######OpenITI# #META# bkid: 19237 #META# bk: ميزان الأصول في نتائج العقول #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: ميزان الأصول في نتائج العقول #META# المؤلف: علاء الدين شمس النظر أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي (المتوفى: 539 ه) #META# حققه وعلق عليه وينشره لأول مرة: الدكتور محمد زكي عبد البر، الأستاذ بكلية الشريعة - جامعة قطر، ونائب رئيس محكمة النقض بمصر (سابقا) #META# الناشر: مطابع الدوحة الحديثة، قطر #META# الطبعة: الأولى، 1404 ه - 1984 م #META# عدد الأجزاء: 1 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: السمرقندي، علاء الدين #META# authinf: علاء الدين السمرقندي (000 - 450 ه = 000 - 1145 م). محمد بن أحمد بن أبي أحمد، أبو بكر علاء الدين السمرقندي: فقيه، من كبار الحنفية. أقام في حلب، واشتهر بكتابه «تحفة الفقهاء» وله كتب أخرى، منها «الأصول» (1). __________. (1) الفوائد البهية 158 والجواهر المضية 2: 6 ومعجم المطبوعات 1046 ومفتاح السعادة 2: 273 - 74. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 19237 #META# over: 1 #META# seal: 6C318403 #META# oauth: 426 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 3 #META# vername: None #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# lng: علاء الدين شمس النظر أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي أحمد السمرقندي #META# higrid: 540 #META# ad: 540 #META# aseal: E6FDC859 #META# blnk: None #META# pdfcs: 2 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/19237 #META#Header#End# ### | CHECK مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) # رب سهل وأعن (¬2) # الحمد لله ذي العزة والجلال (¬3)، والرحمة والأفضال، والصلاة على رسوله ~~محمد (¬4) الممجد (¬5) المفضال، وعلى آله وأصحابه أفضل الأصحاب والآل (¬6). # قال الشيخ الإمام علاء الدين شمس النظر: أبو بكر (¬7) محمد بن أحمد ~~السمرقندي، متعه الله من علمه (¬8): # اعلم (¬9) أن علم أصول الفقه والأحكام فرع لعلم أصول الكلام، والفرع PageV01P001 # ما تفرع من أصله، وما لم يتفرع منه فليس من نسله، فكان (¬1) من الضرورة ~~أن يقع التصنيف في هذا الباب على اعتقاد مصنف الكتاب. وأكثر التصانيف في ~~أصول الفقه لأهل الإعتزال المخالفين لنا في الأصول (¬2)، ولأهل الحديث ~~المخالفين لنا في الفروع (¬3)، والإعتماد على تصانيفهم إما أن يفضي إلى ~~الخطأ في الأصل، وإما إلى الغلط في الفرع، والتجافي (¬4) عن الأمرين واجب ~~في العقل والشرع. PageV01P002 # وتصانيف أصحابنا رحمهم الله في هذا النوع قسمان: # قسم وقع في غاية الإحكام والإتقان، لصدوره (¬1) ممن جمع الفروع والأصول، ~~وتبحر في علوم (¬2) المشروع والمعقول، مثل الكتاب الموسوم ب "مآخذ الشرائع" ~~والموسوم بكتاب "الجدل" للشيخ الإمام الزاهد رئيس أهل السنة: أبي منصور ~~المتريدي السمرقندي (¬3) رحمه الله" ونحوهما من تصنيف أستاذيه وأصحابه ~~رحمهم الله (¬4). # وقسم وقع في نهاية التحقيق والمعاني، وحسن الترتيب والمباني، لصدوره ممن ~~تصدى لاستخراج الفروع من ظواهر المسموع. غير أنهم لما لم يتمهروا (¬5) في ~~دقائق الأصول. في قضايا العقول أفضى رأيهم إلى رأي المخالفين في بعض ~~الفصول. # ثم هجر القسم الأول: إما لتوحش (¬6) الألفاظ والمعاني، وإما لقصور الهمم ~~والتواني. واشتهر القسم الآخر (¬7)، لميل الفقهاء إلى الفقه المحض، وإن وقع ~~في البعض شوب (¬8) المخالفة والنقض. وكلا أن يكون ذلك منهم عن قصد واعتقاد، ~~فظن (¬9) السوء في أمثالهم إثم وعناد - لكن إصابة (¬10) التفريع بدون إحكام ~~الأصل، والأمن عن الزلل، خارج عن العقل. PageV01P003 # ولم يقدم من المتأخرين ممن جبل على الذكاء والفهم، وتبحر في النوعين من ~~العلم، على تصنيف في هذا الباب لرفع (¬1) هذا الخلل والإضطراب، لأعذار ~~عندهم صحيحة ولموانع (¬2) كثيرة، والتوفيق عزيز، والله تعالى (¬3) يؤتي ~~ملكه من يشاء. وليس من الشفقة ms001 والنصيحة إهمال هذا الأمر، وما للقادر عليه ~~في الإمهال عذر - فرأيت الإقدام على إتمام هذا المرام حقا واجبا، وفرضا ~~لازما، على نفسي، بقدر الوسع والطاقة، مع القصور في البضاعة، فأسرعت في ~~الإقدام، خوفا من الإثم في الإعراض والإغماض (¬4)، مع الإمكان، وإشفاقا عن ~~زوال نعم الله تعالى علي، بالكفران، مع ما أرجو من الله تعالى بذلك: ثوابا ~~دائما، وذكرا وشرفا، إلى قيام الساعة قائما. # ولما صممت على (¬5) هذا العزم، رأيت (¬6) من الشفقة على هذه الطبقة أن ~~أكتب جملا من الفصول، في هذا النوع من الأصول، وأذكر في كل فصل منها (¬7) ~~مذاهب أهل السنة والجماعة، وعقائد أهل البدع والضلالة، ليكونوا على بصيرة ~~من المذهب الصحيح، فلا يقعوا (¬8) في شيء من المعتقد القبيح، إذ الفقيه ~~المحض لا يقف على ذلك بخاطره، فربما (¬9) يتشبث بالمذهب القبيح بحسن ظاهره، ~~وتكون هذه الفصول إلى PageV01P004 # محض الحق هادية، وإلى رفض الهوى والبدع (¬1) داعية، ثم (¬2) من علت همته ~~يتتبع (¬3) ما لأهل الحق من الدلائل، وما للخصوم من الشبه في المسائل - مع ~~أني أشير في كل مسألة إلى دلائل يعتمد عليها، وعند التحقيق مال الكلام ~~إليها، وسميت هذا الكتاب: "ميزان الأصول في نتائج العقول" ليزن العاقل ~~قضايا العقول (¬4) بهذا الميزان، حتى يظهر له الحق مثل العيان، فيعتقد الحق ~~الصريح، ويرد الباطل المليح (¬5)، وأطمع منه أن يذكرني بصالح الدعاء (¬6)، ~~قضاء لحق الإخاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب (¬7). # * * * PageV01P005 # ثم لما شرعت في الشرح والبيان، على وجه الإحكام والإتقان، ولم أملك عنان ~~القلم في فيض (¬1) ما فوض (¬2) من الكلم، وكرهت أيضا أن يفوتني ما يظهر من ~~الحكم، فقيدتها بالكتابة والرقم - التفت الكتاب إلى التطويل والإطناب، فملت ~~إلى ما هو المتوسط في الباب: لا (¬3) القصير المقصر، ولا الطويل المنفر. ثم ~~خطر ببالي أن ذا مما يمل به بعض الطلاب، وإن كان يراه البعض من أصوب (¬4) ~~الصواب، إذ الطلبة بين ريض مبتدئ، وبين مرتاض منته، والمبتدئ إلى الإختصار ~~أميل، لأن حفظه وضبطه أسهل، والمنتهي يميل إلى الإطناب والإكثار، ليختار ~~برأيه ما ms002 هو المختار- رأيت الأصوب في أن أتمم (¬5) المتوسط الذي كنت فيه ~~شارعا، وأحذف الزوائد (¬6) عنه، فيكون مختصرا جامعا، ويتم الأمران على ~~الصحبة والقرآن، إذ الشروع (¬7) في قصد التقرب ملزم، والإعراض عن الخير أشام. # ولما كان الكتابان متحدين من حيث الغرض، وإن تصورا مختلفين من حيث العرض ~~(¬8)، جعلت مقدمتهما واسمهما واحدا، وإن كان أحدهما في الطول والعرض زائدا، ~~بل ازدادت كل مقدمة "المختصر" لما (¬9) مهدت فيه من العذر المعتبر. PageV01P006 # فمن شاء (¬1) اقتصر على هذا "المختصر" فهو الكفاية لذوي العناية، ~~والهداية إلى ما هو النهاية. ومن شاء (¬2) تجاوز عن (المختصر) واختار ~~"المبسوط" (¬3): فهو الدرجة القصوى، والأمد الأقصى، في طلب الفضل والعلى، ~~إذ هو الجامع للرواية والدراية، على أصول أهل السنة، المنزه عن شوب الهوى ~~والبدعة، المشتمل على شبهات (¬4) الخصوم، وحلها، على وجه يرتضيه كل منصف ~~عاقل، وتقر به عين كل فاضل، وهو في قلوب المبتدعة سهم قاتل. # وفقنا الله تعالى على إتمامهما على وجه الإتقان، في أسرع الزمان، فهو ~~الموفق والمستعان. # و (¬5) حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير. # * * * # إذا عرفنا هذه المقدمة جئنا إلى الكتاب وهو "المختصر". # * * * PageV01P007 ### || CHECK تعريف العلم وأنواعه # اعلم أن (¬1) العلم المحدث نوعان: ضروري، واستدلالي: # فالضروري ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون ~~للعالم فيه فعل الكسب والإختيار ولا (¬2) قدرة التحصيل والترك. # والإستدلالي ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه (¬3)، وللعالم ~~فيه فعل الكسب والإختيار وقدرة التحصيل أو (¬4) الترك. # نظيره: الفعل المحدث وينقسم (¬5) إلى نوعين: ضروري وإختياري: # فالضروري ما حصل (¬6) في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه، من ~~غير أن يكون للذات فيه فعل الكسب والإختيار، ولا قدرة التحصيل والترك، نحو ~~حركة المرتعش وسكون اليد الشلاء وغيرهما. # والفعل الإختياري ما حصل في الذات القائم به، بإحداث الله تعالى وتخليقه ~~أيضا، لكن للذات فيه فعل الكسب والإختيار، وله (¬7) قدرة التحصيل أو (¬8) ~~الترك، كالذهاب والمجيء والقيام والقعود. # * * * # ثم العلم الضروري أنواع ثلاثة: # - العلم الحاصل بالحواس الخمس. # - والعلم الحاصل بالأخبار المتواترة، نحو العلم بالبلدان ms003 النائية والملوك ~~الماضية. PageV01P008 # - والعلم الحاصل ببدائه العقول، من غير تأمل ونظر (¬1) في الأصول، كعلم ~~الإنسان بوجود نفسه، وما يحدث فيه من الألم واللذة، وأن كل الشيء أكبر ~~وأعظم (¬2) من جزئه، ونحو ذلك. # وأما العلم الإستدلالي فنوعان: عقلي وسمعي: # - فالعقلي ما يعرف بمجرد العقل، بالتأمل والنظر في المحسوسات والبدائه ~~(¬3)، من غير واسطة الدليل السمعي، كالعلم بحدوث (¬4) العالم وثبوت الصانع ~~وقدمه وتوحيده، ونحو ذلك. # - والسمعي ما يعرف بالنظر العقلي في المسموعات، ولا يعرف بالعقل وحده ~~بدون واسطة (¬5) السمع، كالعلم بالحلال والحرام، وسائر ما شرع الله تعالى ~~من الأحكام. # فالعلم العقلي يوجب العلم (¬6) قطعا ويقينا (¬7)، وهو يسمى "علم الكلام" ~~و "علم التوحيد" و "علم أصول الدين" في عرف لسان الفقهاء والمتكلمين. # وأما العلم السمعي فنوعان: # أحدهما - ثابت بطريق القطع واليقين، وهو ما ثبت بالنص المفسر (¬8) من ~~الكتاب، والخبر المتواتر والمشهور (¬9)، والإجماع (¬10). PageV01P009 # والثاني - ثابت بطريق الظاهر، بناء على غالب الرأي وأكبر الظن. وهو ما ~~ثبت بظواهر الكتاب والسنة المتواترة (¬1)، وما ثبت بخبر الواحد، والقياس ~~الشرعي (¬2). # وهذا النوع بقسميه يسمى "علم الشرائع والأحكام" ويسمى "علم الفقه" في عرف ~~الفقهاء وأهل الكلام، وإن كان اسم الفقه لغة وحقيقة لا إختصاص له بهذا ~~النوع من العلم، بل هو اسم للوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به علم (¬3) ~~يحتاج فيه (¬4) إلى النظر والإستدلال مطلقا، كعلم النحو واللغة والطب ~~وغيرها (¬5) - يقال "فلان فقيه في النحو والطب واللغة" (¬6) إذا كان قادرا ~~على الإستنباط والإستخراج في ذلك (¬7). # وكذا الدلائل السمعية (¬8) التي تعاق بها هذا العلم يسمى "أصول الفقه" في ~~عرف الشرع. # وكذا الكتاب الذي يذكر فيه تقسيم هذه الأحكام ووجوه (¬9) تعلقها بهذه ~~الأصول وكيفية إستخراج المعاني المسماة بالفقه من الأصول - يسمى "أصول ~~الفقه" في عرف الفقهاء. PageV01P010 ### || CHECK منهج الكتاب # وإذا كان عرف أهل اللسان، وعرف الشرع، في إطلاق هذا الإسم ما ذكرنا - ~~تركنا (¬1) بيان معنى "الفقه" و "الأصل" من حيث اللغة والحقيقة، تمسكا ~~بالعرف، إذ هو القاضي على الوضع، وجعلنا الكتاب المسمى ب "أصول الفقه" في ~~العرف على فصلين: # "فصل في ms004 بيان الأحكام" المسماة بالفقه. # "وفصل في بيان ما يعرف به الأحكام". # وبدأنا بفصل "الأحكام" ثم بفصل "الدلائل" فيتم الكتاب بذكر الفصلين (¬2) ~~بتوفيق الله تعالى وعونه (¬3). PageV01P011 ### | CHECK الفصل الأول في بيان الأحكام # فصل في بيان الأحكام (¬1) PageV01P013 ### || CHECK الفصل الأول تفسير الحكم # الكلام في هذا الفصل في موضعين في الأصل. # أحدهما - في تفسير الحكم. # والثاني - في بيان أنواعه. # وكل قسم من هذين القسمين ينقسم إلى البيان: # * من حيث وضع اللغة. # * ومن حيث عرف الشرع. # * ومن حيث الحد والحقيقة: عند الفقهاء، والمتكلمين. # أما الأول وهو تفسير الحكم # أما من حيث اللغة: # فيستعمل في مواضع: # - يذكر ويراد (¬1) به المنع والصرف - يقال: حكمت الرجل عن رأيه، وأحكمته، ~~وحكمته- أي (¬2) منعته وصرفته عن رأيه. ومنه يقال: حكمت الفرس وأحكمته إذا ~~جعل[ت] له حكمة (¬3) تمنعه عن PageV01P015 # الجموح والعدو وتصرفه عن المشي طبعا. ومنه سمي (¬1) الرجل حكيما لأنه ~~يمنع نفسه ويردها ويصرفها (¬2) عن هواها. # - ويذكر ويراد به الإحكام والإتقان. ومنه قوله تعالى: "ألر كتاب أحكمت ~~آياته" (¬3). ومنه "الحكيم" من أسماء الله تعالى - فعيل بمعنى مفعل أي محكم ~~للعالم الدال على قدرته وعلمه؛ لكونه محكما متقنا. # - ويذكر ويراد به الحكمة، وهو وضع الشيء في موضعه. وفي الحديث: "وإن من ~~الشعر لحكما" أي من أنواع الشعر ما هو حكمة. # وأما من حيث عرف الشرع: # [ف] يستعمل (¬4) على وضع اللغة في الوجوه الثلاثة: # - فإن الله تعالى شرع الأحكام داعية إلى مصالح العباد، ومانعة عن أنواع ~~العبث (¬5) والفساد. # - وكذا شرعت مبنية على الحكمة (¬6) البالغة والمعاني المستحسنة. # - وكذا هي محكمة متقنة، بحيث لو تأملها العاقل حق التأمل لعرف أنها مما ~~ينبغي أن يكون كذلك. PageV01P016 # وأما بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين: # فقال أصحابنا رحمهم الله بأن حكم الله تعالى صفة أزلية (¬1) له: هو (¬2) ~~فعله، وكون الفعل الحادث واجبا وحسنا وحراما وقبيحا محكوم الله تعالى (¬3) ~~يثبت بحكمه، وهو إيجاده الفعل الحادث (¬4) على هذا الوصف، وهو بناء على ~~مسألة التكوين والمكون، فإن التكوين والإيجاد والإحداث والتخليق عبارات ~~(¬5) عن صفة أزلية لله تعالى وهو فعله حقيقة، والمكون ms005 مفعوله وحادث بإحداثه ~~الأزلي لوقت وجوده- ولهذا قلنا: إن الله تعالى خالق لم يزل، ولله تعالى فعل ~~واحد لكن تختلف تسمياته باعتبار الإضافة إلى وصف المفعول، فإن كان وصف ~~المفعول كونه حادثا يسمى فعله "إحداثا" وإن كان أثره الوجوب يسمى "إيجابا"، ~~وإن كان أثره الحرمة يسمى "تحريما"- وهذا لأن خالق الحوادث كلها هو الله ~~تعالى لا خالق سواه ولا صانع غيره، سواء كان الحادث جسما أو جوهرا أو عرضا ~~حقيقيا أو حكميا من الحسن والقبح والحرمة وغيرها. # لكن في عرف الفقهاء وأهل الكلام يسمى كون الفعل واجبا أو مندوبا أو حسنا ~~أو قبيحا أو محرما، حكم (¬6) الله تعالى، لكن (¬7) المراد به محكومه عندنا ~~بطريق المجاز، إطلاقا لاسم الفعل على المفعول. # ثم (¬8) المحكوم: كونه حسنا وواجبا، أو (¬9) الوجوب والحسن ونحو ذلك، لا ~~نفس الفعل الذي اتصف بها، لأن نفس الفعل حصل PageV01P017 # باختيار العبد وقدرته الحادثة، وإن كان الخالق له هو الله تعالى (¬1). ~~ومحكوم الشرع ما يثبت (¬2) بإثبات الشرع، جبرا، شاء العبد أو أبي. # هذا هو بيان مذهبنا. # فأما على أصل المعتزلة والأشعرية وأكثر المتكلمين: # [ف] التكوين عين المكون، فيكون الإيجاب عين الواجب، والحكم عين المحكوم، ~~والتحسين عين الحسن، والتحريم عين الحرمة - فيكون إطلاق اسم الحكم على ~~المحكوم عندهم بطريق الحقيقة. # وقال بعض المتكلمين: # إن الحكم هو كون الفعل على وصف حكمي، بأن كان موصوفا بكونه واجبا ومندوبا ~~وحسنا ومحرما، لا نفس الفعل، فإن كون الصلاة فرضا، وكون التصدق بالمال حسنا ~~(¬3)، وكون الزنا (¬4) حراما - حكم شرعي، لا نفس هذه الأفعال (¬5)، لما ~~ذكرنا أن حكم الله تعالى ما يثبت جبرا، شئنا أو أبينا، والعبد مختار في ~~أفعاله. # وهذا الحد صحيح إن أراد بالحكم المحكوم مجازا. وإن أراد به، نفس الحكم ~~حقيقة فيكون الحد (¬6) على رأي من قال إن (¬7) التكوين عين المكون. PageV01P018 # وقال (¬1) بعض (¬2) المعتزلة: # إن حكم الله تعالى هو إعلامه إيانا بكون (¬3) الفعل واجبا ومندوبا ومباحا ~~وحراما ونحوها؛ وهو إيجابه وتحريمه وإباحته. وإنما قالوا إن الحكم هو إعلام ~~الله تعالى إيانا بذلك، لا إحداثه (¬4) وإيجاده ms006 وصف الحسن والقبح والوجوب ~~والحرمة في الفعل، وإن كان عندهم الإحداث والحادث واحدا، [لأنهم] (¬5) ~~يقولون إن حدوث الحوادث بإرادة الله تعالى الحادثة، وكونه قادرا - لكن ~~الداخل تحت الإرادة وكونه قادرا، هو نفس المحدث من الأجسام والجواهر ~~والأعراض، فأما الأوصاف التابعة للحدوث من كونه جسما وجوهرا وسوادا وحموضة ~~وحلاوة، وكون الفعل قبيحا وحسنا لم يدخل تحت الإرادة وكونه قادرا، ولم ~~يتعلق وجوده بالفاعل، فلا يمكنهم إضافة ذلك إلى الإرادة الحادثة وكونه قادرا. # وقال بعض أصحاب الحديث من الأشعرية: # الحكم هو الخبر عن المحكوم على ما هو عليه في ذاته إذا كان صدقا، أي ~~الحكم الحق الصواب. فأما الحكم الباطل فهو الخبر عن المحكوم على خلاف ما هو ~~(¬6) عليه في ذاته، لأنه كذب. # وقالوا (¬7): حكم الله تعالى هو خبره (¬8) عن المحكوم على ما هو عليه في ~~ذاته، لأن خبره صدق لا محالة. PageV01P019 # وقال بعض الأشعرية أيضا: # إن حكم الله تعالى ما استحقه المحكوم مما عليه من الوصف الذي أخبر الله ~~تعالى عنه (¬1) بذلك. # وهذا حد صحيح عندهم، لأن الأوصاف التابعة للحدوث، عندهم، حادثة بإحداث ~~الله تعالى في الجواهر والأجسام والأعراض والأفعال الاختيارية من العباد ~~بمنزلة أعيان الحوادث، لأن كل ذلك بتكوين الله تعالى وإحداثه، وإن كان ~~التكوين عين (¬2) المكون، ولكن حدوث الحوادث كلها تعلق بقدرة الله تعالى أو ~~بخطاب "كن"، فيكون الحكم والمحكوم هو كون الفعل على ما هو (¬3) عليه من ~~الوصف حقيقة. لكن إنما تعلقوا (¬4) بالأخبار، لأن الأحكام الشرعية التي ~~ذكرنا (¬5) لا تعرف عندهم إلا بخبر الله تعالى، لا بالعقل، فحسن الأشياء ~~عندهم يعرف بالشرع لا بالعقل، وإنما ذكر المعتزلة لفظ (¬6) الإعلام (¬7) ~~دون الخبر حتى يدخل تحته العقل، لأن به عندهم يعرف كثير من المحاسن ~~والمقابح من الأحكام الشرعية على ما يعرف في أصول الكلام، ونذكر شيئا من ~~ذلك ههنا في موضع آخر إن شاء الله تعالى. # وقال عامة الأشعرية: # إن حكم الله تعالى هو خطابه الذي تعلق بأفعال المكلفين، وهو أمره ونهية، ~~إيجابا (¬8) وندبا وتحريما وكراهة، وخبره أيضا بالحل والحرمة، ms007 وسائر ~~الأحكام الشرعية (¬9). فالواجب ما هو مأمور به حتما، والمندوب PageV01P020 # ما هو مأمور به ندبا، والمباح ما يقال فيه للمكلف "إن شئت افعل وإن شئت ~~لا تفعل"، والحرام ما يجب الامتناع عنه. والمكروه ما يندب إلى الامتناع عنه. # وهذا الحد ليس بصحيح عندهم على ما نذكر. ولكن الحد الصحيح عندهم ما ذكرنا ~~من القولين عنهم، فإن الفعل موصوف بكونه حسنا حقيقة عندهم، فإن صفات ~~الأفعال الراجعة إليها حادثة بإحداث الله تعالى، فيكون خالق الفعل بوصف ~~الحسن هو الله تعالى، لكن (¬1) الأمر دليل الحسن، والنهي دليل القبح. وكذا ~~الخبر عنهما دليل عليهما - لا أنه يثبت الحسن والقبح بالأمر والنهي والخبر. # فإن قيل: فيما ذكرتم إشكالان: # أحدهما - أن الفعل عرض، وأنه صفة، والصفة لا تقوم بالصفة (¬2)، فكيف يصح ~~قولكم (¬3) بأن الفعل موصوف بالحسن والقبح والوجوب حقيقة؟ # والثاني -أن الفعل قبل الوجود يوصف بكونه واجبا وحسنا وحراما- والمعدوم ~~كيف يقبل الصفة حقيقة؟ # [و] الجواب: # عن [الإشكال] الأول- إن (¬4) هذا إشكال على الكل، فإنه لا شك في كون ~~الإيمان حسنا، وكون الكفر قبيحا، وكون الزنا حراما، PageV01P021 # وكون صلاة الظهر فرضا. فإما أن يوصف بذلك مجازا أو حقيقة. والقول يكون ~~الإيمان حسنا والكفر قبيحا بطريق المجاز، وحش (¬1) من القول يرده العقل ~~والشرع. ولأن علامة الحقيقة ما لا يجوز نفيها (¬2) عن الموصوف بحال، ~~والمجاز ما يجوز نفيه، ونفي الحسن عن الإيمان ونفي القبح عن الكفر، لا يجوز ~~بحال. وإذا بطل الوصف بالمجاز ثبت أنه بطريق الحقيقة. # ثم لتخريجه طرق ثلاثة: # أحدها - أن تكون صفات الفعل راجعة إلى الذات، كالوجود مع الموجود، ~~والحدوث مع الحادث، وكالعرض (¬3) الواحد الذي يوصف بأنه موجود ومحدث ومصنوع ~~وعرض (¬4) وصفة ولون وسواد ودليل على ثبوت الصانع - فيكون هذه الصفات راجعة ~~إلى الذات لا معاني زائدة عليها (¬5). # والثاني - يوصف الفعل بأنه واجب، لدخوله تحت إيجاب الله تعالى. ويوصف ~~بأنه مندوب لدخوله تحت ندبه. ويوصف بأنه حسن لدخوله تحت تحسين الله تعالى. ~~ويوصف بكونه محرما (¬6) لدخوله تحت تحريم الله تعالى، كما يوصف الفعل بأنه ~~محدث وحادث ms008 لدخوله تحت إحداث الله تعالى، لا أنه محدث لحدوث قام به، لأن ~~ذلك الحدوث محدث، فيحتاج إلى حدوث آخر فيؤدي إلى القول بمعان لا نهاية لها، ~~وإنه باطل. PageV01P022 # والثالث - أن هذه صفات إضافية، وأسماء نسبية، والصفات الإضافية ليست ~~بمعان قائمة بالذات، فيكون (¬1) الذات موصوفا بها على الحقيقة. وإنما يقتضي ~~وجود غير يكون علقة (¬2) بين الصفة والموصوف، والاسم والمسمى- كما في لفظ ~~الأب والابن والأخ، فالذات موصوف بهذه الصفات، حقيقة لا مجازا، وإن (¬3) لم ~~يكن الأبوة والبنوة والأخوة معاني قائمة بالذات زائدة عليها. # وقد ذكرنا على الاستقصاء في أصل هذا المختصر وفي كتب الكلام - وفي هذا ~~القدر كفاية. # وأما الإشكال الثاني- فسهل، لأنا نصف المعدوم بهذه الصفات على طريق ~~المجاز، على الطريق الأول والثاني، لأن صفات الذات لا يتصور وجودها قبل ~~وجود الذات، وكذا الإحداث لا يتعلق بالمعدوم إلا حالة الحدوث. وأما على ~~الطريق الثالث، وهو الإضافة، [ف] يكون الوصف له بطريق الحقيقة، كوصف ~~المعدوم بأنه معلوم ومذكور ومخبر عنه. # والله أعلم. PageV01P023 # وأما ### || AUTO الفصل الثاني في بيان أنواع الأحكام # فنقول: # أنواع الأحكام كثيرة، لكنا (¬1) نذكر المشهور منها، ونذكر تفسيرها: # * من حيث وضع اللغة. # * ومن حيث العرف. # * وحدودها عند الفقهاء والمتكلمين. PageV01P024 ### ||| AUTO [1] # فمن جملتها كون الفعل: فرضا، وواجبا، و (*) مندوبا وسنة، ونفلا، وتطوعا # أما الفرض: # في اللغة-[ف] يستعمل لمعنيين (¬1): # أحدهما - التقدير، قال الله تعالى: "فنصف ما فرضتم" (¬2) أي قدرتم (¬3). ~~ويقال: فرض القاضي النفقة أي قدرها (¬4). # والثاني - القطع، يقال: فرضت (¬5) الفأرة الثوب أي قطعته. # وأما في عرف الشرع - فمستعمل (¬6) على مقتضى اللغة: سميت الصلاة فرضا ~~وفريضة بمعنى مفروضة أي مقدرة من حيث الذات والزمان الخاص الذي تفعل فيه. ~~وكذا كل فرض مقطوع عما يغايره من جنسه المشروع في عامة الأحكام. # وأما الواجب: # في اللغة-[ف] يستعمل في شيئين: PageV01P025 # - في الساقط (¬1)، يقال: وجب الميت أي سقط. ومنه سمي القتيل واجبا - قال ~~الله تعالى: "فإذا وجبت جنوبها" (¬2) أي سقطت. # - ويستعمل في اللازم، يقال: وجب عليه الدين ووجب عليه الصوم والصلاة أي ~~لزم المكلف أداؤه بحيث لا يخرج ms009 عن عهدته إلا بأدائه (¬3)، كأنه لازمه ~~وجاوره. # وقيل: مأخوذ من الوجبة، وهي (¬4) الاضطراب، سمي به لاضطراب في (¬5) دليل ~~ثبوته (¬6). # وأما في عرف الشرع - فمقرر على وضع اللغة، فإن الواجب يلازم الذي عليه ~~بحيث لا يخرج عن عهدته إلا بإسقاطه عن نفسه، ويكون كالساقط عليه، فيحتاج ~~إلى تفريغ (¬7) نفسه عنه. # وأما المندوب إليه: # في اللغة-[ف] هو المدعو إليه. فإن الندب فب اللغة (¬8) هو الدعاء- يقال: ~~ندبته إلى كذا فانتدب؛ أي دعوته فأجاب. ولهذا يسمى هذا النوع من الأمر أمرا ~~طريق الأدب، لأن (¬9) الأدب في اللغة هو الدعاء أيضا، ومنه سميت المائدة ~~الموضوعة للدعوة مأدبة. PageV01P026 # وأما في عرف الشرع -[ف] اسم لفعل مدعو إليه (¬1) على طريق الاستحباب ~~والترغيب، دون الحتم والإيجاب (¬2). فأما المدعو إليه على طر يق (¬3) الحتم ~~والإيجاب (¬4) [ف] يسمى فرضا وواجبا. # وأما السنة: # في اللغة -[ف] عبارة عن مطلق الطريق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (¬5)، ومن سن ~~سنة سيئة فعليه (¬6) وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" أي من وضع ~~طريقة حسنة أو سيئة. # وقد يذكر في اللغة (¬7) ويراد بها السيرة المطلقة، حسنة كانت أو سيئة - ~~يقال: لفلان سنة حسنة مرضية. ولفلان سنة سيئة مذمومة (¬8) - أي سيرة حسنة ~~وسيرة سيئة (¬9). قال الهذلي شعرا: # فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها. # وأما في عرف الشرع -[ف] مستعملة في هذين المعنيين، تقريرا للوضع اللغوي، ~~لكن في الخير لا في الشر. فالسنة، في عرف الشرع، هي الطريقة المسلوكة في ~~الدين. يقال: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنة الخلفاء PageV01P027 # الراشدين رضي الله عنهم، وسنة الصالحين - أي طريقتهم المرضية وسيرتهم ~~المحمودة. # وأما النفل: # في اللغة -[ف] عبارة عن الزيادة. ولهذا سمي ولد الولد "نافلة"، لكونه ~~زيادة على الولد الصلبي. وسميت الغنيمة (¬1) "نفلا" لأنها زيادة على ما وضع ~~له الجهاد من الثواب في الدار (¬2) الآخرة. # وأما في عرف الشرع-[ف] اسم لما هو زيادة على الفرائض والواجبات ms010 على تقرير ~~الوضع اللغوي. # وأما التطوع: # في اللغة -[ف] اسم لكل خير يباشره المرء عن طوع واختيار (¬3) من غير ~~إيجاب موجب. تفعل من الطوع والطواعية والطاعة. # وأما في عرف الشرع - فمستعمل على مقتضى اللغة، قال الله تعالى: "ومن تطوع ~~خيرا فإن الله شاكر عليم" (¬4). # وأما حدود هذه الألفاظ عند الفقهاء والمتكلمين: # أما حد الفرض في عرف الفقهاء: [ف] ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به. # وحد الواجب: ما ثبت لزومه بدليل فيه شبهة العلم. PageV01P028 # نظير الأول - الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وصوم رمضان، والحج، ونحوها (¬1). # ونظير الثاني - ما ثبت وجوبه بالقياس وخبر الواحد، نحو الوتر وصدقة الفطر ~~والأضحية ونحوها. # وأنكر أصحاب الحديث ما ذكرنا، وقالوا: لا نعرف إلا الواجب والسنة، فالفرض ~~والواجب (¬2) سواء. # وقلنا نحن (¬3): هما قسمان حقيقة، لأن الفعل الذي يجب تحصيله على وجه لا ~~شبهة في وجوبه و (¬4) لزومه ويجب أن يعتقد كونه فرضا (¬5) عليه، يخالف ~~الفعل (¬6) الذي يجب العمل به مع الاحتمال والشبهة دون الاعتقاد بكونه ~~واجبا قطعا إلا ظاهرا. ولهذا يكفر جاحد القسم الأول دون الثاني. وإذا كانا ~~مختلفين في الأحكام فلابد من الاختلاف في الاسم (¬7) للتمييز بينهما، ~~فسمينا القسم الأول فرضا وبقينا اسم الجنس على الثاني، والخلاف وين الفقهاء ~~لا (¬8) يجري في الأسماء (¬9) وإنما يجري في الأحكام على مراتب الحقائق. # ثم تكلم الفقهاء والمتكلمون في حد الفرض حقيقة وحد الواجب القطعي: # قال بعضهم: ما يعاقب المكلف على تركه ويثاب على تحصيله. # وهذا ليس بصحيح: PageV01P029 # - فإن الصلاة في أول الوقت فرض: حتى لو أداها في الأول يقع فرضا ولا يأثم ~~بتركه (¬1)، حتى لو مات قبل آخر الوقت لقي الله تعالى ولا شيء عليه. وكذا ~~صوم رمضان: عزيمة في حق المسافر، حتى يكون الأداء أفضل، ولو أدى يقع فرضا، ~~ولا يعاقب على تركه، حتى لو مات قبل رمضان آخر (¬2) لا يؤاخذ به. # - وكذا باطل بمن ترك الفرض ثم عفا الله تعالى عنه: فإن هذا فرض، ولا ~~يعاقب على تركه. # وقال بعضهم: ما لا يؤمن العذاب على تركه، ms011 أو ما يخاف العقوبة على تركه. # وهذا ليس بصحيح: فإن الصلاة في أول الوقت وصوم رمضان في حق المسافر، مما ~~(¬3) يؤمن العذاب على تركه - وهو فرض. # وقال بعضهم: ما فيه وعيد لتاركه. # وهذا لا يصح: فإن الصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر، فرض، ~~وليس فيه وعيد لتاركه. # وقال بعضهم: الفرض ما يستحق العذاب على تركه. # وهذا لا يصح؛ لأنه: # - إن عنى بالاستحقاق أن الله تعالى حكم عليه (¬4) بالعذاب جزاء على قدر ~~ذنبه بحيث (¬5) لا يجوز تركه، فباطل، لأن (¬6) عفو الله تعالى عما سوى PageV01P030 # الكفر في مشيئته (¬1)، وإذا عفا الله تعالى عنه (¬2) لا يعاقبه بعد ~~العفو، وحكم الله تعالى نافذ لا محالة، و (¬3) لا يجوز غيره، ولا يجوز ~~الخلف في خبره، فلا يكون هذا تفسيرا للاستحقاق (¬4). # - وإن عني به أنه لم يحكم عليه بالعذاب، ولكن جائز أن يعذبه وجائز أن لا ~~يعذبه، فلا يكون هذا (¬5) مستحقا. # وقال بعض المعتزلة: الواجب القطعي (¬6) فعل للإخلال به مدخل في استحقاق ~~الدم أو فعل للإخلال به تأثير في استحقاق الذم. # وفيه نظر - فإنه يقال له: # - إن عنيتت بالإخلال: هو ترك الفعل أو (¬7) الامتناع عنه (¬8) بالاشتغال ~~بضده، فهو باطل بالصلاة في أول الوقت، وصوم رمضان في حق المسافر: فإنه فرض، ~~وليس لتركه أثر في استحقاق الذم. # - وإن (¬9) عنيت بالإخلال عدم الفعل الواجب منه، وأن لا يفعل ذلك الفعل ~~الواجب، فهو فاسد، لأن الذم إنما يحسن على الفعل، لا على عدم الفعل، فإن ~~العلم ليس بشيء، فكيف (¬10) يستحق الذم بتركه (¬11) عليه. PageV01P031 # - ثم هو باطل بما ذكرنا من الصلاة (¬1) في أول الوقت، وصوم رمضان في حق ~~المسافر: فإنه فرض وواجب قطعا، وليس للإخلال به تأثير في استحقاق الذم، على ~~التفسير الذي ذكرت. # ومنهم من زاد على هذا الحد، احترازا عما ذكرنا، فقال (¬2): الواجب فعل ~~للإخلال به أو للإخلال ببدله تأثير في استحقاق الذم. # وهو فاسد؛ لأنه حد مقسم، والحد المقسم فاسد، على ما يعرف فساده بعد (¬3) ~~إن شاء الله تعالى. # ثم هو باطل بمن ترك ms012 صوم رمضان من غير (¬4) عذر، ومات من غير قضاء (¬5) ~~بعد إدراك وقت القضاء (¬6)، فهو (¬7) يستحق الدم بالإخلال بالأصل والبدل ~~جميعا. وقد ذكرت الحد في أحدهما لأن حرف "أو" يتناول أحد المذكورين، أي ~~يستحق الذم، إما بالإخلال بالأصل أو بالإخلال بالبدل (¬8)، وهو فرض. فهذا ~~يبطل الحد الذي ذكرت. فإن ذكرت بحرف الواو (¬9) فيبطل بالمسافر إذا مات بعد ~~ما أدرك وقت القضاء، فإنه يستحق اللذم بأحدهما، وهو البدلت، دون الأصل وهو فرض. # وأما الحدود الصحيحة: # [ف] منها قولهم: الفرض ى فعل يستحق الذم على تركه من غير عذر. واستحقاق ~~الذم حكم من الله تعالى، حال وجود الفعل منه: بكونه فاسقا وعاصيا، والتسمية ~~له (¬10) بذلك، وهو (¬11) حكم معلوم منجز للحال. PageV01P032 # فأما القول باستحقاق العذاب فمتردد، وهو في مشيئة الله تعالى على ما ~~ذكرنا (¬1). # والأصح أن يقال: ما يحسن الذم على تركه من غير عذر. # وإن شئت قلت: ما أمر الله تعالى بذم تاركه من غير عذر. # [و] لا يلزم على هذه الحدود: المسافر إذا مات قبل إدراك وقت القضاء: فإنه ~~فاته الأصل والبدل، ولا يستحق الذم على ذلك، وهو فرض في حقه؛ لأنه ترك بعذر ~~السفر. ولا يلزم الصلاة في أول الوقت (¬2) لأنها (¬3) غير واجبة، وإنما ~~وتعين الوجوب بالشروع فيها أو في آخر الوقت. ولا يلزم إسلام الصبي، لأنه ~~ترك بعذر الصبا. # وإن شئت قلت: الواجب فعل لو أتى به يقع مستحقا؛ أي لم يقع تبرعا. # وإن شئت قلت: الواجب ما أوجبه (¬4) الله تعالى. ثم إيجاب الله تعالى يعرف ~~بدليله. وليس من شرط كونه واجبا أن يتعلق العقاب بتركه، وليس هو من لوازمه. # ويدخل تحت هذا الحد: الواجب القطعي، والواجب مع الاحتمال، والواجب ~~الموسع، والمضيق، والمخير، والمرخص (¬5). والله أعلم. # وأما حد المندوب: فما رغب (¬6) في تحصيله من غير إيجاب. # وقيل: ما يكون تحصيله أولى من تركه. # وقيل: ما يكون في مباشرته ثواب، وليس في تركه عقاب. PageV01P033 # وقيل: ما [يحث] (¬1) المكلف على تحصيله من غير إيجاب. وهذا لا يصح: فإن ~~فعل الصبي العاقل (¬2) في ms013 الصوم والصلاة والحج مندوب إليه، وهو ليس بمكلف. ~~وكذا إسلام الصبي العاقل صحيح من غير تكليف، ولا شك أن الإسلام لا يوصف ~~بالإباحة - كيف وقد ورد الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا ~~صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا" (¬3). # وأما حد السنة: [ف] قيل (¬4): ما واظب عليها (¬5) رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يتركه إلا لعذر (¬6). # وهذا الحد موافق للغة - يقال: سننت الماء، إذا والى في الصب. # وأما حد التطوع: [ف] قيل: هو (¬7) اكتساب الخير طوعا. # وأما حد (¬8) النفل: [ف] قيل (¬9) هو قربة زائدة على القرب الواجبة ~~(¬10). PageV01P034 ### ||| AUTO [2] # ومن أنواع الأحكام أيضا كون الفعل: عبادة، وقربة، وطاعة # أما العبادة: # فهي (¬1) في اللغة: عبارة عن الخضوع والتذلل. يقال: طريق معبد أي مذلل. # وأما حدها: # - فقد قيل: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، للمعبود، بأمره. [ف] ~~لا يلزم الصلاة بغير طهارة، وصلاة أهل الذمة، وعبادة الأصنام- حيث؛ لا تكون ~~عبادة، مع وجود نهاية الخضوع للمعبود، لأنه لم يوجد الأمر من المعبود بذلك. # لكن هذا يبطل بعبادة فرعون بأمره: فإنه (¬2) نهاية الخضوع والتذلل ~~للمعبود بأمره (¬3)، إلا يكون عبادة، فينبغي أن يغير هذه (¬4) العبارة ~~فيقال: نهاية ما يقدر عليه، من الخضوع والتذلل، لمن يستحق، بأمره. # - وقيل: فعل لا يراد به إلا تعظيم الله تعالى، بأمره- بخلاف القربة: فإنه ~~يراد بها (¬5) تعظيم الله تعالى مع إرادة ما وضع له الفعل من الغرض، نحو ~~الوطء الحلال الذي أريد به حصول الولد ليوحد الله تعالى ويعبده مع إرادة ~~اقتضاء الشهوة. وكذا بناء المساجد (¬6) والرباطات: قربة، PageV01P035 # لأنه يراد به (¬1) وجه الله تعالى مع إرادة حصول المنفعة للناس. # - وقيل: العبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى وتوجيهه (¬2) إليه - قال ~~الله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" (¬3). # وأما القربة: # فما فيها وجه التقريب إلى الله (¬4) تعالى بما فيه من الإحسان، بعبادته ~~(¬5)، وتعظيم أمره، وإن كان نفس العمل لنفسه أو لغيره. # وأما حد الطاعة: # - فهو موافقة الأمر. # - وقيل: هو (¬6) العمل، لغيره، بأمره، طوعا. ولهذا ms014 لا تجوز العبادة لغير ~~الله تعالى، وتجوز الطاعة لغيره - قال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم (¬7) ". وكذا التقريب (¬8) إلى غير الله تعالى، ~~لاختصاصه بالعلم والزهد، جائز، ويكون سبب الثواب (¬9) إذا كان قصده تعظيم ~~الله تعالى وتعظيم العلم والزهد. # فهذا (¬10) هو الفرق بين هذه الجملة. PageV01P036 ### ||| CHECK [3] ومن أنواع الأحكام، مما يدخل في العبادات والمعاملات، كون الفعل: صحيحا، وجائزا، ونافذا، وموقوفا. وكونه فاسدا، وباطلا # [3] # ومن أنواع (¬1) الأحكام، مما (¬2) يدخل في العبادات والمعاملات، كون (¬3) ~~الفعل: صحيحا، وجائزا، ونافذا، وموقوفا. وكونه فاسدا، وباطلا # أما الصحيح: # في اللغة: فيستعمل في الجمادات فيما استوى تركيبه الخاص، وفيه صلابة وشدة ~~- يقال: هذه اسطوانة (¬4) صحيحة وخشبة منكسرة (¬5)، وكوز صحيح وكوز منكسر ~~إذا كان فيه نوع نقصان. ويستعمل في الحيوانات فيما اعتدلت طبيعته واستكمل ~~(¬6) قوته مع انتفاء أسباب الهلاك والنقصان عن المعاني الباطنة - يقال: ~~"رجل صحيح" و "رجل سقيم" (¬7) و "فلان مصحاح" و "فلان مسقام". # وأما في عرف الشرع: فيستعمل (¬8) فيما استجمع أركانه وشرائطه، بحيث يكون ~~معتبرا شرعا في حق الحكم (¬9)، نقلا للاسم من المحسوس إلى المشروع، لمشابهة ~~بينهما في اعتدال الأجزاء والأركان، واعتبار ذلك فيما وضع له وأريد به ~~(¬10) - في قال: صلاة صحيحة وصوم صحيح PageV01P037 # وبيع صحيح - إذا وجد أركانه وشروطه (¬1). وتبين بهذا (¬2) أن الصحة ليست ~~بمعنى زائد على نفس التصرف وإنما يرجع إلى ذاته من وجود أركانه وشرائطه ~~الموضوعة له شرعا. # وأما الجائز والنافذ: # فهما في اللغة: مأخوذان من المجاوزة عن (¬3) الشيء. يقال: جاز السهم ونفذ ~~إذا جاوز (¬4) عن الشيء الذي (¬5) أصابه وتعدى عنه. ولهذا يقال في الدعاء: ~~"وجوازا (¬6) على الصراط". # وأما في عرف الشرع: فيستعمل (¬7) بمعنى الاحتساب والاعتبار في حق الحكم- ~~يقال: صلاة جائزة وصوم جائز (¬8) وبيع جائز ونافذ، أي محسوب (¬9) معتبر في ~~الشرع، يظهر نفاذه إلى حصول ما وضع له في الشرع من الثواب في العبادات ~~(¬10)، والحكم المقصود الذي شرع له (¬11) في المعاملات مع الأمن عن الذم ~~والإثم شرعا. # وأما البيع الموقوف والتصرف الموقوف: # فهو الذي لا يعرف حكمه للحال، مع وجود ركن ms015 التصرف، لعارض اعترض عليه. ~~ومتى زال العارض (¬12) ثبت الحكم من وقت وجود PageV01P038 # العقد (¬1)، إما من كل وجه، أو من وجه، فيجب التوقف في الجواب: أنه هل له ~~حكم في الحال (¬2) أم لا؟ فإنه لا يدرى أنه هل يزول المانع أم لا؟ وهل يجاز ~~(¬3) العقد أو يفسخ؟ والتوقف في الجواب في موضع الجهل واجب، ويعرف حقيقته ~~في باب القياس في فصل (¬4) بيان الأسباب إن شاء الله تعالى. # وأما بيان الفاسد والباطل: # في اللغة: فالفاسد من الأعيان ما تغير عن حاله واختل ما هو المقصود منه - ~~يقال (¬5): طعام فاسد إذا تغير ولحم فاسد إذا أنتن (¬6). # والباطل من الأعيان هو الذي انعدم معناه المخلوق له، وفات، بحيث لم يبق ~~إلا صورته. ولهذا مقابل (¬7) الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت. # وأما في عرف الشرع: [ف] يراد بهما ما هو المفهوم مهما في وضع اللغة (¬8). ~~فالفاسد هو ما كان مشروعا في نفسه، فائت (¬9) المعنى من وجه، لملازمة ما ~~ليس بمشروع إياه، بحكم الحال، مع تصور الانفصال في الجملة. # والباطل ما كان فائت المعنى من كل وجه، مع وجود الصورة: إما لانعدام محل ~~التصرف كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف كبيع المجنون والصبي ~~الذي لا يعقل، على ما يعرف (¬10) في باب النهي (¬11) إن شاء الله تعالى. PageV01P039 ### ||| CHECK [4] ومن أنواع الأحكام أيضا كون الفعل: حراما، ومحرما، ومحظورا، ومنهيا، ومكروها وعلى مقابلتها كونه: حلالا، ومحللا، ومباحا، ومأذونا، ومطلقا، ومشروعا # [4] # ومن أنواع الأحكام أيضا كون الفعل: حراما، ومحرما، ومحظورا، ومنهيا، ~~ومكروها وعلى مقابلتها (¬1) كونه: حلالا، ومحللا، ومباحا، ومأذونا، ومطلقا، ~~ومشروعا # أما الحرام والمحرم: في اللغة - فهو (¬2) الممنوع. والحرمة والحرمان ~~والتحريم هو المنع. قال الله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع من قبل" (¬3) أي ~~منعنا. ويقال: حرمت الرجل العطية إذا منعته (¬4). # وكذا النهي: لغة - هو المنع، والمنهي الممنوع - قال الله تعالى: "فمن ~~جاءه موعظة من ربه فانتهى" (¬5) أي امتنع. ومنه قيل: "لا تنه عن خلق وتأتي ~~مثله" (¬6) أي لا تمنع. # وكذا المحظور: الممنوع. والحظر هو (¬7) المنع. ومنه الحظيرة. # وأما ms016 المكروه: فمأخوذ من الكره، والكراهة، الذي هو ضد المحبة والرضا - ~~قال الله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو ~~شر لكم" (¬8). PageV01P040 # فالمكروه ضد (¬1) المندوب والمحبوب لغة. # والكراهة ليست بضد الإرادة عندنا، فإن الله تعالى كاره للكفر والمعاصي أي ~~ليس (¬2) براض بها ولا محب لها، وإن كان (¬3) الكفر والمعاصي بإرادة الله ~~تعالى ومشيئته. # وعند المعتزلة: الكراهة ضد الإرادة أيضا (¬4) على ما عرف في أصول (¬5) ~~الكلام. # وأما الحلال والمحلل: في اللغة -[ف] مأخوذ من معنى الفتح والإطلاق. ومنه ~~حل العقدة وهو نقيض العقد. قال الله تعالى خبرا (¬6) عن موسى صلوات الله ~~عليه وسلامه: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" (¬7). # وأما المباح: في اللغة -[ف] الظاهر [أنه] مأخوذ من قولهم: باح فلان بسر ~~فلان بوحا أي أظهره. ويكون باح به وأباح بمعنى واحد (¬8). # وأما الإطلاق: فهو (¬9) الفتح ورفع القيد، وهو معروف. # وأما الإذن: فهو الإعلام - قال الله تعالى: "وأذان من الله ورسوله" (¬10) ~~أي إعلام. PageV01P041 # وأما المشروع: [ف] مأخوذ من الشرع، وهو البيان والإظهار - يقال: شرع الله ~~تعالى كذا أي أظهره وجعله (¬1) مبينا ظاهرا. ومنه سميت المشرعة والشريعة ~~لمكان ظاهر معلوم من البحر والنهر نغترف منه الماء ويشرب منه الدواب. # وقيل: المشروع (¬2) والشريعة والشرعة الطريق المسلوك (¬3) في الدين - ~~يقال: شرع فلان في أمر كذا إذا أخذ فيه، وابتدأ ذلك (¬4). ومنه الشروع في ~~الصوم والصلاة. ومنه سميت الشريعة (¬5) لأنه يشرع فيها (¬6) للغسل والتبرد (¬7). # وفي عرف الشرع: اسم لفعل أظهره الشرع، عن غير حجر وإنكار، ولا ندب وإيجاب ~~(¬8) على مقتضى اللغة. # فالحلال (¬9) والمطلق والمأذون نظائر (¬10)، والمندوب إليه والمحبوب ~~والمرضي نظائر. والمشروع شامل للكل. # وأما حدودها عند الفقهاء والمتكلمين: # أما حد الحرام والمحرم والمنهي: PageV01P042 # فعلى خلاف ما ذكرنا من (¬1) حد الفرض والواجب القطعي - أعني أن من قال في ~~حد الواجب "ما يأثم بتركه" يقول في الحرام: "ما يأثم بفعله". # ومن قال في حد الواجب: "ما أوعد على تركه" يقول في حد (¬2) الحرام: "ما ~~أوعد على فعله" إلى (¬3) آخر ما تكلموا فيه ms017 (¬4). # وقيل: المحرم ما حرم فعله. # وقيل: ما منع من (¬5) فعله، وقد ثبت المنع بدليله من النهي والخبر عن ~~الحرمة. ولكن إنما يصح هذا الحد على قول من يقول بتحريم الأفعال دون ~~الأعيان، فيجب أن يذكر على الإطلاق، حتى يصح (¬6) هذا التحديد بالاتفاق، ~~فيقال: المحرم هو الممنوع شرعا حتى يدخل تحته الأفعال والأعيان جميعا (¬7). # وقد اختلف المشايخ في أن تحريم الأعيان هل يكون على سبيل الحقيقة أو يضاف ~~إليها الحرمة مجازا على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # وأما حد المكروه: # [ف] قيل: ما يكون تركه أولى من تحصيله. # وقيل: ما الأولى أن لا يفعل. PageV01P043 # وأما حد الحلال: # [ف] هو المطاق بالإذن شرعا (¬1). # وقيل: التحليل إطلاق الفعل، لمن يجوز عليه المنع والحجر والتقييد، ~~بالإذن. # وزيادة معنى على كونه مطلقا (¬2) احترازا عن فعل المجانين والبهائم، فإنه ~~لا يوصف بالحل والحرمة (¬3) , لأنه لا إذن في حقهم ولا حجر. فأما أفعال ~~الصبي العاقل-[ف] هل يوصف بالحل والحرمة (¬4) والإباحة والندب؟ # فأصحاب (¬5) الحديث قالوا: لا يوصف به؛ لأنه لا خطاب عليهم. ونحن نقول: ~~يوصف فعل الصبي العاقل بالحل والإباحة والندب، لوجود الإذن (¬6) من الله ~~تعالى في حقه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروا صبيانكم بالصلاة ~~إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا" (¬7)، لكن لا يوصف فعله ~~بالحرمة، لانعدام خطاب النهي في حقه (¬8). # وأما حد المباح: # [ف] قيل: ما استوى فعله وتركه في الشريعة. وهذا يبطل بفعل البهائم ~~والمجانين. PageV01P044 ### ||| CHECK [5] ومن أنواع الأحكام أيضا كون الفعل: حسنا، ومرضيا، وحقا، وصوابا، وعدلا، وحكمة # وقيل: ما لا يتعلق بفعله ثواب ولا عقاب (¬1). وهذا يبطل أيضا بما قلنا. # وقيل: ما يتخير العاقل فيه بين الترك والتحصيل شرعا. # وأما حد المشروع: # [ف] قيل: ما بين الله تعالى فعله من من غير إنكار. # وقيل: ما جعله (¬2) الله تعالى شريعة لعباده؛ أي طريقا ومذهبا يسلكونه ~~اعتقادا وعملا (¬3) على وفق ما شرع. # [5] # ومن أنواع الأحكام (¬4) أيضا كون الفعل: # حسنا، ومرضيا، وحقا، وصوابا، وعدلا، وحكمة # وقد يوصف الفعل على ضد هذه الأوصاف - فيقال: ms018 # فعل قبيح، وباطل، وخطأ، وظلم، وجور، وسفه (¬5). # أما الحسن: # في اللغة (¬6): فهو (¬7) كون الشيء على وجه تقبله النفس، و (¬8) يميل ~~إليه الطبع، من حيث الاستمتاع به. والحسن هو الكائن على هذا الوجه. PageV01P045 # ولهذا يوصف الوجه بالحسن والقبح: يقال وجه حسن ووجه قبيح (¬1). # وأما في عرف الشرع: فعندنا الحسن هو القبول للشيء والرضا به، والحسن هو ~~المقبول والمرضي (¬2). # ثم هو اسم إضافي باعتبار غير يقبله ويرضى به: وذلك الغير (¬3) إما الطبع ~~أو العقل أو الشرع: # - فكل (¬4) ما يميل إليه الطبع لا غير، يكون حسنا طبعا، لا عقلا و (¬5) ~~شرعا، كمباشرة المحرمات الشرعية. # - وكل (¬6) ما يدعو إليه العقل والشرع، دون الطبع - فهو حسن عقلا، وشرعا، ~~لا طبعا (¬7)، كالإيمان بالله تعالى وأصل (¬8) العبادات. # - وكل ما جاء الشرع به، ودعانا (¬9) إليه، ورغبنا في فعله، من غير أن ~~يعقل فيه (¬10) وجه الحسن ويميل إليه الطبع - فهو حسن شرعا، لا عقلا وطبعا، ~~كصور (¬11) العبادات ومقاديرها وأوقاتها وهيئاتها (¬12). # وأما القبح (¬13): # فهو على ضد (¬14) هذه الوجوه أيضا (¬15)، على مقابلة الحسن. PageV01P046 # وأما العدل: # -[ف] قيل: مأخوذ (¬1) في اللغة (¬2) من العدول، وهو الميل - يقال: عدل عن ~~الطريق إذا مال عنه (¬3). # وأما في عرف الشرع فقد (¬4) استعمل في وجه مخصوص، وهو العدول عن الباطل ~~إلى الحق. # - وقيل: هو مصدر بمعنى العدالة، وهو الاعتدال والاستقامة. # وفي عرف الشرع: يستعمل (¬5) في فعل مستقيم في العقل بحيث يقبله (¬6) ولا ~~يرده (¬7). # وأما الجور: # فهو (¬8) مأخوذ من الميل أيضا لغة - يقال "جار السهم" إذا زال عن سننه. # إلا أنه في الشرع استعمل في الميل الخاص وهو أن يكون (¬9) عن الحق إلى ~~الباطل. PageV01P047 # وأما الظلم: # فهو في اللغة عبارة (¬1) عن وضع الشيء في غير موضعه (¬2). يقال في المثل ~~السائر (¬3): "من أشبه أباه فما ظلم" أي هذا الشبه ليس في غير موضعه (¬4). ~~ويقال: "ظلم الشعر" إذا ابيض في غير حينه. # وأما السفه: # في اللغة: [ف] عبارة عن التحفة والاضطراب. يقال "سفهت أحلام القوم" أي ~~عقولهم (¬5) إذا خفت. ومنه (¬6) سمي الرجل سفيها إذا كان به خفة وفي عقله ~~نوع ms019 اضطراب فيحمله (¬7) على فعل مخلف للعقل بقلة (¬8) التأمل. # وأما الحكمة: # في اللغة: فقد (¬9) قال ابن الأعرابي (¬10): الحكمة العلم، والحكيم هو ~~(¬11) العالم. وقيل: الحكمة هي الإتقان والإحكام والحكيم هو المحكم PageV01P048 # للشيء: فعيل (¬1) بمعنى مفعل كما يقال: عذاب أليم أي مؤلم، وسميع بمعنى ~~مسمع (¬2). # وأما حدود هذه الأفعال عند المتكلمين: # [فقد] اتفقوا على (¬3) أن كل ما هو حكمة وعدل فهو حسن في العقل (¬4)، وأن ~~كل ما هو سفه وظلم (¬5) فهو قبيح (¬6). # و (¬7) اختلفوا في تحديدها: # قال بعض أهل الحديث: # القبيح والظلم والسفه ما نهي عنه. والحسن ما أمر به. # فأبطل عليهم: # - بأفعال الله تعالى عندهم (¬8)، وهي (¬9) المفعولات عندنا: فإن كثيرا ~~منها يوصف بالحسن، والله تعالى لم يكن يدخل (¬10) تحت أمر آمر. # - وكذا أبطل عليهم بفعل العاقل البالغ (¬11) قبل بلوغ الدعوة من الإيمان PageV01P049 # بالله تعالى والإحسان في حق ذوي الحاجة، فإنه فعل حسن ولم يؤمر به قبل ~~بلوغ (¬1) الدعوة عندكم. وكذا ما أتى به من الكفر والكفران والكذب والظلم: ~~فإنه قبيح يقر به (¬2) كل عاقل، وليس هو (¬3)، بمنهي عن هذه الأفعال. # فلما عرفوا هذا (¬4) الإلزام قالوا: إن القبيح ما نهي عنه، والحسن ما لم ~~ينه عنه. # فأبطل عليهم: # - بفعل الصبيان والمجانين، من اللواطة والوطء في ملك الغير (¬5)، وقذف ~~المحصنات، والقتل بغير حق ونحو ذلك (¬6) - فإنها أفعال قبيحة ولم توصف (¬7) ~~بالحسن، وإنهم لم ينهوا عنها. # - وكذا العاقل البالغ إذا آمن (¬8) بالله تعالى وأقر بوحدانيته وبجميع ~~(¬9) صفات الكمال قبل بلوغ الدعوة وظهور الشريعة، وكذا إذا أطعم جائعا وسقى ~~عطشان: فإن فعله لا يوصف بالحسن عندهما (¬10)، والإيمان والإحسان مما (¬11) ~~لم ينه عنهما. PageV01P050 # فتركوا هذا الحد ونقلوا (¬1) إلى حد آخر، وهو قولهم (¬2): الحسن والعدل ~~والحكمة ما لفاعله فعله، والقبيح (¬3) والظلم والسفه ما ليس لفاعله فعله. ~~فيقال لهم: # - بم عرفتم أن لفاعله فعل هذا النوع دون النوع الآخر (¬4): أبالعقل عرفتم ~~ذلك أم (¬5) بالشرع؟ إن قلتم: بالعقل، فقد تركتم مذهبكم في أن العقل لا ~~يعرف به (¬6) الحسن والقبح والعدل (¬7) والظلم. وإن قلتم: بالشرع فقد عدتم ~~إلى الحد الأول وقد ms020 أبطلناه (¬8). # - ثم هو باطل بفعل البالغ العاقل الذي لم يبلغه الشرع - فما قولكم: هل له ~~أن يؤمن أم لا؟ فإن قلتم: لا، فهو قبيح شنيع. وإن قلتم: له أن يؤمن، فقد ~~فعل ما له فعله، وفعله لا يوصف بالحسن عندكم، فيبطل هذا الحد في جانب الحسن. # - ثم نقول لهم (¬9): هل له أن يكفر؟ فإن قلتم: نعم، فهذا كفر. وإن قلتم: ~~ليس (¬10) له أن يفعله، فقد وجد حد فعل (¬11) القبيح، وفعله لا يوصف (¬12) ~~بالقبح عندكم. PageV01P051 # - وكذا عندكم فاعل الكفر والمعاصي، هو الله تعالى، وله فعله، والعبد كانت ~~و (¬1) ليس بفاعل، وإنه (¬2) لا يوصف بالحسن بل بالقبح. # وقال بعض المعتزلة: # الحسن ما إذا فعله القادر عليه لم يستحق الذم بوجه ما. # وهذا باطل: # - بالصبي العاقل إذا فعل شيئا من الفواحش: فإنه لا يوصف ذلك (¬3) الفعل ~~بالحسن مع وجود ما ذكرتم من الحد. # - وكذا باطل بالمباح: فإنه ليس بحسن، مع وجود هذا الحد. # فإن (¬4) وصفوا المباح بالحسن: فهو فاسد، لأن الحسن لابد أن (¬5) يكون ~~فيه وصف يترجح به جانب وجوده على جانب عدمه (¬6)، والمباح ما استوى طرفاه ~~في الوجود والعدم. # وذكر أبو إسحاق الاسفرايني (¬7) من الأشعرية وقال: PageV01P052 # الظلم والقبيح ما يعود به على فاعله ضرر محض. والحسن على عكسه (¬1). ~~والحكمة في الفعل وقوعه على قصد فاعله. والسفه وقوع الفعل (¬2) على خلاف ~~قصد فاعله. فمن وقع فعله على موافقة قصده فهو حكيم، ومن وقع فعله على خلاف ~~قصده فهو سفيه. # وعامة المعتزلة قالوا: # إن الحكمة كل فعل فيه نفع إما للفاعل (¬3) أو (¬4) لغير الفاعل. وهو عدل. ~~وهو حسن. وكل فعل خلا عن المنفعة إما للفاعل وإما لغيره (¬5)، فهو سفه. # وقالوا: كل فعل فيه إلحاق الضرر بالغير من غير أن يكون فيه نفع أعظم مما ~~فيه من الضرر - فهو ظلم. # وقال بعضهم: # الظلم هو (¬6) الضرر المحض الذي لا نفع فيه، ولا هو مستحق؛ ولا يدفع به ~~ضرر أعظم منه، ولا يظن به أحد هذه الوجوه (¬7). # وقال أصحابنا رحمهم الله: # السفه ما خلا عن العاقبة الحميدة. ms021 وهو قبيح لخلوه عن العاقبة الحميدة، لا ~~لمكان الضرر. والظلم وضع الشيء في غير موضعه. والحكمة ما تعلقت به عاقبة حميدة. # * * * PageV01P053 ### ||| CHECK [6] ومن أنواع الأحكام كون الفعل: عزيمة، ورخصة # والكلام في هذه الفصول لتصحيح ما ذكرنا من الحدود، وإبطال ما ذكروه ~~يستقصى (¬1) في أصول الكلام. وقد (¬2) ذكرنا طرفا منه لاتصاله بما قلنا. ~~وفي الشرح يذكر بأبلغ من هذا (¬3) إن شاء الله تعالى. # [6] # ومن أنواع الأحكام (¬4) كون الفعل: # عزيمة، ورخصة # أما العزيمة: # في اللغة: [ف] عبارة عن النية المؤكدة - فإن من خطر بباله شيء (¬5) من ~~الأفعال التي يحتاج إلى تحصيله، فإنه ينوي مباشرته بقلبه. فإذا أكد النية ~~يقال: "عزم عليه". وإذا (¬6) أكد العزم يقال: "أجمع عليه رأيه" (¬7) # فأما الإرادة والقصد [ف] قرينة الفعل، بها يصير الفعل اختياريا (¬8)، ~~ويخرج (¬9) عن (¬10) حد الاضطرار. غير أن لفظة الإرادة مطلقة يجوز إطلاقها ~~في الشاهد والغائب. فأما (¬11) القصد فيطلق (¬12) في الإرادة الحادثة، ولا ~~يجوز إطلاقه (¬13) في صفة الله تعالى مكان الإرادة. PageV01P054 # وقال بعض مشايخنا رحهمم الله (¬1): # يجوز أن تكون الإرادة سابقة على الفعل، بخلاف القدرة الحقيقية: فإنها ~~مقارنة للفعل لا محالة (¬2)، لا يجوز سبقها عليه ألبتة (¬3). # وأما الرخصة: # في اللغة: فعبارة (¬4) عن السهولة واليسر - يقال: رخص السعر إذا كثرت ~~الأعيان وتيسرت إصابتها. # وأما في عرف الفقهاء: # فالعزيمة (¬5) اسم للحكم الأصلي في الشرع لا لعارض أمر. وهو ما ذكرنا من ~~الفرض والواجب والسنة ونحوها (¬6). وما ذكرنا من الحلال والحرام ونحوهما (¬7). # و [أما] الرخصة فهي اسم لما تغير عن الأمر الأصلي لعارض (¬8)، إلى تخفيف ~~وتيسير، ترفيها (¬9) وتوسعة على أصحاب الأعذار، سواء كان التغيير في وصفه ~~(¬10) أو في حكمه. وذلك نوعان: حقيقة ومجاز (¬11). # أما الحقيقة - فقد تكلموا فيها: PageV01P055 # قال بعض مشايخنا رحمهم الله: هي (¬1) نوعان: # أحدهما - ما تغير حكمه مع بقاء الوصف الذي كان عليه من قبل (¬2)، وهو أن ~~يكون الفعل محرما في نفسه مع سقوط حكمه، وهو (¬3) المؤاخذة في الدار الآخرة ~~(¬4). وذلك نحو إجراء كلمة الكفر على لسانه (¬5) حالة الإكراه، مع قيام ~~(¬6) التصديق بالقلب، وإتلاف المال المعصوم لغيره ms022 بغير إذنه، وسبب الإكراه ~~أو (¬7) المخمصة، حتى لو امتنع فقتل أو مات جوعا فإنه يثاب على ذلك، ~~لامتناعه، ببذل نفسه (¬8) لوجه الله تعالى، وتعظيم نهيه، لأن حرمة الكفر ~~والتكلم به لا تحتمل (¬9) الإباحة بحال، وكذا إباحة (¬10) تناول مال الغير ~~بغير إذنه لم يرد الشرع به، لكن لا يؤاخذه (¬11) في الآخرة، لأن العذاب ليس ~~من الأحكام اللازمة لمباشرة المحظور (¬12). وإنما عرف جزاء له بوعيد الله ~~تعالى، والله تعالى ما أوعد الجزاء بمباشرة (¬13) المحظور عند العذر. وكذا ~~إفطار صوم رمضان بالإكراه من هذا القبيل. PageV01P056 # والنوع الثاني - أن يسقط الحظر والمؤاخذة جميعا (¬1). وذلك نحو حرمة ~~الميتة (¬2) والخمر عند الإكراه والمخمصة، حتى لو امتنع فمات، فإنه يؤاخذ ~~(أي يأثم) بدمه. # وأما الصوم في حق المسافر في رمضان: # فعند عامة مشايخنا رحمهم الله من القسم الأول، فإن العزيمة في حق ~~المسافر، إذا كان لا يخاف الهلاك، هو الصوم، فيكون الصوم واجبا في حقه، لكن ~~المؤاخذة ساقطة مع قيام الوجوب. # وعند بعض المشايخ من القسم الثاني، لأن الوجوب ساقط إلا أنه إذا ترك ~~الترخص واشتغل بالعزيمة، يعود حكم العزيمة كما كان (¬3). # وكلا القسمين رخصة، بطريق الحقيقة، لوجود التغير عن الأمر الأصلي إلى ~~تخفيف وتيسير (¬4)، إلا أن القسم الثاني (¬5) أكمل (¬6) في الرخصة، لأن ~~التيسير (¬7) والتغير فيه (¬8) عن الأمر الأصلي أكثر، وهو سقوط وصف الفعل ~~وسقوط (¬9) الحكم جميعا. # فأما (¬10) قصر الصلاة في حق المسافر فليس برخصة عندنا، بل هو عزيمة. PageV01P057 # وعند الشافعي رحمه الله رخصة، لأن المشروع الأصلي في الصلاة من حيث القدر ~~(¬1) ركعتان، على ما روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال (¬2): "الصلاة في الأصل (¬3) ركعتان زيدت في الحضر، ~~وأقرت في السفر" وقال عمر رضي الله عنه: "صلاة المسافر ركعت أن [تمام] (¬4) ~~عن (¬5) غير قصر على لسان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - " (¬6) ثم في حق ~~المقيم تغيرت عن الأصل وصارت أربعة لكنه تغير إلى الغلظ والشدة (¬7) لا إلى ~~التيسير والسهولة (¬8)، فلا (¬9) يسمى رخصة. # وقال بعض مشايخنا رحمهم الله: # الرخصة ms023 الحقيقية نوعان: # أحدهما - ما تسقط (¬10) المؤاخذة فيه مع قيام الحرمة والوجوب على ما ذكرنا. # والثاني - ما تسقط (¬11) المؤاخذة فيه والحرمة والوجوب مع قيام السبب ~~المحرم والسبب الموجب (¬12). وهذا إنما يصح على قول من يقول بتخصيص PageV01P058 # العلة، ويجوز (¬1) قيام السبب (¬2) المحرم والموجب بلا (¬3) حرمة ولا وجوب. # وقال بعض أصحاب الحديث: # إن حقيقة الرخصة ما وسع على المكلف فعله، لعذر، مع كونه حراما في حق من ~~لا عذر له، أو وسع على المكلف تركه، مع قيام الوجوب، في الجملة في حق غير ~~المعذور. وسوى بين الرخص كلها وقال: لا يجوز أن تكون (¬4) الرخصة حرام ~~التحصيل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يحب أن يؤتى ~~(¬5) برخصه كما يحب أن يؤتى (¬6) بعزائمه" وقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، لعمار بن ياسر (¬7) رضي الله عنه، حين أكرهه الكفار على إجراء كلمة ~~الكفر فأجرى،: "فإن عادوا فعد"، كيف وإن (¬8) بعض الرخص يجب تحصيله (¬9)، ~~كما في تناول الميتة والدم عند الإكراه والمخمصة، وكما في الإفطار إذا خاف ~~الهلاك. # وهذا صحيح ويجب أن يكون قول أصحابنا رحمهم الله هذا، فإن معنى الرخصة ~~السهولة واليسر، وذلك في سقوط الحظر والعقوبة جميعا. # وأما الرخصة بطريق المجاز: فهو كل حكم شرع، في الأصل، PageV01P059 # تيسيرا، لا أنه تغير (¬1) عن الأصل إلى التخفيف بعارض، لكن كان على ~~التضييق (¬2) والعسر في شريعة من قبلنا من الأمم السالفة (¬3)، وذلك نحو ~~وضع الإصر والأغلال التي كانت على (¬4) الأمم السالفة وصارت منسوخة، ولم ~~يشرع مثلها في شريعتنا، بل على اليسر والسهولة. فعلى اعتبار الإضافة إلى ~~الشريعة الماضية يشبه الرخصة فسميت (¬5) بها مجازا. فأما ما شرع في شريعتنا ~~بطريق السهولة و (¬6) اليسر كما هو في شريعة من قبلنا (¬7)، كإباحة أكل ~~(¬8) الطيبات ولبس الزينة، فلا يسمى رخصة لا حقيقة ولا مجازا. # ثم ما قيل في حد الرخصة، و (¬9) هو استباحة المحظور مع قيام المحرم عبارة ~~مشكلة: إن أريد بها إباحة المحظور (¬10) مع قيام المحرم (¬11) بلا حرمة، ~~فهو قول بتخصيص العلة. وإن أريد بها إباحة المحظور مع ms024 قيام الحرمة نفسها ~~(¬12)، فهو قول بالجمع (¬13) بين المتضادين، وكلاهما فاسدان (¬14). PageV01P060 # والصحيح ما ذكرنا من العبارة، وممكن تصحيح (¬1) ما ذكرنا من عبارة (¬2) ~~بعض أصحاب الحديث. # وإن ذكر حدا مقسما بأن يقال: حد الرخصة ما وسع على المكلف بعذر. ثم ما ~~وسع عليه نوعان (¬3): ما وسع فعله، أو ما وسع تركه (¬4) - حتى يصير حدا ~~شاملا للقسمين [جاز]. # وبعضهم صحح هذه العبارة فقال: ما رخص فيه مع كونه حراما. وهذا لا ينفع ~~لأن الترخيص (¬5) إباحة أيضا (¬6) وإن لم يكن إباحة مطلقة- كيف وقد أمر به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال لعمار رضي الله عنه (¬7): "فإن عادوا ~~فعد"، وأدنى درجات الأمر هو (¬8) الإباحة - والله تعالى أعلم. PageV01P061 ### ||| CHECK [7] ومن أنواع الأحكام كون الفعل: أداء، وقضاء، وإعادة # [7] # ومن أنواع الأحكام (¬1) كون الفعل: # أداء، وقضاء، وإعادة # فنذكر تفسير هذه الجملة من حيث اللغة، وعرف الشرع. # أما الأداء والقضاء (¬2): # فلفظان يستعملان (¬3) في اللغة أحدهما مكان الآخر (¬4) - قال الله تعالى: ~~"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" (¬5). والمراد منه الأداء، لأن صلاة ~~الجمعة لا تقضى (¬6). وقال الله تعالى: "فإذا قضيتم مناسككم" (¬7). ويقال: ~~"قضي الدين"-. قال (¬8) النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدين مقضي" أي ~~مؤدى (¬9). # إلا أن الأداء (¬10) في اللغة ينبئ عن شدة الرعاية والمبادرة إلى تسليم ~~عين (¬11) الواجب، فيستعمل في تسليم عين الواجب على طريق المسارعة. ولهذا ~~(¬12) يقال في الثلاثي منه: "الذئب يأدو للغزال فيختله" (¬13) أي PageV01P062 # يراعي حضوره شدة (¬1) الرعاية، وينتهز (¬2) الفرصة بالحيلة حتى يأخذه. # وأما القضاء فعبارة عن الإحكام والإتقان - قال قائلهم (¬3). # وعليهما مسرودتان (¬4) قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع أي أحكم ~~صنعتهما. ويراد به إتيان (¬5) الفعل الواجب محكما تاما (¬6)، من غير قصور ~~من حيث المعنى. فيستعمل في تسليم مثل الواجب، كما يستعمل في تسليم عينه، ~~لاستوائهما من حيث المعنى. # وأما في عرف الشرع: # فالأداء عبارة عن تسليم عين الواجب، في وقته المعين شرعا أو مطلقا (¬7). # والقضاء عبارة (¬8) عن تسليم مثل الواجب في غير وقته المعين شرعا. ثم هو أنواع: # - نوع منها (¬9) هو مثل الواجب (¬10) من كل وجه، ms025 صورة ومعنى، بأن عقل ~~معناه، كتسليم المثل في المثليات لعد الاستهلاك حقيقة أو تقديرا بالغصب. PageV01P063 # - ونوع هو مثل الأول (¬1) معنى لا صورة، كتسليم القيمة فيما لا مثل له من ~~الأعيان. # - ونوع جعل مثلا شرعا، وإن لم يكن بينهما مشابهة من حيث الصورة والمعنى، ~~من كل وجه، كالدية في باب القتل، والفدية في حق الشيخ الفاني، ونفقة ~~الإحجاج مقام أداء الحج في حق المعذور على ما عرف في كتب الفقه. # وأما الإعادة: # فهي رد عين الفائت إلى يد صاحبه (¬2) حال قيامه - هو موجبه في اللغة: ~~مأخوذ من العود. وفي إعادة الأجسام والأعراض، بعد الفناء والعدم، كلام دون ~~العقلاء يعرف في مسائل الكلام (¬3). # ولكن (¬4) الإعادة المستعملة في العبادات، في عرف الشرع، هي إتيان مثل ~~الفعل (¬5) الأول على صفة الكمال، بأن وجب على المكلف فعل موصوف بصفة، ~~فأداه على وجه النقصان، وهو نقصان فاحش -[ف] يجب عليه الإعادة، وهي إتيان ~~مثل الأول، ذاتا، مع صفة الكمال على ما نذكر كيفية ذلك (¬6) في مسألة: ~~الأمر بالفعل هل (¬7) يقتضي الإجزاء - إن شاء الله تعالى (¬8). PageV01P064 # ثم عندنا ما يؤدى في خارج الوقت المعين، بعد فواته عن الوقت المعين، يكون ~~قضاء، سواء كان وجوب الفعل ثابتا (¬1) في الوقت بأن كان أهلا للتكليف أو لم ~~يكن الوجوب (¬2) ثابتا، لكن ليس في القضاء حرج (¬3)، كالحائض والنفساء ~~والنائم والمغمى عليه والمجنون غير المطبق ونحو ذلك (¬4). # ويعتبر وجوب الأداء في الجملة لا في حقه، ولكن (¬5) يعتبر في حقه (¬6) ~~أهلية ثواب الأداء فيجب القضاء (¬7) نظرا له. # وقال بعض أصحاب الحديث: إن من وجب عليه الفعل (¬8) في الوقت، ففاته، عمدا ~~أو سهوا، يكون المثل في الوقت الآخر (¬9) قضاء. وإن لم يكن الوجوب ثابتا ~~يكون أداء حقيقة، وهو فرض ثان (¬10) لكن سمي قضاء مجازا إلا أن (¬11) من ~~شرط هذا الفرض الثاني فوات الأول. # و (¬12) لكن الصحيح ما ذكرنا، فإنه بالإجماع يجب عليه أن ينوي قضاء ~~الفائت. # وبين الأداء والقضاء (¬13) اختلاف في الأحكام، ولكن ليس من شرط القضاء ~~وجوب الأداء في حق من وجب (¬14) عليه. ms026 ولكن الشرط PageV01P065 ### ||| CHECK [8] ومن أنواع الأحكام كثرة من # وجوب الأداء في الجملة لعموم (¬1) دليله وفواته عن الوقت في حقه، مع ~~إدراك وقت القضاء، وانتفاء الحرج عنه (¬2)، على ما عرف في مسألة المجنون ~~على الاستقصاء. والله أعلم. # [8] # ومن (¬3) أنواع الأحكام كثرة من: # - كون الشيء مالا مملوكا متقوما (¬4) - فيحتاج إلى تفسير المالية والملك ~~والتقوم، وقد عرف ذلك في كتب الفقه ومسائل الخلاف (¬5). # - وكذا تفسير الحرية والرق، والقيد والإطلاق، ونحوها -[ف] يذكر في كتب ~~الفقه و (¬6) مسائل الخلاف. # وإنما ذكرنا بعض (¬7) ما يختص بأصول الفقه. والله الموفق. PageV01P066 ### | CHECK الفصل الثاني في بيان ما يعرف به الأحكام # الفصل الثاني في بيان (¬1) ما يعرف به الأحكام PageV01P067 ### || CHECK الفصل الأول أسماء ما يعرف به الأحكام وتفسيرها # فيحتاج فيه إلى: # - بيان أسماء ما يعرف به الأحكام. وتفسيرها من حيث اللغة وفي (¬1) عرف ~~الشرع، وبيان حدودها. # - وإلى بيان أنواعها (¬2). وإلى بيان كيفية دلالة الدلائل. ووجوه دلالتها ~~على الأحكام (¬3). # أما الأول # فما يعرف به الأحكام له أسام (¬4) بعضها اسم جنسى، وبعضها اسم نوع. ويكون ~~البعض أعم من البعض. وهو: ### ||| AUTO الدليل # ، والحجة، والبينة، والبرهان، والآية، والعلامة، والعلة، والسبب، والشرط، ~~واستصحاب الحال، ونحو ها (¬5). # أما ### ||| AUTO الدليل # : # في اللغة [ف]، يستعمل في شيئين (¬6): # يذكر ويراد به العلامة المنصوبة لمعرفة (¬7) المدلول. ولهذا سمي (¬8) ~~الدخان دليلا على النار، وسمي (¬9) العالم دليلا على الصانع. PageV01P069 # وقد (¬1) يذكر ويراد به الدال: فعيل بمعنى فاعل، نحو عليم وقدير بمعنى ~~عالم وقادر (¬2). ولهذا يقال: دليل القافلة. ولهذا يسمى (¬3) الله تعالى ~~دليلا عند الإضافة فيقال في الدعاء: يا (¬4) دليل المتحيرين. # وأما في عرف الشرع فقد (¬5) اختلفوا: # فمنهم من قال: حقيقة الدليل هو الدال. # ومنهم من قال: حقيقة الدليل (¬6) هو (¬7) العلامة التي تدل على المدلول. # بناء على الاستعمال في المحلين جميعا في اللغة. # لكن الأصح أن يقال: إنه اسم للدال في حقيقة (¬8) اللغة. ولكن في عرف ~~الاستعمال صار اسما للعلامة، فيكون حقيقة عرفية. # وقد أشار الشيخ الإمام (¬9) أبو منصور الماتريدي رحمه الله إلى المعنيين ~~جميعا فقال (¬10) في كتابه المسمى ms027 ب "مآخذ الشرائع" في (¬11) أصول الفقه: ~~الدليل هو الهادي، وهو المعرف لمن تأمل ما هو دلالة معرفته. وذكر في كتاب ~~"الجدل": الدليل هو العلم الذي من سلكه أفضى به إلى غرضه ومقصوده (¬12). # ثم إن اسم الدليل أعم من سائر الأسماء، فإنه يقع على جميع ما يعرف به PageV01P070 # المعلوم (¬1)، سواء كان محسوسا معقولا أو مشروعا، حتى قال (¬2) أهل ~~الكلام: دليل معرفة المعلومات ثلاثة: الحس، والخبر، والعقل. وكذا يقع على ~~ما يوجب العلم والعمل (¬3) قطعا، وعلى ما يوجب العمل والعلم ظاهرا لا قطعا ~~(¬4)، فإن القياس وخبر الواحد وظاهر النصوص تسمى (¬5) أدلة، وإن لم تكن ~~قطعية (¬6). # وأما ### ||| AUTO الحجة # : # فقيل: إنها مأخوذة من قولهم "حج" أي قصد، ومنه "حج بيت الله تعالى" (¬7) ~~لأنه يقصد بالزيارة (¬8). # وأما قي عرف الشرع: [ف] سميت حجة، لأنها تقصد بالطلب لمعرفة الشيء (¬9) ~~وعلى طريق الاستبصار (¬10)، أو عند مجادلة الخصوم. # وقيل: إنها مأخوذة من قولهم "حج" أي غلب - يقال: "لج فحج" أي غلب فظفر (¬11). # وكذا قال الخليل (¬12): ### ||| AUTO الحجة # اسم لوجه يظفر به على الخصوم - سميت "حجة" لأنها تغلب على من قامت عليه ~~وألزمته حقا (¬13). PageV01P071 # ولهذا قال الشيخ الإمام (¬1) أبو منصور الماتريدي رحمه الله: الحق ما ~~غلبت حججه، وأظهر التمويه في غيره. # وقيل: إنها (¬2) مأخوذة (¬3) من الحجى، وهو العقل، وأصله معتل (¬4). ثم ~~استعمل مضاعفا كالحقة والدرة (¬5): أصلهما (¬6): حقية وحقوة (¬7) ودروة (¬8). # ثم في عرف الشرع تستعمل (¬9) في موضع يوجب العلم ظاهرا، وفي موضع يوجب ~~العلم يقينا: فإن القياس وخبر الواحد، والآية المؤولة (¬10) تسمى (¬11) ~~حجة، كما أن الاستدلال العقلي والنص القاطع يسمى حجة. # لكن قيل: أصله أن يستعمل في موضع القطع. ولهذا قالوا قي حدها: إن الحجة ~~هي التي يلزم (¬12) العاقل المنصف قبول ما له حجة (¬13). # وقيل: هي ما يضطر (¬14) العاقل إلى قبوله. # وقيل: هي التي لا (¬15) يقدر على جحدها جحد العقل، لا جحد اللسان. PageV01P072 # لكن في عرف الفقهاء صارت مستعملة في كل ما يلزم على الغير: إما من حيث ~~القطع، أو من حيث الظاهر في حق العمل. # و (¬1) أما ### ||| AUTO ms028 البرهان # : # فهو في اللغة نظير الحجة. وهو موضوع في الأصل لما يوجب العلم قطعا - قال ~~الله تعالى: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (¬2). # ولهذا قالوا في حده: ما صحت به الدعوى، وظهر به صدق المدعي. # وقيل: هو بيان صادق الشهادة. # ثم في عرف الشرع مستعمل في الأمرين. وإنه عام أيضا في العقلي والسمعي جميعا. # وأما ### ||| AUTO البينة # : # فهي في اللغة مأخوذة (¬3) من البيان، وهو الظهور والإظهار. ومن البينونة ~~وهو الفصل: سمي المعنى الظاهر الفاصل بين الحق والباطل بينة. # وهي في الأصل اسم لا يوجب العلم قطعا. # ثم في العرف صارت مستعملة في الأمرين. ولهذا سميت الشهادة في باب القضاء ~~بينة، وهي ليست بقاطعة. # وأما ### ||| AUTO الآية # : # فهي في اللغة اسم (¬4) لعلامة يظهر وجه دلالتها على ما جعلت علامة له. PageV01P073 # ولهذا تسمى (¬1) آثار الديار (¬2) الواضحة "آيات" كما تسمى "معالم" - قال ~~النابغة: # توهمت آيات لها (¬3) فعرفتها ... بستة (¬4) أعوام وذا العام سابع # وقال آخر: "وغير آيها العصر" أي آثار الديار. # وقيل: هي مشتقة من إيا الشمس، وهي ضوؤها - يقال إيا الشمس بكسر الهمزة ~~مقصورة، فإن أسقطت الهاء فتحت الهمزة ممدودة فيقال: آياء (¬5) الشمس، ~~فاشتقت الآية من ذلك، لظهور دلالتها في الوضوح، كضوء الشمس وشعاعها. ولهذا ~~سميت معجزات الرسل صلوات الله عليهم: "آيات بينات" (¬6): قال الله تعالى: ~~"ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات" (¬7). وقال الله تعالى لزكريا صلوات الله ~~عليه: "قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا" (¬8). # وأما في عرف اللسان -[ف] اسم لما يفيد العلم قطعا، لكن يستعمل في محال ~~مخصوصة، وهو في الدلالة (¬9) على ثبوت الصانع، وفي معجزات الأنبياء عليهم ~~السلام (¬10)، وفي ألفاظ القرآن لا غير (¬11)، مع أن المعنى شامل لكل دليل ~~واضح الدلالة. PageV01P074 # وأما ### ||| AUTO العلامة # : # فهي اسم لمطلق المعرف للشيء في اللغة (¬1). ولهذا سميت (¬2) الرايات ~~أعلاما. قال الله تعالى: "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" (¬3). # * * * # ونذكر بيان العلة، والسبب، والشرط، و [استصحاب] (¬4) الحال، في باب ~~القياس إن شاء الله تعالى (¬5). # * * * # وذكر الشيخ الإمام القاضي (¬6) أبو زيد (¬7) رحمه الله هذه الأسامي ms029 في ~~أول كتابه المسمى ب "التقويم" في أصول الفقه (¬8)، وبين معانيها لغة، ~~وحدودها شرعا، وفي بعضها نظر (¬9). # فمن (¬10) وقف على حقيقة (¬11) ما ذكرته، يظهر له وجه الصواب في ذلك ~~(¬12)، في اللغة والشرع، والله أعلم. ويعرف حقيقة ذلك على PageV01P075 ### || CHECK الفصل الثاني أنواع ما يعرف به الأحكام # الاستقصاء في شرح "التقويم" إن شاء الله تعالى، فإنه يحتاج (¬1) إلى ~~الشرح ليقف عليه الفقهاء على الوجه. فالله الموفق. # وأما [الثانى:] بيان أنواعه (¬2) # فثلاثة تعرف بأصول الفقه، وهي (¬3): # * الكتاب. # * والسنة. # * والإجماع. # * والقياس الشرعي فرع هذه الأصول الثلاثة. # فنبدأ بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بالإجماع، ثم بالقياس - فيتم الكتاب بحمد ~~الله وحسن توفيقه (¬4). PageV01P076 ### ||| CHECK 1 - الكلام في بيان الكتاب # الكلام في بيان الكتاب # يحتاج (¬1) إلى: # بيان كتاب الذي هو حجة في حقنا. # وإلى بيان كونه حجة. # وإلى بيان كيفية تعلق الأحكام الشرعية به. # أما بيان الكتاب الذي هو حجة في حقنا # فهو المسمى بالقرآن، المنزل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - (¬2): ~~أمرنا بالإيمان والعمل به على طريق (¬3) التعيين. وأما ما عداه كل من سائر ~~(¬4) كتب الله تعالى [ف]، أمرنا بالإيمان بها على طريق الإبهام والجملة ~~(¬5) دون التعيين، بل نهينا (¬6)، عن العمل بها والنظر فيها، صريحا (¬7)، ~~لأنه قد ثبت بنم كتاب الله تعالى، أعني القرآن، تحريف بعضها - قال الله ~~تعالى (¬8): "يحرفون الكلم عن مواضعه" (¬9). PageV01P077 # وإنما عرفنا القرآن: كتاب الله تعالى ووحيه وتنزيله، بقول رسولنا محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وإخباره (¬1) بذلك. لكن الصحابه رضي الله عنهم ~~وأرضاهم عرفوا ذلك بإخباره سماعا (¬2)، ونحن عرفناه (¬3) نخبره بالنقل عنه ~~تواترا، والثابت بالتواتر والمسموع بحس السمع سواء، على ما نذكر. # ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله: إن التسمية المكتوبة في المصاحف على رأس ~~السور، من القرآن، لكنها ليست من السور، لأنه ثبت بالتواتر أنها مكتوبة في ~~المصاحف، ومتلوة مع السور، وما ثبت بالتواتر أنها من السور. وقد (¬4) روي ~~عن محمد بن الحسن رحمه الله أنه قال: التسمية (¬5) آية مكررة في القرآن، ~~أنزلت للفصل بين السور، والبداية (¬6) بها تبركا. # ولهذا قال مشايخنا ms030 رحمهم الله (¬7): إن (¬8) التسمية تكتب في المصاحف على ~~رأس السور، وتتلى معها، لثبوتها بالتواتر (¬9)، لكن تكتب (¬10) بخط على ~~حدة، غير موصولة (¬11) بالسور، حتى لا يتوهم أنها منها. PageV01P078 # وأما بيان كون الكتاب حجة # فلأن (¬1) كتاب الله تعالى دليل على كلامه، وكلامه (¬2) صدق لا محالة ~~(¬3)، فيجب الإيمان والعمل به (¬4) - قال الله تعالى: "وهذا كتاب أنزلناه ~~مبارك فاتبعوه" (¬5). # وأما بيان كيفية تعلق الأحكام به، وكونه دالا عليها: # فمن خمسة أوجه: من حيث العبارة، والإشارة، والإضمار، والدلالة (¬6)، ~~والاقتضاء - عند عامة أهل الأصول. # وبعضهم نقص عن هذه (¬7) الخمسة. # وبعضهم زاد عليها، من نحو دليل الخطاب، وحمل الطلق على القيد، وغيرهما. # و (¬8) أما معرفة تعلق الأحكام بالعبارة (¬9) فمبنية على معرفة أقسام ~~الكلام في اللغة. وهي أربعة: الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار. # والاستخبار لا يدخل في كلام الله تعالى (¬10)، بطريق الحقيقة، وهو ~~الاستفهام (¬11)، إذ هو العالم بالأشياء كلها أزلا وأبدا (¬12)، لكن قد ~~يذكر للتقرير، نفيا أو إثباتا. PageV01P079 # فيبقى الأقسام الثلاثة، لتعلق الأحكام بها، وهي: الأمر، والنهي، والخبر (¬1). # و (¬2) كل قسم من الأقسام الثلاثة ينقسم أقساما أخر من: العام والخاص، ~~والمشترك والمؤول، والظاهر والخفي، والنص، والمشكل والمفسر والمجمل والمحكم ~~والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والمطلق والمقيد، وغيرها. # فنذكر أولا (¬3) أقسام الأمر، ثم أقسام النهي، ثم أقسام الخبر، ثم ما ~~يتصل بها (¬4) من الفصول - فينتهي الفصل الأول، وهو (¬5) بيان الكتاب إن ~~شاء الله تعالى (¬6). ### |||| AUTO فصل في الأمر # اعلم أن (¬7) مسائل الأمر (¬8) خمسة أقسام: فإنها ترجع إلى نفس الأمر، ~~والآمر (¬9)، والمأمور، والمأمور به وهو الفعل، والمأمور فيه (¬10) وهو ~~الزمان. وهذا تقسيم ضروري لا مزيد عليه. وكل قسم من هذه الأقسام (¬11) ~~يتضمن عدة مسائل: PageV01P080 ### ||||| AUTO [1] # أما التي ترجع إلى نفس الأمر # فمنها - أن اسم الأمر ولفظه على ماذا يقع بطريق الحقيقة؟ # قال عامة العلماء: إنه (¬1) يقع على القول في المخصوص، الذي هو أمر، على ~~الحقيقة، على كل ما نبين حقيقته. ويقع (¬2) على الصيغة الموضوعة الدالة على ~~الأمر لغة أيضا. فهو (¬3) مشترك بين هذين الأمرين (¬4). ويقع على الفعل، ~~والشأن، والصفة، والحال ونحوها ms031 بطريق المجاز. # وقال بعض أصحاب الشافعي، رحمه الله: إنه اسم مشترك بين القول المخصوص ~~والفعل، فيكون حقيقة لهما، ويقع على الباقي بطريق المجاز (¬5). # وقال بعض أهل التحقيق: إنه (¬6) مشترك بين الكل بطريق الحقيقة - ويروى عن ~~الشافعي. وهو قول بعض المتكلمين (¬7). # وكلام أصحابنا يخرج على هذين (¬8) الطريقين (¬9): # وفائدة الخلاف تظهر في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل هي موجبة ~~مثل أوامره؟ PageV01P081 # فعندهم (¬1) موجبة. # وعند بعض أصحابنا: غير موجبة. # فهم تعلقوا (¬2) بقو له تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (¬3) - ~~ألحق الوعيد بمن خالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬4)، واسم الأمر ~~يقع على فعله حقيقة، كما يقع على قوله (¬5) - يقال: أمور فلان حسنة (¬6) ~~مستقيمة - ويراد بها (¬7) أفعاله وأحواله (¬8). # وكذلك قد يظهر في التعلق (¬9) بلفظة الأمر الواردة في الأحكام. # والصحيح قولنا: فإن العلم الفاصل بين الحقيقة والمجاز: PageV01P082 # - أن الحقيقة لا يجوز نفيها عن المسمى بحال، والمجاز يجوز نفيه: فالجد ~~يسمى أبا ويجوز نفيه عنه فيقال: إنه جد وليس بأب (¬1)، والوالد يسمى أبا ~~ولا يجوز نفيه بحال. وكذا هذا في إطلاق اسم الأسد على الرجل الشجاع ~~والحيوان المخصوص. وههنا اسم الأمر لا يجوز نفيه عن القول المخصوص المطلق ~~بحال ويجوز نفيه عن الفعل. # - ومن علامة الحقيقة والمجاز أيضا أن نافي الحقيقة يكذب، ونافي المجاز لا ~~يكذب. وههنا نافي اسم الأمر عن القول المخصوص المطلق يكذب، ونافيه عن الفعل ~~لا يكذب، فإن السلطان إذا لم يصدر منه صيغة الأمر في يوم يقال إن السلطان ~~لم يأمر اليوم بشيء، وإن وجد (¬2) منه أفعال كثيرة - فبطل (¬3) كلامهم. ~~والله الموفق. # مسألة - في بيان حد الأمر وحقيقته: # يجب أن يعلم (¬4) أن (¬5) الصيغة المخصوصة وهي قوله "افعل" (¬6) في ~~الحاضر، و "ليفعل" (¬7) في الغائب، ليس بأمر حقيقة، في الشاهد والغائب ~~جميعا، وإنما هي دلالة عليه لغة (¬8)، عند عامة (¬9) أهل السنة والجماعة. # وعند المعتزلة حقيقة الأمر هو (¬10) نفس هذه الصيغة. PageV01P083 # وهذه المسألة فرع مسألة أخرى، وهي معرفة حقيقة الكلام وحده (¬1)، لأن ~~(¬2) الأمر من باب الكلام. # وعندنا: الكلام معنى قائم بالمتكلم ينافي ms032 صفة السكوت والآفة، أو صفة يصير ~~الذات بها (¬3) متكلما في الشاهد والغائب جميعا. وهذه (¬4) العبارات ~~المنظومة والأصوات المقطعة بتقطيع خاص، دلالات عليه. # وعندهم: الكلام في الشاهد والغائب جميعا هو (¬5) هذه العبارات المنظومة. # ومن هذا نشأ الخلاف المعروف بيننا وبينهم في قدم كلام الله تعالى وحدوثه: # - فقالوا: إن كلام الله تعالى مخلوق محدث، لأنه عبارة عن هذه العبارات ~~المنظومة، وهي مخلوقة. # - وقلنا: إن كلام الله تعالى غير مخلوق لأن كلامه صفته، وهو تعالى (¬6) ~~قديم، وصفاته قديمة, والعبارات المنظومة، دالة عليه، لا أنها (¬7) عين كلامه. # وهي مسألة من مسائل الكلام تعرف ثمة (¬8) إن شاء الله تعالى. PageV01P084 # إذا (¬1) ثبت هذا نذكر حقيقة الأمر وحده (¬2) - فنقول: # اختلفت (¬3) عبارات أهل السنة فيه: # قال الشيخ الإمام الزاهد (¬4) أبو منصور الماتريدي رحمه الله: إن الأمر ~~حقيقة هو القول الذي هو دعاء إلى تحصيل الفعل، على طريق العلو والعظمة، دون ~~التضرع. # وقيل: هو القول الذي هو طلب تحصيل الفعل، على طريق الاستعلاء، دون ~~التذلل. # وقيل: هو الاستدعاء على طريق الاستعلاء قولا. # وقيل: هو اقتضاء الطاعة من المأمور بإتيان (¬5) المأمور به قولا. # وهذه العبارات متقاربة من حيث المعنى (¬6). # و (¬7) لا يلزم على هذه الحدود السؤال والدعاء في الشاهد (¬8) بأن قال ~~الرجل (¬9) لغيره: "اعطني درهما" أو قال: "اللهم اغفر لي" لأن هذا طلب ~~الفعل على طريق التذلل، لا على طريق الاستعلاء. # وإنما ذكرنا القول احترازا عن الإشارة في الشاهد، وعن (¬10) فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فإنهما يدلان على طلب التحصيل، وليسا بأمر، واحترازا ~~عن قول (¬11) الذي هو مفترض الطاعة للمكلف [مثل]: "أوجبت عليك أن تفعل PageV01P085 # كذا" أو "أوجبت (¬1) عليك فعل كذا" أو "أطلب منك أن تفعل كذا" أو "أريد ~~منك فعل كذا" - إن هذا كله طلب تحصيل الفعل، وليس (¬2) بأمر، لأنا نقول: ~~هذا ليس بدعاء، ولا طلب بنفسه، وإنما هو خبر عن طلب الفعل، أو دليل عليه. # وقيل: طلب الفعل ممن له ولاية الطلب. # وهذا ليس بصحيح، فإن الأمر من السلطان، بالقتل ظلما، وبالزنا، وباللواطة ~~(¬3)، أمر حقيقة، حتى إنه ms033 (¬4) إذا امتنع المأمور عن الفعل- يقال له (¬5) ~~إنه (¬6) خالف أمر السلطان، وإنه طلب شيء ليس له ولاية طلبه شرعا. # وقيل: طلب الفعل ممن هو دونه في الرتبة أمر، وممن هو مثله سؤال، وممن هو ~~فوقه شفاعة. # وهذا لا يصح، فإن طلب الفعل ممن هو دونه على طريق التضرع لا يكون أمرا بل ~~يكون شفاعة وسؤالا. وكذا طلب الفعل (¬7) ممن هو فوقه على طريق الاستعلاء ~~يكون أمرا حتى ينسب الطالب إلى الحمق أو (¬8) سوء الأدب، فيقال: إنه أمر من ~~هو فوقه، ولكن الشرط هو الاستعلاء. PageV01P086 # وأما حد الأمر (¬1) وحقيقته عند المعتزلة فقد اختلفت عباراتهم فيه (¬2): # قال أكثر البصريين من المعتزلة: لابد من شرائط ثلاثة لصيرورة الكلام (¬3) أمرا: # أحدها - أن يكون طلب الفعل بالصيغة الموضوعة له لغة وهو قولك: "افعل" في ~~المخاطبة و (¬4) "ليفعل" في المغايبة، حتى لو كان الطلب بصيغة الخبر بأن ~~قال: "أطلب منك (¬5) أن تفعل كذا" أو "أريد منك فعل كذا" (¬6) لا يكون ~~أمرا. وكذا بصيغة (¬7) النهي لا يكون أمرا بأن قال له (¬8): "لا تتحرك" لا ~~يكون أمرا بالسكون، وإن وجد منه طلب فعل السكون. # والثاني - أن يكون الطلب (¬9) على طريق العلو، لا على وجه التذلل (¬10). # والثالث - إرادة وجود الفعل المأمور به، من المأمور. # وقالوا في تحديد الأمر: إنه قول (¬11) يقتضي استدعاء الفعل بنفسه، لا على ~~جهة التذلل. # وقال بعض البصريين من المعتزلة: يشترط لصيرورة هذه الصيغة (¬12) أمرا ~~ثلاث إرادات من الآمر: PageV01P087 # إحداها (¬1) - إرادة إحداث هذه الصيغة، لأن الآمر هو الموجد للكلام ~~عندهم، والأمر حقيقة (¬2) من باب الكلام. # والثانية - إرادة كون هذه الصيغة أمرا، فإن المتكلم قد يريد بهذه الصيغة ~~التهديد والإباحة ومعاني ليست بأمر. # والثالثة - إرادة وجود المأمور به. # وقال البغداديون من المعتزلة: إن الأمر أمر لعينه (¬3) وصيغته (¬4)، ~~وإنما يحمل على غيره بدليل، ولا يشترطون الإرادة، لأنهم ينكرون (¬5) ~~الإرادة صفة الله تعالى. # وكذا قالت النجارية (¬6): إن الأمر أمر لصيغته وعينه (¬7)، وإن كانوا، ~~هؤلاء (¬8)، يثبتون الإرادة صفة لله تعالى لذاته. PageV01P088 # وقال بعض النجارية: الأمر يكون أمرا، لإرادة كون هذه (¬1) الصيغة ms034 أمرا. # * * * # هذا هو تحديد الخصوم للأمر، وبيان (¬2) شرائط حقيقته. # - ثم ما شرطوا من صفة (¬3) الاستعلاء فهو متفق عليه. # - وما شرطوا من طلب الفعل بالصيغة الموضوعة له لغة، فهو مبني (¬4) على ~~مذهبهم، على ما قلنا، إن نفس هذه الصيغة أمر عندهم. وعندنا طلب الفعل ~~بالقول المخصوص هو الأمر، وإنما الصيغة دالة عليه (¬5) # - وما شرطوا (¬6) من إرادة وجود المأمور به (¬7)، فهو مبني على مذهبهم ~~أيضا (¬8). فأما عند أهل السنة والجماعة: [ف] هذا ليس بشرط (¬9). # وهذا فرع مسألة أخرى: أنه هل يجوز أن يأمر الله تعالى بفعل لا يريد ~~وجوده، بل يريد (¬10) عدمه؟ # فعند أهل السنة والجماعة: هذا جائز (¬11)، كما أمر فرعون بالإيمان ولم ~~يرد منه الإيمان، بل أراد منه الكفر، لأن ما أراد الله تعالى يكون، لا ~~محالة، عندنا. PageV01P089 # وعندهم لا يجوز الأمر بشيء لا يريد وجوده، والله تعالى عندهم أراد إيمان ~~فرعون وما أراد وجود الكفر منه، لكنه لم يفعل فرعون ما أراد الله تعالى ~~منه، لشؤم طبعه وسوء اختياره (¬1) - وهذه من مسائل الكلام تعرف هنالك إن ~~شاء الله تعالى (¬2). # مسألة - في بيان أن هذه الصيغة المخصوصة موضوعة للأمر حقيقة على طريق ~~الخصوص أو هي مشتركة (¬3): # قال عامة الفقهاء وبعض المتكلمين: إن هذه الصيغة موضوعة للأمر حقيقة، على ~~طريق الخصوص دون الشركة (¬4). # لكن عند المعتزلة: هذه الصيغة نفس الأمر. # وعند أهل السنة والجماعة (¬5): دلالة (¬6) على الأمر - على ما مر. # وقال أكثر الواقفية (¬7) إنه (¬8) لا صيغة للأمر بطريق التعيين (¬9)، بل ~~هي صيغة مشتركة بين معنى الأمر وبين المعاني التي تستعمل فيها، فهي موضوعة ~~للكل جقيقة بطريق الاشتراك، وإنما تتعين للبعض بالقرينة- وهم بعض الفقهاء، ~~وأكثر المتكلمين. PageV01P090 # وقال بعض الواقفية (¬1): إن الصيغة موضوعة للأمر في أصل اللغة، لكن بحكم ~~الاستعمال، في غيره من المعاني، صارت مشتركة. # وبعضهم قالوا بأنها مشتركة بين معنى الإيجاب والندب لا غير، بطريق ~~الحقيقة، وفي غيرهما (¬2) تستعمل مجازا. # وبعضهم قالوا بأنها (¬3) مشتركة بين المعاني الثلاثة: الإيجاب، والندب، ~~والإباحة. # وقال مشايخ سمرقند بأن (¬4) حقيقة الأمر هو (¬5) الطلب، ومعناه يشمل ~~الندب والإيجاب. ms035 # وشبهتهم في ذلك (¬6) أن هذه الصيغة مستعملة في هذه المعاني، بمنزلة اسم ~~القرء للحيض والطهر، واسم العين لعان كثيرة، من غير أن يكون بين معنى الأمر ~~وبين هذه المعاني مشابهة تصلح طريقا للمجاز، فيجب القول بطريق الاشتراك ضرورة. # والصحيح قول العامة، فإن عامة (¬7) أئمة اللغة قالوا: الأمر قول القائل ~~لمن دونه في الرتبة "افعل". وقالوا: إن (¬8) أقسام الكلام أربعة: أمر، ~~ونهي، وخبر، واستخبار. فالأمر كقولك: "افعل"، والنهي كقولك (¬9): "لا ~~تفعل"، ولأن العلم الفاصل بين الحقيقة والمجاز PageV01P091 # والمشترك أن الحقيقة ما تسبق (¬1) إليها أفهام الناس من غير قرينة، ~~والمشترك ما يحتمل الأشياء المختلفة احتمالا على السواء من غير أن يسبق إلى ~~الأفهام بعضها، والمجاز ما يتناول غير الموضوع لنوع مشابهة بينهما (¬2)، ~~بطريق الخصوص. ومن سمع قول القائل لغيره "افعل" فإنه يسبق (¬3) إلى فهمه ~~الأمر الذي هو طلب تحصيل (¬4) الفعل، دون الإباحة التي هي تخيير بين الترك ~~والتحصيل، ودون التهديد (¬5) الذي هو عبارة عن [طلب] (¬6) ترك الفعل. وخرج ~~الجواب عن شبهتهم بما ثبت من وضع أهل اللغة [أن] هذه الصيغة للأمر على طريق ~~الخصوص دون الشركة، وبما ذكرنا من الاستعمال الخاص (¬7) على وجه تسبق (¬8) ~~أفهام الناس إليه من غير قرينة (¬9). # مسألة: # اختلف غير الواقفية فيما بينهم: # قال عامتهم: إن هذه الصيغة أمر أو دلالة على (¬10) الأمر، لعينها ~~وصيغتها، ومتى اقترنت بها قرينة يحمل (¬11) عليها بدليل مجازا. PageV01P092 # وقال أهل التحقيق منهم: إن هذه الصيغة لم تكن أمرا، أو (¬1) دلالة على ~~الأمر لعينها فإن عينها توجد في موضع القرينة ولا تكون أمرا، ولكن تكون ~~أمرا لتعريها وتجردها عن القرائن (¬2) الصارفة عن معنى الأمر. # وهذا أصح (¬3)، لأن الحكم المتعلق بالعين ثابت ما بقيت (¬4) العين، وإن ~~انضم إليه غيره. # مسألة: # ثم إذا اقترنت (¬5) بالصيغة قرينة تعين بها معنى الإباحة أو التهديد، هل ~~يكون اللفظ بطريق الحقيقة أم بطريق المجاز (¬6)؟ - اختلفوا فيه: # قال أكثر الفقهاء: إنه بطريق المجاز. # وقال بعض أصحاب الحديث: إنه بطريق الحقيقة. # كما قالت الواقفية، لا بالطريق الذي قالوا، لكن قالوا: الصيغة المفردة ~~المطلقة ms036 (¬7) غير الصيغة المقيدة بالقرينة، فتكون الصيغة المطلقة وحدها ~~حقيقة للأمر، ومع قرينة الإباحة للإباحة حقيقة (¬8)، ومع قرينة التهديد ~~للتهديد حقيقة- نظيره ما قال أهل اللغة والفقهاء بأجمعهم (¬9) إن اللفظ مع ~~الاستثناء حقيقة للباقي وبدون الاستثناء حقيقة للكل، فإنه إذا قال لفلان ~~"علي عشرة إلا خمسة" تجب خمسة - فالعشرة وحدها بدون PageV01P093 # الاستثناء موضوعة للعدد الخاص وهو العشرة (¬1)، ومع الاستثناء موضوعة ~~للخمسة، فيكون لهذا العدد الخاص (¬2) اسمان: خمسة وعشرة إلا خمسة - فكذلك هذا. # ووجه قول العامة إنه لما ثبت أن هذا اللفظ للأمر حقيقة، فإذا اقترن به ~~دليل الإباحة أو غيره، فقد تغير معنى الأمر، فيجب الحمل على المجاز ضرورة. # وما قالوه فاسد، فإنه (¬3) يؤدي إبطال القول بالمجاز، فإن المجاز لابد له ~~من قرينة، فمتى صار حقيقة مع القرينة كان الكلام كله قسما واحدا (¬4)، ~~فيكون خلاف إجماع أهل اللغة فإنهم قسموا الكلام إلى قسمين (¬5): حقيقة ومجاز. # ثم هؤلاء لم يقولوا: إن اسم الأسد إذا أريد به الرجل الشجاع بقرينة يكون ~~الاسم للشجاع حقيقة، وكذا اسم الحمار للبليد، ولا فرق بين الفصلين - والله ~~أعلم (¬6). # مسألة: # - ثم هذه الصيغة، بشرط تعريها عن الصوارف، تكون (¬7) فى دلالة على الأمر، ~~عندنا. PageV01P094 # لكن قد (¬1) تعرف حقيقة الأمر بغيرها من الدلائل، لأنها دليل على الأمر، ~~لا حقيقة الأمر (¬2) وحده - وشرط صحة الدليل الاطراد دون الانعكاس، وإنما ~~الاطراد والانعكاس جميعا (¬3) شرط في الحقائق والحدود (¬4) دون الدلائل ~~(¬5)، وهذه الصيغة المطلقة مطردة في كونها دليل الأمر، فإنه لا توجد (¬6) ~~هذه الصيغة (¬7) المطلقة إلا ويكون (¬8) دليلا على الأمر. # وعند المعتزلة: لما كانت هذه الصيغة حقيقة الأمر (¬9)، وشرط صحة حقيقة ~~الشيء (¬10) أن تكون مطردة ومنعكسة (¬11)، لا جرم يلزمهم أن يقولوا: لا ~~يجوز أن توجد هذه الصيغة إلا أمرا، ولا يجوز أن يوجد أمر بدون هذه الصيغة، ~~وإلا فتلزمهم (¬12) المناقضة، وقد ناقضوا - حيث قالوا بوجود (¬13) هذه ~~الصيغة في مواضع، ولا يكون (¬14) أمرا، وحملوا على المجاز فلم يوجد ~~الاطراد، وقالوا لم تكن حقيقة مع وجود ذات الحقيقة، وهذا تناقض بين. PageV01P095 # ثم بيان دلائل أخر على أن ms037 (¬1) أمر الله تعالى غير (¬2) هذه الصيغة، فإن ~~خبر الله تعالى عن أمره دال عليه، نحو قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان" (¬3). وكذا خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله تعالى ~~(¬4) أمر بكذا" دليل عليه أيضا (¬5). وكذا إجماع الأمة على الأمر دليل عليه أيضا. # وكذا لفظة (¬6) الإيجاب، والفرض، والإلزام، والكتابة، ونحوها - دليل على الأمر. # وكذا صيغة النهي دليل على الأمر بضده. # وكذا يعرف أمر الله تعالى بالعقل في الأشياء التي تعرف بمجرد العقل، قبل ~~بلوغ الدعوة، وقبل مبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - زمان الفترة. وكذا ~~في الشاهد: يعرف الأمر بالخبر والرمز والإشارة بأن قال: "أمرتك بكذا" أو ~~"أطلب (¬7) منك كذا" - والله أعلم. # مسألة: في بيان حكم الأمر المطلق الصادر من مفترض الطاعة # قالت الواقفية: إنه (¬8) لا حكم له بدون القرينة، على ما ذكرنا. # وقال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين، سوى (¬9) الواقفية، بأن حكمه وجوب ~~العمل والاعتقاد قطعا - وهو قول مشايخ العراق من أصحابنا. PageV01P096 # وقال مشايخ سمرقند، [و]، رئيسهم الشيخ (¬1) الإمام (¬2) أبو منصور ~~الماتريدي رحمه الله بأن حكمه الوجوب من حيث الظاهر، عملا لا اعتقادا، على ~~طريق التعين (¬3)، وهو أن لا يعتقد فيه بندب ولا إيجاب قطعا (¬4)، على طريق ~~التعين (¬5)، ويعتقد على طريق (¬6) الإبهام أن ما أراد الله تعالى به (¬7) ~~من الإيجاب القطعي (¬8) والندب فهو حق، ولكن يأتي بالفعل لا محالة، حتى إنه ~~إذا أريد به الإيجاب على سبيل القطع (¬9) يخرج عن عهدته (¬10)، وإن أريد به ~~الندب يحصل له الثواب، وهو تفسير الوجوب في عرف الفقهاء عندنا (¬11)، كا ~~قال أبو حنيفة رحمة الله عليه في الوتر: إنه واجب. # والخلاف بين أصحابنا في الاعتقاد (¬12)، لا في وجوب العمل. ويكون التعلق ~~بظواهر الآيات الواردة في الأمر صحيحا في حق وجوب العمل. أما وجوب الاعتقاد ~~[ف] أمر بين العبد وبين الله تعالى، فيكفيه مطلق (¬13) الاعتقاد أن ما أراد ~~الله تعالى به فهو حق (¬14)، كما في النص المجمل والمتشابه. PageV01P097 # وقال بعض الفقهاء: حكمه الإباحة، لأنه أدنى ما يحتمله اللفظ، فيكون ~~متيقنا (¬1). # وقال بعضهم: حكمه ms038 الندب. وروي هذا عن (¬2) الشافعي رحمه الله. وبه قال ~~أكثر الأشعرية والمعتزلة مع اختلاف أصولهم: # - فإن معتزلة البصرة قالوا: مقتضى صيغة الأمر مطلقا كون الفعل المأمور به ~~مرادا، وكون الأمر مريدا له (¬3). ثم إن كان الآمر حكيما يقتضي كون الفعل ~~حسنا، إما واجبا أو ندبا، لأن الحكيم لا يريد إلا الحسن, فيكون الحسن من ~~مقتضى الحكمة، لا من مقتضى الصيغة، فإن قام الدليل على الوجوب يحمل عليه، ~~وإن لم يقم يتعين الندب مرادا به (¬4) لكونه متيقنا (¬5). # - ومن توقف كل من الأشعرية هذه الصيغة، لكونها مشتركة بين الندب والإيجاب ~~فحسب، قالوا: إن صيغة الأمر عند الإطلاق موضوعة للطلب لغة, لكن الطلب من ~~الحكيم يقتضي كون المطلوب حسنا، والمطلوب الحسن كل مطلقا هو المندوب، فأما ~~الواجب ففيه (¬6) زيادة أمر (¬7) وراء الحسن، فيكون مقيدا. فعند الإطلاق ~~يحمل على الندب، وعند القرينة يحمل على الوجوب. # فاتفق (¬8) الفريقان على الندب مع الاختلاف في العلة. PageV01P098 # وجه قول العامة: الكتاب، والسنة، ودلالة الإجماع، والمعقول: # أما الكتاب - فقوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (¬1). والمراد بالآية أمر الرسول عليه السلام، ~~فإنه بناء على قوله تعالى: "لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم لي ~~بعضا" (¬2)، والدعاء على طريق العلو والعظمة (¬3)، ممن هو مفترض الطاعة، ~~أمر. فالاستدلال بالآية (¬4): أن الله تعالى ألحق الوعيد الشديد (¬5) ~~بمخافة (¬6) أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلقا، ومخالفة أمره هو ترك ~~ما أمر به، إذ افى المخالفة ضد الوافقة، وموافقة أمره عليه السلام هو إتيان ~~(¬7) ما أمر به، فالمخالفة، على مضادته، ترك المأمور به -[دل] (¬8) أن ~~مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (¬9) مطلقا حرام، وإلا لما ألحق ~~الوعيد الشديد (¬10) به. وإذا كان مخالفة أمره، وهو ترك المأمور به مطلقا، ~~حراما، يكون إتيان (¬11) المأمور به واجبا ضرورة. وإذا كان إتيان (¬12) ما ~~أمر به الرسول عليه السلام واجبا، فكذا إتيان (¬13) ما أمر الله تعالى به، ~~[يكون]، واجبا، لأن (¬14) أمر الرسول أمر المرسل. PageV01P099 # وأما السنة - فما روي عن النبي - صلى ms039 الله عليه وسلم - أنه قال (¬1): ~~"لولا أن أشق (¬2) على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وفي رواية: "عند ~~كل وضوء" (¬3) - أخبر - صلى الله عليه وسلم - (¬4) أن أمره إياهم بالسواك ~~عند كل صلاة أو عند كل وضوء (¬5)، مطلقا، سبب المشقة (¬6) عليهم، والمشقة ~~إنما تكون (¬7) بترك الواجب، بترك المندوب [ف]، دل أن مطلق (¬8) أمره ~~للوجوب. # وأما دلالة الإجماع - فإن الأمة أجمعت على وجوب طاعة الله تعالى، وطاعة ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله ~~فيما أمرا (¬9) بالفعل، هو تحصيل الفعل لا تركه - فوجب القول بلزوم الفعل ~~الذي هو طاعة، إلا أن يقوم الدليل على غيره. # وأما المعقول فمن وجوه (¬10): # أحدها (¬11) - وهو (¬12) أن صدور هذه الصيغة ممن هو من (¬13) أهل الأمر، ~~على طريق الاستعلاء، مطلقا، يكون إلزاما وإيجابا (¬14) للفعل كل من حيث ~~اللغة، لأنها موضوعة لطلب الفعل لا محالة، لأنها لطلب PageV01P100 # الفعل (¬1) حقيقة، وطلب الفعل لا محالة هو طلب الفعل كل من كل وجه. # أما الطلب على وجه فيه رخصة الترك، وهو الندب، [ف] يكون طلبا من وجه دون ~~وجه، والموضوع للشيء محمول (¬2) على الثابت من كل وجه: [فهذا] هو الأصل. # والثاني - وهو (¬3) أن الأمر أحد تصاريف الفعل، ثم في سائر (¬4) تصاريف ~~الفعل (¬5) من الماضي والمستقبل والفاعل والمفعول: إذا كان الإخبار (¬6) ~~على وجه الصدق، يقتضي وجود الفعل لا محالة - فكذا إذا كان طلب الفعل على ~~وجه (¬7) الجد: يقتضي وجود الفعل لا محالة (¬8). وكلامنا في الصيغة الواردة ~~ممن يستحيل عليه الهزل والهزء، كما يستحيل عليه الكذب - فيكون أمره لطلب ~~الفعل لا محالة ,كما يكون خبره للصدق لا محالة، وطلب الفعل لا محالة بطريق ~~العلو ممن هو من أهل الأمر حقيقة [في الإلزام]، والإلزام والإيجاب سواء في اللغة. # والثالث (¬9) - وهو (¬10) أن موجب الأمر هو (¬11) الائتمار لغة - يقال: ~~أمرته فائتمر ونهيته فانتهى - كما يقال: كسرته فانكسر وهدمته فانهدم. وإذا ~~كان حكما له لم (¬12) يتصور إلا واجبا به، كأحكام سائر العلل , إلا أن وجود ~~الفعل تراخى، لأن حصوله من في المختار، ms040 فتراخى إلى حين الاختيار. وإذا كان ~~تراخي الائتمار عن الأمر لضرورة وجود (¬13) PageV01P101 # الاختيار من الأمور، ولا ضرورة في الوجوب، فإنه يثبت (¬1) جبرا من الله ~~تعالى، شاء العبد أو أبى، فلا معنى للتأخير. # قال (¬2): والصحيح ما قاله مشايخ سمرقند، وهو أن حقيقة هذه الصيغة للطلب ~~لغة. ومعنى الطلب موجود في المندوب، لأن الله تعالى رغبنا في تحصيله، حيث ~~وعد الثواب به، فثبت أنه مطلوب (¬3)، فكانت (¬4) محتملة للندب والإيجاب ~~حقيقة (¬5). وكذا يستعمل مطلقها (¬6) في معان أخر، مجازا (¬7)، والمجاز ~~مستعمل في الكلام كالحقيقة، بل أغلب - فما قولكم في الأمر المطلق عن قرينة ~~الإيجاب: هل يكون فيه احتمال الندب وإرادة المجاز قائم (¬8) أم لا؟ # فإن قلتم: قائم - فمع احتمال غير الوجوب، لا يجوز اعتقاد الوجوب، لما فيه ~~من احتمال اعتقاد غير الواجب واجبا، وهذا كفر فضلا عن الخطأ. # وإن قلتم: إن (¬9) احتمال الندب وإرادة المجاز أمر باطن، فيسقط اعتباره ~~شرعا - فنقول: إسقاط اعتبار الحقيقة في أصول الشريعة (¬10) باعتبار الحاجة، ~~ولا حاجة إلى اسقاط اعتبارها (¬11) ههنا، لأن الاعتقاد أمر بين PageV01P102 # المأمور وبين الله تعالى (¬1)، فيكفيه مطلق الاعتقاد أن ما أراد الله ~~تعالى به فهو حق، ولا يجوز إسقاط اعتبار الاحتمال كمال من غير حاجة، فلا ~~يجب الاعتقاد بطريق التعيين. # وإن قلتم: إن ورود الصيغة، متجردة عن صوارف الوجوب كل من الله تعالى، ~~دليل على الوجوب قطعا، إذ لا يجوز أن تكون الصيغة مطلقة ولا يراد بها ~~الوجوب - فهذا (¬2) تحكم على الله تعالى وحجر عليه، وهو فاسد. ولأن عين ~~الصيغة ليس بدليل، فإن عينها (¬3) يوجد، ولا تكون دليلا على الوجوب، وإنما ~~الصيغة المتجردة عن القرائن دليل عندكم، فبم عرفتم أنها متجردة عن القرية (¬4)؟ # فإن قلتم: إنها ليست بمقرونة (¬5) بالصيغة، لعدمها حسا - فهو فاسد، لأن ~~القرينة قد تكون بيان الرسول (¬6) - صلى الله عليه وسلم -، فلم قلتم إنه ~~(¬7) لم يوجد البيان منه، على إرادة الله تعالى الندب من الصيغة. وقد تكون ~~القرينة عقلية لا لفظية - فلم قلتم إنه (¬8) لم يوجد الدليل العقلي مقارنا ~~لأمر على إرادة الله (¬9) الندب، ms041 ولا شك أن هذا في حد الجواز والإمكان، ~~فيكون دعوى تجرد الصيغة عن القرينة الى الصارفة عن الوجوب باطلا. # ولكن (¬10) نحن نقول بالوجوب ظاهرا مع الاحتمال، في حق العمل. فيجب عليه ~~العمل لا محالة، مع الاعتقاد مبهما على أن (¬11) ما أراد الله تعالى PageV01P103 # به فهو حق. وهو تفسير الوجوب عند الفقهاء (¬1). وهذا لأنه إن (¬2) كان ~~واجبا حقيقة عند الله تعالى (¬3)، فإنه يأثم بتركه، لأن في وسعه أن يأتي ~~به، فيخرج عن عهدة الوجوب. وإن كان غير واجب يثاب على تحصيله، والاحتراز عن ~~الضرر واجب شرعا وعقلا: # أما الشرع -[ف] ماروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا ~~إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا ~~وقد غلب الحرام الحلال". # وأما العقل - وهو أن كل من دخل في طريق فأخبره عاقل أن في الطريق لصوصا، ~~فدخل، فأخذ، فإن الناس يلومونه. # فثبت أن التحرز عن احتمال الضرر واجب عقلا وشرعا (¬4)، فوجب القول بوجوب ~~الفعل احتياطا، فيكون الأمر لي طريق الندب حقيقة، كالأمر الموجب فيما اقترن ~~به الوعيد: يجب حمله على الوجوب بالقرينة (¬5). # والجواب عما تعلق به العامة بطريق الوعيد سهل، لأن الدلائل تعارضت: # فما ذكر الفريق الأول يدل على الوجوب في حق الاعتقاد والعمل (¬6). # وما ذكر الفريق الثاني يدل على نفي وجوب الاعتقاد دون وجوب العمل، فوقع ~~التعارض في حق وجوب الاعتقاد لا غير، فوجب القول بسقوط وجوب الاعتقاد عينا ~~لي التعارض، ولا تعارض في حق (¬7) وجوب العمل (¬8)، فوجب القول به. PageV01P104 # وأما الانفصال بطريق التحقيق ففيه (¬1) طول وغور، ولكنا (¬2) نشير إلى ذلك: # فالحاصل (¬3) عن التعلق بالنصوص جوابان: # - أحدهما: أن المراد بهذه النصوص الوجوب، لا بظاهر الصيغة، ولكن باقتران ~~الوعيد بها، لما ذكرنا أن هذه الصيغة موضوعة لطلب الفعل (¬4)، فيكون الأمر ~~بطريق الندب حقيقة، كالأمر الموجب، فما اقترن به الوعيد يجب حمله على ~~الوجوب بالقرينة (¬5)، إذ لا وعيد يستحق بترك المندوب، وفي قوله تعالى: ~~"فليحذر الذين يخالفون عن أمره" (¬6) ونحوه من الآيات اقترن به الوعيد ms042 وهو ~~قوله تعالى (¬7): "أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم" (¬8) والمحتمل ~~يتعين أحد وجوهه بالدليل، فيكون المراد به (¬9) التحذير عن مخالفة (¬10) ~~الأمر الموجب. على أن الحذر عن أمره المطلق واجب، لأن الظاهر هو الوجوب، ~~فكان خوف الإثم قائما ظاهرا، وهذا لا يدل على الوجوب قطعا (¬11). PageV01P105 # وكذا في قوله عليه السلام: "لولا أن أشق على أمتي" لأن المشقة في ترك ~~الواجب، لا في ترك المندوب، فكان المراد هو الأمر، بطريق الإيجاب. # - والثاني، نقول: الموافقة للرسول عليه السلام واجبة، ومخالفته (¬1) ~~حرام، ولكن الكلام في تفسيرهما، فنقول: الموافقة في الاعتقاد أن يعتقد ~~العاقل (¬2) الشيء كما اعتقده الرسول عليه السلام: إن كان واجبا فواجبا، ~~وإن كان ندبا فندبا. والموافقة من حيث الفعل (¬3) أن يفعله على الوجه الذي ~~فعله بوصفه (¬4) الخاص كل من الواجب والمندوب والمباح. وأما المخالفة [ف]، ~~هو (¬5) أن يعتقد ويفعل على عكس اعتقاده وفعله. # وتحقيق الموافقة وترك المخالفة فيما قلنا من الاعتقاد مبهما (¬6) مع ~~إثبات (¬7) الفعل لا محالة. فأما الاعتقاد، على أحد الوجهين عينا، وكذا ~~الفعل على قصد أحد الوجهين عينا -[ف] فيه احتمال المخالفة وترك الموافقة، ~~فكان ما قلناه (¬8) أحق. # وهو الجواب عن دلالة الإجماع: أن تفسير الطاعة هو إتيان (¬9) ما أمر به، ~~على الوصف الذي أمر به، من واجب وندب - فإن الطاعة موافقة الأمر، والمعصية ~~مخالفة الأمر، وذلك فيما قلنا. PageV01P106 # وأما ما ذكروا من وجهي المعقول فلا حجة فيهما: # - قولهم: إن صدور هذه الصيغة، ممن هو من أهل الأمر، على طريق الاستعلاء، ~~للإيجاب والإلزام لغة - فممنوع. # - قولهم (¬1): إنها وضعت لطلب الفعل لا محالة - قلنا: ممنوع (¬2) أيضا. ~~أليس أن الأمر بطريق الندب أمر حقيقة، وأنه ليس طلب الفعل لا محالة. # - قولهم: إن الطلب بطريق الندب مع رخصة الترك لا يكون طلبا على الكمال - فنقول: # الطلب على وجه الندب طلب كل من كل وجه، فإنه ترجح جانب الوجود بالترغيب ~~في الثواب الجزيل، وإن كان فيه رخصة الترك، لكن الطلب لا محالة قد يكون ~~أكمل، والمطلق لا يشترط فيه الكمال، لأن وصف الكمال ms043 قيد، والمطلق اسم للذات ~~كل من كل وجه، كل من غير تعرض لصفة الكمال والنقصان (¬3). # على أن الإجماع انعقد (¬4) بيننا أن هذه الصيغة لا تكون لطلب الفعل (¬5) ~~لا محالة ولا إيجابا، إذا اقترن بها قرينة الندب أو الإباحة (¬6). فما لم ~~يثبت الخصم خلو الصيغة عن القرينة الصارفة عن الإيجاب، لا يستقيم كلامه، ~~ولا يمكنه (¬7) ذلك على ما مر. والاعتماد على تصاريف الفعل لا يصح، فإن ~~الخبر من جملتها و (¬8) الكذب خبر حقيقة كل من حيث اللغة، وإن PageV01P107 # لم يوجد المخبر به، والأمر بطريق الندب طلب على وجه الجد (¬1) وليس بطلب ~~الفعل (¬2) لا محالة، فبطل هذا الكلام. # - قولهم: إن (¬3) الائتمار موجب الأمر - قلنا: ليس كذلك (¬4)، فإن موجب ~~الشيء أن يثبت به جبرا كالانكسار والانهدام، وموجب العلل كلها لا يتوقف على ~~اختيار العباد، والائتمار فعل فاعل مختار، فكيف يكون موجبا للأمر؟ # - وقولهم: إنه (¬5) يقال أمرته فائتمر، كما يقال كسرته فانكسر- فنقول ~~(¬6): كما يقال (¬7) أمرته فائتمر، يقال أيضا (¬8) أمرته فعصى. فليس (¬9) ~~العصيان موجب الأمر. ولأن الأمر لا يصلح علة الائتمار، لأن العلة في اللغة ~~وفي عرف المتكلمين اسم للحادث الذي يتغير به حال المحل الذي يحله، وأمر ~~الله تعالى قديم، فاستحال عليه الحدوث (¬10)، مع أن الانكسار الذي جعلوه ~~(¬11) نظيرا للائتمار (¬12) ليس موجب الكسر حقيقة ولا من آثاره، بل هو محض ~~فعل الله تعالى، وهي (¬13) مسألة PageV01P108 # المتولدات (¬1)، ولأن في جعل الأمر علة الائتمار، ولا ائتمار في الحال ~~(¬2)، يكون قولا بتخصيص العلة، وهو فاسد، على ما يعرف إن شاء الله تعالى - ~~والله الموفق. # مسألة: # وينبني (¬3) على ما قلنا: # إذا اقترن بصيغة الأمر قرينة الندب أو الإباحة أو التهديد: لا يكون PageV01P109 # أمرا حقيقة (¬1) عند من قال موجبه الوجوب عينا لانعدام حكمه، وهو الوجوب ~~(¬2)، بل إطلاق لفظة (¬3) الأمر عليها بطريق المجاز. # وعلى قول الواقفية، تكون (¬4) صيغة (¬5) الأمر حقيقة في الندب والإباحة ~~والتهديد وغيرها، لأن صيغة الأمر مشتركة عندهم بطريق الحقيقة، لكل ما ~~يستعمل فيه، فيتعين بالقرينة. # وعلى قولنا في الندب، يكون أمرا حقيقة، لأن حقيقة الأمر (¬6) هو الطلب، ms044 ~~ومعنى الطلب موجود فيه. فأما في الإباحة [ف] ليس معنى الطلب فيها، لأنها ~~(¬7) عبارة عن التخيير بين الشيئين إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. وكذا معنى ~~التهديد: ترك الفعل، ويذكر (¬8) ويراد به الزجر والردع، دون طلب التحصيل - ~~فيكون استعمال صيغة (¬9) الأمر [فيهما] (¬10) بطريق المجاز، على ما ذكرنا. # ثم هذا الفصل حجة على من قال حقيقة صيغة (¬11) الأمر للوجوب، لا للندب، ~~وإنما يستعمل للندب (¬12) بطريق المجاز، لأن النوافل مأمور بها (¬13)، فلو ~~(¬14) لم يكن صيغة الأمر للندب بطريق الحقيقة، لم يكن PageV01P110 # النوافل مأمورا بها. فإذا (¬1) لم يكن مأمورا بها لا يكون النوافل من ~~العبادات طاعات (¬2) لله تعالى، لأن الطاعة موافقة الأمر، لا موافقة ~~الإرادة، عند أهل السنة والجماعة (¬3)، خلافا للمعتزلة. ولا خلاف بين الأمة ~~أن النوافل من العبادات طاعات لله تعالى يجب القول بكونها مأمورا بها بطريق ~~الحقيقة، فبطل قولهم إن حقيقة الأمر للوجوب لا غير - والله أعلم. # مسألة: - في الأمر بعد الحظر: # قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إن (¬4) الأمر بعد الحظر وقبله (¬5) سواء - ~~وقد ذكرنا الجواب فيه. # وقال بعض أصحاب الشافعي ممن قال بالوجوب قبل الحظر: إنه (¬6) إذا ورد بعد ~~الحظر يحمل على الإباحة، ويكون وروده بعد الحظر قرينة الإباحة، لأن الظاهر ~~أن المراد منه رفع الحظر - قال الله تعالى: "وإذا حللتم فاصطادوا" (¬7) ~~أراد رفع الجناح عن الاصطياد بعد ما ثبت الحظر بسبب الإحرام. # والصحيح قول العامة، لما ذكرنا (¬8) أن الأمر طلب واستدعاء، والإباحة ~~تخيير بين التحصيل والترك (¬9)، فلم (¬10) يتحقق فيه معنى الأمر، PageV01P111 # فكان الحمل عليه بطريق المجاز، وترك الحقيقة لا يجوز كل من غير دليل. وفي ~~النصوص الواردة بصيغة الأمر بعد الحظر يثبت الإباحة بدليل آخر وراء الصيغة، ~~وهو أن الإباحة الشرعية كانت بدليل (¬1)، ثم الحرمة ثبتت بعارض الإحرام، ~~فإذا زال العارض عادت الإباحة الأصلية الثابتة بالشرع، كا كانت، بدليلها، ~~لا (¬2) أن ذلك موجب الأمر. على أن صيغة الأمر بعد الحظر كا وردت للإباحة ~~فقد وردت للوجوب، فإن الأمر بقتل شخص (¬3)، حرام القتل بالإسلام أو الذمة، ~~بارتكاب أسباب موجبة للقتل، ms045 من الحراب والردة وقطع الطريق، يكون للوجوب وإن ~~وردت بعد الحظر، وإذا كانا في الاستعمال على السواء فكيف تجعل قرينة ~~الإباحة مع الاحتمال. # مسألة - الأمر بالفعل هل يقتضي الدوام والتكرار أم يقع على الفعل مرة (¬4)؟ # الخلاف (¬5) في هذه المسألة مع القائلين بالوجوب في (¬6) الأمر المطلق، و ~~(¬7) مع الواقفية (¬8)، دون من قال بالإباحة والندب. # والواقفية توقفت في الصيغة المطلقة (¬9) في مقدار الفعل حتى يقوم الدليل ~~على المرة أو الكل أو على مقدار معلوم، كما توقفت فيها (¬10) في تناول ~~الوجوب والندب والإباحة إلا بدليل. PageV01P112 # وقال بعض الواقفية إنه يحتمل الفعل الواحد، ويحتمل الكل، لكن (¬1) يصرف ~~إلى الأقل إلا بدليل. # وقال بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي رحمه الله إنه (¬2) يحمل على الدوام ~~والتكرار (¬3) إلا بدليل - ويروى هذا (¬4) عن الشافعي رحمه الله. وهو قول ~~بعض أصحاب الحديث من المتكلمين. # وقال عيسى بن أبان من أصحابنا (¬5): إن كان فعلا له نهاية يمكن تحصيل ~~جملته، فإنه (¬6) يقع على الكل، حتى يقوم الدليل على الأقل. وإن كان فعلا ~~(¬7) لا نهاية له، فإنه يقع على الأقل دون الكل. # وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين إنه (¬8) يقع على الفعل مرة، من حيث # إنه مطلق الفعل، لا من حيث (¬9) إنه مرة، حتى يقوم الدليل على الدوام. # ومذهب شيخنا أبي منصور الماتريدي (¬10) رحمه الله: أنه لا يعتقد فيه ~~(¬11) المرة الواحدة (¬12) ولا الدوام والتكرار قطعا (¬13) على طريق ~~التعيين (¬14) لكن PageV01P113 # يعتقد على (¬1) الإبهام: أن ما أراد الله تعالى به من الدوام والتكرار أو ~~المرة الواحدة فهو حق (¬2)، ويأتي بالفعل على الترادف احتياطا، ما لم يقم ~~الدليل على أن المراد به الفعل مرة واحدة. # واستعمال لفظة التكرار ههنا لا يراد به حقيقة التكرار عند الفقهاء، وهو ~~عود عين الفعل الأول، لأنه لا يتحقق عند أكثر (¬3) المتكلمين، وإنما يراد ~~به تجدد أمثاله على الترادف، وهو معنى الدوام في الأفعال عندهم. # وجه قول من ادعى التكرار: الاستدلال بالدلائل السمعية، والاستدلال بالوضع ~~اللغوي، والاستدلال بالأحكام اللغوية: # - أما الأول، [ف] قوله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (¬4)، وقوله ~~تعالى: "فمن شهد ms046 منكم الشهر فليصمه" (¬5)، ونحوها - دل (¬6) أن المراد به ~~(¬7) الدوام و (¬8) التكرار والعموم بقدر الممكن (¬9) الذي لا حرج فيه، دون ~~المرة الواحدة. وفي آية الحج وهي قوله تعالى (¬10): "ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا" (¬11) قام الدليل على PageV01P114 # أن المراد به الفعل مرة واحدة (¬1). ونحن نسلم أنه قد يحمل على المرة ~~الواحدة (¬2) بدليل (¬3). وروي أنه لما نزلت (¬4) آية الحج قال الأقرع بن ~~حابس رضي الله عنه (¬5): "ألعامنا هذا يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم - ~~(¬6) أم للأبد؟ " فقال عليه السلام: "للأبد"، وكان هو (¬7) كل فصحاء العرب، ~~فلو (¬8) كان مدلول اللفظ لغة هو (¬9) المرة، لجرى (¬10) على ظاهر اللفظ، ~~حتى يجيء خلاف الظاهر بقول رسول الله صلى الله عليه، ولكان لا يسأل عن ذلك ~~(¬11)، وإنما سأل وأشكل عليه، لأنه عرف أن مدلول اللفظ التكرار والدوام ~~(¬12) وعرف أن الحرج منفي في الدين (¬13)، فدل أنه للتكرار في الأصل. # - وأما الاستدلال بالوضع اللغوي، وهو أن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل ~~بطريق الاختصار، ومعناها: "حصل الفعل" فكانت دالة (¬14) على الصدر المحذوف، ~~والمحذوف لغة والمذكور سواء، والمصدر اسم جنس يتناول PageV01P115 # كل الجنس حقيقة والبعض (¬1) مجازا، كما (¬2) في أسماء أجناس الأعيان، على ~~ما نذكر في باب العموم إن شاء الله تعالى، ولأنه لا خلاف بيننا أن صيغة ~~الأمر واسم الجنس يقع على الكل بطريق الحقيقة، حتى لو نوى الثلاث في قوله: ~~"طلقي نفسك" وفي (¬3) قوله: "أنت طالق طلاقا" لصح (¬4). وإذا كان الاسم ~~متناولا للكل، بطريق الحقيقة، فمن الضرورة تناولها للفرد (¬5) بطريق ~~المجاز. # - و (¬6) أما الاستدلال بالأحكام اللغوية: # • فلأن صيغه النهي تحمل على التكرار والدوام (¬7) بالإجماع، فكذا صيغة ~~الأمر، لأن كل واحدة (¬8) منهما موضوعة لطاب الفعل (¬9)، إلا أن الأمر طلب ~~(¬10) تحصيل الفعل والنهي طلب ترك الفعل، فيكون وضع صيغة النهي ~~للتكراوالعموم وضعا لصيغة الأمر للتكرار والعموم (¬11) دلالة. # • ولأنه يحسن استفسار المأمور من (¬12) الآمر: "إنك أردت بأمرك هذا الفعل ~~مرة أو أكثر"، ولو كانت موضوعة (¬13) للفعل مرة لغة PageV01P116 # لكان (¬1) لا يحسن الاستفسار (¬2)، كما إذا قال: "افعل مرة": لا يصح ms047 ~~الاستفهام. # • وكذا يصح (¬3) الاستثناء الأمر بالفعل مطلقا بأن قال: "صم إلا يوم ~~السبت أو يوم الفطر". ولو لم يكن محتملا للتكرار، ويكون موضوعا للفعل مرة، ~~لما صح الاستثناء (¬4)، كما إذا قال: "صم يوما إلا يوما"، وكما إذا قال: ~~"لفلان علي درهم إلا درهما" (¬5). # • وكذا يصح النسخ من (¬6) الأمر بالفعل المطلق. ولو كان موجب الأمر هو ~~الفعل مرة (¬7)، لما صح النسخ، لأنه يؤدي إلى البداء (¬8)، إذ الفعل الواحد ~~لا يجوز أن يكون حسنا وقبيحا في زمان واحد. # وجه قول أصحابنا رحمهم الله ومن تابعهم: الاستدلال بالمعقول اللغوي، ~~والاستدلال باستعمال أهل اللسان، والاستدلال بنظائر صيغة الأمر من تصاريف ~~الفعل. PageV01P117 # - أما الأول، وهو أن الأمر طلب الفعل لغة، وحكمه شرعا وجوب الفعل (¬1). ~~وفائدته هو (¬2) الأداء في حق كل من أراد الله تعالى منه الفعل، والامتناع ~~في حق من أراد منه الترك - وهذا كله يحصل بفعل واحد، فإن اللفظ دال على ~~الفعل، فأما تكرار الفعل (¬3) [ف] عبارة عن إعداد (¬4) الفعل، واسم الفعل ~~لا يتناول العدد، فإن العدد إنما يعرف باسم موضوع للعدد أو (¬5) للعموم، ~~ولم يوجد صيغة اسم العدد ولا صيغة العموم، وعند تكرار الفعل وتعدده يحصل ~~تكرار الفائدة، واللفظ موضوع لأصل (¬6) الفائدة لا لتكرار الفائدة. وبيان ~~ذلك أن قوله (¬7): "ادخل الدار" يدل على حركات تسمى بجملتها دخولا، فمتى ~~وجدت تكون دخولا تاما، فأما الدخول ثانيا وثالثا كل من باب عدد الدخلات، ~~فلا يثبت إلا باللفظ الموضوع للعدد. وكذا قوله "صم" أو "صل": فالصوم شرعا ~~(¬8) عبارة عن إمساك مقدر من أول النهار إلى آخره، والصلاة عبارة عن أفعال ~~معلومة (¬9) معهودة (¬10). فمتى وجد (¬11) بحده يكون فعلا تاما، وما بعد ~~التمام إلا العدد - ولهذا إذا وجد منه الفعل مرة سمى (¬12) الذات الذي وجد ~~منه الفعل: داخلا، وصائما، ومصليا، فيكون عدد الفعل فضلا (¬13) في حق صحة ~~الاسم بكونه فاعلا، والفاعل لا يكون بدون الفعل. PageV01P118 # - وأما استعمال أهل اللسان، فإن من قال لعبده: "اسق الأرض" أو قال: ~~"اشترلي لحما" (¬1)، أو قال لرجل: "طلق امرأتي" - يقع على الفعل مرة. ms048 ولو ~~نوى ثنتين (¬2) لا يصح، لأنه نوى العدد، ولفظ الأمر لا يدل عليه لغة (¬3). ~~ولو قال: "اشتر لي عبدا" ونوى شراء عبيد أو شراء بعد شرا (¬4) - لا يصح. ~~وكذا لو قال لعبده: "صم" (¬5) فصام يوما - يكون ممتثلا أمرمولاه، ولا يلزمه ~~الزيادة (¬6) عليه، وإن نوى. فإذا (¬7) كان لفظ الأمر، في استعمال أهل ~~اللغة، على كل ما قلنا، يجب حمل صيغة الأمر الوارد (¬8) في الشرع على ما ~~يتعارفه الناس. # - وأما الاستدلال بنظائره من تصاريف الفعل، فإن الأمر أحد التصاريف ~~المأخوذة من (¬9) المصدر، ثم (¬10) من (¬11) الخبر في (¬12) الماضي ~~والمسقبل، ونعت الفاعل (¬13) والمفعول، نحو قولهم ضرب ويضرب وضارب ومضروب ~~لا يدل على التكرار وضعا، فكذا (¬14) قوله "اضرب" يجب أن يكون هكذا، حتى ~~يكون موافقا لنظائره. PageV01P119 # ولا يلزم النهي حيث يتكرر، وهو من تصاريف الفعل، لأن ثم (¬1) التكرار ليس ~~موجب الصيغة على ما نذكر. # والجواب عن شبهاتهم: # - أما التعلق بالنصوص، [ف] لا حجة لهم فيها: لأنه ليس فيها (¬2) بيان ~~تكرار ودوام (¬3)، مع أن ظواهر النصوص متعارضة، فإن في باب الحج يقتضي ~~الفعل مرة، فإن قاتم: ثمة قام الدليل، فنحن نقول: هنا (¬4) في هذه الأوامر كذلك. # أما (¬5) لا يلزمنا أنها (¬6) لا تقع على الفعل مرة، لأنا إنما ندعي ذلك ~~بموجب اللفظ لغة. # أما (¬7) يجوز أن يثبت الزيادة على المرة بدليل، وقد ورد (¬8) من حيث ~~التوقيف، والعقل: # • أما من حيث التوقيف (¬9) - فما (¬10) روي عن عبادة بن الصامت (¬11) PageV01P120 # رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تعالى ~~أوجب عليكم خمس (¬1) صلوات في كل يوم وليلة". وقال الله (¬2) تعالى في ~~الصوم: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" (¬3). # • وأما الدليل العقلي- فلأن العبادات وجبت إظهارا للعبودية أو لشكر ~~المنعم (¬4)، وذلك يقتضي الدوام بقدر الممكن إلا ما ثبت العفو والإسقاط من ~~صاحب الحق، وهو الله تعالى (¬5)، بفضله وكرمه، على ما أراد (¬6) - والله أعلم. # - وأما حديث الأقرع بن حابس (¬7) - فهو كا يلزمنا يلزمكم (¬8)، فإنه لو ~~كانت (¬9) صيغة الأمر للتكرار لغة، يجب أن لا يشكل عليه ولا يسأل. وكل ~~(¬10) عذر ms049 لكم فهو عذر لنا (¬11). ثم نقول: إنما سأل لأنه عرف الأوامر في ~~سائر العبادات موجبة للتكرار بمقادير معلومة، ولم (¬12) تقتصر على موجب ~~اللفظ لغة، فقاس أمر الحج عليه، ثم PageV01P121 # أشكل أمر الحج (¬1) عليه لزيادة مشقة في الحج فى حق البعيد عن مكة، فسأل ~~لإزالة إشكاله (¬2) ببيان صاحب الشرع - صلى الله عليه وسلم -. # -[وأما] قولهم: إن المصدر صار مذكورا لغة بذكر الأمر - فالجواب عنه (¬3) ~~من وجهين: # أحدهما - أنا (¬4) لا نسلم بأن (¬5) المصدر يصير مذكورا لغة في سائر ~~تصاريف الفعل، بل صيغة الأمر وحدها وضعت لطلب الفعل في المستقبل، وصيغة ~~الماضي وضعت للإخبار عن الفعل في الماضي. وقولك "فاعل" اسم لذات قام به ~~الفعل. ولهذا قلنا إن (¬6) في قوله: "أنت طالق" أو "طلقتك" ونوى الثلاث لا ~~يصح، لأن المصدر الذي يحتمل الواحد والكل (¬7) غير مذكور، فلا يصح النية. ~~وفي قول الرجل لامرأته "طلقي نفسك" تصح نية الثلاث، لا (¬8) لأن المصدر صار ~~مذكورا لغة، لكن صيغة الأمر وضعت لطلب الفعل في المستقبل، والفعل (¬9) كل ~~وفرد وعدد، وصيغة الفعل تصلح دلالة على الفعل الواحد وعلى الكل، ولا تصلح ~~دلالة على العدد، لكن عند الإطلاق يحمل على الفرد، الذي هو الأقل، لكونه ~~متيقنا، وتصح نية (¬10) الكل. ولو نوى الثنتين لا يصح، لأنها كل من باب ~~العدد، وصيغة الفعل لا تتناول العدد. PageV01P122 # والثاني - إن سلمنا أن المصدر صار مذكورا لغة، وأنه اسم (¬1) جنس، بمنز ~~لة اسم الجنس في الأعيان، ففيه (¬2) اختلاف بين كل مشايخنا على ما نذكر في ~~باب العموم إن شاء الله تعالى. والمختار في المصدر (¬3) أنه يقع على كل ~~الجنس إذا كان معرفا، وإذا كان منكرا يقع على الأقل. فعلى هذا قالوا في قول ~~(¬4) الرجل: "أنت طالق طلاقا". فالمنكر يقع على الواحد في موضع الإثبات. ~~وكذا في قوله "طلقي نفسك" - لأن المصدر المنكر يصير مذكورا , لا المعرف، ~~لأن التنكير أصل في الكلام (¬5). وإنما يصح فيه (¬6) نية الثلاث لما قلنا ~~إنه كل الفعل لا باعتبار العدد. وأما (¬7) إذا قال: "أنت طالق الطلاق": [ف] ~~إن لم ms050 يكن له نيه يقع على الأقل" بدلالة الحال، لأن إيقاع الثلاث جملة ~~مكروه، فلا يمكن صرفه (¬8) إلى الكل، برلالة حال المسلم المتدين، فيقع على ~~الواحد الذي هو مسنون. وإذا نوى الثلاث يقع على كل الجنس، لأنه نوى كل ماهو ~~حقيقة كلامه. وإذا نوى الثنتين لا يصح، لأنه بعض الجنس، فلا يقع عليه الإسم ~~حقيقة على ما نذكر. # - وأما النهي، فثمة لا نسلم (¬9) أن موجب النهي هو وجوب (¬10) الانتهاء PageV01P123 # على سبيل الدوام والتكرار (¬1) لغة، بل موجبه الانتهاء (¬2) مرة، كالأمر ~~(¬3) سواء، لكن صيغة النهي تقتضي مصدرا محذوفا منكرا، كالأمر سواء، كأنه ~~قال: "صم صوما ولا تصم صوما"، والنكرة في موضع الإثبات تخص، وفي موضح النفي ~~تعم، كقولك: "رأيت رجلا" و "ما رأيت رجلا"، بطريق الضرورة، على ما نذكر في ~~باب العموم إن شاء الله تعالى. # -[أما] قولهم إنه (¬4) وصح الاتفسار: أنك أردت به الفعل مرة أو مرارا ~~(¬5) - فنقول: هذا الكلام مشترك الدلالة، فإن عندكم يحسن أن يقول أردت به ~~التكرار. ولو كان كل قتضاه التكرار يجب أن لا يحسن. وكل عذر هو لكم فهو عذر ~~لنا (¬6)، وكل دليل هو في حد التعارض لا (¬7) يكون حجة. ثم العذر للفريقين ~~أنه إنما يحسن ذلك طلبا لتأكيد العام أو الظن. # -[و] قولهم (¬8) إنه يصح الاستثناء (¬9) والنسخ، وذلك لا يتحقق إلا فيما ~~له دوام وعموم (¬10) - فنقول: # • إنما يجوز النسخ والاستثناء فيما قام الدليل على أنه أريد (¬11) به ~~الدوام PageV01P124 # والتكرار إلى وقت النسخ، حتى (¬1) يكون النسخ بيانا أن (¬2) المراد به ~~بعض المرات، فيكون الاستثناء استخراجا (¬3) للبعض. فأما، إذا كان الأمر ~~مطلقا، ولم يقم الدليل على أن المرد به الدوام، [ف] لا يجوز ورود النسخ ~~[عليه] (¬4). كما إذا قام الدليل على (¬5) أن المراد به (¬6) مرة واحدة ~~(¬7): لا يجوز النسخ [عليه] (¬8)، لأنه يؤدي إلى البداء (¬9)، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا (¬10). وكذا في الاستثناء: يكون تعطيلا للكلام، لا ~~ستخراجا للبعض. # • والثاني إن الأمر المطلق إذا اتصل به الاستثناء أو (¬11) النسخ يستدل ~~به على أنه أريد به التكرار، لما قلتم ms051 (¬12) إنه لا يجوز الاستتناء والنسخ ~~في الفعل الواحد، فكان ورود الاستثناء والنسخ (¬13) قرينة الدوام والعموم ~~(¬14)، ولا كلام في الأمر الذي اقترن به دليل العموم والتكرار، وإنما ~~الكلام في الأمر (¬15) الطلق - والله أعلم. PageV01P125 # مسألة - في الأمر المعلق بالشرط، والمضاف إلى الوقت، والمقيد بالصفة: # اختلف في هذه المسألة: # - من قال إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار: # قال بعضهم بأنه يقتضي التكرار عند تكرر الشرط والصفة والوقت (¬1). # وقال عامتهم بأنه (¬2) لا يقتضي التكرار (¬3) إلا بدليل. # احتج من قال بالتكرار بظواهر النصوص من (¬4) قوله تعالى: "أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس إلى غسق الليل" (¬5). وقال تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" ~~(¬6). وقال تعالى: "الزانيه والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" ~~(¬7). وقال تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (¬8) إلى غير ذلك ~~(¬9). والالستدلال (¬10) أن التكرار ثبت في هذه الأوامر بتكرر الوقت والشرط ~~والصفة، فيجب القول به. # - والصحيح قولنا، وهو أن الأمر وحده لا يوجب التكرار على ما مر. # وكذلك الشرط وحده - فإن من (¬11) قال لامرأته: "إن دخلت الدار فأنت طالق" ~~فدخلت مرة تقع طلقة واحدة، ولو دخلت مرارا لا يقع PageV01P126 # شيء. فلا يتكرر (¬1) الحكم بتكرر الشرط وحده. والعارض ههنا هو التعليق، ~~وهو قران (¬2) الشرط بالأمر، وأثره هو منع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط ~~عندنا، وعند الخصم أثره تأخير الحكم السبب مع انعقاده علة (¬3) شرعا. وهذا ~~لا يغير حكم الأمر والشرط عما كان، فيبقى حكم الأمر والشرط (¬4) على ما كان ~~قبل التعليق. # و (¬5) لأن أهل اللسان، كما استعملوا الأمر المطلق وما أرادوا به الدوام ~~والتكرار، كذلك استعملوا (¬6) لأمر المعلق بالشرط والمضاف إلى الوقت (¬7) ~~والمقيد بالصفة وما أرادوا به الدوام والتكرار، فإن (¬8) الرجل يقول لغيره: ~~"طلق امرأني إن دخلت الدار"، ويقول لعبده: "اشتر اللحم إن دخلت السوق"، ~~ويقول السلطان للجلاد: "اجلد فلانا الزاني إذا حضر عندك"، فإنه لا يراد ~~(¬9) به التكرار بالإجماع، وأوامر الشرع يحمل على كل ما يتعارفه أهل ~~اللسان. # ولا يقال: إن (¬10) الشرط في معنى العلة، لأنا نقول: ليس كذلك، لأن العلة ~~هي (¬11) المؤثرة في الحكم، فجاز ms052 أن يتكرر الحكم بتكررها، أما الشرط فما ~~يمنع انعقاد المؤثر عن العمل لا غير، فإن كان المؤثر PageV01P127 # موجودا يعمل فيه بالمنع عن العمل وكونه سببا وعلة للحكم. وإن (¬1) لم يكن ~~فوجوده وعدمه بمنزلة سواء (¬2). # وفيما ذكروا من النصوص قام الدليل، بخلاف ظاهر الصيغه، على أنه قد (¬3) ~~قام الدليل عندنا على (¬4) أن الوقت وشهود الشهر سبب لوجوب الصلاة والصوم، ~~وكذا (¬5) الزنا علة لوجوب الجلد، والسرقة علة لوجوب القطع، والحكم (¬6) ~~يتكرر بتكرر العلة. فمن ألحق الشرط بالعلة فلا بد له من دليل جامع (¬7) - ~~والله أعلم. # مسىألة - في حكم الأمر بأحد الأشياء (¬8) غير عين: # كما في قوله تعالى في كفارة اليمين: "فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ~~ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة" (¬9). # قال عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين: إن (¬10) الواجب واحد منا غير عين، ~~والمأمور مخير في تعيين واحد منها فعلا، ويتعين ذلك باختياره فعلا. PageV01P128 # وتكلموا في كيفية هذا القول: # قال بعضهم: إنه واجب عند الله تعالى عينا، وإن كان مجهولا في حق العباد. ~~والله (¬1) تعالى عالم بأن من عليه يختار ما هو (¬2) الواجب عنده، فيخيره، ~~ليستوفي الواجب عنده (¬3). # وقال بعضهم: إنه (¬4) للحال غير واجب عند الله تعالى، وإنما يصير واجبا ~~عند اختيار العبد فعلا، كأن الوجوب عليه معلق بشرط الاختيار أو (¬5) عند ~~سقوط خيار (¬6) التعيين. # وقالت المعتزلة: إن (¬7) الكل واجب، على طريق البدل، على معنى (¬8) أنه ~~لا يجب عليه الإتيان بالكل (¬9)، ولا يجوز ترك الكل. وإذا أتى بواحد من ~~الجملة، يجوز له ترك الباقي، إذ ما هو القصود يحصل بالواحد (¬10). # وهذه المسألة، بيننا وبينهم، فرع لمسألة (¬11) أخرى، وهو (¬12) أن ~~التكليف يبتنى (¬13) على حقيقة العلم عندهم، دون السبب الموصل إليه، PageV01P129 # وإيجاب واحد من الأشياء (¬1) غير عين تكليف بما لا علم للمكلف به، لأن ~~الواجب مجهول حالة التكليف في حق المكلف (¬2)، فيكون تكليف ما ليس في ~~الوسع. وعند نا التكليف يبتنى على سبب العلم، لا على حقيقة العلم (¬3). كما ~~يبتنى على سبب القدرة لا على حقيقة القدرة (¬4). وههنا (¬5) طريق العلم ~~قائم، وهو ms053 الاختيار، فلا يكون تكليف العاجز. # وشبهتهم أن الأمر بأحد الأشياء على سبيل التخيير إما أن يكون موجبه ثبوت ~~الحكم في واحد منها عينا، أو في واحد غير عين، أو في الكل على سبيل الجمع ~~أو على سبيل البدل. # لا وجه للأول (¬6)، لأنه خلاف الصيغة، وخلاف الإجماع. # ولا وجه للثاني، لأنه تكليف بما هو غير معلوم، للمأمور، وقت التكليف. ~~والتكليف بإتيان (¬7) المجهول تكليف ما ليس في الوسع، وهو (¬8) باطل. # ولا وجه للثالث (¬9): إلى وجوب الكل بطريق الاجتماع (¬10)، لأنه خلاف ~~ظاهر الكتاب (¬11)، والإجماع أيضا. PageV01P130 # فتعين القول بوجوب (¬1) الكل على طريق البدل ضرورة، وإنه طريق مشروع ~~موافق للأصول: وهو فرض الكفاية من الجهاد وصلاة الجنازة ونحوهما (¬2): فإنه ~~يجب على الكل بطريق البدل، حتى إنه (¬3) إذا قام به البعض سقط (¬4) عن ~~الباقين، فكذلك (¬5) هذا. # وجه قولنا: الكتاب، والمعقول، والأحكام: # - أما الكتاب، فقوله (¬6) تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} (¬7) ذكر ~~بحرف "أو"، وحرف "أو" متى دخل بين أفعال، كان المراد به (¬8) واحدا كل منها ~~غير عين في الإخبار والإيجاب جميعا (¬9). تقول في الإخبار: "جاءني زيد أو ~~عمرو" و (¬10) يكون الجائي أحدهما. وكذا في الإيجاب: # إذا قال لرجل: "بع هذا العبد بألف درهم أو هذا العبد" (¬11) يكون توكيلا ~~ببيع أحدهما. فمن قال بأن المراد به (¬12) الكل على طريق البدل، فقد خالف ~~موجب اللغة. # - وأما المعقول، وهو أن الأمر بالأشياء، على سبيل التخيير، صحيح، ~~بالإجماع، حتى لو ترك الكل فإنه يأثم - فإما أن يكون (¬13) أمرا بأحدها ~~(¬14) PageV01P131 # عينا، أو بالكل على سبيل الجمع، أو بالكل على سبيل البدل، أو بأحدها (¬1) ~~غير عين: # لا (¬2) وجه للأول، فإن التخيير ثابت للمأمور بالإجماع (¬3)، ومع تعين ~~(¬4) الفعل المأمور به (¬5) للمأمور (¬6)، على سبيل الوجوب، لا يثبت ~~التخيير. # ولا وجه للثاني، فإنه (¬7) خلاف الإجماع، إذ لا خلاف بين العلماء أنه لو ~~أتى بواحد منها، فإنه (¬8) يخرج عن عهدة الأمر (¬9). # ولا وجه للثالث، فإن الوجوب إنما يعرف بحده وأثره، وهو استحقاف الذم ~~والملامة في الدنيا، واستحقاق (¬10) العذاب في الدار (¬11) الآخرة. ولو ترك ~~المأمور، الكل، لا يأثم ms054 إلا إثم ترك واحد (¬12) من الكفارات. ولو أتى ~~بالكل، فإنه لا يثاب إلا ثواب فرض واحد، ويثاب (¬13) بأداء الباقين ثواب ~~التطوع، ولو كان الكل واجبا لكان الأمر بخلافه. PageV01P132 # فإن قلتم: إن حكم وجوب الكل على سبيل البدل هذا - فقد ناقضتم في حد ~~الواجب، وهو كل ما يستحق بتركه (¬1) الذم والملامة في الدنيا (¬2) والعقاب ~~في الآخرة (¬3) وذلك لم يوجد في الكل. # فإذا (¬4) بطلت (¬5) هذه الوجوه تعين ما قلنا: إنه أمر بأحد الأشياء غير عين. # - وأما الأحكام، فإن من أعتق إحدى إمائه أو طلق إحدى نسائه - لو كان هذا ~~إعتاقا أو (¬6) تطليقا للكل على سبيل البدل، ويكون خيار التعيين إليه: ~~ينبغي أن لا يصح: لأن (¬7) العتاق والطلاق، بعد وقوعهما في محك، لا يصح ~~النقل عنه. ولأنه لا (¬8) علم (¬9) له بالمعتقة والمطلقة، كيف يصح البيان ~~بإثبات الخيار. وفيه احتمال إباحة الحرة الأجنبية، وذلك (¬10) باطل. # وكذا إذا وكل رجلا ببيع إحدى جاريتيه (¬11)، فباع إحديهما (¬12) غير عين، ~~على أن له الخيار بين أن يمسك إحديهما ويدفع الأخرى إلى PageV01P133 # المشتري (¬1)، أو باع المالك (¬2) إحدى أمتيه (¬3) على هذا الوجه: فإنه ~~يجوز (¬4)، وفيه احتمال تسليم غير (¬5) المبيعة لو كان الأمر على ما ذكرتم. # وكذا لو أتى المكفر (¬6)، بالكل جملة، بأن يعتق في الحال التي (¬7) يطعم ~~ويكسو بنية الكفارة، فإن الكل ينفذ في ساعة واحدة، و (¬8) لو كان الكل ~~واجبا على طريق البدل، وليس البعض بأولى من البعض في هذه الحالة، [فإنه] ~~ينبغي أن يكون الجميع (¬9) عن الكفارة، ومع هذا [ف] الكفارة واحدة (¬10) منها. # [وبهذا] علم أن الواجب واحد منها غير عين. # والجواب عما ذكروا من التقسيم - فنقول: # الواجب عندنا واحد من الأشياء غير عين. # -[أما] قولهم إن (¬11) هذا تكليف بالمجهول، فيكون تكليف ما ليس في الوسع ~~- فنقول: شرط صحة التكليف سبب العلم وطريقه، لا حقيقة PageV01P134 # العلم (¬1)، كما أن من (¬2) شرطه القدرة من حيث السبب، لا نفس القدرة ~~الحقيقة. وفي مسألتنا وجد سبب حصول العلم بالواجب عينا، وهو اختيارالمكلف: ~~فإنه إذا اختار المكفر أحد الأشياء الثلاثة، وشرع فيه فيؤدي ms055 الواجب (¬3) ~~والاختيار بيده، فيكون تكليف القادر، لا تكليف ما ليس في الوسع. # - ولا يقال بأنه لا يمكن القول بالتخيير مع القول بوجوب أحدها (¬4) غير ~~عين، لأنه يكون تخييرا بين الواجب وغير الواجب، وإنه يتضمن إباحة ترك (¬5) ~~الواجب، فيكون فاسدا (¬6)، كالتخيير بين أداء الظهر وبين (¬7) التطوع - لأن ~~عند بعض مشايخنا إنما يجب عند الاختيار لا قبله، ويكون اختياره علما على ~~الوجوب، فلا يكون تخييرا بين الواجب وغير الواجب. وعلى قول الآخرين من كل ~~مشايخنا (¬8): لا يلزم، لأنه إذا كان في علم الله تعالى أنه يختار الواجب ~~لا محالة، فكان (¬9) اختياره علما على تعين (¬10) الواجب في حق المكلف من ~~الأصل، والله (¬11) تعالى يرشده إلى ما هو الواجب عنده، فلا يكون اختياره ~~متضمنا ترك الواجب، وإنما الا يجوز التخيير بين الواجب وغير الواجب، ~~لاحتمال أنه ربما يختار غير الواجب، في فيتضمن ترك الواجب، و (¬12) هذا ~~المعنى معدوم ههنا. PageV01P135 # - ولا يقال بأنه إذا ترك الكل يأثم بأن مات قبل الفعل، ولو صار واجبا عند ~~الاختيار ينبغي أن لا يأثم، لأنه لم يوجد ترك الواجب - لأنا نقول (¬1): # • هذا لا يلزم على قول الفريق الثاني، لأنه واجب، لكونه متمكنا من الأداء ~~بواسطة الاختيار. # • وعلى قول الفريق الآخر لا يلزم أيضا لوجهين: # أحدهما - أنا لا نقول إنه (¬2) يأثم بترك الواجب، وهو الكفارة، وإنما ~~يأثم بترك الاختيار الذي هو (¬3) وجب عليه علما على وجوب الكفارة. # والثاني - أن الوجوب إنما تعلق باختياره (¬4) واحدة (¬5) منها، بشرط (¬6) ~~أن لا يفوت عن العمر، كما إذا كان مطلقا من الوقت. فإذا صار إلى حال لو لم ~~يختر يفوت الفعل بأن حكم عليه بالموت بعده، يتعين عليه الوجوب في ذلك الوقت ~~في واحد منها الذي هو الأيسر (¬7) عليه بحكم الحال، لأنه إنما لا يجب ~~ويتعلق الاختيار تيسيرا عليه ليختار أحد الأشياء الذي هو الأيسر (¬8) عليه ~~(¬9) باختلاف الأحوال، فإذا لم يختر إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب في ~~الأيسر في الحال، فيأثم بترك ذلك لقيام الوجوب عليه، مع القدرة على الأداء. PageV01P136 # وأما فرض الكفاية: # [ف] ms056 بعض مشايخنا قالوا: لا فرق بين المسألتين، فإن ثمة (¬1) يجب على ~~طائفة قدروا على الدفع (¬2) غير عين. # وبعضهم فرقوا وقالوا: ثمة (¬3) لا يمكن الإيجاب على المجهول، فوجب على ~~الكل، بطريق الاجتماع، تم يسقط الباقين بأداء البعض، لحصول القصود، وههنا ~~أمكن القول بالإيجاب لأن من عليه الواجب متعين، لكن الواجب مجهول، وجهالة ~~الواجب لا تمنع كل من تحصيل المقصود إذا كان له طريق الوصول - فهو (¬4) ~~الفرق بلأنهما - والله أعلم. # مسألة - الأمر هل يدل على إجزاء الفعل الأمور به، وعلى خروج المأمور من ~~عهدة الأمر إذا أتى بالفعل المأمور به على الوجه الذي أمر به من غير خلل (¬5)؟ # قال (¬6) عامة الفقهاء: بأنه يدل على الإجزاء. # وقال بعض العتزلة: لا يدل على الإجزاء، وإنما يثبت الإجزاء بدليل زائد ~~وراء الأمر. # وحاصل اخلاف في تفسير الإجزاء، والجواز، والصحة في العبادات: # فعندنا: هو حصول الامتثال بإتيان (¬7) ما أمر به على الوجه الذي أمر به، ~~ثم سقوط وجوب الإعادة (¬8) في الوقت المعين، وسقوط القضاء في وقت PageV01P137 # آخر. بناء عليه: فإن أداه على وجهه، لا يجب اقضاء، لوجود الأداء. وإذا ~~ترك في وقته المعين، أو أتى به مع نقصان فاحش حتى ألحق (¬1) بالعدم، تجب ~~عليه الإعادة في الوقت، أو القضاء خارج الوقت. # وعندهم: تفسير الإجزاء والجواز هو سقوط القضاء عنه، وذلك لا يعرف ~~إلابدليل زائد. # وجه قولهم: إن حصول الامتثال لا ينافي وجوب القضاء: فإن من جامع امرأته ~~(¬2) قبل الوقوف بعرفة (¬3) حتى فسد حجه، يجب عليه المضي في الحج، ويكون ~~ذلك طاعة ويعد ممتثلا للأمر، ومع ذلك يلزمه القضاء في السنة القابلة. وكذا ~~من صلى في آخر الوقت على ظن أنه توضأ بماء طاهر ثم ظهر أن الماء نجس، فإنه ~~يجب عليه القضاء، وما صلى بناء على ظن الطهارة يكون مأمورا به حتي يثاب ~~عليها (¬4)، ولو ترك مع التحري على الطهارة يأثم. ولأن النهي عن الفعل ~~الشرعي لا يدل على الفساد، حتى لو صلى في الدار المغصوبة يقع مجزئة، فإذا ~~كان كان النهي لا يدل على الفساد، ms057 فالأمر لا يدل على الجواز والإجزاء (¬5). # ووجه قولنا: وهو أن المأمور إذا (¬6) أتى بالفعل المأمور به على الوصف ~~(¬7) الذي أمر به، ومع وجود شرائط الصحة: لو لم يسقط عنه (¬8) القضاء ولم ~~(¬9) يخرج عن عهدة الأمر، يبقى تحت التكليف أبدا، وهو تكليف ما ليس في ~~الوسع. PageV01P138 # - وأما الحج إذا فسد، [ف] لا يحكم بجواز ما أمر به، لأنه لم "يؤده على ~~الوصف الذي أمر به، فبقي تحت الأمر، فيجب عليه في السنة القابلة حج صحيح ~~خال (¬1) عن الجماع. فأما الفاسد [فقد] أمر بالمضي فيه بأمر جديد، على وجه ~~النقصان، لكون الإحرام لازما شرعا، فإذا أتمه يخرج عن عهدة (¬2) هذا الأمر ~~أيضا، لأنه أتى به على الوجه الذي أمر به مع الفساد أي مع النقطان (¬3). # - وفي الصلاة بغير طهارة لا نقول بأنها مجزئة، لأنه ظهر أن الماء نجس، ~~والواجب عليه الوضوء بالماء الطاهر حقيقة، بطريق التحري والاجتهاد، ~~والمجتهد يخطئ ويصيب عندنا (¬4). فمتى ظهر أنه نجس تبين أنها غير مجزمة، ~~لعدم الطهارة حقيقة، فبقي (¬5) تحت التكليف، لكن لو مات لا يؤاخذ به، لأنه ~~كل معذور لإتيانه بجميع ما في وسعه. # - وما قالوا إن النهي لا يدل على الفساد، فليس كذلك، بل يدل على فساد ~~المنهي، وإنما يجوز الصوم والصلاة التي (¬6) أضيف النهي إليهما (¬7)، ~~كالصلاة في الأرض الغصوبة، وصوم يوم النحر، على تقدير أنهما مشروعان، غير ~~منهي عنهما، لا أن (¬8) الجواز والشروعية ثابت مع قيام النهي. # هذا هو الذهب الصحيح على ما نذكر في باب النهي إن شاء الله تعالى. # مسألة - الأمر بالشيء، هل يدل على وجوب ما لا يصح إلا به؟ نقول: PageV01P139 # إن الأشياء التي لا تصح العبادة والفعل المأمور به إلا معها على قسمين: ~~منها - ما لا صحة للمأمور به إلا بتحصيلها، من غير أن يكون طريقا ووسيلة إليه. # ومنها - ما يكون طريقا ووسيلة إليه (¬1)، بأن كان سابقا عليه أو (¬2) ~~مقارنا له. # أما القسم الأول - نحو الأمر بستر الركبة (¬3): يكون أمرا بستر شيء من ~~الساق ضرورة (¬4)، لأن الركبة مركبة من الفخد والساق ms058 بحيث لا يتميز (¬5) ~~أحدهما من (¬6) الآخر. وكالأمر لي بغسل الوجه: يكون أمرا بغسل شيء من ~~الرأس، لأنه لا يمكن إلا به. ونحو الأمر بالامتناع عن استعمال (¬7) الطاهر ~~لاختلاط النجس به، والأمر بالامتناع عن العبادة لمجاورتها المعصية (¬8)، ~~كالصلاة في الأرض المغصوبة (¬9). وهذا لأن الأمر، لما ورد (¬10) بتحصيل ذلك ~~الفعل مطلقا، ولا (¬11) يتحقق تحصيله (¬12) على الكمال (¬13) إلا بتحصيل ~~غيره، وفي وسعه تحصيله، كان أمرا به، ضرورة العمل بإطلاقه. PageV01P140 # وأما القسم الثاني، فنوعان: # أحدهما - ما ليس في وسع المكلف تحصيل العمل بإطلاقه، نحو الطريق (¬1) ~~والوسيلة والقدرة (¬2) من حيث الأسباب، كسلامة الجوارح وسلامة العقل في ~~العبادات (¬3). وفي هذا لا يكلف المرء بالفعل، حتى لا يكلف الأعمى الإبصار ~~ولا الرمي، ولا المقعد المشي، لانعدام (¬4) الآلة، وليس في وسعهما تحصيلها، ~~لأنه تكليف كل ما ليس في الوسع. # وعلى هذا قالت المعتزلة: إن القدرة الحقيقية يجب أن تكون سابقة على ~~الفعل، حتى لا يكون تكليف كل ما ليس في الوسع، لأنه ليس في وسع المكلف ~~تحصيل القدرة الحقيقية عند الفعل، كما في القدرة من حيث الأسباب. # إلا أنا نقول: وجود القدرة الحقيقية لأجل وجود الفعل. وإذا (¬5) كانت ~~القدرة من حيث الأسباب ثابتة سابقة على الفعل، فالقدرة الحقيقية توجد عند ~~الفعل لا محالة، بإجراء الله تعالى (¬6) العادة في حق من أراد منه وجود ~~الفعل، فتوجه (¬7) التكليف، وإن لم يكن تحصيل القدرة (¬8) في وسع المكلف. ~~فأما في القدرة من حيث الأسباب [ف] ما أجرى (¬9) الله تعالى العادة على ~~تخليق (¬10) السلامة في أعضاء الزمن و (¬11) المقعد والأعمى، PageV01P141 # فلا يتوجه التكليف بدونها، حتى لا يكون تكليف ما ليس في الوسع - حتى ~~لوثبت بقول نبي من الأنبياء عليهم السلام علم وجود سلامة البنية ووجود ~~البصر وزوال العمى عند الفعل يجوز التكليف به (¬1)، وإن لم يكن في وسعهما ~~تحصيلها، لحصول العلم بوجودها (¬2) بقول الصادق. # وأما الثاني (¬3) - وهو ما يكون وسيلة وطريقا إلى تحصيل الفعل، وفي وسع ~~المكلف تحصيله، فهو (¬4) على نوعين: # أحدهما - أن يكون الأمر بالفعل كل معلقا بوجود ذلك الشيء، كما لو ms059 قال ~~المولى لعبده: "اصعد السطح إن كان السلم منصوبا". فإن كان السلم منصوبا ~~(¬5) يجب عليه الصعود (¬6). وإن لم يكن لا يجب عليه نصب السلم، لأن المعلق ~~بالشرط لا حكم له قبل الشرط، فإذا لم يجب عليه الصعود عند عدم (¬7) الشرط، ~~فلا يجب عليه ما هو من ضرورات الخروج عنه (¬8). # والثاني - أن يكون الأمر مطلقا بأن قال المولى لعبده: "اصعد السطح"، فإنه ~~يجب عليه الصعود إن كان السلم منصوبا. وإن لم يكن، يجب عليه نصب السلم إذا ~~كان متمكنا من نصب السلم، بأن كان حاضرا ثمة وله قدرة نصبه، ويجب عليه ~~الصعود، بناء عليه، لأن حكم الأمر PageV01P142 # المطلق هو تحصيل المأمور به (¬1)، على كل حال، عملا بإطلاقه، ولا يمكنه، ~~على جميع الأحوال، إلا بتحصيل كل ما هو من ضروراته ووسائله، وفي وسعه ذلك، ~~فيجب عليه. ولهذا قلنا: إن الأمر بالحج (¬2) في حق المستطيع، وإن كان كل ~~مطلقا عن السعي، والأمر بالجمعة كذلك، [فإنه] يجب عليه السعي إذا كان لا ~~يتصور الأداء بدونه لما قلنا. # مسألة - الأمر بالفعل هل هو نهي عن ضده، والنهي عن الفعل هل هو أمر بضده؟. # ههنا فصلان: # أحدهما - الأمر (¬3) بالفعل هل هو نهي عن ضده؟ # والثاني - النهي عن الفعل هل هو أمر بضده؟ # أما الأول: # قال عامة مشايخنا وأصحاب الحديث: إن الأمر بتحصيل الشيء يكون نهيا عن ضده ~~إذا كان له ضد واحد، كالأمر بالإيمان ونحوه. وإن كان له أضداد، كالأمر ~~بالقيام، فإن له أضدادا من القعود والركوع والسجود والاستلقاء ونحوها - ~~اختلفوا فيما بينهم: # قال بعضهم: يكون نهيا عن الأضداد كلها. # وقال بعضهم: يكون نهيا عن واحد كل من الأضداد غير عين. # ثم قال بعض أصحاب الحديث: هذا في الأمر الذي هو أمر إيجاب. # فأما (¬4) أمر الندب (¬5)، [ف] لا يكون نهيا عن ضده. PageV01P143 # وقال عامتهم بأن الأمر بالفعل يكون نهيا عن ضده (¬1) مطلقا، لكن على (¬2) ~~حسب الأمر: إن كان أمر إيجاب يكون النهي عن ضده نهي تحريم، وإن كان الأمر ~~(¬3) أمر ندب يكون النهي (¬4) عن ضده نهي ms060 ندب - حتى يجب الامتناع عن المنهي ~~عنه في الأول، وفي الثاني يندب إلى (¬5) الامتناع، حتى يكون إتيان النوافل ~~(¬6) أولى من الأفعال المباحة، ويصير كل منهبا عنها نهي ندب من حيث إنه ترك ~~للمندوب (¬7) لا لعينه، فيندب الامتناع عنها إذا لم يكن له حاجة إلى ~~مباشرتها. # وأما الثاني: # وهو أن (¬8) النهي عن الفعل (¬9) - هل يكون أمرا بضده؟ # أجمعوا أنه إذا كان له ضد (¬10) واحد، يكون أمرا بضده - كالنهي عن الكفر: ~~يكون أمرا بضده وهو الإيمان (¬11)، والنهي عن التحرك: يكون أمرا بضده وهو ~~السكون (¬12). فأما إذا كان له أضداد كالنهي عن القيام ونحوه اختلفوا فيه: # قال بعض أصحابنا وبعض أصحاب الحديث: يكون أمرا بالأضداد كلها، كما في ~~جانب الأمر. PageV01P144 # وقال عامة أصحابنا وعامة أصحاب (¬1) الحديث: بأنه يكون أمرا بواحد من ~~الأضداد غير عين. # و (¬2) قال الشيخ الإمام (¬3) أبو منصور الماتريدي رحمه الله: لا فرق بين ~~الأمر والنهي في أن لكل واحد منهما ضدا واحدا (¬4) حقيقة، وهو تركه, فالأمر ~~بالفعل نهي عن ضده، وضده تركه. غير أن الفعل قد يكون تركه بفعل واحد (¬5) ~~من الأفعال بطريق التعين (¬6) كالتحرك: يكون تركه بفعل واحد متعين، وهو ~~السكون، وقد يكون تركه بأفعال كثيرة، كالأمر بالقيام: يكود نهيا عن ضده، ~~وضده (¬7) تركه، وذلك بأفعال كثيرة من قعود واضطجاع واستلقاء وغير ذلك ~~(¬8). وكذلك (¬9) النهي عن الفعل: أمر ضده، وهو تركه، وذلك بأنواع من (¬10) ~~الأفعال التي ذكرناها هنا (¬11). # هذا هو بيان الاختلاف بين أهل السنة. # فأما عند العتزلة: [ف]، الأمر بالشيء لا يكون نيهيا عن ضده، والنهي عن ~~الشيء لا يكون أمرا بضده. # ثم اختلفوا فيما بينهم: أنه هل له حكم في ضده؟ PageV01P145 # قال بعضهم: وهو اختيار أبي هاشم (¬1)، ومن تابعه (¬2) من (¬3) متأخري ~~المعتزلة، إنه لا حكم له في ضده بل هو مسكوت عنه (¬4). # وقال عامتهم: بأن الأمر له حكم في ضده وهو الحرمة. لكن قال بعضهم: إن ~~الأمر (¬5) يوجب حرمة ضده. وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده. وقال بعضهم: ~~يقتضي حرمة ضده (¬6). # وقال بعض مشايخنا: إنه يقتضي كراهة ms061 ضده. # ثم عندهم: هذا إذا كان للفعل (¬7) ضد واحد، فأما إذا كان له أضداد: فإن ~~قام دليل أن بعض أضداده يقوم مقام المأمور به في المصاحة، [ف] لا يحرم ذلك ~~الضد، بل يكون المأمور به هذا (¬8) الفعل، وذلك الضد على سبيل البدل ~~لتساويهما في وجه المصلحة. وإن لم يقم الدليل، اقتضى قبح أضداده جميعا ~~(¬9)، لأن كل واحد من ذلك وبانفراده PageV01P146 # يمنعه (¬1) من (¬2) تحصيل الفعل (¬3) المأمور به، فيصير محرما تحقيقا ~~لإتيان (¬4) الواجب. # وقالوا في النهي عن الشيء: يكون أمرا بضده (¬5) من حيث المعنى إن (¬6) ~~كان له ضد واحد. وإن كان له أضداد، بأن كان يتحقق بكل واحد من الأفعال (¬7) ~~تركه ولا يتصور الجمع بينه وبين ذلك، فالنهي عنه يكون أمرا بجميع أضداده ~~على سبيل البدل. # وقال الجصاص (¬8): إن الأمر بالفعل يدل على حرمة ضده، والنهي يدل على ~~وجوب تحصيل ضده إذا كان له ضد واحد (¬9). فأما إذا كان له أضداد: فالأمر ~~بالفعل (¬10) يكون نهبا عن الأضداد كلها (¬11)، فأما النهي عن فعل [ف] لا ~~يكون أمرا بالأضداد كلها. PageV01P147 # وحاصل الخلاف بيننا وبين العتزلة يرجع إلى كل ما ذكرنا في (¬1) تفسير ~~الأمر والنهي: # فعندهم: # الأمر والنهي حقيقة هو صيغتهما، لأن الكلام، حقيقة (¬2) عندهم في الشاهد ~~والغائب جميعا، هو (¬3) الحروف المنظومة والأصوات المقطعة المسموعة. وهما ~~مختلفان كل من حيث الصيغة. وكذا مختلفان (¬4) من حيث الوصف ولحكم. # أما من حيث الصيغة: فلأن صيغة "افعل" تخالف (¬5) صيغة "لا تفعل". # وأما من حيث الوصف والحكم (¬6) الراجعان إلى المأمور به (¬7) والمنهي ~~عنه: فإن المأمور به موصوف بالحسن، والمنهي عنه موصوف بالقبح. وكذا حكم ~~الأمر وجوب تحصيل الفعل المأمور به (¬8)، وحكم النهي (¬9) وجوب الامتناع عن ~~الفعل النهي عنه (¬10) - فكان بين الأمر والنهي مضادة، فكيف يكون أحدهما هو ~~الآخر؟ PageV01P148 # وقلنا نحن: # إن الأمر والنهي كلام الله تعالى (¬1)، ولله تعالى كلام واحد هو صفة له ~~(¬2) أزلية. وهو أمر ونهي وخبر واستخبار على طريق (¬3) التقرير - لكنه أمر ~~باعتبار الإضافة إلى شيء، ونهي باعتبار الإضافة إلى شيء، وخبر بجهة، ~~واستخبار بجهة، مع كون ms062 الكلام متحدا في نفسه - على ما عرف في مسائل الكلام. # وإذا ثبت أن كلام الله تعالى واحد، فلا يكون بين الأمر والنهي مضادة لأن ~~التضاد يكون بين شيئين، وهما شيء (¬4) واحد من حيث ذات الكلام. # وكذا لا تضاد من حيث المعنى، وهو أن الأمر طلب تحصيل الفعل، والنهي طلب ~~الامتناع عن الفعل، والتنافي إنما يكون عند اتحاد الجهة, فلا يجوز أن يكون ~~الكلام الواحد طلبا لتخصل فعل و (¬5) طلبا للامتناع عن ذلك الفعل في زمان ~~واحد في حق شخص واحد، لاتحاد الجهة. فأما لا مضادة بين أن يكون طلبا لتحصيل ~~فعل وطلبا للامتناع عن فعل آخر- أليس أن (¬6) بين الأبوة والبنوة منافاة ~~عند اتحاد الجهة لا عند الاختلاف، فإن الشخص الواحد لا يجوز أن يكون أبا ~~لشخص (¬7) وابنا له أيضا. ومن حيث الضرورة إذا كان له ولد (¬8) أن يكون أبا ~~لشخص و (¬9) ابنا لشخص آخر. PageV01P149 # وكذا (¬1) المنافاة من حيث الوصف والحكم إنما تتحقق في محل واحد لا في ~~محلين، وههنا (¬2) كذلك: فإن الأمر يقتضي حسن المأمور به، وقبح ضده، ويوجب ~~تحصيل المأمور به (¬3) والامتناع عن ضده، لا عن نفسه، فبطل دعوى التضاد ~~بينهما. # هذا من حيث حقيقة الكلام القائم بالنفس في الشاهد والغائب جميعا (¬4). # أما من حيث الكلام الدال على ما هو كلام النفس، وهو صيغة الأمر والنهي ~~-[ف] لا مضادة بينهما ولا منافاة عند بعض مشايخنا، وإن اختلفا من حيث ~~العبارة واللفظ، فإن اللفظ الواحد يجوز أن يكون علما على حكمين مختلفين، ~~لغة وشرعا (¬5). أما لغة (¬6) فإن لفظ "القرء" في اللغة موضوع (¬7) للطهر ~~والحيض جميعا (¬8)، ولفظ الشرا جعل علما، لشيئين (¬9) شرعا في للقريب: على ~~التمليك في زمان واحد، والعتق في زمان بعده (¬10). فيجوز (¬11) أن يكون ~~صيغة "افعل" PageV01P150 # علما على طلب (¬1) تحصيل فعل وعلما على طلب الامتناع عن ضده، وكذلك صيغة ~~النهي وهو قوله: "لا تفعل". # وبعض مشايخنا سلموا أن بينهما (¬2) منافاة من حيث الصيغة. ولكن قالوا لا ~~منافاة بيهما (¬3) من حيث المعنى. فإن قوله "تحرك" طلب التحرك، وهو بعينه ~~نهي ms063 عن السكون. وقوله "اسكن" طلب للسكون (¬4) وطلب ترك التحرك الذي هو ضده ~~لا غير - بمنزلة انتقال الشخص من مكان إلى مكان: [ف]، هو تفريغ للمكان ~~الأول وشغل للثاني (¬5). وقرب الشمس إلى المغرب (¬6) عين البعد عن المشرق ~~(¬7) لكن باعتبار الإضافة إلى المكان شغل (¬8) وبالإضافة إلى الثاني تفريغ ~~(¬9)، وبالإضافة إلى المغرب قرب، وبالإضافة إلي المشرق بعد. فكذلك طلب واحد ~~(¬10): بالإضافة إلى الحركة أمر، وبالإضافة إلى السكون نهي. وهذا لأن ~~الغيرين ما يتصور مفارقة (¬11) أحدهما صاحبه بحال، أو ما (¬12) يتصور وجود ~~أحدهما بدون صاحبه (¬13)، ولم يوجد هذا الحد ههنا، فإن الأمر الذي هو إيجاب ~~الفعل لن يتحقق PageV01P151 # بدون تحريم الضد (¬1) والمنع عنه، فإنه إذا لم يثبت الحرمة يكون مباح ~~الترك، والواجب ما يكون حرام الترك - دل أن الأمر ليس غير النهي معنى. ~~ولهذا قلنا إن إرادة الشيء كراهة لضده، لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان ~~مريدا لشيء ولا يكون كارها لضده (¬2) - فكذا (¬3) هذا. # وإذا ثبت أصل الخلاف بيننا وبين القوم (¬4) في أصل مسألة الأمر ومعرفة ~~حقيقته، [ف] لا يمكنهم أن يقولوا في هذه المسألة: إن الأمر بالشيء نهي عن ~~ضده ولا النهيء عن الشيء أمر بضده، فتفرقوا في جواب ذلك: # فقال أبو هاشم (¬5) ومن تابعه: إنه لا حكم للأمر في ضده أصلا، بناء على ~~أصل له (¬6) تفرد به (¬7)، وهو أن القادر على الفعل يجوز أن يخلو عن الفعل ~~وضده أزمنة (¬8) كثيرة، فلا يوجد فيه لا الحركة ولا السكون بصفة (¬9) ~~الاختيار، فلم يكن صيغة الأمر (¬10) موجبة حرمة الضد لغة، لأنها ما وضعت ~~إلا لما يتناوله (¬11) اللفظ لغة (¬12)، فيكون الأمر مسكوتا عن حكم الضد، ~~فإن قول القائل لغيره (¬13) PageV01P152 # "تحرك" غير موضوع للمنع عن السكون، كأنه قال "لا تسكن"، وليس بموجب ~~للحرمة كل من حيث الضرورة، فإنه يجوز عنده أن يوجد (¬1) الفعل ولا يوجد ~~ضده، بل إن باشر الضد (¬2) فقد ترك الواجب، عن اختيار وقصد (¬3)، فيأثم لي ~~تركه (¬4). وإن لم يباشر فيأثم، لانعدام الفعل المأمور به عنه (¬5)، لا ~~بتركه بمباشرة ضده (¬6)، فلا يكون كل من ضرورة ms064 وجوب الفعل حرمة ضده عنده. # وعامة المعتزلة قالوا: إن القادر على الفعل لا يجوز أن يكون خاليا عن ~~الفعل وضده، ولا يخلو القدرة (¬7) عن الفعل زيادة على زمان واحد، فإن عندهم ~~الاستطاعة قبل الفعل، وهي استطاعة فعل يوجد (¬8) بعدها. # وعندنا الاستطاعة كل قارنة للفعل، [ف] لا يجوز أن يكون القادر على الفعل ~~(¬9) خاليا عن الفعل زمانا (¬10) واحدا، ولا يتصور خلو القدرة عن الفعل أبدا. # وإذا (¬11) سلم هؤلاء أن القادر على الفعل لا يجوز أن يكون خاليا عن ~~الفعل وضده، اضطروا (¬12) إلى القول بحرمة ضده، لما قلنا، وعندهم PageV01P153 # أن الأمر بالشيء ليس ونهي عن ضده، والنهي عن الشيء ليس بأمر بضده - ~~فلزمهم التناقض (¬1)، إذ ليس تفسير النهي إلا حرمة الفعل، فتكلفوا لدفع ~~التناقض: # فقال بعضهم: إن حرمة الضد لم يثبت بموجب الأمر وصيغته حتى يكون نهيا عن ~~ضده، ولكن ثبت (¬2) ضرورة حكمه، فلا يكون مضافا إلى الأمر. # وقال بعضهم: يقتضي حرمة ضده. والمقتضي يثبت زيادة على اللفظ بطريق ~~الضرورة (¬3). # وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده، كالنهي عن التأفيف: يدل على حرمة الضرب، ~~وليس ذلك (¬4) من موجبات اللفظ أعني (¬5) لفظ التأفيف (¬6). # ولكن هذا دفع (¬7) التناقض (¬8) من حيث الصورة، لا من حيث المعنى، فإن ~~النهي ليس إلا حرمة الفعل، فمتى قالوا حكم الأمر وجوب الفعل ومن ضرورته ~~(¬9) حرمة الفعل الذي هو ضده - يعرف ذلك ببديهة العقل، فيكون مضافا إليه ~~ضرورة، وضرورة العقل فوق موجب الصيغة. وكذا ما كان دليلا على الشيء فالعلم ~~(¬10) بالمدلول يضاف إلى الدليل، كا في الدخان مع النار - دل أن التناقض ~~قائم. PageV01P154 # وما قاله أبو هاشم: إن كان خروجا عن وصمة (¬1) التناقض في هذه المسألة، ~~فهو مخالف (¬2) لإجماع (¬3) الأمة في (¬4) أنهم قالوا إن القادر لا يخلو عن ~~الفعل وتركه، وهو يقول بجواز ذلك، وهذا شر (¬5) من التناقض، مع أن هذا منه ~~مناقضة (¬6) في مسألة خلق الأفعال حيث قال ثمة (¬7): لا يجوز أن يخلق الله ~~تعالى الكفر والمعاصي في العبد (¬8) ثم يعذبه على ما ليس بفعل منه (¬9)، ثم ~~قال هنا إن ms065 من عليه صلاة الظهر إذا لم يصل الظهر (¬10) واشتغل بضدها، فالضد ~~ليس بالحرام (¬11) الذي هو فعله حتى يعاقب عليه، ولكن يعاقب لأنه لم يفعل ~~الصلاة الواجبة في جوز (¬12) العقاب على ما ليس بفعل له. وهذا تناقض ظاهر. ~~وعوار (¬13) مذهبه في هذا (¬14) يعرف في مسائل الكلام، وقد أوضحته في شرح ~~هذا المختصر. # وما قاله بعض المشايخ: إنه يقتضي كراهة ضده فهو خلاف الرواية - فإن ترك ~~(¬15) صلاة الفرض والامتناع عن تحصيلها حرام يعاقب عليه، والمكروه لا يعاقب ~~على تركه. PageV01P155 # الفصل الثاني (¬1) -[حجج كل فريق]: # وجه قول من سوى بينهما، في أن الأمر والنهي يتناول (¬2) الأضداد كلها، أن ~~الحكم لو لم يثبت في ضده (¬3) كل من الوجوب والحرمة، لا ويتحقق كل معنى ~~الأمر والنهي في الوجوب والحرمة على ما بينا، وليس البعض بأولى من البعض، ~~فيتناول الكل (¬4). # وجه قول الفريق الثاني أن النهي إنما يجعل أمرا بضده بطريق الضرورة. ~~وكذلك الأمر (¬5) - وهي تندفع بثبوت الوجوب والحظر (¬6) في واحد غير عين، ~~فلا يجعل أمرا ونهيا بجميع الأضداد من غير ضرورة. # وكذا يقول من فرق بين الأمر والنهي: إن الأمر في الحقيقة من حيث الصيغة ~~(¬7) نهي عن واحد من الأضداد غير عين. وكذا النهي أمر بواحد من الأضداد غير ~~عين، إلا أن النهي (¬8) نكرة في موضع النفي فتعم، والأمر نكرة في موضع ~~الإثبات فلا عموم له (¬9). # والجصاص يقول: إن النهي عن الشيء لو كان أمرا بجميع أضداده (¬10) يؤدي ~~إلى أمر محال، لأن ضد الشيء ما يترك به ذلك الشيء والمنهي عنه PageV01P156 # قد (¬1) ويترك بالمنهي عنه أيضا (¬2): كالزنا ويترك باللواط (¬3)، فيصير ~~اللواط مأمورا به (¬4)، وهذا (¬5) محال، بخلاف ما إذا كان له ضد واحد، لأنه ~~لا يتأتى هذا النوع من الإحالة (¬6). # ولكن الصحيح ما قاله الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله: إن ضد ~~الشيء تركه، و (¬7) لكن الترك قد يكون بسبب واحد وقد يكون بأسباب كثيرة ~~(¬8)، فالأمر (¬9) بالشيء يكون نهيا عن ضده، وضده (¬10) تركه، والنهي عن ~~الشيء يكون أمرا بضده وهو تركه (¬11). ثم إن كان يترك ms066 وبسبب واحد اتصف ذلك ~~السبب بالوجوب أو (¬12) الحظر. وإن كان يترك بأسباب اتصف (¬13) الكل بذلك ~~على طريق الانفراد على حسب الحال (¬14). # وما قاله الجصاص من الفرق بين الأمر والنهي لا يستقيم (¬15)، لأن المعنى ~~الذي تعلق به الحظر أو (¬16) الوجوب في الضد لا يوجب الفصل، PageV01P157 # فيكون الفرق مناقضة. وما ذكر من الإحالة في جانب النهي فهو لازم (¬1) في ~~جانب الأمر، فإن المأمور به قد يترك (¬2) بمأمور مثله (¬3)، كمن أمر بصلاة ~~الظهر في آخر الوقت على طريق التضيق فاشتغل بصلاة النفل وقراءة القرآن ~~وأداء الزكاة المفروضة فكيف (¬4) يكون الأمر بصلاة الظهر (¬5) نهيا عن أداء ~~الزكاة وقراءة القرآن. فكل (¬6) عذر له في جانب الأمر فهو عذر لنا (¬7) في ~~جانب النهي. وحقيقة ذلك أنه إنما يؤدى إلى ذلك أن لو كان هذا أمرا مقصودا ~~بضده أو نهيا مقصودا عن ضده، وهو عندنا أمر بتركه ضرورة تحقيق حكم النهي ~~وكذا في جانب النهي، فيثبت بقدر ما يندفع به الضرورة ولا يثبت مطلقا، فيزيد ~~الحكم على العلة، وإنه فاسد (¬8). # ومشايخنا رحمهم الله وإن أطلقوا أن النهي عن الشيء الذي له أضداد يكون ~~أمرا بالأضداد كلها. وكذا في الأمر: نهي عن الأضداد كلها. والشيخ الإمام ~~أبو منصور الماتريدي رحمه الله وإن أطلق أيضا أن النهي (¬9) عن الشيء يكون ~~أمرا بتركه، ولتركه أسباب، يكون أمرا PageV01P158 # بما يتركه ويمنعه - فهو مساهلة (¬1) وتوسع. و (¬2) في الحقيقة عندنا على ~~التفصيل، ومرادهم أنه (¬3) يكون أمرا بالضد الذي يصلح أن يكون مأمورا به، ~~ويكون نهيا عن الأضداد التي تصلح أن يكون (¬4) منهيا عنها, لا ما لا يصلح، ~~لأن الضرورة تندفع بصرف الأمر إلى ترك هو (¬5) مباح أو طاعة، فلا يصرف إلى ~~المعصية - فلا يكون النهي عن الزنا (¬6) أمرا بما هو معصية من اللواطة ~~وغيرها. وكذا في جانب الأمر (¬7) بالصلاة في آخر الوقت يكون نهيا عن فعل ~~مباح أو حرام، فلا ضرورة في (¬8) صرفه إلى فعل هو عبادة أو فرض - نظيره أن ~~الله تعالى أمر بالصلاة بقوله (¬9): "أقيموا الصلاة" (¬10) وهذا لا يكون ~~أمرا بالصلاة ms067 في الأرض المغصوبة، وكذا الأمر بالوضوء لا يكون أمرا لي ~~الوضوء بماء مغصوب (¬11) - لما قلنا. # فإن (¬12) قالوا: إذا كان النهي عن الشيء أمرا بما هو مباح، يصير المباح ~~مأمورا به، فيخرج عن حد المباح، فيخرج المباح عن (¬13) أقسام PageV01P159 # المشروع، ويؤدي إلى قول الكعبي (¬1): إن المباح مأمور به - قلنا إن (¬2) ~~المباح يصير مأمورا به لغيره، لا لعينه، فيكون عينه مباحا، ويكون مأمورا به ~~من حيث إنه (¬3) ترك الحرام (¬4). وكذا في الجانب الآخر (¬5): فالفعل مباح ~~في نفسه، حرام لغيره، من حيث إنه ترك للواجب (¬6)، ويجوز أن يكون الفعل ~~الواحد مأمورا به لعينه ولغيره، كالإيمان: مأمور به لعينه، ولكونه تركا ~~للكفر. وكذا الكفر: حرام لعينه، وحرام من حيث إنه ترك للإيمان (¬7) الواجب. ~~وكذا الطلاق في حالة الحيض: مباح لعينه، منهي لغيره. وإنما يشكل ما قالوا ~~أن يكون الفعل مباحا لعينه ومأمورا به (¬8) لغيره (¬9)، ولا كلام فيه. # وما زاد على هذا فهو مذكور في الشرح على الاستقصاء فإنه فصل مشكل - والله ~~أعلم. PageV01P160 # مسألة: # أمر الله تعالى أزلي (¬1) عند عامة أهل السنة والجماعة (¬2). # وقال بعض أصحاب الحديث: إن كلام الله تعالى أزلي، ولكنه (¬3) يصير أمرا ~~عند بلوغه إلى المأمور (¬4)، وتوجهه عليه. كما يصير خطابا عند توجه الوجوب ~~فيكون حادثا، ولكن هذا لا يوجب التغير، لأنه من الأوصاف (¬5) الإضافية، كما ~~قلنا في التكوين والمكون. # ولكن الصحيح قول العامة، لأن الأمر وصف ذاتي للكلام، لكونه قولا مخصوصا، ~~والوصف الذاتي لا يجوز عليه التغير. # وتكلم (¬6) المشايخ في أنه خطاب في الأزل أم لا: # بعضهم قالوا: لا، لأن الخطاب اسم للمشافهة، فلابد من حضرة المأمور، فيكون حادثا. # وقال عامتهم: إن الخطاب والأمر سواء، فيكون أزليا، لكن خطاب - الرسول ~~واللفظ الدال على خطابه الأزلي حادثان (¬7) على ما نذكر - والله الموفق. PageV01P161 ### ||||| AUTO [2] # وأما القسم الذي يرجع إلى الآمر # (¬1) # فإنه (¬2) يتضمن فصولا، لكل عامتها ترجع إلى أصول الكلام فنذكرها على ~~طريق الاختصار: # منها - أن الآمر حقيقة من وجد كل منه الأمر، وهو طلب الفعل على طريق ~~الاستعلاء، قولا، على كل ما ذكرنا. ms068 فكل كل من وجد منه يكون آمرا في الشاهد ~~والغائب، سواء كان حكيما أو سفيها. ولهذا إن السلطان إذا طلب من غيره قتل ~~شخص معصوم، على طريق الاستعلاء، يكون آمرا له، وإن كان ذلك سفها ومعصية، ~~حتى إذا لم يفعل المأمور (¬3) يقال: خالف أمر الساطان. ولكن لا يجب طاعة ~~الآمر بالسفه والحرام - قال عليه السلام: "لا طاعة في لمخلوق في معصية ~~الخالق" (1). # مسألة: # الآمر الذي يجب طاعته في الحقيقة هو الله تعالى. # فأما الرسل فهم نائبون عنه في تبليغ (¬4) أمره إلى المكلفين من عباده. # وكذا من يأمر بأمره نحو السلطان والمولى والأبوين: يجب طاعتهم لأن (¬5) ~~في طاعتهم طاعة الله تعالى. PageV01P162 # وهذا لأن الله تعالى هو المالك للعباد ملك تخليق، فله (¬1) ولاية ~~الإيجاب: والندب (¬2) والمنع والإطلاقا. فأما ليس للعبد ولاية ذلك على عبد ~~مثله، لأنه مملوك مثله، ولأن ذلك العبد يوجب عليه أيضا، فيقع التعارض. # فإن قيل: أليس أن المكلف يوجب على نفسه العبادات بالنذر (¬3) وبالشروع ~~(¬4) في النوافل. وكذا يوجب المال على نفسه (¬5) بالكفالة والبيع - قلنا: ~~الإيجاب من الله تعالى، وإنما النذر علم (¬6) على إيجاب الله تعالى، وكذا ~~الشروع. ولهذا (¬7) لا يصح النذر بما ليس لله تعالى من جنسه إيجاب. وأما ~~الكفالة فهي (¬8) إقراض واستقراض. وكذا البيع: تمليك بإزاء تمليك برضا ~~العاقدين، وتسليم بإزاء تسليم، وذلك علم وسبب لوجوب (¬9) الملك شرعا، لا ~~ابتداء إيجاب بالعقد، ألا ترى (¬10) أن من أوجب لإنسان مالا على نفسه، لا ~~يجب (¬11)، وإنما الإقرار إخبار: إن كان صدقا يثبت وإلا فلا، ولأن العبادات ~~كلها واجبة في الأصل بحكم أن الله تعالى خالقهم (¬12) ومالكهم، وهم عبيده، ~~وخدمة المملوك (¬13) لمولاه PageV01P163 # مستحقة لازمة على الدوام، بقدر الممكن وانتفاء الحرج (¬1) - على ما عرف ~~في مسائل الخلاف. وإنما سقط الوجوب رخصة في عامة الأوقات وتقرر (¬2) في ~~البعض، فضلا من الله تعالى ورحمة. فمتى نذر العبد أو شرع في العبادة في غير ~~وقت الفرض، فقد اختار ما هو العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة، وهو ~~الوجوب (¬3) الأصلي، لا أن الوجوب يثبت بنذره وشروعه ms069 ابتداء - والله أعلم (¬4). # مسألة: # هل يتصور وجود الأمر من الآمر (¬5) لنفسه، بأن يطلب وجود الفعل من نفسه، ~~فيقول (¬6) لنفسه "افعل"، وهل يحسن ذلك؟ فنقول: # لا يتصور عندنا في الشاهد والغائب (¬7) الآمر لنفسه، وإن كان يتصور في ~~الشاهد أن يقول لنفسه "افعل كذا" # وعند المعتزلة يتصور في الشاهد والغائب، ولكن لا يحسن. # وهذا بناء على أن أمر الله تعالى أزلي عندنا، وفعله أزلي. والأزلي لا ~~يدخل تحت الطلب والإرادة. # وعندهم كلام الله تعالى حادث، والأمر عندهم عبارة عن (¬8) الإرادة، وهي ~~حادثة، فيجوز أن يريد من نفسه وجود فعل حادث فيكون آمرا لنفسه - والله ~~الموفق. PageV01P164 # مسألة: # الأمر في [الغائب والشاهد، [ولو] لم يتضمن (¬1) نفعا للمأمور ولا للآمر ~~(¬2)، يكون حكمة (¬3)، ويكون الآمر حكيما عند أهل السنة والجماعة (¬4)، ~~وليست الحكمة مقصورة على النفع فقط (¬5) للآمر أو (¬6) المأمور، ولكن يجب ~~أن يتعلق به عاقبة حميدة. # وعند المعتزلة لا يكون الأمر حكمة ولا يكون الآمر حكيما (¬7) في الشاهد ~~إذا لم يتضمن أمره نفعا به أو بالمأمور. وفي الغائب لابد أن يكون فيه نفع ~~للمأمور إما في الدنيا (¬8) أو الثواب في الدار (¬9) الآخرة، أو دفع الضرر ~~عنه، لأن الآمر متعال عنه (¬10). # وهذه المسألة بناء على مسألة الأصلح، فإن (¬11) الأصلح عندهم واجب من حيث ~~الحكمة، وعندنا بخلافه. # وما قالوه باطل: فإن الله تعالى كلف فرعون وأبا جهل وكل من علم أنه (¬12) ~~لا يؤمن بالإيمان ولا نفع لهم في هذا التكليف، لأنه لا يحصل لهم به النفع ~~والثواب (¬13)، إذ علم أنهم لا يؤمنون، وعلم الله تعالى لا يتغير، بل النفع ~~لهم أن لا يعطيهم العقل أو يميتهم حتى لا يتوجه PageV01P165 # التكليف عليهم (¬1) فلا يستحقوا العذاب - دل أن حكمة الأمر لا تقتصر (¬2) ~~على النفع (¬3) للمأمور. فأما (¬4) شرع الشرائع بدون الإيجاب والتكليف [ف] ~~لا يكون إلا لمصلحة العباد (¬5) , لأنه لا ضرر في ترك ذلك (¬6). # وحقيقة هذا تعرف في مسائل الكلام إن شاء الله تعالى. # مسألة: # ليس كل من شرط كون الآمر الحكيم آمرا وناهيا وجوب (¬7) إتيان المأمور به ~~(¬8) ووجوب الامتناع عن ms070 المنهي عنه، على المأمور والمنهي، عند أكثر (¬9) ~~أصحابنا. # وعند المعتزلة شرط. # وهذا بناء على أن النسخ، قبل التمكن من الفعل بعد التمكن من الاعتقاد، ~~جائز عند أكثر أصحابنا، بأن كان الأمر مضافا إلى وقت معلوم، ثم جاء النسخ ~~قبل وجوب الفعل لوجود (¬10) ذلك الوقت. وهذا (¬11) الأمر صحيح، والله تعالى ~~آمر به (¬12)، ولا يجب على المأمور الامتثال (¬13) بهذا الأمر، فإنه نسخ ~~قبل الوجوب. # وعلى هذا يبتنى الأمر بالفعل بشرط زوال المانع على ما نذكر إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P166 ### ||||| AUTO [3] # وأما القسم الذي يرجع إلى المأمور به، وهو الفعل # (¬1) # فإنه (¬2) يتضمن فصولا أكثرها يرجع إلى مسائل الكلام فنذكر الروايات ~~لاتصالها بمسائل أصول (¬3) الفقه. # منها: # أن الفعل المأمور به يجب أن يكون فعلا متصور الوجود في نفسه، حتى يتصور ~~الاكتساب من المأمور. فأما إذا كان غير متصور الوجود حقيقة، نحو الجمع بين ~~المتضادين، ونقط المصاحف من الأعمى, وجعل الحادث قديما، والقديم حديثا، ~~وقلب الأجناس، ونحوها - فإنه لا يصح (¬4) الأمر به، وهو تكليف ما لا يطاق، ~~وإنه لا يجوز عقلا على قول عامة المتكلمين، إلا أن (¬5) عند المعتزلة [هو] ~~قبيح عقلا. وعند أهل الحديث محال عقلا لا أنه قبيح. وعندنا لا يجوز على ~~الوجهين جميعا (¬6). # وهذا بناء على أن العقل يعرف به الحسن والقبح عندنا وعند المعتزلة, خلافا ~~لهم -وهي من مسائل الكلام (¬7). PageV01P167 # وقال أبو الحسن الأشعري (¬1) إن تكليف العاجز وتكليف ما لا يطاق جائز ~~عقلا - وهل ورد به الشرع؟ # قال في قول، لم يرد به الشرع (¬2) في الدنيا، وإنما يكون في الآخرة، كما ~~قال الله تعالى: "ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون" (¬3)، ويكون ذلك علما ~~على أنهم من أهل النار # وفي قول قال: ورد في الدنيا في حق بعض المكلفين (¬4). # وهذه من مسائل الكلام. # مسألة: # ثم من شرط كون الفعل مأمورا به أن يكون كسبا للمأمور، لا مجرد كون الفعل ~~متصورا في نفسه، فإن المرء لا يكلف بفعل غيره من الخياطة والكتابة، وإن كان ~~ذلك متصور الوجود في نفسه. لكن لما لم يكن مقدور ms071 المكلف ومكسوبه لم يصح ~~التكليف به (¬5). وهذا لأن فعل المرء ما كان PageV01P168 # مقدورا له، وقدرة المرء لا تعدو عن ذات القادر، وكسبه قائم به، فيكون ~~مقدورا له. فأما فعل غيره [ف] لا يجوز أن يكون مقدوره، فلا يكون كسبه (¬1). # ولهذا قلنا: إن الفعل المسمى بالمتولد عند المعتزلة هو فعل (¬2) لا يكون ~~مأمورا به، ولا منهيا عنه. وإنما التكليف يتوجه بالفعل القائم بالمكلف الذي ~~هو كسبه، وما حدث عقيب فعله من الآثار في المحال عادة من الانجراح ~~والانكسار والموت فهو (¬3) محض فعل الله تهالى عندنا، أعني مفعوله (¬4): ~~حصل بقدرته لا قدرة للعبد عليه. ووجوب القصاص والدية والضمان (¬5) يتعلق ~~بما هو فعله حقيقة ولا (¬6) يرجع إلى المتولدات - وهذا عندنا. # وعند المعتزلة: ذلك فعل المكلف تسبيبا، وما يقوم به فهو فعله مباشرة - ~~والتكليف يتعلق بالنوعين. # وهي من مسائل الكلام. # مسألة: # لا خلاف أن المعدوم الذي يوجد كسبا للمأمور يصلح مأمورا به إذا توجه ~~الوجوب على المأمور عند وجود أهليته، واستجماع شرائطه. فأما الكسب الذي هو ~~فعل العبد حال وجوده واكتساب المأمور هل هو مأمور به؟ PageV01P169 # فعندنا كذلك. # وعند المعتزلة يتعلق التكليف بالمعدوم لا غير. أما الموجود في الزمان ~~الثاني من الوجود الذي هو حالة البقاء، [ف] لا يكون مأمورا به بلا خلاف. # وهذه المسألة تبتنى على كل مسألة خلق الأفعال: # فإن عندنا (¬1) وجود الفعل بإيجاد الله تعالى، وإنما فعل العبد هو الكسب، ~~وإنه يتعلق بالوجود لا بالمعدوم. والباقي (¬2)، وهو الفعل المأمور به الذي ~~يتصور من العبد وينسب إليه, فيتعلق قدرته بالموجود اكتسابا، لا بالمعدوم ~~إيجادا. ولهذا (¬3) يتعلق وصف كونه مأمورا به بحالة (¬4) الوجود. فأما في ~~(¬5) الزمان الثاني فإنه حالة البقاء، والفعل لا بقاء له، والباقي (¬6) لا ~~يتصور اكتسابه. # فأما (¬7) عند المعتزلة: [ف] الإيجاد من العبد، وله قدرة الإيجاد، فيجوز ~~أن يتعلق بالمعدوم ليوجده. # وهي من مسائل الكلام - والله أعلم. # مسألة: # المأمور به يجب أن يكون كل مقدور العبد حالة الفعل، لا حالة التكليف - عندنا. # وعند المعتزلة يجب أن يكون مقدورا له حالة التكليف. ms072 PageV01P170 # ولقب المسألة أن الاستطاعة مع الفعل عندنا. وعندهم (¬1) سابقة على الفعل. # والصحيح قولنا, لأن القدرة شرط وجود (¬2) الفعل المتصور من العبد وهو ~~الكسب، ليتحقق وجوده (¬3)، فيكون وجوده قبل الفعل فضلا، وليس بشرط لصحة ~~التكليف, لأن ذلك صحيح باعتبار القدرة من حيث الأسباب - على ما يعرف في ~~مسائل الكلام. # مسألة: # كون المأمور به معلوما للمأمور، أو ممكن العام باعتبار قيام سبب العلم - ~~شرط صحة التكليف (¬4). # وفي الحاصل حقيقة العام ليس بشرط لصحة التكليف (¬5) عندنا (¬6)، لكن ~~التمكن من العلم باعتبار سببه كاف. # وعلى قول بعض المعتزلة: حقيقة العلم شرط. # وعند بعضهم: العلم بالسبب كاف أيضا - على ما نذكر (¬7). PageV01P171 # مسألة: # الأمر يجب تقديمه على وقت وجوب (¬1) الفعل المأمور به (¬2) عند عامة ~~المتكلمين (¬3). # وقال بعضهم: يجب أن (¬4) يكون الأمر (¬5) مقارنا للفعل المأمور به. وإذا ~~(¬6) كان الأمر سابقا في موضع يكون ذلك إعلاما لا أمرا، وإنما يصير أمرا ~~عند الفعل. وبه قال ابن الروندي (¬7). وهو قول عباد الضمري (¬8) من ~~المعتزلة. # وقد أبطلنا ذلك لكون أمر الله تعالى أزليا عندنا. # ولا خلاف أنه لا يجب الفعل إلا في الوقت الذي أمر بتحصيله فيه. PageV01P172 # ثم عندنا يصح أن يكون متقدما (¬1) عليه بوقت وبأوقات كثيرة (¬2) إذا كان ~~الآمر من العباد. وأمر الله تعالى أزلي سابرق على وقت (¬3) وجوب المأمور به ~~بلا نهاية، وإن كان المأمور في تلك الأوقات معدوما أو عاجزا عن الفعل وعن ~~تفهم الخطاب بعد أن كان في علم الله تعالى أن المأمور من أهل وجوب الفعل في ~~الوقت الذي تعين للوجوب. # وقال عامة المعتزلة: لا بد أن يكون الأمر متقدما (¬4) على وقت وجوب ~~الفعل. ولكن اختلفوا فيما بينهم في كيفية ذلك. # قال بعضهم: لا يجوز التقدم إلا بوقت واحد. # وقال بعضهم: يجوز التقدم (¬5) بوقت وبأوقات كثيرة. # وقال بعضهم: إن كان المأمور قادرا قبل وقت الفعل بأوقات كثيرة، يكون ~~مأمورا في جميع الأوقات التي هو قادر فيها. وإن كان قادرا عليه، قبل وجود ~~وقت الوجوب بوقت واحد، يكون مأمورا في ذلك الوقت لا غير. # ثم اتفق ms073 قول (¬6) عامة أهل الحق وقول عامة المعتزلة في وجوب تقديم (¬7) ~~الأمر على وقت وجوب الفعل، ولكن (¬8) الطريق مختلف: # - فمن قال كل منهم (¬9) بوجوب اللطف (¬10) في حق المكلف من المعتزلة ~~قالوا: سبب الوجوب في تقدم الأمر على وقت وجوب الفعل المأمور به PageV01P173 # كونه لطفا في إتيان المأمور به، واستصلاحا للمكلف, لأن على أصل هؤلاء ~~اللطف هو الداعي إلى الفعل، وهو الذي يكون المأمور عند وجوده أقرب إلى ~~تحصيل الفعل (¬1) المأمور به، وذلك (¬2) لا يصح إلا وأن يكون الأمر سابقا ~~حتى يكون داعيا له إلى التحصيل. فأما المقارن [ف] لا يتصور أن يكون داعيا. # - ومن لم يقل منهم باللطف يقول: لا بد من وقت يعرف فيه الوجوب أو الندب، ~~ليدعوه ذلك إلى التحصيل الذي هو سبب الثواب، فيكون الأمر مفيدا (¬3)، ولأن ~~حالة الأمر ليست (¬4) حالة الفعل, لأنه ما لم يسمع الأمر ولم يكن متمكنا ~~(¬5) من معرفة المأمور به لا يقدر على الفعل، فلا بد من زمان، ليكون قادرا ~~فيه، حتى لا يكون تكليف ما لا يطاق. وهذه الضرورة ترتفع بزمان واحد، فلا ~~يجب المتقدم (¬6) بأكثر منه. # وأهل السنة قالوا: إنه (¬7) لا بد من معرفة صفة المأمور به حتى يعتقد ~~وجوبه أو ندبه ويعزم على أدائه. ومعرفة صفة المأمور به من كونه عبادة ~~وطاعة، حتى يصح منه قصد التقرب إلى الله تعالى، وكلما كان الأمر أسبق، ~~فالعزم على الأداء (¬8) فيه أكثر، فيكون الثواب أكثر (¬9)، ويكون التمكن من ~~الفعل أقوى، بوجود سبب العلم والقدرة. فأما إذا قارن PageV01P174 # الوجوب، فلم يتحقق التمكن من العلم بإتيان (¬1) المأمور به، فلا يصح ~~التكليف (¬2). وما قالوا من اللطف في حق المكلفين (¬3) فهو باطل عندنا، لأن ~~الله تعالى لا يجب عليه إعطاء اللطف، والأصلح لعباده (¬4)، بل هو متفضل في ~~ذلك، على ما يعرف حقيقة ذلك (¬5) في مسألة الأصلح إن شاء الله تعالى. # مسألة- في بيان صفة حسن المأمور به (¬6): # يجب أن يعلم أن (¬7) المأمور به لا بد من أن يكون موصوفا بالحسن، لأن ~~الحسن ما له عاقبة حميدة، وللمأمور به عاقبة ms074 حميدة, لأن المأمور به إما أن ~~يكون واجبا أو مندوبا، والواجب ما (¬8) يتعلق الثواب بفعله، والعقاب بتركه، ~~والندوب ما يتعلق الثواب بفعله دون العقاب بتركه. وما له عاقبة الثواب ~~والنجاة من العقاب فله عاقبة حميدة فيكون حسنا. ولأن التعبد والتقرب من باب ~~التعظيم للآمر والانقياد لأمره، وذلك من باب (¬9) الشكر للمنعم، وإنه حسن ~~في الشاهد والغائب: يعرف ببديهة العقل. # ثم صفة الحسن للمأمور به من قضية حكمة الآمر، لا من قضية نفس الأمر، إذ ~~الأمر (¬10) قد يرد من السفيه على وجه السفه، وهو أمر حقيقة، PageV01P175 # كالسلطان الظالم يأمر (¬1) إنسانا بالزنا والسرقة والقتل بغير حق، يكون ~~أمرا (¬2)، حتى إذا خالف المأمور ولم يأت بما (¬3) أمر به يقال: خالف أمر ~~السلطان، وهو سفه حرام، ولكن الأمر من الحكيم لا يكون إلا بصفة الحسن, لأنه ~~لا يتصور أمر الحكيم متعريا عن صفة الوجوب أو الندب، وأنه لا ينفك عن ~~العاقبة الحميدة، وهو تفسير الحسن. ولهذا قلنا: إن المباح ليس بحسن في ~~ذاته، وإن جاز أن يوصف بالحسن لغيره خلافا لبعض المعتزلة (¬4) , لأنه ليس ~~فيه معنى داع إلى ترجيح جانب الوجود (¬5) على العدم. # مسألة: # ثم الحسن الثابت للمأمور به من مدلولات الأمر عندنا. # وعند أصحاب الحديث (¬6) من موجباته. # وهو بناء على مسألة العقل: أنه هل يعرف الحسن والقبح بالعقل أم لا (¬7)؟ # فعندهم: لاحظ له في ذلك، وإنما يعوف بالأمر والنهي. # هذا هو (¬8) مذهب عامتهم، وإن وافقنا في ذلك (¬9) بعضهم، مثل أبي العباس PageV01P176 # القلانسي (¬1) وأبيا إسحاق الاسفرايني (¬2) والقفال الشاشي (¬3) والحليمي ~~(¬4) وغيرهم. # وإذا كان هكذا فيكون الحسن ثابتا برنفس الأمر، لا أن الأمر دليل ومعرف ~~على حسن (¬5) سبق ثبوته بالعقل. # وعندنا لما كان للعقل حظ في معرفة حسن الإيمان وقبح الكفر وحسن العدل ~~والإحسان ومعرفة حسن أصل العبادات دون هيئاتها وشروطها PageV01P177 # وأوقاتها ومقاديرها (¬1)، فيكون الأمر دليلا ومعرفا لما ثبت حسنه بالعقل ~~وموجبا لما لم يعرف به (¬2) على ما يعرف على الاستقصاء في مسألة العقل من ~~(¬3) مسائل الكلام - والله الموفق. # مسألة - في تقسيم حسن المأمور به. # الحسن ms075 نوعان في الأصل: نوع حسن لعينه، ونوع حسن لغيره. # فالنوع الذي هو حسن لعينه: يتنوع نوعين أيضا (¬4): # - نوع يعرف حسنه بالعقل وحده، دون قرينة الشرع (¬5)، نحو الإيمان بالله ~~تعالى وأصل العبادات، وكذا العدل والإحسان وشكر المنعم ونحو ذلك. وهذا ~~النوع مع كونه حسنا لعينه، هو (¬6) حسن لغيره أيضا، وهو ترك ضده القبيح: من ~~الكفر والظلم والكفران - فيكون حسنا من وجهين. # - ونوع آخر يعرف حسنه بالشرع، لا بالعقل وحده بل هو (¬7) من ممكنات العقل ~~وجائزاته: يجوز العقل أن (¬8) يكون على ذلك الوجه، ويجوز أن يكون (¬9) على ~~غير ذلك الوجه. وذلك نحو مقادير العبادات وهيئاتها وشروطها وأوقاتها: فإنه ~~لو كانت الصلاة على غير هذه الهيئة PageV01P178 # المشروعة فالعقل لا يحيله بل يجوزه. ولو شرعت بدون الوضوء، فممكن في ~~العقل أيضا، فإن أصل العبادات، وهو الإيمان, يحسن بدون الطهارة، فالصلاة ~~أولى (¬1). ولكن متى ورد الشرع على وجه قبله العقل، عرف (¬2) أنه هو ~~الحكمة، وإن لم يقف على وجه الحسن والحكمة. # وأما الذي هو حسن (¬3) لغيره [فنوعان أيضا]: # أن يكون ذلك الغير هو المقصود، لا نفس المأمور به، و (¬4) هو الموصوف ~~بالحسن حقيقة، لكن الفعل المأمور به وسيلة إليه: إما من حيث التسبيب (¬5)، ~~أو كونه شرطا لصحته شرعا، وإما وسيلة إليه حقيقة - فيصير حسنا لحسنه بطريق ~~السببية والتوسل والشرطية. # وقد يكون ذلك الغير غير كل مقصود بنفسه لكنه وسيلة إلى غير آخر مقصود في ~~نفسه (¬6) موصوف بالحسن. # وهما سواء في المعنى. وإنه أنواع: # نوع منها: ما يكون حسنا في نفسه لا حسن العبادة والقربة، ولكن من حيث إنه ~~خير محض وإيصال النفع إلى من هو من أهل الانتفاع، وهو نحو أداء (¬7) الزكاة ~~وأنواع الصدقات، لكن لا يكون حسنه كحسن (¬8) العبادة, لأنه، رون حيث هو ~~إنفاع (¬9)، يستوي فيه التمليك (¬10) بطريق PageV01P179 # الهبة وبطريق الصدقة والتمليك من الغني والفقير. وإنما ثبت حسنه لكونه ~~مواساة للفقير (¬1) المحتاج إلى القوت ليعبد الله تعالى (¬2). ثم مواساة ~~الفقير ليس بمقصود بنفسه أيضا، بل المقصود هو التقرب إلى الله تعالى وطلب ~~مرضاته بإيصال ms076 النفع إلى من يقوم بعبادة الله تعالى وخدمته (¬3)، فإن ~~الإسداء (¬4) إلى عبد الغير يراد به رضا مولاه، لا رضا العبد في الشاهد، ~~وإليه أشار الله تعالى (¬5) بقوله تعالى: "وما آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون" (¬6). # ونوع آخر (¬7) منها: الصوم، و (¬8) هو في نفسه تجويع النفس وتعطيشها، وهو ~~منع نعم الله تعالى عن (¬9) مملوكه وإلحاق الضرر بمن لا حق له فيه. وهو ~~(¬10) حرام شرعا، ولهذا حرم على المرء أن يجرح نفسه أو يقطع (¬11) يده، وإن ~~قصد به وجه الله تعالى. ولكن إنما حسن لما يتضمن من المعاني المستحسنة، من ~~كونه سببا للتقوى عن (¬12) محارم الله تعالى، وكونه سببا للشكر، وكونه ~~(¬13) سببا داعيا إلى الإحسان في حق الفقراء (¬14) PageV01P180 # لما ذاق من ألم الجوع والعطش (¬1) على ما أشار الله تعالى إليه في آية ~~الصيام بقوله تعالى (¬2): "لعلكم تتقون" (¬3) وبقوله ": ولعلكم تشكرون" ~~(¬4) وقد استقصينا (¬5) بيان ذلك في الشرح. # ومنها: الحج، فإنه (¬6) ما حسن لعينه, لأنه من حيث إنه سفر وقطع المسافة ~~وزيارة أماكن معلومة يساوي سفر التجارة، لكن حسن لكونه قطع مسافة لزيارة ~~بيت منسوب إلى الله تعالى، وزيارة أمكنة معظمة محترمة بوضع الله تعالى ~~إياها للشرف (¬7) والحرمة. ثم ليس حسن زيارة هذه الأمكنة لعينها (¬8)، ولكن ~~لتعظيم صاحب البيت وواضع الحرمة. وزيارة المكان وتعظيمه لتعظيم صاحبه (¬9) ~~أمر عرف حسنه في الشاهد عقلا - قال قائلهم (¬10): # أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا (¬11) # وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا (¬12) PageV01P181 # ومنها: الجهاد، فإنه سبب إفساد الآدمي المعد لمعرفة الله تعالى والتعبد ~~له في الجملة، وإنما صار حسنا لكونه سببا لإعزاز الدين (¬1) وقهر الكفرة ~~ورفع قبح الكفر عن وجه الأرض ودفع شرهم عن أهل الإسلام ونحو ذلك (¬2) - قال ~~الله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (¬3). # ومنها: الحدود، فإنها ما حسنت لأعيانها, لكونها إضرارا بالآدمي، وإنما ~~حسنت لا فيها من الانزجار عن الفواحش المفضية إلى فساد العالم وتحقيق صيانة ~~النفس والعرض والمال والنسب، حتى إن ms077 كل محظور لم يتضمن فسادا (¬4) لم يشرع ~~فيه الحد، مثل: شرب البول والدم وأكل الجيف والخبائث. # وعلى هذا نظائره. وشرح هذه الجملة على الاستقصاء مذكور في شرح هذا ~~المختصر. والله أعلم. # مسألة - الأمر المطلق في العبادات هل (¬5) يقتضي كون المأمور به حسنا ~~لعينه أو لغيره؟. # قال بعضهم: يحمل على الحسن لغيره, لأنه هو المتيقن لكونه أدنى. # وقال بعضهم: إنه يحمل على الحسن لعينه, لأنه هو الكامل، والأصل هو ~~الكمال. PageV01P182 # وذكر القاضي الإمام (¬1) أبو زيد رحمه الله (¬2): إني لم أقف فيه على ~~أقوال الناس، ولكن المختار عندي أن لا يصرف (¬3) الحسن إلى الغير إلا بدليل (¬4). # ولكن مشايخنا قالوا: هذا فرع اختلاف أهل الأصول (¬5) في أن (¬6) الحسن ~~والقبح: هل يعرفان بالعقل أم (¬7) بالشرع؟ # - فمن قال: بالعقل يعرف، قال (¬8): إن الحسن راجع إلى ذاته أو إلى غير ~~متصل به (¬9). # - ومن قال: بالشرع، فالحسن عندهم ما أمر به، فيجب أن يكون كل مأمور به ~~حسنا، إلا إذا ثبت بالدليل أنه حسن لغيره، وهذا هو الأصح. والله أعلم. PageV01P183 ### ||||| AUTO [4] # وأما القسم الذي يرجع إلى المأمور # (¬1) # فإنه يتضمن فصولا: # منها - أن المعدوم هل يصح مأمورا ومخاطبا (¬2)، وأن الأمر للمعدوم هل يصح؟ # اختلف (¬3) فيه: # قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: إن الأمر من الله تعالى يصح للمعدوم على ~~تقدير الوجود (¬4)، فيكون الإيجاب أو الندب أزليا. والوجوب والانتداب ~~يتوجهان (¬5) على العاقل البالغ الذي استجمع شرائط الوجوب أو الندب فيه ~~(¬6)، فيكون مأمورا مخاطبا بعد الوجود والقدرة، لا أن يكون مأمورا و (¬7) ~~مخاطبا وهو معدوم. # وهو (¬8) كما قال أصحابنا في التكوين المكون: فالتكوين أزلي، والمكون ~~حادث، وقد كون الله تعالى العالم (¬9) بالتكوين الأزلي، ليتكون لوقت وجوده، ~~لا ليتكون في الأزل، فكذا الإيجاب أزلي، والله أوجب PageV01P184 # في الأزل, ليجب في الوقت (¬1) الذي أراد الوجوب فيه لا في الأزل. # وهو (¬2) قول عامة أصحاب الحديث: فإن الأمر عندهم أزلي، لأنه كلام الله ~~تعالى، فيكون من صفات الذات، لا من صفات الفعل، بخلاف التكوين مع الكون ~~عندهم، فإن التكوين من صفات الفعل عندهم (¬3)، وهي حادثة ms078 (¬4) - على ما عرف ~~في مسائل الكلام. # وقال بعض أصحاب الحديث، وهو أبو العباس القلانسي (¬5)، بأن الأمر للمعدوم ~~لا يصح، وإنما يصح الأمر بعد الوجود وصيرورته أهلا للخطاب، فيكون الأمر ~~عنده حادثا (¬6). # وهو قول عامة المعتزلة. إلا أن عنده كلام الله تعالى أزلي، وعندهم كلام ~~الله تعالى حادث (¬7). # وقال بعض المعتزلة: إن الأمر للمعدوم صحيح، إذا كان وقت الأمر: مبلغ، ~~موجود، أهل للتبليغ (¬8) إلى المعدوم بعد: الوجود والأهلية، وأمر (¬9) ~~بالتبليغ إليه. فأما (¬10) إذا لم يكن: لا يصح. PageV01P185 # وأجمعوا أن الأمر يصح في حق الموجود الأهل، وإن كان الوجوب متراخيا عن ~~وقت (¬1) الأمر، بأن كان مضافا إلى زمان (¬2) في المستقبل، ويكون (¬3) أمرا ~~على طريق الحكمة. # ولنا في المسألة وجهان: # أحدهما - من حيث البناء. # والثاني - من حيث الابتداء. # أما الأول: فلأن (¬4) هذه المسألة فرع لمسألة (¬5) كلام الله تعالى، لما ~~قلنا إن الأمر من الله (¬6) تعالى أزلي؛ لأنه كلام الله تعالى، وكلام الله ~~تعالى أزلي هو صفته، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار. # وإذا كان (¬7) الأمر أزليا، فلا يكون وجود المأمور شرطا لصحة الأمر، ~~وإنما هو شرط لتوجه الأمر وثبوت حكمه، وهو الوجوب أو (¬8) الانتداب. # وإذا ثبت أن الأمر أزلي بمنزله العلم والقدرة (¬9)، فلا يطلب لصحته ثبوت ~~الحكمة والفائدة في حق العباد، إنما تطلب الحكمة في المحدثات، فلا يصح ~~قولهم أن لا فائدة (¬10) في الأمر للمعدوم. PageV01P186 # والثاني (¬1): أن (¬2) الأمر للمعدوم ليجب عليه الفعل حال وجوده وصيرورته ~~أهلا لأداء المأمور به صحيح على طريق الحكمة, لأنه يحصل العلم للمأمور ~~بالأمر الأزلي عند وجوده وصيرورته أهلا، وأنه سابق على وقت الوجوب بقدر ما ~~يتمكن من الأداء فيحصل (¬3) الفوائد - ألا ترى أن الأمر للموجود (¬4) الأهل ~~صحيح. وإن كان حكم الخطاب متأخرا، لأنه إذا علم أن حكم الأمر يتوجه عليه في ~~زمان مقدم؛ لأنه يستعد لذلك (¬5) ويعتقد وجوبه (¬6)، ويعزم على الآداء حين ~~توجه الوجوب. وكل ذلك سبب الثواب (¬7) في كون (¬8) حكمة - فكذلك ههنا. # وهذه من مسائل الكلام تذكر ثمة (¬9) إن شاء الله تعالى، وما زاد على هذا ~~فهو (¬10) مذكور ms079 في الشرح - والله الموفق. # مسألة: # لا خلاف أن المأمور لا بد أن يكون متمكنا من إتيان (¬11) الفعل المأمور ~~به، في وقت توجه الوجوب، بأن كان قادرا عليه من حيث الأسباب وعالما به أو ~~(¬12) كان سبب العلم قائما. فأما إذا كان ممنوعا، فإنه لا يتوجه عليه ~~الوجوب - وهذا عندنا. PageV01P187 # وعند المعتزلة: لا بد أن يكون قادرا عليه حقيقة مع وجود القدرة من حيث ~~الأسباب. ولهذا قالوا إن الاستطاعة قبل الفعل، حتى لا يكون تكليف العاجز. ~~فأما حقيقة العلم فهو شرط عند بعض المعتزلة، وهم الذين قالوا بأن المعارف ~~ضرورية. # وعند من قال إن المعارف استدلالية، فوجود سبب العلم كاف عنده (¬1) لتوجه ~~الخطاب. فعلى (¬2) هذا: الصبي (¬3) الطفل والمجنون والنائم والمغمى عليه لا ~~وجوب عليهم؛ لأن تفسير الوجوب المعقول هو وجوب الفعل، ولا يتصور منهم وجود ~~الفعل مع قيام المانع، فيكون بمنزلة تكليف الأعمى الإبصار (¬4) وتكليف ~~الزمن العدو (¬5) - وهو محال، فكذا هذا. إلا أنه يجب القضاء في حق البعض. ~~ولا يجب في حق البعض (¬6) - على ما عرف في مسألة المجنون على الاستقصاء. # مسألة: # الناسي والخاطئ: # لا خطاب عليهما عند بعض أصحاب الحديث - وهو قول المعتزلة. # وعندنا: هما مخاطبان. # وهو مبني على أن حقيقة العلم ليست (¬7) بشرط، لتوجه الخطاب، وسبب العلم ~~كاف، عندنا، وهو موجود (¬8) في حقهما, لأن لهما قدرة PageV01P188 # على (¬1) حفظ النفس، عن الوقوع في الفعل ناسيا وخاطئا في الجملة، لكن فيه ~~نوع حرج، فيكون فعل الناسي والخاطئ (¬2) جائز المؤاخذة، لنوع تقصير كل ~~منهما، إلا أن الله تعالى رفع المؤاخذة عنهما ببركة دعاء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دفعا للحرج عنهما مع جواز المؤاخذة عقلا. الدليل عليه قوله ~~تعالى: "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا" (¬3) - لو لم يكن جائز ~~المؤاخذة يكون معنى الدعاء "اللهم لا تجر علينا" ويستحيل من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الدعاء من الله تعالى (¬4) بما هو محال. # وأما السكران: # فعلى أصل (¬5) أبي يوسف ومحمد رحمهما الله مخاطب؛ لأن ما هو حد السكر ~~عندهما ليس بمعجز، فوجدت (¬6) القدرة والعلم ms080 من حيث الأسباب. # وأما على أصل أبي حنيفة رحمة الله عليه: يجب أن لا يكون مخاطبا في حال ~~السكر, لأن حد السكر عنده أن لا يعرف الأرض من السماء، فيكون بمنزلة النوم ~~والإغماء. ولكن يجب عليه (¬7) القضاء لما ذكرنا، لكن تصرفاته صحيحة, لأنه ~~لا يصدق في حق الغير أنه لا يعرف، أو لأنه ألحق السكر بالعدم وجعل صاحيا ~~(¬8) عقوبة له (¬9) وزجرا له عن (¬10) ارتكاب PageV01P189 # المحظور الذي يتضمن الفساد حتى قالوا: إن السكر متى كان بسبب مباح يكون ~~بمنزلة الإغماء في حق التصرفات. # وعلى هذا قلنا: إن المكره مخاطب في (¬1) عين ما أكره عليه. # وعند المعتزلة: غير مخاطب؛ لأنه ملجأ مضطر في إيقاع الفعل طبعا، والإلجاء ~~ينافي الاختيار. # وقلنا نحن: إن الخطاب مبني على القدرة من حيث الأسباب، والمختار من يكون ~~قادرا على التحصيل والترك أو على أحدهما على حسب الاختلاف فيه، فكان ~~الابتلاء (¬2) قائما، لقيام التردد في الجملة، إلا أن الامتناع عما أكره ~~عليه إذا كان (¬3) على خلاف الطبع يكون أشق (¬4)، فيكون الثواب أكثر. وإذا ~~كان الإقدام على ما أكره عليه على موافقة الطبع، بأن أكره على قتل حربي، ~~فالثواب أقل. فأما أن يخرج الفعل عن حد (¬5) الاختيار إلى حد الاضطرار فلا ~~(¬6) - والله الموفق. # مسألة - الكفار هل يخاطبون بأوامر الله تعالى، ونواهيه - أم لا (¬7)؟ # ههنا (¬8) ثلاث مسائل: # إحداها (¬9): # إن الكفار مخاطبون بالإيمان، منهيون عن الكفر بعد بلوغ الدعوة وورود ~~الشرع (¬10) - بلا خلاف بين العلماء. PageV01P190 # واختلفوا قبل بلوغ الدعوة، بأن كان على شاهق الجبل (¬1) أو في زمان ~~الفترة: # قال عامة مشايخنا من أهل العراق وما وراء النهر (¬2) [و] رئيسهم (¬3) ~~الشيخ الإمام الأجل (¬4) أبو منصور الماتريدي رحمة الله عليهم: إنهم (¬5) ~~مخاطبون بالإيمان حتى لو امتنعوا عن ذلك وماتوا عليه فهم من أهل النار، ~~وإذا أقدموا عليه وماتوا (¬6) عليه (¬7) فهم من أهل الجنة. # وهو اختيار بعض أهل (¬8) الحديث كأبي العباس القلانسي والقفال الشاشي ~~(¬9) والحليمي (¬10) وغيرهم. # وهذا المذهب مروي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه: فإنه ذكر الحاكم الشهيد ~~رحمه الله في كتاب "المنتقى" ms081 (¬11) عن محمد بن سماعة (¬12) عن محمد PageV01P191 # ابن الحسن عن أبي حنيفة رحمهم الله أنه قال: لا عذر لأحد بالجهل بالله ~~تعالى بما (¬1) يرى من خلق السماوات والأرض وما يرى من خلق نفسه. # وهو قول المعتزلة الذين قالوا إن (¬2) المعارف استدلالية، وهم (¬3) ~~معتزلة البصرة ومن تابعهم. # وقال عامة أصحاب الحديث من الأشعرية وغيرهم (¬4) ومن تابعهم بأنه لا يجب ~~عايهم الإيمان ولايحرم عليهم الكفر، حتى لو ماتوا على الكفر أو على (¬5) ~~الإيمان قبل بلوغ الدعوة، فهم في مشيئة الله تعالى: إن شاء عذبهم وإن شاء ~~أدخلهم الجنة. # وهو قول بعض معتزلة بغداد (¬6) الذين قالوا: إن (¬7) المعارف ضرورية. # وهو اختيار بعض مشايخ بخارى وغيرهم. غير أنهم قالوا إنهم من أهل الجنة في ~~الأحوال كلها بمنزلة الصبيان والمجانين (¬8). # وحاصل الخلاف أن العقل وحده قبل قرينة (¬9) الشرع - هل يعرف به وجوب ~~الإيمان وحرمة الكفر، وهل يعرف به الحسن والقبح (¬10)؟ # فعند الفريق الأول يعرف به (¬11) أصله، وإن كان لا يعرف المقادير ~~والأوقات والهيئات. PageV01P192 # وعند الفريق الثاني لا يعرف شيء من هذا بالعقل، وإنما يعرف به (¬1) صحة ~~وجود الأشياء وكونها وإحالة المحالات وجواز الجائزات والممكنات (¬2). # ولقب المسألة - أن العقل هل هو موجب أم لا؟ # وهذا اللقب (¬3) خطأ من حيث الحقيقة، فإن الموجب للأحكام (¬4) هو الله ~~تعالى، لكن سمي العقل موجبا لكونه علما ودليلا على ذلك، وهذا كما يقوله ~~(¬5) الفقهاء: إن العلة موجبة، وهو (¬6) إطلاق وطريق المجاز - فكذا (¬7) هذا. # وهذه مسألة عظيمة لها شعب كثيرة، وطريقنا فيها خلاف طريق المعتزلة، وإن ~~كان في الجواب موافقة - وهي من مسائل الكلام. # مسألة ثانية: # وهي أن الكفار هل يخاطبون بالشرائع قبل ورود الشرع وبلوغ الدعوة من نحو ~~وجوب الصلاة والصوم والحج وغيرها، وكذا المحرمات من الزنا والسرقة وشرب ~~الخمر وغيرها، ووجوب الحدود والقصاص والدية وغيرها؟ # لا خلاف بيننا وبين أهل الحديث أنه لا خطاب عليهم، لأنه لا طريق لمعرفتها ~~(¬8) إلا الشرع. # فقبل وروده - يكون تكليف ما ليس في الوسع، وهو موضوع شرعا. PageV01P193 # وعند المعتزلة: هم مخاطبون ببعض الشرائع، فإن عندهم بعض ms082 الشرائع (¬1) من ~~الواجبات والمحظورات يعرف بمجرد (¬2) العقل وورود الشرع بعد ذلك قد يكون ~~تقريرا لما في العقل، وقد يكون نقلا من حكم العقل إلى حكم الشرع، فيكون ~~تغييرا له. ولم يسموا ذلك نسخا (¬3). # فأما بعد ورود الشرع -[فقد] اختلفوا فيه (¬4). # قال عامة أهل الحديث والمعتزلة: إنهم يخاطبون بذلك كله. # وهو قول مشايخ العراق من أصحابنا. # وقال بعض مشايخ ديارنا: إنهم (¬5) غير مخاطبين أصلا، لا بالعبادات ولا ~~بالمحرمات (¬6) إلا ما قام دليل شرعي (¬7) عليه تنصيصا، أو استثني في (¬8) ~~عهود أهل الذمة كا في حرمة الربا (¬9) ووجوب الحدود والقصاص وغيرها. # وقال بعض أهل التحقيق منهم: إنهم مخاطبون (¬10) بالمحرمات والمعاملات دون ~~العبادات. # وفائدة الخلاف لا تظهر في أحكام الدنيا (¬11): فإنهم لو أسلموا PageV01P194 # لا يجب عليهم قضاء العبادات الفائتة ولا يجب عليهم الحدود. وإنما تظهر في ~~حق أحكام الآخرة: فإن عندهم يعاقبون بترك العبادات ومباشرة المحرمات (¬1)، ~~زيادة على عقوبة الكفر. وعندنا لا يعاقبون بترك العبادات ولا يعاقبون ~~بمباشرة (¬2) المحظورات عند بعض مشايخنا، وعند بعضهم يعاقبون. # وجه قول من قال بالخطاب - النصوص، والمعقول: # أما النصوص - فقوله (¬3) تعالى، خبرا عن خزنة جهنم: إنهم يقولون للكفرة ~~(¬4): "ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين" ~~(¬5) - الله تعالى أخبر عن (¬6) اعتقادهم استحقاق العذاب بترك العبادات، ~~ولم يرد عليهم اعتقادهم فدل أن ذلك ثابت به. وقال تعالى: {والذين لا يدعون ~~مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} (¬7) ~~ولا شك أن مضاعفة العذاب بسبب ترك الواجبات ومباشرة المحظورات سوى الكفر. # وأما المعقول -وهو أن التكليف يعتمد القدرة من حيث الأسباب وقيام طريق ~~الوصول إليه لا حقيقة القدرة- ألا ترى أن الصلاة تجب على الجنب PageV01P195 # والمحدث، لأن في يديهما (¬1) رفع الجنابة والحدث وإن كان أداء الصلاة لا ~~يجوز مع الحدث. وكذلك الحج يجب على البعيد عن (¬2) مكة، وإن كان لا يمكنه ~~أداء الحج إلا بمكة، لأن في يده ms083 إمكان قطع المسافة. # وكذلك (¬3) في يد الكفرة (¬4) القدرة على الإيمان الذي لا تصح العبادات ~~بدونه وطريق الوصول إلى الوقوف على كيفياتها بالسؤال من صاحب الشرع، ومن ~~ينوب منابه، فيجب القول بتوجه الخطاب، إلا أنه إذا أسلم يسقط (¬5) عنه بعد ~~الوجوب، بعفو صاحب الحق، لقوله (¬6) تعالى: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~(¬7) ولقوله عليه السلام: "الإسلام يجب ما قبله". وإذا مات على الكفر يعاقب ~~في الآخرة. وليس حكم الوجوب وفائدته مختصا (¬8) بالأداء، فإنه إذا كان في ~~علم (¬9) الله تعالى من كافر أنه لا يؤمن أبدا (¬10) أو من مسلم أنه لا ~~يؤدي صلاة الظهر مثلا (¬11)، فإنه لا يتحقق منه الأداء. ومع هذا: الوجوب ~~ثابت (¬12)، لفائدة توجه العذاب في الآخرة - كذلك هذا (¬13). PageV01P196 # وجه القول المختار - وهو أن هذا تكليف ما ليس في الوسع، فإن الكافر لا ~~يقدر (¬1) على أداء العبادات حالة الكفر لعدم شرطه، وهو الإيمان، ولا يمكنه ~~الأداء إلا (¬2) بواسطة تحصيل الشرط، كما ذكرتم في الجنب والمحدث، لأن ثمة ~~يقدر على أداء الواجب بعد رفع الحدث والجنابة، بالاغتسال - هذا بخلاف ~~الوضوء (¬3). أما الكافر بعد تحصيل الشرط [ف] لا يقدر على الأداء، لأنه لا ~~يجب القضاء بالإجماع. فإن (¬4) شئت قلت: إن هذا تكليف ما ليس في الوسع لأنه ~~لا يخلو: إما أن يجب ليؤدى في حالة الكفر أو ليؤدى بعد الإسلام. ولا وجه ~~للأول لأن الكفر مانع من صحة أداء (¬5) العبادات. ولا وجه للثاني فإنه لا ~~يجب عليه (¬6) الأداء بعد الإسلام أو يسقط عندكم فيكون هذا تكليف ما ليس في ~~الوسع، وهو محال عقلا وموضوع شرعا. وهو الجواب عن قولكم: إن التكليف يعتمد ~~القدرة من حيث الأسباب - نعم، ولكن تفسيرها أنه متى أراد أن يفعل يقدر على ~~ذلك ويتمكن من التحصيل لا محالة - وههنا لا يقدر في الحالين بخلاف الحرمات، ~~لأن حكم التحريم وجوب الامتناع عن الفعل المحرم ومع الكفر يتصور الامتناع ~~عن الفواحش، فلا يكون تكليف ما ليس في الوسع، وهو (¬7) الفرق بين الفصلين. # أما التعلق بالنصوص [ف] لا يصح: فإن ms084 قولهم "لم نك من المصلين" (¬8) PageV01P197 # معناه: لم نك (¬1) من المعتقدين لحقية الصلاة على الوجه الذي جاء به ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، إذ الصلاة قد تذكر ويراد بها اعتقاد حقية ~~الصلاة لا نفس الصلاة - قال الله تعالى: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة (الآية) ~~" (¬2) والمراد قبول الصلاة واعتقادهم حقيتها (¬3)، دون الأداء، بدليل أنه ~~يجب تخلية السبيل (¬4) وإن لم يوجد كل منهم (¬5) الأداء نحتمل "لم نك (¬6) ~~من المصلين" أي من المؤمنين (¬7)، لأن الصلاة من العلامة اللازمة للإيمان، ~~كا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "نهيت عن قتل المصلين" أي ~~عن (¬8) قتل المؤمنين. ويحتمل ما ذكرتم. فلا يكون حجة مع الاحتمال، فلا ~~(¬9) يجوز القول بالوجوب قطعا، حتى يستحقوا (¬10) العقاب بالترك. # وأما (¬11) النص الثاني، فلا حجة فيه على القول المختار، فإخهم مخاطبون ~~بالحرمات - والله أعلم. # مسألة ثالثة: # اختلف الناس في أن الأصل في الأعيان المنتفع بها هو إباحة الانتفاع أو ~~الحظر؟ وما حكمها قبل ورود الشرع؟ PageV01P198 # قال عامة (¬1) أصحابنا وعامة أصحاب الحديث من الفقهاء والمتكلمين منهم: ~~إنه لا حكم لها قبل ورود الشرع، ويجب التوقف (¬2) فيها: لا نحكم (¬3) بحظر ~~ولا إباحة. # وبه قال بعض المعتزلة، مثل: القاشاني (¬4)، وبشر المريسي (¬5)، وضرار بن ~~عمرو (¬6). # إلا أن طريق التوقف (¬7) مختلف: # فعند أصحاب الحديث وهؤلاء المعتزلة: لا حكم فيها (¬8) قبل ورود الشرع، ~~لعدم دليل الفبوت، وهو الخبر عن (¬9) الله تعالى على لسان صاحب الشرع ~~(¬10)، فوجب التوقف في الجواب إلى وقت حصول العلم بدليلة. PageV01P199 # وقال بعض أهل التحقيق منهم: لا نقول بالتوقف (¬1)، بل نقطع القول بأنه ~~ليس بواجب, لأنه ثبت (¬2) بقول الله (¬3) تعالى: "افعلوا". ونقطع بأنه (¬4) ~~ليس بمحظور؛ لأنه ثبت (¬5) بقوله تعالى (¬6): "لا تفعلوا". ونقطع بأنه (¬7) ~~ليس بمباح, لأنه ثبت (¬8) بقوله: "افعلوا إن سنة شئتم واتركوا إن شئتم" ~~(¬9). ولم يرد شيء من ذلك قبل ورود (¬10) الشرع، فنقول: قبل ورود (¬11) ~~الشرع لا حظر ولا إباحة ولا وجوب ولا ندب قطعا، لعدم دليله، ويجوز أن لا ~~(¬12) يوسف الفعل بهذه الأوصاف، كفعل الأطفال والمجانين والبهائم (¬13). # وأما عندنا [ف] لا بد ms085 أن (¬14) يكون لهذه الأفعال حكم ما عند الله تعالى: ~~يمكن أن يكون هو الوجوب، بالإيجاب الأزلي، لتعلق العاقبة الحميدة به. ويمكن ~~أن يكون هو الحرمة، بالتحريم الأزلي، لتعلق العاقبة الوخيمة به (¬15). ~~ويمكن أن ليس لفعل (¬16) عاقبة حميدة ولا عاقبة ذميمة، فيكون مباحا، PageV01P200 # لعدم رجحان أحد الجانبين على الآخر، إلا أنه لا يمكن الوقوف على ذلك ~~بالعقل، لخفائه ودقته، فيتوقف في الجواب إلى ورود الشرع، لا لخلوه عن ~~الحكمة (¬1)، لكن لا يثبت في حقنا، لعدم دليل الوقوف. # والكلام بيننا وبينهم بناء على مسألة العقل: أن عندهم لا يعرف به حسن ولا ~~قبح (¬2) ولا وجوب (¬3) ولا ندب (¬4) ولا حظر ولا إباحة. وعندنا يعرف به ~~(¬5) حسن بعض الأشياء قطعا، ولا يعرف حسن بعض الأشياء قطعا (¬6). وكذا (¬7) ~~القبح والوجوب والحرمة، مع كونها (¬8) عند الله تعالى, لأن أحكام الشرع ~~مبنية على الحكمة (¬9)، وإن كنا (¬10) لا نقف عليها إلا بدليل الشرع. # هذا بيان قولنا، وقول عامة أصحاب الحديث. # وقال (¬11) عامة المعتزلة: الأصل فيها هو (¬12) الإباحة ما لم يرد الشرع ~~بالتقرير أو بالنقل (¬13) والتغيير إلى غيره. # وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها هو الحظر إلا بورود الشرع مقررا أو مغيرا. # وجه قول المعتزلة: الاستدلال بالنصوص، والمعقول: PageV01P201 # - أما النصوص: فقوله (¬1) تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~(¬2)، وقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا} (¬3)، ~~وقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} (¬4) وقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق} (¬5) - دل أن الأصل هو الإباحة. # - وأما المعقول: وهو أن الله تعالى لما خلق أعيانا منتفعا بها، مع تعاليه ~~عن الانتفاع بنفسه وتقدسه عن لحوق الضرر به بانتفاع غيره (¬6) بها، وصلاحها ~~(¬7) لدفع (¬8) حوائج العباد مع مساس حاجتهم إليها (¬9)، فلا يحسن المنع ~~منها من الله تعالى إياهم، كما لا يحسن المنع في الشاهد من المالك لغيره عن ~~الاستظلال بظل جداره، والاستضاءة (¬10) بضوء سراجه، والنظر في مرآته، ~~والاشتمام بروائح طيبة، مع كون المالك ms086 في الشاهد محتاجا إلى ذلك كله بنفسه، ~~لما أنه لا يلحقه الضرر بذلك - فههنا بطريق (¬11) الأولى. PageV01P202 # وإذا لم يحسن المنع يجب أن يكون الأصل فيه (¬1) هو (¬2) الإباحة إلا إذا ~~كان يتضمن الانتفاع به ضررا خفيا، فيرد الشرع لبيانه (¬3)، تحقيقا لحكمة ~~الانتفاع. # وجه قول أهل الحظر: وهو أن العالم مخلوق الله تعالى وملكه، والتصرف في ~~ملك الغير محظور إلا بإذنه وإطلاقه، وإن كان لا يتضرر به المالك في الشاهد ~~- ألا ترى أن نقل (¬4) المرآة والمنجاز (¬5) من دار المالك إلى دار نفسه ~~(¬6) منهي عنه، وإن لم يتضرر (¬7) به المالك - يدل عليه أن قبح التصرف في ~~ملك الغير لو كان لتضرر المالك به (¬8) يجب أن لا يباح إلا بالإذن إذا كان ~~يتضرر به: دل أن قبح التصرف في ملك الغير (¬9) لعدم إذنه وإطلاقه (¬10)، لا ~~لتضرره. وإذا كان كذلك يجب أن يقبح (¬11) التصرف في ملك الله تعالى إلا ~~بإذنه وإطلاقه (¬12)، وإن كان لا يتضرر بتصرفنا فيه، بخلاف ما ذكروا من ~~النظر في المرآة (¬13) والاستظلال والاستضاءة, لأن ذلك ليس بتصرف في ملك ~~الغير لأنه لا أثر لذلك يتصل بملك الغيره PageV01P203 # وقلنا نحن وعامة أهل الحديث: إن كلا القولين فاسد: # - أما عندهم فلما ذكرنا: أن العقل (¬1) ليس بطريق لمعرفة الحسن والقبح أصلا. # - وأما عندنا فلأن (¬2) من قال بالإباحة عقلا، يجوز ورود الشرع في ذلك ~~بعينه بالحظر، فينقله من الإباحة إلى الحظر. وكذا من قال بالحظر عقلا، يجوز ~~ورود الشرع بالإباحة في عينه فينقله (¬3) من الحظر إلى الإباحة. والحاكم ~~الذي يعرف ثبوته بالعقل لا يحتمل التغير (¬4) بحال، لأن العقل حجة من حجج ~~الله تعالى كالسمع، والتناقض منفي عن دلائل الشرع لكونه من (¬5) أمارة ~~الجهل والسفه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وهذه المسألة مطولة في الشرح. # مسألة - المأمور هل يعلم أنه مأمور على الحقيقة؟ # لا خلاف أنه إذا كان الأمر مطلقا، وكان (¬6) المأمور متمكنا من الفعل ~~المأمور به، بوجود سبب القدرة والعلم، فإنه يعلم أنه مأمور بالفعل لتوجه ~~(¬7) الأمر عليه، ووجوب تحصيل المأمور به. # فأما إذا كان ms087 أمرا مضافا إلى وقت معلوم، بأن صار بالغا عاقلا (¬8) قبل ~~دخول شهر (¬9) رمضان وقبل دخول وقت الصلاة - هل يكون مأمورا للحال حقيقة ~~قبل توجه الوجوب عليه؟ PageV01P204 # - لا خلاف أنه إذا كان في علم الله تعالى أنه يبقى على صفة المخاطبين إلى ~~وقت دخول شهر (¬1) رمضان ودخول وقت الصلاة، فإنه يكون مأمورا حقيقة. # - فأما (¬2) إذا كان في علم الله تعالى أنه يعترض عليه الموت قبل مجيء ~~وقت الوجوب أو العجز بسبب فوات العقل وفوات أسباب القدرة - هل يكون مأمورا ~~- حقيقة؟. # قال أصحاب الحديث: إنه مأمور حقيقة وهو اختيار بعض أصحابنا رحمهم الله. # وقال عامة المعتزلة: إنه (¬3) إذا كان في علم الله تعالى زوال التمكن ~~(¬4) من الفعل قبل دخول (¬5) وقت الوجوب، فإنه لا يكون مأمورا حقيقة، ولكن ~~يكون مأمورا ظاهرا، وفي الآخرة يتبين أنه ليس بمأمور حقيقة. # وأجمعوا أنه لا وجوب عليه في هذا الأمر الذي اعترض المانع في حال توجه ~~الخطاب. # والحاصل أن جهل المأمور باعتراض المانع شرط لكونه مأمورا، أما جهل الآمر ~~- هل هو شرط؟ # - فعلى قول الأولين: علم الآمر باعتراض المانع حالة الوجوب ليس بمانع، ~~لكونه مأمورا بذلك (¬6)، وجهله ليس بشرط. PageV01P205 # - وعلى قول الآخرين جهل الآمر والمأمور بذلك شرط لكونه مأمورا - حتى إن ~~الآمر إذا كان من العباد وهو جاهل باعتراض المانع حالة الوجوب، والمأمور ~~جاهل، فإنه يكون مأمورا حقه قة، بأن قال المولى لعبده: "صم غدا" فإنه يكون ~~آمرا (¬1) للحال ويكون العبد مأمورا، وإن كان الوجوب لا يثبت به (¬2)، ما ~~لم يبق العبد حيا قادرا (¬3) عالما في الغد، لجهل (¬4) الآمر والمأمور، ~~باعتراض العجز والموت في الغد. ولو كان المولى عالما بقول نهي صادق أن عبده ~~يموت قبل دخول رمضان والعبد جاهل فقال له: "صم شهرا (¬5) رمضان" فإن العبد ~~يكون مأمورا حقيقة. ولو كانا عالمين على حقيقة العجز عادة بأن قال المولى ~~لعبده: "افعل كذا بعد ألف سنة" فإنه لا يكون آمرا ولا العبد مأمورا، لوجود ~~العجز من حيث العادة. وكذا لو قال لعبده (¬6) "اصعد السماء" أو نحو ذلك. ms088 # وربما تعبر هذه المسألة بعبارة أخرى، وهي (¬7) أن الأمر هل يصح في ~~المستقبل بشرط وجود الإمكان وقت وجوب الفعل أو بشرط زوال المانع؟ # فقال الفريق الأول: بأنه يصح بشرط زوال المانع حالة الوجوب، سواء كان ~~الأمر خاصا للواحد، أو كان (¬8) عاما وفيهم من (¬9) يمنع عن الفعل وفيهم ~~(¬10) من لا يمنع. PageV01P206 # وقال بعض هؤلاء: إنما يجوز إذا كان الأمر عاما. فأما (¬1) إذا كان ~~المأمور واحدا لا يجوز الأمر في حقه بشرط زوال المانع. # وقال الفريق الثاني: بأنه لا يجوز، والأمر متى ورد من الله تعالى بالفعل ~~كان الداخل تحت الأمر وحكمه، وهو وجوب الفعل في حقه (¬2)، هو (¬3) من يعلم ~~الله تعالى منه (¬4) أنه غير ممنوع عن ذلك الفعل الذي أمر فيه (¬5) بشيء من ~~الوانع، فأما كل (¬6) من علم (¬7) أنه يمنع عن (¬8) تحصيل الفعل وقت وجوبه ~~باعتراض الآفات (¬9)، فإنه لا يكون مرادا بالخطاب. # وأجمعوا في أمر العباد بأن أمر (¬10) المولى عبده بفعل، فإنه يجوز بشرط ~~القدرة وشرط (¬11) زوال المانع، بأن قال له (¬12): افعل كذا يوم كذا إن ~~قدرت عليه أو افعل إن لم يمنعك مانع. # والصحيح هو قول الفريق الثاني, لأن حكم الأمر الوجب هو وجوب الفعل. ~~فإيجاب (¬13) الفعل مع قيام المانع والعجز عن الفعل بالجنون أو (¬14) الموت ~~حالة توجه الوجوب تكليف ما ليس في الوسع، وهو محال عقلا وشرعا. PageV01P207 # والخلاف (¬1) في المسألة مع من يحيل التكليف بما لا يطاق (¬2)، وهذا ~~بخلاف تكليف المعدوم والعاجز (¬3) إذا كان في علم الله تعالى وجود التمكن ~~من الفعل في حقهما (¬4) حالة (¬5) توجه الوجوب, لأن هذا تكليف (¬6) أزلي ~~ليجب في وقت القدرة، فلا يكون تكليف ما ليس في الوسع إذا كان في علم الله ~~تعالى أنه يقدر ولا يمنع. وإن علم أنه لا يقدر ويمنع تبين (¬7) أن هذا ليس ~~بتكليف في حقه، وإن وجد لفظة (¬8) التكليف ظاهرا، ولكن المراد به غيره (¬9) ~~مجازا، والكلام في التكليف حقيقة. # ووجه آخر: وهو أن التكليف بشرط ثبوت المكنة (¬10) و (¬11) زوال العجز ~~والماعن تعليق التكليف بالشرط، والتعليق بالشرط حقيقة إنما يكون ms089 ممن هو ~~جاهل بالعواقب كتعليق الطلاق والعتاق من العباد, لأنه (¬12) لا علم لهم ~~بحصول الشرط. فإن (¬13) الشرط ما يكون على خطر الوجود. ولهذا قالوا إن ~~تعليق الفعل بشرط (¬14) كائن لا محالة (¬15) تحقيق وليس بتعليق، كن PageV01P208 # يقول لامرأته: "أنت طالق إن كانت (¬1) السماء فوقنا". وكذا التعليق بشرط ~~مستحيل حقيقة أو (¬2) عادة يكون إعداما ولا يكون تعليقا (¬3) بشرط، كمن ~~يقول لعبده: "أنت حر إن صعدت السماء" أو (¬4) "إن عشت ألف سنة" وإنما يكون ~~تعليقا إذا كان الشرط محتمل الوجود والعدم، وهذا إنما يتحقق في حق (¬5) ~~العباد لجهلهم بعاقبة وجود الشرط وعدمه، فأما الله تعالى إذا كان عالما ~~بعواقب الأمور و (¬6) يستحيل عليه الجهل بوجود الشرط وعدمه، فلا يتصور ~~التعليق بالشرط في حقه. # وتحقيق هذا الكلام، وهو أن الأمر طلب الفعل، ولن يتصور طلب وجود الفعل ~~(¬7) ممن يعلم أنه لا يتصور ذلك الفعل من المطلوب منه (¬8)، فإن من طلب من ~~عبده أن يفعل فعلا بعد ما صعد السماء أو بعد ألف سنة (¬9)، وهو متعذر عادة، ~~إما أن يكون سفيها أو مستهزئا بعبد (¬10)، وإنما يتصور الطلب مع الجهل بحال ~~المأمور، فأما (¬11) مع العلم باستحالة الفعل المأمور به لا يتصور قيام ~~الطلب بذات الطالب، والأمر هو الطلب، فإذا لم يكن طلبا (¬12) لا يكون أمرا. # وهذا كلام واضح، ؤقد أشبعنا البيان في هذه المسألة في الشرح - والله ~~الموفق. PageV01P209 ### ||||| AUTO [5] # فصل في بيان # القسم الذي يرجع إلى المأمور فيه وهو الزمان # (¬1) # وإنه يتضمن فصولا (¬2): # وجملة ذلك أن الأمر من الله تعالى بالفعل لا يخلو: إما أن يكون مطلقا عن ~~الوقت، أو يكون أمرا في زمان معين معلوم (¬3). # أما الأول: # فنحو (¬4) الأمر بالكفارات، وقضاء رمضان، والنذور المطاقة، ونحوها. # فكل (¬5) من قال إن الأمر يقتضي التكرار يقول يحمل على الفور، وهو وجوب ~~الفعل في أول أوقات الإمكان. وأما من قال إنه (¬6) يقتضي الفعل مرة اختلفوا فيه: # روى الكرخي (¬7) رحمه الله عن أصحابنا رحمهم الله أنه على الفور - وهو ~~قول عامة أهل (¬8) الحديث. PageV01P210 # وذكر أبو سهل الزجاجي (¬1) في الحجج (¬2) اختلافا ms090 بين (¬3) أصحابنا: # عند أبي يوسف رحمه الله (¬4): إنه (¬5) على الفور. # وعند محمد والشافعي رحمهما الله: على التراخي. # وروى عن أبي حنيفة رحمة الله عليه مثل قول أبي يوسف رحمه الله. # وذكر محمد بن شجاع الثلجي (¬6) عن أصحابنا أنه يجب في أول الوقت وجوبا موسعا. # وهو قول بعض أصحاب الحديث. # وتفسير وجوب الموسع عندهم أنه يجب في أول أوقات الإمكان، حتى إنه كل متى ~~أدي في أي وقت يقع واجبا، ولا يأثم بالتأخير إلى آخر العمر. فأما إذا (¬7) ~~كان غالب ظنه الموت إما بسبب المرض أو بسبب الهرم فإف يتضيق عليه الوجوب، ~~حتى لو مات يأثم بتركه عن ذلك الوقت. PageV01P211 # وقال (¬1) عامة مشايخنا: إنه يجب على التراخي. وتفسيره أنه يجب مطاقا عن ~~الوقت، وكان خيار التعيين حسن إليه. ففي (¬2) أى وقت شرع فيه يتعين للوجوب ~~(¬3). وإذا لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره في زمان يتمكن من الأداء فيه ~~(¬4)، قبيل موته، حتى إذا مات قبل الأداء يأثم بتركه. # واختلف المعتزلة فيما بينهم: # قال بعضهم: يجب على الفور. # وقال بعضهم مثل قولنا: إنه يجب في مطلق الوقت، والخيار إليه. # وقال بعضهم: يجب في جيمع الأوقات على طريق البدل، على معنى أن الأداء في ~~كل وقت يقوم كل مقام وقت آخر في المصلحة. فمتى أدى في وقت سقط الوجوب عنه ~~في أوقات أخر (¬5)، ولا يجوز تركها (¬6) عن الأوقات كلها، كما قالوا في ~~الكفارات الثلاث (¬7)؛ لأنهم لا يرون الأمر بتحصيل فعل مجهول، ولا يجوزون ~~التخيير في مثل هذا حتى يتعين بالاختيار ممن عليه. # ومذهب شيخنا الإمام الزاهد (¬8) أبي منصور الماتريدي (¬9) رحمه الله أنه ~~لا يعتقد فيه بالفور ولا بالتراخي إلا بدليل زائد وراء الصيغة، ولكن PageV01P212 # يجب عليه تحصيل الفعل في أول أوقات الإمكان من حيث الظاهر، لا من طريق ~~الحقيقة والقطع (¬1) مع الاعتقاد مبهما إلا بدليل زائد (¬2). # وقالت الواقفية: يتوقف في وجوب العمل والاعتقاد جميعا، في حق الفور ~~والتراخي، إلا بدليل زائد وراء الصيغة. # والصحيح مذهب عامة المشايخ رحمهم الله؛ لأن الأمر مطلق عن ms091 الوقت، وليس ~~البعض بأولى من البعض، في جب عليه الفعل في (¬3) مطلق الوقت، ولا يجوز ~~التقييد إلا بدليل. # ولا يقال: إن (¬4) التقييد ثبت بدليل، فإن الواجب ما يأثم بتركه ولا يباح ~~تأخيره، فيكون ما قلتم مناقضة لحد الواجب، ويكون إلحاقا للواجب بالنافلة؛ ~~لأن ما قلتم حد النقل؛ لأنا نقول ما ذكرتم حد الواجب المضيق المعين. ونحن ~~(¬5) نقول بالوجوب في مطلق الوقت، أو بالوجوب على سبيل (¬6) التوسع، حده ما ~~إذا (¬7) أدى يقع مستحقا لا تبرعا، أو ما يأتم بتركه في الجملة، بخلاف ~~النفل: فإنه لا يأثم بتركه أصلا. # وقد (¬8) ذكرنا هذه المسألة على الوجه في الشرح - والله الموفق. PageV01P213 # [وأما الثاني]: # وأما (¬1) إذا كان الأمر لي الفعل (¬2) في زمان معين - فهذا لا يخلو من ~~ثلاثة أوجه (¬3): # - إما إن كان لا يتسع للفعل (¬4) المأمور به (¬5)، ولكن يتصور فيه بعضه (¬6). # - و (¬7) إما إن كان يتسع للفعل المأمور به (¬8)، على طريق الاستغراق، ~~ولا يفضل (¬9) عنه. # - وإما إن كان يتسع له ويفضل (¬10) عنه. # - أما الأول: # [ف] لا يجوز أن يرد التكليف بالفعل كله فيه, لأنه تكليف ما ليس في الوسع ~~(¬11). ولكن يجوز أن يرد التكليف بالفعل في وقت لا يتمكن من أداء كله فيه، ~~ليؤدى بعضه فيه ويؤدى (¬12) الباقي في الوقت الذي يليه، إما أداء أو (¬13) ~~قضاء. كن أحرم بحجتين في وقت واحد: يلزمه PageV01P214 # حجتان: إحداهما (¬1) في هذه السنة، والثانية في السنة الثانية، فيكون ~~(¬2) إيجابا في السنتين (¬3). وكمن صار أهلا لوجوب الصلاة في آخر الوقت ~~بحيث لا يتمكن كل من أداء كل الصلاة فيه، بل مقدار ركعة أو مقدار التحريمة، ~~كالحائض تطهر في آخر وقت الظهر، والصبي يبلغ، والكافر يسلم: فإنه يجب عليهم ~~الصلاة بعضها في الوقت أداء وبعض في الوقت (¬4) الذي يليه قضاء - وهذا (¬5) ~~عندنا، خلافا لزفر: فإن عنده لايجب كل ما لم يتمكن من أداء كل صلاة (¬6) ~~الظهر فيه، لأن صلاة الظهر لا تجب في وقت (¬7) غير وقت الظهر، ولا يمكن ~~إيجاب أداء الكل فيه، لأنه تكليف ما ليس في الوسع، فسقط (¬8) أصلا. # وقلنا ms092 نحن: لا يجب عليه كل الصلاة في وقت الظهر، حتى (¬9) يكون تكليف ما ~~ليس في الوسع، ولكن يجب بقدر ما يقبله الوقت، ويكون أداء، وما زاد عليه في ~~الوقت الذي يليه قضاء، ويجوز أن يكون الصلاة الواحدة بعضها أداء وبعضها ~~قضاء (¬10)، كاللاحق بركعتين في صلاة الظهر: كل مؤد للبعض وقاض (¬11) ~~للبعض. ونحو ذلك - بخلاف ما إذا زالت (¬12) هذه الموانع بعد خروج الوقت، ~~لأن هذه الموانع مانعة من PageV01P215 # وجوب القضاء، بحكم الحرج، وليس بعض الأوقات بأولى من بعض (¬1)، فأما ~~الوقت الذي أمكنه أداء البعض فيه لم يلحق بالباقي، لإمكان بعض الأداء فيه، ~~احتياطا في العبادة، لمفارقته غيره (¬2)، فيكون له حكم على حدة. # ولهذا قلنا في الجنون القصير، في حق صوم شهر (¬3) رمضان: يجب على المجنون ~~القضاء في الأداء، والأداء في البعض - وصوم رمضان بمنزلة صلاة (¬4) الظهر ~~في المعنى. # - وأما (¬5) [الثاني:] إذا كان الوقت مما يتسع للفعل المأمور به على طريق ~~الاستغراق ولا (¬6) يفضل عنه: # كاليوم (¬7) في حق الصوم، فإنه يجب عليه (¬8) كل الصوم في كل اليوم، فيجب ~~في كل جزء من الوقت جزء (¬9) من الفعل. وكذا في صوم رمضان في كل يوم - ~~فيكون تكليف ما في الوسع إن (¬10) اعتبرنا الوجوب بالخطاب وكون (¬11) كل ~~جزء سببا لوجوب جزء من (¬12) الفعل وشرطا لأدائه في الموضع الذي اعتبر ~~السبب، وهذا ممكن موافق لأصول الشريعة (¬13) من غير تناقض. وما قيل فيه ~~خلاف ما قلنا، فهو تكليف (¬14) من غير حاجة، مع أنه مخالف للأصول، متناقض ~~في نفسه. PageV01P216 # - وأما (¬1) [الثالث:] إذا كان الوقت مما يتسع له ويفضل عنه: كوقت صلاة ~~الظهر والعصر ونحوهما (¬2) - فقد اختلف فيه: # اتفق أصحابنا رحمهم الله (¬3) أنه إذا تضيق الوقت، ومن عليه أهل، يتعين ~~ذلك الوقت للوجوب حتى لو أخر عنه فإنه (¬4) يأثم. # واختلفت (¬5) الرواية عن أصحابنا في أول الوقت ووسطه وآخره قبل أن يتصق الوقت: # فعن (¬6) الكرخي ثلاث روايات عن أصحابنا رحمهم الله: # روى عنه الجصاص (¬7) أن الوقت كله وقت (¬8) الفرض، وعليه أداؤه في وقت ~~مطلق عن جميع الوقت، وهو مخير في ms093 الأداء، وإنما يتعين الوجوب إما بالأداء ~~أو بتصيق الوقت. فإن أدى في أوله يكون واجبا، وإن أخر لا يأثم؛ لأنه لم يجب ~~عليه (¬9) قبل التعيين. وإن لم يؤد حتى لم يبق من الوقت إلا بقدر ما يؤدي ~~فيه (¬10)، يتعين الوجوب، حتى يأتم بالتأخير (¬11) عنه - وهذه الرواية هي ~~المعتمد عليها. PageV01P217 # وروى عن الكرخي رحمه الله (¬1) أيضا أنه (¬2) إذا أدى في أوله، فهو ~~موقوف: فإن وفي على صفة المكلفين إلى آخر الوقت (¬3)، بأن بقي حيا عاقلا ~~(¬4) مسلما ونحو ذلك (¬5) - يقع واجبا. وإن فات شيء من شرائط التكليف، يكون نفلا. # وفي رواية أخرى عنه أنه (¬6) إذا أدى في أوله يقع نفلا، لكن إن بقي إلى ~~آخر الوقت، بصفة المكلفين، يكون ذلك النفل مانعا لوجوب في آخر الوقت (¬7)، ~~ويكون مسقطا للفرض عن ذمته (¬8). وهذه الرواية مهجورة. # وروى عن (¬9) محمد بن شجاع (¬10) عن أصحابنا رحمهم الله أن الصلاة في أول ~~الوقت واجبة على طريق التوسع. # وهو مذهب عامة المتكلمين من أصحاب الحديث. # وهو مذهب الشافعي رحمه الله إلا في مسألة (¬11) الحج: فإنه روى عنه أنه ~~قال بالتراخي. PageV01P218 # وفائدة الخلاف تظهر في المرأة إذا حاضت في آخر الوقت: لا يلزمها قضاء تلك ~~الصلاة عندنا. # وعند الشافعي رحمه الله: إن أدركت من (¬1) أول الوقت مقدار ما تصلي فيه ~~الظهر، ثم حاضت، يلزمها القضاء بعد الطهر. وإن أدركت من أول الوقت أقل (¬2) ~~من ذلك، فأصحابه مختلفون في وجوب القضاء. # واختلف المعتزلة فيه: # بعضهم قالوا مثل قولنا. # وقال بعضهم: يجب الصلاة في أول الوقت، لكن يباح له التأخير. # لكن عند بعضهم ببدل، هو العزم على الأداء. وعند بعضهم بغير بدل. وبه قال ~~أصحاب الشافعي أيضا. # وقال بعض المعتزلة: إنه يجب الصلاة في جميع الوقت على طريق البدل، حتى ~~إنه إذا أدى في شيء من الوقت يسقط (¬3) عنه الواجب. وإن أخر عن الوقت كله، ~~فإنه يأثم، ويكون الأداء في أوله ووسطه وآخره في المصلحة على السواء. # والصحيح مذهبنا: إنها تجب (¬4) في مطلق الوقت مع التخيير, لأن الله تعالى ~~أمر بالصلاة ms094 في مطلق الوقت بقوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل" (¬5) فلا يجوز التقييد بأوله وأمكن القول به بواسطة التخيير، فيتعين ~~(¬6) الوجوب في الوقت الذي يؤديه. وإذا تضيق الوقت PageV01P219 # يسقط خيار التعيين، ويتعين الوجوب، فمن ادعى التقييد بأوله فلا بد له ~~(¬1) من الدليل (¬2). # مسألة - في الأمر الموقت إذا خرج الوقف قبل تحصيل الفعل حتى وجب عليه ~~القضاء: هل يجب بالأمر السابق أو بأمر مبتدأ (¬3)؟ # اختلف مشايخنا فيه: # قال بعضهم: يجب بالأمر السابق. # وقال بعضهم: يجب بأمر مبتدأ. # وجه قول الأولين: إن الواجب هو العبادة لله تعالى في هذا الوقت، إما بحق ~~العبودية، أو بحق الشكر، أو بحق التكفير عن الخطايا التي تجري (¬4) على يد ~~(¬5) المرء بين الوقتين (¬6). وفي هذا الغرض (¬7) الأوقات كلها (¬8) سواء - ~~ألا ترى أن الأمكنة فيها سواء، ولا يختص بمكان دون مكان، وصار كمن أمر عبده ~~بأن يتصدق بدرهم (¬9) من ماله باليد اليمنى فشلت يده اليمنى، يجب عليه أن ~~يتصدق باليسرى، ولا يتقيد باليمنى لأن الغرض لا يختلف - فكذا هذا. # وإذا ثبت هذا فالوجوب الثابت بالأمر لا يسقط إلا بالأداء أو بالقضاء أو ~~بالإبراء من صاحب الحق، فلا حاجة إلى أمر آخر. PageV01P220 # ووجه (¬1) قول الآخرين: إن الأمر بالفعل في وقت كل معين (¬2) ينتهي ~~بانتهاء ذلك (¬3) الوقت، والأمر بالعبادة في وقت لا يكون أمرا بالعبادة في ~~وقت آخر، كمن قال لعبده: "افعل كذا في يوم الجمعة": لا يتناول ما عدا ~~الجمعة بحكم الصيغة، إلا أن يدل دليل آخر (¬4) زائد يعم الأوقات كلها ~~بدلالة الحال - بخلاف فصل التصدق, لأن الغرض ثمة إيصال النفع (¬5) إلى ~~الفقير، ليحصل له الثواب بالتقرب (¬6) إلى الله تعالى، وذلك لا يختلف ~~باختلاف آلة الإيصال (¬7). أما ههنا (¬8) [ف] يحتمل أن يكون التعيين لمعنى ~~يختص بالوقت من زيادة فضيلة (¬9) له أو نحو ذلك، مما لا نعرفه بعقولنا، ~~والآمر هو العالم بمصالح الأوقات، فلا يعرف أن الفعل في وقت آخر مثل الفعل ~~في الوقت (¬10) الأول في المعنى الذي تعلق بالأول (¬11)، فلا يقوم مقامه ~~إلا بدليل. # هذا الذي ذكرنا ms095 في الأمر المعين. # فأما في الأمر المطلق عن الوقت إذا فات عن (¬12) أول أوقات الإمكان - ~~فيجب عليه في الوقت الثاني (¬13) بذلك الأمر أم (¬14) بأمر مبتدأ؟ PageV01P221 # فمن قال بالتراخي يقول بالأمر الأول, لأن الأمر المطلق لا يتعين له الوقت ~~إلا باختيار من عليه أو بتضيق (¬1) الوقت أو بالموت، فلا ينتهي الأمر (¬2) ~~الأول ما لم يمت. # وعلى أصل المعتزلة: يجب في الأوقات كلها على طريق البدل. # واختلف القائلون بالفور: # قال بعضهم: يحتاج في الوقت الثاني إلى أمر آخر، كما في الأمر في وقت بعينه. # وقال بعضهم: بالأول, لأن تقدير (¬3) الأمر بالصلاة صيغة (¬4): "أد في ~~الوقت الأول، فإن أخرت ففي الثاني والثالث إلى آخر الوقت" - بخلاف الأمر ~~بوقت (¬5) معين مضيق أو موسع, لأن في الفصل الأول الوقت (¬6) غير معين نصا، ~~وإنما يتعين الأول (¬7) كي لا ينعدم معنى الوجوب أو احتياطا عن الفوت، وكل ~~(¬8) وقت بعده في الأداء سواء، فإذا فات الأول يقوم الثاني مقامه. فأما في ~~الوقت المعين يحتمل الاختصاص لمعنى في الوقت ولا (¬9) يعرف أن الفعل في ~~الوقت (¬10) الثاني هل هو مثل الأول في المصلحة حتى يقوم مقامه، فلا بد من ~~أمر آخر أو (¬11) دليل آخر (¬12) أنه مثل الأول - والله أعلم. PageV01P222 ### |||| AUTO فصل في النهي # الكلام في النهي (¬1) في ثلاثة مواضع: # أحدها - في بيان ما يتفق فيه الأمر والنهي، وما يختلفان. # والثاني - في بيان أقسامه. # والثالث - في بيان حكمه. ### ||||| AUTO [1] # أما الأول # وهو أنهما يختلفان في أشياء ويتفقان في أشياء. # أما بيان ما يختلفان فيه، فنقول: # - يختلفان من حيث الحد والحقيقة: فإن حد الأمر وحقيقته هو الدعاء إلى ~~تحصيل الفعل، على طريق الاستعلاء، قولا. وحد النهي وحقيقته (¬2) هو الدعاء ~~إلى الامتناع عن الفعل (¬3)، على طريق الاستعلاء، قولا. # - وكذا يختلفان من حيث الصيغة حسا: فصيغة (¬4) الأمر "افعل"، وصيغة النهي ~~"لا تفعل". PageV01P223 # - وكذا يختلفان من حيث الاسم: فإن أحدهما يسمى أمرا (¬1)، والآخر نهيا. # - وكذا يختلفان (¬2) من حيث ثبوت وصف الحسن للفعل المأمور به، وثبوت صفة ~~(¬3) القبح للفعل المنهي عنه. # - وكذا يختلفان من حيث إن ms096 الأمر (¬4) لا يقتضي التكرار والدوام، والنهي ~~يقتضي ذلك (¬5) على ما ذكرنا. # - وكذا (¬6) يختلفان من حيث نفس الحكم (¬7): فإن (¬8) حكم الأمر هو وجوب ~~تحصيل المأمور به أو ندب التحصيل. وحكم النهي هو وجوب الامتناع عن المنهي ~~عنه أو ندب الامتناع. # وأما (¬9) ما يتفقان فيه: # - فهو أن الأمر والنهي واحد من حيث ذات الكلام. فإن كليهما (¬10) كلام ~~الله تعالى. وكلامه أمر ونهي وخبر واستخبار، على طريق التقرير. والواحد لا ~~يتصور اختلافه واتفاقه من حيث الذات. وإنما الاختلاف والاتفاق في الاسم ~~والإضافة (¬11)، كالشخص الواحد يكون أبا لإنسان PageV01P224 # وابنا لإنسان آخر، فيختلف الاسم والإضافة (¬1) مع اتحاد المضاف في نفسه. # - وكذا يتفق الاسم والإضافة (¬2) مع اتحاد المضاف واختلاف (¬3) المضاف ~~إليه - يقال لشخص واحد: أبو زيد وأبو عمرو (¬4) وأبو محمد (¬5) إذا كان ~~لشخص واحد (¬6) أولاد بهذه الأسماء. # - وكذا يتفقان من حيث إن إرادة وجود المأمور به ليس بشرط صحة الأمر، ~~وإرادة عدم المنهي عنه (¬7) ليس بشرط صحة (¬8) النهي، خلافا للمعتزلة على ما مر. # - وكذا يتفقان في اختلاف العلماء في حكميهما. فمن قال حكم الأمر هو وجوب ~~الفعل يقول حكم النهي هو وجوب الامتناع. ومن قال بالندب في الأمر يقول ~~بالندب في النهي. ومن توقف في حكم الأمر توقف في حكم النهي على ما مر. # - وكذا يتفقان في الأقسام: فكما أن الأمر (¬9) قسمان حقيقة: قسم الوجوب ~~وقسم الندب (¬10)، فكذلك النهي: قد يكون لوجوب الامتناع وقد يكون لندب ~~الامتناع. # وقال بعض مشايخنا رحمهم الله: إن حكم النهي هو الحرمة دون الندب. # وهذا خلاف الإجماع: فإن النهي قد يكون للتنزيه والندب، كالنهي PageV01P225 # عن المشي في نعل واحد، والنهي عن الجمع بين النعمتين (¬1)، والنهي عن ~~اتخاذ الدواب كراسي، ونحو ذلك. ### ||||| AUTO [2] # فصل في بيان أقسام النهي # ذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله وقال: النهي على قسمين: ما قبح ~~لعينه (¬2) وما قبح لغيره. # والذي قبح لعينه نوعان أيضا (¬3): ما قبح لعينه وصفا، وما هو ملحق به شرعا. # والذي قبح لغيره نوعان أيضا (¬4): ما صار القبح منه وصفا (¬5)، وما جاوره ~~القبح ms097 (¬6) جمعا. # فهو أربعة أقسام في الحاصل (¬7). PageV01P226 # ومشايخنا قالوا: في هذا الكلام خلل (¬1) من حيث الظاهر، لكنه صحيح من حيث ~~التأويل (¬2). # أما الأول: # فلأن (¬3) قوله ما قبح لعينه: إن (¬4) كان غرضه أن ذات الفعل في عينه ~~(¬5) قبيح، لكونه عين الفعل ولأجل كونه فعلا، فهذا لا يصح, لأن الحاكم ~~العيني لازم لزوم العين، و (¬6) لا يتصور وجود العين بدونه، ولو كان قبح ~~المنهي عنه (¬7) لذات الفعل يجب أن يكون كل فعل قبيحا. وقد يكون الفعل حسنا ~~وطاعة لله تعالى، ولله تعالى (¬8) فعل أزلي، و (¬9) يستحيل وصفه بالقبح، ~~ولأن العقلاء اختلفوا في حد السفه والعبث. # و (¬10) عند الثنوية (¬11): هو الفعل الذي خلا عن المنفعة للفاعل (¬12). PageV01P227 # وعند المعتزلة ما خلا عن المنفعة (¬1)، إما للفاعل وإما (¬2) لغيره. # وعند أصحاب الحديث: السفه والعبث ما نهي عنه. # وعند بعضهم: ما يعود ضرره على الفاعل (¬3). # وعندنا: ما ليس له عاقبة حميدة، أو ما له عاقبة ذميمة. # ولم يقل أحد من العقلاء (¬4) إن السفه قبح (¬5) لذات الفعل وكونه فعلا، ~~بل قالوا إن قبحه لمعنى وراء ذاته وعينه - على ما ذكرنا من الاختلاف بينهم (¬6). # [الثاني]: # وأما التأويل الصحيح فهو (¬7) أن غرضه أن عين الفعل المنهي عنه (¬8) قبيح ~~لا لعينه ولا لذاته (¬9)، ولكن لمعنى (¬10) زائد على ذاته يرجع إلى الفاعل ~~أو غيره، لا أن (¬11) المعنى الزائد قائم بالفعل (¬12) , لأن العرض لا يقوم ~~بالعرض. وذلك نحو قولهم السفه قبيح لعينه أي عينه قبيح، لمعنى زائد وراء ~~ذاته، وهو الخلو عن العاقبة الحميدة ونحو ذلك. PageV01P228 # وكذا (¬1) قال مشايخنا: إن تقسيم (¬2) النهي إلى (¬3) أربعة أقسام لا ~~يصح، من حيث الظاهر, لأن النهي في الحقيقة واحد، وهو التحريم، وكل فعل هو ~~قبيح لذاته يعرف (¬4) قبحه عقلا أو شرعا، فهو (¬5) منهي عنه (¬6)، وهذا لا ~~(¬7) يحتمل التقسيم من حيث الحقيقة، ولكنه صحيح من حيث التأويل، وهو أنه ~~أراد (¬8) به تقسيم صيغة النهي إلى أنواع أربعة: # الأول (¬9) - أن يضاف صيغة النهي إلى فعل عينه حرام وقبيح لمعنى من ~~المعاني عرف قبحه عقلا كالكفر والظلم والسفه والعبث. # والثاني - أن ms098 يضاف صيغة النهي إلى ما عرف قبحه شرعا، لا عقلا، كالنهي عن ~~الصلاة بغير طهارة، فإن نفس فعل الصلاة بغير طهارة ليس بقبيح (¬10) عقلا، ~~فإن (¬11) أعظم العبادات تصح من غير (¬12) طهارة، وهو الإيمان بالله تعالى، ~~وكذلك أكثر العبادات. فيكون شرط الطهارة في الصلاة لأهلية أدائها أمرا ~~شرعيا، حيث لم يجعل الجنب والمحدث أهلا لها (¬13)، ولا يتصور وجود الشيء ~~حقيقة من غير الأهل حقيقة، فلا (¬14) PageV01P229 # يتصور وجود الشيء شرعا بدون وجوده من الأهل (¬1) شرعا، ولا نعني بالصلاة ~~المنهي عنها بغير طهارة ما (¬2) فيها من الذكر والتسبيح والتعظيم لله ~~تعالى, لأن الشرع لا يرد (¬3) بالنهي عنه، وإنما نعني بها نفس الأفعال (¬4) ~~المعهودة التي هي جائزة أن لا تكون مشروعة على هذه الهيئة بل على (¬5) هيئة ~~أخرى. وكذا النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس: لم يعرف قبحه عقلا, لأن التوجه ~~إلى جهة من الجهات في الصلاة لم يعرف عبادة عقلا؛ لأن الله تعالى ليس في ~~جهة من الجهات (¬6)، وإنما حسنه عرف (¬7) شرعا لحكمة ومصلحة لم تدركها ~~عقولنا، فجاز النسخ فيه، بالنقل إلى جهة الكعبة لتبدل المصلحة. # والثالث - أن يضاف صيغة النهي إلى شيء (¬8) ليس بقيح عقلا وشرعا، بل هو ~~حسن (¬9) مشروع في نفسه، لكنه مجاور لغير هو قبهج، شرعا أو عقلا، وأعني ~~(¬10) بالمجاور أن القبيح (¬11) ليس من لوازمه، بل هو ينفك (¬12) عنه في ~~الجملة وفي الحال يوجد مع الفعل الذي ليس PageV01P230 # بمنهي عنه (¬1) لا محالة - نظيره النهي عن الصلاة في الدار الغصوبة (¬2): ~~فإن صيغة (¬3) النهي أضيفت إلى الصلاة (¬4)، وهي ليست بقبيحة، فلا تكون ~~منهيا عنها حقيقة، وإنما المنهي عنه (¬5) هو غصب الأرض وإيذاء المالك، ~~ولهذا: إذا أذن جاز من غير كراهة. وهذا (¬6) المنهي، و (¬7) هو وطء الأرض، ~~مجاور للصلاة, لأن الصلاة فعل المصلي، من القيام والركوع والسجود، وفعل ~~المصلي قائم به لا يعدوه، فلا (¬8) يكون قائما بالأرض، وإنما المصلى قائم ~~بالأرض (¬9)، إلا أنه مجاور له، فإنهما يوجدان معا في هذه الحالة: لا يتصور ~~انفكاك أحدهما عن الآخر، وإن كان في الجملة يتصور، لكنه ms099 ليس بسبب لوجود ~~القبيح, لأنه بدون الصلاة غاصب، وواطئ للأرض (¬10)، فهما غير ان متجاوران ~~في الحال، فقبح أحدهما لا يؤثر في الآخر، كمن طاف بالبيت [بحدثه] (¬11)، ~~وقذف المحصنات بلسانه، وكذا النهي عن البيع وقت النداء، والطلاق في حالة ~~الحيض لما قلنا. ويجوز عندنا خلافا للمعتزلة وجود الطاعة والمعصية، في حالة ~~واحدة، من شخص واحد، فيكون مطيعا وعاصيا بفعلين مختلفين. PageV01P231 # والرابع - أن يكون صيغة النهي مضافة إلى شيء هو حسن في نفسه، ويكون ~~المنهي غيرا غير مشروع (¬1)، حتى يتصور وجود أحدهما بدون الآخر في اب كله، ~~وهو حد الغيرين (¬2). لكن الفعل (¬3) الذي هو طاعة سبب لوجود المعصية، ~~ويكون به (¬4) قوامها، بخلاف الفصل الأول. نظيره صوم يوم النحر وأيام ~~التشريق عند عامة مشايخنا: فإن الصوم فعل مشروع بنفسه (¬5) عبادة لله ~~تعالى، والنهي أضيف إليه، لكن المنهي عنه (¬6) غيره، وهو ترك إجابة دعوة ~~الله تعالى (¬7)، لوجود حد الغيرين (¬8)، وهو وجود أحدهما مع عدم الآخر، ~~فإن الصوم في غير هذه الأيام يخلو من (¬9) ترك إجابة الدعوة، لكن الصوم سبب ~~لوجود (¬10) المعصية في هذه. الأيام، فإن ترك إجابة الدعوة لا يتحقق بدون ~~الصوم، حتى قالوا: إنه لو ترك الأكل من غير نية الصوم، لا يأثم، وهذا لأن ~~الصوم هو عين الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وهو عين ترك إجابة الدعوة، ~~فإن إجابة الدعوة؛ هو عين الأكل والشرب والجماع، فترك (¬11) الأكل ترك ~~إجابة الدعوة، وهو الصوم بعينه (¬12) - فيكون صوما شرعيا من وجه: من حيث ~~إنه ترك اقتضاء الشهوتين لله تعالى على قصد PageV01P232 # مخالفة هوى النفس، وسبب التقوى وشكر المنعم (¬1) على ما عرف. ويكون كل ~~معصية من وجه: من حيث إنه ترك طاعة الله تعالى في إجابة الدعوة، فإن الناس ~~أضياف الله تعالى في هذه الأيام، وأمروا بإجابة (¬2) الدعوة، ويجوز عندنا ~~أن يكون للفعل جهات، فيكون حسنا من وجه قبيحا من وجه، حلالا من وجه حراما ~~من وجه، أو يصير فعلين تقديرا لظهور أثره في محلين - وهذا كل هنى قول بعض ~~(¬3) مشايخنا في صوم يوم النحر وغيره ms100 إنه مشروع بأصله، قبيح بوصفه - لكن في ~~الحقيقة ليس بمنهي لوصفه، لكن (¬4) عين الصوم مشروع من وجه دون وجه - على ~~ما ذكرنا (¬5) بخلاف المتجاورين. # وبهذا الكلام فرقوا بين الصلاة في الأرض المغصوبة (¬6) وبين صوم هذه ~~الأيام في (¬7) أن صلاة النفل تلزم (¬8) بالشروع في الأرض المغصوبة وتصلح ~~(¬9) لإسقاط ما في ذمته من قضاء (¬10) الصلوات والنذور، وصوم هذه الأيام لا ~~يصلح لإسقاط ما في ذمته من صوم القضاء والنذور (¬11) والكفارة؛ لأن الصلاة ~~لم تنتقض (¬12)؛ لأنها ليست (¬13) بسبب لوجود PageV01P233 # الغصب, لأنه، وإن لم يصل، فهو غاصب أيضا. وكذا نفس الغصب ليس فعل الصلاة, ~~لأن فعل الصلاة قائم بالمصلي، وفعل الغصب شغل الأرض وهو قائم بالأرض، فجاز ~~أن ينوب عن الكامل، وفي هذه الأيام الصوم سبب ترك إجابة الدعوة، وهو عين ~~الصوم، من وجه على ما ذكرنا، فينتقص، فلا ينوب عن الكامل. # وبعض مشايخنا قالوا: إن النهي المضاف إلى الفعل المشروع قسم واحد، وهو ما ~~يكون مجاورا لغير مشروع، من غير أن يكون سببا لوجود المعصية وقواما لها ~~(¬1) , لأن السبب إذا كان مشروعا يكون (¬2) المسبب مشروعا ضرورة. ولما كان ~~السبب (¬3) غير مشروع، علم أن ذلك ليس بسبب له (¬4)، إلا أنهما يجتمعان ~~وجودا، فيمنع عن المشروع، حتى لا يقع في المعصية. وصوم يوم النحر مشروع على ~~الإطلاق، لكن يمنع عنه (¬5) هي (¬6) لا يقع في المعصية بحكم المجاورة، لا ~~أنه (¬7) سبب للوقوع (¬8) في المعصية. فإنه (¬9) وإن لم يصم في هذه الأيام ~~ولم ينو الصوم وأمسك من غير عذر، فإنه يأثم، فليس الصوم سببا للوقوع في ~~المعصية بحيث لا يتصور بدونه، فكان هذا (¬10) والقسم الأول من الصلاة في ~~الأرض المغصوبة ونحوها سواء. وإنما يقع الفرق بين الفصلين في بعض الأحكام ~~مع استوائهما في المجاورة لمعنى آخر عرف في مسائل الخلاف، وقد استقصيناه في ~~الشرح أيضا. PageV01P234 ### ||||| CHECK [3] مسألة - وأما حكم النهي، فنقول # [3] # مسألة - وأما (¬1) حكم النهي، فنقول: # حكم النهي صيرورة الفعل المنهي عنه (¬2) حراما، وثبوت الحرمة فيه، فإن ~~النهي والتحريم والنع في اللغة سواء. وموجب التحريم هو ثبوت ms101 الحرمة كموجب ~~التمليك (¬3): هو ثبوت الملك. هذا هو حكم النهي من حيث إنه نهي (¬4). # فأما وجوب الانتهاء فحكم (¬5) النهي من حيث إنه أمر بضده، ففي (¬6) ~~الحقيقة وجوب الانتهاء حكم الأمر الثابت بالنهي (¬7)، وكون الفعل المنهي ~~عنه (¬8) حراما حكم النهي (¬9)، فإن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي (¬10) ~~عن الشيء أمر بضده على ما مر. والانتهاء عن الفعل القبيح إنما يكون ~~بالاشتغال (¬11) بالضد، وهو الفعل الذي هو ترك للفعل (¬12) المنهي عنه ~~(¬13)، إلا أن الاشتغال بالضد قد يكون حسنا لعينه PageV01P235 # ولغيره معا، كالانتهاء (¬1) عن الكفر، يكون (¬2) بضده، وهو الإيمان"فيكون ~~حسنا لعينه من حيث إنه تصديق بوحدانية الله تعالى وصفاته (¬3) العلي وإقرار ~~(¬4) بذلك كله، وحسنا (¬5) لغيره وهو أنه ترك للكفر (¬6) القبيح. أما إذا ~~كان ضد الفعل المنهي عنه (¬7) ليس بعبادة، كالنهي عن القيام، والانتهاء عن ~~القيام بضد (¬8) من أضداده من القعود والاضطجاع والاستلقاء ونحوها، فيكون ~~حسنا من حيث إنه ترك للقيام المنهي عنه، لا من حيث عين (¬9) القعود ~~والاضطجاع: فإنه فعل مباح في نفسه. ثم ينظر: إن كان النهي عن عين الفعل ~~فيدل على صيرورة الفعل المنهي عنه حراما، وإن كان النهي (¬10) عن غير الفعل ~~الذي أضيف إليه النهي (¬11) يدل على حرمة ذلك الغير (¬12)، ويكون في ~~الحقيقة: المنهي ذلك الغير لا الذي أضيف إليه الصيغة. وإنما يعرف النهي ~~لعينه من النهي لغيره، بدليل زائد وراء صيغة النهي، وهو ما ذكرنا: إن ما ~~(¬13) يعرف بالعقل قبحه، من غير دليل (¬14) السمع، نحو الكفر والكفران ~~والظلم ونحو ذلك، PageV01P236 # فيكون عين (¬1) النهي عنه (¬2) حراما، وإن عرف بالعقل أن قبحه في غيره لا ~~في عينه: يعلم أن الغير القبيح هو المنهي عنه. وإن أضيف النهي إلى الأفعال ~~المشروعة: إن (¬3) عرف حسنه بالعقل، يعلم أنه ليس بمنهي عنه (¬4) حقيقة مع ~~قيام المعنى الذي عرف حسنه حتى لا يؤدي إلى التناقض، وإن عرف حسنه بالشرع ~~لا بالعقل، وقد أضيف إليه النهي: يجوز أن يكون النهي واردا عن عينه (¬5) ~~ويتبين (¬6) أن المعنى الذي به ثبت حسنه (¬7) شرعا قد انتهى، وتبدلت ~~المصلحة بمصلحة ms102 أخرى. ويجوز أن يكون النهي وود (¬8) لغيره، فيتبع الدليل في ذلك. # فإذا (¬9) ثبت هذا (¬10) نقول: إن الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات ~~(¬11) ثبت (¬12) حسن أصلها (¬13) بالعقل دون هيئاتها (¬14) وشروطها ~~وأوقاتها: [فقد] عرفت شرعا لا عقلا (¬15)، فيجوز (¬16) أن يرد النهي والنسخ ~~في حق الهيئات والأوقات والشروط دون أصلها. PageV01P237 # هذا هو المعتمد عليه (¬1) عندنا. # وقد تكلم الفقهاء والمتكلمون في ذلك. # قال بعضهم: إن النهي عن الأفعال الحسية يكون نهيا عن عينها (¬2) في ~~الأصل، إلا إذا قام الدليل برخلافه. والنهي عن الأفعال المشروعة (¬3) يكون ~~نهيا عن عينها من وجه دون وجه أو عن الوصف (¬4) دون الأصل. # وقال أصحاب الحديث: إن حسن الأشياء بالأمر يثبت (¬5)، وقبحها بالنهي يثبت ~~(¬6)، فيكون النهي (¬7) المطلق المضاف إلى فعل يكون (¬8) موجبا حرمة عينه ~~إلا بدليل في الفعل الحسي والشرعي جميعا. # وقالت المعتزلة: إن الأصل في النهي المضاف إلى فعل أن يكون حراما لعينه، ~~حسيا كان أو شرعيا، وهو أن يكون فيه وجه من وجوه القبح. ويقولون: القبح من ~~وجه يترجح على الحسن من من وجه، فإن القبيح واجب الترك والحسن جائز التحصيل ~~لا واجب التحصيل (¬9). فاتفق جواب المعتزلة وأصحاب الحديث مع اختلاف ~~الطريق. # واختلف مشايخنا (¬10) في النهي المضاف إلى الفعل الشرعي: # - قال بعضهم: إنه يدل على كونه مشروعا بأصله، قبيحا بوصفه. PageV01P238 # - وقال بعضهم: إنه (¬1) يدل على كونه مشروعا من وجه قبيحا من وجه (¬2). # - وقال بعضهم: إن النهي لا يرد عن الفعل الشرعي، ومتى أضيف إليه يكون ~~نهيا عن غيره لا محالة. # وهذه الوجوه غير صحيحة (¬3) على ما ذكرنا (¬4) فسادها وتناقضها في الشرح. # - وإنما الصحيح ما ذكرنا: أن النهي عما عرف قبحه عقلا، يكون عن عين ~~المنهي عنه (¬5)، ويصير حراما من كل وجه. وأن النهي المضاف إلى فعل عرف ~~حسنه من كل وجه عقلا، أو عرف حسن أصله دون هيئاته وشروطه، لا يكون نهيا عن ~~عينه بل عن غيره (¬6). والنهي المضاف إلى هيئات العبادات وشروطها نحو ~~استقبال القبلة والطهارة ونحوهما (¬7)، وإن عرف حستها شرعا، يجوز أن يرد ~~[النهي] (¬8) عنه ويصير منسوخا ms103 ويجوز أن يرد لغيره أيضا، إذ لو لم يجز ورود ~~النهي عنه يؤدي إلى إنكار النسخ، إذ ليس تفسير النسخ إلا هذا، والنسخ جائز ~~عند عامة المسلمين، وإنما المخالف فيه هم (¬9) اليهود وبعض من ينسب (¬10) ~~إلى الإسلام، ولا إسلام مع إنكار النسخ أصلا، على ما نذكر. ولكنا (¬11) ~~نقول: PageV01P239 # قد قام الدليل على أن النهي المضاف إلى الأفعال الشرعية، التي لا يعرف ~~حسنها إلا بالشرع، يكون واردا عن أغيارها لا عن أعيانها، مع جواز أن يرد عن ~~أعيانها - وهذا مما ينبغي أن لا يخالف (¬1) فيه أحد من الفقهاء (¬2). # وجه قول أصحاب الحديث والمعتزلة في الأصل واحد: وهو أن حكم النهي صيرورة ~~الفعل المنهي عنه حراما قبيحا، والمشروع ما يكون مندوبا إليه (¬3) حسنا أو ~~مباحا كل طلق التحصيل (¬4)، والفعل الواحد في زمان واحد من شخص واحد (¬5) ~~لا يجوز أن يكون (¬6) حسنا قبيحا، حراما مطلقا مباحا، لتضاد بين صفة الحسن ~~والقبح، والجمع بين المتضادين مستحيل، إلا أن طريق تخريج الفريقين مختلف: # - فعند أصحاب الحديث: القبح يثبت بالنهي، والحسن والحسن والإطلاق يثبت ~~بالأمر والإذن من الشرع - فمتى قام الدليل (¬7) على التضاد (¬8) ظاهرا، ولا ~~يجوز التناقض في دلائل الشرع، يجب القول بأن ينتهي حكم (¬9) الأول من ~~الوجوب والحسن والإباحة فيما مضى، ويثبت ضده في المستقبل، ويتبين أن الحكم ~~الأول ثابت إلى هذا الزمان لحكمة (¬10) ومصلحة رأى الشرع في ذلك، وتبدلت ~~تلك المصلحة وصارت الحكمة (¬11) PageV01P240 # في (¬1) الانتقال إلى ضده في المستقبل. وهذا هو تفسير النسخ إلا إذا قام ~~الدليل على (¬2) أن النهي لم يكن عن الفعل المضاف إليه بل عن الغير المجاور ~~له، فيبقى المشروعية للفعل الضاف إليه، ويثبت الحرمة في المجاور له (¬3)، ~~كما في الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والطلاق حالة الحيض، ~~ولم يقم عندهم دليل على أن النهي عن الصوم في يوم النحر وأيام التشريق (¬4) ~~نهي (¬5) عن غير الصوم، وكذا في النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين ونحوه - ~~فيجب العمل بحقيقة النهي، وتحمل على الانتساخ. فمن ادعى أن النهي عنها لغير ~~ما أضيف ms104 إليه، فقد ادعى خلاف الظاهر، فعليه الدليل. ويجوز ورود النهي عن ~~الفعل الذي كان مشروعا فيخرج من أن يكون مشروعا، كما في نكاح الأمهات (¬6) ~~والنكاح بغير شهود، ونكاح امرأة الغير، ومعتدة الغير، وبيع الحر والخمر ~~والخنزير (¬7) والميتة والدم وبيع المضامين واللاقيح ونحوها، لما قلنا - ~~فكذلك ها هنا (¬8). # - وأما عند المعتزلة: فالقبح (¬9) لا يثبت ونفس الصيغة، وإنما يعرف ~~بالدليل العقلي، فمتى قام دليل القبح والحسن في فعل شرعي، يجب كون الفعل ~~حسنا من وجه وقبيحا من وجه، ويجوز عندهم تغير الأحكام الشرعية التي عرفت ~~بالعقل إلى ضدها، بطريق النسخ، وإن لم يسموه PageV01P241 # نسخا وسموه تفلا (¬1)، والمعتبر هو المعنى دون الاسم (¬2). ولا يجوز ~~الجمع عندهم بين صفة الحسن والقبح في فعل واحد، لأنهم لا يقولون بجهات ~~الفعل، بناء على مسألة خلق أفعال العباد (¬3)، فقالوا بإعدام (¬4) ~~المشروعية ونسخها، بطريق الضرورة، كما لو ثبت (¬5) القبح من كل وجه، ويترجح ~~(¬6) جانب القبح على جانب الحسن على ما ذكرنا. وعلى هذا قالوا: لا يجوز ~~الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، والطلاق في (¬7) حالة الحيض، ~~ونحو ذلك - هذا هو طريق أكثرهم. # وبعضهم فرقوا بين النهي عن العبادات والنهي عن المعاملات الشرعية: فقالوا ~~في العبادات مثل قول أصحاب الحديث، وفي المعاملات مثل قول أصحابنا رحمهم الله. # وجه قولنا: إن (¬8) المشروعية تكون سابقة على ورود النهي في العبادات: # - أما على قول من وافق أصحاب الحديث في أن حسن الأشياء وقبحها يعرف ~~بالشرع، فظاهر؛ لأنه ما لم (¬9) يكن الشروعية ثابتة بالشرع في عين الشيء أو ~~في جنسه، لا يتصور النهي عنه, لأنه لا يعرف المنهي، PageV01P242 # فإنه إذا لم يكن الصوم مشروعا في الجملة، فالنهي (¬1) عن الصوم، والمكلف ~~لا يعرف الصوم، يكون تكليف ما ليس في الوسع، ولأن العبادات مشروعة في جميع ~~الأوقات (¬2) في الجملة. # - وأما على قول عامة (¬3) مشايخنا: إن حسن هذه الأفعال المشروعة، من ~~العبادات والمعاملات، يعرف بالعقل، من حيث الأصل، دون الهيئات والشروط ~~والمقادير ونحوها، فأظهر, لأن أصله سابق على ورود النهي بالشرع، وهيئاته ~~وشروطه لا بد ms105 أن (¬4) يسبق مشروعيتها في عين الفعل أو في جنسه، حتى يتحقق ~~النهي عنه، إذ دليل المشروعية عام في جميع المشروعات (¬5) بدليل عام. # وإذا ثبت هذا، فطريق من قال بأن حسن (¬6) المشروعات لا يعرف إلا بالشرع ~~أن (¬7) دليل المشروعية قائم قبل النهي في الفعل المشروع، ودليل القبح ~~وارتفاع المشروعية ورد (¬8)، وهو النهي في ذلك الفعل (¬9) بعينه، والعمل ~~بالدليلين واجب عند الإمكان؛ لأن الأصل في دلائل الشرع هو العمل بها، وأمكن ~~ها هنا بأن يجعل الفعل مشروعا من وجه قبيحا من وجه، إذ (¬10) لا تضاد بين ~~الحل والحرمة وبين المشروعية والفساد في فعل واحد (¬11) عند اختلاف الجهة، ~~كما لا تضاد عند اختلاف المحل PageV01P243 # والزمان، كما في الصلاة (¬1) في الأرض المغصوبة، والبيع وقت النداء، ~~والوضوء بالمال المغصوب، ونحوها. وكذا الجمع بين حكميها ممكن في زمانين من ~~الثواب والعقاب، بأن يعاقب بقدر جنايته ثم يدخل الجنة على طريق (¬2) ~~الخلود، ومتى أمكن الجمع لا يصار إلى النسخ عملا بالدلائل بقدر الممكن، ~~بخلاف النهي عن الصلاة إلى بيت المقدس والصلاة بغير طهارة ونكاح المحارم ~~والنكاح بغير شهود وبيع الحر والخمر وبيع المضامين والملاقيح؛ لأن ثمة قام ~~الدليل على أنه لا يمكن الجمع بينهما، لأنه فات ما هو شرط الوجود شرعا، وهو ~~المحل أو شرط الأهلية و (¬3) نحو ذلك، ولا وجود للفعل الشرعي إلا في محله ~~ومن أهله شرعا (¬4)، كالفعل الحقيقي: لا تصور له من غير الأهل في المحل ~~حقيقة، فمن ادعى عدم الإمكان (¬5) في مواضع الخلاف، فعليه البيان. # وأما طريق عامة المشايخ (¬6)، وهو أن الحسن ثابت في أصل العبادات ~~والمعاملات المشروعة - يعرف ذلك بالعقل وحده، قبل ورود السمع، إذ أصل ~~العبادة (¬7) هو التعظيم للخالق والشكر لنعمه (¬8) وإظهار العبودية لمالكه. ~~وكذا أصل المعاملات وضع لقطع (¬9) المنازعات بين العقلاء دفعا للفساد، وأما ~~كيفياتها وهيئاتها وشروطها [ف] تعرف (¬10) PageV01P244 # بالشرع، فلا بد (¬1) من سبقها على ورود النهي على ما ذكرنا. والنهي عما ~~عرف حسنه عقلا من حيث الأصل دون الهيئات والكيفيات لا يصح، كما لا يصح ~~النسخ عنه، والصوم والصلاة ms106 والبيع من هذا القبيل، فلا يجوز أن ينهى عنه, ~~لأنه يؤدي إلى التناقض في حجج الله تعالى والتضاد في أحكامه، تعالى الله عن ~~ذلك، فوجب القول ضرورة بصرف (¬2) النهي المضاف إليه إلى الغير المجاور له، ~~تنزيها لأحكامه وحججه عن التضاد والتناقض. وإذا كان النهي عن مشروع لم يعرف ~~حسنه إلا من جهة الشرع، لقصور العقل عن معرفة ذلك لدقته وخفائه، فيكون هذا ~~النهي في حد الجواز بين أن يكون عن عين الفعل المنهي، فيدل على تبدل ~~المصلحة بضده، ولا (¬3) يؤدي إلى التناقض, لأن المعنى الذي ثبت به الحسن ~~إذا لم يكن معلوما، فالحسن (¬4) لم يعرف إلا بمجرد الأمر، فإذا جاء النهي، ~~ولا تناقض في أحكام الله تعالى، يجب القول ضرورة بانتهاء الحكم الأول وحدوث ~~الثاني وتغير الصاحة التي كانت، إلى المصلحة في ضدها. # ويجوز أن يكون النهي عن غير الفعل المضاف إليه النهي المجاور له، والنسخ ~~والنهي لا يردان إلا عن هذا النوع، فإن (¬5) حمل الأمة ذلك على التناسخ، ~~كما في النهي عن الصلاة إلى بيت القدس والنهي عن الصلاة بغير طهارة والنكاح ~~بغير شهود ونكاح المحارم وبيع الحر والخمر ونحوها، فيكون نسخا لوجود دليل ~~الإجماع في موضع جواز النسخ، وإن حملوا PageV01P245 # ذلك على غير مشروع مجاور له، فلا يكون نسخا، بل يكون نهيا عن ذلك (¬1) ~~الغير، لا عن الفعل المضاف إليه النهي، كالنهي عن الصلاة في الأرض ~~المغصوبة، ونحوه (¬2). # وإن (¬3) لم يكن للأمة اتفاق على أحد الأمرين ويكون موضع الاختلاف فنقول: ~~الحمل على النهي عن الغير أولى من الحمل على النسخ لوجهين: # أحدهما - أن في الحمل على النهي عن الغير يكون عملا يدليل المشروعية، ~~لسبق المشروعية على النهي، وعملا (¬4) بحقيقة النهي في الغير، والعمل ~~بالدليلين على وجه ليس فيه تعطيل شيء من الدليلين أولى من نسخ أحدهما ~~وإبطال حكمه. ولا يقال: في العمل بدليل المشروعية ترك العمل بحقيقة النهي, ~~لأن حقيقته العمل في المحل المضاف إليه - وفي الصرف إلى محل آخر مجاور له ~~متصل به يكون بطريق المجاز، ونحن ms107 نعمل بحقيقة النهي فيما أضيف إليه (¬5)، ~~وبدليل المشروعية في بها وراء هذه الأيام (¬6)، ونخصها PageV01P246 # من الدليل العام الموجب للمشروعية فاستوت [الأيام] (¬1)، في خلاف ظاهر ~~النص (¬2) - فلم يكن العمل بحقيقة الدليل المعرف (¬3) للمشروعية أولى من ~~العمل بحقيقة النهي في المحل المضاف إليه؟: لأن فيه عملا بحقيقة دليل ~~المشروعية في هذه الأيام، وعملا بحقيقة النهي أيضا, لأن النهي عن الغير ~~يكون نهيا بطريق الحقيقة, لأن إضافة النهي إلى الشيء، ويراد به الغير ~~المجاور له، يكون بطريق الكناية، كذكر الغائط ويراد به الحدث لمجاورة (¬4) ~~بينهما عادة. والكناية تكون بطريق الحقيقة - يقال: "إياك أعني واسمعي يا ~~جارة" وقال قائلهم: # وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها فأصارح # وقذور اسم المرأة: فأخبر أنه يذكر اسم غيرها مكان اسمها كناية عنها في ~~بعض الأحوال (¬5)، وفي بعض الأحوال يذكر اسمها صريحا، وتغير محل الإضافة في ~~الكناية شرطها، إذ لو لم يتغير يكون صريحا، فلا يعد من باب التغير، أما لو ~~لم يعتبر الصريح ويعتبر الكناية يكون تغيرا. ولكن الكناية حقيقة كالصريح. ~~ولهذا قلنا: إن كنايات الطلاق عاملة بحقائقها (¬6). # وإذا كان كذلك تبين أن فيما قلنا عملا بحقيقة الدليلين، وهو (¬7) أولى من ~~العمل بدليل واحد وترك العمل بالآخر. # والثاني - إن كان هذا بطريق المجاز: ولكن المجاز (¬8) نسخ حقيقة PageV01P247 # الكلام، وفيما قلتم نسخ حقيقة المشروعية (¬1)، ونسخ حقيقة (¬2) الكلام ~~أسهل، وهو طريق مستعمل سائغ بين أهل اللغة، وعدوه (¬3) من جملة الفصاحة ~~والبلاغة. # فإن قالوا: فيما قلنا تخصيص هذه الأيام عن دليل عام لمشروعية الصوم في ~~جميع الأيام، فلا يكون نسخا, لأنه يتبين أنه لم يكن مشروعا، ولم يكن داخلا ~~تحت النص العام - إلا أنا (¬4) نقول: # -[أولا] إن مشروعية الصوم في هذه الأيام إن (¬5) كانت ثابتة بدليل خاص ~~فهو (¬6) نسخ، وإن كانت ثابتة بدليل عام، ودليل الخصوص متأخر (¬7)، فهو نسخ ~~أيضا في قول أكثر مشايخنا. وإن كان بيانا، فهو خلاف ظاهر العموم، ويصير ~~مجازا في الباقي عند البعض مع جواز أن يكون من باب النسخ، حتى لو حمل ~~[الأمر] (¬8) عليه ms108 جاز، فأما جعل الصريح كناية فهو أدنى تغيرا، فكان الحمل ~~عليه أولى وأحق (¬9). # - والثاني: إن النسخ أمر ضروري، وإنما يصار (¬10) إليه إذا لم يمكن حمله ~~على المجاز. فأما متى أمكن فلا يصار إليه, لأن المقصود من الكلام PageV01P248 # هو الحكم إلا إذا قام الدليل، أعني دليل الإجماع (¬1)، على النسخ، فحينئذ ~~يحمل عليه - والله أعلم. # * * * # ومن حق هذا الفصل الاستقصاء (¬2) لتردد أهل الأصول فيه، وبيان الصحيح من ~~الفاسد، ووجوه الاعتراضات على ما لا تراه (¬3) معتمدا عليه من الأقوال. ~~ولكن هذا المختصر لا يقبل إلا هذا القدر (¬4)، وفيه طول أيضا (¬5)، وفي ~~الشرح يستقصى ذلك كله (¬6) - بتوفيق الله تعالى. ### |||| AUTO فصل في الخبر # (¬7) # الكلام فيه في ثلاثة (¬8) مواضع: # في بيان حد الخبر وحقيقته. # وفي بيان أقسامه. # وفي بيان حكمه. # ونذكر حده، وأقسامه، في باب الأخبار (¬9) إن شاء الله تعالى. # ونبين ههنا حكم الخبر، فنقول: # إن (¬10) خبر الله تعالى وخبر الرسول عليه السلام حجة ودليل على PageV01P249 # حكم الله تعالى، من الفريضة والواجب والحلال والحرام ونحوها - لما عرف أن ~~الموجب للأحكام هو الله تعالى، وصيغ (¬1) الأمر والنهي والخبر دلالات عليها ~~لكونها غيبا (¬2) عن العباد، وذلك نحو قوله تعالى: "كتب عليكم القصاص في ~~القتلى" (¬3). وقوله تعالى (¬4): "كتب عليكم الصيام" (¬5). وقوله تعالى ~~(¬6): "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" (¬7). وقوله تعالى: ~~"حرمت عليكم أمهاتكم ... (الآية) ". وقوله تعالى (¬8): "حرمت. عليكم الميتة ~~والدم ... (الآية) " (¬9). وقوله تعالى (¬10): "وأحل الله البيع وحرم الربا ~~... (الآية) " (¬11)، ونحو ذلك. وقال عليه السلام: "حرمت عليكم (¬12) الخمر ~~لعينها". وكذا خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى (¬13) ~~أمركم بكذا ونهاكم عن كذا. أو قال - صلى الله عليه وسلم - (¬14): "هو واجب ~~عليكم" أو قال - صلى الله عليه وسلم - (¬15): "هذا (¬16) حرام عليكم". PageV01P250 # وهذا لأن خبر الله تعالى وخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (¬1) صدق ~~محض، فيثبت به المخبر به، من الحل والحرمة، والوجوب ونحوها: قطعا إن ثبت ~~الخبر بدليل مقطوع به. ويثبت من حيث الظاهر إن ثبت بدليل من حيث الظاهر - ~~على ما يعرف إن شاء الله تعالى. ms109 # فصل: # ثم الحرمة والحل ونحوهما (¬2) إذا أضيف إلى الأعيان هل يكون وصفا للأعيان ~~بطريق الحقيقة أو يوصف بهما (¬3) مجازا؟ # بعضهم قالوا (¬4): يوصف بهما (¬5) مجازا، وإنما الحرمة والحل (¬6) ~~والوجوب أوصاف الفعل في حق أهل التكليف، فيجب (¬7) عليهم تحصيل الواجب ~~والامتناع عن الحرام، ورفع الحرج في حق مباشرة الحلال - وهذا لا يتحقق في ~~حق الأعيان، وبه قال أهل الاعتزال. # وقال مشايخنا بأنها تكون أوصاف الأعيان كما تكون أوصاف الأفعال، فيوصف ~~المحل (¬8) بكونه حلالا لصيرورته محلا للحل (¬9) شرعا، ويوصف بالحرمة ~~لخروجه من أن يكون محلا له شرعا (¬10). ومتى أمكن العمل PageV01P251 # بحقيقة الإضافة إلى الأعيان، فلا معنى لإضمار الفعل، كأنه قال تعالى ~~(¬1): "حرمت عليكم نكاح أمهاتكم" أو "وطأهن والاستمتاع (¬2) بهن"، وكأنه ~~(¬3) قال تعالى (¬4): "حرمت عليكم أكل الميتة" وكأنه جل وعلا (¬5) قال: ~~"أحل لكم أكل الطيبات" إذ الإضمار ضروري يصار إليه (¬6) عند استحالة العمل ~~بظاهر اللفظ، كقوله تعالى: "واسأل القرية .. (الآية) " (¬7) ونحو ذلك. ولأن ~~الحرمة عبارة عن المنع فيوصف الفعل بالحرمة على معنى أنا منعنا عن اكتساب ~~ذلك الفعل وتحصيله، فيصير الفعل ممنوعا عنا تحصيلا واكتسابا - فكذا معنى ~~حرمة العين: أن العين منع عنا، تصرفا فيه، فيكون ممنوعا عنا، وذلك نظير ~~الحماية في الأعيان، في قال: "فلان في حماية فلان" أى صار محميا بحيث صار ~~ممنوعا عن كل قاصد (¬8)، لحرمة الحامى وإنه (¬9) وصف له حقيقة. وجاء في ~~الحديث في حق النحل أن صاحبها قال: "يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم -: ~~احمها لي"، فحماها له (¬10)، وأوجب العشر في عسلها، وأثر ذلك في خروج العين ~~عن محلية تصرف الغير فيه. ومنه تحريم السلطان الكلأ على (¬11) العامة ~~وحمايتها لدوابه، حتى جاء المنع عن ذلك (¬12) شرعا بقوله PageV01P252 # عليه السلام: "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، وإلى هذا ~~المعنى أشار النبي- صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "ألا إن لكل ملك حمى وإن ~~حمى الله تعالى (¬1) محارمه، فمن حام حول الحصى يوشك أن يقع فيه". # وإنما أنكرت المعتزلة حرمة الأعيان احترازا عن مناقضة مذهبهم الفاسد (¬2) ~~في نفي خلق أفعال ms110 العباد عن الله تعالى، بقولهم إن منها ما يوصف بالقبح ~~والحرمة، مثل الكفر و (¬3) المعاصي، ولا يجوز نسبة خلق القبيح (¬4) إلى ~~الله تعالى، فيلزمهم خلق الأعيان القبيحة المستقذرة من الأنجاس والجعلان ~~(¬5) والخنافس والقرود (¬6) والخنازير ونحوها، فأنكروا (¬7) وقالوا: إنها ~~ليست بقبيحة، وأنكروا المحسوس و (¬8) الثابت ببدائه العقول، فأنكروا (¬9) ~~حرمة الأعيان حتى لا توصف (¬10) بالقبح، فإن (¬11) كل محرم يكون موصوفا ~~بالقبح. # وعندنا الأعيان نوعان: قبيحة وحسنة. كالأفعال نوعان: حسنة وقبيحة. ونوع ~~متوسط في الأعيان والأفعال لا ينفر عنها الطباع ولا تميل إليها فتوصف (¬12) ~~بالحل والإباحة - والله المستعان. PageV01P253 ### |||| AUTO فصل في العام # (¬1) # الكلام في العام في أربعة مواضع: # في بيان العام لغة. # وفي بيان حد العام وحقيقته عند الفقهاء وأهل الكلام. # وفي بيان أقسامه. # وفي بيان حكمه، وما يتصل (¬2) به من المسائل. # أما بيان العام لغة: # فهو مشتق من العموم، وهو مستعمل في معنيين (¬3): في الاستيعاب، وفي ~~الكثرة والاجتماع - يقال مطر عام وخصب عام إذا عم الأماكن كلها أو عامتها. ~~ومنه عامة الناس لكثرتهم. وكذا القرابة إذا توسعت وكثرت أشخاصها تسمى (¬4) ~~قرابة العمومة (¬5). # وأما بيان حد العام وحقيقته: # فقد تكلموا فيه بألفاظ مختلفة المعاني. وقبل أن نذكرها نبدأ بذكر مسألتين ~~اختلف أهل الأصول فيهما، وبمعرفتهما (¬6) يعرف ما نذكر من حد العام أنه على ~~الاتفاق أو على الاختلاف. PageV01P254 # - إحداهما، أن المعاني هل لها عموم أم لا؟ مع اتفاقهم أن الألفاظ لها عموم. # فقال الجصاص (¬1) وأكثر من قال بتخصيص العلة: إن المعاني لها عموم - فإنه ~~يقال عمهم الخصب والجدب (¬2) وعمهم المطر إذا كان هذا المعنى عاما في عامة ~~البلاد. ويقال علة عامة إذا ثبت حكمها في المنصوص عليه وفي غيره. ولهذا ~~جوزوا تخصيص العلة لعمومها، كما يجوز تخصيص النصوص العامة (¬3) بالإجماع. # وقال بعضهم: إن المعاني لا عموم لها, لأن المعنى واحد، وإنما كثرت محاله، ~~أو يكون في كل محل معنى على حدة، وكل واحد غير الآخر، ولكن (¬4) من جنسه. ~~وقولهم (¬5): عم الخصب والمطر فهو (¬6) مجاز لكثرة محال ذلك المعنى. # - والمسألة الثانية، أن شرط العموم الاستغراق ms111 (¬7) والاستيعاب (¬8) أو ~~الإجماع لا غير؟ # فعند الجصاص وأكثر مشايخ ديارنا هو الاجتماع والكثرة دون الاستيعاب. # وقال مشايخ العراق (¬9): من شرطه الاستيعاب. PageV01P255 # إذا ثبت هذا نذكر المشهور من (¬1) ألفاظ الفقهاء (¬2) في حد العام. # - قال الجصاص (¬3): العام ما ينتظم جمعا من الأسماء أو المعاني أى العام ~~شيء يشمل الأشياء وينتظمها. والشامل نوعان: لفظ عام ويشمل المسميات كالرجال ~~والنساء، أو المعنى الذي يعم المحال والأشخاص ويشملها كالخصب والجدب إذا ~~شملا الناس - بناء على أصله: أن المعنى له مموم، كاللفظ سواء. # - وذكر القاضي الإمام (¬4) أبو زيد رحمة الله عليه (¬5) وقال: العام (¬6) ~~ما ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى. وفسر الأسماء بالتسميات (¬7)، فإنه ~~قال: هو كلفظ الشيء: إنه اسم لكل موجود، ولكل موجود اسم من الأرض والسماء، ~~والمك والآدمي والجن ونحوها. وفسر المعنى: إذا عم الأعيان، نحو المطر العام ~~ونحوه، أي لفظا ينتظم معنى عاما - تقول: مطر عام؛ لأنه يعم الأمكنة (¬8) ~~حلولا، لا أنه اسم جنس تحته أنواع لها أسماء، فيكون لفظ المطر يعمها. PageV01P256 # - وذكر مشايخنا ما ذكره القاضي الإمام (¬1) أبو زيد رحمه الله وفسر ~~الأسماء بالمسميات وقال: العام ما ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى. أى ~~(¬2) ما يتناول جمعا من المسميات لفظا كلفظ الجماعة من الرجال والنساء ~~والبلاد والعباد، أو ما يتناول جمعا من المسميات معنى كلفظ الفرد الذي أريد ~~به الجمع نحو جن وإنس وكل وما ومن ونحوها. # وكل منهم من ذكر مفسرا فقال: العام ما ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى. # هذه عبارات من شرط للعموم الاجتماع دون الاستيعاب. # فأما (¬3) عبارات من شرط الاستيعاب: # - قال بعضهم: العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له. # - وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول (¬4) لجميع ما هو صالح له. # - وقال بعضهم: هو اللفظ المتناول لجميع ما وضع له. # وبعضه قريب من بعض. # وذكر أبو جعفر الخباز (¬5) السمرقندي: العام هو اللفظ المستولي على أعيان ~~جنسه المستدعي لمسمياته إلى نفسه. PageV01P257 # وأما عبارات أصحاب الحديث: # - ذكر عن الأشعري (¬1) أنه قال: العام هو اللفظ المتناول لشيئين فصاعدا. # - وبعض ms112 أصحاب الشافعي قال: العام كل لفظ اشتمل على مسميين فصاعدا. # - وزاد بعضهم: العام هو اللفظ الواحد الدال من جملة (¬2) واحدة على شيئين ~~فصاعدا. # وفي هذه الحدود نظر، وفي بيان وجوه الفساد فيها، تطويل لا يقبله هذا (¬3) ~~المختصر، وهو في الشرح مشروح. # والحد الصحيح للعام (¬4): # - على مذهب من شرط الجمع دون الاسته هاب أن يقال: العام هو اللفظ المشتمل ~~على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ بحروفه لغة. # - وعلى المذهب الثاني: العام هو اللفظ المستغرق لأفراد متساوية في قبول ~~المعنى الخاص الذي وضع له اللفظ بحروفه لغة. # وقولنا: اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الذي وضع له ~~اللفظ (¬5) لغة - احتراز عن قولنا: "إنسان" فإنه لفظ (¬6) مشتمل على أفراد PageV01P258 # وأعضاء لكن كل فرد لا يقبل المعنى الذي وضح له اسم "الإنسان" (¬1). # وقولنا: المعنى الخاص - احتراز (¬2) عن الاسم المشترك (¬3) بلفظ الجمع ~~كقولنا "العيون" فإنه كل مشتمل على أفراد مختلفة المعنى، فإن العين قد يراد ~~به العين الباصرة والركية (¬4) والشمس والصامت (¬5) ونحو ذلك. ومعانيها ~~مختلفة حتى إذا تساوى الأفراد في قبول كل معنى منها خاص، فالاسم (¬6) في حق ~~ذلك عام كقولنا "قرت العيون". # وقولنا: المعنى الخاص الذي وضح له اللفظ (¬7) لغة - فإن في قولنا "إنسان" ~~وجود الاشتمال على أفراد متساوية في قبول معنى الوجود والشيئية ومعنى ~~الجزئية والبعضية ولا يكون عاما, لأن هذه المعاني ليست مما وضح له لفظ ~~"الإنسان" لغة (¬8). # وقولنا: بحروفه - احتراز عن لفظ الرجال وكل لفظ موضوع للجمع. فإن لفظ ~~الرجال وضح في اللغة لمعنى الجمع وكل فرد من أفراد الرجال لا يقبل معنى ~~الجمع فلا يسمي، كل فرد (¬9) رجالا، ولفظ الرجال اسم عام PageV01P259 # فلا ينعكس الحد، والشرط (¬1) صحة الحد الاطراد والانعكاس جميعا، لأنا ~~قانا: العام هو اللفظ المشتمل على أفراد متساوية في قبول المعنى الخاص الذي ~~وضع له اللفظ (¬2) بحروفه لا بصيغته، ولفظة الرجال ما وضعت دلالة على معنى ~~الجمع بحروفه، بل وضعت دلالة على معنى الجمع بصيغته، فلا يكون لازما على ما ~~قلنا ms113 - والله أعلم (¬3). # - وقال بعض الفلاسفة في حد العام: هو اللفظ المشتمل على مسميات متفقة ~~الحدود. وإن شئت قلت: المشتمل على أفراد أو أشياء متفقة الحدود. # وهذا حد صحيح، وهو أوجز من الأول. # - وإن شئت قلت: اللفظ الموضوع لأفراد بمعنى واحد - و (¬4) هذا أصح. والله أعلم. # وأما بيان أقسام العام - فنقول: # اللفظ العام عند من شرط للعموم (¬5) الاجتماع دون الاستيعاب، على قسمين: # أحدهما - عام بنفسه وضعا. # والثاني - عام بغيره في الوضع أيضا. PageV01P260 # والأول قسمان: # [أحدهما]- عام بصيغته (¬1) وبمعناه (¬2)، كقولنا: رجال ونساء ومسلمون ~~ومسلمات. # والثاني - عام بمعناه دون صيغته، كقولنا: إنس وجن وقوم وما ومن ونحو ذلك. ~~وكذا كل لفظ فرد دل على مطلق الجمع في أسماء الأعيان، وكالمصدر في أسماء ~~الأفعال، كقول الرجل لامرأته: "أنت طالق طلاقا" ونحو ذلك، حتى يصح نية ~~الثلاث - قال (¬3) الله تعالى: "لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا" (¬4): وصف المصدر، وهو الثبور، بالكثرة. # ومن شرط عموم هذا النوع أن يتناول جماعة الأفراد من حيث مطلق الجمع من ~~غير تعرض لعدد معلوم بل يتناول الثلاثة فصاعدا، كقولك: "رأيت رجالا" يحتمل ~~الثلاثة والعشرة والألف وأكثر من ذلك من حيث إنه جمع لا من حيث إنه عدد ~~معلوم، إلا (¬5) أنه إذا تعلق به حكم شرعي ولم يكن له نية، يقع على الثلاثة ~~لأنه أقل الجمع، والأقل متيقن بأن قال "لفلان علي دراهم (¬6) ". # فأما اللفظ إذا تناول عددا معلوما بنفسه وضعا، فهو (¬7) ليس بعام، PageV01P261 # بل هو اسم خاص كالذود: اسم للابل من الثلاثة إلى التسعة (¬1)، وكأسماء ~~الأعداد نحو العشرة والتسعة والثمانية ونحوها، فإنه يتناول الأفراد من ~~العدد بطريق التضمن، لا بطريق العموم, لأنه اسم موضوع لعدد معلوم لا يدل ~~بصيغته وحروفه إلا على هذا العدد، حتى إذا انتقص واحد من العشرة يتبدل (¬2) ~~الاسم من العشرة إلى التسعة (¬3). وإذا زيد عليها واحد يبطل اسم العشرة ~~ويحدث له اسم آخر (¬4) وهو أحد عشر, لأن علة استحقاق هذا الاسم هو هذا ~~القدر المعين، وعند الزيادة والنقصان يبطل علة استحقاق الاسم، فيبطل الاسم، ~~بخلاف ms114 صيغة الجمع: فإن العلة فيها هو مطلق الاجتماع الزائد على التثنية، ~~وذلك باق بعد الخصوص، حتى لو لم يبق بعد الخصوص تحته (¬5) إلا واحد أو ~~اثنان فيبطل الاسم العام أيضا، فهو (¬6) الفرق بينهما. # وأما النوع الآخر -[و] هو ما كان عاما بغيره، فهو على قسمين: # أحدهما - ما يكون في نفسه مفهوما بدون القرينة. # والثاني - ما لا يكون مفهوما بدون القرينة. # [الأول] (¬7): PageV01P262 # فأما الذي يكون مفهوما بدون القرينة، فهو على قسمين (¬1) أيضا: # أحدهما - ما يكون خاصا قبل دخول القرينة ثم يصير عاما ولى خول القرينة ~~(¬2). كقولك "إنسان" و"رجل" إذا (¬3) دخلهما لام التعريف. فقبل دخول ~~القرينة يراد به رجل واحد أو (¬4) إنسان واحد. وبعد القرينة يصير عاما (¬5) ~~متناولا للجنس، لكن لمطاق الجنس أو لكل الجنس؟ فعلى ما نذكر من الاختلاف. # والثاني - ما يكون عاما متناولا للجمع المطلق ثم يزداد (¬6) عموما، بدخول ~~لام التعريف كقولك "رجال" يدل على جمع مطلق من الذكور البالغين. وعند دخول ~~اللام يزداد العموم، فيصير للاستيعاب أو لمطلق الجنس على الاختلاف الذي ~~نذكر، ويبطل معنى الجمع. # وأما على قول من شرط الاستيعاب للعموم: فقبل دخول اللام فيه (¬7) لا نقول ~~هكذا إلا لمطلق الجمع (¬8). وبعد دخول لام التعريف يصير للاستيعاب في صيغة ~~الفرد والجمع جميعا. # هذا قول عامة أهل الأصول وأهل النحو واللغة - ولكن بينهم (¬9) اختلاف ~~آخر. PageV01P263 # قال عامتهم (¬1): هذا إذا لم يكن ثمة (¬2) معهود. وأما (¬3) إذا كان ثمة ~~(¬4) معهود يصرف (¬5) إليه: # [ف] (¬6) قال بعض أهل التحقيق منهم: إنه يصرف إلى الاستيعاب واستغراق ~~الجنس (¬7) في الفصلين، إلا إذا كان لا يمكن لقيام الدليل الزائد. # وقال أبو علي الفسوي (¬8) من النحويين في لفظ الجمع والفرد إذا دخله لام ~~التعريف: إنه ينصرف إلى مطلق الجنس لا إلى كل الجنس. # وهو قول أبي هاشم (¬9) من المعتزلة في قول. # وفي قول عنه: فرق بين الاسم الفرد والجمع، فقال: في الفرد يصرف إلى مطلق ~~الجنس من غير استيعاب، وفي لفظ الجمع يحمل على مطلق PageV01P264 # الجمع، ويتناول الثلاثة فصاعدا، ولا يبطل فيه معنى الجمع (¬1) ولا يحمل ms115 ~~على الاستغراق إلا بدليل وراء لام التعريف من [الرمز] (¬2) ونحوه. # وقال (¬3) صاحب "المعتمد" من المعتزلة: إن اللام إذا دخل على الفرد يكون ~~لمطلق الجنس دون الاستيعاب، وإذا دخل على الجمع يوجب الاستغراق إلا بدليل (¬4). # وقال القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله بأن اللام (¬5) إذا دخل على الفرد ~~يصير للجنس، وكذا إذا دخل على لفظ الجمع يبطل معنى الجمع ويصير للجنس إلا ~~أن اسم الجنس يتناول الكل بطريق الحقيقة، وللأدنى (¬6) بطريق الحقيقة أيضا، ~~لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى، وهو الواحد. # وفي ذكر شبهات كل فريق وحلها كلام كثير يعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. # ونذكر حجة القول الصحيح، وهو قول العامة، وهو: الاستدلال باستعمال أهل ~~اللغة، والاستدلال بإجماع أئمة اللغة، والاستدلال بالعقول اللغوي: # - أما الأول: فهو مستعمل في الكتاب والسنة: # قال الله تعالى: "يا أيها الناس" في مواضع (¬7) وأراد به كل الجنس لا ~~ثلاثة كل منهم، ولا مطلق الجنس. PageV01P265 # وقال الله تعالى (¬1): "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة" (¬2) ~~والمراد من منوع كله لا ثلاثة منهم. # وقال الله تعالى (¬3) في اللفظ الفرد: "والنخل باسقات لها طلع نضيد" (¬4) ~~والمراد به استيعاب الجنس. # وقال الله تعالى (¬5): "وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا" (¬6) والمراد من كل واحد منهما جنسه لا فرد مخصوص. # وقال الله تعالى (¬7): "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا" (¬8) ~~والمراد به ظاهرا هو الجنس كله لا الفرد - ألا يرى (¬9) أنه تعالى استثنى ~~منه المؤمنين (¬10) واستثناء (¬11) الجمع من الفرد لا يتحقق. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬12): "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل ~~(الحديث) " (¬13) والمراد من اسم كل شيء من الأشياء الستة المذكورة في ~~الحديث الجنس بكماله لا واحد منها. PageV01P266 # ويقال في عرف اللسان: # "كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس" والمراد به الجنس دون درهم ودينار. # ويقال: "أهلك الناس الدرهم والدينار" ويقال: "أهلك الناس اللبن" والمراد ~~به الجنس لا الفرد. # ويقال: "الفرس أعدى من الحمار" و"الأسد أقوى من الذئب" والمراد به (¬1) ~~كل الجنس لا الفرد. # - وأما إجماع أئمة (¬2) اللغة: # فإنه ms116 سمى بعضهم هذه اللام "لام الجنس (¬3) ". # وسمى بعضهم اللام "الموضوعة للجنس". # ونص الزجاج (¬4) أن الإنسان في قوله تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسر" ~~بمنزلة قوله تعالى: إن الناس. # وعن ابن السراج النحوي (¬5) أنه قال: إن عند تعارض جهتي العهد والتجنيس، ~~الصرف إلى الجنس أولى. PageV01P267 # وعن الفرا (¬1) أنه قال: إن العرب يقولون: ما كان من السباع غير مخوف - ~~وهذا (¬2) الأسد مخوفا ويريدون بقولهم "الأسد" الجنس (¬3) دون الفرد منها. # ومتى ثبت إجماع أئمة (¬4) أهل الأدب على هذا فمخالفة (¬5) أبي علي الفسوي ~~لا تقدح في إجماع من تقدم من الكبار ويجب حمل قوله على الرجوع. # - وأما المعقول اللغوي فوجهان: # أحدهما: أن هذه اللام موضوعة للتعريف، فلا بد من (¬6) أن يحصل بها تعريف ~~لم يكن حاصلا قبل دخولها فيه، حتى يفيد ما وضع له، ويكون ذلك التعريف من ~~موجباته. فأما تعريف كان حاصلا قبله فلم يكن من موجباته. ثم إذا قيل "جاءني ~~رجل" حصل العلم للسامع بكون الجائي آدميا ذكرا جاوز حد الصغر، فعرف جنسه ~~ونوعه وذكورته [و] بقي PageV01P268 # ذاته مجهولا. وكذا إذا قيل (¬1) "جاءني رجال" علم جنسهم ونوعهم واجتماعهم ~~في المجيء، وبقي الذوات مجهولة لم يحصل العلم بأعيانهم. # ثم إذا دخلت اللام فيه وثم معهود يحصل تعريف الذات بسابقة ذلك العهد، ~~فحصل تعريف لم يكن قبله حاصلا، فعملت اللام عملها. وعند انعدام العهد لا ~~يحصل تعريف الذوات إلا وأن تصرف إلى كل الجنس، حتى يعلم أن كل واحد من ~~الجنس مراد بهذا اللفظ. فأما متى صرف إلى مطلق الجنس، لم تصر الذوات معلومة ~~وما وراء الذوات من كون المذكور من أي جنس كان، ووصف المذكورة (¬2) والبلوغ ~~معلوم (¬3) بدون اللام، فكان (¬4) الحمل عليه إلغاء لفائدة اللام، وصار ~~وجودها كعدمها، وذلك إبطال وضع اللغة. # والثاني: أن اللام إن كانت في موضع العهد أوجبت دخول جميع أفراد المعهود، ~~بأن كان المتكلم في ذكر رجال بين يدي سامع ثم قال: "جاءني الرجال"، عقل ~~السامع منه جميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بصرف الاسم إليه من البعض، ولا يحمل ms117 ~~على ثلاثة منهم أو ما ينطلق عليه اسم الرجال (¬5). # وكذا إذا لم يكن ثمة (¬6) معهود ودخلت (¬7) على الجنس: يجب أن يراد به كل ~~الجنس, لأن الجنس هو المتعارف إذا لم يكن ثمة (¬8) معهود، PageV01P269 # فإن الخصوم اتفقوا أن عند انعدام العهد يصرف إلى الجنس، والمعنى الجامع ~~أنه ليس البعض بأولى (¬1) من البعض، بدون دليل مرجح في المعهود، فينصرف إلى ~~كل المعهود. وهذا المعنى موجود في الجنس [ف] يجب أن يصرف إلى كله إلا بدليل ~~مرجح - والله أعلم. # ومن هذا القبيل: النكرة في موضع الإثبات: # وهي تخص ولا تعم عند عامة أهل الأصول. # وقال بعضهم: تعم من حيث الصلاحية. # وقالت المعتزلة: تعم على طريق البدل، كما قالوا في الأشياء الثلاثة في ~~الكفارة. # والصحيح قول العامة: # - لأن قوله: "رأيت رجلا"، فرد من حيث الصيغة، ولم يقترن به ما يوجب ~~التعميم، فلا يدل على العموم: هو الأصل. # - وما ذكروا من عموم الصلاحية لكل واحد من الجملة فسلم، ولكن (¬2) الكلام ~~في عموم الأعيان. وفي قوله تعالى: "فتحرير رقبة" (¬3) لا يراد به في كل حنث ~~إلا وجوب (¬4) تحرير رقبة واحدة مع عموم صلاحية الرقاب للوجوب. # - وما ذكروا من العموم على سبيل البدل: إن عنوا به أن كل واحد من الجملة ~~يكون في الصلاحية بدلا عن صاحبه، والداخل تحت اللفظ واحد PageV01P270 # منهم - فهو (¬1) قولنا. وإن عنوا أن اللفظ يتناول الكل على سبيل الإجتماع ~~والشمول - فهو (¬2) ليس قولهم (¬3)، وهو فاسد, لأن الصيغة فرد، والفرد لا ~~يتناول العدد إلا بقرينة تدل (¬4) على العموم، ومن ادعى خلاف الظاهر فعليه ~~الدليل (¬5). # ومن هذا القبيل النكرة في موضع النفي: # وهي عامة بطريق الضرورة. وهي نوعان: # أحدهما - أن كلمة النفي تدخل على الفعل الواقع على النكرة كقولك: "ما ~~رأيت رجلا" فإن كلمة النفي تدخل على الرؤية. # والثاني - أن يدخل كلمة النفي على الاسم المنكر، كقول القائل: "لا رجل في ~~الدار". # وفي الوجهين جميعا يثبت النفي على العموم بطريق الضرورة، فإنه إذا قال: ~~"ما رأيت رجلا في هذا اليوم" (¬6) - أخبر عن انتفاء رؤية رجل ms118 واحد منكر غير ~~عين. ومن ضرورة انتفاء رؤية واحد غير عين من الرجال انتفاء رؤية جميع رجال ~~العالم, لأنه لو رأى رجلا واحدا عينا يصير كاذبا في خبره، فيتعمم بطريق ~~الضرورة، بخلاف المعرف بأن قال: "ما رأيت اليوم زيدا" لا يوجب انتفاء رؤية ~~غيره, لأنه نفى رؤية ذات معين، فلو رأى غيره لا يكون كاذبا في خبره. PageV01P271 # وكذا في النكرة الموصوفة بأن قال: "ما رأيت رجلا عراقيا أو بخاريا" لا ~~يعم في (¬1) غير هذا الموصوف, لأنه لو كان (¬2) رأى رجلا غير موصوف بهذا ~~الوصف، لا يكون كاذبا في هذا الخبر، ولكن يوجب انتفاء الموصوف, لأنه لو رأى ~~رجلا عراقيا، يكون كاذبا في خبره (¬3). # وكذلك إذا قال: "لا رجل في الدار" يقتضي نفي واحد من جنس الرجال غير عين، ~~ومن ضرورته نفي الكل حتى لا يكون كاذبا في خبره. # ومن هذا القبيل أيضا (¬4) كلمة "كل" إذا دخل على الاسم الفرد (¬5). وهو نوعان: # - إما أن يدخل على فرد منكر. # - أو على فرد معرف. # [ف] إن دخل على فرد منكر -[فإنه] يوجب العموم، قال الله تعالى: {كل نفس ~~ذائقة الموت} (¬6)، والموت (¬7) تعم النفوس كلها. وقال تعالى (¬8): {كل نفس ~~بما كسبت رهينة} (¬9) وهي عامة. ويقول PageV01P272 # الرجل: "أكلت كل رغيف في هذا البيت" يتناول جميع الرغفان الموجودة في البيت. # وأما إذا دخل على الفرد المعرف، بأن قال: "أكلت كل هذا الرغيف" [فإنه] ~~يتناول كل هذا الرغيف المعرف دون غيره. # والمعنى فيه أن (¬1) كلمة "كل" وضعت للإحاطة في اللغة: فإن دخل على ~~النكرة يحيط بجميع الأفراد من جنسها، ومن ضرورته العموم. وإذا دخل على ~~الفرد العرف يقتضي إحاطة أجزائه لا غير، فيوجب عموم أجزائه، لا عموم أفراد ~~الرغفان. # [الثاني]: # وأما الذي هو عام بغيره، ولا يكون مفهوما بنفسه، [ف] نحو كلمة "من" و"ما" ~~و"الذي" و"حيث" و"أين" ونحوها - وتسمى هذه الأسماء أسماء مبهمة وأسماء ~~موصولة, لأنها لا تفهم بذواتها (¬2)، وإنما تفهم بصلاتها الداخلة عليها، ~~فيصير الكلمة المبهمة مع صلتها ككلمة (¬3) واحدة. قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم ms119 -: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فيعم بعموم صلته, وهو الدخول، ~~كأنه قال: الداخل في دار أبي سفيان آمن. # إذا ثبت هذا نقول: إن كلمة "من" هل (¬4) تدخل في جميع الموجودات أو يختص ~~تناوله البعض؟ فأهل (¬5) اللغة والنحو قالوا: إن كلمة "من" تدخل في ذوات من ~~يعقل لا غير. وكلمة "ما" يستعمل في ذوات ما لا PageV01P273 # يعقل، وصفات من يعقل - يقول الرجل: "من في هذه الدار؟ " وجوابه (¬1): زيد ~~وعمرو ومحمد. حتى لو قال: فرس أو حمار أو شاة، يكون مخطئا في الجواب. وأما ~~كلمة "ما" [ف] تستعمل في ذوات ما لا يعقل حتى لو قال (¬2): "ما في هذه ~~الدار؟ " فيقول: زيد وعمرو، يكون مخطئا. ولو قال: فرس أو حمار أو متاع، ~~يكون مصيبا. ولكن يستعمل في صفات من يعقل - يقول الرجل: "ما زيد؟ " فجوابه: ~~إنه عالم أو خياط (¬3) أو نساج أو صحيح أو مريض، لكن قد يستعمل في الكلام ~~كلمة "ما" مكان كلمة "من" وكلمة "من" (¬4) مكان كلمة "ما" و (¬5) لكن ذلك ~~بطريق الاستعارة - وما ذكرنا بيان الحقيقة (¬6). # ثم كلمة "من" تستعمل في ثلاثة مواضع: في الاستفهام، وفي الشرط والجزاء، ~~وفي الإخبار. # أما في الاستففام والشرط والجزاء، [ف] يعم لا محالة (¬7): # - تقول في الاستفهام: "من في هذه الدار؟ " و"من في هذه القرية؟ " وجوابه ~~(¬8) أن يقول: زيد وعمر ومحمد وخالد، ويعد من فيه (¬9) ممن يعقل. PageV01P274 # - وأما في الشرط والجزاء، [ف] قال الله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (¬1). وكذا قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬2) "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن": يعم كل داخل. # - وأما في الخبر، [ف] قد يكون عاما، وقد يكون خاصا - قال الله تعالى: ~~{ومن الشياطين من يغوصون له} (¬3) وهذا عام. وقال تعالى في موضع آخر (¬4): ~~{ومنهم من يستمع إليك} (¬5) وفي موضع آخر (¬6): {يستمعون إليك} (¬7). # والحاصل ما ذكرنا: أنها من الأسماء الموصولة، فيعتبر حالها بصلتها (¬8): ~~فإن كانت الصلة عامة يتعمم بعموم صلتها، وإن كانت خاصة يتخصص بخصوص صلتها. ms120 # هذا أصل كلمة "من" وسائر الأسماء الموصولة- والله أعلم، # ثم كلمة "من" في موضع الشرط والجزاء وفي موضع الاستفهام يعم عموم الأفراد ~~(¬9)، وفي الخبر عند عموم الصلة تعم عموم الاشتمال - بيانه أنه: # - إذا قال في موضع الشرط والجزاء: "من زارني أعطه درهما" فإذا زاره واحد ~~أو اثنان أو ثلاثة فصاعدا استحق العطية. PageV01P275 # - وأما في الخبر عند عموم الصلة نحو قوله تعالى (¬1): {ومن الشياطين من ~~يغوصون له} (¬2) - فالصلة أعني "يغوصون" صيغة الجمع، وإنها تتناول الثلاثة ~~فصاعدا لا ما دونها - ألا ترى أن الرجل إذا قال: "إن زارني رجال أعطهم ~~درهما" [ف] ما لم توجد الزيارة من الجماعة لا يستحقون العطية - بخلاف الشرط ~~والجزاء والاستفهام. # أما في الشرط والجزاء: [ف] إنما تعم عموم الانفراد ويتعلق الحكم بكل واحد ~~من آحاد الجنس, لأن بالناس حاجة إلى تعليق الحكم بكل واحد من آحاد الجنس. ~~ولو قال (¬3): "إن فعل فلان فله (¬4) كذا وإن فعل فلان فله كذا" يخرج عن حد ~~الإحصاء والحصر، ووقعوا في الحرج. فأقام (¬5) أهل اللغة كلمة "من" مقام ~~تكرار حرف "إن" فيتناول كل واحد منهم بانفراده. # - وكذا في الاستفهام: إذا كان في الدار رجل، فأراد (¬6) آخر أن يعلم الذي ~~هو (¬7) في الدار: # فإذا (¬8) قال: أزيد في الدار أو عمرو أو محمد أو أحمد؟ يطول الأمر، ~~فأقاموا كلمة "من" مقام تكرار حرف الاستفهام. ولو نص على تكرار حرف ~~الاستفهام (¬9) فإنه يعم عموم الانفراد - فكذا (¬10) هذا. PageV01P276 # والفقه في الشرط والجزاء (¬1) ما ذكرنا: أنها كلمة موصولة مفردة من حيث ~~الصيغة مبهمة (¬2)، وإنما تصير معلومة (¬3) بالصلة، فيصير الحاكم المتعلق ~~بها معتبرا بصلتها، فيصير كأنه قال: "الشخص الذي وجد منه كذا فله كذا" - ~~والله أعلم. # ثم كلمة "من" كما تتناول المذكور تتناول الإناث - قال الله تعالى: {ومن ~~يقنت منكن لله ورسوله} (¬4)، وقال عليه السلام: "من دخل دار أبي سفيان فهو ~~آمن": يتناول الرجال والنساء، ويقول الرجل: "من دخل من مماليكي الدار فهو ~~حر": يتناول العبيد والإماء جميعا (¬5) - عليه إجماع أهل اللغة. # ومن هذا القسم حروف أخر نحو "الذي" ms121 و "أين" (¬6) و"حيث" و"أي" ونحو ذلك - ~~يعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. # و (¬7) أما الكلام في حكم العام: # اختلف أهل الأصول في هذه المسألة على أقوال. وهم في الحاصل ثلاث فرق، ~~اختص كل فريق باسم خاص: أصحاب الوقف، وأصحاب الخصوص، وأصحاب العموم. PageV01P277 # أما أصحاب الوقف: # فهم (¬1) الذين توقفوا في حق العمل والاعتقاد جميعا، وهو مذهب ابن ~~الروندي (¬2) ومحمد بن شبيب (¬3) وعامة المرجئة وعامة الأشعرية. وإليه مال ~~أبو سعيد البردعي (¬4) من أصحابنا. وهم فريقان: # فريق قالوا: لا حكم للفظ ما، لمجرد (¬5) الصيغة، ما لم يقترن به قرينة، ~~بمنزلة الألفاظ المشتركة من القرء والعين والجارية ونحوها (¬6). # وقال بعضهم من أهل التحقيق: إن ألفاظ العموم في أصل وضع اللغة (¬7) ~~للعموم حقيقة، ولكن لكثرة استعمالها في الخصوص صارت مشتركة في عرف ~~الاستعمال. # وأما أصحاب الخصوص: # [ف] قالوا: يحمل على أخص الخصوص. فإن كانت صيغة فرد دخل فيها لام التعريف ~~يحمل على الواحد. وإن كانت صيغة جمع دخلها لام PageV01P278 # التعريف يحمل على الثلاثة. ولا يحمل على ما وراء ذلك إلا بدليل. وبه أخذ ~~أبو عبد الله الثلجي (¬1) من أصحابنا. # وأما أصحاب العموم: [ف] فريقان: # - فريق قالوا بوجوب العموم عملا واعتقادا، كأنه نص على كل فرد من أفراد ~~العموم. وهو مذهب مشايخ العراق من أصحابنا، مثل الكرخي (¬2) والجصاص (¬3)، ~~ومذهب أكثر (¬4) المتأخرين من ديارنا، مثل القاضي الإمام (¬5) أبي زيد (¬6) ~~رحمه الله، ومن تابعه. # وبه قالت عامة المعتزلة. # وذكر عبد القاهر البغدادي (¬7)، من أصحاب الحديث في كتابه، أن هذا مذهب ~~الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله وقدماء المتكلمين. # - وفريق من أصحاب الحديث قالوا بالعموم ظاهرا في حق الاعتقاد والعمل، لا ~~(¬8) قطعا. ورووا عن الشافعي. PageV01P279 # وقال مشايخ سمرقند، [و] رئيسهم الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي (¬1)، ~~رحمهم الله بأنه يوجب العموم عملا، ويعتقد فيه على الإبهام: أن ما أراد ~~الله تعالى منه من العموم والخصوص فهو حق. # وعلى قول مشايخ سمرقند: يصح التعليق بظواهر العمومات مع احتمال الخصوص، ~~وبحقيقة اللفظ الخاص مع احتمال المجاز في الشرائع والأحكام، لأنها ms122 توجب ~~العمل، والمراد من الشرائع (¬2) وجوب العمل، على قول أصحاب الخصوص، والوقف ~~لا يصح. # وجه قول الواقفية: # [الفريق الأول]: إن كون الصيغة موضوعة للعموم قطعا إما أن يعرف ضرورة، أو ~~نظرا، أو نقلا. # - والأول باطل، لأن الضروريات لا يجري فيها الخلاف بين العقلاء. وفي هذه ~~المسألة خلاف. # - والثاني باطل, لأن الحكم العقلي لا يحتمل التغير بحال، كالحركة: لما ~~كانت علة كون الذات القايم به متحركا لن يتصور قيام حركة بذات من غير ~~اتصافه بكونه متحركا. وقد وجدنا صيغة العموم ويراد بها الخاص، بل الأغلب في ~~الاستعمال (¬3) صيغة العموم في موضع الخصوص - دل أنه لم يكن بالنظر العقلي. # - والثالث باطل، فإن (¬4) النقل إما أن يكون بطريق التواتر أو بطريق ~~الآحاد. والنقل بطريق التواتر معدوم ههنا، لاختلاف العقلاء فيه، PageV01P280 # ولا يجري الخلاف في موضع التواتر، كما في معرفة البلدان النائية، والملوك ~~الماضية الثابتة تواترا، نحو مكة وبغداد، وهارون الرشيد، ومحمود بن سبكتكين ~~(¬1) ونحو ذلك - لم يبق إلا النقل بطريق الآحاد، وإنه لا يوجب العلم قطعا، ~~والمسألة قطعية لا عملية، ولأن أصحاب الخصوص يعارضون أنه ثبت، بالنقل ~~آحادا، أن صيغة العموم موضوعة للأقل (¬2)، ولا دليل مع قبول المعارضة. # و [الفريق] الثاني: إن كانت الصيغة موضوعة للعموم في الأصل، ولكن في عرف ~~الاستعمال يستعمل فيهما (¬3) على السواء، بل استعمالها في الخصوص أكثر، ~~والنصوص الواردة بلفظة العموم، في الزمان الذي صارت الصيغة مشتركة في ~~الاستعمال، فلا يعرف بها (¬4) إرادة العموم قطعا، بل الاحتمال قائم، فيبطل ~~(¬5) دعوى العموم قطعا مع قيام الاحتمال. PageV01P281 # وجه قول أصحاب الخصوص: # ما ذكرنا آنفا: أن الصيغة مشتركة في الاستعمال، فلا يجوز القول بالحكم مع ~~التعارض، ولا معارضة في تناول الواحد في اسم الجنس، والثلاث في اسم الجمع، ~~فيجب العمل عليه, لأن العمل باليقين واجب. # وجه قول أصحاب العموم: # إجماع الصحابة، وإجماع أرباب (¬1) اللغة، والمعقول: # - أما إجماع الصحابة رضىي الله عنهم (¬2) - فإنه روي عن علي رضي الله عنه ~~أنه قال: لا يجوز الجمع بين الأختين وطئا بسبب كملك اليمين، وقال: أحلتهما ~~آية ms123 وهي (¬3) قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم} (¬4) وحرمتهما آية، وهي (¬5) قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين ~~الأختين} (¬6)، فوقعت المعارضة، والأصل في الأبضاع (¬7) هو الحرمة، فيبقى ~~ما كان على ما كان، فتكون (¬8) الحرمة أولى احتياطا. وروي عن عثمان رضي ~~الله عنه أنه قال: تعارضت الآيتان، والأصل هو الحل بعد وجود سبب الحل، ~~فيترجح جانب الحل. فهما، مع اختلافهما في وجه الترجيح، اتفقا على كون ~~العموم حجة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكر عليهما أحد ~~منهم، فيكون إجماعا. PageV01P282 # - وأما إجماع أهل اللغة، فإنه نقل عنهم أنهم قالوا: الكلام ثلاثة أقسام: ~~وحدان (¬1)، وتثنية، وجمع - كقولنا: رجل ورجلان ورجال. وكذلك قالوا: إن ~~كلمة "من" عامة في ذوات من يعقل، وكلمة "ما" عامة في ذوات ما لا يعقل وصفات ~~من يعقل. # - وأما المعقول، وهو أن الأسماء وضعت أعلاما على المسميات، لحاجة الناس ~~إلى علم ما في ضمائرهم بدلالات تدل عليها (¬2)، ومعنى العموم مقصود عند ~~العقلاء، كمعنى الخصوص، وسائر المعاني من الأمر والنهي والاستخبار والخبر ~~وغير ذلك: يجب أن يكون له صيغة مخصوصة، كما لسائر المعاني. # وإذا ثبت أن صيغة العموم موضوعة له لغة: # فمشايخ العراق قالوا: يجب أن يكون حقيقة له, لأن الحقيقة اللغوية ما ~~وضعها أهل اللغة، ويجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يقوم الدليل على المجاز. ~~فمن حملها على الخصوص في الأصل فقد ادعى تغيير الوضع، وهذا باطل. ولأن ~~استعمالها في موضح العموم لما كان حقيقة، فكل من سمع لفظا عاما من الكتاب ~~والسنة يعتقد فيه العموم حملا له على الحقيقة، كمن سمع لفظ "الأسد" يحمله ~~على الحيوان المخصوص دون الرجل الشجاع إلا برقينة زائدة. ولو كان المراد ~~بالعموم الخصوص فقد اعتقد خلاف ما أراد الله تعالى. فكان ورود صيغة العام ~~على إرادة الخصوص، من غير قرينة، يدل على (¬3) توهم التلبيس على السامع ~~تعالى الله عن ذلك. فكان (¬4) هذا (¬5) الدليل العقلي، وغيره يدل على أنه ~~لا يجوز PageV01P283 # ورود العام ويراد به الخاص، ولا ms124 ورود الخاص ويراد به المجاز، من غير دليل ~~يفهم السامع مراد (¬1) الخطاب، ولأن الإرادة أمر باطن لا يقف عليها السامع ~~فيكون ساقط العبرة (¬2) في حق المخاطب، ويدار الحكم في حقه على اللفظ ~~المطلق الخالي عن القرينة، كما في الإخبار عن المحبة والبغض: أقيم مقام ~~الحقيقة، ويسقط اعتبار الحقيقة في حق الأحكام - فكذلك هذا (¬3). # ومشايخ سمرقند قالوا: إن الصيغة موضوعة للعموم في أصل الوضع، وكان في عرف ~~الاستعمال صارت مشتركة، والنصوص الواردة في الأحكام، في الوقت (¬4) الذي ~~صارت مشتركة، والترجيح في الاستعمال للخصوص. ولهذا لم نجد في القرآن صيغة ~~العموم يراد بها الاستيعاب إلا قليلة، نحو قوله تعالى: {والله على كل شيء ~~قدير} (¬5) وقوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} (¬6). # ولو (¬7) حمل مطلقها على العموم، فاحتماله اعتقاد الخطأ [فيه] قائم، [ف] ~~يجب القول بالتوقف (¬8) في الاعتقاد قطعا، والقول بوجوب العمل ظاهرا ~~احتياطا. ولأن شرط العموم عندكم هو خلو الصيغة عن قرينة إرادة الخصوص، فبم ~~(¬9) عرفتم خلوها عن القرينة (¬10)؟ PageV01P284 # [ف] إن قلتم: إن لفظ العام خال عنها (¬1) من حيث الحس (¬2) - فنقول: هذا ~~أن لو كانت القرينة باللفظ العام (¬3) هي المتصلة لا غير. وقد يكون منفصلة ~~من آية أخرى أو خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وإن (¬4) قلتم: لم يوجد - فالخصم يقول: لم قلتم إنه لم يوجد؟ أيش (¬5) ~~تعنون أنها لم توجد: [أ] عندكم أو عند غيركم؟. بل نعارض ونقول: بل (¬6) ~~وجدت عندي، فيكون تعلقا بعدم الدليل، وهو باطل. ولأن القرينة غير مقصورة ~~على اللفظية، بل قد تكون د لالة الحال، وقد تكون عقلية، وهذا مما لا يمكن ~~نفيها قطعا، بل احتمال الوجود قائم، ومع احتمال إرادة الخصوص كيف يثبت ~~العلم قطعا؟ # وتبين بما (¬7) ذكرنا أنه ليس فيه تلبيس (¬8) , لأن الغالب إذا كان هو ~~إرادة الخصوص في ألفاظ العموم، فكان حملها على العموم واعتقاد ذلك دون ~~التوقف، إيقاع نفسه في الخطأ، فلا يضاف إلى الشرع، بل إلى تقصير السامع - ~~أليس (¬9) أن النص المجمل وارد ولا يقال فيه تلبيس (¬10)؟؛ لأنه لما استوى ~~الأمران، فيتوقف لئلا ms125 يقع (¬11) في الخطأ، PageV01P285 # فلا ينسب صاحب الشرع إلى التلبيس، فكذا (¬1) إذا كان الاحتمال قائما ~~حقيقة: يجب أن يتوقف لأجل الاحتمال، فمتى قطع [ب] الاعتقاد، فهو (¬2) ~~المقصر والموقع نفسه في اعتقاد الخطأ. # قولهم: إن الإرادة أمر باطن فيسقط اعتباره، فنقول: هذا تسليم منكم بوجود ~~(¬3) الاحتمال، والقول بإسقاط الاعتبار باعتبار الحاجة، ولا (¬4) حاجة، فإن ~~الاعتقاد أمر بينه وبين الله تعالى، فيكفيه (¬5) الاعتقاد مبهما أن ما أراد ~~الله تعالى به حق ولا حاجة في حق (¬6) العمل, لأن العمل بالدليل الراجح مع ~~احتمال الخطأ واجب، كما في الشهادات، وخبر العدل في باب الديانات. # وأما شبهة الواقفية فالجواب (¬7) عنها ما مر في صيغة الأمر: أنا لا ندعي ~~ذلك ضرورة، ولا نظرا، لما قلتم، ولكن نقلا بطريق التواتر، وبإجماع الصحابة. # قولكم: لو كان ثابتا بالتواتر لما جرى الخلاف بين العلماء - فنقول: إنما ~~لا يجري الخلاف في الضروريات. وفي كون الخبر المتواتر موجبا علما خلاف بين ~~العقلاء. فالنظام من المعتزلة (¬8) يقول: ليس بحجة قطعا. PageV01P286 # وقال عامة العقلاء: حجة موجبة للعلم قطعا، ولكن (¬1) يوجب علما ضروريا أو ~~استدلاليا؟ فيه خلاف أيضا: # فيجوز أن يكون قول مشايخ العراق هذا: إنه يوجب علما استدلاليا لا ضروريا، ~~فجوزوا الخلاف فيه، ولكن لا يخرج من أن يكون موجبا علما قطعيا. ألا ترى أن ~~العلم بحدوث العالم وقدم الصانع وتوحيده علم قطعي مع وجود الخلاف بين ~~العقلاء - هذا جواب مشايخ العراق. # وجواب مشايخ سمرقند عن (¬2) هذه الشبهة سهل، وهو أن النقل إن كان بطريق ~~الآحاد فخبر (¬3) الواحد حجة في حق العمل، والكلام في حق العمل. وأما (¬4) ~~في حق ثبوت العلم القطعي فيتوقف فيه ويعتقد على الإبهام، كما في النص ~~المجمل والمشترك. # مسألة - في العام إذا خص منه بعضه: # ههنا فصلان: # أحدهما - أنه هل يبقى عاما في الباقي بطريق الحقيقة أم يصير مجازا؟ # والثاني - هل يبقى حجة في حق العلم والعمل في الباقي، أو يبقى حجة في حق ~~العمل دون العلم، ويصح الاستدلال به بعد الخصوص، أو لا يبقى حجة أصلا؟ PageV01P287 # أما الأول: # فهو ms126 مبني على أن شرط اللفظ العام [هل] هو الاستيعاب والاستغراق أو (¬1) ~~الاجتماع؟ # فمن قال شرطه (¬2) الجمع: فمادامت (¬3) الصيغة متناولة لجمع مطلق وهو ~~(¬4) الثلاثة فصاعدا - فهي عام حقيقة. وإن انتهى الخصوص إلى الاثنين (¬5) ~~والواحد، لا يبقى عاما حقيقة. # ومن قال: إن شرطه الاستيعاب، فمتى خص واحد من الجملة لا يبقى عاما حقيقة, ~~لأن حقيقة اسم العام أن يكون متناولا لكل المسميات. فإذا لم يتناول مسمى ~~واحدا لا يبقى كلا، فلا يبقى عاما ضرورة. # وبعض مشايخنا قالوا: هذه مسألة مبتدأة، سواء كان شرط العام الجمع أو ~~الاستيعاب. # وقد اختلف أهل الأصول فيها: # قال عامة أصحابنا وعامة أهل الحديث بأنه يبقى حقيقة في الباقي، سواء كان ~~دليل التخصيص (¬6) متصلا به غير مستقل بذاته مفيدا (¬7) في نفسه، نحو قوله: ~~"اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة"، أو كان منفصلا عنه. مستقلا بذاته مفيدا ~~(¬8) في نفسه، نحو قوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا PageV01P288 # أهل الذمة"، وسواء كان دليل الخصوص سمعيا أو عقليا (¬1) أو دلالة الحال. # وقال بعض أصحابنا - وهو قول بعض أصحاب الحديث: يكون مجازا في الباقي، ~~سواء كان دليل الخصوص متصلا به أو منفصلا عنه، سمعيا أو عقليا أو دلالة حال. # وقال بعض أهل التحقيق: الجواب ليس (¬2) على الإطلاق في هذه المسألة بل ~~على التفصيل. وفي ذلك أقوال ثلاثة: # - عن أبي الحسن الكرخي رحمه الله: إن كان دليل التخصيص (¬3) متصلا غير ~~مستقل ونفسه، كالاستثناء، يبقى حقيقة في الباقي. وإن كان منفصلا، يصير مجازا. # - وقال بعضهم: إن كان دليل الخصوص لفظيا، يبقى (¬4) حقيقة في الباقي، ~~سواء كان متصلا أو منفصلا. وإن لم يكن لفظيا، يصير مجازا. # - وقال بعضهم: يصير مجازا في الأحوال كلها، إلا في الشرط والصفة (¬5)، ~~كمن قال: "اضرب عبيدي إن دخلوا الدار" أو قال: "اضرب عبيدي الطوال" - ~~فقوله. "عبيدي" عام ثم المراد منه الخاص دون العام: فإنه خص منه القصار ~~وغير الداخلين، وهو حقيقة في الباقي. # لكن في شرح هذه الأقوال، وبيان حجج هؤلاء، واختيار الأصح من ذلك طول، وهو ~~مشروح في شرح المختصر. PageV01P289 # وأما الفصل ms127 الثاني: # وهو مبني في الأصل (¬1) على حكم العام. # فقال مشايخ سمرقند وأصحاب الشافعي: إنه حجة. ولكن يوجب العمل دون العلم، ~~بناء على ما ذكرنا في (¬2) حكم العام الذي لم يخص منه شيء: إنه لا يوجب ~~العلم قطعا، ولكن يصح الاحتجاج به في حق الأحكام الشرعية، لكن الاحتمال ~~ههنا أكثر. # وأما الذين قالوا: إن العام الذي لم يخص منه شيء يوجب العلم قطعا اختلفوا ~~في العام المخصوص: # قال عيسى بن أبان (¬3) ومحمد بن شجاع الثلجي (¬4) من أصحابنا وأبو الثور ~~(¬5) من أصحاب الحديث: إنه لا يبقى حجة كيفما كان دليل الخصوص. # وقال بعضهم: يبقى حجة على عكس الأول. # وقال بعضهم: الجواب على التفصيل: # - قال الكرخي: إن كان دليل الخصوص منفصلا مستقلا بذاته مفهوما في نفسه: ~~لا يبقى حجة. وإن كان متصلا غير مستقل بذاته يبقى حجة، PageV01P290 # سواء كان المخصوص مجهولا أو معلوما، في رواية. وقال في رواية: إن كان ~~المخصوص مجهولا لا يبقى حجة، وإن كان معلوما يبقى حجة. # - وقال بعضهم: إن كان مما يمكن (¬1) العمل بظاهر اللفظ العام في الباقي ~~بعد الخصوص (¬2)، من غير اشتراط شيء، يبقى حجة - كقوله (¬3): "اقتلوا ~~المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة": فإنه يمكن العمل به فيما وراء المخصوص، ~~بظاهر اللفظ، من غير اشتراط شيء آخر. وإن (¬4) كان لا يمكن العمل بظاهره في ~~الباقي إلا بشرط زائد، لا يبقى حجة - كقوله تعالى (¬5) " {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما ...} (الآية) " (¬6): خص منها بعض السراق، ولا يمكن العمل ~~بالباقي ظاهرا إلا بشرط قال النصاب وكمال الحرز ونحو ذلك. # - وقال بعضهم: إن كان المخصوص معلوما: يجب العمل بالباقي، ويجب الاعتقاد ~~والعلم قطعا، كيفما كان دليل الخصوص. وإن كان مجهولا، لا يبقى حجة، كيفما كان. # وهذا هو الأصح من هذه الأقوال على قول من قال إن العام يوجب العلم قطعا - ~~وبيانه (¬7)، وهو: PageV01P291 # إن المخصوص إذا كان مجهولا، كأنه قال: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا ~~أقواما (¬1) منهم" لا يبقى حجة (¬2) , لأنه يحتمل أن المتنازع فيه ليس (¬3) ~~هو المخصوص أو من قبيل المخصوص. ويحتمل أن المتنازع فيه ms128 من قبيل المخصوص ~~منه: إن كان من قبيل المخصوص منه يبقى حجة. وإن كان من قبيل المخصوص لا ~~يكون حجة، فلا يكون حجة مع الاحتمال. وبهذا الطريق لا يصح الاستثناء إذا ~~كان المستثنى مجهولا، بأن قال: "لفلان علي كذا إلا شيئا". # • أما إذا كان المخصوص معلوما [ف] يبقى حجة, لأن النص العام يتناول كل ~~واحد من الأفراد، كأنه نص عليه على ما ذكرنا. فإذا خص منه شيء معلوم يبق ~~الباقي داخلا تحته بيقين. فإنه إذا قال: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل ~~الذمة" فإذا خرج أهل الذمة يبقى اللفظ في الباقي قطعا - هذا كالاستثناء: ~~إذا قال لفلان علي عشرة إلا خمسة يبقى خمسة بيقين، لما قلنا (¬4)، كالعشرة: ~~إذا كانت موضوعة بين يدي إنسان فأخذ منها درهمين يبقى الباقي (¬5) ثمانية ~~بيقين - فكذا هذا. # وإذا ثبت هذا يجب أن يبقى حجة ودليلا قطعا, لأن دليل الشرع ما يتوصل به ~~إلى معرفة حكم الشرع، وبعدما خص منه شيء معلوم يمكن التوصل به إلى معرفة ~~حكم الشرع في الباقي، يجب أن يبقى حجة، بخلاف المجهول، فإنه لا يمكن التوصل ~~به إلى معرفة حكم الشرع في الباقي (¬6) - فلهذا افترقا. PageV01P292 # ولا يقال بأن المخصوص إذا كان معلوما يحتمل أن يكون معلولا بعلة عرفت ~~بالرأي والاجتهاد الذي يحتمل الخطأ والصواب: [ف] إن كان صوابا، وهو موجود ~~في غيره، يكون تخصيصا له. وإن كان خطأ فلا. وإن لم يقف عليها، فهو معلول ~~عند الله تعالى، فإن حكمه لا يخلو عن الحاكمة، ونعني بالعلة الحاكمة: فإن ~~كان صوابا يتعدى إلى غيره، وإن كان خطأ فلا. فعلى احتمال الصواب ووجوده في ~~غيره لا (¬1) يبقى حجة، فلا يبقى مع الاحتمال, لأنا نقول: إما إن عرفت تلك ~~العلة بالرأي والاجتهاد أو لم تعرف: فإن عرفت: فمن جوز تخصيص النص العام، ~~بالقياس، قبل التخصيص، يجوز بعده بطريق الأولى. وإن (¬2) وجد في غير ~~المخصوص ثبت (¬3) الحكم فيه ويكون تخصيصا له. فمن ادعى أن المعنى موجود في ~~الفرع، حتى يكون تخصيصا له، فعليه الدليل. ومن لم ms129 يجوز تخصيص العام قبل ~~الخصوص بالقياس، لم يجوز بعده أيضا, فلا يلزم عليه هذا الإشكال. وإن (¬4) ~~كان معلولا (¬5) ولم يقف على العلة، فكان وجودها كعدمها (¬6) في حقنا, لأنا ~~لا نكلف ما ليس في وسعنا، وليس في وسعنا إلا معرفة الحاكم من (¬7) حيث ~~الظاهر، فيبقى الباقي حجة، لعدم علة الخصوص في حقنا - والله أعلم. # مسألة: # قال علماؤنا رحمهم الله: إن صيغة الجمع بدون الألف واللام نحو PageV01P293 # قولنا رجال ونساء، يتناول الثلاثة فصاعدا، ولا يتناول ما دونها، فأقل ~~الجمع الصحيح الثلاثة. # وقال أصحاب الشافعي، وهو مذهب الأشعرية: أقل الجمع الصحيح اثنان. # وثمرة الخلاف (¬1) تظهر في فصلين: # أحدهما: راجع إلى الفقه، وهو أن من نذر أن يتصدق بدراهم أو [قال:] "لفلان ~~علي دراهم"- يقع على الثلاثة، ولو نوى ما زاد عليها تصح نيته. ولو نذر أن ~~يتصدق على فقراء أو على مساكين، فصرف (¬2) إلى ثلاثة منهم يخرج عن نذره. ~~ولو صرف إلى اثنين كل منهم لا يخرج عن نذره، عندنا (¬3) خلافا لهم. # والثاني: يرجع إلى أصول الفقه. وهو أنه إذا انتهى الخصوص، ولم يبق تحت ~~العام مراد سوى الاثنين أو (¬4) الواحد، فإنه لا يبقى العام حقيقة، بل يصير ~~الاسم مجازا للباقي عندنا. وعندهم يبقى الاثنين حقيقة دون الواحد. # فهم تعلقوا بالسمع، والعة ل، واستعمال أرباب اللسان: # - أما السمع، فما (¬5) روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"الاثنان فما فوقهما جماعة"، وهو أفصح العرب. ولو نقل هذا عن (¬6) واحد من ~~الأعراب يكون حجة، فعن (¬7) صاحب الشرع أولى. PageV01P294 # - وأما العقل، وهو أن الجمع عبارة عن الاجتماع، وهو ضم الشيء إلى مثله ~~(¬1)، فمعنى الجمع موجود في الاثنين، فيكون جمعا صحيحا، وإن كان في الثلاث ~~أكثر - ألا ترى أن الثلاث جمع صحيح، وإن كان معنى الاجتماع، فيما وراء ~~الثلاث، أكثر، والكلام في أقل الجمع. هذا كالجسم: لما كان عبارة عن اجتماع ~~أجزاء وتركيبها (¬2)، فأقل الجسم جوهران لوجود معنى الجسمية فيه, وإن كان ~~فيما وراء ذلك أكثر - كذا هذا. # - وأما استعمال أرباب اللسان، فإنهم يستعملون صيغة الجمع ms130 في التثنية نحو ~~قولهم (¬3): "نحن فعلنا" و"نحن نفعل" ونحو ذلك، في التثنية والجمع جميعا. # ثم إن (¬4) سلمنا أن الاثنين ليس بجمع صحيح وضعا، ولكنه جمع شرعا، فإن ~~الشرع أعطى للاثنين حكم الجماعة في باب الميراث والحجب والشهادة ونحوها. ~~قال الله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} (¬5) والاثنان من الإخوة ~~يحجبان (¬6) الأم من الثلث إلى السدس. وقال: {فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك} (¬7): أقام الثنتين مقام الجماعة في حق استحقاق الثلثين. ~~وكذا في الوصايا. # ولنا الاستدلال بالسنة، ووضع أهل اللغة: # - أما السنة، فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الواحد ~~شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب" - فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فصل ~~بين التثنية والجمع. PageV01P295 # - وأما الوضع، فإن أهل اللغة جعلوا الكلام ثلاثة أقسام: وحدان (¬1)، ~~وتثنية، وجمع. فقالوا (¬2): رجل، ورجلان، ورجال. وقالوا: فعل، وفعلا، ~~وفعلوا (¬3). وكذلك قالوا في التأكيد: جاءني زيد نفسه، وجاءني زيدان ~~أنفسهما، وجاءني زيدون أنفسهم. وكذا في النعت: جاءني رجل عالم، ورجلان ~~عالمان. ورجال علماء. # والجواب عن كلماتهم. # - أما الحديث: فإنما أراد به في حق بعض الأحكام في (¬4) الميراث والوصية ~~ونحوهما، وما أراد بيان وضع اللغة (¬5)، فإنه مبعوث لبيان الأحكام لا لبيان ~~وضع اللغة، فإنه يشاركه كل عربي فلا يظهر الاختصاص (¬6)، ألا ترى أنه لم ~~يكن كذلك في حق جميع الأحكام، ولو كان ذلك (¬7) من باب الوضع اللغوي، لثبت ~~في حق جميع الأحكام - لما (¬8) ذكرنا أن وضع اللغة يخالفه (¬9). # -وهو الجواب عن قولهم إنه جمع شرعا، فنقول: إنه ألحق بالجمع في موضع كان ~~المعنى الذي تعلق به الحكم (¬10) في الجمع موجودا في التثنية. ولهذا لم ~~يلحق التثنية بالجمع في حق (¬11) جميع الأحكام. PageV01P296 # - وأما قولهم بأن الجمع عبارة عن الضم والاجتماع وهو موجود في التثنية - ~~بلى! مطلق الجمع ما ذكرتم، ولكن صيغة الجمع وضعت لجمع خاص، وهو ضم الشيء ~~إلى مثليه - عرفنا ذلك بوضع أهل اللغة، ولا يجعل الثلاثة جمعا مطلقا (¬1) ~~من حيث إن فيه معنى الجمع المطلق (¬2)، بل من حيث إنه جمع خاص - والله ms131 أعلم. ### |||| AUTO فصل في الخاص # (¬3) # الكلام ههنا في مواضع: # - في تفسير الخاص لغة وعرفا. وفي بيان الخصوص، والمخصوص، والمخصوص منه. ~~وفي بيان الفرق بين التخصيص والاستثناء والنسخ في اللغة وفي عرف الشرع. # - وفي بيان حكم الخاص. # - وفي بيان ما يجوز تخصيصه وما لا يجوز. # - وفي بيان ما يجوز به التخصيص وما لا يجوز به. # وما يتصل بها (¬4) من المسائل. ### ||||| AUTO [1] # أما الأول # فالخاص في اللغة: عبارة عن المنفرد (¬5) - يقال "فلان خاص فلان"، PageV01P297 # أي منفرد له. ويقال: "اختص فلان بكذا" أي انفرد به. ومنه "الخصاصة" وهي ~~الحاجة الموجبة (¬1) للانفراد عن المال وعن أسباب المنال (¬2). # وأما في عرف اللغة والشرع - فعبارة عن اللفظ الذي أريد به الواحد معينا ~~كان أو مبهما. فالمعين نحو قوله تعالى: {محمد رسول الله} (¬3). والمبهم ~~المطلق (¬4) نحو قوله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} (¬5). فالمراد به هو ~~الواحد غير عين. ثم الواحد قد يكون من حيث الجنس كالحيوان بمقابلة النامي ~~(¬6)، وإن كان في نفسه عاما يتناول أنواعا (¬7). وقد يكون واحدا من حيث ~~النوع كالإنسان بمقابلة الإبل والبقر وإن كان في نفسه أشخاصا كثيرة. وقد ~~يكون واحدا من حيث الذات نحو زيد وعمرو، وإن كان أشياء من حيث الأجزاء ~~فيكون خاصا من وجه وعاما من وجه، لأن العام والخاص من الأسماء الإضافية. # وأما المخصوص في اللغة -[ف] مصدر. وهو (¬8) يستعمل ملازما ومتعديا. يقال: ~~خص يخص خصوصا، فهو خاص. وذلك مخصوص. PageV01P298 # إلا أنه يذكر ويراد به الخاص إطلاقا لاسم (¬1) المصدر على النعت، كما ~~يطلق اسم العموم على العام. وهو مستفيض في اللغة - يقال: رجل عدل أي عادل، ~~قال الله تعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} (¬2) أي غائرا. # وأما المخصوص - فهو اسم لما خص من النص العام، أي أخرج منه، بعد ما كان ~~داخلا فيه، من حيث ظاهر اللغة. وقد يطلق المخصوص على النص العام: يقال عام ~~مخصوص، أي مخصوص منه، بحذف حرف "منه"، لوضوحه (¬3) اختصارا. # وأما المخصوص منه - فهو (¬4) النص العام الذي أخرج منه (¬5) بعضه. # وأما (¬6) بيان الفرق بين التخصيص والاستثناء ms132 والنسخ: # أما من حيث اللغة: فهو إخراج بعض ما يتناوله (¬7) ظاهر النص. إلا أن ~~التخصيص والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله (¬8) من حيث الأعيان، والنسخ ~~إخراج بعض ما يتناوله من حيث الزمان، إذ النسخ لا يرد إلا فيما يراد به ~~الحكم في بعض الأزمان في موضع صار مطلق الزمان مرادا، لا (¬9) لفظا - لكن ~~بدليل وراء الصيغة من القرائن. # وأما في عرف لسان الفقهاء: [ف] التخصيص والاستثناء بيان أن قدر المخصوص ~~والمستثنى غير مراد عن اللفظ العام والمستثنى منه، لا أن PageV01P299 # يكون داخلا تحت اللفظ، ثم خرج بالتخصيص والاستثناء، لكن مع صلاحية اللفظ ~~للتناول، بحيث لولا التخصيص والاستثناء لكان داخلا تحت اللفظ. # وأما النسخ - فهو (¬1) بيان أن مراد الله تعالى ثبوت الحاكم في بعض ~~الأزمان، لا أن كل الزمان كان مرادا ثم أخرج (¬2) بعضه, لأنه يؤدي (¬3) إلى ~~التناقض، على ما نذكر في فصل النسخ إن شاء الله تعالى. # وقال بعضهم: التخصيص والاستثناء بيان مقارن، والنسخ بيان متراخ، إلا أن ~~هذا الفرق لا يصح على قول من يجوز تأخير دليل الخصوص، على ما نبين. ### ||||| AUTO [2] # وأما بيان حكم الخاص # فهو (¬4) ثبوت الحكم فيما يتناوله (¬5) النص الخاص قطعا، عند مشايخ ~~العراق. # وبه أخذ القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله ومن تابعه. # وعلى قول مشايخ سمرقند وأصحاب الشافعي: ثبوت الحكم ظاهرا - بناء على ~~الأصل الذي ذكرنا: # - أن الفريق الأول اعتبروا ظاهر اللفظ الموضوع، والخاص موضوع لما يتناوله ~~(¬6) لغة بطريق الحقيقة والكلام لحقيقته حتى يقوم دليل المجاز، كما قالوا ~~في صيغة (¬7) العموم وصيغة الأمر والنهي. PageV01P300 # - والفريق الثاني قالوا: إن كل حقيقة تحتمل المجاز، وكل عام يحتمل ~~الخصوص، ومع الاحتمال لا يتصور القطع. # مثاله: قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} (¬1)، والغسل اسم لفعل معلوم، وهو ~~تسييل الماء على العضو لا غير، فمن شرط النية في الوضوء والغسل وشرط ~~الترتيب في غسل أعضاء الوضوء والولاء (¬2) فقد زاد على النص، وهو نسخ، فلا ~~يجوز برخبر الواحد والقياس - هذا على قياس قول مشايخ العراق. # وعند مشايخ سمرقند: هذا (¬3) زيادة على النص ظاهرا ms133 لكن الزيادة على النص ~~عندهم بيان، فيجوز بخبر الواحد، ويعرف هذا في باب النسخ. ### ||||| AUTO [3] # وأما بيان ما يجوز تخصيصه, وما لا يجوز # : # أما الذي يجوز تخصيصه فهو اللفظ العام من حيث الصيغة والمعنى، أو من حيث ~~المعنى دون الصيغة - على ما مر بيانه. # وأما ما لا يجوز تخصيصه فكثير. وفي بعضها (¬4) خلاف، فنذكر # هذه المسائل: # مسألة - تخصيص اللفظ العام جائز إلى أن ينتهي نهايته. # واختلفوا (¬5) فيه: PageV01P301 # قال القفال الشاشي (¬1) وكل من قال إن معنى العموم هو الاجتماع: إن لفظ ~~الجمع بدون الألف والسلام نحو قولهم "رجال" و"نساء" يجوز تخصيصه إلى ~~الثلاث، وإخراج ما دونه عن العام يكون نسخا. فأما إذا دخله لام التعريف أو ~~كان عاما من حيث المعنى دون الصيغة فإنه يجوز التخصيص إلى الواحد، ولا يجوز ~~إخراج الواحد إلا بدليل يصلح للنسخ, لأنه نسخ. وهذا بناء على أن شرط العموم ~~هو الجمع (¬2) دون الاستيعاب، فيجوز التخصيص إلى الثلاث في المنكر. وعند ~~دخول الألف والسلام تصير للجنس، فيجوز التخصيص إلى (¬3) الواحد. # وعند عامة أهل الحديث: إلى الواحد. ويجوز تخصيص الاثنين, لأنه جمع صحيح عندهم. # وعلى قول من شرط الاستيعاب للعموم يجوز التخصيص إلى الواحد، لأنه يتناول ~~كل واحد من المسميات على الانفراد، كلفظ (¬4) "من" و "ما"، فلا (¬5) يعتبر ~~فيه معنى الجمع مقصودا - والله أعلم (¬6). # مسألة - تخصيص اللفظ العام في موضع الخبر: # جائز عند عامة الفقهاء. # وقال بعضهم: لا يجوز في خبر من لا يجوز عليه الكذب, لأن التخصيص إن كان ~~عاملا بطريق المعارضة يكون فيه نسبة حقيقة الكذب PageV01P302 # إلى الله تعالى أو رسوله (¬1) , لأن الخبر (¬2) العام إذا خص يكون خبرا ~~على خلاف المخبر به (¬3) في قدر الخصوص، وذلك حد الكذب. وإن كان عاما (¬4)، ~~بطريق البيان، ففيه نسبة وهم الكذب، فإن السامع إذا كان عربيا ليس بفقيه، ~~فيظن أنه عام في جميع ما أخبر. وإذا (¬5) خص بعضه، وحكمه خلاف حكم خبر ~~العام، فربما يعتقده كذبا (¬6) أو يظنه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ~~(¬7)، بخلاف الأمر والنهي، لأنه لا يدخل ms134 فيهما الصدق والكذب, لأنهما وصفان ~~لازمان للخبر لا غير - وبخلاف خبر من يجوز عليه الكذب فإنه لا يجب صيانته ~~عن الكذب (¬8). # ولكن عامة أهل الأصول جوزوا - للنص، والمعقول: # - أما (¬9) النص [ف] قوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} ~~(¬10)، ولم تؤت كل شيء بالإجماع، فإنها لم تؤت ملك سليمان صلوات الله عليه. ~~وقال الله تعالى: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} (¬11). PageV01P303 # ثم إن آدم صلوات الله عليه عري في الجنة كما قال الله تعالى: {فبدت لهما ~~سوآتهما} (¬1) فهذا (¬2) تخصيص الخبر. وكذا قال الله تعالى إخبارا (¬3) عن ~~إبليس اللعين: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر} (¬4): استثنى ~~إبليس، والاستثناء (¬5) والتخصيص سواء. # - وأما المعقول، وهو أن التخصيص والاستثناء (¬6) من باب البيان، فنبين ~~(¬7) أن ذلك غير مراد بالكلام، فإن الاستثناء تكلم بالباقي لغة، على ما نذكر. # وكذا التخصيص: فإن ذكر العام، والمراد منه (¬8) الخاص، أغلب وجودا في ~~استعمال الناس، فلا يؤدي إلى نسبة الكذب ولا وهمه إلى من لا يجوز عليه ~~الكذب. والدليل عليه أن من قال: "لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة"، صح، ولا ~~يكون هذا كذبا ولا فيه وهم الكذب، لما قلنا - فكذا (¬9) في التخصيص. # مسألة - اللفظ العام إذا استعمل بطريق المجاز، هل يكون له عموم؟ # فقال (¬10) بعضهم: لا عموم له, لأن المجاز ضروري. والثابت بطريق الضرورة ~~(¬11) لا عموم له. PageV01P304 # وقال عامتهم بالعموم: لأن (¬1) هذا حكم اللفظ، واللفظ عام، والمجاز يعمل ~~بنفسه، فيجب العمل بعمومه. # وما قالوا إنه ضروري، فليس (¬2) هكذا، بل هو من باب البلاغة والفصاحة. ~~ولهذا وجد في كتاب الله تعالى وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكلام ~~سائر البلغاء من الحكماء - فلا يجوز وصفه بالضرورة. # مسألة - لا خلاف أن التخصيص في اللفظ الفرد إذا وجد صريحا، على طريق (¬3) ~~الإطلاق، لا بطريق الضرورة (¬4)، لا يجوز, لأنه لا يتصور, لأنه لا بعض له ~~من النوع وإنما بعضه أجزاؤه، واللفظ يعم أجزاء ما تناوله (¬5) بطريق ~~التضمن، كالوجه يعم العين والأنف والخد ونحوها، وهذا (¬6) ليس باسم عام، و ~~(¬7) كالدار تعم ms135 السقف والصحن والحوائط ونحوها، وهو ليس (¬8) باسم عام, ~~لأنه اسم خاص: إذا ذكر على طريق النكرة غير معرف بالألف والسلام، فلا ~~يتناول نوعه وجنسه، وإنما يتناول أجزاءه بطريق التضمن. # مسألة - النص إذا لم يكن عاما من حيث اللفظ، ولكنه عام بطريق الدلالة، ~~كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} (¬9) لا يجوز PageV01P305 # تخصيصه, لأن لفظ التأفيف (¬1) هو المنصوص عليه، وهو ليس بعام، بل هو اسم ~~خاص لمعنى خاص، ولكن (¬2) لما كان تحريم التأفيف تحريما لكل أذى فوقه من ~~القتل والضرب والشتم ونحوها، بضرورة (¬3) العقل، فيكون تخصيص شيء من ذلك ~~مناقضة، بخلاف اللفظ العام, لأن التخصيص بيان أنه غير مراد باللفظ، ولا ~~يجوز أن يكون شيء منه غير مراد، للتناقض. وفي اللفظ العام يجوز أن يكون ~~البعض غير مراد، فلا يؤدي إلى التناقض - وهذا على طريق (¬4) من فصل بين ~~دلالة النص والقياس. # وأما (¬5) من قال إنه ليس بدلالة النص، ولكنه قياس جلي موجب للعلم قطعا ~~(¬6) في كل أذى، فيكون التخصيص مناقضة أيضا على ما نذكر في تخصيص القياس (¬7). # وأصحاب الشافعي سموا هذا النوع فحوى الخطاب وفحوى النص، ولا مشاحة في ~~العبارة - والله أعلم. # مسألة - دليل الخطاب وما يشبهه لا يقبل التخصيص، عند عامة أصحابنا. # وعند الشافعي، وهو قول بعض أصحابنا، أنه يقبل. # وتفسير دليل الخطاب عندهم هو الحكم (¬8) الذي تعلق بالعين بصفة: PageV01P306 # يوجد عند وجود ذلك الصفة، وينعدم عند عدمها وينتفي (¬1). وكذا المعلق ~~بالشرط: يوجد عند وجوده، وينتفي عند عدم الشرط (¬2). وكذا في الحكم (¬3) ~~الموقت إلى وقت: ينتفى فيما وراء الوقت. وكذا الحكم المتعلق (¬4) بعدد ~~معلوم وبمقدار متعين (¬5): ينتفى فيما وراء ذلك. # فعندهم: الانتفاء في هذه الواضع مضاف (¬6) إلى النص أو مقتضى النص نفيا ~~عاما، فيجوز تخصيص ذلك النص (¬7). # وعندنا: الانتفاء لا يكون مضافا إلى النص الوجب، بل عدم الحكم هو الأصل. ~~وإنما يثبت بالدليل، فلا يكون النفي (¬8) حكم النص الوجب (¬9) حتى يقبل ~~التخصيص. # والمسألة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى (¬10). # مسألة: المقتضي لا عموم له عندنا, لأن العموم حكم ms136 اللفظ، وهو غير مذكور ~~حقيقة. وإنما يجعل موجودا بطريق الضرورة، لصحة الكلام، فيبقى فيما وراءه ~~على حكم العدم. PageV01P307 # وعند الشافعي: المقتضى له عموم - على ما نذكر. # مسألة - القياس هل يجوز تخصيصه؟ # فعندنا: لا يجوز تخصيصه (¬1). وفيه خلاف يذكر في باب القياس. # ولقب المسألة أن تخصيص العلة هل يجوز أم لا؟ والله أعلم. ### ||||| AUTO [4] # فصل - وأما ما يجوز به التخصيص وما لا يجوز [به] # ههنا فصلان: # أحدهما - بيان ما يثبت (¬2) به التخصيص. # والثاني - بيان ما يعرف به التخصيص. # وما يتصل بهما من المسائل التي فيها وفاق أو خلاف (¬3). # أما الأول: # فالتخصيص إنما يثبت بإرادة التكلم وبإثباته الحاكم خاصا، فإن التكلم قد ~~يريد ثبوت (¬4) الحكم على العموم، وقد يريد على الخصوص، إلا أن إرادة ~~المتكلم أمر باطن لا يوقف عليه، فلا بد من دليل ظاهر (¬5) صالح يدل على ~~إزادة الخصوص، والدليل الصالح هو الدليل الموضوع لمعرفة الخصوص. وهو بيان: PageV01P308 # الفصل الثاني - وهو ما يعرف به التخصيص: # وذلك (¬1) نوعان: متصل ومنفصل، فنبدأ بالمتصل ثم بالمنفصل، ونذكر (¬2) في ~~كل فصل مسائل: # أما المتصل (¬3): # فأنواع أربعة: الصفة، والشرط، والغاية، والاستثناء # مثال الصفة - قول الرجل لغيره: "أكرم الرجال الطوال" - لولا قوله (¬4) ~~"الطوال" لوجب إكرام الرجال عاما. فقران لفظ "الطوال" بالرجال أوجب اختصاص ~~(¬5) الإكرام بالموصوف بصفة الطول (¬6). # ومثال الشرط - أن يقول: "أكرم الرجال إذا دخلوا المسجد" أو "إن دخلوا" - ~~قوله: "أكرم الرجال" عام، وقوله: "إذا دخلوا" أوجب الخصوص حتى يجب عليه ~~إكرام من وصف بالدخول في المسجد لا غيره # ومثال الغاية - قول الرجل: "أكرم بني تميم إلى شهر رمضان"، فقوله: "أكرم ~~بني تميم" يقتضي وجوب إكرام بني تميم عاما في جميع الأزمان. وقوله: "إلى ~~رمضان" (¬7) أوجب الخصوص حتى لا يجب الإكرام بعد انتهاء (¬8) شهر رمضان ~~بحكم هذا الكلام. # ومثال الاستثناء - قول الرجل: "أكرم أهل قرية كذا إلا زيدا" PageV01P309 # لولا قوله: "إلا زيدا" لوجب عليه (¬1) إكرام جميع أهل القرية ثم خص من ~~جملتهم "زيد" بالاستثناء. # وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول. # وقال بعض الفقهاء بأن هذه الأشياء ms137 الأربعة لا تكون تخصيصا, لأن دليل ~~التخصيص ما يكون كلاما مفيدا (¬2) في نفسه لو انفرد، وحكمه خلاف حكم الأول، ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم - (¬3): "لا تقتلوا أهل الذمة" مقارنا (¬4) ~~لقوله تعالى (¬5): {فاقتلوا المشركين} (¬6). وهذه الأشياء الأربعة من نفس ~~الكلام وبعضه، فإن المتكلم تكلم على هذا الوجه من الابتداء إلا أن الكلام ~~يتم بآخره، فإنه أراد إكرام الرجال الموصوفين بصفة الطوال (¬7)، لا إكرام ~~مطلق الرجال. وكذا أراد إكرام الرجال الموصوفين (¬8) بالدخول في المسجد دون ~~المطلق. وكذا أراد إكرام جماعة إلى غاية معلومة. وكذا في الاستثناء: أراد ~~إكرام من لا يتسمى (¬9) باسم زيد من أهل القرية. # فثبت أن هذه الأربعة من نفس الكلام، ولا يفيد وحده شيئا: فإن قوله: "إلا ~~زيدا" لا يفيد بنفسه. وكذا الصفة، والشرط، والغاية: لا يفيد وحدها. PageV01P310 # ولأن التخصيص هو إخراج بعض ما يتناوله العام بحيث لو خرج يبقى اللفظ ~~العام معمولا به في الباقي، كما في قوله تعالى (¬1): {فاقتلوا المشركين} ~~(¬2)، فإذا خص أهل الذمة يبقى (¬3) النص معمولا به في الباقي. وفي هذه ~~الأشياء إذا أريد به الخاص لم يبق اللفظ العام بنفسه معمولا به أصلا، بل ~~يكون (¬4) الحكم للموصوف. # ولكن الصحيح هو الأول: # - وما ذكروا من كون دليل التخصيص مفيدا بنفسه لو شرط هذا، إنما يشترط في ~~التخصيص بكلام منفصل، والكلام (¬5) في التخصيص المتصل، حتى يصير بعض ~~الكلام، وبعض الكلام لا يفيد معنى جميعه. ولأن هذا الكلام إنما يستقيم (¬6) ~~ممن يدعي عمل دليل الخصوص بطريق المعارضة. وهذه الأشياء الأربعة لا يستقل ~~بنفسها، فلا يجوز أن تعمل (¬7) بطريق المعارضة (¬8)، ولكن القول بطريق ~~المعارضة فاسد، لأنه إذا كان مقارنا لا يمكن إعماله بطريق النسخ، فيكون فيه ~~مناقضة، ولا تناقض في دلائل الشرع، فيجب (¬9) القول بطريق البيان ضرورة. ~~وهذه الأشياء تصلح بيانا، فيصلح (¬10) مخصصا، والدليل المنفصل يصلح مخصصا، ~~لكونه بيانا لا لكونه منفصلا. PageV01P311 # - قوله: إن بعد الخصوص يجب أن يبقى اللفظ العام عاملا في الباقي (¬1)، ~~فليس كذلك، فإن قوله: {فاقتلوا المشركين} (¬2) موجبه وجوب قتل جميع ~~المشركين مطلقا. ثم إذا خص ms138 منه أهل الذمة لم يبق العام عاملا في إباحة قتل ~~المشركين مطلقا, لأنه يؤدي إلى التناقض، ولكن بدليل الخصوص صار العام مقيدا ~~(¬3) بوصف الحراب، فيكون عاما يراد به الخاص، وهو قتل المشركين المحاربين ~~من الابتداء، كما في هذه الفصول: يصير الكلام متناولا للموصوف بالصفة، فلا ~~فرق بينهما في المعنى، وتبين بهذا أن الخصوص ليس هو إخراج بعض ما يتناوله ~~العام لفظا بل هو إثبات اللفظ خاصا من الابتداء بإثبات زيادة قيد في العام، ~~فيكون المراد من النص هو العام المخصوص بصفة المقيد بقيد، كأنه قال: اقتلوا ~~المشركين المحاربين، فلم يكن غير المحاربين مرادا بهذا النص من الابتداء ~~(¬4) - والله أعلم بالصواب. # مسألة - الاستثناء المتصل صحيح بالإجماع، ويكون بيانا أن المراد هو ~~الباقي، كما إذا قال: "لفلان علي عشرة دراهم إلا درهما" كأنه قال: "لفلان ~~علي تسعة". # وأما الاستثناء المنفصل فليس بصحيح عند عامة الفقهاء. # وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال (¬5): يصح. # وبه قال بعض الناس، وقاسوا على التخصيص المتراخي: أنه جائز بطريق البيان، ~~فكذلك الاستثناء المتراخي، تسوية بينهما، كما في الاستثناء المقارن، ~~والتخصيص المقارن. PageV01P312 # والعامة يقولون: إن الاستثناء من باب اللغة، وهم لم يتكلموا بالاستثناء ~~المنفصل فإن من قال: "لفلان علي ألف درهم" ثم قال بعد ذلك بيوم "إلا خمسة" ~~(¬1) يضحك عليه. # ولم يصح الرواية عن ابن عباس: فإنه من أرباب اللغة. # فأما في التخصيص المتراخي: فأهل (¬2) اللغة قد يتكلمون بالعام ثم يقولون ~~بعد ذلك: إنا نريد بالعام الخاص، وهو مستعمل عندهم. وفي كتاب الله تعالى ~~كثير الوجود. # على أن التخصيص المتراخي إنما يجوز إذا كان المتكلم، وقت التكلم بصيغة ~~العام، يريد به الخاص. وفي الاستثناء المنفصل إذا أراد المتكلم بصيغة ~~العموم البعض وقال: "استثنيت بقلبي وما أردت به العموم"، يصدق أيضا، فيما ~~بينه وبين الله تعالى. # وعلى هذا الوجه ارتفع الخلاف من حيث المعنى. وإنما الخلاف في هذا أن ~~الاستثناء المنفصل ليس باستثناء, لأنه ليس من باب اللغة، بخلاف التخصيص ~~المنفصل (¬3). # مسألة - لا خلاف أن ms139 الاستثناء إذا كان من جنس المستثنى منه يكون استثناء حقيقة. # فأما إذا (¬4) كان بخلاف جنس المستثنى منه، نحو أن يقول (¬5): "لفلان علي ~~عشرة أثواب إلا دينارا" ونحو ذلك - هل يكون استثناء حقيقة أو مجازا؟ PageV01P313 # قال (¬1) بعضهم: ليس بحقيقة، ولكن مجاز عن حرف "لكن". # وقال بعضهم: هذا استثناء حقيقة, لأن هذا مستعمل فيما بين أرباب اللغة - ~~قال قائلهم: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس (¬2) # وفي كتاب الله تعالى كثير - قال الله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا إلا ~~سلاما} (¬3)، والسلام ليس من جنس اللغو. وقال تعالى: {فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون إلا إبليس} (¬4) وهو من الجن لا من الملائكة. # وقال بعضهم: يمكن أن يجعل من جنس المستثنى منه، بأن زيد في المستثنى منه ~~شيء، أو نقص (¬5) عنه شيء، أو زيد في المستثنى أيضا - كما في قوله تعالى: ~~{فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} فزيد على المستثنى منه، كأنه قال: ~~{فسجد الملائكة كلهم أجمعون} ومن أمر بالسجود له إلا إبليس، فيكون استثناء ~~إبليس من المأمورين (¬6) بالسجود له، لا من الملائكة أنفسها - فكذا (¬7) في ~~قوله: "لفلان علي عشرة أثواب إلا دينارا" أي: "عشرة أثواب قيمتها كذا ~~دينارا إلا دينارا" أو "علي عشرة أثواب إلا ثوبا قيمته دينار". PageV01P314 # ثم على قول هؤلاء إذا صار المستثني من جنس المستثنى منه بالزيادة أو ~~النقصان - هل يكون استثناء حقيقة؟ # قال بعضهم: يكون مجازا، لأن الزيادة على الكلام والنقصان عنه من باب ~~المجاز، لأنه خلاف ظاهر الكلام. # وقال بعضهم: إن الزيادة والنقصان من باب الإضمار والحذف، وذلك منطوق به ~~(¬1) لغة، على طريق الاختصار - على ما نذكر في فصل الإضمار والاقتضاء، إن ~~شاء الله تعالى، والله أعلم. # مسألة - استثناء الكثير من القليل (¬2) استثناء صحيح عند عامة الفقهاء. # وقال بعضهم: لا يصح. # وصورته: إذا قال "لفلان علي ألف درهم إلا تسعمائة وتسعة وتسعين درهما". # ولكن الأصح أن الخلاف في أن هذا الاستثناء ليس بمستحسن في اللغة عند ~~العامة، لأنه لاستدراك (¬3) الغلط في أصل الوضع (¬4). ومثل هذا الغلط نادر. # والفريق الآخر ms140 يقولون: إنه قد يقع في الجملة، لأن النسيان مما جبل عليه ~~الإنسان. PageV01P315 # أما (¬1) ينبغي أن يصح الاستثناء، لأنه تكلم بالباقي بعد الثنيا على ~~مانذكر. # مسألة - الجمل المعطوف بعضها على بعض بكرف الواو، وكل جملة كلام تام في ~~ففسه، بأن كان مبتيدأ وخبرا، وألحق الاستثناء تأخرها، بأن قال: "لزيد علي ~~ألف درهم ولعمرو علي ألف درهم ولمحمد علي ألف درهم إلا خمسمائة " - ما حكمها؟ # قال أصحابنا: إن الاستثناء نصرف إلى الجملة الأخيرة. # وعلى قول الشافعي: ينصرف إلى الكل. # وأجمعوا أن الشرط، أو مشيئة الله تعالى، إذا ذكر في آخر الجمل المعطوفة ~~(¬2) بحرف الواو: فإنه ينصرف إلى جميع ما سبق، بأن قال: "عبده حر، وامرأته ~~طالق، وعليه الحج إلى بيت الله تعالى - إن دخل (¬3) هذه الدار" أو قال في ~~آخره: "إن شاء الله تعالى". # وعلى هذا يبتنى مسألة المحدود في القذف بعد التوبة - فإن الله تعالى قال: ~~"والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا ~~تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا" (¬4) - ~~فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه، وهو الفسق عنذنا. وعند الشافعي إلى جميع ما ~~سبق فب خرج المحدود التائب في حق رد الشهادة عن ظاهر النص - والمسألة طويلة ~~ذكرت في الشرح. # مسألة - الاستثناء يعمل بطريق المعارضة أو بطريق البيان؟ # قال بعض مشايخنا: في المسألة خلاف: PageV01P316 # على قولنا: بطريق البيان. # وعلى قول الشافعي: بطريرق المعارضة. ولا نص عن الشافعي رحمه الله، ولكن ~~استدلوا بمسائل تدل على ذلك. # بيانه أنه (¬1) إذا قال: "لفلان علي عضرة دراهم (¬2) إلا خمسة" معناه: ~~لفلان علي عشرة إلا خمسة فإنها ليست علي، فيصير النفي معارضا للإثبات. # ولكين الصحيح أن لا يكون في بهذا خلاف بين أهل الديانة، لأنه خلاف إجماع ~~أهل اللغة، وخلاف إجماع المسلمين: # - أما الأول: فإن أهل اللغة قالوا: الاستثناء استخراج بعض ما تكلم به. # وقيل: الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، والمعارضة تكون بين الحكمين ~~المتضادين مع بقاء الكلام، وهو غير استخراج بعض الكلام والتكلم بالباقي. # - وأما بيان خلف ms141 إجماع المسلمين: فإن الاستثناء مقارن للمستثنى منه ~~تكلما، فلا يمكن القول فيه بالتناسخ، فلو (¬3) لم يجعل بيانا يؤدي إلى ~~التناقض في كلام الله تعالى وفي دلائله وفي التخصيص المقارن يجعل بيانا ~~لهذه الضرورة، وفي التخصيص المتأخر يجعل بيانا عند البعض ونسخا عند البعض ~~بطريق البيان أيضا، إذ لو قيل بخلافه يؤدي إلى البداء (¬4) والغلط على ما ~~يعرف في باب النسخ. # ومسائل الشافعي رحمه الله يخرج كلها على طريق البيان. PageV01P317 # وإنما حمل هؤلاء (¬1) على جعل هذه المسألة ت تلفة، إشكالات تتراءى (¬2) ~~أنها من باب المعارضة، وليس كذلك، وقد ذكرت في الجملة (¬3) في شرح المختصر ~~- والله الموفق. # فصل- في بيان الدليل المنفصل عن العام (¬4): # وهو نوعان: عقلي وسمعي. # والعقلي (¬5) نوعان: قطعي، وهو ما يعرف. بمجرد العقل. والآخر ليس بقطعي، ~~وهو القياس الشرعي. # والسمعي أيضا نوعان: قطعي، وليس في قطعي - على ما سبق ذكره (¬6). # مسألة - الدليل العقلي يصلح مخصصا، ويكون ذلك تخصيصا عند عامة الفقهاء ~~وأهل الأصول. # وقال بعضهم: لا يجوز التخصيص به، ولا يكون هذا وتخصيصا، بل يتعارض ~~الدليلان، فيتوقف إلى أن يرد دليل سمعي، يخص به. نظير ذلك قو له تعالى: ~~"أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (¬7) ": خص منها الصبيان والمجانين بالدليل ~~العقلي (¬8)، لأن العقل يأبى خطاب من لا يفهم، وخطاب العاجز عن الفعل، وهو ~~تكليف ما ليس في وسع المخاطب. PageV01P318 # وحجتهم أن الدليل العقلي سابق، والتخصيص يكون بالدليل المقارن أو ~~المتأخر، على ما اختلفوا فيه، ولأن الدليل العقلي قطعي، والسمعي قطعي، ~~وليسا من باب الكلام، حتي يجعل المراد من العام الخاص، فيجب التوقف في ذلك، ~~بخلاف ما إذا كانا سمعيين، لأن الكلام من جنس الكلام، فيجعل الكلامان كلاما ~~واحدا، ويصير متكلما بما سوى المخصوص، والتكلم بالعام ويراد به الخاص جائز، ~~كما في الاستثناء. # فأما عامة الفقهاء [ف] قالوا: إن الصبيان والجانين هل أريدوا بقوله ~~تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (¬1) ودخلوا تحته أم لا؟ فإن قلتم: ~~نعم، فهذا محال عقلا، وهو تكليف من لا يفهم، وتكليف العاجز. وإن قلتم: لا، ~~وعرفنا بالعقل أنهم ما ms142 كانوا مرادين بهذا النص، فهذا تفسير التخصيص عندنا. ~~وإن (¬2) كنتم لا تسمونه (¬3) تخصيصا، فنحن نسميه تخصيصا، ومرادنا من ~~التخصيص هذا أن النص العام يراد ول الخاص ولا منازعة في العبارة. فإن قاتم: ~~نتوقف، فهو باطل، لأن العقل يقتضي أنهم غير داخلين تحت الخطاب، فلا يجوز ~~القول بالتوقف من غير دليل. # قولهم: إن الدليل العقلى (¬4) قطعي، وهو سابق - فنقول: الدليل ما يكون ~~معرفا للحكم المطلوب، سواء كان سابقا أو مقارنا أو متأخرا، فإن الخاص إذا ~~كان سابقا [ف] قد يكون محصصا للعام عند بعض أصحابكم، وهو دليل قطعي سابق، ~~على أن كل سابق مقارن، فيجوز (¬5) التخصيص به من حيث إنه مقارن، لا من حيث ~~إنه سابق. PageV01P319 # قولكم: إنهما (¬1) من جنس الكلام، فتصير قرينة، ويصيران (¬2) بمنزلة كلام ~~واحد، ضرورة العمل بالدليلين، فنقول: ما ذكرتم طريق ودليك لعرفة أن (¬3) ~~"المراد من العام الخاص، والعقل دليل على أن المراد من العام الخاص، فيكون ~~(¬4) ذلك حقيقة أو مجازا على ما مر، فيكون عملا با إلى ليلين، لتعذر القول ~~بالتناسخ، لكون الدليل سابقا أو مقارنا، فلا فرق بينهما من حيث المعنى. # مسألة - التخصيص بالقياس الشرعي، هل يجوز؟ # قال بعض أهل الحديث الذين قالوا: كل مجتهد مصيب - إنه جائز (¬5). # وهو قول المعتزلة، سواء خص منه (¬6) بعضه أو لم يخص. # فاتفقوا في الجواب مع اختلاف الطريق: # فالمعتزلة: مع أن عندهم العام يوجب العلم قطعا، ولكن القياس عندهم دليل ~~قطعي، فجوزوا التخصيص به وبنوا (¬7) على أصلهم أن القياس دليل قطعي، لأن ~~المجتهد مصيب على كل حال، وقالوا: إن على قضة الأصل، الذي ذكرنا، ينبغي أن ~~يجوز النسخ به، إلا أنه امتنع شرعا، بدليل سمعي، وهو إجماع الأمة. # وقال مشايخ العراق: لا يجوز، لأن العام عندهم موجب للعلم قطعا، والقياس ~~الشرعي فيه احتمال، فلا يصلح مخصصا، وسووا بين العام PageV01P320 # الذي خص بعضه إذا كان المخصوص معلوما، وبين العام الذي لم يخص منه شيء. # وعلى قياس قول أصحاب الشافعي: يجوز، لأن العام عندهم غير موجب العلم ~~(¬1)، فهو نظير القياس من هذا ms143 الوجه. # وأما مشايخ سمرقند: [ف] لم يرو عنهم، نصا، أنهم يجوزون أم لا. فلو (¬2) ~~قيل بالجواز على أصلهم لا يبعد. ولكن الأصح عندهم أنه لا يجوز، وإن كان في ~~النص العام احتمال، لأن الاحتمال في القياس أكثر، والاحتمال على مراتب؛ ~~بعضه فوق بعض - أليس أن خبر الواحد محتمل، وهو مقدم على القياس لما ذكرنا - ~~فكذا هذا. # وقال مشايخ العراق: لا يجوز، لأن العام عندهم يوجب العلم قطعا، والقياس ~~الشرعي فيه احتمال، فلا يصلح تخصيصا (¬3). # وبعض المشايخ (¬4) فرقوا بين العام المخصوص وبين العام الذي لم يخص، ~~وجوزوا تخصيص المخصوص، دون الذي لم يخص منه، ولم يتضح الفرق - والله أعلم. # مسألة - أما التخصيص بالدليل السمعي: # فإن كانا مثلين: يجوز، كتخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الخبر (¬5) ~~المتواتر بالمتواتر، وتخصيص الكتاب بالخبر المتواتر، والمتواتر بالكتاب. PageV01P321 # نظير الكتاب بالكتاب قوله تعالى: "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا" (¬1) عام خص منه الحامل بقوله تعالى: ~~"وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" (¬2). # ونظير تخصيص (¬3) الكتاب بالخبر المتواتر قوله تعالى: "يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" (¬4): خص منه القاتل والكافر، بقوله عليه ~~السلام: "لا يورث القاتل (¬5) بعد صاحب البقرة "، وقال عليه السلام: "لا ~~يتوارث أهل ملتين شتى". # وكذا يجوز الخصيص بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله تعالى ~~قال: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (¬6) - فهذا عام، ~~خص منه المحصن (¬7)، بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث رجم ماعزا. # وكذا يجوز بالإجماع، نظيره قوله تعالى في الإماء: "فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب" (¬8) خص الإماء عن آية الزنا في إيجاب الجلد (¬9) ~~مائة، حيث يجب عليهن خمسون. ثم خص آية الجلد في حق العبيد، بإجماع الأمة، ~~حتى تنصف في حقهم. # وأما تخصيص الكتاب والمتواتر بخبر الواحد: # فعلى قياس قول المعتزلة: جائز، كما في القياس، إلا أن النسخ لا يجوز به ~~شرعا. PageV01P322 # وعلى قياس قول الشافعي رحمه الله: جائز (¬1). # وبعض مشايخنا فرقوا بين عام خص بعضه، وعام لم يخص - فجوزوا تخصيص المخصوص ms144 ~~بعضه به، ولم يجوزوا تخصيص غير المخصوص به. # وعلى قياس قول مشايخ العراق: لا يجوز إذا كان عاما لم يخص، أو خص، ~~والمخصوص معلوم. # وعلى قول مشايخ سمرقند: إن قيل إنه (¬2) يجوز: فلا بأس. والأصح أنه لا ~~يجوز، لأن الاحتمال في خبر الواحد فوق الاحتمال في العام - والله أعلم (¬3). # مسألة - العام هل يبنى (¬4) على الخاص أم لا؟ # اختلف أهل الأصول فيه: # قال مشايخ العراق من أصحابنا: إن العام لا يبنى (¬5) على الخاص، بل يقضي ~~العام على الخاص. وتفسير هذا: # إذا ورد النصان (¬6): عام وخاص: إما إن عرف تاريخهما أو لم يعرف: # - فإن عرف تاريخهما، وبين النصين زمان يصح فيه التناسخ، بأن كان يمكان ~~فيه الاعتقاد والعمل أو الاعتقاد لا غير، على حسب ما اختلف فيه: [ف] إن كان ~~الخاص سابقا والعام متأخرا: فإنه ينسخ PageV01P323 # الخاص به. كان كان العام سابقا والخاص متأخرا: فإنه ينسخ العام بقدر ~~الخاص، ويبقى الباقي. # - وأما إذا ورد النصان معا، أو كان بينهما زمان لا يصح فيه النسخ: فإنه ~~يبنى (¬1) العام على الخاص، على طريق البيان، فيكون المراد من العام ما ~~وراء المخصوص. # هذا قول مشايخ العراق. وهو قول القاضي الإمام (¬2) أبي زيد رحمه الله، ~~ومن تابعه من ديارنا. # وقال أصحاب الشافعي بأنه يبنى (¬3) العام على الخاص في الفصلين، حتى إن ~~الخاص إذا كان سابقا والعام لاحقا يكون الخاص (¬4) مبينا للعام، ويكون ~~المراد من العام ما وراء قدر المخصوص (¬5) بطريق البيان، لا أن (¬6) العام ~~المتأخر ينسخ الخاص. # وعلى قول مشايخ سمرقند: كذلك الجواب (¬7) فيما إذا لم يكن بينهما زمان ~~يصلح للنسخ. فأما إذا كان بينهما زمان يصح فيه التناسخ: قالوا: يتوقف في حق ~~الاعتقاد، ويعمل والنص العام بعمومه، ولا يبنى (¬8) على الخاص، لأن عندهم ~~العام لا يوجب العلم قطعا، لاحتمال الخصوص، والخاص كذلك لاحتمال المجاز، ~~فلابد من التوقف، أو يحتمل أن PageV01P324 # يكون النص الآخر بطريق البيان. ويجوز أن يكون بطريق النسخ فلا يقطع (¬1) ~~القول بأحدهما، ولكن في حق العمل يجب العمل بالعام، ولا يترك العمل بقدر ms145 ~~الخاص على ما نذكر هذا إلى بعده (¬2) في أوضح منه. # والشافعي رحمه الله (¬3) يقول: إن العام والخاص سواء في أن كل واحد كل ~~منهما لا يوجب العلم قطعا وبين النصين تناف، لكن العمل بالخاص أولى، لأنه ~~أقوى، لأن الاحتمال فيه أقل، لأنه يحتمل المجاز لا غير. فأما العام [ف] ~~يحتمل الخصوص ويحتمل المجاز، فما كان أقل احتمالا فهو أقوى، فيكون أولى، ~~بمنزلة خبر الواحد مع القياس. ولهذا إذا وردا معا، فالعمل بالخاص أولى. # و (¬4) أما أصحابنا من مشايخ العراق [ف]، قالوا: إن النص العام المتأخر ~~يوجب العلم قطعا. والخاص كذلك. وحكمهما مختلف. فيجب (¬5) أن يكون التأخر ~~ناسخا للمتقدم عند وقوع التعارض من حيث الظاهر، دفعا للتناقض والتعارض عن ~~دلائل الله تعالى، ويكون هذا عملا بالدليلين: بالخاص والعام (¬6) جميعا، ~~لأن الخاص كان موجبا في بعض الأزمان، والعام التأخر يكون موجبا في المستقبل ~~فيما يعارضه الخاص ظاهرا، وفيما ذكر الخصم يكون عملا بالخاص فيما مضى وفي ~~المستقبل، وتركا للعمل (¬7) في النص العام في حق هذا الحاكم أصلا، فإنه ~~يبين أنه لم يكن PageV01P325 # مرادا به (¬1)، وإن كان ظاهر النص تناوله، ولا شك أن العمل بالدليلين ~~أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر بخلاف ما إذا وردا معا أو في حكم ~~المقارن، لأنه (¬2) لا يمكن العمل بالدليلين ثمة، لأنه لا يحتمل النسخ، ولا ~~وجه إلى القول بالتضاد والتناقض في أحكام الله تعالى (¬3)، وأمكان رفع ~~التناقض بجعل النص (¬4) الخاص قرينة للعام، بمنزلة الاستثناء، من فيكون ~~تكلما بالباقي، فلم يكن العام (¬5) موجبا للحكم في مقدار الخصوص، بخلاف ~~المتأخر - فهو الفرق بركان الفصلين، وهو واضح. هذا إذا عرف تاريخه (¬6). # وأما إذا كان لا يعرف التاريخ: فيجوز أنهما وردا معا. ويجوز أن يكون ~~أحدهما متأخرا. أو عرف أن بينهما زمانا يجوز فيه التناسخ، لكن لا يعرف ~~السابق في من اللاحق. # فعلى قول الشافعي رحمه الله: لا يختلف الجواب، والعمل بالخاص أولى، لما ~~قلنا من المعنى. # وعلى قول مشايخ العراق: يتوقف إلى أن يوجد دليل الرجحان لأحدهما. وقبل ~~وجود المرجح ms146 يتوقف لقيام التعارض ظاهرا. # وبعض مشايخنا رحمهم الله قالوا: إنه إذا كان لا يعرف السابق من اللاحق، ~~ولا القرآن من التأخر (¬7) من جعل كأنهما وردا معا، كما في PageV01P326 # الغرقى والحرقى في حق الميراث: يجعل كأن الموت حصل جملة في حالة واحدة، ~~حتى لا يرث بعضهم من بعضهم. # وهو (¬1) فاسد على قول مشايخ العراق، وعلى (¬2) قول من يقول إن العام ~~يوجب تناول كل فرد كأنه نص عليه: لأنه يجوز أن يكون أحدهما متأخرا فيكون ~~ناسخا، فلا يجوز أن يكون تخصيصا، لأن تخصيص المتأخر عندهم لا يجوز. ويجوز ~~أنهما وردا معا، فيكون تخصيصا، فلا يحمل على أحدهما بالشك، فيجب التوقف. # وكذا على قول مشايخنا: لاحتمال النسخ، على ما ذكرنا، فيتوقف في الاعتقاد ~~دون العمل، وإن كان يجوز تخصيص المتراخي عندهم (¬3). والله أعلم. # مسألة - الكلام في (¬4) العام إذا لحقه خصوص في آخره في بعض ما تناوله ~~النص - هل يوجب سلب (¬5) عموم أوله أم لا؟ # قال عامة الفقهاء: لا يوجب. # وقال بعض أصحابنا: إنه يوجب، ويصير النص العام (¬6) خاصا من الابتداء في ~~حق من يصح الخصوص في حقه. ولا يبقى العام موجبا للحكم في حق من لا يصح في ~~حقه الخصوص. PageV01P327 # وعند مشايخ سمرقند كذلك (¬1). وإنما يثبت الحكم في حقهم بدليل آخر إن ~~كان، وإلا فيبقى على أصل العدم. # وهو قول أصحاب (¬2) الشافعي. # ويستوي الجواب فيما إذا كان التخصيص بالاستثناء، أو بالشرط، أو بالصفة ~~(¬3)، أو بكلام منفصل (¬4) مقارن له. # نظير الاستثناء قوله تعالى: "وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون" (¬5) - "لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين" (¬6). [ف] ظاهر النص وعمومه ~~(¬7) يقتضي تنصف المفروض في الطلاق قبل المسيس في حق جميع النساء، صغيرة ~~كانت الأنثى أو بالغة، مجنونة أو عاقلة، حرة أو أمة، ثم قوله: "إلا أن ~~يعفون" استثناء خاص في حق البالغة العاقلة الحرة. # فعند العامة: ms147 اختص الاستثناء في حق هؤلاء، في حق هذا الحكم، وهو صحة ~~العفو، وبقي صدر النص عاما في حق تنصف المفروض بالطلاق (¬8) في حق كل ~~النساء. PageV01P328 # وعند الفريق الثاني: لما اختص الاستثناء بهؤلاء ت دون الصغيرة والمجنونة ~~والأمة، صار صدر الآية عاما في حقهن لا غير، كأنه نص عليهن. # وجه قول العامة أن اللفظ العام موجبه العموم (¬1) في كل ما يصلح له اللفظ ~~فيتناوله (¬2). وإنما يجب ترك العمل به، لضرورة التخصيص، والضرورة في حق من ~~ورد فيه التخصيص وصح في حقه شرعا، ولا ضرورة في حق من لم يصح التخصيص في ~~حقه، فيببقى العام عاملا في حقه من غير ضرورة. # وجه قول الفريق الثاني أن قوله تعالى: "إلا أن يعفون" شرح كناية عن ~~النساء التي سبق ذكرها، والكناية تنصرف إلى المكني السابق، فتبين أن الداخل ~~تحت النص العام من دخل تحت الاستثناء والتخصيص، كمن قال لغيره: "اضرب عبيدي ~~الآبقين (¬3) إلا أن يتوب منهم" كان هذا الكلام خاصا في حق غير التائبين من ~~الابتداء كأنه قال: "اضرب عبيدي الآبقين (¬4) الذين لم يتوبوا" - فكذلك ~~(¬5) هذا. # و (¬6) قولهم: إن العام يوجب العمل بعمومه - فنقول: هم في موضع لم يرد ~~الخصوص في حق البعض، فأما إذا ورد، يصير كأن النص العام ورد في حق البعض ~~ابتداء، إطلاقا لاسم العام على الخاص، كمن قال: "أكرم عبيدي الطوال": يكون ~~النص خاصا في حق الطوال من الابتداء، PageV01P329 # لأن (¬1) قوله: "اضرب عبيدي" عام في حق القصار والطوال، ثم خرج القصار - ~~فكذا هذا. # والقول الأول قول مشايخ العراق. # والقول الثاني أقرب إلى قول مشايخنا، وهو الأصح - والله أعلم. # مسألة: # قال عامة الفقهاء: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. # وقال أصحاب الشافعي: إن العبرة لخصوص السبب، ويصير العام خاصا بالسبب. # وصورة المسألة في موضعين: # أحدهما - أن الحادثة إذا كانت وقعت لواحد من الناس في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ونزل (¬2) نص عام في تلك الحادثة: تتناول صاحب الحادثة ~~وغيره: فإن هذا النص عام في حق صاحب الحادثة وغيره، ولا ويختص ms148 به، بسبب ~~وقوع الحادثة له. # وعند أصحاب الشافعي (¬3): يختص بصاحب (¬4) الحادثة، وأريد باللفظ العام، ~~الواحد مجازا. وإنما يثبت هذا الحكم في حق غير صاحب الحادثة بنص آخر أو ~~بالقياس على صاحب الحادثة. # والثاني - إذا خرج كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - جوابا لسؤال ~~السائل: هل يختص بالسائل (¬5)؟ PageV01P330 # فعندهم: يختص. # وعندنا: إذا كان الجواب لا يستقل بنفسه بدون السؤال، يختص به. وإن كان ~~يستقل بنفسه ويكون مفيدا للحكم في حق السائل وغيره، لا يختص به بل يعتبر ~~عموم الجواب. # فهم احتجوا بالموجود (¬1) في الكتاب، والسنة، وعرف الناس، ونوع كل من ~~المعقول: # - أما الكتاب: قال الله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا (الآية) " (¬2) فقوله (¬3): "قل لا ~~أجد فيما أوحي إلي محرما" عام في جميع المطعومات إلا المستثني. ثم كثير من ~~الأشياء، غير (¬4) المستثنى منه، حرام من البغل والحمار والضبع وسائر ~~السباع ونحوها، ولكن اختص العام بالسبب فإن سبب نزول الآية أن الكفار كانوا ~~يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي (¬5) PageV01P331 # ونحو ذلك، فأنزل الله تعالى الآية وأخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~بأن يقول للكفار: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما (الآية) " (¬1) يعني لا ~~أجد في كتاب الله تعالى مما تحرمون أنتم محرما إلا هذه الأشياء. # - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (¬2): "لا ربا إلا في ~~النسيئة". والربا يجري في النقد بإجماع الصحابة، ولكن الحديث ورد في حادثة ~~خاصة فاختص (¬3) بها، فإنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل ~~(¬4) عن الربا في مختلفي الجنس فقال عليه السلام: " لا ربا إلا في النسيئة" ~~كأنه قال: "لاربا في مختلفي الجنس إلا في النسيئة". # - وأما العرف: فإن من قال لآخر: "تعال تغد معي" فقال: "والله لا أتغدى" ~~يقع على ذلك الغداء، حتى لو تغدى معه بعد ذلك لا يحنث. وكذا لو تغدى في ذلك ~~الوقت (¬5) مع غيره لا يحنث. فقوله: "والله (¬6) لا أتغدى" عام بنفسه ثم ~~اختص بذلك الغداء، ms149 لأن السبب (¬7) الداعي إلى الحلف هو ذلك الغداء معه (¬8) ~~فاختص بالسبب. PageV01P332 # - وأما المعقول: فلأن الجواب يختص (¬1) بالسؤال، خصوصا إذا كان الجواب لا ~~يكون مفيدا (¬2) بنفسه لمعنى، لكن (¬3) ذلك المعنى موجود في الفرع. وهو أنه ~~لو لم يختص بالسؤال لم يكن في ذكر (¬4) السؤال والجواب فائدة - فكذا إذا ~~نزلت الآية في حادثة خاصة، في حق شخص خاص: لو لم يختص بصاحب الحادثة ولم ~~تنزل قبل وقوع الحادثة وقبل سؤال صاحب الحادثة لم تظهر فائدة نزول (¬5) الآية. # ولكن عامة الفقهاء احتجوا وقالوا: # - إن (¬6) عامة النصوص، نحو آية الظهار (¬7) واللعان (¬8) والقذف (¬9) ~~والزنا (¬10) والسرقة (¬11) ونحوها، نزلت عند وقوع الحوادث (¬12)، لأشخاص ~~معلومين. [ف] لو اختصت بالحوادث، لم يكن الأحكام كلها ثابتة بالكتاب والسنة ~~تنصيصا، إلا في حق أقوام مخصوصين، وهذا محال عقلا، ومخالف الإجماع الأمة. # - والمعقول يدل عليه، وهو أن اللفظ العام يوجب العمل بعمومه، وإنما يترك ~~بدليل التخصيص، إذا كان متصلا به، من حيث الاستثناء والصفة والشرط والغاية ~~على، ما ذكرنا، ويصير خاصا في المذكور. فأما التخصيص PageV01P333 # المنفصل المقارن: [ف] يجب أن يكون حكمه مخالفا لحكم العام، حتى يصح ~~التخصيص، كقوله: "اقتلوا المشركين ولا تقتلوا أهل الذمة" فيخص أهل الذمة من ~~اللفظ العام. وفي مسألتنا صاحب الحادثة غير مذكور متصلا باللفظ العام، ~~فيحتاج إلى الإضمار، وهو شيء منفصل، واللفظ العام تناوله (¬1) وغيره من ~~الناس، فلا يكون الحكم في حقه خلاف حكم (¬2) غيره، حتى يخص من الجملة، ~~فيكون ذكره على الخصوص بعدما صار مذكورا بطريق العموم، من باب التأكيد - ~~ألا ترى أن من قال لغيره: "اعتق عبيدي" ثم قال مقارنا للأول: "اعتق عبدي ~~سالما"، لا يكون هذا تخصيصا، بل يكون تأكيدا لا ثبت باللفظ العام، لأن ~~سالما دخل تحت قوله: "اعتق (¬3) عبيدي"، فقوله: "اعتق سالما" يوجب زيا دة ~~تأكيد (¬4)، لا أن يصير العام خاصا في حقه مع أن فيه جعل الحقيقة مجازا، ~~وهو إطلاق اسم العام على الخاص، فيكون فيما قالوا تغيير له من وجوه: وهو ~~إثبات ما ليس بمذكور، وهو إضمار صاحب الحادثة. وفي ms150 تخصيص العام به دون غيره ~~جعل اللفظ العام (¬5) مجازا من غير ضرورة، ومع ذلك لا يثبت به التخصيص بل ~~يثبت به التأكيد، لأن الحكم غير مختلف، حتى إذا اختلف الحكم يكون تخصيصا، ~~فإن من قالمالغيره: "اعتق عبيدي" ثم قال مقارنا له: "لا تعتق عبدي سالما" ~~يصير مخصوصا من الجملة. # - وفيما تعلق به الخصم من الكتاب والسنة والعرف قام الدليل على أنه لا ~~يمكن العمل بعمومه. ونحن نسلم أنه إذا كان لا يمكن العمل بعمومه، PageV01P334 # تخصص (¬1) بالحادثة، ويصير مذكورا دلالة، فإنه لما لم يمكن العمل بالعموم ~~في قوله تعالى: "قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه" (¬2) لحرمة ~~(¬3) كثير مما لم يذكر في النص المستثنى، فيجب القول بالزيادة على النص ~~المذكور، بإدراج (¬4) السبب الوارد، وهو تحريم الكفار البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحامي ونحوها (¬5)، فيصير كأنه قال: قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما مما تحرمون أنتم من البحيرة وغيرها إلا أن يكون ميتة (الآية) (¬6). # - وكذا في الحديث الذي رويتم: لما كان الربا ثابتا في النقد (¬7)، وقد ~~ورد الحديث في مختلفي الجنس، زيد عليه، واختص بالحادثة، كأنه قال: "لا ربا ~~في مختلفي الجنس إلا في النسيئة". # - وكذا في مسألة الدعاء إلى الغداء: يتقيد اليمين بالغداء المدعو إليه، ~~وإن كان قوله: "والله (¬8) لا أتغدى" عاما، لأن دلالة الحال تدل على أنه لم ~~يرد به العموم، فيقيد (¬9) بالسبب الداعي إلى الحالف، كأنه قال: "والله لا ~~أتغدى هذا الغداء الذي دعوتني إليه"، ومن ادعى في الفرع أنه لا يمكن العمل ~~بعموم اللفظ حتى يقيد (¬10) بالسبب وصاحب الحادثة، فعليه الدليل. PageV01P335 # - قولهم: إنه لو لم يختص بصاحب (¬1) الحادثة لم يكن في نزول النص العام ~~فائدة، كما في الجواب المبني على السؤال - فنقول: فائدة نزول الآية عقيب ~~الحادثة في حق صاحبها: هو ظهور الحكم في حقه، والخروج عن عهدة تلك الحادثة ~~في (¬2) حقه، و (¬3) لا فرق بين أن ينزل الحكم خاصا في حقه أو عاما لدخوله ~~في العام، وهذا لأن النصوص قد تنزل قبل وقوع الحوادث (¬4) وقد ms151 تنزل عندها، ~~ولله تعالى حكمة ومصلحة (¬5) في ذلك كله. # - وهكذا نقول في جواب السائل إذا كان مفيدا (¬6) في نفسه: إنه لا يختص ~~بالسؤال، فأما إذا (¬7) لم يكن مفيدا (¬8) في نفسه [ف] يقتضي إعادة السؤال ~~ويختص به حتى لا يلغو - ألا يرى أن من سأل رجلا فقال: "هل جاري محمد في هذه ~~الدار؟ " فقال: "جميع جيرانك في هذه الدار"، فهذا لا يختص بالسؤال، ويكون ~~جوابا له، لأنه إذا كان جميع جيرانه في الدار، فاب ر المسؤول عنه يكون كذلك ~~أيضا (¬9)، فيحصل للسائل الغرض بالجواب، وإن كان عاما لا خاصا - فكذا ههنا. # - وكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ماء البحر فقال: ~~"الطهور ماؤه والحل ميتته" فالسؤال عن الماء، ثم بين حكم حل (¬10) تناول ما ~~في البحر، وهو زيادة على الجواب، فبقدر السؤال يكون جواب PageV01P336 # السائل (¬1)، وما زاد عليه يكون لابتداء التعليم، فكذا هنا (¬2): يجوز أن ~~يرد لفظ عام فيكون زيادة على الجواب، فبقدر السؤال يكون جوابا، وما زاد ~~عليه يكون لابتداء التعاجم - والله أعلم. ### |||| AUTO فصل في بيان المشترك والمؤول # (¬3) # يحتاج (¬4) إلى: # إثبات الاسم (¬5) المشترك في اللغة. وإلى تفسير المشترك (¬6). وإلى بيان ~~حده (¬7) في عرف اللغة وأهل الأصول. وإلى بيان ما يتعلق به من الحكم. # وإلى تفسير (¬8) المؤول لغة، وشرعا. # أما الأول (¬9) [إثبات الاسم المشترك في اللغة، فنقول]: # قال عامة أهل اللغة بثبوت الاسم المشترك (¬10). # وهو قول عامة أهل الأصول. PageV01P337 # وأنكر ذلك بعض أهل الأدب وبعض الفقهاء، وجعلوا ذلك اسما عاما لمعنى شامل ~~للمختافات والمتضادات، مع كونها مختلفة في أنفسها، فإن اسم الحادث عام يشمل ~~الأضداد والمختلفات، بمعنى الحدوث، لا لما فيها من التضاد والاختلاف. # وبعضهم جعلوه اسما مشتقا. ولهذا المعنى في صنف بعض أهل الأدب كتاب ~~"الاشتقاق". وشبهتهم في ذلك أن الغرض من وضع الأسماء هو التمييز بين ~~الوجودات والتسميات (¬1) خصوصا عند الغيبة. فلو وضعوا لفظا واحدا للشيء ~~وإخلافه ولضده (¬2)، لم يظهر فائدة وضع الأسماء، وهو الإعلام والتمييز، مع ~~قدرة الواضعين على وضع اسم على حدة ms152 لكل شيء (¬3)، إذ باب الوضع متسع لهم، ~~لأكثرة الالفاظ، فكان القول بوضع الاسم (¬4) المشترك نقض (¬5) غرض المواضعة ~~(¬6)، وإنه فاسد. # إلا أن الصحيح قول العامة، لإجماع أئمة اللغة على ذلك: فإنه ثبت عنهم، ~~بالنقل (¬7) المتواتر أنهم قالوا: إن الشفق (¬8) والقرء (¬9) من أسماء ~~الأضداد، وإنه (¬10) من الأسماء المشتركة. وصنف أبو عبيدة (¬11) رحمه الله ~~كتاب "الأضداد". PageV01P338 # ولا يجوز حمل قولهم على تأويل بعيد، في كونه عاما أو مشتقا، إذ ما قالوه ~~كانقول عن أهل الوضع، وهو (¬1) في حد الجواز دون الإحالة (¬2). وبيان ~~الجواز وجهان: # أحدهما - أن الواضعة تابعة (¬3) للأغراض، ليعرف البعض غرض البعض ومرادة ~~الباطن القائم بقلبه، بالأسماء الموضوعة لها (¬4). وكما أن إظهار الغرض ~~بطريق التفصيل والتعيين مراد المتكلم (¬5)، فالإظهار مطلقا مراد في الجملة: ~~فإن الرجل في قول: "أخبرني محمد بن فلان كذا" (¬6) إذا أراد إظهار المخبر ~~به (¬7) بعينه. ويقول: "أخبرني رجل" إذا كان مراده أن له علما بالخبر به ~~(¬8)، ولم يكن مراده إظهار المخير، فكان وضع اسم المشترك ليعرف السامع أصل ~~مراده (¬9)، لا على التفصيل، تم تبين (¬10) بنفسه إن شاء، فدل أنه في حد ~~الجواز والحكمة دون الإحالة. # والثاني - أن العرب قبائل (¬11) متباعدة متباينة، في جوز أن يضع أهل ~~قبيلة اسما (¬12) لشيء معلوم، ويضع أهل قبيلة أخرى، بعيدة عن الأولى، ذلك ~~الاسم لشيء آخر كل ملوم، ثم بعد تقادم الزمان اشتهر ذلك فيما بين PageV01P339 ### ||||| CHECK وأما تفسير المشترك في اللغة # القبائل ورضوا (¬1). بذلك الاسم لكل واحد من المسميين، على الانفراد ~~والبدل، فيصير اسما مشتركا. ومثل هذا يوجد في لسان الفارسية والتركية وكل ~~لسان - فدل أنه لا معنى للإنكار. # وأما تفسير المشترك (¬2) في اللغة # فهو (¬3) مأخوذ من الاشتراك، وهو التساوي (¬4). فالاسم المتساوي في تناول ~~المسميات على البدل (¬5)، يسمى (¬6) مشتركا، لانطلاقه على هذا في حال وعلى ~~الآخرين كذلك (¬7) في حال أخرى، كالشريكين يتهايآن الانتفاع (¬8) بالمشترك. ### ||||| AUTO وأما حده عند أهل الأصول # [ف] هو (¬9) اللفظ الذي (¬10) يتناول (¬11) شيئا واحدا من الأشياء ~~المختلفة أو المتضادة (¬12) عينا عند المتكلم، وهو مجهول (¬13) عند السامع ~~(¬14). PageV01P340 # فإنه قيل: هو أحد ms153 أنواع المجمل، وهو (¬1) معلوم (¬2) عند المجمل، مجهول ~~(¬3) عند السامعين. # وهو نوعان من حيث اللغة، ونوعان من حيث الشرع. # أما أحد نوعي اللغة: [ف] أن يكون اللفظ واقعا على معلوم الأصل، مجهول ~~الوصف عند السامع دون المتكلم - قال الله تعالى: "فإذا قرأناه فاقبع قرانه ~~ثم إن علينا بيانه" (¬4). وذلك (¬5) نحو قوله تعالى: "وآتوا حقه يوم حصاده" ~~(¬6) وقوله تعالى: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (¬7) فإنه معلوم الأصل، ~~مجهول القدر - ونحوه. # والنوع الثاني في اللغة: هو المشترك، وهو أن يكون المراد بالكلام المشترك ~~بين الشيئين وأكثر، كالقرء والعين ونحوهما (¬8)، معلوما عند المتكلم، ~~أحدهما عينا، وهو مجهول عند السامع (¬9). PageV01P341 # وأما النوعان في الشرع: -[ف] أن لا يكون اللفظ في اللغة مجملا، ولكنه ~~(¬1) في الشرع مجمل يحتاج إلى البيان: # أحدهما - أن يكون اللفظ استعمل (¬2) في بعض ما وضع له اللفظ، كالعام الذي ~~خص منه بعض مجهول (¬3). # والثاني - أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له اللفظ، كالمجاز، فقبل البيان ~~يكون مجملا، على ما نذكر. # فعلى هذا: كل مشترك مجمل، وليس كل مجمل مشتركا (¬4). # ثم المشترك: # - خلاف العام، فإن العام (¬5) يتناول الأشياء من جنس واحد (¬6)، بمعنى ~~واحد (¬7) يشمل الكل، والمشترك ما يتناولها بمعان مختلفة (¬8). # - وهو خلاف الطلق أيضا، فإن المشترك (¬9) يتناول واحدا عينا عند المتكلم ~~مجهولا عند السامع. والمطلق يتناول واحدا (¬10) غير عين شائعا في الجنس - ~~يتعين ذلك باختيار من فوض إليه. وذلك في حق المتكلم من العباد: أن المراد ~~عنده أحدهما غير عين، لاستواء الكل في PageV01P342 # الغرض. والمقصود يتعين باختيار المأمور قول القائل: "اعط هذا الدرهم رجلا ~~من الرجال" فهو أمر بالإعطاء إلى واحد من الرجال غير عين عند الآمر ~~والمأمور، ولكن يتعين باختيار المأمور. فأما إذا كان المتكلم هو الله ~~تعالى: فإنه معلوم عنده أن الراد من هو (¬1) لاستحالة الجهل عليه فيما ~~يتصور العلم فيه، وإن كان مجهولا عند المأمور، كقوله تعالى: "فتحرير رقبة ~~مؤمنة" (¬2): يتناول واحدا غير عين في حق المأمور، [ف] يتتعين باختياره، ~~ولكنه معلوم عند الله تعالى أن الرقبة الواجبة التي يعينها ms154 المأمور من هي. # وأما بيان الحكم [فنقول]: # قال عامة الفقهاء: إن حكمه أن (¬3) يتناول أحد الأشياء عينا (¬4) عند ~~المتكلم، وهو مجهول عند السامع لا يصير معلوما له (¬5) إلا بدليل زائد من ~~جهة المجمل، وليس بعام يشمل الكل. # وهو اختيار أبي الحسن الكرخي (¬6): أن المشترك لا عموم له. # وهو مذهب المتأخرين من المعتزلة كأبي هاشم (¬7) ومن تابعه. # وقال عامة أصحاب الحديث: إن له عموما من حيث الصيغة حتى يتناول الأشياء ~~المختلفة على طريق الشمول، ولكن لا يتناول الأشياء PageV01P343 # المتنافية، لا لإجمال في اللفظ، لكن (¬1) لاستحالة الجمع بين الأشياء # المتنافية في حالة واحدة - وهو قول قدماء من المعتزلة مثل الجبائي (¬2) # ومن تقدمه. # وكذا (¬3) على هذا الخلاف: هل يجوز أن يراد براللفظ الواحد الحقيقة ~~والمجاز في حالة واحدة إذا لم يكن بين حكميهما منافاة؟ # و (¬4) قال (بعض أهل التحقيق: يجوز من حيث العقل أن يراد في اللفظ الواحد ~~كلاهما. ولكن أهل اللغة ما وضعوه إلا لأحدهما عينا مجملا عند السامعين ~~معلوما عند المتكلم. # فالفريق الأول اعتمد (¬5) على ما ذكرنا من وضع أهل اللغة القرء والعين ~~والجارية لأحد المعنيين عينا، إما من أهل القبيلتين أو أكثر على الانفراد ~~(¬6)، بأن وضع كل قبيلة اللفظ لمسمى (¬7) واحد ثم صار مشتركا فيهما (¬8) ~~بعد ذلك، أو من جميع أهل الوضع لإرادة الإبهام (¬9) والإجمال على السامع. ~~فإن قال: إنه يراد به كلاهما في حالة واحدة فقد PageV01P344 # خالف وضع أرباب (¬1) اللغة ونسخ وضعهم، وهذا لا يجوز. وكذا في الحقيقة ~~والمجاز. فالحقيقة (¬2) ما اقتصر في (¬3) موضع الوضع، والمجاز ما جاوز عن ~~محل الوضع إلى غيره وتعداه (¬4) على ما نذكره (¬5). فاللفظ (¬6) الواحد في ~~زمان واحد لا يتصور أن يكون كل مقتصرا على محل، متعديا عن ذلك المحل بعينه. # والفريق في الثاني قالوا: إن طريق في الاسم المشترك ما ذكرنا من وضع كل ~~قبيلة اسما (¬7) لمسمى ووضع قبيلة أخرى ذلك الاسم (¬8) لمسمى آخر، ثم اشتهر ~~ذلك بينهم، ورضي (¬9) كل قبيلة بوضع القبيلة (¬10) الأخرى، فيصير بمنزلة ما ~~لو وضعوا جملة في الابتداء الاسم على ms155 مسمين مختلفين. ولو كان في الابتداء ~~وضع الواضعون (¬11) الاسم على معنيين مختلفين لكان عاما، فكذلك إذا وجد ~~الرضا منهم بذلك في الانتهاء - نظيره الإجماع الذي ينعقد بسماع قول البعض ~~والرضا من الباقين، نظير وجود النطق من الكل. وكذلك القول في الحقيقة ~~والمجاز: فإن الجاز ثبت بوضع أرباب اللغة، كالحقيقة، إلا أنه بوضع طارئ ~~(¬12) مع بقاء الوضع الأول (¬13)، PageV01P345 # والحقيقة بالوضع الأول، أو الحقيقة بوضع اللفظ نفسه لمسمى (¬1) معلوم، ~~والجاز بوضع الطريق. ولو وضعوا في أصل الوضع الاسم لهذين الشيئين كان شاملا ~~لهما، فكذلك (¬2) إذا ثبت بالوضع الطارئ أو بوضع الطريق. ولهذا قلنا في ~~قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم" (¬3) يراد به حرمة نكاح الوطوءة ~~والنكوحة جميعا، ولا يقال: إنه أريد (¬4) به أحدهما والآخر ثبت بدليل آخر، ~~لأنه يمكن الحمع بينها حقيقة، وهو جائز في اللغة - يدل (¬5) عليه أنه ~~يستقيم أن يقال: لا تنكح ما نكح أبولا لا عقدا ولا وطئا، ولو لم يكن جائزا ~~لما (¬6) صح البيان به ذكرا وهذه مسألة طويلة. # مسألة - المشترك: هل يعم في موضع النفي أم لا؟. # من قال: يعم (¬7) في موضع الإثبات، يقول، بالعموم في موضع النفي. # ومن أنكر العموم في موضع الإثبات اختلفوا: قال بعضهم: يعم. وقال بعضهم: ~~لا يعم. # فمن قال بالعموم استدل بالنكرة: أخها في موضع الإثبات تخص، و (¬8) في ~~موضع النفي تعم. فكذلك (¬9) المشترك، لأن كل واحد منهما يتناول واحدا ~~(¬10). PageV01P346 # وجه قول الفريق الثاني أنا اققنا (¬1) أن اللفظ ليس في بعام في موضع ~~الإثبات، وإنما ينتفي بإدخال حرف النفي في الكلام ما يتناوله اللفظ في موضع ~~الإثبات. فإذا كان بحكم اللفظ لا شمول له، فكيف ينتفي على العموم بخلاف ~~النكرة في موضع النفي حيث لا تعم (¬2) في موضع الإثبات وتعم (¬3) في مو ضىح ~~النفي، لأن ثمة (¬4) عموم الانتفاء ليس من موجب اللفظ، وإنما كان بطريق ~~الضرورة، ومثل تلك الضرورة لم توجد في المشترك. # بيانه: أن من أخبر وقال: "ما رأيت رجلا" أخبر عن نفي رؤية رجل غير عين، ~~وهي (¬5) نفي رؤية ms156 ذات قام به صفة (¬6) الرجولة (¬7)، ومن ضرورة صدق خبره ~~بنفي رؤية واحد غير عين انتفاء رؤية كل رجل، إذ لو كان رأى رجلا يكون (¬8) ~~كاذبا في خبره، ولو نفى رؤية رجل معين بأن قال: "ما رأيت زيدا" (¬9) لا ~~يعم، لأنه ليس من ضرورة نفي رؤية زيد معلوم (¬10) نفي رؤية غيره، - في لو ~~رأى غيره لا يكون كاذبا في خبره، وفي المشترك لا ضرورة، لأنه يتناول واحدا ~~عينا مجهول الذات (¬11) عند السامع معلوما عند المخبر، فليس (¬12) من ضرورة ~~نفي رؤيته نفي (¬13) رؤية غيره، مما يدخل تحت PageV01P347 # الاسم، فإنه إذا قال: " ما رأيت (¬1) العين اليوم" وأراد به (¬2) نفي ~~رؤية الشمس، وقد رأى واحدا من أشراف البلد الذي يسمى "عينا" لا يكون كاذبا ~~في خبره، فلم وتعمم بطريق في الضرورة - فهو الفرق بينهما. ### ||||| AUTO وأما المؤول # فهو ما تعين عند السامع بعض وجوه المشترك، بدليل غير مقطوع به. # وكذا المجمل والمشكل: إذا صار المراد جهما معلوما من حيث الظاهر، بدليل ~~غير مقطوع به (¬3). # [وهو] مأخوذ من قول العرب "آل يؤول" أي (¬4) رجع (¬5) يسمى (¬6) مؤولا ~~(¬7)، لأن مرجع مراد المتكلم عند السامع هذا، بنوع دليل مجتهد فيه. ويقال: ~~"أولته تأويلا" أي صرفت اللفظ عما يحتمل من الوجوه إلى شيء معين، بنوع رأي ~~واجتهاد، ويصير ذلك عاقبة الاحتمال (¬8) بنوع رأي واجتهاد - قال الله ~~تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله" (¬9) أي عاقبته. فأما إذا تعين بعض وجوه ~~المشترك في بليك قطعي، أو المشكل أو (¬10) المجمل متي أريد به شيء قطعا سمي ~~(¬11) مفسرا على ما نذكر إن شاء الله تعالى (¬12). PageV01P348 ### |||| AUTO فصل في بيان الظاهر، والنص، والمفسر، والمبين، والبيان، والمحكم وما يقابلها من الألفاظ الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابه # (¬1) # يحتاج إلى: # تفسير هذه الألفاظ لقوله، وإلى تحديدها عند أهل الأصول (¬2). # وإلى ما يتعلق بها من الأحكام، وما يتصل بها من المسائل. ### ||||| AUTO [1] # [أما تفسير هذه الألفاظ لغة، وحدها عند أهل الأصول] # أما الظاهر: # فهو مشتق من الظهور، وهو الوضوح والانكشاف لغة (¬3). # وأما حدة: فاللفظ (¬4) الذي انكشف معناه اللغوي (¬5)، واتضح للسامع ms157 من ~~أهل اللسان (¬6) بمجرد السماع من غير قرينة ومن غير (¬7) تأمل، PageV01P349 # وذلك نحو قوله تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" (¬1) فهو ظاهر (¬2) ~~في الإحلال والتحريم، فإنه يفهمه (¬3) السامع العربي من غير تأمل. # وأما النص: # فهو الظاهر (¬4) الذي سيق الكلام له الذي (¬5) أريد (¬6) في الإسماع ~~والإتزال، دون ما دل عليه ظاهر اللفظ لغة (¬7). نحو قوله تعالى: "وأحل الله ~~البيع وحرم الربا" (¬8) فالكلام سيق لبيان التفرقة (¬9) بين البيع والربا ~~لا لإحلال البيع وتحريم الربا، فإن الكفار ادعوا المماثلة بينهما كما أخبر ~~الله تعالى عنهم بقوله تعالى: "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل ~~الله البيع وحرم الربا" (¬10) أي فرق بينهما وفصل، فتكون هذه الآية ظاهرا ~~من حيث إنه أضهر بها إحلال (¬11) البيع وتحريم الربا بسماع (¬12) الصيغة من ~~غير قرينة (¬13)، ونصا من حيث عرف بها PageV01P350 # التفرقة بإنهما بقرينة صدر الآية من دعوى المماثلة من الكفرة بينهما. # وأما المفسر: # فهو في اللغة اسم للظاهر المكشوف المراد، مأخوذ من الفسر (¬1)، مقلوب من ~~السفر وهو الإظهار والكشف - يقال: سفرت المرأة إذا كشفت (¬2) النقاب عن ~~وجهها، وأسفر الصبح إذا أضاء إضاءة تامة. # وهو - من حيث اللغة - والظاهر والنص سواء، لأن ما هو معني اللفظ لا يخفى ~~على من كان من أهل اللسان، إنما الخفاء (¬3) في مراد المتكلم، لاحتمال ~~تناول اللفظ غيره دونه، بأن كان مجملا (¬4) أو مشتركا. # وأما حده عند التكلمين وأهل الأصول: فما (¬5) ظهر به مراد المتكلم ~~للسامع؛ من (¬6) غير شبهة، لانقطاع احتمال غيره، بوجود الدليل القطعي على ~~المراد. وكذا سمي (¬7) مبينا ومفصلا لهذا. وقد سمي الخطاب والكلام مفسرا ~~ومبينا بأن كان كل مكشوف المراد من الأصل، بأن لم يحتمل إلا وجها واحدا. ~~كما يقع على المشترك والمشكل والمجمل الذي صار مراد المتكلم معلوما للسامع، ~~بواسطة انقطاع الاحتمال وارتفاع الإشكال (¬8). PageV01P351 # وأما البيان: # [ف] في اللغة يستعمل (¬1) في الظهور والانكشاف، ويستعمل في الإظهار. ~~وأصله من البين وهو الانفصال - في قال: "أبان رأسه فبان" أي فصل (¬2): سمي ~~به، لأن الشيء إذا انفصل عن أمثاله يظهر. # وفي عرف ms158 الشرع: عام وخاص. فالعام هو الدلالة، فيدخل فيه الدليل العقلي ~~والسمعي. والخاص هو بيان المجمل والمشكل والمشترك وبيان العموم (¬3). # وهو دليل (¬4) تخصيص الأعيان، وبيان النسخ، وهو تخصيص الأزمان (¬5) # فأما (¬6) إذا زال الإشكال بدليل فيه شبهة، كخبر الواحد والقياس [ف] لا ~~يسمى مفسرا مبينا، ولكن يسمى مؤولا على ما مر ذكره (¬7). # وأما المحكم: # [ف] في اللغة اسم للشيء المتقن: مأخون من إحكام البناء. يقال: "بناء ~~محكم" أي متقن لا وهاء (¬8) فيه ولا خلل. ويقال: لفظ محكم أي لا احتمال في ~~بيانه. PageV01P352 # وأما حده في عرف أهل الأصول، [ف] ما أحكم المراد به قطعا. # وهو نوعان: # أحدهما - ما لا يحتمل التبدل والانتساخ أصلا، وهو الدلائل العقلية ~~القائمة على حدث العالم وقدم الصانع وتوحيده ونحو ذلك. # والثاني - الدلائل السمعية القطعية بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، لأنها تحتمل الانتساخ في زمنه مع كونها محكمة. قال الله تعالى: ~~"منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" (¬1) سمي بعضها (¬2) محكما ~~في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع احتمال النسخ - والله أعلم. # وأما (¬3) بيان الألفاظ المقابلة لما قلنا: # فالخفي (¬4): # مأخوذ من الخفاء، وهو خلف الظاهر والنص والمفسر، لأنه عبارة عما هو لفظ ~~غريب (¬5)، نحو العقار للخمر، والقطر للنحاس، ونحو ذلك. فيكون الخمر اسما ~~ظاهرا، والعقار اسما خفيا. # وكذلك إذا كانت استعارة بديعة ومجازا دقيقا، كقوله تعالى: "واشتعل الرأس ~~شيبا" (¬6) فإن طرق الاستعارة والمجاز كثيرة (¬7) عند العرب، بعضها فيه ~~خفاء ودقة. PageV01P353 # وأما المشكل: # فهو مأخوذ من قولهم "أشكل" أي دخل في أمثاله وأشكاله (¬1)، كما يقال أشتى ~~إذا (¬2) دخل في الشتاء. # وأما حده فهو (¬3) اللفظ الذي اشتبه مراد المتكلم للسامع، بعارض الاختلاط ~~بغيره من الأشكال، مع وضوح معناه اللغوي على مقابلة النص. وهو (¬4) ما تعين ~~مراد التكلم منه (¬5) للسامع بقرينة مذكورة أو دلالة حال، مع ظهور معناه ~~الموضوع له (¬6) لغة. # وأما المجمل: # فهو، من حيث (¬7) اللغة، يستعمل في شيئين: # يقال: "أجملت الحساب" إذا جمعت الحساب التفرق (¬8). وعلى هذا يجوز (¬9) ~~إطلاق اسم المجمل على العام، لأنه ms159 يتناول جملة من السميات (¬10). # ويستعمل في الإبهام والإخفاء - يقال: "فلان أجمل الأمر علي"، أي أبهم # وأما حده: [ف] هو اللفظ الذي يحتاج إلى البيان في حق السامع، PageV01P354 # مع كونه معلوما عند المتكلم (¬1)، وهو معنى قول الشايخ: اللفظ (¬2) ~~المجمل ما لا (¬3) يطاوع العمل به إلا ببيان يقترن به. # ومراد الفقهاء من المجمل هو الثاني، وهو الإبهام، دون الأول. # وهو نوعان: # أحدهما - أن يكون إجماله و (¬4) إبهامه بوضع اللغة. وهو ضربان أيضا: ~~أحدهما يرجع إلى الصفة دون الأصل. # والثاني يرجع إلى الأصل والصفة (¬5)، وهو أن يكون اللفظ موضوعا لأحد ~~الشيئين على الانفراد، ومعلوم (¬6) المراد عند المتكلم مجهول (¬7) عند ~~السامع، وهو المشترك، وقد ذكرنا مثالهما فيما تقدم (¬8). # والنوع الثاني - ما لا إجمال فيه من حيث وضع اللغة، بل هو ظاهر المعنى من ~~حيث موضوع اللغة، ولكن اشتبه المراد على السامع لأحد وجهين: # إما لاستعماله في بعض ما وضع له لغة مجهولا. # أو لاستعماله في غير ما وضع له مشتركا (¬9). # أما الأول -[ف] هو المفظ العام الذي استعمل في بعض مجهول، PageV01P355 # بأن يكون دليل التخصيص مجهولا، فيوجب (¬1) جهالة المخصوص منه. ودليل ~~التخصيص قد يكون متصلا باللفظ العام، وقد يكون منفصلا عنه (¬2). # أما المتصل: [ف] كالتقييد بالصفة المجهولة، والاستثناء والشرط المجهولين: # نظير الصفة قوله تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم" ~~(¬3): لو اقتصر على هذا يكون عاما معلوما، فلما قيده (¬4) بالصفة المجهولة، ~~وهو قوله تعالى: "محصنين غير مسافحين" ولم يعلم ما الإحصان (¬5)، صار قوله ~~تعالى: "وأحل لكم ما وراء ذلكم" مجملا، لاقتران الصفة المجهولة به. # ونظير الاستثناء قوله تعالى: "أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم" ~~(¬6): لما كان الاستثناء مجهولا، صار المستثنى منه مجهولا أيضا، فيصير ~~مجملا يحتاج إلى البيان. # وزظير الشرط: "عبيدي أحرار إن شاء الله تعالى". # وأما النفصل -[ف] نحو أن يقول لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله ~~تعالى: "اقتلوا المشركين" (¬7): "لا تقتلوا بعض المشركين": صار النص العام PageV01P356 # مجملا لا (¬1) يعرف المراد به، لأنه لا مشرك (¬2) إلا وقد تناوله ms160 قوله ~~تعالى: "اقتلوا المشركين" وتناوله قوله (¬3) عليه السلام: "لا تقتلوا بعض ~~المشركين" وليس البعض (¬4) بأن يدخل تحت أحدهما بأولى من أن يدخل (¬5) تحت ~~الآخر، فيحتاج إلى البيان. # وأما اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مشتركا (¬6) - فالألفاظ (¬7) ~~المجازية التي اشتبه المراد بها لاشتراكها (¬8) وقيام الدليل على أن ~~الحقيقة غير مراد [ة]، فيصير مجملا، لا يعرف المراد به إلا بدليل: نظيره ~~الآيات التي ظاهرها الحبر والتشبيه والقدر و (¬9) نحو ذلك من نحو (¬10) ~~قوله تعالى: "بل يداه كل مبسوطتان" (¬11): إن اليد الموضوعة (¬12) في اللغة ~~غير مرادة (¬13)، فإنما (¬14) المراد منه المجاز من (¬15) القدرة والمالك ~~ونحو ذلك، ولم يقم دليل قطعي على ترجيح أحد أنواع المجاز. PageV01P357 # وأما المتشابه: # فهو في اللغة مأخوذ من التشابه - قال الله تعالى: "منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات" (¬1). # والتشابه والمشترك والمجمل نظائر من حيث اللغة. # وأما حده في عرف أهل (¬2) الأصول: فهو (¬3) ما اشتبه مراد المتكلم (¬4) ~~على (¬5) السامع، بوقوع التعارض ظاهر أبين الدليلين السمعيين المتماثلين من ~~كل وجه، بحيث لا يعرف ترجيح أحدهما على الآخر، فيجب التوقف فيه، والتوقف في ~~مثل هذا جائز، لأن الله تعالى لو لم (¬6) يشرع هذا الحكم أصلا - كان جائزا. ~~فإذا لم يعرف، لعدم الدليل في حق العباد، لقيام التعارض ظاهرا، وإن لم ~~يتصور التعارض في دلائل الله تعالى حقيقة، يجب التوقف عليهم، كأن الدليل لم ~~ينزل في حقهم. # وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله: المتشابه هو الذي يتشابه (¬7) معناه على ~~السامع، بحيث خالف موجب النص موجب العقل قطعا، فتشابه المراد بحكم العارضة، ~~بحيث لم يحتمل زواله بالبيان، لأن موجب النص بعد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يحتمل التبدل، وموجب العقل لا يحتمل التبدل، فيجب التوقف فيه ~~(¬8). PageV01P358 # وهذا ليس بصحيح، لأن الشرع لا يرد بخلاف موجب العقل، لما فيه من مناقضة ~~حجج الله تعالى. وإذا تراءى (¬1) التعارض يكون الدليل العقلي قاضيا على ~~الدليل السمعي، لأن الدليل السمعي (¬2) يحتمل الإضمار والحذف (¬3) والمجاز ~~والكناية. والدليل العقلى لا يحتمل التغير بحال. # و (¬4) على هذا ms161 خرجنا جميع الآيات الواردة في باب التشبيه والجبر والقدر. ~~قال الله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (¬5)، والاستواء (¬6) في ظاهر ~~اللغة هو (¬7) الاستقرار، والدليل العقلي ينفي القول بالمكان في حق الباري ~~جل وعلا (¬8)، فعملنا (¬9) بالدليل السمعي وحملنا الدليل السمعي على خلاف ~~الظاهر، توفيقا بين الدليل السمعي والعقلي (¬10)، وكما ذكرنا في قوله ~~تعالى: "بل يداه مبسوطتان" (¬11) ونحو ذلك. والله الموفق. PageV01P359 ### ||||| AUTO [2] # وأما الأحكام التي تتصل بهذه الألفاظ # فحكم الظاهر: # وجوب العمل بما وضح له اللفظ ظاهرا، لا قطعا، ووجوب الاعتقاد بحقية (¬1) ~~ما أراد الله تعالى في ذلك. # وكذا حكم النص: # وهذا مذهب مشايخ ديارنا. # وبه قال أصحاب الحديث وبعض المعتزلة. # وقال مشايخ العراق وعامة المعتزلة بأن النصوص من الكتاب والخبر المتواتر ~~يوجب العلم والعمل قطعا. # وهذا بناء على ما ذكرنا في العام الطلاق الخالي عن (¬2) قرينة الخصوص: ~~يوجب العلم والعه ل قطعا (¬3) عندهم. وعندنا بخلافه، لاحتمال الخصوص في ~~الجملة. وكلك (¬4) كل حقيقة: تحتمل المجاز، ومع الاحتمال لا يثبت القطع. ~~وعندهم إذا كانت خاليه عن قرينة تدل على المجاز توجب العلم والعمل قطعا. # فأما (¬5) الخفى والمشكل والمشترك والمجمل، إذا لحقها البيان: PageV01P360 # [ف] إن كان بدليل قطعي، يسمى (¬1) مفسرا. وحكمه وجوب العمل قطعا، ووجوب ~~الاعتقاد به. # وإن (¬2) ثبت بدليل راجح، فإنه يسمى مؤولا - فيجب العمل به ظاهرا، مع ~~اعتقاد حقية مراد الله تعالى منه، مبهما لا عينا. # وأما حكم المتشابه: # [ف] وجوب الاعتقاد على أن ما هو مراد الله تعالى منه (¬3) حق، مع وجوب ~~الاعتقاد على أن ما هو ظاهره (¬4) غير مراد، وأن اعتقاد ظاهره هوى وبدعة - ~~والله الموفق. # مسألة: # قال عامة العلماء: إن التشابه، الذي لا يتعلق به الأحكام والعمل، يتوقف ~~فيه من حيث (¬5) الاعتقاد، بطروق التعين (¬6)، ولكن يعتقد على الإبهام أن ~~ما أراد الله، تعالى به حق (¬7)، وما يتعلق به العمل يتوقف فيه من حيث ~~الاعتقاد عينا، ويجب العمل به على أحوط الوجهين، على ما يعرف في باب ~~المعارضة. # ولا يشتغل بالعلم بكيفيته، بالتأويل والبحثفيه (¬8) مع الاعتقاد لأن ~~ظاهره غير مراد. PageV01P361 # و ms162 (¬1) كذا روي عن محمد بن الحسن رحمة الله عليه أنه سئل عن الآيات ~~والأخبار الواردة في صفات الله تعالى، ما يؤدي ظاهرها إلى التشبه فقال: ~~نمرها (¬2) كما جاءت ونؤمن بها ولا (¬3) نقول كيف وكيف - وهو مذهب مالك بن ~~أنس وعبد الله بن المبارك (¬4) وعامة أصحاب الحديث رضوان الله عليهم. # وسئل مالك بن أنس عن قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" (¬5) - فقال: ~~الاستواء غير مجهول، وكيفه غير معقول، والسؤال عنه بدعة. # وقال بعض العلماء من أهل الأصول والمفسرين، وهو المروي عن ابن عباس (¬6) ~~رضي الله عنه: أنه يصرف التشابه إلى المحكم و [يؤول] (¬7) تأويلا لا يناقض ~~دلائل (¬8) العقل والآيات المحكمة، دفعا للتناقض عن الأدلة، مع الاعتقاد ~~بأن الظاهر غير مراد. ثم إن كان يحتمل تأويلا واحدا، يجب القول به قطعا إذا ~~دل الدليل العقلي عليه. وإن (¬9) احتمل وجوها من التأويلات الصحيحة لا يقطع ~~على واحد منها على طريق في التعين (¬10)، لا فيه من الشهادة على (¬11) الله ~~تعالى، من غير تعين (¬12)، بل يعتقد على الإبهام. PageV01P362 # وأصل المسألة قوله تعالى: "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات كان ~~أم الكتاب وأخر متشابهات" إلى أن قال: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون ~~في العلم يقولون آمنا به .. (الآية) " (¬1). # فالفرق الأول قالوا: إن الوقف على قوله تعالى: "إلا الله"، وقوله تعالى: ~~"والراسخون" ابتداء كلام. ففي الآية بيان أنه (¬2) لا علم بالمتشابه إلا ~~لله تعالى، ومدح الر اسخين في العلم بالإيمان بالمتشابه. # والفريق الثاني قالوا: إن (¬3) الوقف على قوله تعالى: "والراسخون في ~~العلم". # وفي المسألة كلام كثير - والله أعلم. # مسألة: # لا خلاف أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة إلى البيان، وهو ~~وقت وجوب العمل به، إذ التكليف بالعمل يستدعي قدرة المخاطب (¬4) على ~~الأداء، فيكون تكليف ما ليس في الوسع. # فأما (¬5) تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب إلى مجيء وقت الوجوب (¬6) ~~-[ف] هل يجوز؟ # قال أكثر العلماء بالجواز. PageV01P363 # وقال المتأخرون من المعتزلة: لا يجوز - مثل الجبائي (¬1) وابنه أبي هاشم ~~(¬2) والرازي (¬3) ومن (¬4) تابعهم. # وكذا ms163 تأخير بيان المشكل والمشترك (¬5). # وأما تأخير (¬6) بيان ما يمكن العمل بظاهره نحو بيان العام: أن المراد ~~منه (¬7) بعضه. ونحو بيان المطلق: أن المراد منه المقيد: # [ف] قال مشايخ العراق من أصحابنا، نحو الكرخي (¬8) والجصاص (¬9) وغيرهما، ~~بأنه لا يجوز - وبه قيال القاضي الإمام (¬10) أبو زيد ومن تابعه من ~~المتأخرين. وهو قول أكثر المعتزلة. PageV01P364 # وقال أصحاب الحديث ومشايخ سمرقند بأنه جائز. # وأجمعوا أن تأخير بيان (¬1) النسخ في اللفظ المطلق عن الوقت جائز. # وهذا بناء على ما ذكرنا: أن العام المطلق عن القرينة يوجب العلم قطعا، ~~وأنه (¬2) يتناول كل فرد من أفراده، كأنه نص عليه عند الفريق الأول. وإذا ~~كان مبينا في نفسه كيف يحتمل البيان من حيث الخصوص، وبيان المبين لغو. ~~وإنما يحتمل النسخ، [ف] لا جرم جوزنا (¬3) البيان من حيث النسخ (¬4)، في ~~زمان يجوز النسخ (¬5). # وكذا المطلق والنكرة الشائعة في الجنس: توجب العلم قطعا عندهم - فكيف ~~يحتمل البيان أن المراد منه المقيد، وإنما يحتمل النسخ فيكون التقييد ~~المتأخر نسخا، بخلاف المقارن، فإن العام والمطلق مع القرينة لا يوجب العلم ~~قطعا، بل احتمال الخصوص والقيد قائم، فاحتمل البيان، إذ لا يمكن حمله على ~~التناسخ (¬6). # وعند الفريق الثاني: احتمال الخصوص قائم في العام المطلق الخالي عن ~~القرينة، واحتمال المجاز قائم في الخاص المطلق. ومع احتمال المجاز والخصوص ~~(¬7) لا يثبت العلم قطعا، فإذا (¬8) كان الاحتمال قائما، من دفع (¬9) ~~الاحتمال بالبيان جائزا، كما في المجمل، وكما في تأخير بيان النسخ: فإن ~~ظاهر اللفظ والخطاب يؤجل (¬10) ثبوت الحكم على طريق الإطلاق، دون التأقيت، ~~ثم جاز (¬11) الببان - لاحتمال التأقيت - فكذا (¬12) ههنا. PageV01P365 # ثم بيان الاحتمال (¬1) ظاهر: فإن التكلم (¬2) بالعام على إرادة الخاص. ~~وكذا التكلم بالمطلق على إرادة المقيد شائع بين (¬3) أهل اللغة - ولهذا كان ~~أكثر العمومات في الكتاب والسنة واستعمال أرباب اللسان مخصوصة، وأكثر ~~الخطاب المطلق مقيدا. فالعام - إن (¬4) كان باعتبار الوضع الأصلي - يقتضي ~~الشمول والاستغراق. وكذا اللفظ المطلق: يقتضي الإطلاق - فعلى اعتبار العرف ~~والاستعمال المستفيض: يحتمل الخصوص والقيد، وكتاب الله تعالى نزل بلسان ~~العرب، ليفهموا منه ما ms164 هو السابق إلى أفهامهم. وكذا بعث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - منهم (¬5) ليفهموا من كلامه ما هو المفهوم (¬6) من كلامهم. # وإذا (¬7) كان احتمال الخصوص والقيد، في عرف الاستعمال، حال نزول الخطاب، ~~ثابتا على وجه الظاهر، فإن لم يوجب التوقف في العمل، كالمشترك والمجمل، ~~[ف]لا أقل من أن يوجب الاحتمال. ومع قيام الاحتمال لا يتصور العلم قطعا - ~~وهذا كلام ظاهر. # ولا (¬8) يصح قولهم إن اللفظ الخالي عن قرينة الخصوص والقيد، يدل على أن ~~المراد منه الموضوع لغة، والجواب ما ذكرنا (¬9): أنه بم (¬10) يعرف خلو ~~اللفظ عن (¬11) القرينة، بل احتمال القرينة قائم - على ما مر في فصل الأمر. # ولا يصح قولهم أيضا إن في ذلك تلبيس الأمر على السامعين، لأنه إذا كان ~~عرف الاستعمال ما ذكرنا، يجب أن يحملوا عليه. وقد ذكرنا ذلك في مسألة الأمر ~~- والمسألة طويلة ذكرت في الشرح. PageV01P366 ### |||| AUTO فصل في بيان الحقيقة والمجاز # يحتاج إلى: # بيان معنى الحقيقة والمجاز في اللغة. # وإلى بيان الفاصل بين الحقيقة والمجاز في عرف أهل اللغة. # وإلى بيان كيفية طريق المجاز. # وإلى بيان أقسام الحقيقة والمجاز. # وإلى بيان أحكام الحقيقة والمجاز (¬1) وما يتصل بها (¬2) من المسائل. ### ||||| AUTO [1] # أما الأول # فاسم الحقيقة مشتق من حق الشيء، أي ثبت - قال الله تعالى في اسم القيامة: ~~"الحاقة. ما الحاقة"، (¬3) أي ثابتة كائنة (¬4)، لا محالة. # والمجاز مشتق من جاز يجوز مفعل منه، أي تعدى وتجاوز. # فأطلق اسم الحاقة على الاسم الموضوع على الشيء الثابت المستقر في محله. ~~وأطلق لفظ (¬5) المجاز على الاسم الذي تعدى من محله الوضوع PageV01P367 ### ||||| CHECK [2] وأما بيان الفاصل بين الحقيقة والمجاز، فنقول # إلى غيره لوجود طريق المجاز فيه. ولهذا يقال: "حب فلان حقيقة" أي ثابت في ~~محله الموضوع له وهو القلب. ويقال: "حب فلان مجاز" أي متعد عن محله وهو ~~القلب, إلى غير محله وهو اللسان. # [2] # وأما بيان (¬1) الفاصل بين الحقيقة والمجاز، فنقول: # هو أقسام ثلاثة: # أحدها - التنصيص من أئمة اللغة الناقلين من أهل الوضع. # والثاني - الاستدلال: # والثالث - العلامات اللازمة للحقيقة والمجاز. # أما التنصيص ms165 من أئمة اللغة: # [ف] بأن يقولوا إن هذا اللفظ (¬2) لهذا المسمى حقيقة، ولهذا المسمى مجاز ~~ومستعار (¬3). وقد صنف أبو عبيدة (¬4) رحمه الله في ألفاظ القرآن كتابا، ~~وذكر فيه الفصل بين الحقيقة والمجاز وقال: هذا اللفظ حقيقة، وهذا اللفظ مجاز. # والثاني - الاستدلال: # وذلك (¬5) بذكر حد الحقه قة والمجاز. فإن (¬6) ذكر الشيء بذكر اسمه، PageV01P368 # وذكر (¬1) حده، سواء - فإن قول القاؤل: "رجل" وقوله: "إنسان ذكر جاوز حد ~~الصغر" سواء. # واختلفت (¬2) عبارات أهل الأصول في حد الحقيقة والمجاز: # قال بعضهم: الحقيقة ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا ~~نقل. والمجاز ما انتظم لفظه معناه إما لزيادة أو لنقصان أو لنقل (¬3) عن موضعه: # نظير الزيادة (¬4) قوله تعالى: "ليس كمثله شيء" (¬5): معناه ليس مثله ~~شيء. والكاف زيادة، وأسقطت (¬6) الكاف (¬7) حتى يصح ما هو مراد المتكلم (¬8). # ونظير النقصان (¬9) قوله تعالى: "واسأل القرية" (¬10): معناه أهل القرية، ~~فزيد عليه الأهل (¬11)، حتى يصح ما هو المراد بالكلام. # ونظير النقل إطلاق اسم الأسد على الرجل الشجاع: نقل الاسم الموضوع لحيوان ~~مخصوص إلى الآدمي الشجاع. PageV01P369 # فالحقيقة (¬1) ما لم يتغير عن الموضوع الأصلي. فإذا تغير إما إلى الزيادة ~~وإما (¬2) إلى النقصان فقد تجاوز وتعدى (¬3) عن الوضع الأصلي، فيكون مجازا. # وقال بعضهم: الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له، والمجاز ما أفيد به غير ما ~~وضع له. # وقال بعضهم: الحقيقة كل لفظ أفيد (¬4) به ما وضع له في أصل الاصطلاح الذي ~~وقع التخاطب به، والمجاز كل لفظ أفيد (¬5) به معنى مصطلح عليه، غير ما كان ~~في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به (¬6). # وقال بعضهم: الحقيقة ما أريد من التكلم (¬7) ما وضع واضع اللغة الكلام ~~له، والمجاز ما أريد به غير مما وضع له. # وقيل: الحقيقة ما استقر في محله الموضوع له، والمجاز ما تجاوز عن محله ~~الموضوع له. # و (¬8) في هذه العبارات خلل. # والأصح أن يقال: الحقيقة هي ما وضعه واضع اللغة في الأصل، والمجاز ما ~~استعمل في غير ما وضع له، لمناسبة (¬9) بينهما من حيث الصورة أو من حيث ~~المعنى ms166 اللازم المشهور، مع تقدير (¬10) الحقيقة. PageV01P370 # وبيان الخلل في سائر العبارات, والإشكال على (¬1) هذه العبارة (¬2) ~~الصحيحة - مذكور (¬3) في الشرح. # وأما الثالث - بيان العلامات (¬4) اللازمة لهما: # والعلامة غير و (¬5) الحد غير: فالحد (¬6) يجب أن يكون مطردا و (¬7) ~~منعكسا: يوجد المحدود عند وجوده, وينعدم عند عدمه. والعلامة ما يكون مطردا ~~غير منعكس (¬8). # وهي أشياء: # منها - أن الحقيقة لا تسقط عن المسمى، ويكذب نافيها. والمجاز ما (¬9) ~~يجوز نفيه عن المسمى، ولا يكذب نافيه (¬10) - بيانه أن الأب اسم للوالد ~~بطريق الحقيقة، وللجد بطريق المجاز. فمن نفى اسم الأب عن الوالد، وقال: إنه ~~ليس بأب فلان، فإنه (¬11) يكذب. ومن نفى اسم الأب عن الجد، وقال: إنه جده ~~وليس بأبيه، لا يكذب. # ومنها - أن الحقيقة ما يفهم السامع معناها من غير قرينة. والمجاز ما لا ~~يفهم السامع (¬12) معناه إلا بقرينة. [ف] من (¬13) قال: "رأيت الأسد" PageV01P371 # يفهم منه الحيوان المخصوص من غير قرونة، ولا يفهم منه الرجل الشجاع إلا ~~بقرونة، إما من حيث اللفظ أو من (¬1) دلالة الحال. # ومنها - أن أهل اللغة استعملوا الحقيقة من غير قرونة، واستعملوا المجاز ~~مع قرينة لفظية أو دلالة حال أو دلالة (¬2) عقل. ### ||||| AUTO [3] # وأما كيفية طريق المجاز -[فنقول] # : # بعض المشايخ من أهل الأصول قالوا: للمجاز (¬3) طرق منها: # - المناسبة بين الستعار له وبين (¬4) المستعار عنه، والمشابهة بينهما. # - والثاني: المجاورة والملازمة بين المستعار عنه وبين (¬5) المستعار له ~~في الحقائق، حتى استعير اسم الغائط للحدث، لأن الغائط اسم للمكان المطمئن ~~الخالي، والغالب أن الحدث يكون في مثل هذا المكان عادة، تسترا عن أعين (¬6) ~~الناس. وكذا المطر: سمي "سماء"، يقول العرب: "ما زلنا نطأ السماء حتى ~~أتيناكم" أي المطر، لوجود الملازمة والمجاورة، لأن المطر من السماء ينزله. ~~وفي الشرعيات (¬7) تعتبر المجاورة والملازمة بين الأحكام وعللها وأسبابها. # والثالث - الزيادة. # والرابع - النقصان، على ما ذكرنا (¬8). # وكذا إطلاق اسم الكل على البعض، وإطلاق اسم البعض على الكل: مجاز بطريق ~~الزيادة والنقصان. PageV01P372 # والخامس - الكناية، لأنه إذا (¬1) أرا د المتكلم (¬2) بلفظ الكناية غير ~~ما وضع له ظاهرا، فقد تجاوز عن الوضع ms167 الأصلي. # وإنما قالوا ذلك (¬3)، لأن الحقيقة هو ظاهر اللفظ الموضوع للشيء، فإذا ~~تغير هذا الظاهر عن سننه وأريد به غيره مع التغير، يكون مجازا لتجاوزه عن ~~الموضوع لعينه (¬4). # وقال أكثر أهل الأصول: إن طريقه واحد، وهو المشابهة. ولهذا قال أهل ~~الأدب: إن الاستعارة والمجاز تشبه، بدون حرف التشبيه للمبالغة فيه. وإذا ~~كان حرف التشبيه مذكورا فهو حقيقة تشبيه، وليس بمجاز، لأن الكاف والمثل ~~والنظير وضعت للتشبية بين الشيئين حقيقة. وقالوا: المجاورة والتشبيه (¬5) ~~من باب الكناية، لا من باب المجاز. وكذا الزيادة من باب التأكيد، والنقصان ~~من باب الإضمار والحذف والاختصار. وكذا الكناية ليست من باب المجاز (¬6)، ~~بل وضع هذه الأشياء في اللغة هكذا، فيكون من باب الحقيقة لا من باب المجاز. # واختلف هؤلاء فيما بينهم (¬7): # قال بعضهم: المعتبر هو المشابهة بين لفظي المستعار منه (¬8) والمستعار PageV01P373 # له (¬1) في بعض ما (¬2) وضع له اسم المستعار منه، لا بين ذاتيهما، فإن ~~استعارة اسم الأسد للشجاع (¬3) مشهور فيما بين أهل اللغة، وبين اسم الأسد ~~وبين (¬4) اسم الشجاع مشابهة في بعض ما وضع له اسم الأسد، فإن الأسد اسم ~~لصورة مخصوصة ومعنى مخصوص (¬5)، وهو نهاية الشجاعة والجرأة، واسم الشجاع ~~لمعنى (¬6) الشجاعة مشتق (¬7) منها، في فيكون بينهما مشابهة في بعض ما وضع ~~له اسم الأسد، وهو الشجاعة، وإن كان بينهما مفارقة في البعض، فإن الشجاع ~~ليس باسم لصورة الأسد. ولهذا قالوا: إن اسم الأسد يقع على أمير المؤمنين ~~(¬8) علي رضي الله عنه، بطريق المجاز، فإنه سمي (¬9) أسد الله. لأنه وإن ~~(¬10) وجد فيه (¬11) نهاية الشجاعة، بل زيادة على شجاعة الأسد، ولكن لم ~~يوجد فيه بعض ما هو علة استحقاق اسم الأسد (¬12)، وهو وجود الصورة ~~المخصوصة، وهي صورة الحيوان الذي له زئير. # وقال بعضهم: إن المعتبر هو المشابهة بين ذاتي المستعار عنه (¬13) ~~والمستعار PageV01P374 # له (¬1) في المعنى اللازم المشهور، في محل الحقيقة دون المشابهة في معنى ~~اسميهما لغة، فإن بين ذات الأسد وبين (¬2) ذات الرجل الشجاع مشابهة في ~~المعنى اللازم المشهور في الأسد، وهو الشجاعة، فجعل اسم الأسد مستعارا ms168 ~~للشجاع، كأنه هو الأسد، فأعطي اسمه له (¬3)، وهذا لأن الاستعارة عند العرب ~~هو التشبيه بين الشيئين بدون حرف التشبيه، مبالغة في التشبيه، فيقال: "فلان ~~أسد" ولا يقال: "كالأسد"، حتى يكون إخبارا عن وجود معنى الشجاعة فيه على ~~الكمال، كأنه عين الأسد. # والدليل على أن الصحيح هذا، لا القول الأول (¬4)، فإن اسم الأسد لو كان ~~حقيقة له، باعتبار أنه اسم موضوع في اللغة لصورته المخصوصة، ومعناه الخاص ~~اللازم وهو الشجاعة، [فإنه] يجب (¬5) أن لا يقع على الأسد الميت ومقطوع ~~اليدين والرجلين، لأنه لم يوجد فيه معنى الشجاعة، وإن وجدت (¬6) صورته، ~~والاسم الموضوع للشيئين لا يكون حقيقة لأحدهما، وإطلاق اسم الأسد على ~~الميتت منه يكون حقيقة، لا مجازا، لوجود علامة الحقيقة فيه، وهو أن نافي ~~(¬7) اسم الأسد عن الأسد الميت والمريض يكذب، ونافي اسم المجاز لا يكذب، ~~فهذا دليل ضروري على بطلان (¬8) هذا الكلام. PageV01P375 # وقال بعضهم بأن (¬1) المشابهة معتبرة بين الذاتين في المعنى اللازم ~~المشهور في محل الحقيقة، لكن يجب أن يكون ذلك المعنى في المستعار منه (¬2) ~~أبلغ، حتى يكون في الاستعارة فائدة، وهي (¬3) المبالغة في التشبيه - هكذا ~~ذكر (¬4) علي بن عيسى (¬5) النحوي البغدادي في كتاب "إعجاز القرآن" من ~~تصنيفه - إلا أن الصحيح أنه ليس بشرط فإن عليا رضي الله عنه يسمى "أسد ~~الله" ويسمى "حيدر" وهو الأسد، ولا شك أن شجاعة علي رضي الله عنه تفوق على ~~شجاعة الأسد بكثير، وأن اسم الأسد له (¬6) بطريق المجاز لا بطريق الحقيقة، ~~ولكن الغالب أن المعنى في المستعار عنه أبلغ، وما قال فيه مبالغة التشبه، ~~بلى، ولكن الداعي إلى استعمال المجاز ليس بمقصور (¬7) على مبالغة التشبه، ~~بل للمجاز فوائد من اختصار اللفظ أو الفصاحة والجزالة إذ هو في المجاز أكثر ~~ونحو ذلك - والله أعلم. PageV01P376 # وفي هذا الفصل كلام كثير مشهور في مسائل الخلاف، وهو مستقصى في الشرح. ### ||||| AUTO [4] # وأما بيان أقسام الحقيقة والمجاز # أما الحقيقة [ف] أقسام ثلاثة: لغوية، وعرفية، وشرعية. # وإذا ثبت انقسام الحقيقة إلى هذه الأقسام الثلاثة، ثبت انقسام المجاز إلى ~~هذه ms169 الأقسام الثلاثة (¬1) ضرورة، إذ هما من الأسماء (¬2) المتقابلة، فيكون ~~مجازا (¬3) لغويا، وعرفيا، وشرعيا، تحقيقا للمقابلة. # أما الحقيقة اللغوية - فقد ذكرنا أقسامها (¬4) من العام والخاص والمشترك ~~وغيرها (¬5). # وأما الحقيقة العرفية - فهي اللفظ الذي انتقل من الوضع (¬6) الأصلي إلى ~~غيره، بغلبة (¬7) الاستعمال، بحيث يصير الوضع الأصلي مهجورا, وما انتقل ~~إليه مشهورا، ويسبق (¬8) إلى أفهام السامعين من غير أن يخطر ببالهم (¬9) ~~الوضع الأصلي، فيصير هذا (¬10) حقيقة عرفية، والوضع الأصلي يصير مجازا على ~~مقابلته. وسبب ذلك أن قوما من أهل اللغة حملهم معنى PageV01P377 # من المعاني على نقل الاسم الموضوع للشيء إلى غيره، ويستفيض فيهم ويشيع ~~(¬1) ذلك في القبائل على طول الزمان، ثم ينشأ القرن الثاني والثالث، فلا ~~يعرفون لذلك الاسم إلا المسمى (¬2) الذي انتقل إليه، لصيرورة (¬3) المنتقل ~~عنه مهجورا، ولا استحالة في ذلك، إذ (¬4) وضع الأسماء الوضعية تابع للأغراض ~~والمقاصد، لا أنه راجع إلى عين (¬5) الذوات، فإنهم لو وضعوا في الابتداء ~~اسم الماء للنار واسم النار للماء (¬6) كان صحيحا، فإذا تبدل الغرض، بحدوث ~~كل معنى على مرور الزمان، جاز نقك الاسم من ذلك المسمى إلى غيره، تحقيقا ~~للغرض. ونظيره (¬7) العدل في وضع اللغة: مصدر عدل يعدل عدالة وعدلا (¬8)، ~~ثم في عرف الاستعمال صار عبارة عن العادل، واشتهر استعماله بحيث لا (¬9) ~~يخطر بالبال الوضع الأصلي، فيصير حقيقة عرفية، حتى جاز إطلاق (¬10) اسم ~~العدل على الله تعالى بطريق الحقيقة، لا بطريق المجاز، حتى إن من نفى اسم ~~العدل عن الله تعالى، فقال: إنه ليس بعدل. فإنه (¬11) يكفر. ولو قال: إنه ~~ليس بعدالة (¬12) فهو (¬13) صحيح. PageV01P378 # وأما الحقيقة الشرعية (¬1) - فهي (¬2) كل لفظ وضع لمسمى في الشرع. ثم هو نوعان: # أحدهما - أن يكون موضوعا لمسمى (¬3) في اللغة، ثم استعمل في الشرع لمسمى ~~آخر، مع هجران الاسم للمسمى اللغوي بمضي الزمان وكترة الاستعمال في المسمى ~~الشرعي. # والثاني - (¬4) أن يكون اسما حدث في الشرع لفعل شرعي [و] لم يكون ذلك ~~الاسم موضوعا لشيء ما في اللغة (¬5)، بأن ورد في الكتاب أو السنة. فأما ما ~~دام مستعملا في المعنى اللغوي مع صيرورته ms170 مستعملا في المسمى الشرعي، فإنه ~~لا يصير حقيقة شرعية، ولكن لي كون اسما مشتركا بين المعنى اللغوي والشرعي. # وكذا في الاسم العرفي إذا لم يصر الاسم مهجورا (¬6) في المعنى اللغوي، لا ~~يصير حقيقة عرفية، ولكن يكون اسما مشتركا بين المعنى اللغوي والعرفي. # ثم إذا صار حقيقة عرفية أو شرعية صار المعنى اللغوي، في مقابلة الحقيقة ~~العرفية والشرعية، إما (¬7) مجازا عرفيا أو (¬8) مجازا شرعيا. # وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول وأئمة الأدب. PageV01P379 # وقال أصحاب الحديث، من الفقهاء والمتكلمين، وهم أصحاب الشافعي والأشعرية: ~~إن اللفظ اللغوي إذا استعمل في المعنى الشرعي لابد أن يبقى فيه المعنى ~~اللغوي, فيكون حقيقة لغوية, لكن يزاد في الشرع في (¬1) ذلك المسمى اللغوي ~~معنى آخر شرعي أو شرط شرعي، فيكون المعنى (¬2) اللغوي كل معتبرا مع اعتبار ~~المعنى الشرعي. فأما ما (¬3) لا يجوز أن يستعمل في المعنى الشرعي من غير ~~اعتبار المعنى اللغوي، كاسم الصلاة: في اللغة للدعاء (¬4) والثناء، ثم زيد ~~في الشرع على ذلك أفعال معهودة، فيكون المفروض دعاء وثناء مقرونا بأفعاك ~~مخصوصة. وكذا الصرف والسلم ينبئ عن (¬5) معنى القبض والتسليم، وزيد (¬6) ~~عليه في الشرع ثبوت الملك، فاعتبر الأمران جميعا. # وقال بعضهم: إذا استعمل الاسم اللغوي في المعنى الشرعي لا يصير حقيقة ~~شرعية, ولكن يكون مجازا. # والصحيح قول العامة، فإن كثيرا من الألفاظ اللغوية استعملت (¬7) في ~~المعاني الشرعية، بحيث لم يخطر بالبال المعنى اللغوي، بل سبق (¬8) إلى ~~أفهام الناس (¬9) المعنى الشرعي، نحو اسم الصلاة: في اللغة (¬10) للدعاء ~~(¬11) PageV01P380 # ثم صار مستعملا في الشرع لأفعال معهودة من غير أن يخطر بالبال معنى ~~الدعاء في الصلاة. وكذا الزكاة: في اللغة عبارة عن النماء والزيادة -، قال: ~~زكى الزرع إذا نما وازداد (¬1)، وفي الشرع صار عبارة عن أداء طائفة من ~~النصاب بطريق الفرضية من غير أن يسبق إلى أفهام الناس معنى الزيادة. ولهذا ~~نظائر. ولا إحالة في ذلك لما ذكرنا أن تسمية (¬2) المسمات في وضع اللغة ليس ~~لذوات المسميات، حتى يجب ملازمة (¬3) التسميات ملازمة الذوات (¬4)، إذ ~~الحكم العيني يبقى ما بقي ms171 العين، وإنما الوضع تابع للأغراض مرتب عليها، ~~بناء على اختيار واضع اللغة، لمصلحة رأى في ذلك. فإن كان الواضع (¬5) من ~~أرباب اللغة، كما قال بعضهم، فيجوز أن ينقل الاسم اللغوي، باختيار صاحب ~~الشرع، لتبدل المصلحة الثابتة (¬6)، بناء على الوحي. وإن كان توقيفيا (¬7)، ~~كما قال أكثرهم، فكان وضع الاسم في الابتداء من صاحب الشرع لذلك المسمى ~~لحكمة ومصلحة عرفها. # ثم إذا وضع ذلك الاسم لفعل شرعي أو لحكم شرعي، مع اندراج. ذلك الاسم عن ~~المعنى الأول، علم ضرورة أن المصلحة تبدلت، فيجوز النقل. وبهذا الطريق ~~جوزنا النسخ في الأحكام. ووضع (¬8) الاسم، إذا كان من صاحب الشرع، فهو من ~~الأحكام، فلما جاز نسخ الأحكام لماذا لا يجوز نسخ الأسماء؟ وإن كنا لا نعقل ~~الحكمة في البابين، تسليما وانقيادا لفعل صاحب الشرع، مع اعتقاد الحكمة ~~والمصاحة في الثاني وانتهاء الأول. PageV01P381 # يحقق ما ذكرنا أن اسم الصلاة يطلق على الأفعال المعهودة المقرونة بالدعاء ~~والثناء، بالإجماع. فإن كان حقيقة للأفعال المعهودة فحسب، بدون الدعاء، وهو ~~(¬1) في اللغة اسم للدعاء، فيكون القول (¬2) قولنا وارتفع الخلاف. وإن كان ~~اسما لها (¬3) جميعا، ينبغي أن لا يطلق اسم الصلاة على صلاة الأخرس حقيقة ~~لأنه لا دعاء فيها ولا ثناء. وكذلك اسم الصلاة على الأفعال (¬4) والأذكار، ~~بطريق الحقيقة، - حتى إن نافي هذا الاسم عنها يكذب، ولو كان اسما للأمرين ~~يكون مجازا، لأن إطلاق اسم الكل على البعض بطريق المجاز. # وفي المسألة إشكالات (¬5) - والله أعلم. ### ||||| AUTO [5] # وأما بيان أحكام الحقيقة والمجاز # فهي (¬6) تتضمن مسائل منها: # مسألة - المجاز هل هو موضوع كالحقيقة أم لا؟ # قال بعضهم: إنه موضوع كالحقيقة: موضوعة، إلا أن الحقيقة بوضع أصلي، ~~والمجاز بوضع طارئ، لأن المجاز من باب اللغة، حتى يقال إنه أحد نوعي ~~الكلام، وإنه أحد اللسانين، ولو لم يأكل بوضع أرباب اللغة لا يكون من اللغة ~~(¬7). PageV01P382 # وقال بعضهم: طريق المجاز بوضح أرباب اللغة دون الألفاظ المجازية، لأن في ~~وضع اللغة الحقيقة غنية (¬1) لهم عن وضع المجاز, ولكن وضعوا الطريق توسعة ~~على الناس في الكلام، فيكون التكلم ms172 بالمجاز بعدهم بناء على طريقهم الوضوع ~~بإذنهم ورضاهم، فيكون من باب اللغة. # وقال بعضهم: المجاز ليس بموضوع إذ (¬2) لو كان موضوعا يكون هذا إنكارا ~~للمجاز (¬3)، لأن الحقيقة اسم لما وضعه واضع اللغة، وكذا ليس طريقه موضوعا، ~~لأنه علة وضع اسم المجاز (¬4)، والعلة متى كانت منصوصة يكون الحكم منصوصا، ~~كالعلة في الأحكام الشرعية: إذا كانت منصوص يكون الحكم الثابت بها منصوصا، ~~فيفسد باب المجاز. وهو خلاف إجماع أهل اللغة: أن الكلام حقيقة ومجاز، لكن ~~المجاز كل مستعمل شائع فيما بين أهل اللغة، ولم يكن كل منهم التنصيص على ~~الطريق لما ذكرنا، لكن عرف ذلك بالتأمل والنظر في كيفية استعمالهم (¬5) ~~المجاز في أشعارهم ومحاوراتهم وكيفية استعاراتهم (¬6)، كالأحكام الشرعية ~~المنصوص عليها الخالية عن التنصيص على العلة، فإنه، يعرف عللها بالنظر ~~والتأمل في النظائر - فهذا كذلك. والله أعلم. # مسألة - الحقيقة والمجاز هل يكونان في أسماء الألقاب (¬7) أم لا، نحو زيد ~~وعمرو وبكر؟ # اختلف فيه: PageV01P383 # قال بعضهم: لا يكون، لما ذكرنا أن الحقيقة ما وضعه واضع اللغة بوضع أصلي، ~~والمجاز ما وضعه واضع اللغة بوضع طارئ، وأما اللقب فهو (¬1) اسم يضعه المرء ~~لتعريف (¬2) ذات (¬3) من الذوات على التعين (¬4)، بدون وضع أهل اللغة ووضع ~~الشرع. أما وضع اللغة الاسم [ف] لذات مخصوص ومعنى خاص، أو لمعنى مخصوص على ~~الإطلاق، لا على التعين (¬5)، حتى يكون الاسم حقيقة في مثل ذلك الذات وفي ~~اللقب بخلافه، واتصاف اللفظ بكونه حقيقة ومجازا يكون تبعا لكونه موضوعا، ~~فإذا لم يكن بوضع أهل اللغة، [ف] لا يجوز اتصافه بالحقيقة والمجاز. # وقال عامتهم بأنه يدخل الحقيقة والمجاز في أسماء الألقاب. لأن أهل اللغة ~~وضعوا هذه الأسماء لأولادهم ولدوابهم ثم اتبعهم غيرهم في إطلاق تلك (¬6) ~~الأسماء وأمثالها. ولهذا سمي بغل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "دلدل" ~~وحماره "يعفور" (¬7)، وسمي سيف علي رضي الله عنه "ذا الفقار" (¬8)، ونحو ~~ذلك - إلا أنها أسماء أعيان مخصوصة لا أسماء جنس ونوع. وكذا العرب: سمى ~~(¬9) بعضهم ولده "كلبا" وبعضهم "نمرا" و "تولبا" (¬10) و "ثعلبا" (¬11) و ~~"ذئبا" ونحوها. وكذا ms173 المجاز: يجري فيها، فإن اسم اللقب PageV01P384 # متى اشتهر في شخص وفيه معنى لازم مشهور، يطلق اسمه الوضوع لقبا على من ~~يساويه في ذلك المعنى، كما يسمى السيف القطوع (¬1) "ذا الفقار". وفي السلف ~~من (¬2) اشتهر من أصحاب الحديث ولقب بغنجار (¬3)، ثم يطلق على من بعده ~~لمشابهة بينهما في ضبط الحديث والعدالة (¬4). ويقال: فلان "عمر بن عبد ~~العزيز" تشبيها به في العدل والإنصاف، وفلان "أبو ذر الغفاري" تشبيها به في ~~الزهد، وفلان "عبد الله بن سلول" إذا اشتهر في النفاق تشبيها به (¬5) - ~~وهذا من باب المجاز. # فثبات أن ما قالوه مخالف لعرف الناس. # مسألة - الحقيقة والمجاز (¬6) هل يجوز أن يرادا (¬7) بلفظ واحد في حالة واحدة؟ # فقد ذكرنا الخلاف فيه. # مسألة - المجاز (¬8) له عموم، كما للحقيقة (¬9)، على ما ذكرنا. # مسألة - القياس هل يجري في الألفاظ اللغوية، كما يجري في الأحكام ~~الشرعية؟ # اختلفوا فيه: PageV01P385 # قال أكثرهم بالجريان. # وأنكر ذلك بعضهم. واستدلوا بقوله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" (¬1) - ~~أخبر الله تعالى أنه علم آدم صلوات الله عليه (¬2) الأسماء كلها، ولا يتحقق ~~القياس في موضع النص (¬3)، لما (¬4) ذكرنا من أقسام الألفاظ: أن اللفظ إما ~~أن يكون حقيقة أو مجازا. والحقيقة إما وضعية أو عرفية أو شرعية، وكل ذلك ~~ثابت بالوضع. والمجاز إما أن يكون (¬5) بوضع طارئ أو طريقه موضوع لغة. ~~والوضع هو التنصيص (¬6) على أسماء المسميات كلها، فمتى كان الأسماء كلها ~~منصوصا عليها، فأنى يتصور القياس والاستنباط؟ # وجه قول العامة، هو (¬7) أن الأسماء في الأصل وضعت لمعرفة المسميات ~~الحاضرة، الحسوسة أو العقولة، لحاجتهم إلى التمييز بينها بالأسامي. فأما ما ~~غاب عن حسهم ولم يكن من الأشياء المعقولة، فلم يخطر ببالهم، فلم يقع لهم ~~الحاجة إلى وضع الاسم له إن كان الوضع بالاصطلاح. وإن كان توقيفيا (¬8)، ~~فإنما يرد التوقيف بالأسماء في الأشياء المعقولة (¬9) المعلومة، ليحصل لهم ~~التمييز بينهما بالأسماء. # وإذا ثبت هذا، فهذه الأشياء المحسوسة الحاضرة انعدمت بمضي الزمان وتقادم ~~العهد، سوى الأرض والسماء وما بينهما، وحدثت أمثالها PageV01P386 # من بعد، فيكون إطلاق هذه الأسماء عليها (¬1) بطريق الاستدلال ms174 والقياس، ~~وهو أنهم تأملوا أن وضع الأسماء، لمثل هذه الأشياء التي سبقت، لاعتبار ~~صورته المخصوصة ولعنى لازم له، حتى يوجد ذلك الاسم عند وجوده وينعدم عند ~~عدمه، فأطلقوا (¬2) الأسماء على أجناس هذه التي سبقت، بالاستدلال، لوجود ~~علة الوضع في أسماء (¬3) الأشياء الحاضرة، عند الوضع والتوقيف. وهذا هو ~~تفسير القياس، وهو إثبات مثل الحكم الثابت في الأصل، لأجل معنى معقول، وهذا ~~موجود في الألفاظ اللغوية (¬4)، كما في القياس في الأحكام الشرعية إذا عقل ~~المعنى الذي تعلق به الحكم (¬5). فإن أنكروا الاسم فلا مشاحة في العبارة. ~~وإن أنكروا القياس من حيث المعنى، فهو عناد ومكابرة (¬6)، مع وجود حقيقته وحده. # وقد (¬7) خرج الجواب عن قولهم: إن الألفاظ كلها بالوضع، فكيف يكون القياس ~~فيها متصورا - فنقول: # إن الوضع وجد في الأشياء الحاضرة الموجودة وقت الوضع. وما قالوا: إنما ~~(¬8) سمينا هذا الشيء (¬9) بهذا الاسم، لكونه على هذه الصورة، ولوجود هذا ~~المعنى فيه تنصيصا، بل وجد منهم تسميتها بهذه الأسامي، ثم من PageV01P387 # بلغهم وضعهم تأملوا في ذلك بنوع من الاستدلال الذي ذكرنا، برأيهم ~~واجتهادهم، كا في الأحكام الشرعية إذا وردت النصوص بها، تم إن عقل معناها ~~الذفي تعلق به (¬1) الحكم، يقاس غيره عليه (¬2) إذا وجد فيه ذلك المعنى، ~~بنوع رأي واجتهاد، فلا يسمى ذلك منصوصا - فكذا (¬3) هذا. وقد ذكرنا قبل هذا شرحه. # وتعلقهم بالنص لا يستقيم: فإن المراد من النص تعليم أسماء الأشياء ~~الحاضرة عندهم، لأن حاجتهم إلى معرفة أسماء هذه الأشياء، دون الغائبة عن ~~حسهم ودون المعدومات. وفي سياق الآية ما يدل عليه حيث قال تعالى: "ثم عرضهم ~~على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين" (¬4)، وإذا كان ~~كذلك، فتناول الأسماء للحادثات (¬5) بعد ذلك يكون بطريق القياس، على أنه إن ~~كان في النص أنه تعالى (¬6) علم آدم الأسماء كلها، فلا حاجة له (¬7) إلى ~~القياس، ولكن لم يثبت أن آدم عليه السلام علم غيره الأسماء كلها (¬8)، فمست ~~الحاجة إلى القياس، في حق غيره - والله أعلم. # مسألة - اللغات كلها في الأصل (¬9) توقيفية أم اصطلاحية؟ # قال عامة ms175 المعتزلة وبعض الفقهاء بأنها (¬10) اصطلاحية. PageV01P388 # وقال عامة المتكلمين من أهل الحديث، وعامة أهل الحديث من الفقهاء وأهل ~~التفسير: إنها توقيفية. # وقال بعض أهل التحقيق: لابد أن (¬1) يكون لغة واحدة توقيفية، ثم اللغات ~~الأخر في حد الجواز: أن تكون اصطلاحية أو توقيفية. # وجه قول من قال بالاصطلاح: المشاهدة والعيان، فإن كثيرا من أسماء الأشياء ~~نعاين (¬2) حدوثها في زماننا بالاصطلاح، فإن لكل حرفة وصناعة أدوات وآلات، ~~وقد وضعوا باصطلاحهم لكل آلة وأداة (¬3) اسما لم يكن إلا له (¬4)، ولا ~~الاسم ثابتا (¬5) من قبل، فكذا في الابتداء: يجوز أن يكون كذلك وأمكن القول ~~به، فإن (¬6) جماعة من العقلاء إذا اجتمعوا وأشاروا (¬7) إلى كل شيء من ~~المحسوسات وسموا كل واحد بلفظ غير اللفظ الأول (¬8)، وقالوا (¬9) هذا ماء، ~~وهذا نار، وهذا لحم، وهذا شحم - حصل العلم لهم بأسماء الأعيان والأفعال ~~(¬10) بهذا الطريق، والاستدلال بالشاهد على الغائب حجة مطلقة. # وجه قول من ادعى التوقيف: قول الله تعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" (¬11) ~~وهذا نص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما (¬12) في هذه الآية (¬13) أنه PageV01P389 # قال: إن الله تعالى علم آدم عليه السلام جميع الأسماء حتى القصعة ~~والقصيحة. وقال الله تعالى: "خلق الإنسان علمه البيان" (¬1) وهذا (¬2) نص. ~~وكذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تعالى قرأ ~~سورة طه وياسين قبل خلق آدم عليه السلام بألفي عام، فسمعت الملائكة عليهم ~~السلام، فقالت: طوبى لأمة قرأتهما (¬3) ". ولا إحالة في العقل بأن يخلق ~~الله تعالى في واحد من الخلق العلم (¬4) الضروري بأسماء الأشياء، ثم يبين ~~ذلك الواحد للناس. أو يخلق في كل عاقل علما ضروريا بأسماء الموجودات، حتى ~~يسمي لعين ماء ولعين خبزا ولعين لحما ونحو ذلك. وإذا (¬5) كان هذا في حد ~~الجواز، وقد ورد النصوص بذلك وجب القول بالتوقيف. # وجه قول الفريق (¬6) الثالث: أن الاصطلاح على وضع اللسان لا يتحقق بدون ~~المواضعة من الجماعة على أن يسمى (¬7) هذا كذا، وهذا كذا. ولا يتحقق هذا ~~بالإشارة وحدها، فيكون القول بواحد من الألسنة توقيفا، ثم الاصطلاح بناء ms176 ~~عليه باختيارهم أمرا ضروريا لابد منه، كما في استحداث الأسماء في زماننا: ~~لابد لوجود العلم لهم بلسان واحد على إمكان تحقيق الإجماع والمواضعة (¬8) ~~لهم في ذلك - والله أعلم. # مسألة: # اللفظ المستعار إذا استعير من (¬9) المستعار عنه للمستعار له، يكون ~~العامل هو اللفظ المستعار، لا أنه صار عبارة عن اسم المستعار له، كأنه ذكره ~~باسمه صريحا (¬10). PageV01P390 # وهذا قول عامة (¬1) أصحابنا رحمهم الله، وعامة أهل الأصول رحمهم الله. # ومسائل الشافعي تدل على أن العامل عنده (¬2) هو الاسم الذي قام لفظ ~~المستعار مقامه، حتى قال فيمن قال لامرأته: "أنت بائن" إنه رجعي، لأنه صار ~~مجازا عن قوله: "أنت طالق" كأنه نص عليه. وكذا قال: إن العتاق يقع بلفظ ~~(¬3) الطلاق، لقيام لفظ الطلاق مقامه، كأنه نص على لفظ العتاق. # وهذا يستقيم على قول من يقول: إن المشابهة معتبرة بين اللفظين. فإذا (¬4) ~~كان بين لفظ الحقيقة وبين لفظ المستعار له مشابهة في المعنى، قام هذا الاسم ~~مقامه بطريق النيابة عنه، كأنه هو، كاللفظ الموجود من الرسول: قائم مقام ~~كلام المرسل، وكلام الوكيل: قام مقام كلام الموكل - كذا هذا. # والصحيح قولنا، لأن (¬5) المشابهة المعتبرة بين الذاتين في المعنى اللازم ~~المشهور الظاهر في محل الحقيقة، فيعطى اسم المستعار عنه للمستعار له، لأنه ~~جعل المستعار له كالمستعار عنه، لوجود التشبيه على وجه المبالغة، فيكون ~~الاسم الموضوع للمستعار عنه اسما للمستعار له ضرورة. وإذا كان كذلك يجب أن ~~يكون هو العامل. يدل عليه أن من قال: "فلان أسد" أراد بهذا (¬6) مدحه في ~~الشجاعة وجعله أسدا معنى، فيكون اسم الأسد عاملا في إظهار شجاعة الأسد فيه. ~~وصار (¬7) في التقدير كأنه قال (¬8): "يا شجاع" أي PageV01P391 # مدح له على الخصوص باستعارة اسم الأسد، ومطلق اسم الشجاع قد يقع على من ~~له أدنى شجاعة - فدل أن الصحيح هو القول الأول. ويستقصى هذا في مسائل ~~الخلاف وفي الشرح - والله أعلم. # مسألة - ثم المجاز يجري في الألفاظ الشرعية من البيع والهبة والنكاح ~~والطلاق ونحوها (¬1) عند عامة الفقهاء. # وقال بعض الفقهاء (¬2): لا يجري، لأن هذه الألفاظ ms177 (¬3) إنشاءات في الشرع، ~~وأنها أفعال جارحة الكلام (¬4)، وهي مخارج الحروف، بمنزلة أفعال سائر ~~الجوارح (¬5). ومن فعل فعلا حقيقة وأراد أن يكون فاعلا فعلا آخر، لا يكون. ~~فكذلك (¬6) أفعال هذه الجارحة. وإنما (¬7) تدخل الاستعارة والمجاز في ~~الألفاظ التي هي من باب الإخبار والأمر والنهي ونحو ذلك. # ولكن الصحيح قول العامة: فإن العرب لما وضعت طريق الاستعارة، و (¬8) ~~استعملت المجاز في كلامهم، وعرف بالتأمل طريقه، يكون إذنا (¬9) منهم ~~بالاستعارة لكل متكلم من جملتهم أو من غيرهم، كصاحب (¬10) الشرع: متى وضع ~~طريق التعليل، كان إذنا (¬11) بالقياس لكل من فهم ذلك الطريق - كذا هذا. PageV01P392 # قولهم: إنها إنشاء أفعال، والمجاز يجري في الأخبار - فنقول: المجاز لا ~~يختص بالأخبار، بل يدخل في سائر أقسام الكلام، وهذه الألفاظ وإن جعلت إنشاء ~~شرعا لم يخرج من أن يكون كلاما، والاستعارة جائزة في الكلام إذا وجد طريقها ~~كما في الأمر والنهي، فإذا أتي بكلام هو إنشاء لفعل خاص، وذلك الكلام شبيه ~~(¬1) كلام آخر، هو إنشاء لفعل آخر من حيث المعنى الذي هو طريق الاستعارة - ~~فهو نظير (¬2) الألفاظ اللغوية - والله أعلم. ### |||| AUTO فصل في بيان الصريح والكناية # يحتاج إلى تفسير هما في اللغة، وفي (¬3) عرف الشرع. # أما في اللغة: # فالصريح اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع (¬4) بحيث يسبق إلى أفهام ~~السامعين. نحو قوله: "أنت حر" و (¬5) "أنت طالق" و (¬6) "بعت" و "اشتريت" ~~ونحوها - مأخوذ من قولهم: صرح الحق عن محضه. # ومنه (¬7) سمي القصر صرحا، لظهوره وارتفاعه على سائر الأبنية. PageV01P393 # وأما الكناية فاسم لما استتر (¬1) مراد المتكلم من حيث اللفظ - مأخوذ من ~~قولهم: "كنيت" و "كنوت" ومنه قول القائل: # وإني لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها فأصارح (¬2) # ولهذا سميت كنايات الطلاق للألفاظ (¬3) التي استتر مرادها، نحو قولهم: ~~"خلية" - "برية" (¬4) - "بتة" (¬5) - ونحوها. # وأما الصريح في عرف الشرع: [ف] مثل ما ذكرنا في الظاهر، إلا أن هذا أظهر ~~لكثرة الاستعمال. # وأما الكناية: فهو (¬6) أن يذكر لفظ دال على الشيء لغة، ويراد به غير ~~المذكور، لملازمة بينهما ومجاورة خاصة - نظيره قوله تعالى: ms178 "أو جاء أحد ~~منكم من الغائط" (¬7) والغائط اسم لمكان مطمئن من الأرض، وهو كناية عن ~~الحدث لمجاورة لازمة بينهما، فإن الحدث لا يكون إلا في مثل هذا المكان ~~غالبا. وكذا تطهير الفرجين بالحجر - يسمى استنجاء واستجمارا، والاستنجاء، ~~في وضع اللغة، طلب (¬8) النجوة (¬9)، والاستجمار طلب الجمرة، وهي (¬10) ~~الحجر، لملازمة بينهما في العادة. وإنما الداعي إلى الاشتغال (¬11) ~~بالكناية قبح ذكر النجاسة والعورة ههنا. PageV01P394 # وقد يكنى لقصد إخفاء الكنى عنه، بإظهار (¬1) المذكور، عن السامع لغرض له ~~في ذلك - يقال في المثل: "إياك أعني فاسمعي (¬2) يا جارة". وكما ذكرنا من ~~(¬3) قول الشاعر: "وإني لأكنو عن قذور بغيرها". # ثم الكناية هل هي من باب المجاز أم لا؟ # بعضهم قالوا (¬4): من باب المجاز، لأن المجاز ما تجاوز عن وضعه الأصلي ~~إما بزيادة أو نقصان على ما مر - وكل (¬5) ما هو خلاف ظاهر الموضوع فهو مجاز. # والصحيح أنه ليس بمجاز بل هو (¬6) حقيقة، لكن الحقيقة نوعان: صريح ~~وكناية. وكذا المجاز نوعان: صريح وكناية. # يدل على التفرقة بينهما أن المجاز عامل بنفسه، ولفظ الكناية يراد به (¬7) ~~غيره. ألا ترى أنه يقال (¬8): "فلان طويل النجاد" و (¬9) يراد به طول ~~القامة، لأن نجاد كل شخص على قدر قامته. ويقال: "فلان كثير الرماد" يكنى ~~(¬10) به عن (¬11) السخاوة، لأن من يكثر نزول الأضياف عليه، يحتاج إلى ~~زيادة الطبخ، فيكثر رماد مطبخه - والله أعلم. PageV01P395 ### |||| AUTO فصل في المطلق والمقيد # قد ذ كرنا تفسير المطلق: أن يكون متعرضا للذات دون الصفات. والمقيد: ما ~~يتعرض للذات الموصوف بصفة (¬1). # نظير الأول قوله تعالى: "أو تحرير رقبة" (¬2) في كفارة اليمين. # ونظير الثاني قوله تعالى في كفارة القتل (¬3): "فتحرير رقبة مؤمنة" (¬4). # فحكم الأول أن يتعلق بالذات دون الصفة (¬5). # وحكم الثاني أن يتعلق بالذات الموصوف لا غير. على ما نذكر - والله ~~الموفق. PageV01P396 ### |||| AUTO فصل فيما يرجع إلى العبارة من حيث الإشارة، والدلالة، والإضمار، والاقتضاء # (¬1) (¬2) # أما إشارة النص: # [ف] ما عرف بنفس الكلام بنوع تأمل من غير أن يزاد عليه شيء أو ينقص عنه، ~~لكن لم يكن الكلام سيق له، ms179 ولا هو المراد بالإنزال حتى يسمى نصا. ولا عرف ~~أيضا بنفس الكلام (¬3) في أول ما قرع سمعه من غير تأمل حتى يسمى ظاهرا. ~~ولكن (¬4) عرف بنفس اللفظ بواسطة التأمل من غير زيادة ولا نقصان، فيسمى ~~(¬5) إشارة. # نظيره من المحسوسات: من نظر إلى شيء فرآه بإقباله عليه قصدا، ورأى مع ذلك ~~غيره يمنة أو يسرة (¬6) بأطراف عينيه من غير قصد: فما يقابله هو المقصود ~~بالنظر. وما وقع عليه أطراف بصره فمرئي، [و]، رؤيته بطريق الإشارة. # ومثاله من الشرعيات قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا PageV01P397 # من ديارهم وأموالهم" (¬1): فالآية نص في بيان استحقاق سهم من الغنيمة ~~للفقراء المهاجرين، لأنها نزلت لبيان هذا الحكم على سبيل التفسير لما سبق ~~من قوله تعالى: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل" (¬2) إلى قوله تعالى (¬3) "للفقراء ~~.. (الآية) " (¬4) تم في الآية إشارة إلى أن استيلاء الكفار على (¬5) أموال ~~المسلمين سبب لثبوت الملك لهم فيها حيث سماهم فقراء مع إضافة الديار ~~والأموال إليهم، والفقير عبارة عن عديم المال فيكون فيه إشارة (¬6) إلى ~~(¬7) زوال ملكهم (¬8) عما استولوا عليه بعد إخراجهم عن أموالهم وديارهم - ~~ولهذا نظائر كثيرة. # وأما دلالة النص: # [فقد] اختلف مشايخنا فيها (¬9): # قال بعضهم: إن دلالة النص والقياس سواء، لأن حد (¬10) القياس ليس إلا ~~إثبات (¬11) كل حكم المنصوص عليه في غيره، بمثل (¬12) المعنى الذي تعلق به ~~الحكم في الأصل (¬13). وهذا الحد موجود فيما يسمى PageV01P398 # "دلالة" فإن قوله تعالى: "فلا تقل لهما أف" (¬1) - ظاهر النص تحريم ~~التأفيف، وهو غير تحريم الضرب والشتم، فلا يكون تحريم الضرب منصوصا عليه ~~عينا، ولكن عقل معنى تحريم التأفيف وهو أذى الأب لحرمة الأبوة، والأذى في ~~الضرب أكثر، وعلة التحريم موجودة وهي الأبوة، وما يكون محرما للقليل يكون ~~محرما للكثير، بطريق (¬2) الأولى، فيكون هذا قياسا، لكنه قياس جلي. والمعنى ~~(¬3) الموجب إذا كان خفيا يسمى "قياسا" وإذا كان جليا يسمى "دلالة"، أما في ~~الحالين ليس هو إثبات الحكم بعين النص مضافا إليه، فيكون حد دلالة النص ms180 هو ~~القياس الجلي. # و (¬4) قال القاضي الإمام (¬5) أبو زيد رحمه الله ومن تابعه: إن دلالة ~~النص ما ثبت بمعنى النص، في غير النصوص عليه، معنى ظاهرا (¬6)، يعرف بسماع ~~اللفظ، من غير تأمل، حتى يستوي فيه الفقيه والعربي الذي ليس بفقيه, بمنزلة ~~الحكم ببديهة العقل. [وهو] ما يعرف بالعقل من غير تأمل. والحكم الثابت ~~بالاستدلال العقلي ما يحتاج فيه إلى التأمل والنظر. ولكن كل ذلك مضاف إلى ~~العقل - فكذا هذا. فمن حيث إنه (¬7) لم يثبت بعين اللفظ لم يسم (¬8) نصا. ~~ومن حيث إنه (¬9) ثبت (¬10) بمعنى النص لغة، لا رأيا PageV01P399 # واجتهادا لوضوحه (¬1) سمي دلالة النص. ونظيره حرمة التأفيف: إن كل عربي ~~سمع (¬2) قوله تعالى: "فلا تقل لهما أف" (¬3) عرف عند السماع من غير تأمل ~~حرمة ضربه وقتله، فيكون النص دالا (¬4) عليه، فيكون تحريم الضرب ثابتا (¬5) ~~بدلالة النص، وحرمة التأفيف ثبتت (¬6) بعين النص، بخلاف الحكم الثابت ~~بالقياس: فإنه حكم ثبت بمعنى النص أيضا، لكن بواسطة الاجتهاد، حتى اختص به ~~الفقهاء، لخفائه. ونظيره أيضا: # ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رجم ماعزا حين زنى، وهو ~~محصن، وثبت زناه وإحصانه عنده، فيكون وجوب الرجم في حق ماعز ثابتا بعين ~~النص، وفي حق غيره إذا زنى وهو محصن ثابتا بدلالة النص، لأنه عرف (¬7) ~~بالبديهة أنه ما رجم ماعزا لكونه ماعزا محصنا، لكن لوجود (¬8) الزنا منه ~~عند الإحصان، ومثله موجود في حق غيره، فثبت (¬9) الحكم في حق غيره بالمعنى ~~الثابت ظاهرا، فيكون دلالة النص. ولا يقال: إن الأمة لما أجمعت (¬10) على ~~وجوب الرجم في حق ماعز لوجود (¬11) الزنا منه (¬12) مع الإحصان، يكون هذا ~~حكما ثابتا بعلة مجمع PageV01P400 # عليها، لا بدلالة النص، لأن دلالة (¬1) النص ما ثبت الحكم فيها بمعنى ~~النص، لا بعين النص، وقد علم بالإجماع ههنا أنه ثبت بمعنى النص، فكان (¬2) ~~دلالة النص، ولكنا (¬3) نقول في الحكم الثابت بعلة النص: إنه ثابت بدلالة ~~النص لا بعين النص (¬4) - والله أعلم. # وأما الإضمار، والاقتضاء (¬5): # اختلف مشايخنا في ذلك: # قالت بعضهم: هما سواء، وهما من باب ms181 الاختصار والحذف - يزاد على الكلام ~~لتصحيحه، وهو اختيار القاضي الإمام (¬6) أبي زيد رحمه الله تعالى. # وقال أستاذي الشيخ الإمام الزاهد علي بن محمد البزدوي (¬7) رحمه الله بأن ~~(¬8) الإضمار غير الاقتضاء (¬9). وهو الأصح (¬10). PageV01P401 # ثم على قول الفريق الأول: حدهما واحد، وهو ما زيد على ظاهر الكلام، مما ~~(¬1) لا يصح الكلام بدونه، لتصحيحه، لأن العاقل الحكيم (¬2) لا يقصد بكلامه ~~اللغو، إلا أنه نوعان: # - قد يزاد لتصحيح (¬3) نفس (¬4) الكلام، عقلا. # - وقد يزاد لتصحيح الكلام، شرعا، بأن تعلق بالكلام حكم شرعي، [و] لا صحة ~~لذلك الحكم إلا بوجود شيء آخر، فيكون شرط صحته، فيثبت مقتضاه، تصحيحا ~~للكلام في حق إثبات الحكم، وإن كان الكلام صحيحا من حيث إنه كلام لغة، وهذا ~~لأن ما كان من ضرورات الشيء يكون ثابتا (¬5) بإثباته. ولهذا قالوا: إن (¬6) ~~الأمر بالشيء أمر بما لا صحة له بدونه، كالأمر بالصلاة: أمر بالوضوء، ~~وتحصيل شرائطها (¬7). والأمر (¬8) لعبده (¬9) بصعود السطح، وليس ثمة سلم ~~منصوب، ولكنه (¬10) موضوع على الأرض، يكون أمرا بنصب السلم، لما قلنا. # نظير صحة الكلام بما (¬11) تعلق الحكم الشرعي به, قوله (¬12) تعالى: PageV01P402 # "واسأل القرية التي كنا فيها" (¬1) - أمر بالسؤالءن القرية، ولا يصح ~~الأمر بالسؤال عن القرية، لأنه لا يصح منها (¬2) الجواب، والسؤال يقتضي ~~الجواب، فيكون أمرا بالسؤال ممن يصح منه، وهو أهل القرية، فيزاد (¬3) الأهل ~~في الكلام، تصحيحا للكلام، فيسمى به مضمرا (¬4). # ونظير المثاني قول الرجل لغيره: "اعتق عبدك هذا (¬5) عني بألف درهم"، ~~فقال: "أعتقت"، فإنه يقع العتق (¬6) عن الآمر بألف درهم (¬7)، لأن الآمر ~~أمره (¬8) بإعتاق عبد مملوك له عنه بألف درهم (¬9) , ولا صحة للإعتاق عن ~~الآمر بدون ثبوت الملك له في العبد المأمور بعتقه، وذلك يكون بالتمليك منه ~~بما سمى، فيكون الأمر بالإعتاق مقتضيا البيع منه، حتى يصح منه إعتاقه عنه ~~(¬10)، فيزاد "البيع" على هذا الكلام الذي هو سبب ثبوت الملك تصحيحا لكلامه ~~(¬11)، في حق الحكم، فيصير كأنه قال: "بع عبدك هذا (¬12) مني بألف درهم، ~~وكن وكيلا عني بإعتاقه", فيكون أمرا بالبيع منه والإعتاق عنه (¬13) جميعا، ~~فيكون مضافا إلى المقتضى، ms182 وهو الأمر بالإعتاق، ضرورة صحة الإنشاء (¬14) - ~~ولهذا نظائر. PageV01P403 # وجه القول المختار، هو (¬1) أن الإضمار من باب الحذف والاختصار، وهو ~~مذكور لغة، ولهذا قلنا: إن المضمر له عموم، فإن من قال لامرأته: "طلقي ~~نفسك" ونوى (¬2) الثلاث، فطلقت نفسها يقع الثلاث، لأن المصدر محذوف، وهو ~~كالمذكور لغة، فيصير كأنه قال: "طلقي نفسك طلاقا" ونيته الثلاث في المصدر: ~~تصح، كما إذا قال (¬3): "أنت طالق طلاقا" ونوى الثلاث: يصح. فأما المقتضى ~~[ف] ليس بمذكور لغة، بل يجعل ثابتا ضرورة، كا في قوله: "أنت طلق" يجعل ~~المصدر ثابتا، ضرورة صحة الإنشاء (¬4)، لأنه إخبار صيغة، لكن يجعل ثابتا ~~بقدر ما فيه ضرورة (¬5) وهو صحة الكلام، والضرورة تندفع بوقوع طاقة واحدة، ~~فلا يتعمم (¬6) من غير ضرورة، ويجعل عدما فيما وراءها، على ما هو الأصل في ~~الثابت بطريق الضرورة: أن (¬7) يتقدر بقدر الضرورة. # وهذا قول أصحابنا رحمهم الله. # وعلى قول الشافعي رحمه الله: المقتضى له عموم، وله وجهان: # أحدهما - أنه قال: إنه من باب الإضمار، والمصدر المضمر والمذكور سواء. # والثاني - قال: إنه مذكور شرعا، والمذكور شرعا كالمذكور حقيقة - ألا ترى ~~أن الميت حكما بمنزلة الميت حقيقة في حق الأحكام، وهو المرتد الذي لحق (¬8) ~~بدار الحرب. PageV01P404 # ولنا: أن العموم من صفات اللفظ، والمقتضى غير ملفوظ حقيقة، وإنما يجعل ~~ملفوظا بطريق الضرورة، والضرورة ترتفع (¬1) بالطلاق الواحد، فصار كما لو نص ~~فقال (¬2): "أنت طالق طلاقا واحدا"، ولا يجعل (¬3) ملفوظا فيما وراء صحه ~~الكلام. وقوله: إن المصدر صار مذكورا، فقد ذكرنا الكلام فيه، فيما تقدم. # وفي هذه الفصول إشكالات مذكورة في الشرح - والله أعلم. ### |||| AUTO فصل # في الوجوه التي اختلف فيها: أنها ملحقة بالأحكام الثابتة باللفظ والعبارة أم لا؟ # وهي فصول، خمسة منها متقاربة: # أحدها (¬4) - أن النص إذا أثبت حكما في (¬5) مسمى باسم علم - هل يدل على ~~نفي الحكم فيما عداه؟ كقوله عليه السلام: "في خمس (¬6) من الإبل شاة"- ~~إثبات الحكم في الحيوان المسمى باسم الإبل (¬7): هل يكون نفيا عن المسمى ~~باسم الغنم والبقر ونحوه أم لا؟ PageV01P405 # والثاني - أن (¬1) النص إذا أثبت حكما ms183 في موصوف بصفة - هل يكون نفيا ~~للحكم في غير الموصوف بتلك الصفة؟ كقوله عليه السلام: "في خمس من الإبل ~~السائمة شاة": فيه إيجاب الزكاة في إبل موصوفة (¬2) بصفة الأسامة (¬3) هل ~~يكون نفيا للوجوب عن غير الإبل السائمة؟ # والثالث - أن النص إذا أثبت حكما معلقا بشرط صحيح - هل يكون نفيا للحكم ~~بدون ذلك الشرط؟ كقوله تعالى: "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات" (¬4): علق جواز نكاح ~~الأمة شرط عدم طول الحرة، وهل (¬5) يكون نفيا لجواز نكاح الأمة بدون هذا ~~الشرط أم لا؟ # والرابع - أن النص إذا أثبت حكما مقدرا بمقدار معلوم، هل يكون نفيا ~~للزيادة أو النقصان عن ذلك القدر أم لا؟ كقوله تعالى: "الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (¬6): - هل يكون نفيا لإيجاب الزيادة ~~(¬7) على المائة أو النقصان عنها؟ # والخامس - أن (¬8) النص إذا أثبت حكما موقتا إلى زمان معدوم هل يكون نفيا ~~لذلك الحكم بعد مضي ذلك الوقت في زمان بعده أم لا؟. PageV01P406 # كقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل" (¬1)، فهذا (¬2) النص: هل ينفي ~~إيجاب الصوم في الليل أم لا؟ # ثم عند عامة أصحابنا رحمهم الله في الفصول كلها: أنه (¬3) لا يوجب النفي، ~~وإنما حكمه الإثبات فيما (¬4) نص عليه لا غير، وحكمه موقوف إلى قيام الدليل ~~في النفي والإثبات في غيره (¬5). # وعند المعتزلة: يقف (¬6) على الدليل العقلي: إن نفاه ينتفى، وإن أثبت ~~يثبت، بناء على أصلهم: أن العقل دليل في كثير من الشرعيات. # وقال الشافعي رحمه الله في الفصول كلها: إنه يوجب النفي. # وهو قول بعض أصحابنا مثل الكرخي وغيره، إلا في الفصل الأول: فإنه قول ~~عامة العلماء إلا بعض أصحاب الحديث. # وقيل: هو قول بعض أصحاب الشافعي. # وأصحاب الشافعي (¬7) سموا الفصول المختلفة بيننا وبينهم: دليل الخطاب ~~ومفهوم الخطاب. # وشبهتهم العقلية أن (¬8) تخصيص الشيء بالحكم (¬9) ذكرا يقتضي فائدة ~~مخصوصة, وليس ذلك إلا نفي الحكم عن غيره - ألا ترى أن المعلق PageV01P407 # بالشرط إذا كان يوجد عند وجود الشرط ويوجد عند ms184 عدم الشرط، لم يكن للتعليق ~~بالشرط فائدة. # وعامة العلماء تعلقوا بالنص والمعقول: # - أما النص: # فقوله (¬1) تعالى: "منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم" (¬2) - فالله (¬3) تعالى حرم الظلم في هذه الأشهر الحرم، وموجب ما ~~ذكرتم أن ينفي (¬4) حرمة الظلم في أشهر أخر. وهذا خلاف إجماع الأمة. # وقال تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا" (¬5) - فالله ~~تعالى نهى عن إكراه الإماء (¬6) على الزنا (¬7) إن أردن التعفف، وهذا يوجب ~~إباحة الإكراه على الزنا إن لم يردن التعفف على قود (¬8) مذهبكم - وإنه فاسد. # - وأما المعقول: # فهو (¬9) أن انتفاء الحكم في هذه الفصول إما أن يثبت بالنص، أو لضرورة ~~(¬10) فائدة التخصيص بالذكر. PageV01P408 # والأول (¬1) فاسد: # • لأن النص الثبت موجبه هو (¬2) الإثبات دون النفي لغة، وبين النفي ~~والإثبات منافاة، فالموضوع لأحد الضدين كيف يكون موضوعا للضد الآخر؟ # • و (¬3) لأن إثبات الحكم في مسمى معلوم لو كان ينفي ثبوت ذلك الحكم في ~~غيره لامتنع القول بالقياس، لأن القياس لا يصح إلا بعد ثبوت الحكم في محل ~~منصوص عليه مسمى باسم خاص. ولو كان النص يوجب نفي الحكم في غير المنصوص ~~عليه يكون القياس بمقابلة النص، والقياس لا (¬4) يعارض النص بالإجماع. # والوجه الثاني فاسد أيضا: # فإنه مجرد الدعوى أن لا فائدة سوى نفي الحكم عن غيره، وما لم ينف (¬5) ~~بالدليل: أنه لا يتصور فائدة أخرى في هذه الفصول، وأن الفائدة مقصورة على ~~نفي الحكم عن غيره، فلا (¬6) يستقيم هذا الكلام، ولا يتصور ذلك (¬7) حتى ~~يلج الجمل في سم الخياط (¬8) - والله الموفق. # مسألة - ومنها أن المطلق هل يحمل على المقيد أم لا؟ PageV01P409 # فعند الشافعي رحمه الله: يحمل المطلق (¬1) على المقيد بكل حال. واختلف ~~المشايخ عندنا: # قال بعضهم: يحمل إذا كان السبب واحدا، والحادثة واحدة. فأما في حادثتين، ~~[ف] لا يحمل. # وقال أهل التحقيق منهم بأنه لا يحمل سواء كانت الحادثة واحدة أو لا، إلا ~~إذا كان الحكم (¬2) واحدا، والسباب واحدا، ولا يمكن الجمع بين المطلق ~~والمقيد (¬3): فحينئذ يحمل. # وجه قول الشافعي أن المطلق يحتمل المقيد ms185 (¬4)، كالعام يحتمل الخصوص، ~~والمجمل يحتمل البيان. فإذا (¬5) ورد كل طلق ومقيد يجب أن يكون المقيد (¬6) ~~بيانا للمطلق، ويكون كلا النصين بمنزلة نص واحد؛ كالنص المجمل مع النص ~~المبين (¬7)، حتى لا يؤدي إلى التناقض، ولا يقال متى جعل نسخا لا يؤدي إلى ~~التناقض، لأنهما إذا كانا مقارنين لا يمكن الحمل على النسخ، ولأن النسخ أمر ~~ضروري فلا يصار إليه من غير ضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الحمل على البيان ~~(¬8). ولأنا لو لم نحمل المطلق على المقيد، يؤدي إلى إلغاء صفة القيد، فإن ~~قبل ورود (¬9) النص PageV01P410 # المقيد، لو أتى بالمطلق والمقيد يكون جائزا، فعند (¬1) ورود النص المقيد؛ ~~لو صار (¬2) المطلق نظير المقيد، لم يكن في القيد فائدة. # وبهذا الطريق حمل المطلق على المقيد: # - في باب الشهادات: فإن بعض النصوص مطلق عن قيد العدالة، وبعضها مقيد. ثم ~~صار المطلق مقيدا بالإجماع، حتى شرطت العدالة لوجوب قبول الشهادة (¬3). # - وكذا ورد في باب الزكاة نصان: مطلق عن قيد الأسامة، ومقيد بصفة ~~الأسامة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "في خمس من الإبل شاة"، وروي: ~~"في خمس من الإبل السائمة شاة" (¬4) ثم حمل المطلق على المقيد حتى صار صفة ~~الأسامة (¬5) شرطا بالإجماع لوجوب الزكاة. # وكذا في كفارة الحنث (¬6): ورد ظاهر النص مطلقا عن صفة التتابع في إيجاب ~~الصوم، فقال تعالى: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام" (¬7) وفي (¬8) قراءة عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وقد حملتم ~~المطلق على المقيد حتى شرطتم التتابع، ولا يلزمنا أنا لا (¬9) نحمل، حتى لم ~~يصر التتابع شرطا عندنا، لأن في صوم الكفارات (¬10) ورد النص PageV01P411 # المطلق، وقد ورد المقيد على وصفين: بصفة التتابع (¬1) وبصفة التفرق، وهو ~~قوله تعالى في صوم المتعة: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة" (¬2) - فلم يكن أحد النصين المقيدين بأولى من حمل ~~المطلق عليه، فسقط اعتبار المقيد، لأجل التعارض، أو يثبت له الخيار في ~~الحمل على أي المقيدين شاء، عملا بالدليلين بقدر الإمكان. على أن قراءة ms186 عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه (¬3) لا تصلح معارضا لقراءة (¬4) العامة ~~الثابتة بالتواتر. وعندنا إنما يحمل عند الاستواء في الدليلين (¬5). # وجه قول أصحابنا رحمهم الله أن حمل المطلق على المقيد خلاف عرف أهل ~~اللغة؛ بل في عرفهم إجراء المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. فإن من ~~قال لآخر: "اعتق عبدي" (¬6) ثم قال بعد ذلك: "اعتق عبدي الأبيض"؛ فله أن ~~يعتق أي عبد شاء ولا يتقيد بالأبيض. وكذا من قال لامرأته: "إن دخلت الدار ~~فأنت طالق" ثم قال بعد ذلك: "إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق"، فدخلت راكبة ~~أو ماشية: يقع الطلاق، ولا يتقيد المطلق بصفة الركوب. وإذا كان عرف أهل ~~اللسان هذا، يجب حمل كتاب الله تعالى وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~على التعارف، لأن كلام الله تعالى نزل بلغة العرب على حسب عاداتهم - قال ~~الله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" (¬7)؛ والرسول ~~عليه السلام PageV01P412 # منهم، فيكون كلامه محمولا على تعارفهم في الأصل، ولأن في هذا نسخ المطلق، ~~لأن النسخ ليس إلا بيان انهاء مدة الحكم، ومتى حمل المطلق على المقيد، وقبل ~~التقييد يجوز العمل به وبعده لا يجوز، فقد انتهى حكم المطلق ضرورة، والنسخ ~~لا يجوز إلا عند تساوي الدليلين، والقياس وخىبر (¬1) الواحد لا يساوي ~~الكتاب والمتواتر (¬2) - هذا طريق مشايخ العراق. # وطريق مشايخنا (¬3) أن حمل المطلق على المقيد ضرب (¬4) النصوص بعضها في ~~بعض، وجعل النصين كنص واحد، والنص المطلق واجب العمل بإطلاقه عند الانفراد، ~~لأنه يمكن العمل بظاهره، لأن المطلق لا يتعرض للأوصاف المختلفة، إنما هو ~~اسم للذات دون الصفات، فلا يحتاج إلى بيان, والنص المقيد كذلك - فيجب العمل ~~بهما ما أمكن، بخلاف النص المجمل مع المبين (¬5)، لأن الجمل لا يمكن العمل ~~بظاهره، فيجب حمله على المفسر، ويكون تفسيرا للأول. # و (¬6) قوله (¬7) إن في العمل بهما إلغاء صفة القيد (¬8)، فليس كذلك: فإن ~~قبل ورود المقيد يعمل بالمطلق (¬9) من حيث إنه مطلق، وبعد ورود PageV01P413 # المقيد يعمل بالمقيد من حيث إنه مقيد، وفيه فائدة، وهو ms187 أن يكون ذلك دليل ~~الاستحباب والفضل، أو هو عزيمه، والمطلق رخصة، ونحو ذلك. ومتى أمكن العمل ~~بهما جميعا، واحتمال الفائدة قائم، لا يجعل النصان نصا واحدا. ولأن فيما ~~ذكرتم إلغاء صفة الإطلاق، فيجب (¬1) أن لا يقيد (¬2). وفي الموضع الذي حمل ~~المطلق على المقيد إنما حمل لعدم الإمكان، بأن كان سبب الحكم واحدا والحكم ~~واحدا، ولا يمكن إثبات حكم مطلق ومقيد بسبب واحد في زمان واحد، فيخرج (¬3) ~~على البيان أو على التناسخ، على ما يعرف بعد هذا (¬4)، على اختلاف بين ~~مشايخنا أن تقييد المطلق بيان أو نسخ (¬5). أما عند الإمكان فلا، وعند ~~اختلاف السبب يمكن مع اتحاد الحكم، كما في قوله عليه السلام: "أدوا صدقة ~~الفطر عن كل حر وعبد" وروي: "عن كل حر وعبد من المسلمين" (¬6)، لأن السبب ~~في حق العبد المسلم هو رأس يمونه (¬7) بولايته عليه، وفي حق العبد (¬8) ~~الكافر رأسه، وهما سببان، وإن كانا من جنس واحد، ولكن محل (¬9) الحكم ~~مختلف، وهو العبد المسلم والكافر (¬10). أما في كفارة اليمين [ف] السبب PageV01P414 # واحد، وهو اليمين عند الحنث، والحكم واحد وهو صوم ثلاثة أيام، فلا يمكن ~~القول بوجوبه كل تتابعا وغير متتابع في حالة واحدة، فحمل على المقيد، لأنه ~~أعلى (¬1)، لكونه أكثر ثوابا لزيادة مشقة فيه، ولأن في المقيد مطلقا (¬2) ~~وزيادة قيد، فيكون عملا بالدليلين، بقدر الممكن، ولا كلام فيه، إنما الكلام ~~في موضع يمكن الجمع - والله أعلم. # مسألة - القران في اللفظ (¬3): هل يوجب القران في الحكم؟ # قال عامة أهل الأصول: لا يوجب. # وقال بعض الفقهاء بأنه يوجب. # وصورته أن حرف الواو متى دخل بين الجملتين التامتين، كل جملة مبتدأ وخبر، ~~فالجملة (¬4) المعطوفة هل تشارك الجملة المعطوف عليها في الحكم المنوط بها؟ # وأجمعوا أن المعطوف إذا كان ناقصا، بأن لم يذكر فيه الخبر، فإنه يشارك ~~المعطوف عليه في خبره، ويشاركه في حكمه، كقولك: "زينب طالق وعمرة" فإن ~~قوله: "وعمرة" (¬5) يشارك زينب في وقوع الطلاق، لكونه (¬6) ناقصا لا يفيد ~~بنفسه دون المشاركة في خبر الأول. # وعلى هذا الأصل، تعلق بعض الفقهاء ms188 في نفي وجوب الزكاة على الصبي، بقوله ~~تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (¬7): عطف الزكاة على PageV01P415 # الصلاة (¬1)، فيجب (¬2) أن تشارك (¬3) الصلاة، ثم لا تجب الصلاة عليه ~~(¬4)، فكذا (¬5) الزكاة، تحقيقا (¬6) للمشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه. # وشبهة هؤلاء أن الواو للعطف لغة، ولهذا تسمى (¬7) واو العطف عند أهل ~~اللغة، ومقتضى العطف هو الشركة في الخبر - تقول: "جاءني زيد وعمرو" أي ~~جاءآ، ولهذا إذا كان المعطوف متعريا عن الخبر، فإنه يشارك الأول في خبره، ~~فيجب القول بالشركة في الأصل، وإن كانا كلامين تامين إلا عند التعذر - ألا ~~ترى أن من قال: "إن دخلت هذه الدار فامرأتي طالق وعبدي (¬8) حر": فإن ~~الطلاق والعتاق يتعلقان بالدخول، وإن كان (¬9) قوله "وعبده حر" (¬10) كلاما ~~تاما مفيدا في نفسه (¬11). ولهذا قلتم في قوله تعالى: "والذين يرمون ~~الحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا" (¬12)، فكل (¬13) واحد منهما (¬14) جملة تامة، ومع هذا عطف رد ~~الشهادة على الجلد، وشاركه في كونه جزاء (¬15)، لما قلنا. PageV01P416 # وجه قول عامة العلماء قوله تعالى: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار" (¬1) فالجملة الثانية وهي قوله تعالى: "والذين معه أشداء على ~~الكفار" معطوفة (¬2) على الجملة الأولى، وهي قوله تعالى: "محمد رسول الله"، ~~ولا يوجب الشركة في الرسالة، التي هي خبر الجملة الأولى - ولهذا نظائر ~~كثيرة في القرآن. # والمعقول في المسألة أن الأصل في كل كلام تام أن ينفرد (¬3) بحكمه، ولا ~~يشارك الكلام الأول في حكمه، وإن كان كل معطوفا عليه بحرف الواو، كقوله: ~~"جاءني زيد وذهب عمرو" فقد (¬4) وجد ههنا عطف جملة تامة على جملة تامة من ~~غير وجود الشركة، وهذا لأن في إثبات الشركة جعل الكلامين كلاما واحدا، وإنه ~~خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا عند الضرورة، فمن ادعى الضرورة فعليه ~~الدليل. وفي المعطوف الناقص ضرورة، حتى يصير مفيدا (¬5)، فوجب القول ~~بالشركة. وكذا الجملة الناقصة من حيث المعنى، بأن كان لا يحصل غرضه ومقصوده ~~بها، كما في قوله: "إن دخلت الدار فامرأتي طالق وعبدي حر" فإن غرضه هو ms189 ~~تعليق عتق العبد بدخول الدار لا التنجيز، فكان العطف عليه دليلا على أنه ~~أراد به المشاركة للأول (¬6) في التعليق، فيصير الجملة ناقصة من حيث المعنى ~~والغرض، حتى إنه إذا كان في موضع يحصل الغرض بدون المشاركة لا يتعلق، كما ~~لو قال: "إن دخلت الدار فزينب طالق وعمرة طالق": PageV01P417 # فإن عمرة تطلق للحال، لأنه علم أن (¬1) ليس غرضه التعليق، لأنه كفاه ~~قوله: "وعمرة"، فلما قرنه بالخبر (¬2) مقصودا، وهو كلام تام، علم أن غرضه ~~هو التنجيز دون التعليق، حتى لو قال: "إن دخلت الدار فزينب طالق ثلاثا ~~وعمرة طالق" يتعلق طلاق عمرة كما يتعلق طلاق زينب، لأنه لا يمكن التعليق ~~بذلك الشرط، مع غرض وقوع الثلاث (¬3) في حق زينب ووقوع الواحدة في حق عمرة، ~~إلا بذكر الخبر مفردا في حق عمرة، إذ لو لم يذكر (¬4) الخبر، لوقع على عمرة ~~ثلاثا (¬5)، كما على زينب. وأما (¬6) في مسألتنا: إذا كان كل واحد من ~~الكلامين تاما في نفسه وفي حق الغرض، فأية (¬7) ضرورة في جعل الكلامين ~~كلاما واحدا، وهو خلاف الحقيقة؟ وخرج الجواب عن قوله: إن واو العطف يقتضي ~~الشركة، [إذ] لا نسلم بأن الشركة موجبه لغة، ولكن إنما يثبت الشركة بطريق ~~الضرورة: يدل عليه أن حروف العطف تسعة، منها: لا و (¬8) بل ولكن وحرف لا ~~(¬9)، وليس موجب هذه الحروف الشركة، بل قطع الشركة وتغيير (¬10) موجب الأول. # ثم إن قلنا: إن واو العطف يقتضي الشركة في بعض الأحوال، لا على الإطلاق، ~~لكن لا نسلم (¬11) - فما قولكم: إنها تقتضي الشركة إذا دخلت. (¬12) على ~~الجملة الناقصة أو على الجملة الكاملة؟ (¬13) فإن قلتم في الجملة الناقصة، ~~فمسلم. وإن قلتم في الجملة الكاملة، فهو (¬14) موضع النزاع. # وفي المسألة إشكالات - والله أعلم. PageV01P418 ### ||| CHECK 2 - القول في السنة # القول في السنة # السنة أنواع ثلاثة: من حيث القول، ومن حيث الفعل، ومن حيث السكوت. (¬1) ### |||| AUTO [1] # أما من حيث القول # فهو (¬2) إخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى أنه كذا ~~وكذا، بوحي غير متلو. # وهو أنواع: كل أخبره جبريل (¬3) عليه السلام ms190 بشيء، لا على نظم (¬4) ~~القرآن. أو أخبره ملك آخر. أو رآه في المنام. أو بطريق الإلهام. وكذا ~~إخباره عن الله تعالى أنه (¬5) يأمر وينهي بهذا الطريق. # وكل ذلك حجة، لأنه ثبت أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيكون خبره ~~صدقا، لكونه كل معصوما عن الكذب والغلط والخطأ في تبليغ الشرائع، فيكون ذلك ~~(¬6) مثل الكتاب، ولكن إنما يبلغ إلينا سنته بخبر الرواة. PageV01P419 # فيحتاج إلى: # تفسير الخبر لغة، # وبيان حده عند أهل الأصول، # وإلى صفة الخبر، # وإلى أقسام الخبر. # أما تفسير الخبر لغة: # فهو (¬1) اسم لكلام مخصوص، بصيغة مخصوصة، يتعلق (¬2) به العلم بالمخبر به ~~- بخلاف الإشارة والدلالة، لأنه ليس بكلام، وإن كان يحصل به العلم. و (¬3) ~~بخلاف الأمر والنهي والاستخبار (¬4)، لأنه لم يوجد صيغة الخبر. # وأما حد الخبر عند أهل الأصول: # قال بعضهم: ما يحتمل الصدق والكذب. # وقيل: ما يدخله الصدق والكذب. # وهذان الحدان فاسدان لعدم الاطراد: فإن خبر الله تعالى وخبر رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - وخبر الأمة بأسرهم لا يحتمل الكذب ولا يدخله الكذب، وإنه ~~(¬5) خبر حقيقة. وينتقص الحد أيضا بالكذب: فإنه خبر، ولا يحتمل الكذب (¬6) ~~ولا يدخله (¬7). وكذا ينتقض بالصدق أيضا (¬8). PageV01P420 # وقال بعضهم: هو كلام تعرى عن كل معنى التكليف. # وهذا حد صحيح، لما ذكرنا أن الكلام كله تعريف وتكليف والتكليف (¬1) هو ~~الأمر والنهي. والتعريف هو الخبر والاستخبار والنداء والتمني، وفي ذلك كله ~~معنى الخبر. # وقال بعضهم: حد الخبر كلام يفيد (¬2) بنفسه إضافة مذكور إلى مذكور، فإن ~~قولك (¬3): "جاءني زيد" كلام (¬4) هو إضافة المجيء إلى زيد، وهما مذكوران. ~~ويقال: "هذا فعل حسن وهذا فعل قبيح" وهو (¬5) إضافة مذكور إلى مذكور. ~~ويقال: "يوم القيامة" وهو (¬6) إضافة اليوم إلى القيامة. وإنما قلنا ~~"مذكور" ولم نقل "إضافة شيء إلى شيء"، لأن المعدوم ليس بشيء فيصح (¬7) ~~الخبر عنه، كما ذكرنا في (¬8) "يوم القيامة"- قال الله تعالى: "وكل أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب" (¬9) ولا يلزم الأمر والنهي، فإنه كلام ~~يفيد إضافة مذكور إلى مذكور، وهو كون المأمور به حسنا وواجبا ومندوبا ms191 إليه، ~~وليسا من باب الخبر، لأنا قلنا: كلام يفيد (¬10) بنفسه إضافة مذكور إلى ~~مذكور، وثمة قوله "افعل": كلام (¬11) لا يفيد بنفسه كون المأمور به حسنا ~~وواجبا، وإنما يعرف ذلك بمقتضى حكمة الآمر - على ما ذكرنا. PageV01P421 # وأما بيان صفة الخبر - فنقول: # الخبر في حق الوصف ينقسم إلى قسمين: صدق، وكذب. # فالصدق (¬1) هو التكلم عن المخبر (¬2) على ما هو به. # والكذب (¬3) هو التكلم عن المخبر (¬4) لا على ما هو به. # وقال الجاحظ (¬5) من المعتزلة: إن الخبر قد يكون لا صدقا ولا كذبا. وهو ~~فاسد - عرف في مساؤل الكلام وفي الشرح. # وأما أقسام الخبر: # فهو (¬6) أقسام ثلاثة: الخبر المتواتر، والخبر المشهور، وخبر الواحد. فنذكر: # تفسيرها لغة، وفي عرف الفقهاء، # وشرائطها، وأحكامها. # أما الخبر المتواتر - فنقول: # في اللغة: المتواتر (¬7) مشتق من التواتر والاتصال - يقال: "تواترت كتب ~~فلان إلي" (¬8) أي اتصلت وتتابعت. PageV01P422 # وأما حده عند الفقهاء: فهو مأخوذ من معناه لغة، وهو الخبر المتصل بنا عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطعا ويقينا، بحيث لم يتوهم فيه (¬1) ~~شبهة الانقطاع. # وأما شرط المتواتر فشيئان: # أحدهما - أن يروي قوم عن قوم لا يتصور (¬2) تواطؤهم على الكذب عادة، ~~لكثرتهم ابتداء وانتهاء وفيما بينهما، بأن يكون أوله كآخره وآخره كأوله ~~وأوسطه كطرفيه. # والثاني - أن يكون المخبر به أمرا محسوسا: إما حس البصر أو حس السمع. أما ~~إذا كان أمرا معقولا أو مظنونا، فإن التواتر فيه (¬3) لا يوجب العلم يقينا، ~~فإن الكفرة قالوا لي طريق التواتر: إن الله تعالى ثالث ثلاثة، وإن له ~~شريكا، وإنه كذب محض. # وأما حكم الخبر (¬4) المتواتر: # مسألة - قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إنه يوجب العلم قطعا بنفسه، من غير قرينة. # وقال النظام (¬5) من المعتزلة: إنه لا يوجب العلم بنفسه ولكن بقرينة. ~~وكذا قال في خبر الواحد: إنه قد يوجب العلم قطعا بقرينة، كواحد أخبر أن ~~فلانا مات وازدحم الناس على بابه ويسمع صوت البكاء ويحضر الجنازة: فإن خبره ~~يوجب العلم قطعا بهذه القرائن، وإن كان خبر واحد. PageV01P423 # ثم اختلف القائلون أب ن المتواتر (¬1) يوجب العلم ms192 قطعا، فيما بينهم: قال ~~عامتهم: بأنه يوجب علما ضروريا. # وقال الكعبي بأنه (¬2) يوجب علما استدلاليا. وهو قول بعض المتأخرين من ~~المعتزلة. # وجه قول النظام: # إن خبر اليهود نقل بطريق التواتر، على (¬3) أن عيسى قتل صلبا، وخبر ~~المجوس نقل بطريق التواتر (¬4) أن زرادشت (¬5) أدخل قوائم فرسه في بطنه ~~وبقي معلقا في الهواء. وإنه لا يوجب العلم وثبت كذبه بدليل قطعي. # - و (¬6) أما المعقول: وهو (¬7) أن الخبر المتواتر ليس إلا أخبار آحاد ~~اجتمعت، وخبر كل واحد بانفراده محتمل في نفسه، ولا يوجب العلم، فعند ~~الاجتماع لا يزول الاحتمال على ما نذكر تقريره (¬8) في فصل الإجماع. # وجه قول العامة: # هو (¬9) أن العلم بوجود البلدان النائية والملوك الماضية ثابت بطريق ~~التواتر من غي عيان ومشاهدة، كالعلم بوجود مكة وبغداد، PageV01P424 # والعلم بوجود هارون الرشيد ومحمود بن سبكتكين (¬1) ونحو ذلك، على وجه لو ~~أراد أحد أن يشكك (¬2) نفسه في ذلك لا يتشكك (¬3). وكذا العلم للأولاد ~~بالآباء والأمهات (¬4) ثابت قطعا، بالخبر المتواتر، لا طريق لهم سواه. # - ونوع من العقول يدل عليه، وهو أن الخبر المتواتر (¬5) إما أن يكون صدقا ~~أو كذبا: # • فإن كان صدقا، فهو (¬6) ما قلنا. # • وإن كان كذبا، فهو (¬7) محال: # فيجب القول بالصدق ضرورة، إذ لا واسطة بين الصدق والكذب، فإذا انتفى ~~الكذب، يجب الصدق ضرورة. # وبيان ذلك أنه لا يخلو: إما أن يقع الكذب في الخبر المتواتر اتفاقا، أو ~~للتدين (¬8)، أو لداع دعاهم إليه، أو لوجود المواضعة منهم (¬9) على ذلك. # • والأول فاسد: فإن وجود الكذب اتفاقا من جماعة خرجوا عن حد الإحصاء لا ~~يتصور عادة، كما لا يتصور أن يجتمعوا على مأكل واحد ومشرب واحد في زمان ~~واحد اتفاقا. # • والثاني فاسد أيضا: لأن اجتماع مثل هذه الجماعة على الكذب تدينا مع كون ~~العقل صارفا (¬10) عنه، وداعيا إلى الصدق، وانعدام دعوة الطبع PageV01P425 # والهوى إليه، لعدم اللذة والراحة في نفس الكذب - أمر (¬1) غير متصور عادة. # • والثالث فاسد: فإن الداعي إلى الكذب والحامل عليه إما الرغبة أو ~~الرهبة، فإنه يحتمل أن المرء لرغبته إلى الجاه أو (¬2) المال ms193 وأنواع النفع ~~يقدم على الكذب، أو لخوف (¬3) الأضرار على نفسه وماله وأهله بالامتناع عنه ~~ممن يأمره بذلك. وهذا الداعي مما (¬4) لا يتصور شموله (¬5) في الجماعة التي ~~لا يحصى عددهم، لاستغناء البعض عن حشمة (¬6) الآمر (¬7) بالكذب، وجاهه ~~وماله لكمال جاهه وكثرة أمواله. وكذا احتمال خوف الضرر معدوم، في حق البعض، ~~لكمال قوته بنفسه وأتباعه، نحو السلاطين والأمراء والرؤساء ونحوهم (¬8). # • والرابع فاسد: وهو المواضعة على اختراع الكذب، لغرض لهم في الجملة، فإن ~~ذلك لا يتصور عادة من جماعة لا يحصى عددهم، وتفرقت أمكنتهم، واختلفت هممهم. # وإذا انتفى الكذب بهذه الطرق (¬9)، ثبت الصدق ضرورة. # - وأما أخبار اليهود على (¬10) قتل عيسى وصلبه: إن كان في حد (¬11) ~~التواتر ظاهرا، لوقوع حسهم عليه ظاهرا، لكن قد ثبت بدليل قطعي عندنا (¬12) ~~أن PageV01P426 # عيسى ما قتل وما (¬1) صلب، ولكن قتل مثله وشبيهه صورة (¬2) - قال الله ~~تعالى: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (¬3)، وإلقاء شبه الإنسان على ~~مثله (¬4) جائز، على نقض (¬5) العادة، كرامة للنبي عيله السلام وصيانة له ~~عن استذلال (¬6) الكفرة، في وقت لا يتوهم أن يؤمن أحد به في تلك الحالة، ~~فكان إخبارهم بطريق التواتر موجبا علما قطعيا (¬7) على قتل مثل عيسى وشبيهه ~~(¬8)، وإن كان في ظنهم أنه عيسى، باعتبار ظاهر العادة، ولا كلام في حال نقض ~~(¬9) العادة، إنما الكلام على استقرار العادة - والله أعلم. # - وأما خبر المجوس، في دعواهم ظهور المعجزات ونقض والعادة على يدي زرادشت ~~اللعين، فليس في حد التواتر (¬10)، فإنه روي أنه فعل ذلك بين يدي الملك ~~وخاصته، ونشروا ذلك بين يدي العامة تزويرا (¬11)، لغرض لهم في ذلك، وهو أمر ~~معتاد فيما بين الملوك والرعية، لاستقامة أمر الملك. # ثم وجه قول من قال إنه يفيد علما استدلاليا - أن ما ذكرنا من الحجة في ~~كون الخبر المتواتر موجبا علما قطعيا نوع استدلال، فإن (¬12) PageV01P427 # الاستدلال ليس إلا ترتيب المقدمات الصادقة بعضها على بعض، وهذا الحد ~~موجود في هذا النوع من الاستدلال. # وجه قول العامة (¬1) ما ذكرنا من حصول العلم بالملوك الماضية والبلدان ~~النائية من غير استدلال ms194 وصنع من جهة العالم به، وهو حد العلم الضروري. # وإنما اشتغل (¬2) بعض أصحابنا، بما ذكرنا، من نوع الاستدلال (¬3)، ~~للإلزام على من ينكر الضرورة تعنتا ومكابرة، وهو يعتقد العلي الاستدلالي، ~~فتقوم عليه الحجة - والله أعلم. # وأما الخبر المشهور # [ف] سمي به، لغة لاشتهاره واستفاضته، فيما بين النقلة وأهل العلم. # وأما في عرف الفقهاء والمتكلمين - فهو اسم لخبر كان من الآحاد في ~~الابتداء، ثم اشتهر فيما بين العلماء في العصر الثاني، حتى رواه جماعة لا ~~يتصور تواطؤهم على الكذب. # وقيل في حده: ما تلقته العلماء بالقبول. # وأما شرائطه - فما ذكرنا في المتواتر (¬4)، إلا أن كثرة الرواة في ~~الابتداء ليس بشرط. # وأما حكم المشهور: # مسألة - اختلف مشايخنا فيه، ولا رواية عن أصحابنا. PageV01P428 # قال بعضهم: إنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين. وهو اختيار الشيخ القاضي ~~الإمام (¬1) أبي زيد رحمه الله. # وقال عامة مشايخنا رحمهم الله: إنه يوجب علما قطعيا. # ووجه قول الفريق الأول: أن نسخ الكتاب لا يجوز بالخبر المشهور، ولو كان ~~موجبا علما قطعيا لجاز، كما في الخبر (¬2) المتواتر. وكذا لا يكفر جاحده، ~~ولو كان موجبا علما قطعيا لكان يكفر جاحده (¬3) كما في المتواتر. ولا يلزم ~~أن (¬4) الزيادة على النص نسخ عندكم. وهي جائزة بالمشهور، لأنا لا نسلم أن ~~الزيادة على النص نسخ من كل وجه بل هي نسخ (¬5) من وجه دون وجه على كل ما ~~نذكر في فصل النسخ. والخبر (¬6) المشهور بين المتواتر وخبر الواحد، وهو فوق ~~خبر الواحد ودون المتواتر، فجاز به النسخ من وجه، دون الفسخ من كل وجه، ~~عملا بقدر الدليل. # ووجه قول العامة ما ذكرنا: أن الخبر المشهور ما تلقته العلماء بالقبول، ~~فوجد (¬7) إجماع أهل (¬8) العصر على قبوله، فيكون حكمه حكم الإجماع، وذا ~~موجب للعلم (¬9) قطعا - فكذا (¬10) هذا. # - قولهم بأنه (¬11) لا يجوز به نسخ الكتاب فممنوع. PageV01P429 # - قولهم بأنه لا يكفر جاحده، فنقول: # بعض مشايخنا قالوا بأنه يكفر جاحده. # وروي عن عيسى بن أبان (¬1) رحمه الله بأنه يضلل جاحده، ولا يكفر (¬2). # وهو الصحيح بخلاف المتواتر. # ووجه الفرق بينهما ms195 أن في إنكار المتواتر تكذيب الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، لأن المتواتر بخروج روايته عن حد (¬3) العد والإحصار (¬4) ابتداء ~~وانتهاء، بمنزلة المسموع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتكذيب ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - كفر. فأما (¬5) إنكار المشهور، [ف] ليس ~~بتكذيب (¬6) الرسول (¬7) - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لم يسمع من الرسول ~~عدد لا يتصور تواطؤهم على (¬8) الكذب، وإنما هو خبر واحد قبله العلماء في ~~الحصر الثاني، فيكون إنكاره تخطئة لهم عن (¬9) القبول، واتهاما لهم عن أن ~~يتأملوا في كونه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - غاية التأمل، وتخطئة ~~جماعة (¬10) العلماء ليس (¬11) بكفر، ولكنه (¬12) بدعة وضلالة (¬13). فهذا ~~(¬14) هو الفرق بينهما - والله أعلم. PageV01P430 # فصل - وأما خبر الواحد # فهو في اللغة مأخوذ من اسمه. وهو خبر رواه واحد عن واحد. # وفي عرف الفقهاء صار عبارة عن خبر لم يدخل في حد الاشتهار، ولم يقع ~~الإجماع على قبوله، وإن كان الراوي اثنين أو ثلاثة أو عشرة. # وأما شرائطه فكثيرة: بعضها (¬1) في الراوي (¬2)، وبعضها في نفس الخبر، ~~وبعضها في شيء آخر. ثم بعض الشرائط متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. # أما (¬3) التي في الراوي: [ف] الإسلام، والعقل، والعدالة، والضبط شرط ~~بالاتفاق. # أما العقل - فلأنه لا صحة للكلام بدون العقل, لأن غالب كلام غير العاقل ~~الهذيان. # وأما الإسلام - فلأن الكلام في الخبر عن أمور الدين، وقصد الكفرة وسعيهم ~~في نقض دين الحق وتوهينه، فاتهموا فيما يرجع إليه، لاحتمال مكر وخداع في ~~الباطن. فأما نفس الكفر فمما (¬4) لا يدعو إلى الكذب ولا يمنع وجود الصدق. # وأما الضبط - فنعني به (¬5) أن يسمع الحديث على وجهه ثم يحفظه حق PageV01P431 # حفظه ثم يرويه كما سمع، ولا يكون السهو والنسيان والغفلة غالبا عليه، حتى ~~يترجح (¬1) جانب الثبوت على العدم. # وأما البلوغ - هل هو شرط؟ لا خلاف أنه (¬2) ليس بشرط التحمل، فإنه إذا ~~كان الصبي عاقلا ضابطا يصح منه التحمل -كما في تحمل الشهادة. # وهل يقبل رواية الصبي؟ # قال بعضهم: تقبل، لأن خبره مقبول في المعاملات وفي الديانات [و] يحكم ~~(¬3) الرأي فيه، ms196 كما في طهارة الماء ونجاسته - فكذا هذا. # وقال بعضهم: يشترط البلوغ، لأن غالب حاله اللهو واللعب والمسامحة ~~والمساهلة، وربما (¬4) لا يحتاط في ذلك الباب. # وأما العدالة - فشرط، لأن من ارتكب محظورا ولا (¬5) يبالي، فيحتمل أن ~~يكذب لغرض له في ذلك، أو يحمله عليه مبتدع بالمال والجاه، فيروي ما هو ~~مناقضة (¬6) في الدين، فكان (¬7) الاحتياط هو المنع. # فأما (¬8) رواية أهل الأهواء والبدع (¬9): PageV01P432 # [ف] بعضهم قالوا: لا تقبل، لأن الفسق من حيت الاعتقاد شر من فسق التعاطي، ~~ثم الفسق من حيث التعاطي مانع - فكذا هذا. # وقال بعضهم: تقبل، لأن في زعمهم أنهم (¬1) على الحق، ومن باشر شيئا هو ~~(¬2) حق عنده، وإن كان فسقا وباطلا عند غيره، لا يدل على أنه يباشر الكذب. # وقال بعضهم: هذا إن كان هوى لا يكفر به، أما إذا كان هوى يكفر به [ف] ~~يمنع، لأن الكفر مانع بالإجماع. # وأما كل ما يرجع إلى الخبر: [فمنها] (¬3) أن يكون موافقا للدليل العقلي، ~~حتى إذا كان مخالفا لا يقبل، كالأخبار التي وردت في التشبيه، ونحو ذلك، لأن ~~العقل حجة من حجج الله تعالى، وإنه حكيم عالم، فلا يجوز أن تتناقض حججه. ~~والدليل السمعي يحتمل المجاز والإضمار والكناية ونحوها، فيجب تخزيج الأخبار ~~على موافقة العقل على ما مر. # ومنها - أن يكون موافقا لكتاب الله تعالى وللسنة (¬4) المتواترة وللإجماع ~~(¬5). فأما إذا خالف واحدا من هذه الأصول القاطعة، فإنه يجب رده أو تأويله ~~على وجه يجمع بينهما، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب ~~الله تعالى فاقبلوه، وما خالف كتاب الله تعالى فردوه" (¬6). PageV01P433 # ولأن خبر (¬1) الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل ~~قاطع، فلا يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بل يخرج على موافقته بنوع تأويل. # ومنها - أن يرد الخبر في باب العمل. فأما (¬2) إذا ورد في باب (¬3) ~~الاعتقادات (¬4)، وهي من (¬5) مسائل الكلام، فإنه لا يكون حجة، لأنه يوجب ~~الظن وعلم غالب الرأي، لا علما قطعيا، فلا ms197 يكون حجة فيما يبتني (¬6) على ~~العلم القطعي، والاعتقاد حقيقة. # ومنها - إذا ورد (¬7) في حادثة تعم بها (¬8) البلوى، فإنه لا يقبل، لأن ~~الحادثة إذا كانت مما (¬9) يشتهر لشدة الحاجة، لو كان الحديث صحيحا لاشتهر ~~لاشتهار (¬10) الحادثة، فلما روي بطريق الآحاد علم أنه غير ثابت ظاهرا، ~~وذلك نحو حديث الوضوء بمس الذكر (¬11)، والاغتسمال بحمل الجنازة (¬12)، ~~والوضوء بأكل ما مسته النار (¬13) ونحوها. PageV01P434 # والشافعي رحمه الله خالف في هذا الشرط، وهو خلاف العقل والعادة. # مسألة - الإسناد هل هو شرط لقبول خبر الواحد أم لا؟ # قال علماؤنا رحمهم الله: إنه ليس بشرط, والإرسال ليس بمانع. # وقال الشافعي رحمه الله بأنه شرط، والإرسال مانع (¬1)، إلا ما ثبت إسناده ~~من وجه آخر. ولهذا قال: أقبل مراسيل سعيد بن المسيب فإني تتبعتها فوجدتها ~~مسانيد. # وقال عيسى بن أبان: الراوي (¬2) إن كان صحابيا أو تابعيا أو من تبع ~~التابعين أو كان حافظا معروفا في كل عصر، يقبل، وإلا فلا. # وجه قول من أنكر قبول المرسل (¬3) هو (¬4): # أنا أجمعنا (¬5) أن من روى حديثا عن رجل سماه ولم يقل "هو عدل عندي": لا ~~يقبل، مع أن السامع عرف عينه، لما لم تعرف عدالته - فإذا أرسل الحديث ~~والسامع لم يعرف عين الخبر عنه ولم يعرف عدالته أولى أن لا يقبل. وهذا لأن ~~السامع إما أن يعرف عدالة المرسل عنه بوجود التعديل من المرسل (¬6) صريحا، ~~أو دلالة: # - ولم يوجد التصريح فإنه لو قال: هو عدل عندي، يقبل. # - ولا يجوز القول بأنه يوجد دلالة: على معنى أن العدل لا يرسل إلا عن ~~عدل، فإنه ليس كذلك في الأحوال كلها، فإن كثيرا من الثقات قد PageV01P435 # رووا، وأرسلوا، عمن ليس بثقة. وعلى أن العدل إن كان لا يروي إلا عن عدل، ~~ولكن عمن هو عدل عنده، وقد يكون الإنسان عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند ~~غيره، لأن أسباب العدالة ظاهرة، والجرح مما يخفى، فيقف عليه البعض دون ~~البعض، والناس في الغالب (¬1) يبنون الأمور على الظاهر، فكان جائزا أن الذي ~~أرسل عنه ثقة عند المرسل ولا ms198 يكون ثقة عند غيره، فلابد من تسميته بالإسناد ~~حتى يتعرف السامع عن حاله بنفسه. # وجه قول أصحابنا رحمهم الله: # - ما روي عن البراء بن عازب (¬2) رضي الله عنه أنه قال: "ليس كل ما ~~حدثناكم به عن النبي عليه السلام سمعناه منه، غير أنا لا نكذب". # - وكذا الإرسال من الصحابة والتابعين معروف (¬3) مشهور، ولم ينكر عليهم ~~أحد (¬4)، فيكون بمنزلة الإجماع. # - والمعنى في المسألة هو (¬5) أن إرسال المرسل العدل يجري مجرى إسناده، ~~إلى من أرسل عنه وتعديله إياه، كأنه قال: "حدثني فلان (¬6) وهو عدل عندي" ~~ولو قال هكذا يقبل حديثه، فكذا (¬7) إذا صار المرسل في التقدير هكذا: وجب ~~أن يقبل. وبيانه أن المرسل إذا كان عدلا لا يستجيز من PageV01P436 # نفسه (¬1) أن يروي عن النهي عليه السلام ويقول: "قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كذا" - وإنه يتضمن إلزام حكم شرعي على من بلغه إليه ~~مرسلا، من إيجاب عبادة أو إسقاطها، أو إثبات حل أو حرمة - إلا وله (¬2) علم ~~بذلك حقيقة، بطريق السماع عن النبي عليه السلام، أو بالتواتر عنه، أو بطريق ~~الاشتهار، أو له علم من حيث غالب الرأي والظن، بأن سمع ممن يثق بقوله وثبت ~~عنده عدالته، فلا (¬3) يظن بالعدل في الرواية مرسلا إلا ما ذكرنا، فكان هذا ~~(¬4) إخبارا منه دلالة "أني سمعته ممن هو عدل عندي"، ولو صرح بهذا فإنه ~~يقبل حديثه، فكذا إذا ثبت من حيث الدلالة. وهذا لأنه لا خلاف بيننا وبين ~~الشافعي أن التعديل صحيح من المعدل، من غير بيان سبب العدالة، وإن اختلفنا ~~في الجرح: فعند الشافعي لا يصير مجروحا ما لم يذكر سبب الجرح. وعندنا يثبت ~~الجرح وإن لم يذكر سبب الجرح بل يجب أن لا يذكر سبب الجرح (¬5)، ولكن يقول: ~~هو مستور، أو ما يعرف به أنه ليس بعدل - فصح ما ذكرناه. # - قولهم: إن العدل قد يرسل عن (¬6) غير عدل - فإنا (¬7) نقول: أيش (¬8) ~~تعني بهذا: أنه يرسل عن غير عدل حقيقة وهو عدل عنده، أو عن غير عدل عنده. ~~فإن قلت: إنه يرسل عن ms199 (¬9) غير عدل عنده، PageV01P437 # فليس كذلك، ومن فعل وهو (¬1) ليس بعدل فلا يقبل إرساله. وإن قلت: إنه قد ~~يرسل عمن ليس بعدل حقيقة، وهو عدل عنده، فهذا قد يكون، ولكن هذا لا يقدح في ~~عدالة المرسل، لأنه إذا كان عدلا عنده من حيث غالب الظن، فاحتمال خلاف (¬2) ~~الظاهر لا يعارض الظاهر، ألا ترى أن المزكي للشهود إذا كان عدلا، فلا يزكي ~~إلا لمن يعتقد عدالته من حيث الغالب، وإن جاز أن لا يكون ذلك عدلا حقيقة - ~~فكذلك (¬3) هذا. # - قولهم: إن الإنسان قد يكون عدلا عند إنسان ولا يكون عدلا عند غيره، ~~لخفاء أسباب الجرح، فنقول: إن التعديل متى ثبت من العدل يسقط عن السامع ~~النظر في عدالته، كما إذا روى عن إنسان وعدله، لا يجب على السامع أن ينظر ~~في عدالة الذي أخبره عن عدالته إذا كان الراوي عدلا. # - قولكم: إنه إذا روى عن إنسان وسماه ولم يعدله، لا يجوز له أن يروي ما ~~لم يتعرف عدالته بنفسه - فنقول: # • بعض مشايخنا قالوا بأنه يقبل خبره (¬4)، إذا كان الراوي عدلا (¬5)، لما ذكرنا. # • وبعضهم فرق بين الفصلين، وهو أن من أرسل فقد حكم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال ذلك وألزمنا ما تضمنه الحديث من الأحكام - فالظاهر أن ~~العدل المتدين لا يقدم على هذا إلا وأن يكون الراوي ثقة عنده، فيكون تعديلا ~~منه تقديرا (¬6). بخلاف ما إذا سماه فإنه لم يحكم على PageV01P438 # النهي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، بل نسب ذلك إلى المخبر الذي سماه, ~~فلا يستدل به على أنه عدل عنده بطريق الغالب، بل يجوز أنه مع كونه مستورا ~~عنده يروي عنه (¬1) لسماعه منه (¬2)، بناء على ظاهر حاله، وفوض تعرف حاله ~~حقيقة إلى السامع حيث ذكر اسمه - وهو (¬3) الفرق بين الأمرين. # - فإن قالوا: ما ذكرتم من العلة باطل، بشهادة الفروع مع شهادة الأصول: ~~فإن إرسالهم الشهادة من غير ذكر الأصول، لا يجري مجرى ذكر الأصول وتعديلهم ~~إياهم (¬4)، - حتى لا تقبل (¬5) شهادة الفروع إذا (¬6) لم يذكروا الأصول. ~~وما ذكرتم موجود، فإن ms200 شهود الفرع متى (¬7) شهدوا عن الأصول فإنهم يعدلونهم ~~لأنهم عدول (¬8)، والعدل لا يشهد عن خبر من لم يثبت عدالته عنده بغالب ~~الظن. ومع ذلك لم يكن ذكرهم (¬9) بمنزلة ذكرهم شهود الأصل (¬10) وتعديلهم، ~~فكذلك (¬11) هذا (¬12) - قلنا: لا فرق بين الأمرين و (¬13) فيما ذكرنا من ~~المعنى: أن بناء الشهادة على شهادة الأصول تعديل (¬14) لهم دلالة لما ~~ذكرنا، إلا أن ذكر الأصول صريحا ثبت شرطا في الشهادة على الشهادة بالإجماع ~~غير معقول المعنى، PageV01P439 # كما شرط لفظ الشهادة والعدد والحرية في أصل الشهادات (¬1) غير معقول ~~المعنى، مع التساوي في رجحان جانب (¬2) الصدق على الكذب. ثم لم يشترط في ~~باب الرواية الحرية والعدد لما قلنا، فكذا (¬3) في اشتراط ذكر الأصول. وهذا ~~لما (¬4) عرف أن ما ثبت بالنص والإجماع غير معقول المعنى يقتصر على مورده ~~(¬5) و (¬6) لا يتعدى إلى غيره - والله أعلم (¬7). # مسألة - نقل الحديث بالمعنى، هل يجوز أم لا؟ # أجمعوا أنه إذا كان لفظا مشتركا أو مجملا أو مشكلا: فإنه لا يجوز إقامة ~~لفظ آخر مقامه. # أما إذا كان لفظا ظاهرا مفسرا: فإقامة لفظ آخر مثله مقامه (¬8)، بأن قال: ~~"قعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رأس الركعتين في صلاة الظهر" ~~مكان كل ما روي أنه "جلس على رأس الركعتين"- هل يجوز؟ # فعند أصحابنا رحمهم الله: يجوز، وهو ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله. وقد ~~روي عن الحسن البصري كذلك. # وقال بعض أصحاب الحديث: إنه لا يجوز. وقيل: هو اختيار ثعلب (¬9) من أئمة ~~اللغة. PageV01P440 # وحجة هؤلاء: # حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "نضر (¬1) الله امرأ سمع ~~مقالتي فوعاها وأداها (¬2) كما سمعها". ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مخصوص بكمال الفصاحة والبلاغة، كا روي أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أنا أفصح العرب ولا فخر" وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (¬3): ~~"أوتيت خمسا لم يؤتهن أحد قبلي" وذكر منها: "وأوتيت جوامع الكلم". وإذا كان ~~الأمر كذلك، فلا شك أن (¬4) في النقل إلى لفظ آخر احتمال الاختلال في ~~المعنى، فيجب الاقتصار (¬5) على (¬6) اللفظ ms201 المنصوص عليه، وبهذا (¬7) ~~الطريق لا يجوز نقل القرآن بالمعنى - كذا هذا (¬8). # وجه قول العامة: # - ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره أن النهي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال هكذا أو نحوا منه أو قريبا منه، وهذا نقل بالمعنى وكذا ~~مشهور من الصحابة رضي الله عنهم أنهم (¬9) قالوا: أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بكذا ونهانا عن كذا، وهذا نقل من حيث المعنى، وإجماع ~~الصحابة حجة. # - والمعنى في المسألة: وهو أن الامتناع - إما إن كان لأجل اللفظ أو لأجل ~~المعنى: PageV01P441 # • والأول فاسد - فإن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وضعت لبيان ~~الأحكام، وهو الغرض، وهذا لا يختص بلفظ دون لفظ. ولأنه لم يتعلق شيء من ~~الغرض بلفظ الحديث، لأنه ليس بمعجز، ولا تعلق (¬1) الثواب، وجواز الصلاة ~~به، بخلاف القرآن فإنه معجز، وقد تعلق بتلاوته الثواب، وجواز الصلاة به ~~(¬2). فلئن (¬3) كان لا يجوز نقل القرآن من لفظ إلى لفظ، لماذا لا يجوز في ~~الحديث؟ مع أن ثمة (¬4) جاء النقل (¬5) بطريق الرخصة أيضا، كما روي عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سمع رجلا يقول: "طعام اليتيم" ولا يمكنه أن ~~يقول: "طعام الأثيم" (¬6) فقال له قل: "طعام الفاجر"، فلأن يجوز في الحديث أولى. # • و [الثاني:] إن كان لأجل المعنى - فالمعنى لا يختلف، ولا يختل بالنقل ~~إلى لفظ مثله في المعنى، نحو قوله (¬7): "قعد" مكان "جلس". ولهذا إن نقل ~~كلمة الشهادة من اللفظ المروي بالعربية إلى كل لسان، جائز، لما كان الغرض ~~هو (¬8) المعنى دون اللفظ - فكذا (¬9) هذا. وهذا بخلاف الأذان والتشهد حيث ~~لا يجوز النقل عن ألفاظهما إلى غيرهما، لأن الشرع جاء بتلاوة ألفاظهما، ~~وعلق بهما الثواب الخاص، على أن PageV01P442 # الأذان شرع للإعلام، وإنه لا يحصل إلا بالألفاظ المعروفة. ولهذا لم ~~يجوزوا (¬1) النقل من (¬2) اللفظ (¬3) المشترك والمجمل (¬4) إلى لفظ آخر، ~~لما فيه من احتمال الاختلال بالمعنى. # - وأما الحديث فنقول: لا حجة في الحديث، لأن من نقل الحديث بالمعنى من كل ~~وجه يقال إنه أدى كما سمع، ms202 فإنه (¬5) يقال للمترجم من لغة إلى لغة: "قد أدى ~~كما سمع". على أن المراد بالحديث. إذا كان لفظ الحديث مشتركا أو مشكلا أو ~~مجملا (¬6)، فيكون بالنقل إلى لفظ آخر احتمال الخلل في المعنى، ونحن نمنع ~~في مثل هذا الموضع لهذا الوهم، وفي الحديث ما يدل عليه، فإنه قال - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬7): "فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس ~~بفقيه"، وما لا يشتبه من الألفاظ، ولا يختلف اجتهاد المجتهدين فيه، يستوي ~~فيه الفقيه وغير الفقيه، والكامل في الفقه والناقص - والله أعلم (¬8). # مسألة: # خبر الواحد إذا ورد مخالفا للعموم من الكتاب والمتواتر - هل يجب تركه أو ~~يخص به العموم القاطع؟ فقد ذكرنا الكلام فيه (¬9). # وكذا إذا ورد مخالفا للقياس: يقدم على القياس أو يعارضه القياس - فقد ~~ذكرناه أيضا (¬10). PageV01P443 # مسألة - الراوي إذا عمل بخلاف ما روى - هل يقدح في صحة ما روى أم (¬1) لا؟ # روي عن أبي الحسن الكرخي (¬2) رحمه الله أنه لا يمنع، ويكون هو محجوجا ~~بالحديث كغيره (¬3). # وقال أكثر أصحابنا رحمهم الله: إنه يمنع ويحمل على نسخ الحديث أو تخصيصه ~~أو تأويله. # - وهو قول الشافعي رحمه الله. # وجه قول أبي الحسن الكرخي (¬4) - أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حجة، وعمل الراوي بخلافه محتمل، فإنه يجوز أن يكون الحديث محتملا للتأويل، ~~فيصرفه (¬5) إلى أحد وجوه الاحتمال باجتهاده، واجتهاده ليس بحجة. ويحتمل ~~أنه ظهر له (¬6) انتساخه بعد روايته بدليل (¬7)، فلا يجوز العدول عن الحجة ~~إلى غيرها (¬8)، بالاحتمال. # وجه قول العامة - وهو أن عمله بخلاف ما روى: إما إن كان جزافا، ولا يظن ~~بالصحابي ذلك. أو كان النص محتملا, فيصرفه (¬9) إلى أحد وجوهه أيضا (¬10) ~~باجتهاده، وهذا لا يظن به أيضا، مع علمه أن اجتهاد غيره يجوز أن يكون بخلاف ~~اجتهاده، مع كونه مأمورا بالنقل في مثله، لما PageV01P444 # روينا: "نضر الله تعالى (¬1) امرأ سمع مقالتي (¬2) فوعاها ثم أداها كما ~~سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". وإذا بطل هذان الوجهان، لم يبق ~~إلا أنه (¬3) علم نسخه ms203 (¬4)، أو علم (¬5) تأويله، أو (¬6) تخصيصه بمشاهدة ~~(¬7) حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو (¬8) سمع في ذلك نصا جليا يوجب ~~تخصيصه، أو علم إجماع الصحابه على ذلك، فوجب القول به (¬9). # وعلى هذا حملنا رواية أبي هريرة بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا (¬10) ~~على الندب, لأنه كان يقتصر على الثلاث ولا يغسل سبعا. # مسألة - العدد هل هو شرط لقبول خبر الواحد أم لا (¬11)؟ # قال عامة القائلين بقبول أخبار الآحاد: إن (¬12) العدد ليس بشرط. # وقال بعضهم: يشترط عدد الاثنين. ومنعوا قبول شهادة القابلة. وتعلقوا بما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعمل بخبر ذي اليدين (¬13) ~~وحده، حيث قال: PageV01P445 # أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله صلى الله عليك (¬1) وسلم؟ فقال: "كل ~~ذلك لم يكن" - حتى سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقالا مثل قول ذي ~~اليدين، فحينئذ (¬2) قبل. # وجه قول العامة - إجماع السلف: روي أن أبا بكر رضي الله عنه قبل خبر بلال ~~وحده. وقبل عمر رضي الله عنه خبر حمل بن مالك (¬3) في دية الجنين. وعملت ~~الصحابة رضي الله عنهم بخبر أبي سعيد الخدري (¬4) رضي الله عنه في ربا ~~الفضل. وعملت أيضا بخبر أبي رافع في المخابرة مع تعامل فى الناس بخلافه. ~~وكان علي رضي الله عنه يقبل خبر الواحد ويستحلفه عليه إلا خبر أبي بكر رضي ~~الله عنه فإنه يقبله من غير استحلاف. والإجماع حجة قاطعة. وأما حديث ذي ~~اليدين فلأنه خبر واحد فيما عم به البلوى، وغيره من الصحابة أولى بالتذكير ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فظن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه غالط، ~~وخبر الواحد في مثل هذا لا يقبل - والله أعلم. # مسألة: # - إذا قال الصحابي: أمرنا أن نفعل كذا (¬5). أو أمرنا بكذا. ونهينا (¬6) ~~عن كذا: # روي عن الكرخي (¬7) أنه لا يفيد (¬8) أن يكون الآمر هو النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، PageV01P446 # بل يجوز أن يكون الآمر غيره، فلا يكون حجة. وعلى هذا حمل قول الراوي: أمر ~~بلال بأن (¬1) يشفع الأذان ويوتر الإقامة. # وقال عامة مشايخنا ms204 بأنه (¬2) يكون حجة، ويحول على أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، لأن غرض الصحابي من هذا تبليغ (¬3) الشرع وتعليم الحكم، فيجب ~~حمل ذلك على أمر من يصدر عنه الشرع، دون أمر الولاة والأئمة، لأن أمرهم لا ~~يؤثر في الشرع. ولا يقال بأنه يحمل على أمر الله تعالى أو أمر الأمة، وهو ~~الإجماع، لأنا نقول: إن أوامر الله تعالى ظاهرة (¬4) للكل، فلا يستفاد من ~~كلام الصحابي. ولو حمل على جماعة الأمة إن أفاد أن جميع الأم أمروا بذلك، ~~وهم لا يأمرون من تلقاء أنفسهم، وإنما يأمرون بأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، على أن غرضنا أنه يلزم العمل بهذا القول، ولو كان هذا حكاية عن أمر ~~الله تعالى أو عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن الأمة، فيكون ~~(¬5) واجب العمل به (¬6). # - فأما (¬7) الصحابي إذا قال: أوجب علينا كذا (¬8) أو حرم علينا كذا أو ~~أبيح لنا كذا - فإنه يفهم منه أن الوجب والمحرم والمبيح هو النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالإجماع، لأن ذلك من أمر (¬9) الله تعالى على لسان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولم يقل الصحابي، إلا إذا سمع لفظة (¬10) الوجوب ~~أو الأمر الذي أريد به الوجوب، PageV01P447 # بدلالة حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو بإجماع الصحابة، لأن الظاهر ~~من حال (¬1) الصحابي الذي قصده تبليغ الشرع، [أنه] لا يبلغ مع الاحتمال إذا ~~لم يذكر اللفظ. # - وأما (¬2) إذا قال الصحابي: "من السنة كذا": [ف] يحمل على سنة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: فإن من قال: "إن (¬3) هذا الفعل طاعة" فإنه (¬4) ~~يحمل على طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، فكذا لفظة (¬5) "السنة" عند ~~الإطلاق: تحمل على سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنه هو المقتدى ~~والمتبع على الإطلاق: قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة" (¬6)، أي قدوة متبعة، ولا يقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" وكذا يقال ~~"سنة العمرين"، لأنا لا ننكر جواز ms205 إطلاق (¬7) اسم السنة على فعل غيره مع ~~التقييد، وإنما نمنع أن يفهم (¬8) من إطلاق اسم السنة على (¬9) سنة غيره - ~~والله أعلم (¬10). # فصل- وأما حكم خبر الواحد: # قال عامة العلماء: إنه يوجب العمل، دون العلم قطعا (¬11)، لكن يوجب علم ~~غالب الرأي وأكثر الظن. PageV01P448 # وقال بعض أصحاب الظواهر: بأنه يوجب العلم والعمل جميعا. # وقال بعض المعتزلة: بأنه لا يجب العمل به في باب الشرعيات، ويجب العمل به ~~في العقليات. # أما من قال بأنه لا يوجب العمل - لأنا اتفقنا أنه لا يوجب العلم، والعمل ~~بدون العلم حرام. فضلا عن الوجوب بظاهر النصوص (¬1) من قوله تعالى: "ولا ~~تقف ما ليس لك به علم" (¬2) وقوله تعالى: "وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون" (¬3) وقوله تعالى: "إلا من شهد بالحق وهم يعلمون" (¬4) - في هذه ~~النصوص أنه لا يجوز القول بما لا يعلم، والشهادة بما لا يعلم، وأن (¬5) ~~الاقتفاء بما لا يعلم حرام - وقد قلتم به، فيكون خلاف هذه النصوص. وكذلك ~~قال الله (¬6) تعالى: "إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا" ~~(¬7): ألحق الذم بمن اتبع الظن، وأخبر أنه لا كفاية ولا غناء (¬8) بالظن ~~فيجب العمل بعمومه: أن لا عبرة بالظن، في حق العمل والاعتقاد (¬9) جميعا. # وأما أصحاب الظواهر [ف] قالوا: إنا (¬10) اتفقنا أن العمل به واجب، ~~والعمل لا يجوز بدون العلم بالنصوص، فوجب (¬11) القول بالعلم ضرورة. PageV01P449 # وعامة العلماء احتجوا وقالوا: إن خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب والسهو ~~والغلط، ورد الصدق سفه، وقبول الكذب سفه، ولا (¬1) وجه لرد الكل لما فيه من ~~رد الصدق، ولا وجه إلى قبول (¬2) الكل لما فيه من قبول الكذب، ولا وجه إلى ~~التوقف (¬3) أيضا لا فيه من رد الصدق أيضا - فوجب طلب طريق يعرف به السفه ~~من الحكمة، والكذب من الصدق، ولا طريق ههنا يوقف به عليهما بطريق الإحاطة ~~واليقين، وفي رد الكل وقبوله لزوم السفه برد الصدق أو قبول الكذب، فيجب ~~العمل بالراجح والغالب، لأن العمل بالراجح والغالب من باب الحكمة (¬4)، ~~بدليل الكتاب والسنة والإجماع والمعقول: # - أما الكتاب، فقوله ms206 تعالى: "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" (¬5)، وقال ~~تعالى: "فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار" (¬6)، والإيمان من ~~حيث التصديق يعرف بطريق الاجتهاد (¬7). وقال الله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم" (¬8)، وقال تعالى: "ممن ترضون من الشهداء" (¬9)، والعدالة وكون ~~الشاهد مرضيا إنما يعرف بالرأي والاجتهاد. PageV01P450 # - وأما السنة، فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (¬1) أمر ~~معاذا رضي الله عنه (¬2) وغيره، بالاجتهاد في أحكام (¬3) الحوادث، وهو عمل ~~بغالب الرأي. # - وأما الإجماع، فإن الأمة توارثت قبول (¬4) قول (¬5) الوكلاء والأجراء ~~وقول الناس في بيع الأملاك وإجارتها ورهنها، وكذا قبول الشهادات، في عامة ~~(¬6) الأحكام، خصوصا في (¬7) الحدود والقصاص مع احتمال الكذب، لرجحان جانب ~~الصدق بالعدالة. # - وأما المعقول، فهو (¬8) أن خبر الواحد في باب العقليات واجب العمل، ~~لمعنى معقول، ذلك المعنى موجود في الشرعيات. وبيان ذلك: أنه عرف بالعقل ~~(¬9) وجوب التحرز عن المضار وحسن جر المنافع بطريق التيقن، فمتى ثبت بغالب ~~الظن (¬10) ذلك، ألحق بالمتيقن، في حق وجوب التحرز PageV01P451 # وحسن الجر، ألا ترى أن من استقبله طريقان فأخبره رجل عدل أن هذا الطريق ~~آمن وهذا الثاني فيه لصوص، يجب عليه العمل بخبره عقلا (¬1) لما فيه من ~~احتمال دفع الضرر (¬2) من حيث الغالب. وكذا الطبيب إذا أخبر إنسانا بأنه ~~غلب عليك الدم، فينبغي لك أن تفتصد (¬3)، يجب عليه (¬4) ذلك. إذا وكذا كان ~~جالسا تحت حائط مائل فأمره رجل له بصارة في ذلك الباب عن الفرار (¬5) عنه، ~~يجب عليه ذلك عملا بغالب الرأي، كما (¬6) يجب العمل به عند التيقن، إلحاقا ~~للغالب بالمتيقن - فكذلك في الشرعيات. هذا المعنى موجود: فإن الشرائع شرعت ~~لمصالح العباد، والمناهي وردت للامتناع عن القبائح، فيحصل له الذم والملامة ~~في الدنيا والمعاقبة في الآخرة، فيجت أن يلحق الغالب من ذلك بالمتيقن، ~~بطريق (¬7) الأولى، لأن ضرر ذلك في الدنيا وضرر هذا في الدنيا والآخرة، ثم ~~لما وجب إلحاق الغالب ثمة (¬8) بالمتيقن، للتحرز (¬9) عن ذلك الضرر - فكذلك ههنا. # وإذا ثبت بما ذكرنا من الدلائل أن العمل بالدليل الراجح واجب، فنقول: # إن خبر الواحد، العدل المتدين، راجح ms207 صدقه على كذبه، وصوابه على خطئه ~~(¬10) وغلطه، بدلالة عقله ودينه، فوجب (¬11) أن يلحق بالمتيقن، PageV01P452 # في حق (¬1) وجوب العمل. مع أن ههنا وجد رجحان الصدق (¬2) من وجوه أخر، ~~لأن الرواة ونقلة الحديث بذلوا أنفسهم وأموالهم في حفظ الأخبار، لإظهار ~~(¬3) دين الحق وإحياء سنن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليعتمد عليهم ~~الخلف (¬4)، في الأخذ عنهم، فيندر (¬5) غاية الندرة أن من بذل عمره وماله ~~وأعض عن كسب حطام الدنيا لهذا الغرض، ثم يروي الحديث كذبا، ليحصل له شيء ~~قليل، عشر ما أنفق فيه، إلا من باع دينه بالدنيا في رواية الكذب ترويجا ~~لمذاهبهم الفاسدة، كالكرامية (¬6) ونحوهم، ولا كلام في مثل حالهم. ولأن ~~نقلة الحديث معروفون بالجاه والقدر عند الناس لصدقهم، وصحة حديثهم بورعهم ~~(¬7) وعدالتهم، والحديث المروي بطريق الكذب مما يعرفه أمثالهم، لاشتهار ~~(¬8) الأحاديت الصحيحة، فيظهر ذلك، فيسقط قدرهم وجاههم وخطرهم (¬9) عند ~~الناس، فكان صون الجاه حاملا لهم على الصدق، ولأن الشهادة على الله تعالى ~~بالكذب وقصد تغيير دين الحق أمر عظيم، وبناء الشرع (¬10) في حق العمل على ~~أخبار الآحاد، والله تعالى ضمن إبقاء (¬11) الدين الحق إلى قيام الساعة، ~~فالظاهر صيانتهم عن الوقوع في (¬12) الكذب قصدا. PageV01P453 # فهذه (¬1) وجوه من الترجيح تختص بخبر الواحد في باب الشرعيات، وخرج ~~الجواب عن شبهة الفريقين. # وبعض المعتزلة الذين قالوا بقبول خبر الواحد خرجوا هذا الإشكال بالقول ~~بموجب العلة: أن وجوب العمل إن (¬2) كان: لابد له من العلم القطعي، ولكن ~~العلم قطعا ثابت في خبر الواحد في حق وجوب العمل عند ظنهم صدق الرواة ~~باجتهادهم، فيكون وجوب العمل عليهم قطعا ثابتا بناء على هذا الظن، كما هو ~~طريقهم في حصول الصواب في الاجتهاد بيقين، عند ظنهم وصفا من أوصاف النص علة الحكم. # وهو فاسد على ما يعرف على الاستقصاء في الشرح، ونذكر (¬3) شيئا منه في ~~باب القياس، فإنه طريق اعتمدوا عليه، ومال إليه بعض المحققين من الأشعرية - ~~والله الهادي. # وأما (¬4) النصوص فلا تلزمنا (¬5)، لأنا نقول بوجوب العمل من غير أن نشهد ~~على الله تعالى بشيء (¬6)، والآيات التي تعلقوا بها ms208 وردت في حق الاعتقاد ~~والشهادة على الله تعالى، ولكن نقول الاحتياط في (¬7) أن يوجب العمل كما ~~نقول في القياس، ولكن نعتقد على الإبهام أن PageV01P454 # ما أراد الله تعالى به فهو حق.- والله أعلم (¬1). # مسألة - خبر الواحد: هل يقبل في حق وجوب الحدود والعقوبات أم (¬2) لا؟ # اختلف مشايخنا رحمهم الله (¬3): # قال بعضهم: يقبل في حق جميع الأحكام: العقوبات، والكفارات، وغيرها. # وقال بعضهم: لا يقبل في باب الحدود والقصاص. # وروي عن أبي يوسف رحمه الله روايتان في الحدود. # وجه قول من قال، إنه (¬4) يقبل: أن المعنى الذي لأجله (¬5) قبل خبر ~~الواحد في سائر الأحكام، وجد (¬6) في الحدود، وهو أنه دليل راجح، وذلك حجة ~~مطلقة، ألا ترى أنها تثبت بالشهادات (¬7)، وهي حجة فيها شبهة، فكذا خبر ~~الواحد. # و (¬8) وجه قول الفريق الثاني: هو (¬9) أن خبر الواحد فيه شبهة الغلط ~~وشبهة الكذب، فلم يثبت كونه خبرا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بطريق القطع، بل مع الشبة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ادرؤوا ~~الحدود بالشبهات". فأما الشهادة فهي حجة في الإظهار. و (¬10) أما وجوب ~~الحدود في الجملة [فقد] ثبت PageV01P455 # بدليل مقطوع به وهو الكتاب (¬1)، وفي مسألتنا الكلام في وجوب الحد، في حق ~~من لم يثبت في حقه بالكتاب، فلا (¬2) يمكن إيجاب الحد ابتداء مع الشبهة. ~~ولأن الحديث عام فخص في الإثبات في الشهادات (¬3)، باعتبار الحاجة إلى ~~الحدود، وليس له طريق معتاد للظهور سوى البينة، إذ الإقرار بها نادر، فسقط ~~اعتبار الشبهة، لأجل الحاجة إلى الاستيفاء، دفعا (¬4) للفساد عن العالم، إذ ~~لو لم يقبل مع هذه الشبهة، تصير الشبهة (¬5) ناسخة للحدود، وهذا المعنى ~~معدوم في مسألتنا - والله أعلم (¬6). ### |||| AUTO [2] # فصل في بيان السنة من حيث الفعل # فنقول: # فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقسم إلى قسمين في الأصل: # الأول (¬7) - ما خرج بيانا لمجمل كتاب الله تعالى (¬8). # وحكمه حكم الكتاب، من حيث (¬9) الوجوب والندب والحرمة والكراهة ونحوها - ~~لأن البيان متى ألحق (¬10) بالمجمل صار كأنه ورد مفسرا من الأصل. PageV01P456 # والقسم الثاني - ما ليس ببيان للكتاب (¬1). وهو ms209 نوعان: # أحدهما - ما عرف، بقرينة ودليل، أنه واجب عليه أو مندوب إليه أو سنة (¬2) ~~أو مباح. # والثاني - ما لم يقم الدليل على ذلك. # واختلف العلماء في وجوب المتابعة علينا (¬3) في أفعاله والاقتداء به (¬4) فيها: # - قالت الواقفية بأنه يتوقف في ذلك عملا واعتقادا، إلا إذا قام الدليل. ~~فإن قام الدليل على (¬5) أنه واجب عليه، لا على طريق الخصوص، أو مباح له لا ~~على طريق (¬6) الخصوص: فإنه يجب المتابعة فيه على الأمة. أما إذا ثبت ~~الخصوص في الواجب، كصلاة الليل أو في المباح، كحل تسع نسوة وما زاد عليها: ~~فإنه لا يجب المتابعة فيه. # - واختلف أصحابنا في ذلك: # قال مشايخ العراق، مثل الكرخي وغيره: إنه يحمل على الإباحة، إلا بدليل. ~~بخلاف أوامره ونواهيه، فإنها محمولة على الوجوب إلا بدليل. # وقال مشايخ سمرقند بأنها محمولة على الوجوب عملا، ويتوقف في الاعتقاد ~~عينا، لكن يعتقد على (¬7) الإبهام أن ما أراد الله تعالى منه فهو حق، وسووا ~~بين أفعاله وأقواله (¬8). PageV01P457 # - واختلف أصحاب الحديث والفقهاء من أصحاب الشافعي: # من قال إن أمره مطلقا محمول على الوجوب إلا بدليل، قالوا إن أفعاله موجبة ~~(¬1) إلا بدليل، وهو اختيار الجصاص رحمه الله من أصحابنا. # ومن قال بالتوقف في أوامره، يتوقف (¬2) في أفعاله في حقنا. # ومن قال بالندب في أمره، يقول بالندب في فعله. # ومن قال بالإباحة في أمره، يقول بالإباحة في فعله في حقنا. أما أفعاله في ~~حقه [ف] توصف (¬3) بالإباحة، لا محالة، لكونه معصوما عن المعاصي والقبائح. # وجه قول الواقفية أن فعله محتمل في نفسه: يجوز أن يكون واجبا، ويجوز أن ~~يكون مندوبا إليه، ويجوز أن يكون مباحا، وما هو واجب أو مباح في حقه يجوز ~~أن لا يكون واجبا ولا يكون (¬4) مباحا في حقنا، كصلاة الليل وحل ما زاد على ~~الأربع، والمحتمل غير معلوم، فيجب التوقف فيه عملا واعتقادا، حتى يقوم دليل ~~العلم، كما قالوا في أقواله. # وجه قول من قال إنه يحمل على الإباحة، ما ذكرنا: أنه لما كان محتملا في ~~نفسه بين كونه واجبا أو ms210 مندوبا أو مباحا (¬5)، يجب التوقف في كونه واجبا ~~ومندوبا، أما نعلم يقينا أنه مباح، لأنه معصوم عن مباشرة الحرام فيجب القول ~~بما هو المتيقن، والتوقف في المشكوك والمحتمل، بخلاف أوامره ونواهيه، لأن ~~ثمة قام (¬6) الدليل على (¬7) أن صيغة الأمر موضوعة للوجوب لغة وشرعا، ~~والحقيقة هي (¬8) الأصل حتى يقوم الدليل على المجاز. PageV01P458 # وجه قول من قال بالوجوب في الأصل: النصوص المحرمة لمخالفة (¬1) الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -، و (¬2) النصوص الموجبة لطاعته ومتابعته والاقتداء به: # قال الله تعالى: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره .. (الآية) " (¬3): # حذر الله تعالى عن (¬4) مخالفة أمر رسول الله (¬5) - صلى الله عليه وسلم ~~-، والتحذير عن مخالفة أمر الرسول عليه السلام أمر بالوافقة والمتابعة له ~~في فعله وقوله جميعا، لأن اسم الأمر يقع على القول والفعل جميعا. # وقال الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول .. (الآية) " (¬6): أمر ~~بطاعة الرسول عليه السلام، وطاعته في موافقته في فعله وقوله، وذلك أن يفعل ~~مثل فعله. # وكذا قال الله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (¬7) أي قدوة ~~حسنة (¬8) متبعة، والاقتداء به (¬9) في أفعاله أن يأتي بها إلا (¬10) ما ~~ثبت خصوصه، فكان الأصل هو وجوب المتابعة إلا ما قام الدليل. # وجه قول مشايخ سمرقند: أن (¬11) الأصل هو وجوب (¬12) الاقتداء والمتابعة ~~في أفعاله التي ليست من حوائج نفسه وأمور الدنيا، بالنصوص التي PageV01P459 # تلونا، إلا أن احتمال الخصوص ثابت في بعض الواجبات والمباحات، على ما ~~ذكرنا - فقلنا بوجوب المتابعة في الفعل دون الاعتقاد عينا، لاحتمال أنه ~~(¬1) يعتقد ما ليس بواجب واجبا، وما ليس بمباح في حقه مباحا: وأما (¬2) ~~الفعل، فمما (¬3) لا خطر فيه، فإنه: إن كان واجبا، فقد أتى بما عليه، وخرج ~~(¬4) عن عهدة الواجب، وأسقط الإثم عن نفسه. وإن لم يكن واجبا، فقد أحرز ~~الثواب بالفعل، وقضى حق الاعتقاد بالإبهام - والله ولي الإنعام. ### |||| AUTO [3] # وأما السنة من حيث الترك والسكوت # فنقول (¬5): # إنه (¬6) - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى منكرا أو (¬7) فعلا قبيحا في ~~الشرع، فلم ينه (¬8) عن ذلك، ولم ينكر عليه ذلك (¬9)، ولكن سكت ms211 وتركه على ~~ذلك - فهو (¬10) نوعان: # أحدهما - أن يكون (¬11) مباشر ذلك ليس من أهل دينه وملته، بأن كان مشركا ~~حربيا أو كافرا ذميا، فتركه على ذلك: [ف] لا يكون تقريرا (¬12) PageV01P460 # لذلك ورضا بكونه حسنا - لأن دعاءه (¬1) لأهل الشرك إلى ترك ذلك مشهور، ~~وإنكاره عليهم ظاهر، وتكليفه بالإنكار عليهم، في كل زمان يرى، خارج (¬2) عن ~~الوسع. وكذا في حق أهل الذمة: فإن تركهم وما يدينون، من جملة مصالح دين ~~الحق، حيث شرع (¬3) عقد الذمة، فلا يحمل ذلك على حسنه وورود النسخ في ذلك ~~(¬4) بضده. # والثاني - أن يكون المباشر من أهل دينه وشريعته، فرأى منه فعلا، يتراءى ~~(¬5) أنه قبيح، ولم يمنعه عن ذلك ولم ينكر عليه: فإنه (¬6) يدل على حسنه ~~وعلى (¬7) شرعيته، فإنه بعث مغيرا للمنكر لا مقررا. فإن كان الدليل على ~~قبحه ثابتا قبله: دل سكوته وتركه الإنكار (¬8)، على انتساخه. وإن لم يكن ~~دليل القبح والإطلاق متقدما: يدل [سكوته] على إثبات (¬9) شرعيته ابتداء. ~~وعلى هذا: المضاربات والشركات وعامة المعاملات التي لم يثبت حدوثها في غير ~~عصره (¬10)، لأن الناس لما توارثوا على ذلك، وذلك متعارف في عصر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولم يمنعهم عن ذلك بل تركهم وما هم عليه (¬11) - دل ~~على شرعيته تقريرا منه على ذلك، إذ حرام عليه التقرير على المنكر، وهو ~~معصوم عن ذلك - والله الموفق. PageV01P461 # مسألة - الاجتهاد في الأحكام الشرعية فيما لم يوح إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نصا - هل هو من سنته، وهل هو جائز عليه، وهل هو مأمور به - أم ~~لا (¬1)؟. # اختلفوا فيه: # قال عامة أهل الأصول بأنه جائز عليه. وهو مأمور به أيضا. وهو مروي عن أبي ~~يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى (¬2). # وقال بعضهم: إنه غير جائز عليه، فضلا عن الأمر به. # وقال بعضهم: إنه في حد الجواز، لكنه مأمور بانتظار الوحي في الحوادث. فإن ~~لم يرد الوحي، فيكون (¬3) ذلك دلالة الإذن بالاجتهاد فيه. # وقال بعضهم: إنه جائز عليه عقلا، ولكنه غير متعبد به شرعا (¬4). # وجه قول من قال إنه غير جائز عليه - النص، ms212 والمعقول: # أما النص - فقوله (¬5) تعالى: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى" ~~(¬6): أخبر الله تعالى أن ما ينطق به النبي (¬7) - صلى الله عليه وسلم - ~~يكون عن الوحي، بل نفى أنه ينطق إلا عن الوحي (¬8)، والحكم الصادر عن ~~الاجتهاد لا يقال إنه حكم بالوحي. PageV01P462 # وأما المعقول - فهو أن في جواز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأحكام الشرعية نوع قبح مخصوص ليس ذلك في اجتهاد غيره، وهو أنه سبب لتنفير ~~الناس عن اتباعه والعمل بشريعته، وهو مبعوث للدعوة إلى شريعته، فلا يجوز أن ~~يكون مأذونا بما يفضي إلى النفرة عنه، فيؤدي إلى المناقضة. وبيانه أن الناس ~~متى سمعوا أنه يحكم في شريعته برأيه واجتهاده، فقبل أن يتأملوا حق التأمل، ~~وسبق (¬1) إلى أوهامهم أنه ينصبه (¬2) من تلقاء نفسه، وذلك سبب للنفرة ~~(¬3)، إذ الطبع ينفر عن اتباع مثله. ولأنه لو جاز له الاجتهاد، ويجوز ~~لمجتهد آخر الاجتهاد أيضا، يصير غيره مساويا له في بيان الأحكام، ويجوز ~~لغيره أن يخالفه، لأن على المجتهد أن يعمل باجتهاد نفسه، وإن خالف اجتهاد ~~(¬4) من هو أقوى منه، وهذا في غاية القبح - وذلك يندفع بما قلنا. # و (¬5) وجه قول العامة - النصوص، والمعقول: # أما النصوص (¬6): # - فمنها (¬7) قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (¬8) وهذا نص عام. PageV01P463 # - ولما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن القبلة للصائم - هل يفطره (¬1)؟ فقال عليه السلام: أرأيت لو ~~تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قال: لا، قال (¬2): ففيم إذن؟ وهذا هو ~~(¬3) صورة القياس. وكذا روي أنه قال في تحريم الصدقة على بني هاشم: أرأيت ~~(¬4) لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه؟ و (¬5) هذا قياس. وروي في حديث ~~الخثعمية أنها قالت: إن لي أبا شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة وقد ~~أدركته فريضة الحج أفيجزئني أن أحج عنه؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~أرأيت (¬6) إن (¬7) كان على أبيك دين فقضيته (¬8) أما كان يقبل منك؟ فقالت: ~~نعم - قال - صلى الله عليه وسلم - (¬9): فدين الله أحق أن ms213 يقضى (¬10)، وهذا ~~قياس (¬11) دين الله تعالى على دين العباد. وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: قولا، فإني فيما لم يوح إلى ~~مثلكما. # وأما المعقول: # فهو (¬12) أن القياس والنظر الصحيح في المنصوص عليه، طريق معرفة العلم ~~بحكم الله تعالى، في غير المنصوص عليه، في حق غيره من المجتهدين، فيستحيل ~~أن لا يكون طريقا في حقه، مع التساوي في سلوك PageV01P464 # الطريق، إذ (¬1) يستحيل أن يخفى عليه معاني النصوص، ولا يخفى على غيره، ~~مع أنه ظهر له ما خفي على غيره، من المشترك والمجمل والمتشابه. ومتى حصل له ~~العلم بذلك، وجبا عليه التبليغ، خصوصا في حال نزول الحادثة والسؤال عنه، مع ~~أن اجتهاده صواب (¬2) بيقين، لأنه معصوم عن الخطأ في أمور الدين عند أكثر ~~الأمة، وعند الكل معصوم عن القرار على الخطأ، واجتهاده غيره محتمل، فلما ~~جاز الاجتهاد لغيره، بل وجب، فكذا (¬3) في حقه بطريق (¬4) الأولى. # وخرج الجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي ~~يوحى" (¬5) إذ (¬6) اجتهاده لما كان صوابا بيقين، كان وحيا (¬7) من الله ~~تعالى. إلا أن الوحي نوعان: ظاهر وخفي. فالظاهر ما كان على لسان الملك، ~~والخفي ما كان بطريق الإلهام والعلم الضروري أو (¬8) بطريق الاجتهاد. # وقولهم إنه يؤدي إلى التنفير - ليس كذلك، لأن الاجتهاد ليس هو نصب الشرع، ~~فإن شارع الأحكام هو الله تعالى، والاجتهاد طريق معرفة شرع الله تعالى ~~بالأمارات (¬9) الدالة عليها، من المعاني التي تعلقت الأحكام بها، كما أن ~~سماع الوحي الظاهر طريق معرفة حكم الله تعالى. و (¬10) هذا PageV01P465 # اعتقاد كل مسلم، فلا يخطر بباله أنه ناصب الشريعة أو حكم بالاجتهاد (¬1) ~~من تلقاء نفسه، فلا يؤدي إلى التنفير (¬2). ولأن الله تعالى أعطى لرسوله ~~(¬3) صلى الله عليه وسلم العلم بالأحكام، بالطرق كلها، ليكون علمه أوسع ~~ودرجته أرفع، فمن أنكر بعض طرق العلم، للرسول - صلى الله عليه وسلم -، الذي ~~هو أدق وأغمض (¬4)، وأثبت لغيره فقد بالغ في الخطأ. # وقولهم فيه تسوية بين الرسول - صلى الله ms214 عليه وسلم - (¬5) وغيره، وفيه ~~تجويز مخالفته (¬6) في الاجتهاد - فليس هكذا، فإنه لا يجوز لأحد أن يجتهد ~~في (¬7) حال حضرته: هو الأصح. ولا يحل (¬8) لأحد من المجتهدين الخلاف له في ~~الاجتهاد، لما ذكرنا أن اجتهاده موجب للعام قطعا، واجتهاد غيره محتمل، فصار ~~بمنزلة الاجتهاد على مخالفة نص الكتاب وإجماع الأمة. # وجه قول الفريق الآخر، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكرم بالوحي ~~الظاهر، وذلك أقوى الطرق. فإنه إن كان لا يحتمل أن يقر على الخطأ، فقد جوز ~~بعضهم وجود الخطأ منه، ولكن لا يقر عليه، فكان الانتظار لما لا يحتمل الخطأ ~~أحق، إلا إذا كان يحتمل الفوات (¬9)، فحينئذ يشتغل بالاجتهاد. # وهذا القول حسن. لكن قول العامة أحق. وكان عليه العمل بجميع أنواع الوحي ~~(¬10)، والتبليغ عند الحاجة، والانتظار للوحي الظاهر في غير موضع الحاجة. ~~والله أعلم. PageV01P466 # مسألة - هل يجوز للعالم المجتهد في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يجتهد في حال حضرته أو غيبته أم لا؟ # قال أكثر العلماء رحمهم الله: يجوز لمن كان يبعد منه (¬1). # واستدلوا بحديث معاذ رضي الله عنه أنه (¬2) حين بعث إلى اليمن (¬3) أمره ~~(¬4) النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد، وهو حديث مشهور. # وقال بعضهم: لا يجوز، لأن اجتهاد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل ~~الخطأ (¬5)، وإنما يجب العمل به عند الضرورة، ولا ضرورة مع إمكان الوصول ~~إلى الصواب بيقين، وهو الرجوع إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: يجب التوقف فيه. لأن هذه المسألة من باب العلم (¬6) دون ~~العمل، فلا يجوز القول فيه بالقطع بحديث معاذ رضي الله عنه، وهو من أخبار ~~الآحاد. # وقال بعضهم، وهو الأصح: إن كان في حال يفوت حكم الحادثة بالرجوع إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في السؤال عنه، يجوز له الاجتهاد لمساس ~~الحاجة. وأما إذ أمكن (¬7) للمجتهد الرجوع (¬8) إلى جواب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل فوات حكم الحادثة، فالجواب فيه والجواب في حق من كان ~~بحضرته سواء. # وقد اختلفوا فيه: PageV01P467 ### |||| CHECK [4] مسألة - اختلف العلماء في ms215 شرائع من قبلنا: هل تلزمنا؟ # قال بعضهم: يجوز له أن يجتهد في كل حادثة إلا ما قام الدليل على المنع. # وقال بعضهم: لا يجوز له (¬1) الاجتهاد أصلا # وقال بعضهم: يجوز له (¬2) أن يجتهد بإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بذلك - فأما بدون إذنه فلا. # والأولى أن يقال (¬3): لا يجوز لمن كان بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، قبل الإذن منه صريحا. ولا يجوز بالإذن إلا في حادثة مخصوصة: أمر بذلك ~~بطريق الوحي لمصلحة في ذلك (¬4). لأن رأي النبي عليه السلام أقوى من رأيه، ~~فلا يجوز له ترك الأقوى مع القدرة عليه (¬5)، كما لا يجوز للمجتهد في ~~زماننا أن يجتهد (¬6) مع إمكان الوصول إلى النص. والله أعلم. # [4] # مسألة - اختلف العلماء في شرائع من قبلنا: هل تلزمنا (¬7)؟ # نحتاج (¬8) إلى: # - بيان صورة المسألة. # - وإلى بيان حكمها. # أما الأول: # فإن شريعة من قبلنا إنما تعرف: إما بالتنصيص عليها في كتابنا من غير PageV01P468 # إنكار، وإما بقول رسولنا - صلى الله عليه وسلم - من غير إنكار (¬1)، ومن ~~غير بيان النسخ. # أما لا يثبت بقول أهل الكتاب لكونهم متهمين في ذلك، ولا بكتابهم - لأنه ~~ثبت تحريف بعضه، عندنا، بقوله تعالى: "يحرفون الكلم عن مواضعه" (¬2)، ولا ~~بقول من أسلم منهم أيضا، لأنه إنما (¬3) عرف ذلك بظاهر الكتاب أو بقول ~~جماعتهم، لا حجة في ذلك لما قلنا. # وأما حكم المسألة: # فقد اختلف فيه (¬4) أهل الأصول: # قال بعضهم: لا يلزمنا، إذ (¬5) لمنبي شريعة على حدة تنتهي بوفاته، ويتجدد ~~للثاني شريعة أخرى إلا ما لا يحتمل التوقيت والانتساخ. # وقال بعضهم: كل شريعة ثثبتت لنبي، في باقية في حق منبي إلى قيام الساعة، ~~ما لم يثبت الانتساخ. فعلى هذا يلزمنا شريعة من قبلنا، إلا ما ثبت نسخه ~~بكتابنا، وبوحي ثبت في حق رسولنا عليه السلام. # وبه قال كثير من أصحابنا وأصحاب الشافعي رحمهم الله. # وقال بعضهم: إنه لا يلز مه إلا اتباع شريعة إبراهيم عليه السلام. # وقال مشايخنا [و] رئيسهم الشيخ (¬6) الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه ~~الله: إن ما عرف بقاؤه (¬7) من شريعة ms216 من قبلنا بكتابنا أو بقول رسولنا PageV01P469 # - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت انتساخه، يصير شريعة لرسولنا - صلى الله ~~عليه وسلم -، فيلزمه ويلزمنا (¬1) على أنه شريعته، لا أنه يلزمنا على أنه ~~شريعة (¬2) من قبلنا من الأنبياء عليهم السلام، كما في سائر ما تجدد في ~~شريعتنا: يلزمنا على أنه شريعة نبينا. # وهذا هو مذهب أصحابنا، حتى روي عن محمد رحمه الله أنه احتج لجواز (¬3) ~~قسمة الشرب بقصة صالح عليه السلام: أن الله تعالى جعل لناقته شرب يوم ~~ولقومه شرب يوم، كما قال تعالى: "لها شرب ولكم شرب يوم معلوم" (¬4): لما قص ~~الله تعالى من غير إنكار، صار شريعة لنبينا - صلى الله عليه وسلم -. # وجه قول الفريق الأول- النص (¬5)، والمعقول: # أما النص- فقوله (¬6) تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (¬7). وهذا ~~نص على أن لمنبي شريعة على حدة، ومن ضرورته أن تنتهي بوفاته وتتجدد (¬8) في ~~حق (¬9) الثاني، إلا ما لا يحتمل التوقيت، كأصل العبادات ونحوها. # و [المعقول]: لأن كل واحد رسول الله تعالى: فإن (¬10) الرسول من يبلغ ~~رسالة المرسل، فيكون (¬11) سفيرا بين المرسل والمرسل إليهم (¬12)، فيما ~~يرجع إلى مصالح داريهم، فالرسالة هي السفارة في اللغة والعرف. PageV01P470 # وإذا كان تفسير الرسول (¬1) هذا، [ف] لو لم ينته الشريعة الأولى وتتجدد ~~(¬2) في حق الثاني، يكون الثاني خليفة للأول ورسوله، لا رسول الله تعالى. ~~فإن الرسول الأول في حال حياته إذا أرسل واحدا من أوليائه وأصحابه إلى بلدة ~~من بلاد مملكته يكون المرسل رسوله (¬3) لا رسول الله تعالى، فكذا بعد ~~وفاته: لو كان الثاني يقوم بإحياء (¬4) شريعته، يكون رسوله وخليفته، لا ~~رسول الله تعالى، والكلام في الرسول. أما نحن [ف] نجوز أن يكون الثاني (¬5) ~~بعد الرسول خليفته، لا رسول الله تعالى، بأن جعله خليفة نفسه بعد وفاته، ~~باجتهاده أو بالوحي، فيعمل بشريعة (¬6) الأول، ولم ينزل إليه الوحي بعده، ~~كما بعد رسولنا - صلى الله عليه وسلم - (¬7): يكون العلماء خلفاءه ورسله ~~(¬8)، لا رسل (¬9) الله تعالى. ولهذا قلنا: كان يجوز أن يبعث الله تعالى، ~~في زمان واحد، رسولين ورسلا، إلى أماكن مختلفة متباينة، ms217 وشريعتهم واحدة أو ~~مختلفة، لوجود حد الرسالة. وكذا يجوز [أن يبعث] في مكان واحد، أو في (¬10) ~~مكانين قريبين، رسولين (¬11)، كهرون وموسى، وإبراهيم ولوط، عليهم السلام، ~~إذا كانت (¬12) شريعتهما واحدة ويجوز إذا كانت (¬13) شريعتهما (¬14) مختلفة ~~إذا PageV01P471 # بعثا إلى طائفتين. أما لا يجوز أن يبعث إلى طائفة واحدة، في زمان واحد ~~(¬1)، رسولان (¬2)، على شريعة مختلفة، لتضاد بينهما - فدل أن الدار على هذا. # وجه قول الفريق الثاني - النص، والمعقول: # أما (¬3) النص - فقوله (¬4) تعالى: "فبهداهم اقتده" (¬5). فالله تعالى ~~(¬6) أمر النبي عليه السلام بالاقتداء بهدى الأنبياء المتقدمة، والهدى اسم ~~للإيمان والشرائع - قال الله تعالى: "هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة" (¬7) - إلا أنه (¬8) فسر الهدى بالإيمان والشرائع جميعا - ~~ألا ترى أنه قال تعالى (¬9) في آخره: "أولئك على هدى من ربهم" (¬10). # وأما المعقول - فهو (¬11) أن ما ينسب (¬12) إلى الأنبياء عليهم السلام من ~~الشريعة، فهو شريعة الله تعالى، لا شريعة من قبلنا من الأنبياء عليهم ~~السلام، فهو الشارع للشرائع والأحكام - قال الله تعالى: "شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا" (¬13) - وإذا كان كذلك [ف]، يجب على منبي PageV01P472 # الدعاء إلى شريعة الله تعالى وتبليغها إلى عباده (¬1) - قال الله تعالى: ~~"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إلي إليك من ربك" (¬2) - إلا إذا ثبت ~~الانتساخ، فيعلم به أن المصلحة قد تبدلت بتبدل الزمان، فينتهى الأول إلى ~~الثاني. وأما (¬3) مع بقائه شريعة لله تعالى أو (¬4) مع قيام المصلحة ~~والحكمة (¬5) في البقاء، [ف] لا يجوز القول بانتهائها بوفاة الرسول (¬6) ~~المبعوث الآتى بها، فيؤدي إلى التناقض - تعالى الله عن ذلك. # وجه قول من ادعى الاختصاص باتباع إبراهيم عليه السلام - ظاهر قوله تعالى: ~~"ثم اوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا" (¬7) وقال الله تعالى: ~~"فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا" (¬8)، فيجب القول به. # وجه القول المختار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث لحفظ ما أنزل ~~إليه من الله تعالى وتبليغه إلى الخلق - قال الله تعالى: "سنقرؤك فلا تنسى ~~إلا ما شاء الله" (¬9) وقال الله (¬10) تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك" ms218 (¬11)، وما بعث لحفظ شرائع من قبله من الأنبياء عليهم السلام ~~(¬12) وتبليغ ذلك PageV01P473 # إلى أمته، لأنه لو بعث لذلك يصير كواحد من دعاتهم وواحد (¬1) من علمائهم ~~وخلفائهم (¬2) دون أن يكون مبعوثا ليكون رسول الله تعالى إلى خلقه، لتبليغ ~~شريعته إليهم - ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رسلا إلى ~~الآفاق، وهم لا يكونون رسل الله تعالى بل رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ودعاته وخلفاءه في تبليغ الوحي. كما قال - صلى الله عليه وسلم - (¬3) لمعاذ ~~رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي؟ " قال: "بكتاب الله تعالى" - ~~قال: "فإن لم تجد؟ " قال: "بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (¬4) ~~قال: "فإن لم تجد؟ " قال: "أجتهد في ذلك رأيي" (¬5)، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله" - إذ لو كانوا رسل الله ~~تعالى لوجب علينا الانقياد لكل (¬6) ما سمعنا منهم والاعتقاد به (¬7) قطعا، ~~ولا يجب علينا سوى ما نسبوا إلى النبي (¬8) عليه السلام، ولما ذكرنا من حد ~~الرسالة أيضا. و (¬9) لأنه كان عليه السلام من أفضل الرسل عليهم السلام، ~~فلم (¬10) يجز أن تكون شرائعهم لازمة لنا، حتى يكون هو داعيا لغيره، في ~~تبليغ شرائعهم إلى أمته (¬11) فيبطل فضله، لصيرورته تبعا لهم في الشرائع. ~~ولأنه - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء عليهم السلام بقوله (¬12) ~~تعالى: "وخاتم النبيين" (¬13). ثم ثبت نزول عيسى صلوات الله PageV01P474 # عليه في آخر الزمان بطريق الشهرة، وقال أهل التفسير في قوله تعالى: "وإنه ~~لعلم للساعة" (¬1). وفي قراءة: "وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها" - ير اد ~~به عيسى عليه السلام، وكان (¬2) يدعو الناس إلى شريعة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، لا إلى شريعة نفسه، فإنه يقاتل الدجال، والقتال لم يكن مشروعا في ~~شريعته. ولو ثبتت الرسالة بالدعاء إلى شريعة غيره، لصار عيسى مبعوثا لتبليغ ~~رسالته، فيصير هو خاتم الأنبياء، لا (¬3) رسولنا، فيؤدي إلى الخلف في خبر ~~الله تعالى، وهو فاسد (¬4)، فما أفضى إليه مثله. ويدل عليه ما روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه ms219 وسلم - رأى في يد عمر رضي الله عنه صحيفة، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما هي (¬5)؛؟ " فقال: "التوراة"، فغضب رسول الله (¬6) - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: "أتتهوكون (¬7) أنتم كما تهوكت اليهود ~~والنصارى. والله (¬8) لو كان موسى صلو ات الله عليه (¬9) حيا لما وسعه إلا ~~اتباعي": فيه إشارة إلى أنه هو المتبوع، وعلى ما قلتم جعل المتبوع تابعا، ~~وهذا مما يجب التبري عنه في صفاته - صلى الله عليه وسلم -. # والجواب: # - عن تعلقهم بقوله تعالى: "فبهداهم اقتده" (¬10) - فنقول: المراد من ~~الهدى ههنا هو الدين، وإن كان يحتملهما (¬11) لغة أو (¬12) يشملهما، ~~لوجهين: PageV01P475 # • أحدهما - أن قوله تعالى: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" (¬1) خاص في حق ~~(¬2) الأحكام. وقوله تعالى (¬3): "فبهداهم اقتده" (¬4) إما عام أو مشترك، ~~وكيفماكان: فالعمل بالخاص أولى من العمل بالعام (¬5) والمشترك، فيكون (¬6) ~~عملا بالدليلين. # • والثاني - أن الله تعالى أمره بالاقتداء بهداهم. فإن (¬7) كان المراد ~~منه الدين، أمكن الاقتداء بجميع الأنبياء، لأن دين الكل واحد - قال الله ~~تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" (¬8). فأما الاختلاف [ف] ثابت في كثير ~~من الشرائع بينهم، فلا يمكن الاقتداء بالكل في الشرائع في زمان واحد، لأنه ~~يؤدي إلى التضاد، فوجب الحمل على الدين عملا بعموم الاقتداء، ويكون موافقا ~~للنص الآخر أيضا، وهو قوله تعالى: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا" إلى ~~أن قال: "ولا تتفرقوا فيه (الآية) " (¬9)، وذلك لا يتصور إلا في الإيمان، ~~لأن في كثير من الشرائع تفرقوا فيه - وهو الجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: ~~"فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا" (¬10): المراد PageV01P476 # من الملة (¬1) هو الدين، إما (¬2) لأن الملة والدين واحد في اللغة، أو ~~كان اسما للدين (¬3) والشرائع جميعا، ولكن المراد منه ههنا هو الدين دون ~~الشريعة، لما ذكرنا من تفسير الرسالة - وفي الآية ما يدل عليه فإنه قال ~~تعالى (¬4): "وما كان من المشركين" (¬5): دل أنه كان مأمورا (¬6) بالاتباع ~~في الدين. # - وأما ما ذكروا من المعقول: أن ما نسب من الشريعة إلى الأنبياء، فهو ~~(¬7) شريعة الله تعالى، فنقول: بلى، ولكنها منسوبة إلىمنبي أمر بتبليغه إلى ~~أمته بطريق ms220 الرسالة من الله تعالى، لا بطريق الخلافة والنيابة (¬8) عن رسول ~~آخر، بل يكون سفيرا بين الله تعالى وبين خلقه، فيما أخبر من صلاح داريهم، ~~وأمر بتبليغه إليهم، وإنما يتحقق هذا أن لو انقطعت النسبة عن غيره ويكون ~~شريعته ابتداء، إذ لو لم تنقطع النسبة يكون داعيا لمن نسب إليه، وخليفة ~~(¬9) عنه في التبليغ على ما ذكر نا، إلا أن ما ثبت من الشرائع االمتقدمة ~~وبقي إلى وقت مبعثه، يصير شريعة له، ويؤمر (¬10) بتبليغه بالرسالة عن (¬11) ~~الله تعالى، والنيابة عنه، لا أنه نائب عن الرسل المتقدمة في تبليغ ما هو ~~شريعة لهم إلى أمته (¬12) على ما ذكرنا. PageV01P477 # - فإن قالوا: أليس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قبل نزول ~~الوحي عليه (¬1) على أحكام شريعة (¬2) إبراهيم عليه السلام في الحج ~~والمناسك وغيرهما (¬3) مما عرفه بقول الثقات: فإنه كان يقف بعرفة خلاف ما ~~كان (¬4) يفعله المشركون من الوقوف في الحرم دون عرفة (¬5). وكان المشركون ~~يطوفون بالبيت (¬6) عراة (¬7)، وهو يطوف كاسيا طاهرا. وكان (¬8) لا يأكل ~~المهية ويأكل الذبيحة ويرى ذبح البهائم من النعم والوحش. وكان يركب الفرس ~~والبعير. وكان يستعمل الختان - كما هو شرع إبراهيم عليه السلام. وكل (¬9) ~~ما عرف من شرائعهه امتثل به وعمل على موجب حكمه، إلا ما ثبت انتساخه بعد ~~ذلك في شريعته، وما لم يعرفه منها فليس بفرض عليه. على أن بعد المبعث (¬10) ~~رجم يهوديا ويهودية بحكم التوراة وطلب منهم إحضار التوراة وقال: "أنا أحق ~~بإحياء سنة أماتوها". وكذلك دخل المدينة - صلى الله عليه وسلم - (¬11) يوم ~~عاشوراء (¬12) فوجد اليهود يصومون، فسأل عن شأنهم، فقيل: إن هذا يوم أنجى ~~الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأغرق فوعون فيصمومون شكرا لذلك، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬13): "أنا أحق بإحياء سنة أخي موسى عليه السلام"، ~~فصام وأمر الناس بالصوم - والجواب: قلنا: PageV01P478 # • إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الوحي، في مقام النبوة، على ما ~~روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين. ~~وكان يرى من نواقض ms221 العادات ما يعرف أنه معد لأمر عظيم، فما ثبت عنده بقول ~~(¬1) أسلافه، وكان (¬2) من ممكنات العقل لا من ممتنعاته، فرأى حسنه ~~باجتهاده، وهو معصوم عن الغلط في أمور الدين، وعن كل قبيح خفي - فيصير ~~شريعة له، فيعمل على أنه شريعة الله تعالى، وأنه واجب عليه العمل به- كما ~~كان يفعل (¬3) في بعض الأشياء بعد المبعث باجتهاده ولم ينتظر نزول الوحي - ~~فلم يكن ذلك عملا بشريعة من قبله في الحاصل. # • وأما رجم اليهوديين فنقول: كان الرجم من شريعته في ابتداء الأمر على ما ~~روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن مما يتلى في كتاب الله تعالى: "الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم"، وكان من ~~عادة القوم الزنا، وكان لا ينزجر (¬4) البعض عن ذلك، فشرع أغلظ الزواجر ~~مبالغة (¬5) في الزجر. ثم لما تركت (¬6) العامة ذلك وقل وجوده، وقع ~~الاكتفاء بالأدنى، فانتسخ في بعض الأزمان. ثم لما تغير الزمان وتبدلت ~~المصلحة شرع في حق البعض الرجم وبقي الجلد (¬7) في حق البعض. ولكن كان ~~اليهود في الابتداء ما التزموا أحكام شرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وما صاروا ذمة له، وكانوا أنكروا الرجم فأمرهم PageV01P479 # بإحضار التوراة وأظهر أن ذلك حكم شريعتهم، إظهارا للمعجزة في حقهم: أنه ~~عرف ذلك من الله تعالى إذ هم كانوا يخفون ذلك، ولم يعرف (¬1) بالسماع منهم، ~~ثم أقام الرجم بحكم شريعته عند نفسه، وإن كان عند اليهود أنه أقام الرجم ~~(¬2) بحكم شريعتهم، أو كان جائزا أن ذلك صار شريعة له في حق ذينك (¬3) ~~اليهوديين على الخصوص (¬4)، لا في حق العامة. وإنما قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أنا أحق بإحياء سنة أماتوها" أو قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا ~~أحق بإحياء سنة أخي موسى عليه السلام" بناء على زعمهم (¬5)، و (¬6) أما في ~~الحقيقة [فقد] صار ذلك سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -. # • وأما صوم عاشوراء فبعض أصحابنا قالوا: إنه لم يكن فرضا في شريعتنا، ~~ولكنه ندب الناس إلى صوم عاشوراء لفضيلة ذلك اليوم، ms222 وصار ندب الصوم (¬7) ~~فيه شريعة له - صلى الله عليه وسلم - (¬8)، لا أنه أمرهم بذلك عملا بشريعة ~~موسى عليه السلام- والله أعلم (¬9). ### |||| AUTO [5] # مسألة نختم بها باب السنة # وهي أن تقليد الصحابي، على التابعي المجتهد: هل هو واجب أو جائز - أم لا؟ PageV01P480 # لم يثبت في هذه المسألة عن أصحابنا المتقدمين رواية ظاهرة إلا ما روي عن ~~أبي حنيفة رحمة الله عليه أنه قال: إذا أجمعت (¬1) الصحابة سلمنا لهم، وإذا ~~جاء التابعون زاحمناهم - وإنما قال ذلك، لأنه كان منهم، فلا يثبت لهم، ~~بدونه (¬2)، إجماع (¬3). # وروي عن أبي سعيد البردعي (¬4) رحمه الله أنه قال: تقليد الصحابي واجب: ~~يترك (¬5) بقوله القياس. وعليه أدركنا مشايخنا (¬6). # وقاك أبو الحسن الكرخي رحمه الله (¬7): لا يجب (¬8) تقليده إلا فيما لا ~~يدرك بالقياس. # وقال بعض مشايخنا: لا يجب (¬9) تقليد الصحابي إلا أن يكون قبوله موافقا ~~للقياس. # وللشافعي قولان. وأكثر أصحابه على أنه لا يجب تقليده. # وعن الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمه الله عن أصحابنا أن تقليد الصحابي ~~واجب إذا كان من أهل الفتوى ولم يوجد من أقرانه خلاف ذلك. PageV01P481 # أما إذا خالفه غيره، [ف] لا يجب تقليد البعض، ولكن يجب ترجيح (¬1) قول ~~البعض بالدليل - وهو الأصح. # وقال بعضهم: يجب تقليد الخلفاء الراشدين، كتقليد أبي بكر الصديق وعمر رضي ~~الله عنهما وأرضاهما (¬2). # وصورة المسألة أن الصحابي إذا ورد عنه قول في حادثة لم (¬3) يحتمل ~~الاشتهار فيما بين الصحابة، بأن كانت مما لا تعم (¬4) به (¬5) البلوى ~~والحاجة للكل، ولم يكن من باب ما يشتهر عادة، ثم ظهر نقل هذا القول في (¬6) ~~التابعين، ولم يرو عن غيره من الصحابة رضي الله عنهم خلاف (¬7) ذلك. فأما ~~(¬8) إذا كان القول في حادثة من حقها، الاشتهار لا محالة ولا يحتمل الخفاء، ~~بأن كانت (¬9) الحاجة والبلوى تعم العامة أو (¬10) يشتهر مثلها فيما بين ~~الخواص (¬11)، ولم يظهر الخلاف من غيره فيه - فهذا إجماع (¬12) يجب العمل ~~به، على ما نذكر في فصل الإجماع. PageV01P482 # وجه قول من قال لا يجب التقليد ولا يجوز: # - قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" من ms223 غير فصل. # - ولما روي عن عر رضي الله عنه أنه كتب إلى شريح: "اقض بكتاب الله تعالى ~~ثم بسنة رسول الله ثم برأيك" ولم يقل "بقولي". # ولما روي عن شريح رضي الله عنه أنه خالف عليا رضي الله عنه في رد شهادة ~~الحسن (¬1) لعلي رضى الله عنهما. # وعن مسروق أنه خالف ابن عباس في النذر بنحر (¬2) الولد وأوجب ذبح شاة، ~~وابن عباس أوجب ذبح بدنة (¬3)، ثم رجع ابن عباس رضي الله عنهما إلى قوله. # - ولأن الصحابي غير معصوم عن الخطأ والغلط، ولهذا جاز له أن يرجع عن هذا ~~القول إلى قول آخر. وكذا يجوز لغيره من الصحابة (¬4) أن يخالف (¬5) فيه. ~~وإذا كان قوله محتملا في نفسه، [ف] لا (¬6) يجوز تقليده، كما في حق ~~التابعي: لا يجوز تقليده لما ذكرنا. # ولأن الصحابي لا يخلو: إما أن يقول هذا القول عن اجتهاد، أو عن حديث ~~عنده: فإن كان عن حديث فيجب اتباعه، وإن كان (¬7) قوله عن اجتهاد فهو راجع ~~إلى أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع. وذلك الأصل موجود في حق التابعين ~~ومن بعدهم، فيجب عليهم النظر والتأمل في ذلك الأصل، ليتبين لهم أن هذا ~~الحكم فرع ذلك الأصل PageV01P483 # فيتبعونهم (¬1)، أو فرع أصل آخر فيخالفونهم (¬2). فأما التقليد بغير (¬3) ~~اجتهاد ونظر فلا، والله تعالى أمر (¬4) بالاعتبار دون التقليد # ثم من قال منهم: إنه يجب التقليد فيما لم يدرك بالرأي، [ف] لأن الظاهر أن ~~الصحابي الفقيه (¬5) لم يقل، بقول مخالف للقياس، إلا عن حديث ثابت عنده عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيجب حمله عليه. # ومن قال: إنه إذا كان موافقا للقياس يجب تقليده، وإن كان بخلاف القياس لا ~~يجوز له (¬6) العمل به (¬7) -[ف] لأن القياس ظهر كونه حجة، وهو قائم دائم ~~(¬8)، و [روايته] الحديث محتملة (¬9) للغلط والسهو، وأن الراوي سمع بعض ~~الحديث، وأنه بدون الباقي يختلف معناه (¬10) وحكمه، فلا يترك الحجة ~~بالاحتمال (¬11). # وأما من ادعى الخصوص [فقد] تعلق بقوله عليه السلام: "اقتدوا باللذين من ~~بعدي: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ms224 والأمر للوجوب. وإذا كان الاقتداء ~~(¬12). بهما واجبا، فالاقتداء بالخلافاء الراشدين كذلك (¬13). PageV01P484 # ووجه القول المختار: الكتاب، والسنة، والمعقول: # - أما الكتاب، فقوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان" (¬1) - مدح الصحابة رضى الله عنهم والتابعين لهم ~~بالإحسان. وإنما استحق التابعون لهم المدح واتباعهم لهم والإحسان (¬2)، من ~~حيث الرجوع إلى رأيهم، دون الرجوع إلى الكتاب والسنة - لأن في ذلك استحقاق ~~المدح باتباع الكتاب (¬3) والسنة (¬4)، لا باتباع الصحابة - وذلك إنما يكون ~~في قول وجد منهم ولم يظهر من بعضهم خلاف ذلك، أو (¬5) إذا كان فيهم (¬6) ~~إجماع. أما إذا كان بينهم اختلاف فلا يكون في هذا موضع استحقاق المدح، لأنه ~~إن كان يستحق المدح واتباع البعض [فإنه] يستحق الذم بترك اتباع البعض، فوقع ~~التعارض في هذا، فكان (¬7) النص دليلا على وجوب تقليدهم إذا لم يوجد بينهم ~~اختلاف ظاهر، والكلام فيه وقع، وهو موضع الخلاف. # - وأما السنة، [ف] ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"إنما مثل أصحابي مثل النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم"، والنص مطلق ~~يتناول كل واحد من الصحابة إذا لم يكن له مخالف فيه، والكلام فيه واقع (¬8). # - وأما المعقول، فهو (¬9) أن القياس عمل بغالب الرأي والظن، لا بطريق PageV01P485 # التيقن (¬1)، ولا شك في خفاء طريق الاجتهاد، ولا شك في تفاضل الناس في ~~باب الاجتهاد، فكان (¬2) العمل باجتهاد من هو أبصر بوجه (¬3) الحق، وكان ~~الأغلب أنه على الصواب، أولى. وإن اجتهاد الصحابي، في غلبة الحق والصواب، ~~فوق اجتهاد التابعي لوجوه: # • أحدها - أن للصحابة (¬4) زيادة جهد وحرص في بذل مجهودهم في طلب الحق، ~~والقيام بما هو سبب قوام الدين، والاحتياط في حفظ الأحاديث، وضبطها وطلبها، ~~والتأمل فيه لا نص عندهم غاية التأمل، على ما روي عن ابن مسعود رضي الله ~~عنه أنه كان إذا روى حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترتعد (¬5) ~~فرائضه ويقول: "هذا أو قريبا منه". وروي عنه أنه اختلف السائل إليه (¬6) في ~~مسألة (¬7) شهرا ولم يسمع فيها الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان ~~(¬8) يتأمل ms225 فيها احتياطا، صيانة عن الوقوع في الخطأ، فلما أراد الجواب قال: ~~"إن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه ~~بريئان". مع أن لهم فضل درجة لم يكن لغيرهم على ما قال عليه السلام: "أنا ~~أمان لأصحابي وأصحابي أمان لأمتي". وقال - صلى الله عليه وسلم - (¬9): "خير ~~الناس قرني الذين بعثت فيهم (¬10) ثم الذين يلونهم (الحديث) ". وإذا كان ~~لهم زيادة جهد وزيادة فضيلة كانوا أولى بالإصابة والاهتداء، لقوله تعالى: ~~"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم PageV01P486 # سبلنا" (¬1) بخلاف من لم يبلغ درجة الفتوى، لأنه لا يوجد منه (¬2) هذا ~~الجهد، فلا يستحق هذه الدرجة، وبخلاف التابعي، لأنه ليس له هذه الدرجة. # • والثاني - أن الصحابة شهدوا الأسباب والحوادث التي نزلت الأحكام ~~لأجلها، والقياس يبتني (¬3) على معرفة معان (¬4) وأسباب نزلت النصوص مع ~~الأحكام لأجلها، حتى إذا وجد في غير النصوص (¬5) عليه مثل تلك الأسباب ~~والمعاني، يقضي فيها بمثل تلك الأحكام. وكانوا أعرف بمقاصد خطاب الرسول ~~عليه السلام (¬6) بطريق المشافهة، إذ يعرف بطريق المشاهدة أحوال (¬7) ~~المخاطب وحركاته. ولهذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة - فكان اعتبارهم وقياسهم ~~أقرب إلى الصواب. # • والثالث - وهو أن الغالب فيه أنه قول جميع الصحابة، لا قوله وحده، لأن ~~الظاهر أنه لو كان بينهم خلاف لظهر، لاتحاد مكانهم وطلب العلم (¬8) من كل ~~واحد منهم على السواء، ومشاورة كل واحد قرناءه (¬9)، في كل مسألة اجتهادية، ~~لاحتمال أن يكون عند صاحبه خبر يمنعه عن استعمال الرأي. ولو ظهر الخلاف ~~بينهم (¬10)، لوصل إلينا من جهة التابعين، لنصب أنفسهم لتبليغ الشرائع ~~والأحكام. ولو تحقق الإجماع، يجب العمل PageV01P487 # قطعا، فإذا (¬1) ترجح جهة وجود الإجماع فيه، كان العمل به أولى من العمل ~~بقياس ليس فيه هذا المعنى (¬2). # • والرابع - أنه يحتمل أن يكون عند الصحابي خبر (¬3) في ذلك ويفتي به، ~~وهو الظاهر و (¬4) الغالب من حاله: أنه يفتي بالخبر أولا، وإنما يفتي ~~بالرأي عند الضرورة، ويشار مع القرناء، لاحتمال أن يكون عندهم خبر. فإذا لم ~~يجد فحينئذ (¬5) يشتغل بالقياس، على ما روينا عن (¬6) عبد الله ابن مسعود ~~رضي ms226 الله عنه. فإذا احتمل هذا (¬7)، بل هو الظاهر، كان العمل بقوله أولى من ~~العمل برأي يعلم يقينا أنه ليس عنده خبر يوافقه ويقرره (¬8). # - وخرج الجواب عن كلامهم: # • [أما] إن قول (¬9) الصحابي محتمل، فبلى (¬10)، ولكن الدلائل المحتملة ~~ليست على (¬11) نمط واحد - أليس أن خبر الواحد محتمل، ثم هو مقدم على ~~القياس، فكذا قولهم محتمل (¬12)، ولكن أقرب إلى الصواب، لما ذكرنا من وجوه ~~الترجيح. # • و [أما] قولهم إن قول الصحابي يحتمل الرجوع، فلا (¬13) يلزم لغيره من ~~الصحابة (¬14)، فبلى، ولكن كلامنا وقع فيما إذا وجد قول ولم يظهر رجوع ~~الصحابي عن ذلك، ولم يظهر خلاف غيره إياه في ذلك القول. وإنما لا يلزم كل ~~واحد من الصحابة قول الآخر لمساواتهم فيما ذكرنا من الوجوه، بخلاف غيرهم، ~~لوجود التفاوت بينهم من الوجوه التي مرت - والله أعلم. PageV01P488 ### ||| CHECK 3 - الكلام في الإجماع # الكلام في الإجماع (¬1) # يحتاج في هذا الباب إلى: # بيان الإجماع لغة. # وإلى (¬2) بيان حده في عرف الشرع (¬3). # وإلى بيان أهلية من ينعقد به الإجماع. # وإلى بيان شرائط انعقاده. # وإلى بيان طريق وجوده حقيقة. # وإلى بيان الوجه الداعي إلى الإجماع. # وإلى بيان حكمه وكونه حجة: اعتقادا وعملا (¬4)، أو عملا لا اعتقادا بطريق القطع. # وإلى بيان أن (¬5) الإجماع الذي هو حجة نوع واحد أو أنواع. # وإلى بيان محل الإجماع. # وإلى بيان ما ألحق بالإجماع، وهو ليس بإجماع. وبيان ما أخرج منه، وهو ~~إجماع (¬6). PageV01P489 ### |||| CHECK [2] وأما حده وحقيقته عند أهل الأصول، وفي عرف الفقهاء ### |||| AUTO [1] # أما بيان الإجماع لغة # فهو العزم التام. وهو أن يكون على طريق الحزم (¬1) والجزم (¬2) - يقال: ~~"أجمع رأيه على كذا" إذا أثبت (¬3) وجود ذلك الشيء برأيه وحكم بوجوده على ~~طريق الحزم (¬4) والجزم من غير تردد. # [2] # وأما حده وحقيقته عند أهل الأصول، وفي (¬5) عرف الفقهاء # فهو اجتماع جميع آراء أهل الإجماع على حكم من أمور الدين (¬6)، عقلي أو ~~شرعي، وقت نزول الحادثة. أو يقال: اتفاق جميع أهل الإجماع (¬7). ### |||| AUTO [3] # فصل في: بيان أهلية من ينعقد به الإجماع # فنقول: # لوجود أهلية الإجماع شرائط ستة ms227 (¬8): بعض متفق عليه، وبعضها مختلف فيه: # أما المتفق عليه - فهو (¬9): العقل، والبلوغ، والإسلام، والعدالة، PageV01P490 # وكونه من أهل الاجتهاد والفتوى في الأحكام الشرعية، وكونه من أهل السنة ~~والجماعة. # وإنما شرطت هذه الشرائط لأهلية الإجماع - فإنا عرفنا كون الإجماع حجة ~~بالدلائل السمعية، بطريق الكرامة لهذه الأمة على ما نذكر من (¬1) قو له ~~تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" (¬2) وقو له تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس" (¬3) - فلابد أن يكونوا من أهل الخطاب وأهل ~~الشهادة والكرامة ليدخلوا تحت النصوص الدالة على كون إجماع الأمة (¬4) حجة، ~~بطريق الكرامة. # - ولابد من العقل والبلوغ، لتوجه الخطاب، # - ولابد من صفة العدالة والإسلام، لأهلية الشهادة مطلقا، مع قيام العقل ~~والبلوغ. وكذا الفاسق والكافر والمجنون (¬5) ليسوا من أهل الكرامة على ~~الإطلاق. # - وأما اشتراط صفة الاجتهاد، فلأن الإجماع إنما يحتاج إليه في موضع لا نص ~~فيه، فلابد من أهلية (¬6) الاجتهاد ليعرف التمييز بين وصف هو (¬7) علة ~~الحكم في المنصوص عليه وبين غيره، ويعرف التمييز بين الراوي PageV01P491 # الذي يصلح للرواية ومن لا يصلح للرواية (¬1)، ومن يترجح صدقه على كذبه ~~ومن يترجح كذبه على صدقه. وإذا كان كذلك فلا فائدة في اشتراط اجتماع ~~العوام، ومن لم يبلغ الاجتهاد من طلبة العام. # - وأما اشتراط كونه من أهل السنة والجماعة، وأن لا يكون من أهل الهوى ~~والبدعة (¬2)، فلأن صيرورة إجماع الأمة حجة (¬3) بطريق الكرامة، وصاحب ~~البدعة ليس من أهل الكرامة. # وقال بعض مشايخنا: إن كان غالبا في هواه حتى كفر به لا يكون أهلا، لأن ~~المعتبر إجماع المسلمين. وإن كان هوى (¬4) لا يكفر به، لا يعتبر خلافه (¬5) ~~في عين (¬6) هواه وبدعته، كخلاف (¬7) الروافض في خلافة أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، وخلاف الخوارج في خلافة على رضي الله عنه. فأما (¬8) قوله في ~~غير بدعته، إذا لم يكن متعصبا في هواه داعيا لغيره إليه (¬9)، [ف] يكون كل ~~معتبرا في انعقاد الإجماع، كما في الشهادة في الحدود وسائر الحقوق. # ولكن الأصح ما قلنا، فإن الأصل في الإجماع إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ~~والله ms228 تعالى صانهم عن خلاف يوجب التضليل، ليكون إجماعهم حجة مطلقة - والله ~~أعلم. PageV01P492 ### |||| AUTO [4] # فصل في: بيان شرائط الإجماع # (¬1) # نقول (¬2): لصحة الإجماع شرائط: بعضها متفق (¬3) عليه، وبعضها مختلف فيه: # منها - أن اجتماع جميع أهل الاجتهاد وقت نزول الحادثة شرط صحة الإجماع ~~عند عامة العلماء، حتى لا ينعقد إجماع الصحابة إذا كان فيهم (¬4) مخالف ~~واحد من أهل الاجتهاد. وكذا في إجماع كل عصر. # وقال بعضهم: إن اجتماع الأكثر من أهل الاجتهاد شرط، ولا عبرة لمخالفة الأقل. # فهم (¬5) احتجوا: # - بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عليكم بالسواد ~~الأعظم". وقال عليه السلام: "عليكم بملازمة الجماعة". وقال عليه السلام: ~~"من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من (¬6) عنقه". ولا شك أنه ~~ليس المراد به الكل. # - ولأن قول الواحد إذا كان مخالفا لقول جميع أهل (¬7) عصره يسمى (¬8) ~~قولا شاذا، ويسمى (¬9) المخالف أيضا شاذا، وإنه اسم ذم وتعيير على PageV01P493 # ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (¬1): "من شذ شذ في ~~النار". ولو كان مخالفته جائزا للجماعة عند مخالفة اجتهاده اجتهادهم، لم ~~يكن لهذا الوعيد الشديد معنى. # - ولأن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على ابن عباس رضي الله عنه في ~~انفراده بإباحة (¬2) ربا الفضل، حتى روي أنه رجع إلى قولهم. # - ولأن إجماع أهل العصر حجة في هذا العصر، كما هو حجة فيما بعده من ~~الأعصار، فلابد من أن يكون فيه من يخالفهم، حتى يكون حجة في حقه (¬3) - ~~وذلك فيما قلنا. # وأما (¬4) عامة العلماء [فقد] احتجوا وقالوا: # - إنما عرفنا كون الإجماع حجة بالدلائل السمعية من نحو (¬5) قوله تعالى: ~~"ويتبع غير سبيل المؤمنين" (¬6). وقوله تعالى. "كنتم خير أمة أخرجت للناس" ~~(¬7). وقوله عليه السلام: "لا تجتمع أمتى على الضلالة" (¬8). وهذه النصوص ~~تتناول (¬9) كل أهل الإجماع، فإن أكثر الأمة بعض المؤمنين لا كلهم، وكذا ~~بعض الأمة. واسم "الأمة" واسم "المؤمنين" للكل بطريق الحقيقة، لأن إطلاق ~~اسم البعض على الكل بطريق المجاز - ألا ترى أن من قيل بعد خلاف الواحد أو ~~الاثنين إن هؤلاء ms229 ليسوا كل الأمة (¬10) PageV01P494 # ولا كل المؤمنين، يكون صادقا في مقالته، ولو كان اسم الكل يقع على الأكثر ~~بطريق الحقيقة، لكان هذا القائل في هذا الإخبار كاذبا. # - ولأن في (¬1) الصحابة من تفرد بأقاويل خالف فيها جميع الصحابة، كتفر د ~~ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، بمسائل في (¬2) الفرائض، وغيرهما، ولم ~~ينكر عليهم أحد. ولو انعقد الإجماع بقول الأكثر، صار قول الأقل خلاف ~~الإجماع، في جب أن ينكروا عليهم. وكذا لا يظن بالصحابي أيضا أنه (¬3) يخالف ~~الإجماع. فكان (¬4) هذا (¬5) إجماعا من الصحابة على (¬6) أن الإجماع لا ~~ينعقد إلا باجتماع كل أهل الاجتهاد، وقت الإجماع، وإجماع الصحابة (¬7) حجة قاطعة. # وأما إنكار الصحابة على ابن عباس، [ف] ليس (¬8) لأنه تفرد بالخلاف ~~للصحابة، ولكن لأنه خالف الحديث الوارد في الباب، وهو حديث أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال (¬9): "الحنطة بالحنطة" ~~(¬10)، ولم يشاور الصحابة، حتى عرف الحديث، ولهذا رجع لما بلغه الحديث. PageV01P495 # - وأما المعقول، فهو (¬1) أنه يحتمل أن الحق مع الأكثر، ويحتمل أنه مع ~~الأقل، لأن اجتهاد كل مجتهد يحتمل الصواب والخطأ، والمحتمل لا يكون حجة. ~~وإنما عرفنا زوال الاحتمال وثبوت الصواب بيقين في إجماع (¬2) جميع أهل ~~الاجتهاد، بالدلائل السمعية، وهي واردة في كل مجتهدي أهل العصر، فيجب العمل ~~بالاحتمال فيما لم يرد فيه النصوص. # - وأما قوله عليه السلام: "عليكم بالسواد الأعظم" وسائر الأحاديث (¬3) - ~~فهي من جملة الآحاد، وهي غير مقبولة في باب الاعتقاد، والمسألة اعتقادية. ~~ثم نقول: # • [أولا]- المراد من "السواد الأعظم" و"الجماعة" المعرفة بالألف واللام ~~(¬4) هو كل [من في] العصر من أهل الإجماع دون الأكثر، فإن النصف من أهل ~~العصر إذا زيد على النصف الآخر (¬5)، بواحد أو اثنين أو ثلاثة، فإنه لا ~~ينطلق عليه اسم السواد الأعظم، وإن كان أكثر بمقابلة النصف الآخر - دل أن ~~المراد من "السواد الأعظم" هو الكل الذي هو أعظم من الجزء المقابل له، ويجب ~~الحمل عليه حتى يكون توفيقا بين الدلائل السمعية كلها (¬6). # • والثاني - إن المراد من كل تابعة السواد الأعظم، الأكثر (¬7) دون ms230 ~~الأقل، فيما إذا وجد الإجماع من جميع أهله ثم خالف البعض، لشبهة اعترضت ~~لهم: أنه يجب متابعة الأكثر دون الأقل، لأن رجوعهم ليس بصحيح بعد PageV01P496 # صحة الإجماع وانعقاده. وهو الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~شذ شذ في النار" لأن الشاذ اسم لمن خالف بعد الموافقة: يقال "شذ البعير ~~وند" إذا توحش بعدما كان أهليا (¬1) - وبه نقول. # - فإن (¬2) قالوا: إن قوله عليه السلام: "عليكم بالسواد الأعظم" يقتضي أن ~~يكون السواد الأعظم حجة على من ليس هو من السواد (¬3) الأعظم، فإن المخاطب ~~لا يدخل تحت الذين أمر بملازمتهم والمتابعة لهم - فنقول: المراد بالسواد ~~الأعظم هو جميع أهل العصر لما ذكرنا. ويجوز أن يكون السواد الأعظم حجة على ~~من يأتي بعدهم من العصر الثاني ممن هم (¬4) أقل عددا من الأول، فسمي الأول ~~السواد الأعظم - وهو الجواب عن الكلام الأخير: أن إجماع أهل العصر حجة في ~~(¬5) هذا العصر، فيجب أن يكون فيهم من يخالفهم حتى يكون حجة عليهم، لأنا ~~نقول: يجوز أن يكون حجة على من بعدهم من الأعصار، إن لم يكن حجة على أحد في ~~حق هذا العصر - والدليل عليه أنه لو كان من شرط صحة الإجماع من أهل العصر ~~أن يكون حجة على مخالف في ذلك العصر، لوجب أن يقال: إن (¬6) أهل العصر إذا ~~أجمعوا كلهم على قول ولم يخالف أحد في ذلك، ينبغي (¬7) أن لا يكون هذا ~~الإجماع حجة، لعدم شرطه (¬8) الذي ذكرتم (¬9). PageV01P497 # على أنا نقول: يجوز أن يكون حجة على كل واحد (¬1) من آحاد هذا العصر، في ~~حق منعهم من الرجوع عن هذا القول وتحريم ذلك عليهم. ويكون قوله "عليكم" ~~خطابا لكل واحد منهم. أو نقول: إن إجماعهم حجة عليهم في حق وجوب العمل ~~والاعتقاد لهذ (¬2) الإجماع وتحريم ترك العمل به، وهذا لأن الإجماع حجة لله ~~(¬3) تعالى على كل كل مكلف من عباده، في حق وجوب العمل والاعتقاد بموجبه ~~(¬4). PageV01P498 # مسألة - ويبتنى (¬1) على هذامن بلغ درجة الفتوى الاجتهاد في زمن الصحابة ~~من التابعين - هل ينعقد إجماع الصحابة مع ms231 خلاف واحد منهم؟ # على قول عامة العلماء: لا (¬2) يرزرقد، لما ذكر نا أن الدلائل التي توجب ~~كون (¬3) الإجماع حجة لا توجب الفصل بين مجتهد ومجتهد، حال نزول الحادثة، ~~بل يشترط اجتماع الكل على الجواب، على ما نذكر. # وقال بعضهم: إن خلافهم لا يمنع انعقاد إجماع الصحابة. # واحتجوا بما روي (¬4) عن عائشة رضي الله عنها أنها أنكرت على أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن بن عوف خلافه على (¬5) الصحابة في بعض PageV01P499 # المسائل، لما أنه كان من التابعين - قلنا: يحتمل أنها إنما (¬1) أنكرت ~~عليه، لأنه خالف (¬2) الصحابة بعد ما أجمعوا على ذلك الحكم. ولم يكن هو من ~~أهل الاجتهاد في ذلك الوقت، ثم إذا صار من أهل الاجتهاد خالفهم، وهذا ~~الخلاف لا يعتبر، لأن إجماعهم قد صح حين لم يكن هو من أهل الاجتهاد، وصار ~~حجة، فلا ينقض بخلافه، فيجب الحمل عليه، عملا بالدلائل. # مسألة - انقراض العصر هل هو شرط لانعقاد الإجماع وكونه حجة أم لا؟ (¬3). # وتفسير انقراض العصر هو موت جميع من هو من أهل الاجتهاد في وقت وقوع ~~الحادثة والإجماع عليه. # واختلفوا فيه: # قال عامة العلماء: إنه ليس بشرط لانعقاد الإجماع ولا شرط كونه حجة، حتى ~~إن أهل العصر إذا أجمعوا على حكم حادثة قولا، أو وجد القول من البعض ~~والسكوت من (¬4) الباقين من غير تقية (¬5) ومضت (¬6) مدة التأمل، لا يحل ~~لواحد (¬7) من أهل هذا العصر أن يرجع عن قوله. وكذا لا يحل لأحد من أهل ~~(¬8) العصر الثاني أن يخالفهم في ذلك. PageV01P500 # وقال بعضهم، وقيل إنه قول الشافعي رحمه الله: إن انقراض العصر شرط (¬1) ~~لانعقاد الإجماع، حتى يحل لواحد منهم أن يرجع قبل موت الباقين، ولكن لا يحل ~~لأحد من أهل (¬2) العصر الثاني أن يخالفهم لوجود شرطه، وهو انقراض العصر الأول. # وجه قول من خالف: # - ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يرى التسوية في قسمة الغنيمة ~~(¬3)، ولم يفضل من كان أسبق إسلاما وأقدم عهدا، ولا من كان له فضيلة من ~~العام وغيره، ولم يخالفه أحد في ذلك ms232 من الصحابة رضي الله عنهم. ثم لما صار ~~الأمر إلى عمر رضي الله عنه خالفه فيه وفضل في القسم (¬4) لفضل السبق في ~~الإسلام (¬5) والفضل في (¬6) العلم، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله ~~عنهم، لأن الإجماع، وإن وجد منهم في زمن أبي بكر رضي الله عنه، لكن عصر ~~الصحابة لم ينقرض بعد، لبقاء كثير من المجمعين، فيحل له المخالفة، ولا (¬7) ~~ينعقد ذلك الإجماع حجة. # ولما روي عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن بيع أمهات الأولاد (¬8) فقال: ~~كان رأيي ورأي أبي بكر (¬9) ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت PageV01P501 # بيعهن، فقال له عبيدة السلماني رضي الله عنه (¬1): رأيك مع الجماعة أحب ~~إلي من رأيك وحدك. فكان قول عبيدة دليلا على أن الإجماع وقد سبق بذلك، إلا ~~أنه لما (¬2) لم ينقرض العصر وظهر (¬3) رأي علي رضي الله عنه بخلاف ما ~~أجمعوا، جوز (¬4) خلافهم - فدل أنه لابد من انقراض العصر لتحريم المخالفة. # - والمعنى فيه وجهان (¬5): # أحدهما - أن الإجماع لا ينعقد بدون الانقراض، لأن الإجماع إنما يكون حجة ~~في موضع لا نص [فيه] من حيث الظاهر. فأما في موضع فيه نص ظاهر قاطع فلا ~~حاجة إليه، مع أن الكلام في هذا وقع، فلابد من زمان مديد حتى يظفروا بحديث ~~(¬6) كان ورد في حادثة لا تحتمل الانتشار والاشتهار، وصاحب الحادثة في (¬7) ~~البو ادي فلم يشتهر في الصحابة. أو إن كان لا توقيف وتمس (¬8) الحاجة إلى ~~الاجتهاد ليقف (¬9) على علة الحكم في الأصول (¬10)، فلا بد من مدة معتبرة، ~~ولهذا كان عبد الله بن مسعود PageV01P502 # رضي الله عنه يجتهد في مسألة المفوضة (¬1) شهرا. وإذا كان هكذا فيجب أن ~~يكون زمان التأمل وطلب الحديث مقدرا بانقراض العصر، إذ المجتهد يخطئ ويصيب، ~~وقد يرجع (¬2) عما هو صواب عنده إلى ما هو خلافه، فيكون العصر مدة التأمل ~~والنظر، فيظهر له أنه (¬3) صواب أو (¬4) خطأ، لقيام الاحتمال. فأما بعد ~~انقراض العصر، وهو بعد (¬5) موت جميع المجمعين لا يبقى الاحتمل، فبنعقد ~~الآن حقيقة، وهو عند الانقراض، وإن كان الإجماع ms233 قبله ثابتا من حيث الظاهر. # والثاني - أن الإجماع وإن وجد، ولكن (¬6) لا يكون حجة قبل انقراض العصر، ~~لأن في الابتداء: ما لم يوجد الاجتماع من الكل، لا يكون حجة، فكذا في حالة ~~البقاء: ما لم يوجد الاجتماع من الكل، لا يبقى إجماعا، لأن إجماع الأمة ~~إنما صارحجة بطريق الكرامة (¬7)، لوجو د وصف الاجتماع منهم، لأنهم (¬8) ~~إنما استحقوا الكرامة بوصف الاجتماع، فإذا وقع الخلاف في العصر ورجع البعض ~~لم يبق وصف الاجتماع، فلا يبقى استحقاق الكرامة، فلا يبقى حجة. فإذا (¬9) ~~وجد انقراض العصر، يبقى (¬10) الاجتماع، لعدم تصور الرجوع بعد الموت، ولهذا ~~(¬11) صار انقراض العصر شرطا. PageV01P503 # أما عامة العلماء (¬1) رحمهم الله-[فقد] احتجوا: # - بالدلائل الواردة في باب الإجماع، من غير فصل بين انقراض عصرهم وعدمه. ~~فمن قيدها بشرط الانقراض، فقد زاد على النصوص وقيدها، فيجب العمل بالإطلاق، ~~ما لم يثبت القيد بدليل زائد يصلح معارضا للدلائل المطلقة. # - ولأن انقراض العصر إما أن يجعل شرطا لانعقاد الإجماع، أو شرطا لكونه حجة: # • والأول - باطل، لأن الخلاف (¬2) فيما إذا وجد الخبر من كل واحد من أهل ~~العصر صريحا: أنه معتقد (¬3) لهذا القول غير متوقف فيه ولا شاك، والإنسان ~~العاقل المجتهد يعلم المفارقة بين حال التأمل والتوقف والشك وبين حال العام ~~بالشيء قطعا، والإخبار عن نفسه أنه معتقد للشيء عالم به، خلاف الإخبار أنه ~~متأمل متوقف شاك، وليس شرط العلم بالشيء قطعا هو انقراض العصر لا محالة، بل ~~إذا تحقق العلم عنده بالتأمل والنظر في مدة يسيرة (¬4)، فلا (¬5) يشترط ~~الزيادة - فدل أن شرط انقراض االعصر (¬6)، لانعقا د الإجماع، باطل. # • والثاني - باطل أيضا (¬7)، لأنه متى ثبت وجود الإجماع منهم، يصير (¬8) ~~حجة قاطعة لا يجوز الرجوع عنه ولا المخالفة له. لأنه لو جاز وجود الإجماع ~~التام في زمان ولا يكون حجة، جاز وجوده أبدا. وهذا لأنه إنما صار حجة، لأنه ~~لا يجوز أن يكون الأمة كلهم على الخطأ. ولو جاز وجود PageV01P504 # الإجماع في مدة، وهم على الخطأ، جاز كذلك أبدا. # وإذا بطل الوجهان جميعا (¬1) انتفى أن يكون انقراض العصر ms234 شرطا. # - أما الجواب عن تعلقهم بحديث أبي بكر رضي الله عنه فنقول: لا حجة فيه، ~~فإنه روي أن عمر رضي الله عنه خالفه في زمانه وناظره في ذلك وقال له (¬2): ~~أتجعل من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه طوعا (¬3) كمن دخل في الإسلام كرها ~~- فقال له أبو بكر رضي الله عنه: إنما عملوا لله تعالى، فأجرهم على الله ~~تعالى، وإنما الدنيا بلاع، أي بلغة (¬4) العيش، وهم في الحاجة إلى ذلك ~~سواء. ولم يثبت عن عمر رضي الله عنه أنه رجع عن قوله (¬5) إلى قول أبي بكر ~~رضي الله عنه، فلم ينعقد (¬6) الإجماع دون رأيه. وإذا كان كذلك يحتمل أنه ~~كان على رأيه في التفضيل في زمن أبي بكر رضي الله عنه ولم يرجع عن قوله، ~~فلما آل الأمر إليه عمل بقوله، لكونه إماما، كما كان أبو بكر عمل برأيه في ~~حال إمامته (¬7). وإذا احتمل هذا واحتمل الرجوع أيضا: فلا يثبت الإجماع مع ~~الاحتمال. # وأما حديث علي رضي الله عنه: فلا نسلم (¬8) أنه خالف بعد وجود الإجماع من ~~الصحابة رضي الله عنهم على حرمة بيع أمهات الأولاد (¬9) - PageV01P505 # فإن (¬1) المروي عنه (¬2) أنه قال (¬3): وافق رأيي رأي (¬4) عمر، فيجوز ~~أن يكون قول غيرهما من الصحابة بخلاف قولهما، كيف وقد روى عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنه أنه كان يرى في زمن عمر رضي الله عنه جواز (¬5) بيعهن، ~~ولا ينعقد الإجماع بدون قول جابر. وإذا لم يكن في المسألة إجماع، فيكون ~~رجوع علي رضي الله عنه عن مسألة اجتهادية، ولكل مجتهد أن يرجع عن قوله إلى ~~قول رأى الصواب فيه، لا أن رجوعه لأن العصر لم ينقرض، فبطل التعلق به. # وأما قول عبيدة: رأيك مع الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك (¬6) - دليل، على ~~أن مع عمر رضي الله عنه جماعة من الصحابة، لا أن معه جميع الصحابة، فإن ~~الجماعة اسم للطائفة من الناس لا للكل، إلا أنه أحب واختار أن يكون قول على ~~رضي الله عنه منضما إلى قول عمر رضي الله ms235 عنه، لأنه كان يرى (¬7) ترجيح قول ~~الأكثر على قول الأقل، وعاب رضى الله عنه لا يرى الترجيح بالكثرة بل بقوة ~~الدليل - والله أعلم. # - وخرج الجواب عن قولهم إنه لابد من زمان التأمل فيكون العصر مدة التأمل، ~~لأن الكلام في في إذا مضت مدة التأمل ثلاثة أيام أو شهر ونحو ذلك، فيكون ~~اشتراط انقراض العصر بلا حاجة، فيكون فاسدا. # - وقد خرج الجواب عن الثاتي على ما مر (¬8) - والله أعلم. PageV01P506 # مسألة - الخلاف المتقرر (¬1) بين أهل الاجتهاد في العصر الأول - هل يمنع ~~انعقاد الإجماع في العصر الثاني بعده (¬2)؟ وهل يكون خلو الخلاف شرطا للصحة؟ # فعلى قول أصحابنا رحمهم الله: لا يمنع. # وعلى قول عامة أصحاب الحديث من الفقهاء والمتكلمين: يمنع. وتبقى المسألة ~~اجتهادية أبدا. # فعلى قولهم: يشترط أن لا يقع هذه الحادثة في العصر الأول، أو أجاب واحد ~~في حادثة لا يحتمل الاشتهار ولم يثبت من غيره خلاف أو وفاق. # وقال بعض مشايخنا بأن هذه المسألة مختلفة بين أصحابنا: # [ف] عند أبي حنيفة رحمة الله عليه: يكون مانعا. # وعند صاحبيه: لا يكون مانعا (¬3). PageV01P507 # وبنوا على مسألة جواز بيع أمهات الأولاد: # فإن محمدا رحمه الله ذكر في الكتاب أن القاضي إذا قضى ببيع أمهات ~~الأولاد، ينقض (¬1) قضاؤه. # وروى الكرخي عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه قال: لا ينقض (¬2) قضاؤه. # وكانت مسألة بيع أمهات الأولاد (¬3) مختلفة بين الصحابة: فعند علي وجابر ~~رضي الله عنهما وغيرهما: يجوز. وعند عمر وبعض الصحابة رضي الله عنهم: لا ~~يجوز. ثم اتفق العصر الثاني لها أنه لا يجوز. # فعلى رواية الكرخي رحمه الله: لا ينقض قضاء القاضي، لأنه قضى في فصل ~~مختلف فيه، وأن (¬4) ذلك الإجماع لا يصح، ويبقي المسألة مجتهدا فيها. # وعلى رواية محمد رحمه الله: ينقض، لأنه قضى في فصل مجمع عليه، للأن ~~الإجماع في العصر الثاني صحيح، مع سبق الاختلاف في العصر الأول، فلا يبقي ~~المسألة اجتهادية، وقضاء القاضي على خلاف الإجماع لا يصح، فينقض قضاؤه. # وجه قولهم: إن المخالف لو كان حيا، وهو على رأيه، لم ms236 يصح الإجماع على ~~مخالفته. فكذا إذا كان ميتا وقد مات على رأيه. والمعنى الجامع بينهما أن ~~المانع حال حياته هو دليله وحجته، لا عينه، وحجته (¬5) بعد موته قائمة، PageV01P508 # لأن حكم الموت، وقد مات على رأيه (¬1)، إنما يظهر في حق نفسه، لا في ~~مذهبه ودليله، فجعل حيا حكما، فصار كأنه حي حقيقة. ولأن في انعقاد الإجماع، ~~بعد سبق خلاف الصحابة، قولا بتضليل بعض الصحابة، لأنه يخرج (¬2) من أن يكون ~~مجتهدا، ويصير قوله خطأ بيقين، وقد اعتقده حقا (¬3)، واعتقاد الخطأ حقا من ~~باب (¬4) الضلال، وهو (¬5) قول وحش (¬6) في حق الصحابة. وفيما قلنا: إنه لا ~~ينعقد الإجماع وبقيت المسألة اجتهادية، لا يؤدي إلى تضليل الصحابة، لأن ~~المجتهد يخطئ ويصيب، فلا يتبين خطأ بعض الصحابة بيقين، فكان ما (¬7) قلنا ~~أولى. والحكم المجمع عليه (¬8) يدل عليه: وهو أن من قال لامرأته "أنت بائن" ~~ونوى به الطلاق، ثم وطئها بعد ذلك، مع العلم بحالها، فإنه لا يجب الحد، لأن ~~المسألة مختلفين بين الصحابة رضي الله عنهم: فعند (¬9) بعضهم يكون طلاقا ~~رجعيا وإنه لا يحرم الوطء. وعند بعضهم يكون طلاقا بائنا (¬10) وإنه يحرم ~~الوطء. ثم في عصر (¬11) الشافعي أخذ هو (¬12) بقول من قال إنه طلاق رجعي ~~ولكن قال إنه يحرم الوطء. فهم اتفقوا على أن هذا الوطء حرام: أما عندنا ~~فلأنه طلاق بائن، وعنده، وإن كان طلاقا رجعيا، ولكن الوطء PageV01P509 # حرام (¬1). ولو كان الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم لكان لا يورث ~~شبهة، فينبغي أن يجب الحد، ولما لم يجب (¬2)، دل أن الإجماع في العصر ~~التالي بعد وجود الخلاف في العصر الأول، ليس بإجماع ولا حجة، فتكون المسألة ~~اجتهادية، فيصير خلاف العلماء شبهة في درء الحد - والله أعلم (¬3). # ولأصحابنا رحمهم الله أن الدلائل التي عرفنا بها كون الإجماع حجة مطلقة ~~لا توجب الفصل بين إجماع سبقه الخلاف وبين إجماع لم يسبقه، [و] من ادعى ~~القيد فعليه الدليل. ولأنه (¬4) لو جاز وجود الإجماع من التابعين جملة وخرج ~~الحق عن جملتهم لجاز خروج الحق عن القرون الأخر بعدهم، فيؤدي إلى ms237 جواز بقاء ~~الأمة على الضلال أبدا (¬5)، وإنه خلاف النص والمعقول، على ما تبين. ولأن ~~الصحابة اتفقوا على أنه لا يجوز للتابعين (¬6) أن يقدموا الواحد (¬7) من ~~الفريقين عينا، بل اتفقوا على وجوب الاجتهاد عليهم، في طلب الصواب في أحد ~~القولين، والطلب لأجل الإصابة، فكان هذا إجماعا منهم (¬8) على إصابة الحق، ~~فيما اختلفوا، عند الطلب. فمن قال إن إجماعهم لا يكون حجة، بعد ما طلبوا ~~وبذلوا مجهودهم في ذلك، ولا طريق أقوى في الإصابة من إجماعهم عليه، فقد ~~خالف إجماع الصحابة والتابعين جميعا. ولأنهم لما حرموا عليهم التقليد PageV01P510 # وأوجبوا عليهم الاجتهاد، فقد أقاموهم مقام انفسهم في حرمة التقليد ووجوب ~~الاجتهاد (¬1). ثم هم متى أجمعوا، فيما اختلفوا فيه (¬2)، على أحد القولين ~~المختلف فيهما، يصح إجماعهم ويكون حجة، فكذلك (¬3) إجماع من يقوم مقامهم ~~ومثل حالهم. والمعنى الجامع بينهما أن وجوب الاجتهاد ليس لعينه بل لإصابة ~~الحق، واجتماع الكل طريق إصابة الحق. ولأنهم لما أجمعوا على وجوب الاجتهاد ~~عليهم، [ف] لإصابة الحق فيما اختلفوا فيه (¬4). وإذا أجمعوا علي ذلك لم ~~(¬5) يكونوا كل مصيبين للحق، ولا طريق للإصابة سوى هذا، فإن في اجتماع ~~الآراء (¬6) رأي كل واحد منهم موجود لو انفرد، فه كون هذا إجماعا منهم على ~~أن الله تعالى كلفهم ما ليس في وسعهم، وهو خلاف الشرع والعقل (¬7). # قولهم: لو كان المخالف حيا لا يكون إجماعا، فكذا إذا كان ميتا - فهذا جمع ~~من غير علة. # قولهم: إنما لا يكون إجماعا لا لعينه، ولكن لدليله، وهو قائم في زمن ~~التابعين - فهذا ممنوع؛ إن دليله قائم (¬8)، فإن بإجماع التابعين على ~~أحدهما، يتبين (¬9) أن الآخر ما (¬10) كان حقا، وما هو دليل عنده، بل (¬11) ~~كان PageV01P511 # شبهة وليس بدليل (¬1)، لأن الدليل لا يظهر خطؤه أبدا، بل يتقرر بمضي الز ~~مان، فأما الشهبهة، [ف] تز ول وقد قام الدليل على البطلان، فيكون دليلا على ~~أنه شبهة. # قولهم: فية تضليل بعض (¬2) الصحابة - ليس كذلك، بل في (¬3) هذا تخطئتهم ~~من حيث وجوب (¬4) العمل، والتخطئة من حيث الاعتقاد تضليل، فأما (¬5) من حيث ~~وجوب (¬6) العمل ms238 فليس بتضليل، إذ الضلال هو الخطأ من حيث الاعتقاد. فأما من ~~حيث وجوب (¬7) العمل فهو خطأ معذور فيه. وبيان ذلك من وجهين: # أحدهما - أن المجتهد في الشرعيات يجب عليه العمل باجتهاده. أما لا يجب ~~عليه الاعتقاد بحقية (¬8) قوله على اليقين (¬9) بل من حيث الغالب، وإنما ~~عليه وجوب الاعتقاد على الإبهام (¬10) أن ما أراد الله تعالى، مما اختلفنا ~~فيه، حق. وإذا لم يعتقد حقية مذهبه بطريق القطع، [ف] كيف يكون ضلالا حتى ~~يكون تخطئته تضليلا؟ ولأن التضليل والضلال (¬11) إنما يتحقق في الأحكام ~~العقلية، لأن المعتقد إما أن يكون واجب الوجود أو مستحيل الثبوت، فمتى أخطأ ~~فقد اعتقد ما هو واجب الوجود مستحيل الثبوت، فيكون ضلالا (¬12). PageV01P512 # واختلاف الصحابة في الشرعيات، وصانهم الله تعالى عن الاختلاف في ~~العقليات، حتى لا (¬1) ينسبوا إلى الضلال والبدعة، فأما الشرعيات فمن جملة ~~الممكنات العقلية بحيث لو جاء الشرع (¬2) على خلاف ما جاء به العقل، لكان ~~(¬3) جائزا ولم يكل مستحيلا. فالخلاف فيه ليس من باب التضليل (¬4)، فلا ~~يكون التخطئة فيه (¬5) من باب التضليل (¬6). وهذا لأن الجهل بها مما لا ~~يضر، إذا لم يتضمن ذلك تكذيب الرسول عليه السلام، بأن أنكر ما ثبت ~~بالتواتر، حتى يحكم بكفره. فأما بإنكار (¬7) ما هو ثابت قطعا من الشرعيات، ~~بأن علم بالإجماع أو الخبر (¬8) المشهور، فالصحيح من المذهب أنه لا يكفر، ~~لأن عنده أن فيه شبهة (¬9). فإذا كان نفس الإنكار في الشرعيات، إذا لم ~~يتضمن تكذيب الرسول عليه السلام، لا يوجب الكفر، فالخطأ فيه كيف يكون كفرا؟ ~~- فهو (¬10) الفرق بين الأمرين. # وبعض مشايخنا أجاب عن هذا وقال (¬11): إن دليل الصحابي قائم، وحقية قوله ~~ثابتة (¬12) إلى وقت وجود إجماع التابعين، فينتهي الحكم الأول PageV01P513 # بوجود الثاني، كما في حكم (¬1) الكتاب وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلا يؤدي إلى الضلال، ولكن هذا ضعيف، لأن النسخ لا يرد في حكم ثابت ~~بالإجماع (¬2)، ولا في حكم ثابت بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل ~~بموته صلى الله عليه وسلم خرجت (¬3) إلأحكام عن احتمال النسخ، لأنه لا ms239 وحي ~~(¬4) بعده ينزل ويحدث، على ما يعرف بطريق الاستقصاء في الشرح إن شاء الله ~~تعالى (¬5). # وأما مسألة الكنايات - فنقول: الخلاف بين الصحابة: أنها بوائن أم رواجع؟ # ومن قال إنها رواجع قال: يحل الوطء. # ومن قال إنها (¬6) بوائن قال (¬7): لا يحل الوطء. # والشافعي رجح قول من قال إنها رواجع. # ومخش رجحنا قول الآخرين. # ثم الشافعي قال بأن الطلاق الرجعي يحرم الوطء. # نحن نقول إنه لا يحرم الوطء (¬8). # فلم يوجد الإجماع على أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، حتى يرتفع الخلاف، بل ~~نقول: الطلاق البائن يحرم الوطء، وهذا حكم مسألة أخرى. فلم يكن الإجماع ~~(¬9) إجماعا فيما اختلفوا فيه، فبقيت المسألة مجتهدا فيه، كما كانت، فلهذا ~~(¬10) لا يجب الحد - والله أعلم. PageV01P514 ### |||| AUTO [5] # فصل في: بيان طريق وجود الإجماع # فنقول: # لوجود الإجماع طرق ثلاثة: # أحدها - الاجتماع على قول واحد، بجهة واحدة - بأن يقول جميع أهل الاجتهاد ~~جواب المسألة على وجه واحد من الجواز أو الفساد أو الحل أو الحرمة. # والثاني - الاجتماع على فعل واحد، نحو أن يفعلوا بأجمعهم فعلا واحدا. # والثالث - أن يوجد الرضا من جميع أهل الاجتهاد على حكم من أمور الدين. ~~وذلك بطريقين: # - يكون إكل بالإخبار عن الرضا بذلك طوعا، إذ هو أمر باطن لا يعرف إلا ~~بسبب ظاهر دال عليه، وهو الخبر عنه طوعا. # - وإما بانتشار قول واشتهاره فيهم ولم يوجد، ممن هو بسبيل من ذلك، الرد ~~والإنكار فيه. وذلك في غير حال التقية، وبعد مضي مدة التأمل (¬1) - لأن ~~إظهار الرضا في حال التقية وترك النكير (¬2) والرد، أمر معتاد، بل هو (¬3) ~~أمر مشروع رخصة، فلا يدل ذلك على الرضا - فلهذا شرطنا، مع السكوت وترك (¬4) ~~الإنكار، زوال التقية. وكذلك السكوت والامتناع عن الرد قبل مضي مدة التأمل، ~~حلال شرعا، فلا يدل على الرضا (¬5). PageV01P515 # ثم قد يتحقق، في كل مسألة واحدة، الإجماع بهذه الطرق كلها (¬1). وقد يكون ~~ببعض هذه الطرق. وقد يكون بطريق واحد. # ثم لا خلاف في وجود الإجماع وانعقاده بالقول والفعل والرضا بطريق الخبر. # فأما الرضا (¬2) بالسكوت بعد انتشار الخبر واشتهاره مع ms240 زوال التقية ومضي ~~مدة التأمل (¬3) - هل يكون إجماعا، سواء كان في عصر الصحابة أو في كل عصر؟ ~~ينظر: إما إن كانت المسألة من مسائل الاجتهاد أو لم تكن: # - فإن لم تكن كل من المسائل الاجتهادية (¬4)، بل من العقليات المبنية على ~~الدليل القطعي فلا يخلو: إما إن كان عليهم في معرفتها تكليف، أو ليس عليهم ~~في معرفتها تكليف: # • فإن لم يكن في معرفتها تكليف، نحو أن يقال: إن أبا هريرة رضي الله عنه ~~أفضل أم أنس بن مالك رضي الله عنه، ونحوها: فإنه إذا وجد من واحد قول، ~~واشتهر ذلك فيما بين العلماء، ولم يرد الإنكار منهم صريحا، فإن السكوت وترك ~~الرد لا يكون إجماعا ولا دلالة الرضا بذلك القول المنتشر، لأنه لا تكليف ~~عليهم في معرفة ذلك، فلا يلزمهم النظر: إن ذلك منكر أم لا، وإنما يلزمهم ~~الإنكار إذا علموا أن ذلك منكر. فإذا (¬5) لم يلزمهم النظر في كونه منكرا ~~(¬6)، جاز أن لا ينظروا، فلا يحصل لهم العلم بكونه منكرا، PageV01P516 # فلا يلزمهم إنكاره. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبعد أن يتركوا إنكار ما لم ~~يثبت كونه منكرا عندهم، فلا يكون سكوتهم عن الرد والإنكار دليل الرضا (¬1). # • فأما إذا كان في معرفة حكم الحادثة تكليف عليهم، وانتشر قول البعض في ~~الجواب، وسكت الباقون ولم يردوا عليهم، يكون سكوتهم تصويبا ورضا كل منهم ~~(¬2) بذلك الحكم. لأنه لو كان خطأ، لكانوا (¬3) قد أجمعوا على ترك ما يجب ~~عليهم من إنكار المنكر، والله تعالى مدح أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشهد لهم بذلك، فلا يجوز ترك النهي عن من ~~جماعتهم، فيؤدي إلى الخلف في خبره وشهادته، تعالى الله (¬4) عن ذلك. ولأنه ~~إذا كان خطأ ولم يردوا، فقد وجد الاجتماع على الخطأ والضلال، والنبي عليه ~~السلام قال: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (¬5) - على ما تقرر في مسألة حكم ~~الإجماع. # - و (¬6) أما إذا كانت المسألة اجىتهادية، بأن (¬7) كانت في الفروع، التي ~~هي من باب العمل دون الاعتقاد: # • فعلى قول أهل ms241 السنة والجماعة (¬8) ومن قال إن المجتهد يخطئ ويصيب في ~~الفروع - فالجواب (¬9) فيها والجواب في المسألة الاعتقادية سواء، لأن الحق ~~إذا كان واحدا، لو لم يكن (¬10) القول المنتشر (¬11) من البعض فيهم PageV01P517 # حقا، يكون خطأ، فلا يحل لهم السكوت وترك الإنكار، فيكون السكوت دليل ~~الرضا والتصويب ضرورة. # • وأما على قول من قال إن كل مجتهد مصيب، اختلفوا فيه (¬1): # - فقال أبو علي الجبائي: يكون إجماعا إذا انتشر القول فيهم (¬2) ثم انقرض ~~العصر. وهو (¬3) مثل قولنا، إلا أنه جعل مدة التأمل انقراض العصر، وعندنا ~~بخلافه - على ما مر. # وقال ابنه أبو هاشم (¬4) بأنه لا يكون إجماعا، ولكنه يكون حجة. # وقال أبو عبد الله: لا يكون إجماعا ولا يكون حجة (¬5). # وروي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول لا ~~أعلم فيه خلافا، تحرزا عن احتمال الخلاف احتياطا. # وجه قول من قال إنه ليس بإجماع - ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه شاور ~~الصحابة في فضل بقي من الغنائم بعد القسمة: أنه قسم بينهم أو أمسكها لنائبة ~~حدثت في ثاني الحال (¬6)، فأشار القوم إلى الإمساك، وكان علي رضي الله عنه ~~فيهم وهو ساكت فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: قد تكلم القوم، فقال عمر ~~رضي الله عنه: "لتكلمن أنت" فقال: بالقسمة، وروي في ذلك خبرا عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولو كان السكوت حجة لما كلفه PageV01P518 # بالتكلم مع سكوته (¬1). وروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان ~~لا يرى العول في الفرائض وكان (¬2) يتكام فيه، فقيل له: ألا تذكر مع عمر ~~رضي الله عنه، فقال: "منعتني (¬3) درته" وفي رواية: "خوفا من درته"- دل أن ~~السكوت لا يكون حجة. # والمعنى في المسألة وهو أن السكوت محتمل في نفسه (¬4): # - يحتمل أن يكون السكوت تقية وخوفا، كما روينا عن ابن عباس رضي الله عنهما. # - ويحتمل أن يكون السكوت من البعض، لأنهم لم يتأملوا في المسألة لكونهم ~~مشغولين بالجهاد (¬5) أو سياسة الرعية. ولو تأملوا ربما يكون الجواب (¬6) ~~عندهم بخلافه. ولأنه ms242 يجوز أن يكون المذهب عند بعض الساكتين أن المجتهد في ~~الفروع مصيب على كل حال، في كون القول المنتشر (¬7) صوابا عنده في حق أولئك ~~المجتهدين، فلا (¬8) يجب عليه الرد، كما أن الإمام أو (¬9) القاضي PageV01P519 # إذا قضى في مسألة مجتهد فيها برأي واحد منهم وسكت المخالفون، لا يكون ~~سكوتهم دليل الرضا والإجماع، لأنه يجوز لهم السكوت في هذا الوضع، لإجماع ~~الأمة أن قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه جائز. # - ويحتمل [أنه] إنما (¬1) سكت، مع أن رأيه بخلافه، لكون (¬2) المخالف ~~أكبر سنا منه وأعظم حرمة وأقوى في الاجتهاد وأعلم منه، وإن كان هو من أهل ~~الاجتهاد فلم يعارضه بالرد والإنكار احتراما له، أو أخذ بقوله اتهاما (¬3) ~~لرأي نفسه بقابلته فلم يجتهد - وهذا (¬4) وإن كان جائزا عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف رحمها الله، فعند محمد رحمة الله عليه: لا يجوز، وعليه أن يجتهد وإن ~~كان أصغر سنا منه، إذا كان من أهل الاجتهاد. وربما يجتهد فيكون قوله مخالفا ~~لقولهم، فلا ينعقد الإجماع على قول محمد رحمة الله عليه. # - ويحتمل أيضا أن الخلاف وجد من البعض، لكن لم ينقل إلينا لكونه أصغرهم ~~وظهر قول الأكابر. # وإذا احتمل هذه الوجوه، فلا يكون حجة. # وأبو هاشم يقول: مع أن هذا ليس بإجماع، لما ذكروا، فالعلماء (¬5) يحتجون ~~بالقول المنتشر في كل عصر إذا لم يعرف له مخالف. وإجماع الأمة حجة، فعرفنا ~~بإجماعهم على الاحتجاج بمثل هذا، على أنه حجة، وإن لم يكن إجماعا، كا أجمع ~~السلف على الاحتجاج بخبر الواحد فيكون حجة، وإن لم يثبت كونه خبر الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - قطعا. PageV01P520 # وجه قول من قال إنه إجماع - دلالة إجماع أهل اللسان، والمعقول: # - أما الأول، فلأن أسماء الأجناس والأنواع والأعيان بلغت (¬1) إلينا من ~~أهل اللغة (¬2) بالقول المنتشر والسكوت من الباقين، لا بالنطق من واحد منهم ~~(¬3) حقيقة، وهو اسم الإنسان لبني آدم، واسم الحيوان لكل ذي روح، واسم ~~الإبل والبقر والغنم، وكذا هذا العين لحم، وهذا خبز، وهذا ماء، وهذا نار - ~~فمن شرط النطق من واحد وأنكر ms243 الإجماع بالاستفاضة وسكوت الباقين، فقد أنكر ~~كونه إنسانا وحيوانا، ويجب أن يتحرج (¬4) في تسمية اللحم والخبز والماء لما ~~أنه لم يسمعه من أحد (¬5) نطقا. وهذا مما يرده العقلاء كلهم. فكان هذا ~~إجماعا منهم على أن الإجماع من حيث القول في الأحكام ليس بشرط ضرورة. # - وأما المعقول فهو (¬6) أن القول المنتشر (¬7)، مع السكوت من الباقين، ~~إجماع صحيح في الحكم الذي يرجع إلى الاعتقاد، فكذا في الشرعيات، لمعنى جامع ~~بينهما، وهو أن الحق واحد. فإذا كان عنده أن القول المنتشر خطأ، [ف] لا يحل ~~له السكوت وترك الرد، فكذا في الفروع. # هذا على قولنا (¬8). # فأما على قول من قال إن مجتهد مصيب، [ف] يجب أن يكون كذلك، لأنه وإن كان ~~عندهم أن كل مجتهد مصيب فيما أدى إليه اجتهاده، ولكن مع هذا (¬9) PageV01P521 # لا يرضي كل مجتهد بقول صاحبه قولا لنفسه، بل اعتقد فيه خلافه، ويدعو ~~الناس إلى معتقده ويناظر مع (¬1) خصمه. [ف] لو لم يكن ذلك اعتقادهم وقولهم ~~لظهر خلافهم، وانتشر إذا لم يكن عن تقية. وإذا كان لهم خوف وتقية عن ~~الإظهار، لظهر (¬2) سبب التقية لا محالة، ولما لم يظهر سبب التقية ولا ~~الخلاف منهم لذلك القول (¬3) المنتشر، دل أنهم رضوا بذلك قولا لهم. # والجواب عن كلماتهم: # - فلا حجة في حديث عمر وعلي رضي الله عنهما. فإنه يحتمل (¬4) أنما سكت ~~علي رضي الله عنه للتأمل، ولا بد للتأمل من زمان، وأدناه إلى آخر المجلس. ~~ويحتمل ما قلتم. فلا يكون حجة. ولأن ذلك (¬5) من باب الفاضل والأفضل، لا ~~(¬6) من باب الجواز والفساد والحل والحرمة، والسكوت (¬7) في مثله جائز في ~~الجملة باعتبار الحال، ولا كلام فيه، إنما الخلاف في الباب الذي لا يجوز ~~السكوت عنه بحال إذا كان الأمر بخلافه. # - وأما حديث ابن عباس رضي الله عنه فهو (¬8) مؤول لأن عمر رضي الله عنه ~~كان ألين لقبول الحق من غيره، فكيف يخاف (¬9) من عمر رضي الله عنه في إظهار ~~الحق- ألا يرى أنه خالف ممر رضي الله عنه في مسائل أخر ولم ينهه عن ms244 (¬10) ~~ذلك، بل روي عنه أنه قال له: "غص يا غواص". PageV01P522 ### |||| CHECK [6] فصل في: بيان السبب الداعي إلى الإجماع الحامل عليه # وتأويله أنه سكت عن المعارضة معه (¬1) احتراما له (¬2) لكبر سنه وكثرة ~~علمه، والسكوت عن العارضة في مثل هذا، مع إظهار الخلاف في الجملة، جائز بل ~~هو المستحب. # - وما ذكروا من وجوه الاحتمال فيدخل في مطلق السكوت وترك الإنكار، ولكن ~~لا يحتمل في موضع الخلاف، لأن الكلام فيما إذا مضت مدة التأمل، حتى شرط ~~بعضهم انقراض العصر لمضي (¬3) مدة التأمل. وكذا في غير موضع التقية والخوف. ~~وكذا في موضع عم به البلوى فلا يتصور أن لا يشتهر فيه الخلاف، فأما في ~~حادثة لم تعم (¬4) بها البلوى فلا - والله أعلم. # [6] # فصل في: بيان (¬5) السبب الداعي إلى الإجماع الحامل عليه # قال عامة العلماء من الفقهاء والمتكلمين: إن الإجماع لا ينعقد إلا عن ~~دليل قطعي، كالكتاب (¬6) والخبر المتواتر. أو عن دليل راجح فيه شبهة العدم، ~~نظير (¬7) خبر الواحد والقياس ونحوهما. فأما (¬8) لا ينعقد عن (¬9) غير ~~دليل ظاهر في نفسه من (¬10) إلهام وتقليد وميل الطباع. # وقال بعضهم: بأنه ينعقد عن توفيق، بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب ~~ويلهمهم إلى (¬11) الرشد، بأن يخلق فيهم علما ضروريا بذلك. PageV01P523 # وقال عامة أصحاب الظواهر والقاشاني (¬1) من المعتزلة: بأنه لا ينعقد إلا ~~عن دليل قطعي، فأما لا ينعقد بخبر الواحد والقياس. # وقال بعض أصحاب الظواهر: بأنه ينعقد عن خبر الواحد دون الاجتهاد بالرأي. # وقال بعض مشايخنا: بأن الإجماع لا ينعقد إلا عن خبر الواحد والقياس. فأما ~~في موضع الكتاب (¬2) والخبر المتواتر: الحكم ثابت بهما، فلا حاجة إلى ~~الإجماع. # وجه قول من قال إنه ينعقد الإجماع عن توفيق وإلهام - أن الإلهام وخلق ~~الله تعالى العلم لي بطريق الضرورة من جملة الجائزات، إلا أن في حق الواحد ~~الاحتمال ثابت وترجح جانب العدم باعتبار العادة - ألا ترى أنه حجة في حق ~~رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لارتفاع الاحتمال. وإذا اجتمعوا على ذلك - ~~وقد قامت (¬3) الدلائل السمعية (¬4) على كون الإجماع حجة، وأن (¬5) الأمة ~~لا ms245 تجتمع على الخطأ - علم أنهم ألهموا بذلك ووقفوا (¬6) عليه - ألا ترى أنه ~~ينعقد بالقياس وخبر الواحد، وهو دليل محتمل أيضا، لكن ترجح جانب الثبوت، ثم ~~يزول الاحتمال بالإجماع (¬7) - فكذا (¬8) هذا. PageV01P524 # وجه قول أصحاب الظواهر، وهو أنه قام (¬1) الدليل عندنا أن القياس وخبر ~~الواحد ليسد بحجة، فكان مدار الإجماع على ما ليس بحجة، فلا يكون حجة، ~~لاتفاقنا أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل، و (¬2) لا ينعقد بالإلهام ~~والتقليد، فيكون الإجماع بناء على هذا الأصل، ويرجع (¬3) الكلام إليه. ولأن ~~الإجماع (¬4) الذي هو حجة هو إجماع جميع العلماء، بالدلائل السمعية. ونحن ~~لا نوافقكم في الإجماع بالقياس وخبر الواحد، فكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة ~~البعض؟ (¬5). # ووجه قول من فرق بين الاجتهاد وخبر الواحد، وهو أن الناس خلقوا على همم ~~متفاوتة وآراء مختلفة وأغراض متباينة، فلا يتصور اجتماعهم على شيء إلا لداع ~~دعاهم إليه، وجامع جمعهم عليه، وهو سماع (¬6) الحديث ممن التزموا (¬7) ~~طاعته، وانقادوا لحكمه. فتعين هذا طريقا للإجماع، وهو صالح. فأما الاجتهاد ~~بالرأي مع اختلاف الأراء والدواعي، فلا يصلح جامعا. # وجه قول من قال إن الإجماع لا يكون إلا عن قياس وخبر الواحد، وهو أنا ~~اتفقنا أن الإجماع حجة قطعا، ولو لم ينعقد الإجماع (¬8) إلا في موضع فيه ~~دليل قاطع، والحكم (¬9) به معلوم، فلا فائدة في انعقاد (¬10) الإجماع PageV01P525 # حجة، ولا يرد الشرع بما لا فائدة فيه للعباد، إذ الشرائع ما شرعت إلا ~~لمصلحة العباد وفائدتهم. ومع هذا ثبت بالدلائل السمعية كون الإجماع حجة ~~قطعا (¬1) - دل أن المراد منه هو الإجماع الذي ينعقد عن القياس وخبر ~~الواحد، لأن في انعقاده فائدة، وهو ثبوت الحكم قطعا، لأنه لا تيقن (¬2) في ~~ثبوت الحكم بهما (¬3). ولأن الإجماع إنما عرف حجة بطريق الكرامة لهذه ~~الأمة، لحاجتهم إلى ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء ~~عليهم السلام (¬4). ومتى وقعت حادثة ليس فيها نص قاطع وعملوا فيها (¬5) ~~بالاجتهاد، وهو محتمل للخطأ، وجاز أن يكونوا على الخطأ، كان قولا بخروج ~~(¬6) الحق عن جيمع الأمة، وإنه لا يجوز، وتمس الحاجة ms246 إلى تجديد الرسالة، ~~ولا وجه إليه، لإخبار الله تعالى بكون رسولنا خاتم الأنبياء، فصار الإجماع ~~حجة لهذه الحاجة - ألا ترى أن إجماع الأمم السالفة ليس بحجة، لما أنه لا ~~حاجة إليه، لوجود الدليل القاطع حال حياة رسلهم، وبعد وفاتهم تتجدد ~~الرسالة، ولهذا لا ينعقد الإجماع في حال حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-، لأنه لا حاجة. # وإذا ثبت هذا نقول: إن الحاجة في موضع القياس وخبر الواحد، دون موضع ~~الآية المفسرة والخبر المتواتر، لأنه لم يثبت الحكم قطعا في أحد الموضعين ~~وثبت (¬7) في الموضع الآخر، فينعقد في موضع الحاجة، لا في موضع لم تمس ~~الحاجة. PageV01P526 # وجه قول عامة العلماء، وهو أن الدلائل، التي توجب كون الإجماع حجة، لا ~~توجب الفصل بين ما إذا كان الداعي دليلا قاطعا أو دليلا ظاهرا مع الشبهة، ~~فكان اشتراط الدليل القطعي تقييدا لممطلق (¬1)، فلا يجوز من غير دليل. ~~ولأنما وجدنا وقوع الإجماع عن الرأي والاجتهاد، وهو معتبر بالإجماع، فيكون ~~حجة بالإجماع من الأمة، فلا يجوز القول بخلافه. # بيانه أن الصحابة أجمعوا على أن (¬2) حد الشرب ثمانون (¬3) جلدة،. ~~بالرأي، حين (¬4) قال علي رضي الله عنه: "من سكر هذى، وإذا (¬5) هذى افترى- ~~فأرى عليه حد المفترين"، وهذا رأي. وهذا الإجماع معتبر باتفاق الصحابة. ~~وكذا أجمعت الصحابة على إباحة قتال أهل الردة، وعلى إمامة أبي بكر رضي الله ~~عنه، وذلك إجماع عن رأي واجتهاد. حتى (¬6) قال أبو بكر رضي الله عنه: لا ~~أفرق بين ما جمع الله تعالى من الصلاة والزكاة: - فقاس الزكاة على الصلاة ~~(¬7) في وجوب قتال المنكر لها (¬8). ولو كان مع الصحابة في قتال ما نعي ~~الزكاة نص لنقلوه، فاتفقوا على رأي أبي بكر رضي الله عنه. وكذا في إمامة ~~أبي بكر رضي الله عنه وقع الاختلاف: فقال المهاجرون: الخليفة من قريش. وقال ~~الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، حتى ثبت النقل: أن الخلافة في (¬9) قريش. ثم ~~اختلفوا في التعيين، فأجمعوا (¬10) PageV01P527 # على إمامة أبي بكر رضي الله عنه بالرأي والاجتهاد، وقاسوا الإمامة الكبرى ~~على الإمامة الصغرى (¬1)، وقالوا (¬2) إن ms247 النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رضيه لأمو ر ديننا أفلا نرضاه لأمور دنيانا، وقدمه في الصلاة فلا نؤخره في ~~الخلافة - فصح ما ادعينا من الإجماع. # وأما المعقول - فهو (¬3) أنه لا يخلو: إما إن أنكروا وجود الإجماع، أو ~~كونه حجة: # والأول (¬4) باطل، فإنه عبارة عن اجتماع أهل الإجماع على حكم واحد، بجهة ~~واحدة، والكلام فيه. # والثاني باطل، لقيام الأدلة السمعيه على كون الإجماع حجة. # وأما دعوى الإجماع من غير دليل، سوى الإلهام والتوفيق، [ف] باطل، فإن حال ~~الأمة لا تكون (¬5) أعلى درجة حال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنه لا ~~يقول إلا عن وحي ظاهر أو خفي أو عن استنباط من النصوص (¬6)، فالأمة أولى. ~~ولأن الإجماع إنما يكون من العلماء وأهل الديانة، ولا يتصور منهم الاجتماع ~~على حكم من أحكام الله تعالى جزافا وتبخيتا (¬7) أو بالتحري وتحكيم (¬8) ~~القلب، بل بناء على حديث سمعوه أو معنى من النصوص (¬9) PageV01P528 # رأوه مؤثرا في الحكم. وأما (¬1) الحكم جزافا أو بالهوى والطبيعة فهو عمل ~~أهل البدعة والإلحاد. # وأما دعوى من قال إن (¬2) الإجماع لا ينعقد إلا عن قياس وخبر الواحد ~~فباطل: لأن الإجماع المبني على الدليل المحتمل لما كان حجة، فعلى الدليل ~~القطعي (¬3) المتيقن أولى. ولأن الإجماع ليس إلا اتفاق أهل الإجماع على حكم ~~واحد، وقد وجد الاجتماع والاتفاق وارتفاع التنازع والاختلاف، إلا أن سبب ~~هذا الإجماع هو الدليل القطعي من الكتاب والسنة المتواترة، أو الدليل ~~العقلي، وسبب ذلك الإجماع هو الدليل المحتمل، والمقصود هو الحكم دون السبب، ~~ومتي وجد الإجماع يجب أن يكون حجة، بالدلائل الموجبة لكون الإجماع حجة. # قولهم إنه لا حاجة فنقول: متى ثبت أنه (¬4) حجة، فالحاجة ثابتة إلى مطلق ~~الحجة والدليل، وفي كثرة الدلائل تيسير على الناس، ليطلبوا الحق بأي دليل ~~اتفق لهم (¬5) وأيسر عليهم (¬6)، وذلك جائز - أليس (¬7) أن الله تعالى شرع ~~ثلاثة أشياء كفارة في باب اليمين على طريق التخيير، وما ذلك إلا للتيسير ~~والتخفيف. ولأنا وجدنا في حادثة واحدة الكتاب والخبر المتواتر وإن كانت ~~الحاجة الماسة ترتفع بأحدهما، فكذلك إذا ms248 وجد الإجماع معهما. ولأن أكثر ما ~~في الباب أنه لا حاجة ولكن فيه PageV01P529 # فائدة، وهو ما ذكرنا من التيسير والتخفيف ورفع المؤنة عن طلب الحق ~~بالاجتهاد، ولما فيه من زيادة التأكيد وطمأنينة القلب - قال الله تعالى ~~خبرا (¬1) عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: "رب أرني كيف تحيي الموتى قال ~~أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" (¬2). وأما في زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يجوز أن ينعقد الإجماع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فيكون الإجماع حجة وقول الرسول حجة، فيكون حجتان (¬3). وهكذا نقول في الأمم ~~السالفة: إن الإجماع حجة، لما قلنا. # والجواب عن شبهة أصحاب الظواهر أنهم: إن (¬4) أنكروا كون خبر الواحد حجة ~~كالقياس، فالدليل قائم عندنا، فيبني عليه. وإن سلموا خبر الواحد، ويكون ~~(¬5) الإجماع المبني عليه حجة مع الاحتمال، فكذا (¬6) الإجماع المبني على ~~القياس. ولأن الصحابة أجمعت على كون القياس الشرعي حجة، فيكون قولهم مخالفا ~~للإجماع، فلا يعتبر. وكذا الصحابة أجمعت على صحة الإجماع المنعقد على (¬7) ~~القياس، ومن خالف حكما عليه إجماع الصحابة، فقد خالف الإجماع، فلا يعتبر ~~خلافه (¬8). # وما قالوا إن الإجماع لابد له من داع، لاختلاف آراء الناس ودواعيهم، PageV01P530 # فكذلك، ولكن وجد ههنا داع معتبر، وهو معاني النصوص من الكتاب والسنة، ~~والكلام فيه وقع - والله أعلم (¬1). ### |||| AUTO [7] # فصل في: السبب المعرف للإجماع # فنقول: # العلم بوجود الإجماع يحصل بالحس. # أما في حق أهل العصر الذي ينعقد فيه الإجماع -[فيحصل] (¬2) لهم العلم بحس ~~السمع إذا كان الإجماع من حيث القول، وبحس البصر إذا كان الإجماع من حيث ~~الفعل حيث شاهدوا اجتماعهم على فعل واحد. # وأما في حق غير أهل العصر الذي وجد فيه الإجماع -[ف] يحصل العلم فيه (¬3) ~~بحس السمع لا غير، وهو سماع (¬4) خبر الناقلين إليهم عن الإجماع السابق. # ثم النقل بطريقين: بالتواتر، والآحاد. # أما بالتواتر، فكنقلهم (¬5) خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكون ~~القرآن كتاب الله تعالى المنزل عليه، وفرضية خمس صلوات في يوم وليلة ~~وأوقاتها (¬6)، وفرضية الزكاة والحج وصوم شهر (¬7) رمضان. PageV01P531 # وأما بطريق ms249 الآحاد، فكثير (¬1) - من ذلك ما روي عن عبيدة السلماني (¬2) ~~أنه قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شيء ~~كاجتماعهم على الأربع قبل الظهر، وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت - والله أعلم. ### |||| AUTO [8] # فصل في: بيان محل الإجماع # فنقول: # محل الإجماع المتفق عليه هو أمور الدين. # فأما أمور الدنيا نحو أمر الحرب وغيره - إذا أجمعوا على الحرب في موضع ~~معين ورأوا ذلك هو الصواب، [ف] هل يجوز لواحد منهم أو لأكثرهم الخلاف لهم ~~(¬3) بعد انقضاء مدة التأمل - اختلفوا فيه: # قال بعضهم: إن الإجماع لا يكون حجة فيه. # وقال بعضهم: يكون حجة. # وجه قول الأولين: إن حال الأمة في أمر الدنيا ليس بأعظم من حال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(¬4) في قصة التلقيح أنه قال: "أنا أعلم بأمور دينكم، وأنتم أعلم بأمور ~~دنياكم". وكذا إذا رأى النبي عليه السلام رأيا (¬5) في أمر (¬6) الحرب وعند ~~الصحابة (¬7) الرأي في غيره، PageV01P532 # يراجعونه فيه ويبينون أن الصواب في غيره، إلا إذا بين النبي عليه السلام ~~أن ذلك عن وحي - فكذلك (¬1) الإجماع. # وجه قول الآخرين: إن أدلة الإجماع حرمت المخالفة للإجماع (¬2)، من غير ~~فصل بين أمور الدين والدنيا، فيجب العمل بها. وكذا نقول في حق (¬3) النبي ~~عليه السلام في أمر الحرب وغيره: إن قال عن وحي (¬4) فهو الصواب، وإن قال ~~عن رأي وتدبير: فإن (¬5) كان خطأ، لا يقر عليه ويظهر الصواب، إما بالوحي ~~وإما (¬6) بإشارة من أصحابه، فيقر عليه. وفي الإجماع بعد وجوده، لا يحتمل ~~الخطأ، فلا (¬7) فرق بين الأمرين. # ثم على قول من جعله إجماعا - هل يجب (¬8) العمل به في العصر الثاني أم ~~(¬9) لا، كما في الإجماع في أمور الدين؟ # • إن (¬10) لم يتغير الحال، فكذلك. # • فأما (¬11) إذا تغير الحال، [ف] يجوز لهم المخالفة، لأن أمور الدنيا ~~مبنية على المصالح العاجلة، وذلك يحتمل الزوال ساعة لساعة. والله أعلم ~~(¬12). PageV01P533 # فأما (¬1) في أمور الدين: متى وجد الإجماع سواء كان في أمر شرعي أو في ~~أمر ms250 عقلي، يكون الإجماع حجة، إلا (¬2) في حكم عقلي: لابد من معرفته حتى يصح ~~الإجماع، نحو معرفة الله تعالى ومعرفة النبوة وصحة المعجزة وصفة العلم ~~والحكمة والعدل لله تعالى، حتي إذا عرفوا الله تعالى على هذه الصفات وعرفوا ~~النبوة وصحة المعجزة، تم أجمعوا على إثبات الوحدانية لله تعالى ونفي الإله ~~الثاني، يكون الإجماع (¬3) صحيحا موجبا للعلم (¬4) قطعا. وكذا لو أجمعوا ~~على جواز رؤية الله تعالى وخلق أفعال العباد ونحو ذلك، يكون إجماعا موجبا ~~للعلم قطعا - والله أعلم (¬5). ### |||| AUTO [9] # فصل في: بيان حكم الإجماع # قال عامة أهل القبلة بأن إجماع عصر من الأمة صواب وحجة إن وجد الإجماع ~~بالقول في الوجوب والحل والحرمة ونحوها، وأنه يوجب العلم به قطعا. # فأما (¬6) إذا وجد الإجماع من حيث الفعل، فإنه يدل على حسن ما فعلوا ~~وكونه مستحبا، ولا يدل على الوجوب ما لم توجد قرينة تدل عليه، على ما روي: ~~ما اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شيء كاجتماعهم على ~~الأربع قبل الظهر (¬7). وإنه ليس بواجب ولا فرض. PageV01P534 # وقال النظام والقاشاني من المعتزلة: إنه ليس بحجة قطعا، وإنما هو حجة في ~~حق العمل. # وقالت الإمامية (¬1): إن أجمعوا على موافقة قول إمامهم، يكون الإجماع ~~حجة. وإن كان على مخالفة قول إمامهم لا يكون الإجماع (¬2) حجة. وفي الحاصل: ~~الحجة عندهم (¬3) قول الإمام. ويجوز أن يقولوا: كلاهما حجة، كما قلنا في ~~إجماع الصحابة في حال حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الإجماع حجة، ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده حجة أيضا. # وقال أصحاب الظواهر: بأن إجماع الصحابة حجة لا غير. # وقال بعضهم: المعتبر هو إجماع عترة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # وقال مالك: إن إجماع أهل المدينة وحده كاف، ولا يعتبر إجماع سائر الأمصار ~~دون (¬4) إجماعهم. # وشبهة المخالف من وجوه ثلاثة (¬5): # أحدها - إحالة الإجماع وهو من وجهين (¬6): # أحدهما (¬7) - أن الإجماع لا يتحقق، مع اختلاف الأمكنة وتباعدها، قولا، ~~خصوصا إجماع غير الصحابة رضي الله عنهم (¬8). PageV01P535 # والثاني - أن كل واحد منهم يحتمل أن يكون مخطئا ms251 في قوله ورأيه، والإجماع ~~هو اجتماعهم، ويستحيل أن يكون قول كل واحد منهم محتملا للخطأ، ويكون قول ~~الجميع صوابا، لأن الإجماع مركب (¬1) من الآحاد - ألا يرى أنه إذا كان كل ~~واحد من الجماعة أسود يستحيل أن لا يكون الجميع سودا. وكذا إذا كان كل واحد ~~منهم (¬2) مصيبا، يستحيل أن لا يكون قول الكل صوابا - فكذا هذا. # والوجه الثاني- أن الإجماع لو انعقد: إما أن وينعقد عن نص، أو أمارة. ولا ~~يجوز أن ينعقد عن نص، لأنه لو كان عن نص، لوجب عليهم (¬3) نقله. وإذا ~~نقلوه، وقع الاستغناء عن الإجماع، ويكون الحجة النص (¬4). ولا يجوز أن ~~ينعقد عن أمارة، لأن الناس خلقوا على همم مختلفة وآراء متفاوتة، فلا يجوز ~~أن يتفقوا على رأي واحد مظنون، بخلاف الاجتماع (¬5) على رأي عقلي محض، لأنه ~~يصدر (¬6) عن عام. # والوجه الثالث - أنه لا دليل على صحة الإجماع، فإن الدليل إما عقلي أو ~~سمعي. والدليل العقلي لا يمكن به إثبات كون (¬7) الإجماع موجبا للعلم قطعا، ~~لأن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فإن الناس في زمان الفترة كلهم ~~على الكفر والضلال والخطأ. ولذلك (¬8) قالوا: إن إجماع المسلمين من الأمم ~~المتقدمة لا يكون حجة. ومن قال إن إجماع PageV01P536 # هذه الأمة حجة، يقول بالدلائل السمعية. فمن لم يجوز اجتماع هذه الأمة على ~~الخطأ عقلا، يلزمه أن لا يجوز إجماع (¬1) الأمم المتقدمة، إذ العقل لا ~~يختلف، ولأنه يجوز أن تجتمع الأمة بأسرها (¬2) على قول واحد، لشبهة دعتهم ~~إليه، لكنهم ظنوها حجة، فأعرضوا عن نقل تلك الشبهة، لظنهم أنها حجة، مما ~~إذا أجمعوا على (¬3) خبر متواتر أو سماع عن (¬4) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإنهم لا ينقلون الحجة، لاكتفائهم بنقل الحكم عن نقل الدليل. وإذا ~~احتمل هذا، كيف يكون حجة مع الاحتمال. وهذا بخلاف رواية الجماعة الكثيرة ~~(¬5) الحديث عن النبي عليه السلام،. لأنهم رووا كما (¬6) سمعوه حسا، والكذب ~~من جماعة، لا يتصور منهم (¬7) المواضعة، لا يتحقق (¬8). أما الإجماع المبني ~~على الظن دون حقيقة العلم [ف] يدخله الشبهة من جهة الهوى ms252 والطبيعة ووسوسة ~~الشيطان، وإن كان لا يحتمل الكذب (¬9)، والدليل السمعي في حيز (¬10) ~~الاحتمال وأدنى (¬11) وجوهه المجاز والإضمار. # وجه قول العامة: الدلائل السمعية، والعقلية. # أما السمعية فمنها: # [من الكتاب]: PageV01P537 # - قول الله تعالى: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (¬1) ~~فالله (¬2) تعالى ألزم طاعة أولي الأمر وأوجب قبول قولهم والاتباع لرأيهم ~~والانقياد لحكمهم، ولا إجماع بدون رأي أولي الأمر إذا كانوا من أهل ~~الإجماع. فيجب القول بكون الإجماع واجب العمل لامحالة. # - ومنها قوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول" (¬3) ~~أي إلى كتاب الله وسنة الرسول عليه السلام. فالله (¬4) تعالى أمر بالرد ~~إليهما، عند التنازع، لارتفاع التنازع (¬5) ووجود الاتفاق والإجماع بينهم ~~(¬6). [و] لولا أن العمل بالإجماع (¬7) واجب، وأن حكمه حكم الكتاب والسنة، ~~لم يكن للأمر بالرد إليهما عند التنازع، لارتفاع التنازع وحصول الاتفاق ~~والإجماع، معنى وفائدة (¬8). # - ومنها قوله تعالى: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم" (¬9) - فالله (¬10) تعالى أخبر أن العلم يحصل ~~بالاستنباط للمستنبطين، والاستنباط هو الاستخراج (¬11) بطريق الرأي ~~والاجتهاد، وفي PageV01P538 # إجماع الأمة يدخل المستنبطون، بلا خلاف، بين الأمة (¬1). فلو لم يشهد ~~(¬2) بالعلم في (¬3) الإجماع، وفيهم المستنبطون الذين شهد الله تعالى لهم ~~بالعلم فيمما استنبطوا، يكون خلفا في خبر الله تعالى، فيجب القول بكون ~~الإجماع موجبا للعلم، حتى لا يكون خافا في خبر الله تعالى و (¬4) جل عن ذلك. # - ومنها قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر" (¬5) فالله تعالى وصف هذه الأمة بكونهم آمرين بالمعروف ناهين ~~(¬6) عن المنكر. و (¬7) لو لم يجعل ما أجمعوا عليه حقا، وقد أمروا بذلك ~~ونهوا عن ضده، لصاروا آمرين بالمنكر ناهين (¬8) عن المعروف، وهذا خلف في ~~خبر الله تعالى، جل عن ذلك. # - ومنها قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" ~~(¬9). والاستدلال (¬10) بالآية من وجهين: # أحدهما - أنه وصف جملتهم بالعدالة، وهي الاستقامة في الدين والقيام بالحق ~~(¬11) والصواب. و (¬12) لو جاز خروج الحق عن جملتهم، لكانت (¬13) PageV01P539 # شهادة الله تعالى لجملتهم (¬1) بالحق يكون كذبا، تعالى ms253 الله عن ذلك. ولا ~~يقال إن الأمة لا تخلو عن العصاة والفساق - لأنا نقول إنه ما وصف كل واحد ~~منهم بانفراده بالعدالة، بل وصف جملتهم بذلك (¬2) عند اجتماعهم على شيء، ~~لولا أن عند اجتماعهم يظهر (¬3) الحق والصواب، وإلا لم يصح (¬4) وصف جملتهم ~~بذلك، مع جواز الخطأ والكذب على كل واحد عند الانفراد. # والثاني - قال تعالى (¬5): "لتكونوا شهداء على الناس" (¬6) - وصف جملتهم ~~بكونهم شهداء على الناس (¬7) وسماهم بذلك، والشاهد الروم للمخبر بطريق ~~الصدق حقيقة. فأما الكاذب فلا يسمى شاهدا على الحقيقة، والكلام لحقيقته. ~~[و] لولا أنهم عند الاجتماع صدقة (¬8) فيما أخبروا، لم يكن اسم الشهداء لهم ~~بطريق الحق (¬9). # - ومنها قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} (¬10) فالله (¬11) تعالى وصف ~~التابعين للصحابة بالإحسان، وسماهم باسم المدح، وجعلهم أهلا PageV01P540 # لرضوانه (¬1)، [و] لولا أنهم (¬2) أصابوا الحق في اتباع الصحابة، وأن ~~الصحابة كانوا على الحق، (¬3) لما وصفهم (¬4) بذلك - فدل أن خروج الصحابة ~~والتابعين جملة عن الحق والصواب باطل. # - ومنها قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} (الآية) " (¬5) - ألحق الوعيد الشديد ~~باتباع غير سبيل المؤمنين (¬6): وما أجمع عليه المؤمنون وعملوا به، فهو ~~سبيلهم وطريقهم. فلولا أن إجماع المؤمنين حجة (¬7) واجب العمل به قطعا، ~~وإلا لما لحقهم (¬8) الوعيد الشديد باتباع غير سبيلهم، ولأنه سوى بين مشاقة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين اتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، ثم ~~ترك مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - السلام واجب قطعا، فكذا ترك اتباع ~~غير سبيل المؤمنين. # - ومنها قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~(¬9) - فالله (¬10) تعالى أمر (¬11) بالكون مع الصادقين، وهو عبارة عن ~~متابعتهم في أفعالهم. والمراد منه جملتهم، إذ يتصور الكذب من كل واحد منهم ~~عند الانفراد - فهذا دليل على وجود الصدق عند الاجتماع قطعا. PageV01P541 # وأما السنة: # - فما (¬1) روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تجتمع ~~أمتي على الضلالة". وروي: "لا ms254 تجتمع أمتي على خطأ" (¬2). # - وروي: "يد الله مع الجماعة". # - وروي أنه سئل عن خميرة (¬3) يتعاطاها (¬4) االجيران فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬5): "ما رآه المسلمون (¬6) حسنا فهو عند الله حسن". # - وروي (¬7): الشيطان مع الواحد، ومن الاثنين أبعد". # - وروي: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن (¬8) عنقه". ~~وفي رواية: "من فارق الجماعة". وهذا الحديث ورد (¬9) بألفاظ مختلفة. فإن ~~(¬10) ورد بطريق الآحاد، فهو متواتر (¬11) من حيث المعنى، لوجهين: # أحدهما - أنه روي بروايات مختلفة والمعنى واحد، وهو بمنزلة ما روي في حق ~~حاتم الطائي: أنه أعطى لفلان كذا ولفلان كذا، وكل (¬12) حادثة (¬13) في ~~نفسها في حد الآحاد، ولكن جملتها إخبار عن جود حاتم، فصار جوده ثابتا بطريق ~~التواتر. PageV01P542 # والثاني - أن الصحابة والتابعين أجمعوا على أنه لا يجوز مخالفة ما أجمعوا ~~عليه. وهذا حكم لا يعرف إلا بدليل سمعي (¬1) - فدل على أنهم سمعوا عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث أو نظائره، فيكون كالمنصوص عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬2) تواترا، فلا يجوز تركه. # وأما المعقول [ف] من وجوه: # أحدهما - أن موضع الاتفاق مما جبل العقلاء على الرجوع إليه عند التنازع، ~~بما عندهم من المشابهة بين التنازع فيه وبين الجمع عليه، ليردوا المتنازع ~~فيه إليه في حق الحكم، [ف] لولا أن الإجماع حجة عند الله تعالى، وإلا لما ~~فزع (¬3) الكل إلى الإجماع. فكان رجوعهم إليه، بخلق (¬4) الله تعالى طباعهم ~~عليه، دليلا على أنه حجة. كما أن أهل المعقول (¬5) لما فزعوا (¬6) إلى ~~العقل، عند اشتباه المصلحة عليهم، بخلق الله تعالى العقل داعيا إلى مباشرة ~~الحسن وطريقا لمعرفة الأشياء، كان حجة. وكذا متى وقع الاشتباه في الألوان ~~فزعوا (¬7) إلى حاسة البصر للتمييز، كان دليلا عليه - فكذا هذا. # والثاني - أن (¬8) الناس مع اختلاف هممهم وتفاوت أغراضم، لن يتصور ~~اجتماعهم على شيء إلا لداع واحد يدعوهم إليه، أو دواع (¬9) PageV01P543 # متفقة الدعاء إلى شيء واحد. فأما اختلاف الهمم وتباين الأغراض، فمما (¬1) ~~يمنعهم عن (¬2) الاجتماع على شيء واحد، جزافا واتفاقا، كما لا يتصور اتفاق ~~الجماعة (¬3) الكثيرة على ms255 مأكل واحد ومشرب واحد في يوم واحد. وذلك الداعي ~~لا يخلو: إما إن كان هو التقليد، أو الشبهة، أو الدليل الراجح أو الدليل ~~(¬4) الموجب للعلم: # • والأول باطل، فإن كثيرا من الأمة لا يجوزون التقليد في أمور الدين لأهل ~~(¬5) الاجتهاد، بل الأكثر منهم على هذا الاعتقاد، فلا يتصور أن يوافقوهم ~~(¬6) عليه تقليدا - دل أنه لا يتصور الإجماع على شيء بالتقليد. # • والثاني، وهو اعتراض شبهة دعت الكل إلى (¬7) ذلك الحكم - وذلك في موضع ~~غالب الظن والاجتهاد. وهو في خبر الواحد والقياس لرجحان عدالة الراوي، أو ~~رجحان معنى من معاني النصوص في كونه علة الحكم (¬8) - فباطل أيضا، لأنه لا ~~يتصور أن تعم (¬9) الشبهة جميع المكلفين، لأن الله تعالى كلفهم طلب الحق ~~والصواب، فلابد أن يكون لهم طريق الوصول إليه. أما الشبهة [ف] تكون لتحقيق ~~الابتلاء، ليدفع الشبهة بالحجة، بالاستدلال بطريق موضوع للحق والصواب. فأما ~~بدون طريق الوصول، يكون تكليف ما ليس في الوسع، وإنه محال عقلا وشرعا على ~~ما عرف. ومع قيام طريق الوصول إلى الحق وطريق الوقوع في الشبهة، فطريق ~~(¬10) الحق PageV01P544 # أوضح (¬1)، فلا يتصور أن يقع الكل في الشبهة - مع وجود الاجتهاد وطلب ~~الحق لابتغاء وجه الله تعالى - ويقعوا في الخطأ ولم يكن البعض مصيبا للحق، ~~فكان (¬2) اجتماعهم على حكم دليل الإصابة بيقين، دفعا (¬3) للإحالة. # • وإذا بطل الوجهان صح الثالث: أنهم اجتمعوا بدليل (¬4) قاطع، وهو الخبر ~~(¬5) المتواتر، إلا أنهم تركوا الرواية ونقلوا الحكم بدون (¬6) الدليل، ~~لكونه مقصودا دونه، ألا يرى أن اجتماع جماعة، لايتصور تواطؤهم على الكذب، ~~على رواية ما شاهدوه أو سمعوه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكون موجبا ~~علما قطعيا. فإذا (¬7) نقلوا الحكم وتركوا الرواية ههنا (¬8) يجب أن يكون حجة. # والثالث - وهو أنه ثبت بالدليل القطعي على أن نبينا محمدا (¬9) - صلى ~~الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء عليهم السلام، وشريعته دائمة قائمة إلى ~~قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من الكتاب والسنة، فمتى ~~أجمعت (¬10) الأمة على حكمها ولم يكن إجماعهم موجبا للعلم، وخرج الحق عنهم ~~ووقعوا في ms256 الخطأ، أو متى اختلفوا في ذلك وخرج الحق عن أقوالهم، فقد انقطعت ~~شريعته في بعض الأشياء، فلا يكون شريعته كلها دائمة قائمة (¬11)، PageV01P545 # فيؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى، جل الله وتعالى (¬1) عن ذلك -[ف] وجب ~~القول ضرورة بكون (¬2) الإجماع حجة قطعية، فتدوم (¬3) الشريعة بوجوده، حتى ~~لا يؤدي إلى المحال. # ولا يقال إن (¬4) الإجماع دليل في حق العمل، وكذا القياس وخبر الواحد، ~~فلا يؤدي إلى انقطاع الشريعة - لأنا نقول: إنا (¬5) نعمل بالقياس وخبر ~~الواحد على اعتبار إصابة الحق ظاهرا، وعلى الجملة لا يخرج الحق عن أقوال ~~أهل (¬6) الاجتهاد، فمتى جوزتم خروج الحق عن أقوال أهل الاجتهاد فيما ~~اختلفوا فيه وفيما أجمعوا عليه، لم يجب العمل بما هو باطل، ويتبين (¬7) أن ~~ما أتوا به لم يكن شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - بل يكون عملا بخلاف ~~شريعته - صلى الله عليه وسلم - (¬8)، فينقطع شريعته في حق ذلك الحكم أبدا. ~~والله الموفق للصواب (¬9). # والجواب عن شبهات الخصوم: # - أما [لأول]: دعوى عدم تصور الإجماع وإحالته، فباطلة (¬10): # • قولهم: كيف ينعقد الإجماع مع تباعد الأمكنة، فنقول: # هذا في زمن الصحابة والتابعين ظاهر، فإن الإسلام قريب وأهل PageV01P546 # الاجتهاد أكثرهم بالمدينة، والذي ذهب إلى بعض البلاد يمكن الوقوف على ~~رأيه بالتراسل والتكاتب. فأما بعد ظهور الدين الحق في البلاد، يبلغ حكم ~~الإجماع الحادث في بعض البلاد إليهم بعد مضي الأزمان فينتشر بالنقل، ممن ~~نصب لإظهار الحق بطريق التراسل والكتابة وحضور القاصدين للحج من البلاد، ~~كما ظهر أصل الدين الحق وأصل الشرائع، والكلام في هذا الفصل وقع فأما متى ~~بقي واحد من أهل الاجتهاد على الخلاف فلا إجماع. # • وقولهم إنه يحتمل أن يكون واحد منهم مخطئا - فنقول: # أيش (¬1) تعنون بهذا؟ # إن عنيتم أن كل واحد من أهل الإجماع يجوز أن يكون قوله خطأ لو انفرد ~~بذلك، فهذا مسلم. # وإن عنيتم به (¬2) أن قول (¬3) كل واحد منهم (¬4) محتمل (¬5) للخطأ إذا ~~اجتمعو ا، فهذا ممنوع، وأنه ليس بمحال أن يكون قول الواحد الفرد محتملا ~~للخطأ، وقول الواحد مع الجماعة لا يكون ms257 محتملا، لأن الاحتمال إنما نشأ لا ~~لكونه واحدا، ولكن لكونه منفردا، ويبطل (¬6) وصف الانفراد بالاجتماع (¬7). ~~وإنما المحال أن لو (¬8) قلنا: إن كل واحد من هؤلاء المجمعين (¬9) على هذا PageV01P547 # القول المعين مخطئ، والكل في ذلك غير مخطئين، أو قول كل واحد محتمل ~~بانفراده وعند الاجتماع بخلافه (¬1)، كما ذكرتم من الأمثلة. ونحن لا نقول ~~هكذا، بل نقول: إن انفرد كل واحد من أهل الإجماع مثلا على قول في مسألة ~~واحدة، فقول (¬2) كل واحد محتمل للخطأ. فأما إذا قال واحد قولا والآخرون ~~قالوا مثل (¬3) قوله، فلا نقول إن قول كل واحد منهم (¬4) محتمل للخطأ، فبطل ~~دعواهم. # وأما الثاني - فباطل، فإنه يجوز أن يجمعوا عن نص و (¬5) دليل قاطع، لكن ~~لم ينقلوه اكتفاء بالإجماع على الحكم. ويجوز (¬6) أن يجمعوا بناء على خبر ~~الواحد والقياس، حسنا للظن بالرواة وتعويلا على ما اعتمدوا عليه من معنى ~~النص علة الحكم (¬7)، فإنه يجوز أن يجتمع جماعة (¬8) كثيرة على شبهة حملتهم ~~عليه وصارت الشبهة داعية لهم على الإجماع (¬9)، فلا يجوز أن يكون الدليل ~~الراجح حاملا لهم على الاجماع، غير أن الشبهة لا تعم الكل والحق يعم - على ~~ما ذكرنا. # و [الثالث] (¬10): قولهم إنه لا دليل على صحة الإجماع - لا يصح: # فإنا قد أقمنا الدلائل السمعية والعقلية (¬11). PageV01P548 # • قولهم: إن الدلائل السمعية محتملة - فليس كذلك، وللخصوم عليها شبهات ~~يمكن دفعها بأدنى تأمل ونظر، وقد ذكرناها مع الانفصال عنها في الشرح. # • فأما قولهم: إن العقل يجوز اجتماع أهل العصر على الخطأ، فليس هكذا، لما ~~ذكرنا من المعنى (¬1). # • قولهم: إن إجماع الأمم الماضية ليس بحجة، فممنوع - لما ذكرنا من المعنى (¬2). # • وقولهم: في زمان الفترة الناس كلهم على الكفر والضلال - ليس هكذا، فإنه ~~لابد أن (¬3) يكون البعض على الحق، لكن لا قوة لهم ولا غلبة، حتى يظهروا ~~الحق (¬4)، وهم يدعون إلى الحق في السر، لغلبة الكفرة وقوتهم وشوكتهم. # • وقولهم: إنه يجوز أن يجتمعوا على جواب واحد لشبهة حملتهم على ذلك - فهو ~~ممنوع، على ما ذكرنا (¬5) - والله الموفق. # وإذا ثبت ما ذكرنا بطل دعوى اختصاص ms258 الإجماع بقرابة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، وبالصحابة، والاختصاص (¬6) بالمدينة، لأن الدلائل التى تدل ~~على كون الإجماع حجة قطعية لا توجب الفصل بين زمان وزمان، ومكان ومكان، فلا ~~يجوز التقييد من غير دليل. والله أعلم (¬7). PageV01P549 ### |||| AUTO [10] # فصل - وأما بيان أن الإجماع الذي هو حجة قطعية نوع واحد أو أنواع # : # فقد ذكر بعض مشايخنا الإجماع على أقسام, وجعل البعض موجبا للعلم قطعا دون البعض. # وهذا ليس بصحيح. وإنما الصحيح أن ما هو إجماع فهو حجة قطعية، لما ذكرنا ~~من الدلائل. # أما من طعن في كونه إجماعا لبعض ما ادعيناه إجماعا - فالجواب عنه قد مر - ~~والله أعلم. PageV01P550 ### ||| CHECK 4 - القول في القياس # القول في القياس (¬1) # الكلام في هذا الفصل في مواضع: # أحدها - في تفسير القياس لغة. # وفي بيان حده وحقيقته في (¬2) عرف لسان الفقهاء والمكلمين. # وفي بيان مشروعية القياس، وكونه دليلا في الأحكام. # وفي بيان أنواع القياس. # وفي بيان ركن القياس. # وفي بيان شروط (¬3) القياس. # وفي بيان حكم القياس. # وفي بيان الفاسد من القياس والاستدلال. # وفي بيان ما يتصل بالقياس من التوابع. PageV01P551 ### |||| AUTO [1] # أما بيان تفسير القياس لغة # فنقول: # إن القياس في اللغة يستعمل في شيئين: # أحدهما - التقدير. يقال: قس النعل بالنعل، أي قدره (¬1) به. ويقال: قاس ~~الجراحة بالميل (¬2) إذا قدر عمقها (¬3) به. ولهذا سمي الميل مقياسا ~~ومسبارا (¬4). # و [الثاني]- يستعمل في التشبيه (¬5). يقال: هذا الثوب قياس هذا الثوب، ~~إذا كان بينهما مشابهة في الصورة والرقعة (¬6) أو القيمة. ويقال: هذه ~~المسألة قياس تلك المسألة إذا كان بينهما مشابهة في وصف العلة. # ثم الفقهاء والمتكلمون إذا أخذوا حكم الغائب من الشاهد، وحكم الفرع من ~~الأصل، في العقليات والشرعيات، سموا ذلك قياسا، لتقدير هم الغائب بالشاهد، ~~والفرع بالأصل، في الحكم والعلة وتشبيههم أحدهما بالآخر. PageV01P552 ### |||| AUTO [2] # وأما بيان حد القياس وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين # فقد اختلفت عباراتهم. وأكثرها فاسدة. وبعضها قريب من الصحة. # نحو قولهم: القياس رد حكم المسكوت عنه إلى المنطوق به. أو اعتبار غير ~~النصوص بالمنصوص، في الحكم، بمعنى جامع بينهما. # وهذا فاسد - لأنه ms259 (¬1) ليس (¬2) بحد شامل، فإن هذا يستقيم في الشرعيات ~~دون العقليات، لأن السكوت والنطق والنص (¬3) يذكر في باب الألفاظ، ولأنه ~~لابد من المعنى الجامع، وبعد بيانه لابد من بيان الصلاح والأثر. # ونحو قولهم: القياس هو تعدية حكم الأصل بعلته إلى فرع هو نظيره. # وهو فاسد - لأن حكم الأصل من (¬4) الحل والحرمة وعلته وصف الأصل، ~~والانتقال على الأوصاف والتعدية محال، ولكن يثبت مثل حكم الأصل بمثل علته ~~في الفرع. ولأن القياس يجري بين المعدومين، بأن يقاس المعدوم بعد الوجود ~~بالمعدوم الذي لم يوجد، كما يقاس زوال العقل وعدمه بسبب الجنون بعدم العقل ~~في الطفل في حق سقوط الخطاب، لمعنى (¬5) جامع بينهما، وهو العجز عن تفهم ~~الخطاب وأداء الواجب. وذكر الأصل والفرع في المعدوم فاسد (¬6)، لأن (¬7) ~~الأصل اسم لشيء يبنى عليه PageV01P553 # غيره، والفرع اسم لشيء يبنى على غيره، والمعدوم ليس بشيء، ولأن الأصل ~~سابق والفرع لاحق، ووصف المعدوم بالسبق والتأخر لا يصح. # والحد الصحيح أن يقال: القياس إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علته في الآخر. # • وإنما ذكرنا لفظة (¬1) "الإبانة" دون لفظة الإثبات والتحصيل، لأن إثبات ~~الحكم وتحصيله وإيجاده فعل الله تعالى، فهو المثبت للأحكام، أما القياس [ف] ~~فعل القايس، وهو تبيين وإعلام أن حكم الله تعالى كذا وعلته كذا، وهما (¬2) ~~موجودان في الموضع المختلف فيه. # • وإنما ذكرنا "مثل الحكم"، لأن عين الحكم من الحل والحرمة والوجوب ~~والجواز وصف للأصل (¬3)، فلا يتصور في غيره. وكذا العلة وصف الأصل، ولكن ~~يوجد في الفرع مثل حكم الأصل، بمثل تلك العلة. # • وإنما ذكرنا "المذكورين" دون الشيئين ودون الأصل والفرع حتي يكون ~~القياس شاملا للمعدوم والموجود، لأن المعدوم يذكر ويسمى وإن لم يكن شيئا (¬4). # وإن شئت قلت: تبيين مثل حكم المتفق عليه، في المختلف فيه، بمثل علته. # والله تعالى أعلم (¬5). PageV01P554 ### |||| CHECK [3] فصل في: بيان مشروعية القياس # [3] # فصل (¬1) في: بيان مشروعية القياس # فنقول: # فالقياس نوعان في الأصل: عقلي وشرعي. # فالقياس العقلي حجة وطريق لمعرفة (¬2) العقليات عند عامة أهل القبلة. # وهو قول البراهمة (¬3) من الفلاسفة، المقرين بالصانع المنكرين للأنبياء ms260 ~~عليهم السلام. # وقال السمنية (¬4) من الدهرية (¬5): إنه لا طريق لمعرفة الأشياء إلا الحس ~~وأنكرت كون الخبر والعقل من أسباب المعارف. # وقالت الملحدة، والإمامية من الروافض (¬6)، والمشبهة من الحنابلة (¬7)، ~~والخوارج إلا النجدات (¬8) منهم: إن القياس ليس بحجة في العقليات. ثم ~~اختلفوا فيما بينهم: # قالت الملحدة والإمامية: الحجة هو قول الإمام المعصوم. # وقالت الخوارج والمشبهة: إن (¬9) إن الحجة هو (¬10) ظاهر الكتاب في ~~العقليات، PageV01P555 # دون القياس، إلا أن المشبهة من الحنابلة قالوا (¬1) في الفروع: إن القياس ~~حجة، لحاجة الناس إليه، لحدوث الحوادث ساعة فساعة، [ف] لا يوجد حكمها في ~~الكتاب، ولا حاجة إليه في العقليات لوجودها في الكتاب. # وهذه المسألة من مسائل الكلام و (¬2) تعرف ثمة إن شاء الله تعالى. # وأما القياس الشرعي - وهو القياس في أحكام الحوادث التي لا طريق لمعرفتها ~~سوى الشرع، وليس فيها نص ظاهر، فقد اختلف العلماء فيه: # قال عامة الفقهاء والمتكلمين: إنه حجة يجب العمل بها. # وقال أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني (¬3) ومن تابعه، وقوم من المعتزلة ~~مثل النظام (¬4) والقاشاني (¬5) PageV01P556 # والشطوي (¬1): إنه ليس بحجة (¬2)، وهو قول من نفى القياس العقلي من ~~الملحدة والإمامية والخوارج سوى المشبهة (¬3): فإنهم معنا في القياس في ~~الفروع. # وجه قول نفاة (¬4) القياس: النصوص من الكتاب، والسنة، والدليل العقلي. # أما النصوص من الكتاب: # -[ف] قوله تعالى: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} (¬5). وقال تعالى (¬6): ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} (¬7). والحق اسم لما هو معلوم قطعا. وكذلك (¬8) ~~العلم حقيقة: ما هو ثابت قطعا ويقينا، فأما ما فيه احتمال فهو ظن وليس ~~بعلم. والله تعالى نهى عن القول بما ليس بحق، والاتباع لما (¬9) ليس ~~بمعلوم، والقياس بخلافه. PageV01P557 # - وقال الله (¬1) تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (¬2). والحكم ~~بالقياس ليس بحكم بما أنزل الله (¬3)، لأن المنزل هو الكتاب والسنة. # - وقال الله (¬4) تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب} (¬5): جعل ~~الكتاب كافيا، ومن جعل القياس حجة لم يجعل الكتاب كافيا. # - وقال الله تعالى: {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} (¬6). وقال ~~تعالى (¬7): {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ms261 لكل شيء} (¬8) ". ولو كان القياس ~~حجة (¬9)، وهو عندكم حجة (¬10) عند عدم النص، يكون (¬11) قولا بأن القرآن ~~ليس تبيانا لكل شيء، وهو خلاف النص. PageV01P558 # وأما السنة: # فما (¬1) روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل ~~مستقيما حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد (¬2) كان، ~~فضلوا وأضلوا" وفي رواية: "لم يزل أمر بني إسرائيل على وتيرة حسنة حتى كثر ~~فيهم أولاد السبايا (الحديث) ". # وأما الدليل العقلي: # فهو (¬3) أن القياس أدون البيانين فإنه يحتمل الغلط (¬4)، ولهذا لا يكون ~~حجة (¬5) عندكم مع قيام النص بخلافه. والله تعالى حكيم، فلا يليق بالحكمة ~~أن يبين أحكامه في حق العباد (¬6) بأدون البيانين، مع قدرته على البيان ~~بالأعلى، وهو النص القاطع. ولأن القياس محتمل للغلط والخطأ، وإنما يجب ~~العمل بالمحتمل باعتبار الحاجة، ولا حاجة به (¬7)، فإنه يمكن القضاء في ~~الحوادث (¬8) كلها بما في الكتاب والسنة والإجماع، ثم بعد ذلك باستصحاب ~~الحال، والبقاء على حكم العقل (¬9). # ومع هذه الدلائل لا حاجة إلى المصير إلى القياس. بخلاف القياس العقلى ~~فإنه دليل قاطع. وبخلاف أمر الحرب (¬10)، والتحري في باب القبلة، PageV01P559 # لأن ثمة الحاجة ماسة، لعدم إمكان العمل بالدليل العقلي (¬1) القطعي (¬2). # ولأن القياس الشرعي، عندكم، هو اعتبار غير المنصوص بالمنصوص (¬3) في ~~الحكم، وهذا غير ممكن، لأنه لا يخلو: إما إن كان الحكم في المنصوص عليه ~~يثبت بعين (¬4) النص، أو بالمعنى الثابت في النص، أو بهما، أو بالنص في ~~المنصوص وفي الفرع بالمعنى: # • إن قالوا: يثبت (¬5) بعين النص: [ف] لا يمكن إثباته في الفرع لعدم النص. # • وإن قالوا: إنه (¬6) يثبت بمعنى النص، فهو باطل، لأن هذا الوصف لو كان ~~علة الحكم لكان يجب بها الحكم قبل ورود النص، لأنها كانت موجودة، ولا يجوز ~~القول بوجود العلة ولا حكم، ولأن ثبوت الحكم بالنص أمر مقطوع به، وفي ثبوته ~~بالعلة احتمال، فلا يجوز قطعه عن النص وإضافته إلى العلة. ولأن الحكم ملازم ~~للنص، فإنه لم يوجد النص إلا والحكم معه، فأما (¬7) العلة [ف] قد توجد ولا ms262 ~~حكم معها (¬8)، فكان إضافة الحكم إلى ما يلازمه أولى. # • ولا يجوز أن يثبت بهما (¬9)، لأن ما ثبت بشيئين لا يتعدى إلى موضع ~~بأحدهما، ولا يمكن في الفرع (¬10) تعدية النص. PageV01P560 # • والوجه الرابع (¬1) باطل، لأن الحكم في النص إذا لم يثبت بمعناه لا ~~يمكن إثباته في الفرع، لأنه لا نص فيه. والمعنى الذي في النص إذا لم يتعلق ~~به الحكم فكيف يتعلق بمثله، بل يجب أن لا يتعلق تحقيقا للمماثلة بين ~~المعنيين. # فإذا (¬2) بطلت (¬3) هذه الوجوه، بطل القول بالقياس، ضرورة. # وأما عامة العلماء [فقد] احتجوا بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، ~~والمعقول. # أما الكتاب: # - فقول الله تعالى (¬4): {فاعتبروا ياأولي الأبصار} (¬5) - والاعتبار هو ~~النظر في الحكم الثابت في الشيء: أنه لأي معنى ثبت، ورد نظيره إليه في ~~الحكم وقياس غيره عليه - قال قائلهم: # اعتبر الأرض بأسمائها. . واعتبر الصاحب بالصاحب # أي قس الصاحب بالصاحب في معرفة أخلاقه وصفاته. والاستدلال: أن الله تعالى ~~أمر بالاعتبار لأولي الأبصار، وهو المقايسة مطلقا، من غير فصل بين العقليات ~~والشرعيات، فيجب العمل بإطلاقه. PageV01P561 # - وقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله} (¬1) أي إلى حكم ~~الله تعالى وحكم (¬2) رسوله. ولا شك أن التنازع إنما يقع في الأمر الخفي ~~الذي يحتاج فيه إلى الرأي والاجتهاد، دون الحكم الظاهر الجلي. ولهذا قال ~~الله تعالى (¬3): {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (¬4)، فكان (¬5) الأمر ~~بالرد إلى حكم الله تعالى وحكم (¬6) رسوله عليه السلام، بواسطة الرأي ~~والاجتهاد، يكون أمرا (¬7) بالمقايسة. # وأما السنة: # - فما (¬8) روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ رضي ~~الله عنه حين بعثه إلى اليمن قاضيا: "بم تقضي؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: ~~فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله عليه السلام. قال: فإن لم تجد. قال: أجتهد ~~(¬9) في ذلك رأيي (¬10) ". فقال عليه السلام: "الحمد لله الذي وفق رسول ~~رسوله لما يرضى به رسوله - صلى الله عليه وسلم - (¬11) ". و (¬12) لو لم ~~يكن القياس حجة موجبة للعمل بعد الكتاب والسنة، لأنكر عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، لما مدحه به، ولما حمد ms263 الله تعالى على توفيقه (¬13) ~~لمعاذ (¬14) بالعمل بالرأي والاجتهاد. PageV01P562 # - وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~حين بعثه قاضيا: "اقض بالكتاب (¬1) والسنة إذا وجدتهما (¬2)، فإن لم تجد ~~الحكم فيهما اجتهد رأيك (¬3) ". # - وكذا روي أنه عليه السلام قاس في الأحكام: روي (¬4) أنه قال لعمر رضي ~~الله عنه حين سأله عن القبلة للصائم هل تفطره؟ فقال (¬5) - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬6): " أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قاك: لا: فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: ففيم (¬7) إذن؟ "- قاس القبلة من ثم غيرر إنزال ~~وإيلاج، في نفي فساد الصوم (¬8)، على المضمضة من غير ابتلاع. # والأحاديث في الباب كثيرة. # وأما إجماع الصحابة: # فإنهم أجمعوا على كون القياس حجة: حيث اشتغلوا بالقياس في المسائل التي ~~اختلفوا فيها. واختلافهم ظاهر في مسائل كثيرة. فلا يخلو: إما أن يقولوا ~~جزافا وتبخيتا (¬9)، وهذا لا يظن بالصحابة رضي الله عنهم. أو بالنص الجلي، ~~أو بالنص الخفي. ولا يتصور الخلاف في موضع النص الجلي المفسر (¬10) بين ~~أرباب الديانة. والاختلاف في معنى النص الخفي PageV01P563 # يكون بطريق الاجتهاد والرأي. فإذا انتفى هذان الوجهان تعين القول في ذلك ~~بالرأي والاجتهاد، فيكون إجماعا منهم على كون القياس حجة في غير موضع النص. ~~كيف وقد روي التنصيص على الاجتهاد والرأي والقياس من البعض - فإنه روي عن ~~أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في الكلالة (¬1): أجىتهد فيه رأيي (¬2). وعن ~~عمر رضي الله عنه أنه قال فيها (¬3): أقول فبه برأيي. وروي عن علي رضي الله ~~عنه أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر رضي الله عنه على أن أمهات الأولاد لا ~~يبعن ثم رأيت بيعهن. فقال عبيدة السلماني (¬4) رضي الله عنه: رأيك مع رأي ~~غيرك أحب إلي من رأيك وحدك (¬5). وعن عمر رضي الله عنه أنه كتب في كتاب أبي ~~موسى الأشعري (¬6): "اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك". وقال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه في مسألة المفوضة (¬7): "أجتهد في ذلك رأيي ~~(¬8): فإن (¬9) كان صوابا فمن الله تعالى (¬10)، وإن ms264 كان خطأ فمن الشبطان ~~والله ورسوله منه بريئان". فثبت أنهم إنما اختلفوا بناء على الاجتهاد ~~والرأي، فيكون إجماعا منهم على كون القياس حجة. # وأما المعقول: PageV01P564 # - فهو (¬1) أن من نفى كون القياس حجة من أهل القبلة: إما أن ينفيه بالحس، ~~أو بضرورة العقل وبديهته (¬2)، أو بالنص القاطع، أو بالنص الخفي الراجح نحو ~~خبر الواحد وظاهر الكتاب، أو بالقياس: # • لا وجه إلى (¬3) أن ينفيه بالحس، لأن نفي كون القياس حجة ليس بأمر ~~محسوس حتى يعرف بالحس. # • ولا وجه إلى (¬4) أن ينفيه ببديهة العقل، لأن الخلاف لا يجري بين أرباب ~~العقول السليمة، في معرفة البدائه، لاستوائهم في العقول. # • ولا وجه إلى (¬5) أن ينفيه بالنص القاطع، لأنه لا يتصور الخلاف بين أهل ~~القبلة، في الحكم الثابت بالنص القاطع المفسر (¬6). # • لم يبق إلا خبر الواحد والقياس: # وخبر الواحد محتمل للصدق (¬7) والكذب، وترجيح الصدق بعدالة الراوي. ~~ومعرفتها بالقياس والرأي (¬8) تكون (¬9). وهو أن العدل من يجتنب عن (¬10) ~~سائر الكبائر، فيقاس اجتنابه عن الكذب على اجتنابه عن سائر الكبائر. فكان ~~نفيهم (¬11) القياس بالقياس، ومالا ينفك عن القياس (¬12)، فيكون في نفي ~~القياس إثباته، وما كان في نفيه إثباته، فهو ثابت (¬13) ضرورة. PageV01P565 # - ولأن القياس (¬1) حجة في العقليات لمعنى (¬2): ذلك المعنى موجود في ~~الشرعيات. وهو أنه (¬3) طريق يتوصل به إلى العلم الخفي، الذي قام له دليل ~~وعلامة من حيث الظاهر، بوجود سببه، وهو: التأمل والنظر في العلم الظاهر ~~المحسوس، وذلك هو الأثر، فيستدل بالأثر على المؤثر، كالدخان الدال على ~~النار لكونه أثر النار. أو بالسبر والتقسيم. وغير ذلك من الأعلام التي (¬4) ~~يتتعلق بها ذلك الحكم - هذا المعنى موجود في الشرعيات: وهو طريق يتوصل به ~~إلى ما هو خفي، قام دليل على وجوده من حيث الظاهر، وهو الوصف المؤثر في ~~ثبوت الحكم، أو السبر و (¬5) التقسيم في أوصاف المنصوص عليه وإبطال جميع ~~الأوصاف فيتعين (¬6) الباقي، وغير ذلك. إلا أن الفرق أن: في العقليات يعرف ~~كونه مؤثرا من حيث الحس والعيان والبديهة (¬7). وفي الشرعيات بالشرع. فيكون ~~ذلك (¬8) دليلا قاطعا، وهذا دليلا غالبا راجحا ms265 (¬9) إذا كان بالاستدلال. ~~فيكون الحكم الثابت ثم (¬10) قطعيا، وههنا بخلافه (¬11). ثم القياس العقلي ~~حجة، فكذلك القياس (¬12) الشرعي. إلا أنهما يفترقان من حيث إن الحكم الثابت PageV01P566 # ثمة يكون قطعيا (¬1)، وههنا من حيث الغالب والظن الراجح (¬2). وهذه ~~المفارقه لا تمنع من (¬3) صحة الاستدلال، لأن العمل بالعلم الغالب والظن ~~الراجح و. اجب عقلا وشرعا (¬4): أما الشرع فالحكم بشهادة الشهود عند رجحان ~~الصدق، وكذا تقليد القضاء والخلافة (¬5) عند رجحان الصلاح والسداد في حق ~~المقلد، وإجراء أحكام الإسلام على المسلمين بناء على ظاهر الإسلام، إذ هو ~~أمر باطن لا يوقف عيه (¬6) يقينا. وأما العقل فإن القيام (¬7)، من تحت ~~الجدار المائك الذي لي يخشى سقوطه غالبا (¬8) والتباعد عنه، واجب عقلا، مع ~~احتمال السلامه جملة (¬9). وكذا الفرار والتحرز عن السبع الضاري وقطاع ~~الطريق، واجب عقلا. وكذا (¬10) ركوب البحر للتجارة الرابحه، حال خوف الغرق ~~غالبا، قبيح عقلا، وعند غلبة السلامة، حسن عقلا - وله نظائر في الشرع ~~والعقل. # والجواب عن شبهات الخصوم (¬11): # - أما النصوص [من الكتاب]، فالجواب عن التعلق بها من ثلاثة أوجه: # • أحدها - أنه لاحجة لكم (¬12) في ظاهر بعض النصوص من (¬13) قوله تعالى: ~~"تبيانا لكل شيء" (¬14) ونحوه (¬15)، فإنه لا خلاف أنه ليس في ظاهر PageV01P567 # القرآن بيان جميع الأحكام بطريق التنصيص، وأن (¬1) كل الأحكام غير منزل ~~من حيث النص - أن المراد منه من حيث المعاني المودعة فيه: بعضها ظاهر لا ~~يحتاج فيه (¬2) إلى الاستخراج، والأغلب يحتاج فيه (¬3) إلى الاجتهاد ~~والرأي: فبطل تعلقكم (¬4) بظاهر النصوص، ويكون حجة عليكم في أن المراد هو ~~معاني النصوص، واعتبار معاني النصوص هو القياس. # • والثاني - أنا نقول بموجبها، فإنا لا نقفوا ولا نتبع ما ليس لنا به ~~علم، ولا نشهد على الله تعالى إلا بالحق والعلم، غير أن العلم نوعان: علم ~~ظاهر راجح، وعلم قطعي. والعلم الراجح كاف في حق العمل، فأما في حق الاعتقاد ~~والشهادة على الله تعالى: إن هذا حكمه، يشترط العلم القطعي، فقلنا بكون ~~القياس حجة في الجملة بدليل قطعي. ونشهد بكونه دليلا عند الله تعالى، ~~والحكم الثابت به حكما ثابتا عند ms266 (¬5) الله تعالى قطعا، لإجماع الصحابة على ~~ذلك. وإذا كان في موضع متعين فلا نقول إن ذلك القياس دليل قطعي، بل هو دليل ~~ظاهر راجح، والحكم الثابت به كذلك - فنعتبره في حق العمل، احتإطا مع احتمال ~~الخطأ في الجملة، كما في خبر الواحد والشهادات في حق العباد. # • والثالث - أن نقول: المراد منها في حال قيام النص، وبه نقول: إنه لا ~~يجوز العمل به في حال وجود النص، وحملناه (¬6) عليه عملا بالدلائل كلها، ~~لأن الإجماع حجة مثل الكتاب، فلا يجوز العمل به على مخالفة إجماع الصحابة. PageV01P568 # - وأما ما ذكروا من الأحاديث: # • فلا حجة فيها، لأنها من أخبار الآحاد، وخبر الواحد لا يكون حجة إلا في ~~حق العمل. وكون القياس حجة أو لا من باب الاعتقاد، لا من باب العمل، فلا ~~يقبل فيه الآحاد. # • وما روينا من الأخبار، وإن كانت (¬1) من الآحاد في الأصل، ولكن صارت ~~مشهورة لقبول الصحابة إياها، لإجماعهم على كون القياس حجة. ثم يجب حملها ~~على حال (¬2) قيام النص، بدليل إجماع الصحابة، أو في حق العمل بموجبه، وخبر ~~الواحد يصلح للعمل. فأما (¬3) أنتم [ف] عملتم به في حق الاعتقاد - والله أعلم. # - وأما (¬4) قولهم: إن القياس الشرعي أدون البيانين، وهذا ليس بحكمة مع ~~القدرة على البيان بالأعلى - فهذا (¬5) باطل: # • بالعلم الضروري: فإنه (¬6) أقوى من العلم الاستدلالي، فإنه لا يدخل فيه ~~الشبهة، والاستدلالي مما يعتريه (¬7) الشبهة (¬8)، مع كونه دليلا قطعيا (¬9). # • وكذا خبر الواحد: حجة، مع أن في قدرة الله تعالى به إن ذلك الحكم ~~بالأعلى. PageV01P569 # - ثم نقول: لم قلتم بأنه لا يجوز أن يكون الحكمة في البيان بطريق الخفاء، ~~لا بطريق الظهور بلا شبهة، حتى يكون للسامع (¬1) فضل العلم بالتأمل (¬2)، ~~واستخرج المراد من السؤال، ممن هو أعلم منه. أو يكون فيه تحقيق الابتلاء ~~بالاستدلال - ألا ترى أن الدلائل العقلية، مع كونها قاطعة، يكون، بعضعها ~~خفيا (¬3) لا يدرك إلا بالتأمل، حتى جرى الخلاف بين العقلاء فيه. والله ~~تعالى خلق الشبهات بمقابلتها لما رأى كل من الحكم، وإلا لو جعل الدلائل ~~كلها ظاهرة جلية ms267 ما وقع الخلاف في شيء من الأحكام العقلية والشرعية، مع أنا ~~لما أقمنا الدلائل على شرعية القياس بالكتاب وإجماع الصحابة يجب القول ~~بوجود الحكمة (¬4) فيه، وإن كان أدون البيانين، لأن الله تعالى لا يشرع ~~حكما من غير حكمة، تعالى الله عن خلافه، ويجب الاعتقاد بأن (¬5) فيه حكمة ~~وإن لم نعقل وجهها - والله أعلم. # - قولهم: إن القياس دليل محتمل للغلط، وهو حجة عند الحاجة - قلنا: بلى ~~إنه دليل محتمل (¬6)، ولكن بالناس حاجة إلى القياس، لأن الحوادث إلى آخر ~~الدهر كثيرة لا تتناهى، وليس في النصوص بيان الكل، فعلى ما شرع الله تعالى: ~~الشرائع والأحكام المنصوصة مقصورة على (¬7) الحوادث، [ف] تقع الحاجة لهم ~~إلى إستنباط المعاني المودعة في النصوص، وإن كان الله تعالى قادرا على شرع ~~الشرائع بطريق لا تمس (¬8) بهم (¬9) الحاجة PageV01P570 # إلى القياس، واستنباط المعاني، ولا يوصف صاحب الشرع بالحاجة. لكن على ما ~~رأى (¬1) الحكمة في شرع الشرائع على هذا الوجه، تمس الحاجة بالعباد (¬2) ~~إلى المعاني المودعة والقياس، وهو أحكم الحاكمين. # - قولهم: إن الحكم في موضع الإجماع والنص إما أن يثبت بالنص أو بالعله أو ~~بهما على ما قرروا - فنقول: هذه المسألة اختلاف بين القايسين: # • منهم من قال: يثبت الحكم في المنصوص عليه بعين النص لا بالعلة. وإنما ~~(¬3) العله وضعت دلالة على ثبوت الحكم في الفروع (¬4) - وهو قول مشايخ ~~العراق. # • وقال بعضهم: إن الحكم يثبت (¬5) بالعله في النص. فمتى وجد مثله في موضع ~~آخر يثبت الحكم فيه - وهو قول مشايخ سمرقند. وهو قول الشافعي رحمه الله. # والإشكالات التي ذكروا (¬6) على القولين والانفصال عغ، نذكر في تلك ~~المسألة إن شاء الله تعالى. # و (¬7) مسألة القياس: هل هو حجة؟ مشكلة. ومن الجانبين شبهات عظيمة. وعلى ~~كل دليل سمعي وعقلي اعتراضات وجوابات. وهي مشروحة في الشرح والله الموفق. PageV01P571 ### |||| AUTO [4] # فصل - وأما بيان أنواع القياس # فنقول: # القياس في الأصل نوعان: عقلي وشرعي. وكل واحد من النوعين ينقسم إلى أقسام. # أما العقلي: # - فقسم منه: الاستدلال بالشاهد على الغائب، بعلة (¬1) جامعة مؤثرة في الحكم. # - وقسم بالتقسيم وسبر ms268 الأحوال، بالطرد والعكس. ويكون التقسيم تارة في ~~العلة، وتارة في الحكم - على ما يعرف في مسائل الكلام. # - وقسم من[ه]: الاستدلال بالشاهد على الغائب، من حيث الصورة. وهو ليس ~~بصحيح عند أهل الحق. وعند الدهرية والمشبهة هو استدلال صحيح، ويسمونه ~~الاستدلال بالجزء على الكل، كالاستدلال بالنار الحاضرة على النار الغائبة، ~~للمشابهة بينهما (¬2) في الضوء والإحراق، لأن النار (¬3) الحاضرة جزء من ~~النار المطلقة (¬4) وعلى صورتها. فلا جرم وقعوا في الضلال والكفر، حتى قالت ~~الدهرية: لو كان للعالم محدث (¬5)، لكان محدثا كما في الشاهد: أن الباني من ~~جنس المبنى في وصف الحدوث (¬6). والمشبهة قالوا: إن الفاعل في الشاهد لا ~~يكون إلا الجسم. وكذا (¬7) في الغائب. ولكن أهل الحق مالوا إلى الاستدلال ~~الصحيح، وهو الجمع بين الشاهد والغائب في PageV01P572 # المعنى الجامع المؤثر، دون الجمع من حيث الصورة ومطلق الشبه - على ما ~~يعرف في مسائل الكلام إن شاء الله تعالى. # وأما القياس الشرعي - فأنواع: # منها صحيح، ومنها فاسد (¬1). # - والصحيح نوعان: جلي، وخفي. # والجلي أنواع: قياس بالعلة المنصوصة. وقياس بالعلة المجمع عليها. وقياس ~~بالعلة المعلومة ببديهة العقل. ولا خلاف في هذه الجملة بين العلماء. # وأما القياس الخفي، فهو عامة الأقيسة. وفيه الخلاف بين العلماء على ما ~~ذكرنا. ونظائر هذه الجملة تعرف في فصل بيان ركن العلة. # - وأما القياس الفاسد فأنواع أيضا - مثل: قياس الشبه. وقياس الطرد. ونحو ~~ذلك، على ما نذكر. والله أعلم. ### |||| AUTO [5] # فصل في: بيان ركن القياس # الكلام في هذا الفصل في مواضع: # أحدها - في بيان الأسماء التي تطلق على ركن القياس (¬2). # والثاني - في بيان (¬3) حد العلة وحقيقتها عند الفقهاء والمتكلمين. # والثالث (¬4) - في بيان ماهية (¬5) الركن. PageV01P573 # والرابع - في بيان الطرق التي بها يعرف (¬1) ركن القياس والعلة. # والخامس - في الفرق بين العلة والسبب والدليل. # والسادس - في تقسيم العلة والسبب والدليل. # أما [الأول]: بيان أسماء الركن - فنقول: # إنه يسمى: أمارة، وعلما، وسببا (¬2)، ودليلا، وفقها، ورأيا، ومعنى، ~~واجتهادا، وقياسا، ونظرا، واستدلالا، وحجة، وبرهانا، وعلة، واعتلالا. # - وإنما سمي (¬3) أمارة، وعلما: # أما على رأي من قال: إن الحكم في ms269 المنصوص عليه ثابت بالنص لا بالعلة، ~~فالوصف المؤثر في المنصوص عليه هو ركن العلة لثبوت الحكم به مع وجود ~~الشرائط في الفرع، لأنه لا حظ له في ثبوت الحكم في المنصوص عليه، لثبوته ~~بالنص. ويكون علما ودليلا في النص (¬4) على ثبوت الحكم في الفرع، لأنه ما ~~لم يكن النص معلولا بهذا المعنى المؤثر، لم يثبت الحاكم في الفرع بوجود هذا ~~المعنى. # وأما على رأي من قال: إن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالعلة، فلأن الحكم ~~متى ثبت في النص بالعلة، فيكون العلة علما وأمارة على ثبوت الحكم في كل ~~موضع وجد فيه مثل تلك العله، على ما قال مشايخنا: إن المستويين في المعنى ~~يستويان في الحكم والفتوى. PageV01P574 # - وكذا (¬1) يسمى سببا (¬2)، ودليلا: # لأنه يتوصل به إلى الحكم في الفروع (¬3). والسبب ما هو طريق إلى الحكم. ~~وكذا الدليل. # - وإنما يسمى فقها، ورأيا، ومعنى: # لأن ذلك الوصف (¬4)، الذي هو ركن العلة، إنما يتميز من سائر أو صاف النص ~~برأي المستنبط وقصده وعلمه. والرأي (¬5) هو رؤية القلب. والمعنى هو القصد: ~~مصدر عنى يعني عناية ومعنى (¬6). والفقه هو العلم الخفي المستنبط. # فأطلق هذه (¬7) الأسماء على الوصف الذي هو ركن، لأنه (¬8) مفعول فعل ~~المستنبط. فهو مراده ومرئيه ومعلومه، إطلاقا لاسم المصدر على المفعول. # - وكذا يسمى نظرا، واجتهادا، واستدلالا: # لما أنه يعرف بالنظر والتأمل والاجتهاد والاستدلال. فيسمى (¬9) به، ~~إطلاقا لاسم المصدر على المفعول أيضا. # - وإنما يسمى قياسا: PageV01P575 # لأنه متى عرف المستنبط ركن العلة في النص، قاس غير المنصوص، عليه (¬1) - ~~إذا وجد مثله فيه، فيكون مقياسا عليه. # والقياس فعل القايس - مصدر قاس يقيس قياسا، إطلاقا لاسم الفعل على ~~المفعول لغة. وهذا إذا كان الوصف قابلا للتعدي. # فأما إذا كان مقصورا على مورد النص، فلا يسمى ذلك (¬2) قياسا، لأنه لا ~~يتصور القياس به. # - وإنما يسمى حجة، وبرهانا: # لأنه هو الحجة والبرهان في إثبات الحكم في الفرع أو فيهما، على حسب (¬3) ~~اختلاف الناس فيه. # - وإنما سمي (¬4) علة، واعتلالا - لأحد ثلاثة معان (¬5) في اللغة: # • قال بعضهم: إن العلة في اللغة اسم ms270 لعارض يتغير به (¬6) وصف المحل ~~بحلوله فيه. ولهذا سمي (¬7) المرض علة، لكونه عارضا تغير (¬8) المحل بحلوله ~~فيه، من وصف الصحة إلى وصف الضعف (¬9). # • وقال بعضهم: إن (¬10) العلة مأخوذة من العلل، وهو الشربة بعد الشربة - PageV01P576 # يقال علل بعد نهل. فالعلل هو الشربة الثانية والنهل هو الشربة الأولى (¬1). # • وقال بعضهم: إنها في عرف اللغة مستعملة في شيء يؤثر في أمر من الأمور، ~~سواء كان المؤثر صفة أو ذاتا، وسواء كان مؤثرا (¬2) في الفعل أو في الترك - ~~يقال: "مجيء زيد علة لخروج عمرو". ويجوز أن يكون مجيء زيد علة في أن يمتنع ~~عمرو عن الخروج - قال (¬3) المتنبي: # والظلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم # و (¬4) سمي المعنى (¬5) المانع من (¬6) الظلم علة، وسمي (¬7) المرض علة، ~~لأنه يؤثر في ضعف المريض، ويؤثر في منعه عن كثير من التصرفات (¬8)، # فعلى قول الأولين - يسمى (¬9) الوصف المؤثر (¬10)، في الحكم علة، لأنه ~~يتغير به حال المنصوص عليه من الخصوص إلى العموم، لأن الحكم في النص مختص ~~بالمنصوص عليه، لأن النص (¬11) يتناوله لا غير. ومتى عرف وصف من أوصافه ~~مؤثرا في إثبات الحكم تغير حكم ظاهر PageV01P577 # النص الخاص من الخصوص إلى العموم، فيثبت الحكم في أي موضع وجدت العلة فيه. # وعلى قول الآخرين - يسمى (¬1) علة، لثبوت الحكم به على الدوام والتكرر، ~~ولثبوته مرة بعد أخرى عند تكرر (¬2) العلة. # وعلى قول الفريق الثالث - يسمى (¬3) به، لأن هذا الوصف مؤثر (¬4) في ثبوت ~~الحكم، إما في الأصل أو في الفرع. # وهذا الأخير هو الصحيح. # فأما الأول ففاسد - فإن (¬5) الشخص إذا ولد مريضا يسمى عليلا، والمرض فيه ~~علة، وهو ليس بمغير لوصف الصحة. وكذا إذا ولد الولد أسود، فالسواد فيه علة ~~تسميته وصيرورته أسود، وإن لم يكن مغيرا لوصف سابق. # والثاني فاسد أيضا - لأن هذا الوصف يسمى علة في أول ما ثبت به الحكم، من ~~غير تكرر، فكيف يصح اشتقاقه من العلل وإنه يقتضي التكرار (¬6) - والله أعلم ~~(¬7). PageV01P578 # الفصل الثاني - في بيان (¬1) حد العلة، وحقيقتها، في عرف الفقهاء ~~واالمتكلمين: # ذكر القاضي ms271 الإمام أبو زيد رحمة الله عليه وقال: العلة تفسيرها لغة (¬2): ~~اسم لحال يتغير بحلوله حكم الحل (¬3). أو اسم لا أحدث أمرا بحلوله في المحل ~~لا عن اختيار. وحدها ما تعلق به الإحداث (¬4) والإيجاد، بلا اختيار، بقدر ~~الحلول بمحل الحكم. # وقال بعضهم: ما يتغير الحكم بحصوله. # وقال بعضهم: هي (¬5) المعنى، القائم بالمعلول، الذي (¬6) يوجب الحكم ~~بمحله. كالسواد الذي يوجب كون محله أسود. ومثاله من الشرعيات نجاسة العين: ~~توجب غسل (¬7) محلها. # وقال بعض أهل التحقيق: إن العلة في عرف الشرع هي التي أثرت حكما شرعيا. ~~والحكم الشرعي (¬8) هو الذي عرف ثبوته بالشرع (¬9). وفي عرف المتكلمين: ما ~~أثرت حكما عقليا، وهو الذي عرف ثبوته بالعقل وحده. PageV01P579 # وقال بعضهم: هي الأمر الذي إذا وجد، وجد الشيء تعقبيه بلا فصل. وقال علي ~~بن عيسى النحوي (¬1): حد العلة ما كان لأجله المعلول. وقال بعض أصحاب ~~الحديث: هي الوصف الذي يتكرر الحكم بتكرره. وقال بعضهم: هي المعنى الجالب ~~(¬2) للحكم (¬3). واحترزوا به عن النص. # وعن الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمة الله عليه أنه قال: العلة هي المعنى ~~الذي إذا وجد يجب به الحكم (¬4) معه. وقوله "معه" (¬5) احتراز: [لدخول] ~~الاستطاعة مع الفعل (¬6). PageV01P580 # وهذه العبارات فاسدة، سوى ما ذكرناه عن الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمه ~~الله، فإنه هو الصحيح، فإن (¬1) العلة ما يجب بها (¬2) الحكم، فإن وجوب ~~الحكم (¬3) وثبوته بإيجاب الله تعالى، لكن أوجب الحكم لأجل هذا المعنى ~~وبسبب (¬4) هذا المعنى. ويجوز أن يقال: يجب (¬5) به، لأن الله تعالى قد ~~يفعل فعلا (¬6) بسبب، وقد (¬7) يفعل فعلا ابتداء. وكذا قد يثبت حكما بسبب، ~~وحكما ابتداء بلا سبب. وفعله وحكمه لايخلوا [ن] عن الحكمة قط (¬8)، عرفنا ~~وجه الحكمة أو لا. # ووجوه فساد هذه العلل (¬9) تذكر في الشرح، على الاستقصاء (¬10)، لكن نذكر ~~طرفا منها (¬11) ههنا، فنقول (¬12): # - قولهم: العلة ما تعلق به الإحداث والإيجاد (¬13)، بلا اختيار، بقدر ~~الحلول بمحل الحكم: PageV01P581 # لا يصح، لأنا نقول: أيش تعني بهذا: أن العلة (¬1) ما تعلق به الإحداث ~~والإيجاد، بطريق الحقيقة أم (¬2) بطريق المجاز؟ # • إن عنى بطريق الحقيقة، ففساده ms272 لا يخفى - فإن المحدث (¬3) والموجد ~~للأشياء هو الله تعالى، لكن (¬4) قد يوجد بلا واسطة شيء وقد يوجد بواسطة ~~شيء، ويحدث بسبب ويحدث (¬5) بغير سبب، ولكن الموجد والخالق هو، لا غيره، جل ~~وعلا (¬6) - قال الله تعالى: "هل من خالق غير الله" (¬7). وهذا (¬8) مذهب ~~(¬9) أهل الدهر والطبائع، على ما يعرف في مسائل الكلام. # • وإن عنى به المجاز - فهو (¬10) شيء مستعمل بين الفقهاء، فقالوا. علة ~~موجبة: استعمال بطريق المجاز (¬11)، ولكن (¬12) استعمال الألفاظ المجازية ~~لا يصح في التحديدات. # - وقولهم: العلة ما يثبت به الحكم بلا اختيار: PageV01P582 # فاسد، فإن القتل علة وجوب القصاص، وهو فعل اختيارى (¬1). ولأن الحكم يثبت ~~(¬2) بإثبات الله تعالى، وهو مختار في إثبات الأحكام وإيجاد الأشياء، وإنما ~~يستعمل لفظ (¬3) العلة في السبب والحكم (¬4) مجازا، أما لا علة للأحكام عند ~~أهل الحق. # - وقول من قال: ما يثبت الحكم عقيبة - يبطل بالاستطاعة: فإنها علة الفعل، ~~وإنه يوجد معها. # وإنما، يصح هذا (¬5) على قول المعتزلة الذين قالوا: الاستطاعة (¬6) قبل ~~الفعل، وهو (¬7) باطل بالحركة: فإنها علة صيرورة الذات متحركا، وهما يوجدان معا. # والله أعلم بالصواب (¬8). # الفصل الثالث (¬9) - في بيان ماهية (¬10) الركن، فنقول: # ركن القياس هو الو صف الصالح المؤثر في ثبوت الحكم في الأصل (¬11). و ~~(¬12) متى وجد مثله في الفرع (¬13) يثبت مثل ذلك الحكم فيه، قياسا عليه ~~(¬14)، PageV01P583 # لأن القياس لما كان رد الفرع إلى الأصل، لإثبات حكم الأصل فيه، ولا يمكن ~~إثبات حكم الأصل في الفرع بالنص، لأن النص خاص لا يتناول الفرع، فلا بد أن ~~يكون في الأصل وصف يجب به الحكم شرعا، حتى يثبت مثله (¬1) في الفرع، بمثل ~~ذلك الوصف، إذ لو لم يكن هكذا لا يمكن إثبات الحكم في الفرع، لأن الحكم ~~لابد له من دليل، وليس فيه نص ولا إجماع. ولو كان، يكون إثبات الحكم نصا أو ~~إجماعا (¬2) لا قياسا - فدل أن الركن ما قلنا وإن كان، لإثبات الحكم ~~بالقياس، سوى الوصف الذي ذكرنا، شرائط على ما نذكر، لكن الحكم يضاف إلى ~~الركن عند وجود الشرائط، لا إليها. كالنكاح: ينعقد بالإيجاب والقبول، ms273 عند ~~وجود الشرائط من الأهلية والشهادة ونحوهما، وثبوت الحكم يضاف إلى الإيجاب ~~والقبول دون الشرائط - فكذا هذا. # هذا (¬3) هو الصحيح - وهو قول مشايخ سمرقند (¬4). # وقال مشايخ العراق - الركن (¬5) هو الوصف الذى جعل علما على ثبوت الحكم ~~فى الفرع، على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # وتفسير "صلاح الوصف": لا يستحيل والموافقة بين الحكم والعلة، عقلا وشرعا، ~~بأن كان لا يستحيل إضافة ذلك الحكم إليه، عقلا، بل يحسن، كإضافة العقوبات ~~إلى الجنايات، وإضافة الثواب إلى الطاعات، وإضافة وجوب الضمان إلى ~~الإتلافات، ونحوها. PageV01P584 # وتفسير "التأثير" يذكر في الفصل الذي يليه. # ثم الوصف الذي هو ركن العلة: # - قد يكون لازما، كالطعم لجريان الربا في المطعومات عند الشافعي. # وقد يكون عارضا، كوصف كونه مكيلا في علة الربا عندنا، فإنه ليس بلازم، ~~فإن القليل من الحنطة ليس بمكيل. # - وقد يكون اسما كحرمة الخمر: يثبت باسم الخمر - هو علتها، لا وصف ~~الإسكار، حتى لا يتعدى إلى الثلث (¬1)، وحتى يثبت في قليل الخمر لوجود ~~الاسم إن لم يسكر. وكذا الحدود (¬2): تتعلق باسم الزنا والقذف والسرقة ~~ونحوها (¬3) - كذا قال بعضهم. # ولكنا نقول: إن عني به أنه تعلق بعين الاسم، [ف] لا يصح، لأن الاسم يثبت ~~بوضع أرباب اللغة، ولهم أن يسموا الخمر باسم آخر. وإن عني به المعاني ~~القائمة بالذات التي بها استحق هذا الاسم، وهو كون المايع (¬4) النيء، من ~~ماء العنب، بعد ما غلى واشتد وقذف بالزبد (¬5)، فهذا (¬6) مسلم، ولكن حينئذ ~~يكون هذا تعليق الحكم بالمعنى، لا بالاسم. # - ويجوز أن يكون وصف العلة حكما شرعيا، بأن يقاس (¬7) الحكم على الحكم. ~~كقول الشافعي في اشتراط النية في الوضوء: هذه طهارة حكمية فيشترط فيها ~~النية، كما في طهارة التيمم. وكقولنا في فساد PageV01P585 # بيع المدبر (¬1): هذا شخص تعلق عتقه. بمطلق موت السيد، فلا يجوز بيعه، ~~كأم الولد. # ثم إنما استوت (¬2) هذه الوجوه التي ذكرنا، لأن الحكم لم يتعلق بعين ~~الوصف، وإنما يتعلق (¬3) بكونه مؤثرا في إثبات الحكم، فيجب النظر فيه، دون ~~سائر الأوصاف. # ثم هل يشترط أن يكون وصف العلة ms274 قائما بمحل الحكم (¬4) أم لا؟ # فعند مشايخ العراق: شرط. واستدلوا بالعلل العقلية، كالحركة: علة صيرورة ~~الذات القائم به متحركا، ويستحيل أن تكون الحركة في محل علة لصيرورة ذات ~~آخر متحركا، فكذا (¬5) في العلل الشرعية. # ومشايخنا قالوا: إنه (¬6) ليس بشرط، بل يجوز أن يكون ذلك الوصف في غير ~~محل الحكم، فإن البيع والنكاح والطلاق (¬7) ونحوها علة لثبوت الأحكام في ~~المحال، وهذه العبارات (¬8) قائمة بالعاقدين. وكذا كون الشخص معدما محتاجا ~~علة جواز السلم والإجارة، وهذا الوصف قائم العاقد لا بمحل الحكم. ويجب أن ~~لا يكون وجوده شرطا في محل الحكم، لأن علل الشرع أمارات ودلالات على ~~الأحكام، وقيام الدليل بالمدلول ليس بشرط لصحة الدلالة، كالعالم دليل وجود ~~الصانع ونحوه. ولهذا قلنا: إن السحر علة تغير المسحور، وكذا العين: علة ~~لتغير الشخص الذي أصابه العين وإن لم يوجد الاتصال والقيام. PageV01P586 # وإنما تختص العلة بهذا الشرط عند المعتزلة. ولهذا أنكروا السحر والعين، ~~لعدم الاتصال بمحل الحكم - والله أعلم. # - ومنها أنه يجوز أن يكون العلة وصفا واحدا. ويجوز أن يكون وصفين وأوصافا ~~- وهذا بلا خلاف في الشرعيات. فأما في العلل العقلية، [فقد] اختلف (¬1) ~~العقلاء: # قالت الأشعرية: إن العلة فيها (¬2) وصف واحد. # وقال غيرهم: يجوز أن يكون (¬3) أوصافا. # وكذا الخلاف في الحد: إنه يجوز أن يكون بوصف واحد وبأوصاف (¬4) عند ~~العامة. وعند الأشعرية: لا يجوز التحديد إلا بوصف واحد. و (¬5) هذا من ~~مسائل الكلام. # وإنما جاز في الشرعيات أن تكون العلة ذات أوصاف، لأن علل الشرع أمارات ~~على الأحكام لمصالح العباد، ويجوز أن يتعلق المصلحة بوصف واحد وباجتماع ~~وصفين وأوصاف، فيجب القول بالجواز. # ثم العلة إذا كانت ذات أوصاف في الأفعال الحسية، التي (¬6) قد (¬7) يتعلق ~~بها حكم شرعي، فلابد من بيانها. والكلام فيه يقع من وجهين: أحدهما (¬8) من ~~حيث الحقيقة. والثاني (¬9) من حيث الحكم. PageV01P587 # • أما من حيث الحقيقة: # فاختلفوا فيها على حسب ما ذكرنا: أن العلة هي كل الأوصاف (¬1)، أو صفة ~~الاجتماع، أو الوصف الزائد المجهول الذي (¬2) لا يتصور انعقاد العلة والحكم بدونه. # • وكذلك الحكم المعلق ms275 بوجود شرائط. # على هذا (¬3): # قال بعضهم: العلة هي كل الأوصاف. # وقيل: العلة صفة الاجتماع. # وقال بعضهم: هو الوصف الزائد. وهو وصف من الجمله غير عين، وهو الذي لا ~~يتصور بدونه الاجتماع، ولا ينعقد العلة بدونه. # نظير المسألة: سفينة في الماء لا تغرق بوضع كر (¬4) فيها، وتغرق إذا زيد ~~قفيز (¬5) على الكر: فوضع إنسان فيها كرا وقفيزا، من مال إنسان، بغير إذن ~~صاحبه، حتى غرقت السفينة وتلف ما فيها: # فعند الأولين: يضاف إلى الكر والقفيز جميعا. # وعند الفريق الثاني: إلى صفة الاجتماع. # وعند الفريق الثالث: يضاف إلى قفيز من الجملة غير عين، لا إلى قفيز زائد ~~عينا. PageV01P588 # ويستوي الجواب بين أن يلقى الكر والقفيز معا، أو ياقى الكر أولا ثم ~~القفيز، أو يلقى القفيز أولا ثم الكر (¬1)، لأنه ما لم يوجد الكل، لا يتحقق ~~التلف بأي طريق وجد وضع الكل. # وأما من حيث الحكم [ف] نقول: # • إذا كان ذلك الطرح من الواحد: [ف] يجب عليه ضمان الكل، إن كان بغير إذن ~~صاحبه، سواء. طرحهما معا أو على التعاقب. # وكذا: إذا كان مأذونا (¬2) من جهة صاحبه بطرح الكر لا غير، فطرح معه ~~قفيزا زائدا، لأنه ما رضي بوضع متلف. # • وإن كان الطرح من اثنين: إن طرحا معا، فالضمان عليهما. وإن طرحا على ~~التعاقب، فالضمان على الأخير عندنا. وعند زفر رحمه الله: عليهما. # وزفر رحمه الله اعتبر الحقيقة وقال: إن التلف حقيقة إما أن يحصل بالكل أو ~~بزائد غير عين، فإنه ما لم يحصل (¬3) اجتماع الكل، لا يتحقق التلف، فلا فرق ~~بين التعاقب والقران. # وأصحابنا رحمهم الله سلموا أن التلف حقيقة يحصل عند الاجتماع: إما مضافا ~~إلى الكل أو إلى الزائد غير عين. لكن مع هذا، الضمان يجب على من وجد منه ~~الوصف الزائد (¬4)، لأن الأوصاف المتقدمة لا ينعقد PageV01P589 # علة التلف بدون الآخر، فصار الوصف الآخر (¬1) به يحصل وصف الاجتماع، ~~والمتلف هو وصف الاجتماع، أو لأن بالآخر يصير واحد منهما (¬2) متلفا، لأنه ~~كان موجودا ولم يعم لفي التلف، فصار هو الجاعل إياه علة، ms276 والحكم في الشرع ~~يضاف إلى علة العلة، كما يضاف إلى نفس العلة عند الانفراد - والله أعلم. # الفصل الرابع (¬3) - في بيان الطرق التي يعرف بها (¬4) ركن العلة - فنقول: # إن الطرق التي يعرف بها، العلل الشرعيه هي الطرق التي تعرف (¬5) بها ~~الأحكام الشرعية، لأن كون الوصف علة شرعا (¬6) ودليلا على حكم الله تعالى، ~~أحد الأحكام الشرعية (¬7)، إذ الحكم ما يثبت بالشرع، وكون الوصف علة يعرف ~~بالشرع، فإن الأوصاف موجودة قبل الشرع وليست بعلل. وإذا ثبت أنها تعرف علة ~~بالشرع، فتعرف بالطرق التي يعرف بها سرائر (¬8) الشرائع - وهي قسمان: # [الأول]- الدليل القاطع، وهو النص المفسر من الكتاب، والخبر المتواتر، ~~والإجماع. # والثاني - الدليل الراجح، وهو ظاهر النصوص، والقياس. # وكذا كون الوصف علة يعرف بهذين. وهو النص، والاستدلال: # أما النص الدال على كون الوصف علة [ف] أنواع: PageV01P590 # - قد (¬1) يكون بطريق التصريح على اسم العلة، وهو غير وارد من جهة (¬2) ~~صاحب الشرع، و (¬3) إن كان مستعملا في اللغة: يقال "فعلت كذا لعلة كذا" و ~~"أوجبت عليك أن تفعل كذا لعلة كذا"- على ما ذكرنا من قول المتنبي: "فإن تجد ~~ذا عفة فلعلة لا يظلم"، ومنه قول زهير يمدح هرم بن سنان: # إن تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا # معناه أن الجود والسماحة يوجدان (¬4) من هرم بن سنان على طريق الطبيعة، ~~دون التكلف، مع قيام العلل المانعة منه. ولكن قد ورد من صاحب الشرع بلفظ هو ~~(¬5) المعنى - روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يحل ~~دم امرئ مسلم إلا بأحد معان ثلاثة" (¬6)، و (¬7) لفظ المعنى ولفظ العلة ~~يستعملان في اللغة على السواء. # - ومنها، ألفاظ تقوم مقام لفظ العلة، ورد بها الشرع، واستعملت في اللغة نحو: # • لفظة "كي" - قال الله تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" ~~(¬8). PageV01P591 # • ونحو لفظة "لأجل"- يقال (¬1): فعلت كذا (¬2) لأجل كذا. وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما نهيتكم لأجل الدافة" (¬3). # • ونحو لفظة (¬4) "لأن" - يقول المولى في عذر ضرب (¬5) العبد: "إنما (¬6) ~~ضربته لأنه عصاني". # • ونحو ms277 حرف "اللام" - يقال: "أكرمت فلانا لإكرامه إياي". ولا يقال: إنه ~~قد يدخل فيما ليس بعلة - يقال: "تأهب للشتاء"، والتأهب (¬7) يكون قبل مجيء ~~الشتاء، والعلة لا تكون بعد الحكم، لأنا نقول إنه يدخل (¬8) على العلة، لأن ~~مجيء الشتاء علة حاملة على التأهب، فإن (¬9) غرض التأهب دفع (¬10) برد ~~الشتاء. والعلة نوعان: علة يثبت بها، الوجوب (¬11) والوجود، وعلة هي حاملة ~~على الشيء وداعية إلية، فتكون علة عرضية. والعلة التي يتعلق بها الوجوب ~~والوجود تكون مع الحكم. والعلة العرضية تكون متأخرة وجودا، ولكنها مقارنة ~~لحكمها عقلا (¬12). PageV01P592 # • ونحو حرف "الباء" الموضوعة للإلصاق، فتستعمل في العلة - يقال "أكرمت ~~فلانا بإكرامه إياي" أي بسبب إكرامه - قال الله تعالى: "ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون (¬1) ". # - ومنها، ألفاظ تدل على طريق الإشارة والدلالة على العلة (¬2): # • نحو (¬3) حرف "إن" الوضوعة للتأكيد: تستعمل في العلة (¬4)، لأن العلة ~~تؤكد الحكم الثابت بالنص، لما بها يعرف وجه المصلحة والحكمة. قال الله ~~تعالى: "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة" (¬5). وروي أن محرما وقصت (¬6) به ~~راحلته فمات، فقاك عليه السلإم: "لا تخمروا (¬7) رأسه ولا تقربوه طيبا فإنه ~~يبعث يوم القيامة ملبيا" - جعل كونه ملبيا علة الامتناع عن تغطية الرأس ~~واستعمال الطيب في حقه. # • و (¬8) نحو حرف "الفاء" الموضوع للتعقيب على طريق الوصل. فمتى دخل على ~~فعلين أو شيئين فيدل على أن لأحدهما (¬9) تعلقا واتصالا بالآخر. # ويعرف (¬10) كون أحدهما (¬11) علة والآخر حكما بدلالة العقل، ولهذا قد ~~يدخل على العلة والسبب، وقد يدخل على الحكم. يقال: "لا تقرب PageV01P593 # الكلب العقور، فيعضك". ويقال: "لا تمازح اللئيم، فيجترئ عليك". وقال الله ~~تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" (¬1). وقال تعالى (¬2): "إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق" (¬3). وروي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سها فسجد. وأن ماعزا زنى فرجم. ونحو ذلك. ولا يقال ~~إنه يدخل على الشرط والجزاء نحو قوله: "إن دخلت الدار فأنت طالق" لأنا نقول ~~إن الشرط علة استحقاق الجزاء، وهو شرط الوجود، فدخول الدار شرط وقوع ~~الطلاق، وهو علة استحقاق الطلاق على ما عرف في موضعه. ms278 # وأما الاستدلال فنوعان: صحيح، ومختلف فيه. # أما الذي هو صحيح: # - فالاستدلال بالتأثير. ونعني به أن يكون لجنس وصف الأصل تأثير في جنس ~~حكم الأصل في موضوع (¬4) الشرع، إما بالنص أو بالإجماع، من حيث الأصل، وإن ~~(¬5) كان بينهما نوع تفاوت، من حيث القدر والوصف. لأنه إذا كان مثله من كل ~~وجه، لثبوت مثل هذا الحكم، يكون هذا الوصف علة بالنص والإجماع (¬6)، لا ~~بالاستدلال. ودلالة ذلك أن العلة ما يثبت لي "الحكم، ويكون لها تأثير في ~~ثبوت الحكم بطريق التسبيب، وإن كان المثبت للأحكام هو الله تعالى على ما ذكرنا. # ولهذا، إن العلة في العقليات ما تكون مؤثرة في ثبوت الحكم، كالحركة: علة ~~لثبوت الذات القائمة به متحركا (¬7)، وكالسواد علة لصيرورة الذات PageV01P594 # القائم به أسود ونحو ذلك. إلا أن ثمة آثارا محسوسة عرفت بالطرد والعكس ~~عند سبر الأحوال، وههنا آثار شرعية تعرف شرعا بطريقه، وهو النص والاستدلال. ~~وما ذكرنا (¬1) من تأثير جنس (¬2) هذا الوصف، في ثبوت (¬3) جنس هذا الحكم، ~~لا يصلح دليلا (¬4) على كون هذا الوصف في الأصل علة أو ركن علة، للحكم ~~المنصوص عليه من بين (¬5) سائر الأوصاف، لأن الشرع لما علق جنس ذلك الحكم ~~بجنس هذا الوصف (¬6)، كان ذلك (¬7) تعليقا لمثل (¬8) ذلك الحكم بمثل ذلك ~~الوصف، إلا أنه لما ورد النص في موضع وأثبت حكما من جنس ذلك الحكم من حيث ~~الأصل لكن مخالف (¬9) له من حيث القدر والوصف، وفي موضع النص وصف هو (¬10) ~~مؤثر من جنس (¬11) ذلك الوصف لكن مخالف (¬12) له من حيث القدر والوصف - علم ~~أنه إنما أثبت (¬13) بهذا الوصف، لكن زيادة الحكم لزيادة وصف مؤثر في إثبات ~~الزيادة، كتأثير (¬14) أصل الوصف في إثبات أصل الحكم، فيكون الحكم (¬15) ~~بأصله ووصفه مضافا إلى أصل PageV01P595 # العلة ووصفها (¬1)، ولأن هذا الحكم في النص ثبت عقيب أوصاف فيه، فكان ~~إضافته إلى وصف له أثر في ثبوته في الجملة أولى. # مثاله: إن شهادة المسلم العدل مقبولة بالإجماع، وترجح جانب الصدق على ~~الكذب في شهادته (¬2)، لكونه عدلا، لأن العدالة عبارة عن الاجتناب عن (¬3) ~~محظور ms279 الدين، والكذب محظور الدين، فكان اجتنابه عن جنس المحظورات دليلا على ~~اجتنابه عن الكذب، وإن كان الكذب مخالفا لغيره من المحظورات، من حيث القدر ~~والوصف. ولكن لما جاء الشرع بقبول شهادة العدل، وجعل صدقه راجحا، علم أن ~~القبول والرجحان لأجل العدالة، لكونها مؤثرة في جنسه، فأضيف إليها (¬4)، ~~لحصوله (¬5) عقيب وصف مؤثر في الجملة. ثم قاس أصحابنا رحمهم الله الذمي ~~العدل، على المسلم، في قبول الشهادة على جنسه ورجحان صدقه على كذبه، ~~باعتبار العدالة (¬6)، ولا (¬7) تختص بوصف الإسلام، لأن كل واحد من الدينين ~~مانع عن ارتكاب المحظور، فاستويا في الوصف المؤثر، فاستويا في الحكم. # ومثال آخر أيضا: إن النص جاء بوجوب القطع على السارق، ووجوب (¬8) الجلد ~~على الزاني البكر - فتأملنا أن الجزاء ثم وجب لوجود السرقة والزنا، لأنه ~~حكم ثبت عقيب وصف لجنسه أثر في إيجاب جنسه من الجزاء، PageV01P596 # فإن وجوب الأجزية عقيب الجنايات مما ورد بها (¬1) الشرع، فمتى وجب الجزاء ~~المقدر عقيب جناية مقدرة معاومة، علمنا أن السرقة والزنا (¬2) علة لذلك ~~الجزاء، فتعين هذا الوصف لكونه علة أو (¬3) ركن علة. # ثم الشافعي رحمه الله قاس النباش، وهو سارق الكفن، على السارق من ~~الأحياء، لوجود علته. ومنع أصحابنا رحمهم الله التعدية، لنوع تفاوت أو شبهة ~~تفاوت، احتيالا لدرء الحدود. # ومثال آخر: ولاية النكاح ثبتت للأب والجد في حق الصغر والصغيرة، فقلنا ~~علة ثبوت ولاية إنكاحهما (¬4) للأب والجد هي القرابة، والصغر شرط، لأنه ثبت ~~الحكم عقيبهما، ولجنس القرابة أثر في ثبوت جنس الولاية، وهي (¬5) الولاية ~~في المال، فكان إضافة الحكم إلى الوصف الذي لجنسه أثر في جنس الحكم، أولى ~~من سائر الأوصاف، فصار علة لظهور أثره. ثم عدى أصحابنا رحمهم الله الحكم ~~إلى غير الأب والجد من الأقارب،. لوجود مثل ذلك الوصف. وادعى الشافعي رحمه ~~الله التفاوت. # وعلى هذا يخرج جميع مسائل الخلاف. # فإن قالوا: قد وجدنا وصفا في المنصوص عليه، ولجنسه أثر في إثبات جنس ذلك ~~الحكم، ولا يتعلق به الحكم، فلا (¬6) يكون علة - قلنا: PageV01P597 # - أما (¬1) على قول من قال بتخصيص ms280 العلة، [ف] لا يلزم، لأنهم يقولون إنه ~~علة، لوجود التأثير، لكن امتنع حكمها لمانع. # - وأما على قول من لا يجوز (¬2) وتخصيص العلة، وهو قولنا -[ف] غير لازم ~~أيضا، لوجهين: # أحدهما - أن ما ذكرنا حد ركن العلة، لا حد العلة. وإنما تصير علة عند ~~وجود شرائطه، وليس للشرائط أثر الركن، وإنما لها أثر آخر، وتعلقت (¬3) بها ~~مصاحة أخرى، فمتى وجد جنس هذا الوصف بدون هذا الحكم، لا يكون نقضا للعلة. ~~أما لو وجد الوصف مع الشرائط ولم يثبت الحكم يكون نقضا، وركن العلة بدون ~~الشرائط لا يكون علة، فلم يثبت الحكم، لعدم العلة، لا أن يمتنع الحكم مع ~~قيام العلة، فلا يكون نقضا ولا تخصيص العلة. # والثاني - أن الوصف مع الشرائط يكون مؤثرا في ثبوت الحكم، لأن هذا الوصف ~~من حيث الأصل، له أثر في أصل الحكم - عرف ذلك في موضع الشرع، لكن لهذا (¬4) ~~الوصف في موضع النص زيادة أثر في الحكم، لزيادة معنى في هذا الوصف، فثبت ~~(¬5) هذا الحكم الزائد، فيصير، بأصله ووصفه، علة للحكم (¬6) الزائد. وإذا ~~كان المؤثر لأصل الحكم مع الزيادة هو العلة، وهو الوصف الزائد (¬7)، فلا ~~يثبت هذا الحكم PageV01P598 # الزائد، بالوصف الذي يثبت أصل الحكم وحده (¬1) ولا يكون علة، ويكون في ~~معنى بعض العلة، وبعض العلة ليس بعلة، فلا يكون نقضا وتخصيصا (¬2)، كالزنا ~~مع الإحصان: إذا صار علة لوجوب الرجم، فالزنا وحده لا يثبت به الرجم، لأنه ~~غير مؤثر في وجوب الرجم إلا مع الإحصان، لما أن الزنا، بسبب الإحصان، صار ~~متغلظا، فيكون مع زيادة الوصف علة لوجوب الرجم، فلا يكون علة بدونه - والله أعلم. # وأما [الاستدلال] المختلف فيه (¬3)، فأنواع: # منها - أن الوصف (¬4) الصالح إذا كان يوجد الحكم عند وجوده في الأصل، ~~وينعدم عند عدمه، فيكون مطردا و (¬5) منعكسا - هل يكون علة في الأحكام ~~الشرعية؟ اختلفوا فيه، مع اتفاقهم أنه يكون علة في الأحكام العقلية (¬6). # قال بعضهم بأنه يكون علة. # وقال بعضهم بأنه لا يكون علة. # وجه قول الأولين: إن هذا حد العلة في العقليات، فكذا في ms281 الشرعيات. فإن ~~الحركة علة صيرورة الذات القائم (¬7) به متحركا، PageV01P599 # والعلم علة صيرورة (¬1) الذات القائم (¬2) به عالما (¬3). وهذا لما ذكرنا ~~أن العلة ما يثبت به الحكم، والمثبت في الحقيقة هو الله تعالى في الحقائق ~~والحكميات جميعا، فإن الجاعل للذات متحركا هو الله تعالى، ولكن بسبب ~~الحركة. والمثبت للمك في البيع هو الله تعالى (¬4)، لكن بسبب البيع - فدل ~~أن الحقائق والشرعيات لا تختلف في هذا المعنى. ثم العلة في الحقائق تثبت ~~بالطرد والعكس، فكذا في الحكميات. # ولا يقال: إن (¬5) في الحقائق لا يكتفى بمجرد الطرد والعكس، بل (¬6) ~~يشترط مع ذلك أن يستحيل إضافة الحكم إلى غير ذلك الوصف، فإنه يستحيل إضافة ~~كون الذات متحركا إلى صفة من صفات الذات سوى الحركة. وفي الشرعيات لا ~~يستحيل إضافه ذلك (¬7) الحكم إلى غير ذلك الوصف من أوصاف المنصوص عليه، ~~فكيف يقاس الحكمي على الحقيقي؟ لأنا لا نسلم أن ما وراء الطرد والعكس شرط ~~في معرفة الحد والحقيقة في العلل العقلية. # ويمكن تخريج الإشكالات الواردة عليه، على ما يعرف في مسائل الكلام إن شاء ~~الله تعالى (¬8). PageV01P600 # وجه قول الآخرين: إن الطرد والعكس ليس بكاف في العقليات. فإن الجوهر يوصف ~~بأنه قائم بالذات: لا يتصور (¬1) قائم بالذات في الشاهد إلا وهو جوهر، ولا ~~جوهر إلا وهو قائم بالذات، فهو مطرد و (¬2) منعكس. # وهو حد فاسد لا يشتمل [على] (¬3) الشاهد والغائب: فإن (¬4) الله تعالى ~~قائم بالذات وليس بجوهر. ولأن الاطراد (¬5) والانعكاس لمعرفة الحقائق، ~~والحقيقة لا تختلف. فأما العلل الشرعية فمبنية على الحكم ومصالح العباد، ~~وإنها تختلف باختلاف الأزمان وأحوال الناس، وذلك لا يعرفه (¬6) على الحقيقة ~~إلا خالقهم، فشرع الشرائع وعلقها بأوصاف هي عللها (¬7)، وفي الحقيقة دلائل ~~على وجوه الصالح والحكم. ولهذا كانت هذه الأوصاف موجودة قبل الشرع، ولا ~~أحكام (¬8) ولا علل، فإنما يعرف علل الشرع بالشرع، والشرع هو النص ~~والاستدلال على الوجه الذي ذكرنا. # ثم كيف يقولون: إن العلة ما يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه. أو ما ~~يوجد بوجوده وينعدم بعدمه؟ # فإن قلتم بالأول - فهو باطل ms282 بالشرط: فإنه يوجد الحكم أو العلة عند وجوده، ~~وينعدم عند عدمه، وليس بعلة. PageV01P601 # وإن قلتم بالثاني - فربما يستقيم هذا في العقليات، فأما في الشرعيات [ف] ~~العكس ليس بشرط بالإجماع، فإنه يجوز أن يكون الحكم ثابتا بعلل، كإباحة ~~القتل: يثبت بالردة، وقتل العمد، وزنا المحصن، ونحو ذلك. # يبقى قولكم: يوجد عند وجوده أو يوجد بوجوده: فالأول (¬1) باطل بالشرط. ~~والثاني ممنوع (¬2) أنه يوجد بوجوده، فإن في النص أوصافا يوجد الحكم عقيب ~~الكل، فلم يتعين (¬3) هذا الوصف لوجود الحكم بوجوده، من بين سائر الأوصاف، ~~وليس البعض أولى (¬4) من البعض في هذا المعنى، فما لم يبين منى آخر لا ~~يستقيم هذا الكلام (¬5)، وإن بين (¬6) بطل دعواه. وإن كان وجوده بوجود الكل ~~فإنه لا يحتفل التعدية (¬7) إلى موضع آخر، لأنه لا يتصور أن يكون مثله من ~~كل وجه. # ومنها - أن يختلف القايسون في مسألة على أقوال معلومة، وعلل كل واحد ~~الأصل بعلة، فبإبطال الواحد علل الخصوم - هل يحكم بصحة علته أم لا؟ فقد ~~اختلف فيه: # قال بعض الفقهاء من أصحابنا رحمهم الله ينظر: # إن اتفق أهل الاجتهاد على كون الأصل معلولا، ثم بين كل واحد ممن خالف، ~~علة لقوله، فمن أبطل علة الخصوم كلهم، تتعين علته للصحة. PageV01P602 # وإن قال بعض المخالفين منهم: إن الأصل غير معلول، بل الحكم ثابت بالنص أو ~~الإجماع غير معقول المعنى. وغيره من المخالفين قالوا بأنه معلول، وبين كل ~~واحد علته، وادعى صحتها، فمتى أبطل علل المخالفين لا تصح علته. # وقال بعض أصحاب الشافعي بأن إبطال علل المخالفين كاف لصحة (¬1) علته في ~~الحالين. # وقال أهل التحقيق من أصحابنا: إنه لا تصح العلة بإبطال علة المخالفين. # وجه قول الأولين: إنهم لما اتفقوا على كون النص معلولا، فقد ثبت بإجماع ~~أهل الإجماع أن (¬2) العلة واحدة مما ذكروها، وخروج الحق عن الإجماع باطل، ~~كما لا يجوز الخروج عن أقوال الصحابة رضي الله عنهم في مسألة بالاتفاق ~~(¬3). وكما لا يجوز الخروج عن أقوال المخالفين من أهل العصر عند الأكثرين، ~~وهو قولنا، بخلاف ما إذا كان ms283 الأصل غير معلول عند بعضهم، فإنه يجوز أن يكون ~~الحكم ثابتا بالنص، مقصورا عليه، فبطلان العلل كلها لا يؤدي إلى إبطال ~~الإجماع، فإنه لا يعتقد الحق في واحد من عللهم. # وجه قول الفريق الثاني، وهو أن النص، وإن لم يكن معلولا في زعم البعض، ~~فالباقون اتفقوا على كونه معلولا، فهؤلاء اجتمعوا (¬4) على كون واحد من ~~عللهم صحيحة، فيجب اعتبار اتفاقهم فيما بينهم، ولا يعتبر PageV01P603 # مخالفة غيرهم في إسقاط اعتبار إجماعهم - ألا ترى أنهم وإن اتفقوا على كون ~~النص معلولا، فأصحاب الظواهر يخالفونهم ولا يقدح مخالفتهم في حجة إجماعهم، ~~فكذلك (¬1) هذا. # وجه قول الفريق الثالث - وهو أن صحة إحدى العلل بإبطال ما وراءها: إما إن ~~كان باعتبار أنه يؤدي إلى خلاف الإجماع وإلى ذهاب الحق عن إجماع الأمة، أو ~~باعتبار إبطال سائر العلل. # والأول باطل - فإنه لا إجماع. فإن أصحاب الظواهر خالفوهم، فإنهم ينكرون ~~كون النصوص كلها معلولة. # والثاني باطل - فإن إبطال ما وراءها من العلة موجود فيما إذا لم يكن النص ~~معلولا باتفاقهم ولم يدل على صحة العلة، ولأن بطلان سائر العلل: إما أن ~~يثبت بالنص، أو برأي الخصم. # والأول باطل - لأنه لا يتصور النص القاطع قي موضع الخلاف مع أهل الديانة (¬2). # والثاني باطل - لأن رأي الواحد محتمل، فلا يكون حجة على الخصوم وإن عجزوا ~~عن تمشية عللهم، لاحتمال أنها صحيحة، لكن لقلة التأمل عجزوا عن معارضة علة ~~الخصم، وعند التأمل على وجهه يظهر بطلان ما ذكروا (¬3) من العلة، بخلاف ~~العال العقلية، لأن ثمة (¬4) إنما يعرف بطلان ما وراءها من الأوصاف ~~لاستحالة إضافة الحكم إليها، في تعين ضرورة. PageV01P604 # ومنها - الاطراد والملازمة، وجرياخها في الفروع من غير أن يمنعها (¬1) نص ~~أو علة أقوى منها في إثبات الحكم، وهذا دليل الصحة عند بعضهم. # والأصح أنه لا يكون دليل صحة العلة. # وهل يكون الاطراد شرط صحة العلة؟ ففيه اختلاف على ما نذكر بين القائلين ~~بتخصيص العلة وبين المنكرين. # وجه قول من اكتفى بالاطراد: أن علل الشرع أمارات ودلالات على الأحكام، ~~والموجب لها هو ms284 الله تعالى، وشرط صحة الدليل والأمارة هو الاطراد لا غير، ~~كالأمارات الحقيقية، من المنارة الدالة على المسجد والأعلام الدالة على الطرق. # وجه قول العامة: وهو أن جعل الاطراد دليل صحة العلة (¬2) الشرعية يؤدي ~~إلى التناقض في الشريعة، والله تعالى صان الشريعة عن التناقض، لأن الله ~~تعالى جعل نفي التناقض عن القرآن دليلا على أنه من عنده، بقوله (¬3) تعالى: ~~"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" (¬4). وبيان التناقض: ~~وهو أن أحد الخصمين إذا قال: ما ذكرت من الوصف مطرد في الفروع، فيكون علة ~~لحرمة شيء معين، والآخر يقول: إن ما ذكرت (¬5) من الوصف مطرد في الفروع ~~فيكون علة لإباحته، وكل وإحد منهما ينسب علته إلى الشرع، فيؤدي إلى القول ~~بأن الشرع جعل شيثا واحدا حلالا وحراما في زمان واحد،. فيكون في هذا نسبة ~~التناقض PageV01P605 # إلى الشرع - و (¬1) هذا محال، بخلاف الأمارات الحسية، فإنها (¬2) من ~~العباد، فاحتمال التناقض فيها لا يضر. ولا يقال: إنكم جعلتم دليل صحة العلة ~~هو التأثير، وأحد الخصمين يدعي الحل بعلته، والآخر يدعي (¬3) الحرمة بعلته، ~~فقد قلتم بالتناقض، لأنا نقول: كون الوصف مؤثرا في الحكم أمر شرعي، وكل ~~واحد من الخصمين يدعي كون وصفه مؤثرا دون وصف (¬4) خصمه، ويمكنه (¬5) في ~~الجملة بيان أن الوصف الذي يدعي صاحبه مؤثرا ليس بمؤثر، فمتى جعل ذلك دليلا ~~لا يؤدي إلى التناقض، لأن الصحيح أحدهما، وهو الذي ثبت (¬6) تأثيره شرعا، ~~فأما الاطراد (¬7) فأمر حقيقي لا يتصور فيه الإنكار، وبيان أنه ليس بمطرد ~~فيؤدي إلى التناقض لا محالة - فهو (¬8) الفرق بينهما. ولأن تفسير الاطراد ~~عندكم هو الجريان في جميع الفروع من غير أن يمنعه مانع من نص مخالف أو معنى ~~معارض. فأما مع قيام المانع، لا يكون مطردا، فلا يكون حجة. ونحن لا نسلم ~~أنه لا مانع في كل موضع يدعون الاطراد، فيكون دعوى بلا دليل. # فإن قالوا: إنا طردناه في جميع الفروع ولم نجد ما يمنعه، فالخصم يقول: إن ~~لم تجدوا فنحن نجد، وعجزكم عن الوقوف على المانع لا ms285 يدل على انتفاء المانع، ~~فما لم تقيموا الدليل على أنه لا مانع لا يستقيم دعوى الاطراد، ولا يمكنكم ~~النفي أصلا. PageV01P606 # ثم لم قلتم: إن الاطراد وجريان العلة في معلولها دليل الصحة، ولكن عندنا ~~شرط الصحة فبفواته امتنعت (¬1) الصحة وثبت الفساد، فأما أن يثبت الصحة ~~بالشرط فلا. # قولكم: إن (¬2) العلة الشرعية علم ودليل، والاطراد (¬3) كاف في الدليل - ~~فنقول: الاطراد كاف لكونه شرط الصحة. أما كونه (¬4) دليلا [ف] إنما يثبت ~~لما (¬5) له من وجه الدلالة، كدلالة الدخان على النار. فما لم يثبت وجه ~~الدلالة في العلة على الحكم، لا يثبت العلة، وإن وجد شرط الصحة، والكلام ~~فيه وقع. # ومنها - أن كون الوصف مخيلا كاف، هل يكفي لكونه علة؟ # قال بعض أصحاب الشافعي: إنه كاف. أما كونه مؤثرا، فيكون (¬6) مؤكدا. # ثم فسر بعضهم أن المخيل: ما له خيال الصحة. # و (¬7) هذا التفسير فاسد، لأن الحكم لا يثبت إلا بالعلة الصحيحة قطعا أو ~~غالبا. فأما ما له احتمال الصحة فلا. # وفسر بعضهم المخيل: أن يكون العقل لا يحيله (¬8) بأن يكون علة الحكم، PageV01P607 # بل (¬1) يستحسنه لموافقة وملاءمة بينهما، وإن لم يكن لجنس ذلك الوصف أثر ~~في جنس ذلك (¬2) الحكم في أصول الشرع. ولكن مع هذا لا يجوز أن يكتفى به، ~~لأن الكلام في العلة الشرعية يجب أن يطلب حجته (¬3) من الشرع، لا من العقل ~~وحده، والشرع هو النص والاستدلال، فلا يجوز الحكم بكون الوصف علة شرعا إلا ~~بهذين الطريقين - والله أعلم. # ومنها - قياس الشبه. # وكل قياس لابد فيه من الشبه بين الأصل والفرع، حتى يكون (¬4) قياسا. ~~ومطلق الشبه ليس بكاف، فإنه (¬5) ما من موجودين حادثين (¬6) إلا وبينهما ~~نوع مشابهة. لكن القياس الصحيح أن يكون بينهما مشابهة (¬7) بوصف مؤثر، ~~والقياس الفاسد أن يكون بينهما مشابهة إما من حيث الصورة أو من حيث الأحكام ~~من غير تأثير في إثبات الحكم (¬8)، ثم صار هذا الاسم مختصا بقياس بين شيئين ~~بينهما شبه بشيء غير مؤثر في الحكم أصلا. # ثم اعتبر بعض العلماء الشبه من حيث الصورة، حتى قاس الجلسة ms286 الأخيرة في ~~الصلاة ذات الأربع، بالجلسة الأولى، في أنها (¬9) غير واجبة، وقال: هذه ~~جلسة مشروعة في الصلاة، يجب أن لا تكون واجبة، قياسا على الجلسة الأولى. PageV01P608 # وروي عن الشافعي رحمه الله أنه قال: المعتبر هو الشبه بالأحكام، حتى قال: ~~قيمة العبد يجب (¬1) بالغة ما بلغت، لأن العبد أشبه بالأموال (¬2) في ~~الأحكام الكثيرة، ويشبه الأحرار في قليل من الأحكام، فيجب اعتبار كثرة ~~الشبه في الأحكام. # ولكن الصحيح قولنا - وهو أنه يجب أن يعتبر الشبه بكل ماله تأثير في ~~الحكم، سواء كان وصفا أو حكما، فإن كون البر مطعوما أو مكيلا من باب الوصف ~~دون الحكم، لا أنه هو الشبه الذي له أثر في الحكم، في الجملة. # وكذلك القول بالشبهين: فاسد، لما ذكرنا. # وبعض مشايخنا اعتمدوا على الشبهين، لكن يجب أن يكون لكل شبه أثر، فحينئذ ~~يجوز القول به. # فصل - في الفرق بين العلة والسبب والدليل (¬3): # فقد ذكرنا تفسير العلة والدليل في اللغة وعرف الفقهاء (¬4). # فأما السبب: # في اللغة -[ف] عبارة عن الطريق، قال الله تعالى: "ثم أتبع سببا" (¬5) أي ~~الطريق. وقال الله تعالى خبرا عن فرعون: "لعلي أبلغ الأسباب. أسباب ~~السماوات" (¬6) أي أبوابها. ويسمى الحبل سببا، لأنه طريق يتوصل PageV01P609 # به إلى الماء. ويسمى الطريق سببا أيضا (¬1)، لأنه يتوصل به إلى الموضع ~~المقصود. # وأما في عرف الفقهاء - فهو مستعمل فيما هو موضوع [في] اللغة، وهو ما ~~يتوصل به إلى الحكم من غير أن يثبت به، كالحبل الذي هو سبب يتوصل به إلى ~~الماء، وإن كان يحصل الوصول بالاستقاء. وكذلك الطريق يتوصل به الى المقصد، ~~وإن كان الوصول يحصل (¬2) بالمشي، لا به. # - بخلاف العلة: فإنها اسم لما يثبت به (¬3) الحكم، كالمشي (¬4) ~~والاستقاء: علة للوصول (¬5). # - وبخلاف الدليل: فإنه اسم لما يعرف بسببه المدلول، فكان (¬6) طريقا إلى ~~(¬7) معرفة المدلول، وعلة (¬8) حصول العلم والمعرفة بالمدلول هو الاستدلال، ~~فيكون قريبا من السبب في الأحكام. # ويجوز أن يسمى العلة دليلا، لأنه يحصل بواسطته العلم بالحكم في الفروع ~~عند الاستدلال الذي هو العلة، ويسى سببا لهذا - والله أعلم. # فصل ms287 - في تقسيم العلة والسبب والدليل (¬9): # فنقول: PageV01P610 # ذكر القاضي الإمام (¬1) أبو زيد الدبوسي رحمه الله وقال: إن العلة أقسام أربعة: # • علة اسما ومعنى وحكما - نحو الببيع البات، والعتاق النافذ، والطلاق ~~المنجز. # • وعلة اسما لا معنى ولا حكما - نحو الطلاق المعلق بالشرط، واليمين في حق ~~وجوب الكفارة قبل الحنث. فإنه يسمى طلاقا، والأثر والحكم معدوم للحال. # • وعلة اسما ومعنى لا حكما - تحو البيع بشرط الخيار: فإنه يسمى بيعا، وهو ~~المؤثر في إثبات الحكم، لكن امتنع الحكم لمكان الخيار في الحال (¬2). # • وعلة اسما وحكما لا معنى - نحو السفر في إثبات الرخصة. فإن السفر يسمى ~~مبيحا ومرخصا والحكم يضاف إليه، وهو ثبوت الرخصة والإباحة، والمعنى معدوم: ~~فإن المؤثر في ثبوت الرخصة هو المشقة، لكن السفر أقيم مقامها (¬3) تيسيرا. # ثم قسم السبب على أربعة أقسام أيضا: # الأول - سبب اسما وحقيقة ومعنى: وهو السبب المحض. وهو ما (¬4) يتوصل به ~~إلى الحكم من غير أن يثبت به على ما ذكرنا. ونظيره من الشرعيات: دلالة ~~السارق على سرقة مال إنسان فسرق، وحبس الفار من القاصد قتله حتى أدركه ~~وقتله، فإن الدلالة والحبس سبب محض، لأنه اعترض عليه فعل فاعل مختار. PageV01P611 # والثاني - ما هو سبب اسما وصورة، لا معنى وحقيقة. نحو الطلاق المعلق، ~~والنذر المعلق، واليمين في حق وجوب الكفارة - فإن التعليق سبب لوقوع الطلاق ~~عند الشرط. وكذا اليمين سبب لصيرورته علة عند الحنث. ولكن (¬1) من حيث ~~الصورة دون المعنى، فإنه ليس فيه معنى الإفضاء والتوصل، بل هو المانع عن ~~الحكم للحال، ولكن تصور (¬2) بصورته، لأنه لولاه لما ثبت الحكم عند وجود ~~الشرط، ولكنه سبب يصير (¬3) في معنى العلة، فإن الكلام الأول يصير علة عند ~~الشرط، ويضاف الحكم إليه دون الشرط. # والثالث - السبب الذي هو علة العلة. وهو في الحقيقة موجب للحكم، إلا أنه ~~إنما يوجب بواسطة العلة الأخيرة، والحكم وجب بالأخيرة، فصارت العلة الأخيرة ~~مع حكمها، حكمين للعلة الأولى: فمن حيث إن العلة الأخيرة مع حكمها حصلت ~~بالأولى، كانت هي العلة الموجبة حقيقة. ومن حيث إنها لا (¬4) تعمل ms288 في ثبوت ~~الحكم ألا بواسطة الأخيرة سميت سببا. ونظيره: الرمي إذا اتصل به الموت، فإن ~~الموت يضاف إلى الرمي بوسائط (¬5). وكذا شراء القريب: يفيد الملك، والملك ~~يفيد العتق، فيضاف إلى الشراء، لأنه علة العلة. # والرابع - السبب الذي هو علة معنى. و (¬6) هو الذي يرجب الحكم بنفسه بلا ~~واسطة علته (¬7)، لكن الحكم في حال وجوده لم يثبت، لعدم (¬8) PageV01P612 # تمامه، بانعدام وصفه، لا بعدم بعضه، كعلة ذات أوصاف (¬1). فإذا وجد ~~الوصف، والوصف لا يقوم بنفسه، فيقوم بالعلة، فيجب الحكم عند وجود وصفه ~~مستندا إلى العلة بوصفه، ويكون هو الموجب دون وصفه، فيكون علة من حيث هو ~~الموجب، ويكون سببا من حيث إنه لم يوجب للحال (¬2) ما لم يوجد وصفه، وهو ~~كالنصاب: علة الوجوب، لكن لا (¬3) يوجب بدون صفة النماء. فمتى وجد وصف ~~النماء، صار علة للحكم من الأصل، لاستناد الوصف إلى الأصل. وكذا في مرض ~~الموت، وغيره (¬4) من النظائر. # وهذا الفصل الأخير مشكل. # هذا (¬5) بيان ما قاله القاضي الإمام أبو زيد الدبوسي (¬6) رحمه الله على ~~الاختصار في تقسيم العلة والسبب والموانع (¬7). # ولكنا نقول: هذه التقاسيم إنما تستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة، فإن ~~عندهم يجوز أن تكون العلة موجودة ولا يثبت الحكم لمانع (¬8)، والموانع ~~تختلف (¬9) على قيلهم، وتنقسم أربعة أقسام (¬10): # • مانع يدخل في نفس العلة، فيمنع عن الانعقاد، كما في الطلاق المعلق. # • ومانع يدخل في الحكم دون العلة، كما في البيع بشرط الخيار. PageV01P613 # • ومانع يمنع تمام العلة مع وجود أصلها وركنها، كملك النصاب ونحوه. # • ومانع يمنع تمام الحكم، مع أن العلة أوجبت أصل الحكم، كما في خيار ~~الرؤية والعيب، فإن ثمة الملك ثابت والبيع نافذ لكنه غير لازم. # فأما على قول من لا يجيز (¬1) - تخصيص العلة، وهو قولنا، [ف] العلة في ~~الحقيقة شيء واحد، وهو ما يثبت به إلحكم. والسبب شيء واحد وهو ما يتوصل به ~~إلى الحكم، من غير أن يضاف ثبوته إليه. وما يضاف الحكم إليه، مما يسمى ~~سببا، فهو علة في الحقيقة، وتسميته سببا يكون (¬2) بطريق المجاز. # وإنما ms289 (¬3) يصح التقسيم عندنا على اعتبار تقسيم الحكم، غير أن الحكم قد ~~يكون ظاهرا، وقد يكون خفيا لا دليل على وجوده للحال: # - فإن كان الحكم ثابتا حال وجود السبب، فهو علة. كالبيع البات. # - وإن وجد الحكم بعد وجود فعل العبد باختيار - (¬4) منه، مقصورا على حال ~~ثبوته، يكون الفعل سببا من وقت وجوده، ويصير علة عند وجود الحكم، مقصورا ~~عليه، كما في التدبير والاستيلاد. # - وإن ظهر الحكم من وقت وجود الفعل، بعد ما كان خفيا، يكون علة من ذلك ~~الوقت، ويسمى سببا مجازا. PageV01P614 # - وإن ثبت الحكم مقصورا على حال وجوده من وجه وظهر (¬1) من وجه من وقت ~~وجود الكلام: # • فمن الوجه الذي اقتصر: يكون سببا من حين (¬2) وجود الكلام، ويتم علة من ~~وقت وجود (¬3) الحكم. # • ومن الوجه الذي ظهر: من وقت وجود الكلام، يكون علة من وقت وجوده، ويكون ~~سببا من الوجه الذي اقتصر، فيجب التقسيم على هذا الوجه احترازا عن القول ~~بتخصيص العلة والله أعلم. ### |||| AUTO [6] # فصل في: بيان شرائط القياس والعلة # (¬4) # يحتاج في هذا الفصل إلى: # تفسير الشرط لغة. # وإلى (¬5) بيان حده عند الفقهاء. # وإلى بيان الفرق بين الشرط والعلة (¬6) والعلامة. # وإلى بيان أقسام الشرط. PageV01P615 # وبيان نواع أما يسمى شرطا. # وإلى بيان شرائط القياس والعلة. # أما الشرط في اللغة: # فهو (¬1) عبارة عن العلامة اللازمة (¬2). ومنه يسمى أعلام القيامة (¬3) ~~"أشراطا". ومنه يسمى (¬4) الصكوك (¬5) "شروطا" لأنها وضعت أعلاما على ~~العقود التي (¬6) تجري بين العاقدين. ومنه يسمى (¬7) "الشرطي"، لكونه معلما ~~بعلامة يرتميز بها عن غيره. ومنه يسمى الحجام "شراطا" وفعله "شرطا" وآلة ~~عمله "مشرطا" (¬8). # وأما تفسير الشرط في عرف الشرع، وبيان الفرق بينه وبين العلة والعلامة - فنقول: # اختلف الفقهاء فيه (¬9): # قال بعضهم: الشرط ما يوجد. الحكم عند وجوده، وينعدم عند عدمه. # وقال بعضهم: الشرط ما هو علم على الشيء من حيث يضاف (¬10) PageV01P616 # إليه الوجود دون الوجوب (¬1)، بخلاف العلة: فإنها اسم لا يضاف إليه ~~الوجوب، دون الوجود. # فلما كان وجوب ذلك الشيء بالعلة، لا بالشرط، كان الشرط علما. ومن حيث إن ~~الوجود يضاف إليه ms290 كان علة. فكان بين العلامة والعلة (¬2). # وأما العلامة فهي اسم لما يدل على غيره، من غير أن يكون في ذاته ما يدل ~~عليه، لكن يثبت دلالته، بضرب (¬3) اصطلاح ومواضعة أو إخبار من صادق، على ~~ظهور الحكم عند وجوده، فيكون معرفا محضا لا يتعلق به وجوب ولا وجود، وإنما ~~يتعلق به الظهور. # ولكن هذا لا يصح. وإنما الصحيح أن يقال: الشرط ما يوجد العلة (¬4) عند ~~وجوده، أو ما يقف المؤثر على وجوده في ثبوت الحكم. وهذا لأن الحكم يثبت ~~بالعلة، لكن العلة قد يقف على وجود الشرط، فلا ينعقد العلة بدونه، فلا يوجد ~~الحكم لانعدام العلة، لا لانعدام (¬5) الشرط، مع قيام العلة. فأما ما توجد ~~العلة بوجوده، فهو علة العلة، وما يوجد به الحكم فهو علة. وكذا ما يظهر به ~~الحكم. وكذا ما يوجد عنده، أو يظهر عنده، PageV01P617 # لما ذكرنا: أن العلة توجد عند وجود (¬1) الشرط، ثم يثبت الحكم بوجود (¬2) ~~العلة. ولأن انعدام الحكم لا يكون بعدم الشرط بل يكون على العدم الأصلي، ~~لأن الأصل عدم الحكم، وإنما وجوده بوجود العلة. والعلة توجد عند وجود ~~الشرط. فمتى لم يوجد الشرط لم توجد العلة، فلا يثبت الحكم، وبقي على العدم، ~~لا أن عدمه مضاف إلى عدم الشرط (¬3) أو عدم العلة. ولأن هذا إنما يستقيم ~~على قول من يقول بتخصيص العلة: وهو أنه إذا وجدت (¬4) العلة ولم يوجد ~~الشرط، امتنع وجود الحكم، لعدم الشرط جمع بقاء العلة. فأما عندنا (¬5): متى ~~لم يوجد العلة عند عدم الشرط، فيكون عدم الحكم لعدم العلة، لا (¬6) لعدم الشرط. # وما قالوا: إن العلة قد يتعلق (¬7) به الوجوب دون الوجود: لا يصح، لأن ~~العلة قد يتعلق به الوجوب، وقد يتعلق به الوجود: فإن الكسر علة وجود ~~الإنكسار. وقد يتعلق به الظهور: فإن قضاء القاضي علة (¬8) لظهور الملك ~~المدعي، وإن كان ثبوت الملك مضافا إلى السبب السابق. والله أعلم. # فصار الحاصل: # أن العلة ما يتعلق بها (¬9) الوجوب أو الوجود أو الظهور. و (¬10) الإيجاب ~~والإيجاد والإظهار من الله تعالى. # والشرط ما ms291 يتعلق به وجود العلة. PageV01P618 # والعلامة ما يكون علما على ظهور شيء وحصول (¬1) العلم به، من غير أن يكون ~~له أثر في الوجود والظهور، وإنما الظهور بغيره بمنزلة الدليل: فإت ظهور ~~الشيء وثبوت (¬2) العلم به بالاستدلال، لا بالدليل (¬3). والله أعلم. PageV01P619 # وأما بيان أقسام الشرط - فنقول: # الشرط أنواع: # - فمحل وجود نفس (¬1) العلة شرط، لأنه لا وجود للعلة بدون المحل. فالبيع ~~علة ثبوت الملك في المبيع ومحله (¬2) البائع. والشراء علة ثبوت الملك في ~~الثمن ومحله (¬3) هو المشتري. # وكذا محل الحكم أيضا: شرط، لأن العلة لا يتصور انعقادها بدون الحكم، ~~ولابد للحكم من محل صالح. # وكذا وصف محل العلة، ووصف محل (¬4) الحكم، من باب الشرط (¬5)، فإن محل ~~ثبوت الملك هو المبيع وأوصافه، بأن يكون مالا متقوما ملوما ونحو ذلك. # وكذا أهلية من يجب له الحكم، ومن يجب عليه، شرط أيضا. # وكذلك (¬6) بعض أوصاف من يجب عليه وله (¬7): شرط ثبوت الحكم أيضا. # وهذا كله في الحقيقة شروط (¬8) العلة، لأن العلة لا توجد إلا عند وجودها، ~~وإن كان بعض الأوصاف يسمى (¬9) أهلية. وشرائط الأهلية PageV01P620 # هي (¬1) وصف من يجب له وعليه (¬2)، على ما نذكر في فصل الأهلية إن شاء ~~الله تعالى. # - ومنها شرط الصحة، لا شرط انعقاد أصل السبب (¬3)، كالمساواة في عقد ~~الربا، وقبض البدلين في الصرف، وغير ذلك. # فانقسم الشرط (¬4) إلى هذه الأنواع ظاهرا، وفي الحقيقة قسمان: شرط العلة، ~~وشرط الصحة. # و (¬5) أما بيان [أنواع] (¬6) ما يسمى شرطا - فنقول: # هو أنواع ظاهرا (¬7). وفي الحاصل نوعان: شرط حقيقة، وشرط يسمى (¬8) مجازا. # والحقيقة نوعان على ما مر: شرط العلة (¬9)، وشرط الصحة. لأن (¬10) حد ~~الشرط ما (¬11) عرف، وهو ما توجد العلة عند وجوده، لا وجود الحكم ولا وجوبه ~~ولا ظهوره به ولا (¬12) عنده. # فإن كان في موضع يسمى شرطا ويضاف الحكم إليه، إما وجوبا أو وجودا أو ~~ظهورا، يكون علة، ويكون تسمية الشرط له (¬13) مجازا، لوجود صورة الشرط أو ~~المشابهة بينه وبين الشرط مع كونه علة. PageV01P621 # وكذا كل ما لا توجد العلة عند وجوده ويسمى (¬1) شرطا، يكون تسمية الشرط ms292 ~~له مجازا. # أما مثال الشرط بطريق الحقيقة - فهو كالشهادة في باب النكاح، وشروط ~~الصلاة من الطهارة والنية وستر العورة واستقبال القبلة، فإنه لا صحة للصلاة ~~ولا وجود (¬2) لها إلا عند وجود هذه الشروط. # وكذلك تعليق الطلاق والعتاق بالشرط، فإنه لا وجود لهما قبل وجود الشرط، ~~وإنما الموجود كلام يصير تطليقا وإعتاقا عند وجود الشرط. # وقال بعض مشايخنا: إن الشرط ما يمتنع (¬3) عنده الحكم دون العلة، [كما] ~~عند الشافعي. فيكون هذا الكلام تطليقا، ولكن الانطلاق وثبوت الحرمة يثبت ~~عند وجود الشرط. وبنوا على هذا الأصل مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، ومسألة ~~التكفير قبل الحنث، والنذر المعلق بالشرط، ولكن هذا يؤدي إلى القول بتخصيص ~~العلة، وهو وجود العلة قبل وجود الشرط ولا حكم له. وظاهر مذهب الشافعي رحمه ~~الله أنه لا يقول بتخصيص العلة، فلا يكون ما ذكروا من المسائل على هذا ~~الأصل، على ما يعرف في مسائل الخلاف. # وأما الشرط الذي يسمى (¬4) به مجازا لوجود صورته، وهو علة (¬5) في ~~الحقيقة أو في معنى علة العلة، فهو نحو شق الزق (¬6) وقطع حبل القنديل PageV01P622 # وحفر البئر على قارعة الطريق [وحصول] (¬1) التلف، فإنه يجب الضمان على ~~شاق الزق وقاطع الحبل وحافر البئر - لوجهين: # أحدهما - أن هذا علة التاف. فإت الإتلاف المتصور من العباد هو فعل قام به ~~من الحركة يظهر أثرها (¬2) على مجرى العادة في تلف المحل (¬3)، فإن ~~المتولدات (¬4) مفعوك الله تعالى على الحقيقة عندنا، لا فعل للعباد فيها ~~أصلا. وعند المعتزلة: أفعال العباد تسبيبا لا مباشرة. ولكن إذا كان العبد ~~منهيا عن الحركة التي يظهر أثرها في تلف شيء معصوم متقوم (¬5) يكون علة ~~التلف، في حق وجوب الضمان، صيانة لعصمة الأموال والأنفس، لأن الإتلاف ما ~~يحصل التلف عقيبه غالبا بطريق العادة وقد وجد، إلا إذا وجد التلف عقيب فعل ~~غيره (¬6) عن اختيار، وهو الإيقاع في البئر، كان الإضافة إليه أولى من ~~الإضافة إلى الحفر السابق، إلا أنه في صورة الشرط، لأنه إزالة المانع عن ~~سيلان الدهن، ووقوع القنديل، والوقوع في البئر. وإزالة المانع شرط ms293 في ~~الأصل، ولكنه علة شرعا، فيضاف الحكم إليه، لكونه علة، لا لكونه إزالة ~~المانع. # والثاني - وهو أن سيلان الدهن علة التلف، فإنه يختلط بسببه بالتراب، في ~~خرج من أن يخكون منتفعا به، أو يمتزج بالماء، إلا أن (¬7) كونه سببا، لا ~~خلقة، يثبت (¬8) بفعل الله تعالى، فلا (¬9) يمكن إضافة الحكم إليه، PageV01P623 # فيضاف (¬1) إلى الشرط الذي هو فعل العباد، احتياطا في عصمة الأنفس ~~والأموال (¬2). وكذلك الثقل علة الوقوع في مكان خال عن الجسم المانع، وإنه ~~(¬3) ولا الشق والحفر لما صار كونه سببا لها (¬4)، أو ثقل الماشي عاملا، ~~لأن الثقل إنما يعمل في السقوط في المكان الخالي وهو إزالة (¬5) المسكة. ~~وكذا السيلان (¬6): إنما يسيل الدهن (¬7) إذا لم يكن في الزق، ووجد طريقا ~~خاليا عن المانع، فهو بالشق والحفر جعله عاملا، فيصير في معنى علة العلة. ~~نظيره: رمي (¬8) السهم إذا أصاب شيئا محترما، فأتلفه، لما قلنا. # والوجه الأول أصح. # ونوع آخر - يسمى شرطا وهو في معنى السبب، وهو إزالة المانع عما هو علة، ~~بطريق الاختيار، كمن (¬9) حل قيد عبد إنسان حتى أبق، فإنه لا يجب الضمان ~~على الحال، لأن حل القيد إزالة المانع عن الإباق، لكن الإباق فعل فاعل ~~(¬10) مختار، فلا يضاف إلى الحل، فلا يكون شرطا، لأنه لم توجد العلة عنده ~~لا محالة، لكنه في معنى السبب، لأنه بسبب حل القيد، يتمكن العبد من الإباق، ~~فيكون مفضيا إليه في الجملة، PageV01P624 # لكن السبب متى اعترض عليه فعل فاعل (¬1) مختار، يضاف الحكم إليه، ولا ~~يضاف إلى الفعل السابق (¬2). ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف، رحمة الله ~~عليهما، فيمن فتح باب قفص فطار (¬3) الطير، أو فتح (¬4) باب اصطبل فجرت ~~(¬5) الدابة وضلت: إنه لا يضمن، لما ذكرنا. # ونوع آخر - إن العلة إذا كانت ذات وصفين، ووجد الوصفان معا، فكل واحد كل ~~منهما شرط عند الانفراد، لأن الآخر يوجد عنده، وهما جميعا علة. وإذا وجدا ~~على التعاقب فالعلة هو الوصف الأخير عندنا، خلافا لزفر رحمه الله. والأول ~~شرط في معنى السبب (¬6). # ونوع آخر - عند بعض مشايخنا، هو شرط ms294 في معنى العلامة، وهو الإحصان، لأن ~~الشرط ما يمنع انعقاد العلة إلى أن يوجد الشرط، كما في الشرط في تعليق ~~الطلاق والعتاق، فإن صورتهما (¬7) موجودة، وتوقف انعقادهما علة (¬8) على ~~وجود الشرط. ومثل هذا لا يوجد في الزنا بحال، لأن الزنا لا يتوقف حكمه على ~~إحصان يحدث، فثبت أنه ليس بشرط، ولكنه علافة (¬9) لكونه معرفا لحكم الزنا. ~~ولهذا قلنا: إن الذكورة ليست بشرط في شهود الإحصان، لأنه معرف، وليس بشرط ~~(¬10). PageV01P625 # إلا أن هذا لا يصح، لأن الشرط ليس بمانع انعقاد العلة، بل لم ينعقد العلة ~~عند عدم الشرط، فميكون (¬1) على العدم الأصلي. ألا يرى أن أركان الصلاة إذا ~~وجدت بصورتها لم تنعقد صلاة عند حدوث شروطها بعدها، لكن لابد أن يكون الشرط ~~(¬2) مقارنا حال وجود العلة، لتوجد العلة عند وجوده. والزنا لا ينعقد علة ~~لوجوب الرجم إلا إذا وجد حال وجود الإحصان، فيكون الإحصان شرطا لانعقاد ~~الزنا علة، فأما في شهود الإحصان [ف] لم يشترط الذكورة لأنها شرط، فلا (¬3) ~~يضاف إليه وجوب الحكم، ولا وجود العلة. فاشتراط (¬4) الذكورة في علة ~~العقوبة، لا يكون اشتراطا فيما هو شرط العلة. # وزفر يجعله في معنى علة العلة. ونحن نمنع (¬5) - على ما عرف في مسائل ~~الخلاف. والله أعلم. # فضل - في بيان (¬6) شرائط القياس والعلة: # فنقول: # لصحة القياس شرائط: # منها - وجود أصل معلول، معقول المعنى: إما النص أو (¬7) الإجماع، ليعرف ~~الحكم فيه. # - ولابد من وصف مؤثر (¬8) في ثبوت ذلك الحكم. PageV01P626 # - ولابد من وجود فرع وجد فيه مثل ذلك الوصف، ليثبت مثل ذلك الحكم فيه (¬1). # لأن القياس لا يكون إلا بين (¬2) شييئن بينهما مشابهة في الوصف المؤثر، ~~ولا وجود له إلا عند وجود الأصل، والفرع، والوصف الدي هو ركن العلة (¬3) أو ~~علة، على حسب ما اختلفوا (¬4) فيه. فقد وجد حد الشرط في الأصل، والفرع، وهو ~~وجود ركن القياس عندنا (¬5). # ثم النصوص، في الأصل، هل هي معلولة أم (¬6) تحتاج إلى دليل؟ اختلفوا فيه (¬7): # قال أصحاب الظواهر: إنها غير معلولة لما ذكرنا. # وقال بعض القايسين بأنها غير معلولة (¬8) في ms295 الأصل، إلا إذا قام الدليل ~~من حيث النص والإجماع أنه معلول. # وقال عامة مثبتى القياس: إن النصوص معلولة في الأصل، إلا إذا قام الدليل ~~على أنه لا يمكن تعليل بعضها. وهو قول الشافعي وقول بعض أصحابنا، رحمهم الله. # وقال بعض أصحابنا: إن النصوص، وإن كانت معلولة في الأصل، ولكن لابد من ~~دليل زائد على أن الأصل، الدي نريد استخراج العلة منه، PageV01P627 # أنه معلول، إلا إذا اتفقوا على كونه معلولا (¬1)، مع اختلافهم في الوصف ~~الذي هو علة، كما في النص الوارد في باب الربا، وهو قوله عليه السلام: ~~"الحنطة بالحنطة" (¬2): اتفقوا (¬3) أنه معلول. ولكن عندنا: العلة (¬4) وصف ~~كونه مكيلا. وعند الشافعي رحمه الله: وصف (¬5) كونه مطعونا. وعند مالك رحمه ~~الله: كونه مقتاتا (¬6). # وجه قول الأولين: إن الحكم ثابت بظواهر النصوص، وبالتعليل يتغير حكم النص ~~من حيث الظاهر، فإن في قوله عليه السلام: "الحنطة بالحنطة، مثلا بمثل، يدا ~~بيد، والفضل ربا" (¬7) حكم النص: حرمة فضل الحنطة على الحنطة في البيع، ~~وبالتعليل يتغير ويصير حكم النص هو حرمة بيع (¬8) المكيل بالمكيل في الجنس ~~متفاضلا (¬9)، سواء كان حنطة (¬10) أو غيرها. هذا عندنا - وعند الشافعي ~~رحمه الله، حرمة بيع المطعوم لي المطعوم متفاضلا سواء كان حنطة أو غيرها ~~(¬11). وإذا كان PageV01P628 # كذلك، فالأصل هو إجراء النص على حكمه دون التغيير، وإنما يثبت التغيير بدليل. # وفي قول الفريق الثاني: إن القياس لما كان حجة وواجب العمل به (¬1)، وذلك ~~لا يكون إلا بالعلة، فكان الأصل هو وجود المعنى المودع في النصوص، حتى يمكن ~~القياس، لأن إيجاب القياس في غير موضع الإمكان لا يجوز، [ف] يجب أن يكون ~~الأصل هو كون النص معلولا، إلا إذا قام الدليل على أن النص غير معقول ~~المعنى، فيجب التمسك بالأصل. # وجه قول الفريق الأخير، وهو أن النصوص على ضربين: معلولة وغير معلولة، ~~وإن كان كونها معلولا هو الأصل، ولكنه ثابت من حيث الظاهر مع الاحتمال، فلا ~~يكون حجة في حق الإلزام على الخصم، بمنزلة ظاهر اليد: حجة في حق الدفع، دون ~~الإلزام على ms296 الغير (¬2) - كذا هذا. # إلا أن الصحيح قول من قال من الفقهاء إن النصوص معلولة في الأصل: # - لأن أحكام الله تعالى مبنية على الحكم ومصالح العباد. والمعنى بقولنا ~~(¬3) النصوص معلولة هذا: أن أحكام الله تعالى متعلقة بمعان ومصالح (¬4) ~~وحكم، فإن كانت معقولة يجب القول بالتعدية، ويجوز (¬5) أن يكون البعض: مما ~~لا نعرفه بعقولنا، فيكون الأصل ما قلنا. # - ولأن الأصل إذا كان واحدا، واستخرج منه كل من خالف علة (¬6)، لتعلق ~~الحكم بها، فيكون الأصل معلولا باتفاقهم، وإن كان (¬7) كل PageV01P629 # واحد استخرج من أصل على حدة، فمتى علله (¬1) بوصف مؤثر ووجد فيه ما هو حد ~~العلة، يكون معلولا أيضا (¬2). # فلا حاجة إلى قيام النص أو الإجماع على كونه معلولا - ألا ترى أن الصحابة ~~اختلفوا في أشياء، واستنبط كل واحد منهم (¬3) من أصل، غير الأصل الذي ~~استنبط منه صاحبه، ولم ينكر عليه صاحبه، ولم يرد عليه: بأن ما ذكرت من ~~الأصل غير متفق عليه. وما أدى إلى خلاف إجماع الصحابة، فهو باطل. # ومنها - أن العلة التي يقاس الفرع على الأصل بها، يجب أن يكون مطردة في ~~جميع الفروع، فيكون الاطراد شرط صحة العلة، لكن لا يكون دليل الصحة على ما ~~مر (¬4). # وهذا على قول من لم يجوز تخصيص العلة. # فأما على قول من يجوز تخصيص العلة، فالاطراد ليس بشرط صحة العلة، بل هو ~~دليل الصحة (¬5). # والقائلون بتخصيص العلة هم (¬6) المعتزلة غير صاحب "المعتمد" من ~~المتأخرين منهم (¬7). ومشايخ العراق من أصحابنا رحمهم الله. وبه قال القاضي ~~الإمام أبو زيد رحمه الله. PageV01P630 # وعلى قول مشايخ سمرقند - وهو قول الشيخ أبري منصور الماتريدي رحمه الله: ~~لا يجوز. وهو قول مشايخ بخارى قديما وحديثا (¬1). # وهو أظهر قولي (¬2) الشافعي رحمه الله. وأصحابه مختلفون فيه. # وهذا الاختلاف (¬3) في العلة المستنبطة. # فأما في العلة المنصوصة [فقد] اختلف من لم يجوز التخصيص في العلة ~~المستنبطة: # بعضهم قالوا: يجوز. # وبعضهم قالوا: لا يجوز. # وجه قول (¬4) المجوزين لتخصيص (¬5) العلة: وهو أن المعنى للأحكام بمنزلة ~~اللفظ العام في تناول المسيمات الداخلة تحته، فإن المعنى يوجب ms297 أن يكون ~~الحكم به ثابتا في جميع المواضع التي (¬6) وجد فيه، كما أن اللفظ يقتضي أن ~~يتناول (¬7) جميع المسميات الداخلة تحته. ثم جاز تخصيص الاسم العام بدليل ~~يقوم أنه غير مراد به - فكذا وجب أن يجوز: أن يقوم (¬8) دليل آخر يبين أن ~~الحكم غير ثابت به في الموضع المخصوص، والمعنى الجامع بينهما أن كل واحد ~~منهما علم على الأحكام، إذ الأحكام تارة تثبت بالأسماء وتارة بالمعاني، ~~ولأن عامة أحكام الله تعالى وعباداته واجبة على العموم ثم تسقط (¬9) في ~~حالة الضرورة والحرج. وهذا هو PageV01P631 # تفسير الخصوص، فإن المعاني التي تقتضي الوجوب في حالة الاختيار لم ينعدم ~~حالة الضرورة، ثم امتنع الحكم لمكان الضرورة والحرج. وفي المحرمات من ~~الميتة وغيرها: ثبتت مطاقة لمعان معلومة، ثم أحلت حالة الضرورة مع قيام ~~المعنى الوجب للحرمة، لاعتراض الضرورة. # وكذلك قال أصحابنا رحمهم الله بالقياس والاستحسان، وهو تفسير الخصوص. فإن ~~معنى القياس يوجب الحكم عاما في كل موضع وجد فيه، ثم استحسنوا في موضع، ولم ~~يثبتوا في موضع الاستحسان ذلك الحكم، بل خلافه مع وجود معنى القياس، لنص ~~ورد أو لضرورة دعت أو لمصاحة ظهرت - وهذا عين تخصيص العلة. # وجه قول المنكرين لتخصيص العلة: إن القول بالجواز يؤدي إلى نسبة (¬1) ~~التناقض إلى الشرع، تعالى الله (¬2) وجل، عن ذلك. بيانه أن من بين علة في ~~موضع الإجماع وجعل حدها هو التأثير (¬3) أو الاطراد أو الإخالة، على حسب ما ~~اختلفوا فيه، ثم إذا وجدت تلك العلة في موضع آخر متعرية عن الحكم, فلا ~~يخلو: إما أن يقول بأن ذلك الوصف علة شرعا في ذلك الوضع، لكن امتنع الحكم ~~لمانع. أو يقول بأنه يخرج من أن يكون علة فيه، لمانع شرعا. فإن قال بأنه ~~علة فيه ولم يثبت الحكم لمانع، فقد نسب التناقض إلى الشرع، لأن (¬4) علل ~~الشرع كلها (¬5) أمارات ودلائل على أحكام الله تعالى، والدليل ما يظهر به ~~المدلول، فكأن الشرع PageV01P632 # نص على أن هذا الوصف دليل على (¬1) هذا الحكم أينما وجد، ومتى خلا الدليل ~~عن المدلول، فقد ms298 جاءت المناقضة. # فإن (¬2) قال: يخرج من أن يكون علة شرعا. فقد نسب التناقض في حد العلة ~~إلى الشرع، فإن (¬3) التأثير أو الاطراد الذي جعله علامة العلة ودليلها ~~موجود وليس بعلة. وقد نسب إلى الشرع أن بوجود التأثير صار (¬4) هذا الوصف ~~علة أينما وجد وظهر بخلافه. وكل قول يؤدي إلى نسبة التناقض إلى الشرع باطل، ~~لأن التناقض (¬5) أمارة الجهل أو السفه، وذا أمارة النقض (¬6)، والشرع منزه ~~عن سمات النقض (¬7). # فأما (¬8) تخصيص اللفظ (¬9) العام، فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما - أنه لا فرق بين الأمرين: فإن من علق الحكم بظاهر اللفظ، ثم جوز ~~تخصب ص اللفظ، فقد ناقض (¬10). فإن من قال في قوله تعالى: "اقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم" (¬11): حكم النص إباحة قتل المشرك باسم الشرك (¬12)، ثم قال ~~بحرمة قتل الذمي مع كونه PageV01P633 # مشركا، فقد ناقض، كما في تخصيص العلة، إلا أن في العام: إذا قام دليل ~~تخصيص الذمي عن النص، تبين أن إباحة القتل غير متعلقة (¬1) بمطلق اسم ~~المشرك، ولكن بقتل مشرك مقيد بكونه محاربا، كأنه تعالى (¬2) قال في ~~الابتداء: "اقتلوا المشركين المحاربين" فلا يكون المشرك الذي ليس بمحارب ~~مرادا بالنص، وذكر المطلق على إرادة المقيد جائز، لأن هذا من باب الكلام ~~والإضمار، والتقييد جائز فيه، فلا يؤدي إلى التناقض. # فأما المعلل (¬3) إذا ذكر الوصف علة على الإطلاق، وادعى كونه علة شرعا، ~~وبعد قيام التخصيص، يقول إنه علة أيضا، ولكن امتنع حكمه لمانع، فلم يكن فيه ~~ذكر المطلق على إرادة المقيد، فيكون تناقضا. ولو قال إنه علة مع ذلك القيد ~~وأراد أن (¬4) الشرع جعل ذلك الوصف علة مع ذلك القيد، فلم يكن علة بدونه، ~~فكان (¬5) انعدام الحكم لعدم العلة، لا لمانع مع قيام العلة - فهو صحيح، ~~لكن المعلل صار مناقضا في خبره عن الله تعالى - في جعل الوصف مطلقا علة ~~(¬6). فعلى هذا لا فرق بين تخصيص العام والعلة: فإن من علق الحكم في ~~الموضعين بظاهر اللفظ (¬7) والوصف، ثم وجد اللفظ والوصف متعريا عن الحكم، ~~فقد ناقض. ولو (¬8) قال: إني أريد باللفظ المطلق هو ms299 المقيد في العام، ~~وبالوصف المطلق المقيد، لم يكل مناقضا، لكن لا يسمع هذا في حق العلل، PageV01P634 # لأنه يجوز المناقضة عليه. فأما في حق العام، في سمع (¬1)، لقيام الدليل ~~على أنه لا يجوز وصف الله تعالى بالتناقض، ولكن يصير المعلق للحكم بعين ~~اللفظ في العام وبعين الوصف في العلة، مناقضا إذا وجد في موضع من المواضع ~~من غير حكم - والله الموفق. # والثاني - أن الحكم ثابت بظاهر النص على العموم من غير أن يكون متعاقا ~~بالاسم، كقو له تعالى: {فاقتلوا المشركين ...} (الآية) " (¬2) ثبوت إباحة ~~قتل المشركين لا لكونهم مشركين، حتى يتعلق الحكم باسم المشركين, ولا بمعنى ~~ما. فلما خص أهل الذمة، صىار المراد من العلم البعض، كأنه قال تعالى: ~~"اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة" وإطلاق اسم الكل على البعض جائز. أما في ~~العلة [فقد] علق الحكم بالعلة، فيكون التخصيص مناقضة على ما ذكرنا (¬3). # وقولهم: إن القول بالقياس والاستحسان من باب تخصيص العلة. فليس كذلك، ~~لأنا لا (¬4) نقول إن (¬5) معنى القياس في موضع الاستحسان قائم، ولا حكم له ~~(¬6)، بل تبين (¬7) أن ذلك المعنى لم يتعلق به الحكم (¬8) وحده، بل به ~~وبالمعنى الذي وجد في موضع الاستحسان، فينعدم الحكم في موضع القياس، لعدم ~~المعنى الوجب لذلك الحكم، بعدم معنى زائد، لا أنه علة، ينعدم الحكم في موضع ~~الاستحسان مع قيامه - فدل أنه ليس من باب تخصيص العلة - والله أعلم. PageV01P635 # ومن شرائط صحة القياس أيضا: # أن يكون الحكم في النصوص عليه ثابتا بالوصف الذي جعل علة، حتى يثبت مثل ~~ذلك الحكم، في غير المنصوص عليه، لوجود (¬1) مثل ذلك المعنى. أما متى لم ~~يكن الحكم في الأصل ثابتا بالعلة، فكيف يثبت في الفرع، بمثله. # وهذا على قول مشايخ سمرقند. وهو قول الشيخ الإمام الأجل (¬2) أبي منصور ~~الماتريدي (¬3) رحمه الله. وهو قول الشافعي رحمه الله. # وقال مشايخ العراق: هذا ليس بشرط، والحكم في النص لا يثبت بالعلة، بل ~~بعين النص، ولكن الوصف في الأصل جعل علما على كونه علة للحكم في الفرع (¬4). # ويبتنى على هذا أن العلة ms300 القاصرة في موضع النصل والإجماع، والعلة ~~المتعدية (¬5) عنهما إلى الفروع، صحيحة عند الفريق الأول، ولا يجوز عند ~~الفريق الثاني إلا العلة المتعدية (¬6). # وعلى هذا المذهب أكثر المتأخرين من أصحابنا رحمهم الله اتباعا للقاضي ~~الإمام أبي زيد رحمه الله. # وجه قول من قال: إن الحكم لا يثبت بالعلة في المنصوص عليه: PageV01P636 # [أولا] أن النص دليل مقطوع به، والعلة دليل من حيث الظاهر، مع الاحتمال، ~~فكان إضافة الحكم إلى الدليل القطعي أولى - على أن إضافة الحكم إلى الدليل ~~المحتمل مع إمكان الإضافة إلى الدليل القطعي من باب السفه في الشاهد، والله ~~تعالى منزه عن صفات النقص، فلا يجوز القول بما يفضي إلى نسبة السفه إليه. ~~ولأن هذا الوصف موجود قبل الشرع، ولا حكم له، ولو كان وجود الوصف يقتضي ~~الحكم لا محالة، يقتضي أن لا يجوز خلوه عن الحكم. ولكن لما كان علة بالشرع، ~~فيكون علة في الموضع الذي جعله الشرع علة، والشرع جعله علة في الفرع لا في النص. # ولا يقال: إن الحكم في المنصوص عليه (¬1) إذا لم يكن ثابتا بالعلة كيف ~~يتعدى (¬2) إلى الفرع ولا نص في الفرع؟ كيف يثبت الحكم في الفرع بالقياس؟ ~~لأنا نقول: بلى ولكن الحكم يثبت بإثبات الله تعالى، فهو المثبت للأحكام، ~~والنص دليل وعلم على حكم الله تعالى، والله تعالى كما جعل النص دليلا على ~~ثبوت الحكم في المنصوص عليه، جعل العلة أمارة ودليلا (¬3) على ثبوت الحكم ~~في الفرع، فمتى قاس شيئا على المنصوص عليه الذي فيه وصف وعلة على ثبوت ~~الحكم في الفرع وقد وجد مثل ذلك الوصف فيه، يكون قياسا صحيحا. # والثاني: أن العلة في موضع النص مؤثرة صالحة لثبوت (¬4) الحكم بها في ~~المنصوص عليه، كما هي صالحة مؤثرة في ثبوت الحكم في الفرع، PageV01P637 # إلا أن النص أقوى من العلة، فاستحق حكمها بدليل فوقه. وهذا لا يقدح في ~~كونها مؤثرة في الفرع، لأنه ليس في الفرع دليل أقوى منه. ونظيره: الشركة ~~علة استحقاق الشفعة، والجوار علة أيضا، وفي موضع الشركة وجدت علتان: الشركة ms301 ~~والجوار، لكن الشركة أقوى منه (¬1)، فيصير علة، وبهذا لا يخرج الجوار من أن ~~يكون علة في غير موضع الشركة - كذلك ههنا. # والثالث: ما قاله بعض مشايخنا: إن الحكم في حق المنصوص عليه مضاف (¬2) ~~إلى النص دون العلة، وفي حق غير المنصوص عليه مضاف إلى العلة، فيكون الحكم ~~ثابتا في النص بالعلة في حق الفرع لا في المنصوص عليه - هذا كما قال ~~أصحابنا رحمهم الله في مسألة الصلح عن (¬3) الإنكار: إن المدعى به (¬4) ~~ثابت في حق المدعى لا في حق المدعى عليه. وفي حق المدعى عليه ثابت لا في حق ~~المدعي، فيعتبر زعم كل واحد منهما في حقه لا في حق صاحبه، كذا هذا، وفيه نظر. # وجه قول مشايخ سمرقند: # [أولا]: إن القياس صحيح بإجماع القايسين، وإنما يتحقق القياس [إذا] كان ~~(¬5) الحكم ثابتا في المنصوص عليه بالعلة، حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم، ~~يمثل تلك (¬6) العلة. فأما إذا كان الحكم ثابتا في الأصل بالنص، لا بالعلة، ~~ولا نص في الفرع ولا يثبت بالعلة في الأصل، لم يتصور PageV01P638 # إثبات مثل حكم الأصل، بمثل الوصف الذي في الفرع، وإنما يصح إذا كان الحكم ~~في الأصل ثابتا بالعلة، ليثبت في الفرع مثله، بمثل ذلك الوصف. فكان إجماعهم ~~على صحة القياس إجماعا على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة (¬1). # قولهم: إن النص أقوى - فنقول (¬2): # [أولا]: النص غير مثبت للحكم، ولم يكن ثبوت الحكم مضافا إليه، وإنما يثبت ~~بالنص معرفة الحكم والعلم به. وإنما المثبت للحكم هو الله تعالى، لكن قد ~~يثبت لمعنى (¬3) وسبب لما يرى من الحكمة فيه، ويقام السبب مقامها (¬4). وقد ~~يثبت الحكم ابتداء من غير سبب إذا كانت الحكمة في اقتصار الحكم على موضع ~~النص لاغير. فكان حظ العلة ثبوت الحكم. وحظ النص هو معرفة الحكم. فيكون ~~العلة في حق الحكم أقوى من النص، لأن المعرفة بناء على الثبوت وإن كان النص ~~دليلا قاطعا، والعلة المستنبطة ليست (¬5) بقاطعة. على أن العلة قد تكون ~~قاطعة بأن كانت منصوصة - فما قولكم أنه هل يضاف إلى ms302 العلة مع الإضافة إلى ~~النص؟ فإن قلتم: لا يضاف، دل أنه لا تأثير لما قلتم. وإن قلتم: إنه (¬6) ~~يضاف، دل أن الحكم في المنصوص عليه يضاف إلى العلة. # والثاني: إن كان ثبوت الحكم يضاف إلى النص [فإنه] يجوز (¬7) أن يكون ~~مضافا إليهما، لأن العلة الشرعية في الحقيقة دليل حكم الله تعالى، PageV01P639 # ويجوز أن يكون لمدلول واحد دلائل، وإن كان البعض أظهر من البعض. # والجواب الأول أصح. # قولهم: إن هذا الوصف موجود قبل ورود الشرع ولا حكم له - فنقول (¬1): نحن ~~لا ندعى كون الوصف علة لعينه حتى يقال: يجب أن يثبت به الحكم في كل موضع ~~وجد عينه، وإنما يعرف علة بالشرع، وهو النص والاستدلال باعتبار تأثيره في ~~جنس هذا الحكم في الشرع، وهذا لا يعرف إلا بعد ورود الشرع. ثم بعد (¬2) ~~ورود الشرع متى عرف كونه علة بالنص، يكون الحكم مضافا إليه بالإجماع، في ~~موضع النص وفي الفرع، فكذا إذا عرف بالاستدلال: يجب أن يضاف إلى العلة في ~~المنصوص وغيره. وهو دليل مبتدأ في المسألة: أن العلة إما أن نعرف بالنص أو ~~بالاستدلال. ومتى عرفت (¬3) بالنص، تثبت (¬4) في كل موضع وجدت فيه العلة. ~~فكذا إذا عرف (¬5) بالاستدلال، يجب أن يكون علة، في كل موضع وجد، لأن (¬6) ~~دليل صحة العلة هو التأثير الذي به. يعقل كون الوصف علة ويترجح على غيره من ~~الأوصاف. فمتى وجد، ولا يثبت به الحكم، بطل كونه دليلا، لأن الدليل متى وجد ~~ولا يضاف إليه المدلول لا يكون دليلا ويتناقض دلالته - والله أعلم. PageV01P640 # ومن شرائط صحة القياس أيضا: # أن لا يكون مخالفا للنص، لأن الشرع جعل القياس حجة موجبة للعمل (¬1)، ~~بشرط أن لا يكون مخالفا للنص، لأن القياس دون النص - قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تقضي" قال: "بكتاب الله تعالى" ~~قال: "فإن لم تجد" قال: "بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فإن ~~لم تجد" قال: "أجتهد في ذلك (¬2) رأيي" فقال عليه السلام: "الحمد لله الذي ~~وفق رسول رسوله". ms303 ولأن القياس دليل [من أدلة] الشرع، فلا يجوز أن يكون ~~قياسا صحيحا مخالفا للنص (¬3)، لأن دلائل الشرع لا يتناقض، فمتى وجدت ~~المخالفة ظاهرا، دل على كون القياس فاسدا - والله أعلم. # هذا هو المراد، لا أن القياس صحيح، والنص مخالف له، حتى يقال ورد النص ~~بخلاف القياس - على ما نذكر (¬4). # ومن شرائط صحة (¬5) القياس: # أن يكون الحكم الذي يقاس أمرا شرعيا أو عقليا، لا اسما لغويا. # وقال بعض أصحاب الشافعي رحمه الله: إن (¬6) القياس يجري في إثبات الأسامي ~~واللغات. وبنوا على هذا: مسألة النبيذ، وهو المطبوخ المثلث المسكر: إن حكمه ~~و (¬7) حكم الخمر سواء، وإن كان النص ورد باسم الخمر، ولكن إنما سمي خمرا، ~~لكونه مخامرا للعقل، والنبيذ PageV01P641 # المسكر في معناه، فإثبات اسم الخمر لذلك المايع المسكر يكون إثباتا ~~للنبيذ. # ولكن هذا فاسد عندنا، لأن (¬1) القارورة في وضع اللغة اسم مأخوذ من ~~القرار، وهو ما يقر الماء فيه، ثم لا يطلق هذا الاسم في الكوز من الخزف ~~والحجر والذهب والفضة مع وجود هذا المعنى - ولهذا نظائر. ولكن الاسم متى ~~وضع لعين خاص بهيئة مخصوصة وصفات معلومة، فلا يقاس (¬2) ما ساواه (¬3) في ~~المعنى المقصود منه، مع المخالفة في الصورة، بل المعتبر فيه الوضع، ولو عدي ~~الاسم من الموضع (¬4) إلى غيره باعتبار المساواة في المعنى المقصود الظاهر، ~~يسمى ذلك مجازا لا حقيقة، على ما ذكرنا في فصل الحقيقة والمجاز. # وذكر القاضي الامام (¬5) أبو زيد رحمه الله شروطا أربعة لصحة القياس. # أحدها - أن لا يكون الأصل مخصوصا بحكمه (¬6) بنص آخر. مثاله: قبول شهادة ~~خزيمة وحده (¬7)، مع شرط العدد في حق سائر الناس، لاختصاصه بهذه الكرامة. ~~وكذا حل تسع نسوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين سائر الناس. و ~~(¬8) لو جاز تعليل ذلك، لبطل الاختصاص. PageV01P642 # و (¬1) الثاني: أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس. مثاله أن أكل ~~الناسي لا يفسد الصوم بالنص، مخالفا لقياس الأصول، لأن الأكل مضاد لركن ~~(¬2) الصوم، ولا بقاء للشيء مع ما يضاده وينافيه، فلا يجوز تعليل النص ms304 ~~الوارد في حق الناسي وقياس غيره عليه (¬3)، لأن تعليل النص لاثبات مثل حكمه ~~في غيره، والنص متي كان بخلاف القياس يكون مانعا للقياس. # والثالث: أن (¬4) يبقى حكم النص بعد التعليل، كما كان قبله، من غير تغيير ~~(¬5)، لأنه يصير التعليل مبطلا لحكم النص. مثاله: ما قال الشافعي رحمه ~~الله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "في خمس من الإبل شاة". حكم ~~النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوزنا التعليل لا يبقى حكم النص، وهو وجوب ~~الشاة، بل هو مخير عندكم بين أن يؤدي عين الشاة وبين أن يؤدي قيمتها، وهذا ~~مناقضة حكم الوجوب. # والرابع: أن يتعدى عن الحكم (¬6) الثابت بالنص إلى غيره من غير تغير، أي ~~يثبت مثل ذلك الحكم الثابت بالنص ظاهرا من غير تغير. مثاله: ما قال الخصم ~~في هذه المسألة أيضا: إن حكم النص وجوب أداء الشاة بصورتها ومعناها، وبعد ~~التعليل يتغير حكمه عن (¬7) الصورة. # ولكن أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: إن ما ذكر لا يصلح أن يكون شرط صحة ~~القياس، لأنه يمنع ثبوت حكم القياس، فيمنع وجود القياس، ولا يتصور وجود حكم ~~القياس مع هذه الشرائط. PageV01P643 # بيانه أن حكم القياس ثبوت عين الحكم المنصوص عليه بعين الوصف الذي تعلق ~~به الحكم، أو ثبوت مثل ذلك الحكم بمثل ذلك الوصف. وهذا لا يتصور ثبوته في ~~الفرع مع هذه الشروط (¬1)، فان حكم ظاهر النص في قوله عليه السلام: "الحنطة ~~بالحنطة، مثلا بمثل، يدا بيد، والفضل ربا" ثبوت حرمة الفضل على الكيل في ~~الحنطة، وعين هذا الحكم أو مثله لا يتحقق في الجص، فإن الحكم ثم (¬2) حرمة ~~الفضل على الجص، وحرمة الفضل على الحنطة غير حرمة الفضل على الجص (¬3)، ~~فيكون منعا لوجود القياس، فكان القول باشتراطه إنكارا (¬4) للقياس. ولعمري ~~يصلح هذا حجة لمنكري القياس ونفاته، ولكن من جوز القياس وتعرف (¬5)، ~~بالتأمل في دلائل الشرع، فيعرف، إما بدليل قطعي أو بدليل اجتهادي، على أن ~~حكم النص حرمة فضل مكيل جنس مطلقا، أي شيء كان: البر أو غيره، ويكون الوصف ~~المؤثر هو ms305 كونه فضل مكيل جنس، فأمكنه التعادية إلى الجص والأرز وكل مكيل، ~~وإن كان هذا تغيير (¬6) ظاهر النص، ولكن لما عرف بما يعرف به سائر الأشياء، ~~إما النص أو الاستدلال، على أن حكم النص هذا، دون ما هو حكم ظاهر النص، يجب ~~القول به، وبثبوت مثله في الفرع على ما نذكر في فصل الحكم بأبلغ من هذا. PageV01P644 # ويتبين بهذا أن أحكام الله تعالى لم تتعلق بالألفاظ والأسامى، وإنما ~~تعلقت بالحكم والمعاني، فلا يكون تغييرا حقيقة، وهو جوابنا لنفاة القياس. # وبهذ الطريق - قلنا، في مسألة دفع القيم (¬1)، إن بالتعليل يظهر أن حكم ~~النص ليس هو وجوب أداء الشاة في خمس من الإبل، بل الحكم: إما وجوب جزء من ~~النصاب من حيث إنه مال مقدر بمالية الشاة، أو وجوب أداء مالية الشاة. عرفنا ~~ذلك بدلائل ظاهرة، ثم أثبتنا في الفروع (¬2) من غير تغيير، إذ ما (¬3) هو ~~طريق القياس يوجد في كل حكم على ما نذكر، فلا معنى للامتناع عن القياس في ~~بعض المواضع دون البعض مع وجود الطريق، فيكون مناقضة من مثبتى القياس، ~~فيكون إجماعا منهم على القياس في كل موضع وجد طريقه، وذلك يقتضي ما قلنا # وأما اشتراط كون الأصل غير معدول به (¬4) عن القياس، وغير مخصوص بحكمه ~~بنص آخر: # [ف] إنما يستقيم على قول من يقول بتخصيص العلة: فإن عندهم، إذا ورد نص ~~بخلاف ذلك القياس، يكون القياس صحيحا، وامتنع حكمه بالنص. # فأما (¬5) عند من قال إن تخصيص العلة لا يصح، [ف] يقول: إن النص إذا ورد ~~بخلاف ذلك القياس، يتبين أن ذلك القياس باطل، لأن العلة، ما لها حكم، وكل ~~(¬6) ما لا حكم له من العلل، لا يكون علة. PageV01P645 # وهذا هو الصحيح، لأن القياس حجة من حجج الشرع، فلا يجوز أن يرد (¬1) النص ~~بخلافه، فيؤدي إلى التناقض، فيكون حكم القياس صحيحا، وضده يكون صحيحا، وحكم ~~القياس لا يحتمل النسخ. # وإذا ثبت هذا، فالقول بكون حكم الأصل غير معدول به (¬2) عن القياس، قول ~~بتخصيص العلة، فلا يصح هذا الشرط على قول ms306 منكري تخصيص العلة (¬3)، ولكن ~~إنما لا يصح عندهم قياس غيره عليه (¬4)، لأنه غير معقول المعنى، وكون الأصل ~~معقولا شرط لصحة القياس، لا أنه ثابت بخلاف القياس. # ولا يقال بأن عندهم إذا كان الأكل علة فساد الصوم، ثم ورد النص ببقاء ~~الصوم مع الأكل ناسيا، كيف يبقى الأكل (¬5) علة؟ وكذا (¬6) العدد: شرط في ~~باب الشهادة، ثم ورد النص في حق خزيمة (¬7) بقبول شهادته وحده، والعلة، ~~التي بها شرط العدد، قائمة في حقه [ف] كيف يكون قول خزيمة وحده حجة؟ فيكون ~~مناقضة لولا التخصيص. وكذلك (¬8) المعنى الذي به حرم (¬9) زيادة العدد على ~~الأربع: ثابت في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكيف يثبت الحل في حقه ~~لولا التخصيص؟ وإلا لزم التناقض (¬10) - لأنا نقول: هذا إشكال في مسألة ~~تخصيص العلة، PageV01P646 # وقد ثبت ههنا أن اشتراط هذا الشرط يؤدي إلى القول بتخصيص العلة، وقد ثبت ~~فساده عند منكريه، فلا يصلح أن يكون هذا شرطا عندهم. ثم عذرهم أن مطلق ~~الأكل ليس علة فساد الصوم، ولكن الأكل بصفة العمدية (¬1) علة فساد الصوم ~~(¬2)، على ما عرف. وفي حق خزيمة قبول شهادته رد إلى الأصل، وهو قبول خبر ~~الواحد العدل، لأن حقيقة الصدق ليس بشرط، ولهذا يقبل خبر الواحد العدل (¬3) ~~في باب الديانات. وإنما عرفنا شرط العدد في الشهادة (¬4)، بالنص، غير معقول ~~المعنى، فكان قبول شهادة خزيمة وحده بالنص لا يكون مناقضة. وإن كان اشتراط ~~العدد معقولا، ففي حق (¬5) خزيمة رضي الله عنه وحده (¬6) وجد ذلك المعنى - ~~عرف ذلك بقبول النبي - صلى الله عليه وسلم - شهادته وحده، بأن عرف بطريق ~~الوحي أنه لا يكذب ولا يغلط، وجائز أن يكون الواحد معصوما عن الكذب والغلط ~~والسهو وإن لم يكن نبيا. وكذلك إباحة تسع نسوة في حق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: فان ظاهر قوله تعالى: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع" (¬7) يقتضي إباحة تسع نسوة أو ثماني عشرة (¬8) أو (¬9) يدل على ~~إباحة نكاح النساء بقدر الممكن، لأن مثل هذا الكلام يستعمل في العرف لهذا ~~(¬10). وكذا ms307 قياس ملك اليمين بظاهر (¬11) قوله تعالى: PageV01P647 # "إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" (¬1). هذا (¬2) وإنما ترك ظاهره ~~وحمل حرف الواو على معنى حرف "أو" بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، والإجماع ~~ثبت في حق غير الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبقي في حقه على ظاهره، حتى ~~روي أن الله تعالى أباح للنبي من النساء ما يشاء (¬3). على أن تحريم نكاح ~~الزيادة على الأربع (¬4) في حق الأمة معلول لمعنى (¬5) عدم ذلك في حقه - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬6)، على ما أشار الله تعالى بقوله: "فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة" (¬7) وخوف الجور وترك العدل (¬8) في هذا الباب لا يتصور في ~~حق الرسول (¬9) - صلى الله عليه وسلم -، وهو معنى قوله عليه السلام: "هذا ~~قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك". والله أعلم (¬10). ### |||| AUTO [7] # فصل في: بيان حكم القياس # (¬11) # فنقول: # حكم القياس هو ثبوت مثل حكم الأصل، في الفرع، بمثل المعنى الذي ثبت به ~~(¬12) في الاصل، عند مشايخنا - على ما مر (¬13). PageV01P648 # وعلى قول مشايخ العراق: هو تعدية حكم الأصل إلى الفرع بوجود العلة في ~~الفرع. وهذا بناء على ما ذكرنا أن الحكم في النص يثبت (¬1) بعين النص ~~عندهم، لا بالعلة، و (¬2) لكن العلة في الأصل (¬3) دلالة على ثبوت الحكم في ~~الفروع، فيكون الحكم ثابتا في النص بعين النص، وفي (¬4) الفرع بدلالة النص. # وعندنا يثبت الحكم بالعلة، وإنما النص معرف لثبوت الحكم بها. # ويبتني على هذا أن العلة القاصرة جائزة عندنا. وعندهم لا تجوز. # وفرع، على هذا الأصل، القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله، أن القياس لا ~~يجري في إثبات أصل الحكم وصفته ابتداء، وفي إثبات علة الحكم وصفتها (¬5)، ~~وفي إثبات الشرط وصفته، وإنما يجري القياس ويشرع في: الحكم المشروع، ~~المعلوم بوصفه (¬6)، بلا منازعة في محل، بالنص أو (¬7) الإجماع، فيعدى (¬8) ~~إلى الفرع. # والخلاف بين العلماء، في القياس، في هذا الفصل. # فأما (¬9) لا خلاف في الفصول الأولى: أنه لا يصح (¬10)، فإن حكم القياس ~~لا يتصور في غير هذا القسم، وهو: تعدية حكم مشروع مجمع عليه، إلى فرع ms308 هو ~~نظيره لا نص فيه. # فأما في سائر الفصول: يكون إثبات الحكم ابتداء، أو إثبات العلة، والشرط، ~~فلا يصح فيه القياس، لعدم حكمه. ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب PageV01P649 # للحكم، أو نفس الحكم، أو الشرط - فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع: أكان ~~(¬1) أو لم يكن: فأحدهما يدعي الشرعية والثبوت، والآخر ينكر. وإذا (¬2) ~~ادعى ثبوته، لا يمكن إثباته بالرأي، لأنه (¬3) نصب الشريعة بالرأي. وإذا ~~ادعى الارتفاع بعد الثبوت، فقد ادعى النسخ، وإنه لا يجوز بالرأي. ولأن ~~المنكر يقول لم يشرع، وما لم يشرع لا يكون حكما شرعيا، فكيف يثبت ما ليس ~~بحكم شرعي بالقياس؟ وليس على المنكر شيء، حتى يثبت العدم (¬4) بالقياس - ~~فدل أنه لا وجه للقول بالقياس إلا في الفصل الأخير. # ولكن مشايخنا قالوا: إن القياس يجري في الفصول كلها، لأن الاختلاف يجري ~~بين الفقهاء في الكل: # - أما اختلافهم في الحكم ابتداء: أنه مشروع أم لا؟ كاختلافهم في الركعة ~~الواحدة: أنها مشروعة صلاة أم لا؟ فعندنا ليس بصلاة، وعند الشافعي هي (¬5) ~~صلاة. وكذا صوم بعض اليوم: غير مشروع عبادة عندنا، وعنده مشروع. وصوم يوم ~~النحر: مشروع عندنا، خلافا له. # - وأما (¬6) اختلافهم في صفة الحكم: أنها مشروعة أم لا، [ف] كاختلافهم أن ~~تعيين (¬7) شيء من القرآن في الصلاة - هل هو فرض، مع اتفاقهم أن القراءة ~~فرض في الصلاة: فعندنا ليس بفرض. وعنده (¬8) فرض، وهو تعيين الفاتحة. PageV01P650 # - وأما (¬1) اختلافهم في علة الحكم، [ف] نحو اختلافهم: أن الإسلام هل هو ~~علة العصمة أم لا؟ فعندنا ليس بعلة. وعنده علة. # - وأما اختلافهم في صفة العلة: أن ملك النصاب بصفة كونه مغنيا (¬2) ~~ناميا، علة وجوب الزكاة عندنا، حتى لا يكون نصاب المديون المستغرق بالدين ~~علة. وعنده: مللك النصاب النامي (¬3) علة بدون صفة الإغناء وعند مالك: ملك ~~النصاب المطلق علة، بدون صفة كونه ناميا. # - وأما الاختلاف في الشرط، [ف] نحو اختلافهم في أن الشهادة هل هي شرط ~~انعقاد النكاح صحيحا؟ فعند عامة العلماء شرط، وعند مالك رحمه الله ليس ~~بشرط. وكذا الولي: ليس بشرط عندنا، وعند ms309 الشافعي رحمه الله شرط. # - وأما اختلافهم في صفة الشرط، [ف] كاشتراط عدالة الشهود عند الشافعي. ~~وعندنا بخلافه. # - وأما اختلافهم في الحكم المشروع بصفته: أنه مشروع في موضع آخر - فكثير: ~~نحو اختلافهم في جواز صوم شهر (¬4) رمضان بالنية قبل الزوال، فإن (¬5) صوم ~~التطوع بالنية قبل الزوال مشروع (¬6) بالاتفاق، ولكن اختلفوا في التعدية ~~إلى صوم شهر (¬7) رمضان. وكذا الكفارة: مشروعة في الإفطار بالجماع في شهر ~~(¬8) رمضان، واختلفوا أنها هل هي مشروعة في الإفطار بالأكل (¬9) عمدا؟ PageV01P651 # ففي هذه الفصول: يدعي أحد الخصمين ثبوت شيء مما ذكرنا أو انتفاءه، ويثبت ~~دعواه إما بالنص أو بالاستدلال، ويعرف وجه الاستدلال بما يعرف به سائر ~~الأشياء. والخصم الآخر ينكر دليله أو يبطله. فثبت أن القياس والاستدلال ~~يجري (¬1) في ذلك كله. ولأن القياس ليس إلا ثبوت مثل حكم الأصل، بالمعنى ~~الذي ثبت في الأصل في فرع هو نظيره. ومعنى حكم الأصل يعرف بما يعرف به سائر ~~الأشياء، والحكم في الفرع يثبت بدلالة النص على كل حال، إلا أن الدلالة قد ~~تكون ظاهرة وقد تكون خفية. # وقول (¬2) من قال: إن القياس لا يكون حجة في سائر الفصول، وإنما يكون حجة ~~في الفصل الأخير، وهو تعدية حكم المنصوص عليه إلى غير المنصوص عليه إذا عقل ~~أنه نظيره، لم يتضح، لأنه: إن أراد بالقياس معرفة دلالة النص وعلة الحكم ~~بالرأي والاجتهاد، فذلك جائز (¬3) في الأشياء أجمع، لأن المعرفة لا تختلف. ~~وإن أراد أن القياس لا يتصور إلا في الفصل الأخير، وهو الجمع بين الأصل ~~والفرع في الحكم - فهذا (¬4) يتصور في كل موضع. وإن أراد أن القياس (¬5) لا ~~يثبت به شيء، فهذا صحيح، ولكن في الفصل الأخير لا يثبت بالقياس شيء، وإنما ~~يعرف به الحكم الثابت في الأصل أو العلة أو الشرط، وإنما يثبت ذلك بإثبات ~~الله تعالى، ولكن يعرف بالقياس - ذلك على ما مر ذكره (¬6)، ولكن لا عبرة PageV01P652 # للصورة (¬1) والمجانسة من حيث الظاهر في باب القياس، حتى يقال: إذا لم ~~يكن مشروعا في الشريعة (¬2) مثله من حيث الصورة، لا يصح القياس، ms310 ولكن ~~المعتبر في الباب هو التأثير، وذلك يتحقق في الفصول كلها. # وخرج الجواب: # - عن قوله: إن هذا نصب الشرع (¬3) بالرأي، فإن الرأي يثبت به المعرفة، ~~وإنما (¬4) هو مضاف إلى الشرع، ولكن جعل الشرع يعرف بالنص مرة وبالاستدلال ~~والرأي (¬5) أخرى؛ لكن (¬6) لا يسمى الثابت بالاستدلال والقياس (¬7) ثابتا ~~بالنص، لكونه ثابتا بواسطة الرأي الذي فيه احتمال الخطأ - والله أعلم. # - وقوله: إن (¬8) النفي ليس بحكم شرعي، فليس كذالك، بل كلاهما حكم الشرع، ~~على ما نذكر. ولهذا قلنا: إن على النافي للحكم دليلا (¬9)، كما على المثبت، ~~وليس في (¬10) هذا ارتفاع حكم حتى يكون نسخا. إنما هذا على قول من يجعل ~~الأحكام ثابتة، قبل الشرع، بالعقل، حتى يصير (¬11) الدليل الشرعي، بخلافه ~~في معني النسخ، وعلى وفاقه في معنى التقرير. وعندنا لا حكم للعقل في ~~الشرعيات. فإذا جاء الشرع، يكون مثبتا للحكم (¬12)، لا ناقلا مقررا، ولا ~~ناسخا مغيرا - على ما يعرف بعد هذا إن شاء الله تعالى. PageV01P653 # - مسألة ثم على قول أهل التحقيق من الفقهاء: كما يجري القياس في الإثبات ~~يجري في النفي ويكون له حكمان: الثبوت في موضع الإثبات، والانتفاء في موضع ~~النفي. فإن حكم الشرع نوعان: إثبات ونفي. فإنه كما روي: "في خمس من الإبل ~~السائمة شاة" - روي: "لا زكاة في الإبل المعلوفة" (¬1). وروي "ليس في ~~الجبهة ولا في النخة (¬2) ولا في الكسعة صدقة" (¬3). والقياس إبانة مثل ~~الحكم (¬4) الثابت في النص، وتعدية مثله، بالمعنى (¬5) الذي تعلق به (¬6) ~~في الأصل. فمتى ثبت بالنص أن الشرع نفي حكما لمعني، وذلك المعني يوجد في ~~نظيره (¬7) يكون نفيا لذلك (¬8) الحكم، بطريق الدلالة. كما (¬9) إذا ثبت ~~بالنص أن الشرع أثبت شيئا من الحل أو الحرمة لمعنى: فإنه يثبت مثله في كل ~~موضع وجد ذلك المعنى، لا فرق بين النفي والإثبات. # ويبتنى (¬10) على هذا الأصل نصف الفقه، فإن الأحكام نوعان: نفي وإثبات. ~~ومن عدل عن هذا الطريق، يقع في التعليل بعلة قاصرة مع تبحره في الفقه، ولا ~~يعلم به، فيجب إحكام هذا الأصل. PageV01P654 # مثاله - ما قال أصحابنا رحمهم الله: إن ms311 القطع لا يجب بسرقة ما يتسارع ~~إليه الفساد، لأن الشرع نفى وجوب القطع، في سرقة ما دون النصاب، لمعنى: ذلك ~~المعنى موجود في سرقة ما يتسارع إليه الفساد، وهو أن القطع عقوبة عظيمة ~~شرعت (¬1) للزجر صيانة للأموال، وإنما يقع الحاجة إليها فيما يكثر رغبة ~~السراق فيه، ولا رغبة في القليل - هذا المعنى موجود في سرقة ما يتسارع إليه ~~الفساد، لأن السراق قلما يرغبون في سرقته، فورود الشرع بانتفاء القطع. ثم، ~~نصا (¬2)، ورودا ههنا دلالة. ومن غفل عن هذه الطريقة، ولم يتأمل هذه ~~الدقيقة، يقع في التعليل بعلة قاصرة، فيقول: إن القطع في السرقة شرع بطريق ~~الزجر (¬3) صيانة لأموال الناس، ولهذا شرط (¬4) فيه النصاب، ولا حاجة في ~~هذه الأموال إلى شرع القطع لقلة رغبة السراق فيها. فلا يشرع فيها القطع. ~~وهذا تعليل بعلة قاصرة (¬5)، لأنه تبين (¬6) العلة لوجوب القطع في سائر ~~الأموال. ونقول: تلك العلة معدومة في الفرع. وللخصم أن يقول: إن لم يوجد ~~هذه العلة في الفرع، فلا ينفي وجود علة أخرى في الأصل يثبت بها (¬7) الحكم ~~فيه، ويوجد مثل تلك العلة في الفرع، لأن الحكم في الأصل يجوز أن يثبت بعلل ~~- على ما ذكرنا. والله تعالى أعلم. PageV01P655 ### |||| AUTO [8] # فصل في بيان القياس والاستدلال الفاسدين (*) # فنقول: # الفاسد منها أنواع (¬1): # منها - ما ذكرنا من قياس الشبه (¬2). # ومنها - ما ذكرنا من قياس الطرد من غير بيان الأثر (¬3). # ومنها - التعليل بالنفي. وهو وجهان: أحدهما فاسد، والثاني (¬4) صحيح. # - أما الأول، وهو أن يعلل لنفي الحكم، بنفي وصف من أوصاف المنصوص عليه. # وهو فاسد، لأنه يجوز أن يكون الحكم متعلقا بوصف آخر غيره. وهذا في ~~الحقيقة تعليل بعلة قاصرة. ويجوز أن يكون الحكم في النص ثابتا بعلل. # ونظيره ما قال الشافعي رحمه الله فيمن ملك أخاه: لا يعتق عليه، لأنهما ~~شخصان ليس بينهما بعضية، فلا يعتق أحدهما على صاحبه إذا ملكه، كابني العم. ~~بخلاف الوالدين والمولودين، لأن ثمة بينهما بعضية. لأنا نقول في الولاد ~~(¬5): العلة ثمة (¬6) ليست هي البعضية، ولو كانت علة، PageV01P656 # لا ينفي وجود ms312 علة أخرى، وهي القرابة المحرمة القطع. وفي الفرع: إن انعدمت ~~إحداهما (¬1)، وهي البعضية، فلا (¬2) تنعدم الأخرى. # - وأما الثاني، وهو أن يكون الحكم ثابتا بعلة متعينة (¬3)، ليس له علة ~~أخرى، كضمان الغصب: لا يجب بدون الغصب، وحد السرقة: لا يجب بدون السرقة، ~~فكان نفي الحكم، بنفى الغصب والسرقة، نفيا (¬4) صحيحا. ألا ترى إلى قوله ~~تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} ~~(¬5): لما كان التحريم لا يعرف إلا بالوحي، فينعدم عند عدم الوحى. # ومنها (¬6): # استصحاب الحال (¬7) # فيحتاج إلى: # تفسير استصحاب الحال. # وبيان أنواعه. # وبيان حكم كل نوع. PageV01P657 # [1] # أما تفسير استصحاب الحال # [ف] هو التمسك بالحكم الثابت في حالة البقاء - مأخوذ من المصاحبة، وهو ~~ملازمة ذلك الحكم، ما لم يوجد دليل مغير (¬1). # [2 و 3] # وأما بيان أنواعه، [وحكم كل نوع] # فنقول: # إنه أنواع: بعضها واجب العمل به، والبعض جائز العمل به، والبعض غير جائز ~~العمل به. # أما الأول: # فهو نحو استصحاب الحكم العقلي - وهو كل حكم عرف وجوبه أو امتناعه، وحسنه ~~أو (¬2) قبحه، بمجرد (¬3) العقل. # وكذا استصحاب الحكم السمعي، الذي ثبت بدليله على طريق التأبيد نصا، أو ~~على التأقيت نصا، أو ثبت مطلقا في حال حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وبقى بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P658 # فإن هذا واجب العمل به، لقيام دليل البقاء, وانعدام الدليل (¬1) المزيل ~~قطعا (¬2). # وأما القسم الثاني: # [ف] ما هو جائز العمل به بالاتفاق بين مشايخنا (¬3). # ولكن اختلفوا في وجوب العمل به: وهو أن (¬4) كل حكم ثبت وجوبه بدليل ~~مطلق، لا يتعرض للبقاء والزوال، والمجتهد طلب الدليل الزيل، بقدر ما في ~~وسعه، ولم يظفر به: # فقال (¬5) بعضهم: لا يكون حجة أصلا، لا لإبقاء ما كان على ما كان، ولا ~~لإثبات أمر لم يكن. لأن حكم الدليل هو الثبوت، فأما البقاء [ف] لا يضاف ~~إليه، فلم يكن على البقاء دليل، فيكون تمسكا بالحكم بلا دليل. أو محتمل ~~(¬6) أن ذلك الدليل يوجب البقاء بقرينة تنضم إليه, ويحتمل أن الدليل المزيل ms313 ~~قد قام ولكن لم يبلغ إليه (¬7) لتقصير في الطلب. والمحتمل لا يصلح أن يكون ~~دليلا في حق العمل والاعتقاد جميعا. # وقال أكثر المتأخرين من الفقهاء: إنه حجة يجب العمل به (¬8)، في حق نفسه، ~~لإبقاء ما كان على ما كان. أما لا يصلح حجة في حق الإلزام على PageV01P659 # الخصم، ولا (¬1) لإثبات أمر (¬2) لم يكن، لأن الظاهر أن الحكم متى ثبت ~~يبقى، وإن كان الدليل المثبت لا يوجب البقاء، والظاهر يكفى حجة لإبقاء ما ~~كان (¬3)، لا للإلزام على الغير، كظاهر اليد: يصلح حجة للدفع دون الإلزام ~~(¬4). وكحياة المفقود: لما كان الظاهر بقاؤها، صلحت حجة لإبقاء ما كان على ~~ما كان (¬5)، حتى لا يورث ماله. ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن، حتى لا ~~يرث من الأقارب، والثابت (¬6) لا يزال بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك. # ولكن مشايخنا رحمهم الله قالوا: إن هذا القسم يصلح حجة على الخصم في موضع ~~النظر، ويجب العمل به على كل مكلف (¬7) إذا لم يجد دليلا فوقه من الكتاب ~~والسنة. [ف] لا يجوز (¬8) تركه بالقياس - كذا ذكر الشيخ الإمام أبو منصور ~~الماتريدي رحمه الله في كتاب "مآخذ الشرائع" (¬9). وهذا لأن الحكم متى ثبت ~~شرعا، فالظاهر هو (¬10) دوامه، لما تعلق به من المصالح الدينية والدنيوية ~~(¬11)، ولا تتغير المصلحة في زمان قريب، وإنما يحتمل التغير عند تقادم ~~العهد، فمتى طلب المجتهد الدليل PageV01P660 # المزيل بقدر وسعه ولم يجده، فالظاهر هو عدم المزيل. وهذا نوع اجتهاد. ~~فإذا كان البقاء ثابتا بالاجتهاد، فلا يترك باجتهاد مثله، ما لم يوجد ~~الترجيح، ويكون حجة على الخصم، كمن اعتقد حكما بقياس صحيح مؤثر عنده، وعمل ~~به زمانا، ثم ظهر له قياس آخر أوجب حكما بخلافه، فإنه لا يجوز له أن يعتقد ~~خلاف ذلك الحكم، ما لم يظهر (¬1) رجحان القياس (¬2) الثاني على الأول، ~~بدليل مرجح، بل يجب عليه العمل بالأول، لأن ذلك حكم ثبت، وثبت بقاؤه ~~بالاجتهاد، فلا يزول إلا بدليل يترجح على الأول، وإن كان أوجب شبهة في ~~الأول - و (¬3) هذا معنى قول الفقهاء: إن ما ms314 أمضى بالاجتهاد (¬4) لا ينقض ~~باجتهاد مثله، ولأن هذا هو الموافق للأصول والأحكام، فإن الحكم المطلق في ~~حال حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - محتمل للنسخ (¬5)، ثم هو ثابت في حق ~~من كان بعيدا عنه، في حق وجوب العمل به، والإلزام على الغير، ودعوة الناس ~~إلى ذلك، وفي حق إثبات أمر لم يكن بمنزلة الحكم الثابت بالنص (¬6). # وكذلك: استصحاب الحكم الثابت بظاهر العموم: واجب مع احتمال الخصوص. # وكذا: استصحاب الحكم الثابت بمطلق النص الخاص: واجب مع احتمال المجاز ~~والنسخ (¬7)، لما قلنا. PageV01P661 # وأما الأحكام: # - فإن من شك في الحديث بعد ما توضأ، فإنه على الطهارة مع احتمال الحدث. # - وكذا من شك في طلاق امرأته، وعتاق (¬1) عبده وجاريته، فإنه يباح له ~~الانتفاع به مع الاحتمال. # - وكذا من اشتري دارا أو ورثها، ومضي على ذلك (¬2) زمان طويل، ثم بيعت ~~دار يجنبها، فإنه يثبت له حق الشفعة، والشراء يوجب الملك دون البقاء، ~~واحتمال زوال الملك قائم بالهبة والبيع، وإن كان ظاهر اليد قائما، لما ~~ذكرنا أن الثابت لا يزول بالشك (¬3) والله أعلم. # أما القسم [الثالث]- الذي لا يجوز العمل باستصحاب الحال فيه - فأنواع، ~~منها (¬4): # [الأول]- استصحاب الحكم الشرعي المبني على العقل عند المعتزلة. فإن عندهم ~~للعقل حكما في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي، إما مقررا (¬5) لحكم ~~العقل أو مغيرا. فيقولون نحن نستصحب الحكم العقلي إلى أن يرد الدليل ~~السمعي. وهذا فاسد عندنا، فإنه لا حكم للعقل في الشرعيات عندنا. وعند أصحاب ~~الحديث لا حكم للعقل أصلا في في الوجوب والتحريم، لا في العقليات ولا في ~~الشرعيات. PageV01P662 # والثاني - ما قال بعض أصحاب الحديث: إن العقل دليل على انتفاء الأحكام، ~~لأن الأحكام الشرعية تثبت بخطاب صاحب الشرع، ولا يثبت الخطاب قبل بعث ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإذا عدم دليل الحكم ثبت انتفاء الحكم ~~ضرورة، وعدم الدليل ثابت بالعقل، فإن به يعرف أن لا دليل قبل مجيء الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - في الشرعيات (¬1). وإذا كان العقل دليلا على انتفاء ~~(¬2) الأحكام، وعلى براءة الذمم عن الوجوب، فنحن ms315 نستصحب الحكم الثابت ~~بالعقل، وهو انتفاء الحكم إلى أن يرد الدليل السمعي. وهذا حكم بالدليل، وهو ~~العقل، فإنه إن لم يكن دليلا على ثبوت الأحكام الشرعية، فهو دليل على ~~النفي، فيكون الاستصحاب على النفي حجة يجب العمل به. # وهذا أيضا مع هذا التحقيق فاسد عندنا، في حق وجوب العمل به، في حق نفسه ~~وفي حق الإلزام على الغير، لأنا إن عرفنا انتفاء الأحكام الشرعية بالعقل ~~لانعدام دليل الثبوت، وهو ورود الشرع، ولكن الكلام بعد ورود الشرع، فيجب ~~على المكلف طلب (¬3) الحكم الشرعي بعد ورود الشرع (¬4) من صاحب الشرع ومن ~~يقوم مقامه في تبليغ الشرع عنه، لا أن يستصحب النفي (¬5) الثابت بعدم ~~الدليل. وهذا لأن العقل كما لاحظ له في إثبات الحكم الشرعي (¬6)، لا حظ له ~~في نفي الحكم الشرعي، لكن قبل ورود الشرع، لم يثبت الحكم لعدم دليله، وعرف ~~عدم PageV01P663 # الدليل بالعقل. فأما بعد ورود الشرع، لم يعرف بالعقل عدم الدليل، فإن قول ~~صاحب الشرع وفعله وسكوته حجة في إثبات الحكم والنفي جميعا، فكما ثبت وجوب ~~صوم رمضان ووجوب الصلوات الخمس، بقوله وفعله (¬1)، ثبت انتفاء وجوب صوم ~~شوال ووجوب الصلاة السادسة، بتركه وسكوته عند امتناع الناس عن صوم شوال، ~~والسكوت عند الحاجة إلي البيان بيان (¬2). # وإذا ثبت هذا، فكان التمسك باستصحاب حال العقل في انتفاء الأحكام وبراءة ~~الذمم عن الشغل بالوجوب، تمسكا بالجهل الثابت بعدم الدليل، مع ورود الدليل ~~الشرعي بعد المبعث، وإنه فاسد. # ومن ذلك [ثالثا]- استصحاب الحكم الثابت بالإجماع عند تغير الحالة، نحو ~~إجماع الأمة على انتقاض طهارة التيمم عند رواية الماء خارج الصلاة. ويقول ~~الشافعي، لا ينتقض برؤية الماء في حال الصلاة. فتلق (¬3) بعض أصحابنا ~~باستصحاب حكم الإجماع, وقال: أستصحب على الحكم الثابت بالإجماع، وإن تغيرات ~~تلك الحالة بحالة الصلاة (¬4)، فيكون الإجماع ثم إجماعا (¬5) في هذه ~~الحالة، لأن حكم الشرع من حيث الظاهر لا يغير بتغير الأحوال إلا نادرا, ~~والعمل بالظاهر واجب, كما ذكرنا من الحكم الثابت بالنص المطلق، والقياس يجب ~~التمسك به ما لم يقم الدليل بخلافه. ms316 PageV01P664 # ونظيره: من قال بجواز بيع أم الولد: إن الإجماع كل منعقد على جواز بيع ~~هذه الجارية في قبل الاستيلاد، فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد. وهذا ~~فاسد أيضا، لأنه: إن كان الإجماع بناء على حديث مطلق أو القياس: فإن (¬1) ~~كان ويتمسك بالنص فنقول: إن النص مطلق ويتناول الحالة الأولى والثانية ~~بإطلاقه، أو لا ويتعرض للأحوال على حسب ما قيل فيه، فهو تمسك بالنص، لا ~~باستصحاب الحال. وإن قال: الإجماع معقول المعنى، وذلك (¬2) المعنى باق بعد ~~تغير تلك الحالة، فهذا تمسك بالقياس دون الحال. وإن قال: إن الإجماع في تلك ~~الحالة (¬3) إجماع بعد تغير تلك الحالة، فهو (¬4) ممنوع، فإن الإجماع على ~~حكم في حالة مخصوصة، لا يكون إجماعا في غير تلك الحالة، فإن الخصم نازع في ~~هذه الحالة، ولا يعد الخصم مخالفا للإجماع، فإن الإجماع على انتقاض التيمم ~~برؤية الماء في خارج الصلاة، ولا إجماع في حالة الصلاة. فالدليل الذي به ~~يثبت (¬5) الحكم في تلك الحالة، وهو الإجماع، لم يبق في هذه الحالة، لوجود ~~الخلاف بين العلماء، بخلاف ما إذا كان الحكم ثابتا بمطلق النص، لأن ذلك ~~النص يتناول الأحوال كلها، أو لا يتعرض (¬6) للأحوال، ومطلق كلام صاحب ~~الشرع - صلى الله عليه وسلم - (¬7) حجة، فأما الإجماع، [ف] يكون حجة بدليل ~~سمعي، وهو قوله عليه السلام: "لا تجتمع أكل أمتي على الخطأ"، فما لم يوجد ~~اجتماع الأمة كلها، لا يكون إجماعا، فلا يكون حجة. PageV01P665 # ومنها [رابعا]- ما قال القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله: إن استصحاب ~~الحكم الثابت، مع تغير الحالة، قبل التأمل في أصول (¬1) الشرع، لمعرفة (¬2) ~~الدليل المزيل وقبل طلبه، لا يكون حجة. ولكن الأصح أنه يكون حجة، لأنه ~~ويتمسك بظاهر النص أو بظاهر القياس، وهو تمسك بدليل شرعي، فلا يبطل العمل ~~به، باحتمال قيام الدليل المزيل، كمن تعلق بعموم النص: يكون تعلقه صحيحا، ~~ويكون حجة على الخصم، وإن لم يطلب دليل الخصوص، وإن كان احتمال الخصوص ~~قائما، لما ذكرنا - فكذا هذا (¬3)، والله أعلم. # ومنها (¬4) [خامسا]- أنه هل (¬5) على النافي دليل أم لا؟ ms317 # أجمعوا أن من قال: لا أعلم لله تعالى (¬6) حكما في هذه الحادثة، أنه لا ~~يطاب منه الدليل، لأن الجاهل بحكم الله تعالى جاهل بدليله، وكمن جهل دليل ~~شيء وأقر به، يكون طلب الدليل منه سفها. فأما إذا اعتقد وقال: أعلم أن حكم ~~الله تعالى في هذه الحادثة نفي الوجوب، أو أعتقد أن لا حكم لله تعالى في ~~هذه الحادثة من (¬7) وجوب فعل أو ترك، نحو أن يقول: إنه لا تجب الزكاة على ~~الصبى والمجنون، ويدعي ذلك مذهبا ويدعو (¬8) غيره إليه - فهل عليه دليل إذا ~~طالبه من يدعي الوجوب بدليل (¬9) PageV01P666 # النفي؟ أو (¬1) هل يجوز له (¬2) أن يعتقد نفي حكم شرعي بلا دليل، في غير ~~موضع المناظرة أيضا؟ # قال بعضهم: لا دليل على معتقد النفي لا في حق نفسه، ولا عن مطالبه لا ~~الخصم عند المناظرة. # وقال عامتهم بأنه لا يجوز أن يعتقد الإنسان نفي حكم إلا بدليل. وعليه ~~إقامة الدليل إذا ناظره (¬3) غيره ودعاه إلي مذهبه، كما على المثبت. # وقال بعضهم: في العقليات على النافي دليل، دون الشرعيات. # وقال بعضهم: ليس على نافي الشرعيات دليل سمعي: أما عليه دليل وله دليل، ~~وهو العقل في معرفة انتفاء الأحكام الشرعية. # أما من قال: لا دليل على النافي [فقد] احتج بما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "البينة على المدعي" - جعل جميع البينات على المدعين، ~~والنافي منكر وليس بمدع (¬4)، ولأن الأمر المعتاد المعروف في أصول الشرع أن ~~الحجة علي من يدعي أمرا خفيا لا علي من تمسك بالظاهر - ألا ترى أن كل من ~~تمسك بالعام لا يحتاج إلى الدليل على أنه عام، وإنما الدليل على من يدعي ~~الخصوص. وكذا من تمسك بظاهر الكلام لا يحتاج إلى الدليل على أنه حقيقة، وإن ~~كان يحتمل المجاز في الجملة، لأن الظاهر هو الحقيقة، وإنما الدليل على من ~~يدعي المجاز. وكذا البينة على الخارج لا علي صاحب اليد، لأن (¬5) صاحب اليد ~~تمسك بالظاهر، والخارج يدعي أمرا خفيا، فكذا النافي متمسك PageV01P667 # بالظاهر، فإن الأصل هو عدم ms318 وجوب الحقوق، والمدعي يثبت أمرا خفيا يزيل ~~الظاهر، [ف] يجب أن يكون الدليل على المثبت دون المنكر، حتي يكون علي ~~موافقة الأصول، ولأن الدليل إنما يطلب ممن يدعي حكما شرعيا وهو الوجوب ~~والندب، والإباحة ونحو ذلك. أما انتفاء الوجوب [ف] ليس بحكم شرعي، فإن ~~النفي عبارة عن عدم محض، والعدم. ليس بشيء، فمطالبته النافي بإقامة الدليل، ~~لا علي شيء، يكون سفها. # ووجه قول من فرق بين العقليات والشرعيات أن (¬1) الكلام ثمة (¬2) يقع ~~حقيقة النفي والإثبات، وكلاهما حقيقة، فإن قول القائل "زيد في الدار" ~~حقيقة، وقوله "زيد ليس في الدار" حقيقة، فيكون مدعي النفي والإثبات مدعيا ~~حقيقة الوجود أو (¬3) العدم، فيطالب بالدليل. فأما في الشرعيات فمدعي ~~الإثبات (¬4) وهو وجوب شيء أو (¬5) إلي [أ] وندبه، يدعي (¬6) حكما شرعيا، ~~فأما النافي (¬7) [ف] منكر (¬8) وجود الوجوب ويدعي انتفاءه، وذلك ليس بحكم ~~شرعي، فكيف يطالب بالدليل، إنما المطالب من يدعي الوجوب. # وجه قول العامة: النص، والمعقول: # - أما النص، فقوله تعالى (¬9): "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا PageV01P668 # أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (¬1) - أخبر الله ~~تعالى عن اليهود أنهم نفوا دخول المسلمين الجنة، وأثبتوا دخول اليهود ~~والنصارى الجنة، ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بطلب الحجة منهم ~~(¬2)، والبرهان (¬3) على النفي والإثبات جميعا. # - وأما المعقول، [ف] إن النافي (¬4) إذا كان يعتقد نفي حكم شرعي يقال له: ~~هل علمت انتفاء هذا الحكم بيقين حتي يكون اعتقادك علما لا جهلا؟ لأن الجهل ~~اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به، فإن قال: نعم - فيقال له: هل (¬5) علمت ~~بطريق الضرورة أو (¬6) بالتقليد أو بالاستدلال؟ فإن ادعيت الضرورة، فهو ~~فاسد (¬7)، لأن الضروري يشترك فيه العقلاء كلهم، ولم يحصل لنا العلم ~~بانتفائه ضرورة. وإن ادعيت التقليد، فالتقليد ليس طريق العلم، فإن المقلد ~~لا يدعي العام بنفسه، وإنما يدعيه بغيره، والخطأ على ذلك الغير جائز، إذ ~~الكلام في اتباع غير النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬8) المعصوم. وإن ادعيت ~~طريق النظر والاستدلال، فقد أقررت أنك تعتقد نفي الحكم ms319 بدليل، فلابد من بيانه. # - فإن قالوا: نحن نقول: على النافي دليل، ولكن فقد دليل الإثبات دليل ~~النفي، لأنه لا واسطة بين النفي والإثبات، فإذا عدم دليل الإثبات ثبت (¬9) PageV01P669 # النفي ضرورة - قال الله تعالى لنبيه محمد (¬1) - صلى الله عليه وسلم -: ~~"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة" (¬2) ~~فالله تعالى جعل عدم (¬3) دليل الحرمة دليل فى ثبوت ضده، وهو الإباحة، لأنه ~~لا واسطة بين الحرمة والإباحة فنقول: إن كان الأمر كذلك، ولكن بم عرفتم عدم ~~دليل الإثبات حتي يثبت النفي ضرورة، فما لم (¬4) تحضروا دلائل الثبوت ~~وتثبتوا عدمها لا يستقيم دعوى النفي. # - فإن قلتم: إنا تفحصنا (¬5) في الأصول وفي الدلائل على طريق الجد، فلم ~~نجد دليل الثبوت، فعرفنا عدم ذلك، فحصل لنا العام بالنفي - فهو فاسد، لأن ~~الخصم يقول: إن لم تجد فربما غيرك من العلماء وجده، والناس متفاوتون في ~~العلم ودرك طريق العلم، فلا يكون قوله حجة على غيره. # - والجواب عن كلماتهم: # • أما الحديث - فهو حجتنا، فإنه قال - صلى الله عليه وسلم - (¬6): ~~"واليمن علي من أنكر" فاليمين دليل، وقد أوجب على المنكر (¬7)، كما أوجب ~~على المدعي البينة، إلا أن الفرق بينهما أنه جعل اليمين (¬8) حجة المدعى ~~عليه، والبينة حجة المدعي، لأن المدعى عليه يشهد له الظاهر وأما المدعي ~~فيدعي (¬9) PageV01P670 # أمرا خفيا، والبينة أكمل من اليمين، فإن اليمين كلام الخصم، وإن كان (¬1) ~~مؤكدا بذكر اسم الله تعالى، والبينة كلام غير الخصمين، فكان للبينة زيادة ~~قوة في غلبة الظن ورجحان الصدق، فلهذا تفاوتا. فأما على كل واحد منهما دليل ~~وحجة مع أن المدعى عليه (¬2) لا يجوز له أن يعتقد كون المدعى به ملكا له ~~غير دليل الملك، من الشراء أو (¬3) الإرث ونحوهما، في حق نفسه وفي حق ~~الإلزام على الغير. فعلى قود هذا: يجب أن لا يجوز للنافي في اعتقاد انتفاء ~~الحكم الشرعي إلا بدليل. # • قولهم: إن النفي ليس بحكم شرعي، وإنما يطالب الدليل على الحكم الشرعي ~~(¬4) - فنقول: قبل ورود الشرع لا حكم في حقنا لا ms320 نفيا ولا إثباتا، ولكن بعد ~~ورود الشرع ثبت الوجوب في حق البعض، والانتفاء في حق البعض، والإباحة في حق ~~البعض، والحرمة في حق البعض. ولهذا ورد الشرع بنفي الحكم نصا في مواضع نحو ~~(¬5) قوله عليه السلام: "ليس في النخة ولا في الجبهة لا ولا في الكسعة صدقة ~~(¬6) "، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (¬7): "لا زكاة في مال حتى يحول عليه ~~الحول"، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (¬8): "لا صدقة (¬9) إلا عن ظهر ~~غني". وإذا كان النفي حكم الله تعالى، فلا يجوز اعتقاد حكم الله تعالى من ~~غير دليل، على أنه إن لم يكن النفي حكم الله تعالى عندكم، PageV01P671 # فلا شك (¬1) أنه نفي حكم الله تعالى، وهو الإثبات. وكما لا يجوز اعتقاد ~~حكم الله تعالى من غير دليل، لا يجوز نفي حكم الله تعالى من غير دليل، ~~فاحتمال (¬2) ثبوته قائم لاحتمال قيام دليل الثبوت عند غيره إن لم يكن ~~قائما عنده، فيكون هذا (¬3) اعتقادا على أنه لا حكم لله تعالى (¬4) في هذه ~~الحادثة من غير دليل. # وفي المسألة إشكالات تعرف في الشرح إن شاء الله تعالى. # مسألة - ومنها (¬5) القول ب: # تعارض الأشباه # وهو احتجاج بلا (¬6) دليل في الحاصل. # مثاله - ما قال زفر رحمه الله في أن المرافق لا يجب غسلها في الوضوء، لأن ~~الله تعالى جعل المرافق غاية، بقو له تعالى: "وأيديكم إلى المرافق" (¬7). ~~والغايات منقسمة: بعضها يدخل، وبعضها لا يدخل (¬8). وهذه الغاية لها شبه ~~بكلا القسمين بدخول حرف الغاية عليها. فباعتبار الشبه (¬9) بهذا القسم PageV01P672 # يدخل، وباعتبار (¬1) الشبه بالقسم الآخر لا يدخل، فوقع التعارض بين ~~الشبهين، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فلا يجب الغسل بالشك عند تعارض ~~الأشباه. # وهذا فاسد. وهو تعلق بعدم الدليل. والخلاف في وجوب غسل المرافق، وهو ~~ينفي، وعلى النافي دليل. # - و (¬2) قولهم: إنه وقع الشك في وجوب الغسل، فلا يجب بالشك فيه، ممنوع ~~(¬3). فلم قلتم إنه (¬4) وقع الشك في وجوب الغسل؟ وهذا لأن الشك أمر حادث ~~بين العلم والجهل، فلا يثبت إلا بدليل، فبأي دليل تثبتون هذا الحادث وهو ms321 الشك؟ # • فإن قلتم: إن دليل حدوث الشك هو تعارض الأشباه وتقابل الأدلة - فنقوك: ~~هذا أيضا أمر حادث، وهو دعوى تعارض الأشباه والأدلة، فلا يثبت إلا بدليل، ~~فبأي دليل تثبتون (¬5) تعارض الأشباه، ونحن لا نسلم لكم تعارض الأشباه؟ # • فإن قلتم: إن الغايات منقسمة: منها ما (¬6) يدخل ومنها ما (¬7) لا يدخل ~~-[فنقول]: هذا دعوى أيضا - لا نسلم أن الغايات منقسمة: قد يدخل وقد لا ~~يدخل. PageV01P673 # وبعدما أثبتم الانقسام وأريتم أن بعضها مما لا يدخل - فنقول: هل علمتم أن ~~هذه الغاية من أي القسمين؟ # • فإن قالوا: نعلم (¬1) أنها من أي القسمين، فنقول: إذا علمتم أنها من ~~القسم الذي لا يدخل فلا يكون هذا منكم شكا، لأن الشك ما استوى فيه طرف ~~الجهل والعلم، وقد ادعيتم العلم، ولا يبقى العلم مع الشك (¬2) الذي هو ضده، ~~ولأنكم متي علمتم أنها من أي القسمين يكون إلحاقها بنظيرها في حق الحكم، ~~لمساواة (¬3) بينهما، وحينئذ يكون ذلك قياسا، فيكون نفيا لوجوب الغسل ~~بالقياس الذي هو حجة ودليل في الجملة، لا بالشك. # • وإن قالوا: لا نعلم - فقد أقروا (¬4) أنه لا دليل معهم، فقد أقروا ~~بالجهل، وجهل المرء لا يكون حجة في حق الغير. # دل أن القول بتعارض الأشباه، تمسك بعدم الدليل، وهو فاسد. ولأن أكثر ما ~~في الباب أن الأشباه (¬5) متعارضة، وعند ذلك يحدث الشك، و (¬6) لكن أثر ~~الشك في التوقف وترك الميل إلى أحدهما، ما لم يقم دليل الترجيح لأحدهما. ~~أما القول بنفي وجوب الغسل قطعا - فلا (¬7). PageV01P674 # ثم نقول: إن كان في هذا (¬1) النص تعارض ووقع لكم الشك باعتباره، فلم ~~قلتم: إنه ليس ههنا دليل آخر على وجوب غسل المرافق، والاختلاف متى وقع بعد ~~ورود الشرع، في شرع حكم ونفيه، لابد من الدليل، ولا يسع (¬2) التعلق بعدم ~~الدليل على ما مر - والله أعلم. # مسألة - ومنها (¬3): # التقليد # وقد تكلموا في حده (¬4). # قال بعضهم: هو اتباع الرجل غيره، على تقدير أنه محق، لحسن الظن به، لكونه ~~مشورا بالعلم والورع، وتقديم رأيه على رأي نفسه، لكونه من أهل النظر ~~والاستدلال. # سمي ms322 تقليدا لأنه جعل عاقبة ما قلده، قلادة في عنقه، إن كان حقا أو باطلا، ~~بلا دليل، كما قالت الكفرة (¬5): "اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم" (¬6) ~~وقالوا: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} (¬7). PageV01P675 # ولهذا لا يجوز تسمية اتباع الأنبياء عليهم السلام تقليدا، لأن أقوالهم ~~وأفعالهم حجة، فيكون اتباعا بالدليل. # ولكن لا يصح تحديد التقليد بهذا، وإن كان التقليد قد يكون كذلك، لأنا ~~نجوز التقليد في الجملة. وما ذكر من باب الشك في الاعتقاد، لا من باب ~~التقليد. # والصحيح أن يقال: التقليد (¬1) هو اتباع الرجل الجاهل العالم لعلمه وورعه ~~واعتقاده لما (¬2) يعتقده على طريق الجزم والحتم، من غير تردد وشك، وإن لم ~~يكن بناء على دليل عقلي أو سمعي. # ثم التقليد إما أن يكون في التوحيد وأمور الدين، مما يعرف بمجرد العقل. ~~وإما أن يكون في الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا بالدليل السمعي. # - أما التقليد في الأمور الشرعية: [ف] لا يجوز إلا للعوام، ومن يكون بمثل ~~(¬3) حالهم من طلبة العلم ما لم يبلغوا (¬4) حد الاجتهاد، لأجل الضرورة. ~~ولكن عليهم أن يقلدوا من هو عندهم أعلم وأورع، بالسماع على طريق الاشتهار. ~~فأما أهل الاجتهاد فلا (¬5) يجوز لهم التقليد. وفي تقليد الصحابي خلاف على ~~ما مر ذكره (¬6). # - وأما التقليد في التوحيد وأمور الدين: ففيه كلام بين أهل الأصول، على ~~ما عرف في مسائل الكلام. والصحيح أنه متي وجد الاعتقاد و (¬7) الجزم PageV01P676 # على طريق التقليد من غير شك وارتياب، فإنه يكون إيمانا صحيحا، وهو إيمان ~~أكثر أهل الإسلام من العوام والعلماء. فأما الاستبصار (¬1) والوقوف علي ~~الدلائل في هذا الباب، فأمر عزيز الوجود، ثم الاستبصار والوقوف على الدلائل ~~وحل شبهات الخصوم، [ف] ليس بفرض عين بل هو فرض (¬2) كفاية، في حق من رزق ~~فهما ذكيا وخاطرا لطيفة: إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ولا يجوز تحريك ~~اعتقاد العوام بالترغيب إلى تعلم علم الكلام والوقوف على دلائله، لأنه ربما ~~يقع في قلوبهم شبه (¬3) لا تنحل: إما لقصور (¬4) في المعلمين، أو لخفاء ~~المسألة ms323 في نفسها (¬5)، أو لغلط خاطر البعض، فيصير الترغيب والإرشاد إلى ~~الاستبصار سببا للغواية والضلال، فيكون النصيحة والشفقة على أهل الإسلام ما ~~ذكرته، خصوصا للعوام - والله أعلم. # مسألة - ومنها (¬6): # الإلهام # فنذكر: # تفسيره لغة وعرفا. # وبيان حده عند المتكلمين. # وبيان حكمه شرعا. PageV01P677 # [1] # أما تفسيره # لغة: [فهو] إيقاع شيء في قلب العاقل (¬1)، يفضي إلى العمل به، ويحمله ~~عليه، ويميل قلبه إليه، حقا كان أو باطلا. قال الله تعالى: "فألهمها فجورها ~~وتقواها" (¬2). وذلك قد يكون بواسطة الشيطان وهوى النفس، في فيسمى وسوسة. # وأما في العرف: فمستعمل (¬3) في فيما يقع في القلب بطريق الحق دون ~~الباطل، ويدعوه إلى مباشرة الخيرات دون الشهوات والأماني. # [2] # وأما حده وحقيقته عند أهل الأصول # [فنقول]: # قال بعضهم: هو اتباع الرجل ما اشتهاه بقلبه أو أشار إليه في أمر من غير ~~نظر واستدلال. # وإنه غير صحيح. لأن الإلهام متنوع: قد يكون حقا، وذلك من الله تعالى، ~~فيكون وحيا خفيا في حق الأنبياء، وفي حق غير الأنبياء إرشادا وهداية. وقد ~~يكون باطلا، وذلك بواسطة وسوسة الشيطان وهوى النفس، وخالق ذلك هو الله ~~تعالى وإن كان شرا وفاسدا، ووسوسة الشيطان وهوي النفس سبب ذلك على جريان ~~العادة، ويكون ذلك PageV01P678 # في الحيقية إغواء وإضلالا لا إلهاما. وإذا كان الأمر كذلك، فلا يجوز ~~تحديده بهذا. # وقال القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله: الإلهام ما حرك القلب بعلم يدعوك ~~(¬1) إلى العمل به، من غير استدلال بآية (¬2) أو نظر في حجة (¬3). # وهذا حد صحيح، فإن الإلهام في عرف الناس: ما يكون من الله تعالي، بطريق الحق. # وقيل: ما يخلق الله تعالى في قلب المؤمن (¬4) العاقل من العلم الضروري ~~الداعي له (¬5) إلى العمل المرغوب فيه. # [3] # وأما بيان الحكم # فقال عامة العلماء بأن الإلهام الحق يجب العمل به في حق الملهم. أما ليس ~~بحجة في حق الغير، ولا يجوز (¬6) له أن يدعو غيره إليه. # وقال قوم من الصوفية بأنه حجة في حق الأحكام، نظير النظر والاستدلال. # وقول قوم من الروافض، لقبوا بالجعفرية: إنه لا حجة سوي الإلهام. # فحجة من ms324 قال إن الإلهام حجة مطلقة (¬7): النصوص من الكتاب، والسنة، ~~ودلالة الإجماع. PageV01P679 # - أما الكتاب فقوله تعالى (¬1): "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور ~~من ربه" (¬2) - أخبر الله تعالى أن من شرح صدره للإسلام، من غير صنع العبد، ~~فهو على نور من ربه (¬3). والنور الذي به يحصل انشراح الصدر بالإسلام، من ~~غير واسطة (¬4) صنع العبد، ليس إلا الإلهاء. وقال الله (¬5) تعالى: "أو من ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس" (¬6)، وإحياء الله ~~تعالى قلب الآدمي بالإيمان وتنويره بالهدي، ليس إلا الإلهام من الله تعالى. # - وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ~~تعالي". والفراسة ما يظهر للمرء في قلبه بلا نظر واستدلال. ولما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لوابصه لا بن معبد (¬7)، وقد سأله عن ~~البر والإثم: "ضع يدك على صدرك: فما حك في قلبك فدعه، وإن أفتاك الناس ~~وأفتوك". # - وأما دلالة الإجماع: فإن من (¬8) اشتبهت عليه القبلة، فصلى، بغير تحر ~~(¬9)، بقلبه، للقبلة (¬10): [ف] إنه لا تجوز صلاته (¬11). وإن (¬12) صلى ~~بالتحري أجزأته. وعلى أصلكم: إذا صلى بالتحري تجزئه (¬13) وإن خالف جهة PageV01P680 # الكعبة بيقين، وإذا خالف جهة نحريه لم تجزه (¬1) وإن أصاب الكعبة. وكذا ~~قالوا: إذا اختلط اللحم الحلال (¬2) باللحم الحرام، والحلال غالب: لا يحل ~~إلا بالتحري. والتحري هو العمل بالإلهام وتحكيم القلب (¬3)، فثبت أن ~~الإلهام حق من الله تعالى، وأنه واجب العمل به. # وجه قول أهل الحق: # - قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (¬4). وقال تعالى: "أو لم ~~ينظروا في ملكوت السماوات والأرض" (¬5) - أمر بالاعتبار (¬6) والنظر، وما ~~أمر بالرجوع إلى القلب. # - وكذلك قال عليه السلام لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلي اليمن قاضيا ~~(¬7): "بم تقضي؟ " قال: "بكتاب الله تعالى (¬8) " قال: "فإن لم تجد" قال: " ~~فبسنة (¬9) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "قال: "فإن لم تجد؟ " قال: ~~"أجتهد في ذلك رأيي" - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحمد لله ~~الذي وفق رسول رسوله"، ولم يقل: "اقض (¬10) بالإلهام"، ولم يأمره به ms325 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمور ~~بمشورة أصحابه في الحوادث التي لا نص فيها، بقوله (¬11): "وشاورهم في ~~الأمر" (¬12). ولم يكن مأمورا بالرجوع إلى قلبه في فصل الخصومات. PageV01P681 # - والمعني في المسألة: وهو أن شهادة القلب قد يكون بالإلهام من الله ~~تعالى. وقد يكون من النفس. وقد يكون من الشيطان. فإن (¬1) كان من الله ~~تعالى، يكون حجة. وإن كان من النفس والشيطان لا يكون حجة (¬2). فلا يكون ~~حجة مع الاحتمال. ولن يقع التمييز بين هذه الأنواع إلا بعد نظر واستدلال. ~~ولأن الإلهام مي مشترك الدلالة، فإن الرجل يقول: إني (¬3) ألهمت أن ما ~~أقوله حق وصواب. فيقول حصمه: إني (¬4) ألهمت أن (¬5) ما تقوله خطأ وباطل. ~~ولايمكنه الخروج عنه إلا بأن يقول لخصمه بأنك لست من أهله، فيقابله الخصم ~~(¬6) بمثله، ولا يمكنه التمييز بين الأهل وغيره، إلا نظر واستدلال. ولأن ~~الخصم من أهل الحق يقول لهم: إني (¬7) ألهمت أن (¬8) القول بالإلهام باطل، ~~فإلهامي هذا (¬9) هل هو حق وحجة أم لا؟ فإن قالوا: حق، بطل قولهم. وإن ~~قالوا: باطل، فقد أقروا (¬10) ببطلان الإلهام في الجملة، وليس البعض بأولى ~~من البعض، فبطل كلامهم. # - أما الجواب عما يقولون به من النصوص (¬11)، من الكتاب والسنة، قلنا: # • نحن نسلم أن الإلهام من الله تعالى حق. # • ثم إن كان في حق نبي من الأنبياء عليهم السلام، فبعد (¬12) ما ثبتت ~~نبوته بالمعجزة، في حق (¬13) نفسه وفي حق أمته، يجوز له العمل بما ألهم PageV01P682 # في قلبه، ويجب العمل به إذا كان في موضع الوجوب، ويجب عليه أن يدعو غيره ~~إليه. فأما إذا ثبت الإلهام في أصل النبوة، فإنه يثبت به النبوة أيضا، فإن ~~في حق بعض الأنبياء تثبت النبوة في حالة النوم، فيثبت بالإلهام أيضا، ولكن ~~لا يجب عليه أن يدعو الأمة إلا في العقليات، ولا يجب عليهم القبول ما لم ~~يوجد المعجزة. # • فأما إذا كان الإلهام في حق غير الأنبياء من المسلمين: # فإن كان في الأمور الشرعية والأحكام: [ف] يجب عليه العمل به (¬1)، في ms326 حق ~~نفسه، لكن لا يدعو غيره إليه. # فأما في الأمور العقلية، كتوحيد الصانع وحدث العالم ونحو ذلك: [ف] هل ~~يجوز أن يثبت بالإلهام؟ فهو جائز في قول أكثر المتكلمين، إلا ما روي عن ~~النظام (¬2) وبعض مشايخ أهل السنة أيضا. # وإن كان التكليف ورد بالإيمان، بطريق الاختيار (¬3)، الذي يتعلق الثواب ~~يتحصيله والعقاب بتركه، ولكن ثبوته بطريق الضرورة وإحداث العلم جبرا، جائز. ~~ولقب (¬4) المسألة أن العلم الاختياري هل يجوز أن ينقلب ضروريا أم لا؟ وهي ~~من جملة مسائل لطيف الكلام تعرف ثمة إن شاء الله تعالى. # - وأما التحري: فإنه ليس (¬5) من باب الإلهام، فإن على أصلهم: الإلهام من ~~الله تعالى يكون (¬6) في حق العدل الورع، لا في حق الفاسق. والتحري في ~~الأحكام مشروع في حق الكل. ولأن التحري هو العمل بشهادة القلب. وحكمه عند ~~عدم سائر الأدلة الشرعية والعقلية، بنوع PageV01P683 # نظر واستدلال بالأحوال، وهو حكم عرفناه بالشرع، في موضع ليس ثمة دليل من ~~الأصول الأربعة قائما كل مقامها، في حق العمل بطريق الضرورة، علي ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى ~~أم (¬1) أربعا، فليتحر الصواب وليبن عليه". ولما روي أنه قال في رواية ~~لوابصة بن معبد (¬2): "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات - وفي ~~رواية متشابهات (¬3) - دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ولهذا إن خبر الفاسق ~~والصبي العاقل (¬4) في أمور الدين مبني على تحكيم القلب عند الضرورة. و ~~(¬5) في أمور المعاملات مقبول من غير تحر. والأفضل أن يحكم رأيه فيه (¬6) ~~أيضا، احتياطا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الكلام في حال قيام سائر الحجج، ~~فالحل الثابت (¬7) بدليله، لا يجوز تحريمه بشهادة القلب، والحرمة الثابتة ~~بدليلها، لا تزول بشهادة القلب. # فأما عند عدم الدلائل (¬8) الأربعة: [ف] الإلهام يكون حجة في حق الملهم، ~~لا في حق غيره، والتحري قد لا يكون حجة في الجملة، كما في الفروج (¬9)، لأن ~~التحري (¬10) قد يقع خطأ وقد يقع صوابا، والإلهام الذي من الله تعالى لا ~~يكون إلا ms327 صوابا وحقا. فأما (¬11) الإلهام الذي يكون باطلا، فهو وسوسة ~~الشيطان وتمني النفس، وليس بإلهام حقيقة - فدل على التفرقة بين الأمرين - ~~والله أعلم. PageV01P684 # وإذ (¬1) أتينا علي # [1] بيان أنواع الأحكام (¬2) # [2] وبيان (¬3) أقسام الدلائل (¬4) # يبقي علينا # [3] بيان أهلية من تثبت في حقه، وبيان تعلقها بالأسباب # [4] وبيان دفع ما يتراءى (¬5) من التعارض في الدلائل والأحكام ظاهرا وإن ~~(¬6) لم يتصور التعارض في دلائل الله تعالي وأحكامه حقيقة جل الله عن ذلك ~~وتعالى (¬7) # فنبدأ # بفصل التعارض، وما يتصل به من وجوه الدفع # ثم نبين # أهلية الأحكام، ووجه تعلقها بالأسباب PageV01P685 ### | CHECK الفصل الثالث التعارض # باب التعارض # [الكلام في هذا الباب في فصول: ### || AUTO فصل في المعارضة # . وفصل في النسخ. وفصل في الترجيح] ### || AUTO فصل في المعارضة # الكلام في هذا الفصل في: # تفسير التعارض (¬1) لغة. # وبيان (¬2) حده (¬3) وحقيقته في عرف لسان الفقهاء. # وفي (¬4) بيان المخلص عن التعارض. # وفي بيان حكم التعارض شرعا (¬5). ### ||| AUTO [1] # أما الأول # فهو المقابلة على سبيل الممانعة والمدافعة (¬6) - يقال: لفلان عبد أو ابن ~~يعارضه، أي يقابله بالمنع والدفع. ويقال: عرض لي عن الحضور إليك كذا (¬7) - ~~أي استقبلني أمر صدني ومنعني عن الحضور إليك. ولذلك (¬8) سميت الموانع ~~"عوارض". PageV01P686 ### ||| AUTO [2] # وأما بيان حقيقته في عرف الفقهاء # [ف] ما هو ثابت بمقتضى اللغة. وهو التمانع والتدافع بين الدليلين في حق ~~الحكم. وذلك إنما يثبت عند وجود ركن التعارض وشرطه. # أما ركنه (¬1) [ف] هو المماثلة والمساواة بين الدليلين في الثبوت والقوة، ~~لاستوائهما في الطريق نحو النصين (¬2) من الكتاب، والخبر ين المتواترين، ~~ونحوهما. # وأما الشرط - فهو المخالفة بين حكميهما: إما من حيث التضاد كالحل ~~والحرمة، أو من حيث التنافي كالنفي والإثبات. لكن التضاد والتنافي لا يثبت ~~إلا عند اتحاد المحل (¬3) والزمان والجهة، إذ (¬4) يتحقق الجمع بين الحل ~~والحرمة، والنفي والإثبات، في زمانين: كحرمة الخمر بعد حلها، وفي محلين: ~~كالحل في المنكوحة والحرمة في الأجنبية، وفي جهتين مختلفتين: كالنهي عن ~~البيع وقت (¬5) النداء والطلاق في حالة الحيض. ### ||| AUTO [3] # وأما بيان المخلص عن التعارض ودفعه # فنقول: # دفعه بإراءة (¬6) قوة ما يتحقق به ms328 [دفع] المعارضة (¬7)، من الركن PageV01P687 # والشرط، فيكون الانفصال والمخلص (¬1) عنه من وجهين في الحاصل: أحدهما ~~يرجع إلى الركن، والآخر إلى الشرط. # أما الذي يرجع إلى الركن: # [ف] بأن لم يكن بين الدليلين مماثلة، كنص الكتاب والخبر المتواتر، مع خبر ~~الواحد والقياس، أو خبر الواحد مع القياس - لأن شرط قبول خبر الواحد ~~والقياس أن لا يكون ثمة (¬2) نص، من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، ~~بخلافه. # وكذا إذا كان لأحد الخبرين من الآحاد أو لأحد القياسين، رجحان، على ~~الآخر، بوجه من وجوه الترجيح، لأن العمل بالدليل الراجج واجب، عند عدم ~~الدليل المتيقن بخلافه، ولا عبرة للمرجوح بمقابلة الراجح. # ولكن هذا إنما يستقيم بين خبرتي الواحد، وبين القياسين، لأنه ليس بدليل ~~موجب للعلم، وإنما يوجب الظن أو علم غالب الرأي - وهذا يحتمل التزايد من ~~حيث القوة، بوجوه الترجيح. # فأما بين النصين من الكتاب والسنة المتواترة في حق الثبوت، [ف] لا يتصور ~~الترجيح، لأن العلم بثبوتههما قطعي، والعلم القطعي لا يحتمل التزايد (¬3) ~~في نفسه، من حيث الثبوت، وإن كان يحتمل من حيث الجلاء والظهور، إلا إذا وقع ~~التعارض في موجبيهما (¬4)، بأن كان أحدهما محكما مفسرا والآخر فيه احتمال، ~~فكان المحكم أولى. PageV01P688 # وأما الذي يرجع إلى الشرط: # [ف] بأن لا يثبت التنافي بين الحكمين، ويتصور الجمع به بينهما، لاختلاف ~~المحل والحال، والقيد والإطلاق، والحقيقة والمجاز، واختلاف الزمان حقيقة أو ~~دلالة. وبيان ذلك: # أن النصين إذا تعارضا: إما إن كانا خاصين أو عامين، من وجه أو من كل وجه، ~~أو أحدهما عاما والآخر خاصا. ولا يخلو، إما إن كان بينهما زمان يصلح للنسخ، ~~أو زمان لا يصلح للنسخ. # - فإن لم يكن بينهما زمان يصلح للنسخ: # • فإن وفي الخاصين: يحمل أحدهما على قيد، أو حال، أو مجاز، ما أمكن. # • وإن كانا (¬1) عامين من وجه دون وجه: فإنه يحمل على وجه يتحقق الجمع ~~بينهما. # • وإن كانا عامين لفظا (¬2): فإنه يحمل أحدهما على بعض والآخر على بعض ~~آخر، أو على القيد والإطلاق. # • وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا: يبني العام على ms329 الخاص. # وهذا بلا خلاف، لأنه لا يندفع التناقض إلا بهذا الطريق، فإنه لا يمكن ~~الدفع بطريق التناسخ، لأنه لا يصلح للنسخ. # • وكذلك (¬3) إذا كان النصان (¬4) بطريق الخبر، والنسخ في الأخبار لا ~~يجوز على قول الأكثرين: يجب الحمل على القيد والإطلاق. نظير PageV01P689 # ذلك أن الله تعالى قال: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} (¬1)، ثم ~~قال تعالى: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم} (¬2): فعين ما حرم (¬3) في ~~حالة الاختيار، أن (¬4) مثله يحل في حالة الاضطرار، ولا تناقض، لاختلاف ~~الحالين. وقال الله (¬5) تعالى لآدم عليه السلام: {إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} (¬6) ثم قال تعالى (¬7): {فأكلا ~~منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (¬8) واندفع ~~(¬9) التناقض بالتقييد، بحال ترك النهي والامتناع عنه. # - فأما إذا كان بينهما زمان يصلح للتناسخ، بأن كان يتمكن المكلف من الفعل ~~والاعتقاد جميعا، أو من الاعتقاد لا غير، على حسب ما اختلف (¬10) فيه. # فإن في هذه الفصول التي ذكرنا: يمكن العمل بالطريقين: بالتناسخ، والتخصيص ~~والتقييد والحمل على المجاز، في العامين والخاصين. وقد ذكرنا الكلام في ~~العام والخاص إذ تعارضا وعرف التاريخ (¬11)، وكذا إذا كان لا يعرف التاريخ، ~~فلا نعيده (¬12). PageV01P690 # ولكن اختلف أهل الأصول: أن في هذه الفصول يجب العمل بطريق التناسخ، أو ~~بطريق البيان من حيث التخصيص والتقييد (¬1): # • فقال أصحاب الحديث: إن العمل بطريق التخصيص والبيان (¬2) أولي. # • وقالت المعتزلة: إن العمل بالتناسخ أولى. # • وقال عامة (¬3) مشايخنا، وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمه ~~الله: إنه ينظر إلى عمل الأمة في ذلك: إن حملوها على التناسخ يجب العمل به. ~~وإن حملوها على التخصيص والتقييد يجب العمل به. وإن لم يعرف عمل الأمة في ~~ذلك على أحد الوجهين، أو استوى على الأمة فيه، بأن (¬4) عمل بعض الأمة على ~~أحد الوجهين، والبعض على الوجه الآخر، فيرجع في ذلك إلى شهادة الأصول، ~~فيعمل بالوجه الذي شهدت به. # وكذا (¬5) إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا، ولا يترجح (¬6) الخاص ~~وبخصوصه، ولا العام بعمومه، ولا يحمل ms330 على التناسخ أو على الخصوص والتقييد ~~والمجاز، إلا بدليل - لأن عنده يجوز تأخير البيان فيما يمكن العمل بظاهره ~~(¬7)، من (¬8) العام والخاص (¬9)، لاحتمال الخصوص والمجاز، فكان الخاص ~~والعام سواء، فلم يختلف الجواب. وهذا الاختلاف بناء على PageV01P691 # ما ذكرنا: أن اللفظ العام [هل] يوجب العلم بعمومه (¬1) قطعا أم مع ~~الاحتمال؟ (¬2) # فعلى قول المعتزلة: لما كان العام متناولا جميع ما وضع له، كأنه نص على ~~كل فرد من أفراده، فإذا ورد نص خاص بخلافه، فقد أثبت ضد ما أوجبه النص ~~العام في حق هذا الفرد. فإذا كان بين النصين زمان يجوز فيه النسخ: لو لم ~~يحمل على النسخ ويحمل (¬3) على البيان من الأصل، يصير كأن النص (¬4) العام ~~أوجب الإباحة في حق هذا الفرد، والنص الخاص أثبت الحرمة في زمان واحد، وهو ~~تفسير التناقض، والتناقض منفي عن أحكام الله تعالى (¬5)، [ف] يجب القول ~~بالتناسخ، نجلاف ما إذا ورد النصان معا، لأن ثمة لا يمكن القول بالتناسخ، ~~فيجب الحمل على التخصيص، ويصير هذا الفرد غير داخل تحت اللفظ العام، وذكر ~~اللفظ العام، والمراد به بعضه (¬6) جائز إذا اقترن به الدليل (¬7) دفعا ~~للتناقض بهذا الطريق، ويكون اللفظ العام مجازا عند بعضهم، وعند بعضهم يكون ~~استثناء وتكلما بالباقي على ما مر (¬8). # وعلى قول أصحاب الحديث: لما كان العام لا يوجب العموم قطعا، بل يجوز أن ~~يكون المراد منه البعض من الابتداء، وكذا اللفظ المطلق يجوز أن يراد به ~~(¬9) المقيد من الابتداء، فإذا كان النص الخاص متأخرا أو جاء (¬10) القيد ~~ولا يجوز الجمع بين حكميهما للتناقض، وأمكن دفع التناقض (¬11) بكل واحد من ~~الطريقين، فالدفع بالتقييد والتخصيص أولى، لوجهين (¬12): PageV01P692 # أحدهما - أن النسخ أمر ضروري، فإن الأصل هو بقاء الحكم المشروع الثابت ~~باليل المطلق، والضرورة ترتفع بالأدنى، وهو التخصيص. # والثاني - هو عمل بالدليلين: بالنص الخاص في المستقبل، وبالنص العام فيما ~~وراء المخصوص في الماضي والمستقبل جميعا، ولو حمل على التناسخ، فيما إذا ~~كان العام متأخرا، صار ناسخا للخاص أصلا، فكان ما قلنا أولى. # وجه قول مشايخنا: دلالة الإجماع، والمعقول. # أما ms331 الأول - فإن الأمة أجمعت على التناسخ، في موضع إمكان التخصيص فإنه ~~ورد في عدة الوفاة نصان: أحدهما قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} (¬1). والثاني قوله ~~تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} (¬2) وأمكن العمل بالنصين بأن يكون قوله "أربعة أشهر وعشرا" (¬3) ~~تقريرا لبعض ما في الآية الأخري، فإنها موجودة في السنة، أو تجب السنة ~~وأربعة أشهر وعشر زيادة عليها، ثم حملت الأمة النصين على التناسخ، ولهذا ~~نظائر (¬4). # وأما المعقول - وهو أن كل واحد منهما بيان، إلا أن إخراج بعض الأعيان من ~~الجملة يسمى تخصيصا، وإخراج بعض الأزمان يسمى نسخا، إذ لو لم يكن النسخ ~~بيانا لم يندفع التناقض، فلم يكن أحدهما بأولي من PageV01P693 # الآخر، فوجب الترجيح بعمل الأمة (¬1)، أو بشهادة الأصول، بعد العجز عن ~~عمل الأمة (¬2). # وما ذكروا من الترجيح لا يستقيم، لأن الكلام فيما وقعت فيه المعارضة، وهو ~~(¬3) قدر الداخل تحت الخاص، لأنه لا يمكن العمل بهما جميعا في حقه، فلا بد ~~من ترك العمل بالعام بقدره، أو بترك العمل بالخاص - فدل أن الصحيح ما قلنا. # هذا الذي ذكرنا في النصين من الكتاب. # فأما إذا ورد النصان (¬4) من السنة بطريق التواتر، وأحدهما معمول به دون ~~الآخر، ولم يعرف التاريخ، أو (¬5) أحدهما من الكتاب والآخر الخبر المتواتر ~~والخبر معمول به - فإن الآخر يكون منسوخا، فدل (¬6) هذا على التاريخ دلالة. ~~ولكن هذا في الخبرين إنما يتصور في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأما ~~لا يتصور في زمن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، لأنهم لم ينقلوا خبرين ~~متواترين، والعمل بأحدهما منسوخ، لأن رواية الحديث لأجل العمل به، فلابد أن ~~يتركوا الرواية، فلا يصير متواترا. # وأما التعارض (¬7) - إذا وقع بين الخبرين بطريق الآحاد: فالجواب (¬8) في ~~المخلص عن التعارض، ما ذكرنا في النصين من الكتاب، إلا أن ههنا زيادة مخلص ~~وهو الترجيح، بوجوه الترجيح، ولا يتحقق هذا في النصين القاطعين. PageV01P694 # وأما في تعارض القياسين وقولي الصحابة: [ف] لا يمكن الدفع ms332 بطريق التخصيص ~~على رأي من لا يجوز تخصيص العلل، ولا بطريق التناسخ، لأن القياس الصحيح ~~أحدهما، لأن الحق في المجتهدات واحد، لكن لا يعرف الصحيح من الفاسد إلا ~~بنوع ترجيج، وإنما يبطل إذا ظهر النص بخلافه، فكان المخلص فيه هو الترجيج ~~لا غير. # وكذا لا يتصور التعارض بين إجماعين، لأن الإجماع (¬1) متي انعقد، لا ~~يتصور انعقاد إجماع آخر، بخلافه. ### ||| AUTO [4] # وأما بيان حكم المعارضة شرعا # فنقول: # إذا امتنع دفع التعارض بين الدليلين في الأحكام الشرعية ظاهرا، فإنه يجب ~~على المجتهد التوقف إلى أن يجد مخلصا: بشهادة الأصول في الدليلين المعلومين ~~قطعا، وبالترجيح بوجه من وجوه الترجيج في الدليلين الموجبين علم غالب ~~الرأي، لأنه لا يتصور خلوهما عما يقع به التمييز بين الحق والباطل. # وهذا عندنا، وهو قول كل من قال: إن الحق في المجتهدات واحد (¬2). # ثم ينظر: # - إن ورد في الحل والحرمة، فإنه يمتنع بطريق الاحتياط ويأخذ بالحرمة (¬3). # - وإن وردا في الإيجاب والإسقاط: # • إن كان ذلك في العبادات، فإنه يجب الإتيان (¬4) احتياطا أيضا. PageV01P695 # • وإن كان ذلك في حقوق العباد: # فإن وقع الاختلاف في ابتداء الوجوب، فلا يحكم بالوجوب، لأن القول بالوجوب ~~بطريق الاحتياط، احترازا عن فوت الحق الواجب، وصيانة حقهما جميعا واجب، ~~وليس أحدهما بأولى من الآخر. # وإن كان التعارض وقع في السقوط، فلا يسقط بالشك. والله أعلم. # وأما على قول من قال بأن كل مجتهد مصيب [فقد] اختلفوا: # قال بعضهم مثل قولنا: إنه يتوقف ما لم يغلب على ظنه أحد الوجهين. # وقال عامتهم بأنه يخير بين الحكمين فيما يفيد الاختيار، ويجعل كأن الله ~~تعالى صرح بالحكمين، على طريق التخيير - على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # ولما كان المخلص عن التعارض بطريق التناسخ في البعض، وبطريق الترجيح في ~~البعض، وبطريق التخصيص والتقييد في البعض، وقد ذكرنا حكم التقييد والتخصيص ~~من قبل، فلابد أن يذكر حكم النسخ والترجيح. فنبدأ بفصل النسخ. ### || AUTO فصل في النسخ # (¬1) # الكلام فيه في مواضع: # في بيان النسخ في اللغة وفي عرف الشرع. # وفي بيان أنه ms333 اسم شرعي أو عرفي. # وفي بيان حده وحقيقته عند الفقهاء والمتكلمين. # وفي بيان مشروعيته. PageV01P696 # وفي بيان محله. # وفي بيان شرائطه. # وفي بيان الناسخ والمنسوخ. # وفي بيان أقسامهما. # وفي هذه الفصول طول يذكر في الشرح إن شاء الله تعالى، ونذكر (¬1) في هذا ~~المختصر ما هو كفاية و (¬2) نموذج إلى ما هو النهاية إن شاء الله تعالى. ### ||| AUTO [1] # أما تفسيره # لغة - فهو مستعمل في معنيين (¬3): # أحدهما - الإزالة والرفع، يقال: "نسخت الشمس الظل" أي: أزالته ورفعته، ~~فإن الظل لا يبقى في ذلك المكان بعد وجود الشمس فيه. ويقال: "نسخت الريح ~~آثار الأقدام" إذا رفعتها وأبطلتها حسا. # والثاني - يستعمل في النقل، يقاك: نسخت الكتاب" أي: نقلت (¬4) مثل (¬5) ~~ذلك المكتوب إلى محل اخر، # وفي عرف الفقهاء - يستعمل (¬6) تشبيها بالمعنى الأول من وجه. ### ||| AUTO [2] # وأما بيان أنه اسم شرعي أو اسم عرفي # عند بعضهم: اسم عرفي، فإن ما هو معناه، وهو الرفع والإزالة، لغة (¬7)، لا ~~يتحقق في النسخ الشرعي، فكان الاستعمال عرفا، فيكون الاسم PageV01P697 # • منقولا، كاسم الصلاة للأفعال المعهودة: لما لم يكن في الأفعال معنى ~~الاسم اللغوي يكون اسما منقولا، لا اسما شرعيا، فكذا هذا (¬1). # وقال بعضهم: هو اسم شرعي، لأن فيه معنى لغويا، وهو الإزالة من وجه - على ~~ما نذكر. ### ||| AUTO [3] # وأما بيان حده عند الفقهاء والمتكلمين # قال بعض المعتزلة: هو إزالة مثل الحكم الثابت بالدليل الأول (¬2)، بقول ~~منقول عن الله تعالى أو عن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو فعل منقول عن ~~رسوله (¬3)، مع تراخيه عن الأول (¬4)، على وجه لولاه لكان ثابتا (¬5). # وقال بعض أهل الحديث: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب ~~المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتا به، مع تراخيه عنه. # وقيل: إزالة الحكم الأول مع استقراره. # وإنما ذكروا "الإزالة والرفع" عملا بحقيقة الاسم لغة، فإن الدليل الأول ~~أثبت الحكم على الأبد والدوام، لولا النص المعارض، فيكون هذا (¬6) النص ~~(¬7) إبطالا للحكم الأول ورفعا له، كالبيع: يوجب الملك مطلقا مؤبدا لولا ~~الفسخ، فيكون الفسخ إبطالا للبيع أو حكمه لا بيانا (¬8) - فكذا هذا. ms334 PageV01P698 # وذكر الشيخ القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله ان النسخ رفع وإبطال للحكم ~~في حقنا، لأنه ما ارتفع (¬1) في حقنا إلا بالناسخ. فأما في حق الله تعالى ~~فهو بيان محض لمدة الحكم، كالقتل: يجعل قطعا للحياة (¬2) في حق العباد، وهو ~~(¬3) نهاية في علم الله تعالي. # وذكر الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله في كتابه (¬4) الموسوم ~~ب"مآخذ الشرائع" أن النسخ في الحقيقة بيان منتهى ما أراد الله تعالى بالحكم ~~الأول من الوقت. كما أن الحكم: إذا كان موقتا إلى وقت نصا، كان الوقت غاية ~~(¬5) لانتهاء الحكم. وكذا تخصيص العموم: إذا كان مقارنا، فهو بيان أن ~~المخصوص لم يدخل تحته. وكذا الاستثناء: بيان أن المستثنى غير مراد من ~~المستثنى منه (¬6) - فكان النسخ مثل هذه الفصول في حق البيان، فإن الحكم ~~متي كان ثابتا في الحل أو الحرمة، أو ورد الأمر أو النهي مطلقا، ثم جاء نص ~~بخلافه، كان هذا بيانا (¬7) من صاحب الشرع أن الحل ثابت إلى هذا الوقت. ~~وكذا حكم الأمر والنهي. غير أن البيان، في الحكم (¬8) المطلق عن الوقت، ~~بثبوت حكم مخالف له بنص (¬9) مطلق قائم بنفسه، متراخ عن الأول، يسمى نسخا. ~~والبيان التراخي (¬10) عن العام المطلق، بتخصيص شيء منه (¬11): يسمى ~~تخصيصا، والعبادات PageV01P699 # المؤقتة والأحكام المؤقتة صريحا، فانتهاء وقتها لا يسمى نسخا. وتسمية ~~(¬1) الأشياء لإعلام العباد، وبين هذه الأنواع من البيان مفارقة من وجه، ~~فلابد من اختلاف الاسم للتمييز بينهما، فوضع أهل اللسان نوع اسما. وقد جاء ~~القران بتسمية هذا النوع من البيان نسخا بقوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها" (¬2). ولله تعالى أن يسمي الأشياء بما شاء ~~من الأسامي (¬3)، فهو الواضع للأسامي والشارع للأحكام. # وهذا هو الصحيح. # وتحرير (¬4) الحد فيه أن يقال: النسخ هو بيان انتهاء الحكم الشرعي ~~المطلق، الذي في تقدير أوهامنا استمراره لولاه، بطريق التراخي. ونعني ~~بالحكم هو المحكوم. فأما (¬5) الحكم فإنه (¬6) صفة أزلية لله تعالي على ما ~~مر ذكره (¬7). [ف] لا يلزم على هذا (¬8) الحكم الموقت صريحا، فإن ثمة ms335 ليس ~~في وهمنا استمراره. ولا يلزم التخصيص، فإنه بييان أنه غير مراد من الأصل، ~~بنص قائم بنفسه، لا أنه انتهاء. ولا يلزم الاستثناء، لأنه بييان أنه غير ~~مراد من الأصل، بنص قائم بنفسه، بل ببعض النص (¬9)، بعد الثبوت. PageV01P700 # وما قالوا من "الإزالة والرفع"، فغير صحيح، لأن ما ثبت من الحكم في ~~الماضي لا يتصور بطلانه، وما (¬1) في المستقبل لم يثبت بعد، فكيف يبطل؟. ~~ولأن حكم الله تعالى إذا كان على طريق التأبيد وإرادة (¬2) وجوده أو وجوبه ~~أو الحل أو الحرمة، ثم لم يثبت على الأبد، يكون قولا بتغيير الإرادة، وما ~~أراد الله تعالى يكون لا محالة. ولأنه (¬3) لا يخلو: إما أن يقولوا: إن ~~الله تعالى عالم (¬4) بالحكم على طريق التأبيد عالم بالمصلحة، أو لم يكن ~~عالما. فإن (¬5) كان عالما بالمصلحة ثم بالنسخ، يتبين أنه لا مصلحة، فهذا ~~(¬6) قول بالجهل أو بالبداء (¬7)، أو بالرجوع (¬8) بظهور المصلحة في ~~الثاني. وأما أنه (¬9) نسخ، مع العلم بالمصلحة، فهو قول بنسبة السفه إلي ~~الله تعالي - وكل ذلك باطل. # والذي يحقق ما قلنا: أن ما قلناه إيمان اعتقده كل مسلم، بطريق (¬10) ~~الإجمال، فإن كل من آمن بالله تعالى فإنه (¬11) يعتقد أن الخلق والأمر لله ~~تعالى، وأنه (¬12) كون الأشياء في الأزل على ما يكون في الوقت الذي يكون. ~~وكذا أمر بالأشياء ليجب ويوجد في الوقت الذي أراد PageV01P701 # وجوبه ووجوده فيه. وكذا في النهي. وأنه أراد الحكم المؤبد أو الموقت، ~~فيكون على حسب إرادته، وأن ما أراد يكون لا محالة على الوجه الذي أراد، ولا ~~يكون على خلاف ما أراد. وما قلناه تفسير وتفصيل، لما وجب اعتقاده، بطريق ~~الإجمال. # فأما متي اعتقد أنه كان أراد الأبد، ثم لم يثبت المراد على الأبد، لكن ~~ينعدم قبله، فلا تكون إرادته نافذة على الوجه الذي أراد، فيكون هذا ~~الاعتقاد مخالفا تفصيله جملته، وهو باطل - والله الموفق. # وما قالوا: إنه بيان عند الله تعالى، ولكنه في حق العباد إبطال وإزالة، ~~غير مستقيم أيضا، فإن الحق عندنا واحد في الشرعيات (¬1)، كما في العقليات، ms336 ~~والمجتهد يخطئ ويصيب، خلافا لقول من قال: إن كل مجتهد مصيب - فهذا (¬2) ~~يرجع إلى ذلك، على ما نذكر. ### ||| AUTO [4] # فصل في: بيان مشروعية النسخ # قال عامة أهل الإسلام: إن (¬3) النسخ مشروع في الجملة. # وقال قوم، من أهل القبلة ممن (¬4) لا عبرة بهم، بأن النسخ لا يجوز في ~~شريعة واحدة. # واليهود افترقت ثلاث فرق: PageV01P702 # قالت (¬1) فرقة مثل قولنا (¬2). # وقالت (¬3) فرقة بأنه غير مشروع عقلا # وقال بعضهم: إنه (¬4) ليس بقبيح عقلا، ولكن امتنع النسخ لشريعة موسى عليه ~~السلام سمعا. # فالمنكرون لشرعيته عقلا، شبهتهم واحدة، وهو أن النسخ من باب البداء ~~والغلط (¬5)، وهو محال في حق الله تعالى، وما أفضى إلى المحال فهو محال. ~~بيانه، أن النسخ ليس إلا تحريم الحلال، أو إحلال الحرام، أو النهي عما كان ~~مشروعا قبله، أو النهي عن مثل ما كان مشروعا، والشيء متي كان مشروعا شرعا ~~لا يكون إلا لمصاحة (¬6)، والمصلحة متى ثبتت في شيء يثبت فيما كان من ~~أمثاله. فإذا جاء الناسخ: فإما أن يظهر (¬7) أنه لم يكن من المصلحة من ~~الأصل، وهو قول بنسبة الجهل إلى الله تعالى أو نسبة البداء والرجوع، فذلك ~~(¬8) محال. أو كان مصلحة، ومع قيام المصلحة نسخه، فيكون سفها، تعالى الله ~~(¬9) ءعن ذلك. PageV01P703 # وجه قول الفريق الثاني - قالوا: ثبت بطريق التواتر عن (¬1) موسى عليه ~~السلام أنه قال: تمسكوا بالسبت (¬2) ما دامت السماوات والأرض. و (¬3) ~~قالوا: ذلك مكتوب في التوراة. وكذا رووا عن موسى عليه السلام أنه قال (¬4): ~~لا نسخ لشريعتي. # وجه قول أهل (¬5) الحق: # - وهو أن تحريم الأخوات والجمع بين الأختين وتحريم الجزء (¬6)، ثابت في ~~شريعة موسى عليه السلام، والإباحة ثابتة قبلها، وليس تفسير النسخ إلا هذا. # - وقال الله (¬7) تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت ~~لهم" (¬8) وهو تفسير النسخ. وكذا قال الله (¬9) تعالى: "ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها أو مثلها" (¬10) وقال الله (¬11) تعالى: "وإذا بدلنا ~~آية مكان آية" (¬12)، والقرآن معجز، فيكون حجة على الكل. # - وأما المعقول، وهو أن النسخ هو التحريم والتحليل في الأفعال ms337 (¬13). ~~فعين ما صار حراما لا بقاء له، حتى يصير حلالا. وكذا على العكس. PageV01P704 # فمن الضرورة أن النسخ (¬1) لا يكون تحريم المحلل، ولا تحليل المحرم (¬2)، ~~بل يكون تحريم (¬3) مثله، وتحريم الشيء إنما يكون تحريم مثله إذا كان ~~معقولا. أما إذا لم يكن فلا. # وهذا لأن عند أصحاب الحديث: الحسن والقبح والتحريم والتحليل يثبت بالأمر ~~والنهي، فيجوز أن يكون الشيء مشروعا، لقيام الأمر، ثم صار مثله منسوخا أو ~~عينه، لو (¬4) تصور، لقيام النهي. # فأما (¬5) على مذهبنا: فالحسن والقبح قد يكون (¬6)، لذات الشيء، معقولا، ~~كمعرفة ذات الله تعالى (¬7) وصفاته، وحسن أصل العبادات، وقبح الكفر ونحوه ~~(¬8). وقد يكون لمعنى في الشيء لا لعينه، كالتوجه إلى بيت المقدس. وكذا ~~القبح، كقتل (¬9) الآدمي والحيوان: حرام لمعنى لا لعينه، حتي يصير مباحا مع ~~قيام عينه لتبدل المعنى. # إذا ثيت هذا فنقول: # عندنا النسخ إنما يجوز في هذا القبيل لا في القبيل الأول على ما نذكر في ~~بيان محل النسخ. وإذا كانت المصاحة والحكمة لم تتعلق بالعين بل بالمعنى، ~~يجوز أن يتبدل بتبدل الأزمان والأشخاص لتبدل المعنى (¬10) - ألا ترى PageV01P705 # أن من الأشياء ما هو ضار في حق شخص، نافع في حق شخص آخر، لاختلاف الطباع، ~~والطبيب الحاذق يعرف ذلك، فيبني الأمر على قوله، والله تعالى هو العالم ~~بمصالح الأوقات، وهو الرؤوف. بعباده، ونحن لا نقف على حقيقته، فمتي جاء ~~النص فى خلاف الحكم الأول متأخرا عنه، علم، بطريق الضرورة، أن المصلحة ~~تغيرت، وعند تغير المصلحة، تكون الحكمة في تغير المشروع لا في الإبقاء. # - وخرج الجواب عن قولهم: إن المشروع لا يكون إلا لمصلحة - فبلى (¬1)، ~~ولكن ما شرع فيه النسخ لا يعرف فيه المصلحة إلا من الشرع. أما لا تعرف من ~~جهة العقل إلا بإشارات النصوص (¬2) - على ما نذكر. فإذا جاء الناسخ دل على ~~تغير المصلحة، وليس شرط المصلحة هو البقاء أبدا، كما في الحار والبارد، في ~~حق شخص واحد عند اختلاف الأزمان، فلم يكن - النسخ مقصورا على ما قالوا، بل ~~ههنا قسم آخر، وهو ما ذكرنا، وليس في ms338 هذا النوع من النسخ بداء أو تغيير ~~(¬3). وفيما قلتم من النوع بداء، فلذلك (¬4) لم يجز ذلك النوع (¬5) دون. ~~هذا. إذ النسخ (¬6) عند الفقهاء عبارة عما قلنا، وإنه ليس ببداء ورجوع، وما ~~ذكرتم ليس بنسخ، بل رجوع وبداء - والله الموفق. PageV01P706 # - وما ذكروا من السمع: # • أما قولهم رواية عن موسى عليه السلام: "لا نسخ لشريعتي": إن كان بطريق ~~التواتر فهو محذوف، أي لا نسخ لشريعتي إلى مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، لأنه يثبت (¬1) رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - بما ثبتت (¬2) به ~~رسالة موسي عليه السلام، وثبت به نسخ شريعته، فوجب القول بالحذف (¬3)، عملا ~~بالدليلين. # • وأما ما رووا: "تمسكوا بالسبت (¬4) ما دامت السماوات والأرض فنقول: لا ~~يمكن العمل بظاهره، فإن التكليف بالسبت (¬5) ينقطع بانقراض الدنيا ~~والسماوات والأرض قائمة، ولكن هو كناية في الأبد في عرف أهل اللغة، كأنه ~~قالوا: "تمسكوا بالسبت (¬6) أبدا" ثم يزاد عليه أي أبدا ما لم يبعث محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - حتي يكون عملا بالدلائل. ### ||| AUTO [5] # فصل في: بيان محل النسخ # قال عامة العلماء رحمهم الله بأن محل النسخ هو الحكم الشرعي المطلق عن ~~الوقت وعن (¬7) الأبد، صريحا ودلالة. # وإنما قيدوا بالحكم الشرعي لأن الأحكام العقلية، وهي (¬8) وجوب الإيمان ~~وحرمة الكفر وكل ما يعرف بمجرد العقل من غير دليل سمعي، PageV01P707 # فإنه لا يحتمل الارتفاع والعدم بحال، لقيام دليله (¬1)، وهو العقل، على ~~كل حال، فلا يحتمل النسخ، وحكمه انتهاء الحكم الأول أو (¬2) الزوال ~~والارتفاع، على ما تكلموا فيه - وهذا عندنا. # وأما علي مذهب أصحاب الحديث، وإن كان وجوب الإيمان وحرمة الكفر بالدليل ~~السمعي، لا بالعقل وحده، لكن قام الدليل السمعي على وجوب الإيمان وحرمة ~~الكفر علي طريق التأبيد، فلا يحتمل النسخ. # وإنما قالوا: الحكم الشرعي المطلق عن الوقت والأبد صريحا أو (¬3) دلالة، ~~لأن الحكم الثابت بطريق التأبيد لا يحتمل النسخ، بل يكون ذلك من باب ~~البداء، تعالى الله عن ذلك. # نظيره قول الله تعالى (¬4): "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة" (¬5)، وإنه كذلك إلى قيام الساعة. ms339 # وأما التأبيد دلالة فهو الأحكام الشرعية التي بقيت بعد وفاة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولم يثبت الانتساخ في حال (¬6) حياته، لأن الانتساخ ~~إنما يكون بالوحي، ولا وحي يتصور بعد وفاته، لكونه خاتم النبيين. # وكذا (¬7) الموقت صريحا، لأن ثبوت الحكم في المدة المعينة بمنزلة الحكم ~~المؤبد، فلا يجوز (¬8) الانتساخ قبل مضي الوقت، لما ذكرنا. PageV01P708 # وذكر بعض أهل الأصول في هذا الفصل خلافا: # فقال (¬1) بعضهم: لا يجوز النسخ في المؤبد. # وقال عامة أهل الأصول بأنه يجوز. # ولكن لا خلاف في الحقيقة عند التأمل، لأن من قال بالجواز اعتماده على أن ~~الأبد اسم لجميع العمر، فمتى جاء النسخ تبين أن الأبد ذكر وأريد به بعض ما ~~يتناوله اسم الأبد، كقوله تعالى: "فاقتلوا المشركين" (¬2) يتناول جيمع ~~المشركين، فمتى خص منه أهل الذمة كان المراد من اللفظ العام بعضه، ولا فرق ~~إلا أن هذا تخصيص بعص الأعيان، وذلك (¬3) تخصيص بعض الأزمان. # والفريق الأول يقولون بالتخصيص ولكن مرادهم بهذا أن الأبد متى كان ~~منصوصا، وهو مراد الله تعالى، لا يجوز نسخه لا أنه يؤدي إلى البداء، ولأن ~~النسخ غير التخصيص، فإن النص المطلق وإن كان ظاهره الدوام، لا بموجب ~~الصيغة، ولكن بدليل (¬4) آخر، والنص المؤبد متناول لجميع الأزمان من حيث ~~اللفظ. فإذا جاء الناسخ في المطلق انتهي الحكم الثابت في الماضي (¬5) للحال ~~وتبين أن المستقبل ما كان ثابتا. وإذا جاء التخصيص في الزمان المؤبد بقي ~~الحكم فيما وراء المخصوص ثابتا، وفي المستقبل تبين أنه غير مراد، فأنى ~~يتشابهان؟ # وأما الإخبار - هل هو محل النسخ أم لا (¬6)؟ فهذا على وجهين: PageV01P709 # - إن كان في الأحكام الشرعية، فهو والأمر والنهي سواء، فإنه إذا أخبر ~~الله تعالى، أو النبي - صلى الله عليه وسلم -، بالحل مطلقا ثم ورد الخبر ~~بعده بالحرمة (¬1)، ينتسخ الأول بالثاني. # - فأما إذا أخبر عن الحل أو عن الحرمة (¬2) مؤبدا، فالجواب فيه مثل ~~الجواب في الأمر والنهي أيضا. # - وإن كان الإخبار في غير الأحكام، كما أخبر الله تعالى، أنه يدخل ~~الأنبياء عليهم السلام والمؤمنين الجنة، ويدخل ms340 الكفار النار: # فهذا لا يحتمل النسخ، لأنه يؤدي إلى الخلف في الخبر، وهو قول عامة أهل ~~الأصول. # وقال بعضهم: يجوز النسخ في الوعيد، لأن الخلف في الوعيد كرم. فأما في ~~الوعد [ف] لا يجوز، لأن الخلف فيه من باب اللوم. فكذا (¬3) إذا أخبر الله ~~تعالى أو رسوله بأنه يولد (¬4) لفلان ولد يوم كذا، فهذا لايحتمل أن لا ~~يكون، إذ خلافه يكون كذبا، ولا يجوز ذلك (¬5) في وصف الله تعالى، والنبي ~~عليه السلام معصوم عنه (¬6) بدلالة النبوة. # فإن قيل: أليس أن الله تعالى أخبر لآدم وقال: " {إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى} (¬7) ثم قال تعالى (¬8): {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما} (¬9) PageV01P710 # وهذا خلف في الخبر - قلنا: هذا من باب القيد والإطلاق، لا من باب النسخ - ~~على ما مر. ### ||| AUTO [6] # فصل في: بيان شروط النسخ # وهي على نوعين: # نوع هو شرط لصحة إطلاق اسم النسخ عرفا. # ونوع هو شرط صحة النسخ شرعا. # ثم بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. # أما الأول: # [فمنها]- أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، لا عقليا. # أما عندنا - فلأن الحكم العقلي، الذي يعرف بمجرد العقل من غير واسطة ~~الدليل السمعي، لا يحتمل النسخ (¬1). # وعند (¬2) المعتزلة: بعض اللأحكام من الحل والحرمة يعرف بالعقل. فإذا جاء ~~الشرع بخلافه، ينتهي حكم العقل إلى حكم الشرع، ولكن لا يسمى ذلك نسخا عندهم. # وكذا عند بعض أصحاب الحديث: براءة (¬3) الذمة وعدم وجوب الأحكام ثابت ~~بالعقل، ويتغير (¬4) بالشرع، ولا يكون نسخا من حيث الاسم، ولا يتصف به في ~~عرف الشرع. # ومنها - يشترط أن يكون الدليل الذي ثبت (¬5) به انتهاء الحكم دليلا PageV01P711 # سمعيا لا عقليا. فإن بالعجز والمرض، يسقط بعض الأحكام ولا يسمى نسخا. ~~وكذا بالموت، تنتهي الأحكام كلها، ولا يسمى نسخا. # ومنها - أن لا (¬1) يكون الحكم موقتا صريحا، نحو قوله: {ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل} (¬2)، فإنه (¬3) لا يكون نسخا وإن وجد انتهاء الحكم. لكن الشرط ~~انتاء حكم مطلق غير موقت ولا مؤبد - على ما ذكرنا. # وأما شروط الجواز والصحة: # منها - ما ذكرنا (¬4): أن الشرط أن يكون ms341 حكما شرعيا، فإن العقلي (¬5) لا ~~يحتمل النسخ بحال. # وعند المعتزلة: يجوز نسخه، ولكن لا يسمى نسخا - على ما ذكرنا. # ومنها - التمكن من أداء الفعل المأمور به، ليس بشرط لصحة النسخ، وإنما ~~الشرط هو التمكن من الاعتقاد ظاهرا. # وصورة المسألة أن لوقال الله تعالى في شهر (¬6) رمضان: "حجوا في (¬7) هذه ~~السنة" ثم قال في آخره "لا تحجوا"، وإن لم يدخل وقت الوجوب. وكذا لو أمر ~~بذبح الولد لإنسان (¬8)، ثم بعد التمكن من الاعتقاد قبل التمكن من الذبح، ~~لاشتغاله بأسباب الذبح، قال له (¬9) "لا تذبح" (¬10)، ونحو ذلك. PageV01P712 # و (¬1) علي قول المعتزلة: لا يصح النسخ إلا بعد التمكن من الفعل. وهو قول ~~بعض مشايخنا. وبه قال عامة أهل الحديث، وهي مسألة مشكلة. # ودلائل الخصوم ظاهرة، لو بنيت المسألة على أن حكم الأمر وجوب الفعل، إذ ~~وجوب الفعل في زمان لا يتمكن فيه (¬2) من الفعل، تكليف ما لا يطاق. # وكذا (¬3) لو بنيت على وجوب الاعتقاد، لأنه يقال: يجب عليه اعتقاد فعل ~~واجب، أو غير واجب: # والأول باطل، لأن الفعل لايجب عليه (¬4) بالإجماع. وإيجاب (¬5) اعتقاد ما ~~ليس بواجب، واجبا، محال من الشرع. # وكذا (¬6) إيجاب اعتقاد فعل غير واجب، واجبا، محال أيضا. # ولكن المسألة مبنية علي أن هذا الأمر صحيح، وإن لم يتعلق به وجوب الفعل، ~~ولا وجوب الاعتقاد حقيقة عند الله تعالى. ولكن أمر الله تعالى أزلي عندنا، ~~وتعلقه (¬7) بالأمور يقتضي أن يكون فيه فائدة في الجملة للمأمور، لأن الأمر ~~(¬8) بما لا يريد الله تعالى وجوده، جائز عندنا، لفائدة الوجوب في الجملة. PageV01P713 # فكذا إذا لم يرد به الوجوب أيضا، لكن فيه نوع فائدة: يصح الأمر. وههنا ~~كذلك (¬1). فإن الأمور إذا كان لا يعلم بالنسخ، ويبني الأمر على ظاهر الأمر ~~في حق وجوب الفعل، و (¬2) يعتقده ظاهرا لا قطعا، ويعزم على الأداء (¬3) ~~ويهيئ أسبابه و (¬4) يظهر الطاعة من نفسه - فيتحقق الابتلاء والامتحان (¬5) ~~والمباهاة، وإن كان الله تعالى عالما بأنه لا يجب عليه الفعل (¬6). وفي ~~الأمر بذبح الولد أظهر، فإنه لما اشتغل بأسباب الذبح وانقاد (¬7) لحكم الله ms342 ~~تعالى الثابت ظاهرا، تعظيما لأمره، فيظهر منه الطاعة، فكان النسخ مفيدا ~~(¬8) في حق المأمور، وصحة الأمر لفائدة الأمور لا غير، و (¬9) لما حسن منه ~~العزم والاعتقاد واشتغل بأسبابه اجتزئ بذلك منه، جل جلاله بفضله وكرمه، ~~وجعله قائما مقام حقيقة الفعل وفي حق الثواب، فيصير كأن النسخ بعد وجود ~~الفعل تقديرا - هذا طريق تخريج هذه المسألة، وتذكر على الاستقصاء في الشرح ~~إن شاء الله تعالى (¬10). # ومنها - أنه ليس بشرط صحة النسخ أن يكون للمنسوخ بدل مثله أو أخف منه أو أثقل. # وعلى قول المعتزلة شرط. وهو قول بعض أصحاب الحديث. PageV01P714 # فالمعتزلة بنوا على أصلهم في وجوب الأصلح، فما لم يكن له بدل، لا يكون ~~النسخ من باب الأصلح في الدين (¬1). # وأصحاب الحديث تعاقوا (¬2) ظاهر النص, وهو حجة المعتزلة أيضا، وهو قوله ~~تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} (¬3). # وبعضهم (¬4) قالوا: الخير أن يكون أخف على العبد، لما عرف مصلحته في ذلك. # وبعضهم قالوا: الخير أن يكون أشق، حتى يكون الثواب فيه أكثر. # ولكن الصحيح قول العامة بدلالة النصوص، والمعقول: # -[أما النصوص فقد، قال الله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة} (¬5) [ف] في (¬6) تقديم الصدقة على النجوى صار منسوخا من غير ~~بدل. وكذا نكاح الأخ للأخت (¬7) في زمن آدم عليه السلام مشروع (¬8). وكذا ~~الجمع بين الأختين في زمن بعض الأنبياء عليهم السلام حلال. وشرب الخمر ~~[كان] كذلك (¬9) في ابتداء الإسلام، ثم صار حراما من غير بدل. وفرار الواحد ~~من العشرة في العشرة في الجهاد كان PageV01P715 # حراما ثم صار منسوخا ببدل هو أخف منه، وهو فرار الواحد من الاثنين. ~~والصفح عن الكفار وتحمل أذاهم هو الواجب في الابتداء ثم نسخ بالقتال، وهو ~~(¬1) أشق. وصوم عاشوراء صار منسوخا بصوم له شهر (¬2) رمضان، وهو أشق - فدل ~~أن كل ذلك جائز. # - وأما المعقول: وهو أن النسخ هو انتهاء الحكم الشرعي المطاق، وقد تحقق، ~~وإن كان بغير بدل. ولأن البدل يكون قائما مقام الأصل، فيصير قائما تقديرا، ~~فلا يثبت ms343 الانتهاء والارتفاع من حيث المعنى، فكان ما قاله العامة أقرب إلى ~~حقيقة النسخ، فيكون أحق. # - فأما قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~(¬3) [ف]، لا حجة فيه، فإن المراد منه بعض ما يتناوله (¬4) النص دون الكل، ~~كما ذكرنا من تقديم الصدقة على النجوى ونحوها. وبه نقول: إن البعض كذلك. ~~على أن في (¬5) النص بيان أنه لم يفعل النسخ إلا كذلك. أما ليس فيه نفي ~~الجواز، والكلام في الجواز لا في الوجود. ثم تأويل الآية أن المراد من ~~المثل والخير (¬6)، في حق الثواب للعبد وفي حق الرخصة، فإن في حال الرخصة ~~يثاب العبد ثواب العزيمة، بفضل الله تعالى وكرمه - والله أعلم. # ومنها - أن يكون الناسخ متراخيا. وفي التخصيص اختلاف، على ما ذكرنا - فلا ~~نعيده (¬7). PageV01P716 ### ||| AUTO [7 و 8] # فصل في بيان: الناسخ والمسوخ، وبيان أقسامهما # فنقول: # الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى؛ لأنه هو المثبت الحكم الثاني، والمنهي ~~للأول، بقوله الدال عليه, وبما أنزل من القرآن الدال على كلامه. # وقد يذكر ويراد به الحكم الثاني - قال (¬1) النبي (¬2) - صلى الله عليه ~~وسلم -: "نسخ صوم شهر (¬3) رمضان كل صوم قبله، ونسخت الأضحية كل دم قبلها". # وقد يقع على المعتقد للانساخ (¬4)، وهو صاحب المذهب - يقال: إن أبيا ~~حنيفة رحمة الله عليه نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب - أي اعتقد جواز ~~النسخ بذلك. # وقد يقع على الدليل الذي يعرف به النسخ - يقال: هذه الآية ناسخة لتلك. # وأما المنسوخ - فهو اسم للحكم الأول الذي انتهى بالثاني. وقد يسمى الدليل ~~الأول منسوخا. # وأما أقسام الناسخ: # أعني الدليل الذي به يعرف (¬5) النسخ. فالكتاب ناسخ للكتاب، والسنة ~~المتواترة للسنة المتواترة، والكتاب للمتواتر، والمتواتر للكتاب، وخبر ~~الواحد لخبر الواحد. وفي الحاصل ينسخ (¬6) الشيء بمثله. إلا أن نسخ الإجماع ~~لا يتحقق, لأنه لا إجماع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإنما ~~الإجماع يكون بعده، ولا نسخ بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - (¬7). وكذا ~~نسخ القياس: لا يجوز، PageV01P717 # لا بالقياس ولا بدليل فوقه، لما ذكرنا أن النسخ ms344 (¬1) انتهاء الحكم ~~الشرعي. وبالدليل المعارض يتبين أن ذلك القياس لا يصح إذا كان فوقه، وإذا ~~كان مثله لا يبطل حكم الأول، ويعمل المجتهد بالثاني، إذا ترجح عنده - على ما مر. # وهذا الذي ذكرنا قول عامة أهل الأصول والفقهاء، إلا ما روي عن بعض أصحاب ~~الشافعي، ونسبوه إليه: أن نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب، لا يجوز. ~~وأهل (¬2) التحقيق من أصحابه يقولون: إن قوله مثل قول العامة. # ودللالة ما قلنا: السمع، والعقل: # - أما السمع: فإن وجوب التوجه إلى بيت المقدس عرف بالسنة، فإنه عليه ~~السلام لم يكن متعبدا بشريعة (¬3) من قبلنا، على ما ذكرنا. ثم صار منسوخا ~~بالتوجه (¬4) إلى الكعبة بالكتاب (¬5). وكذا وجوب (¬6) صوم عاشوراء: ثبت ~~(¬7) بالسنة، ثم صار منسوخا بصوم شهر (¬8) رمضان بالكتاب. وكذا (¬9) الوصية ~~للوالدون: ثبتت شرعيتها بالكتاب بقوله تعالى: "الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف - الآية" (¬10): ثم ثبت نسخها بالسنة وهي قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬11): "لا وصية لوارث". PageV01P718 ### ||| CHECK [9] فصل في: بيان أقسام المنسوخ # - وأما المعقول: وهو أن الناسخ في الحقيقة من هو الله تعالى، فإنه المثبت ~~للأحكام والنافي، والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المخبر عن الله تعالى ~~ذلك (¬1) كله، وهو صادق في خبره، فيجب (¬2) أن يقبل خبره، فإنا عرفنا ~~الكتاب, كتاب الله تعالى، بخبره، إلا أن الكتاب وحي متلو, لكونه منظوما ~~بنظم خاص. فيكون خبره بالوحي المتلو تارة، وبالوحي غير المتلو أخرى، وهو ما ~~سمعه من جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام. ثم قوله (¬3) وخبره حجة في ~~نسخ الكتاب بالكتاب، فكذا في نسخ الكتاب بالسنة، والسنة بالكتاب. # ثم يقال للمنكر (¬4): إذا أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله ~~تعالى نسخ حكم كذا ولم يتل القرآن - أيقبل خبره أم لا؟ فإن (¬5) قال: لا ~~يقبل، فقد انسلخ عن الدين. وإن قال: يقبل، فقد ترك مذهبه - إذ هو (¬6) ~~تفسير جواز نسخ الكتاب بالسنة. # - فإن تعلقوا بقوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها" (¬7) أضاف إلى نفسه، فنقول - إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يعبر ms345 عن الله تعالى ويخبر عنه، فيكون الآتي (¬8) هو الله تعالى، على ما مر. # وأما أقسام المنسوخ - فهو أنواع: # [الأول]- نسخ الدليل الذي ثبت (¬9) به الحكم الأول. PageV01P719 # و [الثاني]- نسخ الشرط الذي تعلق به الحكم الأول. # و [الثالث]- نسخ نفس الحاكم الأولى. وهو أنواع: نسخ كل الحكم. # ونسخ بعض الحكم. والزيادة على الحكم الأول. والنقصان عنه أيضا. # أما [الأول]: نسخ الدليل - فهو على ضربين. # وحي متلو بنظم خاص، وهو الكتاب. # والثاني وحي غير متلو، وهو خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # - أما نسخ الكتاب فهو أنو اع: نسخ التلاوة والحكم جميعا، ونسخ التلاوة ~~دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة. # • أما نسخ التلاوة والحكم: فجائز عقلا، وهو وارد شرعا. # أما الجواز - فإن نسخ التلاوة، و (¬2) هو صرف القلوب عن حفظ القرآن الدال ~~على كلام الله تعالى، فجائز أن ينتهي الحكم لانتهاء المصلحة وتنسى التلاوة. # أما عين كلام الله تعالى: فلا (¬3) يتصور عليها النسخ، فإنه قديم - قال ~~الله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله" (¬4) ولكن هذا في حال جواز ~~النسخ، وهو حال حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فأما (¬5) بعد وفاته - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬6) فلا، لأن الله تعالى أخبر أنه هو الحافظ لهذا ~~(¬7) القرآن، بقوله تعالى (¬8): "إنا نحن تزلنا الذكر وإنا له لحافظون" ~~(¬9) أي نحفظه منزلا لا يلحقه PageV01P720 # تغيير ولا (¬1) تبديل، صيانة للدين الحق إلى آخر الدهر. وذلك مثل صحف ~~إبراهيم عليه السلام، فإنه (¬2) لم يبق بين الناس وصار منسوخا حكما وتلاوة: ~~وكما روى أصحاب الشافعي أن مما يتلى في كتاب الله تعالى: "عشر رضعات يحرمن" ~~نسخن ب "خمس رضعات يحرمن". وهذا عندهم من نسخ التلاوة دون الحكم, لأنه قد ~~بقي. وأما عندنا [ف] لم يبق تلاوته ولا حكمه (¬3). # • وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكثير: فإن عدة الوفاة بالتربص حولا صار ~~منسوخا مع بقاء التلاوة (¬4). وإمساك الزواني في البيوت (¬5)، والإيذاء ~~باللسان (¬6): كان حدا، ثم صار منسوخا وبقيت التلاوة، ونحو ذلك. # • وأما نسخ التلاوة دون الحكم: فهو (¬7) أن الرجم كان مشروعا بكتاب الله ~~تعالى ms346 ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه، على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ~~"إن مما يتلى في كتاب الله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ~~نكالا من الله، والله عزيز حكيم". وفي رواية عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ~~لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد على كتاب الله تعالى، لكتبت على حاشية ~~المصحف: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله" (¬8). إلا ~~أن الله تعالى صرف قلوب الناس عن حفظه، سوى عمر رضي الله عنه، ولا يكون إلا ~~لحكمة بالغة لا نقف عليها. PageV01P721 # وهذا قول عامة الفقهاء. # وقال بعضهم: لا يجوز في هذين الفصلين, لأن المقصود الأصلي من إنزال ~~القرآن هو الحكم الذي تعلق به، فإذا انتسخ الحكم فلا فائدة في بقاء ~~التلاوة. وإذا انتسخت التلاوة، والحكم ثبت بها، فلا يبقى بدونها. # ولكنا نقول: # - قد قام الله إن السمعي على الأمرين جميعا، وهو غير محال في العقل، فيجب ~~القول به: # - قولكم: لا فائدة في بقاء التلاوة - فنقول (¬1): # هذا إنما يستقيم لو كانت الفائدة (¬2) مقصورة على الحكم المتعلق به، بل ~~له فائدة (¬3)، وهو كونه وإلا على كلام الله، في كونه معجزا ودليلا على ~~(¬4) الرسالة وتعلق جواز الصلاة به - ألا ترى أن إنزال المتشابه جائز، وليس ~~فيه فائدة، إلا ما ذكرنا. # وأما [الثاني]- نسخ الشرط: فإن (¬5) التوجه إلى بيت المقدس كان شرط جواز ~~الصلاة ثم صار منسوخا، وأمر بالتوجه إلى الكعبة، ولو لم يأمر بالتوجه، جاز ~~التوجه إلى كل جانب، ولكن نسخه هل يكون نسخا للحكم؟ فيه اختلف (¬6) ~~المشايخ، كما في إثبات زيادة شرط متأخر: PageV01P722 # فعند بعضهم نسخ؛ لأن الحكم انتفاء جواز الصلاة بدوا وانتفاء كل حكم، بعد ~~ورود الشرع، حكم شرعي، وقد تبدل هذا بالجواز من غير شرط. # وقال بعضهم: إن الحكم هو جواز الصلاة مع الطهارة، وبعد انتساخ الشرط (¬1) ~~بقي الجواز، فلم ينته الحكم الأول - على ما نذكر. # وأما [الثالث]- نسخ الحكم: # - فنسخ كل الحكم كثير. # - وأما نسخ بعض الحكم، فهو (¬2) كالجمع بين الرجم والجلد (¬3)، في ms347 حق ~~الزاني في ابتداء الإسلام، ثم نسخ الجلد وبقي الرجم. # - وأما الزيادة على الحكم الثابت بالنص، فنقول إنها أنواع: # أحدها - أن يكون حكما ثابتا وله سبب معلوم، ثم ثبت حكم آخر (¬4) بسبب آخر ~~بالنص، نحو: وجوب صوم شهر رمضان بعد وجوب الصلوات الخمس، ووجوب الزكاة بعد ~~وجوب (¬5) صوم رمضان. # والثاني - أن يرد النص لإثبات حكم آخر بعين السبب الذي ثبت به (¬6) الحكم ~~الأول، نحو: وجوب التغريب بعد وجوب الجلد في البكر على زعم أصحاب الشافعي ~~رحمه الله. ونحو وجوب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة القتل بعد وجوب تحرير رقبة ~~مطلقة في كفارة اليمين والظهار. PageV01P723 # و [كما] لو جاء النص (¬1) بزيادة عشرين سوطا على الثمانين في حد القذف (2). # والثالث - أن يرد النص بزيادة في نفس العبارة متصلة بها, كزيادة ركعة على ~~ركعتي الفجر، أو زيادة ركعة على ثلاث ركعات المغرب. أو يرد النص بزيادة شرط ~~الطهارة عن الحدث (¬2) والجنابة في باب الصوم، ونحو ذلك. # ثم أجمع العلماء أنهما (¬3) لو وردا (¬4) بطريق القران، لا يكون (¬5) ~~نسخا، فلا يكون من باب الزيادة. كما ورد (¬6) في حد القذف الجلد (¬7) ورد ~~الشهادة، فإن رد الشهادة ليس بزيادة ولا نسخ له للقران (¬8). # وكذا إذا وردا متعاقبين، وبينهما زمان، لا يصلح للنسخ (¬9). # فأما إذا وردا كل متعاقبين تعاقبا يجوز القول بالتناسخ في ذلك القدر من ~~الزمان -[فقد] اختلفوا (¬10) فيه: PageV01P724 # قال أصحاب الحديث، وهو قول الشافعي: إن هذه الزيادة لا تكون نسخا، بل ~~تكون بيانا: أن المراد منه البعض أو المقيد من الأصل - وبه قال الجبائي ~~(¬1) وابنه أبو هاشم (¬2) من المعتزلة. # وقال شيخنا أبو منصور الماتريدي رحمه الله: إنه يجوز أن يكون بطريق ~~البيان، ويجوز بطريق النسخ، فلا (¬3) يحمل على أحدهما إلا بدليل - على ما ذكرنا. # واختلف مشايخ العراق: # فقال عامة مشايخ العراق بأن الزيادة في هذه الفصول كلها، يكون نسخا، إلا ~~في وجوب عبادة بعد وجوب عبادة، كوجوب الصوم بعد وجوب الصلاة ونحو ذلك. # وقال الكرخي وجماعة منهم: إن كانت الزيادة مغيرة للحكم الأول المزيد ~~عليه، كانت ms348 نسخا. فإن لم تكن مغيرة للحكم الأول (¬4)، لا يكون نسخا، كزيادة ~~التغريب إذا كانت متأخرة: يوجب تغيير (¬5) حكم الأول في المستقبل من الكل ~~إلى البعض. وقالوا: الزيادة التي لا تنفك عن المزيد عليه لا يكون نسخا، فإن ~~الله تعالى أوجب ستر الفخذ، ويكون ذلك إيجاب ستر بعض الركبة، ولا يكون وجوب ~~ستر بعض الركبة نسخا لوجوب ستر كل الفخذ؛ لأن ستر الفخذ لا يتصور بدون ستر PageV01P725 # بعض الر كبة، فلا يكون بعض الزيادة مغيرا حكم (¬1) الأول في المستقبل، بل ~~يكون مقررا (¬2). # وقال بعضهم: إن كانت الزيادة (¬3) تغيير المزيد عليه تغييرا شرعيا، ~~كزيادة ركعة على ركعتي الفجر. وكذا كل شرط زيد متصلا بالعبادة، دون ~~المنفصل. وإن كانت الزيادة تغير المزيد عليه حكما عقليا لا حكما (¬4) شرعيا ~~لا يكون نسخا، كزيادة التغريب: فإن حكم النص الموجب للجلد,. وجوب الجلد غير ~~متعرض لنفي (¬5) التغريب، ولا لإثباته، ولكن انتفاء التغريب حكم أصلي لا ~~شرعي، فإن الأصل هو عدم الوجوب: عرف بالعقل، فإن الأحكام الشرعية لا تعرف ~~إلا بالشرع، فقبل ورود الشرع، يعرف بالعقل انتفاؤه، فيكون حكما عقليا لا شرعيا. # أما أصحاب الحديث، وكل من قال إن الزيادة على النص ليس بنسخ (¬6)، [فقد] ~~احتجوا في المسألة من وجوه ثلاثة: # أحدها - أنهم بنوا على أصلهم؛ أن العام لا يوجب العلم قطعا في كل فرد من ~~أفراده، بل يجوز أن وذكر العام ويراد به البعض. وكذا يجوز أن يذكر المطلق ~~ويراد به المقيد، فإذا كاان ظاهر النص (¬7) المزيد عليه، أنه أريد به الكل، ~~فإذا جاء نص آخر بحكم آخر زيادة عليه، ظهر أن المراد من PageV01P726 # الأول البعض دون الكل من الأصل. وكذا إذا جاء النص المقيد تبين أن المراد ~~من المطلق هو المقيد من الابتداء، فيكون الزيادة بيانا لا نسخا. # والثاني - وهو أن ما هو حد النسخ في الشرع لم يتحقق، وهو انتهاء الحكم ~~الأول كله أو بعضه، فإن الحكم الأول هو وجوب الجلد، وبعد وجوب التغريب بقي ~~ذلك واجبا، لكن زيد عليه شيء آخر, بمنزلة وجوب ms349 عبادة بعد وجوب عبادة: لا ~~يكون نسخا الأول لما ذكر من المعنى - كذا هذا (¬1). # والثالث - وهو أن النسخ أمر ضروري، لأن الأصل في أحكام الشرع هو البقاء, ~~والقول بالتخصيص والتقييد تغيير (¬2) الكلام (¬3) من الحقيقة إلى المجاز، ~~ومن الظاهر إلى خلافه، وضعا، مع أنه هو المتعارف في اللغة فكان الحمل على ~~ما ذكرنا أحق عند التعارض (¬4). # وجه قول مشايخ العراق، وهو أن ما هو حد النسخ لغة وشرعا موجود ها هنا، ~~كما في نسخ الحكم صريحا، فإن النسخ هو الإزالة ولرفع لغة، وفي عرف الشرع هو ~~انتهاء الحكم الأول وقد وجد، فإن الحكم الأول هو وجوب الجلد وحده (¬5) حدا، ~~حتى يخرج الإمام عن عهدة إقامة الحد، وبعد ما زيد عليه التغريب لا يكون ~~الجلد وحده حدا، وبقي الإمام تحت عهدة التكليف بعد، فلا يبقى حدا فينتهي ~~حكم النص الأول، ولأن الجلد كل الحد وكل الجزاء، والآن صار بعضا، وبعض الحد ~~ليس بحد، كبعض المطهر ليس بمطهر (¬6)، حتى لا يحرم التيمم كوجود (¬7) كله. PageV01P727 # يبقى قولهم: إن وجوب الجلد باق - فبلى (¬1)، و (¬2) لكن لا حدا بل بعض ~~الحد. ولا يقال: إن الكلية والبعضية ليست (¬3) بحكم شرعي فنقول: حكم الشرع ~~ما لا يثبت إلا بالشرع, وتقدير الحد لا يعرف إلا بالشرع، فكان شرعيا. # وما قالوا: إنه يمكن تخريجه بطريق البيان، فعند الخصم لا يمكن، على ما مر. # قولهم: إن النسخ أمر ضروري، فالعمل بالمجاز أولى، فنقول: ذاك فيما لم ~~يعرف له التاريخ فأما ما يعرف له التاريخ فلا. على أن التغريب يكون من جملة ~~الحد عندهم. ففي الحمل على المجاز إثبات الحد بالقياس وخبر الواحد، وإنه لا ~~يجوز. ولأن الجلد متى كان واجبا ثم جاء نص التغريب متراخيا، وكان (¬4) ~~النبي عليه السلام ساكتا عن حكم التغريب حال وجوب الجلد (¬5)، والسكوت عند ~~الحاجة إلى إلبيان بيان، فصار وجوب انتفاء (¬6) التغريب شرعيا, بدلالة ~~السكوت، فإذا جاء خبر الواحد متراخيا (¬7) بإيجاب التغريب كان نسخا لحكم ~~شرعي، وهو وجوب انتفاء التغريب لسكوته دلالة. ولو أمر صاحب الشرع نصا، ms350 فقال ~~(¬8): اجالدوا ولا تغربوا , أو (¬9) عرف ذلك قطعا (¬10)، فإذا جاء خبر ~~الواحد في إيجاب التغريب أليس يكون نسخا؟ فكذا هذا، وهذا ظاهر. PageV01P728 # - وأما النقصان عن العبادة، إما ركنا منها أو شرطا, [ف] لا شك أنه يكون ~~نسخا لذلك الساقط. ولكن هل يكون نسخا لأصل العبادة؟ على قول الكرخي يكون. ~~وعلى قول بعض مشايخ العراق لا يكون - لما مر. وفي المسألة إشكالات تعرف في ~~الشرح أو في مسائل الخلاف إن شاء الله تعالى. ### || AUTO فصل في الترجيح # الكلام فيه في خمسة (¬1) مواضع: # في بيان الترجيح لغة. # وفي بيانه في عرف لسان الشرع. # وفي بيان محله. # وفي بيان ما يقع به الترجيح (¬2). # وفي بيان حكم الترجيحين عند التعارض. ### ||| AUTO [1] # أما الترجيح في اللغة # فعبارة عن زيادة لا يسقط بها التعارض حقيقة. مأخوذ من رجحان الميزان، ~~فإنه إذا مالت (¬3) إحدى الكفتين مع قيام المعارضة، بأن كان في إحدى ~~الكفاتين عشرة وفي الأخرى عشرة ونصف دانق (¬4) أو دانق ونحو ذلك (¬5)، ~~يقال: رجح الميزان وترجح. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للوزان: "زن ~~وارجح". PageV01P729 # فأما إذا كانت الزيادة كثيرة، بحيث (1) يبطل التعارض , بأن كان في إحدى ~~الكفتين عشرة وفي الأخرى خمسة أو ستة أو نحوها (¬2) [ف] لا يقال: رجح ~~الميزان. ### ||| AUTO [2] # وأما في عرف الشرع # فمأخوذ (¬3) من عرف اللغة. وهو أن يكون لأحد الدليلين زيادة قوة، مع قيام ~~التعارض ظاهرا. فأما إذا كان أحدهما مرجوحا (¬4)، [بحيث] لا يكون حجة في ~~مقابلة الآخر, لا يقال ترجح أحد الدليلين، كالكتاب والمتواتر مع خبر الواحد ~~والقياس. ### ||| AUTO [3 و 4] # وأما محل الترجيح، ويندرج تحته بيان ما يقع به الترجيح # (¬5) # فهو موضع الظن وعلم غالب الرأي، دون موضع العلم قطعا, لأن العلم القطعي ~~لا يحتمل التزايد، فلا يتصور فيه الرجحان. فأما الظن والدليل المحتمل [ف] ~~يتصور فيه أن يكون أحدى الظنين له زيادة قوة على الآخر، ويكون الاحتمال فيه ~~أقل، كخبر الواحد مع القياس، فيجري فيه الترجيح بوجوه تكون مؤترة في قوة ~~الظن وغلبة الرأي. وذلك ثلاثة أنواع (¬6). # أحدها ms351 (¬7) - ظواهر النصوص، من الكتاب والسنة المتواترة. PageV01P730 # والثاني - أخبار الآحاد. # والثالث - القياس. # أما ظواهر النصوص: # [ف] لا تقبل الترجيح من حيث الثبوت، فإن ثبوتها بطريق القطع، و (¬1) هو ~~التواتر. وكذا إذا ثبت، بالإجماع، أن حكمها ثابت قطعا. ولكن إذا كان ~~محتملا، بأن كان عاما يحتمل الخصوص، أو خاصا يحتمل المجاز - فإنه يقبل ~~الترجيج، من حيث القوة من وجه آخر، في حق العمل، بأن كان أحدهما محرما ~~ولآخر مبيحا، فالمحرم أولى بطريق الاحتياط (¬2) , لأن الحرام واجب الترك، ~~والمباح جائز الإتيان، فكان العمل بالمحرم أولى. # وكذلك (¬3) جواب المعتزلة - إلا أن طريقهم (¬4) مختلف: فإنهم يقولون إن ~~الإباحة أصل والحظر عارض، فكان العمل بالحاظر أولى، تقليلا للنسخ. # ولكن عندنا هذا التعليل فاسد، لأن عندنا (¬5) ليس الأصل هو الحظر ولا ~~الإباحة، فإن العقل لا حظ له الأحكام الشرعية، على ما مر. # وكذا (¬6) إذا كان أحدهما موافقا لقياس الأصول، والآخر مخالفا، فالعمل ~~بالموافق أولى. ويدل ذلك على أنه متأخر, لأن دلائل الشرع لا تتناقض. PageV01P731 # وأما أخبار الآحاد: # إذا ورد خبران واستويا في عدالة الراوي، ونحو ذلك مما هو شرط قبول خبرا ~~الواحد، فإنه يترجح (¬1) أحدهما، بأنواع من الترجيح, لأنه موضع الظن ~~والاحتمال. فإذا اختص أحدهما بوجه, من وجوه، يوجب قوة الظن، كان أولى. # لكن بعضها صحيح بالإجماع، وبعضها, مختلف فيه، وبعضها فاسد. # أما الصحيح: # - فمنها ما ذكرنا من الوجهين في المتواتر. # - ومنها ما (¬2) يرجع إلى متن الحديث، بأن كان فيه نوع اضطراب وخطأ في ~~اللغة، والآخر بخلافه, لأنه كان أفصح العرب, فالظاهر أن ذلك غلط من (¬3) ~~الراوي. # - ومن هذا القبيل أن يكون مخالفا لدليل فوقه (¬4). # وبعض مشايخنا قالوا: إن شرط قبول خبر الواحد أن لا يخالف دليلا فوقه، ولا ~~(¬5) يكون هذا من باب الترجيح, لأن الحكم يضاف إلى لدليل الأقوى، لا إلى ~~الخبر الذي يوافقه, وهو دونه. # وعامة المشايخ قالوا: يصح الترجيح به. # وصورته: أن المجيب لو (¬6) تعلق بخبر الواحد، مع أن له دليلا أقوى منه، ~~فعارضه السائل. بخبر الواحد، فرجح (¬7) المجيب خبره (¬8)، PageV01P732 # لأنه عاضده الكتاب, لأنه ms352 تبين أن حكم خبره ثابت قطعا، وإن كان في كون ~~اللفظ منقولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتمال. وفي المسألة إذا كان ~~كتاب وخبر متواتر (¬1) وخبر واحد (¬2) وقياس - فالحكم يضاف إلى الكل لا إلى ~~الأقوى, لأنه يجوز أن يثبت الحكم بلائل، فصح الترجيح به. على أن الخبر الذي ~~يخالف دليلا فوقه لا يصلح معارضا للذي لا يخالف، فسقط اعتباره [وبقي] (¬3) ~~التعلق بالحيث صحيحا, لأن هذا يرجح عليه, من حيث إنه عاضده الدليل الأقوى (¬4). # - ومنها ما (¬5) يرجع إلى الرواة، بأن كان أحد الراويين فقيها دون الآخر, ~~لأن حفظ الألفاظ بأعينها أمر عسير، والطباع مجبولة على القياس وطلب المعنى, ~~فيجوز أن ينقل بالمعنى لما كان عنده أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~هذا كان اجتهاد الفقيه, في (¬6) نقل اللفظ بالمعنى، أولى. # - ومنها الرواية ممن عرف الضبط والإتقان أولى فيما لا يعقل فيه المعنى، ~~أو كان الراويات غير معروفين بالفقه, لأن النسيان والغلط أمر ظاهر في ~~الإنسان، فمن كان له زيادة الضبط والإتقان، وكان (¬7) معروفا بالحفظ, أولى. # وأما (¬8) ما اختلف العلماء في الترجيح به، فأنواع (¬9): # - فمن ذلك أنه هل يترجح بكثرة الرواة؟ فيه اختلاف: # عند أصحاب الشافعي رحمه الله: يترجح. PageV01P733 # وهو قول بعض أصحابنا, لأنه يتقوى به ظن الصدق (¬1)، فإن الظن بصدق خبر ~~الاثنين أقوى، ولهذا يترجح خبر الاثنين في طهارة الماء ونجاسته على خبر ~~الواحد. # ولكن عامة مشايخنا قالوا: إنه (¬2) لا يترجح, لأنه يحتمل أن الخبر الذي ~~رواته أقل كان متأخرا، فيكون (¬3) ناسخا لذلك، وهذا المعنى لا يرتفع بكثرة ~~الرواة. ولأن عمل السلف ما قلنا فإنهم (¬4) لا يرجحون بكثرة الرواة. # - وكذا اختلف (¬5) المشايخ في الخبرين، إذا كان أحدهما مثبتا والآخر ~~نافيا: عن الكرخي أن المثبت أولى. وعن عيسى بن أبان رحمة الله عليه أنهما ~~يتعارضان، فيرجح بطريق آخر. # وجواب أصحابنا المتقدمين وعملهم (¬6) مختلف في هذه المسألة: # • فقد روي أن بريرة (¬7) أعتقت وزوجها حر، وهذا مثبت. وقد (¬8) روي أنها ~~أعتقت وزوجها عبد، وهذا مبق (¬9) على الأمر الأول وهو الرق - وعملوا ~~بالمثبت. ms353 PageV01P734 # • وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تزوج ميمونة وهو حلال بسرف ~~(¬1). وروي أنه ززوجها وهو محرم. والمراد من الحل ها هنا (¬2) هو الحل ~~العارض على الإحرام وهو مثبت. ثم أصحابنا رحمه الله أخذوا بالنافي. # • وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رد زينب على زوجها بنكاح ~~جديد. وروي أنه ردها بالنكاح الأول. وعملوا بالمثبت وهو النكاح الجديد (¬3). # وذكر في كتاب التزكية في الجرح والتعديل, إذا تعارضا، أن الجرح أولى، وهو ~~المثبت. # وذكر في كتاب الاستحسان: إذا أخبر رجل في طعام أو شراب بالحل وأخبر آخر ~~(¬4) بالحرمة، أو أحدهما بالطهارة والآخر بالنجاسة، وهما عدلان - أن الخبر ~~عن الطهارة والحل أولى (¬5)، وهذا مبق (¬6)، والآخر مثبت. # ثم بعض مشايخنا خرج هذه الفصول على وجه ليس فيه شبهة التناقض، وقال إن ~~النفي على أنواع ثلاثة: نفي يعرف بدليله، ونفي لا يعرف بالدليل ولكن من حيث ~~الظاهر، ونفي يشتبه حاله. # أما الأول -[ف] كقول (¬7) النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في ~~الخضروات (¬8) صدقة" وروي: "في الخضروات صدقة"، وكل (¬9) واحد منهما ثبت ~~(¬10) بالنص، PageV01P735 # فلا يترجح المثبت, ولكن يصار إلى نوع آخر من الترجيح. وعلى هذا قالوا: في ~~طهارة الماء ونجاسته، لأنه يمكن الوقوف على كل واحد، كل منها حقيقة. وكذلك ~~في حل الذبيحة والحرمة. وحل الشراب وحرمته - فلم يترجح الخبر المثبت ~~للنجاسة والحرمة بل تعارضا، فيرجح (¬1) بما هو الأصل: وهو الطهارة والحل في ~~الذبيحة (¬2) والطعام، واستصحاب الحال لا يصلح حجة موجبة، فيصلح مرجحا. ~~وعلى هذا القسم يحمل (¬3) قول عيسى بن أبان رحمه الله، وينبغي أن لا يخالفه ~~فيه الكرخي رحمه الله. # وأما الثاني - الذي يعرف [فيه] النفي من حيث الظاهر، والإثبات من حيث ~~الحقيقة. كما روي أنه أخذ الزكاة من الحلي , وروي أنه كان لا يأخذ الزكاة ~~من الحلي، [ف] يحمل على الإثبات (¬4) لأن الأخذ فعل حسي، ؤأما الأمتناع عن ~~الأخذ, [ف] قد يكون بناء على الأصل، فكان المثبت أولى. # وعلى هذا الجرح، والتزكية: إن الجرح أولى, لأن الجارح اعتمد حقيقة الحال ~~, والمزكي ms354 اعتمد ظاهر الحال. أو (¬5) يحتمل ذلك، فكان اعتبار الحقيقة أولى. ~~وعلى هذا يحمل قول الكرخي رحمه الله، وينبغي أن لا يخالفه عيسى بن أبان ~~(¬6) في هذا الفصل أيضا. # وأما (¬7) الثالث - الذي يشتبه فيه حال النفي، أنه عرف بدليله أو بظاهر ~~الحال: يجب التأمل في حال المخبر، والسؤال عنه: فإن ثبت أنه بنى على ~~الظاهر، لم يقبل خبره. وإن وقف أنه أخبر، عن دليل المعرفة يقبل خبره، PageV01P736 # ويكون بمنزلة المثبت بالدليل. فحديث نكاح ميمونة من النوع الذي عرف ~~بدليله , لأن قيام الإحرام يدل عليه أحوال ظاهرة من المحرم، فصار مثل ~~الإثبات، فوجب المصير إلى ترجيح آخر، وهو فقه الراوي وضبطه وإتقانه، وهو ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فيكون أولى عن رواية يزيد بن الأصم (¬1)، ~~فإنه لا يساويه في ذلك. وأما حديث بريرة (¬2) وزينب (¬3) - فمن (¬4) النوع ~~الذي لا يعرف إلا بظاهر. الحال، فصار الإثبات أولى. # وبهذا الطريق ارتفع الخلاف والتناقض عن مسائل أصحابنا رحمهم الله. # - ومنها، أن أحدهما يوجب درء الحدود والقصاص، والآخر بثبت. # - ومنها، أن أحدهما يوجب فساد العبادة (¬5)، والآخر يوجب الجواز. # - ومنها، أن أحدهما يوجب بقاء الواجب، والآخر يوجب السقوط. # فما فيه الاحتياط أولى (¬6). # وأما الترجيح بما (¬7) لا يصلح مرجحا فكثير - من ذلك: الترجيح والذكورة، ~~والحرية، وكون الراوي بصيرا، وكونه عالما بأسماء الرواة والتواريخ ونحو ~~ذلك: فإنه ثبت قبول خبر الأعمى، وقبول خبر النساء، والعبيد، في رواية ~~الأخبار، من السلف، ونحو ذلك. PageV01P737 # وأما القياس - فنقول: # القياسان إذا تعارضا، فيرجح بأنواع من الترجيح الصحيح. وفي بعضها اختلاف. ~~وفي بعضها اتفاق على الفساد. # أما الصحيح: # -[منها] , أن يكون أحدهما في التأثير أقوى، مع كونهما مؤثرين في الجملة. ~~فأما (¬1) إذا لم يكن أحدهما مؤثرا، فلا (¬2) يكون حجة. # ولهذا عمل أصحابنا بالقياس مرة، وبالاستحسان أخرى، ونظروا إلى قوة الأثر، ~~لا (¬3) إلى ظاهر القياس والاستحسان (¬4). # - ومنها، أن يكون أحد القياسين موجبا للحرمة، والآخر موجبا (¬5) للحل، ~~فالمحرم أولى احتياطا. # وكذا إذا كان أحدهما يوجب جواز العبادة (¬6)، والآخر يوجب الفساد، فالوجب ~~للفساد أولى احتياطا. # وكذا ms355 (¬7) إذا كان أحدهما مبقيا للواجب، والآخر مسقطا، وحقوق الله تعالى، ~~فالمبقي (¬8) أولى. بخلاف حقوق العباد، فإن صيانة كلا الحقين واجب. # - ومنها، أن يكون أحدهما مثبتا، والآخر نافيا - على الوجوه التي ذكرنا في ~~الأخبار (¬9). PageV01P738 # وأما المختلف فيه: # - وهو أن يكون أحدهما مستنبطا من الكتاب أو (¬1) المتواتر، والآخر من خبر ~~الواحد الذي تلقاه العلماء بالقبول (¬2): # فعند القاضي الإمام أبي زيد رحمه الله: الأول أولى. # وعندنا: هما سواء، فيصار إلى الترجيح من من جوه أخر. # وهذا بناء على أن الإجماع المبني على خبر الواحد، دون الإجماع المبني على ~~التواتر والكتاب، عنده. وعندنا: هما (¬3) سواء، على ما مر. # - ومنها، أن العلة التي هي وصف واحد أولى من العلة التي هي ذات وصفين أو ~~أوصاف. وعند [نا]: هما سواء - على ما مر (¬4). # ومنها، كثرة الأصول. عند بعضهم: القياس الذي يصح استنباطه من الأصول أولى ~~من القياس الذي لا يستنبط إلا من أصل واحد. # وقال بعضهم: لا يترجح، على ما ذكرنا في الأخبار (¬5) من كثرة الرواة إذا ~~استويا في الأثر. # - ومنها، أن يكون أحدهما منعكسا دون الآخر # و (¬6) ذكر القاضي أبو زيد رحمه الله: أنه أولى. PageV01P739 # وقال عامة المتأخرين: إن العكس في الشرعيات (¬1) لا عبرة به، فكان وجوده ~~وعدمه سواء. وتفسير العكس أن ينعدم الحاكم عند عدمه، وهو شرط في العلل ~~العقلية. # وأما الذي لا يصلح للترجيح فوجوه: # - أحدها، الترجيح بكثرة الأشباه، كما قال الشافعي رحمه الله فيمن ملك ~~أخاه: إنه لا يعتق عليه , [إذ] قرابة (¬2) الأخوة أشبه بقرابة العمومة، من ~~قرابة الولاد، في الأحكام، على ما عرف. # - ومنها، ما قال الشافعي رحمه الله في علة الربا إن الطعم أولى, لأنه ~~أعم، حيث يوجد في القليل والكثير، والكيل لا يوجد في القليل. وهو (¬3) ~~فاسد, لأن هذا اعتبار (¬4) الصورة، وهو (¬5) على أصله لازم: فإن عنده الخاص ~~أولى من العام، في الكتاب والسنة، والقياس فرعهما (¬6)، فكيف خالف الفرع ~~الأصل , فيكون العام فيه أولى من الخاص؟ # - ومنها, ما قال في هذه المسألة أيضا: إن الطعم وصف لازم، فإنه (¬7) يوجد ms356 ~~في كل مطعوم، والكيل لا يدخل في كل مطعوم. وهو فاسد، لأن العبرة للأثر في ~~العلل. PageV01P740 ### ||| AUTO [5] # وأما حكم تعارض الترجيحين # [ف] أن ينظر إليهما: # - فإن كان أحدهما يرجع إلى الذات والآخر إلى الحال، فما يرجع إلى الذات ~~أولى لوجهين: # أحدهما - أن الحال تبع للذات (¬1)، فلو اعتبر مرجحا لصار التبع مبطلا ~~للأصل، وهو فاسد. # و (¬2) [الثاني] لأن الذات أسبق من الحال، فصار بمنزلة الاجتهاد الذي ~~أمضى حكمه: لا يبطل باجتهاد حادث، على ما مر. # - فأما إذا استويا من حيث الذات: فحينئذ يرجح (¬3) بالحال. بيان ذلك: # • أن ابن الأخ لأب وأم أو لأب أولى بالتعصيب من العم، لرجحان في ذات ~~القرابة، وللعم رجحان باعتبار الحال وهو القرب (¬4). # • وعلى هذا ابن الأخ لأب أول من ابن ابن (¬5) الأخ لأب وأم، لرجحانه (¬6) ~~من حيث الذات، فلا (¬7) يعتبر الحال. وبمثله: الأخ لأب وأم أولى من الأخ ~~لأب. وكذا ابن الأخ لأب وأم أولى من ابن الأخ لأب, لأنه ترجح (¬8) باعتبار ~~الحال بعد تساويهما من حيث الذات. وعلى هذا مسائل أصحابنا رحمهم الله - ~~والله أعلم. PageV01P741 ### | CHECK الفصل الرابع أهلية الأحكام ### || CHECK [1] بيانها # فصل في أهلية الأحكام، وكيفية تعلقها بالأسباب وبيان أعيان (¬1) الأسباب # [1] # ذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله وقال: الأهلية (¬2) نوعان: أهلية ~~الوجوب، وأهلية الأداء. # فأهلية الوجوب - بكونه أدميا حيا، له ذمة، وهو العهد مع الله تعالى في ~~قبول تحمل الأمانات والحقوق المشروعة - قال الله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان" ~~(¬3) فيثبت الوجوب بناء على الأهلية. ثم يسقط في بعض المواضع، لعدم فائدة ~~الأداء, لأن المراد بالوجوب هو الأداء، فإذا كان فيه احتمال الأداء في ~~الجملة، من حيث الأصل أو النيابة (¬4)، يبقى الوجوب، وإلا فيسقط (¬5). # فأما أهلية الأداء -[ف] بالقدرتين، وهو قدرة تفهم الخطاب، وقدرة تحصيل ~~الفعل. فما لم يوجدا جميعا لا يثبت أهلية الأداء. وهكذا لأن الوجوب نوعان: # [الأول]- أصل الوجوب، وهو شغل الذمة بالواجب، وإنه يثبت جبرا من الله ~~تعالى، شاء العبد أو أبى. ms357 # والثاني - وجوب الأداء، وهو وجوب إسقاط ما في ذمته من الواجب، وإنه يثبت ~~بالخطاب، والخطاب لا يتوجه على العاجز. ومن PageV01P742 # لا يفهم الخطاب بسبب عدم العقل، ولا يقدر على الأداء بسبب فوت سلامة ~~البدن، فهو عاجز، والله تعالى قال: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" (¬1). # فأما (¬2) أصل الوجوب -[ف] ثبت (¬3) جبرا، فلا يشترط له القدرة على ~~الأداء، إلا أن احتمال الفائدة شرط للوجوب، فيشترط احتمال القدرة لثبوت ~~الفائدة في الجملة. والدليل على ذلك إجماع الأمة على أن الدين المؤجل ثابت ~~حتى يجوز له (¬4) الاعتياض عنه، ويجوز (¬5) الإبراء. ولو كان الوجوب (¬6) ~~هو وجوب الفعل، وهو (¬7) غير ثابت، يجب أن لا يكون الدين ثابتا. فكذلك (¬8) ~~الزكاة: تجب في الديون، وإنما تجب الزكاة في المال، فدل أن المال جعل ~~موجودا حكما. فكذلك الأفعال: يجب أن تجعل موجودة في الذمة حكما أيضا (¬9) - ~~لا فرق بينهما. ولهذا، بالإجماع، يجب العشر والخراج على الصبيان والمجانين. ~~وكذلك (¬10) الجنون القليل: لا يمنع وجوب الصوم والصلاة، ولا يتصور الأداء ~~حالة الجنون - دل أن الوجوب عبارة عما قلنا. وكذا، بالإجماع، يجب الصوم ~~والصلاة PageV01P743 # على المغمى عليه، وعلى (¬1) المريض العاجز عنهما، لما قلنا. وهذا كلام ~~مستقصى في الخلافيات. # ولكن مشايخنا رحمهم. الله قالوا: إن أهلية الوجوب في الحقيقة هي أهلية ~~الأداء. فكل من تثبت (¬2) له أهلية الأداء، تثبت له (¬3) أهلية الوجوب، ~~وإلا فلا. وهذا لأن الوجوب ليس إلا وجوب الفعل، فإنه لا يعقل وجوب الصوم ~~والصلاة بإيجاب الله تعالى سوى وجوب الفعل، فمن لم يكن من أهل الفعل ~~الواجب، وهو القادر على فهم الخطاب وعلى تحصيل الفعل، لم يكن من أهل الوجوب ~~ضرورة، إلا أن المعتبر عندنا هو القدرة من حيث الأسباب، وهو سلامة العقل ~~والبدن عن الآفات والموانع، لا حقيقة القدرة، فإنها مع الفعل، والتكليف ~~سابق على الفعل، على ما عرف في باب الأوامر (¬4). وهكذا نقول في وجوب ~~الأموال: فإنها (¬5) عبارة عن وجوب تسليم المال، والدين المؤجل في الحقيقة ~~عبارة عن وجوب تسليم الفعل في ثاني الحال لا في الحال. ms358 وفي حق الصبيان ~~والمجانين، ما يجري فيه النيابة، يجب على الولي تحصيل الفعل في مالهم، لا ~~أن يجب في ذممهم (¬6)، ويجعل المال موجودا تقديرا، فإنه لا حاجة إليه، ~~وتغيير (¬7) الحقيقة، من غير حاجة، خارج عن العقل والشرع. # وبعض مشايخنا فرقوا برين المالي، والبدني - فقالوا (¬8): PageV01P744 # - يجعل المال موجودا في الذمة، تقديرا، وهو جعل المعدوم موجودا، لحاجة ~~ثبوت الأحكام. فأما في الأفعال، [ف] لا يمكن, لأن فيه جعل العرض باقيا، وهو ~~الفعل, وإنه محال، ونسبة المحال إلى الشرع لا تجوز، فلا يجعل (¬1) ~~الاستحالة، ومثل هذا معدوم في المال. # - وأما الأحكام التي ذكروا، فغير لازمة لأنا لا نقول بوجوب شيء على ~~الأطفال والمجانين، وإنما يجب على الولي ما يجري فيه النيابة، وفيه مصالحهم ~~الدنياوية، وما لا يجري فيه النيابة لا يجب أصلا. وقد ذكرنا كيفية صحة ~~إسلام الصبي العاقل في باب الأوامر (¬2). # - وأما المغمى عليه والمجنون جنونا قليلا: فالصحيح أنه لا فرق بين الجنون ~~القليل والكثير في حق منع الوجوب لما ذكرنا، إلا أن في القليل يجب القضاء ~~لانعدام الحرج، وفي الكثير حرج، وقلنا بوجوب القضاء من غير وجوب الأداء - ~~على ما عرف في مسألة المجنون، على الاستقصاء، فلا نعيده. ### || AUTO [2] # وأما بيان كيفية تعلق الأحكام بالأسباب # فنقول: # إن أصحاب الظواهر قالوا: لا يجب شيء بالأسباب، وإنما يجب بظواهر النصوص. # وأما القايسون [ف] اختلفوا فيما بينهم: # قال بعضهم: ليس للأحكام أسباب أصلا، إلا أن الحكم في المنصوص PageV01P745 # عليه يجب بظاهر النص، وفي غير المنصوص يتعلق بالوصف الذي جعل علة، ويكون ~~أمارة لثبوت الحكم في الفروع بإيجاب الله تعالى، لا أن الوجوب مضىاف إليه حقيقة. # وقال الشافعي، وهو قول الأشعرية: إن وجوب العبادات بالخطاب، فأما وجوب ~~العقوبات والحقوق المالية [ف] بالأسباب. # وقال عامة مشايخنا: إن لعامة الأحكام أسبابا من العبادات والعقوبات وحقوق ~~العباد وغيرها، وإليه أشار الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمة الله عليه في ~~أصول الفقه الموسوم ب "مآخذ الشرائع". # أما الفريق الأول [ف] قالوا: إن الموجب للأحكام والشارع لها، هو الله ~~تعالى، كما ms359 أن موجد الأشياء المحسوسة وخالقها هو الله تعالى، وصفة الإيجاب ~~صفة خاصة لله تعالى لا يجوز اتصاف الغير بها، كصفة التخليق، إلا أنه جعل ~~بعض أوصاف النص علامة وأمارة على الحكم في الفروع، منه قال: "أسباب موجبة" ~~مجازا، لظهور أحكام الله تعالى عندها، ولأن الأسباب في أفعال العباد بمعنى ~~الآلات والجوارح السليمة، باعتبار أن قدرة العباد ناقصه لا يظهر أثرها عادة ~~في المحال إلا بالأسباب والآلات، فيكون عملها في تتميم القدرة الناقصة، ~~والله تعالى موصوف بالقدرة التامة، فلا يجوز آن يتعلق وجوب أحكامه ووجوب ~~مفعولاته بالأسباب حقيقة. ولأن ما ادعيتم من الأسباب كانت موجودة قبل ورود ~~الشرع ولا أحكام معها، وقد يوجد بعد الشرع أيضا بلا أحكام، كما في المجانين ~~والصبيان وغيرهم، ولو كانت عللا للأحكام، لكان لا يتصور انفكاكها عن ~~الأحكام، كما في العلل العقلية، فإنه قط لا يتصور وجود التحريك بلا تحرك، ~~ووجود الكسر بلا انكسار. ولما تصور الانفكاك ههنا - دل أنها ليست بعلل ~~وأسباب حقيقة. PageV01P746 # وجه قول العامة: إن المعني بقولنا "أسباب الأحكام وعللها" أنهما أعلام ~~وأمارات على أحكام الله تعالى؛ لا أنها موجبات، وهذا لأن الموجب للأحكام هو ~~الله تعالى، والشارع لها، كما أن الموجد للأفعال والأعيان هو الله تعالى ~~وخالقها, ولا تعلق للوجوب والوجوب بالأسباب في حق الله تعالى، ليظن أنها ~~تصير تتمة للقدرة، وإنما الأسباب لمعرفة العباد لوجوب الأحكام بإيجاب الله ~~تعالى، إلا أن إيجابه غيب عنا: فتارة يعرف، بالاستدلال العقلي بالنظر في ~~الآيات والأسباب، إيجابه الأحكام العقلية، ويكون العقل آلة المعرفة، فيعرف ~~وجوب الإيمان وحرمة الكفر بإيجاب الله تعالى وتحريمه بالاستدلال العقلي، ~~[لا] (¬1) أن الأسباب أو العقل موجب علينا معرفة الله تعالى، محرم علينا ~~الجهل به، وهو الكفر، بل الموجب للإيمان والمحرم للكفر هو الله تعالى. وأما ~~في الأحكام الشرعية، [ف] يعرف إيجاب الله تعالى، بالأوامر والنواهي وإخباره ~~عن الحل والحرمة والجواز والفساد ونحو ذلك، ويكون صيغ الأمر والنهي والخبر ~~دلالات على إيجاب الله تعالى، وفيما لا نص من الله تعالى من الأحكام ms360 يعرف ~~أحكامه بالنظر في النصوص بالأسباب الدالة على الوجوب والحرمة والجواز ~~والندب، وهي ما جعلها الله تعالى علامات وأمارات، لمعرفة الأحكام في ~~الفروع، على ما ذكرنا في تفسير العلة والسبب (¬2). # وإذا كان تفسير الأسباب والعلل ما ذكرنا, وأثرها وعملها هذا القدر الذي ~~ذكرنا، بطل وهم القوم كله، فتبين أنهم بنوا هذا الكلام على خيال باطل وظن ~~فاسد، وبعض الظن إثم. # وخرج الجواب عن قوله: إن هذه العلل موجودة قبل الشرع ولا حكم PageV01P747 # لها - فنقول: بل هي موجودة صورة، لكنها ليست بدلالات، وإنما تصير دلالات ~~حال وجود المدلول، وهي لما كانت دلالات على الأحكام الشرعية في غير المنصوص ~~عليه، لا بد من ورود الشرع وتوجه الأحكام على العباد، حتى يجعل علامات ~~للمعرفة في حقهم، فيما لا نص لهم على المعرفة. وكذلك في حق من لا وجوب ~~عليهم من الصبيان والمجانين وغيرهم: لم يكن أسبابا، لما قلنا. # ووجه قول من فرق بين العبادات وغيرها، وهو أن حكم العبادات: وجوب ~~الأفعال، ووجوب الأداء بالخطاب , بالإجماع، وإنه دليل متيقن على الوجوب. # فأما الأسباب: لو جعلت دلائل على الوجوب، [ف] يكون بطريق الاجتهاد ~~والرأي، وفيه احتمال الخطأ, فيكون القول بالأسباب في العبادات سفها، لما ~~فيه من ترك إضافة الحكم إلى الدليل المتيقن, والإضافة إلى المحتمل، من غير ~~حاجة، بخلاف سائر الأحكام من الديون والضمانات, لأن ثمة، وإن كان الأصل هو ~~وجوب الأفعال, وهو تسليم المال إلى صاحب الحق , لكن جعل المال موجودا في ~~الذمة حكما، ثم يؤمر بالأداء من الأعيان، لتفريغ الذمة عن المال الحاكمي، ~~فلهذا افترقا. # إلا أن لعامة العلماء عنه جوابان: # - جواب مشايخ العراق عنه سهل، وهو أنا لا نقول بالوجوب بالأسباب والعلل ~~في المنصوص عليه، بل نقول بالخطاب. ولا نقول إن الوجوب عين وجوب الأداء، ~~ووجوب الأداء بإيجاب الله تعالى، لكن يعرف بصيغة الأمر والنهي. وكذا سائر ~~الأحكام من الحل والحرمة والضمان ووجوب العقوبات، إنما يعرف ثبوتها بالنصوص ~~والإجماع - PageV01P748 ### || CHECK [3] وأما بيان أعيان الأسباب # وإنما نقول بالوجوب بالأسباب، في غير موضع النص، ms361 إذا كان النص معقول ~~المعنى والحكمة، فتعدى إلى غيره بالاستدلال. ولا خلاف بين القايسين أن ~~العمل بالاجتهاد جائز في غير موضع النص، حتى إن الحكم إذا كان غير معقول ~~المعنى يقتصر على مورد النص. # - وأما جواب مشايخنا: أن الحكم في موضع النص يتعلق بالسبب والمعنى، ففيه، ~~دقة فقد ذكرناه من قبل - والله أعلم. # [3] # وأما بيان أعيان (¬1) الأسباب # [فنقول]: # ذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله أن سبب وجوب أصل الدين، وهو معرفة ~~الله تعالى كما هو، هو الآيات الدالة على حدث العالم. ولكن فيه نظر, لأن ~~العالم دليل وجود الصانع وتوحيده. فإن العاقل، متى استدل بعقله بالنظر في ~~العالم المحدث، عرف المحدث وعرف توحيده وصفاته، والكلام في وجوب المعرفة لا ~~في وجوده، ووجود المعرفة لا يكون دليل وجوب المعرفة، فإن من كان عنده دليل ~~معرفة شيء لا يجب عليه معرفته، لكن الصحيح أن يقال: إن سبب وجوب المعرفة ~~والتصديق له والإقرار به هو ترادف نعم الله تعالى عليه، من نعمة الحياة ~~وسلامة العقل والبدن ونحو ذلك (¬2)، فإن النعم تقتضي وجوب شكر النعم، ~~والوجوب بإيجاب الله تعالى، لكن بالعقل يعرف أن كفران النعم حرام وشكر ~~المنعم واجب، فكان النعم معرفا له وجوب شكر النعم لكن بواسطة آلة PageV01P749 # المعرفة، وهو العقل - فهذا بعض معنى قول الناس: إن العقل موجب أي دليل ~~ومعرف لوجوب الإيمان بالنظر في سببه بالعقل وهو النعم - والله أعلم. # وقال أيضا: إن سبب وجوب الصلاة هو الوقت، وسبب وجوب الصوم هو شهود شهر ~~رمضان، وسبب وجوب الحج هو البيت، ولكن لا يعقل كون نفس (¬1) الأوقات ~~أسبابا، وفي الحقيقة تتابع نعم الله تعالى عليهم في كل وقت من هذه الأوقات ~~الخمسة سبب وجوب الصلاة فيه، شكرا لما أنعم الله تعالى عليهم، والوقت ظرف ~~للنعم ومقدر لها أيضا، فيضاف الوجوب إلى الوقت ظاهرا. وكذا في حق الصوم: ~~السبب هو النعم، وهو اقتضاء شهوة البطن والفرج والاستمتاع بذلك سنة كاملة، ~~وجعل الشكر هو الامتناع عن ذلك شهرا لوجه الله تعالى، فيكون الشهر ms362 شرط ~~الوجوب وشرط الأداء فيضاف إليه مجازا. وكذا سبب وجوب الحج هو النعم، فإن ~~العبد عليه خدمة مولاه حال حضرته وفي حال غيبته لزوم حضرة بابه، لكونه عبدا ~~له مستغرقا في نعمه، والله تعالى ليس بمشاهد ولا له مكان، لكن لما أضاف ~~البيت إلى نفسه كرامة له وإظهارا لشرفه الذي وضعه الله له، يجب على عبيده ~~زيارته ولزومه لهذا، لكن بفضله وكرمه اجتزئ منهم في العمر مرة، وأقام ذلك ~~مكان لزومهم ذلك المكان أبدا. وكذا المال سبب لوجوب الزكاة شكرا للتنعم ~~بالمال والاستمتاع بصرف النعم في كل سنة، لكن قدر الحاجة التي يقوم به ~~البدن تابع للبدن، فكان شكره ما هو شكر نعمة البدن. فأما الفضل على الحاجة ~~اللازمة الذي يقع به التنعم ويكون سبب الحياة والعز في الدنيا يكون سبب ~~الوجوب. PageV01P750 ### || CHECK [1] وأما القسم الأول ما يرجع إلى المجتهد مع نفسه # واما أسباب العقوبات والضمانات: [ف] هي الجنايات والإتلاف زجرا وجبرا. # وأسباب الكفارات، عند بعض مشايخنا: هي الأشياء التي يضاف إليها من اليمين ~~والظهار وقتل الخطأ ونحوها. # وعند أهل التحقيق أسبابها ما هو سبب وجوب التوبة فإنها شرعت توبة ~~وتكفيرا، لكن الجنايات شرط تحقق التكفير، كالمعصية: شرط وجوب التوبة، لا ~~سببها، على ما عرف في الخلافيات. # وسبب شرع المعاملات هو الاختصاص الذي به يقع دفع يد الأغيار، تحقيقا ~~للبقاء الموعود إلى آخر الدهر، وقطعا للمنازعة - والله أعلم. ### | AUTO فصل في بيان توابع القياس وهو بيان أحوال المجتهدين # (¬1) # فنقول: # إن أحوال المجتهدين تنقسم قسمين: # قسم يرجع إلى المجتهد مع نفسه. # وقسم يرجع إليه مع غيره. # [1] # وأما القسم الأول # [ف] يتضمن معرفة حد الاجتهاد، في الشرعيات، الذي عند وجوده يخرج عن حد ~~العوام ويدخل في حد العلماء ويلزمه العمل باجتهاده، ويحرم عليه تقليد غيره. PageV01P751 # • ويتضمن بيان حاله في أنه مصيب على كل حال أم يجوز أن يصيب مرة ويخطئ أخرى؟ # وكيف يكون مصيبا في نفس الاجتهاد وفيما أدى إليه اجتهاده، أو في نفس ~~الاجتهاد دون ما أدى إليه اجتهاده. وإذا أخطأ ms363 في اجتهاده - هل يثاب عليه أو ~~يعذر لا غير دون الإثابة، أو لا يعذر في الخطأ ونحو ذلك. # أما ### ||| AUTO الأول # - فنقول: حد الاجتهاد الذي ذكرنا في الشرعيات: # أن يكون عالما بالنصوص من الكتاب والسنة مما يتعلق بها الأحكام الشرعية، ~~لا أن يشترط أن يكون عالما بجميع ما في الكتاب والسنة. وهذا القدر من باب ~~العزيمة أيضا. # فأما الرخصة في ذلك: [ف] أن يكون هذه النصوص التي تعلق بها الأحكام من ~~الكتاب والسنة عنده، بحال يمكنه طلب الحادثة الواقعة منها، لوجود التجربة ~~والممارسة له في ذلك. # - ويشترط أيضا أن يكون عالما بوجوه العمل بالكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس، على ما تضمنه كتاب أصول الفقه على الوجه الذي ذكرنا. # هذا هو الشرط في السلف لصيرورة الرجل مجتهدا. # - ولا يشترطون معرفة الفروع التي استخرجها المجتهدون بآرائهم. # وهو في زماننا كذلك. لكن جرت العادة لمعرفة الفروع المبنية على اجتهاد ~~السلف، كفروع أبي حنيفة والشافعي رحمة الله عليهما، ونحو ذلك. وهذا للتسهيل ~~على الناس، فإن من سمع عامة ذلك، وتفقه فيه، يصير من أهل الاجتهاد. # وكذا قال بعض مشايخنا. # وإذا بلغ الرجل هذا الحد، يصير مجتهدا، ويجب عليه العمل باجتهاده، ويحرم ~~عليه تقليد غيره - على ما مر ذكره. PageV01P752 # [و ### ||| AUTO الثاني] # - ثم إذا اجتهد المجتهد وبالغ في ذلك: هل يكون مصيبا على كل حال، أو يجوز ~~الخطأ عليه وإن كان مصيبا، من حيث الظاهر، في حق نفسه؟ # اختلف أهل الأصول فيه: # قال أهل الحق بأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب في الشرعيات. وهو بناء على أن ~~الواجب عليه إصابة الحق في المجتهدات الشرعية، أو يجب عليه نفس الاجتهاد. ~~وأن الحق واحد فيه أم متعدد؟ # فعندنا - الحق عند الله تعالى واحد فيه، وكلفهم إصابة الحق. [ف] إن ~~أصابوا فبها ونعمت. وإن لم يصيبوا أخطأوا في الاجتهاد وفيما أدى إليه، ~~فيكون المجتهد مخطئا فيه ابتداء وانتهاء - وهو اختيار الشيخ أبي منصور ~~الماتريدي رحمه الله. # وقال بعض مشايخ سمرقند، كأبي الحسن الرستغفني (¬1) ومن تابعه: إنه مصيب ~~في اجتهاده، ms364 ولكنه قد يخطئ فيما يؤدي إليه اجتهاده، بأن كان عند الله تعالى ~~بخلافه، وهو مروي عن أبي حنيفة رحمة الله عليه، فإنه روي أنه قال: كل مجتهد ~~مصيب، والحق عند الله تعالى واحد. وتفسيره ما ذكرنا. PageV01P753 # [والثالث]- اختلف أهل الحق فيما بينهم: # قال بعضهم: إن على الحق، الذي هو عند الله معين، دليلا قطعيا (¬1)، يجب ~~على المكلف طلبه باجتهاده، لكن فيه نوع خفاء. فإن أخطأ فيه، يكون معذورا، ~~ويثاب أيضا، لصحة قصده طلب الحق. # وقال بعضهم: عليه دليل من حيث الغالب والظاهر، لا دليل قطعي. والإثم في ~~الخطأ الثابت بناء على الدليل القطعي، حتى قال المريسي (¬2) وغيره، ممن قال ~~إن الحق في المجتهدات واحد، وعليه دليل قطعي: إنه يأثم بذلك. # ولكن الصحيح عند أهل السنة: أنه لا إثم عليه, ويكون معذورا، بل يكون له ~~ثواب بقصد إصابة الحق على ما نذكر. # وقال عامة المعتزلة، وأكثر الأشعرية: إن (¬3) كل مجتهد مصيب في الشرعيات، ~~وليس فيها حق واحد معين عند الله تعالى يكلف المجتهدين طلبه. بل في موضع ~~الاجتهاد حقوق. فكل مجتهد أدى اجتهاده إلى شيء، يكون صوابا في حقه عند الله ~~تعالى، لا في حق صاحبه، ويكلف كل مجتهد بالاجتهاد بغالب الظن، ويكون ثبوت ~~الصواب والحقيقة (¬4) متعلق بوجود ظنه فيه الصواب غالبا، في حق نفسه لا في ~~حق صاحبه. # وقال بعض المعتزلة: ليس الحقوق على السواء، بل يكون الواحد من ذلك أصوب ~~وأحق - حتى لو فرضنا أن الله تعالى ينص على الحكم في هذه الحادثة، لكان ينص ~~عليه. وهذا هو المطلوب. فمن وجده فهو الأحق. ومن لم يجده، فيكون ما أدى ~~إليه اجتهاده فهو حق أيضا. # وقد روي عن الشافعي رحمه الله هذا القول، واعتمد عليه حذاق المعتزلة. PageV01P754 # فأما المجتهد في المسائل العقلية، [ف] يخطئ ويصيب، بلا خلاف بين العقلاء، ~~إلا ما حكي عن أبي الحسين العنبري من المعتزلة أنه قال: كل مجتهد مصيب في ~~العقلي والشرعي. وهو قول مهجور رده عليه إخوانه وكل عاقل, لأنه يفضي إلى أن ~~الدهري مصيب، والثنوي ms365 مصيب، وكذا اليهود والنصارى ونحو ذلك. وهذا مما لا ~~يخفي فساده على العوام، فضلا عن العلماء. # وجه قول المصوبة: النص، والعقول، والأحكام: # - أما النص فقوله تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه ~~غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ~~(¬1) الله تعالى، مع أنه أخبر أنه فهم سليمان صلوات الله عليه، أخبر أن حكم ~~داود صلوات الله عليه كان صوابا بقوله: "وكلا آتينا حكما وعلما" دل أن كل ~~مجتهد مصيب. وفي الآية أيضا إشارة إلى أن ما حكم سليمان صلوات الله عليه ~~فهو أصوب حيث قال: "ففهمناها سليمان"- دل أن الذي هو عند الله تعالى هو ~~الأصوب، وهو المطلوب بالاجتهاد. # ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى ~~اليمن "بم تقضي"؟ قال: "بكتاب الله تعالى" قال: "فإن لم تجد" قال: "بسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" قال: "فإن لم تجد" قال "أجتهد في ذلك ~~رأيي" قال عليه السلام: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله"، [ف] لولا أن ~~المجتهد مصيب على كل حال، وإلا لم يكن موفقا، والنبي عليه السلام جعله ~~موفقا، وكل من عمل بتوفيق الله تعالى، يكون مصيبا لا محالة. PageV01P755 # - وأما المعقول: وهو أن المجتهد مأمور بالاجتهاد، حتى يحرم عليه تقليد ~~غيره، والأمر بالاجتهاد لم يكن لعينه، فإن عينه غير مقصود، وإنما المقصود ~~هو العمل بما (¬1) يؤدي إليه اجتهاده - فلا يخلو: إما إن كان مأمورا بالعمل ~~بما هو عند الله تعالى من الحق المعين وأمر بطلبه بالاجتهاد، أو كان مأمورا ~~بما يؤدي إليه ظاهر اجتهاده. والأول باطل، فإنه تكليف ما ليس في الوسع، ~~فإن، عند بعض أصحابكم، عليه دليلا من حيث الغالب، لا دليل قطعي (¬2). وعند ~~بعضكم: عليه دليل قطعي لكن في غاية الخفاء والدقة، لا يقف عليه المجتهد ~~بطريق القطع، فلا يمكن القول بتكليف العمل بغير وجوب العمل بما أدى إليه ~~اجتهاده من حيث الغالب. وإذا كان هذا واجب العمل، يكون صوابا, لأن الله ~~تعالى لا ms366 يأمر إلا بما هو حق وصواب. # وأما الأحكام: فإن القاضي متى قضى في فصل مجتهد فيه بالاجتهاد، فإنه يكون ~~مصيبا في قضائه ظاهرا وباطنا، حتى لا يجوز لقاض آخر أن ينقض ذلك. وكذا من ~~تحرى وصلى إلى جهة بالتحري والاجتهاد ثم تبين أنه صلى مستدبر الكعبة فإنه ~~يجزيه ولا يلزمه الإعادة، ولولا أن المجتهد مصيب في اجتهاده وإلا لوجب عليه ~~الإعادة. وكذا القاضي يقضي بتقدير نفقة الزوجات والمحارم بالاجتهاد. وكذا ~~يقضي بالتعزير فيما ليس فيه حد مقدر. وكذا يقضي بحكومة العدل فيها ليس فيه ~~أرش مقدر، ثم إذا جاء قاض آخر يجوز أن يقضي بخلاف الأول. وكل ذلك جائز: ~~لولا أن كل مجتهد مصيب، وإلا لما جاز. # وجه قول أهل السنة: إجماع الصحابة، والسنة، والمعقول: # - أما الأول، فإن الصحابة أجمعوا على جواز القياس، مع مخالفة البعض PageV01P756 # البعض في جواب المسائل والتخطئة (¬1)، حتى شددوا على عبد الله بن عباس ~~رضي الله عنهما في جواز ربا النقد. وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: ~~"أقول في الكلالة (¬2)، برأيي، فإن كان صوابا فمن الله تعالى، وإن كان خطأ ~~فمن الشيطان". وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كتب كتابا من عمر رضي الله عنه ~~وقال فيه: "هذا ما أرى الله تعالى لعمر" فقال عمر رضي الله عنه: "امحه ~~واكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يك خطأ فمن عمر رضي الله عنه". ونص عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه في مسألة المفوضة: "إن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ ~~فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان" (¬3) - فالصحابة الذين جوزوا ~~القياس أجمعوا على جواز الخطأ على القياس، وإجماع الصحابة حجة قاطعة. # - وأما السنة، فإن في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو ~~بن العاص رضي الله عنه: "احكم على أنك إن أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت لك ~~حسنة". وروي أنه قال عليه السلام: "إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران وإن ~~أخطأ فله أجر واحد". # - وأما المعقول، وهو أن الحق ms367 في الشرعيات واحد عند الله تعالى، والاجتهاد ~~طلب ذلك الحق، إذ الطلب لا بد له من مطلوب، فإن وجده يكون مصيبا، وإن لم ~~يجده يكون مخطئا ضرورة - يعتبر هذا بالعقليات والحسيات: لما كان الحق في ~~العقليات واحدا، وهو حدوث العالم وثبوت PageV01P757 # ألصانع وتوحيده ونحو ذلك، أليس أن المجتهد فيه يكون مصيبا إذا وجده، ~~ويكون مخطئا إذا لم يصبه. وأما في الحسيات: فإن الرماة إذا وجهوا السهام ~~إلى الهدف وقصدهم إصابته، فكل من صادف سهمه الهدف يكون مصيبا، وكل من لم ~~يصادف سهمه الهدف يكون مخطئا، لما قلنا - كذلك هذا. وهذا وصف لا نزاع فيه. ~~وإنما الشأن في هذا أن الحق في الشرعيات واحد متعين عند الله تعالى أو ~~حقوق؟ ودلالة ذلك أن المعنى الذي به كان الحق واحدا في العقليات، ذلك ~~المعنى موجود في الشرعيات. وذلك المعنى وهو أن القول يكون العالم قديما ~~محدثا، والصانع موجودا غير موجود، وهو جائز الرؤية محال الرؤية - من باب ~~التضاد والتناقض, لأنه من أبواب النفي والإثبات، ولا يتصور الجمع بين ~~النقيضين، فكان القول بقيام الدليل عليهما من الله تعالى نسبة السفه إليه ~~والكذب، تعالى عن ذلك. هذا المعنى موجود في الشرعيات: فإن القول بأن الشيء ~~الواحد حلال وحرام، صحيح وفاسد، في زمان واحد، في حق شخص واحد، بجهة واحدة، ~~من باب التناقض - فيجب تنزيه الشرع عن ذلك، فوجب القول بكون الحق واحدا، ~~ضرورة، تحققه أن ورود النص من الشرع لا يجوز بالنقيضين، فكذا لا يجوز ~~بالقياس، فإن القياس ليس إلا العمل بدلالات النصوص، فكما يجب صيانة نص صاحب ~~الشرع عن التناقض، يجب صيانة دلالة النص عن التناقض أيضا. # فإن قيل: نقول بموجب ما قلتم: إن القول بالتناقض لا يجوز في دلائل الشرع، ~~ولكن الكلام في حد التناقض، وما هو حد التناقض يتحقق في العقليات لكون الحق ~~واحدا، وهو الجمع بين حكمين (¬1)، خلافين، في حق شخص واحد، في زمان واحد، ~~بجهة واحدة، فأما في حق شخصين، وفي PageV01P758 # زمانين، في حق شخص واحد، أو بجهتين في ms368 زمان واحد -[ف] لا يكون تناقضا ~~وتضادا، فإن أم الرجل حرام عليه نكاحها حلال للأجنبي، والمشركة حلال في حق ~~المشرك حرام في حق المسلم، والحائض لا يجوز لها أداء الصوم والصلاة، ويجوز ~~للمستحاضة مع وجود سيلان الدم منها، ونحو ذلك. ولهذا يجوز إرسال رسولين إلى ~~فريقين مختلفين حكم شريعة أحدهما خلاف شريعة الآخر، وكل واحد حق وصواب. ~~فإذا كان هذا جائزا في النصوص، فيكون جائزا في القياس، وهو أن يكون الشيء ~~حلالا في حق مجتهد، حراما في حق مجتهد آخر، ويكون ذلك حكما في حقه، دون ~~صاحبه - قلنا: الحل متى كان ثابتا في زمان واحد, في شيء واحد، في حق شخص ~~واحد، بجهة واحدة، لمصلحة معلومة، وتلك المصلحة قائمة في حق الشخص الآخر، ~~ولا حل، يكون تناقضا. فأما عند اختلاف المصلحة فلا. وعند التنصيص ~~بالنقيضين، في حق شخصين، يعرف بدلالة الحال اختلاف المصلحة، لأن الله تعالى ~~هو العالم بمصالح العباد، فيكون المصلحة في حق هذا الحرمة، وإن كان معنى ~~المصلحة العامة في الحل ثابتا في الجملة، ولكن الكلام في غير المنصوص عليه، ~~والقياس يفضي إلى الحل لمصلحة فلا يجوز القول بالحرمة في حق شخص آخر مثله ~~في الحال، ولا علم له بمصلحة باطنه، فهو الفرق بين الأمرين. ولهذا إن ~~الميتة تحرم في حق غير المضطر، ولا تحرم في حق المضطر، لاختلاف الحال، ~~والكلام عند اتحاد المصلحة ظاهرا، فلا يجوز القول بثبوت الحرمة مع قيام ~~المصلحة في حق الحل. والخلاف في مثل هذا وقع. # - وأما تعلقهم بالنصوص [ف] لا يستقيم: # • أما قصة داود وسليمان صلوات الله عليهما فنقول: حكمهما إن كانا صوابين، ~~فإنما كان لأن ذلك من باب الحسن والأحسن والفاضل والأفضل، PageV01P759 # فإن ضمان حقوق العباد مبني على المماثلة، وقد حكم كل واحد منهما بما هو ~~مثل حق المتلف عليه، باجتهاده، إلا أن ما فعله سليمان صلوات الله عليه ~~أحسن، ولهذا قال: " ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما". ولا كلام في ~~هذا, إنما الكلام في حكمين نقيضين. وعلى هذا نخرج تقدير ms369 النفقات والتعزير ~~وغير ذلك، فإن ذلك من باب الحسن والأحسن، ويختلف باختلاف الزمان والحال. # • فأما حديث معاذ رضي الله عنه -[ف] لا حجة فيه، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما حمد الله تعالى بتوفيقه معاذا باختيار الاجتهاد عند عدم ~~الكتاب والسنة، وهو حكم الشرع - وبه نقول. ولكن العمل بالدليل القطعي ليس ~~بواجب على كل حال, بل العمل بالدليل الراجح واجب العمل ظاهرا. # - قولهم: إنه مأمور بالاجتهاد ومأمور بما أدى إليه اجتهاده، فنقول: إنما ~~يلزمه الاجتهاد من حيث إنه طريق يتوصل به إلى الحق لا لعينه. وكذا يلزمه ~~العمل بما أدى إليه اجتهاده، من حيث إن الغالب أنه ظفر بالحق وبلغ الدليل ~~الذي هو دليل على الحقيقة, ولا كلام فيه، إنما الكلام فيما إذا ظهر أن ما ~~أدى إليه اجتهاده خلاف ما هو عند الله تعالى والحق واحد، وهو ما عند الله ~~تعالى، يكون مخطئا ضرورة ولا يكون مصيبا. # - قولهم: إنه لا يكلف العمل بما عند الله تعالى، فهذا هو عين النزاع. # قولهم: إنه تكليف ما ليس في وسع المكلف، فممنوع. # قولهم: إنه لا علم له بما هو عند الله تعالى، فنقول: ولكن العلم بالمكلف ~~به ليس بشرط لصحة التكليف، وإنما الشرط هو طريق الوقوف عليه، فإن التكليف ~~مبني على العلم , والمقدرة من حيث الأسباب طريق (¬1) PageV01P760 # الإمكان دون الحقيقة، فلم قلتم بأنه لا طريق له على الوقوف بما عند الله ~~تعالى. وبيانه أن الله تعالى وضع دلائل ومعاني في النصوص يدل على ما هو ~~الحكم عند الله تعالى حقيقة، في غير المنصوص، على ما مر في باب القياس، ~~يعرف بالاستدلال والنظر لدقته وخفائه في نفسه، وهذا لا يمنع من التكليف - ~~ألا ترى أن في الأمور العقلية تكليفا بما هو الحق عند الله تعالى ~~بالاستدلال (¬1) والنظر، ولا يقال إنه تكليف ما ليس في الوسع، لما أنه وضع ~~لذلك أسبابا يتوصل بها (¬2) إلى ما هو الحق , فكذلك ها هنا (¬3) - إلا أن ~~ثمة يؤاخذ (¬4) بالخطأ، وها هنا لا يؤاخذ, لأن الخفاء في الشرعيات ms370 أشد، وفي ~~العقليات دون ذلك، فيكون الخطأ ثمة (¬5) عذرا، ولم يجعل في العقلي (¬6) عذرا. # قولهم: إن عندكم يثاب المجتهد، والثواب لا ينال (¬7) بمقابلة الخطأ، ~~فبلى، وإنما ينال (¬8) بقصد إصابة الحق: فهو وإن وقع في الخطأ وصار اجتهاده ~~خطأ، ولكن (¬9) لم يتبين أنه لم يكن عزمه وقصده صحيحا, وقصد العبادة سبب ~~الثواب، وإن لم (¬10) يتصل به العلم لعذر (¬11) - قال عليه السلام: ~~"الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى". PageV01P761 # - وأما القاضي إذا قضى في المجتهدات لا ينقض قضاؤه. وكذا (¬1) إذا قضى في ~~فصل مختلف فيه، وعنده أنه هو الصواب، لا ينقض قضاؤه - فنقول: لا باعتبار ~~أنه مصيب بيقين, لأنه لا فرق بين اجتهاد القاضي وغيره، إلا أنه لا ينقض ~~قضاؤه, لأنه يؤدي إلى الفساد، وهو المنازعة، والقضاء شرع لقطع المنازعة، ~~حتى إنه إذا ظهر عند القاضي في المسألة بعينها اجتهاد آخر، نقض ذلك (¬2) في ~~حق غيره، ولا ينقض ما مضى (¬3)، لما قلنا. # - وأما مسألة القبلة فنقول: ثم (¬4) لا نقول إن الواجب عليه في حالة ~~التحري إصابة الكعبة، حتى إذا صلى مستدبر الكعبة (¬5) أظهر خطؤه بيقين، ~~ولكن الشرع جعل القبلة في حالة الاشتباه، هو التوجه إلى أي جانب شاء، بقوله ~~تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله" (¬6)، إلا أن شرط التحري ثبت بالحديث ~~وإجماع الصحابة, فصار جهة التحري قبلة شرعا، يجب عليه التوجه إليها، عند ~~الضرورة، قائما مقام التوجه إلى الكعبة في حالة الاختيار، بمنزلة التيمم: ~~جعل طهورا شرعا بطريق الضرورة حالة العجز عن استعمال الماء، ثم من كان في ~~السفر وعجز عن (¬7) استعمال الماء (¬8) بعد الطلب ميلا (¬9)، فتيمم وصلى، ~~ثم ظهر أن الماء كان بقرب منه، فإنه لا يبطل الصلاة المؤداة بالتيمم - ~~فكذلك ههنا (¬10) - والله أعلم. PageV01P762 ### || CHECK [2] وأما القسم [الثاني] الذي يرجع إلى حالة المجتهد مع غيره # وهذه المسألة (¬1) مشكلة سبيلها الإشباع في البيان، لكن لا يحتمل ~~"المختصر" إلا هذا القدر، وسنشبع الكلام فيها في الشرح إن شاء الله تعالى. # [2] # وأما القسم [الثاني] الذي يرجع إلى حالة (¬2) المجتهد مع غيره # وهو دعاؤه (¬3) غيره إلى ms371 ما يتضح له من الحق غالبا، إلا أن المدعو إليه ~~فريقان: # أحدهما -. من يكون مثل حاله في الاجتهاد. # والثاني - من لم يكن من أهل الاجتهاد، كالعوام وطلبة العلم. # وعليه دعوة الفريقين إلى ما عنده من الحق, لأن في زعمه أنه على الحق ~~ظاهرا، وغيره على الخطأ، لما أن الحق واحد، فيجب عليه منع الغير عما هو ~~منكر عنده، (¬4) والأمر بالمعروف الذي هو معروف عنده - قال الله تعالى: ~~"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (¬5). # إلا أن دعوته لمن لم يكن من [أهل] الاجتهاد، [ف] بإظهار محاسن ما عنده ~~وقبائح ما في المذهب الآخر، وإقامة الدلائل الظاهرة. ولم يجز له أن يشتغل ~~بإظهار إشكالات الخصم, لأنه ربما ينجع (¬6) ذلك في قلوبهم، فلا يمكنه حلها، ~~فلا يفيد الدعوة. PageV01P763 # وأما دعوته لمن كان من أهل الاجتهاد، فبالمناظرة - قال الله تعالى: ~~"وجادلهم بالتي هي أحسن" (¬1). ثم لا يخلو: إما إن كان مجيبا أو سائلا: # - فإن كان مجيبا: ينبغي أن يختار ما هو أقوى الدلائل عنده. فإن كان عن ~~النصوص يظهر وجه التعلق به بأوضح الوجوه. وإن كان من العلل فيأتي بالعلة ~~الصالحة المؤثرة، ويبين وجه تأثيىر العلة في الأصل، ويبين أنها موجودة في ~~الفرع، ثم يشتغل السائل بالاعتراض. ويجب على المجيب أن يحترز عما يعد ~~انتقال، فإن الانتقال من باب الانقطاع: في حقه. فأما في حق السائل: [ف] لا ~~بأس بأن ينتقل من دليل إلى دليل, لأنه معارض لكلام المجيب، وما دام في ~~المعارضة، بدليل يصلح معارضا، لا يكون منقطعا، فأما المجيب [ف] بخلافه. # ثم ما يكون انتقالا من حيث الظاهر، فهو أربعة أنواع: فنوع منها مذموم، ~~والباقي غير مذموم. # أما الذي هو غير مذموم: # أحدها - أن يحتج بعلة لما يدعيه من الحكم، فمنع السائل الوصف الذي ذكره ~~بأنه علة، فاشتغل بكلام آخر، لإثبات ذلك الوصف علة, لأن غرضه إثبات الحكم ~~وتلك العلة، فمادام يسعى في إثبات العلة بدليل، يكون مقررا لتلث العلة لا ~~تاركا، بل يكون من ضرورات الأول، فيضاف ms372 إليه، وأكثر العلل ممنوعة. # والثاني - الانتقال من حكم إلى حكم آخر. بيانه أن المجيب إذا علل لإثبات ~~حكم يدعيه، فالسائل يقول له: لا خلاف في هذا الحكم، إنما الخلاف في حكم ~~آخر، فيكون هذا تعليلا في غير موضعه، وهو نوعان: PageV01P764 # أحدهما - أن يمكن للمجيب أن يثبت الذي ينازع فيه السائل، بعين ذلك العلة ~~التي ذكرها لإ ثبات الحكم الأول، وهذا يعد من فقه المجيب وحذاقته - نظيره: ~~إعتاق المكاتب عن الكفارة إذا علل المجيب أن عقد الكتابة لا عقد يحتمل ~~الفسخ والإقالة، فلا يمنع من جواز إعتاق العبد [عن] (¬1) الكفارة، كما في ~~الإجارة، فيقول السائل: هذا الحكم مسلم: أن العقد لا يمنع من جواز إعتاق ~~العبد عن الكفارة، وإنما الخلاف في هذا أنه: هل يوجب نقصانا في الرق ~~والمالية في العبد [ف] يكون مانعا من جواز (¬2) الكفارة - فيقول المجيب: ~~لما كان هذا عقدا يحتمل (¬3) الفسخ والإقالة، فوجب (¬4) أن لا يوجب نقصانا ~~يمنع من جواز الكفارة، كما في الإجارة. # الثاني - أن يثبت الحكم الذي ينازعه (¬5) السائل بعلة أخرى، كما إذا علل ~~في الوطء في العتق البهم أنه لا يكون بيانا، لأن الوطء إما أن يكون بيانا ~~صريحا أو دلالة أو ضرورة، وليس بيان من هذه الوجوه، فامتنع أن يكون بيانا ~~ضرورة، فيقول السائل: إن الوطء في العتق المبهم ليس بيان عندي، ولكن الخلاف ~~في هذا أن من قال لأمتيه (¬6): "إحداكما (¬7) حرة"، فوطئ إحديهما هل تعتق ~~الأخرى؟ فيقول المجيب: إن السؤال وقع عن هذ!: أنه هل يكون بيانا وقد نفيت ~~بما ذكرت من العلة، فإن سألت عن مسألة أخرى فاعلل لها بعلة أخرى فأقول: لا ~~تعتق، لأنه ما أعتق، والعتق من العباد لا يثبت إلا بالإعتاق، PageV01P765 # والوطء ليس بإعتاق حقيقة، فمن ادعى أنه يتضمن الإعتاق فقد ادعى خلاف ~~الظاهر، ولكن مع هذا لا ينفك عن نوع غفلة، فيجب الاحتراز عنه. # ولكن كلا الوجهين لا يكون انتقالا مذموما. # والثالث - أن يعتل (¬1) لإثبات حكبم الشارع (¬2)، المتنازع (¬3) فيه، ~~ويبين أثر العلة الأصل، ويبين (¬4) أنها موجودة في ms373 الفرع، فالسائل عارضه ~~بوجوه فاسدة، على سبيل العناد: يريد التلبيس على أهل المجلس، وترك تلك ~~العلة (¬5) لدقة وخفاء فيها، وأتى بعلة أخرى لقطع الشغب على وجه يكون ~~معلوما لأهل المجلس، فإنه لا يعد انتقالا أيضا. كما أخبر الله تعالى في قصة ~~إبراهيم عليه السلام في محاجة اللعين بقوله تعالى: "إذ قال إبراهيم ربي ~~الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت" (¬6) وجاء بمحبوسين كانا (¬7) في ~~السجن للقتل (¬8)، فقتل أحدهما وعفا عن الآخر - فقاله: أحييت أحدهما وأمت ~~الآخر (¬9)، فلما عرف إبراهيم عليه السلام أنه يريد التلبيس على قومه، ~~بعدما لزمته (¬10) الحجة لخفائها (¬11) PageV01P766 # ودقتها، انتقل إلى الدليل الأوضح الذي لا يقبل التلبيس، كما أخبر الله ~~تعالى: "قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ~~فبهت الذي كفر" (¬1). # أما الانتقال المذموم فهو أن ينتقل إلى علة أخرى، لإثبات الحكم الأول، ~~لعجزه عن تنفيذ تلك العلة، لأن الناظرة وضعت لإظهار الحق، وفي الدلائل ~~كثرة، فمتى عجز عن إثبات ما يدعيه حكما بدليل، يشتغل بدليل (¬2) آخر لا ~~يظهر الحق أبدا، ولأنه ضمن إثبات الحكم بما يدعيه علة (¬3)، وقد عجز، ألا ~~ترى أن الاحتراز عن النقض بعد إثبات (¬4) العلة وورود النقض عليها لا يقبل ~~ويعد إنقطاعا، فالاشتغال بابتداء (¬5) علة أخرى أولى. وإنما يجوز ذلك إذا ~~ظهرت حجته ولزمت على الخصم، فيدفع بوجوه فاسدة، ويريد التلبيس على أهل ~~المجلس، فينتقل المجيب إلى الحجة الظاهرة، فلا يكون مذموما، كما في قصة ~~إبراهيم عليه السلام. # أما إذا كان سائلا، فعليه أن يأتي بوجوه ### ||| AUTO الاعتراضات الصحيحة # ، دون الفاسدة، على العلل الصحيحة والفاسدة جميعا. # الاعتراضات على العلل الصحيحة والفاسدة نوعان: صحيحة، وفاسدة. # أما الصحيحة فأنواع سبعة: الممانعة، والناقضة، وفساد الوضع، والقول بموجب ~~العلة، والمعارضة، وهي نوعان: معارضة فيها مناقضة، وهو القلب وهو نوعان، ~~والمعارضة الخالصة. وما عدا هذه السبعة فمن الاعتراضات الفاسدة. PageV01P767 # آما الأول [ف] ### |||| AUTO الممانعة # - وهي أنواع في الأصل والفرع: # أما في الأصل -[ف] كقول (¬1) أصحاب الشافعي، في صوم شهر (¬2) رمضان بنية ~~من النهار: إن ms374 هذا صوم (¬3) فرض، فلا يصح بنية من (¬4) النهار، قياسا على ~~صوم القضاء - فيقال لهم: لا نسلم أن هذا الوصف علة في الأصل، بل العلة كونه ~~صوما غير عين، وهذا لا يوجد في الفرع، وهو في الحقيقة سؤال طلب التأثير، ~~فلم قلت: إن كونه فرضا مؤثر في المنع من الجواز بنيته (¬5) من النهار؟ # وأما (¬6) في الففرع فأنواع: # أحدها - منع صلاحية الوصف علة، فإن المعلل قد تعلل (¬7) بالعدم وبالشبه ~~(¬8)، وقد بينا فساد ذلك كله (¬9). # والثاني - أن يكون الوصف ممنوعا وجوده (¬10) في الفرع، وإن كان في الأصل ~~علة كقولنا: الزكاة عبادة محضة، فلا تجب على الصبي، كالصلاة. فيقول الخصم: ~~لا نسلم أن الزكاة عبادة محضة. PageV01P768 # والثالث (¬1) - المنع بزيادة وصف، كما يقول الخصم في مسألة زكاة الصبي: ~~بلى إنها عبادة، ولكنها (¬2) عبادة مالية، فلم قلت إنها لا تجب على الصبي، ~~كصدقة الفطر والعشر، بخلاف الصلاة فإنها عبادة بدنية. # والرابع (¬3) - المنع بطريق التقسيم، وذلك نحو قولهم في الثيب (¬4) ~~الصغيرة: إنها ثيب ترجى مشورتها فلا تنكح إلا برأيها، كالثيب البالغة (¬5) ~~- فتقول: برأي حاضر أم برأي مستبحدث؟ فإن قال: برأي حاضر، فلم يوجد في ~~الفرع؟. وإن قال برأي مستحدث، فلم يوجد في الأصل؟ وإن (¬6) قال بأيهما، كان ~~ينتقض بالمجنونة، فإن لها رأيا مستحدثا بزوال الجنون ولا يتوقف على رأيها. # والخامس (¬7) - منع الحكم الذي يدعيه المجيب، وذلك نحو قولهم في بيع ~~التفاحة (¬8) بالتفاحتين: إنه لا يجوز، لأنه بيع مطعوم بجنسه متفاضلا فوجب ~~أن يحرم، كما إذا باع قفيز حنطة بقفيزي (¬9) حنطة فنقول: أيش (¬10) تعني ~~بقولك: وجب أن يحرم حرمة مطلقة أم حرمة مؤقتة متناهية بالكل (¬11). فإن ~~عنيت الأول، لم (¬12) يوجد في الأصل. وإن عنيت حرمة PageV01P769 # موقته متناهية، لم يوجد في الفرع. ونحو قولهم في شراء الأب بنية الكفارة: ~~إن المعتق أب، فصار كما لو ملك بالميراث ونواه عن الكفارة - فنقول: ما حكم ~~العلة؟ إن قالوا (¬1): وجب أن لا يجوز عن الكفارة، فنقول: المذكور هو ~~المعتق والأب، وذلك لا يوصف بالجواز عن الكفارة وعدمه (¬2). وإن قالوا: وجب ~~أن لا ms375 يجوز عتقه عن الكفارة، فعندنا لا يجوز عتقه عن الكفارة. وإن قالوا: ~~وجب أن لا يجوز إعتاقه، لم يوجد في الأصل ولا يقولون (¬3) به في الفرع. # وأما ### |||| AUTO النقض # - فنحو قولهم في مسح الرأس: إنه ركن في وضوء، فوجب (¬4) أن يسن تكراره، ~~كغسل (¬5) الوجه. و (¬6) هذا ينتقض بمسح الخفين، فإنه ركن ولا يسن تكراره. # وأما ### |||| AUTO فساد الوضع # - فنحو (¬7) قولهم في مسح الرأس: إن هذا (¬8) ركن في وضوء فوجب (¬9) أن ~~يسن تثليثه (¬10) كغسل الوجه - فنقول: إن هذا في الوضع (¬11) فاسد، لأن ~~المسح يبنى على التخفيف، والتثليث من باب التغليظ، فكان اشتراط التغليظ، ~~فيما بني على التخفيف، فاسدا، ولهذا لم يسن (¬12) في مسح الخف. PageV01P770 # وأما القول ب ### |||| AUTO موجب العلة # -[ف] كقولهم: القتل العمد محظور محض، فوجب أن لا يوجب الكفارة كسائر ~~المحظورات - فنقول: إن قتل العمد لا يوجب الكفارة عندنا (¬1)، فنقول بموجب ~~ما ذكرتم، ولكن هذا لا ينفي وجود معنى آخر يتعلق به الكفارة (¬2). # وأما (¬3) ### |||| AUTO المعارضة # التي فيها مناقضة -[ف]، هي (¬4) القلب، وهو نوعان: # أحدهما - أن يجعل العلة معلولا، والمعلول علة - مأخوذ من قلب الإناء: أن ~~يجعل منكوسا، فيجعل أعلاه (¬5) أسفله، وأسفله أعلاه، كقولنا في الثيب (¬6) ~~الصغيرة: إنه يولى عليها في مالها، فيولى عليها في نفسها، كما في البكر ~~الصغيرة (¬7)، فقالوا في الأصل إنما يولى عليها (¬8) في نفسها، فيولى عليها ~~في مالها (¬9). # والثاني - وهو من قلب الشيء ظهرا لبطن، بأن يكون الوصف شاهدا عليك، ~~فقلبته وجعلته شاهدا (¬10) لك، وكان ظهره إليك فصار وجهه إليك. PageV01P771 # نظيره - قولهم: إنه صوم فرض فلا يتأدى (¬1) إلا بتعيين النية، كصوم ~~القضاء. وقلنا: صوم فرض، فوجب (¬2) أن يستغني عن تعيين النية بعد تعينه، ~~كما في صوم (¬3) القضاء بعد الشروع (¬4) إلا أن القضاء يتعين بعد الشروع ~~(¬5) وهذا يتعين (¬6) قبل الشروع، والمخلص منه هو بيان الأثر لأحد الحكمين. # وأما المعارضه الخالصة -[ف]، كقولهم في المسح (¬7): هذا ركن في وضوء فيسن ~~تثليثه، كالغسل، فنقول هذا مسح في وضوء فوجب أن لا يسن تثليثه (¬8) كمسح ~~الخف، فوقعت المعارضة، فلابد ms376 من (¬9) الترجيح (¬10). # هذه وجوه الاعتراضات الصحيحة: # وقال بعض أصحابنا رحمهم الله: إن النقض وفساد الوضع لا يرد في العلل ~~المؤثرة. وهذا ليس بصحيح، لأن المؤثر ليس بموجب العلم (¬11) قطعا، وإنما ~~يوجب علم غالب الرأي وأكبر الظن (¬12). فإذا قبل النقض PageV01P772 ### |||| CHECK الفرق بين الأصل والفرع بمعنى آخر # ظاهرا علم أنه ليس بمؤثر، و (¬1) في الحقيقة علة الشرع لا يرد عليها ~~النقض (¬2) وفساد الوضع، وإنما يرد على ما يدعيه المجيب علة. # وأما ### ||| AUTO الاعتراضات الفاسدة # [ف] لا نهاية لها: # فمنها - ### |||| AUTO إرادة الحكم مع عدم العلة # . وهو فاسد، لأن الحكم يجوز أن يثبت بعلل. # ومنها - الفرق (¬3) بين الأصل والفرع بمعنى آخر - وهو فاسد، لأن هذا شرط ~~صحة القياس، لأن القياس بين الغيرين يكون، فلابد من المفارقة من وجه (¬4) و (¬5). # والله أعلم. PageV01P773 ms377