ناقة الله لكم ءاية # هود 64، فإن قلت لم سموه مثلا؟ قلت هو استعارة من المثل المضروب. لأنه ~~مما غرب من الكلام وبدع، استغرابا منهم لهذا العدد واستبداعا له. ~~والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي غرض قصد في أن جعل ~~الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء، ومرادهم إنكاره من أصله، وأنه ليس من ~~عند الله، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص. الكاف في ~~{ كذلك } نصب، وذلك إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى، أي ~~مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين، يعني ~~يفعل فعلا حسنا مبنيا على الحكمة والصواب، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون ~~له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيمانا، ms2174 وينكره ~~الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفرا وضلالا { وما يعلم جنود ~~ربك } وما عليه كل جند من العدد الخاص من كون بعضها على عقد كامل ~~وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده من الحكمة { إلا ~~هو } ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك كما لا يعرف الحكمة في أعداد السموات ~~والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النصب والحدود ~~والكفارات والصلوات في الشريعة أو وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، ~~فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا ~~تعلمونها وهو يعلمها. وقيل هو جواب لقول أبي جهل أما لرب محمد أعوان إلا ~~تسعة عشر، { وما جعلنا أصحاب النار - إلى قوله - إلا هو } اعتراض. وقوله ~~{ وما هى إلا ذكرى } متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي وما سقر ~~وصفتها إلا تذكرة { للبشر } أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها. ### || [74.30-37] # { كلا } إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن تكون لهم ذكرى، لأنهم لا ~~يتذكرون، أو ردع لمن ينكر أن تكون إحدى الكبر نذيرا. ودبر بمعنى أدبر، ~~كقبل بمعنى أقبل. ومنه صاروا كأمس الدابر. وقيل هو من دبر الليل النهار ~~إذا خلفه. وقرىء «إذ أدبر» { إنها لإحدى الكبر } جواب القسم ~~أو تعليل لكلا، والقسم معترض للتوكيد. والكبر جمع الكبرى، جعلت ألف ~~التأنيث كتائها، فلما جمعت فعلة على فعل جمعت فعلى عليها، ونظير ذلك ~~السوافي في جمع السافياء. والقواصع في جمع القاصعاء، كأنها جمع فاعلة، أي ~~لإحدى البلايا أو الدواهي الكبر، ومعنى كونها إحداهن أنها من بينهن ~~واحدة في العظم لا نظيرة لها. كما تقول هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء و ~~{ نذيرا } تمييز من إحدى، على معنى إنها لإحدى الدواهي إنذارا، كما ~~تقول هي إحدى النساء عفافا. وقيل هي حال. وقيل هو متصل بأول السورة، ~~يعني قم نذيرا، وهو من بدع التفاسير. وفي قراءة أبي «نذير» بالرفع خبر ~~بعد خبر «لأن» أو بحذف المبتدأ { أن يتقدم } في موضع الرفع ~~بالابتداء. ولمن شاء خبر مقدم عليه، كقولك ms2175 لمن توضأ أن يصلي ومعناه مطلق ~~لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم أو يتأخر، والمراد بالتقدم والتأخر ~~السبق إلى الخير والتخلف عنه وهو كقوله # فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر # الكهف 29، ويجوز أن يكون { لمن شآء } بدلا من { للبشر } على ~~أنها منذرة للمكلفين الممكنين الذين إن شاؤا تقدموا ففازوا وإن شاؤا ~~تأخروا فهلكوا. ### || [74.38-48] # { رهينة } ليست بتأنيث رهين في قوله # كل امرىء بما كسب رهين # الطور 21، لتأنيث النفس لأنه لو قصدت الصفة لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى ~~مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة ~~بمعنى الشتم، كأنه قيل كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب رهينة رمس ذي ~~تراب وجندل # كأنه قال رهن رمس. والمعنى كل نفس رهن بكسبها عند بكسبها عند الله غير ~~مفكوك { إلا أصحب اليمين } فإنهم فكوا عنه رقابهم بما ~~أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق. وعن علي رضي الله عنه ~~أنه فسر أصحاب اليمين بالأطفال، لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها. وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه هم الملائكة { فى جنت } أي هم في جنات لا يكتنه ~~وصفها { يتساءلون عن المجرمين } يسأل بعضهم بعضا عنهم. أو ~~يتساءلون غيرهم عنهم، كقولك دعوته وتداعيناه. فإن قلت كيف طابق قوله { ~~ما سلككم } وهو سؤال للمجرمين قوله { يتساءلون عن ~~المجرمين } وهو سؤال عنهم؟ وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل يتساءلون ~~المجرمين ماسلككم قلت ماسلككم ليس ببيان للتساؤل عنهم، وإنما هو حكاية ~~قول المسؤولين عنهم لأن المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين ~~المجرمين، فيقولون قلنا لهم { ماسلككم فى سقر قالوا لم نك ~~من المصلين } إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو ~~نهج التنزيل في غرابة نظمه الخوض الشروع في الباطل وما لا ينبغي فإن قلت ~~لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت توبيخا لهم وتحسيرا، وليكون حكاية الله ~~ذلك في كتابه تذكرة للسامعين. وقد عضد بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالأطفال ~~أنهم إنما سألوهم ms2176 لأنهم ولدان لا يعرفون موجب دخول النار. فإن قلت ~~أيريدون أن كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار، أم دخلها بعضهم ~~بهذه وبعضهم بهذه؟ قلت يحتمل الأمرين جميعا. فإن قلت لم أخر التكذيب وهو ~~أعظمها؟ قلت أرادوا أنهم بعد ذلك كله كانوا مكذبين بيوم الدين تعظيما ~~للتكذيب. كقوله # ثم كان من الذين ءامنوا # البلد 17، و { اليقين } الموت ومقدماته، أي لو شفع لهم الشافعون ~~جميعا من الملائكة والنبيين وغيرهم لم تنفعهم شفاعتهم لأن الشفاعة لمن ~~ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم. وفيه دليل على أن الشفاعة تنفع يومئذ ~~لأنها تزيد في درجات المرتضين. ### || [74.49-56] # { عن التذكرة } عن التذكير وهو العظة، يريد القرآن أو غيره من ~~المواعظ و { معرضين } نصب على الحال، كقولك مالك قائما ~~«والمستنفرة» الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له ~~وحملها عليه. وقرىء بالفتح وهي المنفرة المحمولة على النفار والقسورة ~~جماعة الرماة الذين يتصيدونها. وقيل الأسد يقال ليوث قساور وهي فعولة من ~~القسر وهو القهر والغلبة، وفي وزنه «الحيدرة» من أسماء الأسد. وعن ابن ~~عباس ركز الناس وأصواتهم. وعن عكرمة ظلمة الليل، شبههم في إعراضهم عن ~~القرآن واستماع الذكر والموعظة وشرادهم عنه، بحمر جدت في نفارها مما ~~أفزعها. وفي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم بين. كما في قوله # كمثل الحمار يحمل أسفارا # الجمعة 5، وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل. ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ~~واطرادها في العدو إذا رأبها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف ~~الإبل وشدة سيرها بالحمر، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص { ~~صحفا منشرة } قراطيس تنشر وتقرأ كالكتب التي يتكاتب بها أو ~~كتبا كتبت في السماء ونزلت بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها غضة ~~رطبة لم تطو بعد وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لن نتبعك ~~حتى تأتي كل واحد منا بكتب من السماء عنوانها من رب العالمين إلى فلان بن ~~فلان، نؤمر فيها باتباعك ونحوه قوله # وقالوا لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا ms2177 ~~نقرءه # الإسراء 93، وقال # ولو نزلنا عليك كتبا فى قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم... # الآية الأنعام 7. وقيل قالوا إن كان محمد صادقا فليصبح عند رأس كل رجل ~~منا صحيفة فيها براءته وأمنه من النار. وقيل كانوا يقولون بلغنا أن الرجل ~~من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا على رأسه ذنبه وكفارته، فأتنا بمثل ذلك ~~وهذا من الصحف المنشرة بمعزل. إلا أن يراد بالصحف المنشرة الكتابات ~~الظاهرة المكشوفة. وقرأ سعيد بن جبير «صحفا منشرة» بتخفيفهما، على أن ~~أنشر الصحف ونشرها واحد، كأنزله ونزله. ردعهم بقوله { كلا } عن تلك ~~الإرادة، وزجرهم عن اقتراح الآيات، ثم قال { بل لا يخافون ~~الأخرة } فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف، ثم ردعهم ~~عن إعراضهم عن التذكرة وقال { إنه تذكرة } يعني تذكرة بليغة ~~كافية، مبهم أمرها في الكفاية { فمن شآء } أن يذكره ولا ينساه ويجعله ~~عينه فعل، فإن نفع ذلك راجع إليه. والضمير في { إنه } و { ذكره ~~} للتذكرة في قوله # فما لهم عن التذكرة معرضين # المدثر 49 وإنما ذكر لأنها في معنى الذكر أو القرآن { وما يذكرون ~~إلا أن يشاء الله } يعني إلا أن يقسرهم على الذكر ويلجئهم إليه. ~~لأنهم مطبوع على قلوبهم. معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا { هو أهل ~~التقوى وأهل المغفرة } هو حقيق بأن يتقيه عباده، ويخافوا ~~عقابه، فيؤمنوا ويطيعوا، وحقيق بأن يغفر لهم إذا آمنوا وأطاعوا وروى أنس ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1252 # " هو أهل أن يتقي، وأهل أن يغفر لمن اتقاه " # وقرىء «يذكرون» بالياء والتاء مخففا ومشددا. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1253 # " من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وكذب به ~~بمكة ". ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-6] # إدخال «لا» النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم قال امرؤ ~~القيس # لا وأبيك ابنة العامري لا يدعى القوم أني ~~أفر # وقال غوثة بن سلمى # ألا نادت أمامة باحتمال لتخزنني فلا بك ما ~~أبالي # وفائدتها توكيد القسم، وقالوا إنها صلة مثلها في # لئلا يعلم أهل الكتاب # الحديد29 ms2178 وفي قوله # في بئر لاحور سرى وما شعر # اعترضوا عليه بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله، وأجابوا بأن ~~القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض، والاعتراض صحيح لأنها لم تقع ~~مزيدة إلا في وسط الكلام، ولكن الجواب غير سديد. ألا ترى إلى امرىء القيس ~~كيف زادها في مستهل قصيدته. والوجه أن يقال هي للنفي. والمعنى في ذلك أنه ~~لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له يدلك عليه قوله تعالى # فلا أقسم بموقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # الواقعة 75 - 76، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول إن إعظامي له بإقسامي به ~~كلا إعظام يعني أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل إن «لا» نفي لكلام ورد له قبل ~~القسم، كأنهم أنكروا البعث فقيل لا، أي ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل ~~أقسم بيوم القيامة. فإن قلت قوله تعالى # فلا وربك لا يؤمنون # النساء 65 والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أن ~~«لا» التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدرت المقسم ~~عليه المحذوف ههنا منفيا، كقوله { لآ أقسم بيوم القيمة 1 ~~} ، لا تتركون سدى؟ قلت لو قصر الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا ~~القول مساغ، ولكنه لم يقصر. ألا ترى كيف لقي # لا أقسم بهذا البلد # البلد 1، بقوله # لقد خلقنا الإنسن # التين 4، وكذلك # فلا أقسم بموقع النجوم # الواقعة 75، بقوله إنه لقرآن كريم وقرىء «لأقسم» على أن اللام ~~للابتداء. وأقسم خبر مبتدأ محذوف، معناه لأنا أقسم. قالوا ويعضده أنه في ~~الإمام بغير ألف { بالنفس اللوامة } بالنفس المتقية التي تلوم ~~النفوس فيه أي في يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى أو بالتي لا تزال ~~تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان. وعن الحسن إن المؤمن لا تراه إلا ~~لائما نفسه، وإن الكافر يمضي قدما لا يعاتب نفسه. وقيل هي التي تتلوم ~~يومئذ على ترك الازدياد إن كانت محسنة. وعلى التفريط إن كانت مسيئة. وقيل ~~هي نفس آدم، لم تزل تتلوم على فعلها الذي خرجت به من ms2179 الجنة. وجواب القسم ~~ما دل عليه قوله { أيحسب الإنسن ألن نجمع عظامه } ~~وهو لتبعثن. وقرأ قتادة «أن لن تجمع عظامه»، على البناء للمفعول. ~~والمعنى نجمعها بعد تفرقها ورجوعها رميما ورفاتا مختلطا بالتراب، ~~وبعدما سفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض. # وقيل إن عدي ابن أبي ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهما 1254 # " اللهم اكفني جاري السوء " # قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى ~~يكون وكيف أمره؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو عاينت ~~ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن به أو يجمع الله العظام، فنزلت { ~~بلى } أوجبت ما بعد النفي وهو الجمع، فكأنه قيل { بلى } نجمعها و { ~~قدرين } حال من الضمير في نجمع، أي نجمع العظام قادرين على تأليف ~~جميعها وإعادتها إلى التركيب الأول إلى أن نسوي بنانه أي أصابعه التي ~~هي أطرافه، وآخر ما يتم به خلقه. أو على أن نسوي بنانه ونضم سلامياته على ~~صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض كما كانت أولا من غير نقصان ولا تفاوت، ~~فكيف بكبار العظام. وقيل معناه بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوي أصابع ~~يديه ورجليه، أي نجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار لا ~~نفرق بينها، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات ~~المفاصل والأنامل من فنون الأعمال، والبسط والقبض، والتأتي لما يريد من ~~الحوائج. وقرىء «قادرون» أي نحن قادرون، { بل يريد } عطف على { ~~أيحسب } فيجوز أن يكون مثله استفهاما، وأن يكون إيجابا على أن ~~يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر. أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب { ~~ليفجر أمامه } ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات وفيما ~~يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه يقدم ~~الذنب ويؤخر التوبة. يقول سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر ~~أحواله وأسوأ أعماله { يسئل } سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة ms2180 في ~~قوله { أيان يوم القيمة } ونحوه ويقولون متى هذا الوعد. ### || [75.7-15] # { برق البصر } تحير فزعا وأصله من برق الرجل إذا نظر إلى البرق ~~فدهش بصره. وقرىء «برق» من البريق، أي لمع من شدة شخوصه. وقرأ أبو السمال ~~«بلق» إذا انفتح وانفرج. يقال بلق الباب وأبلقته وبلقته فتحته { وخسف ~~القمر8 } وذهب ضوؤه، أو ذهب بنفسه. وقرىء «وخسف» على البناء للمفعول ~~{ وجمع الشمس والقمر 9 } حيث يطلعهما الله من المغرب. وقيل ~~وجمعا في ذهاب الضوء وقيل يجمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران في ~~النار. وقيل يجمعان ثم يقذفان في البحر، فيكون نار الله الكبرى { ~~المفر } بالفتح المصدر وبالكسر المكان. ويجوز أن يكون مصدرا ~~كالمرجع. وقرىء بهما { كلا } ردع عن طلب المفر { لا وزر } لا ملجأ، ~~وكل ما التجأت إليه من جبل أو غيره وتخلصت به فهو وزرك { إلى ربك ~~} خاصة { يومئذ } مستقر العباد، أي استقرارهم. يعني أنهم لا يقدرون ~~أن يستقروا إلى غيره وينصبوا إليه أو إلى حكمه ترجع أمور العباد، لا ~~يحكم فيها غيره، كقوله # لمن الملك اليوم # غافر 16، أو إلى ربك مستقرهم، أي موضع قرارهم من جنة أو نار، أي مفوض ~~ذلك إلى مشيئته، من شاء أدخله الجنة ومن شاء أدخله النار { بما قدم ~~} من عمل عمله { و } بما { أخر } منه لم يعمله أو بما قدم من ماله ~~فتصدق به، وبما أخره فخلفه. أو بما قدم من عمل الخير والشر، وبما أخر من ~~سنة حسنة أو سيئة فعمل بها بعده. وعن مجاهد بأول عمله وآخره. ونحوه ~~فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه { بصيرة } حجة بينة وصفت ~~بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله # فلما جاءتهم ءايتنا مبصرة # النمل 13 أو عين بصيرة. والمعنى أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ، ففيه ما ~~يجزىء عن الإنباء لأنه شاهد عليها بما عملت لأن جوارحه تنطق بذلك # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # النور 24، { ولو ألقى معاذيره } ولو جاء بكل معذرة يعتذر ~~بها عن نفسه ويجادل عنها. وعن الضحاك ms2181 ولو أرخى ستوره، وقال المعاذير ~~الستور، واحدها معذار، فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب، كما تمنع المعذرة ~~عقوبة المذنب. فإن قلت أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت ~~المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها، ونحوه المناكير في ~~المنكر. ### || [75.16-25] # الضمير في { به } للقرآن. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقن ~~الوحي نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها، مسارعة إلى الحفظ ~~وخوفا من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقيا إليه بقلبه وسمعه، ~~حتى يقضى إليه وحيه، ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه. والمعنى لا ~~تحرك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل صلوات الله عليه يقرأ { ~~لتعجل به } لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك. ثم علل النهي عن ~~العجلة بقوله { إن علينا جمعه } في صدرك وإثبات قراءته في ~~لسانك { فإذا قرأنه } جعل قراءة جبريل قراءته والقرآن القراءة ~~{ فاتبع قرءانه } فكن مقفيا له فيه ولا تراسله، وطأمن نفسك ~~أنه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه { ثم إن علينا ~~بيانه } إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه كان يعجل في الحفظ ~~والسؤال عن المعنى جميعا، كما ترى بعض الحراص على العلم ونحوه # ولا تعجل بالقرءان من قبل إن يقضى إليك ~~وحيه # طه 114، { كلا } ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة ~~وإنكار لها عليه، وحث على الأناة والتؤدة، وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله ~~{ بل تحبون العاجلة } كأنه قال بل أنتم يا بني آدم لأنكم ~~خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة { ~~وتذرون الأخرة } وقرىء بالياء وهو أبلغ فإن قلت كيف اتصل قوله # لا تحرك به لسانك # إلى آخره، بذكر القيامة؟ قلت اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه، إلى ~~التوبيخ بحب العاجلة، وترك الأهتمام بالآخرة. الوجه عبارة عن الجملة ~~والناضرة من نضرة النعيم { إلى ربها ناظرة } تنظر إلى ربها ~~خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى ms2182 قوله # إلى ربك يومئذ المستقر # القيامة12، { إلى ربك يومئذ المساق30 } ، # إلى الله تصير الامور # الشورى 53، # وإلى الله المصير # آل عمران 28، # وإليه ترجعون # البقرة 245، # عليه توكلت وإليه أنيب # هود 88، كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون ~~إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه ~~الخلائق كلهم، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظورا إليه محال، ~~فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قول ~~الناس أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقع والرجاء. ومنه قول ~~القائل # وإذا نطرت إليك من ملك والبحر دونك زدتني ~~نعما # وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى ~~مقائلهم، تقول عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم، والمعنى أنهم لا يتوقعون ~~النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون ~~إلا إياه، والباسر الشديد العبوس، والباسل أشد منه، ولكنه غلب في الشجاع ~~إذا اشتد كلوحه { تظن } تتوقع أن يفعل بها فعل هو في شدته وفظاعته { ~~فاقرة } داهية تقصم فقار الظهر، كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل ~~بها كل خير. ### || [75.26-30] # { كلا } ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قيل ارتدعوا عن ذلك، ~~وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده تنقطع العاجلة عنكم، ~~وتنتقلون إلى الآجلة التي تبقون فيها مخلدين. والضمير في { بلغت } ~~للنفس وإن لم يجر لها ذكر، لأن الكلام الذي وقعت فيه يدل عليها، كما قال ~~حاتم # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت ~~يوما وضاق بها الصدر # وتقول العرب أرسلت، يريدون جاء المطر، ولا تكاد تسمعهم يذكرون السماء { ~~التراقى } العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال. ذكرهم صعوبة ~~الموت الذي هو أول مراحل الآخرة حين تبلغ الروح التراقي ودنا زهوقها وقال ~~حاضروا صاحبها - وهو المحتضر - بعضهم لبعض { من راق } أيكم يرقيه مما ~~به؟ وقيل هو ms2183 كلام ملائكة الموت أيكم يرقى بروحه؟ ملائكة الرحمة أم ملائكة ~~العذاب؟ { وظن } المحتضر { أنه الفراق } أن هذا الذي نزل به ~~هو فراق الدنيا المحبوبة { والتفت } ساقه بساقه والتوت عليها عند ~~علز الموت. وعن قتادة ماتت رجلاه فلا تحملانه، وقد كان عليهما جوالا. ~~وقيل شدة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة، على أن الساق مثل في الشدة. ~~وعن سعيد بن المسيب هما ساقاه حين تلفان في أكفانه { المساق } أي ~~يساق إلى الله وإلى حكمه. ### || [75.31-35] # { فلا صدق ولا صلى31 } يعني الإنسان في قوله # أيحسب الإنسن ألن نجمع عظامه # القيامة 3 ألا ترى إلى قوله # أيحسب الإنسن أن يترك سدى # القيامة 36، وهو معطوف على # يسئل أيان يوم القيمة # القيامة 6 أي لا يؤمن بالبعث، فلا صدق بالرسول والقرآن. ولا صلى ويجوز ~~أن يراد فلا صدق ماله، بمعنى فلا زكاة. وقيل نزلت في أبي جهل { ~~يتمطى } يتبختر. وأصله يتمطط، أي يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه. ~~وقيل هو من المطا وهو الظهر، لأنه يلويه. وفي الحديث 1255 # " إذا مشت أمتى المطيطاء وخدمتهم فارس والروم فقد جعل بأسهم بينهم " # يعني كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى عنه وأعرض، ثم ذهب إلى ~~قومه يتبختر افتخارا بذلك { أولى لك } بمعنى ويل لك، وهو دعاء ~~عليه بأن يليه ما يكره. ### || [75.36-40] # { فخلق } فقدر { فسوى } فعدل { منه } من الإنسان { ~~الزوجين } الصنفين { أليس ذلك } الذي أنشأ هذا الإنشاء { ~~بقدر } على الإعادة. وروي 1256 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا قرأها قال # " سبحانك بلى " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1257 # " من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمنا ~~بيوم القيامة ". ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1] # هل بمعنى «قد» في الاستفهام خاصة، والأصل أهل، بدليل قوله # أهل رأونا بسفع القاع ذي الأكم # فالمعنى أقد أتى؟ على التقرير والتقريب جميعا، أي أتى على الإنسان قبل ~~زمان قريب { حين من الدهر لم يكن } فيه { شيئا ~~مذكورا } أي كان شيئا منسيا غير مذكور نطفة في ms2184 الأصلاب والمراد ~~بالإنسان جنس بني آدم، بدليل قوله # إنا خلقنا الإنسن من نطفة # الإنسان 2؟ { حين منالدهر } طائفة من الزمن الطويل الممتد فإن قلتما محل ~~{ لم يكن شيئا مذكورا } قلت محله النصب على الحال من الإنسان، كأنه قيل ~~هل أتى عليه حين من الدهر غير مذكور. أو الرفع على الوصف لحين، كقوله # يوما لا يجزى والد عن ولده # لقمان 33، وعن بعضهم أنها تليت عنده فقال ليتها تمت، أراد ليت تلك ~~الحالة تمت، وهي كونه شيئا غير مذكور ولم يخلق ولم يكلف. ### || [76.2] # { نطفة أمشاج } كبرمة أعشار، وبرد أكياش وهي ألفاظ مفردة غير ~~جموع، ولذلك وقعت صفات للأفراد. ويقال أيضا نطفة مشج، قال الشماخ # طوت أحشاء مرتجة لوقت على مشج سلالته ~~مهين # ولا يصح أمشاج أن يكون تكسيرا له، بل هما مثلان في الإفراد، لوصف ~~المفرد بهما. ومشجه ومزجه بمعنى. والمعنى من نطفة قد امتزج فيها الماءان. ~~وعن ابن مسعود هي عروق النطفة. وعن قتادة أمشاج ألوان وأطوار، يريد أنها ~~تكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة { نبتليه } في موضع الحال، أي خلقناه ~~مبتلين له، بمعنى مريدين ابتلاءه، كقولك مررت برجل معه صقر صائدا به ~~غدا، تريد قاصدا به الصيد غدا. ويجوز أن يراد ناقلين له من حال إلى ~~حال، فسمي ذلك ابتلاء على طريق الاستعارة. وعن ابن عباس نصرفه في بطن ~~أمه نطفة ثم علقة. وقيل هو في تقدير التأخير، يعني فجعلناه سميعا ~~بصيرا لنبتليه، وهو من التعسف. ### || [76.3] # شاكرا وكفورا حالان من الهاء في هديناه، أي مكناه وأقدرناه في حالتيه ~~جميعا. أو دعوناه إلى الإسلام بأدلة العقل «السمع» كان معلوما منه أنه ~~يؤمن أو يكفر لإلزام الحجة. ويجوز أن يكونا حالين من السبيل، أي عرفناه ~~السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا كقوله # وهدينه النجدين # البلد 10 ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز. وقرأ أبو السمال بفتح ~~الهمزة في أما وهي قراءة حسنة والمعنى أما شاكرا فبتوفيقنا، وأما كفورا ~~فبسوء اختياره. ### || [76.4] # ولما ذكر الفريقين أتبعهما الوعيد والوعد. وقرىء «سلاسل» غير منون. ms2185 ~~«وسلاسلا»، بالتنوين. وفيه وجهان أحدهما أن تكون هذه النون بدلا من حرف ~~الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف. والثاني أن يكون صاحب القراءة به ممن ~~ضري برواية الشعر ومرن لسانه على صرف غير المنصرف. ### || [76.5-10] # { الأبرار } جمع بر أو بار، كرب وأرباب، وشاهد وأشهاد. وعن الحسن ~~هم الذين لا يؤذون الذر والكأس الزجاجة إذا كانت فيها خمر، وتسمى الخمر ~~نفسها كأسا { مزاجها } ما تمزج به { كافورا } ماء كافور، وهو ~~اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده. و { عينا } ~~بدل منه. وعن قتادة تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك. وقيل تخلق فيها ~~رائحة الكافور وبياضه وبرده، فكأنها مزجت بالكافور. و { عينا } على ~~هذين القولين بدل من محل { من كأس } على تقدير حذف مضاف، كأنه قيل ~~يشربون فيها خمرا خمر عين. أو نصب على الاختصاص. فإن قلت لم وصل فعل ~~الشرب بحرف الابتداء أولا، وبحرف الإلصاق آخرا؟ قلت لأن الكأس مبدأ ~~شربهم وأول غايته وأما العين فبها يمزجون شرابهم فكان المعنى يشرب عباد ~~الله بها الخمر، كما تقول شربت الماء بالعسل { يفجرونها } يجرونها ~~حيث شاؤا من منازلهم { تفجيرا } سهلا لا يمتنع عليهم { يوفون } ~~جواب من عسى، يقول ما لهم يرزقون ذلك، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم ~~بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله ~~كان بما أوجبه الله عليه أوفى { مستطيرا } فاشيا منتشرا بالغا ~~أقصى المبالغ، من استطار الحريق، واستطار الفجر. وهو من طار، بمنزلة ~~استنفر من نفر { على حبه } الضمير للطعام، أي مع اشتهائه والحاجة ~~إليه. ونحوه # وآتى المال على حبه # البقرة 177، # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # آل عمران 92، وعن الفضيل بن عياض على حب الله { وأسيرا } عن الحسن ~~كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يؤتى بالأسير فيدفعه ~~إلى بعض المسلمين فيقول أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره ~~على نفسه. وعند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا ~~تصرف إليهم الواجبات وعن قتادة ms2186 كان أسيرهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم ~~أحق أن تطعمه. وعن سعيد بن جبير وعطاء هو الأسير من أهل القبلة، وعن أبي ~~سعيد الخدري هو المملوك والمسجون. وسمى رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم الغريم أسيرا، فقال # " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك " # { إنما نطعمكم } على إرادة القول. ويجوز أن يكون قولا باللسان ~~منعا لهم عن المجازاة بمثله أو بالشكر لأن إحسانهم مفعول لوجه الله فلا ~~معنى لمكافأة الخلق. وأن يكون قولهم لهم لطفا وتفقيها وتنبيها، على ما ~~ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله. وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تبعث ~~بالصدقة إلى أهل بيت، ثم تسأل الرسول ما قالوا؟ فإذا ذكر دعاء دعت لهم ~~بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصا عند الله. # ويجوز أن يكون ذلك بيانا وكشفا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا ~~شيئا. وعن مجاهد أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله منهم فأثنى ~~عليهم. والشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر { إنا نخاف } يحتمل ~~أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم، لا لإرادة مكافأتكم وإنا لا ~~نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله تعالى على طلب المكافأة بالصدقة. ووصف ~~اليوم بالعبوس. مجاز على طريقين أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء، كقولهم ~~نهارك صائم روي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل ~~القطران، وأن يشبه في شدته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل ~~والقمطرير الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. قال الزجاج يقال اقمطرت ~~الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها وزمت بأنفها فاشتقه من القطر وجعل ~~الميم مزيدة. قال أسد بن ناعصة. # واصطليت الحروب في كل يوم باسل الشر ~~قمطرير الصباح ### || [76.11-22] # { ولقهم نضرة وسرورا } أي أعطاهم بدل عبوس الفجار ~~وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب، وهذا يدل على أن اليوم موصوف ~~بعبوس أهله { بما صبروا } بصبرهم على الإيثار. وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه 1258 أن الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ناس ms2187 معه فقالوا يا أبا الحسن، لو نذرت على ولدك، فنذر علي ~~وفاطمة وفضة جارية لهما إن برآ مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما ~~معهم شيء، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير، ~~فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ~~ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من ~~مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم ~~يذوقوا إلا الماء، وأصبحوا صياما فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم ~~وقف عليهم يتيم، فآثروه ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك فلما ~~أصبحوا أخد علي رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال ~~ماأشد ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق، معهم فرأى فاطمة في محرابها قد ~~التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها. فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال خذها يا ~~محمد هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة. فإن قلت ما معنى ذكر الحرير ~~مع الجنة؟ قلت المعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع ~~والعرى بستانا فيه مأكل هني، «وحريرا» فيه ملبس بهي. يعني أن هواءها ~~معتدل، لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي. وفي الحديث # " هواء الجنة سجسج، لا حر ولا قر " # وقيل الزمهرير القمر. وعن ثعلب أنه في لغة طيىء. وأنشد # وليلة ظلامها قد اعتكر قطعتها والزمهرير ~~ما زهر # والمعنى أن الجنة ضياء فلا يحتاج فيها شمس وقمر. فإن قلت { ودانية ~~عليهم ظللها } علام عطفت؟ قلت على الجملة التي قبلها لأنها في ~~موضع الحال من المجزيين وهذه حال مثلها عنهم لرجوع الضمير منها إليهم في ~~عليهم، إلا أنها اسم مفرد، وتلك جملة في حكم مفرد تقديره غير رائين فيها ~~شمسا ولا زمهريرا، ودانية عليهم ظلالها ودخلت الواو للدلالة على أن ~~الأمرين مجتمعان لهم، كأنه قيل وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن ~~الحر والقر ودنو الظلال عليهم ms2188 وقرىء «ودانية» بالرفع، على أن ظلالها ~~مبتدأ، ودانية خبر، والجملة في موضع الحال والمعنى لا يرون فيها شمسا ~~ولا زمهريرا، والحال أن ظلالها دانية عليهم ويجوز أن تجعل { ~~متكئين } و { لا يرون } و { ودانية } كلها صفات لجنة. # ويجوز أن يكون { ودانية } معطوفة على جنة، أي وجنة أخرى دانية ~~عليهم ظلالها، على أنها وعدوا جنتين، كقوله # ولمن خاف مقام ربه جنتان # الرحمن 46، لأنهم وصفوا بالخوف # إنا نخاف من ربنا # الإنسان 10، فإن قلت فعلام عطف { وذللت }؟ قلت هي - إذا رفعت { ~~ودانية } - جملة فعلية معطوفة على جملة ابتدائية، وإذا نصبتها على ~~الحال، فهي حال من دانية، أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوفها لهم. ~~أو معطوفة عليها على ودانية عليهم ظلالها، ومذللة قطوفها وإذا نصبت { ~~ودانية } على الوصف، فهي صفة مثلها ألا ترى أنك لو قلت جنة ذللت ~~قطوفها كان صحيحا وتذليل القطوف أن تجعل ذللا لا تمتنع على قطافها كيف ~~شاؤا. أو تجعل ذليلة لهم خاضعة متقاصرة، من قولهم حائط ذليل إذا كان ~~قصيرا { قوارير قوارير } قرئا غير منونين، وبتنوين الأول،، ~~وبتنوينهما. وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق، لأنه فاصلة وفي الثاني ~~لإتباعه الأول، ومعنى قوارير من { فضة } أنها مخلوقة من فضة، وهي مع ~~بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها. فإن قلت ما معنى { كانت }؟ ~~قلت هو من - يكون - في قوله # كن فيكون # البقرة 117 أي تكونت قوارير، بتكون الله تفخيما لتلك الخلقة العجيبة ~~الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين. ومنه كان في قوله { كان ~~مزاجها كافورا }. وقرىء «قوارير من فضة» بالرفع على هي قوارير { ~~قدروها } صفة لقوارير من فضة. ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في ~~أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروا. ~~وقيل الضمير للطائفين بها، دل عليهم قوله # ويطاف عليهم # الإنسان 15، على أنهم قدروا شرابها على قدر الري، وهو ألذ للشارب لكونه ~~على مقدار حاجته لا يفضل عنها ولا يعجز. وعن مجاهد لا تفيض ولا تغيض. ~~وقرىء «قدروها» على البناء للمفعول. ووجهه أن ms2189 يكون من قدر، منقولا من ~~قدر. تقول قدرت الشيء وقدرنيه فلان إذا جعلك قادرا له. ومعناه جعلوا ~~قادرين له كما شاؤا. وأطلق لهم أن يقدروا على حسب ما اشتهوا، سميت العين ~~زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها، والعرب تستلذه وتستطيبه. قال الأعشى # كأن القرنفل والزنجبيل باتا بفيها وأريا ~~مشورا # وقال المسيب بن علس. # وكأن طعم الزنجبيل به إذ ذقته وسلافة ~~الخمر # و { سلسبيلا } لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يعني أنها ~~في طعم الزنجبيل وليس فيها لذعه، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة. يقال شراب ~~سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية. ~~ودلت على غاية السلاسة. قال الزجاج السلسبيل في اللغة صفة لماكان في غاية ~~السلاسة. وقرىء «سلسبيل» على منع الصرف، لاجتماع العلمية والتأنيث وقد ~~عزوا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن معناه سل سبيلا إليها، وهذا ~~غير مستقيم على ظاهره. # إلا أن يراد أن جملة قول القائل سل سبيلا، جعلت علما للعين، كما قيل ~~تأبط شرا وذرى حبا وسميت بذلك لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها ~~سبيلا بالعمل الصالح، وهو مع استقامته في العربية تكلف وابتداع وعزوه ~~إلى مثل علي رضي الله عنه أبدع وفي شعر بعض المحدثين # سل سبيلا فيها إلى راحة النف س براح ~~كأنها سلسبيل # و { عينا } بدل من { زنجبيلا } وقيل تمزج كأسهم بالزنجبيل بعينه. ~~أو يخلق الله طعمه فيها. و { عينا } على هذا القول مبدلة من { كأسا ~~} كأنه قيل ويسقون فيها كأسا كأس عين. أو منصوبة على الاختصاص. شبهوا في ~~حسنهم وصفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم باللؤلؤ المنثور وعن ~~المأمون أنه ليلة زفت إليه بوران بنت الحسن بن سهل وهو على بساط منسوج من ~~ذهب وقد نثرت عليه نساء دار الخلافة اللؤلؤ. فنظر إليه منثورا على ذلك ~~البساط، فاستحسن المنظر وقال لله در أبي نواس، وكأنه أبصر هذا حيث يقول # كأن صغرى وكبرى من فواقعها حصباء در على ~~أرض من الذهب # وقيل شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر ms2190 من صدفه، لأنه أحسن وأكثر ماء { ~~رأيت } ليس له مفعول ظاهر ولا مقدر ليشيع ويعم، كأنه قيل وإذا أوجدت ~~الرؤية، ثم ومعناه أن بصر الرائي أينما وقع لم يتعلق إدراكه إلا بنعيم ~~كثير وملك كبير و { ثم } في موضع النصب على الظرف، يعني في الجنة ومن ~~قال معناه «ما ثم» فقد أخطأ، لأن «ثم» صلة لما، ولا يجوز إسقاط الموصول ~~وترك الصلة { كبيرا } واسعا وهنيئا. يروى أن أدنى أهل الجنة منزلة ~~ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه. وقيل لا زوال له. ~~وقيل إذا أرادوا شيأ كان. وقيل يسلم عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم قرىء ~~«عاليهم» بالسكون، على أنه مبتدأ خبره { ثياب سندس } أي ما يعلوهم ~~من لباسهم ثياب سندس. وعاليهم بالنصب، على أنه حال من الضمير في { ~~ويطوف عليهم } أو في { حسبتهم } أي يطوف عليهم ولدان ~~عاليا للمطوف عليهم ثياب. أو حسبتهم لؤلؤا عاليا لهم ثياب. ويجوز أن ~~يراد رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب. وعاليتهم بالرفع والنصب على ذلك. ~~وعليهم. وخضر وإستبرق بالرفع، حملا على الثياب بالجر على السندس. وقرىء ~~«وإستبرق» نصبا في موضع الجر على منع الصرف لأنه أعجمي، وهو غلط لأنه ~~نكرة يدخله حرف التعريف تقول الإستبرق، إلا أن يزعم ابن محيصن أنه قد ~~يجعل علما لهذا الضرب من الثياب. وقرىء «واستبرق»، بوصل الهمزة والفتح ~~على أنه مسمى باستفعل من البريق، وليس بصحيح أيضا لأنه معرب مشهور ~~تعريبه، وأن أصله استبره { وحلوا } عطف على { ويطوف ~~عليهم }. # فإن قلت ذكر ههنا أن أساورهم من فضة، وفي موضع آخر أنها من ذهب. قلت هب ~~أنه قيل وحلوا أساور من ذهب ومن فضة، وهذا صحيح لا إشكال فيه، على أنهم ~~يسورون بالجنسين إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تزاوج نساء ~~الدنيا بين أنواع الحلي وتجمع بينها، وما أحسن بالمعصم أن يكون فيه ~~سواران سوار من ذهب، وسوار من فضة { شرابا طهورا } ليس برجس كخمر ~~الدنيا لأن كونها رجسا بالشرع لا بالعقل، وليست الدار دار تكليف. ms2191 أو ~~لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة، وتدوسه الأقدام الدنسة، ولم يجعل في ~~الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها. أو لأنه لا يؤول إلى النجاسة ~~لأنه يرشح عرقا من أبدانهم له ريح كريح المسك. أي يقال لأهل الجنة { ~~إن هذا } وهذا إشارة إلى ما تقدم من عطاء الله لهم ما جوزيتم به ~~على أعمالكم وشكر به سعيكم، والشكر مجاز. ### || [76.23-26] # تكرير الضمير بعد إيقاعه إسما لان تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله ~~بالتنزيل، ليتقرر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو ~~المنزل لم يكن تنزيله على أي وجه نزل إلا حكمة وصوابا، كأنه قيل ما نزل ~~عليك القرآن تنزيلا مفرقا منجما إلا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيما ~~فاعلا لكل ما أفعله بدواعي الحكمة ولقد دعتني حكمة بالغة إلى أن أنزل ~~عليك الأمر بالمكافة والمصابرة، وسأنزل عليك الأمر بالقتال والانتقام بعد ~~حين { فاصبر لحكم ربك } الصادر عن الحكمة وتعليقه الأمور ~~بالمصالح، وتأخيره نصرتك على أعدائك من أهل مكة ولا تطع منهم أحدا قلة ~~صبر منك على أذاهم وضجرا من تأخر الظفر، وكانوا مع إفراطهم في العداوة ~~والإيذاء له ولمن معه يدعونه إلى أن يرجع عن أمره ويبذلون له أموالهم ~~وتزويج أكرم بناتهم إن أجابهم. فإن قلت كانوا كلهم كفرة، فما معنى القسمة ~~في قوله { ءاثما أوكفورا }؟ قلت معناه ولا تطع منهم راكبا لما هو ~~إثم داعيا لك إليه أو فاعلا لما هو كفر داعيا لك إليه لأنهم إما أن ~~يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهى أن ~~يساعدهم على الاثنين دون الثالث. وقيل الآثم عتبة والكفور الوليد لأن ~~عتبة كان ركابا للمآثم، متعاطيا لأنواع الفسوق وكان الوليد غالبا في ~~الكفر شديد الشكيمة في العتو. فإن قلت معنى أو ولا تطع أحدهما، فهلا جيء ~~بالواو ليكون نهيا عن طاعتهما جميعا؟ قلت لو قيل ولا تطعهما، جاز أن ~~يطيع أحدهما وإذا قيل لا تطع أحدهما، علم أن الناهي عن ms2192 طاعة أحدهما عن ~~طاعتهما جميعا أنهى. كما إذا نهى أن يقول لأبويه أف، علم أنه منهي عن ~~ضربهما على طريق الأولى { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا } ~~ودم على صلاة الفجر والعصر { ومن اليل فاسجد له } وبعض ~~الليل فصل له. أو يعني صلاة المغرب والعشاء، وأدخل من على الظرف للتبعيض، ~~كما دخل على المفعول في قوله # يغفر لكم من ذنوبكم # نوح 4، { وسبحه ليلا طويلا } وتهجد له هزيعا طويلا من ~~الليل ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه. ### || [76.27-28] # { إن هؤلآء } الكفرة { يحبون العاجلة } يؤثرونها على ~~الآخرة، كقوله # بل تؤثرون الحيوة الدنيا # الأعلى 16، { ورآءهم } قدامهم أو خلف ظهورهم لا يعبأون به { ~~يوما ثقيلا } استعير الثقيل لشدته وهوله، من الشيء الثقيل الباهظ ~~لحامله. ونحوه # ثقلت فى السموات والأرض # الأعراف 187، الأسر الربط والتوثيق. ومنه أسر الرجل إذا أوثق بالقد وهو ~~الإسار. وفرس مأسور الخلق. وترس مأسور بالعقب. والمعنى شددنا توصيل ~~عظامهم بعضها ببعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. ومثله قولهم جارية معصوبة ~~الخلق ومجدولته { وإذا شئنا } أهلكناهم و { بدلنآ ~~أمثلهم } في شدة الأسر، يعني النشأة الأخرى. وقيل معناه بدلنا ~~غيرهم ممن يطيع. وحقه أن يجيء بإن، لا بإذا، كقوله # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # محمد 38، # إن يشأ يذهبكم # النساء 133. ### || [76.29-31] # { هذه } إشارة إلى السورة أو إلى الآيات القريبة { فمن شآء } ~~فمن اختار الخير لنفسه وحسن العاقبة واتخاذ السبيل إلى الله عبارة عن ~~التقرب إليه والتوسل بالطاعة { وما يشاؤن } الطاعة { إلا أن يشآء ~~الله } بقسرهم عليها { إن الله كان عليما } بأحوالهم وما ~~يكون منهم { حكيما } حيث خلقهم مع علمه بهم. وقرىء «تشاؤن» بالتاء. ~~فإن قلت ما محل أن يشاء الله؟ قلت النصب على الظرف، وأصله إلا وقت مشيئة ~~الله، وكذلك قراءة ابن مسعود إلا ما يشاء الله لأن ما مع الفعل كأن معه ~~{ يدخل من يشآء } هم المؤمنون ونصب { والظلمين } بفعل ~~يفسره. أعد لهم، نحو أوعد وكافأ، وما أشبه ذلك وقرأ ابن مسعود ~~وللظالمين، على وأعد للظالمين وقرأ ابن الزبير والظالمون على الابتداء، ~~وغيرها أولى لذهاب الطباق بين الجملة ms2193 المعطوفة والمعطوف عليها فيها، مع ~~مخالفتها للمصحف. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1259 # " من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا ". ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-6] # أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة، أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن كما ~~تعصف الرياح، تخففا في امتثال أمره، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو ~~عند انحطاطهن بالوحي. أو نشرن الشرائع في الأرض. أو نشرن النفوس الموتى ~~بالكفر والجهل بما أوحين، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا إلى ~~الأنبياء { عذرا } للمحقين { أو نذرا } للمبطلين. أو أقسم برياح ~~عذاب أرسلهن. فعصفن، وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه، ~~كقوله # ويجعله كسفا # الروم 48، أو بسحائب نشرن الموات، ففرقن بين من يشكر لله تعالى وبين من ~~يكفر، كقوله # لأسقينهم ماء غدقا لنفتنهم فيه # الجن 16 فألقين ذكرا إما عذرا للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم ~~واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، وإما إنذارا للذين ~~يغفلون الشكر لله وينسبون ذلك إلى الأنواء، وجعلن ملقيات للذكر لكونهن ~~سببا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت. فإن قلت ما معنى عرفا؟ ~~قلت متتابعة كشعر العرف يقال جاؤا عرفا واحدا وهم عليه كعرف الضبع ~~إذا تألبوا عليه، ويكون بمعنى العرف الذي هو نقيض النكر وانتصابه على أنه ~~مفعول له، أي أرسلن للإحسان والمعروف والأول على الحال. وقرىء «عرفا» على ~~التثقيل، نحو نكر في نكر. فإن قلت قد فسرت المرسلات بملائكة العذاب، فكيف ~~يكون إرسالهم معروفا؟ قلت إن لم يكن معروفا للكفار فإنه معروف للأنبياء ~~والمؤمنين الذين انتقم الله لهم منهم. فإن قلت ما العذر والنذر، وبما ~~انتصبا؟ قلت هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على ~~فعل، كالكفر والشكر، ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة وجمع نذير ~~بمعنى الإنذار. أو بمعنى العاذر والمنذر. وأما انتصابهما فعلى البدل من ~~ذكرا على الوجهين الأولين أو على المفعول له. وأما على الوجه الثالث ~~فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرئا مخففين ومثقلين. ### || [77.7-15] # إن ms2194 الذي توعدونه من مجيء يوم القيامة لكائن نازل لا ريب فيه، وهو جواب ~~القسم، وعن بعضهم أن المعنى ورب المرسلات { طمست } محيت ومحقت. وقيل ~~ذهب بنورها ومحق ذواتها، موافق لقوله انتثرت و انكدرت ويجوز أن يمحق ~~نورها ثم تنتثر ممحوقة النور { فرجت } فتحت فكانت أبوابا. قال ~~الفارجي باب الأمير المبهم { نسفت } كالحب إذا نسف بالمنسف. نحوه # وبست الجبال بسا # الواقعة 5، # وكانت الجبال كثيبا مهيلا # المزمل 14، وقيل أخذت بسرعة من أماكنها، من انتسفت الشيء إذا اختطفته ~~وقرئت «طمست» وفرجت ونسفت مشددة. قرىء «أقتت» ووقتت، بالتشديد والتخفيف ~~فيهما. والأصل الواو ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه ~~للشهادة على أممهم. والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت { لاي ~~يوم أجلت12 } تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله { ليوم الفصل ~~13 } بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق. والوجه أن ~~يكون معنى وقتت بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره وهو يوم القيامة. وأجلت ~~أخرت. فإن قلت كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله { ويل يومئذ ~~للمكذبين 15 }؟ قلت هو في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله، ~~ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو ~~عليه. ونحوه # سلم عليكم # الأنعام 54، ويجوز ويلا، بالنصب ولكنه لم يقرأ به. يقال ويلا له ويلا ~~كيلا. ### || [77.16-19] # قرأ قتادة «نهلك»، بفتح النون، من هلكه بمعنى أهلكه، قال الحجاج # ومهمه هالك من تعرجا # { ثم نتبعهم } بالرفع على الاستئناف، وهو وعيد لأهل مكة يريد ~~ثم نفعل بأمثالهم من الآخرين مثل ما فعلنا بالأولين، ونسلك بهم سبيلهم ~~لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم، ويقويها قراءة ابن مسعود «ثم سنتبعهم» وقرىء ~~بالجزم للعطف على نهلك. ومعناه أنه أهلك الأولين من قوم نوح وعاد وثمود، ~~ثم أتبعهم الآخرين من قوم شعيب ولوط وموسى { كذلك } مثل ذلك الفعل ~~الشنيع { نفعل } بكل من أجرم إنذارا وتحذيرا من عاقبة الجرم وسوء ~~أثره. ### || [77.20-24] # { إلى قدر معلوم 22 } إلى مقدار من الوقت معلوم قد علمه الله ~~وحكم به وهو تسعة الأشهر، أو ما دونها، أو ما ms2195 فوقها { فقدرنا } ~~فقدرنا ذلك تقديرا { فنعم القدرون } فنعم المقدرون له نحن. ~~أو فقدرنا على ذلك فنعم القدرون عليه نحن والأول أولى لقراءة من قرأ ~~«فقدرنا بالتشديد» ولقوله # من نطفة خلقه فقدره # عبس 19. ### || [77.25-28] # الكفات من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه وهو اسم ما يكفت، كقولهم الضمام ~~والجماع لما يضم ويجمع، يقال هذا الباب جماع الأبواب، وبه انتصب { ~~أحيآء وأموتا } كأنه قيل كافتة أحياء وأمواتا. وبفعل مضمر يدل ~~عليه وهو تكفت. والمعنى تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها. وقد ~~استدل بعض أصحاب الشافعي رحمه الله على قطع النباش بأن الله تعالى جعل ~~الأرض كفاتا للأموات، فكان بطنها حرزا لهم فالنباش سارق من الحرز. فإن ~~قلت لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير، وهي كفات الأحياء والأموات ~~جميعا؟ قلت هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل تكفت أحياء لا يعدون وأمواتا ~~لا يحصرون، على أن أحياء الإنس وأمواتهم ليسوا بجميع الأحياء والأموات. ~~ويجوز أن يكون المعنى تكفتكم أحياء وأمواتا، فينتصبا على الحال من ~~الضمير لأنه قد علم أنها كفات الإنس. فإن قلت فالتنكير في { روسى ~~شمخت } و { مآء فراتا }؟ قلت يحتمل إفادة التبعيض لأن في ~~السماء جبالا قال الله تعالى # وننزل من السمآء من جبال فيها من برد # النور 43، وفيها ماء فرات أيضا، بل هي معدنه ومصبه، وأن يكون للتفخيم. ### || [77.29-37] # أي يقال لهم انطلقوا إلى ما كذبتم به من العذاب، وانطلقوا الثاني تكرير. ~~وقرىء «انطلقوا» على لفظ الماضي إخبارا بعد الأمر عن عملهم بموجبه، ~~لأنهم مضطرون إليه لا يستطيعون امتناعا منه { إلى ظل } يعني دخان ~~جهنم، كقوله # وظل من يحموم # الواقعة43 { ذى ثلث شعب } بتشعب لعظمه ثلاث شعب، وهكذا الدخان ~~العظيم تراه يتفرق ذوائب. وقيل يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار ~~كالسرادق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم ~~والمؤمنون في ظل العرش { لا ظليل } تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل ~~المؤمنين { ولا يغنى } في محل الجر، أي وغير مغن عنهم من حر اللهب ~~شيئا { بشرر } وقرىء «بشرار» ms2196 { كالقصر } أي كل شررة كالقصر من ~~القصور في عظمها. وقيل هو الغليظ من الشجر، الواحدة قصرة، نحو جمرة وجمر. ~~وقرىء «كالقصر» بفتحتين وهي أعناق الإبل، أو أعناق النخل، نحو شجرة وشجر. ~~وقرأ ابن مسعود كالقصر بمعنى القصور، كرهن ورهن. وقرأ سعيد ابن جبير ~~«كالقصر» في جمع قصرة، كحاجة وحوج { جملة } جمع جمال. أو جمالة جمع ~~جمل شبهت بالقصور، ثم بالجمال لبيان التشبيه. ألا تراهم يشبهون الإبل ~~بالأفدان والمجادل. وقرىء «جمالات» بالضم وهي قلوس الجسور. وقيل قلوس سفن ~~البحر، الواحدة جمالة وقرىء «جمالة» بالكسر، بمعنى جمال وجمالة بالضم وهي ~~القلس. وقيل { صفر } لإرادة الجنس. وقيل { صفر } سود تضرب إلى ~~الصفرة. وفي شعر عمران ابن حطان الخارجي # دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم بمثل الجمال ~~الصفر نزاعة الشوى # وقال أبو العلاء # حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ترمى بكل ~~شرارة كطراف # فشبهها بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة، وكأنه قصد بخبثه أن ~~يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سول له من توهم الزيادة جاء في صدر ~~بيته بقوله «حمراء» توطئة لها ومناداة عليها، وتنبيها للسامعين على ~~مكانها، ولقد عمي جمع الله له عمى الدارين عن قوله عز وعلا، { كأنه ~~جمالات صفر } فإنه بمنزلة قوله كبيت أحمر وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو ~~الحصن تشبيها من جهتين من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء، وفي ~~التشبيه بالجمالات وهي القلوس تشبيه من ثلاث جهات من جهة العظم والطول ~~والصفرة، فأبعد الله إغرابه في طرافه وما نفخ شدقيه من استطرافه. قرىء ~~بنصب «اليوم» ونصبه الأعمش، أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ، ويوم ~~القيامة طويل ذو مواطن ومواقيت ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت ولذلك ~~ورد الأمران في القرآن. أو جعل نطقهم كلا نطق لأنه لا ينفع ولا يسمع { ~~فيعتذرون } عطف على { يؤذن } منخرط في سلك النفي. والمعنى ولا ~~يكون لهم إذن واعتذار متعقب له، من غير أن يجعل الاعتذار مسببا عن الإذن ~~ولو نصب لكان مسببا عنه لا محالة. ### || [77.38-45] # { جمعنكم والأولين } كلام موضح ms2197 لقوله { هذا يوم ~~الفصل } لأنه إذا كان يوم الفصل بين السعداء والأشقياء وبين الأنبياء ~~وأممهم. فلا بد من جمع الأولين والآخرين، حتى يقع ذلك الفصل بينهم { ~~فإن كان لكم كيد فكيدون 39 } تقريع لهم على كيدهم لدين الله ~~وذويه، وتسجيل عليهم بالعجز والاستكانة { كلوا واشربوا } في موضع ~~الحال من ضمير المتقين، في الظرف الذي هو في ظلال، أي هم مستقرون في ~~ظلال، مقولا لهم ذلك. ### || [77.46-50] # كلوا وتمتعوا فإن قلت كيف يصح أن يقال لهم ذلك في الآخرة؟ قلت يقال لهم ~~ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا ~~من أهله تذكيرا بحالهم السمجة وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع ~~القليل على النعيم والملك الخالد. وفي طريقته قوله # إخوتي لا تبعدوا أبدا وبلى والله قد بعدوا # يريد كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك، وعلل ذلك بكونهم مجرمين ~~دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قلائل، ثم البقاء في ~~الهلاك أبدا. ويجوز أن يكون # كلوا وتمتعوا # المرسلات 46، كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا { اركعوا } ~~اخشعوا لله وتواضعوا له بقبول وحيه واتباع دينه. واطرحوا هذا الاستكبار ~~والنخوة، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك، ويصرون على استكبارهم. وقيل ما كان ~~على العرب أشد من الركوع والسجود وقيل 1260 نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة، فقالوا لا نجبى فإنها مسبة علينا. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " # { بعده } بعد القرآن، يعني أن القرآن من بين الكتب المنزلة آية ~~مبصرة ومعجزة باهرة، فحين لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده { يؤمنون } ~~وقرىء «تؤمنون» بالتاء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1261 # " من قرأ سورة والمرسلات كتب أنه ليس من المشركين " ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-3] # { عم } أصله عما، على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية وهو في ~~قراءة عكرمة وعيسى بن عمر. قال حسان رضي الله عنه # على ما ms2198 قام يشتمنى لئيم كخنزير تمرغ في ~~رماد # والاستعمال الكثير على الحذف، والأصل قليل ومعنى هذا الاستفهام تفخيم ~~الشأن، كأنه قال عن أي شأن يتساءلون ونحوه ما في قولك زيد ما زيد؟ جعلته ~~لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفي عليك جنسه فأنت تسأل عن جنسه ~~وتفحص عن جوهره، كما تقول ما الغول وما العنقاء؟ تريد أي شيء هو من ~~الأشياء هذا أصله ثم جرد العبارة عن التفخيم، حتى وقع في كلام من لا تخفى ~~عليه خافية { يتسآءلون } يسأل بعضهم بعضا. أو يتساءلون غيرهم من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين نحو يتداعونهم ويتراءونهم. ~~والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون فيما بينهم عن البعث، ويتساءلون غيرهم ~~عنه على طريق الاستهزاء { عن النبإ العظيم2 } بيان للشأن ~~المفخم. وعن ابن كثير قرأ «عمه» بهاء السكت، ولا يخلو إما أن يجري الوصل ~~مجرى الوقف وإما أن يقف ويبتدىء { يتسآءلون عن النبأ ~~العظيم2 } على أن يضمر { يتساولون } لأن ما بعده يفسره، كشيء يبهم ~~ثم يفسر. فإن قلت قد زعمت أن الضمير في يتساءلون للكفار. فما تصنع بقوله ~~{ هم فيه مختلفون }؟ قلت كان فيهم من يقطع القول بإنكار البعث، ~~ومنهم من يشك. وقيل الضمير للمسلمين والكافرين جميعا، وكانوا جميعا ~~يسألون عنه. أما المسلم فليزداد خشية واستعدادا وأما الكافر فليزداد ~~استهزاء. وقيل المتساءل عنه القرآن. وقيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقرىء «يساءلون» بالإدغام، وستعلمون بالتاء. ### || [78.4-5] # { كلا } ردع للمتسائلين هزؤا. و { سيعلمون } وعيد لهم بأنهم سوف ~~يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويضحكون منه حق، لأنه واقع لا ريب فيه. ~~وتكرير الردع مع الوعيد تشديد في ذلك ومعنى { ثم } الإشعار بأن ~~الوعيد الثاني أبلغ من الأول وأشد. ### || [78.6-16] # فإن قلت كيف اتصل به قوله { ألم نجعل الأرض مهدا 6 } قلت ~~لما أنكروا البعث قيل لهم ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق ~~العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو ~~إلا اختراع كهذه الاختراعات أو قيل لهم ألم يفعل هذه ms2199 الأفعال المتكاثرة. ~~والحكيم لا يفعل فعلا عبثا، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤد إلى أنه ~~عابث في كل ما فعل { مهدا } فراشا. وقرىء «مهدا» ومعناه أنها لهم ~~كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينوم عليه، تسمية للممهود بالمصدر، كضرب ~~الأمير. أو وصفت بالمصدر. أو بمعنى ذات مهد، أي أرسيناها بالجبال كما ~~يرسى البيت بالأوتاد { سباتا } موتا. والمسبوت. الميت، من السبت وهو ~~القطع لأنه مقطوع عن الحركة. والنوم أحد التوفيين، وهو على بناء الأدواء. ~~ولما جعل النوم موتا، جعل اليقظة معاشا، أي حياة في قوله # وجعلنا النهار معاشا # النبأ 11، أي وقت معاش تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم. وقيل ~~السبات الراحة { لباسا } يستركم عن العيون إذا أردتم هربا من عدو، ~~أو بياتا له. أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور. # وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن ~~المانوية تكذب # { سبعا } سبع سموات { شدادا } جمع شديدة، يعني محكمة قوية الخلق ~~لا يؤثر فيها مرور الأزمان { وهاجا } متلألئا وقادا، يعني الشمس ~~وتوهجت النار إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرها. المعصرات السحائب إذا ~~أعصرت، أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك أجز الزرع، إذا حان له أن ~~يجز. ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض. وقرأ عكرمة «بالمعصرات»، وفيه ~~وجهان أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب ~~لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول أعطى من يده درهما، وأعطى ~~بيده، وعن مجاهد المعصرات الرياح ذوات الأعاصير. وعن الحسن وقتادة هي ~~السموات. وتأويله أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأن السموات ~~يعصرن، أي يحملن على العصر ويمكن منه. فإن قلت فما وجه من قرأ. { من ~~المعصرات } وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من ~~الرياح؟ قلت الرياح هي التي تنشىء السحاب وتدر أخلافه فصح أن تجعل مبدأ ~~للإنزال وقد جاء أن الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى ~~السحاب، فإن صح ذلك فالإنزال منها ظاهر، فإن قلت ذكر ابن كيسان أنه ms2200 جعل ~~المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر. يقال عصره ~~فاعتصر. قلت وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي تغيث { ~~ثجاجا } منصبا بكثرة يقال ثجه وثج نفسه وفي الحديث # " أفضل الحج العج والثج " # أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدي. وكان ابن عباس مثجا يسيل ~~غربا، يعني أنه يثج الكلام ثجا في خطبته. وقرأ الأعرج «ثجاجا» ومثاجج ~~الماء مصابه، والماء ينثجج في الوادي { حبا ونباتا } يريد ما ~~يتقوت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال # كلوا وارعوا أنعمكم # طه 54، و # والحب ذو العصف والريحان # الرحمن 12. { ألفافا } ملتفة ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف. وقيل ~~الواحد لف. وقال صاحب الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي # جنة لف وعيش مغدق وندامى كلهم بيض زهر # وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف وما أظنه واجدا له نظيرا من ~~نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار، ولو قيل هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد، ~~لكان قولا وجيها. ### || [78.17-20] # { كان ميقتا } كان في تقدير الله وحكمه حدا توقت به الدنيا ~~وتنتهي عنده أو حدا للخلائق ينتهون إليه { يوم ينفخ } بدل من يوم ~~الفصل، أو عطف بيان { فتأتون أفواجا } من القبور إلى الموقف ~~أمما كل أمة مع إمامهم. وقيل جماعات مختلفة. وعن معاذ رضي الله عنه أنه ~~سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال 1262 # " يا معاذ، سألت عن أمر عظيم من الأمور، ثم أرسل عينيه وقال تحشر عشرة ~~أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم ~~منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عميا، وبعضهم صما ~~بكما، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من ~~أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون ~~على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا ~~سابغة من قطران لازقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من ~~الناس. وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت. وأما المنكسون على ~~وجوههم ms2201 فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم ~~البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص ~~الذين خالف قولهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين ~~يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى ~~السلطان، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات ~~واللذات ومنعوا حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر ~~والفخر والخيلاء " # وقرىء «وفتحت» بالتشديد والتخفيف. والمعنى كثرة أبوابها المفتحة لنزول ~~الملائكة، كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة، كقوله # وفجرنا الأرض عيونا # القمر12، كأن كلها عيون تتفجر. وقيل الأبواب الطرق والمسالك، أي تكشط ~~فينفتح مكانها وتصير طرقا لا يسدها شيء { فكانت سرابا } ، كقوله # فكانت هباء منبثا # الواقعة 6. يعني أنها تصير شيئا كلا شيء، لتفرق أجزائها وانبثاث ~~جواهرها. ### || [78.21-30] # المرصاد الحد الذي يكون فيه الرصد. والمعنى أن جهنم هي حد الطاغين ~~الذي يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم. أو هي مرصاد لأهل الجنة ترصدهم ~~الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين. ~~وعن الحسن وقتادة نحوه، قالا طريقا وممرا لأهل الجنة. وقرأ ابن يعمر ~~«أن جهنم» بفتح الهمزة على تعليل قيام الساعة بأن جهنم كانت مرصادا ~~للطاغين، كأنه قيل كان ذلك لإقامة الجزاء. قرىء «لابثين» «ولبثين» واللبث ~~أقوى، لأن اللابث من وجد منه اللبث، ولا يقال «لبث» إلا لمن شأنه اللبث، ~~كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه { أحقابا } حقبا بعد حقب، كلما ~~مضى حقب تبعه آخر إلى غير نهاية، ولا يكاد يستعمل الحقب والحقبة إلا حيث ~~يراد تتابع الأزمنة وتواليها، والاشتقاق يشهد لذلك. ألا ترى إلى حقيبة ~~الراكب، والحقب الذي وراء التصدير وقيل الحقب ثمانون سنة، ويجوز أن يراد ~~لابثين فيها أحقابا غير ذائقين فيها بردا ولا شرابا إلا حميما ~~وغساقا، ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من ~~العذاب. وفيه وجه آخر وهو أن يكون من«حقب عامنا» إذا قل مطره وخيره، وحقب ~~فلان إذا أخطأه الرزق، فهو حقب، وجمعه أحقاب، فينتصب حالا ms2202 عنهم، يعني ~~لابثين فيها حقبين جحدين. وقوله { لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا24 } تفسير له والاستثناء منقطع، يعني لا يذوقون فيها بردا ~~وروحا ينفس عنهم حر النار، ولا شرابا يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها ~~حميما وغساقا وقيل «البرد» النوم، وأنشد # فلو شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم ~~أطعم تقاخا ولا بردا # وعن بعض العرب منع البرد البرد. وقرىء «غساقا» بالتخفيف والتشديد وهو ~~ما يغسق، أي يسيل من صديدهم { وفاقا } وصف بالمصدر. أو ذا وفاق. وقرأ ~~أبو حيوة «وفاقا» فعال من وفقه كذا «كذابا» تكذيبا وفعال في باب فعل ~~كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره وسمعنى بعضهم أفسر آية ~~فقال لقد فسرتها فسارا ما سمع بمثله. وقرىء بالتخفيف، وهو مصدر كذب، ~~بدليل قوله # فصدقتها وكذبتها والمرء ينفعه كذابه # وهو مثل قوله # أنبتكم من الأرض نباتا # نوح 17 يعني وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا. أو تنصبه بكذبوا، لأنه يتضمن ~~معنى كذبوا، لأن كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه ~~وكذبوا بآياتنا، فكاذبوا مكاذبة. أو كذبوا بها مكاذبين، لأنهم إذا كانوا ~~عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم ~~يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر، فيبلغ فيه أقصى ~~جهده. وقرىء «كذابا» وهو جمع كاذب، أي كذبوا بآياتنا كاذبين وقد يكون ~~الكذاب بمعنى الواحد البليغ في الكذب، يقال رجل كذاب، كقولك حسان، وبخال ~~فيجعل صفة لمصدر كذبوا، أي تكذيبا كذابا مفرطا كذبه، وقرأ أبو السمال ~~وكل شيء أحصيناه، بالرفع على الابتداء { كتبا } مصدر في موضع إحصاء ~~وأحصينا في معنى كتبنا، لانتفاء الإحصاء، والكتبة في معنى الضبط ~~والتحصيل. # أو يكون حالا في معنى مكتوبا في اللوح وفي صحف الحفظة. والمعنى إحصاء ~~معاصيهم، كقوله # أحصه الله ونسوه # المجادلة 6 وهو اعتراض. وقوله { فذوقوا } مسبب عن كفرهم بالحساب ~~وتكذيبهم بالآيات، وهي آية في غاية الشدة، وناهيك بلن نزيدكم، وبدلالته ~~على أن ترك الزيادة كالمحال الذي لا يدخل تحت الصحة. وبمجيئها على طريقة ms2203 ~~الالتفات شاهدا على أن الغضب قد تبالغ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~1263 # " هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ". ### || [78.31-36] # { مفازا } فوزا وظفرا بالبغية. أو موضع فوز. وقيل نجاة مما فيه ~~أولئك. أو موضع نجاة. وفسر المفاز بما بعده. والحدائق البساتين فيها ~~أنواع الشجر المثمر. والأعناب الكروم. والكواعب اللاتي فلكت ثديهن، وهن ~~النواهد. والأتراب. اللدات والدهاق المترعة. وأدهق الحوض ملأه حتى قال ~~قطنى. وقرىء «ولا كذابا» بالتشديد والتخفيف، أي لا يكذب بعضه بعضا ولا ~~يكذبه. أو لا يكاذبه. وعن علي رضي الله عنه أنه قرأ بتخفيف الاثنين { ~~جزآء } مصدر مؤكد منصوب بمعنى قوله { إن للمتقين مفازا ~~31 } كأنه قال جازى المتقين بمفاز. و { عطآء } نصب بحزاء نصب المفعول ~~به. أي جزاهم عطاء. و { حسابا } صفة بمعنى كافيا. من أحسبه الشيء إذا ~~كفاه حتى قال حسبي. وقيل على حسب أعمالهم. وقرأ ابن قطيب «حسابا» ~~بالتشديد، على أن الحساب بمعنى المحسب، كالدراك بمعنى المدرك. ### || [78.37-39] # قرىء «رب السموات» «والرحمن» بالرفع، على هو رب السموات الرحمن. أو رب ~~السموات مبتدأ، والرحمن صفة، ولا يملكون خبر أو هما خبران وبالجر على ~~البدل من ربك، بجر الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره { لا ~~يملكون } أو هو الرحمن لا يملكون والضمير في { لا يملكون } ~~لأهل السموات والأرض، أي ليس في أيديهم مما يخاطب به الله ويأمر به في ~~أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ~~ينقصون منه. أو لا يمكلون أن يخاطبوه بشيء من نقص العذاب أو زيادة في ~~الثواب، إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه. و { يوم يقوم } متعلق ~~بلا يملكون، أو بلا يتكلمون. والمعنى إن الذين هم أفضل الخلائق وأشرفهم ~~وأكثرهم طاعة وأقربهم منه وهم الروح والملائكة لا يملكون التكلم بين ~~يديه، فما ظنك بمن عداهم من أهل السموات والأرض؟ والروح أعظم خلقا من ~~الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين. وقيل هو ملك عظيم ما خلق الله ~~بعد العرش خلقا أعظم ms2204 منه. وقيل ليسوا بالملائكة، وهم يأكلون. وقيل ~~جبريل. هما شريطتان أن يكون المتكلم منهم مأذونا له في الكلام. وأن ~~يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى، لقوله تعالى # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # الأنبياء 28. ### || [78.40] # { المرء } هو الكافر لقوله تعالى { إنآ أنذرنكم عذابا ~~قريبا } والكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم، ويعني { ما ~~قدمت يداه } من الشر، كقوله # وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم # الأنفال 50 - 51، # ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق ذلك بما ~~قدمت يداك # الحج 9 10، # بما قدمت أيديهم والله عليم بالظلمين # البقرة 95، وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدمت، أي ينظر أي شيء ~~قدمت يداه، وموصلة منصوبة بينظر، يقال نظرته بمعنى نظرت إليه، والراجع ~~من الصلة محذوف، وقيل المرء عام، وخصص منه الكافر. وعن قتادة هو المؤمن { ~~يليتنى كنت تربا } في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف. أو ليتني ~~كنت ترابا في هذا اليوم فلم أبعث. وقيل يحشر الله الحيوان غير المكلف ~~حتى يقتص للجماء من القرناء، ثم يرده ترابا، فيود الكافر حاله وقيل ~~الكافر إبليس، يرى آدم وولده وثوابهم، فيتمنى أن يكون الشيء الذي احتقره ~~حين قال # خلقتني من نار وخلقته من طين # الأعراف 12. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1264 # " من قرأ سورة عم يتساءلون سقاه الله برد الشراب يوم القيامة ". ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف ~~التي تنشطها أي تخريجها. من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف ~~التي تسبح في مضيها، أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمرا من أمور ~~العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم { غرقا } إغراقا ~~في النزع، أي تنزعها من أقاصى الأجساد من أناملها وأظفارها أو أقسم بخيل ~~الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعا تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها ~~عراب. والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك «ثور ناشط» إذا ~~خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر ms2205 الغلبة ~~والظفر، وإسناد التدبير إليها، لأنها من أسبابه. أو أقسم بالنجوم التي ~~تنزع من المشرق إلى المغرب. وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى ~~تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من ~~السيارة فتسبق فتدبر أمرا من علم الحساب. وقيل النازعات أيدي الغزاة، أو ~~أنفسهم تنزع القسي بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه ~~محذوف، وهو «لتبعثن» لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة. و { يوم ~~ترجف } منصوب بهذا المضمر. و { الراجفة } الواقعة التي ترجف ~~عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها { ~~تتبعها الرادفة } أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة ~~الثانية. ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى # قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون # النمل 72، أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعادا لها، وهي رادفة ~~لهم لاقترابها. وقيل الراجفة الأرض والجبال، من قوله # يوم ترجف الأرض والجبال # المزمل 14 والرادفة السماء والكواكب لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ~~ذلك. فإن قلت ما محل تتبعها؟ قلت الحال، أي ترجف تابعتها الرادفة. فإن ~~قلت كيف جعلت { يوم ترجف } ظرفا للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا ~~يبعثون عند النفخة الأولى؟ قلت المعنى لتبعثن في الوقت الواسع الذي يقع ~~فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة ~~الأخرى. ودل على ذلك أن قوله { تتبعها الرادفة } جعل حالا ~~عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب { يوم ترجف } بما دل عليه { قلوب ~~يومئذ واجفة } أي يوم ترجف وجفت القلوب { واجفة } شديدة ~~الاضطراب، والوجيب والوجيف أخوان { خشعة } ذليلة. فإن قلت كيف جاز ~~الابتدء بالنكرة؟ قلت { قلوب } مرفوعة بالابتداء و { واجفة } ~~صفتها، و { أبصرها خشعة } خبرها فهو كقوله # ولعبد مؤمن خير من مشرك # البقرة 221، فإن قلت كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟ قلت معناه أبصار ~~أصحابها بدليل قوله { يقولون } { فى الحفرة } في الحالة ~~الأولى، يعنون الحياة بعد الموت. # فإن قلت ما حقيقة هذه الكلمة؟ قلت يقال رجع فلان في حافرته، أي في طريقه ms2206 ~~التي جاء فيها فحفرها، أي أثر فيها بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرا، كما ~~قيل حفرت أسنانه حفرا إذا أثر الأكال في أسناخها. والخط المحفور في ~~الصخر. وقيل حافرة، كما قيل عيشة راضية، أي منسوبة إلى الحفر والرضا، أو ~~كقولهم نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى ~~حافرته، أي طريقته وحالته الأولى. قال # أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه ~~وعار # يريد أرجوعا إلى حافرة؟ وقيل النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة ~~الأولى وهي الصفقة وقرأ أبو حيوة «في الحفرة» والحفرة بمعنى المحفورة. ~~يقال حفرت أسنانه فحفرت حفرا، وهي حفرة وهذه القراءة دليل على أن ~~الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة. يقال «نخر» العظم فهو نخر وناخر، ~~كقولك طمع فهو طمع وطامع وفعل أبلغ من فاعل وقد قرىء بهما وهو البالي ~~الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير. و { إذا } منصوب بمحذوف، ~~تقديره أئذاكنا عظاما نرد ونبعث { كرة خسرة } منسوبة إلى ~~الخسران، أو خاسر أصحابها. والمعنى أنها إن صحت فنحن إدا خاسرون ~~لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم فإن قلت بم تعلق قوله { فإنما هى ~~زجرة وحدة } قلت بمحذوف، معناه لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة ~~واحدة يعني لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل، فإنها سهلة هينة ~~في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية { فإذا هم } ~~أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتا في جوفها، من قولهم زجر ~~البعير، إذا صاح عليه. والساهرة الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأن ~~السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها نائمة. قال ~~الأشعث بن قيس # وساهرة يضحى السراب مجللا لأقطارها قد ~~جبتها متلثما # أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلكة. وعن قتادة فإذا هم في جهنم. ### || [79.15-26] # { اذهب } على إرادة القول. وفي قراءة عبد الله «أن اذهب» لأن في ~~النداء معنى القول. هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا كما تقول هل ترغب فيه، ms2207 ~~وهل ترغب إليه { إلى أن تزكى } إلى أن تتطهر من الشرك، وقرأ أهل ~~المدينة «تزكى» بالإدغام { وأهديك إلى ربك } وأرشدك إلى ~~معرفة الله أنبهك عليه فتعرفه { فتخشى } لأن الخشية لا تكون إلا ~~بالمعرفة. قال الله تعالى # إنما يخشى الله من عباده العلماء # فاطر 28 أي العلماء به وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر، من خشي الله أتى ~~منه كل خير. ومن أمن اجترأ على كل شر. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ~~1265 # " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل " # بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه هل لك ~~أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله ~~بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله # فقولا له قولا لينا # طه 44، { الأية الكبرى } قلب العصا حية لأنها كانت المقدمة ~~والأصل، والأخرى كالتبع لها لأنه كان يتقيها بيده، فقيل له أدخل يدك في ~~جيبك، أو أرادهما جميعا، إلا أنه جعلهما واحدة لأن الثانية كأنها من ~~جملة الأولى لكونها تابعة لها { فكذب } بموسى والآية الكبرى، ~~وسماهما ساحرا وسحرا { وعصى } الله تعالى بعد ما علم صحة الأمر، ~~وأن الطاعة قد وجبت عليه { ثم أدبر يسعى } أي لما رأى ~~الثعبان أدبر مرعوبا، يسعى يسرع في مشيته. قال الحسن كان رجلا طياشا ~~خفيفا. أو تولى عن موسى يسعى ويجتهد في مكايدته، وأريد ثم أقبل يسعى، ~~كما تقول أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى أنشأ يفعل، فوضع { أدبر } موضع ~~أقبل لئلا يوصف بالإقبال { فحشر } فجمع السحرة، كقوله # فأرسل فرعون فى المدائن حشرين # الشعراء 53. { فنادى } في المقام الذي اجتمعوا فيه معه. أو أمر ~~مناديا في الناس بذلك. وقيل قام فيهم خطيبا فقال تلك العظيمة. وعن ابن ~~عباس كلمته الأولى # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 38 والآخرة # أنا ربكم الأعلى # النازعات 34. { نكال } هو مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله كأنه قيل ~~نكل الله به نكال الآخرة والأولى والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى ~~التسليم. يعني الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة. وعن ابن عباس نكال ms2208 ~~كلمتيه الآخرة، وهي قوله { أنا ربكم الأعلى } والأولى وهي ~~قوله # ما علمت لكم من إله غيرى # القصص 28، وقيل كان بين الكلمتين أربعون سنة. وقيل عشرون. ### || [79.27-33] # الخطاب لمنكرى البعث، يعني { أءنتم } أصعب { خلقا } وإنشاء { ~~أم السمآء } ثم بين كيف خلقها فقال { بنها } ثم بين البناء ~~فقال { رفع سمكها } أي جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا ~~رفيعا مسيرة خمسمائة عام { فسواها } فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها ~~تفاوت ولا فطور. أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك سوى ~~فلان أمر فلان. غطش الليل وأغطشه الله، كقولك ظلم وأظلمه. ويقال أيضا ~~أغطش الليل، كما يقال أظلم { وأخرج ضحها } وأبرز ضوء شمسها، ~~يدل عليه قوله تعالى # والشمس وضحها # الشمس 1، يريد وضوئها. وقولهم وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ~~ويقوم سلطانها وأضيف الليل والشمس إلى السماء، لأن الليل ظلها والشمس هي ~~السراج المثقب في جوها { ماءها } عيونها المتفجرة بالماء { ~~ومرعها } ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعى. ونصب الأرض والجبال ~~بإضمار «دحا» و«أرسى» وهو الإضمار على شريطة التفسير. وقرأهما الحسن ~~مرفوعين على الابتداء. فإن قلت هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟ قلت فيه ~~وجهان، أحدهما أن يكون معنى { دحها } بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر ~~التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب ~~وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال ~~وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها. والثاني أن يكون { ~~وأخرج } حالا بإضمار «قد» كقوله # أو جاؤكم حصرت صدورهم # النساء 90 وأراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام. واستعير الرعي للإنسان ~~كما استعير الرتع في قوله # نرتع ونلعب # يوسف 12 وقرىء «نرتع» من الرعى ولهذا قيل دل الله سبحانه بذكر الماء ~~والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح، لأنه ~~من الماء { متعا لكم } فعل ذلك تمتيعا لكم { ولأنعمكم ~~} لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم. ### || [79.34-36] # { الطآمة } الداهية التي تطم على الدواهي، أي تعلو وتغلب. وفي ~~أمثالهم جرى الوادي ms2209 فطم على القرى، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة. ~~وقيل هي النفخة الثانية. وقيل الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة ~~وأهل النار إلى النار { يوم يتذكر } بدل من إذا جاءت، يعني إذا ~~رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، كقوله # أحصه الله ونسوه # المجادلة 6، و { ما } في { ما سعى } موصولة، أو مصدرية { ~~وبرزت } أظهرت وقرأ أبو نهيك «وبرزت» { لمن يرى } للرائين ~~جميعا، أي لكل أحد، يعني أنها تظهر إظهارا بينا مكشوفا، يراها أهل ~~الساهرة كلهم، كقوله قد بين الصبح لذي عينين، يريد لكل من له بصر وهو مثل ~~في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد وقرأ ابن مسعود «لمن رأى» وقرأ ~~عكرمة «لمن ترى» والضمير للجحيم، كقوله # إذا رأتهم من مكان بعيد # الفرقان 12 وقيل لمن ترى يا محمد. ### || [79.37-39] # { فأما } جواب { فإذا } أي فإذا جاءت الطاقة فإن الأمر كذلك ~~والمعنى فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل غض الطرف، تريد طرفك، وليس ~~الألف واللام بدلا من الإضافة، ولكن لما علم أن الطاغى هو صاحب المأوى، ~~وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة ودخول حرف التعريف في المأوى ~~والطرف للتعريف، لأنهما معروفان، و { هى } فصل أو مبتدأ. ### || [79.40-41] # { ونهى النفس } الأمارة بالسوء { عن الهوى } المردي وهو ~~اتباع الشهوات وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير. وقيل ~~الآيتان نزلتا في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا ~~عزير يوم أحد، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه حتى نفذت ~~المشاقص في جوفه. ### || [79.42-46] # { أيان مرسها } متى إرساؤها، أي إقامتها، أرادوا متى يقيمها ~~الله ويثبتها ويكونها؟ وقيل أيان منتهاها ومستقرها، كما أن مرسى ~~السفينة مستقرها، حيث تنتهي إليه { فيم أنت } في أي شيء أنت من أن ~~تذكر وقتها لهم وتعلمهم به، يعني ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في ~~شيء. وعن عائشة رضي الله عنها 1266 لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكر الساعة ويسأل عنها حتى ms2210 نزلت، فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، ~~كأنه قيل في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها. والمعنى أنهم ~~يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها، ثم قال { ~~إلى ربك منتهها } أي منتهى علمها لم يؤت علمها أحدا من ~~خلقه. وقيل { فيم } إنكار لسؤالهم، أي فيم هذا السؤال، ثم قيل أنت من ~~ذكراها، أي إرسالك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة ~~ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها، فكفاهم بذلك دليلا على دنوها ومشارقها ~~ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها { إنما أنت منذر ~~من يخشها } أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في ~~علمه، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون من إنذارك لطفاله في الخشية ~~منها. وقرىء «منذر» بالتنوين، وهو الأصل والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح ~~للحال والاستقبال فإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة كقولك هو منذر زيد ~~أمس، أي كأنهم لم يلبثوا في الدنيا، وقيل في القبور { إلا عشية ~~أو ضحها } فإن قلت كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟ قلت لما ~~بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد. فإن قلت فهلا قيل إلا عشية ~~أو ضحى وما فائدة الإضافة؟ قلت الدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ ~~يوما كاملا، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه فلما ترك اليوم أضافه إلى ~~عشيته، فهو كقوله # لم يلبثوا إلا ساعة من نهار # الأحقاف 35. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1267 # " من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل ~~الجنة قدر صلاة المكتوبة ". ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-10] # 2268 أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم - وأم مكتوم أم ~~أبيه، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك ابن ربيعة الفهري من بني عامر بن ~~لؤي -وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام. ~~والعباس ابن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى ~~الإسلام رجاء أن يسلم ms2211 بإسلامهم غيرهم - فقال يا رسول الله، أقرئني ~~وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكرمه ويقول إذا رآه مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ~~ويقول له هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين وقال أنس رأيته يوم ~~القادسية وعليه درع وله راية سوداء. وقرىء «عبس» بالتشديد للمبالغة ونحوه ~~كلح في كلح { أن جآءه } منصوب بتولى، أو بعبس، على اختلاف المذهبين. ~~ومعناه عبس، لأن جاءه الأعمى. أو أعرض لذلك. وقرىء «ءاأن جاءه» بهمزتين ~~وبألف بينهما، ووقف على { عبس وتولى } ثم ابتديء، على معنى ألأن ~~جاءه الأعمى فعل ذلك إنكارا عليه. وروى أنه ما عبس بعدها في وجه فقير ~~قط، ولا تصدى لغني. وفي الإخبار عما فرط منه، ثم الإقبال عليه بالخطاب ~~دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانبا جنى عليه، تم يقبل ~~على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجها له بالتوبيخ وإلزام الحجة. وفي ~~ذكر الأعمى نحو من ذلك، كأنه يقول قد استحق عنده العبوس والإعراض لأنه ~~أعمى، وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا، ولقد ~~تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسنا فقد روي عن سفيان الثوري رحمه ~~الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء { وما يدريك } وأي شيء ~~يجعلك داريا بحال هذا الأعمى؟ { لعله يزكى } أي يتطهر بما ~~يتلقن من الشرائع من بعض أوضار الإثم { أو يذكر } أو يتعظ { ~~فتنفعه } ذكراك، أي موعظتك وتكون له لطفا في بعض الطاعات. والمعنى ~~أنك لا تدري ما هو مترقب منه، من تزك أو تذكر، ولو دريت لما فرط ذلك ~~منك. وقيل الضمير في { لعله } للكافر. يعني أنك طمعت في أن يتزكى ~~بالإسلام، أو يتذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أن ما طمعت ~~فيه كائن. وقرىء «فتنفعه»، بالرفع عطفا على يذكر. وبالنصب جوابا للعل، ~~كقوله # فأطلع إلى إله موسى # غافر 37، { تصدى } تتعرض ms2212 بالإقبال عليه، والمصاداة، المعارضة وقرىء ~~«تصدى» بالتشديد، بإدغام التاء في الصاد. وقرأ أبو جعفر «تصدى»، بضم ~~التاء، أي تعرض. ومعناه يدعوك داع إلى التصدي له من الحرص والتهالك على ~~إسلامه، وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام # إن عليك إلا البلغ # الشورى 48، { يسعى } يسرع في طلب الخير { وهو يخشى } الله أو ~~يخشى الكفار، وأذاهم في إتيانك. وقيل جاء وليس معه قائد، فهو يخشى الكبوة ~~{ تلهى } تتشاغل، من لهى عنه. والتهى. وتلهى. وقرأ طلحة بن مصرف ~~«تتلهى»، وقرأ أبو جعفر «تلهى» أي يلهيك شأن الصناديد، فإن قلت قوله { ~~فأنت له تصدى } ، فأنت عنه تلهى كأن فيه اختصاصا قلت نعم، ~~ومعناه إنكار التصدي والتلهي عليه، أي مثلك خصوصا لا ينبغي له أن يتصدى ~~للغني ويتلهى عن الفقير. ### || [80.11-16] # { كلا } ردع عن المعاتب عليه، وعن معاودة مثله { إنها تذكرة ~~} أي موعظة يجب الاتعاظ والعمل بموجبها { فمن شآء ذكره } أي كان ~~حافظا له غير ناس، وذكر الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ { فى ~~صحف } صفة لتذكرة، يعني أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح { ~~مكرمة } عند الله { مرفوعة } في السماء. أو مرفوعة المقدار ~~{ مطهرة } منزهة عن أيدي الشياطين، لا يمسها إلا أيدي ملائكة ~~مطهرين { سفرة } كتبة ينتسخون الكتب من اللوح { بررة } أتقياء. ~~وقيل هي صحف الأنبياء كقوله # إن هذا لفى الصحف الأولى # الأعلى 18 وقيل السفرة القراء وقيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [80.17-23] # { قتل الإنسن } دعاء عليه، وهي من أشنع دعواتهم لأن القتل ~~قصارى شدائد الدنيا وفظائعها. و { ما أكفره } تعجب من إفراطه في ~~كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوبا أغلظ منه، ولا أخشن مسا، ولا أدل على ~~سخط، ولا أبعد شوطا في المذمة، مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمة على قصر ~~متنه ثم أخذ في وصف حاله من ابتداء حدوثه، إلى أن انتهى وما هو مغمور فيه ~~من أصول النعم وفروعها. وما هو غارز فيه رأسه من الكفران والغمط وقلة ~~الالتفات إلى ما يتقلب فيه وإلى ما يجب ms2213 عليه من القيام بالشكر { من ~~أى شىء خلقه } من أي شيء حقير مهين خلقه، ثم بين ذلك الشيء ~~بقوله { من نطفة خلقه فقدره } فهيأه لما يصلح له ويختص ~~به. ونحو # وخلق كل شىء فقدره تقديرا # الفرقان 2، نصب السبيل بإضمار «يسر» وفسره بيسر والمعنى ثم سهل سبيله ~~وهو مخرجه من بطن أمه. أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر ~~بإقداره وتمكينه، كقوله # إنا هدينه السبيل # الإنسان 3 وعن ابن عباس رضي الله عنهما بين له سبيل الخير والشر { ~~فأقبره } فجعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعله مطروحا على ~~وجه الأرض جزرا للسباع والطير كسائر الحيوان. يقال قبر الميت إذا دفنه. ~~وأقبره الميت. إذا أمره أن يقبره ومكنه منه. ومنه قول من قال للحجاج ~~أقبرنا صالحا { أنشره } أنشأه النشأة الأخرى. وقرىء «نشره» { كلا ~~} ردع للإنسان عما هو عليه { لما يقض } لم يقض بعد، مع تطاول ~~الزمان وامتداده من لدن آدم إلى هذه الغاية { مآ أمره } الله حتى ~~يخرج عن جميع أوامره، يعني أن إنسانا لم يخل من تقصير قط. ### || [80.24-32] # ولما عدد النعم في نفسه أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه، فقال { ~~فلينظر الإنسن إلى طعامه 24 } إلى مطعمه الذي يعيش به ~~كيف دبرنا أمره «أنا صببنا الماء» يعني الغيث. قرىء بالكسر على ~~الاستئناف، وبالفتح على البدل من الطعام، وقرأ الحسين بن علي رضي الله ~~عنهما «أنى صببنا» بالإمالة على معنى فلينظر الإنسان كيف صببنا الماء. ~~وشققنا من شق الأرض بالنبات ويجوز أن يكون من شقها بالكراب على البقر ~~وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب. والحب كل ما حصد من نحو ~~الحنطة والشعير وغيرهما. والقضب الرطبة والمقضاب أرضه، سمي بمصدر قضبه ~~إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد مرة { وحدآئق غلبا30 } يحتمل أن ~~يجعل كل حديقة غلباء، فيريد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها، كما تقول ~~حديقة ضخمة، وأن يجعل شجرها غلبا، أي عظاما غلاظا. والأصل في الوصف ~~بالغلب الرقاب فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب # يمشي بها غلب ms2214 الرقاب كأنهم بزل كسين من ~~الكحيل جلالا # والأب المرعى، لأنه يؤب أي يؤم وينتجع. والأب والأم أخوان قال # جذمنا قيس ونجد دارنا ولنا الأب به ~~والمكرع # وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الأب فقال أي سماء تظلني، ~~وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به. وعن عمر رضي الله ~~عنه أنه قرأ هذه الآية فقال كل هذا قد عرفنا، فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت ~~بيده وقال هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما ~~الأب، ثم قال اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه فإن قلت ~~فهذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته. قلت لم يذهب ~~إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء ~~من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على ~~الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أن الأب بعض ما ~~أنبته الله للإنسان متاعا له أو لإنعامه فعليك بما هو أهم من النهوض ~~بالشكر لله - على ما تبين لك ولم يشكل - مما عدد من نعمه، ولا تتشاغل ~~عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة ~~الجميلة إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت، ثم وصى الناس بأن يجروا على ~~هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن. ### || [80.33-42] # يقال صخ لحديثه، مثل أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة مجازا لأن الناس ~~يصخون لها { يفر } منهم لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا ~~يغنون عنه شيئا وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة ~~والبنين لأنهم أقرب وأحب كأنه قال يفر من أخيه، بل من أبويه، بل من ~~صاحبته وبنيه. وقيل يفر منهم حذرا من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ لم ~~تواسني بمالك. والأبوان قصرت في برنا. والصاحبة أطعمتني الحرام وفعلت ~~وصنعت. والبنون لم تعلمنا ولم ترشدنا، ms2215 وقيل أول من يفر من أخيه هابيل ~~ومن أبويه إبراهيم ومن صاحبته نوح ولوط ومن ابنه نوح { يغنيه } يكفيه ~~في الاهتمام به. وقرىء «يعنيه» أي يهمه { مسفرة } مضيئة متهللة، من أسفر ~~الصبح إذا أضاء وعن ابن عباس رضي الله عنهما من قيام الليل لما روي في ~~الحديث 1269 # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل من طول ما اغبرت في سبيل الله { ~~غبرة } غبار يعلوها { فترة } سواد كالدخان ولا ترى أوحش من اجتماع ~~الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى من وجوه الزنوج إذا اغبرت وكأن الله عز ~~وجل يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة، كما جمعوا الفجور إلى الكفر. عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 1270 # " من قرأ سورة عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر ". ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # في التكوير وجهان أن يكون من كورت العمامة إذا لففتها، أي يلف ضوءها ~~لفا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب ~~بها لأنها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطا غير ملفوف. أو يكون لفها ~~عبارة عن رفعها وسترها لأن الثواب إذا أريد رفعه لف وطوي ونحوه قوله # يوم نطوى السماء # الأنبياء 104 وأن يكون من طعنه فجوره وكوره إذا ألقاه، أي تلقى وتطرح ~~عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، فإن قلت ارتفاع الشمس على الابتداء ~~أو الفاعلية؟ قلت بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر يفسره كورت لأن ~~«إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط { انكدرت } انقضت قال # أبصر خربان فضاء فانكدر # ويروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # الأنبياء 98، { سيرت } أي على وجه الأرض وأبعدت. أو سيرت في الجو ~~تسيير السحاب كقوله # وهى تمر مر السحاب # النمل 88 والعشار في جمع عشراء، كالنفاس في جمع نفساء وهي التي أتى على ~~حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما تكون ms2216 ~~عند أهلها وأعزها { عطلت } تركت مسيبة مهملة. وقيل عطلها أهلها عن ~~الحلب والصر، لاشتغالهم بأنفسهم وقرىء «عطلت» بالتخفيف { حشرت } جمعت ~~من كل ناحية. قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل إذا قضى ~~بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب ~~بصورته. كالطاووس ونحوه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما حشرها موتها. يقال ~~إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة. وقرىء «حشرت» بالتشديد { ~~سجرت } قرىء بالتخفيف والتشديد، من سجر التنور إذا ملأه بالحطب، أي ~~ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا. وقيل ملئت نيرانا تضطرم ~~لتعذيب أهل النار. وعن الحسن يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة { زوجت } ~~قرنت كل نفس بشكلها وقيل قرنت الأرواح بالأجساد. وقيل بكتبها وأعمالها. ~~وعن الحسن هو كقوله # وكنتم أزواجا ثلثة # الواقعة 7 وقيل نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين وأد يئد ~~مقلوب من آد يؤد إذا أثقل. قال الله تعالى # ولا يؤده حفظهما # البقرة 255، لأنه إثقال بالتراب كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن ~~يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية وإن ~~أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها طيبيها وزينيها، حتى ~~أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيبلغ بها البئر ~~فيقول لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليهاالتراب، حتى تستوي ~~البئر بالأرض. # وقيل كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت ~~بنتا رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنا حبسته فإن قلت ما حملهم على وأد ~~البنات؟ قلت الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن. أو الخوف من الإملاق، ~~كما قال الله تعالى # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملق # الإسراء 31، وكانوا يقولون إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، ~~فهو أحق بهن. وصعصعة بن ناجية ممن منع الوأد فبه افتخر الفرزدق في قوله # ومنا الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم ~~توأد # فإن قلت فما معنى سؤال المؤودة عن ms2217 ذنبها الذي قتلت به وهلا سئل الوائد ~~عن موجب قتله لها؟ قلت سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله ~~تعالى لعيسى { أأنت قلت للناس... } إلى قوله # ...سبحنك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق # المائدة 116، وقرىء «سألت»، أي خاصمت عن نفسها، وسألت الله أوقاتلها ~~وإنما قيل { قتلت } بناء على أن الكلام إخبار عنها ولو حكى ما خوطبت ~~به حين سئلت. فقيل قتلت أو كلاهما حين سئلت لقيل قتلت. وقرأ ابن عباس رضي ~~عنهما قتلت، على الحكاية وقرىء «قتلت»، بالتشديد، وفيه دليل بين على أن ~~أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب، وإذا ~~بكت الله الكافر ببراءة الموؤدة من الذنب فما أقبح به، وهو الذي لا يظلم ~~مثقال ذرة أن يكر عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل ~~المبكت من العذاب الشديد السرمد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل ~~عن ذلك، فاحتج بهذه الآية «نشرت» قرىء بالتخفيف والتشديد، يريد صحف ~~الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب. عن قتادة صحيفتك ~~يا ابن آدم تطوى على عملك، ثم تنشر يوم القيامة، فلينظر رجل ما يملي في ~~صحيفته وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال إليك يساق الأمر يا ~~ابن آدم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال 2271 # " يحشر الناس عراة حفاة " # فقالت أم سلمة كيف بالنساء؟ فقال شغل الناس يا أم سلمة قالت وما ~~شغلهم؟ قال نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل» ويجوز أن يراد ~~نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة إذا كان يوم القيامة ~~تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع ~~صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف ~~الأعمال { كشطت } كشفت وأزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء ~~عن الشيء وقرأ ابن مسعود «قشطت» واعتقاب الكاف والقاف كثير. يقال لبكت ~~الثريد ms2218 ولبقته، والكافور والقافور { سعرت } أوقدت إيقادا شديدا ~~وقرىء «سعرت» بالشديد للمبالغة. # قيل سعرها غضب الله تعالى وخطايا بني آدم { أزلفت } أدنيت من ~~المتقين، كقوله تعالى # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # ق 31، قيل هذه اثنتا عشرة خصلة. ست منها في الدنيا، وست في الآخرة. و { ~~علمت } هو عامل النصب في { إذا الشمس كورت } وفيما عطف عليه. ~~فإن قلت كل نفس تعلم ما أحضرت، كقوله # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # آل عمران 30 لا نفس واحدة فما معنى قوله { علمت نفس }؟ قلت هو من ~~عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه. ومنه قوله عز وجل # ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين # الحجر 2 ومعناه معنى كم وأبلغ منه. وقول القائل # قد أترك القرن مصفرا أنامله # وتقول لبعض قواد العساكر كم عندك من الفرسان؟ فيقول رب فارس عندي. أو ~~لا تعدم عندي فارسا، وعنده المقانب وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه. ~~ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلا أن ~~يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين وعن ~~ابن مسعود رضي الله عنه أن قارئا قرأها عنده، فلما بلغ { علمت ~~نفس مآ أحضرت 14 } قال وانقطاع ظهرياه. ### || [81.15-18] # { الخنس } الرواجع، بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كر راجعا إلى ~~أوله و { الجوار } السيارة. و { الكنس } الغيب من كنس الوحشى ~~إذا دخل كناسه. قيل هي الدراري الخمسة بهرام وزحل، وعطارد، والزهرة، ~~والمشتري، تجري مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها ~~رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل هي جميع الكواكب، تخنس ~~بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل أي تطلع في أماكنها، كالوحش في ~~كنسها، عسعس الليل وسعسع إذا أدبر. قال العجاج # حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها ~~وعسعسا # وقيل عسعس إذا أقبل ظلامه. فإن قلت ما معنى تنفس الصبح؟ قلت إذا أقبل ~~الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفسا له على ms2219 المجاز وقيل تنفس ~~الصبح. ### || [81.19-21] # { إنه } الضمير للقرآن { لقول رسول كريم } هو جبريل صلوات ~~الله عليه { ذى قوة } كقوله تعالى # شديد القوى ذو مرة # النجم 5 -6 لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن، قال { عند ذى ~~العرش } ليدل على عظم منزلته ومكانته { ثم } إشارة إلى الظرف ~~المذكور، أعني عند ذي العرش، على أنه عند الله مطاع في ملائكته ~~المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه. وقرىء «ثم» تعظيما ~~للأمانة. وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة. ### || [81.22] # { وما صاحبكم } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { بمجنون } ~~كما تبهته الكفرة، وناهيك بهذا دليلا على جلالة مكان جبريل عليه السلام ~~وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد صلى الله ~~عليه وسلم، إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما، وقايست بين قوله { ~~إنه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش ~~مكين مطاع ثم أمين } وبين قوله { وما صاحبكم ~~بمجنون }. ### || [81.23-25] # { ولقد رءاه } ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل { ~~بالأفق المبين } بمطلع الشمس الأعلى { وما هو } وما محمد على ~~ما يخبر به من الغيب من رؤية جبريل والوحي إليه وغير ذلك { بضنين } ~~بمتهم من الظنة وهي التهمة وقرىء «بضنين» من الضن وهو البخل أي لا يبخل ~~بالوحي فيزوي بعضه غير مبلغه أو يسأل تعليمه فلا يعلمه وهو في مصحف عبد ~~الله بالظاء، وفي مصحف أبي بالضاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ بهما. وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب. ومعرفة مخرجيهما مما لا ~~بد منه للقارىء، فإن أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ففرقا ~~غير صواب، وبينهما بون بعيد فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان، وما ~~يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وكان عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أضبط يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي ~~أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين، وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان ~~وأصول الثنايا العليا، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال ms2220 والثاء. ولو ~~استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان واختلاف بين جبلين ~~من جبال العلم والقراءة، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب فإن قلت ~~فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه. قلت هو كواضع الذال مكان الجيم، ~~والثاء مكان الشين، لأن التفاوت بني الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما ~~{ وما هو } وما القرآن { بقول شيطن رجيم } أي بقول بعض ~~المسترقة للسمع وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة. ### || [81.26-29] # { فأين تذهبون26 } استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافا ~~أو ذهابا في بنيات الطريق أين تذهب مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق ~~وعدولهم عنه إلى الباطل { لمن شآء منكم } بدل من العالمين وإنما ~~أبدلوا منهم لأن الذين شاؤا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون ~~بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعظين جميعا { وما ~~تشآءون } الاستقامة يامن يشاؤها إلا بتوفيق الله ولطفه. أو وما ~~تشاؤنها أنتم يامن لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1272 # " من قرأ سورة إذا الشمس كورت أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته ". ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # { انفطرت } انشقت { فجرت } فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب ~~بالمالح، وزال البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحرا واحدا وروي أن ~~الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار، فتصير مستوية، وهو معنى التسجير عند ~~الحسن، وقرىء «فجرت» بالتخفيف. وقرأ مجاهد فجرت على النباء للفاعل ~~والتخفيف. بمعنى بغت لزوال البرزخ نظرا إلى قوله تعالى # لا يبغيان # الرحمن 20 لأن البغي والفجور أخوان. بعثر وبحثر بمعنى، وهما مركبان من ~~البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما. والمعنى يحثت وأخرج موتاها. وقيل ~~لبراءة المبعثرة لأنها بعثرت أسرار المنافقين. ### || [82.6-8] # فإن قلت ما معنى قوله { ما غرك بربك الكريم } وكيف طابق ~~الوصف بالكرم إنكار الاغترار به، وإنما يغتر بالكريم، كما يروى عن علي ~~رضي الله عنه أنه صاح بغلام له كرات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، ~~فقال له ما لك لم تجبني؟ قال لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه ms2221 ~~وأعتقه، وقالوا من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. قلت معناه أن حق الإنسان ~~أن لا يغتر بتكرم الله عليه، حيث خلقه حيا لينفعه، وبتفضله عليه بذلك ~~حتى يطمع بعدما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها أن يتفضل عليه ~~بالثواب وطرح العقاب، اغترارا بالتفضل الأول، فإنه منكر خارج من حد ~~الحكمة، ولهذا 1273 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تلاها. # " غره جهله " # وقال عمر رضي الله عنه غره حمقه وجهله. وقال الحسن غره والله شيطانه ~~الخبيث، أي زين له المعاصي وقال له أفعل ما شئت، فربك الكريم الذي تفضل ~~عليك بما تفضل به أولا وهو متفضل عليك آخرا، حتى ورطه وقيل للفضيل ابن ~~عياض إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك { ما غرك بربك ~~الكريم } ماذا تقول؟ قال أقول غرتني ستورك المرخاة. وهذا على سبيل ~~الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر، وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ~~ويطن به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم إنما قال { بربك الكريم ~~} دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول غرني كرم الكريم. وقرأ ~~سعيد بن جبير «ما أغرك» إما على التعجب، وإما على الاستفهام من قولك غر ~~الرجل فهو غار إذا غفل، من قولك بيتهم العدو وهم غارون. وأغره غيره ~~جعله غارا { فسوك } فجعلك سويا سالم الأعضاء { فعدلك } فصيرك ~~معتدلا متناسب الخلق من غير تفاوت فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا ~~إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، ولا بعض الشعر ~~فاحما وبعضه أشقر. أو جعلك معتدل الخلق تمشي قائما لا كالبهائم. وقرىء ~~«فعدلك» بالتخفيف وفيه وجهان، أحدهما أن يكون بمعنى المشدد، أي عدل بعض ~~أعضائك ببعض حتى اعتدلت والثاني { فعدلك } فصرفك. يقال عدله عن ~~الطريق يعني فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة مفارقة لسائر الخلق. أو ~~فعدلك إلى بعض الأشكال والهيآت. { ما } في { ما شآء } مزيدة، أي ~~ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلقة في الحسن ~~والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف ms2222 ~~الشبه فإن قلت هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟ قلت لأنها بيان ~~لعدلك. فإن قلت بم يتعلق الجار؟ قلت يجوز أن يتعلق بركبك. على معنى وضعك ~~في بعض الصور ومكنك فيه، وبمحذوف أي ركبك حاصلا في بعض الصور ومحله ~~النصب على الحال إن علق بمحذوف ويجوز أن يتعلق بعدلك، ويكون في أي معنى ~~التعجب، أي فعدلك في صورة عجيبة، ثم قال ما شاء ركبك. أي ركبك ما شاء من ~~التراكيب، يعني تركيبا حسنا. ### || [82.9-12] # { كلا } ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به. وهو موجب الشكر ~~والطاعة، إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. ثم قال { بل تكذبون ~~بالدين } أصلا وهو الجزاء. أو دين الإسلام. فلا تصدقون ثوابا ولا ~~عقابا وهو شر من الطمع المنكر { وإن عليكم لحفظين } ~~تحقيق لما يكذبون به من الجزاء، يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون ~~يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم ~~لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور ولولا ذلك لما وكل بضبط ما ~~يحاسب عليه، ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة. وفيه إنذار وتهويل ~~وتشوير للعصاة ولطف للمؤمنين وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال ما أشدها ~~من أية على الغافلين. ### || [82.13-16] # { وما هم عنها بغآئبين } كقوله # وما هم بخرجين منها # المائدة 37، ويجوز أن يراد يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ~~ذلك، يعني في قبورهم، وقيل أخبر الله في هذه السورة أن لابن آدم ثلاث ~~حالات حال الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحال الآخرة التي يجازى فيها، ~~وحال البرزخ وهو قوله { وما هم عنها بغآئبين 16 }. ### || [82.17-19] # يعني أن أمر يوم الدين بحيث لا تدرك دراية دار كنهه في الهول والشدة ~~وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه، والتكرير لزيادة التهويل، ثم ~~أجمل القول في وصفه فقال { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ~~} أي لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه ولا أمر إلا لله وحده. من ~~رفع فعلى البدل من يوم الدين، أو على هو ms2223 يوم لا تملك. ومن نصب فبإضمار ~~يدانون لأن الدين يدل عليه. أو بإضمار اذكر. ويجوز أن يفتح لإضافته إلى ~~غير متمكن وهو في محل الرفع. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1274 # " من قرأ إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة ~~وبعدد كل قبر حسنة ". ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-6] # التطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس شيء طفيف حقير. وروى 1275 ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا، ~~فنزلت فأحسنوا الكيل. وقيل قدمها وبها رجل يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان ~~بكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. وقيل 1276 كان أهل المدينة تجارا يطففون، ~~وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت فخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقرأها عليهم. وقال «خمس بخمس» قيل يا رسول الله، وما خمس ~~بخمس؟ قال # " ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل ~~الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا ~~طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس ~~عنهم القطر " # وعن علي رضي الله عنه أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له أقم ~~الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولا ليعتادها ~~ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما ~~هلك من كان قبلكم المكيال والميزان وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل ~~والوزن جميعا وكانا مفرقين في الحرمين كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة ~~يكيلون، وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له اتق الله وأوف الكيل، ~~فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم. ~~وعن عكرمة أشهد أن كل كيال ووزان في النار. فقيل له إن ابنك كيال أو ~~وزان فقال أشهد أنه في النار. وعن أبي رضي الله عنه لا تلتمس الحوائج ~~ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين لما كان ms2224 اكتيالهم من الناس ~~اكتيالا يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. ~~ويجوز أن يتعلق «على» بيستوفون، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة ~~الخصوصية، أي يستوفون على الناس خاصة فأما أنفسهم فيستوفون لها وقال ~~الفراء «من» و«على» يعتقبان في هذا الموضع، لأنه حق عليه فإذا قال اكتلت ~~عليك، فكأنه قال أخذت ما عليك وإذا قال اكتلت منك، فكقوله استوفيت منك. ~~والضمير في { كالوهم أو وزنوهم } ضمير منصور راجع إلى الناس. ~~وفيه وجهان أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، كما ~~قال # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن ~~نبات الأوبر # والحريص يصيدك إلا الجواد، بمعنى جنيت لك، ويصيد لك، وأن يكون على حذف ~~المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح ~~أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين، لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد وذلك ~~أن المعنى إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا وإن جعلت ~~الضمير للمطففين انقلب إلى قولك إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا ~~الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافر لأن الحديث واقع ~~في الفعل لا في المباشر، والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأن الألف التي ~~تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه ركيك لأن خط المصحف لم يراع في كثير ~~منه حد المصطلح عليه في علم الخط، على أني رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي ~~الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضة لكونها غير ثابتة في اللفظ والمعنى ~~جميعا لأن الواو وحدها معطية معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقة ~~بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك هم لم يدعوا، وهو يدعو فمن لم يثبتها ~~قال المعنى كاف في التفرقة بينهما. # وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين ~~للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا فإن قلت هلا قيل ~~أو اتزنوا، كما قيل { أو وزنوهم }؟ قلت كأن المطففين كانوا لا ~~يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون ms2225 الموازين لتمكنهم بالاكتيال من ~~الاستيفاء والسرقة، لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا ~~أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعا { يخسرون } ينقصون ~~يقال خسر الميزان وأخسره { ألا يظن } إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في ~~الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا { ~~أنهم مبعوثون } ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة. وعن ~~قتادة أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، وأعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن ~~الفضيل بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان أن ~~أعرابيا قال له قد سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أن المطفف قد ~~توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال ~~المسلمين بلا كيل ولا وزن وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف ~~اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين بيان ~~بليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف ~~وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وإعطاء، بل في ~~كل قول وعمل، وقيل الظن بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر ونصب { يوم ~~يقوم } بمبعوثون. وقرىء بالجر بدلا من يوم عظيم وعن ابن عمر أنه قرأ ~~هذه السورة فلما بلغ قوله { يوم يقوم الناس لرب ~~العلمين6 } بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده. ### || [83.7-9] # { كلا } ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث ~~والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد ~~الفجار على العموم. وكتاب الفجار ما يكتب من أعمالهم. فإن قلت قد أخبر ~~الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجينا بكتاب مرقوم فكأنه قيل إن ~~كتابهم في كتاب مرقوم. فما معناه قلت { سجين } كتاب جامع هو ديوان ~~الشر دون الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن ~~والإنس، وهو كتاب مرقوم مسطور بين الكتابة. أو معلم يعلم من رآه أنه لا ~~خير فيه فالمعنى أن ما ms2226 كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمى ~~سجينا فعيلا من السجن، وهو الحبس والتضييق. لأنه سبب الحبس والتضييق في ~~جهنم، أو لأنه مطروح كما روي تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم، وهو ~~مسكن إبليس وذريته استهانة به وإذالة، وليشهده الشياطين المدحورون، كما ~~يشهد ديوان الخير الملائكة المقربون. فإن قلت فما سجين، أصفة هو أم اسم؟ ~~قلت بل هو اسم علم منقول من وصف كحاتم. وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب ~~واحد وهو التعريف. ### || [83.10-17] # { الذين يكذبون } مما وصف به للذم لا للبيان، كقولك فعل ذلك ~~فلان الفاسق الخبيث { كلا } ردع للمعتدي الأثيم عن قوله { ران ~~على قلوبهم } ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها وهو أن يصر على ~~الكبائر ويسوف التوبة حتى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه. ~~وعن الحسن الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب. يقال ران عليه الذنب وغان ~~عليه، رينا وغينا، والغين الغيم، ويقال ران فيه النوم رسخ فيه، ورانت به ~~الخمر ذهبت به. وقرىء بإدغام اللام في الراء وبالإظهار، والإدغام أجود. ~~وأميلت الألف وفخمت { كلا } ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم. وكونهم ~~محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا ~~للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. قال # إذا اعتروا باب ذي عبية رجبوا والناس من بين ~~مرجوب ومحجوب # عن ابن عباس وقتادة وابن أبي مليكة محجوبين عن رحمته. وعن ابن كيسان عن ~~كرامته. ### || [83.18-21] # { كلآ } ردع عن التكذيب. وكتاب الأبرار ما كتب من أعمالهم. وعليون علم ~~لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقول ~~من جمع «علي» فعيل من العلو كسجين من السجن، سمى بذلك إما لأنه سبب ~~الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء ~~السابعة حيث يسكن الكروبيون، تكريما له وتعظيما. وروي 1277 «إن ~~الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من ~~سلطانة أوحى إليهم إنكم الحفظة على ms2227 عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، ~~وأنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين، فقد غفرت له وإنها لتصعد بعمل العبد ~~فيزكونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحي إليهم أنتم الحفظة على ~~عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في ~~سجين». ### || [83.22-28] # { الأرآئك } الأسرة في الحجال { ينظرون } إلى ما شاؤا مد ~~أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة، ~~وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك { ~~نضرة النعيم } بهجة التنعم وماءه ورونقه، كما ترى في وجوه ~~الأغنياء وأهل الترفه، وقرىء «تعرف» على البناء للمفعول ونضرة النعيم ~~بالرفع. الرحيق الشراب الخالص الذي لا غش فيه { مختوم } تختم أوانيه ~~من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. وقيل { ختمه مسك } ~~مقطعه رائحة مسك إذا شرب. وقيل يمزج بالكافور، ويختم مزاجه بالمسك. وقرىء ~~«خاتمه»، بفتح التاء وكسرها، أي ما يختم به ويقطع { فليتنافس ~~المتنفسون } فليرتغب المرتغبون { تسنيم } علم لعين بعينها ~~سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه إما لأنها أرفع شراب في الجنة ~~وإما لأنها تأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء متسنمة ~~فتنصب في أوانيهم. و { عينا } نصب على المدح. وقال الزجاج نصب على ~~الحال. وقيل هي للمقربين، يشربونها صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة. ### || [83.29-33] # هم مشركو مكة أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم كانوا ~~يضحكون من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن ~~بهم. وقيل جاء علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين فسخر ~~منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا ~~اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل علي إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { يتغامزون } يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم { ~~فكهين } ملتذين بذكرهم والسخرية منهم، أي ينسبون المسلمين إلى الضلال ~~{ وما أرسلوا } على المسلمين { حفظين } موكلين بهم يحفظون ~~عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم وهذا تهكم ~~بهم. ms2228 أو هو من جملة قول الكفار، وإنهم إذا رأوا المسلين قالوا إن هؤلاء ~~لضالون وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكارا لصدهم إياهم عن الشرك، ~~ودعائهم إلى الإسلام وجدهم في ذلك. ### || [83.34-36] # { على الأرآئك ينظرون23 } حال من { يضحكون } أي يضحكون ~~منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر ~~ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه وهم على الأرائك آمنون. وقيل يفتح ~~للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها فإذا وصلوا إليها أغلق ~~دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك المؤمنون منهم «ثوبه» وأثابه بمعنى، ~~إذا جازاه قال أوس # سأجزيك أو يجزيك عنى مثوب وحسبك أن يثنى ~~عليك وتحمدى # وقرىء بإدغام اللام في الثاء. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1278 # " من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة ". ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # حذف جواب إذا ليذهب المقدر كل مذهب أو اكتفاء بماعلم في مثلها من سورتي ~~التكوير والانفطار. وقيل جوابها ما دل عليه فملاقيه أي إذا السماء انشقت ~~لاقى الإنسان كدحه. ومعناه إذا انشقت بالغمام، كقوله تعالى # ويوم تشقق السماء بالغمم # الفرقان 25، وعن علي رضي الله عنه تنشق من المجرة أذن له استمع له. ~~ومنه قوله عليه السلام 1279 # " ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن " # وقول حجاف بن حكيم # أذنت لكم لما سمعت هريركم # والمعنى أنها فعلت في انقيادها لله حين أراد انشقاقها فعل المطواع الذي ~~إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، ~~كقوله # أتينا طائعين # فصلت 11، { وحقت } من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به، يعني وهي حقيقة ~~بأن تنقاد ولا تمتنع. ومعناه الإيذان بأن القادر بالذات يجب أن يتأتى له ~~كل مقدور ويحق ذلك { مدت } من مد الشيء فامتد وهو أن تزال جبالها ~~وآكامها وكل أمت فيها، حتى تمتد وتنبسط ويستوي ظهرها، كما قال تعالى # قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # طه 106 107، وعن ابن عباس رضي الله عنهما مدت مد ms2229 الأديم العكاظي ~~لأن الأديم إذا مد زال كل انثناء فيه وأمت واستوى أو من مده بمعنى ~~أمده، أي زيدت سعة وبسطة { وألقت ما فيها } ورمت بما في جوفها ~~مما دفن فيها من الموتى والكنوز { وتخلت } وخلت غاية الخلو حتى لم ~~يبق شيء في باطنها، كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو، كما يقال تكرم ~~الكريم، وترحم الرحيم إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلفا فوق ما ~~في طبعهما { وأذنت لربها } في إلقاء ما في بطنها وتخليها. ### || [84.6-15] # الكدح جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها، من كدح جلده إذا ~~خدشه ومعنى { كادح إلى ربك } جاهد إلى لقاء ربك، وهو الموت وما ~~بعده من الحال الممثلة باللقاء { فملقيه } فملاق له لا محالة لا ~~مفر لك منه، وقيل الضمير في ملاقيه للكدح { يسيرا } سهلا هينا لا ~~يناقش فيه ولا يعترض بما يسوءه ويشق عليه، كما يناقش أصحاب الشمال. وعن ~~عائشة رضي الله عنها هو أن يعرف ذنوبه، ثم يتجاوز عنه. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال 1280 # " من يحاسب يعذب " # فقيل يا رسول الله فسوف يحاسب حسابا يسيرا. قال # " ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذب " # { إلى أهله } إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين. أو إلى فريق المؤمنين. ~~أو إلى أهله في الجنة من الحور العين { وراء ظهره } قيل تغل ~~يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من روءا ~~ظهره. وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره، { يدعو ثبورا } يقول يا ~~ثبوراه. والثبور الهلاك. وقرىء «ويصلى سعيرا» كقوله # وتصلية جحيم # الواقعة 94، ويصلى بضم الياء والتخفيف، كقوله # ونصله جهنم # النساء 115، { فى أهله } فيما بين ظهرانيهم، أو معهم، على أنهم ~~كانوا جميعا مسرورين، يعني أنه كان في الدنيا مترفا بطرا مستبشرا كعادة ~~الفجار الذين لا يهمهم أمر الآخرة ولا يفكرون في العواقب. ولم يكن كئيبا ~~حزينا متفكرا كعادة الصلحاء والمتقين وحكاية الله عنهم # إنا كنا قبل فى أهلنا مشفقين # الطور 26 { ظن أن لن يحور } لن يرجع إلى الله ms2230 تعالى تكذيبا ~~بالمعاد. يقال لا يحور ولا يحول، أي لا يرجع ولا يتغير. قال لبيد # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وعن ابن عباس ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها ~~حوري، أي أرجعي { بلى } إيجاب لما بعد النفي في { لن يحور } أي ~~بلى ليحورن { إن ربه كان به بصيرا } وبأعماله لا ينساها ~~ولا تخفى عليه، فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها. وقيل نزلت الآيتان في ~~أبي سلمة بن عبد الأشد وأخيه الأسود بن عبد الأشد. ### || [84.16-19] # الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت ~~المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما يروى عن أبي حنيفة رضي ~~الله عنه في إحدى الروايتين أنه البياض. وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه، ~~سمي لرقته. ومنه الشفقة على الإنسان رقة القلب عليه { وما وسق } وما ~~جمع وضم، يقال وسقه فاتسق واستوسق. قال # مستوسقات لو يجدن سائقا # ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع. ومعناه وما جمعه ~~وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها { إذا اتسق } إذا اجتمع واستوى ~~ليلة أربع عشرة. قرىء «لتركبن» على خطاب الإنسان في { يأيها ~~الإنسن } ولنركبن، بالضم على خطاب الجنس، لأن النداء للجنس ولتركبن ~~بالكسر على خطاب النفس، وليركبن بالياء على ليركبن الإنسان. والطبق ما ~~طابق غيره. يقال ما هذا بطبق لذا، أي لا يطابقه. ومنه قيل للغطاء الطبق. ~~وإطباق الثرى ما تطابق منه، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها طبق. ومنه قوله ~~عز وعلا { طبقا عن طبق } أي حالا بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها ~~في الشدة والهول ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة، من قولهم هو على ~~طبقات. ومنه طبق الظهر لفقاره الواحدة طبقة، على معنى لتركبن أحوالا بعد ~~أحوال هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض وهي الموت وما بعده من مواطن ~~القيامة وأهوالها. فإن قلت ما محل عن طبق؟ قلت النصب على أنه صفة لطبقا، ~~أي طبقا مجاوزا لطبق. أو حال من ms2231 الضمير في لتركبن، أي لتركبن طبقا ~~مجاوزين لطبق. أو مجاوزا أو مجاوزة، على حسب القراءة وعن مكحول كل عشرين ~~عاما تجدون أمرا لم تكونوا عليه. ### || [84.20-25] # { لا يسجدون } لا يستكينون ولا يخضعون. وقيل 1281 قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم # واسجد واقترب # العلق19 فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر، فنزلت ~~وبه احتج أبو حنيفة رضي الله عنه على وجوب السجدة، وعن ابن عباس ليس في ~~المفصل سجدة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه 1282 أنه سجد فيها وقال والله ~~ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. ~~وعن أنس صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا وعن الحسن هي غير واجبة { ~~الذين كفروا } إشارة إلى المذكورين { بما يوعون } بما ~~يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء. أو بما ~~يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب { ~~إلا الذين ءامنوا } استثناء منقطع. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1283 # " من قرأ سورة انشقت أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره ". ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-3] # هي البروج الاثنا عشر، وهي قصور السماء على التشبيه. وقيل { البروج ~~} النجوم التي هي منازل القمر. وقيل عظام الكواكب. سميت بروجا لظهورها. ~~وقيل أبواب السماء { واليوم الموعود2 } يوم القيامة { ~~وشهد ومشهود3 } يعني وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه والمراد ~~بالشاهد من يشهد فيه من الخلائق كلهم وبالمشهود ما في ذلك اليوم من ~~عجائبه وطريق تنكيرهما إما ما ذكرته في قوله # علمت نفس ما أحضرت # التكوير 14 كأنه قيل وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. وإما الإبهام في ~~الوصف، كأنه قيل وشاهد مشهود لا يكتنه وصفهما. وقد اضطربت أقاويل ~~المفسرين فيهما فقيل الشاهد والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، ويوم ~~القيامة. وقيل عيسى وأمته. لقوله # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # المائدة 117، وقيل أمة محمد، وسائر الأمم وقيل يوم التروية، ويوم عرفة، ~~وقيل يوم عرفة، ويوم الجمعة. ms2232 وقيل الحجر الأسود والحجيج وقيل الأيام ~~والليالي وبنو آدم وعن الحسن ما من يوم إلا وينادى إني يوم جديد وإني على ~~ما يعمل في شهيد فاغتنمني، فلو غابت شمس لم تدركني إلى يوم القيامة وقيل ~~الحفظة وبنو آدم. وقيل الأنبياء ومحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [85.4-9] # فإن قلت أين جواب القسم؟ قلت محذوف يدل عليه قوله { قتل أصحب ~~الاخدود } كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون، يعني كفار قريش ~~كما لعن أصحاب الأخدود وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم ~~على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على ~~الإيمان. وإلحاق أنواع الأذى، وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا ~~على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك ~~المعذبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم قتلت قريش، كما ~~قيل قتل أصحاب الأخدود وقتل دعاء عليهم، كقوله # قتل الإنسن ما أكفره # عبس 17 وقرىء «قتل» بالتشديد. والأخدود الخد في الأرض وهو الشق، ~~ونحوهما بناء ومعنى الخق والأخقوق. ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان. ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال 1284 # " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر، وكان ~~في طريق الغلام راهب فسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست ~~الناس. فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها ~~فقتلها وكان الغلام بعد ذلك يبريء الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، ~~وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال من رد عليك بصرك؟ فقال ~~ربي، فغضب فعذبه. فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب ~~عن دينه، فقد بالمنشار وأبي الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، ~~فدعا فرجف بالقوم، فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه، ~~فدعا فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا، فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع ~~الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول بسم الله رب ~~الغلام، ms2233 ثم ترميني به، فرماه فرقع في صدغه فوضع يده عليه ومات فقال الناس ~~أمنا برب الغلام فقيل للملك. نزل بك ما كنت تحذر فأمر بأخاديد في أفواه ~~السكك وأوقدت فيها النيران فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة ~~معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي يا أماه، أصبري فإنك على الحق ~~فاقتحمت. وقيل قال لها قعى ولا تنافقي. وقيل قال لها ما هي إلا غميضة ~~فصبرت " # وعن علي رضي الله عنه 1285 أنهم حين اختفلوا في أحكام المجوس قال هم أهل ~~كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ~~ملوكهم فسكر، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له المخرج ~~أن تخطب الناس فتقول يا أيها الناس، إن الله قد أحل نكاح الأخوات، ثم ~~تخطبهم بعد ذلك فتقول إن الله حرمه فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له ابسط ~~فيهم السوط فلم يقبلوا فقالت له ابسط فيهم السيف، فلم يقبلوا فأمرته ~~بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها فهم الذين أرادهم الله بقوله ~~{ قتل أصحب الاخدود44 } وقيل وقع إلى نجران رجل ممن كان على ~~دين عيسى عليه السلام، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود ~~من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفا ~~في الأخاديد. # وقيل سبعين ألفا وذكر أن طول الأخدود أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر ~~ذراعا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1289 # " أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء " # { النار } بدل اشتمال ممن الأخدود { ذات الوقود } وصف لها ~~بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، ~~وقرىء «الوقود» بالضم { إذ } ظرف لقتل، أي لعنوا حين أحدقوا بالنار ~~قاعدين حولها. ومعنى { عليها } على ما يدنو منها من حافات الأخدود، ~~كقوله # وبات على النار الندى والمحلق # وكما تقول مررت عليه، تريد مستعليا لمكان يدنو منه، ومعنى شهادتهم على ~~إحراق المؤمنين أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهودا يشهد بعضهم لبعض عند ms2234 الملك ~~أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب. ويجوز أن يراد ~~أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، يؤدون شهادتهم يوم القيامة # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # النور 24، { وما نقموا منهم } وما عابوا منهم وما أنكروا إلا ~~الإيمان كقوله # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # قال ابن الرقيات # ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن ~~غضبوا # وقرأ أبو حيوة «نقموا» بالكسر، والفصيح هو الفتح. وذكر الأوصاف التي ~~يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه ~~حميدا منعما. يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه { له ملك ~~السموت والأرض } فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له ~~تقديرا، لأن { ما نقموا منهم } هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل ~~منهمك في الغي، وإن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب ~~{ والله على كل شىء شهيد } وعيد لهم، يعني أنه علم ما ~~فعلوا، وهو مجازيهم عليه. ### || [85.10-11] # ويجوز أن يريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود خاصة، وبالذين آمنوا ~~المطروحين في الأخدود. ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم { فلهم } ~~في الآخرة { عذاب جهنم } بكفرهم { ولهم عذاب الحريق } ~~وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق بإحراقهم المؤمنين. أو لهم عذاب ~~جهنم في الآخرة، ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لما روي أن النار انقلبت ~~عليهم فأحرقتهم. ويجوز أن يريد الذين فتنوا المؤمنين، أي بلوهم بالأذى ~~على العموم والمؤمنين المفتونين وأن للفاتنين عذابين في الآخرة لكفرهم، ~~ولفتنتهم. ### || [85.12-16] # البطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم وهو بطشه ~~بالجبابرة والظلمة، وأخذهم بالعذاب والانتقام { إنه هو يبدىء ~~ويعيد13 } أي يبدىء البطش ويعيده. يعني يبطش بهم في الدنيا وفي ~~الآخرة. أو دل باقتداره على الابداء والإعادة على شدة بطشه وأوعد الكفرة ~~بأنه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا ~~بالإعادة وقرىء «يبدأ» { الودود } الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود ~~من إعطائهم ما أرادوا وقرىء «ذي العرش» صفة ms2235 لربك وقرىء «المجيد» بالجر ~~صفة للعرش. ومجد الله عظمته ومجد العرش علوه وعظمته { فعال } خبر ~~مبتدأ محذوف. وإنما قيل فعال لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. ### || [85.17-22] # { فرعون وثمود18 } بدل من الجنود وأراد بفرعون إياه وآله، كما ~~في قوله # من فرعون وملئهم # يونس 83، والمعنى قد عرفت تكذيب تلك الجنود الرسل وما نزل بهم لتكذيبهم ~~{ بل الذين كفروا } من قومك { فى تكذيب } أي تكذيب ~~واستيجاب للعذاب، والله عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه. ~~والإحاطة بهم من ورائهم مثل لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء ~~المحيط به. ومعنى الإضراب أن أمرهم أعجب من أمر أولئك لأنهم سمعوا بقصصهم ~~وبما جرى عليهم، ورأوا آثار هلاكهم ولم يعتبروا، وكذبوا أشد من تكذيبهم { ~~بل هو } أي بل هذا الذي كذبوا به { قرءان مجيد } شريف عالي ~~الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه. وقرىء «قرآن مجيد»، بالإضافة، أي قرآن ~~رب مجيد. وقرأ يحيى بن يعمر «في لوح» واللوح الهواء، يعني اللوح فوق ~~السماء السابعة الذي فيه اللوح { محفوظ } من وصول الشياطين إليه ~~وقرىء «محفوظ» بالرفع صفة القرآن. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1287 # " من قرأ سورة البروج أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في ~~الدنيا عشر حسنات ". ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-3] # { النجم الثاقب } المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، ~~كما قيل دريء، لأنه يدرؤه، أي يدفعه. ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل، ~~كما يقال للآتي ليلا طارق أو لأنه يطرق الجني، أي يصكه. والمراد جنس ~~النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها. فإن قلت ما يشبه قوله { ومآ ~~أدراك ما الطارق2 النجم الثاقب3 } إلا ترجمة كلمة ~~بأخرى، فبين لي أي فائدة تحته؟ قلت أراد الله عز من قائل أن يقسم بالنجم ~~الثاقب تعظيما له، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبه ~~على ذلك فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو الطارق، ثم قال { ~~وما أدراك ما الطارق2 } ثم فسره بقوله { النجم ~~الثاقب3 ms2236 } كل هذا إظهار لفخامة شأنه، كما قال # فلا أقسم بموقع النجوم وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # الواقعة 75 - 76 روي 1288 أن أبا طالب كان عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فانحط نجم، فامتلأ ما ثم نورا فجزع أبو طالب وقال أي شيء هذا؟ ~~فقال عليه السلام « # " هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله " # فعجب أبو طالب، فنزلت. ### || [86.4] # فإن قلت ما جواب القسم؟ قلت { إن كل نفس لما عليها ~~حافظ } لأن «إن» لا تخلو فيمن قرأ لما مشددة، بمعنى إلا أن تكون ~~نافية. وفيمن قرأها مخففة على أن «ما» صلة تكون مخففة من الثقيلة، ~~وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم، حافظ مهيمن عليها رقيب، وهو الله ~~عز وجل # وكان الله على كل شىء رقيبا # الأحزاب 52، # وكان الله على كل شىء مقيتا # النساء 85، وقيل ملك يحفظ عملها ويحصى عليها ما تكسب من خير وشر. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم 1289 # " وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل ~~الذباب. ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين ". ### || [86.5-7] # فإن قلت ما وجه اتصال قوله { فلينظر } بما قبله؟ قلت وجه اتصاله به ~~أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظا، أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أول ~~أمره ونشأته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، ~~فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته و ~~{ مم خلق } استفهام جوابه { خلق من ماء دافق6 } والدفق ~~صب فيه دفع. ومعنى دافق النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللابن ~~والتامر. أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه، ولم يقل ماءين ~~لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدىء في خلقه { من بين ~~الصلب والترائب } من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام ~~الصدر حيث تكون القلادة. وقرىء «الصلب» بفتحتين، والصلب بضمتين. وفيه ~~أربع لغات صلب، وصلب، وصلب وصالب قال العجاج # في صلب مثل العنان المؤدم # وقيل العظم ms2237 والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة. ### || [86.8-10] # { إنه } الضمير للخالق، لدلالة خلق عليه. ومعناه إن ذلك الذي خلق ~~الإنسان ابتداء من نطفه { على رجعه } على إعادته خصوصا { ~~لقادر } لبين القدرة لا يلتاث عليه ولا يعجز عنه. كقوله إنني لفقير { ~~يوم تبلى } منصوب برجعه ومن جعل الضمير في { رجعه } وفسره ~~برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو الإحليل. أو إلى الحالة الأولى نصب ~~الظرف بمضمر { السرائر } ما أسر في القلوب من العقائد والنيات ~~وغيرها، وما أخفى من الأعمال وبلاؤها. تعرفها وتصفحها، والتمييز بين ما ~~طاب منها وما خبث وعن الحسن أنه سمع رجلا ينشد # سيبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ود ~~يوم تبلى السرائر # فقال ما أغفله عما في { والسماء والطارق1 } { فما له } ~~فما للإنسان { من قوة } من منعة في نفسه يمتنع بها { ولا ناصر ~~} ولا مانع يمنعه. ### || [86.11-14] # سمي المطر رجعا، كما سمي أوبا قال # رباء شماء لا يأوي لقلتها إلا السحاب وإلا ~~الأوب والسبل # تسمية بمصدري رجع، وآب وذلك أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل ~~الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض. أو أرادوا التفاؤل فسموه ~~رجعا. وأوبا، ليرجع ويؤب. وقيل لأن الله يرجعه وقتا فوقتا. قالت ~~الخنساء كالرجع في المدجنة السارية. والصدع ما يتصدع عنه الأرض من ~~النبات { إنه } الضمير للقرآن { فصل } فاصل بين الحق والباطل، كما ~~قيل له فرقان { وما هو بالهزل14 } يعني أنه جد كله لا هوادة ~~فيه. ومن حقه وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيبا في الصدور، معظما ~~في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه وأن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقى ~~ذهنه إلى أن جبار السموات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده وبوعده، حتى إن ~~لم يستفزه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جادا غير ~~هازل، فقد نعى الله ذلك على المشركين في قوله # وتضحكون ولا تبكون وأنتم سمدون # النجم 60 61، # والغوا فيه # فصلت 26. ### || [86.15-17] # { إنهم } يعني أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء ~~نور الحق، ms2238 وأنا أقابلهم بكيدي من استدراجي لهم وانتظاري بهم الميقات الذي ~~وقته للانتصار منهم { فمهل الكفرين } يعني لا تدع بهلاكهم ~~ولا تستعجل به { أمهلهم رويدا } أي إمهالا يسيرا وكرر وخالف ~~بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير. عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1290 # " من قرأ سورة الطارق أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات ". ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-5] # تسبيح اسمه عز وعلا تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي إلحاد في ~~أسمائه، كالجبر والتشبيه ونحو ذلك، مثل أن يفسر الأعلى بمعنى العلو الذي ~~هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان والاستواء على العرش ~~حقيقة وأن يصان عن الابتذال والذكر، لا على وجه الخشوع والتعظيم. ويجوز ~~أن يكون { الأعلى } صفة للرب، والاسم وقرأ علي رضي الله عنه سبحان ~~ربي الأعلى. وفي الحديث 1291 لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " اجعلوها في ركوعكم " # فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال # " اجعلوها في سجودكم " # وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت، وفي السجود اللهم لك سجدت { ~~خلق فسوى } أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتا ~~غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه ~~صنعة حكيم { قدر فهدى } قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه ~~وعرفه وجه الانتفاع به يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ~~ألهمها الله أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها، فربما ~~كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوى تلك المسافة على طولها ~~وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك ~~بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله وهدايات الله للإنسان إلى ما لا يحد ~~من مصالحه وما لا يحصر من حوائجه في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ~~ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا ~~يحيط به وصف واصف فسبحان ربي الأعلى. وقرىء «قدر» ms2239 بالتخفيف { أحوى } ~~صفة لغثاء، أي { أخرج المرعى } أنبته { فجعله } بعد خضرته ~~ورفيفه { غثاء أحوى } دربنا أسود. ويجوز أن يكون { أحوى } ~~حالا من المرعى، أي أخرجه أحوى أسود من شدة الخضرة والري، فجعله غثاء ~~بعد حويه. ### || [87.6-7] # بشره الله بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من ~~الوحي وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه { إلا ما شاء ~~الله } فذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته، كقوله # أو ننسها # البقرة 106 وقيل كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل، فقيل لا تعجل، فإن ~~جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه ثم لا تنساه إلا ما ~~شاء الله، ثم تذكره بعد النسيان. أو قال إلا ما شاء الله، يعني القلة ~~والندرة، كما روي 1292 أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها ~~نسخت، فسأله فقال نسيتها أو قال إلا ما شاء الله والغرض نفى النسيان ~~رأسا كما يقول الرجل لصاحبه أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء الله ولا ~~يقصد استثناء شيء وهو استعمال القلة في معنى النفي. وقيل قوله { فلا ~~تنسى } على النهي، والألف مزيدة للفاصلة، كقوله # السبيلا # الأحزاب 67، يعني فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ~~ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة { إنه يعلم الجهر } يعني أنك ~~تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل عليه السلام مخافة التفلت، والله يعلم جهرك ~~معه وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، فلا تفعل، فأنا أكفيك ما تخافه. أو ~~يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وبطن من ~~أحوالكم، وما هو مصلحة لكم في دينكم ومفسدة فيه، فينسى من الوحي ما يشاء ~~ويترك محفوظا ما يشاء. ### || [87.8-13] # { ونيسرك لليسرى8 } معطوف على { سنقرئك } وقوله { ~~إنه يعلم الجهر وما يخفى } اعتراض ومعناه ونوفقك ~~للطريقة التي هي أيسر وأسهل، يعني حفظ الوحي. وقيل للشريعة السمحة التي ~~هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذا. وقيل نوفقك لعمل الجنة. فإن قلت كان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا ms2240 بالذكرى نفعت أو لم تنفع، فما معنى ~~اشتراط النفع؟ قلت هو على وجهين، أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى ~~إلا عتوا وطغيانا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلظى حسرة وتلهفا ~~ويزداد جدا في تذكيرهم وحرصا عليه، فقيل له # وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف ~~وعيد # ق 45، # فاصفح عنهم وقل سلم # الزخرف 89، { فذكر إن نفعت الذكرى9 } وذلك بعد إلزام ~~الحجة بتكرير التذكير. والثاني أن يكون ظاهره شرطا، ومعناه ذما ~~للمذكرين، وإخبارا عن حالهم، واستبعادا لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلا ~~عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ عظ المكاسين إن سمعوا منك. ~~قاصدا بهذا الشرط استبعاد ذلك، وأنه لن يكون { سيذكر } فيقبل ~~التذكرة وينتفع بها { من يخشى } الله وسوء العاقبة، فينظر ويفكر حتى ~~يقوده النظر إلى اتباع الحق فأما هؤلاء فغير خاشين ولا ناظرين، فلا تأمل ~~أن يقبلوا منك { ويتجنبها } ويتجنب الذكرى ويتحاماها { الأشقى ~~} الكافر لأنه أشقى من الفاسق. أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ~~ربيعة { النار الكبرى } السفلى من أطباق النار وقيل { ~~الكبرى } نار جهنم. والصغرى نار الدنيا وقيل { ثم } لأن الترجح ~~بين الحياة والموت أفظع من الصلي، فهو متراخ عنه في مراتب الشدة والمعنى ~~لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه. ### || [87.14-17] # { تزكى } تطهر من الشرك والمعاصي. أو تطهر للصلاة. أو تكثر من ~~التقوى، من الزكاة وهو النماء. أو تفعل من الزكاة، كتصدق من الصدقة { ~~فصلى } أي الصلوات الخمس، نحو قوله # وأقام الصلاة وآتى الزكاة # البقرة 177، وعن ابن مسعود رحم الله امرأة تصدق وصلى. وعن علي رضي الله ~~عنه أنه التصدق بصدقة الفطر وقال لا أبالي أن لا أجد في كتابي غيرها، ~~لقوله قد أفلح من تزكى أي أعطى زكاة الفطر، فتوجه إلى المصلى، فصلى صلاة ~~العيد، وذكر اسم ربه فكبر تكبيرة الإفتتاح وبه يحتج على وجوب تكبيرة ~~الافتتاح، ms2241 وعلى أنها ليست من الصلاة لأن الصلاة معطوفة عليها، وعلى أن ~~الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه عز وجل. وعن ابن عباس رضي الله عنه ذكر ~~معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له. وعن الضحاك وذكر اسم ربه في طريق ~~المصلى فصلى صلاة العيد { بل تؤثرون الحيوة الدنيا16 } ~~فلا تفعلون ما تفلحون به. وقرىء «يؤثرون» على الغيبة. ويعضد الأولى قراءة ~~ابن مسعود بل أنتم تؤثرون { خير وأبقى } أفضل في نفسها وأنعم ~~وأدوم. وعن عمر رضي الله عنه ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. ### || [87.18-19] # { هذا } إشارة إلى قوله { قد أفلح } إلى { أبقى } يعني ~~أن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل إلى ما في السورة كلها. ~~وروي 1293 عن أبي ذر رضي الله عنه «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كم أنزل الله من كتاب؟ فقال مائة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى ~~شيث خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر ~~صحائف والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان» وقيل إن في صحف إبراهيم ~~ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1294 # " من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله ~~تعالى على إبراهيم وموسى ومحمد " # 1296 وكان إذا قرأها قال سبحان ربي الأعلى وكان علي وابن عباس يقولان ~~ذلك. 195 وكان يحبها 1297 وقال أول من قال «سبحان ربي الأعلى» مكيائيل. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1] # { الغشية } الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها. ~~يعني القيامة، من قوله # يوم يغشهم العذاب # العنكبوت 55، وقيل النار، من قوله # وتغشى وجوههم النار # إبراهيم 50، # ومن فوقهم غواش # الأعراف 41، { يومئذ } يوم إذ غشيت { خشعة } ذليلة { ~~عاملة ناصبة } تعمل في النار عملا تتعب فيه، وهو جرها السلاسل ~~والأغلال، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في ~~صعود من نار، وهبوطها في حدور منها. وقيل عملت في الدنيا أعمال السوء ~~والتذت بها ms2242 وتنعمت، فهي في نصب منها في الآخرة، وقيل عملت ونصبت في أعمال ~~لا تجدي عليها في الآخرة. من قوله # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل # الفرقان 23. # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # الكهف 104، # أولئك الذين حبطت أعملهم # آل عمران 22، وقيل هم أصحاب الصوامع، ومعناه أنها خشعت لله وعملت ونصبت ~~في أعمالها من الصوم الدائب، والتهجد الواصب وقرىء «عاملة ناصبة» على ~~الشتم. قرىء «تصلى» بفتح التاء. وتصلى بضمها. وتصلى بالتشديد. وقيل ~~المصلى عند العرب أن يحفروا حفيرا فيجمعوا فيه جمرا كثيرا، ثم يعمدوا ~~إلى شاة فيدسوها وسطه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو في ~~التنور، فلا يسمى مصليا { ءانية } متناهية في الحر، كقوله # وبين حميم ءان # الرحمن 44 الضريع يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام ~~رطبا، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل قال أبو ذؤيب # رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعا ~~بان عنه النحائص # وقال # وحبس في هزم الضريع فكلها حدباء دامية ~~اليدين حرود # فإن قلت كيف قيل { ليس لهم طعام إلا من ضريع } وفي ~~الحاقة # ولا طعام إلا من غسلين # الحاقة 36 قلت العذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم ومنهم ~~أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع لكل باب منهم جزء مقسوم { لا يسمن ~~} مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام. أو ضريع، يعني أن طعامهم من شيء ~~ليس من مطاعم الإنس، وإنما هو شوك والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به. ~~وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه. ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه وهما ~~إماطة الجوع، وإفادة القوة والسمن في البدن. أو أريد أن لا طعام لهم ~~أصلا لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلا عن الإنس لأن الطعام ما أشبع ~~أو أسمن، وهو منهما بمعزل كما تقول ليس لفلان ظل إلا الشمس، تريد نفي ~~الظل على التوكيد. وقيل قالت كفار قريش إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت ~~{ لا يسمن } فلا يخلوا إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر، ~~فيرد قولهم بنفي السمن والشبع. ms2243 وإما أن يصدقوا فيكون المعنى أن طعامهم ~~من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع. ### || [88.2-16] # { ناعمة } ذات بهجة وحسن، كقوله # تعرف فى وجوههم نضرة النعيم # المطففين 24، أو متنعمة { لسعيها راضية } رضيت بعملها لما رأت ~~ما أداهم إليه من الكرامة والثواب { عالية } من علو المكان أو ~~المقدار { لا تسمع } يا مخاطب. أو الوجوه { لغية } أي لغوا، ~~أو كلمة ذات لغو. أو نفسا تلغو، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد ~~الله على ما رزقهم من النعيم الدائم. وقرىء «لا تسمع» على البناء ~~للمفعول بالتاء والياء { فيها عين جارية } يريد عيونا في غاية ~~الكثرة، كقوله # علمت نفس # التكوير 14، { مرفوعة } من رفعة المقدار أو السمك، ليرى المؤمن ~~بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم. وقيل مخبوءة لهم، من ~~رفع الشيء إذا خبأه { موضوعة } كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين ~~أيديهم عتيدة حاضرة، لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها. أو موضوعة على حافات ~~العيون معدة للشرب. ويجوز أن يراد موضوعة عن حد الكبار، أوساط بين الصغر ~~والكبر، كقوله # قدروها تقديرا # الإنسان 16 { مصفوفة } بعضها إلى جنب بعض. مساند ومطارح، أينما ~~أراد أن يجلس على مسورة واستند إلى أخرى { وزرابي } وبسط عراض ~~فاخرة. وقيل هي الطنافس التي لها خمل رقيق. جمع زربية { مبثوثة } ~~مبسوطة أو مفرقة في المجالس. ### || [88.17-26] # { أفلا ينظرون إلى الإبل } نظر اعتبار { كيف خلقت } ~~خلقا عجيبا، دالا على تقدير مقدر، شاهدا بتدبير مدبر، حيث خلقها ~~للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ~~ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعاز ~~ضعيفا ولا تمانع صغيرا، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض ~~الحكماء. أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل بها، ~~ففكر ثم قال يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحين أراد بها أن تكون سفائن ~~البر صبرها على احتمال العطش حتى إن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعدا، ~~وجعلها ms2244 ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم. ~~وعن سعيد بن جبير قال لقيت شريحا القاضي فقلت أين تريد؟ قال أريد ~~الكناسة قلت وما تصنع بها؟ قال أنظر إلى الإبل كيف خلقت. فإن قلت كيف حسن ~~ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟ قلت قد انتظم هذه ~~الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم فانتظمها الذكر على حسب ما ~~انتظمها نظرهم، ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله إلا طلب ~~المناسبة، ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب، كالغمام والمزن ~~والرباب والغيم والغين، وغير ذلك، وإنما رأى السحاب مشبها بالإبل كثيرا ~~في أشعارهم، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز { كيف ~~رفعت } رفعا بعيد المدى بلا مساك وبغير عمد. { كيف نصبت } ~~نصبا ثابتا، فهي راسخة لا تميل ولا تزول و { كيف سطحت } سطحا ~~بتمهيد وتوطئة، فهي مهاد للمتقلب عليها. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه «خلقت» ورفعت ونصبت، وسطحت على البناء للفاعل وتاء الضمير، والتقدير ~~فعلتها. فحذف المفعول. وعن هرون الرشيد أنه قرأ «سطحت» بالتشديد ~~والمعنى أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ~~ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه. أي لا ينظرون، فذكرهم ولا تلح عليهم، ولا ~~يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يذكرون { إنما أنت مذكر } كقوله # إن عليك إلا البلغ # الشورى 48. { لست عليهم بمسيطر } بمتسلط، كقوله # وما أنت عليهم بجبار # ق 45، وقيل هو في لغة تميم مفتوح الطاء على أن «سيطر» معتد عندهم وقولهم ~~تسيطر، يدل عليه { إلا من تولى } استثناء منقطع، أي لست بمستول ~~عليهم، ولكن من تولى { وكفر } منهم فإن لله الولاية والقهر. فهو ~~يعذبه { العذاب الأكبر } الذي هو عذاب جهنم. وقيل هو استثناء من ~~قوله { فذكر } أي فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق ~~العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض. # وقرىء «إلا من تولى» على التنبيه. وفي قراءة ابن مسعود «فإنه ms2245 ~~يعذبه» وقرأ أبو جعفر المدني «إيابهم» بالتشديد. ووجهه أن يكون «فيعالا» ~~مصدر «أيب» فيعل من الإياب. أو أن يكون أصله أوابا فعالا من أوب، ثم ~~قيل إيوابا كديوان في دوان، ثم فعل به ما فعل بأصل سيد وميت. فإن قلت ~~ما معنى تقديم الظرف؟ قلت معناه التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا ~~إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه، وهو ~~الذي يحاسب على النقير والقطمير. ومعنى الوجوب الوجوب في الحكمة، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم 1298 # " من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حسابا يسيرا ". ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-5] # أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله # والصبح إذا أسفر # المدثر 34، # والصبح إذا تنفس # التكوير 18، وقيل بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر عشر ذي الحجة. فإن ~~قلت فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟ قلت لأنها ليال مخصوصة من بين ~~جنس الليالي العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها. فإن قلت فهلا ~~عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟ قلت لو فعل ذلك لم تستقل ~~بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ~~ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية، وبالشفع والوتر إما الأشياء كلها ~~شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم ~~النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد 1299 روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسرهما بذلك. وقد أكثروا في الشفع والوتر ~~حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي ~~عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم { إذا ~~يسر } إذا يمضي كقوله # واليل إذا أدبر # المدثر 33، # واليل إذا عسعس # التكوير 17، وقرىء «والوتر» بفتح الواو، وهما لغتان كالحبر والحبر في ~~العدد، وفي الترة الكسر وحده. وقرىء «الوتر» بفتح الواو وكسر التاء رواها ~~يونس عن أبي عمرو، وقرىء «والفجر» والوتر، ويسر بالتنوين، وهو التنوين ~~الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس وليال عشر، بالإضافة ms2246 يريد ~~وليال أيام عشر. وياء { يسر } تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، ~~وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة، وقيل معنى «يسري» يسري فيه { هل فى ~~ذلك } أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء { قسم } أي مقسم به { ~~لذى حجر } يريد هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو هل في إقسامي ~~بها إقسام لذي حجر، أي هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر ~~العقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمى عقلا ونهية لأنه يعقل ~~وينهى. وحصاة من الإحصاء وهو الضبط وقال الفراء يقال إنه لذو حجر، إذا ~~كان قاهرا لنفسه ضابطا لها والمقسم عليه محذوف وهو «ليعذبن» يدل عليه ~~قوله { ألم تر } إلى قوله # فصب عليهم ربك سوط عذاب # الفجر 13. ### || [89.6-14] # قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عاد، كما يقال لبني هاشم ~~هاشم. ثم قيل للأولين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدهم، ولمن ~~بعدهم عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات # مجدا تليدا بناه أوله أدرك عادا وقبلها ~~إرما # فإرم في قوله { بعاد إرم } عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى ~~القديمة. وقيل { إرم } بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها ويدل عليه قراءة ~~ابن الزبير «بعاد إرم» على الإضافة وتقديره بعاد أهل إرم، كقوله # واسئل القرية # يوسف 82، ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضا للتعريف والتأنيث. وقرأ الحسن ~~«بعاد أرم»، مفتوحتين. وقرىء «بعاد إرم» بسكون الراء على التخفيف، كما ~~قرىء «بورقكم» وقرىء «بعاد إرم ذات العماد» بإضافة إرم إلى ذات العماد. ~~والإرم العلم، يعني بعاد أهل أعلام ذات العماد. و { ذات العماد } ~~اسم المدينة وقرىء «بعاد إرم ذات العماد» أي جعل الله ذات العماد رميما ~~بدلا من فعل ربك وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى أنهم كانوا ~~بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة ومنه قولهم ~~رجل معمد وعمدان إذا كان طويلا. وقيل ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة ~~للبلدة فالمعنى أنها ذات أساطين. وروي أنه كان لعاد ms2247 ابنان شداد وشديد ~~فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ~~ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال أبني مثلها، فبني إرم في بعض صحاري عدن في ~~ثلثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب ~~والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار ~~المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة ~~يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة ~~أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره ~~معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال هي إرم ذات العماد، ~~وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى ~~عقبه خال، يخرج في طلب إبل له ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال هذا والله ~~ذلك الرجل { لم يخلق مثلها } مثل عاد { فى البلد } عظم ~~أجرام وقوة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة ~~العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شداد ~~في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير «لم يخلق ملثها»، أي لم يخلق الله ~~مثلها { جابوا الصخر } قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، ~~كقوله # وتنحتون من الجبال بيوتا # الشعراء 149 قيل أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفا ~~وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. # قيل له ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا ~~نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية { الذين ~~طغوا } أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم. ويجوز أن ~~يكون مرفوعا على هم الذين طغوا أو مجرورا على وصف المذكورين عاد وثمود ~~وفرعون يقال صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله ~~بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعدلهم في الآخرة، ~~كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به. وعن عمرو بن عبيد كان الحسن إذا ms2248 أتى ~~على هذه الآية قال إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد ~~المكان الذي يترتب فيه الرصد «مفعال» من رصده. كالميقات من وقته. وهذامثل ~~لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له أين ~~ربك؟ فقال بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه قرأ هذه السورة عند ~~بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال إن ربك لبالمرصاد يا فلان، عرض له ~~في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فالله دره أي أسد ~~فراس كان بين ثوبيه، يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء والبدع ~~باحتجاجه. ### || [89.15-16] # فإن قلت بم اتصل قوله { فأما الإنسن }؟ قلت بقوله { إن ~~ربك لبالمرصاد } كأنه قيل إن الله لا يريد من الإنسان إلا ~~الطاعة والسعي للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي فأما الإنسان فلا يريد ~~ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها. فإن قلت فكيف توازن ~~قوله، فأما الإنسان، { إذا ما ابتله ربه } وقوله { وأما ~~إذا ما ابتله } وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما، ~~تقول أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور. أما إذا أحسنت إلى زيد فهو ~~محسن إليك وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟ قلت هما متوازنان من حيث ~~إن التقدير وأما هو إذا ما ابتلاه ربه وذلك أن قوله { فيقول ربى ~~أكرمن } خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في «أما» من ~~معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه ~~قيل فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء، فوجب أن يكون { ~~فيقول } الثاني خبر لمبتدأ واجب تقديره. فإن قلت كيف سمي كلا الأمرين ~~من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟ قلت لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا ~~بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله ~~أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. ونحوه قوله تعالى # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # الأنبياء 35، فإن قلت هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ~~ونعمه؟ قلت لأن ms2249 البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير ~~سابقة، وأما التقدير فليس بإهانة له لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ~~ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهينا له، وغير مكرم ~~ولا مهين وإذا أهدى لك زيد هدية قلت أكرمني بالهدية، ولا تقول أهانني ولا ~~أكرمني إذا لم يهد لك. فإن قلت فقد قال { فأكرمه } فصحح إكرامه ~~وأثبته، ثم أنكر قوله { ربى أكرمن } وذمه عليه، كما أنكر قوله { ~~أهانن } وذمه عليه. قلت فيه جوابان، أحدهما أنه إنما أنكر قوله ربي ~~أكرمن وذمه عليه، لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو ~~قصده إلى أن الله أعطاه ما أعطاه إكراما له مستحقا مستوجبا على عادة ~~افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله # إنما أوتيته على علم عندى # القصص 78، وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا ~~سابقة ما لا يعتد الله إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي ~~كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. والثاني أن ينساق ~~الإنكار والذم إلى قوله { ربى أهانن } يعني أنه إذا تفضل عليه ~~بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك ~~التفضل هوانا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله { ~~فأكرمه } وقرىء «فقدر» بالتخفيف والتشديد وأكرمن، وأهانن بسكون ~~النون في الوقف، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة. ### || [89.17-20] # { كلا } ردع للإنسان عن قوله ثم قال بل هناك شر من القول. وهو أن ~~الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم ~~بالتفقد والمبرة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ~~ويحبونه فيشحون به وقرىء «يكرمون» وما بعده بالياء والتاء. وقرىء ~~«تحاضون» أي يحض بعضكم بعضا وفي قراءة ابن مسعود «ولا تحاضون» بضم ~~التاء، من المحاضة { أكلا لما } ذا لم وهو الجمع بين الحلال ~~والحرام. قال الحطيئة # إذا كان لما يتبع الذم ربه فلا قدس ~~الرحمن تلك الطواحنا # يعني أنهم يجمعون في أكلهم ms2250 بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل ~~كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل ~~يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله ~~وحرامه. ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق ~~فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا جامعا بين ألوان ~~المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الوراث البطالون { ~~حبا جما } كثيرا شديدا مع الحرص والشره ومنع الحقوق. ### || [89.21-26] # { كلا } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم ~~على ما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة ويومئذ بدل من { إذا دكت ~~الأرض } وعامل النصب فيهما { يتذكر } { دكا دكا } دكا ~~بعد دك. كقوله حسبته بابا بابا، أي كرر عليها الدك حتى عادت هباء منبثا. ~~فإن قلت ما معنى إسناد المجىء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان ~~على من كان في جهة قلت هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره ~~وسلطانه مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار ~~الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة ~~أبيهم { صفا صفا } ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين ~~بالجن والإنس { وجاىء يومئذ بجهنم } كقوله # وبرزت الجحيم # النازعات 36 وروي 1300 أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعرف في وجهه حتى اشتد على أصحابه، فأخبروا عليا رضي الله عنه، ~~فجاء فاحتضنه ومن خلفه وقبله بين عاتقيه ثم قال يا نبي الله، بأبي أنت ~~وأمي ما الذي حدث اليوم، ما الذي غيرك؟ فتلا عليه الآية. فقال علي كيف ~~يجاء بها؟ قال # " يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت ~~لأحرقت أهل الجمع " # أي يتذكر ما فرط فيه، أو يتعظ { وأنى له الذكرى } ومن أين ~~له منفعة الذكرى؟ لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين يوم يتذكر، وبين ~~{ وأنى له الذكرى } تناف وتناقض ms2251 { قدمت لحياتى } ~~هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك جئته لعشر ليال ~~خلون من رجب وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقا ~~بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على ~~المعاصي، كمذهب أهل الأهواء والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرىء بالفتح ~~«يعذب ويوثق»، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي عمرو أنه ~~رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل هو أبي بن خلف أي ~~لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه لتناهيه في ~~كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله # ولا تزر وازرة وزر أخرى # الإسراء 15 وقرىء بالكسر، والضمير لله تعالى، أي لا يتولى عذاب الله أحد ~~لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم. أو للإنسان، أي لا يعذب أحد من ~~الزبانية مثل ما يعذبونه. ### || [89.27-30] # { يأيتها النفس } على إرادة القول، أي يقول الله للمؤمن { ~~يأيتها النفس } إما أن يكلمه إكراما له كما كلم موسى صلوات ~~الله عليه، أو على لسان ملك. و { المطمئنة } الآمنة التي لا ~~يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي ~~سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأول، قراءة أبي بن ~~كعب «يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة» فإن قلت متى يقال لها ذلك؟ قلت ~~إما عند الموت. وإما عند البعث، وإما عند دخول الجنة. على معنى ارجعي ~~إلى موعد ربك { راضية } بما أوتيت { مرضية } عند الله { ~~فادخلى فى عبادى } في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم { ~~وادخلى جنتى } معهم، وقيل النفس الروح. ومعناه فادخلي في أجساد ~~عبادي. وقرأ ابن عباس «فادخلي في عبدي»، وقرأ ابن مسعود «في جسد عبدي». ~~وقرأ أبي «ائتي ربك راضية مرضية، ادخلي في عبدي» وقيل نزلت في حمزة بن ~~عبد المطلب. وقيل في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى ~~المدينة، فقال اللهم إن كان لي عندك خير فحول وجهي نحو قبلتك، فحول ms2252 ~~الله وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوله، والظاهر العموم. عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1301 # " من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام ~~كانت له نورا يوم القيامة ". ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-7] # أقسم الله سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورا في ~~مكابدة المشاق والشدائد واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله { وأنت ~~حل بهذا البلد2 } يعني ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك ~~يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل ~~يحرمون أن يقتلوا بها صيدا ويعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك ~~وفيه تثبيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث على احتمال ما كان ~~يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته، أو سلى رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده، على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة ~~الشدائد واعترض بأن وعده فتح مكة تتميما للتسلية والتنفيس عنه. فقال ~~وأنت حل بهذا البلد، يعني وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من ~~القتل والأسر. وذلك أن الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحد ~~قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرم ما شاء. قتل ابن خطل وهو متعلق ~~بأستار الكعبة. ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي سفيان، ثم قال ~~1302 # " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم ~~الساعة، لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من ~~نهار، فلا يعضد شجرها، ولا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها ~~إلا لمنشد " # فقال العباس يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا ~~فقال صلى الله عليه وسلم # " إلا الإذخر " # فإن قلت أين نظير قوله { وأنت حل } في معنى الاستقبال؟ قلت قوله ~~عز وجل # إنك ميت وإنهم ميتون # الزمر 30 ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء أنت ms2253 ~~مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة ~~المشاهدة. وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال ~~محال أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال ~~الفتح؟ فإن قلت ما المراد بوالد وما ولد؟ قلت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه إبراهيم ~~ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه. فإن قلت لم نكر؟ قلت للإبهام المستقل ~~بالمدح والتعجب. فإن قلت هلا قيل ومن ولد؟ قلت فيه ما في قوله # والله أعلم بما وضعت # آل عمران 36 أي بأي شيء وضعت، يعني موضوعا عجيب الشأن. وقيل هما آدم ~~وولده. وقيل كل والد وولد. والكبد أصله من قولك كبد الرجل كبدا، فهو ~~أكبد إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة. # ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل كبته بمعى أهلكه. وأصله كبده، إذا أصاب ~~كبده. قال لبيد # يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في ~~كبد # أي في شدة الأمر وصعوبة الخطب. والضمير في { أيحسب } لبعض صناديد ~~قريش الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكابد منهم ما يكابد. ~~والمعنى أيظن هذا الصنديد القوي في قومه المتضعف للمؤمنين أن لن تقوم ~~قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما ~~يقوله في ذلك اليوم، وأنه يقول { أهلكت مالا لبدا } يريد كثرة ~~ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالي ومفاخر { ~~أيحسب أن لم يره أحد7 } حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس ~~وافتخارا بينهم، يعني أن الله كان يراه وكان عليه رقيبا. ويجوز أن يكون ~~الضمير للإنسان، على أن يكون المعنى أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه ~~أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرج برىء، فهو حقيق بأن أعظمه ~~بقسمي به { لقد خلقنا الإنسن فى كبد4 } أي في مرض وهو ~~مرض القلب وفساد الباطن، يريد الذين علم الله منهم ms2254 حين خلقهم أنهم لا ~~يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد هو أبو ~~الأشد، وكان قويا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول من أزالني ~~عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعا ويبقى موضع قدميه. وقيل الوليد بن ~~المغيرة «لبدا» قرىء بالضم والكسر جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد يريد ~~الكثرة وقرىء «لبدا» بضمتين جمع لبود. ولبدا بالتشديد جمع لا بد. ### || [90.8-16] # { ألم نجعل له عينين8 } يبصر بهما المرئيات { ولسانا ~~} يترجم به عن ضمائره { وشفتين } يطبقهما على فيه ويستعين بهما على ~~النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك { وهدينه النجدين } أي ~~طريقي الخير والشر. وقيل الثديين { فلا اقتحم العقبة } يعني ~~فلم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة من فك الرقاب وإطعام ~~اليتامى والمساكين، ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير بل ~~غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق ~~المرضي النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، ~~فيكون مثله # كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم... # آل عمران 117 الآية. فإن قلت قلما تقع «لا» الداخلة على الماضي إلا ~~مكرره، ونحو قوله # فأي أمر سيىء لا فعله # لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت هي متكررة في ~~المعنى لأن معنى { فلا اقتحم العقبة 11 } فلا فك رقبة، ولا ~~أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. وقال الزجاج قوله ثم ~~كان من الذين أمنوا يدل على معنى { فلا اقتحم العقبة 11 } ، ~~ولا آمن. والاقتحام الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة الشدة، وجعل ~~الصالحة عقبة، وعملها اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة ~~النفس. وعن الحسن عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه ~~الشيطان. وفك الرقبة تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث 1303 أن رجلا ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال # " تعتق النسمة وتفك الرقبة " # قال أو ليسا سواء؟ قال # " لا، ms2255 إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها أن تعين في تخليصها. من قود أو ~~غرم " # والعتق والصدقة من أفاضل الأعمال. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن العتق ~~أفضل من الصدقة.وعند صاحبيهالصدقة أفضل والآية أدل على قول أبي حنيفة ~~لتقديم العتق الصدقة وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة أيضعه في ذي قرابة، ~~أو يعتق رقبة؟ قال الرقبة أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال 1304 # " من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " # قرىء «فك رقبة أو إطعام» على هي فك رقبة، أو إطعام. وقرىء «فك رقبة» أو ~~أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله { ومآ أدراك ما ~~العقبة 12 } اعتراض، ومعناه أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس ~~وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة مفعلات من سغب إذا ~~جاع. وقرب في النسب، يقال فلان ذو قرابتي. وذو مقربتي. وترب إذا افتقر، ~~ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أي صار ذا مال كالتراب في ~~الكثرة، كما قيل أثري. 1305 وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ذا ~~متربة } الذي مأواه المزابل، ووصف اليوم بذي مسغبة نحو ما يقول ~~النحويون في قولهم هم ناصب ذو نصب. وقرأ الحسن «ذا مسغبة» نصبه بإطعام. ~~ومعناه أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة. ### || [90.17-20] # { ثم كان من الذين ءامنوا } جاء بثم لتراخي الإيمان ~~وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت لأن الإيمان ~~هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة ~~الرحمة، أي أوصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر ~~عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا ~~متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدي إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة اليمين ~~والشمال. أو اليمن والشؤم، أي الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهن. ~~قرىء «موصدة» بالواو والهمزة، من وصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وأغلقته. ~~وعن أبي بكر بن عياش لنا إمام يهمز مؤصدة فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته. ~~عن ms2256 رسول الله صلى الله عليه وسلم 1306 # " من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة ". ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # ضحاها ضؤوها إذا أشرقت وقام سلطانها ولذلك قيل وقت الضحى، كأن وجهه شمس ~~الضحى. وقيل الضحوة ارتفاع النهار. والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد ~~إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف { إذا تلها } طالعا عند غروبها ~~آخذا من نورها وذلك في النصف الأول من الشهر. وقيل إذا استدار فتلاها ~~في الضياء والنور { إذا جلها } عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن ~~الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل الضمير للظلمة، أو للدنيا، ~~أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم أصبحت باردة يريدون الغداة، وأرسلت ~~يريدون السماء إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق، فإن قلت الأمر في نصب ~~«إذا» معضل لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفة فتنصب بها وتجر، فتقع ~~في العطف على عاملين في نحو قولك مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن ~~تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت الجواب ~~فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحا كليا، فكان لها شأن ~~خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمة مقام ~~الفعل والباء سادة مسدهما معا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، ~~فحققن أن يكن عوامل على الفعل والجار جميعا، كما تقول ضرب زيد عمرا، ~~وبكر خالدا فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. جعلت ~~«ما» مصدرية في قوله { وما بنها } { وما طحها } { وما ~~سواها } وليس بالوجه لقوله { فألهمها } وما يؤدي إليه من فساد ~~النظم، والوجه أن تكون موصولة، وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، ~~كأنه قيل والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر ~~الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت لم نكرت ~~النفس؟ قلت فيه وجهان، أحدهما أن يريد نفسا خاصة من بين النفوس وهي نفس ~~آدم، كأنه قال وواحدة من النفوس. والثاني أن يريد كل نفس وينكر للتكثير ms2257 ~~على الطريقة المذكورة في قوله # علمت نفس # التكوير 14. ومعنى إلهام الفجور والتقوى إفهامهما وإعقالهما، وأن ~~أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما بدليل قوله { ~~قد أفلح من زكها 9 وقد خاب من دسها10 } فجعله ~~فاعل التزكية، والتدسية ومتوليهما والتزكية الإنمار والإعلاء بالتقوى. ~~والتدسية النقص والإخفاء بالفجوز. وأصل دسى دسس، كما قيل في تقضض تقضى. ~~وسئل ابن عباس عنه فقال أتقرأ # قد أفلح من تزكى # ، الأعلى 14 # وقد خاب من حمل ظلما # طه 111. وأما قول من زعم أن الضمير في زكى ودسى لله تعالى، وأن تأنيث ~~الراجع إلى من لأنه في معنى النفس فمن تعكيس القدرية الذين يوركون على ~~الله قدرا هو بريء منه ومتعال عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشة ~~ينسبونها إليه، فإن قلت فأين جواب القسم؟ قلت هو محذوف تقديره ليدمدمن ~~الله عليهم، أي على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ~~دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا. وأما { قد أفلح من زكها9 ~~} فكلام تابع لقوله { فألهمها فجورها وتقواها8 } على سبيل ~~الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء. ### || [91.11-15] # الباء في { بطغواها } مثلها في كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان ~~فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوا في ~~الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا امرأة خزيا وصديا، يعني فعلت ~~التكذيب بطغيانها، كما تقول ظلمني بجرءته على الله. وقيل كذبت بما أوعدت ~~به من عذابها ذي الطغوى كقوله # فأهلكوا بالطاغية # الحاقة 5، وقرأ الحسن «بطغواها» بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر { ~~إذ انبعث } منصوب بكذبت. أو بالطغوى. و { أشقها } قدار بن ~~سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا ~~أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال أشقوها، كما ~~تقول أفاضلهم. والضمير في { لهم } يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في ~~الشقاوة، لأن من تولى العقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. و { ناقة ~~الله } نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبي الصبي، بإضمار ~~ذروا أو أحذروا ms2258 عقرها { وسقيها } فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا ~~بها عليها { فكذبوه } فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا { ~~فدمدم عليهم } فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم ناقة ~~مدمومة إذا ألبسها الشحم { بذنبهم } بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم ~~بعاقبه الذنب، فعلى كل مذنب أن يعتبر ويحذر { فسواها } الضمير ~~للدمدمة، أي فسواها بينهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم { ولا ~~يخاف عقبها15 } أي عاقبتها وتبعتها كما يخاف كل معاقب من الملوك ~~فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى فسواها بالأرض. ~~أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشأم فلا ~~يخاف. وفي قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يخف. عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1307 # " من قرأ سورة الشمس، فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر ". ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-4] # المغشي إما الشمس من قوله # واليل إذا يغشها # الشمس 4 وإما النهار من قوله # يغشي الليل النهار # الرعد 3 وإما كل شيء يواريه بظلامه من قوله # إذا وقب # الفلق 3. { تجلى } ظهر بزوال ظلمة الليل. أو تبين وتكشف بطلوع ~~الشمس { وما خلق } والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر ~~والأنثى من ماء واحد، وقيل هما آدم عليه السلام وحواء. وفي قراءة النبي ~~صلى الله عليه وسلم «والذكر والأنثى». وقرأ ابن مسعود «والذي خلق الذكر ~~والأنثى». وعن الكسائي «وما خلق الذكر والأنثى بالجر على أنه بدل من محل ~~{ ما خلق } بمعنى وما خلقه الله، أي ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز ~~إضمار اسم الله لأنه معلوم لانفراده بالخلق. إذ لا خالق سواه. وقيل إن ~~الله لم يخلق خلقا من ذوي الأرواح ليس بذكر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل ~~أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة فلو حلف ~~بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرا ولا أنثى، وقد لقى خنثى مشكلا كان حانثا ~~لأنه في الحقيقة إما ذكرا أو أنثى، وإن كان مشكلا عندنا { شتى } ~~جمع شتيت، أي إن مساعيكم ms2259 أشتات مختلفة، وبيان اختلافها فيما فصل على ~~أثره. ### || [92.5-7] # { أعطى } يعني حقوق ماله { واتقى } الله فلم يعصه { وصدق ~~بالحسنى 6 } بالخصلة الحسنى وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى وهي ملة ~~الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة { فسنيسره لليسرى7 ~~} فسنهيؤه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله عليه ~~السلام 1308 # " كل ميسر لما خلق له " # والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها، من ~~قوله # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم # الأنعام125. ### || [92.8-11] # { واستغنى } وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه. أو ~~استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة { واتقى }. { ~~فسنيسره للعسرى } فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة ~~أعسر شيء عليه وأشده، من قوله # يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء # الأنعام 125 أو سمى طريقة الخير باليسرى، لأن عاقبتها اليسر وطريقة ~~الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقي الجنة والنار، أي ~~فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل نزلتا في أبي بكر رضي الله عنه، وفي ~~أبي سفيان بن حرب { وما يغنى عنه } استفهام في معنى الإنكار. أو ~~نفي { تردى } تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد الموت. أو تردى في ~~الحفرة إذا قبر، أو تردى في قعر جهنم. ### || [92.12-13] # { إن علينا للهدى } إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب ~~الدلائل وبيان الشرائع { وإن لنا للاخرة والأولى } أي ~~ثواب الدارين للمهتدي، كقوله # وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين # العنكبوت 27. ### || [92.14-21] # وقرأ أبو الزبير «تتلظى» فإن قلت كيف قال { لا يصلها إلا ~~الاشقى...... وسيجنبها الأتقى 17 }؟ وقد علم أن كل شقي ~~يصلاها، وكل تقي يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى ~~الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارا بعينها مخصوصة بالأشقى، ~~فما تصنع بقوله { وسيجنبها الأتقى17 }؟ فقد علم أن أفسق ~~المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت الآية واردة ~~في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن ms2260 ~~يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل الأشقى، وجعل مختصا بالصلي، كأن ~~النار لم تخلق إلا له. وقيل الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم ~~تخلق إلا له. وقيل هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر رضي الله عنه { ~~يتزكى } من الزكاء. أي يطلب أن يكون عند الله زاكيا، لا يريد به ~~رياء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. فإن قلت ما محل يتزكى؟ قلت هو على ~~وجهين إن جعلته بدلا من { يؤتى } فلا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، ~~والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير من { يؤتى } فمحله ~~النصب { ابتغاء وجه ربه } مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي ~~ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك ما في الدار أحد إلا ~~حمارا. وقرأ يحيى بن وثاب «إلا ابتغاء وجه ربه» بالرفع على لغة من يقول ~~ما في الدار أحد ألا حمار وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي حازم # أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها إلا الجآذر ~~والظلمان تختلف # وقول القائل # وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا ~~العيس # ويجوز أن يكون { ابتغاء وجه ربه } مفعولا له على المعنى، ~~لأن معنى الكلام لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمة { ~~ولسوف يرضى21 } موعد بالثواب الذي يرضيه ويقر عينه. وعن رسول ~~صلى الله عليه وسلم 1309 # " من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له ~~اليسر ". ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-3] # المراد بالضحى وقت الضحى، وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي شعاعها. ~~وقيل إنما خص وقت الضحى بالقسم، لأنها الساعة التي كلم فيها موسى عليه ~~السلام، وألقي فيها السحرة سجدا، لقوله # وأن يحشر الناس ضحى # طه 59 وقيل أريد بالضحى النهار، بيانه قوله # أن يأتيهم بأسنا ضحى # الأعراف 98 في مقابلة بياتا. { سجى } سكون وركد ظلامه. وقيل ليلة ~~ساجية ساكنة الريح. وقيل معناه سكن الناس والأصوات فيه. وسجا البحر سكنت ~~أمواجه. وطرف ساج ساكن فاتر «ما ودعك» جواب ms2261 القسم. ومعناه ما قطعك قطع ~~المودع. وقرىء بالتخفيف، يعني ما تركك. قال # وثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطراف ~~المثقفة السمر # والتوديع مبالغة في الودع لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك. روى ~~1310 أن الوحي قد تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فقال ~~المشركون إن محمدا ودعه ربه وقلاه. وقيل 1311 إن أم جميل امرأة أبي ~~لهب قالت له يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت. حذف الضمير من ~~قلى } كحذفه من الذاكرات في قوله # والذاكرين الله كثيرا والذاكرات # الأحزاب35 يريد والذاكراته ونحوه فآوى... فهدى... فأغنى وهو اختصار لفظي ~~لظهور المحذوف. ### || [93.4-5] # فإن قلت كيف اتصل قوله { وللأخرة خير لك من الأولى4 } ~~بما قبله؟ قلت لما كان في ضمن نفي التوديع والقلي أن الله مواصلك بالوحي ~~إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامة أعظم من ذلك ولا نعمة أجل منه أخبره ~~أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدم على جميع أنبياء ~~الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء ~~مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية { ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى } موعد شامل لما أعطاه الله في الدنيا من الفلج ~~والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجا، ~~والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، ~~وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن وهدم بأيديهم من ~~ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق ~~والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشو الدعوة واستيلاء المسلمين، ولما ~~ادخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله. قال ابن عباس رضي لله ~~عنهما له في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. فإن قلت ما هذه ~~اللام الداخلة على سوف؟ قلت هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، ~~والمبتدأ محذوف. تقديره ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في لا أقسم، أن ~~المعنى لأنا أقسم وذلك أنها لا ms2262 تخلو من أن تكون لام قسم أو ابتداء فلام ~~القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، فبقي أن تكون لام ~~ابتداء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر، فلا ~~بد من تقدير مبتدإ وخبر، وأن يكون أصله ولأنت سوف يعطيك. فإن قلت ما معنى ~~الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟ قلت معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن ~~تأخر، لما في التأخير من المصلحة. ### || [93.6-8] # عدد عليه نعمه وأياديه، وأنه لم يخله منها من أول تربيه وابتداء نشئه، ~~ترشيحا لما أراد به ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا ~~يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير والكرامة ولا يضيق صدره ولا يقل صبره. و ~~{ ألم يجدك } من الوجود الذي بمعنى العلم والمنصوبان مفعولا وجد. ~~والمعنى ألم تكن يتيما، وذلك أن أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة ~~أشهر وماتت أمه، وهو ابن ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، وعطفه الله ~~عليه فأحسن تربيته. ومن بدع التفاسير أنه من قولهم «درة يتيمة» وأن ~~المعنى ألم يجدك واحدا في قريش عديم النظير فآواك. وقرىء «فآوى» وهو على ~~معنيين إما من أواه بمعنى آواه. سمع بعض الرعاة يقول أين آوي هذه الموقسة ~~وإما من أوى له إذا رحمه { ضآلا } معناه الضلال عن علم الشرائع وما ~~طريقه السمع، كقوله # ما كنت تدرى ما الكتب # الشورى 52. وقيل ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فرده أبو جهل إلى عبد ~~المطلب. وقيل أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد ~~المطلب. وقيل ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، فهداك فعرفك القرآن ~~والشرائع. أو فأزال ضلالك عن جدك وعمك. ومن قال كان على أمر قومه أربعين ~~سنة، فإن أراد أنه كان على خلوهم عن العلوم السمعية، فنعم وإن أراد أنه ~~كان على دينهم وكفرهم، فمعاذ الله والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل ~~النبوة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل ~~بالصانع # ما ms2263 كان لنا أن نشرك بالله من شىء # يوسف 38 وكفى بالنبي نقيصه عند الكفار أن يسبق له كفر { عآئلا } ~~فقيرا. وقرىء «عيلا» كما قرىء سيحات. وعديما { فأغنى } فأغناك ~~بمال خديجة. أو بما أفاء عليك من الغنائم. قال عليه الصلاة السلام 1312 # " جعل رزقي تحت ظل رمحي " # وقيل قنعك وأغنى قلبك». ### || [93.9-11] # { فلا تقهر } فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه. وفي قراءة ابن مسعود ~~«فلا تكهر» وهو أن يعبس في وجهه. وفلان ذو كهرورة عابس الوجه. ومنه ~~الحديث 1313 # " فبأبي وأمي هو، ما كهرني " # النهر، والنهم الزجر. عن النبي صلى الله عليه وسلم 1314 # " إذا رردت السائل ثلاثا فلا يرجع، فلا عليك أن تزبره " # وقيل أما إنه ليس بالسائل المستجدي، ولكن طالب العلم إذا جاء فلا تنهره. ~~التحديث بنعمة الله شكرها وإشاعتها، يريد ما ذكره من نعمة الإيواء ~~والهداية والإغناء وما عدا ذلك. وعن مجاهد بالقرآن، فحدث أقرئه، وبلغ ما ~~أرسلت به. وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح يقول رزقني الله ~~البارحة خيرا قرأت كذا وصليت كذا، فإذا قيل له يا أبا فراس مثلك يقول ~~مثل هذا؟ قال يقول الله تعالى { وأما بنعمة ربك فحدث } ~~وأنتم تقولون لا تحدث بنعمة الله. وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف، ~~وأن يقتدي به غيره، وأمن على نفسه الفتنة. والستر أفضل. ولو لم يكن فيه ~~إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفي به. وفي قراءة علي رضي الله عنه ~~«فخبر» والمعنى أنك كنت يتيما، وضالا وعائلا، فآواك الله، وهداك ~~وأغناك فمهما يكن من شيء وعلى ما خيلت فلا تنس نعمة الله عليك في هذه ~~الثلاث. واقتد بالله، فتعطف على اليتيم وآوه، فقد ذقت اليتم وهوانه، ~~ورأيت كيف فعل الله بك وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن ~~بابك، كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر وحدث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته ~~هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتديا بالله في أن هداه من ~~الضلال. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1315 ms2264 # " من قرإ سورة الضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن يشفع له وعشر حسنات ~~يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل ". ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-4] # استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، ~~فكأنه قيل شرحنا لك صدرك ولذلك عطف عليه وضعنا اعتبارا للمعنى. ومعنى ~~شرحنا صدرك فسحناه حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين جميعا. أو حتى ~~احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم أو فسحناه بما أودعناه ~~من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. ~~وعن الحسن مليء حكمة وعلما. وعن أبي جعفر المنصور أنه قرأ «ألم نشرح لك» ~~بفتح الحاء. وقالوا لعله بين الحاء وأشبعها في مخرجها، فظن السامع أنه ~~فتحها، والوزر الذي أنقض ظهره - أي حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض ~~والانفكاك لثقله - مثل لما كان يثقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويغمه من فرطاته قبل النبوة. أو من جهله بالأحكام والشرائع. أو من ~~تهالكه على إسلام أولي العناد من قومه وتلهفه. ووضعه عنه أن غفر له، أو ~~علم الشرائع، أو مهد عذره بعد ما بلغ وبلغ. وقرأ أنس «وحللنا» حططنا. ~~وقرأ ابن مسعود «وحللنا عنك وقرك». ورفع ذكره أن قرن بذكر الله في كلمة ~~الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب، وفي غير موضع من القرآن # والله ورسوله أحق أن يرضوه # التوبة 62، # ومن يطع الله ورسوله # النساء 13، # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول # المائدة 92 وفي تسميته رسول الله ونبي الله ومنه ذكره في كتب الأولين، ~~والأخذ على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به، فإن قلت أي فائدة في زيادة ~~لك، والمعنى مستقل بدونه؟ قلت في زيادة لك ما في طريقة الإبهام والإيضاح، ~~كأنه قيل ألم نشرح لك، ففهم أن ثم مشروحا، ثم قيل صدرك، فأوضح ما علم ~~مبهما، وكذلك { لك ذكرك } و { عنك وزرك }. ### || [94.5-6] # فإن قلت كيف تعلق قوله { فإن مع العسر يسرا } بما قبله؟ ~~قلت كان المشركون يعيرون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالفقر ~~والضيقة، ms2265 حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله ~~واحتقارهم، فذكره ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال { فإن مع ~~العسر يسرا 5 } كأنه قال خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله، ~~فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا. فإن قلت { إن مع } للصحبة، فما ~~معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي ~~كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر، ~~زيادة في التسلية وتقوية القلوب. فإن قلت ما معنى قول ابن عباس وابن ~~مسعود رضي الله عنهما لن يغلب عسر يسرين وقد روي مرفوعا 1316 أنه خرج ~~صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول # " لن يغلب عسر يسرين " # قلت هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوه الرجاء، وأن موعد الله لا يحمل ~~إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول في أنه يحتمل أن تكون ~~الجملة الثانية تكريرا للأولى كما كرر قوله # ويل يومئذ للمكذبين # الطور 11 لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، وكما تكرر المفرد ~~في قولك جاءني زيد زيد، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا ~~محالة، والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر، فهما يسران على ~~تقدير الاستئناف، وإنما كان العسر واحدا لأنه لا يخلو، إما أن يكون ~~تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو لأن حكمه حكم زيد في ~~قولك إن مع زيد مالا، إن مع زيد مالا. وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه ~~لك كل أحد فهو هو أيضا. وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان ~~الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد تناول بعضا غير البعض الأول بغير ~~إشكال. فإن قلت فما المراد باليسرين؟ قلت يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم ~~من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام ~~الخلفاء، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة، كقوله تعالى # قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين # التوبة ms2266 52 وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب. فإن قلت فما معنى هذا التنكير؟ ~~قلت التفخيم، كأنه قيل إن مع العسر يسرا عظيما وأي يسر، وهو في مصحف ~~ابن مسعود مرة واحدة. فإن قلت فإذا ثبت في قراءته غير مكرر، فلم قال ~~والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن ~~يغلب عسر يسرين؟ قلت كأنه قصد باليسرين ما في قوله { يسرا } من معنى ~~التفخيم، فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة. ### || [94.7-8] # فإن قلت فكيف تعلق قوله { فإذا فرغت فانصب 7 } بما قبله؟ قلت ~~لما عدد عليه نعمه السالفة ووعده الآنفة، بعثه على الشكر والاجتهاد في ~~العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ويتابع ويحرص على أن لا ~~يخلي وقتا من أوقاته منها، فإذا فرغ من عبادة ذنبها بأخرى. وعن ابن عباس ~~فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء. وعن الحسن فإذا فرغت من الغزو ~~فاجتهد في العبادة. وعن مجاهد فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك. وعن ~~الشعبي أنه رأى رجلا يشيل حجرا فقال ليس بهذا أمر الفارغ، وقعود الرجل ~~فارغا من غير شغل أو اشتغاله بما لا يعينه في دينه أو دنياه من سفه ~~الرأي وسخافة العقل واستيلاء الغفلة، ولقد قال عمر رضي الله عنه إني ~~لأكره أن أرى أحدكم فارغا سهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة. وقرأ ~~أبو السمال فرغت - بكسر الراء - وليست بفصيحة. ومن البدع ما روى عن بعض ~~الرافضة أنه قرأ «فانصب» بكسر الصاد، أي فانصب عليا للإمامة ولو صح هذا ~~للرافضي لصح للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمرا بالنصب الذي هو بغض ~~علي وعداوته { وإلى ربك فارغب8 } واجعل رغبتك إليه خصوصا، ~~ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه. وقرىء «فرغب» أي رغب الناس إلى طلب ما ~~عنده. عن النبي صلى الله عليه وسلم 1317 # " من قرأ ألم نشرح، فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني ". ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-8] # أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين أصناف الأشجار ms2267 المثمرة، وروي 1318 أنه ~~أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه ~~«كلوا، فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا ~~عجم، فكلوها. فإنها تقطع البواسير وتنفع من النقرس». ومر معاذ بن جبل ~~بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به وقال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول 1319 # " نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة " # وسمعته يقول # " هي سواكي وسواك الأنبياء قبلي " # وعن ابن عباس رضي الله عنه هو تينكم هذا وزيتونكم. وقيل جبلان من الأرض ~~المقدسة يقال لهما بالسريانية طورتينا وطورزيتا، لأنهما منبتا التين ~~والزيتون. وقيل «التين» جبال ما بين حلوان وهمذان. و «الزيتون» جبال ~~الشام، لأنها منابتهما، كأنه قيل ومنابت التين والزيتون. وأضيف الطور وهو ~~الجبل، إلى سنين وهي البقعة. ونحو سينون، يبرون، في جواز الإعراب بالواو ~~والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب. والبلد مكة ~~حماها الله. والأمين من أمن الرجل أمانة فهو أمين. وقيل أمان، كما قيل ~~كرام في كريم. وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ~~ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، من أمنه لأنه مأمون الغوائل، كما وصف ~~بالأمن في قوله تعالى # حرما آمنا # القصص 57 بمعنى ذي أمن ومعنى القسم بهذه الأشياء الإبانة عن شرف البقاع ~~المباركة وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين. فمنبت ~~التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور المكان الذي ~~نودي منه موسى. ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين، ومولد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومبعثه { فى أحسن تقويم } في أحسن تعديل ~~لشكله وصورته وتسوية لأعضائه. ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك ~~الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل خلقا وتركيبا، ~~يعني أقبح من قبح صورة وأشوهه خلقة، وهم أصحاب النار أو أسفل من سفل من ~~أهل الدركات. أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل ms2268 في حسن ~~الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره ~~بعد سواده، وتشنن جلده وكان بضا وكل سمعه وبصره وكانا حديدين، وتغير ~~كل شيء منه فمشيه دليف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف وقرأ عبد ~~الله «أسفل السافلين». فإن قلت فكيف الاستثناء على المذهبين؟ قلت هو على ~~الأول متصل ظاهر الاتصال، وعلى الثاني منقطع. يعني ولكن الذين كانوا ~~صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على ابتلاء ~~الله بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل ~~نهوضهم. # فإن قلت { فما يكذبك } من المخاطب به؟ قلت هو خطاب للإنسان على ~~طريقة الالتفات، أي فما يجعلك كاذبا بسبب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل، ~~يعني أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، لأن كل مكذب بالحق فهو كاذب، فأي شيء ~~يضطرك إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيب الجزاء. والباء مثلها في قوله تعالى # الذين يتولونه والذين هم به مشركون # النحل 100 والمعنى أن خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه بشرا سويا ~~وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ ~~أرذل العمر لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر من ~~الإنسان على هذا كله لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك أيها الإنسان ~~بالجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { أليس الله بأحكم الحكمين8 } وعيد للكفار، وأنه ~~يحكم عليهم بما هم أهله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1320 أنه كان إذا ~~قرأها قال # " بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1321 # " من قرأ سورة التين أعطاه الله خصلتين العافية واليقين ما دام في دار ~~الدنيا، وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة ". ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # عن ابن عباس ومجاهد هي أول سورة نزلت وأكثر المفسرين على أن الفاتحة أول ~~ما نزل ثم سورة القلم. محل { باسم ربك } النصب على الحال، أي ms2269 اقرأ ~~مفتتحا باسم ربك، قل بسم الله، ثم اقرأ. فإن قلت كيف قال { خلق } فلم ~~يذكر له مفعولا، ثم قال { خلق الإنسن }؟ قلت هو على وجهين إما ~~أن لا يقدر له مفعول وأن يراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا ~~خالق سواه. وإما أن يقدر ويراد خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق، لأنه ~~مطلق، فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. وقوله { خلق ~~الإنسن } تخصيص للإنسان بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لأن التنزيل ~~إليه وهو أشرف ما على الأرض. ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان، كما قال # الرحمن علم القرءان خلق الإنسن # الرحمن 1 - 2 - 3 فقيل { الذى خلق } مبهما، ثم فسره بقوله { ~~خلق الإنسن } تفخيما لخلق الإنسان. ودلالة على عجيب فطرته. فإن ~~قلت لم قال { من علق } على الجمع، وإنما خلق من علقة، كقوله # من نطفة ثم من علقة # ؟ غافر 67 قلت لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله # إن الإنسن لفى خسر # العصر 2. { الأكرم } الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كرم، ينعم ~~على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم ~~وجحودهم لنعمه وركوبهم المناهي وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز ~~عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم ~~بإفادة الفوائد العلمية تكرم، حيث قال الأكرم { الأكرم الذى ~~علم بالقلم 4 علم الإنسن ما لم يعلم5 } فدل ~~على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى ~~نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا ~~يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار ~~الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ولولا هي لما ~~استقامت أمور الدين والدنيا ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره ~~ودليل إلا أمر القلم والخط، لكفى به. ولبعضهم في صفة القلم # ورواقم رقش كمثل أراقم قطف الخطا نيالة ~~أقصى المدى سود القوائم ما يجد ms2270 مسيرها إلا ~~إذا لعبت بها بيض المدى # وقرأ ابن الزبير «علم الخط بالقلم». ### || [96.6-19] # { كلا } ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة ~~الكلام عليه { أن رءاه } أن رأى نفسه. يقال في أفعال القلوب رأيتني ~~وعلمتني، وذلك بعض خصائصها. ومعنى الرؤية العلم، ولو كانت بمعنى الإبصار ~~لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. و { استغنى } هو المعفول ~~الثاني { إن إلى ربك الرجعى } واقع على طريقة الالتفات ~~إلى الإنسان، تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان. والرجعى مصدر ~~كالبشرى بمعنى الرجوع. وقيل نزلت في أبي جهل. وكذلك { أرءيت الذى ~~ينهى9 } وروي 1322 أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتزعم أن ~~من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال مكة فضة وذهبا، لعلنا نأخذ منها فنطغى ~~فندع ديننا ونتبع دينك، فنزل جبريل فقال إن شئت فعلنا ذلك، ثم إن لم ~~يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة، فكف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الدعاء إبقاء عليهم. وروي عنه لعنه الله أنه قال 1323 هل يعفر ~~محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم. قال فوالذي يحلف به، لئن رأيته توطأت ~~عنقه، فجاءه ثم نكص على عقبيه، فقالوا له مالك يا أبا الحكم، فقال إن ~~بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة { أرءيت الذى ينهى9 ~~} ومعناه أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على ~~طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله. أو كان آمرا بالمعروف والتقوى ~~فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك إن كان على التكذيب للحق ~~والتولي عن الدين الصحيح، كما نقول نحن { ألم يعلم بأن الله ~~يرى14 } ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك. وهذا ~~وعيد. فإن قلت ما متعلق أرأيت؟ قلت الذي ينهى مع الجملة الشرطية، وهما في ~~موضع المفعولين. فإن قلت فأين جواب الشرط؟ قلت هو محذوف، تقديره إن كان ~~على الهدى أو أمر بالتقوى، ألم يعلم بأن الله يرى؟ وإنما حذف لدلالة ذكره ~~في جواب ms2271 الشرط الثاني. فإن قلت فكيف صح أن يكون { ألم يعلم } ~~جوابا للشرط؟ قلت كما صح في قولك إن أكرمتك أتكرمني؟ وإن أحسن إليك زيد ~~هل تحسن إليه؟ فإن قلت فما أرأيت الثانية وتوسطها بين مفعول أرأيت؟ قلت ~~هي زائدة مكررة للتوكيد. وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن ~~الصلاة { كلا } ردع لأبي جهل وخسوء له عن نهيه عن عبادة الله تعالى ~~وأمره بعبادة اللات، ثم قال { لئن لم ينته } عما هو فيه { ~~لنسفعا بالناصية } لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار. ~~والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة. قال عمرو بن معديكرب # قوم إذا يقع الصريخ رأيتهم من بين ملجم ~~مهره أو سافع # وقرىء «لنسفعن» بالنون المشددة. وقرأ ابن مسعود لأسفعا. وكتبتها في ~~المصحف بالألف على حكم الوقف، ولما علم أنها ناصية المذكور، اكتفى بلام ~~العهد عن الإضافة { ناصية } بدل من الناصية وجاز بدلها عن المعرفة، ~~وهي نكرة لأنها وصفت فاستقلت بفائدة. وقرىء «ناصية» على هي ناصية، وناصية ~~بالنصب. وكلاهما على الشتم. ووصفها بالكذب والخطأ على الإسناد المجازي. ~~وهما في الحقيقة لصاحبها. وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية ~~كاذب خاطىء. والنادي المجلس الذي ينتدى فيه القوم. أي يجتمعون. والمراد ~~أهل النادي. كما قال جرير # لهم مجلس صهب السبال أذلة # وقال زهير # وفيهم مقامات حسان وجوههم # والمقامة المجلس. روى 1324 أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يصلي فقال ألم أنهك؟ فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال # " أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا " # ، فنزلت. وقرأ ابن أبي عبلة «سيدعى الزبانية» على البناء للمفعول، ~~والزبانية في كلام العرب الشرط، الواحدة، زبنية، كعفرية، من الزبن وهو ~~الدفع. وقيل زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم أمسى وأصله ~~زباني، فقيل زبانية على التعويض والمراد ملائكة العذاب. وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 1325 # " لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا " # { كلا } ردع لأبي جهل { لا تطعه } أي اثبت على ما أنت عليه ms2272 من ~~عصيانه، كقوله # فلا تطع المكذبين # القلم 8. { واسجد } ودم على سجودك، يريد الصلاة { واقترب } ~~وتقرب إلى ربك. وفي الحديث 1326 # " أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1327 # " من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله ". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصا به ~~دون غيره والثاني أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة ~~والاستغناء عن التنبيه عليه والثالث الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه. ~~روي أنه أنزل جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء ~~الدنيا. وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة. وعن الشعبي المعنى إنا ابتدأنا ~~إنزاله في ليلة القدر واختلفوا في وقتها فأكثرهم على أنها في شهر رمضان ~~في العشر الأواخر في أوتارها. وأكثر القول أنها السابعة منها ولعل الداعي ~~إلى إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلبا لموافقتها، فتكثر ~~عبادته ويتضاعف ثوابه، وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل ~~فيها فيفرطوا في غيرها. ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها، ~~من قوله تعالى # فيها يفرق كل أمر حكيم # الدخان 4 وقيل سميت بذلك لخطرها وشرفها على سائر الليالي { وما ~~أدراك ما ليلة القدر } يعني ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ~~ومنتهى علو قدرها، ثم بين ذلك بأنها خير من ألف شهر، وسبب ارتقاء فضلها ~~إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من المصالح الدينية التي ذكرها من تنزل ~~الملائكة والروح، وفصل كل أمر حكيم، وذكر في تخصيص هذه المدة 1328 أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في ~~سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ~~ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له ~~عابد حتى يعبد الله ms2273 ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا ~~عابدين من أولئك العباد { تنزل } إلى السماء الدنيا، وقيل إلى الأرض ~~{ والروح } جبريل. وقيل خلق من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك ~~الليلة { من كل أمر } أي تتنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة ~~إلى قابل. وقرىء «من كل امرىء» أي من أجل كل إنسان. وقيل لا يلقون مؤمنا ~~ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة { سلم هى } ما هي إلا ~~سلامة، أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضي في غيرها بلاء ~~وسلامة. أو ما هي ألا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين. وقرىء «مطلع» ~~بفتح اللام وكسرها. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1329 # " من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر ". ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-8] # كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث ~~النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال { وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتب } يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة ~~والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على ~~الكفر إلا مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ونظيره في الكلام أن يقول ~~الفقير الفاسق لمن يعظه لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، ~~فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقا، فيقول واعظه لم تكن منفكا عن الفسق حتى ~~توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار يذكره ما كان يقوله ~~توبيخا وإلزاما. وانفكاك الشيء من الشيء. أن يزايله بعد التحامه به، ~~كالعظم إذا انفك من مفصله والمعنى أنهم متشبثون بدينهم ا يتركونه إلا ~~عند مجيء البينة. و { البينة } الحجة الواضحة. و { رسول } بدل ~~من البينة. وفي قراءة عبد الله «رسولا» حالا من البينة { صحفا } ~~قراطيس { مطهرة ms2274 } من الباطل { فيها كتب } مكتوبات { ~~قيمة } مستقيمة ناطقة بالحق والعدل والمراد بتفرقهم تفرقهم عن الحق ~~وانقشاعهم عنه. أو تفرقهم فرقا فمنهم من آمن، ومنهم من أنكر، وقال ليس ~~به ومنهم من عرف وعاند. فإن قلت لم جمع بين أهل الكتاب والمشركين أولا ~~ثم أفرد أهل الكتاب في قوله { وما تفرق الذين أوتوا ~~الكتب }؟ قلت لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا ~~بالتفرق عنه كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف { وما أمروا } ~~يعني في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا { ~~وذلك دين القيمة } أي دين الملة القيمة. وقرىء «وذلك الدين ~~القيمة» على تأويل الدين بالملة. فإن قلت ما وجه قوله { وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله }؟ قلت معناه وما أمروا بما في الكتابين ~~إلا لأجل أن يعبدوا الله على هذه الصفة. وقرأ ابن مسعود «إلا أن ~~يعبدوا»، بمعنى بأن يعبدوا. قرأ نافع «البريئة» بالهمز والقراء على ~~التخفيف. والنبي، والبرية مما استمر الاستعمال على تخفيفه ورفض الأصل ~~وقرىء «خيار البرية» جمع خير، كجياد وطياب في جمع جيد وطيب. عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم 1330 # " من قرأ لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقبلا ". ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-8] # «زلزالها» قرىء بكسر الزاي وفتحها فالمكسور مصدر، والمفتوح اسم وليس في ~~الأبنية فعلال بالفتح إلا في المضاعف. فإن قلت ما معنى زلزالها ~~بالإضافة؟ قلت معناه زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة وهو مشيئة الله، وهو ~~الزلزال الشديد الذي ليس بعده. ونحوه قولك أكرم التقي إكرامه، وأهن ~~الفاسق إهانته، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة أو زلزالها كله ~~وجميع ما هو ممكن منه. الأثقال جمع ثقل. وهو متاع البيت، وتحمل أثقالكم ~~جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها { وقال الإنسن ما لها ~~} زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها وذلك عند النفخة الثانية ~~حين تزلزل وتلفظ أمواتها أحياء، فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع، ~~كما يقولون # من بعثنا من مرقدنا # يس52. وقيل ms2275 هذا قول الكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث فأما المؤمن فيقول # هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون # يس52. فإن قلت ما معنى تحديث الأرض والإيحاء لها؟ قلت هو مجاز عن إحداث ~~الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، حتى ينظر من ~~يقول ما لها إلى تلك الأحوال، فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات؟ وأن هذا ~~ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذرون منه. وقيل ينطقها الله على الحقيقة. ~~وتخبر بما عمل عليها من خير وشر. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~1331 # " تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها " # فإن قلت إذا، ويومئذ ما ناصبهما؟ قلت { يومئذ } بدل من إذا، ~~وناصبهما { تحدث }. ويجوز أن ينتصب إذا بمضمر، و { يومئذ } ~~بتحدث. فإن قلت أين مفعولا تحدث؟ قلت قد حذف أولهما، والثاني أخبارها، ~~وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر ~~الخلق تعظيما لليوم. فإن قلت بم تعلقت الباء في قوله { بأن ربك ~~}؟ قلت بتحدث، معناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها ~~بالتحديث. ويجوز أن يكون المعنى يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى لها ~~أخبارها، على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول ~~نصحتني كل نصيحة، بأن نصحتني في الدين. ويجوز أن يكون { بأن ربك ~~} بدلا من { أخبارها } كأنه قيل يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى ~~لها لأنك تقول حدثته كذا وحدثته بكذا، و { أوحى لها } بمعنى أوحى ~~إليها، وهو مجاز كقوله # أن نقول له كن فيكون # النحل 40 قال # أوحى لها القرار فاستقرت # وقرأ ابن مسعود «تنبىء أخبارها». وسعيد بن جبير تنبىء، بالتخفيف. يصدرون ~~عن مخارجهم من القبور إلى الموقف { أشتاتا } بيض الوجوه آمنين وسود ~~الوجوه فزعين. أو يصدرون عن الموقف أشتاتا يتفرق بهم طريقا الجنة ~~والنار، ليروا جزاء أعمالهم. # وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم «ليروا» بالفتح. وقرأ ابن عباس ~~وزيد بن علي «يره» بالضم. ويحكى أن أعرابيا أخر { خيرا يره } ~~فقيل له قدمت وأخرت فقال ms2276 # خذا بطن هرشى أو قفاها فإن كلا جانبي هرشى ~~لهن طريق # والذرة النملة الصغيرة، وقيل «الذر» ما يرى في شعاع الشمس من الهباء. ~~فإن قلت حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوة باجتناب ~~الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذر من الخير والشر؟ قلت المعنى فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا من فريق السعداء. ومن يعمل مثقال ذرة شرا من ~~فريق الأشقياء لأنه جاء بعد قوله { يصدر الناس أشتاتا }. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1332 # " من قرأ سورة إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله ". ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-11] # أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح. والضبح صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن ~~عباس أنه حكاه فقال أح أح. قال عنترة # والخيل تكدح حين تض بح في حياض الموت ~~ضبحا # وانتصاب ضبحا على يضبحن ضبحا، أو بالعاديات، كأنه قيل والضابحات لأن ~~الضبح يكون مع العدو. أو على الحال، أي ضابحات { فالموريت } توري ~~نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها { قدحا } قادحات صاكات بحوافرها ~~الحجارة. والقدح الصك. والإيراء إخراج النار. تقول قدح فأورى، وقدح ~~فأصلد، وانتصب قدحا بما انتصب به ضبحا { فالمغيرت } تغير على ~~العدو { صبحا } في وقت الصبح { فأثرن به نقعا 4 } فهيجن ~~بذلك الوقت غبارا { فوسطن به } بذلك الوقت، أو بالنقع، أي وسطن ~~النقع الجمع. أو فوسطن ملتبسات به { جمعا } من جموع الأعداء. ووسطه ~~بمعنى توسطه. وقيل الضمير لمكان الغارة. وقيل للعدو الذي دل عليه { ~~والعديت } ويجوز أن يراد بالنقع الصياح، من قوله عليه الصلاة ~~والسلام 1333 # " ما لم يكن نقع ولا لقلقة " # وقول لبيد # فمتى ينقع صراخ صادق # أي فهيجن في المغاز عليهم صياحا وجلبة. وقرأ أبو حيوة «فأثرن» ~~بالتشديد، بمعنى فأظهرن به غبارا لأن التأثير فيه معنى الإظهار. أو قلب ~~ثورن إلى وثرن، وقلب الواو همزة، وقرىء «فوسطن» بالتشديد للتعدية. ~~والباء مزيدة للتوكيد، كقوله # وأتوا به # البقرة 25 وهي مبالغة في وسطن. وعن ابن عباس 1334 كنت جالسا في الحجر ~~فجاء رجل فسألني عن { والعديت ضبحا1 } ففسرتها ms2277 بالخيل، فذهب ~~إلى علي وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت فقال ادعه لي، فلما ~~وقفت على رأسه قال تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول ~~غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس الزبير وفرس للمقداد { ~~العديت ضبحا1 } الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة ~~إلى منى فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل، كما استعير المشافر ~~والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والثغر للثورة وما أشبه ذلك. وقيل ~~الضبح لا يكون إلا للفرس والكلب والثعلب. وقيل الضبح بمعنى الضبع، يقال ~~ضبحت الإبل وضبعت إذا مدت أضباعها في السير، وليس بثبت. وجمع هو ~~المزدلفة. فإن قلت علام عطف فأثرن؟ قلت على الفعل الذي وضع اسم الفاعل ~~موضعه لأن المعنى واللاتي عدون فأورين، فأغرن فأثرن. الكنود الكفور. ~~وكند النعمة كنودا. ومنه سمي كندة، لأنه كند أباه ففارقه. وعن الكلبي ~~الكنود بلسان كندة العاصي، وبلسان بني مالك البخيل، وبلسان مضر وربيعة ~~الكفور، يعني أنه لنعمة ربه خصوصا لشديد الكفران لأن تفريطه في شكر نعمة ~~غير الله تفريط قريب لمقاربة النعمة، لأن أجل ما أنعم به على الإنسان من ~~مثله نعمة أبويه، ثم إن عظماها في جنب أدنى نعمة الله قليلة ضئيلة { ~~وإنه } وإن الإنسان { على ذلك } على كنوده { لشهيد } يشهد على ~~نفسه ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره. # وقيل وإن الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد { الخير } المال من ~~قوله تعالى # إن ترك خيرا # البقرة 180 والشديد البخيل الممسك. يقال فلان شديد ومتشدد. قال طرفة # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال ~~الفاحش المتشدد # يعني وإنه لأجل حب المال وأن إنفاقه يثقل عليه لبخيل ممسك. أو أراد ~~بالشديد القوي، وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب ~~عبادة الله وشكر نعمته ضعيف متقاعس. تقول هو تشديد لهذا الأمر، وقوي له ~~إذا كان مطيقا له ضابطا. أو أراد أنه لحب الخيرات غير هش منبسط، ولكنه ~~شديد منقبض { بعثر } بعث. وقرىء «بحثر» وبحث، وبحثر. ms2278 وحصل على ~~بنائهما للفاعل. وحصل بالتخفيف. ومعنى حصل جمع في الصحف، أي أظهر محصلا ~~مجموعا. وقيل ميز بين خيره وشره. ومنه قيل للمنخل المحصل. ومعنى علمه ~~بهم يوم القيامة مجازاته لهم على مقادير أعمالهم لأن ذلك أثر خبره بهم. ~~وقرأ أبو السمال «إن ربهم بهم يومئذ خبير». عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم 1335 # " من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة ~~وشهد جمعا " ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-11] # الظرف نصب بمضمر دلت عليه القارعة، أي تقرع { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث4 } شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف ~~والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير الفراش إلى النار. ~~قال جرير # إن الفرذدق ما علمت وقومه مثل الفراش ~~غشين نار المصطلي # وفي أمثالهم أضعف من فراشة وأذل وأجهل. وسمى فراشا لتفرشه وانتشاره. ~~وشبه الجبال بالعهن وهو الصوف المصبغ ألوانا لأنها ألوان، وبالمنفوش منه ~~لتفرق أجزائها. وقرأ ابن مسعود «كالصوف». الموازين جمع موزون وهو العمل ~~الذي له وزن وخطر عند الله. أو جمع ميزان. وثقلها رجحانها. ومنه حديث أبي ~~بكر لعمر رضي الله عنهما في وصيته له «وإنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينهم يوم القيامة باتباعهم الحق وثقلها في الدنيا، وحق لميزان لا ~~توضع فيه إلا الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه ~~لاتباعهم الباطل وخفتها في الدنيا، وحق لميزان لا توضع فيه إلا السيئات ~~أن يخف» { فأمه هاوية9 } من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة ~~هوت أمه لأنه إذا هوى أي سقط وهلك، فقد هوت أمه ثكلا وحزنا قال # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يرد ~~الليل حين يئوب # فكأنه قيل وأما من خفت موازينه فقد هلك. وقيل { هاوية } من أسماء ~~النار، وكأنها النار العميقة لهوي أهل النار فيها مهوى بعيدا، كما روي ~~1336 «يهوي فيها سبعين خريفا» أي فمأواه النار. وقيل للمأوى أم، على ~~التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه. وعن قتادة فأمه هاوية، أي فأم ~~رأسه هاوية في ms2279 قعر جهنم، لأنه يطرح فيها منكوسا هيه ضمير الداهية التي ~~دل عليها قوله { فأمه هاوية9 } في التفسير الأول. أو ضمير ~~هاوية والهاء للسكت، وإذا وصل القارىء حذفها. وقيل حقه أن لا يدرج لئلا ~~يسقطها الإدراج، لأنها ثابتة في المصحف. وقد اجيز إثباتها مع الوصل. عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم 1337 # " من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة ". ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # ألهاه عن كذا وأقهاه إذا شغله. و { التكاثر } التباري في الكثرة ~~والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء نحن أكثر، وهؤلاء نحن أكثر. روي أن بني عبد ~~مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عددا، فكثرهم بنو عبد مناف فقالت بنو ~~سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات، فكثرتهم ~~بنو سهم. والمعنى أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى ~~المقابر فتكاثرتم بالأموات عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر ~~تهكما بهم. وقيل كانوا يزورون المقابر فيقولون هذا قبر فلان وهذا قبر ~~فلان عند تفاخرهم. والمعنى ألهاكم ذلك - وهو مما لا يعينكم ولا يجدي ~~عليكم في دنياكم وآخرتكم - عما يعينكم من أمر الدين الذي هو أهم وأعني من ~~كل مهم. أو أراد ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم. ~~منفقين أعماركم في طلب الدنيا والاستباق إليها والتهالك عليها، إلى أن ~~أتاكم الموت لا هم لكم غيرها، عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم والعمل ~~لآخرتكم. وزيارة القبور عبارة عن الموت. قال # لن يخلص العام خليل عشرا ذاق الضماد أو ~~يزور القبرا # وقال # زار القبور أبو مالك فأصبح ألأم زوارها # وقرأ ابن عباس «أألهاكم»؟ على الاستفهام الذي معناه التقرير { كلا } ~~ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا ~~يهتم بدينه { سوف تعلمون } إنذار ليخافوا فيتنبهوا من غفلتهم. ~~والتكرير تأكيد للردع والأنذار عليهم. و ثم دلالة على أن الإنذار الثاني ~~أبلغ من الأول وأشد، كما تقول للمنصوح أقول لك ثم أقول لك لا تفعل، ~~والمعنى سوف تعلمون الخطأ فيما ms2280 أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول ~~لقاء الله، وإن هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. ثم كرر التنبيه ~~أيضا وقال { لو تعلمون } محذوف الجواب، يعني لو تعلمون ما بين ~~أيديكم علم الأمر اليقين، أي كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور التي وكلتم ~~بعملها هممكم لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه ولكنكم ضلال جهلة ثم قال { ~~لترون الجحيم6 } فبين لهم ما أنذرهم منه وأوعدهم به وقد مر ما ~~في إيضاح الشيء بعد إبهامه من تفخيمه وتعظيمه، وهو جواب قسم محذوف، ~~والقسم لتوكيد الوعيد، وأن ما أوعدوا به ما لا مدخل فيه للريب وكرره ~~معطوفا بثم تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل. وقرىء «لترؤن» بالهمز ~~وهي مستكرهة. فإن قلت لم استكرهت والواو المضمومة قلبها همزة قياس ~~مطرد؟ قلت ذاك في الواو التي ضمتها لازمة، وهذه عارضة لالتقاء الساكنين. ~~وقرىء «لترون» ولترونها على البناء للمفعول { عين اليقين } أي ~~الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصته. # ويجوز أن يراد بالرؤية العلم والإبصار { عن النعيم } عن اللهو ~~والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. فإن قلت ما النعيم ~~الذي يسئل عنه الإنسان ويعاتب عليه؟ فما من أحد إلا وله نعيم؟ قلت هو ~~نعيم من عكف همته على استيفاء اللذات، ولم يعش إلا ليأكل الطيب ويلبس ~~اللين، ويقطع أوقاته باللهو والطرب، لا يعبأ بالعلم والعمل، ولا يحمل ~~نفسه مشاقهما فأما من تمتع بنعمة الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا ~~لعباده، وتقوى بها على دراسة العلم والقيام بالعمل، وكان ناهضا بالشكر ~~فهو من ذاك بمعزل وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي ~~1338 أنه أكل هو وأصحابه تمر وشربوا عليه ماء فقال # " الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين " # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1339 # " من قرأ ألهاكم التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في ~~دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية ". ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # أقسم بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى والصلاة الوسطى صلاة ms2281 العصر، ~~في مصحف حفصة. وقوله عليه الصلاة والسلام 1340 # " من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله " # ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر ~~النهار، واشتغالهم بمعايشهم. أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيهما ~~جميعا من دلائل القدرة. أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب. ~~والإنسان للجنس. والخسر الخسران، كما قيل الكفر في الكفران. والمعنى أن ~~الناس في خسران من تجارتهم إلا الصالحين وحدهم، لأنهم اشتروا الآخرة ~~بالدنيا، فربحوا وسعدوا، ومن عداهم تجروا خلاف تجارتهم، فوقعوا في ~~الخسارة والشقاوة { وتواصوا بالحق } بالأمر الثابت الذي لا ~~يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته، واتباع كتبه ورسله، ~~والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة { وتواصوا بالصبر } عن ~~المعاصي وعلى الطاعات، على ما يبلو الله به عباده. عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " من قرأ سورة والعصر غفر الله له وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر ~~". ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # الهمز الكسر، كالهرم. واللمز الطعن. يقال لمزه لهزه طعنه، والمراد الكسر ~~من أعراض الناس والغض منهم، واغتيابهم والطعن فيهم وبناء «فعلة» يدل على ~~أن ذلك عادة منه قد ضرى بها. ونحوهما اللعنة والضحكة. قال # وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه # وقرىء «ويل للهمزة اللمزة» وقرىء «ويل لكل همزة لمزة» بسكون الميم وهو ~~المسخرة الذي يأتي بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه، ويشتم. وقيل نزلت في ~~الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة. وقيل في أمية بن خلف. وقيل ~~في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه. ~~ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما، ليتناول كل من باشر ذلك ~~القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإن ذلك أزجر له وأنكى ~~فيه { الذى } بدل من كل. أو نصب على الذم. وقرىء «جمع» بالتشديد، وهو ~~مطابق لعدده. وقيل { عدده } جعله عدة لحوادث الدهر. وقرىء «وعدده» أي ~~جمع المال وضبط عدده وأحصاه. أو جمع ماله وقومه الذين ينصرونه، من قولك ~~فلان ذو عدد وعدد إذا كان ms2282 له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم. وقيل { ~~وعدده } معناه وعده على فك الإدغام، نحو ضننوا { أخلده } ~~وخلده بمعنى أي طول المال أمله، ومناه الأماني البعيدة، حتى أصبح لفرط ~~غفلته وطول أمله يحسب أن المال تركه خالدا في الدنيا لا يموت. أو يعمل ~~من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض عمل من ~~يظن أن ماله أبقاه حيا. أو هو تعريض بالعمل الصالح. وأنه هو الذي أخلد ~~صاحبه في النعيم فأما المال فما أخلد أحدا فيه. وروي أنه كان للأخنس ~~أربعة آلاف دينار. وقيل عشرة آلاف. وعن الحسن أنه عاد موسرا فقال ما ~~تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟ قال ولكن ~~لماذا؟ قال لنبوة الزمان، وجفوة السلطان، ونوائب الدهر. ومخافة الفقر. ~~قال إذن تدعه لمن لا يحمدك، وترد على من لا يعذرك { كلا } ردع له عن ~~حسبانه. وقرىء «لينبذان» أي هو وماله. ولينبذن، بضم الذال، أي هو ~~وأنصاره. ولينبذنه { فى الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم ~~كل ما يلقى فيها. ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة. وقرىء «الحاطمة» يعني ~~أنها تدخل في أجوافهم حتى لا تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي ~~أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشد تألما ~~منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا أطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه. ويجوز ~~أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة. ~~ومعنى اطلاع النار عليها أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها. # أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها { مؤصدة } مطبقة. قال # تحن إلى أجبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب ~~صنعاء موصده # وقرىء «في عمد» بضمتين. وعمد، بسكون الميم. وعمد بفتحتين. والمعنى أنه ~~يؤكد يأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد، فتؤصد عليهم الأبواب وتمدد على ~~الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق. ويجوز أن يكون المعنى إنها عليهم ~~مؤصدة، موثقين في عمد ممددة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص. اللهم ~~أجرنا من النار يا خير مستجار. عن ms2283 رسول الله صلى الله عليه وسلم 1342 # " من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد ~~وأصحابه ". ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى ~~كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من ~~كنانة فقعد فيها ليلا، فأغضبه ذلك. وقيل أججت رفقة من العرب نارا ~~فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بالحبشة ومعه فيل له ~~اسمه محمود، وكان قويا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره. وقيل ثمانية وقيل ~~كان معه ألف فيل، وقيل كان وحده فلما بلغ المغمس خرج إليه عبد المطلب ~~وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى وعبأ جيشه وقدم الفيل، فكانوا ~~كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيرها ~~من الجهات هرول فأرسل الله طيرا سودا. وقيل خضرا وقيل بيضا، مع كل ~~طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى منها عند أم هانيء نحو قفيز مخططة ~~بحمرة كالجزع الظفارى، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى ~~كل حجر اسم من يقع عليه، ففروا فهلكوا في كل طريق ومنهل ودوى أبرهة ~~فتساقطت أنامله وآرابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. وانفلت وزيره ~~أبو يكسوم وطائره يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة، فلما ~~اتمها وقع عليه الحجر فخر ميتا بين يديه. وقيل كان أبرهة جد النجاشي ~~الذي كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقيل بثلاث ~~وعشرين سنة. وعن عائشة رضي الله عنها رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين ~~مقعدين يستطعمان. وفيه أن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليه ~~فيها، فجهره وكان رجلا جسيما وسيما. وقيل هذا سيد قريش وصاحب عير مكة ~~الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، فلما ذكر حاجته قال ~~سقطت من عيني، جئت لأهدم البيت الذي ms2284 هو دينك ودين آبائك وعصمتكم وشرفكم ~~في قديم الدهر، فألهاك عنه ذود أخذ لك فقال أنا رب الإبل، وللبيت رب ~~سيمنعه، ثم رجع وأتى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول # لاهم إن المرء يم نع رحله فامنع حلالك لا ~~يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك إن كنت ~~تاركهم وكع بتنا فأمر ما بدا لك يا رب ~~لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع منهم حماكا # فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال والله إنها لطير غريبة ~~ما هي ببحرية ولا تهامية. وفيه أن أهل مكة قد احتووا على أموالهم، وجمع ~~عبد المطلب من جواهرهم وذهبهم الجور، وكان سبب يساره. وعن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه أنه سئل عن الطير فقال حمام مكة منها. # وقيل جاءت عشية ثم صبحتهم. وعن عكرمة من أصابته جدرته وهو أول جدري ~~ظهر. وقرىء «ألم تر» بسكون الراء للجد في إظهار أثر الجازم والمعنى أنك ~~رأيت أثار فعل الله بالحبشة، وسمعت الأخبار به متواترة، فقامت لك مقام ~~المشاهدة. و { كيف } في موضع نصب بفعل ربك، لا بألم تر لما في { ~~كيف } من معنى الاستفهام { فى تضليل } في تضييع وإبطال. يقال ضلل ~~كيده، إذا جعله ضالا ضائعا. ومنه قوله تعالى # وما كيد الكفرين إلا فى ضلل # غافر 25 وقيل لامريء القيس الملك الضليل لأنه ضلل ملك أبيه، أي ضيعه، ~~يعني أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس، وأرادوا أن ينسخوا أمره بصرف ~~وجوه الحاج إليه، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه وكادوه ثانيا بإرادة ~~هدمه، فضلل بإرسال الطير عليهم { أبابيل } حزائق، الواحدة إبالة. وفي ~~أمثالهم ضغث على إبالة، وهي الحزمة الكبيرة، شبهت الحزقة من الطير في ~~تضامها بالإبالة. وقيل أبابيل مثل عباديد، وشماطيط لا واحد لها، وقرأ ~~أبو حنيفة رحمه الله «يرميهم» أي الله تعالى أو الطير، لأنه اسم جمع مذكر ~~وإنما يؤنث على المعنى. وسجيل كأنه علم للديوان الذي كتب فيه عذاب ~~الكفار، كما أن سجينا علم لديوان أعمالهم، كأنه قيل بحجارة من جملة ~~العذاب ms2285 المكتوب المدون، واشتقاقه من الإسجال وهو الإرسال لأن العذاب ~~موصوف بذلك، وأرسل عليهم طيرا، # فأرسلنا عليهم الطوفان # الأعراف133. وعن ابن عباس رضي الله عنهما من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر. ~~وقيل هو معرب من سنككل. وقيل من شديد عذابه ورووا بيت ابن مقبل # ضربا تواصت به الأبطال سجيلا # وإنما هو سجينا، والقصيدة نونية مشهورة في ديوانه وشبهوا بورق الزرع إذا ~~أكل، أي وقع فيه الأكال وهو أن يأكله الدود. أو بتبن أكلته الدواب ~~وراثته، ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن، كقوله # كانا يأكلان الطعام # المائدة 75 أو أريد أكل حبه فبقي صفرا منه. عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم 1343 # " من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ ". ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # { لإيلف قريش } متعلق بقوله { فليعبدوا } أمرهم أن ~~يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين فإن قلت فلم دخلت الفاء؟ قلت لما في الكلام ~~من معنى الشرط لأن المعنى إما لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى أن نعم ~~الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه الواحدة ~~التي هي نعمة ظاهرة. وقيل المعنى عجبوا لإيلاف قريش. وقيل هو متعلق بما ~~قبله، أي فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، وهذا بمنزلة التضمين في الشعر ~~وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به، وهما في ~~مصحف أبي سورة واحدة، بلا فصل. وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة ~~المغرب. وقرأ في الأولى «والتين». والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ~~ليتسامع الناس بذلك، فيتهيبوهم زيادة تهيب، ويحترموهم فضل احترام، حتى ~~ينتظم لهم الأمن في رحلتهم، فلا يجترىء أحد عليهم، وكانت لقريش رحلتان ~~يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، ~~وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته، فلا يتعرض لهم، ~~والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم، والإيلاف من قولك آلفت المكان أولفه ~~إيلافا إذا ألفته، فأنا مألف. قال # من المؤلفات الرهو غير الأوارك # وقرىء «لئلاف قريش» أي لمؤالفة قريش. ms2286 وقيل يقال ألفته إلفا وإلافا. ~~وقرأ أبو جعفر «لإلف قريش»، وقد جمعهما من قال # زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم ~~إلاف # وقرأ عكرمة «ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف». وقريش ولد النضر بن ~~كنانة سموا بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، ولا تطاق ~~إلا بالنار. وعن معاوية أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما بم سميت قريش؟ ~~قال بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى. وأنشد # وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش ~~قريشا # والتصغير للتعظيم. وقيل من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كسابين ~~بتجاراتهم وضربهم في البلاد. أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين، ~~تفخيما لأمر الإيلاف، وتذكيرا بعظم النعمة فيه ونصب الرحلة بإيلافهم ~~مفعولا به، كما نصب يتيما بإطعام، وأراد رحلتي الشتاء والصيف، فأفرد ~~لأمن الإلباس، كقوله # كلوا في بعض بطنكم...... # وقرىء «رحلة» بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها والتنكير في { جوع } و ~~{ خوف } لشدتهما، يعني أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، ~~وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ~~ومسايرهم. وقيل كانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، ~~وآمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم. وقيل ذلك كله بدعاء إبراهيم ~~صلوات الله عليه. ومن بدع التفاسير وآمنهم من خوف، من أن تكون الخلافة في ~~غيرهم. وقرىء «من خوف» بإخفاء النون. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~1344 # " من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة ~~واعتكف بها ". ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # قرىء «أريت»، بحذف الهمزة، وليس بالاختيار لأن حذفها مختص بالمضارع، ~~ولم يصح عن العرب ريت، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في ~~أول الكلام. ونحوه # صاح هل ريت أو سمعت براع رد في الضرع ما ~~قرى في الحلاب # وقرأ ابن مسعود «أرأيتك» بزيادة حرف الخطاب، كقوله # أرأيتك هذا الذي كرمت علي # الإسراء62 والمعنى هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو؟ إن ms2287 لم تعرفه { ~~فذلك الذى } يكذب بالجزاء، هو الذي { يدع اليتيم } أي ~~يدفعه دفعا عنيفا بجفوة وأذى، ويرده ردا قبيحا بزجر وخشونة. وقرىء ~~«يدع» أي يترك ويجفو { ولا يحض } ولا يبعث أهله على بذل طعام ~~المسكين، جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء ~~الضعيف، يعني أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالوعيد، لخشي الله تعالى وعقابه ~~ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه علم أنه مكذب، فما أشده من كلام، وأما ~~أخوفه من مقام. وما أبلغه في التحذير من المعصية وأنها جديرة بأن يستدل ~~بها على ضعف الإيمان ورخاوة عقد اليقين، ثم وصل به قوله { فويل ~~للمصلين } كأنه قال فإذا كان الأمر كذلك، فويل للمصلين الذين يسهون ~~عن الصلاة قلة مبالاة بها، حتى تفوتهم أو يخرج وقتها، أو لا يصلونها كما ~~صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ولكن ينقرونها نقرا من غير ~~خشوع وإخبات ولا اجتناب لما يكره فيها من العبث باللحية والثياب وكثرة ~~التثاؤب والالتفات، لا يدري الواحد منهم عن كم انصرف، ولا ما قرأ من ~~السور، وكما ترى صلاة أكثر من ترى الذين عادتهم الرياء بأعمالهم ومنع ~~حقوق أموالهم. والمعنى أن هؤلاء أحق بأن يكون سهوهم عن الصلاة - التي هي ~~عماد الدين، والفارق بين الإيمان والكفر والرياء الذي هو شعبة من الشرك، ~~ومنع الزكاة التي هي شقيقة الصلاة وقنطرة الإسلام - علما على أنهم ~~مكذبون بالدين. وكم ترى من المتسمين بالإسلام، بل من العلماء منهم من هو ~~على هذه الصفة، فيا مصيبتاه. وطريقة أخرى أن يكون { فذلك } عطفا على ~~{ الذى يكذب } إما عطف ذات على ذات، أوصفة على صفة، ويكون جواب { ~~أرءيت } محذوفا لدلالة ما بعده عليه، كأنه قيل أخبرني، وما تقول ~~فيمن يكذب بالجزاء؟ وفيمن يؤذي اليتيم ولا يطعم المسكين؟ أنعم ما يصنع؟ ~~ثم قال { فويل للمصلين } أي إذا علم أنه مسىء، فويل للمصلين، ~~على معنى فويل لهم، إلا أنه وضع صفتهم موضع ضميرهم لأنهم مع التكذيب وما ~~أضيف إليهم ساهين عن الصلاة مرائين، غير مزكين ms2288 أموالهم. فإن قلت كيف جعلت ~~المصلين قائما مقام ضمير الذي يكذب، وهو واحد؟ قلت معناه الجمع، لأن ~~المراد به الجنس. # فإن قلت أي فرق بين قوله { عن صلتهم } وبين قولك في صلاتهم؟ ~~قلت معنى عن أنهم ساهون عنها سهو ترك لها وقلة التفات إليها وذلك فعل ~~المنافقين أو الفسقة الشطار من المسلمين. ومعنى في أن السهو يعتريهم ~~فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم. 1345 وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره ومن ~~ثم أثبت الفقهاء باب سجود السهو في كتبهم. وعن أنس رضي الله عنه الحمد ~~لله على أن لم يقل في صلاتهم. وقرأ ابن مسعود «لاهون» فإن قلت ما معنى ~~المراآة قلت هي مفاعلة من الإراءة، لأن المرائي يري الناس عمله، وهم ~~يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل ~~الصالح إن كان فريضة، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقوله عليه ~~الصلاة السلام 1346 # " ولا غمة في فرائض الله " # لأنها أعلام الإسلام وشعائر الدين ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب ~~إماطة التهمة بالإظهار وإن كان تطوعا، فحقه أن يخفي، لأنه مما لا يلام ~~برتكه ولا تهمة فيه فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا، وإنما ~~الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فيثنى عليه بالصلاح. وعن بعضهم ~~أنه رأى رجلا في المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها، فقال ما أحسن هذا لو ~~كان في بيتك وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة على أن اجتناب ~~الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص. ومن ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم 1347 # " الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح ~~الأسود " # { الماعون } الزكاة، قال الراعي # قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا ~~التهليلا # وعن ابن مسعود ما يتعاور في العادة من الفأس والقدر والدلو والمقدحة ~~ونحوها. وعن عائشة الماء والنار والملح وقد يكون منع هذه الأشياء محظورا ~~في ms2289 الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحا في المروءة في غير حال ~~الضرورة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1348 # " من قرأ سورة أرأيت غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا ". ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # 1349 في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنا أنطيناك» بالنون. وفي ~~حديثه صلى الله عليه وسلم 1350 # " وانطوا الثبجة " # والكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة. وقيل لأعرابية رجع ابنها من ~~السفر بم آب ابنك؟ قالت آب بكوثر. وقال # وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن ~~العقائل كوثرا # وقيل الكوثر نهر في الجنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1351 أنه قرأها ~~حين أنزلت عليه فقال # " أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير " # وروي في صفته 1352 # " أحلى من العسل، وأشد بياضا من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من ~~الزبد حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء " # وروي 1353 # " لا يظمأ من شرب منه أبدا أول وارديه فقراء المهاجرين الدنسو الثياب، ~~الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت ~~أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبره " # وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير إن ~~ناسا يقولون هو نهر في الجنة! فقال هو من الخير الكثير. والنحر نحر ~~البدن وعن عطية هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى. وقيل صلاة العيد ~~والتضحية. وقيل هي جنس الصلاة. والنحر وضع اليمين على الشمال، والمعنى ~~أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يعطه أحد غيرك، ومعطي ~~ذلك كله أنا إله العالمين، فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان إصابة أشرف ~~عطاء، وأوفره، من أكرم معط وأعظم منعم فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه، ~~وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر ~~لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفا لهم في النحر للأوثان إن من أبغضك من ~~قومك لمخالفتك لهم { هو الأبتر } لا أنت لأن كل من ms2290 يولد إلى يوم ~~القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك موفوع على المنابر ~~والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني ~~بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر وإنما ~~الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن. وكانوا ~~يقولون إن محمدا صنبور إذا مات مات ذكره. وقيل نزلت في العاص بن وائل، ~~وقد سماه الأبتر، والأبتر الذي لا عقب له. ومنه الحمار الأبتر الذي لا ~~ذنب له. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1354 # " من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر حسنات ~~بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه ". ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # المخاطبون كفرة مخصوصون قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون. روي أن رهطا ~~من قريش قالوا يا محمد، هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك تعبد آلهتنا سنة ~~ونعبد إلهك سنة، فقال «معاذ الله أن أشرك بالله غيره» فقالوا فاستلم بعض ~~آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من ~~قريش فقام على رؤوسهم فقرآها عليهم. فأيسوا. { لا أعبد } أريدت به ~~العبادة فيما يستقبل، لأن «لا» لا تدخل إلا على مضارع في معنى ~~الاستقبال، كما أن «ما» لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال، ألا ترى ~~أن «لن» تأكيد فيما تنفيه «لا». وقال الخليل في «لن» أن أصله «لا أن» ~~والمعنى لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم ~~فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي { ولا أنا عابد ما ~~عبدتم } أي وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه يعني لم تعهد ~~مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف ترجى مني في الإسلام { ولا أنتم ~~عبدون ما أعبد } أي وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته. فإن ~~قلت فهلا قيل ما عبدت، كما قيل ما عبدتم؟ قلت لأنهم كانوا يعبدون الأصنام ~~قبل ms2291 المبعث، وهو لم يكن يعبد الله تعالى في ذلك الوقت. فإن قلت فلم جاء ~~على «ما» دون «من»؟ قلت لأن المراد الصفة، كأنه قال لا أعبد الباطل، ولا ~~تعبدون الحق. وقيل إن «ما» مصدرية، أي لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون ~~عبادتي { لكم دينكم ولى دين } لكم شرككم، ولي توحيدي. ~~والمعنى أني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة، فإذا لم تقبلوا ~~مني ولم تتبعوني، فدعونى كفافا ولا تدعوني إلى الشرك. عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم 1355 # " من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت منه مردة ~~الشياطين، وبرىء من الشرك ويعافي من الفزع الأكبر ". ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # { إذا جاء } منصوب بسبح، وهو لما يستقبل. والاعلام بذلك قبل كونه من ~~أعلام النبوة. روي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع. فإن ~~قلت ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف عليه؟ قلت النصر الإغاثة والإظهار ~~على العدو. ومنه نصر الله الأرض غاثها. والفتح فتح البلاد والمعنى نصر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة وقيل جنس ~~نصر الله للمؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم. وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر ~~رمضان سنة ثمان، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من ~~المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى ~~هوازن، وحين دخلها 1356 وقف على باب الكعبة، ثم قال # " لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب ~~وحده " # ، ثم قال # " يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ " # قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم». قال # " اذهبوا فأنتم الطلقاء " # ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله تعالى أمكنه من ~~رقابهم عنوة، وكانوا له فيئا، فلذلك سمى أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على ~~الإسلام { فى دين الله } في ملة الإسلام التي لا دين له يضاف إليه ~~غيرها # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # آل ms2292 عمران 85. { أفواجا } جماعات كثيفة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها ~~بعد ما كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا واثنين اثنين. وعن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه 1357 أنه بكى ذات يوم، فقيل له. فقال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول # " دخل الناس في دين الله أفواجا وسيخرجون منه أفواجا " # وقيل أراد بالناس أهل اليمن. وقال أبو هريرة 1358 لما نزلت قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " الله أكبر جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم، ~~الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية " # وقال 1359 # " أجد نفير ربكم من قبل اليمن " # وعن الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقبلت العرب بعضها ~~على بعض، فقالوا أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس به يدان، وقد كان الله ~~أجارهم من أصحاب الفيل وعن كل من أرادهم، فكانوا يدخلون في الإسلام ~~أفواجا من غير قتال. وقرأ ابن عباس فتح الله والنصر. وقرىء «يدخلون» على ~~البناء للمفعول. فإن قلت ما محل يدخلون؟ قلت النصب إما على الحال، على أن ~~رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت. أو هو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت { ~~فسبح بحمد ربك } فقل سبحان الله حامدا له، أي فتعجب لتيسير ~~الله ما لم يخطر ببالك وبال أحد من أن يغلب أحد على أهل الحرم، واحمده ~~على صنعه. # أو فاذكره مسبحا حامدا، زيادة في عبادته والثناء عليه، لزيادة إنعامه ~~عليك. أو فصل له. روت أم هانيء 1360 أنه لما فتح باب الكعبة صلى صلاة ~~الضحى ثماني ركعات، وعن عائشة 1361 كان عليه الصلاة والسلام يكثر قبل ~~موته أن يقول # " سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك " # ، والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين من ~~الجمع بين الطاعة والاحتراس من المعصية، ليكون أمره بذلك مع عصمته لطفا ~~لأمته، ولأن الاستغفار من التواضع لله وهضم النفس، فهو عبادة في نفسه. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم 1362 # " إني لأستغفر في اليوم والليلة مائة مرة ms2293 " # وروي 1363 أنه لما قرآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه ~~استبشروا وبكى العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما يبكيك يا ~~عم»؟ قال نعيت إليك نفسك. قال «إنها لكما تقول» فعاش بعدها سنتين لم ير ~~فيهما ضاحكا مستبشرا، وقيل 1364 إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " لقد أوتي هذا الغلام علما كثيرا " # وروي 1365 أنها لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # " إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء الله " # ، فعلم أبو بكر رضي الله عنه، فقال فديناك بأنفسما وأموالنا وآبائنا ~~وأولادنا. 1366 وعن ابن عباس أن عمر رضي الله عنهما كان يدينه ويأذن له ~~مع أهل بدر، فقال عبد الرحمن أتأذن لهذا الفتى معنا وفي آبائنا من هو ~~مثله؟ فقال إنه ممن قد علمتم. قال ابن عباس فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي ~~معهم، فسألهم عن قول الله تعالى { إذا جاء نصر الله } ولا أراه ~~سألهم إلا من أجلي فقال بعضهم أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ~~ويتوب إليه فقلت ليس كذلك، ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر ما أعلم منها ~~إلا مثل ما تعلم، ثم قال كيف تلومونني عليه بعدما ترون؟ وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم 1367 أنه دعا فاطمة رضي الله عنها فقال # " يا بنتاه إنه نعيت إلي نفسي " # ، فبكت، فقال # " لا تبكي، فإنك أول أهلي لحوقا بي " # وعن ابن مسعود أن هذه السورة تسمى سورة التوديع { كان توابا } أي ~~كان في الأزمنة الماضية منذ خلق المكلفين توابا عليهم إذا استغفروا، ~~فعلى كل مستغفر أن يتوقع مثل ذلك. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1368 # " من قرأ سورة إذا جاء نصر الله أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد يوم فتح ~~مكة ". ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # التباب الهلاك. ومنه قولهم أشابة أم تابة؟ أي هالكة من الهرم والتعجيز. ~~والمعنى هلكت يداه، لأنه فيما ms2294 يروى أخذ حجرا ليرمي به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { وتب } وهلك كله. أو جعلت يداه هالكتين. والمراد ~~هلاك جملته، كقوله تعالى # بما قدمت يداك # الحج 10 ومعنى { وتب } وكان ذلك وحصل، كقوله # جزاني جزاه الله شر جزائه جزاء الكلاب ~~العاويات وقد فعل # ويدل عليه قراءة ابن مسعود «وقد تب» وروي 1369 أنه لما نزل # وأنذر عشيرتك الأقربين # الشعراء 214 رقى الصفا وقال يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب. ~~فقال # " يا بني عبد المطلب، با بني فهر، إن أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا ~~أكنتم مصدقي " # ؟ قالوا نعم قال # " فإني نذير لكم بين يدي الساعة " # فقال أبو لهب تبا لك، ألهذا دعوتنا؟ فنزلت. فإن قلت لم كناه، والتكنية ~~تكرمة؟ قلت فيه ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم، ~~فقد يكون الرجل معروفا بأحدهما، ولذلك تجري الكنية على الاسم، أو الاسم ~~على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء، وأن تبقى سمة له، ~~ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ «يدا أبو لهب»، كما قيل علي ~~بن أبو طالب. ومعاوية بن أبو سفيان لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ~~ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما عبد الله - بالجر، والآخر عبد ~~الله بالنصب. كان بمكة رجل يقال له عبد الله - بجرة الدال، لا يعرف إلا ~~هكذا. والثاني أنه كان اسمه عبد العزى، فعدل عنه إلى كنيته. والثالث ~~أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته فكان ~~جديرا بأن يذكر بها. ويقال أبو لهب، كما يقال أبو الشر للشرير. وأبو ~~الخير للخير، وكما كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المهلب أبا ~~صفرة، بصفرة في وجهه. وقيل كنى بذلك لتهلب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن ~~يذكر بذلك تهكما به، وبافتخاره بذلك. وقرىء «أبي لهب» بالسكون. وهو من ~~تغيير الأعلام، كقولهم شمس بن مالك بالضم { ما أغنى } استفهام في ~~معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفي { وما كسب } مرفوع. ms2295 وما موصولة أو ~~مصدرية بمعنى ومكسوبه. أو وكسبه. والمعنى لم ينفعه ماله وما كسب بماله، ~~يعني رأس المال والأرباح. أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا ~~سابياء. أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه. أو ماله التالد ~~والطارف. وعن ابن عباس ما كسب ولده. وحكي أن بني أبي لهب احتكموا إليه، ~~فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع فغضب، فقال أخرجوا عني ~~الكسب الخبيث، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام # " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " # وعن الضحاك ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعني كيده في عداوة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وعن قتادة عمله الذي ظن أنه منه على شيء، كقوله # وقدمنا إلى ما عملوا من عمل # الفرقان 23 وروي أنه كان يقول إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأنا أفتدي ~~منه نفسي بمالي وولدي «سيصلى» قرىء بفتح الياء وبضمها مخففا ومشددا، ~~والسين للوعيد، أي هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته { وامرأته } هي ~~أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك ~~والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل ~~كانت تمشى بالنميمة ويقال للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس يحمل الحطب ~~بينهم، أي يوقد بينهم النائرة ويورث الشر. قال # من البيض لم تصطد على ظهر لأمة ولم تمش ~~بين الحي بالحطب الرطب # جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر، ورفعت عطفا على ~~الضمير في { سيصلى } أي سيصلى هو وامرأته. و { فى جيدها } في ~~موضع الحال، أو على الابتداء، وفي جيدها الخبر. وقرىء «حمالة الحطب» ~~بالنصب على الشتم وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل. وقرىء «حمالة الحطب» و«حمالة ~~للحطب» بالتنوين، بالرفع والنصب. وقرىء «ومريته» بالتصغير. المسد الذي ~~فتل من الحبال فتلا شديدا، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما. قال # ومسد أمر من أيانق # ورجل ms2296 ممسود الخلق مجدوله. والمعنى في جيدها حبل مما مسد من الحبال، ~~وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون ~~تخسيسا لحالها، وتحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض الحطابات من ~~المواهن، لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها وهما في بيت العز والشرف. وفي منصب ~~الثروة والجدة. ولقد عير بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبي ~~لهب بحمالة الحطب، فقال # ماذا أردت إلى شتمي ومنقصتي أم ما تعير من ~~حمالة الحطب غراء شادخة في المجد غرتها ~~كانت سليلة شيخ ناقب الحسب # ويحتمل أن يكون المعنى أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت ~~عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من ~~شجرة الزقوم أو من الضريع وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار كما ~~يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~1370 # " من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة ~~". ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # { هو } ضمير الشأن، و { الله أحد } هو الشأن، كقولك هو زيد ~~منطلق، كأنه قيل الشأن هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له. فإن قلت ما محل ~~هو؟ قلت الرفع على الابتداء والخبر الجملة. فإن قلت فالجملة الواقعة ~~خبرا لا بد فيها من راجع إلى المبتدأ، فأين الراجع؟ قلت حكم هذه الجملة ~~حكم المفرد في قولك «زيد غلامك» في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن ~~قوله { الله أحد } هو الشأن الذي هو عبارة عنه، وليس كذلك «زيد ~~أبوه منطلق» فإن زيدا والجملة يدلان على معنيين مختلفين، فلا بد مما يصل ~~بينهما. وعن ابن عباس قالت قريش يا محمد، صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، ~~فنزلت يعني الذي سألتموني وصفه هو الله، وأحد بدل من قوله، «الله». أو ~~على هو أحد، وهو بمعنى واحد، وأصله وحد. وقرأ عبد الله وأبي «هو الله ~~أحد» بغير { قل } وفي ms2297 قراءة النبي صلى الله عليه وسلم «الله أحد» بغير ~~{ قل هو } وقال من قرأ الله أحد، كان بعدل القرآن. وقرأ الأعمش «قل ~~هو الله الواحد». وقرىء «أحد الله» بغير تنوين أسقط لملاقاته لام ~~التعريف. ونحوه # ولا ذاكر الله إلا قليلا # والجيد هو التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. و { الصمد } فعل بمعنى ~~مفعول، من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. ~~والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض ~~وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها، وهو الذي يصمد إليه كل ~~مخلوق ولا يستغنون عنه، وهو الغني عنهم { لم يلد } لأنه لا يجانس، ~~حتى يكون له من جنسه صاحبه فيتوالدا. وقد دل على هذا المعنى بقوله # أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة # الأنعام 101. { ولم يولد } لأن كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا ~~أول لوجوده وليس بجسم ولم يكافئه أحد، أي لم يماثله ولم يشاكله. ويجوز ~~أن يكون من الكفاءة في النكاح، نفيا للصاحبة سألوه أن يصفه لهم، فأوحى ~~إليه ما يحتوى على صفاته، فقوله { هو الله } إشارة لهم إلى من هو ~~خالق الأشياء وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق ~~يستدعي القدرة والعلم، لكونه واقعا على غاية إحكام واتساق وانتظام. وفي ~~ذلك وصفه بأنه حي سميع بصير. وقوله { أحد } وصف بالوحدانية ونفي ~~الشركاء. وقوله { الصمد } وصف بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم ~~يكن إلا محتاجا إليه فهو غني. وفي كونه غنيا مع كونه عالما أنه عدل ~~غير فاعل للقبائح، لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه. وقوله { لم ~~يولد } وصف بالقدم والأولية. # وقوله { لم يلد } نفي للشبه والمجانسة. وقوله { ولم يكن ~~له كفوا أحد } تقرير لذلك وبت للحكم به، فإن قلت الكلام العربي ~~الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه ~~على ذلك في كتابه، فما باله مقدما في أفصح كلام وأعربه؟ قلت هذا الكلام ~~إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه وهذا ms2298 المعنى مصبه ومركزه هو ~~هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه. وقرىء ~~«كفؤا» بضم الكاف والفاء. وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء فإن قلت لم ~~كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر منها وتقارب طرفيها؟ قلت لأمر ما ~~يسود من يسود، وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله تعالى وعدله وتوحيده، ~~وكفى دليلا من اعتراف بفضلها وصدق بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيها إن علم التوحيد من الله تعالى بمكان، وكيف لا يكون كذلك والعلم ~~تابع للمعلوم يشرف بشرفه، ويتضع بضعته ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى ~~وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله، ~~وإنافته على كل علم، واستيلائه على قصب السبق دونه ومن ازدراه فلضعف علمه ~~بمعلومه، وقلة تعظيمه له، وخلوه من خشيته، وبعده من النظر لعاقبته. اللهم ~~احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، القائلين بعدلك وتوحيدك، ~~الخائفين من وعيدك. وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين، وروى ~~أبي وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم 1371 # " أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد " # يعني ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت ~~بها هذه السورة. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1372 أنه سمع رجلا ~~يقرأ قل هو الله أحد فقال «وجبت». قيل يا رسول الله وما وجبت؟ قال # " وجبت له الجنة ". ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # الفلق والفرق الصبح، لأن الليل يفلق عنه ويفرق فعل بمعنى مفعول. يقال ~~في المثل هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح. ومنه قولهم سطع الفرقان، ~~إذا طلع الفجر. وقيل هو كل ما يفلقه الله، كالأرض عن النبات، والجبال عن ~~العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، والحب والنوى وغير ذلك. ~~وقيل هو واد في جهنم أوجب فيها من قولهم لما اطمأن من الأرض، الفلق، ~~والجمع فلقان. وعن بعض الصحابة أنه قدم الشأم فرأى دور أهل الذمة وما هم ~~فيه من ms2299 خفض العيش وما وسع عليهم من دنياهم، فقال لا أبالى، أليس من ~~ورائهم الفلق؟ فقيل وما الفلق؟ قال بيت في جهنم إذا فتح صاح جميع أهل ~~النار من شدة حره { من شر ما خلق } من شر خلقه. وشرهم ما يفعله ~~المكلفون من الحيوان من المعاصي والمآثم، ومضارة بعضهم بعضا من ظلم وبغي ~~وقتل وضرب وشتم وغير ذلك، وما يفعله غير المكلفين منه من الأكل والنهش ~~واللدع والعض كالسباع والحشرات، وما وضعه الله في الموات من أنواع الضرر ~~كالإحراق في النار والقتل في السم. والغاسق الليل إذا اعتكر ظلامه من ~~قوله تعالى # إلى غسق اليل # الإسراء 78 ومنه غسقت العين امتلأت دمعا، وغسقت الجراحة امتلأت دما. ~~ووقوبه دخول ظلامه في كل شيء، ويقال وقبت الشمس إذا غابت. وفي الحديث ~~1373 لما رأى الشمس قد وقبت قال # " هذا حين حلها، يعني صلاة المغرب " # وقيل هو القمر إذا امتلأ، وعن عائشة رضي الله عنها 1374 أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيدي فأشار إلى القمر فقال # " تعوذي بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب " # ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده. ويجوز أن يراد بالغاسق الأسود من ~~الحيات ووقبه ضربه ونقبه. والوقب النقب. ومنه وقبة الثريد والتعوذ من ~~شر الليل لأن انبثاثه فيه أكثر، والتحرز منه أصعب. ومنه قولهم الليل ~~أخفى للويل. وقولهم أغدر الليل لأنه إذا أظلم كثر فيه الغدر وأسند الشر ~~إليه لملابسته له من حدوثه فيه { النفثت } النساء، أو النفوس، ~~أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين ~~والنفث النفخ من ريق، ولا تأثير لذلك، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ~~ضار، أو سقيه، أو إشمامه. أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه ولكن الله ~~عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت ~~على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشوية والرعاع إليهن ~~وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبئون به، ~~فإن قلت فما معنى ms2300 الاستعاذة من شرهن؟ قلت فيها ثلاثة أوجه، أحدها أن ~~يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر ومن إثمهن في ذلك. # والثاني أن يستعاذ من فتنتهن الناس عند نفثهن، ويجوز أن يراد بهن ~~النساء الكيادات، من قوله # إن كيدكن عظيم # يوسف 28 تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العقد. أو اللاتي يفتن الرجال ~~بتعرضهن لهم ومحاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك { إذا حسد } إذا ظهر ~~حسده، وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما ~~أضمره فلا ضرر يعود منه على من حسده، بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور ~~غيره. وعن عمر بن عبد العزيز لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من حاسد. ويجوز ~~أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة حاله في وقت حسده، وإظهاره أثره. فإن ~~قلت قوله { من شر ما خلق } تعميم في كل ما يستعاذ منه، فما معنى ~~الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد؟ قلت قد خص شر هؤلاء من كل ~~شر لخفاء أمره، وأنه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به. ~~وقالواشر العداة المداجي الذي يكيدك من حيث لا تشعر. فإن قلت فلم عرف ~~بعض المستعاذ منه ونكر بعضه؟ قلت عرفت النفاثات، لأن كل نفاثة شريرة، ~~ونكر غاسق، لأن كل غاسق لا يكون فيه الشر، إنما يكون في بعض دون بعض، ~~وكذلك كل حاسد لا يضر. ورب حسد محمود، وهو الحسد في الخيرات. ومنه قوله ~~عليه الصلاة والسلام 1375 # " لا حسد إلا في اثنتين " # وقال أبو تمام # وما حاسد في المكرمات بحاسد # وقال # إن العلا حسن في مثلها الحسد # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1376 # " من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها ". ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # قرىء «قل أعوذ» بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام، ونحوه. # فخذ أربعة # البقرة260. فإن قلت لم قيل { برب الناس } مضافا إليهم خاصة؟ قلت ~~لأن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، فكأنه قيل أعوذ من ~~شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم ms2301 أمورهم، وهو إلههم ~~ومعبودهم، كما يستغيث بعض الموالى إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي ~~أمرهم. فإن قلت { ملك الناس إله الناس } ما هما من رب ~~الناس؟ قلت هما عطف بيان، كقولك سيرة أبي حفص عمر الفاروق. بين بملك ~~الناس، ثم زيد بيانا بإله الناس، لأنه قد يقال لغيره رب الناس، كقوله # اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون ~~الله # التوبة 31 وقد يقال ملك الناس. وأما { إله الناس } فخاص لا ~~شركة فيه، فجعل غاية للبيان. فإن قلت فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي ~~هو الناس مرة واحدة؟ قلت لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون ~~الإضمار { الوسواس } اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة. ~~وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال. والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر ~~كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه. أو أريد ذو ~~الوسواس. والوسوسة الصوت الخفي. ومنه وسواس الحلي. و { الخناس } ~~الذي عادته أن يخنس، منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والبتات، لما ~~روي عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى، فإذا غفل ~~وسوس إليه { الذى يوسوس } يجوز في محله الحركات الثلاث، فالجر ~~على الصفة، والرفع والنصب على الشتم، ويحسن أن يقف القارىء على { ~~الخناس } ويبتدىء { الذى يوسوس } على أحد هذين الوجهين { ~~من الجنة والناس } بيان للذي يوسوس، على أن الشيطان ضربان جنى ~~وإنسي، كما قال # شيطين الإنس والجن # الأنعام 112 وعن أبي ذر رضي الله عنه قال لرجل هل تعوذت بالله من شيطان ~~الإنس؟ ويجوز أن يكون من متعلقا بيوسوس، ومعناه ابتداء الغاية، أي يوسوس ~~في صدروهم من جهة الجن ومن جهة الناس، وقيل من الجنة والناس بيان ~~للناس، وأن اسم الناس ينطلق على الجنة، واستدلوا بنفر و رجال في سورة ~~الجن. وما أحقه لأن الجن سموا «جنا» لاجتنانهم، والناس «ناسا» لظهورهم، ~~من الإيناس وهو الإبصار، كما سموا بشرا ولو كان يقع على الناس على ~~القبيلين، وصح ذلك وثبت لم يكن مناسبا لفصاحة القرآن وبعده من التصنع. ~~وأجود منه أن ms2302 يراد بالناس الناسي، كقوله # يوم يدع الداع # القمر 6 كما قرىء # من حيث أفاض الناس # البقرة 199 ثم يبين بالجنة والناس لأن الثقلين هما النوعان الموصوفان ~~بنسيان حق الله عز وجل. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1877 # " لقد أنزلت علي سورتان ما أنزل مثلهما، وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا ~~أرضى عند الله منهما " # يعني المعوذتين. ويقال للمعوذتين المقشقشتان. ms2303